
دولة النساء
لا شك أن التراث العربي قد حفل بألوان متنوعة من الفنون والآداب تتناول موضوعات الحياة المختلفة وطبيعة المعيشة في البادية والأمصار والتي احتلت المرأة فيها مكانة مميزة في النثر والشعر ومن ثم في الوجدان الجمعي ، ومن أهم الكتب التي تناولت هذا الموضوع كتاب (دولة النساء .. معجم ثقافي اجتماعي لغوي عن المرأة) من تأليف الأديب والكاتب عبد الرحمن البرقوقي مؤسس مجلة البيان ورئيس قلم المراجعة بمجلس النواب والذي ولد في منية جناج بمركز دُسُوق عام 1876 م وتوفي بالقاهرة عام 1944 م.
تلقى تعليمه بالأزهر ودرس على يد الشيخ محمد حبيب الله الشِّنقيطي والشيخ سيِّد المَرصَفي لكنه تأثر بشدة بالإمام محمد عبده الذي كان ممَّن أثَّروا في تفكيره واتجاهاته في ميدان الأدب والبيان وتوثقت صلته به وأهدى إليه كتابه (حضارة العرب في الأندلس رسائل تاريخية في قالب خيالي بديع) والتي تخيل فيها أنه رحالة من الزمن الماضي كما كتب عنه فصلا بعنوان (مأدبة جامعة في قصر الشيخ محمد عبده بالجنة) وذلك في روايته البديعة (الفردوس) التي تخيل نفسه فيها في الآخرة على غرار رسالة كتابات المعري ودانتي.
وابنه هو الفيزيائي محمد عاطف البرقوقي مفتش العلوم في وِزارة المعارف المصرية وصهره زوج أخته الأديب مصطفى صادق الرافعي والذي عاونه في مجلة البيان الثقافية التي أصدرها عام 1910 م ، وبعد احتجاب المجلة عيَّنه سعد زغلول رئيسًا لقلم المراجعة اللغوية لمضابط البرلمان بمجلسَي الشيوخ والنوَّاب تقديرًا لشخصيَّته ومكانته الأدبية ، وقد شهد له المازني في نعيه بالفضل فقال: ” رحم الله البرقوقيَّ قضى نَحْبَه في جيل أكبرُ الظنِّ أنه لا يعرفه معرفتَه وقد كان في زمانه من أعيان البيان وأقطابه وأعلامه بل كان يمثِّل عهدًا من عهود الأدب “.
وقد ترجم له الزركلي في كتابه الأعلام فقال : ” عبد الرحمن بن عبد الرحمن بن سيد بن أحمد البرقوقي .. أديب مصري ولد في منية جناج (مركز دسوق بالغربية) وقرأ في الأزهر على الشيخ المرصفي واستفاد من دروس الشيخ محمد عبده ، وأصدر مجلة (البيان) شهرية سنة 1910 م فكانت صحيفة أدباء مصر العقاد والمازني وشكري والسباعي وغيرهم وكان كثير العناية بجودة العبارة وجزالة الأسلوب ، أضاع ماله في مجلته.
يصفه عارفوه بإمتاع الحديث وأنس المجلس ، وله تآليف، منها شرح ديوان المتنبي وشرح ديوان حسان ودولة النساء (معجم ثقافي) والذاكرة والنسيان ، واختار مما استجاد من أدب العرب مجموعة سماها الذخائر والعبقريات (جزان) وديوان الأدب والفردوس المفقود وشرح تلخيص المفتاح وحضارة العرب في الأندلس “.
وقد كتب ابنه شرحا لظروف تأليف الكتاب ومحتوياته وذلك في مقدمته فقال : ” هذا الكتاب .. أعتبر هذا الكتابَ يَتِيماً كالابن الذي يَظْهَرُ في الحياة بعد وفاةِ أَبِيهِ وَكَمْ في التاريخ من عظماءِ الرّجالِ مِمَّنْ لَمْ يروا آبَاءَهُم إطلاقاً وكأنَّ هذا اليُتمَ المُبَكِّرَ يُحَفِّرُ النَّاسَ على العِنايَةِ بِمِثْل هَؤُلاءِ الأَبْناءِ ، وَهَذَا الْكِتَابُ العَظِيمُ قَدْ فَقَدَ عنايةَ مُؤَلِّفِهِ بَعْد إتمام تألِيفِهِ وَقَبْلَ إِتمَامِ طَبْعِهِ وَظُهُورِهِ وَلا غَرْوَ فَقَدْ أَخَذَ مِنْ مَجْهودِ المُؤَلَّفَ وَعُصَارَةِ أَفْكَارِهِ وخُلاصَةِ تجارِبِهِ وَنِتاجِ اطلاعِهِ فِي سِنْهِ الناضِجَةِ بعد إحالته على المعاش ما جَعَلَ المَوْتَ يَخْتَطِفُهُ وهو فِي أَتَمَّ صِحْتِهِ رَغْمَ تَقَدُّم سِنْهِ واختارَهُ المَوْتُ وهو في أَوْج قُوَّتِهِ ، وَلَكِنَّهُ المَجْهودُ الَّذِي أَفَرَغَهُ في تأليف هذا الكِتاب هُوَ الَّذِي أَنْهَكَ قُواهُ وَكَانَتْ إِرَادَةُ اللهِ ولا رَادٌ لِقَضائِهِ إِذْ تُوفِّي فَجْأَةٌ يوم يونيو/ حزيران سنة ١٩٤٤م وفي يَدِهِ الصَّفحات الأُولى المطبوعة من الكتاب.
وهذه الحالُ حَفَزَتْنا للعناية بإخراج هذا الكِتابِ إِلَى حَياةِ الأَدبِ ، وليس لَنا فَضْل في ذلك يُذْكَرُ فقد قَضَى اللهُ ولَطَفَ إذ لم يَتَوَفَّ المؤلَّفَ إِلا بَعْدَ إتمام التأليف فما كانَ مِنَّا إِلا مُراجَعَةُ المَطبوع على الأُصولِ والعِنَايَةُ في ذَلِكَ أَيَّما عناية حتى نَقُومَ بِبَعْض الواجب من الوَفَاءِ لِلمُؤَلَّفَ وَلِلْقُرَاءِ والبَلادِ العربية وَلِلْمَلِيكِ المُفَدَّى فاروق الأول ملك مصر حَفِظَهُ اللَّهُ وَأَدامَهُ ، والكِتابُ كما يَتَّضِحُ من اسْمِهِ مُؤَلَّفٌ يَحْوي بين دُفَّتَيْه كُلَّ مَا قِيلَ عن المَرْأَةِ من أقوالِ البُلغاءِ وَالمَسْتَجادِ مِنْ نَظْمِ الشُّعراء وما نَطَقَ به الفلاسِفَةُ والحكماء وما وَرَدَ في القرآن الكريم أَوْ سُمِعَ من أحاديثِ الرَّسُولِ العَظِيم.
وقَدْ جَمَعَ فَأَوْعَى وَلَمْ يَتْرُكْ شارِدَةً ولا وارِدَةً إِلَّا أَحْصاها وَجَعَلَها في المَوْضِع اللائق بها وتجد فيه وصف المرأة من حَيْثُ مركزها وجمالها وملاحتها وخُلُقُها وفِتْنَتُها بل وَقُبْحُها ودَماثَتُها وما جاءَ في خُلُقِهِنَّ من وصْفِ الكَيْدِ والمَكْرِ والزَّهْوِ والبُخْلِ والحَياءِ والخَفَرِ وأحكام الزواج والطلاق والغيرة والتَّدَيُّثِ وما إلى ذلك من النواحي المُخْتَلِفَةِ لِدِرَاسَةِ المَرْأَةِ ، فلا غَرْوَ أن جاءَ بَعْدَ ترتيب أبوابه وشَرْحِ العَامِضِ من كلامه والمُبْهَمِ من عباراته آيَةً في البلاغةِ ومَرْجِعاً للأدباء والمُتَأَدِّبين وَسَلْوَةَ العاشقين والمُسْتَشارَ الأمينَ للرَّاغِبينَ في الزَّواج بَلْ مَرْجِعاً لِكُلِّ قارىء وقارئة ، وَإِذا كانَ النَّاسُ رِجالا ونساءٌ وَبَنِينَ وَبناتٍ وَما الحياةُ إِلا تَعاوُنٌ بين الجِنْسَيْنِ فلا غَرْوَ إِذا كانَ هَذا الكِتابُ لِلْجَمِيعِ يَقْرَؤُهُ الرَّجُلُ لِيَعْرِفَ شَرِيكَةً حَياتِهِ وتَقْرَأَهُ المَرْأةُ لِتَعْرِفَ آراءَ شَرِيكها فيها وَإِذا كانَتِ الحياةُ نتيجةَ كانَتْ حياةً سَعِيدَةٌ لِلْجَمِيعِ.
وَإِنَّني أُقدِّمُ وافِرَ الشُّكْرِ لِحضراتِ الأَساتذة محمود سيد أحمد الشريف مدرّس أوّل اللغة العربية بالمدرسة التوفيقية شُكراً جزيلا والأستاذ عبد الله أبو حامد مدرس اللغة العربية والأستاذ إسماعيل محمد حسنين مدرسي العربية بالمدارس الثَّانَوِيَّة على ما قاموا به من مراجَعَةِ أُصولِهِ وضَبْطِ ما لا بُدَّ من ضَبْطِهِ ، وقد كان الأَوَّلُ في كثير من الأخوال يضْطَرُّ إلى الرجوع إلى المراجع الأصلية التي أشار إلَيْها المؤلِّفُ فكانَ مَجْهودُهُ مشْكُوراً وهكذا تَمَّ إخراج هذا الكتابِ العَظِيمِ إِلَى الحَياةِ لِلنَّاسِ أَجْمَعِينَ.
وَبَعْدُ ، فيا أيها الوالد العزيز ! ويا أَيُّها المؤلفُ النابغة القدير ! طِبْ نفْساً وَنَمْ في رَمْسِكَ هادئاً فقد تَمَّ ما أَرَدْتَ مِنْ إخْراجِ هذا الكِتابِ ، وكَم كانَتْ نَفْسُكَ عاليةً وآمالكَ واسِعَةٌ ولَكِنَّها إرادَةُ اللهِ ولا رَادَّ لِقضائِهِ وَإِنَّ ما أَخْرَجْتَهُ من مُؤَلَّفاتٍ قَيْمَةٍ لَهِيَ من مفاخِرِنا بل مِنْ مَفاخِرِ أُسْرَةِ البَرْقُوقي بأجْمَعِها بل من مفاخر مِصْرَ بِأَجْمَعِها يُعْجَبُ بها بلاد العُروبَةِ كُلُّها وَلْيُنْزِلْكَ اللهُ منازِلَ المُتَّقِينَ الأَبْرار جزاءً ما أَدَّيْتَ للأَدَبِ والعِرْفانِ من خدمات ، القاهرة في يونية / حزيران سنة ١٩٤٥م محمد عاطف البرقوقي نَجْلُ المؤلف وناظر المدرسة التَّوْفِيقِية “.
وقد كتب عنه زوج ابنته الأستاذ إسماعيل محمد حسنين في مقدمة الكتاب فقال : ” حياةُ المُؤَلِّفِ : المرحوم الأستاذ عبد الرحمن البرقوقي ١٢٩٣ – ١٣٦٣ هـ = ١٨٧٥ – ١٩٤٤ م ، نسبه : هو عَبْدُ الرَّحمن بنُ عَبْد الرحمن بن سيد أحمد بن سالم البَرْقُوقي ، وكان سالِم البَرْقُوقي – رأسُ الأُسْرَةِ البَرْقُوقِيَّةِ – معاصِراً لِوالِي مِصْرَ مُؤَسِّس الأُسْرَةِ العَلَوِيَّةِ المَلَكِيَّة المغفور له مُحمَّد عَلي باشا وَكَانَتْ جُرْأَتُهُ وشَجَاعَتُهُ مَضْرِبَ الأَمْثالِ حَتَّى أَنَّ الوَالِي العَظِيمِ أُعْجِبَ بِه أَيَّما إِعْجَابٍ .
وقد جاءَ ذِكْرُ البَرْقُوقي في كِتابِ الجَبَرْتي جزء ثالث بِصَدَدِ الْكَلَامِ عَنْ رَجُلٍ مِنَ الأُسْرَةِ أَسْمُهُ محمد البَرْقُوقي مِنْ أَنَّهُ كان عالِماً وَاكْتَسَبَ شُهْرَتَهُ بِأَنْتِمَائِهِ لِتِلْكَ الأُسْرَةِ ، وَاخْتَلَفَ المُؤَرِّخُونَ فِي أَصْلِ البَرْقُوقي فَقَالُوا : إِنَّهُم مِنْ أَصْلٍ تُرْكِيَّ أَوْ مِنْ أَصْلٍ عَرَبيٌّ وَلَمْ يُرَجّحوا ناحِيةٌ على أُخْرَى وَعَلى كُلٌّ فَهِيَ أَسْرَةٌ مشهورَةٌ نابِهَةُ الذِّكْرِ سامِيَةُ المَنْزِلَةِ بِبَلْدَةِ مُنْيَة جَناح من أعمال مَرْكز دُسُوق بمديريَّة الغَربيَّة أَنْجَبَتِ الفطاحلَ مَنَ القُضاةِ والمُسْتَشارِين وَالأفذاذ الأطباء والمُهَنْدِسين والعَباقِرَةَ مِنَ المُحامِين والمُرَبِّين ، وقَدْ أَنْجَبَ الأستاذُ عَبْد الرحمن أنجالاً هم الأساتذة بَهِي الدين وعاطف وعَبْد المنعم وكَرِيمَتَيْن.
حياته : دَرَجَ المؤلف في كَنَفِ أَبَوَيْن عَظِيمَيْن تَلُوحُ عليه مخايِلُ الذَّكَاءِ وَيَبدُو وله وعدُ السَّحابة بالرَّوَى فَانْتَظَمَ في عِقْدِ طَلَبَةِ الأَزْهَرِ الشَّرِيفِ مُتَعَطِّشاً لِلْعِلْمِ وَالأَدَبِ مُرْتَقِباً أَنْ يَبُلُّ أُوَامَهُ فَنَهَلَ من ينابيع العالِمِ التَّبْتِ الشَّيْحَ مُحَمَّدِ محمود بن أحمد بن محمد التُرْكُزِيَّ الشَّنْقِيطِيّ ١٣٢٢ هـ = ١٩٠٤م المَشْهُورِ بِابْنِ السَّلامِيدِ والعالم الحجة الشيخ سيّد بن علي المَرْصِفِي ۱۳۱۷ هـ = ۱۹۰۰ م ، وكانَ الأُستاذ الإمامُ الشَّيْخُ محمد عبده ١٢٦٦ – ١٣٢٣ هـ = ١٨٤٩ – ١٩٠٥ ممِن الْأَئِمَّةِ الَّذِينَ أَثَرُوا فِي مَناحِي تَفْكِيرِهِ ونَزْعاتِهِ الحُرَّةِ المُتَوَثَّبَةِ وَاتِّجاهاتِهِ الطَّامِحَةِ الطَّلِيقَةِ فِي مَيْدَانِ الأدب والبيانِ.
وَجَدَ فيه الأستاذ الإمامُ تِلْمِيذاً نابها لامِعَ الذَّهْنِ مُتَوَفِّجَ التَّفْكِيرِ وَأَلْفَىٰ فِيهِ تُرْبَةٌ خَصْبَةٌ لِبَذْرِ مَبَادِئِهِ العَالِيَةِ وَغَرْسِ مُيُولِهِ الفَيَّاضَةِ بِالخَيْرِ فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِ وَأَدْنَاهُ إِلى مَجْلِسِهِ وَسَكَبَ عليه من عِلْمِهِ الفَيَّاحِ أَلْواناً رَاهِيَةً وَأَضْفَى عَلَيْهِ من أَدَبِهِ اللَّمَّاح ضُرُوباً مُشْرِقَةٌ وعَكَفَ يُشَجِّعُهُ وَيَرْسُمُ له المُثْلَ العُلْيا حَتَّى زَكا في نَفْسِ الأُستاذ البَرْقُوقِي ذَلِكَ النَّبْتُ وَأَيْنَعَ وَنَمَا فِي قَلْبِهِ ذَلِكَ الغَرْسُ وَتَرَعْرَعَ وَتَفَتَّحَ ذِهْنُهُ عَنْ أَكْمَامِ الزَّهْرِ وَأَنْتَجَتْ فَرِيحَتُهُ أَبْهَى الثَّمَرِ فَأَمْتَصَ النَّاسُ رَحِيقَ زَهْرِهِ وطَعِمَ النَّاسُ خُلاصَةَ ثَمَرِهِ وَأَنْكَبَّ النَّاسُ على نَمِيرِهِ الصافي يَنْهَلُونَ وَيَعُلُّونَ فقد كَانَ لَذَّةٌ للشَّارِبِينَ.
مجلة البيان :آثَرَ الأُستاذُ البَرْقُوقِيُّ أَنْ يَخُوضَ لُجَّةَ الحياةِ مُزَوَّداً بتعاليم الإمام العالية فَصَحَ عَزْمُهُ على إصدار مجلة البيان وكانَ العَدَدُ الأَوَّلُ مُصَدَّراً بكلمةٍ من الأستاذ الإمام إلى تِلْمِيذِهِ عَبْدِ الرحمن البَرْقُوقي ، وتُعْتَبَرُ البيانُ بِدُونِ شَطَطِ ولا مغالاة فتحاً جَدِيداً في عالم الصَّحافَةِ وَالَّتي كَانَتْ مَثَابَةٌ لِعُشَّاقِ الأَدَب السامي ومَدْرَسةً حَدِيثَةٌ لِلْحانِينَ على الفَنِّ الرَّفِيع اسْتَقْبَلَتِ الحياةَ رَانِيَةً إلى الأُفُق البَعِيدِ بِعَيْنِ فِيها الأَمَلُ الدَّافِقُ مُسْتَمِدَّةَ القُوَّةَ مِنَ اللَّهِ وَمِنْ مُنْشِيْهَا الَّذِي تَعَهَّدَهَا لَدِنَةَ العُودِ لَيَّنَةَ الأَعْضاءِ.
وما عَتَمَتْ أَنْ أَصْبَحَت تَزْخَرُ بِفَيْضِ الثقافاتِ المُخْتَلِفَةِ وتَمُوجُ بِعَبْقَرِيَّاتِ التَّفْكِيرِ المُتَبَابِنَةِ وَتَتَلاطَمُ بمَا أَنْتَجَتْهُ عُقولُ أُدباء الغَرْب وَعُصارَةُ أفكارِ أُدَبَاءِ الشَّرْقِ وَأَصْبَحَتْ مَيْداناً رَحِيباً فيه فُسْحةٌ للكاتبينَ وَالمُتَأَدِّبين ، فلا بِدْعَ أَنِ اجْتَذَبَتْ إِلَيْها رجالاتِ الأَدَبِ وَقادَةَ التَّفْكِيرِ فِي مِصْرَ الَّذِينَ تَصْبُو نُفُوسُهُم إِلى جَوِّ حُرٌ خالِص من العُقْمِ والإِسْفَافِ والذين يَتَرقَبُونَ في لَهْفَةٍ مُوَجِّهاً الوِجْهَةَ الصَّحِيحَة وَيَأْخُذُ بِيَدِهِم إِلى التَّفْكِيرِ السَّلِيم وَالَّذِينَ يَتَطَلَّعُون إلى بِيئَةِ نَقِيَّةِ مِنَ الشَّوائِب يَنْطَلِقُونَ فِيها شَادِينَ صَادِحِينَ يَسْتَلْهِمُونَ مِنْ عالَمِها الْكِتَابَةَ الحَيَّةَ النَّاصِعَةَ وَيَسْتَوْحُونَ من وَادِيها الأَدَبَ الصَّافي الجميل.
اسْتَقْبَلتْ مجلة البَيانِ الحياة سنة ۱۹۱۱م لَتَمْلاً تِلْكَ التَّغْرَةَ الشَّاعِرَةَ التي عَزَّ على مُنْشِتِها أَن يراها فكانَتْ نَواةً صالِحةً لِنَهْضَةٍ فِكْرِيَّةٍ شامِلَةٍ وَأساساً مُبارَكاً لِذَلِكَ الصَّرْحِ الشَّامِحَ الَّذِي سَمَقَ بُنْيَانُهُ فِي دُنْيا المجلات ، وَأَبَتْ تِلْكَ المُجَلَّةُ الَّتِي أَسْتَوَتْ على سُوقِها وَأَعْتَدَلَتْ على عَرْشِها تُؤَدِّي رسالتِها في غَيْرِ نَقْصٍ وَتُزْجِي لِلنَّاطِقِينَ بالضَّادِ أَزاهِيرَ مِنْ مُتَعَ العَقْل في غَيْر وَنَى ولا تَقْصيرٍ وَتُنْحِفُ العربيَّةَ بِأَكاليلَ مِنْ مَجْدِ الفِكْرِ وَتَعْقِدُ على هَامَةِ الأَدَبِ أَلْوِيَةٌ مِنَ البَحْثِ المُسْتَفِيضِ وَاسْتَمَرَّ بها الحالُ وَأَنْهارُها تَفِيضُ بِأَمْواجِهَا وَالنَّاسُ مِنْ جَوانِبها يرْتَشِفونَ رُضابَها والأَيَّام تَتَصَرَّمُ من حَوْلها حتى سنة ١٩٢٣م .
وَلَعَلَّ الدَّهَشَ يَسْتَوْلِي عَلَيْكَ – سَيِّدي القارىء – بَلْ وَلَعَلَّكَ تَجْزَعُ إِشْفَاقاً على تَوارِي المجلَّةِ القَوِيَّةِ النافِعَةِ وأَحْتِجاب ذلك السراج الوهَّاج الَّذِي طالما أَلْقَى الضّياءَ في طَرِيقِ الظَّامِئينَ إِلى الأَدَبِ الرّفيع ! وَلَكِنْ مَاذَا أَقولُ ؟ ماذا أَقولُ فِي بَحْرٍ يَصْفُقُ آذِيهِ وَتَصْحُبُ أَمْواجُهُ ثُم يُوسم بالانحسار ؟! إِنَّ الفَقِيدَ – تَغَمَّدَهُ اللهُ بِرَحْمَتِهِ كَفَاءَ صَنِيعِهِ – بَذَلَ عَلَيْهَا مِنْ ذَاتِ نَفْسِهِ وَيَدِهِ أكْثَرَ ما يَمْلِكُ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْها لَحِزاً شَحِيحاً بَلْ كَانَ سَمْحاً جَواداً حَتَّى نَضَبَ المَعِينُ أَوْ كادَ فَأَمْسَكَ كارِها وَقَبَضَ يَدَهُ بِرغْمِهِ وَمَنَحَها إجازةً راجياً ألا تكون طويلَةَ الأَمَدِ وَأَعْطاها استجماماً مُؤَمِّلًا أَلَّا يَكُونَ إِلَى الأَبَدِ.
الفقيد بالبرلمان : تَتَبَّعَ المَغْفُورُ لَهُ الخالِدُ الذِّكْرِ سَعْد زغلول باشا بالإعجاب والتقدير نشاط الفَقِيدِ وَعَمَلَه الَّذِي لا يَخْبُو أَوارُهُ ولا يَنْطَفى لَهِيبُهُ وَمَجْهودَهُ الذِي يَشْبُّ ضِرامُهُ فلا تَهْبِطُ وَقْدَتُهُ ولا يَبْرُدُ سَعِيرُهُ وَوَطَنِيَّتَهُ الخالِصَةَ النَّقِيَّةَ الخَالِيَةَ مِنَ الأَغْرَاضِ الَّتِي لم تُغْرِها وَلَمْ تُحَوِّلُها عَنْ طَرِيقِها شَتَّى العُرُوض والإغراءات فَأَكْبَرَهُ في نَفْسِهِ وَأَحَلَّهُ مِنْ قَلْبِهِ مَكاناً عَلِيّاً.
وَرَأَى بِثَاقِبِ فِكْرِهِ وَنَفَاذِ بَصِيرَتِهِ أَنَّ الأَسْتاذَ البَرْقُوقِيَّ خَيْرُ هَدِيَّةٍ تُسْدِي إلى الْعَرَبِيَّةِ في البرلمان (المجلس النيابي) أَجَلَّ خِدْمَةٍ وَأَكْرَمَها فَعَيَّنَهُ بِمَجْلِس الشيوخ سنة ١٩٢٤ م ثُمَّ نُقِلَ إلى مَجْلِسٍ النوَابِ رَئِيساً لِقَلَمِ المُراجَعَةِ سنة ۱۹۳۱م فَاضْطَلَعَ بِالعِبْءِ فِي المَجْلِسِين على خَيْرِ ما يَكُونُ وَنَهَضَ بِالحِمْلِ عَلَى أَعْظَمِ ما يَنْهَضُ بِهِ رَجُلٌ وَمَا أَنْفَكَ يُوالِي في ناحِيَة المُراجَعَةِ اللُّغَوِيَّةِ لِمَضابِطِ البَرْلمان في دِقَةٍ وَإِخْلاصِ وَيُعالج ما أَسْئِدَ إِلَيْهِ فِي مُتَابَرَةٍ وَجِدٌ حَتَّى أُحِيلَ إلى المعاش سَنَة ١٩٤٠م.
أخلاقه : الخُلُقِ الرَّضِيُّ وَالنَّفْسُ الصَّافِيَةُ وَالشَّيَمُ العالِيَةُ وَالمَناقِبُ السَّامِيَةُ ؛ كُلُّ أُولَئِكَ كانَ مُمَثَلًا في الفَقِيدِ الأُسْتاذ عبد الرحمن البَرْقُوقي .. هذا إِلى أَنَّهُ حادَّ الذَّهْنِ حاضِرَ البَدِيهَةِ مُتَفَطَّناً إلى الدَّقائِقِ التي لا يَتَفَطَّنُ إِلَيْهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ مُرْهَفَ الحِسَ تَامَّ الذَّوْقِ صَادِقَ العَاطِفَةِ شَهِيَّ الحَدِيثِ خَفِيفَ الرُّوحِ شَدِيدَ التَّواضُع يَميلُ إلى المَرَحِ وَلِذَلِكَ كانَتْ مجالِسُه تَفيضُ أُنساً وَبَهْجَةً وتَشِيعُ فِيهَا الغِبْطَةُ وَالسُّرُورُ.
مؤلفاته : نَشَأَ الأستاذ البَرْقُوقِيُّ مَطْبُوعاً على الأَدَبِ نَزَّاعاً إِلَى العَمَلِ المُنتج المُفيد فلم تَصْرِفْهُ زَحْمَةُ الحياةِ وَمَشاغِلُ الدُّنْيا عَنِ النّتاجِ الفِكْرِيِّ المُهَذَّبِ الأَنيقِ وَالتَّوَالِيفِ البارِعَةِ القَيِّمَةِ الَّتِي تُسْلِكُهُ في غَيْرِ تَزَيْدٍ وَلا سَرَفٍ فِي عِدادِ الرَّعِيلِ الأَوَّلِ من المُؤَلَّفَينَ وتَنْظِمُهُ في غَيْرِ عُجْبٍ ولا مَخِيلَةٍ فِي عِقْدِ الأُلَى الَّذِينِ أَتْحَفُوا العَربيَّةَ بِكَثِيرٍ مِنْ أُمَّهَاتِ الكُتُبِ وَكَانَ شَغَفُهُ بِحُبِّ الاطلاع نَمُوذَجاً حَيّاً لِلْعَمَلِ المُثْمِرِ وَعُكُوفُهُ عَلَى القِراءَةِ الكَثِيرَةِ طرازاً فَذَاً في الصَّبْرِ وَاللُّغُوبِ وَتَوَفُرُهُ على الدَّرْسِ وَالبَحْثِ عُنواناً صريحاً لِفُحولِ الأُدَبَاءِ.
تَجِدُهُ قارئاً في كُلِّ لَحْظَةٍ مِنْ لَحَظاتِ النَّهَارِ وَقِسْطِ مِنَ اللَّيْلِ غَيْرِ يَسِيرٍ لا يَكِلُّ ولا يَمَلُّ وَلا تَفْتُرُ عَزْمَتُه ولا تَضْمَحِلُّ بَلْ كُلَّما أَمْعَنَ في القِراءَةِ ازْدَادَ تَوَثُباً وَنَشاطاً وَتَأَلَّقَ ذِهْنُهُ صَفاءٌ وَنَقاءَ تَزورُهُ صَباحاً وَتَغْشَى مَجْلِسَهُ مَساءً فلا تَجِدُ إِلَّا جَمْهَرَةً مِنَ الْكُتُبِ تُحِيطُ بِهِ وَبَحْراً صَاغِباً مِنَ المُؤَلَّفَاتِ تَغْمُرُهُ وَإِلَّا عَيْناً يَقْضَى لا تَكادُ تَرْتَفِعُ عَنْ أَسْطُرِ مِنْ كِتَابٍ حَتَّى أَنَّهُ بَعْدَ أَنْ أُحِيلَ إِلى المَعاشِ اسْتَمَرَّ فِي دُؤوبِهِ وَرَأَى الْفُرْصَةَ مُواتِيَةٌ وَالطَّرْفَ سَانِحاً لإرضاء هِوَايَتِهِ كَامِلَةً وَإِشْبَاعِ مُيُولِهِ فِي القِرَاءَةِ وَمُواصَلَةِ التَّأْلِيفِ.
فَهَلْ مِنَ البِدَعِ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ نَراهُ وافِرَ النّتاج تاركاً لنا ذلك التراث الأدبي الخالد من تأليفه ؟ وَهَلْ مِنَ الغَرَابَةِ أَنْ نَجِدَ لَهُ تِلْكَ الثَّرْوَةَ العِلْمِيَّةَ الصَّالِحَةَ مِنْ فَنْهِ العَظيمِ ؟ إِنَّهُ خَلَّفَ وَراءَهُ مَجْداً أدبياً عِلْمِيّاً يُسَجِّلُ لَهُ أَنْصَعَ الصَّفحاتِ في الخالدين ! ، أَقَرَأْتَ لَهُ شَرْحَ ديوان المُتَنَبِّي في أَرْبَعَةِ أجزاء ذلك الشَّرْحُ الذي طالما تَغَنَّى به المُتَأَدِّبون وَشَدا بِهِ المَعْنِيُّونَ بِبُلْبُلِ سَيْفِ الدَّوْلَةِ الصَّدَّاحِ ؟ وَهَلْ أَسْعَفَتْكَ الأَيَّامُ فَقَرَأْتَ لَهُ حضارَة العَرَبِ فِي الْأَنْدَلُس أَوْ شرح دیوان حسان بن ثابت أَوْ شرح التلخيص في علوم البلاغة أو أسهل المسالك في فقه الإمام مالك أو الفردوس أو سياحة في الآخرة الذي يُعْتَبَرُ بِحَقِّ فَرِيداً في نَوْعِهِ عَظِيماً في بابِهِ يَتَرَسَّمُ خُطا المَعَرِّي في رسالة الغُفْرانِ ودانتي في الكوميديا المُقَدَّسة وَإنْ كانا يَصِفانِ الجَحِيمَ وَهُوَ يَجُولُ فِي الفِرْدَوْسِ المُقِيمِ ؟
وَهَلْ قَرَأْتَ لَهُ الدَّخائِرِ والعَبْقَريات في جُزْأَيْن ذَلِكَ المُؤَلَّفُ الَّذِي جاءَ كالدُّرَّةِ الفَرِيدَةِ تَفْصِلُ بَيْنَ ذَهَبِ القِلادَةِ وَالَّذِي تَرَى فِيهِ الطَّمَ وَالرِّمَّ مِمّا يَنْقَعُ غُلَّتَكَ وَيَعْمُرُكَ فِي سِبْطٍ مِنَ البَحْثِ عَظِيمٍ ، هَلْ قَرَأْتَ لَهُ كُلَّ هَذِهِ الكُتُبِ ؟ وَهَلْ تَعْتَرِفُ إِذا بِأَنَّهَا ثَرْوَةٌ أَدَبِيَّةٌ لَا تُقَوَّمُ بِمَالٍ ؟ وَهَلْ تُؤْمِنُ بِأَنَّها تُراث خالِدٌ يُبقي لِصاحِبِه حُسْنَ الأُحْدُوثَةِ وَجَمِيلَ الذِّكْرِ وَيَنْفَعُهُ في رَمْسِهِ وَيُضاعِفُ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ جَزِيلَ الأَجْرِ ، فَإِذا ضَمَمْتَ إِلَى كُلِّ هَذِهِ اللآلئ في سِمْطِها دُرَّتَهُ الجديدَةَ دَوْلَةَ النِّسَاءِ تَبَدَّى لَكَ العِقْدُ كاملا وَبَرَزَ لَكَ السِّلْكُ شَامِلا عِنْدَ ذَلِكَ تَقْنَعُ بِهَذِهِ الجَوَاهِرِ وَتَسْكُنْ إِلَى هَذِهِ المَفاخِر.
وفاته : وما كادَ المُؤَلِّفُ يَنْتَهِي مِنْ عَمَلِهِ الضَّخْمِ في إِتمَامِ (دَوْلَة النِّساءِ) وما كادَ يَبْدَأُ في الإشراف على طَبْعِ الصَّفْحاتِ الأُولَى مِنْه وإِذَا بِالفَلَكِ يَدُورُ دَوْرَتَهُ وَتَبْدَأُ نَوامِيسُ الحَياةِ وَالمَوْتِ تَلْعَبُ دَوْرَها وَإِذا بِالْقُوَّةِ المُوَجِّهَةِ لِهَذِهِ المَوْسُوعَةِ الأَدَبِيَّةِ اللُّغَوِيَّةِ تَتَوَارَى فَجأةً وَالحَرَكَةِ الدَّائِبَةِ التي تَنْفُتُ رُوحَ النَّشاط في هذا السِّفْر الخُلُقي الدّيني لِتَمُدَّ دَفْعَةً وَاحِدَةٌ فَيَدْلُفُ إِلَيْهِ المَوْتُ وَيَتَخَطَّفُهُ أَعْظَمَ ما يَكونُ صِحَةً وَأَشَدَّ ما يكونُ نَشاطاً وَذَلِكَ في مساء اليَوْمِ الأَوَّل من شهر يونيه / حزيران سنة ١٩٤٤ م .
فكانَ فَقْدُهُ فَجِيعَةٌ للأَدَبِ وكارِثَةٌ للنَّاطِقِينَ بِالضَّادِ حَتَّى رَثاهُ رِجَالُ الفِكْرِ وَعَزُوا فِيهِ دَوْلَةَ البَيانِ في كُبْرَياتِ الصُّحُفِ وَالمَجِلاتِ ، وَقَدْ وَاصَلَ أَبْناؤُه – وهم غَرْسُه ونَبْتُهُ – رِعايَةَ هذا الكِتابِ وَرَأَوْا فِي ذَلِكَ تأْدِيَةٌ لِبَعْضِ الدَّيْنِ عَلَيْهِم نَحْوَ أَبِيهِمْ وبَعْضِ الوَاجِبِ عَلَيْهِم نَحْو لُغَةِ القرآنِ الْكَرِيمِ حَتَّى أَخْرَجُوهُ إِلَى عَالَمِ الوُجودِ يُعْلِنُ لِلنَّاسِ بِجَانِبِ أُخْوَةٍ لَهُ مِن قَبْلُ ما كانَ يُرِيكَ الفقيدُ للعَرَبِيَّةِ من إظهارِ دُرَرِها وَإِذاعَةِ نَفَائِسِهَا وَإِبْرَازِ مَجْدِها وَتَحْقِيقِ الأَغْراضِ السَّامِيَةِ وَالمُثْلِ العُلْيَا التي كان يَتَوَخَاهَا الفَقِيدُ وَيُلاقي في سَبِيلِها مِنْ تَعَب وَعَناءِ خِدْمَةٌ للبلادِ وَلِلْعُرُوبَةِ وَلِجلالة مولانا الملك الفاروق ، وَبَعْدُ فَلْيَرْحَمِ اللهُ ذَلِكَ الفَقِيد الَّذِي يُعَدُّ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ مِنْ أَرْكَانِ النَّهْضَةِ الحدِيثَةِ في الأَدَبِ وَالبيانِ وَلْيُنْزِلْهُ مَنَازِلَ صِدْقٍ مَعَ المُتَّقِينَ الأبرار جَزَاءً ما أَدَّى من خِدْمَاتِ صادِقَاتِ لِلْعِلْمِ وَالعِرْفانِ “.

وطنيتي
(وطنيتي) هو عنوان ديوان شعري صغير للشاعر والصحفي الشيخ علي محمود الغاياتي الذي ولد في دمياط عام 1885 م وتوفي بالقاهرة عام 1956 م ويرجع نسبه لأسرة من السادة الأشراف ، ولم يكن ديوانا عاديا وإنما كان فورة حماس وطنية جارفة ومنشورا سياسيا ضد الاحتلال والسلطة الحاكمة وقتها وتسبب في محاكمته مع كل من الزعيم محمد فريد والشيخ عبد العزيز جاويش بسبب كتابتهما مقدمة في أول الديوان تحمل مدحا وتأييدا لمحتواه.
سلك الغاياتي طريق النضال مبكرا عندما كان طالبًا بالمعهد الديني في دمياط حيث اصطدم بإدارة المعهد وتم فصله بسبب نشاطه الوطني فاضطر للعمل مدرس بالمدارس الابتدائية الخاصـة ، وعندما انتقل إلى القاهرة شارك بحماس في العمل الوطني من خلال الحزب الوطني الذي كان يعد في ذلك الوقت لإشعال الثورة ضد الاحتلال وأخذ ينظم القصائد الشعرية الملتهبة التي تحض على الوطنية والجهاد ومناهضة الاستعمار وبث العزيمة والحماس في صفوف الجماهير.
وقام بنشر هذه القصائد في صحف الحزب الوطني التي كانت تصدر في ذلك الوقت كما قام بنشر العديد من المقالات في مختلف الصحف المصرية مثل جريدة الجوائب المصرية واللواء وغيرهما مما أثار حفيظة السلطات الإنجليزية والخديوي عليه فقامت السلطات بزجه في السجن بتهمة مخالفة قانون التجنيد (سجن القشلاق الأحمر) ولكن هذا الأمر لم يغير من موقف وصلابة الرجل فاستمر على نفس الخط الوطني النضالي.
تصاعدت نبرته الوطنية والنضالية المناهضة للاحتلال وقام بجمع القصائد التي نشرها من قبل وأصدرها في ديوان تحت عنوان (وطنيتي) سنة 1910 م وقام كل من محمد فريد وعبد العزيز جاويش بكتابة مقدمة لهذا الديوان إلا أن السلطات رأت أن هذا الديوان ليس مجرد قصائد شعرية بل شواظ من نار وقذائف تتلظي وقذائف على رأس الاستعمار فقامت بتحويل كل من محمد فريد وعبد العزيز جاويش وعلي الغاياتي إلى المحاكمة.
وجد الغاياتي أن السلطات تتربص به وأنها سوف تسجنه خاصة وأنها تسيطر على القضاء عن طريق القضاة الأجانب فقام بالتنكر في زي أفندي وكان قبل ذلك يلبس الملابس الأزهرية دائماً وسافر إلى تركيا وبعد سفره صدر الحكم الغيابي من المحكمة بحبسه عامًا مع الشغل كما صدرت الأحكام بحق كل من عبد العزيز جاويش ثلاثة أشهر وبق محمد فريد الحبس ستة أشهر مع النفاذ حيث نفذ الحكم كاملاً ورفض طلب الخديوي أن يستعطفه للإفراج عنه.
وقد جاءت ترجمة الشاعر في كتاب الأعلام للزركلي حيث قال : ” علي الغاياتي .. علي بن محمود الغاياتي الدمياطي المصري كاتب صحفي من الشعراء ولد وتعلم بدمياط واشتغل بالادب فصنف كتاب (القول الوافي في علمي العروض والقوافي) وانتقل إلى القاهرة (1907 م) فكان من محرري (الجوائب المصرية) ثم جرائد الحزب الوطني ، وتشبع بدعوة مصطفى كامل وبمبادئ الحزب.
واشتهر بنظم الشعر السياسي فجمع منظوماته في ديوان سماه (وطنيتي) وذيل صفحاته بذكر ما أشار إليه في شعره من الحوادث وتواريخها فصادرته الحكومة وأرادت القبض عليه ففر (في 5 يوليه 1910 م) ونزل بالأستانة وفيها بضع جرائد عربية إحداها حديثة العهد بالصدور اسمها (دار الخلافة) كان يصدرها عبد الوهاب عبد الصمد فتولى تحريرها ومكث نحو ستة أشهر.
وسافر إلى سويسرة (في أواخر 1910 م) ودخل طالبا في جامعة جنيف وكتب لي يقول : (وهمي الان هو الوصول إلى إتقان اللغة الفرنسية وتحصيل العلوم الاجتماعية في المدة التي قضى علي القدر بمكثها بعيدا عن وادي النيل رعاه الله وأفاض عليه من الحرية المنشودة ما يتمناه) ، وأتقن الفرنسية ثم كان المحرر الشرقي لجريدة (تريبون دي جنيف).
وفي سنة 1922 م أصدر جريدة منبر الشرق بالعربية والفرنسية فاستمرت أكثر من عشر سنوات وعاد إلى مصر (1937) فتابع إصدارها وأعيد طبع (وطنيتي) سنة 38 ، وله أيضا : ديوان هجرتي ، وفجر الثورة ، وعلى هامش الحج (صغير) ، ومثله قلة ذوق ، وتوفي بالقاهرة وأشارت الصحف بعد وفاته إلى أن الحكومة أمرت بإعداد كتاب عن حياته ولوحة لتخليد ذكراه “.
وكتب عنه عبد الرحمن الرافعي تحت عنوان شعراء الوطنية فقال : “علي الغاياتي .. من شعراء الوطنية ومن المجاهدين القدامى اعتنق مبادئ مصطفى كامل منذ أن استمع إلى خطبته الكبرى التي ألقاها بالإسكندرية في ٢٢ أكتوبر سنة ١٩٠٧ وصار من تلاميذه وأنصاره الأوفياء الحافظين لعهده طوال السنين.
انضم إلى أسرة الصحافة منذ صباه وعمل في صحف الحزب الوطني المُتعاقِبة واتجهت نفسه إلى الشعر فنظم قصائد تفيض وطنيةً وإخلاصًا وقد جمعها في ديوانٍ أصدره سنة ١٩١٠ بعنوان (وطنيتي) وله مقدمتان إحداهما بقلم محمد فريد والثانية بقلم عبد العزيز جاويش ، وكان لهذا الديوان قضيةٌ أثَّرَت في مجرى حياة الشاعر ،فقد أُقيمَت عليه الدعوى العمومية وحُوكِم على قصائد من هذا الديوان عدَّتها الحكومة وقتئذٍ عيبًا في ذات ولي الأمر (الخديو عباس الثاني) وتحريضًا على كراهية الحكومة والازدراء بها وتحبيذًا للجرائم (السياسية).
وحُكِم عليه من محكمة جنايات القاهرة في أغسطس سنة ١٩١٠ بالحبس سنة، وقد صدر الحكم عليه في غيبته إذ كان قبل محاكمته قد ارتحل إلى الآستانة ثم إلى سويسرا حيث أقام في جنيف وأصدر بها سنة ١٩٢٢ جريدة منبر الشرق بالفرنسية وجعلها وقفًا على الدفاع عن قضية مصر وقضايا الشرق عامة ، وظل في منفاه حتى عاد إلى مصر سنة ١٩٣٧ واستأنف فيها إصدار صحيفته منبر الشرق بالعربية حتى اليوم ـ مد الله في حياته ـ وهي صحيفة وطنية شرقية إسلامية أخلاقية تُدافِع عن القضية الوطنية وقضايا العروبة وتُناضِل عن الحرية والاستقلال للشعوب الشرقية جمعاء.
إلى مصطفى في حياته : من أول شعره الوطني قصيدةٌ نظمها سنة ١٩٠٧ وقدَّمها إلى مصطفى كامل عقب خطبته بالإسكندرية، قال فيها مُخاطِبًا الفقيد : اصدع بقولك إن أرَدتَ مقالا فالقوم جندك إن دعوتَ رجالا .. لم تدرِ مصر سوى حِماك تؤمُّه فترى به آلامها آمالا .. أقبِل على الوطن العزيز بصارمٍ لا تُدرِك الأعداء منه كلالا ، وختمها بقوله : فادأب على إنهاض أمتك التي ترجو وراء خُطاك الاستقلالا.
وطنٌ يناجي ربه .. قال من قصيدة له بهذا العنوان : ربِّ إن البلاد أرهقها الظلـ ـم وحاقت بأهلها البأساءُ .. ربِّ إن الصدور أحرجها الوجـ ـد وأودت بحلمها الأرزاءُ .. فتدارَكْ بلطفك النيل حتى لا تُجاري حياةَ مصر دماءُ
قصائد حُوكِم من أجلها سنة ١٩١٠ .. من قصيد له بعنوان (طيف الوطنية) : وعُدَاةٍ ملَكوا الأمر ولم يحفظوا للشعب في حقٍّ ذماما .. وولاةٍ أقسموا أن يسجدوا كلما رام العِدى منهم مَراما .. ربِّ ماذا يصنع المصري إن جاوَز الصبر مدى الصدر فقاما .. طال يوم الظلم في مصر ولم ندرِ بعد اليوم للعدل مقاما .. هل يرى المحتل أنَّا أمة مذ عرفنا السِّلم لا ندري الخصاما .. أو يرى الظالم فينا أننا نحمل الخسف ولا نبغي انتقاما .. زعموا زورًا فما من أمة سامها العسفَ ظلومٌ ثم داما .. كُتِب النصر لشعب ناهض في سبيل المجد لا يخشى الحِماما.
ومن قصيدة له يندِّد بالخديو عباس الثاني : أعبَّاسُ هذا آخر العهد بيننا فلا تخشَ منَّا بعد ذاك عِتابا .. أيُرضيك فينا أن نكون أذلة ننال إذا رُمنا الحياة عِقابا .. ونيئس من آمالنا فيك كلما قضيتَ علينا أن نكون غِضابا .. وأرضيت أعداء البلاد وأهلها وأصلَيتنا بعد (الوفاق) عذابا .. رويدك يا عباسُ لا تبلغ المَدى ولا تستمع للظالمين خطابا .. فما يبتغي (جورست) إلا مكيدة تحوِّل أقلام السلام حِرابا .. وها قد رمى حرية القول رمية بسهمك تجني للبلاد خرابا
يُهاجِم الوزارة .. وقال في هذه القصيدة يُهاجِم وزارة بطرس غالي التي كانت تتولى الحُكم وقتئذٍ : ألَا أمطر الله الوزارة نقمة ولا بلغت مما تروم مراما .. تُحاوِل أن تقضي علينا بإثمها ولكن ستلقى دون ذاك أثاما .. وزارةُ خدَّاعٍ أقامته بيننا يد الحاكمين الآثمين فقاما ، ومن قصيدةٍ أخرى له يندِّد بهذه الوزارة على أثر امتناعها عن حضور جلسات مجلس شورى القوانين فرارًا من مناقشات الأعضاء : يا أيها الوزراء ماذا نابَكم حتى هجرتم صورةَ النوابِ ، إلى أن قال : فتزلزلت أقدامكم من هولها وهرعتمُ فزعًا إلى الأبوابِ .. ورضِيتم الهرب المَعيب لأنه خيرٌ من الإفلاس عندَ حسابِ .. عارٌ عليكم أن يُقال وزارة لم تدرِ إن سُئلت بيانَ جوابِ.
ومن قصيدة أخرى له سنة ١٩١٠ : طال ليل البلاد والشعب سار لا يرى غيرَ هذه الظلماتِ.. ظلماتٌ من المظالم أودت بضياء الحياة بعدَ الحياةِ .. يشتكي الشعب والقضاة خصوم فلِمَن يشتكي خصامَ القضاةِ ، ومن قصيدةٍ له يُخاطِب الشيخ عبد العزيز جاويش عندما حُكِم عليه لأول مرة سنة ١٩٠٩ ونشرها في ديوانه (وطنيتي) : يا ساكن السجن الكريم وأنت نعمَ الأكرمُ .. ما السجن للشرفاء إلا رفعةٌ وتنعُّمُ .. أنت البريء ومن يَخا لك مُجرمًا هو مُجرمُ.
هذا ما وعَته الذاكرة وما وسعني الجهد في استقصاء الشعر الوطني ولعلي بإخراج هذا الكتاب أحقِّق أمنيةً كانت تجول في خاطري منذ عدة سنوات ، ولا زِلتُ أكرِّر اعتذاري عما عسى أن يكون قد فاتني تدوينه من الشعر الوطني وإني لَمُتداركٌ هذا النقص في المستقبل القريب إن شاء الله “.
أما كلمة الزعيم محمد فريد فقد جاءت في مقدمة الديوان وقال فيها : ” تأثير الشعر في تربية الأمم .. الشعر من أفضل المؤثرات في إيقاظ الأمم من سباتها وبث روح الحياة فيها كما أنه من المشجعات على القتال وبث حب الإقدام والمخاطرة بالنفس في الحروب ، لذلك نجد الأشعار الحماسية من قديم الزمان شائعةً لدى العرب وغيرهم من الأمم المجيدة كالرومان واليونان وغيرهم .
وليس من ينكر أن الأنشودة الفرنسية التي أنشأها الضابط الفرنسي (روجيه دي ليل) وسميت المارسلييز كانت من أقوى أسباب انتصار فرنسا على ملوك أوربا الذين تألبوا على إخماد روح الحرية في مبدأ ظهورها .
لذلك كتب الكاتبون منا كثيراً في ضرورة وضع القصائد والأغاني الوطنية ليحفظها الصغار ويترنموا بها في أوقات فراغهم ولينشدوها في ساعات لعبهم بدل هذه الأغاني والأناشيد التي يرددها أطفال الأزقة وخصوصاً في ليالي شهر رمضان المبارك ، كما كتبوا في تغيير الأغاني التي تنشر في الأفراح وكلها دائرة حول نقطة واحدة هي الغرام ووصف المحبوب بوصفات ما أنزل الله بها من سلطان .
لقد كان من نتيجة استبداد حكومة الفرد سواء في الغرب أو الشرق إماتة الشعر الحماسي وحمل الشعراء بالعطايا على وضع قصائد المدح البارد والإطراء الفارغ للملوك والأمراء والوزراء وابتعادهم عن كل ما يربي النفوس ويغرس فيها حب الحرب والاستقلال ، كما كان من نتائج هذا الاستبدال خلو خطب المساجد من كل فائدة تعود على المستمع حتى أصبحت كلها تدور حول موضوع التزهيد في الدنيا والحض على الكسل وانتظار الرزق بلا سعي ولا عمل .
تنبهت لذك الأمم المغلوبة على أمرها فجعلت من أول مبادئها وضع القصائد الوطنية والأناشيد الحماسية باللغة الفصحى للطبقة المتعلمة وباللغة العامية لطبقة الزراع والصناع وسواهم من العمال غير المتعلمين فكان ذلك من أكبر العوامل في بث روح الوطنية بين جميع الطبقات ، ويسرني أن هذه النهضة المباركة سرت في بلادنا فترك أغلب الشعراء نظم قصائد المديح للأمراء والحكام وصرفوا هممهم واستعملوا مواهبهم في وضع الأشعار الوطنية وإرسالها في وصف الشئون السياسية التي تشغل الرأي العام ، وقد لاحت (وطنيتي) في طليعة هذه النهضة الميمونة الرشيدة .
ومما يزيد في سروري أن شعراء الريف وضعوا عدة أناشيد وأغاني في مسألة دنشواى وما نشأ عنها وفي المرحوم مصطفى كامل باشا ومجهوداته الوطنية وفي موضوع قناة السويس ورفض الجمعية العمومية لمشروعها وأخذوا ينشرونها في أفراحهم وسمرهم على آلاتهم الموسيقية البسيطة ، وهي حركة مباركة إن شاء الله تدل على أن مجهودات الوطنيين قد أثمرت ووصل تأثيرها إلى أعماق القلوب في جميع طبقات الأمة وتبشر باقتراب زمن الخلاص من الاحتلال ومن سلطة الفرد بإذن الله .
فعلى حضرات الشعراء أن يقلعوا عن عادة وضع قصائد المديح في أيام معلومة ومواسم معدودة وأن يستعملوا هذه المواهب الربانية العالية في خدمة الأمة وتربيتها بدل أن يصرفوها في خدمة الأغنياء وتملق الأمراء والتقرب من الوزراء فالحكام زائلون والأمة باقية ، والسلام على من سمع ووعى ووفق لخدمة بلاده وسعى ، فإنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ ثُمَّ يُجْزَاهُ ٱلْجَزَآءَ ٱلأَوْفَىٰ ، الإمضاء محمد فريد بك “.

/ رحلتي من الشك إلى الإيمان
نجلس متحفزين مساء كل يوم إثنين لنتابع هذا البرنامج المميز في زمن لم يكن فيه ناشيونال جيوجرافيك ولا ديسكفري ولا القنوات الوثائقية ، وبعد التتر المميز بصوت الناي الحزين يظهر الوجه البشوش لمقدم البرنامج الدكتور مصطفى محمود وهو يطل إطلالة محببة ويبتسم ابتسامة لطيفة ويبدأ قوله بعبارته الشهيرة : (أهلا بيكو) ، بعدها يبدأ في مقدمة مشوقة للموضوع يعقبها فيلم علمي وثائقي يعلق عليه بصوته ثم يختم الحلقة بملخص مبسط يحمل الرسالة التي يريد إيصالها للناس والتي تتنوع ما بين العلم والدين والأخلاق والسياسة والفلسفة .
ومثل كل رجالات عصره تعددت فيه الآراء فمنهم من يرى أنه كان مفكرا عظيما لم يجد الزمان بمثله ومنهم من يضعه في مرمى النقد والهجوم ويتهمه بالتضليل ، وبين هذا وذاك تبقى حقيقة هامة وهي أن الرجل كان صاحب تجربة حياتية فريدة امتدت مع عمره كله الذي بدأ مع ولادته في عشرينيات القرن الماضي وانتهى مع وفاته في العقد الأول من الألفية وهو ما يعني أنه عاصر كل الأحداث الكبيرة في تاريخ مصر الحديث اشتبك فيها مع الواقع السياسي والثقافي والمتغيرات الاقتصادية والاجتماعية التي تلاحقت مع تعاقب أنظمة الحكم المختلفة.
وقد اشتهر الرجل بالطبع بسبب هذا البرنامج لكنه لم يكن مجرد مقدم برامج وإنما هو مفكر يملك عالما متكاملا يمكن لمن يريد العيش فيه أن يجد مبتغاه ، فهو كاتب من الطراز الأول وله عدد من الكتب التي صاغها بأسلوب سلس جذاب يناسب المتلقي كما أنه طرق موضوعات متعددة كان فيها سابقا لعصره ، فهو من أوائل من بسط النظريات العلمية وشرحها بحيادية وإتقان مثلما فعل في كتابه القيم (أينشتين والنسبية) كما كان له إسهام جيد في كتابة الرواية والمسرحية وأدب الرحلات والقصص القصيرة وعدد كبير من المقالات في الصحف الكبرى.
ولدى الرجل نزعة صوفية واضحة تجعله في مصاف الفلاسفة الذين يحبون العزلة ويشتغلون بالتنظير ، لكنه لم يكتف بذلك وإنما سعى للإسهام بشكل عملي في خدمة المجتمع من خلال جمعية مصطفى محمود والتي أنشأت مجمعا كبيرا يضم مسجدا ومستشفى وعددا من الأنشطة الاجتماعية في حي المهندسين بمحافظة الجيزة ، وقد أشرك معه في هذا العمل عددا كبيرا من الفنانين في مبادرة إيجابية ذاع صيتها حتى طغت على المنطقة وسمي الشارع والميدان باسمه اعترافا بهذه الصدقة الجارية التي عاشت حتى يومنا هذا ووضعت اسمه في سجل الخالدين.
ولد مصطفى كمال محمود حسين آل محفوظ في ميت خاقان بالمنوفية عام 1921 م وتوفي بالجيزة عام 2009 م ، نشأ في طنطا حيث كان يعمل والده وعرف بالتفوق الدراسي وشغف منذ صباه بالعلم والتأمل وامتلك معملًا صغيرًا أخذ يصنع فيه الصابون والمبيدات الحشرية ليقتل بها الصراصير ثم يقوم بتشريحها وحين حين التحق بكلية الطب اشتُهر بالمشرحجي نظرًا لوقوفه طول اليوم أمام أجساد الموتى طارحًا التساؤلات حول سر الحياة والموت وما بعدهما ، وقد تخرج من كلية الطب عام 1953 م وعمل طبيبا للأمراض الصدرية.
نبغ في الأدب منذ فترة الدراسة ونشر عددا من القصص القصيرة في مجلة روز اليوسف ثم عمل بها لفترة عقب تخرجه فاحترف الكتابة ، وعندما أصدر الرئيس عبد الناصر قرارًا بمنع الجمع بين وظيفتين وقتها يجمع بين عضوية نقابتي الأطباء والصحفيين ولذا قرر الاستغناء عن عضوية نقابة الأطباء مفضلًا الانتماء إلى نقابة الصحفيين وترك مهنة الطب حيث قرر في عام 1960 م أن يتفرغ للأدب والكتابة واحتفظ لنفسه بجدول صارم في حياته قائم على البساطة في الحياة المعيشية والتأمل والقراءة المستمرة في مختلف نواحي العلوم والآداب والفكر.
وقد منحه كل من العلم والأدب معا روحا فلسفية ونزعة صوفية ، وعندما سُئل ماذا يملك الطبيب من إمكانات تشجعه على أن يكون أديبًا وفنانًا ؟ أجاب بأن للطب علاقة وثيقة بالحياة وأسرارها وخفاياها فالطبيب هو الوحيد الذي يحضر لحظة الميلاد ولحظة الموت وهو الذي يضع يده على القلب ويعرف أسرار نبضه وكل الناس يخلعون ثيابهم وأسرارهم بين يدي الطبيب ، فهو الوحيد الذي يباشر الحياة عارية من جميع أقنعتها وبما أن الطب علم والأدب علم فالتكامل في الحياة البشرية قضى بأنه لا غنى لأحدهما عن الآخر وكذلك الطبيب والأديب.
تم اتهامه بالكُفر في نهاية الستينيات بعد سلسلة من المقالات وصدور كتابه (الله والإنسان) الذي تمت مصادرته وتقديمه بعدها للمحاكمة التي طلبها الرئيس جمال عبد الناصر بنفسه بناءً على تصريح الأزهر باعتبارها قضية كفر ، وقد اكتفت لجنة المحاكمة وقتها بمصادرة الكتاب دون حيثيات ثم تغير الوضع في عهد الرئيس أنور السادات فقد أبلغه إعجابه بالكتاب وطلب منه طبعه مرة أخرى ولكنه استبدل به كتاب (حوار مع صديقي الملحد) لتتوطد بعدها علاقته بالرئيس السادات وعرض عليه الوزارة لكنه اعتذر عنها لرفضه السلطة بكل أشكالها.
قال عنه الشاعر الراحل كامل الشناوي : ” إذا كان مصطفى محمود قد ألحد فهو يلحد على سجادة الصلاة ” ، وسبب ذلك أن نزعته التأملية حملته إلى طريق البحث عن الحقيقة مثل الفلاسفة القدماء حيث يقول في ذلك : ” أهل الحقائق في خوف دائما من أن تظهر فيهم حقيقة مكتومة لا يعلمون عنها شيئا تؤدي بهم إلى المهالك فهم أمام نفوسهم في رجفة وأمام الله في رجفة وذلك هو العلم الحقّ بالنفس وبالله ” ، وقد وضع خلاصة معاناته الروحية والعقلية في كتابه (رحلتي من الشك إلى الإيمان) والذي يضع فيه فلسفته ومنهجه.
واشتهر بهجومه المتواصل على الصهيونية ورأيه بأن اليهود وراء هذه الشبكة الأخطبوطية للفساد والإفساد في العالم كله مما تسبب في لزوم وجود حارس على باب منزله منذ سنوات، بتكليف من وزارة الداخلية لحراسته بعد التهديدات التي تلقاها ، وله أفكار المثيرة للجدل مثل دعوته إلى علم النفس القرآني ويقصد به محاولة فهم النفس فهمًا جديدًا مؤسسًا على القرآن والسنة في كتاب (علم نفس قرآني جديد) ومثل أفكاره في (كتاب الشفاعة) الذي صدر عام 2000 م وتعرض بسببه للهجوم واتهامه بإنكار الشفاعة النبوية وقرر بعدها الاعتزال.
ومن مؤلفاته الأخرى : الإسلام في خندق – زيارة للجنة و النار – عظماء الدنيا وعظماء الآخرة – الإسلام السياسي والمعركة القادمة – المؤامرة الكبرى – عالم الأسرار – أكل العيش – رائحة الدم – إبليس – لغز الموت – لغز الحياة – رجل تحت الصفر – القرآن محاولة لفهم عصري ـ الوجود والعدم ـ السر الأعظم ـ الماركسية والإسلام ـ عصر القرود ـ القرآن كائن حي ـ أكذوبة اليسار الإسلامي ـ ألعب السيرك السياسي ـ على حافة الانتحار ـ ماذا وراء بوابة الموت ـ الروح والجسد ـ نار تحت الرماد ـ في الحب والحياة ـ السؤال الحائر.
أما أعماله الأدبية فقد تنوعت ما بين الرواية والمسرح والقصص القصيرة وتجسدت في أعمال مثل (شلة الأنس) هي مجموعة قصصية صدرت عام 1962 تبرز شخصيات واقعية شعبية تجتمع كل يوم وقت العصاري يدخنون المعسل والجوزة ويتحدثون في الفن والاختراعات وتحولت إلى فيلم سينمائي يحمل نفس الاسم ، ومن من أشهر رواياته (العنكبوت) والتي صدرت عام 1965 م وهي رواية فلسفية تحمل قدرا من الخيال العلمي وتناقش فكرة مصير الروح وارتباطها بالإنسان وماذا يحدث بعد الموت وتحولت إلى مسلسل تليفزيوني.
أما روايته (المستحيل) فقد حققت مبيعات ضخمة وصدرت عام 1960 م وتحكي عن مهندس شاب يكتشف فجأة أن حياته مزيفة وكل شيء بها مفروض عليه وتتوالى الأحداث وقد تحولت لفيلم سينمائي بنفس الاسم ، ومن عائد هذه الرواية اشترى قطعة أرض وهي التي تأسس عليها بعد ذلك جامع مصطفى محمود وثلاث مراكز طبية ومستشفى وجمعية فلكية ومكتبة ومتحف جيولوجي ، وقد اتخذ فيها غرفة صغيرة مثل صومعة الراهب لتكون ملاذا للاعتكاف والتأمل حيث قضى فيها بقية حياته عازفا عن الدنيا وزخارفها في زهد حقيقي.
وفي كتابه رحلتي من الشك إلى الإيمان ينقل لنا هذه المعاناة الروحية والعقلية فيقول : ” كان ذلك من زمن بعيد لست أذكره ربما كنت أدرج في الثالثة عشرة إلى الرابعة عشرة وربما قبل ذلك في مطالع المراهقة حينما بدأت أتساءل في تمرد : تقولون إنَّ الله خَلق الدنيا لأنه لا بد لكل مخلوق مِن خالق ولا بد لكل صنعة مِن صانع ولا بد لكل موجود مِن موجِد ، صدقنا وآمَنَّا فلتقولوا لي إذن : مَن خلق الله ؟ أم أنه جاء بذاته ؟
فإذا كان قد جاء بذاته وصحَّ في تصوركم أنْ يتم هذا الأمر فلماذا لا يَصِحُّ في تصوركم أيضًا أنَّ الدنيا جاءت بذاتها بلا خالق وينتهي الإشكال ؟ كنت أقول هذا فتَصفرُّ مِن حولي الوجوه وتنطلق الألسن تمطرني باللعنات وتتسابق إلىَّ اللكمات عن يمين وشمال ويستغفر لي أصحاب القلوب التّقيَّة ويطلبون لي الهُدي ويتبرأ مِني المتزمِّتون ويجتمع حولي المتمردون فنغرق معًا في جدل لا ينتهي إلا ليبدأ ولا يبدأ إلا ليسترسل.
وتغيب عني في تلك الأيام الحقيقة الأولى وراء ذلك الجدل ، إن زهوي بعقلي الذي بدأ يتفتح وإعجابي بموهبة الكلام ومقارعة الحجج التي انفردت بها كان هو الحافز دائما وكان هو المشجع وكان هو الدافع وليس البحث عن الحقيقة ولا كشف الصواب.
لقد رفضت عبادة الله لأني استغرقت في عبادة نفسي وأعجبت بومضة النور التي بدأت تومض في فكري مع انفتاح الوعي وبداية الصحوة من مهد الطفولة ، كانت هذه الحالة النفسية وراء المشهد الجدلي الذي يتكرر كل يوم وغابت عني أيضاً أصول المنطق وأنا أعالج المنطق ولم أدرك أني أتناقض مع نفسي إذ اعترف بالخالق ثم أقول ومن خلق الخالق فأجعل منه مخلوقاً في الوقت الذي أسميه فيه خالقاً وهي السفسطة بعينها.
ثم إن القول بسبب أول للوجود يقتضي أن يكون هذا السبب واجب الوجود في ذاته وليس معتمداً ولا محتاجا لغيره لكي يوجد أما أن يكون السبب في حاجة إلى سبب فإن هذا يجعله واحدة من حلقات السببية ولا يجعل منه سبباً أول ، هذه هي أبعاد القضية الفلسفية التي انتهت بأرسطو إلى القول بالسبب الأول والمحرك الأول للوجود ، ولم تكن هذه الأبعاد واضحة في ذهني في ذلك الحين ولم أكن قد عرفت بعد من هو أرسطو ولا ما هي القوانين الأولى للمنطق والجدل.
واحتاج الأمر إلى ثلاثين سنة مع الغرق في الكتب وآلاف الليالي من الخلوة والتأمل والحوار مع النفس وإعادة النظر ثم إعادة النظر في إعادة النظر ثم تقليب الفكر على كل وجه لأقطع الطريق الشائكة من الله والإنسان إلى لغز الحياة إلى لغز الموت إلى ما أكتب اليوم من كلمات على درب اليقين ، لم يكن الأمر سهلاً لأني لم أشأ أن آخذ الأمر مأخذاً سهلاً ولو أني أصغيت إلى صوت الفطرة وتركت البداهة تقودني لأعفيت نفسي من عناء الجدل ولقادتني الفطرة إلى الله.
ولكني جئت في زمن تعقد فيه كل شيء وضعف صوت الفطرة حتى صار همساً وارتفع صوت العقل حتى صار لجاجة وغروراً واعتداداً ، والعقل معذور في إسرافه إذ يرى نفسه واقفاً على هرم هائل من المنجزات وإذ يرى نفسه مانحاً للحضارة بما فيها من صناعة وكهرباء وصواريخ وطائرات وغواصات وإذ يرى نفسه قد اقتحم البر والبحر والجو والماء وما تحت الماء فتصور نفسه القادر على كل شيء وزج بنفسه في كل شيء وأقام نفسه حكما على ما يعلم وما لا يعلم “.
ويستطرد تطور أفكاره بعد ذلك قائلا : ” وتعلمت مع ما تعلمت في كتب الطب النظرة العلمية وأنه لا يَصحّ إقامة حُكْم بدون حيثيات مِن الواقع وشواهد مِن الحس وأنَّ العلم يبدأ مِن المحسوس والمنظور والملموس وأنَّ العلم ذاته هو عملية جَمْع شواهد واستخراج قوانين وما لا يقع تحت الحس فهو في النظرة العلمية غير موجود وأنَّ الغيب لا حساب له في الحكم العلمي وبهذا العقل العلمي المادي البحت بدأت رحلتي في عالم العقيدة ، وبالرغم مِن هذه الأرضية المادية والانطلاق مِن المحسوسات الذي ينكِر كل ما هو غيب فإني لَم أستطع أنْ أنفي أو أستبعد القوة الإلهية.
كان العلم يمدّني بوسيلة أتصور بها الله بطريقة مادية وفي هذه المرحلة، تصورتُ أنَّ الله هو الطاقة الباطنة في الكون في منظومات جميلة مِن أحياء وجمادات وأراض وسماوات وهو الحركة التي كشفها العلم في الذرة وفي البروتوبلازم وفي الأفلاك وهو الحيوية الخالقة الباطنة في كل شيء أو بعبارة القديس توماس الفعل الخالص الذي ظل يتحول وسيظل يتحول إلى ما لا نهاية.
والوجود كان في تصوري لا محدودًا لا نهائيًا إذ لا يُمْكن أنْ يَحُد الوجود إلا العدم ، والعدم معدوم ومِن هنا يلزم منطقيًا أنْ يَكون الوجود غير محدود ولا نهائي ولا يصح أنْ نسأل مَن الذي خلق الكون ؟ إذ إنَّ السؤال يستتبع أنْ الكون كان معدومًا في البداية ثُم وُجِد وكيف يَكون لمعدوم كيان ؟
إنَّ العدم معدوم في الزمان والمكان وساقط في حساب الكلام ولا يصح القول بأنه كان وبهذا جَعلتُ مِن الوجود حدثًا قديمًا أبديًا أزليًا ممتدًا في الزمان لا حدود له ولا نهاية وأصبح (الله) في هذه النظرة هو الكل ونحن تجلياته فالله هو الوجود والعدم قبله معدوم حيث إنَّه هو الوجود المادي الممتد أزلًا وأبدًا بلا بَدْء وبلا نهاية “.
وفي الفصل الخاص بالجسد يقول : ” ونقف الآن وقفة طويلة لنسأل هل صحيح أنَّ النفْس ما هي إلا مجرد حوافز الجوع والجنس ومجموعة الاستشعارات التي يدرِك بها الجسد ما يحتاجه ؟ لو قلنا هذا فنحن أمام تفسير مادي متهافت فما هكذا حقيقة النفْس ولا حقيقة الإنسان ، وأعود إلى صفحات من كتاب لغز الموت ولغز الحياة حيث ناقشت الموضوع بالتفصيل
إنَّ الإنسان ليُضَحِّي بلقمته وبيته وفراشه الدافىء في سبيل أهداف ومُثُل وغايات شديدة التجريد كالعدل والحق والخير والحرية؛ فأين حوافز الجوع والجنس هنا ؟ والمحارِب المقاتل في الميدان الذي يُضَحِّي بنفسه على مدفعه في سبيل غدٍ لم يأت بعد أين هو مِن التفسير المادي ؟ ، إننا أمام إثبات قاطع بأنَّ النفْس والذات حقيقة متجاوزة وعالية على الجسد وليست مجرد احتياجات الجسد الحسية معكوسة في مرآة داخلية.
تلك الإرادة الهائلة التي تدوس على الجسد وتُضَحِّي به هي حقيقة متجاوِزة عالية بطبيعتها وآمِرة ومهيمِنة على الجسد وليست للجسد تبعًا وذيلًا وإذا كنتُ أنا الجسد فكيف أَتحكم في الجسد وأُخضِعه ؟ وإذا كنت أنا الجوع فكيف أَتحكم في الجوع ؟ ، إنَّ مجرد الهيمِنة الداخلية على جميع عناصر الجسد ومفردات الغرائز هي الشهادة الكاشفة عن ذلك العنصر المتعالي والمفارِق الذي تتألف مِنه الذات الإنسانية.
عن طريق النفْس أتحكم في الجسد وعن طريق العقل أتحكم في النفْس وعن طريق البصيرة أضع للعقل حدوده ، وهذا التفاضل بَيْن وجود ووجود يعلو عليه هو الإثبات الواقعي الذي يقودنا إلى الروح كحقيقة عالية متجاوزة للجسد وحاكمة عليه وليست ذيلًا وتابعًا تموت بموته.
والذي يقول بأنَّ الإنسان مجموعة وظائف فسيولوجية مادية لا غير عليه أنْ يفسِّر لنا أين يذهب ذلك الإنسان في لحظة النوم ؟ فجميع الوظائف الفسيولوجية قائمة ومستمرة في أثناء النوم وجميع الأفعال المنعكسة واللاإرادية تحدث بانتظام فالقلب يدق والنفس يتردد والغدد تفرز والأحشاء تتلوى والأعضاء التناسلية تهتاج والذراع ينقبض لشكَّة الدبوس ، ومع ذلك فنحن أمام رجل نائم أشبه بشجرة مجرد شجرة أو حياة بدائية لا تختلف عن الحياة الحشرية فأين الإنسان.
إنَّ النوم ثم اليقظة ثُم البعث يكشف لنا – مرة أخرى – عن ذلك العنصر المتعالِي الذي يخلق بحضوره في تلك الجثة النائمة – فجأة وبلا مقدمات – هتلر أو نيرون ، فإذا بذلك الممَدد كالثور الهامد يصحو ليَقتل ويغزو ويسحق ويمحق وهذا الفَرق الهائل أكبر مِن أنْ يُفسَّر بتغير مادي يتم في لحظات “.