المدينة المرصودة

المدينة المرصودة

طلب السلطان حضور كل من الوزير قيس والمقدم صلاح الكلبي بشكل عاجل لمعرفة كيفية التصرف مع علي الزيبق بعد أن كثرت ملاعيبه وحيله وآخرها تنكره في هيئة مملوك والتسلل إلى قصر الوزير قيس حيث قيده في فراشه ووضع له في مؤخرته ثمرة فجل ، ثم تسلل الزيبق إلى قصر السلطان نفسه وترك له رسالة تحت وسادته ليخبره بما حصل حتى لا ينكر الوزير ذلك أو يخفيه ، وقد حضر الوزير إلى المجلس وهو راقد على بطنه لا يقوى على الجلوس مما أثار ضحك السلطان والحاشية.

وألقى السلطان باللوم على المقدم الكلبي لعجزه عن حفظ الأمن لكن الكلبي ألقى باللوم على الوزير قيس الذي لم يستمع لنصحه حيث فعل الزيبق ذلك ردا على مهاجمة الوزير للأسواق ومحاولة القبض على الزيبق بالقوة ، وكرر الكلبي كلامه القديم وهو أن التعامل مع الزيبق يجب أن يكون بالحيلة والمكر والخديعة كما حصل من قبل مع والده حسن راس الغول ، وقال الوزير قيس أن الرأي عندي أن تنادي له في الأمان لأننا نخشى إن نحن ضاددناه بعد هذا اليوم يصير فينا أعظم من ذلك.

فأمر السلطان أن ينادى إلى الزيبق بالأمان وأن يحضر في عاجل الحال إلى الديوان فنادت المنادية بهذه المناداة وشاعت الأخبار في الأسواق والحارات ، وبلغ الزيبق هذا الخبر فدخل على والدته وأخبرها بما تجدد فقال سر يا ولدي في أمان الله ولا تخف من أحد فلبس زي المقدمين وتوجه إلى الديوان ، فلما نظر إليه قيس عرفه وقال للسلطان هذا هو الزيبق فنظر إليه السلطان وقد تعجب من فعاله نظرا لصغر سنه ، وقد سلم الزيبق على السلطان بأفصح الكلام ودعا له بطول العمر والدوام وقال له أنا عبد مولانا السلطان الذي أنعمت عليه في المقام وأرسلت له منديل الأمان.

ضحك السلطان وسمح له بالجلوس فجلس ثم عرض على الحضور تعيين الزيبق في درك السلطنة معاونا للمقدم الكلبي ، وأبدى المقدم الكلبي ترحيبه بذلك لكن طبقا للأعراف المتبعة بين الزعار والمماليك فإن الملاعيب وحدها لا تكفي لإثبات البراعة وإنما يجب على الزيبق أن يبرهن على مكانته المستحقة بالإقدام على عمل بطولي ، ثم توجه الكلبي بالحديث للسلطان واقترح عليه أن يقوم الزيبق بالسفر إلى المدينة المرصودة وإحضار (صندوق التواجيه) وأشار السلطان بالموافقة ، فلما رأى الزيبق ذلك أجابهم إلى ما طلبوا ونهض من وقته إلى الدار ليستعد لهذه المهمة.

وأخبر ووالدته بما دار في قصر السلطان فلطمت على وجهها من شدة الغيظ والغضب وقال إن المقدم ما طلب ذلك إلا ليرميه في بحر المهالك والعطب وهذه مدينة المرصودة تبعد عن مصر مسافة أربعين يوما وما قصد ذلك الصندوق أحد من الناس إلا وهلك ، وهو صندوق مركب من أربعة معادن الماس والياقوت والزمرد والفيروز قد اصطنعه أحد حكماء اليونان فكان يجلس فيه فيكشف جميع الدنيا وما فيها من الممالك والكنوز.

وحكت له والدته أن ذلك الحكيم قد بان له في الرمل أن الصندوق بعد موته سوف يقع في أيدي الناس فقصد جزيرة قريبة من المدينة المرصودة فبنى فيها قبة ووضع فيها تلك الذخيرة ثم طلسم الجزيرة بالسيوف ونصب تمثالا مسحورا من النحاس على باب المدينة ليرصد كل من يحاول سرقة الصندوق فإذا اقترب منه أحد صرخ ونبه أهل المدينة فيقبضون عليه ويقتلوه وأنا أعلم يا ولدي أنهم ما نادوا لك بالأمان إلا وقد عزموا على قتلك فارجع الآن عما أنت عازم ، عليه لكن الزيبق أجابها بأنه سيذهب في طلب هذا الصندوق ولو كان ثمنه هو الموت.

ثم إن فاطمة قالت لولدها إن كان لا بد لك من ذلك فقم وارقد هذه الليلة في مقام السيدة زينب غفيرة مصر وانذر لها نذرا لعلك أن تبلغ مقصودك فقام من وقته وسار إلى المقام وبات فيه فرأى في الحلم وهو نائم هاتفا يقول له اقطع لك يا زيبق جريدة من النخل تكون مقدار ذراعين وخذها معك في رحلتك فإنها تعينك على إبطال سحر الأرصاد ، فلما أصبح قطع جريدة من النخل ووضعها في جرابه المعروف بالحرندان وتوجه إلى والدته فأخبرها بما حدث له في مقام السيدة وودعها فبكت ودعت له بالسلامة وبلوغ الأرب.

وبعد أن أخذ الزيبق جميع ما يحتاج إليه في سفره تقلد سلاحه وسار قاصدا المدينة المرصودة ، وأما المقدم الكلبي فقد فرح جدا وعد ذلك اليوم عيدا لأنه ظن أن الزيبق لن يرجع من رحلته هذه لما يعلمه من الأخطار والمهالك التي في طريقه ، أما الزيبق فسار أياما حتى وصل إلى برية وقفرة مهلكة ونفذ ما معه من ماء حتى كاد أن يهلك عطشا ثم رأى بئر ماء تحت شجرة عالية ففرح وأيقن بالفرج ، فلما صار على فم البئر وجد حبلا طويلا لكن لم يجد دلوا ولا جرة فنزع عمامته من على رأسه وخلع حزامه عن وسطه ووصلهما ببعضهما ودلاهما في الماء ليبتلان لعله يبل ريقه.

وعندما وضع الزيبق رأسه على فم البئر نظر في الماء فرأى شبح رجلين فعلم أنه يوجد من يختفي في الشجرة وقد ظهرت خيالاتهم وقدر أنهم من قطاع الطرق وأيقن أنهم قطعوا لبدلو وكمنوا له في الشجرة حتى إذا اضطر للنزول بنفسه في البئر هبطوا عليه وأمسكوه ، عند ذلك وضع يده في الحرندان دون أن يلتفت أو ينظر إلى الأعلى وأخذ مادة (ضد البنج) ووضعها في أنفه ثم تناول سهما من النفط وخلطه في مادة مخدرة  وأطلق عليه الكبريت فصعد له دخان كثيف غطى أوراق الشجرة ثم رفع عينيه فوجد الرجلين في وسط الشجرة وقد فقدا الوعي.

ثم صعد إليهما وأوثقهما وأنزلهما إلى الأسفل وأعطاهما مادة (ضد البنج) فلما أفاقا قالا نحن في جوارك يا زيبق فسألهما أولا عن مكان الدلو فأخذه ودلاه في البئر وروى عطشه ثم قال لهما اصدقاني الخبر وإلا قتلتكما في هذه الساعة فحكيا له أن المقدم الكلبي هو الذي أرسلهما خلفه حتى يدبران هلاكه ، وكان هذان الرجلان من كبار اللصوص والأشرار وهما حسن ابن الحصري وعلي ابن البيطار وقد وعدهما المقدم الكلبي أن يرقيهما إلى مرتبة مقدمي الزعران ويفرض لهما جوامك أي رواتب جارية وأعطاهما مائتي دينار لتتبع الزيبق.

تركهما الزيبق في الوثاق وسار في طريقه مجدا السير مدة أيام حتى أقبل على المدينة المرصودة بعد نصف النهار فرأى أن يقصد الجبال المحيطة بالبلدة حتى يأتي الليل ويدخلها تحت جنح الظلام فقصد بعض الكهوف والآكام ، وعندما خرج ليلا في طريقه سمع ضجة وصريخا مرتفعا بالقرب منه ورأى نورا يشع من إحدى المغارات فقال لا بد لي من كشف سبب ذلك فسار إليه حتى وصل إلى باب المغارة وتطلع إلى ما يحدث فيها.

وجد الزيبق في المغارة جماعة من العبيد اللئام وبينهم صبية معتدلة القوام كأنها البدر التمام وهي تبكي وتتحسر ، واندهش الزيبق وتحير وقال لا شك أن هذه الصبية من بنات الأكابر وقد خطفها من بيت أهلها هؤلاء العبيد الفواجر وأتوا بها إلى هذا المكان ليبلغوا منها ما يشتهون ولا بد لي أن أخلصها من بين أيديهم وأردها إلى بيت أبيها ، ثم إنه مد يده إلى الحرندان وتناول سهما من النفط وأطلق عليه الكبريتومزجه بالمخدر ثم قذفه إلى داخل المغارة ثم سل في يده الحسام وقال في نفسه إن الذي أفلته المخدر أسقيته من كأس الحمام.

صبر قليلا ثم دخل عليهم فوجدهم مطرحين كأنهم الأموات فتقدم إلى الصبية وأعطاها مادة (ضد البنج) فعطست وفتحت عينيها ونظرت إليه وهي فزعة فقال لها لا تخافي وعليك الأمان فأخبريني عن قصتك وكيف أوقع بك هؤلاء العبيد ، فقالت له اعلم يا فتى أنني بنت ملك المدينة المرصودة وفي مدينتنا ذخيرة ثمينة صنعها بعض السحرة وقد بان أنها سوف تؤخذ على يد رجال من مصر فوضعوا تلك الذخيرة في جزيرة قريبة وأمامها تمثال مطلسم يرصد دخول أي غريب من مصر ، وفي هذا اليوم صاح التمثال فخرجت الناس جميعا من المدينة ومن جملتهم أبي ووزيره وجميع من في سرايته من الحواشي والأتباع وتخلفت أنا وحدي في القصر.

وإذا بهؤلاء العبيد قد دخلوا علي في ذلك الوقت وخطفوني وأتوا بي إلى هذا المكان بعد أن انتظروا وقوع هذه الفرصة من زمن طويل وتحققت لهم في هذا اليوم ، ولما سمعت كلامهم خفق قلبي واحترت في أمري وانقطع أملي من الخلاص  إلى أن جئت أنت وخلصتني من بين أيديهم وأنا في جوارك يا فتى الفتيان وقد صار لك علي الفضل والإحسان ومتى علم أبي بما فعلته معي من المعروف فلا بد له أن يغنيك بالأموال مجازاة على ما أبديته معي من الجميل والأفضال وتصير لك عنده المنزلة العلية وعلو الشأن وإن شئت جعلك نائبا له على بلاد السودان ، فلما سمع كلامها تعجب من هذه المصادفة وقال لها أبشري بالسلامة ولا تخافي من أحد ثم إنهما سارا سوية قاصدين البلد.

وأعجب ما اتفق أن هذه الصبية كانت من أجمل أهل زمانها وفريدة عصرها وأوانها فشاع ذكرها في جميع الأقطار وتحدثت في لطائفها ملوك تلك الديار فخطبتها الخطاب وكثرت عليها الطلاب وأبوها لا يسمح بزواجها لأنه كان يحبها ويودها وليس له من طاقة على فراقها وبعدها ، وبلغ خبرها إلى ملك السودان وكان رفيع القدر الشأن كثير الرجال والأعوان فتعلق قلبه بوصفها واشتغل فكره بحسنها وظرفها وأرسل وزيره ليخطبها من أبيها فرده خائبا فغضب وقرر سرقتها وقتل أبيها وغزو دياره.

ولذلك استدعى ملك السودان جماعة من العيارين الأبطال وطلب منهم أن يسيروا إلى المدينة المرصودةويدبرون سرقة بنت الملك بالحيلة مقابل أن يعطيهم ما يشتهون فخرجوا في زي تجار قاصدين تلك المدينة حتى دخلوها ونزلوا في بعض الخانات وأخذوا يترقبون الفرص إلى أن كان ذلك اليوم ، وكانت الضجة قد حصلت بسبب حسن ابن الحصري والذي نجا من وثاقه على يد رجال إحدى القوافل المارة بالطريق وقرر أن يتبع الزيبق في المدينة المرصودة لقتله ولم يستمع إلى نصيحة رفيقه ابن البيطار الذي قرر الرجوع إلى مصر.

وهكذا سار ابن الحصري يحاول تتبع آثار الزيبق لكنه لم يوفق بسبب اتجاه الزيبق إلى الجبال ولذا حضر عند باب المدينة المرصوده قبله بساعتين وعندها صرخ التمثال النحاسي المسحور فخرجت أهالي البلدة عن بكرة أبيها وقد علت منهم الأصوات وارتفعت الضجات ، فلما نظر حسن إلى الرجال وهم قاصدين إليه جرد في يده الحسام وهجم عليهم هجمة الأسد الضرغام وأخذ معهم في القتال والصدام وهذه الجلبة هي التي سمعها الزيبق وهو عند أطراف الجبال ، وفي هذا التوقيت هجم العبيد على قصر الملك ولم يجدوا فيه أحدا فخطفوا الصبية ووضعوها في زنبيل وأخذوها إلى المغارة فلما نظروها قالوا لبعضهم إن هذه الصبية من أجمل النساء وحدثتهم أنفسهم أن يتمتعوا بها في ذلك المكان فجعلت تبكي وتستغيث حتى أنقذها الزيبق وجرى ما كان ثم سار معها إلى المدينة.

وعندما وصل الزيبق إلى البوابة وجد الضجة لا زالت قائمة فالتفت إلى الصبية وطلب منها أن تنتظر في بستان هناك وتقدم مسرعا من البوابة فوجد ابن الحصري يدافع عن نفسه بين القوم وقد أشرف على الهلاك وكاد يقع في أسرهم ، فقال الزيبق لا بد لي من خلاصه وأنا أعلم أنه يكون لي من جملة الأصحاب فتقدم حتى قاربه وصاح في القوم ويلكم خلوا سبيل هذا الرجل وإلا فتكت بكم وجعلتكم عبرة لمن اعتبر ، ثم إنه هجم عليهم هجمة الأسد وضرب فيهم بالسيف المهند حتى تمزق شملهم وتبدد ثم تقدم إلى حسن وفكه من الوثاق فصفي قلبه واعتذر إليه وطلب منه المسامحة وأن يعفو عنه لأنه كان جاهلا بأمره فطيب الزيبق خاطره ووعده بكل جميل وتعاونا على مقاومة الرجال ، هذا وقد تجمعت عليهما الناس من اليمين والشمال وازدحم المكان من كثرة الفرسان والأبطال فخاف الزيبق لى نفسه من كثرة العدد فأعلمهم بنفسه وأخبرهم بقصة ابنة الملك وكيف كان خلاصها على يديه.

ثم قصد الزيبق إلى مكانها وأتى بها عند الملك ففرح بخلاصها وشكره على صنيعه وأرسل إلى المغارة فقبض على العبيد وساقهم إلى السجن ثم أمر الملك بحسن ضيافة الزيبق وابن الحصري فأنزلهم في مقصورة وأمر لهما بالطعام فأكلا واستراحا بعد المشقة والعناء ، وفي صباح اليوم التالي نزل الزيبق إلى ديوان الملك فاستقبله أحسن استقبال وكذلك فعل أكابر المملكة ثم أجلسه إلى جانبه وأخذ يشكره ويثني عليه واستشاره في العبيد المذكورين فطلب الزيبق حضورهم فلما مثلوا بين يديه وثب إليهم واستل سيفه وقطع أعناقهم ما عدا المقدم فيهم إذ قطع أذنه وأنفه وقال له اذهب إلى مولاك وأخبره بما جرى على أصحابك من الهوان فخرج قاصدا بلاده.

وحكى الزيبق للملك حكايته من أولها إلى آخرها وطلب من الملك المعونة للحصول على صندوق التواجيه فرد عليه الملك بأنه قد صار له عنده معروف لا ينساه حتى إنه إذا طلب منه المملكة وهبته إياها لكن هذا الصندوق الذي ذكره يصعب الحصول عليه وقد حاول ذلك قبله كثير من الناس ولم يفلحوا لكنه إكرما له سوف يسمح له بالمسير في الطريق الواصل من المدينة إلى الجزيرة التي تحوي المطلوب ، وبعد سبعة أيام خرج الزيبق راكبا على جمل باتجاه الجزيرة ومعه ما يكفيه من طعام وشراب ولم يصحب معه ابن الحصري حتى لا يقال إنه أتم مهمته بمساعدة الآخرين.

وبعد رحلة استغرقت سبعة أيام وصل إلى قرية على شاطىء البحر تقابل الجزيرة مباشرة ويمكن رؤيتها من عندها فرقد تلك الليلة في القرية المذكورة ، وفي الصباح أعطى للرجل الذي استضافه عشرة دنانير وطلب منه أن يأتي له بقارب يوصله إلى الجزيرة لأنه يريد أن يتفرج عليها ، أحضر له الرجل قاربا صغيرا يسمى الشختور واصطحبه حتى أوصله إلى ساحل الجزيرة فطلب منه الزيبق أن ينتظره وسار وحده باتجاه وسط الجزيرة فوجدها قسمين متقاربين.

وهناك رأى الزيبق سيفين يلعبان في الهواء فبهت وأخذته الحيرة فتناول حجرا وضرب به السيفين فطحناه فجلس قليلا لا يدري ماذا يعمل ، وبينما غرق في تفكيره غلب عليه النوم فنام وسمع هاتفا يقول له قم يا زيبق واضرب السيوف بتلك الجريدة التي معك فتبطل حركاتهما فقام من نومه وفك الحرندان وأخذ جريدة النخل وضرب بها تلك السيوف فبطلت حركتها من تلك الساعة وراق البحر ارتجت الجزيرة نحو خمسة دقائق ثم ساد الهدوء واختفت السيوف عن عينيه وظهر له قبة عظيمة لها باب من نحاس مكتوب عليه بماء الذهب هذا السطر (يا داخلا إلى هذا المكان ادخل وخذ نصيبك وهوو صندوق التواجيه).

فلما قرأ الزيبق هذه الكتابة تقدم إلى ذلك الباب ووضع يده عليه فانفتح له فدخل إلى تلك القبة فرأى فيها من الجواهر النفيسة ما يدهش النظر وتطلع إلى ذلك الصندوق وهو موضوع في صدر القبة فتقدم واخذه بيده ومن شدة فرحه خرج في الحال من ذلك المكان ولم يأخذ شيئا من تلك المعادن ، ولما صار خارج الباب سمع صوتا ينادي عليه فالتف فإذا حسن ابن الحصري واقف فتعجب الزيبق وسأله عن كيفية وجوده معه في الجزيرة فأخبره أنه تبع أثره في قارب دون أن يراه ثم دخل القبة بعده وحصل على جوهة ثمينة فأعجب الزيبق من هذا الأمر الغريب واستأذن منه أن يأخذ الجوهرة ليعلقها في مقام السيدة زينب فوهبه إياها ثم سارا معا وقد تصافحا وتصافيا وركبا القارب حتى وصلا إلى الشاطىء ومن هناك ركبا الجمال عائدين إلى المدينة المرصودة.

وقرب المدينة سمع الزيبق ضجة مرتفعة تدل على وجود جيش كبير حولها ونظر إلى المروج فوجدها مليئة بالخيام وأضواء المشاعل فتعجب من ذلك ، وساعده ابن الحصري في استكشاف ذلك فكان جيشا عظيما من السودان فعرف أن ملكهم قد جاء ليأخذ بثأر العيارين الذين سرقوا ابنة ملك المدينة المرصودة وهو الآن يحاصرها ، وأدرك الزيبق أن المدينة لا طاقة لها بمقاومة ذلك الجيش وتشاور مع ابن الحصري في كيفية العمل والتدبير لقتال هؤلاء العبيد الطناجير وبحث عن حيلة تجعل ملك السودان لديهم كالأسير وبعد ذلك يهون كل أمر عسير.

ثم أمر الزيبق صاحبه فأشعل النار ثم التقط من الحرندان قرطاس الصباغ فوضع منه قليلا في إناء صغير من نحاس وسكب فيها الماء وجعلها على النار قليلا حتى ذابت في بعضها ثم صبغ بها نفسه حتى صار كالعبد الأسود وقصد في الحال خيام عسكر السودان وقد جرح يده الشمال وربطها بمنديل ، ولما وصل إليهم وصار بينهم صرخ مستنجدا وادعى أنه تعرض مع رفاقه لكمين من جنود المدينة المرصودة وأن رفاقه الأربعة قتلوا ويريد أن ليبلغ الملك بما حدث ويصف له مكان الوقعة ، ثم دخل فوجد ملك السودان جالسا في صدر الصوان بوجه عبوس فحكى له قصة مختلقة فغضب غضبا شديدا وحلف بالنار أنه لا بد من قتل جميع من في المدينة ووعده أن يطيب خاطره ويزوجه في الغد بصبية من بناتهم وخرج الزيبق من عنده متظاهرا بالثناء عليه والدعاء له بالنصر وطول العمر.

ثم خرج الزيبق من الصوان وتظاهر أنه بردان فأشفق عليه الحجاب وكسوه بالثياب الثقيلة وسمحوا له بالبيات فلما استغرق الجميع في النوم قام من وقته ومد يده إلى الحرندان وأخذ مادة (ضد البنج) ووضعها في أنفه ثم تناول الماسورة وكلأها بالدخان المخلوط بالمخدر ووضعها على النار وصار ينفخ حتى صعد الدخان فتخدروا جميعا ، ثم دخل الصوان على الملك ونشر فيه الدخان حتى تأكد من تخدر الملك فأوثقه برباط شديد ولف حوله شرشفا كبيرا ثم وضعه في الحرندان وخرج به حتى وصل إلى ابن الحصري وحملاه معا باتجاه المدينة المرصودة.

وعندما وصل الزيبق بحمله إلى ملك المدينة المرصودة تعجب من هيئته وتساءل عما في الشرشف فأجابه الزيبق أنها هدية ثم كشف عن أسيره المخدر فأمر به أن يحبس ثم هنأ الزيبق على حسن صنيعه ودقت البشائر في المدينة ، وقام الزيبق بتسليم صندوق التواجيه إلى ابنة الملك لتحفظه في مقصورتها ثم بدأ يخطط للحرب مع جيش السودان في تلك الليلة وطلب من الملك أن يمده بألفين من الفرسان ليقوم بالهجوم عليهم ثم يتبعه الملك مع باقي الجيش عند الفجر.

وهجم الزيبق وفرسانه على عساكر العبيد في ظلام الليل وأظهر ما عنده من البأس والشجاعة وقوة المراس وقاتل قتال من لا يخاف الموت ، وكانت العبيد قد علمت بفقد ملكها فضعفت قوتها وانكسرت شوكتها وتبعهم ملك المدينة المرصودة فطلع عليهم النهار وقد تشتتوا في البراري والقفار ، ورجع الزيبق في المساء هو وملك المدينة إلى القصر وتم إحضار ملك السودان بين أيديهم وأعطاه الزيبق مادة (ضد البنج) فعطس وأفاق وذهل مما هو فيه من الذل والوثاق وتوسل للملك أن يطلقه واستجار بالزيبق فشفع فيه وأخذ عليه العهود والمواثيق ألا يرجع إلى فعل ذلك مرة أخرى ثم خرج مصطحبا أسرى العبيد قاصدا بلاده.

وفي الصباح طلب الزيبق من ابنة الملك أن تحضر صندوق التواجيه ليراه الملك وكبار الحاشية والأعيان فتطلعوا إليه بانبهار ودار الحديث بينهم أن الحكيم صانع الصندوق كان يصعد إلى قمة الجبل ويجلس في هذا الصندوق فيكشف جميع الدنيا وما فيها من العجائب والكنوز وتلهفوا جميعا لخوض هذه التجربة ، وفي الصباح خرج الملك والوزير زالزيبق وابن الحصري وجميع أرباب الدولة قاصدين قمة الجبل وفتحوا الصندوق وجلس كل واحد منهم بمفرده يتأمل المناظر البديعة التي أتاحها الصندوق المسحور.

انبهر ملك المدينة المرصودة وغلبه سحر الصندوق وحسد الزيبق على هذه النعمة فلما كان الليل اجتمع بوزيره وقال له كيف يمكن أن يأتي هذا المصري القادم من بلاده البعيدة ويأخذ هذا الصندوق الذي هو ميراث أبي وجدي وأنا أحق به وأريد منك أن تدبر قتل الزيبق وابن الحصري وتأخذ الصندوق ، فقال الوزير إن الزيبق بدأنا بالإحسان والجميل الذي لا يفعله خليل مع خليل فكيف يجوز لنا أن نجازيه بالقتل بعد ذلك المعروف والفضل ، فقال الملك إن لم تعمل على أخذ الصندوق ضربت عنقك فخاف الوزير وقال إن الزيبق لا نقدر عليه بضرب السيف ولكن بالحيلة واقترح عليه خدعة توقعه في القلعة القديمة لأن كل من دخلها كان مصيره الهلاك .

وكان في تلك المدينة قلعة مشهورة يقال لها القلعة المرصودة وهي قديمة البنيان ولها باب كبير من الحديد إذا قفل لا يقدر أحد أن يفتحه إلا بالمفتاح الذي له ، فلما كان الصباح دخل الزيبق ليودع الملك فاحتفل به وعظم شأنه ونظم له مسيرة وداع يطوف فيها على لطائف المدينة المرصودة ومعالمها حتى يخبر سلطان مصر عند عودته بكل ما رآه ، ودار الموكب على مناطق مختلفة حتى وصل إلى القلعة وعلم الزيبق من الملك أن بناءها كان على يد الحكيم صاحب الصندوق فوقفوا أمامها جميعا وتطلعوا إلى زخارفها القيمة ثم وصلوا إلى الباب الحديدي المغلق وأظهر الملك خوفه من الدخول لأنه لا يعلم ما يوجد خلفه.

أبدى الزيبق شجاعته ورغبته في تحدي الأخطار أمام الحضور ودخل من الباب مع ابن الحصري فأسرع حجاب الملك بغلق القفل وأخذ مفتاحه القفل ثم عاد إلى القصر واستولى على صندوق التواجيه فأدركت ابنته أن والدها رجل غدار ،  وأدرك الزيبق أنه قد وقع في الفخ لكنه تحسس طريقه في الظلام وسار مع ابن الحصري بمحاذاة الجدار حتى وصل إلى شعاع على ارتفاع عال فصعد على أكتاف ابن الحصري وإذا به يرى بابا من النحاس مطليا بماء الذهب فوضع يده على حلقة ذلك الباب ففتحه فوجد داخله مقصورة جميلة البنيان فيها سيف معلق في سقفها من أحسن ما يكون من السيوف الثمينة عليه كتابة من الزخارف الظاهرة وهي (يا داخلا إلى هذا المكان هنيت بما أعطيت وهو السيف المرصود الذي اصطنعه الحكيم فخذه واضرب فيه مهما شيت من الإنس والجن المتمردين فإنك تبلغ منهم ما تريد).

نزل الزيبق من المقصورة فاندهش ابن الحصري لمرأى السيف البراق وذلك من غرابة صناعته وحسن صورته ، ثم وضع الزيبق السيف المرصود في جرابه ونزع سيفه القديم (قصاص المداحل) وأعطاه إلى ابن الحصري ليكون معه على سبيل الأمانة لأنه قد ورثه من والده ومتى رجعا إلى مصر استرده وأعطاه سيفا خيرا منه ، وعندما دخل الليل كان الجوع والتعب قد نال منهما ولم يظهر أي أمل ثم سمعا حركة في القفل وصوت ابنة الملك تنادي عليهم للخروج بعد أن سرقت المفتاح من وادها وفتحت الباب ، وفي الصباح دخل الزيبق على ملك المدينة المرصودة شاهرا السيف المرصود والذي ارتعد الجميع لمرآه وما يشع منه من نور ، وفي لحظة واحدة هوى السيف على الملك الغدار فقتله ولما رأى الأعيان ذلك طلبوا الأمان من الزيبق فأمرهم أن يرفعوا ابنة الملك على العرش مكان أبيها فوافقوه.

وأقام الزيبق عند الملكة الجديدة ثلاثة أيام ثم عزم على الرحيل إلى بلاده فقال له إنني لا أقدر أن أكافئك على ما فعلته معي من الجميل والإكرام بشيء من المال والإنعام لأنك خلصتني من الأسر والأضرار وحفظت بلادنا والديار وبعد ذلك كله نحن ما لنا عليك منة ولا أفضال وأنا أعرض حالي عليك فإن شئت تتزوج بي وتكون أنت الحاكم على هذه البلاد والأطلال ، فقال لها لا يمكنني فرقة أمي والأوطان وأنت قد صرت بعهد الله أختي من الآن وأنا لا بد لي من الرحيل نهار غد ، فأحضرت له صندوق التواجيه فخرج به في الصباح وخرجت الملكة والحاشية والأعيان والأتباع لوداعهم  وسار قاصدا بلاده في فرح وأمان.

طوى الزيبق المراحل والقفار وجد السير في الليل والنهار حتى بقي بينه وبين مصر مسافة ثلاثة أيام فأرسل ابن الحصري يسبقه ليبلغ السلطان وكتب معه كتابا بذلك فلما تسلمه السلطان وقرأه فرح بذلك وأكرم ابن الحصري غاية الإكرام وأرسل في طلب المقدم الكلبي وأمره أن يخرج إلى ملاقاته ببيرق الزعر ويكون في صحبته اثنا عشر ألف من الزعران ، فلما سمع الكلبي بقدوم الزيبق كادت أن تنفطر مرارته من الحسد وعلم أن مقام الدرك قد نزع منه غير أنه أظهر السرور وخرج امتثالا للأمر السلطاني.

وأمر السلطان المنادية أن تنادي في الأسواق بقدوم الزيبق من السفر وأنه قد جاء بصندوق التواجيه الذي لا يوجد مثله عند سائر الملوك فخرجت الناس مع المقدم الكلبي إلى ملتقاه وقد سرهم هذا الخبر ، ولما التقى بالزيبق هنأه على عودته سالما لكنه في الحقيقة كاد أن يفقع من الغيظ فشكره الزيبق وأثنى عليه وعلى من معه من المقدمين والزعران.

وكان لقدوم الزيبق يوم عظيم لم يحدث مثله في جميع ديار مصر فضربت الطبول وخفقت الأعلام ولما وصل إلى الديوان خرجت إلى لقائه جميع السادات والأعيان ثم دخل على السلطان وقبل الأرض بين يديه وقدم له الصندوق المسحور فتعجب لمرآها لأنها كانت أعجوبة للناظرين ، ثم أمر له بالجلوس وأخذ يسأله عن حكايته وما لاقى في سفره فأخبره بجميع ما جرى وأطلعه على ما مر به من أهوال فهنأه بالسلامة وقال له أنت عين هذه الديار وسيد العياق والشطار ولا يقدر على مقاومتك أحد من الشجعان ولك عندنا العز والشان وعلو المنزلة ورفعة المكان ، ثم التف السلطان إلى المقدم الكلبي وقال له قد جاء الشاطر علي بالمطلوب الذي صار عليه الكلام فقم الآن وسلمه المقام.

وهكذا انتهت حكاية المدينة المرصودة وما جرى فيها من أهوال ومغامرات خاضها علي الزيبق بشجاعته وإقدامه وعاد منها فائزا منصورا ليتولى المقام العالي وهو كرسي مقدم درك السلطنة ليحكم بين الناس بالعدل والإنصاف ويقيم في البلاد الأمن والأمان فسعد الناس به وعاش أيامه حميدا سعيدا.

(قصة المقدم علي الزيبق للحافظ الكامل المصري).