التراث والملاحم

41 / فارس بني حمدان

وقفت وما في الموت شك لواقف .. كأنك في جفن الردى وهو نائم .. تمر بك الأبطال كلمى هزيمة  .. ووجهك وضاح وثغرك باسم ، هذه الأبيات الشعرية للمتنبي في وصف انتصار سيف الدولة الحمداني على الجيش البيزنطي والتغني ببطولاته ، ورغم أن الدولة الحمدانية كانت صغيرة الحجم قصيرة العمر إلا أنها حازت شهرة أكبر من حجمها لم تصل إليه دولة أخرى مماثلة من الدويلات العديدة التي قامت في العصر العباسي الثاني وذلك بسبب ارتباطها بالشعر والشعراء حيث ذكرها أبو الطيب المتنبي في ثنايا شعره الذي خلد مع الزمن.

ويصدق ذلك مقولة واحد من أمراء الحمدانيين وفرسانهم الأبطال وهو الشاعر أبو فراس الحمداني الذي يقول : (الشعر ديوان العرب وعنوان الأدب) حيث يحظى الشعر بمكانة كبرى في التراث الشعبي المصري سواء في الأدب الشفهي مثل السير أو في الفنون الشعبية الاجتماعية والدينية وكلها عبارة عن تنويعات منبثقة من الشعر العربي التقليدي ، ولعل التغني بسير الأبطال في البادية كان من نتاج البيئة السياسية للدويلات العربية التي خلفت الحمدانيين في بادية العراق والشام مثل المرداسيين والعقيليين والمزيديين والخفاجيين وآل الجراح الطائيين. 

وترجع أصول الدولة الحمدانية إلى قبيلة تغلب العربية المعروفة التي كانت تسكن في تخوم الفرات قبل الإسلام ثم انتقلت بعده إلى أعالي الفرات في المنطقة التي عرفت باسم ديار ربيعة بجوار ديار بكر في الأراضي التركية حاليا وديار مضر التي سكنتها قبيلة بني تميم في الجزيرة الفراتية .. ومن هذا الموقع أسس الحمدانيون دولتهم في كل من الموصل وحلب واستمرت حتى قيام الدولة الفاطمية ، ومن شعراء تغلب المشهورين في الجاهلية المهلهل بن ربيعة (الزير سالم) صاحب السيرة الشعبية المنسوبة إليه وعمرو بن كلثوم صاحب القصيدة المشهورة.

وبعد زوال حكم الدولة الحمدانية على يد الفاطميين انتقل الحمدانيون إلى القاهرة حيث عملوا في خدمة الخلفاء الفاطميين وظهر منهم الأمير ناصر الدولة بن حمدان الذي كان له دور كبير في أحداث الشدة المستنصرية حيث قاد القبائل العربية للاستقرار في وسط الدلتا بعد صراعات عنيفة مع الحرس السوداني والأتراك حيث شهدت القاهرة إسدال الستار على مغامرة الحمدانيين في المنطقة ، لكن هجرات القبائل العربية تباعا من بادية الشام إلى مصر أثناء الحروب الصليبية حمل معه المكونات الأساسية للتراث الشعبي المصري ممثلة في الملاحم الكبرى.

وقد حظي أبو فراس الحمداني بمكانة كبيرة في التراث العربي بسبب جودة شعره وبطولاته المعروفة في الحروب حتى صار في مصاف أبطال الأساطير خاصة الفترة التي وقع فيها أسيرا بيد البيزنطيين واستطاع الهرب ونسجت حول ذلك الكثير من القصص الخيالية حول علاقة غرامية ربطت بينه وبين أميرة رومية ، وقد نشأ في كنف ابن عمه سيف الدولة في حلب بعد موت والده باكرًا فشب فارسًا شاعرًا وراح يدافع عن الإمارة ضد هجمات الروم وفي أوقات السلم كان يشارك في مجالس الأدب فيذاكر الشعراء وينافسهم.

واسمه كاملا هو أَبُو فِرَاسْ الحَارِثُ بْنُ سَعِيدْ بْنِ حَمْدَانْ الحَمْدَانِي التَغْلِبي الرَّبَعي (320 هـ ـ 357 هـ / 932 م ـ 968 م) وقد تولى إمارة منبج في أعالي سوريا فأحسن إداراتها والدفاع عنها لكنه أسر في سنة 347 هـ / 959 م أثناء إحدى المعارك ، وبعد وفاة سيف الدولة قام مولاه قرعويه بالتسلط على الحكم ونادى بابن سيده أبي المعالي أميرًا على حلب ليبسط يده باسمه على الإمارة بأسرها (وأبو المعالي هو ابن أخت أبي فراس) لكنه أدرك نوايا قرعويه فدخل مدينة حمص فأوفد أبو المعالي جيشًا بقيادة قرعويه ودارت بينهما معركةٌ قُتل فيها أبو فراس.

ولم يجمع أبو فراس شعره وقصائده إلا أن ابن خالويه وقد عاصره جمع قصائده فيما بعد ثم اهتم الثعالبي بجمع الروميات من شعره في كتابه يتيمة الدهر (وهي الأشعار التي قالها أثناء أسره في بلاد الروم) ، وهو صاحب الأبيات الغزلية المشهورة التي غنتها أم كلثوم وقال فيها : أراك عصي الدمع شيمتك الصبر .. أما للهوى نهي عليك ولا أمر .. بلى أنا مشتاق وعندي لوعة .. ولكن مثلي لا يذاع له سر .. إذا الليل أضواني بسطت يد الهوى .. وأذللت دمعا من خلائقه الكبر .. معللتي بالوصل والموت دونه .. إذا مت ظمآنا فلا نزل القطر.

 ومن أهم الأعمال الأدبية التي تناولت سيرته رواية (فارس بني حمدان) التي تحكي كيف وقع أبو فراس في حب نجلاء الخالدية إحدى الفتيات الجميلات في قصر الأمير وكيف أشعل ذلك الحبُّ الغيرة في قلب قائد الجيش قرعويه الذي كان ينافسه في حبها فأخذ يضع الخطط والمؤامرات للتخلص منه حتى تخلو له الساحة ليفوز بقلب نجلاء ، وتدور الأحداث ويقع أبو فراس في أسْرِ الأعداء نتيجة لمكر قرعويه وخداعه ويتعرض للعذاب فيقرّر الهرب للقاء محبوبته نجلاء ومواصلة الجهاد في عزيمة وإصرار الأبطال.

والرواية من تأليف الأديب والشاعر علي الجارم الذي ولد في رشيد بالبحيرة عام 1881 م وتوفي بالقاهرة عام 1949 م ووالده هو الشيخ محمد صالح عبد الفتاح الجارم العالم الأزهري والقاضي الشرعي لمدينة دمنهور ، تلقى تعليمه الابتدائي في رشيد ثم التحق بالأزهر ثم كلية دار العلوم ثم سافر إلى إنجلترا لإكمال دراسته في بعثة دراسية عام 1908 م فدرس أصول التربية بنوتنجهام قبل أن يعود مرة أخرى إلى مصر بعد أربعة أعوام.  

عين مدرساً بمدرسة التجارة المتوسطة ثم تدرج في عدد من وظائف التربية والتعليم حتى عُيِّن كبير مفتشي اللغة العربية بمصر ووكيلاً لدار العلوم وعضواً مؤسساً لمجمع اللغة العربية ومثل مصر في عدة مؤتمرات خارجية ، وهو أحد الشعراء الكبار في مدرسة الإحياء والبعث وله ديوان كبير كما ترجم كتاب (قصة العرب في أسبانيا) من تأليف ستانلي بول وألف عدداً من الكتب الرائدة في النحو والبلاغة ومنها الكتاب المدرسي (النحو الواضح).

أما كتاباته النثرية فهي تعيد تقديم التراث العربي في قالب جديد فقدم سيرة أبي الطيب المتنبي في رواية (الشاعر الطموح) وأكملها بذكر مصيره ونهايته المأسوية في رواية (خاتمة المطاف) حيث نلمس إعجاب المؤلف بالدولة الحمدانية ، وقدم أعمالا تحيي تراث الأندلس مثل حكاية ولادة بنت المستكفي والشاعر ابن زيدون في رواية (هاتف من الأندلس) وقصة المعتمد بن عباد وملوك الطوائف في رواية (شاعر ملك) وفتح الأندلس في رواية (الفارس الملثم).

ويتناول سيرة الخليفة الأموي الوليد بن يزيد ونهايته المأساوية في رواية (مرح الوليد) ويرصد الصراع العباسي البيزنطي في عهد هارون الرشيد في رواية (السهم المسموم) ويتحدث عن الدسائس والمؤامرات في أواخر الدولة الفاطمية في رواية (سيدة القصور) ، أما بلدته رشيد فقد أفرد لها رواية خاصة بعنوان (غادة رشيد) والتي كانت مقررة علينا في المرحلة الإعدادية ويحكى فيها عن زبيدة التي تزوجت الجنرال مينو القائد الثالث للحملة الفرنسية.     

وقد ذكره أدهم آل الجندي في كتابه أعلام الفن والأدب فقال ” علي الجارم .. هو المرحوم علي الجارم الشاعر المصري الكبير والأديب اللغوي المعروف ، لقد تعذر علينا معرفة تاريخ ولادته وأكد الذين عرفوه أنه لما انتسب إلى الأزهر طالباً سـنة 1901 م كـان فـي الثانيـة والعشرين مـن عمـره فتكون ولادته سنة 1879 على وجه التقدير ، نشأ في مدينة رشيد في أسرة ذات علم وأدب.

وفي سنة 1901 م كان طالباً في الأزهر يتلقى دروس البلاغة والتفسير على الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده وأنهى دراساته العالية في مدرسة دار العلوم بالقاهرة ونال شهادتها بتفوق كبير فأرفدته وزارة المعارف المصرية في بعثة لدراسة علوم التربية في إنكلترا فأدهش بتفوقه وذكائه ومقدرته أساتذة الإنكليز واستطاع في سرعة ملحوظة أن يتقن اللغة الإنكليزية ويلم بآدابها وقواعدها.

في خدمة الثقافة : ولما عاد إلى مصر عين أستاذاً في كلية دار العلوم وتخرج عليه كثيرون ممن لمعت أسماؤهم بعد ذلك في ميدان العلم والمعرفة وكان له الفضل في الإشراف على إعداد جيل من أساتذة اللغة العربية ، ثم اختير مفتشاً للغة العربية في وزارة المعارف وما زال يرقى في سلم النجاح والتوفيق حتى عين كبيراً لمفتشي اللغة العربية فكان مفتشاً يرشد الضال ويأخذ بيد الخامل ويشجع العامل.

ولما بلغ السن القانونية أحيل على التقاعد ولكن عارفي فضله وعلمه وآدابه أبوا أن يفقد العالم العربي خدمات هذا العلامة الجليل فانتخبوه عضواً في مجمع فؤاد الأول للغة العربية وهو المجمع الذي يضم فطاحل الأدباء والشعراء ورجال اللغة من جميع البلدان العربية ، وانتخبه المجمع العلمي العربي بدمشق عضواً فيه.

آثاره : لم يحصر المترجم جهوده في دائرة التعليم فحسب بل امتد نشاطه إلى نواح عديدة فقد ألف : كتاباً عن علم النفس الذي مازال يدرس حتى الآن في كلية دار العلوم بالقاهرة وألف في علوم اللغة العربية كتباً أشهرها ، النحو الواضح والبلاغة الواضحة وقد انتشرت هذه الكتب في الشرق العربي انتشاراً ضمن لها البقاء وكفل لصاحبها الخلود وسهلت على تلاميذ المدارس تفهم اللغة وستبقى هذه الكتب متخذة مكانتها في عالم التأليف مهما تقادم عليها العهد.

وقد توفر على الكتابة الأدبية بعد تخلصه من أغلال الوظيفة فأنتج كتباً جمة تفخر بها المكتبة العربية منها : شاعر ملك ، سيدة القصور ، فارس بـني حمدان ، خاتمة المطاف ، مرح الوليد ، غادة رشيد ، هاتف من الأندلس ، قصة العرب في إسبانيا ، وكتابه عن الأدب الأندلسي يعد مرجعاً في هذا الباب عدا عن بحوثه القيمة في المجمع اللغوي التي سجلتها أعداد مجلته.

ديوانه : لقد أصدر أربعة أجزاء من دواوينه الشعرية كان شاعراً من الطراز الأول في العصر الحديث يمتاز بالتجديد في الأسلوب والعبارة معاً كما أن أكثر معانيه مبتكر جميل ، ولكنه رغم ذلك كان يحتذي حذو كبار الشعراء القدماء كالمتنبي والشريف الرضي في اختيار الألفاظ وقوة الديباجة وقد جمع بين رقة الشعر التي امتازت بها مدرسة إسماعيل صبري باشا وبين سلاسة العبارة وقوة الأسلوب التي امتازت بها مدرسة البارودي فهو أقرب إلى هاتين المدرستين في شعره منه إلى مدرسة أمير الشعراء شوقي بك.

رحلاته : كان رغم جهوده الجبارة يختار دائماً لتمثيل مصر في المؤتمرات الثقافية في مختلف البلدان العربية ، وقد زار السودان والعراق سنة 1937 م وألقى في بغداد قصيدة برثاء الزهاوي كان يهيم بالجمال قوي الإيمان بالوفاء وهذه قصيدته في الحب قال :

عاج الخيال فلم يبل أواما ومضى وخلف في الضلوع ضراما .. مالي وللكحلاء هجت عيونها فملأن قلبي أنصلاً وسهاما .. يا قلب ويحك ما سمعت لناصح لما ارتميت ولا اتقيت ملاما .. لعبت بك الحسناء تدنو ساع فتثير ما بك ثم تهجر عاما .. والحب ما لم تكتنفه شمائل غرّ يعود معرة وأثاماً .. والحب أحلام الشباب هنيئة          ما أطيب الأيام والأحلاما .. والحب نازعة الكريم تهزه فيصول سيفاً أو يسيل غماماً .. والحب ملهاة الحياة وطيبها ولقد تكون به الحياة سقاما .. والحب نيران المجوس لهيبها يُحيي النفوس ويقتل الأجساما .. والحب شعر النفس إن هتفت به سكت الوجود وأطرق استعظاما ، ويعتقد الشاعر أنه إذا كان في الحياة شيئاً فذلك من فضل الله وفضل الشيخ محمد عبده الذي كان متصلاً به اتصال المريد بشيخه الروحي.

وفاته : وافته المنية فجأة بينما كان يستمع إلى إحدى قصائده العصماء في حفلة تأبين محمود فهمي النقراشي باشا يتلوها نجله بالنيابة عنه وذلك سنة 1949 م وهكذا قدر لهذا الرجل الفذ الذي عاش عمره مجاهداً في سبيل اللغة والأدب والشعر أن يموت وهو يستمع إلى آخر ما أنتجته قريحته المتوقدة الجبارة من آيات بينات ودرر غاليات “.

وفي ثنايا الرواية يصف الجارم بطله فارس بني حمدان في أوج عنفوانه فيقول : ” كان أبو فراس حقيقًا بكل هذه الضجَّة فقد زادته الرجولة وسامة وقسامة فكان مشرق الوجه نافذ نظرات العيون متين الجسم قويَّ العضل تتأجج فيه نيران الشباب وتفور في نفسه نزعات عاتية من الطموح إلى المجد والوثوب إلى مراتب العظمة ، وكان صورة صادقة للبطولة في القرن الرابع الهجري شديد الثقة بنفسه قليل الاكتراث بالنوازل والخطوب يعيش عيشة الأمراء المترفين في ثروة وجاه وفراغة من العيش ويتسلَّى بقرض الشعر وركوب الخيل والمصارعة والصيد.

والتَفَّ حوله كثير من أبناء القوَّاد وكبار الأسر فكانوا يقضون أكثر وقتهم في ترف ولهو وتناشد للأشعار بين مروج منبج الخضر وأرباضه الضاحكة وبساتينها الناضرة ، وكان يحلو لهم عند الأصيل أن يجلسوا إلى جسر أحد النهيرات التي يفيض ماؤها في الشتاء ويجفُّ عند الصيف والتي يقول فيها أبو فراس : قف بالمنازل والملاعب لا أراها الله مَحْلَا .. أُوطِنْتُها زمن الصبا وجعلت منبج لي مَحَلَّا .. حيث التفتَّ رأيت ما ءً سائحًا ورأيت ظِلَّا .. والماء يفصل بين زهر الروض في الشطَّيْن فَصْلَا .. كبساط وَشْيٍ جرَّدت أيدي القيون عليه نَصْلَا “.

ثم يصف نهايته البطولية في ميدان القتال كما يجب أن يكون البطل فيقول : ” حارب أبو فراس حرب المستميت ولكن السهام انصبَّت عليه من كل ناحية وانتاشته السيوف من كل مكان فسقط عن جواده مثخنًا بالجراح ، فتركه أعداؤه وهو يجود بأنفاس قصار وانطلقت إليه نجلاء وأمه وابنته حزينات نائحات وحملت نجلاء رأسه فوضعته فوق ركبتها في رفق وحنان وأخذت تناديه وتناجيه بعبارات تقطِّع القلب وتذيب الصخر.

وقامت أمه حوله تلطم عينيها حتى أذهبت بصرهما وطال بكاء فوز وجزعها وامتدَّ نشيجها ففتح أبو فراس عينيه وهو يحتضر والموت يزاحم أنفاسه ونظر إلى نجلاء ثم إلى أمه ثم إلى بنته وقال في صوت متقطِّع : أبنيتي لا تجزعي كلُّ الأنامِ إلى ذهابْ .. نوحي عليَّ بحسرةٍ من خلف سترك والحجابْ .. قولي إذا ناديتِني وعييتُ عن رد الجوابْ .. زينُ الشباب أبو فرا سٍ لم يُمَتَّع بالشبابْ “.

42 / أبو الفوارس عنترة

اشتهرت سيرة عنترة بن شداد بسبب انتقالها إلى عالم الأدب المقروء والمسموع والمرئي حتى صار الجميع يعرف بطولاته وحبه الكبير لابنة عمه عبلة والتي صارت من أيقونات القصص الغرامية ، لكن السيرة الشعبية الأصلية لا تكتفي بسرد ذلك فقط وإنما هي في الحقيقة مدونة كاملة لتاريخ القبائل العربية وحروبها وأنسابها تقع في ثمانية مجلدات كبيرة يبلغ مجموعها قرابة أربعة آلاف صفحة.

ولذا تستهل السيرة بعد المقدمة المعهودة بقول الراوي : ” أما بعد .. فاسمع أيها السامع ما كان من أحاديث العربان وما جرى بين يعرب وقحطان وفزارة وذبيان وعبس وغطفان وأولاد معد بن عدنان وما كان لهم في سالف الأزمان وما كان بين أولاد نزار كانوا أربعة وهم مضر وربيعة وإياد وأنمار … إلخ ” ، ثم يستطرد في وصف كل قبيلة وفروعها وراياتها ونسبها والتوزيع الجغرافي لها .

والسيرة تحوي العديد من التفاصيل والمعلومات والحكايات الفرعية وتجهد القارىء عند قراءتها لكن في الحقيقة أنها على مدار مئات السنين في مصر وغيرها من البلاد لم تكن معدة للقراءة وإنما ليرويها الرواة والمنشدون على الربابة وتسمع على هيئة مواويل وقصائد تلقى في المقاهي والمنازل والاحتفالات والمناسبات الاجتماعية المختلفة وهي الصورة الفنية التي كانت متاحة في تلك العصور.

وكانت سيرة عنترة تحتاج إلى رواة متمكنين لأن السيرة تمزج بين النثر والشعر باللهجة البدوية يتخللها قصائد كاملة باللغة العربية الفصحى وهي تلك التي تحوي قصائد عنترة بن شداد الأصلية حيث لا يمكن للراوي أن يتجاوزها لأن البطل هنا كان واحدا من الشعراء الفحول ، وكذلك كانت فيها فترات توقف عن السرد ليدمج فيها الراوي بعضا من الحكم والمواعظ الأخلاقية والدينية وتعليقاته الشخصية.

وارتبطت سيرة عنترة بالعرب القيسية وهي قبائل هوازن وغطفان وسليم وفروعهم والتي منها قبيلة بني عبس وتضم كذلك بني سعد وبني عامر وبني هلال وبني نصر وبني كلاب وفزارة وفهم وعدوان وباهلة ومحارب ، وكان نزولهم مصر في أوائل القرن الثاني الهجري في الحوف الشرقي ومنه إلى الصعيد والبحيرة وليبيا ووسط الدلتا في المحلة والمنطقة المعروفة وقتها باسم جزيرة بني نصر.

وبطل هذه السيرة هو عنترة بن عمرو بن شداد بن معاوية بن قراد بن مخزوم بن ربيعة بن عوذ بن مالك بن غالب بن قطيعة بن عبس بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس عيلان بن مضر العبسي المضري (525 م ـ 608 م) فارِسٌ عَرَبِيٌّ مِنْ شُعَراء المُعَلَّقات اشتَهرَ بِشعر الفُروسية وبِغَزلهِ العَفيف مَع مَعشوقَته عَبْلَةَ بنت مالك ، ويقال أن عنترة خرج في طلب عصافير النعمان (نوع من الإبل) حتى يظفر بعبلة وإنه لقي في سبيلها أهوالاً جساماً ووقع في الأسر ثم تحقق حلمه في النهاية وعاد إلى قبيلته ومعه مهر عبلة.

وكانت أمة حبشية وكان أبوه قد نفاه وكان العرب في الجاهلية إذا كان لأحدهم ولد من أمة (جارية) استعبده ثم ادَّعاه بعد الكبر واعترف به وألحقه بنسبه ، وكان سبب ادعاء أبيه إيّاه أن بعض أحياء العرب أغاروا على بني عبس فأصابوا منه واستاقوا إبلًا فتبعهم العبسيون فلحقوهم فقاتلوهم عمّا معهم وعنترة يومئذ فيهم فقال له أبوه : كرّ يا عنترة ، فقال عنترة : العبد لا يحسن الكر إنّما يحسن الْحِلاب والصّر ، فقال : كرَّ وأنت حر ، فَكرَّ وقاتل يومئذ قتالًا حسنًا فادَّعاه أبوه بعد ذلك وألحقه بنسبه.

ولمّا أُنشدَ للنبي صلى الله عليه وسلم قول عنترة : وَلَقَد أَبِيتُ عَلَى الطَّوى وَأَظَلُّهُ حَتّى أَنَالَ بِهِ كَرِيمَ المَأكَلِ ، قال عليه الصّلاة والسّلام : ما وصف لي أعرابي قط فأحببت أن أراه إلّا عنترة ،  وقيل لعنترة أنت أشجع النّاس وأشدّها ، قال لا ، قيل فبمَ إذن شاع لك هذا في النّاس ؟ ، قال : كنت أقدم إذا رأيت الإقدام عزمًا وأحجم إذا رأيت الإحجام حزمًا ولا أدخل موضعًا لا أرى لي منه مخرجًا وكنت أعتمد الضّعيف الجبان فأضربه الضّربة الهائلة يطير لها قلب الشّجاع فأثني عليه فأقتله.

وقد جمعت السيرة قديما بواسطة كاتب يدعى يوسف بن إسماعيل المصري وقيل إن ذلك كان بتوجيه من الخليفة العزيز بالله الفاطمي ليشغل الناس عن بعض الوقائع التي حدثت في وقتها وتتعلق بالفاطميين ونسبهم وغير ذلك من المشكلات ، أما في العصر الحديث فقد أعيد تقديم السيرة على هيئة رواية من تأليف الأديب والكاتب محمد فريد أبو حديد الذي ولد بالقاهرة عام 1893 م وتوفي فيها عام 1967 م وكانت مقررة علينا في الدراسة بالمرحلة الإعدادية.

ويرجع المؤلف في جذوره إلى الجزيرة العربية حيث هاجر جده لوالده من الحجاز إلى مصر في أوائل القرن التاسع عشر أثناء حكم محمد علي باشا أما والدته فهي ابنة الإمام الأكبر سليم البشري شيخ الجامع الأزهر ، تعلم في دمنهور حيث انتظم في الدراسة هناك إلى أن حصل على الشهادة الابتدائية وحصل على شهادة البكالوريا عام 1910 م ثم التحق بالقسم الأدبي بمدرسة المعلمين وتخرج فيها عام 1914 م ثم حصل على الإجازة في الحقوق من مدرسة الحقوق الملكية عام 1924 م.

وعقب تخرجه عين في وزارة المعارف العمومية وتدرج في وظائفها حيث عُين مدرسًا بالتعليم الحر، ثم استقال وعمل مدرسًا بالمدارس الثانوية التابعة لوزارة الأوقاف وانتقل عام 1930 م للعمل بقسم المراقبة على الصحف بوزارة الداخلية وأصبح بعد ذلك سكرتيرًا عامًا لجامعة فاروق الأول (الإسكندرية الآن) عام 1942 م ، ثم عاد إلى القاهرة ليشغل منصب وكيل دار الكتب المصرية ثم عميد معهد التربية التابع لوزارة المعارف ، وفي عام 1946 م اختير عضوًا بمجمع اللغة العربية بالقاهرة.

وشغل أيضًا منصب المدير العام لكل من إدارة الثقافة والتعليم الثانوى والجامعة الشعبية وإدارة مكافحة الأمية (عام 1950 م) ومعاهد المعلمين ثم عين مساعدًا لوزارة المعارف ومع بلوغه سن التقاعد قررت وزارة المعارف تعيينه مستشارًا فنيًّا لها ، واشترك في إنشاء الجمعية المصرية للدراسات الاجتماعية عام 1937 م وعُين عضوًا في أكاديمية اللغة العربية في ديسمبر عام 1947 م ، ثم عين عضوا بالمجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية ومقرر لجنة الفنون الشعبية حتى وفاته.

وقد اشتغل بالأدب منذ تخرجه حيث كتب في مجلات السفور والسياسة الأسبوعية والهلال وكان من مؤسسي مجلة الرسالة ثم مجلة الثقافة في عهدها الأول حتى أصبح رئيسًا لتحريرها ، واشترك في إنشاء لجنة التأليف والترجمة والنشر وكتب العديد من المقالات التعليمية عندما كان يشغل منصب عميد معهد التعليم حيث ناقش التعليم الثقافي والحر في مصر ودعا إلى نشر الثقافة الدينية والنهوض بالفكر الأدبي وغرس الحس الفني ومحو الأمية وشارك في تأسيس نادي القصة عام 1953 م.

وقد ترك عددا كبيرا من المؤلفات خاصة في مجال إحياء التراث العربي وإعادة تقديمه بصورة عصرية مثل رواية الملك الضليل التي تحكي سيرة الشاعر العربي امرىء القيس ورواية المهلهل سيد ربيعة التي تحكي سيرة الزير سالم وحرب البسوس ورواية الوعاء المرمري التي تحكي سيرة الملك سيف بن ذي يزن ورواية زنوبيا التي تحكي عن الزباء ملكة تدمر العربية ورواية آلام جحا التي صاغ فيها مغامرات الشخصية الشهيرة في صورة حديثة ورواية خسرو وشيرين وهي من التراث الفارسي.

 وفي مجال السير والتراجم ألف كتاب سيرة السيد عمر مكرم وكتاب صلاح الدين الأيوبي وعصره وله أيضًا روايتان تناولتا الحياة المصرية المعاصرة هما رواية أنا الشعب ورواية أزهار الشوك ورواية تاريخية هي ابنة المملوك والتي تتناول نضال الشعب في نهاية عصر العثمانيين ، وترجم عدة أعمال منها سهراب ورستم وهى ملحمة للكاتب الإنجليزى ماثيو أرنولد حيث قام بتحويلها إلى مسرحية وكتاب فتح العرب لمصر من تأليف ألفرد بتلر ومسرحية ماكبث من تأليف شكسبير.

وقد كانت له قواعد محددة للعمل الروائي ذكرها طه حسين في كتابه فصول في الأدب والنقد حيث يقول : ” للأستاذ فريد أبو حديد رأي في القصة صوَّره لي في بعض كتبه إليَّ فهو لا يسمي الأثر الأدبي قصةً إلا إذا اجتمعت له شروط أربعة ، الأول أن تشتمل على حوادث تُقَصُّ وتُحكى الثاني أن تشتمل على وصف للأشياء والأحياء الثالث أن تشتمل على أشخاص يصورهم المؤلف تصويرًا دقيقًا واضحًا الرابع أن تشتمل على حوار يشيع في القصة بين هؤلاء الأشخاص ، فإذا فقدت القصة شرطًا من هذه الشروط لم تستحق عن الأستاذ فريد أبو حديد أن تسمى بهذا الاسم ويجب أن يلتمس لها اسمٌ آخر وأن تلحق بفن آخر من فنون الأدب “.

ويضفي المؤلف على عنترة بن شداد وصف الفارس النبيل في ذلك المقطع الذي يصف فيه معركته مع غريمه بسطام فيقول : ” وكان بسطام بن قيس فارس شيبان وفتاها ولكن لقاء عنترة لم يكن كلقاء الفرسان وقد كان أبوه يحرص على بقائه ليكون أمير القوم بعده ، وكانت أمه التميمية تحاذر عليه وتخشى أن تصيبه الكوارث فقد كان لها فتى وحيدا نشأ فى بيتها مدللا حتى كره أبوه تدليله وغضب عليها لأنها كانت تنشئه بين النساء والفتيات لا تعرضه للمشقة وتشفق عليه من مخاطر الفتيان .

وهمّ قيس يوما أن يوقع بها وبه خوف أن يشب الفتى طريا ضعيفا وهو أكبر ولده فلم يحمه من غضب أبيه إلا أن بعثت به أمه إلى إخوتها فى تميم فأخذ يخرج مع فتيانهم إلى الصيد والغزو حتى شب فارسا بارعا لا يرهب نزالا ولا يتردد فى صدام فلما عاد إلى قومه شيبان لم يلبث أن ظهر فيهم وتكشفت لهم فروسيته وصاروا يهتفون باسمه كلما ألمت بهم نازلة ، ولكن الجزع داخل أباه وأمه وعم كل قومه عندما ذاع بينهم أنه قد خرج إلى عنترة عازما ألا يعود حتى يقهر منافسه الذى جاء ينتزع منه عبلة.

فخرج قيس بن مسعود فى أهله لاحقا بابنه لعله يدركه قبل أن يصطدم بذلك الفارس المخيف الذى عرفوا جميعا أن الاصطدام به موت غير مردود.ولم تطق أمه البقاء خلفهم فسارت معهم متلهفة تبكى كأنها قد ثكلته ، وطلع الصباح عليهم وهم يسرعون في الطريق يتعقبون آثار بسطام لعلهم يدركونه قبل النزال  ، وأراد عمرو بن مالك أن يخرج معهم فرده قيس فى شىء من العنف لأنه هو الذى زين لابنه الخروج للقاء غريمه المخيف.

وقد عزم قيس في نفسه إذا عاد إلى منازله أن يرد جواره عن مالك وأهله حتى يخرجوا عن قومه تشاؤما بمقامهم بين ظهرانيهم ، وحميت شمس النهار وكانوا لا يزالون يضربون في الصحراء على غير هدى فقد كان سيرهم بطيئا وهم يتتبعون آثار فرس بسطام فوق الأرض الصخرية الصلبة ، وتشتت العبيد فى شعاب الطريق لعلهم يعرفون موضع سيدهم فكانوا يعودون واحدا بعد واحد بعد أن يوغلوا في جوانب الفلاة فلا يهتدون إلى يقين وكانت الشمس تتكبد السماء عندما عاد أحد العبيد مسرعا يلوّح بردائه فى الهواء فأسرع ركب قيس إليه فصاح العبد من بعيد : أبشروا بسلامة بسطام.

فصاح قيس بن مسعود : أو قتل عنترة ؟ ، فصاح العبد : بل لم يقتله عنترة ، ولما وصل العبد إليهم حدثهم عن سيده فقال إنه قد رآه مشدودا فى وثاقه عند عنترة ولكنه كان سليما لم يصبه شىء فى النزال ثم قص عليهم قصته ..

ذهب بسطام إلى عنترة في أول الصباح فناداه ودعاه إلى قتاله وحاول عنترة أن يدفعه عنه قائلا إنه لم يأت إلى شيبان مغيرا ولا عدوا ولكن الفتى أصر في عناد وأقبل عليه شاهرا رمحه فلم يملك عنترة إلا أن يبرز له ولكنه طاوله واقتصر على الدفاع عن نفسه حتى أصابه منه جرح في ذراعه فصاح به : أما كفاك أن جرحت عنترة ؟  فصاح بسطام مباهيا : بل جئت أطلب رأسك أيها العبد لأعود به على سنان رمحى”.

فملك عنترة غضبه ومضى فى قتاله مدافعا مطاولا فما كان يجب أن يقتله وعبلة مقيمة فى شيبان وما كان يجب أن يعود أدراجه بغير أن يلم بأرض شيبان ليرى عبلة فيها ويطلب عفوها ويستعيد رضاها فما زال بالفتى حتى استطاع أن يدفعه بزُج رمحه دفعة أطاحته عن فرسه ووقف فوق رأسه بسيفه مجردا ، فنظر بسطام نحوه ساكنا يتوقع منه طعنة تنفذ فى صدره أو ضربة نحو رأسه ولكن عنترة قال : قم أيها الفتى واستأنف قتالك إذا شئت فإنى لا أجهز على صريع.

فقام الفتى يجمع نفسه وهو حانق والخجل يزيده حرصا على النزال وقال له فى غضب : ويلك أيها العبد ، فقال عنترة : وما الذى يحملك على قتالى أيها الفتى ؟ إنك تحرضنى على الغضب وأنا أكره أن أقتلك ، فقال بسطام : أغرك أن وجدت منى غرة فتريد بها أن تذلني وتطمع أن يتحدث العرب أنك عفوت عنى ؟ فقال عنترة : بل قم إلى فرسك فاستأنف قتالي.

وكان جرح عنترة يشخب دما فشق شملته وربط بها الجرح ثم ركب واستأنف القتال ولكنه عاد يدافع الفتى ويطاوله حتى وجد منه فرصة أخرى فدفعه بزج رمحه فطرحه عن فرسه حتى تدأدأ على الرمل صريعا ، ووقف عنترة مرة أخرى عند رأسه والسيف في يمينه قائلا : أيسرك أن أحز رأسك حتى لا أباهى بإذلالك ؟!! ، فوقف الفتى ونظر إليه حينا فى صمت ثم قال : ألا تخبرنى ما الذى يدعوك إلى مدافعتى فى القتال ومطاولتى لقد عرفت أنك لا تريد قتلى فكان ذلك سبب هزيمتى ولو رأيتك تحرص على أن تضع رمحك فى مقاتلى لاستبسلت فى قتالك وانتصفت منك إنك أيها الرجل قد خدعتنى عن نفسى.

فقال عنترة فى هدوء : لم أخدعك لأننى لم أحب قتلك ، فقال بسطام : وكيف وقد خرجت لا أريد إلا قتلك ، فقال عنترة : إنما أتيت أقطع الصحراء إلى منازل أبيك يا بسطام لا أرجو إلا أن أكون صديقا جئت لأرى ابنة عمى وأطلب عفوها وأتذلل لها ، فقال بسطام : وما لجاجتك فى الزواج ممن لا يرضونك صهرا ؟ أأنت تحبها أم تريد أن تشرف بزواج مالك بن قراد ؟ ، فقال عنترة فى هدوء: إنك أيها الفتى تنطق بغير لسانك ولست أحب أن أطيل معك الحديث فهل تريد أن تستأنف قتالى ؟ ، فقال بسطام منكسرا: لا أريد أن يسخر الناس منى أتعفو عنى مرتين ثم أقاتلك “.

ورواية فريد أبو حديد تختصر السيرة الأصلية بحيث تقتصر مغامرات عنترة على العصر الجاهلي وحروبه مع القبائل العربية قبل الإسلام ، أما السيرة الأصلية فهي تتجاوز ذلك كله كما يشرح الدكتور شوقي ضيف في كتابه تارخ الأدب العربي حيث يقول : ” سيرة عنترة .. أساس هذه السيرة أخبار عنترة فى الجاهلية وما جاء فيها من أنه كان ابن أمة ومن أنباء فروسيته وحبه لعبلة ابنة عمه.

ويتحول عنترة فى السيرة بطلا عظيما لملحمة عربية تمتد فيها بطولاته من العصر الجاهلى حتى نهاية القرون الخمسة الأولى للإسلام. ويقال – طبقا لرواية فى أول كتاب منية النفس فى أشعار عنترة عبس – إن أول كتابة لهذه السيرة كانت فى أيام العزيز الخليفة الفاطمى (٣٦٥ – ٣٨٦ هـ‍) إذ حدثت ريبة فى قصره جعلت أهل القاهرة يلهجون بالحديث عنها فأشار على شخص يسمى يوسف بن إسماعيل أن يشغل الناس بسيرة تلهيهم عن الكلام فيها فألّف لهم سيرة عنترة وشغفوا بها.

غير أن هذه الرواية – إن صحت – إنما تشير إلى أول ما كان من وضع السيرة إذ أخذت الأجيال تزيد فيها حتى أوائل القرن السادس الهجرى وحتى أصبحت فى اثنين وثلاثين جزءا وهى منشورة فى أربع مجلدات ، ولا تمتد فيها سيرة عنترة فى الزمان فحسب بل تمتد أيضا فى المكان إذ تشمل ساحات بطولات عنترة العالم القديم الهند وفارس ومصر والشام وجنوب أوربا وشمال إفريقيا والحبشة والسودان.

وهى موزعة بين نثر وأشعار مما أتاح لرواتها من قديم أن ينشدوها الناس على الربابة فى حفلات كانت تعقد لها ، وقد كتبت بلغة تدنو دنوا شديدا من اللغة اليومية وصيغت صياغة قصصية جذابة بحيث يقتطع الكلام فى كل جزء من أجزائها عند حادث مهم وبذلك يشغف القارئ والسامع بمعرفة الجزء الذى يليه وهكذا حتى نهايتها.

وتتسع السيرة فى عرض أخبار الجاهلية حتى نصل إلى زمن زهير ملك بنى عبس قبيلة البطل ، وتعرض السيرة مولد عنترة وبطولته فى صباه وشبابه وحبه لابنة عمه وحمايته لقبيلته ضد القبائل المنافسة لها وما فرضه عليه عمه لقاء زواجه بعبلة من أعمال شديدة الخطر جشّمته الرحلة إلى العراق وملازمة ملوك الحيرة ووفوده على إيران وتعرفه بملوكها وفى مقدمتهم كسرى وما كان من طلبهم منه العون فى منازلة بطل إغريقى.

ويصبح عنترة حاكما للشام ويفد على القسطنطينية ويقود مع إمبراطورها حروبا ضد الفرنجة ويبلغ إسبانيا ويخترق شمال إفريقيا إلى مصر ويستعين به ملك روما ضد بوهمند ويقتله وهو أحد أمراء الحروب الصليبية الأولى وكان نورمانديّا إيطاليا ، وكأن المؤلف الأخير للسيرة كان يعرف أصله وموطنه ، ومعروف أن الحملة المذكورة نزلت آسية الصغرى سنة ٤٩٠ للهجرة ولذلك نقول إن ميادين السيرة وساحاتها البطولية تمتد حتى نهاية القرن الخامس الهجرى.

وليس بوهمند فقط الوحيد من أمراء الحملة الصليبية الذى يلقانا فى السيرة إذ يلقانا فيها أيضا زواج عنترة من أميرة إفرنجية وإنجابه منها الجوفران وربما كان تحريفا لجود فرى صاحب بويون دوق اللورين الأدنى الذى استولى على بيت المقدس سنة ٤٩٢ ولم يلبث أن توفى وخلفه أخوه بلدوين ، وبطولات عنترة فى السيرة تتسع لا لتشمل ميادين الحروب الصليبية والبلاد الأوربية فحسب بل أيضا لتشمل الهند والسودان وبلاد النجاشي وعرف عنترة أنه جد أمه زبيبة.

وكل من يقرأ السيرة يرى أن أجيال المؤلفين التى تداولتها كانت أجيالا بصيرة بتاريخ العرب فى الجاهلية وما اتصل بها من قصة إبراهيم الخليل وتاريخ العرب فى الإسلام وفتوحاتهم العظيمة وتاريخ الفرس وملوكهم وبلاطهم وآدابهم وتاريخ الحروب الصليبية وطقوس النصارى وشعائرهم وأعيادهم ، والسيرة ملحمة رائعة للبطولة العربية التى مثّلها عنترة أروع تمثيل فى أكثر من خمسمائة عام ومثّل معها فضائلها النبيلة التى نقلها الصليبيون إلى ديارهم وقد تخللت السيرة أحلام وروّى وأساطير وخوارق عجيبة “.

43 / قطر الندى

(قطر الندى) هو الاسم الأشهر الذي عرفته في طفولتي عندما كنت أسمع حواديت ما قبل النوم من والدتي رحمها الله حيث كانت تقص علي قصة الأميرة الحزينة المحبوسة في قصر مهجور وتدمج معها أجزاء من حكايات سندريلا وسنوايت وغيرها من الحكايات الشعبية وقصص ألف ليلة وليلة ، وبعد أن قرأت في التاريخ عرفت أن هذا الاسم يخص أميرة من القرن الثالث الهجري وهي ابنة خمارويه بن أحمد بن طولون.

وقد اشتهرت (قطر الندى) الحقيقية بسبب احتفالات زواجها الأسطورية على الخليفة العباسي وموكبها العظيم الذي سار من مصر إلى العراق حيث توفيت هناك في ريعان شبابها عام 287 هـ / 900 م ، وقد أطنب المؤرخون في وصفه وما كان فيه من كنوز تعبر عن الثراء الفاحش والاستقبال المهيب لها في عاصمة الخلافة في يوم الأحد لليلتين خلتا من المحرم سنة 282 هـ وكان سفرها من مصر في أواخر سنة 281 هـ.

وقد تم هذا الزواج لأسباب سياسية تنهي الخصومة بين الطولونيين ودار الخلافة العباسية في بغداد وحظيت الأميرة بهذا اللقب بسبب ما خصصه والدها لها من الرفاهية والنعيم فكأنها قطرات الندى المتحدرة على أغصان الشجر ، وقد ترجم لها الزركلي في كتابه الأعلام فقال : ” أسماء بنت خمارويه بن أحمد بن طولون من شهيرات النساء عقلال وجمالا وأدبا تزوجها المعتضد العباسي سنة 281هـ وجهزها بجهاز لم يعمل مثله توفيت ببغداد ودفنت في قصر الرصافة “.

ويروى أن والدها بنى لها في كل مرحلة من الطريق قصرا لتستريح فيه من عناء السفر وأول هذه المنازل كان قرية العباسة الذي سمي على اسم عمتها التي خرجت لوداعها هناك وقال عنها المقريزي فى خططه : ” هذه القرية فيما بين بلبيس والصالحية من أرض السدير سميت بالعباسة بنت أحمد بن طولون فإنها خرجت إلى هذا الموضع مودعة لبنت أخيها قطر الندى بنت خمارويه بن أحمد ابن طولون لما حملت إلى المعتضد وضربت هناك فساطيطها ثم بنت قرية فسميت باسمها ولم تزل هذه القرية منتزها لملوك مصر “.

وظلت حكايتها تروى في كتابات المؤرخين ومنها ما جاء عن جهازها الذي كان يحوي أربع قطع من الذهب عليها قبة من ذهب مشبك في كل عين من التشبيك قرط معلق فيه حبة من الجواهر لا تعرف لها قيمة ودكة من الذهب، تضع عليها قدمها كلما دخلت إلى حجرتها ومائة هاون من الذهب يدق فيها العود والطيب وألف مبخرة من الذهب ومئات الصناديق المحتوية على الملابس والاقراط والسلاسل الذهبية وفصوص من الاحجار الكريمة.

وفي العصر الحديث صدرت رواية تحكي قصتها من تأليف الأديب محمد سعيد أحمد العريان ، وهو من مواليد قرية محلة حسن مركز المحلة الكبرى عام 1905 م وهو ابن الشيخ أحمد العريان المدرس بالأزهر والمسجد الأحمدي في طنطا وكان من زعماء وخطباء الثورة العرابية حيث هرب من الإنجليز بعد الثورة إلى الغربية مستخفيا فيها ويرجع في نسبه إلى جده الأكبر المتصوف المعروف سيدي إبراهيم العريان.

تلقى محمد سعيد تعليمه على يد والده ثم في المعهد الأحمدي واشترك وهو شاب في ثورة 19 ثم اعتقل في عام 1925 م ، تخرج في كلية دار العلوم عام 1930 م وكان الأول على دفعته وعمل بالتدريس في شربين وطنطا والقاهرة ، عمل في وزارة المعارف بمراقبة الثقافة العامة وفي مكتب الصحافة ثم مديرا للمكتب الفني للوزير في عام 1946 م.

وبعد ثورة 52 عين في منصب مدير إدارة الشئون العامة بوزارة التربية والتعليم ثم في عام 1960 م عين وكيلا للوزارة للعلاقات الخارجية ، وهو صاحب الدور الأساسي في تأسيس نقابة المعلمين المصرية وظل سكرتيرا عاما لها منذ تأسيسها حتى وافته المنية عام 1964 م في مستشفى النقابة كما شغل موقع السكرتير العام لمؤتمر المعلمين العرب .

كان رائداً في مجالات شتى ، في ميدان الأدب والتأليف والمحاضرة والقصة والرواية والمقال وفي تحقيق التراث والتعريف بالكتب وفي السيرة والتربية والتعليم والعمل الوطني والقومي والعربي ، وهو من رواد أدب الطفل حيث قام بإصدار مجلة سندباد بهدف الارتفاع بمدارك وسلوك الطفل العربي وغرس الروح الوطنية والإيمان بعروبته ولغته.

اشتهر بصداقته وتلمذته للأديب الكبير مصطفى صادق الرافعي وهو الذي أخرج أدب الرافعي للجمهور وكتب سيرته حتى قيل عنه وصف (كاتب وحي الرافعي) ، ومن مؤلفاته الأخرى رواياتعلى باب زويلة وشجرة الدر وبنت قسطنطين كما قام بتحقيق كتاب العقد الفريد لابن عبد ربه وكتاب عبد الواحد المراكشي المعجب في تلخيص أخبار المغرب ومقدمة ابن خلدون.

ومن مؤلفاته التي تضم مذكراته الشخصية كتاب (تحت الرماد) والذي يضم مراسلاته مع زوجته توحيدة التي توفيت عام 1942 م أثناء ولادة طفلهما الثالث وكانت لهما قصة حب كبيرة حيث وتقدَّمَ لخِطْبتِها عقِبَ تخرُّجِه إلَّا أنها حُجِبتْ عنه بسببِ تقاليدِ المجتمعِ التي حرَّمتْ على الأختِ الصُّغْرى الزواجَ قبلَ الكُبْرى فلم تتمَّ الزِّيجةُ إلَّا بعدَ ثَمانِ سَنوات إلَّا أنَّ القَدرَ لم يُمهِلْه ليَنعمَ بقُرْبِها كثيرًا فلم يعِشْ معَها سوى أربعِ سَنواتٍ فحزن عليها حزنا شديدا.

وفي الرواية يقدم المؤلف تعريفا تاريخيا مبسطا بأسلوب أدبي بديع قبل أن يدخل في الأحداث فيقول :  ” قطر الندى  .. فتاة من مصر نشأت على أرض هذا البلد منذ أحد عشر قرنًا وكان لها في هذا البلد تاريخ وكان لهذا البلد من تاريخها تاريخ  ، كان جدها وأبوها وأخوها ملوكًا في مصر وليس لهم نسب في مصر ككل الملوك الذين توارثوا منذ ذلك التاريخ عرش مصر وكانت هي ملكة على عرش بغداد وليس لها نسب ولا عزوة في بغداد كأكثر ملكات بغداد في ذلك التاريخ !

ولم تكن مصر وبغداد يومذاك دولتين تفصل بينهما الحدود السياسية كما نرى في هذا الزمان بل كانا بلدين كبيرين في دولة كبيرة تنتظمهما وتنتظم معهما بلادًا أخرى وتمتد حدودها بهما وبغيرهما امتدادًا كبيرًا من شاطئ الأطلسي إلى حدود الصين وكانت بغداد عاصمة الحكم في هذه الدولة الكبيرة وكانت مصر درة عِقْدِها ، هذه الدولة الكبيرة التي كانت تنتظم مصر وبغداد وغيرهما في ذلك الزمان البعيد هي الدولة الإسلامية الكبرى التي يسميها المؤرخون القدماء (الدولة العباسية) لأنهم يسمون الدول منسوبة إلى ملوكها أو خلفائها وكان خلفاء هذه الدولة من بني العباس بن عبد المطلب بن هاشم.

على أن مصر ـ وهي جزء من تلك الدولة الكبيرة ـ كانت متميزة بطابعها الخاص عن سائر بلاد الدولة فلم تنْمَحِ شخصيتها ولم تزُلْ عنها صفاتها الأصلية وظل لها كيانها واستقلالها وتأثيرها البعيد المدى فيما حولها وما بعُدَ عنها من بلاد الدولة  ، وكان يحكم مصر ـ منذ صارت جزءًا من الدولة الإسلامية ـ أمير من قِبَل الخليفة يسمى الوالي يعزله الخليفة متى شاء ويولِّي غيره أو يبقيه حتى يموت وكان بجانب كل أمير يوليه الخليفة جابٍ للخَرَاج وموظف للمخابرات يسمى (صاحب البريد) وكلاهما يتبع الخليفة في العاصمة فليس للأمير عليهما سلطان.

وقد ظل الأمراء يتعاقبون على حكم مصر قرنين ونصف قرن منذ فتحها عمرو بن العاص إلى أن وَلِيَها أحمد بن طولون ، وفي عهد أحمد بن طولون بدأت مصر تاريخًا جديدًا وبدأت حوادث هذه القصة ، أما هذا التاريخ الجديد، فهو استقلال مصر عن الدولة الإسلامية وأما هذه القصة فهي قصة (قطر الندى) بنت خُمَارَوَيْهِ بنِ أحمدَ بنِ طولون  ، في ذلك التاريخ صارت مصر دولة مستقلة ذات سيادة وذات جيش وراية وذات مال وجاه وسلطة.

وفي تلك القصة كانت العوامل السياسية والعوامل الاقتصادية والعوامل الإنسانية التي مهدت لذلك الاستقلال وأعانت عليه ثم تطورت به فقضت عليه ، حقبة من التاريخ تصور أول كفاح مصر الإسلامية في سبيل الاستقلال وقصة من الحياة تصف أثر المال وأثر المرأة في بعض أحداث التاريخ .

وصورة من حياة الدولة الإسلامية الكبرى في مداها الواسع منذ ألف ومائة سنة تنتظم صورًا من آفاق شتى وبيئات شتى في المجتمع الإسلامي الكبير الذي كان يضم في يوم ما مئات الملايين من شعوب الهند والسند والصين والتركستان والعجم والشركس والبلغار والروم والزنج والبربر والقوط في الرقعة الفسيحة من الأرض الممتدة من جبال البرانس في أوروبا إلى ما وراء سور الصين العظيم في الشرق الأقصى .

حقبة من التاريخ وقصة من الحياة وصورة من المجتمع الإسلامي في الماضي البعيد ولون من ألوان الكفاح في سبيل الاستقلال وألوان من المقاومة لهذا الكفاح تصورها كلها قصة قطر الندى بنت خمارويه بن أحمد بن طولون ، فهي قصة فتاة وقصة أمَّة.

إن مصر والعرب والمسلمين جميعًا إذ يذكرون اليوم ذلك الماضي لَيُدْرِكون حقائق كثيرة غابت عن أسلافهم فيعرفون وقد آن أوان المعرفة كيف تحيا بعض الدول وكيف تنحل عروتها فتموت ؟! ، درس من الماضي نتعلمه اليوم؛ لنحيا ونعيش أبدًا فنحن شعب خليق بأن يحيا ويعيش أبدًا لخيره ولخير الإنسانية “.

وفي ثنايا الرواية يصف المؤلف مشهد دخول موكب العروس إلى بغداد وانبهار العامة والخاصة به فقال : ” لم يكَدِ الناس في بغداد يفرغون مما كانوا فيه من لهو ولعب في يوم الفطر ليستأنفوا حياتهم على ما تعودوا من الجد والنصب حتى شغلهم هذا الأمر الجديد فردهم إلى معنًى من معاني العيد وخلى بينهم وبين ما كانوا يضطربون فيه من أسباب العيش ، فليس في بغداد كلها شاب ولا شيخ إلا خرج ليجتلي هذا الموكب المصري العجيب في حاضرة الخلافة ويستطلع طلعه وكان موكبًا لم تشهد بغداد مثله منذ كانت.

يتقدمه فارس على سرج قد مال به فيكاد يسقط من جانبيه كأن لم يركب قبل اليوم فرسًا ولم يُشَدَّ له ركاب ذلك رجل يعرفه أهل بغداد ويعرفون أهله إنه الحسين بن الجصاص الجوهري وسخروا منه حين رأوه على رأس الموكب ثم أمسكوا وأقبلوا ينظرون زرافة قد أقبلت تتهادى من ورائه مستعلية برأسها في زهو وخيلاء ووراءها بغل أشهب قد شد إلى ظهره صندوقان قد غُلِّفا برقائق الذهب وأغلقا على ما فيهما من غيب لا يُدرَك سره .

يتبعه عشرون نجيبًاعليها سروج محلَّاة بالذهب والجوهر وفوقها رجال قد لبسوا الديباج وانتطقوا مناطق مُحلَّاة لو سِيمَت مِنطَقَةٌ منها في سوق الجوهر لكانت غنًى من فقر أو فقرًا من غنًى ، وبأيدي هؤلاء الركب حراب من فضة قد سال عليها شعاع أصفر كأنما خرجوا بها من معركة الشمس ، ووراءهم عشرون بغلًا موقَرَة بأحمالها فيها من الغالية والطِّيب وفيها من حرير دمياط ودبيق تنِّيس وفيها ما لا يعرف ولا يوصف من طرائف مصر.

يتبع ذلك عشرة غلمان بيض الوجوه من مُوَلدة الروم كأنما ولدتهم أمٌّ واحدة على مثال صوَّرَتْه فكانوا ليس بينهم اختلاف في الخلقة ولا في الزي وليس يشبههم شبيه ! ، ومن ورائهم خمس دوابَّ عليها لُجُم من ذهب ثم اثنتا عشرة دابة في لجم من فضة ثم سبع وثلاثون بجِلال مشهَّرة ووراء ذلك كله خمسة أبغل عليها السروج واللُّجُم ويتبعها سُوَّاسُها.

ومضى الركب بين زحام البغداديين كأنهم بعد العيد في عيد حتى انتهى إلى قصر المعتضد  وفتحت للموكب أبواب القصر وأُذِنَ به الخليفة ، ومَثَلَ أبو عبد الله الحسين بن الجصاص الجوهري رسول خمارويه صاحب مصر والشام بين يدي أمير المؤمنين أبي العباس المعتضد ودفع إليه كتاب خمارويه ورجا أن يأذن في قبول هديته  ، وفضَّ أمير المؤمنين غِلاف الكتاب فقرأه حتى أتى على آخره ثم أطرق يفكر في ذلك الأمر “.

44 / الظاهر بيبرس في القصص الشعبي

تختلف سيرة الظاهر بيبرس عن بقية السير العربية في كون أحداثها تدور في مصر بالأساس وبأن بطلها هو سلطان ومصر وحاكمها الأشهر الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداري وهو شخصية تاريخية وله دور حاسم في تأسيس دولة المماليك وتحقيق الانتصارات الكبرى المعروفة ضد الصليبيين والمغول ، وارتبطت منذ يومها الأول بالقاهرة عكس باقي السير التي نشأت في مضارب القبائل العربية في الدلتا والصعيد ..

وهي من السير التي يعرف كاتبها على وجه التقريب حيث خرجت إلى النور بتدبير أحد المماليك وهو عبد الله بن أيبك الداواداري المتوفي 713 هـ. واستعان فيها براوية محترف من شعراء السير الشعبية وهو ابن الديناري وجمع فيها المعلومات الأساسية من ثلاثة آخرين هم كاتب السر وناظر الجيش والصاحب (الوزير) ، وتكفل بنشرها قصاصون محترفون أطلق عليهم الظاهرية وسميت مجالسهم باسم المقاهي الظاهرية ..

ويبدو أنها كانت محاولة من المماليك لمنافسة القبائل العربية في التغني بأبطالهم القدماء من الفرسان والشعراء وتخليد بطولات المماليك في ظل الصراع الشرس بين العرب والمماليك طوال فترة حكمهم ، ورغم ذلك فإنها ظهرت باللغة العربية وليس بلغات المماليك بل وتم تعريب الشخصيات بحيث أصبح اسم البطل محمود بيبرس وأمه بالتبني هي الملكة فاطمة شجرة الدر ووالده بالتبني هو الملك الصالح نجم الدين ..

وحفلت السيرة الظاهرية في محتواها بالعديد من الأمثال الشعبية الدارجة وكذلك عدد من العوام من أنصار بيبرس منهم جمال الدين شيحة صاحب (ملاعيب شيحة) وبراعته في التنكر وتقمص الشخصيات وسليمان الجاموس وعثمان بن حبلة السايس وإبراهيم الحوراني بطل العدو وأولاد إسماعيل الفداوية ، وذلك في مقابل أعدائه من الصليبيين وهم أبو الشر وسرجويل المهري وعقيرب وظنيط والعايق عكرتر وحبظلم بظاظا ..

وقد نجحت عملية تحويل بيبرس تحديد إلى بطل شعبي دون بقية الحكام في زمنهم بما فيهم صلاح الدين الأيوبي وسيف الدين قطز وغيرهم لأن بطولات بيبرس كلها حدثت وهو فارس مقاتل وقبل أن يكون في سدة الحكم حيث كانت معاركه الأهم وهي المنصورة وعين جالوت قبل توليه السلطنة وكانت له مواقف مشهودة بالجرأة والشجاعة والقوة والمروءة تجذب له البسطاء ويتحاكى بها الناس فكان بطلا من البداية إلى النهاية.

ومن أوائل من درس السيرة الظاهرية بشكل علمي منهجي هو الأديب والأكاديمي عبد الحميد يونس الذي ولد بالقاهرة عام 1910 م وتوفي فيها عام 1989 م وهو أحد رواد الأدب الشعبي في مصر وذلك من خلال رسالته للماجستير (الظاهر بيبرس في القصص الشعبي) ، وقد قام فيها بتحليل عناصرها الأساسية ثم تناول الأبطال والأحداث بالدراسة والتحليل وقام بالتعليق على أسلوب السرد والخلفية الثقافية للسيرة وتاريخها وعلاقتها بالخرافة.

وضمن في الفصول ذكر العناصر ومنها الأكراد الأيوبية والفداوية وأمراء البحر ثم الأبطال وهم الملك الظاهر بيبرس والمقدم جمال الدين شيحة وجوان وعثمان بن الحبلى ومعروف بن حجر ، واستهلها بإهداء يجمع بين الواقع والخيال حيث قال : ” إلى وجدان الشعب العربي الذي ينتظر البطل دائما وكلما ظهر في أفقه عرفه وأشار إليه واندمج فيه وحقق معه المعجزة في رأب الصدع وجمع الشمل وتحقيق الكرامة للفرد والجماعة على السواء “.

حصل عبد الحميد يونس على البكالوريا عام 1932 م رغم إصابته بضعف شديد في حاسة البصر وحاول الالتحاق بكلية الآداب قسم اللغة العربية إلا أن طلبه قوبل بالرفض بسبب إعاقته فاستعان بطه حسين عميد الكلية وقتها والذي قبل طلبه ، وعمل صحفيًا بمجلتي الرسالة والمجلة أثناء دراسته الجامعية وأسس مجلة الراوي عام 1935 م وتخرج عام 1940 م وحصل على الماجستير عام 1946 م ثم الدكتوراه عام 1950 م.

وقد تخصص في دراسة التراث المصري والفولكلور وأصبح أول أستاذ للأدب الشعبي عام 1957 م ودرس ظاهرة الانتحال في الفنون الشعبية بين العلم والميثولوجيا وانتُخب رئيسًا للمجلس العربي للأدب الشعبي وأسس مركز الدراسات الفنون الشعبية وجمعية النور والأمل للكفيفات وكان له نشاط كبير في مجال ذوي الاحتياجات الخاصة ، وأسس مجلة الفنون الشعبية عام 1965 م كما انتخب رئيسا لجماعة الأمناء الأدبية خلفا لأمين الخولي.

وقد ترك أكثر من أربعين كتابا من أهمها كتاب الحكاية الشعبية وكتاب الأسطورة والفن الشعبي وكتاب سيرة بني هلال وكتاب حكاية الصقر شاهين وكتاب مجتمعنا وكتاب معجم الفولكلور وكتاب خيال الظل وكتاب في الأدب المغربي المعاصر وكتاب دفاع عن الفولكلور وكتاب الأسس الفنية للنقد الأدبي ، وفي رسالته للدكتوراة تناول بالتفصيل السيرة الهلالية ومكانتها في التراث الشعبي العربي وعنوانها (الهلالية في الأدب والتاريخ).

ويتحدث المؤلف عن الصعوبات التي واجهها في حياته بسبب مرضه فيقول : ” ويخيل لي أنني ما دامت ظروفي على ما هي عليه، فإنني سأظل شقيًا طيلة عمري فهل أختصر الطريق وأرحل إلى غير رجعة ، ولكن صوتا من الأعماق يهيب بي أن اترك هذه الوساوس واعمل كما كنت وسر في طريقكَ ولا تحفل بشيء ولا يهمك وعد أو وعيد حتى تظفر بما تريد ورأسي الآن تعج بالأفكار والأخيلة ولست أعلم ما سوف يكون من أمري وكم أشك اليوم في قيمة الحياة ، يا رب فيم مجيئنا وفيم عذابنا وحق الشعر لو سئلنا لاخترنا على الوجود العدم ولكن الثبات الثبات ولتكن آخرتي مثل آخرة كل حر لقد وجدت رغما عني فلأغادر الدنيا رغما عني وليكن ما يكون “.

وكتب عن منهجه في الحياة وذلك في مجلة الرسالة فقال : ” فرسالةُ الأديب أن يُميّز لنفسه وللناس هذه الفكرة الإلهية بما فيها من روعةٍ وجمالٍ وقوة وأن يقف إلى جانبها مُعجباً متعجباً وأن يذيعها في الناس حتى يكونوا أنعمَ بحياتهم وأقدر على فهم وجودهم ، عليه أن يسمو بهم فوق رغبات العيش المادي من طعامٍ وشرابٍ وكساء وأن يُحررهم (ولو إلى حدٍ ما) من قيود الزمان والمكان.

وأظنك تستطيعُ أن تتخذ هذا التعريف مقياساً تُوازن به بين الأدب الحي والأدب الميت فكما يوجد في هذا العالَم أطباء ودجالون يدّعون الطب كذلك يوجد أدباء وأدعياء يدعون الأدب ، وإذا كنت تحرصُ الحرصَ كله على التمييز بين النقود الصحيحة والنقود الزائفة وهي التي تحصل بها على أغراضك المادية فالأجدر بك أن تكون أكثر حرصاً على التمييز بين الآثار الأدبية الصالحة والآثار الأدبية الزائفة وهي التي تحصل بها على أغراضك الروحية “.

وتقع السيرة الظاهرية الأصلية في خمسة مجلدات كبرى يتجاوز الواحد منها خمسمائة صفحة وهي تمجد في شخصية بيبرس وتزيل عنه أي شبهة أو نقيصة وترفعه إلى مصاف الأبطال الأسطوريين ، وتبدأ الأحداث باستلاء هلاون (هولاكو) على بغداد حيث اختفت شخصية قطز وأدمجت في شخصية بيبرس الذي صار من أبناء الملوك بينما صار أيبك من أعدائه الأشرار الذي اغتصب عرش والده بالتبني الصالح أيوب الذي تقدمه السيرة كأنه الأولياء الطيبين.

وتحتل فكرة النبوءات المستقبلية مكانة مركزية في السيرة وإدماجها مع شيوخ الصوفية المعروفين شعبيا آنذاك ، على سبيل المثال : ” عندما مرض الفتى محمود بيبرس مرضا شديدا وهو في بلاد الشام عند السيدة حسنة الدمشقية ولم تفلح معه العلاجات فحملوه إلى المارستان وهو يرتجف من الحمى ويعاني من شدة الألم ولا يقوى على تناول الطعام ويشتكي من السهاد وعدم النوم من أيام ، فلما كانت تلك الليلة أخذه المنام بأمر مدبر الأكوان لما سبق في علم  الملك الحنان المنان وإذا قد ظهر في ذلك المكان نور عظيم يأخذ البصر السليم ، وفي عقب ذلك النور رجل عابد زاهد شكور قد أقبل وهو يصيح بسم الله بسم الله المكان خالي يا عباد الله.

وعند ذلك النداء أقبل بضعة رجال وقد صفوا الكراسي في الجهتين ثم أتوا بكرسي كبير ووضعوه في صدر ذلك المجلس وصاح الرجل الأول وهو نقيب الرجال يا سادة الأرض ذات الطول والعرض أحضروا ذلك المحضر كما أمر قطب الأقطاب الأكبر سيدي أحمد البدوي الشريف العلوي صاحب الإمداد النبوي ، فأقبلت الرجال كأنهم الأقمار وجلسوا ذات اليمين وذات اليسار ووقف النقيب بين أيديهم يمدح مرشدهم وهاديهم حتى تكامل الديوان وحضر كامل الإخوان ، ثم قالت الرجال أين السلطان وبطل الأبطال فقال لهم النقيب تأنوا حتى يحضر باقي الأقطاب ثم إنه بدأ يمدح الرسول الحبيب.

ولما فرغ نقيب الرجال من المديح النبوي أقبل ثلاثة من أقطاب الرجال وسلموا على بعض الأبطال وقد وضعت لهم الكراسي العوال وجلسوا بين الرجال وراق الحي وذهب الضلال ونامت الأعين بإذن الكريم ذي الجلال ، ولما استقر بهم القعاد أقبل فحل الرجال الأجواد صاحب العطايا والإمداد كثير العدل والرشاد وخادم باب سيد العباد وبيده قضيب خيزران ما فيه اعوجاج وبين يديه ينادي المنادي يا أبا فراج يا أبا فراج ، فلما سمعت الرجال بذلك نهضوا جميعا الرفيع منهم والوضيع ووقفوا على كراسيهم وأجلسوه وقبلوا يديه وظلوا واقفين على أقدامهم حتى جلس على الكرسي أمامهم وبعد ذلك أمرهم بالجلوس فجلسوا ولم يكن أحد منهم يتكلم بكلمة قبله والنقيب بين يديه ينتظر أمره ونهيه قدر ساعة من الزمن.

ثم إن الأستاذ الأكبر شيخ العرب قرأ الفاتحة لسيد البشر وأمر النقيب بقرائتها بالجهر فقرأ النقيب وقد كانت لكل الأمور فاتحة وبها ناجحة ، وبعد ذلك أذن الأستاذ بالكلام لكل من يريد بشرط أن يظهر معانيه ومبانيه فقال أحد الرجال مخاطبا الأستاذ وهو يشير إلى بيبرس النائم يا سلطان الرجال وبطل الأعيان هذا ملك الزمان وفارس العصر الأوان وهو الذي ينصر الإسلام ويقيم الأحكام ويذل جيوش اللئام ، وقال الثاني هو هذا الذي يفتح السواحل والبلاد وتطيعه أهل السواد وينصره النبي الهادي ، وقال الثالث سبق في علم الله أن كل شيء بقضاء الله فاطلبوا له من الله أن يكشف ضره وبلاه ، وقال رجل آخر اطلبوا من خالق البرايا واسألوا صاحب العطايا أن يزيل عنه جميع المضرات فما منكم إلا وهو مجاب الدعوات وتكلم كل إنسان منهم بمثل هذه الإشارات.

أشار السيد أحمد البدوي إلى بيبرس ثم قال اعلموا أن هذا ولدي ولا بد أن يأخذ عهدي ويحفظ ودي وأنا سألت الله العظيم رب موسى وإبراهيم وزمزم والحطيم أن الله ينصره على جميع أعدائه ويذل له العتاة ، وقال الدسوقي أسأل الله العظيم رب موسى الكليم أن الله يريه ليلة القدر عن قريب ويكون دعاه فيها مجيب ، وقال الجيلاني أسأل الله تعالى أن يعلي قدره ويدبر أمره ويهدي سره ويطيل حكمه ، وقال الرفاعي اللهم اشف كل من كان في هذا المكان لأجل خاطر هذا الإنسان.

ثم بعد ذلك قرأوا الفاتحة وجلسوا وأشار السيد البدوي إلى النقيب وأمره بإحضار طعام الكشك الموجود عند رأس بيبرس ففعل النقيب ذلك وقدمه له وللأعيان وقال دستور يا سلطان أقدم لك هذه الهدية ولي الأمان ، فقال السيد البدوي والله إنها لهدية عظيمة وعزومة مقبولة غير ذميمة اللهم اشف كل من أكل منه ، ثم مد يده في الطعام ولعق لعقة واحدة وكذلك فعل كل الرجال ثم بعد ذلك قال للنقيب ضع هذا مكانه فالله يجود على من جاد علينا بإحسانه ، ثم نفض المنديل فسار كل منهم إلى حال سبيله وأخذ النقيب الكراسي وانصرفوا فهذا ما كان من أمرهم.

وأما بيبرس فإنه بعد ذلك استيقظ وأفاق فوجد طاجن الكشك بجوار رأسه وشعر بالجوع الشديد فأكل منه حتى شبع ثم غسل يده وحمد ربه ووضع رأسه فنام هانئا ، وأما السيدة حسنة فقد فرحت غاية الفرح واتسع صدرها وانشرح ونزلت من مكانها وأخذت باقي الكشك بيدها ودارت به على الضعفاء وصارت تطعم كل واحد منهم بيدها ، وبأمر الله الكريم محى عنهم ذلك السقم والأنين ثم مرت أربعون يوما فأتاه الشفاء بإذن خالق السماء “.

وحول دوافع المصريين لتبني السيرة الظاهرية يتحدث عنها الدكتور شوقي ضيف في كتابه تاريخ آداب اللغة العربية فيقول : ” سيرة الظاهر بيبرس .. كان طبيعيا أن يضع المصريون سيرة شعبية طويلة للظاهر بيبرس بطل موقعة عين جالوت التى لم تقم بعدها للتتار قائمة بل لقد ولوا الأدبار إلى الشمال فى الشام وبيبرس يلاحقهم حتى اتجهوا شرقا إلى شمالى العراق.

وبمجرد استيلائه على الحكم فى مصر سنة ٦٥٨ أخذ يثّبت حكمه باستقدامه أحد سلالة العباسيين وكان من أبناء الخليفة العباسى الظاهر ونجا من مذبحة المغول ببغداد ونزل دمشق، فاستدعاه بيبرس إلى القاهرة وبايعه بالخلافة وبذلك أصبح بيبرس حاميا لها وتبعه فى حمايته سلاطين المماليك إلى أن أخذ السلطان سليم العثمانى فاتح مصر الخليفة العباسى معه إلى القسطنطينية.

وكان بيبرس سيوسا حازما وقائدا ماهرا فاتسع بدولته فى الجنوب ببلاد النوبة ودانت له القبائل فى ليبيا وهزم التتار على الفرات فى غير معركة وأوقع بالأرمن خسائر فادحة وكال للصليبيين ضربات قاصمة واستولى على كثير من قلاعهم وحصونهم ودان له الحشاشون الفدائيون داخل الشام بالطاعة ، وتعدّ أيامه أزهى أيام مصر زمن المماليك وأعظمها ازدهارا لذلك كان من الطبيعى أن تؤلّف عنه سيرة شعبية وهو فيها بطل عربى يسمى (محمود بيبرس) وقد مثلوا فيه الفروسية العربية ومظاهرها الباسلة وخاصة فى حروبه مع الصليبيين.

ولغة السيرة عامية والنثر يغلب فيها بالقياس إلى الشعر ولذلك لم تكن تنشد بل كانت تروى وتنسب إلى أربعة رواة أصليين هم ابن الدينارى وكاتم السر أى كاتب السر وناظر الجيش والصاحب والدويدارى (تحريف للدوادار) وهو الأمين الخاص للسلطان ، وتتداخل فى السيرة قصص طويلة كقصة إبراهيم الحورانى ورحلته إلى روما.

وتتحدث السيرة عن نشأة محمود بيبرس وعلاقته بالسلطان الأيوبى نجم الدين الملقب بالملك الصالح وما عهد إليه من الأعمال وصلته بشجرة الدر وأبيك وقطز وتصف جلوسه على عرش مصر وامتداد حروبه وساحات بطولته إلى أوروبا وتعرض أعماله وإخضاعه الفدائيين الحشاشين المشهورين بكثرة اغتيالاتهم منذ زعيمهم الحسن الصبّاح وتذكر من زعمائهم جمال الدين شيحه ولعله صاحب القبر المعروف باسمه فى دمياط.

ومن أبطال السيرة معروف زوج مريم الزنارية النصرانية وقد أنجبت منه ابنا حاربه قبل أن يعرفه ، ويبدو أن هذه السيرة لم تكتب فى عهد قريب من الظاهر لأن الأحداث التاريخية وأسماء الأبطال سوى الظاهر يشوبها كثير من الخيال وتحفل بأساطير وأعمال خارقة للعادة وترجح كتابتها بعد القرن السابع وقد تكون كتابتها تأخرت إلى القرن التاسع الهجري “.

45 / ألف ليلة وليلة

(ألف ليلة وليلة) هو عنوان الرسالة التي قدمتها الدكتورة سهير القلماوي (1911 ـ 1997 م) ونالت بها درجة الدكتوراة في كلية الآداب بالجامعة المصرية في عام 1941 م وبذلت فيها جهدا رائعا في البحث من الجذور التاريخية والأدبية لمجموعات الليالي العربية التي اشتهرت بهذا الاسم ، وتتبعت المؤلفة جهود الباحثين الغربيين وترجماتهم وتفسيراتهم لكيفية نشأة هذا العمل وانتقاله من العراق والشام إلى مصر ثم إلى تونس والمغرب العربي.

وتتبعت المؤلفة ما جاء من إشارات حولها في كتابات المسعودي في مروج الذهب وابن النديم في الفهرست والأصفهاني في كتابه الأغاني وكذلك كتاب هزارأفسان الفارسي القديم وغير ذلك ، وتناولت بالعرض عددا من القصص المميزة التي تحمل دلالات خاصة مثل قصة عمر النعمان وقصة علي الزيبق وقصة حسن البصري وقصة علاء الدين أبي الشامات وقصة سيف الملوك وبديعة الجمال وقصة عزيز وعزيزة وغيرها.

وقسمت الرسالة إلى ثلاثة أقسام الأول بعنوان ألف ليلة وليلة في الشرق والغرب والثاني بعنوان تأليف الكتاب والثالث يضم عدة فصول تتناول كلا من الآتي : (الخوارق ـ الموضوعات الدينية ـ الموضوعات الخلقية ـ الحيوان ـ الحياة الاجتماعية ـ الموضوعات التاريخية ـ الموضوعات التعليمية ـ المرأة) ، وقد صدرت الرسالة بإهداء إلى عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين والذي أولى المؤلفة فائق عنايته وأثنى على جهدها وذكر ذلك في تقديمه للرسالة.

وقد قال في مقدمته : ” ثم تأتي البراعة هذه الرسالة من موضوعها فهو ألف ليلة وليلة هذا الكتاب الذي خلب عقول الأجيال في الشرق والغرب قرونا طوالا والذي نظر الشرق إليه على أنه متعة ولهو وتسلية ونظر الغرب إليه على أنه كذلك متعة ولهو وتسلية ، ولكن على أنه بعد ذلك خليق أن يكون موضوعا صالحا للبحث المنتج والدرس الخصب وقد أرادت سهير القلماوي أن يرتفع الأدب الشعبي إلى حيث يشغل العلماء والباحثين وحاولت أن ترفع ألف ليلة وليلة أول ما ترفع من ذلك “.

والدكتور سهير القلماوي من أوائل من التحق بالجامعة من السيدات وأول امرأة مصرية تحصل على الماجستير والدكتوراه في الآداب وأول من عينت في هذا المجال في هيئة التدريس بالجامعة ووصلت إلى رئاسة قسم اللغة العربية ، وهي واحدة من رواد الحركة النسوية والدفاع عن قضايا المرأة وتولت رئاسة الاتحاد النسوي ورئيسة الهيئة المصرية العامة للسينما والمسرح والموسيقى ورئاسة المؤتمر الدولي للمرأة وقادت أول اجتماع للفنون الشعبية.

واختارها طه حسين لتكون مساعدة رئيس تحرير مجلة جامعة القاهرة لتصبح بذلك أول امرأة تحصل على رخصة الصحافة في مصر كما عملت أثناء فترة دراستها كمذيعة لخدمة البث الإذاعي المصري ونالت منحة لإجراء أبحاثها في باريس لنيل درجة الدكتوراه ، ودخلت البرلمان مرتين في عام 1958 م وفي عام 1979 م وتولت ، وفي عام 1962 شكلت لجنة للإشراف على منظمة الفتيات الفلسطينيات تعبيراً عن دعمها للقضية الفلسطينية.

ومن مؤلفاتها الأخرى كتاب أحاديث جدتي وكتاب أدب الخوارج وكتاب في النقد الأدبي وكتاب الشياطين تلهو وكتاب ثم غربت الشمس وكتاب المحاكاة في الأدب وكتاب العالم بين دفتي كتاب وكتاب ذكرى طه حسين وكتاب المرأة عند الطهطاوي وكتاب أزمة الشعر بالإضافة إلى جهدها في الترجمة مثل قصص صينية لبيرل بك وعزيزتي اللويتا والرسالة السابعة لأفلاطون وعشر مسرحيات لشكسبير وأكثر من عشرين كتاباً في مشروع الألف كتاب.

ولا شك أن جزءا كبيرا من مخزون القصص الشعبي في ثقافتنا المصرية يرجع إلى التحفة الخالدة كتاب ألف ليلة وليلة مثل حكايات علاء الدين والمصباح السحري وعلي بابا والأربعين حرامي والسندباد البحري ورحلاته السبعة ، وأقدم مخطوطة لها باللغة العربية ترجع إلى القرن الثالث عشر الميلادي حيث تم تجميع مئات القصص والحكايات والتي ترجع في أصولها الأولى للثقافة الفارسية والهندية .

وترى المؤلفة أنه بعد قيام الدولة العباسية نشطت حركة الترجمة وتمت إعادة صياغة الحكايات باللغة العربية في إطار الثقافة الإسلامية وإضافة قصص جديدة لم تكن موجودة من قبل حيث صار الخليفة هارون الرشيد ووزراؤه من أبطال القصص وتكونت (المجموعة البغدادية) والتي تشمل أحاديث الغرام ومجالس السمر وفيها حكايات مثل علي بن بكار وشمس النهار وحكاية أنس الوجود والورد في الأكمام.

ثم انتقلت إلى مصر في منتصف القرن الخامس الهجري كما تقول الدكتورة سهير حيث يذكر المَقَّري في كتابه نفح الطيب إلى أن ابن سعيد الأندلسي الغرناطي المتوفى سنة 685 هـ يذكر في كتابه المحلى بالأشعار ما يدل على أن كتاب ألف ليلة وليلة كان شائعاً ومعروفاً في مصر في القرن السادس الهجري أي في زمن الأيوبيين ، وتضم حكايات جديدة تم تأليفها في بلاد الشام ومصر تميل إلى الخيال بدون حدود.

ومن هذه الحكايات : جودر التاجر وإخوته  ـ مسرور التاجر مع معشوقته زين المواصف ـ علي شار مع زمرد الجارية ، وهي جميعا تدور حول فكرة عالم الجن والطلاسم والسحر وتحكي حركة التجار المستمرة ورحلاتهم ومت لاقوه من عجائب وطرائف ، وفي العصر المملوكي تمت إضافة قصص حول الزهاد واللصوص مثل حكايات كل من : معروف الإسكافي  ـ أبو قير وأبو صير ـ مدينة النحاس ـ  الرجل الصعيدي وامرأته الإفرنجية.

وتحوي الليالي على قدر من الأشعار مثل محاولة شهرزاد أن تعلم الملك شهريار الرومانسية المفقودة عنده من خلال حكايات الغرام ومنها حكاية الأمير قمر الزمان وحبيبته بدر البدور التي أرسل لها قائلا : ” ولقد ندمت على تفرق شملنا .. دهرا وفاض الدمع من أجفاني .. ونذرت إن عاد الزمان يلمنا .. لا عدت أذكر فرقة بلساني .. هجم السرور علي حتى أنه .. من فرط ما قد سرني أبكاني .. يا عين صار الدمع منك سجية .. تبكين من فرحي ومن أحزاني ” ..

وتذكر الدكتورة سهير أن حكايات علي الزيبق وبطولاته قد دونت في رواية ألف ليلة وليلة تحت عنوان حكايات علي الزيبق وأبوه حسن راس الغول وما جرى لهما مع دليلة المحتالة وابنتها زينب النصابة ، وأشارت إلى وجود أبطال السيرة فيها في أكثر من موضع مثل فاطمة الشريفة وكذلك المجوس عباد النار دليلة المحتالة وابنتها زينب النصابة وسنقر الكلبي وغيرهم  كما ذكرت أن الزيبق هو الوحيد في أبطال الليالي الذي أحب أربع نساء وتزوجهن جميعا.

وعندما انتقلت كتابات ألف ليلة وليلة إلى مصر تمت إعادة صياغة القصة لتدور أحداثها بين بغداد والقاهرة وتغيرت أسماء الأبطال حيث صارت والدته هي فاطمة الفيومية وزعيمة المجوس دليلة العراقية المحتالة وصار سنقر الكلبي هو مقدم درك السلطنة ، وأضيف إليها شخصية أحمد الدنف وهو لص له حكايات في فن السرقة يطول شرحها أعدم بأمر قايتباي عام 891 هـ وأقيم له مولد سنوي بالقاهرة كما ذكر ابن إياس وابن تغري بردي.

ورويت السيرة شفاهة في العصر العثماني حيث كانت تحمل دلالات سياسية واعتراض مبطن على الأحوال المعيشية والفساد المستشري للأمراء ، وحفلت بالكثير من العبارات العامية والمبتذلة والخادشة للحياء وكلمات السباب الشعبية الدارجة ، وقد جمعت كتابة في القرن التاسع عشر تحت عنوان : (كتاب قصة المقدم علي الزيبق الذي تفرد بالشطارة والعياقة على جميع من تقدم وسبق .. تأليف الكامل الحافظ أحمد بن عبد الله المصري)

أما الجذور التاريخية لقصة علي الزيبق فترجع إلى عام 444 هـ / 1052 م عندما حدثت في بغداد اضطرابات سياسية ومذهبية تسببت في إنهاء حكم البويهيين وبداية حكم السلاجقة ، وأثناء هذه الفوضى حدث انهيار للسلطة في عاصمة الخلافة العباسية لكن واحدا من زعماء العيارين يدعى علي الزيبق تمكن من السيطرة على الأمور وضبط الأسواق لفترة مؤقتة وتمتع بشعبية لافته بين العامة حيث روي عن طائفة العيارين والشطار احترافهم للسرقة لكن من الأغنياء ليعطوها الفقراء.

وجاءت حكايات العيارين في كتابات المؤرخين حيث يشير المؤرخ عز الدين ابن الأثير في كتابه الكامل في التاريخ إلى أن علي الزيبق قد تمكن من الاستيلاء على السلطة في بغداد وجباية أسواقها فقد ذكر في حوادث سنة 444 هجرية قوله : ” وفيها حدثت فتنة بين السنة والشيعة في بغداد وامتنع الضبط وانتشر العيارون وتسلطوا أي تولوا السلطة وجبوا الأسواق وأخذوا ما كان يأخذه أرباب الأعمال وكان مقدمهم الطقطقي والزيبق  “.

ويؤكد الدكتور شوقي ضيف كلام المؤلفة في كتابه تاريخ الأدب العربي فيقول : ” ألف ليلة وليلة .. ذكر ابن النديم فى كتابه الفهرست : من كتب الأسمار والخرافات التى نقلت عن الفرس كتاب هزار أفسانه أى ألف خرافة والمعروف أنه يرجع إلى أصل هندى ، ويغلب أن يكون قد نقل إلى العربية فى القرن الثالث الهجرى ولا يعرف بالضبط متى أضيفت إلى اسمه وهو ألف ليلة كلمة ليلة الثانية ويغلب أن يكون قد أريد بها أن يحوى ليالى كثيرة تزيد عن الألف.

وأخذت تضاف إلى الكتاب فى بغداد أقاصيص كثيرة وبالمثل أضافت إليه مصر بدورها أقاصيص متنوعة ويمكن أن تميز الأقاصيص الهندية الأصل فيه بتداخلها كحكاية الصعاليك الثلاثة ، وتميّز الحكايات الفارسية فيه بحكايات الظرفاء وبعض الحكايات المفردة وبه حكايات عربية خالصة كحكاية حاتم الطائى وإبراهيم المهدى ، ويشيع فى الحكايات البغدادية ذكر هرون الرشيد وتنكره وتدينه البالغ وحبه لمباهج الحياة وللرعية وحب الرعية له ووصف بلاطه وقصوره.

وتكثر القصص المصرية فى الكتاب وحكايات الشطار بها وما تطبع به من المروءة والفكاهة كما فى حكايات علاء الدين أبى الشامات وأحمد الدنف ودليلة المحتالة وزينب النصابة ومعروف الإسكافى وعلى الزيبق ، ويشيع السحر فى هذه الحكايات كما تشيع عادات المصريين وتصوّر حياتهم فى الأسواق والحمامات وما يغلب عليهم من الإيمان بالطلاسم والرقى والتعاويذ ، ونلتقى بجوانب من هذا كله فى حكايات مصرية أخرى كحكاية أبى قير وحكاية أبى صير ومثلهما حكاية المصباح العجيب وأيضا حكاية مريم الزنارية وحكاية الصعيدى وزوجته الإفرنجية وهما تعكسان الصراع بين المسلمين وحملة الصليب.

وأهم من كل ما سبق لمصر فى الكتاب أنها هى التى صاغته بلغتها العامية وانتشر بها فى العالم العربى منذ القرن الثامن الهجرى ، وبالمثل انتشرت فيه بتلك العامية السّير الشعبية سير عنترة والهلالية والظاهر بيبرس وسيف بن ذى يزن وكان لذلك أثر واسع فى تعرف تلك البلدان على العامية المصرية من قديم وكثيرون يظنون أن تعرف تلك البلدان على عاميتنا أو لغتنا اليومية حديث وأن الإذاعة والسينما أتاحتا لها هذا التعرّف فى عصرنا وهو – كما قلنا – تعرّف قديم “.

46 / سيف بن ذي يزن

الأدب الشعبي هو تمهيد للفن الروائي العربي ومرحلة من مراحل تطوره خاصة السير والملاحم التي طالما تغنى بها الشعراء الشعبيون في منتدياتهم ، ومن أكثر المؤيدين لهذا الرأي واحد من رواد الأدب الشعبي في مصر وهو الكاتب والأديب فاروق خورشيد (1928 ـ 2005 م) الذي قام بإعادة صياغة عدد من هذه الأعمال وعلى رأسها سيرة الملك سيف بن ذي يزن وعلي الزيبق والأميرة ذات الهمة حيث لاقت رواجاً شعبياً كبيراً لدى صدورها وتم تقديمها في أعمال إذاعية وتلفزيونية.

تخرج خورشيد في كلية الآداب قسم اللغة العربية بجامعة القاهرة عام 1950 م وأسس مع صلاح عبد الصبور وعبد الغفار مكاوي الجمعية الأدبية المصرية التي كانت وراء شهرتهم في الوسط الأدبي وأصدروا مجلة (الأمناء) وكان غالبية أعضاء الجمعية من خريجي كلية الآداب في جامعة القاهرة ومن تلامذة الشيخ أمين الخولي ، كما ربطته علاقة طيبة بالكاتب محمد فريد أبو حديد وشهد معه تطوير مجلة الثقافة بأعدادها الخمسة الأخيرة قبل أن تتوقف عام 1952 م.

عمل فاروق خورشيد مدرساً بمدرسة السبتية الابتدائية عقب تخرجه وانتقل للعمل بإدارة الإذاعة المدرسية بوزارة المعارف عام 1951 م ثم انتقل للعمل مذيعاً بإذاعة صوت العرب عام 1953 م وعمل بإذاعة البرنامج الثاني البرنامج الثقافي حالياً واشتهر بتقديم وتحرير برنامج مجلة أخبار الثقافة كان يذاع ساعة كل أسبوع وعمل بإذاعة البرنامج العام وترقى بالمناصب الإذاعية ليصبح مديراً لإدارة وحدة النصوص والتمثيليات.

وشارك بتأسيس إذاعة الشرق الأوسط وعيّن مراقباً عاماً للبرامج بإذاعة الشرق الأوسط فمراقباً للبرامج الثقافية والخاصة والأحاديث ثم عيّن مديراً لإذاعة الشعب بأمر الرئيس جمال عبدالناصر بعد نكسة يونيو عام 1967 م ، وبعد أحداث 15 مايو عام 1971 م أقاله الرئيس السادات من منصبه كمدير لإذاعة الشعب ونُقل للعمل بوزارة الشؤون الاجتماعية وظلّ يعمل بها حتى قدم استقالته عام 1983 م.

وعمل في صحيفة الأهرام المسائية وكان مقرراً للجنة الفنون الشعبية بالمجلس الأعلى للثقافة وأستاذا للأدب الشعبي بالمعهد العالي للفنون الشعبية بأكاديمية الفنون ثم رئيسا لاتحاد الكتاب حتى وفاته وقاد أثناءها حملة ضد التطبيع الثقافي مع إسرائيل ، وتنوعت كتاباته بين القصة القصيرة والرواية والمسرح وأدب الرحلات وأدب الطفل وتخصص في الأدب الشعبي والتراث المصري وكتب في ذلك عدة مؤلفات هامة.

ومن مؤلفاته في هذا المجال مغامرات سيف بن ذي يزن وملاعيب علي الزيبق وعدة أبحاث مثل أضواء على السيرة الشعبية وعالم الأدب الشعبي العجيب والسيرة الشعبية العربية والجذور الشعبية للمسرح العربي وأدب السيرة الشعبية ، وفي المجال النقد له كتاب الرواية العربية وعصر التجميع وكتاب محمد في الأدب المعاصر وكتاب فن الرواية العربية المعاصرة وكتاب في الأصول الأولى للرواية العربية بالإضافة لعدد كبير من القصص والروايات.

وفي مقدمة روايته مغامرات (سيف بن ذي يزن) يشرح وجهة نظره التي تجعل السير الشعبية إحدى مراحل تطور الرواية العربية المعاصرة حيث يقول : ” حين أقدمنا على التجربة الأولى في محاولة تقديم إحدى السير الشعبية المعروفة تقديما يتلاءم مع حاجة المتلقي المعاصر ، كان هدفنا أن نرد على الكثير من الاتهامات الظالمة التي شوهت صورة السير الشعبية عند الدارسين والنقاد بخاصة وعند متلقي الأدب في بلادنا العربية بصفة عامة ، فقد وقفت هذه الاتهامات حائلا كثيفا دون الاعتراف بالسير الشعبية كأعمال أدبية تمثل مرحلة من مراحل إنتاجنا الروائي وتحمل بكل ما فيها من ضعف وقوة سمات هذه المرحلة وخصائصها.

وكنا ـ حين أقدمنا على هذه المحاولة ـ نتقدم في حذر وتردد فقد كان من رأينا أن هذه السير من الممكن أن تمثل التمهيد الطبيعي لفننا الروائي ، وكان الدليل الوحيد الذي يمكن أن يهدم هذا الرأي أو يثبته هو مدى تجاوب المتلقي العربي اليوم لهذه الأعمال ، فإن قبلها فهو بهذا يجد فيها أصداء حقيقية لما يتردد في نفسه في عالمي الحلم والحقيقة من تطلعات نفسية ومن بقايا فنية مترسبة في أعماقه وإن لم يقبلها فهي أعمال مرحلية لا تمثل إلا العصر الذي تلقاها دون أن تمتد في الماضي أو المستقبل أي امتداد.

ثم جاء المتلقي المتحمس لسيرة سيف بن ذي يزن في صياغتها الجديدة حين نشرت في عددين من روايات الهلال الدليل الحي على صدق الرأي الذي ذهبنا إليه من أهمية هذه السير في تراثنا ومكانتها في دنيا الأدب العربي ، ولهذا كان من الطبيعي أن نمضي في التجربة إلى نهايتها وأن نحاول إكمال تقديم هذه السيرة الشعبية العظيمة لتكون بصورتها الكاملة تحت يد الدارسين تطرق أبوابهم بنفسها بعد أن تعالوا عليها وعلى زميلاتها فرفضوا أن يذهبوا إليها في مظانها.

ولتكون أيضا تحت يد المتلقي الجديد من طلائع الجيل يجد فيها الغناء عن روايات المغامرات العفنة التي لا تحمل مضمونا يرتبط بتاريخه وتراثه أو بقضاياه وأهدافه ومثله ، ويجد فيها أيضا ما يربطه بالروح العربي الذي حفظته هذه الأعمال حيا نابضا فيها عبر الأجيال وعبر القرون ، ثم لتكون أيضا تحت يد أديب وفنان العصر يستمد منها مادة غنية لعمله ومجالا ثريا لحركة أداته الفنية فتخصب عن أصالة وتنتج عن عمق.

والسير الشعبية بعامة تنقسم من حيث تطور شخصية البطل فيها إلى مراحل عدة تمثل كل مرحلة منها جزءا من حركة البطل منذ مولده إلى أن ينتهي من أداء رسالته فيسلمها أمانة في يد غيره حين يدركه الموت الذي هو نهاية كل حي ولكنه ليس نهاية الرسالة التي يمثلها والهدف الذي يسعى من أجله ، وقد سبق أن قسمنا هذه المراحل إلى مرحلة التكوين أو المرحلة الذاتية ثم مرحلة الفروسية فالمرحلة الملحمية فمرحلة الامتداد.

وفي عملنا الأول في سيرة سيف بن ذي يزن وقفنا عند المرحلة الأولى وهي مرحلة التكوين أو المرحلة الذاتية وهذه المرحلة في سيرة سيف بن ذي يزن كشبيهاتها في السير الشعبية الأخرى تتناول البطل منذ مولده وحتى اكتمال أدواته ونضجه ، والسير تعتمد في هذه المرحلة على وجود صراع درامي ضخم يجابهه البطل منذ خروجه إلى العالم يشل من حركته ويقيد وجوده ويرسم معالم بطولته فإذا ما انتهى الصراع بفوزه فقد اكتملت لنا شخصيته كما اكتملت له سمات البطولة الجسدية والنفسية التي تؤهله ليقوم بدور البطل الفارس الباحث عن المغامرة التي يحقق عن طريقها لعدالة وينشر الحق والسلام في المرحلة التالية.

وإذا كنا قد ذهبنا إلى أن الهدف الموضوعي من سيرة سيف هو رسم موقف العرب من الأحباش خلال الحروب الصليبية فنحن نذهب إلى أن الهدف الآن من هذه السيرة هو رسم صورة الإنسان في بحثه القلق الدائب عن المعرفة والمتعرض لكل أسباب الهلاك من أجل حصوله على خبرة جديدة تزيد فهمه لعالمه الذي يعيش فيه ، وفي مغامرات سيف بن ذي يزن تظهر هذه الصورة بشكل واضح فنحن نلتقي بسيف بن ذي يزن البطل وهو يخوض معارك رهيبة ومغامرات مثيرة بحثا عن المعرفة وتطلعها نحو الإدراك والفهم ممثلا صورة أبدية للنفس الإنسانية التي لا تقنع بما تعرف أبدا.

وهو في نفس الوقت يفرض مبادئه التي تتبلور في الحب والعودة إلى الإنسان في صورته الطبيعية التي شكله الخالق عليها مريدا حرا يتحكم في مصيره بنفسه ويعيش معركته مع غرائزه المركبة فيه ليكتشف خبراته بنفسه وليرسم مصيره بيديه ، وإذا كنا في سيف بن ذي يزن قد خضعنا إلى حد كبير للنص نفسه فنحن هنا أكثر حرية في التحرك مع النص ومن خلاله مستغلين خبرات الصورة الفنية التي اخترناها لنقدم لك فيها هذا العمل وهي الرواية ، ومحاولين تعميق المفاهيم وربطها بقضايا الإنسان المعاصر التي هي في نفس الوقت قضايا متجددة إن تغيرت صورها فلن تتغير طبيعتها وجوهرها ، ولعل هذا الجهد ـ آخر الأمر ـ يلفت إلى ما نحاول إثباته من وجود تراث حي في أدبنا الشعبي آن الأوان لنتعرف عليه ونجني منه خير الثمار وأبقاها وأجودها والله الموفق “.

والرواية هي مختصر للسيرة الأصلية والتي تحدث عنها الدكتور شوقي ضيف باختصار في كتابه تاريخ الأدب العربي وذكر زمن تأليفها تخمينا حيث قال : ”  سيرة سيف بن ذي يزن قصة شعبية مصرية طويلة تعرض بطولة سيف بن ذى يزن سليل ملوك حمير وهى تصور الصراع بين العرب والأحباش فى أواخر العصر الجاهلى وكيف طردهم سيف بن ذى يزن من الجزيرة العربية بعد أن كانوا قد سيطروا على اليمن.

وهى فى ١٧ جزءا وتحمل كثيرا من الأساطير والعجائب ومغامرات سيف بن ذى يزن فى سبيل استقلال بلاده وبذلك تأخذ السيرة مكانة فى التاريخ القومى العربى إذ موضوعها حرب بين العرب وأمة الأحباش الأجنبية ، وتجعل السيرة سيف بن ذى يزن حنيفا يقتحم معاقل الشرك وهو يقول انما لا إله إلا الله إبراهيم خليل الله ويغلب أن تكون قد ألفت بمصر فى القرن الثامن أو التاسع للهجرة “.

ويقول عنها الكاتب الكبير الأستاذ خيري شلبي في تقديمه لكتاب سيرة فارس اليمن الملك سيف بن ذي يزن (مختصر السيرة) : ” ولقد عاشت هذه السير طوال الأزمنة الماضية وحتى الآن لأنها تحمل في مكوناتها إمكانية البقاء إنها ليست مجرد وقائع وأحداث شائعة مثيرة تنجح في تفريغ طاقة الشر عند بعض الناس إنما هي منظومة من القيم الأخلاقية العظيمة تزرع في نفوس الأجيال قيم البطولة والنبل والفروسية وتكرس لارتباطهم بالوطن والقوم فهي إذن تعتبر سجلا للوجدان الثقافي الشعبي مصاغا في أجمل صورة “.

ويقول أيضا في المقدمة إن هذه السيرة هي الأكثر انتشارا في التراث الشعبي للصعيد بعد السيرة الهلالية ويعزو سبب ذلك إلى أن قبائل بني هلال كان لها تغلغل في الصعيد منذ العصر الفاطمي .. ومن وجهة نظري فإن وجود هذه السيرة كان لازما لإحداث التوازن بين الجذرين الكبيرين للعرب وهما عدنان وقحطان حيث كانت الحرب مستعرة طوال العصور الوسطى بين القيسية واليمانية في الحجاز والشام ومصر والمغرب العربي والأندلس وصار لكل منهم موروثه الشعبي الذي يحكي تاريخه  ..

وعندما صار للعرب القيسية ملحمة تحكي رحلة واحدة من أهم قبائلها تحتم على العرب اليمانية وهم الأغلبية في صعيد مصر أن يكون لهم ملحمة تستعيد أمجادا قديمة من خلال قصة الملك معديكرب بن السميفع أشوع الحميري والذي عرف عند العرب باسم سيف بن ذي يزن والذي قاد حركة تحرير اليمن من الاحتلال الحبشي .. وقد دارت وقائع تلك الحرب قبيل ظهور الإسلام وانتهت بانتصار العرب ودخول الملك مظفرا إلى قصر غمدان بصنعاء في يوم مشهود حيث وافته وفود العرب للتهنئة  ..

وغالبية قبائل الصعيد تنحدر من عرب الحجاز ذوي الأصول اليمنية وعلى رأسهم بلي وجهينة القضاعية التي تنسب نفسها إلى حمير .. ولازالت أسماء بعض العشائر والقرى تشير إلى هذا الارتباط ومنهم الصوامعة في كل من طهطا وأخميم بسوهاج وفرشوط ونجع حمادي بقنا .. والصوامعة تحريف عن الصوانعة أي المجاورين لصنعاء حيث يوجد في محافظة البيضاء اليمنية مدينة تحمل نفس الاسم وهو الصومعة وكذلك في منطقة تبوك يطلق على إحدى عشائر البركات البلوية اسم الصوامعة.

ووفق كل ما سبق فإن لدينا الآن أربع تجليات لشخصية سيف بن ذي يزن ، أولها الحقيقة التاريخية حيث تولى الملك سيف قيادة المقاومة اليمنية ضد الاحتلال الحبشي وطلب المعونة من كسرى فارس فأمده بجيش ساعده في الحرب حيث دارت رحى معركة حضرموت الطاحنة عام 570 م والتي وقفت فيها قبائل كندة بقيادة يزيد بن كبشة بجوار ملك حمير وهزموا الأحباش هزيمة ساحقة وطردوهم من اليمن ومن ثم إعادة حكم ملوك العرب لكن الملك سيف لم ينعم كثيرا بالحكم إذا تعرض للقتل على أيدي بعض الأسرى الأحباش وانتهى حكم دولة حمير وآل حكم اليمن إلى الفرس وتحول الملك سيف إلى الرمز الأكبر المعبر عن الهوية اليمنية.

أما التجلي الثاني فهو حضور الملك سيف في الثقافة الإسلامية حيث تروي النبوءات القديمة أن انتصاره كان إحدى إرهاصات البعثة النبوية من خلال رؤيا ربيعة بن نصر التي فسرها له العرافان شق وسطيح وجاء فيها مسألة نجاح الملك في طرد الأحباش لكن ملكه ينقطع بظهور النبوة التي سوف ترث كل هذه البلاد ، وكتب في النبوءات القديمة (لمن ملك ذمار ـ أي اليمن ـ للحبشة الأشرار ثم الفرس الأخيار ثم قريش التجار) وذكر ابن هشام في سيرته أن عبد المطلب بن هاشم وفد على سيف بن ذي يزن للتهنئة وأن الملك قربه وأعطاه من الإبل والذهب وبشره بالنبوة التي سوف تكون في بلدته وفي ذريته وأنه سيكون نصيرا للنبي المنتظر.

أما التجلي الثالث فهو في السيرة الشعبية التي تغنى بها الشعراء في مصر وفيها يقوم سيف بن ذي يزن بالدفاع عن مصر ضد ملك الحبشة الذي يملك كتابا سحريا يمكنه من خلاله منع تدفق النيل إلى مصر انتصارا للصليبيين أثناء حربهم مع كل من الأيوبيين والمماليك ويخوض في سبيل ذلك معارك أسطورية للحصول على هذا الكتاب بمعونة قوى سحرية وعفاريت من الجن حتى ينجح أخيرا في مهمته ويعيد سريان النهر إلى مجراه الطبيعي ، وقد رد الأحباش على تلك السيرة بصياغة سيرة مضادة بطلها هو الملك (منليك) الذي ينحدر من زواج الملك سليمان والملكة بلقيس والذي يعيد الأمجاد الإمبراطورية لبلاده في أجواء أسطورية.    

أما التجلي الأخير فهو ما جاء في مغامرات سيف بن ذي يزن للمؤلف فاروق خورشيد الذي قدمها بمضمون معاصر وبشكل روائي وأسقط فيها همومنا المعاصرة على الوقائع والأحداث حيث يغامر البطل بحثاً عن المعرفة والخبرة وصولاً إلى إدراك العالم من حوله من خلال أحداث مقتبسة عن السيرة وشخصياتها مثل عاقصة وعيروض والحكيمة عاقلة وبرنوخ الساحر ، وجعل المؤلف كل ذلك كأنه جزء من حلم كبير خاصة في قصة هروب زوجته منية النفوس بابنها منه كما تحمل الرواية في روحها العامة الاعتزاز بالوحدة العربية حيث ركز الكاتب على فكرة مقاومة المستعمر الأجنبي وتضامن الأمة العربية لتحقيق ذلك.

47 / سيرة الأميرة ذات الهمة

من أهم الأطروحات الأكاديمية التي تناولت السير الشعبية تلك الرسالة التي قدمتها الدكتورة نبيلة إبراهيم محمود سالم (1929 ـ 2017 م) للحصول على درجة الدكتوراه من جامعة جوتنجن بألمانيا عام 1961 م وعنوانها (سيرة الأميرة ذات الهمة دراسة مقارنة) ، ولا شك أن سيرة فاطمة بنت مظلوم الكلابية التي عرفت بلقب (ذات الهمة) تختلف عن باقي السير الشعبية العربية لأن الشخصية المحورية فيها هي امرأة على عكس باقي السير التي يكون فيها البطل من الفرسان الأشداء الشعراء والشعراء العاشقين معا.

ودراسة الدكتورة نبيلة تنصب في المقام الأول على رصد التبادل الثقافي بين العرب والروم خلال فترة الصراع الطويلة بينهما وذلك عن طريق مقارنة السير العربية بالملاحم البيزنطية وكذلك الأدب الشعبي ودوره في الحياة الفكرية للشعوب ، وقد عبرت عن ذلك في مقدمة الرسالة فقالت : ” كان بحثي في الماجستير تحت إشراف أستاذتي الدكتورة سهير القلماوي هو (روميات المتنبي) وفي بادىء الأمر تركزت دراستي حول هذا الموضوع.

وإذا بي أتبين بعد ذلك أن الروميات ليست سوى حلقة واحدة من الحلقات الثقافية التي نشأت عن العلاقة الطويلة بين العرب والروم ، وقد سجلت في رسالتي بعض مظاهر هذا النشاط الثقافي ، ومن ثم فقد خرج البحث تحت عنوان روميات المتنبي حلقة من الصلات الأدبية بين العرب والروم ، وقد كنت عازمة بعد ذلك أن أستكمل الظواهر الأدبية التي نتجت عن الاتصال الوثيق بين الطرفين المتعاديين والتي أشرت إليها عبرا في رسالة الماجستير وأعني بذلك التراث الأدبي الشعبي العربي والرومي الذي يعد صدى للحروب العربية الرومية “.

والدكتورة نبيلة كاتبة وأكاديمية ومترجمة مصرية من أبرز المتخصصين في الثقافة الشعبية والفلكلور ، تتلمذت على يد عبد الحميد يونس وسهير القلماوي وعملت أستاذة الأدب الشعبي والأدب والنقد الحديث في جامعة القاهرة وشغلت منصب عميد المعهد العالي للفنون الشعبية بأكاديمية الفنون وكتبت الكثير من المقالات والأبحاث في مجلة الفنون الشعبية المصرية ومجلة فصول ومجلة الحداثة البيروتية وأشرفت على عدد من الأطروحات الأكاديمية في الأدب الشعبي.

ومن مؤلفاتها الأخرى كتاب قصصنا الشعبي من الرومانسية إلى الواقعية وكتاب الدراسات الشعبية بين النظرية والتطبيق وكتاب المقومات الجمالية للتعبير الشعبي وكتاب نقد الرواية من وجهة نظر الدراسات اللغوية الحديثة وكتاب فن القص بين النظرية والتطبيق وكتاب أشكال التعبير في الأدب الشعبي وكتاب من نماذج البطولة الشعبية في الوعي العربي وكتاب البطولات العربية والذاكرة التاريخية وكتاب درة الغواص في التعبير الشعبي وكتاب الفولكلور في العهد القديم وكتاب الحكاية الخرافية وكتاب الماضي المشترك بين العرب والغرب أصول الآداب الشعبية الغربية كما كتبت سيرتها الذاتية تحت عنوان (ذات الهمة في القرن العشرين – يوميات نبيلة إبراهيم) حيث بدا فيها التأثر بصاحبة السيرة القديمة.

وقد كتبت الباحثة الأستاذة أحلام أبو اليزيد ملخصا وافيا لدراسة الدكتورة نبيلة وذلك في العدد السابع والثلاثين من مجلة الثقافة الشعبية فقالت : ” الأميرة ذات الهمة رسالتها لنيل درجة الدكتوراة .. تعد دراسة نبيلة ابراهيم حول سيرة الأميرة ذات الهمة هي الدراسة العربية الأولى حول هذه السيرة وهي الأطروحة التي تقدمت بها لنيل درجة الدكتوراه بالألمانية من جامعة جوتنجن عام 1966 ، ثم نشرتها في كتاب طبع عدة طبعات آخرها الطبعة الخامسة عام 1994 عن المكتبة الأكاديمية بالقاهرة في 229 صفحة.

وتعد الدراسة من أوائل الدراسات العربية المقارنة بين الأدب الشعبي العربي والأدب الشعبي البيزنطي فهي ترصد العلاقة بين العرب والبيزنطيين من خلال السير الشعبية ، وتوضح المؤلفة أن هذا الكتاب (لم يهدف إلى أن يقدم للقارئ العربي دراسة عن سيرة من السير العربية التي ربما لم تكن أشهرها وأكثرها ذيوعًا ولكنه يهدف أولا وأخيرًا إلى أن يبرز قيمة هذه السيرة بوصفها تعبيرًا جمعيًا عن إحساس الشعب العربي بحركة الحياة من حوله سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا ودينيًا فقد كان الشعب العربي يحس تلقائيًا بأن حضارته وقت ازدهار رواية هذه السيرة حسبما توصلنا إليه اجتهاديًا تسير في طريق وعر وأن هناك قوى ظاهرة وخفية تتربص بها ومن هنا كان الانفعال الجمعي ومن هنا كان التعبير الجمعي).

وتمهد المؤلفة للموضوع بمدخل عن الأدب الشعبي ودوره في الحياة الفكرية وتعدد جمهور العلماء والدارسين في مجال القصص الشعبي بصفة خاصة كما تعرض لرؤية الشعب في تصويره للبطولة بصور متعددة مما جعل الأدب البطولي ظاهرة علمة عند جميع الشعوب وأسهم في إفراز كثير من الدراسات المقارنة حول هذا الأدب الذي تتحـدد سماته في أنه يتجـه اتجاهًا موضـوعيًا كما يتسم بالواقعية ويستخدم ما يعرف بآلية السرد وأخيرًا يتوفر فيه التكرار ووفرة التشبيهات النمطية… إلخ.

وتقدم نبيلة ابراهيم ملخصًا لسيـرة الأميرة ذات الهمة الطويلة وهى السيرة التي تدور أحداثها حول هذه البطلة العربية وتحرص السيرة على أن تضرب بجذورها إلى عمق تاريخي فترجع نسبها إلى الصحصاح بن جندبة ابن الحارث وهم جميعًا أبطال ، أنجب الحارث ظالمًا ومظلومًا وكان ميلاد ذات الهمة يمثل أزمـة لوالدها مظلوم لأن اتفاقًا حصل بينه وبين أخيه ظالم بأن من يرزق الولد الذكر يكون له الملك دون الآخر وإذا رزقا ولدين تصبح الإمارة مشتركة بينهما. وكان أن ولدت فاطمة (ذات الهمة) لمظلوم وأغارت قبيلة طيء على بني كليب وأخذت فيمن أخذت من الأسرى ذات الهمة وأخوها في الرضاع مرزوق فنشأت ذات الهمة في طيء وتذكر السيرة أن سبب لقبها هو أن كثيرين من رجال طيء حاولوا الاعتداء على عفافها لكنها قتلتهم ، وقد تزوجت ذات الهمة ابن عمها ظالم (على غير رغبتها) حين وسط الخليفة المنصور الذي قالت له صراحة (إن سيفي جملي والغبار كحلـي والحصان أهلي فما الذي أصنع يا أمير المؤمنين بالحارث وبغيره من العالمين).

ولم يستطع الحارث أن يقضي منها وطرًا إلا بعد أن وضع لها البنج في الشراب فأنجبت طفلهما عبد الوهاب الذي ولد أسود اللون فرفض أبوه بنوته ودار الصراع بين ذات الهمة والحارث مما جعلها تترك القبيلة وتقسم أن تحارب أعداء الدين الإسلامي في الثغور ، واجتازت بذلك طقسًا من طقوس عبور البطل الشعبى وتستطيع ذات الهمة أن تلملم جيش المسلمين وتواجه الروم وتنتصر عليهم ، ثم تتساءل المؤلفة في فصل عقدته للمقارنة بين السيرة والتاريخ أين ومتى ألفت السيرة ؟

من المحتمل أن السيرة جمعت بين أخبار كانت تروى في زمن الجاهلية والعصر الإسلامي وعصر بني أمية وعصر بنى العباس وأن القاص استغل تلك المادة المروية في خلق حكاية مكتملة تمثل أصول الدولة الإسلامية ومن ثم ترجح أنها كانت تروى مكتملة بعد عصر المعتصم وتسوق لذلك أسبابًا عديدة بالإضافة إلى أن بعض حوادث السيرة تشير إلى الحروب الصليبية ، معنى ذلك إنها صدى للحوادث التي عاشتها السيرة في أثناء روايتها أما المكان الذي يعد منشأ السيرة فربما تكون منطقة الثغور أي بلاد الشام.

وأما الشخصيات فمعظمها – إذا استثنينا شخصيتي ذات الهمة وعقبة اللتين لم يستدل على أصلهما التاريخي – تاريخية فقد كانت هناك علاقة عدائية بين بني كلاب وبنى سليم ترتكز على أصل تاريخي وكانت هناك علاقة بين بنى كلاب والروم تقوم على العداء ، وجل الحوادث تنبع من أحداث تاريخية لأن الدولة الإسلامية مرت في تلك الحقبة بحوادث داخلية خطيرة من ثورات ضد الاضطهاد الديني ومن الطبيعي أن تترك هذه الحوادث أثرًا في القصص البطولي في منطقة الثغور ولذلك فسوف ندرك أثرها الواضح في الملاحم البيزنطية ، وليس أدل على ذلك من وصف معركة عمورية فالسيرة تاريخ شعبي اعتمد على الرواية الشفوية.

والسيرة بعد هذا مستوفية لخصائص العمل الروائي من خلال ثلاثة أمور  :شخصيات السيرة ، السيرة بوصفها عملاً أدبيًا فنيًا ، السيرة بوصفها فنًا شعبيًا ، فبعد أن تستعرض المؤلفة أهم شخصيات السيرة وهى ذات الهمة وعبد الوهاب والسيد البطال وعقبة السليمى وبعد أن تذكر المحاور التي تدور حولها حوادث السيرة تنتقل إلى شخصية الخليفة التي تقف السيرة عند كل منهم فتصور أهم أحداث عصره السياسية من ناحية وعلاقته بأسرة بنى كلاب من ناحية أخرى وتبلور السيرة دور الراهب الإيجابي في الحروب العربية البيزنطية.

والسيرة تصل إلى هدفها الفني في البحث عن تحقيق العدالة الاجتماعية وإبراز مشكلات الدولة ممثلة في عقبة وفى العدو الخارجي المهدد لكيان الدولة الإسلامية وقد حاولت السيرة رغم طولها البالغ أن تؤكد على المشكلة الجمعية للعرب والمسلمين من خلال تمركزها حول هدفها الأصلي بأسلوب البسط واللم ، وإذا كانت السيرة تشترك مع سائر أشكال التعبير الشعبي في خصائص عامة فإن لها سماتها الخاصة بها فأما العامة فتتمثل في احتوائها على تصورات الشعب ومعتقداته كالاعتقاد في الأحلام وفى قوة الكلمة وبالسحر وهى تعبر عن اللاشعوري الجمعي الذي يتمثل في صور البطل منذ ان يولد حتى يبلغ مرحلة النضج والكمال.

وأما الخصائص الخاصة فإنها تمثل مرحلة من التفكير الشعبي وأنها تتصل بموضوعها وهو بطولة الفرد الممثل للمجموع أي البطولة الشعبية ، ومثل سيرة ذات الهمة كانت حكاية عمر النعمان وهى إحدى حكايات ألف ليلة،لأنها تتخذ من الصراع العربي البيزنطي موضوعًا لها فهناك علاقة تشابه قوية بينهما لأنهما يتفقان في هدفهما كل الاتفاق وكلاهما يرتكز على موضوع الحرب بين العرب والروم وتتحدث السيرة عن أسرة بنى كلاب وبالمثل تتحدث حكاية عمر النعمان عن أسرة الملك النعمان “.

وتعد سيرة الأميرة ذات الهمة أطول سيرة في التاريخ ، ذلك أن حجم مخطوطاتها المحفوظة بمكتبة المتحف البريطاني ومكتبة الدولة ببرلين في ألمانيا يصل إلى ثلاثة وعشرين ألف صفحة كما يقول الأستاذ شوقي عبد الحكيم في كتابه (سيرة الأميرة ذات الهمة) ، وتغطي أحداثها لحروب قارية متصلة لأربعة قرون بين العرب المسلمين من جانب والتحالف الأوروبي البيزنطي أو كما تسميه السيرة بالتحالف الرومي.

وتبدأ أحداث السيرة في أزهى عصور الدولة الأموية من أول عبد الملك بن مروان مرورا بقيام الدولة العباسية وتنتهي أحداثها في عصر الخليفة الواثق برغم أنه يرد ضمن أحداثها وعلى لسان راويها ، وكانت السيرة تروى بتمجيد شديد على الخليفة الواثق وكان كثيرا ما يستوقف راويها مستفسرا عن أبطالها وأحداثها والتي تؤرخ لحياة وبطولات قبيلة عربية حكمت فلسطين والثغور.

وفي ثنايا السيرة نلمح إشارات لا يمكن إغفالها مثل الانتساب للجد الأكبر كليب بن وائل التغلبي ومقتله على يد جساس وكذلك جاء على لسان البطلة أنها ستواصل الحرب ولن تستسلم للرومان مثل ملكة تدمر زينوبيا (الزباء) ، وذكر تولي أحفادها الإمارة في الشام ومصر والمغرب العربي والأندلس وربما ساهمت الدولة الحمدانية في الترويج لذلك حيث التشابه في الأحداث والشخصيات والجغرافيا.

يقول الأستاذ حمدي أبو جليل في دراسة بعنوان (الأميرة ذات الهمة تقود الرجال في معارك الشرف) : ” سيرة الاميرة ذات الهمة اطول ملحمة شعبية عربية جمعت من أفواه الرواة والشعراء الشعبيين على العظام والجلود وأقدم طبعاتها صدرت في ثمانية مجلدات الواحد منها يقرب من الألف صفحة ، وتناقلها الناس شفاهة منذ عهد الخليفة العباسي المعتصم وسمعها الخليفة الواثق كاملة ورويت قرونا في المجالس والمنتديات والمقاهي.

وهي سيرة الشجاعة والإقدام والدفاع عن الشرف في التراث العربي وبطلتها فاطمة بنت مظلوم بن صحصاح وهي فتاة بدوية أصيلة ، في طفولتها وقعت في أسر قبيلة طيء وفي شبابها استردت ملك أبيها وجدها وخرجت على رأس الجيوش الإسلامية وتصدت للروم وطردتهم من الشام وجاهدت في حماية الخلافة من أعداء الخارج والداخل وواجهت الخيانة والنفاق والدسائس في بلاط هارون الرشيد وشاركت المعتصم في هزيمة الروم وفتح مدينة عمورية “ ، واشتهر عنها قولها : ” إن سيفي حجلي والغبار كحلي والحصان أهلي “.

48 / الزير سالم

الزير سالم هو اللقب الذي عرف به أبو ليلى المهلهل عدي بن ربيعة بن الحارث التغلبي المتوفي عام 531 م وأخوه ملك العرب وائل بن ربيعة (كليب) وأخته فاطمة بنت ربيعة والدة امرىء القيس بن حجر الكندي أمير شعراء العصر الجاهلي وابنته ليلى هي والدة الشاعر والفارس عمرو بن كلثوم التغلبي صاحب المعلقة المشهورة والذي قتل ملك الحيرة عمرو بن المنذر ، وقد لقبه أخوه بلقب (الزير) لكثرة مجالسته للنساء وسالم اسم شهرة له كما عرف بلقب المهلهل لبراعته ورقته في الشعر وما أحدث فيه من مبالغات.

وقد ارتبطت قبيلة تغلب طوال تاريخها بالشعر والإمارة والفروسية معا فكان منهم الأسود بن عمرو بن كلثوم وهو شاعر مخضرم وحفيده كلثوم بن عمرو العتابي الشاعر والكاتب في بلاط هارون الرشيد والشاعر غياث بن غوث المعروف بلقب الأخطل والشاعر أبو فراس الحارث بن سعيد الحمداني صاحب الروميات والأمير مالك بن طوق العتابي مؤسس مدينة الرحبة والأمير سيف الدولة الحمداني حاكم حلب والأمير ناصر الدولة الحمداني قائد الجيوش المصرية في العصر الفاطمي.

وتروي السيرة قصة حرب البسوس بين قبيلتي بكر وتغلب انتقاما لمقتل كليب وتأخذ طابعا ملحميا عبر عدة أجيال وقد ظهرت في بادية الشام في القرون الثلاثة الهجرية الأولى حيث تحولت تلك الحرب المحدودة بين القبيلتين إلى حرب عالمية تبدأ وقائعها في دمشق التي يحكمها كليب وتنتهي بمقتل الزير سالم في صعيد مصر ، وقد نشأت السيرة في بادية الشام وسط القبائل العربية المهاجرة ومنها تغلب التي سكنت أعالي الفرات وحلب والثغور الشامية وأسست عددا من الإمارات  .

وقد رويت سيرة الزير سالم كلها باللهجة البدوية بسبب طبيعة نشأتها تلك ثم انتقلت إلى مصر مع هجرات قبائل البادية في أعقاب الحروب الصليبية والمغولية حيث صارت السيرة مميزة لقبائل ربيعة التي تنتمي إليها تغلب وبكر وحنيفة وشيبان وضبيعة وأسد وعبد القيس وعنزة ، وقد نزلت على الفروع الأقدم التي سكنت صعيد مصر في القرن الثالث بحثا عن المعادن في منطقة العلاقي بين النيل والبحر الأحمر وتداخلوا مع البجا والنوبيين وأسسوا دولة بني كنز التي استمرت حتى عصر المماليك .

وقد حظيت سيرة الزير سالم بمكانة عليا بين سائر السير الشعبية حيث نجد أن السيرة الهلالية تبدأ وقائعها بانتهاء سيرة الزير سالم حيث الجد الأكبر لقبيلة بني هلال هو واحد من أحفاد آخر أبطال حرب البسوس وهو بالطبع مخالف للحقيقة ، وتكرر نفس الأمر في سيرة الأميرة ذات الهمة حيث جدها الأكبر حفيد للملك كليب ويصبح اسمها فاطمة الكليبية بدلا من اسمها الأصلي فاطمة الكلابية في إصرار على استحضار صورة أبطال تغلب في المشهد.

ومن أهم الباحثين الذين درسوا هذه السيرة وتمعنوا في جذورها البعيدة الدكتور أحمد شوقي عبد الحكيم هلال (1934 ـ 2003 م) وهو كاتب مسرحي وروائي وباحث في التراث الشعبي والإثنوجرافيا ومن أهم الأدباء الذين جمعوا التراثَ المصري وقدَّموه في شكلٍ مسرحي وتوثيقي ، وقد اهتم بهذا المجال منذ نشأته الأولى في الفيوم حيث يميل إلى الاستماع إلى حكايات الفلاحين والمدَّاحين والمغنواتية والنادبات.

تخرَّجَ في كلية الآداب قسم الفلسفة بجامعة القاهرة في عام 1958 م ، وفي مطلع الستينيات اعتُقِل لأسباب سياسية ثم هاجَرَ في السبعينيات إلى لندن لمدة ثماني سنوات كان يعمل خلالها في إذاعة بي بي سي البريطانية وصحفيًّا في عدة صحف أخرى وكان في تلك الفترة كثيرَ التردُّد على المسارح والمكتبات ، ثم سافر إلى بيروت أثناء الحرب الأهلية اللبنانية والاحتلال الإسرائيلي للبنان.

وقد بدأ نشاطه الأدبي بنشر كتاب أدب الفلاحين الذي جمع فيه الكثيرَ من الحكايات الشعبية الريفية المصرية التي سمعها في فترة طفولته في القرية ومنها ما تمَّ تحويله إلى أعمال سينمائية شهيرة مثل : حسن ونعيمة ، وشفيقة ومتولي ، وفي فترة اعتقاله كتَبَ مسرحيتَيْ : سعد اليتيم ، والعتمة ، وأثناء وجوده في لبنان صوَّرَ ما شاهَده في رواية (بيروت البكاء ليلًا) التي تُرجِمَتْ إلى العديد من اللغات.

وتنوَّعَتْ أعماله بين المسرحيات والروايات والأبحاث والمقالات لكنه تخصَّصَ في دراسة التراث الشعبي ومن أبرز أعماله في هذا المجال (موسوعة الفلكلور والأساطير العربية) التي أبحَرَ فيها في رحلةٍ للأساطير العربية بهدفِ إعادةِ فهْمِ سيكولوجية الإنسان العربي في العصر الحاضر وترك أكثر من ستة وأربعين كتابًا في الفنون والتراث والأدب وقدَّمَ عديدًا من النصوص في المسرح المرتجل وصَلَ عددها إلى ستة عشر نصًّا.

ويبين المؤلف أسباب اختياره لهذه السيرة كبداية للدراسات التراثية فيقول : ” اخترتُ واحدةً من أهمِّ وأخصب سيرنا وملاحمنا العربية (الزير سالم أبو ليلى المهلهل) كفاتحة طريق لإعادة دراسة مَوروثاتنا العربية هذه من السير والملاحم العربية ، فالزير سالم التي ما تَزال تعيش ـ أشلاءً ممزَّقة أو مُهلهَلةً ـ على الشفاه على طول البلدان العربية مُتواترةً بالحفظ والحكي سواء كنصوص وأشعار ومأثورات شفهية فولكلورية أَم مدونةً في الطبعات الشعبية المُتعاقِبة ربما منذ أول معرفة بالنساخ والمطبعة.

وقد تجيء معرفتُنا بها عن طريق الأدب العربي الفصيح أو الكلاسيكي مُتناثرةً مأثوراتها ومُعلَّقاتها وأناشيدها ومَراثيها وموثِّباتها ـ أي شعرها النضالي والطبَقي التحريضي ـ تُنسب لأبطالها البسوس وحربها التي امتدَّت أربعين عامًا أو كُلَيب ملك العرب المُغتال ما بين دمشق وفلسطين أو الجليلة وابنتها اليمامة والضباع وجساس بن مُرَّة.

ثم بطلها ذاته الزير سالم أبو ليلى المُهلهَل صياد السباع البري الذي صاحبت طفولته إنشاء مدينة بيرشبا أو سبأ التي تواتَرتْ إلى بئر سبع قبل تواجُدها التاريخي فأصبح إلهها المحلي حين اتخذها موطنًا ومنفًى إلى أن جاءه خبر اغتيال أخيه الملك كُلَيب إمبراطور العالم القديم على مشارف دمشق عاصمة مُلكه المترامي فقال قولته الشهيرة : (آه ما أقرب اليوم من غد) ومراثيه الكبرى : كُلَيب لا خير في الدنيا وما فيها إن أنت خلَّيتَها فيمَن يُخليها ، ذلك المُقاتل العربي الفلسطيني الشاعر ، قال : ليس مثلي يُخبر الناسَ عن آبائهم قُتِلوا ويَنسى القتالا.

ونسوق هنا افتراضًا إثنوجرافيًّا نجري التيقُّن منه عبر صفحات هذا المدخل الدراسي لسيرة الزير سالم هذه بأنَّ الزير سالم هو بذاته ما أعطى المدينة المقدَّسة ـ القدس أو أورشاليم ساليم سالم ـ نفسه أي مدينة سالم أو ساليم ، في محاولة لإعادة الاعتبار لهذه السيرة الملحمية العربية الفلسطينية التي صيغت عبر العصور التي تصل إلى أربعين قرنًا ما بين تاريخ الأدب العربي السلَفي المغلوط وبين السطو الإسرائيلي وتغيير المعالم التي لا تقف عند الأرض والوطن بقدر ما تَستبيح التراث.

ولعله من المفيد لبحثنا هذا التخلُّص من كل محظورات وتابوات أو محرمات الأبحاث التاريخية التراثية والإنيزيمية الروحية المتَّصلة بمنتجات العقل الغَيبي وكذا القدري والدهري والوعيدي ومُعطَياته أو مُنزلاته السماوية وغيرها ، نحن هنا بإزاء البحث التراثي التاريخي الذي يُجْرِي تطبيقاته على نماذجه العينية الميدانية والمُستهدَف إعادة التبصير بالتراث ـ وصِنْوه التاريخ ـ من مُنطلقات أثنوجرافية لعلم الثقافة.

مع الأخذ في الاعتبار أنَّ تخلُّصَنا هذا من بَراثن المناهج السحرية والخرافيَّة أو المثالية التي ترى في الإنسان أنه حقَّق فوزه سلفًا أو مقدَّمًا بشكل أبدي ، ومن هنا تجيء معطياته الروحية ممثَّلةً في أساطيره وملاحمه وشَعائره وتمائمه المحجَّبة والمجهَّزة على الدوام بسُلطة المنع والتحريم كمناطق محرَّمة أو تابو لا يجوز اجتياجها.

ويصل هذا المنع والتحريم إلى حدِّ علاقات الانتساب أو سلسلة القرابة التي تُضفي الهالات الروحية والمقدَّسة على عائلاتها الحاكمة والمتسلِّطة وهم لا يَعرفون بالمنسبين والذين هم بذاتهم موضوع كل هذه السير والملاحم العربية بلا استثناء ، بدءًا من سِيَره وملاحمه العربية العراقية جلجاميش ـ ٥ آلاف عام ـ وأترياجيس وسيرة ذي اليمنَين والتباعنة ملوك اليمن وآخرهم التبَّع حسان اليماني الذي اغتاله في الشام ـ مع مطلع سيرتنا هذه ـ كُليب آخر الملوك اليمنيين سيف ابن ذي يَزن الحمْيَري وعنترة والسيرة الهلالية ، والأخيرة ليست بأكثر مِن تراجم قحطانية يمنية وقيسية نجدية حجازية لأبطالها وشخصياتها من شخصيات أساسية وهامشية.

ولا مفرَّ لأي باحث أدبي أو فولكلوري أنثروبولوجي متقدِّم الفكر والمنهج ـ حين تَعرُّضه بالدراسة والبحث لهذا التراث ـ من الغوص في متاهات الأنساب والعائلات الضاربة الجذور على مدى يصل بنا حقًّا إلى ما قبل الألف الثانية قبل الميلاد أي بتقدير مُعتدل ما يربو على الأربعين قرنًا بالنسبة لمُجتمعاتنا وكياناتنا العربية.

إننا بإزاء سير وملاحم القبائل والعائلات المُستغلة الضاربة الجذور في المُجتمَع العبودي الإقطاعي بعلاقاته وتوجيديا قصوره والتراجم الذاتية لأبطاله وخوارقهم التي تتوازى كل التوازي والتوافُق مع مُنتجَات مثل هذه المجتمعات الروحية في احتوائها وفي تمثُّلاتهم الاجتماعية السالفة والآنية ذات الأصول المُتعالية وينتهي الأمر بأحبولة سياسية تحفَظ للبِنى الاجتماعية الطبقية دوامها وحفظ سُلطتها وتسلُّطها.

وعلى هذا فنحن بإزاء سيرة أنساب ملحمية قبائلية عربية مُوغلة القدم وبالتالي ضاربة الجذور الطوطمية يتبدى فيها الإمبراطور التبَّع والملك والأمير كتجسيد مُباشر للطوطم والأجداد المقدَّسين أو الآلهة الطواطم من حَمير لنوق ـ تنتسب إلى ناقة صالح ـ وكلاب وماعز وضباع ولبؤات وحمام ويمام وهكذا كما سيتَّضح لنا عبر أحداث سيرتنا الزير سالم “.

ومن مؤلفاته الأخرى في مجال السير الشعبية : سيرة الملوك التباعنة ، وسيرة بني هلال ، وعزيزة ويونس ، وسعدى ومرعي ، وسيرة الأميرة ذات الهمة ، وسارة وهاجر ، وفي مجال التراث العربي له كتاب الحكايات الشعبية العربية (وتضم التراث المحكي من غير السير والملاحم) وكتاب مدخل لدراسة الفولكلور والأساطير العربية وكتاب الرجل والمرأة في التراث الشعبي وكتاب الشعر الشعبي الفولكلوري دراسة ونماذج.

ويعد كتابه (السير والملاحم الشعبية العربية) مختصرا وافيا عن السير الشعبية المعروفة والمندثرة ومنها قصة (سعد اليتيم) التي قال عنها : ” تجري أحداث ملحمة الملك فاضل أو سعد اليتيم في بادية الشام والأردن وبشكل أكثر دقة بين أعراب ـ قبائل ـ الفضل والنعيم بالجولان المغتصبة ، وقد عثرتُ عليها بإقليم الفيوم عام ١٩٦٥ وهي واحدةٌ من أهم وأعرق ملاحمنا حيث إن عمرها أكثر من ألف سنة “.

وهي ملحمة غنائية بدوية قديمة عرفت في شمال الصعيد والواحات وتم توظيفها لخدمة أغراض سياسية من قبل الفاطميين وهي تشبه سيرة الزير سالم في تمحورها حول قضية الثأر في التراث القبلي العربي وما يتركه من أثر في تحطيم أواصر القرابة وخلق العداوات والحروب ، وتدور أحداثها حول صراع قبائلي تقليدي يتم حسمه عندما يرحل البطل سعد بن فاضل إلى مصر ويلتقي بالخليفة المعز لدين الله الفاطمي ويصبح من رجاله المخلصين.   

وبظهور الخليفة المعز في منتصف الأحداث يتغير حال البطل فيحقق انتصاره وينتقم من أعدائه ويتزوج من حبيبته ويصبح من كبار القوم ، والقصة نفسها متكررة وتدور حول العم الخائن بدران الذي يقتل الأب فاضل ويجحد حق ابنه اليتيم سعد فتقوم أمه الأميرة فوز بإخفائه في الصحراء حتى يشب عن الطوق لكنه يقع في غرام ابنة عمه صبيحة ويبدأ رحلته في الحب والحرب مثل كل الأبطال.

وقد رويت الملحمة الغنائية باللهجة البدوية وحدها مثل سيرة الزير سالم لأنها نشأت بين عشائر من البدو الذين تتوزع مضاربهم بين الجولان والأردن ويقدر عمرها بأكثر من ألف عام حيث ظهرت مع استيلاء جوهر الصقلي على بلاد الشام وضمها لحكم الفاطميين ، وتتميز الأغنية بتوزيع دقيق للكلمات بين المنشد والجوقة المرددة خلفه والتي أتيح لها سرد الحكم والمواعظ في الفواصل بين أبيات الحكاية الأساسية.

وقد جعلت الأغنية من أبطالها أنفسهم رواة للشعر البدوي حيث جاء في أولها تنويه عن ذلك من خلال قول الراوي : كان الملك فاضل وبدران أخوه .. يحكو كلام كل العرب يسمعوه .. بكره نموت ومالنا ينهبوه .. راجل بلا خلفة قليل ذكرته  ، وفي لحظة القتل يقول فاضل متأثرا  :  كلام أقولكم عليه يا عرب .. تعا سندوني بس أنا أحدثه .. تعا سندوني بس أنا أكلمه .. أقوللو كلام إياك يسمعو.

وقد انتقلت الأغنية إلى مصر مع العشائر البدوية التي اندفعت إلى مصر هربا من الحروب الأهلية في القرن الخامس الهجري ثم الحروب الصليبية والمغولية في العصور التالية وتكرس لفكرة الأخذ بالثأر بل والترويج لها وتوفير المبرر الأخلاقي لتنفيذها وكذلك تمجد البطل الذي استطاع في النهاية تحقيق هذا الهدف ، وهكذا احتلت الملحمة مكانتها وسط التراث الغنائي الشعبي في الريف المصري.

49 / حمزة العرب

في أعقاب هزيمة 67 بدأ الأدباء والشعراء في إعادة إنتاج التراث العربي واستلهام ما فيه من معاني البطولة والفداء وذلك بهدف بث الروح القومية ورفع الروح المعنوية استعداد لمعركة الثأر والكرامة ، ومن هذه الأعمال مسرحية شعرية بعنوان (حمزة العرب) من تأليف الشاعر الكبير الأستاذ محمد إبراهيم أبو سنة (1937 ـ 2024 م) والتي صدرت مطبوعة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 1969 م ثم قدمت بالإذاعة في العام التالي.

ويقول عن ذلك أبو سنة في حوار صحفي : ” أما حمزة العرب فقد كانت استلهاما للتراث الشعبي خصوصا ملحمة حمزة البهلوان وجاءت هذه المسرحية ردا على ما كان قد أشيع حول الشخصية العربية بعد نكسة 5 يونيو 1967 واتهامها بعدم القدرة على إحراز النصر وأنها شخصية تافهة وأن العرب كأمة لا يمتلكون رسالة عصرية حديثة وأنهم في ذيل الأمم وهذا طبعا بتأثير الهزيمة ، وجاءت المسرحية بهدف الدفاع عن الشخصية العربية من خلال انتقاء شخصية ملحمية حاولت أن أضمنها كثيرا من القيم الإيجابية مثل الشجاعة والمطالبة بالعدل والمساواة وأظن أن هذه المسرحية ومثلها حصار القلعة قد ظلمتا حين لم تمثلا على المسرح “.

ولد الشاعر في قرية الودي مركز الصف بالجيزة وتخرج من كلية اللغة العربية جامعة الأزهر عام 1964 م وعمل محرراً سياسياً بالهيئة العامة للاستعلامات (وزارة الإعلام) في الفترة من 1965 م إلى عام 1976 م ثم انتقل للعمل بإذاعة البرنامج الثاني (الثقافي) حتى أصبح مديرا لها عام 1995 م ، وفي عام 1999 م رقي إلى وكيل وزارة ثم وأصبح نائباً لرئيس الشبكة الثقافية بالإذاعة ثم عين نائباً لرئيس الإذاعة المصرية في عام 2001 م ، وهو عضو لجنة الشعر بالمجلس الأعلى للثقافة وعضو مؤسس باتحاد الكتاب المصريين وعضو اللجنة المركزية للنصوص الغنائية باتحاد الإذاعة والتلفزيون وعضو الفرع المصري لنادي القلم الدولي.

وله إصدارات شعرية منها ديوان قلبي وغازلة الثوب الأزرق وديوان أجراس المساء ورماد الأسئلة الخضراء وشجر الكلام ورقصات نيلية وموسيقى الأحلام ومرايا النهار البعيد وتأملات في المدن الحجرية وله مسرحيتان شعريتان إحداهما حمزة العرب والأخرى حصار القلعة ، وله إصدارات نثرية ودراسات أدبية مثل : فلسفة المثل الشعبي ، دراسات في الشعر العربي ، أصوات وأصداء ، قصائد لا تموت ، تجارب نقدية وقضايا أدبية ، تأملات نقدية في الحديقة الشعرية ، ربيع الكلمات ، آفاق شعرية ، ومضات من القديم والجديد.

وقصة حمزة العرب ترجع جذورها إلى الماضي البعيد حيث عرف العرب منذ القدم بالصراعات القبلية فيما بينهم ودارت بينهم معارك عديدة عرفت باسم (أيام العرب) لكنهم جميعا يفخرون باتحادهم وانتصارهم ضد العدو الخارجي خاصة لو كان إمبراطورية كبرى في ذلك الزمن ، ولا شك في أن أهم معركة دارت وقائعها قبل الإسلام هي التي كانت في يوم (ذي قار) عام 609 م والتي انتصرت فيها القبائل العربية على الجيوش الفارسية الجرارة وكانت بشارة بما تبعه من فتوحات في العصر الإسلامي.

وسببها أن عاهل الفرس خسرو برويز غضب على النعمان بن المنذر عندما رفض تزويجه ابنته وشعر النعمان أن الملك سوف يغدر به فجمع أهله وأمواله وسلاحه وكل ما يملك ثم توجه بها إلى قبيلة طيء ليمنعوه لكنهم اعتذروا بسبب خوفهم من الملك وعرضت عليه قبيلة عبس أن يمنعوه لكنه لم يرد أن يعرضهم للخطر وهو يعرف قدراتهم فتوجه إلى بني شيبان في ذي قار واستودع كل ما لديه عند هانىء بن مسعود الشيباني.

 ثم توجه بمفرده لمقابلة كسرى الذي سجنه حتى مات ، وعين كسرى على الحيرة إياس بن قبيصة الطائي الذي أرسل إلى هانىء بن مسعود يطلب منه أموال النعمان فرفض هانىء وعندها حشد كسرى جيشا جرارا مكونا من أقوى كتائب الفرس تعاونها كتائب من قبائل تنوخ وتغلب والنمر بن قاسط وقضاعة وإياد وطيء ، وأرسلت شيبان إلى جميع قبائل بكر بن وائل فوافتهم في ذي قار وقد عزموا على المواجهة.

وقد شهدت المنطقة معركة ضارية ثبتت فيها بكر وأبلت بلاء حسنا كما انسحبت قبائل إياد وطيء بالاتفاق مع بكر مما خلخل جيوش الفرس فتحقق النصر لقبيلة بكر وأوقعت بالفرس والمتحالفين معها هزيمة منكرة وثبتت شيبان بذلك منازلها في سواد العراق بالقوة بعد أن كانت تنزل فيها قبل ذلك بعهد من ملوك فارس والحيرة لكن أسفرت الأحداث عن زوال مملكة المناذرة في الحيرة وتحولها إلى محمية فارسية مثلما حدث جنوبا في اليمن.

وفي القرن الرابع الهجري اكتملت النواة الأساسية التي بنيت عليها سيرة حمزة البهلوان في ظل التنافس بين الثقافتين العربية والفارسية داخل الإطار العام للحضارة الإسلامية وذلك من خلال ملحمة أسطورية تتناول العلاقة بين العرب والفرس قبل وبعد الإسلام وما حدث من تأثيرات متبادلة مع الفتح الإسلامي وظهور عدد من الدويلات الإسلامية الفارسية جنبا إلى جنب مع الإمارات العربية في بادية الشام والعراق .

وجمعت السيرة في العصر الأيوبي في ستة مجلدات وتبلغ قرابة ثلاثة آلاف صفحة بعنوان (قصة الأمير حمزة الشهير بحمزة العرب) من تأليف أبي الحسن على بن الأثير الجزري الشيباني صاحب كتاب الكامل في التاريخ ، وابن الأثير ينتسب إلى قبيلة بني شيبان البكرية التي قادت جموع القبائل العربية للانتصار الساحق على الفرس في ذي قار وظلت تفتخر بهذا الأمر على سائر القبائل خاصة منافستها القديمة قبيلة تغلب صاحبة الأمجاد القديمة.

وبطل الملحمة هو حمزة بن إبراهيم وهو ابن أمير مكة الذي يقود الجيوش العربية ويتصف بكل صفات العربي القديم من الشجاعة والإقدام والكرم والمروءة والذي أطلق عليه كسرى أنوشروان لقب بهلوان ويعني في الفارسية البطل لكنه في ثنايا السيرة يعرف باسم حمزة العرب ، ونقلت السيرة إلى اللغة الفارسية وعرفت باسم حمزة نامه أي كتاب حمزة وجعلت منه قائدا فذا وبطلا منقذا للعرش الفارسي.

وتبرز في الملحمة شخصيات عدة من أهمها الملك النعمان حاكم إمارة الحيرة العربية والذي كان يلعب دور الوسيط بين العرب والفرس ، وتظهر شخصية عمر العيار المساعد الأهم للبطل وجاء من قلب العامة حيث عرفت طائفة العيارين والشطار في العراق والذين كانوا يسرقون الأغنياء ليطعموا الفقراء ، وشخصية الوزير الفارسي الحكيم بزرجمهر والذي كان يتبنى دوما فكرة التعاون البناء مع العرب.  

أما البطلة والشخصية الأهم في الملحمة فهي ابنة كسرى الأميرة الجميلة والمثقفة والعاقلة والتي وقعت في حب الفارس العربي حيث تبدأ في مكاتبته وتبوح بحبها له وترغب في دخول الإسلام وتسعى للزواج منه وتعاهده على ذلك ، ويتبادل العاشقان أبيات الشعر الرقيقة التي تشبه رباعيات الخيام حيث ترمز الأميرة للحضارة الفارسية وسميت في الملحمة مهردكار والتي تعني في اللغة العربية شمس النهار.

وقد اعتمدت المسرحية على خمسة بحور شعرية هي المتدارك والمتقارب والرجز والرمل والكامل وكتب فيها الشاعر رسالته على لسان حمزة بطل الملحمة وهو يقول : لن ننتظر مجيء جيوشه .. سنلاحقهم .. حتى نهدم فوقهم البلدان .. لن تهدأ هذي الريح الحمراء .. حتى تجتاز العالم كله .. تسقط ما يفسد فيه .. من سلطان جائر .. سوف نهز الأشجار .. والثمر الفاسد يسقط .. وسنجني ثمرا أحلى .. من ثمر الظلم المر.

أو يجري فيها الدم .. حتى ننبت شجرا آخر .. لا يثمر حب الحنظل .. هذا هو صدري .. يغلي فيه الشوق .. أن يتغير هذا العالم ..لا يركع عبد أو يتعالى سيد .. كل العالم إخوة .. كل العالم .. بيت للإنسان .. وسواء فيه الأبيض مثل البدر .. والأسود مثل العنبر .. وعلى هذا الكف .. يرتفع السيف العادل .. ينحر لكمو البغي.

وترد عليه والدته هند قائلة : لن يأتي بعد اليوم .. طير النوم الأخضر .. يستدفىء في أعشاش العين .. فلتتهيأ للسفر طويلا عين الأم .. وليستيقظ كل جنين حي .. في أغشية الدم .. يستعجل يوم ولادته .. ليكون له شرف الحرب .. تحت لوائك .. ولتنس الأعين كيف يسيل الدمع .. ما أصعب هذا الدرب .. ما أطوله .. ما أصعب طرقك يا ولدي.

وفي موضع آخر تنادي عليه قائلة : يا حمزة الحبيب أين أنت .. بني يا بني هل كبرت .. ترى هل استويت كي تقارع الرجال .. تناجز الأسود والأفيال .. عيناك يا بني .. ليلان مقبلان .. خداك يا بني .. ناران توقدان .. من فوق ناعم الكثبان .. كفاك يا بني غيمتان .. تظلان جدب هذه الصحراء.

وفي المشهد الأخير يهتف حمزة : قتلتهم .. وفر واحد فقط .. كي يخبر السلطان .. بأنني محارب له .. لآخر الزمان .. وإن أتى السلام .. فليأت بعد النصر .. ولتزرع السيوف واحة الأمان .. لسوف أجمع الجيوش .. أحاصر المدن التي أصابها الغرور .. فإنما رسالتي .. أن تصبح العدالة التي تريدها السماء .. شعار هذي الأرض .. قانون هذه البلاد .. وسوف يصبح العرب .. رجال عالم جديد .. فلتحرقوا إلى الأبد .. شعار دولة العبيد .. شعار دولة العبيد.

والرؤية التي اعتمدها الشاعر في المسرحية وتدور حول الوحدة العربية لا تختلف في روحها العامة عن السيرة الأصلية التي تحمل نفس المعنى كما يشرح ذلك الدكتور شوقي عبد الحكيم في كتابه السير والملاحم الشعبية العربية حيث يقول : ” الأمير حمزة وتابعه العيار يجمعان جيوشهما العربية .. ذلك أن الأمير إبراهيم والد حمزة كان يتملكه حلم عربي كبير بأن يجعل الفرح للعرب على أيديهم وردع ملوك الفرس وغيرهم من كبار ملوك العالم بواسطة ولده هذا حمزة الذي لا يجمع تحت رايته إلا شرذمة قليلة،  وفي الحال أحضر الشبان المذكورين وكانوا لا يزالون مرادنًا أي لم ينبت الشعر قط بوجوههم ودفعهم إليه فأخذهم إلى خاصته وعقد لنفسه عليهم وجعل يمتحنهم في ميدان الحرب والطعان ويدريهم على الثبات ومن كان منهم ناقص المعرفة أثناء القتال مال إليه وعلَّمه ما يحتاجه حتى خرج الجميع أبطالًا أشداء.

وتبدت أُولى بطولات حمزة في هجومه على حاكم كسرى من العجم والامتناع عن دفع الجزية لهم ، برغم أن الأعجام كثيرة العدد أكثر من العرب وكلهم يجتمون إلى ملك واحد لا تتفرق كلمتهم ولا يقوم منهم قوم ولا قبيلة على قبيلة كما تفعل العرب الذين دأبهم على الدوام التفرق فيغيرون على بعضه، ومن ذلك لا تقوم لهم قائمة لا سيما وأن ملكهم النعمان ملك العرب إنما يجاري الأعجام فيكرم النار ويقدم لها مزيد الاعتبار ، فلما سمع الأمير حمزة كلام عمر العيار لعب به الغيظ والغضب وقال لأخيه : هيا بنا نضرب هؤلاء الأعراب والأعجام ونوقعهم ونمنعهم مرة ثانية أن يعودوا إلى الإتيان إلينا ويخطر لهم أن يجبوا مالا منا لأننا أحرار لا نقبل الإذلال وإذا أغاظ عملي هذا كسرى ملك الأعجام أو النعمان ملك العرب سرتُ إليهما وحاربتهما وخربت بلادهما.

وأما الأمير حمزة فإنه بقي مصرًّا على عزمه بالمسير إلى الحيرة ومحاربة الملك النعمان وأعلم بذلك قومه وقال لهم كونوا على استعداد للرحيل ، وركب حمزة وخرج من مكة وركب لركوبه سائر رجاله هم الثمانمائة فارس شبان مرادن من سنه وسار بين يديه عمر العيار كأنه عفريت ينطلق في ذلك البر فيغيب عن الأبصار ثم يعود بأسرع من هبوب الرياح إلى أن أبعدوا عن تلك البلاد وتبطنوا البراري والقفار والسهول والأوغار والأمير حمزة يتمنى أن يصل إلى الحيرة ليدهمها بغتة ويُوقع فيها ولا يمسك إلا الملك النعمان مسك الأيدي ويجازيه على فعله ، وعلى هذا عمل جاهدًا على توحيد صفوف القبائل العربية واختيار أفضل الشباب المحاربين وتجميعهم في مواجهة الخطر الأكبر المحدق بالعرب المبدد لقواهم وتوحدهم عن طريق عيونه من الحكام السلطويين التابعين.

حمزة يعتلي عرش الملك النعمان .. وعبر طريقه إلى مملكة الحيرة ظل الأمير حمزة يجمع الجيوش الخارجة وقطاع الطرق وأصحاب القلاع مثل أصفران الدرينذي من حوله إلى أن تمكن من أسر (القناصة) ابنة الملك النعمان الذي خرج لملاقاته فهزمه حمزة وفرَّق جنوده وانتهى بهما الحال إلى أن تصالحا ومن ثم تم التصالُح أو التحالف بينهما في مواجهة الأعجام أو الفرس المجوس ، وما أروع وصف السيرة ذاتها للكيفية التي اقتحمت بها جيوش حمزة مدينة الحيرة عاصمة الملك النعمان بن المنذر المتحيز للفرس ضد قومه وبني جلدته العرب ، وكان الأمير حمزة قد وصل إلى الملك النعمان وهو طالب الهرب فانقض عليه ومسكه وسلمه عمر وعند ذلك رجع الأمير حمزة من ساحة القتال وهو مغموس بالدم من رأسه إلى قدمه فاغتسل ونزع ثيابه ودخل ديوان النعمان وجلس مكانه وجمع قومه ، وأمر أن يؤتَى بالنعمان إلى بين يديه واندفع يشرح له أغراضه في تجميع العرب المبددين والوقوف في وجه الفرس طلبا للتحرر إلى أن أقنعه “.

 

50 / السيرة الهلالية

التراث المصري (غير المادي) الوحيد المسجل في اليونسكو هو (السيرة الهلالية) والتي تحتل مكانة مركزية في الأدب الشعبي المصري وهي أشهر سيرة شعبية وأكبرها إذ ظلت متداولة حتى وقت قريب بين شعراء الربابة كما أنها ضمت روايات عديدة ألفها شعراء عديدون في ربوع الوطن العربي وتجاوزت أبياتها الشعرية مليون بيت وصار أبطالها مضرب المثل في الحياة العامة في الأمثال الدارجة.

والتراث الشعبي هو القاموس الحي الذي يحوي بين طياته اللهجات العامية المصرية بمفرداتها وتراكيبها وصورها التعبيرية بل إنه  يعكس الثقافة المحلية من خلال امتزاج الخيال النابع من التراث مع تفاصيل الحياة اليومية في البيئة المحلية .. ولعل هذا ما جعل التراث الشعبي وخاصة الملاحم والسير تحظى بذلك الحضور الطاغي في الوجدان الجمعي للمصريين.

وتأتي السيرة الهلالية على رأس السير الشعبية التي كان لها انتشار وتأثير في المجتمعات المحلية في ربوع مصر كلها .. وهي مجموعة ضخمة من الشعر العامي تبلغ آلاف الأبيات والتي كان ينشدها المنشدون على الربابة في المقاهي والمنتديات والمناسبات الاجتماعية المختلفة في الماضي القريب .. وحاليا هي جزء محبوب وجذاب  من التراث الشعبي .

وطالما جذبت هذه السيرة بأشعارها ولهجاتها اهتمام الكتاب والباحثين في ربوع الوطن العربي حيث تحظى بالشعبية في كافة مناطقه .. لكن الشاعر المصري الكبير عبد الرحمن الأبنودي يتفوق على الجميع إذ قام بجمع هذا الموروث الضخم من أفواه شعراء الربابة وضمنه في خمسة أجزاء ثم أعقب ذلك بروايته صوتيا ليحفظ لنا اللهجات العامية بوضوح .

وصاحب هذا الجهد الفريد هو عبد الرحمن محمود عيسى الأبنودي (1938 ـ 2015 م) والذي ولد في قرية أبنود بالصعيد وكان والده مأذوناً شرعياً وانتقل إلى مدينة قنا وتحديداً في شارع بني على حيث استمع إلى أغاني السيرة الهلالية وتأثر بها ، وهم من أهم شعراء العامية ومن أشهر مؤلفي الأغاني ومن رواد الأدب الشعبي ومن أعمدة الصحافة المصرية وله إنتاج أدبي كبير من الشعر والنثر والحكايات.

وفي تراثنا الشعبي لم تحظ قبيلة عربية بالحضور والشهرة مثل ما عرفت به قبيلة بني هلال بن عامر بن صعصة الهوازنية القيسية والتي تحكي السيرة الهلالية تاريخها وتراثها ومن ضمنها وقائع التغريبة الهلالية وقصص أبطالها المشهورين وعلى رأسهم أبو زيد الهلالي سلامة وصراعاته المستمرة مع الزناتي خليفة وحكايات خضرة الشريفة ودياب بن غانم .

وفي هذه السيرة جزء حقيقي وجزء خيالي .. أما الحقيقي فهو هجرة قبيلة بني هلال من نجد إلى مصر في العصر الفاطمي بتدبير الوزير الفاطمي اليازوري لخدمة أغراضه السياسية ومن ثم انتقال فروع من القبيلة إلى بلاد المغرب العربي واستقرارها هناك ثم عودة بعض فروعها مرة أخرى إلى صعيد مصر وهجرة فروع أخرى جنوبا إلى السودان  ..

أما الجزء الخيالي فهو ذلك السرد الملحمي لقصص الأبطال وما جرى للقبيلة من أهوال أثناء الرحلة الطويلة من أول الصراع مع منافسيهم من بني عقيل وحتى حروبهم في تونس .. وأهم ملمح في السيرة الهلالية هو فكرة الانتماء القبلي وعلاقة الفرد بعشيرته ودفاعه عنها وعن قيم الفروسية والشجاعة والمروءة والنجدة في إطار من الفضائل الخلقية العالية.

وقد بدأت الأحداث التاريخية الحقيقية في عام 442 هـ / 1051 م حيث اندفعت قبائل بني هلال وبني سليم وأحلافهم من مصر باتجاه ليبيا والمغرب العربي لإخضاع والي تونس المعز بن باديس الذي حاول الاستقلال عن القاهرة ، ويحكي عن ذلك ابن خلدون في كتاب العبر فيقول : ” وبعد فترة وجيزة تجهَّزت بنو سُلَيْم لدعم الهلالية بعد أن رغّبهم من سبقوهم هنالك بوفرة خيرات هذه البلاد ، وقد اقتحموا في إثرهم بلاد برقة وطرابلس وجنوب تونس .. وقد أباح هم جواز النيل ، وقال لهم كما قال لبني هِلَال من قبلهم : ” قد أعطيتكم المغرب ومُلك المعز بن بلكين الصنهاجي العبد الآبق فلا تفتقرون “.

وكتب اليازوري وزير الخليفة إلى الملوك في المغرب موجهًا رسالته لهم قائلًا فيها:  ” فلقد أنفذنا إليكم خيولًا فحولا وأرسلنا عليها رجالًا كهولا ليقضي الله أمرًا كان مفعولا ” ، ثم يفصل ابن خلدون قائلا : ” واقتسمت العرب بلاد إفريقية في عام ٤٤٦ هـ فكان لزُغبة الهلالية طرابلس الغرب وما يليها ، ورياح الهلالية باجة وما يليها (باجة في تونس) ، ثم لما كثرت بطون سُلَيْم في إثر الهلالية اقتسموا البلاد ثانية ؛ فكان للهلالية من تونس إلى ناحية الغرب (داخل الجزائر) ، وكان لبطون سُلَيْم من جنوب تونس إلى ناحية الشرق (ليبيا) ، ثم تفرقت بطونهم في إفريقيا وفَلَتَ وتصرَّم المُلك من المعز بن باديس

لا شك أن أشهر قبيلة عربية رويت أخبارها في السير والملاحم هي قبيلة بني هلال بن عامر بن صعصعة القيسية حيث يقول محمد الطيب في كتابه موسوعة القبائل العربية : بنو هلال كان لهم طابع قصصي رائع غذى الأدب العربي بمورد خصب ما زال منهله نضَّاحًا يمد الإنتاج الفكري بعذب سلسبيله على مر الأجيال ، فقصة أبي زيد الهلالي وذياب بن غانم وحروبهما البطولية مع الزناتي خليفة ما زالت تردد في أنحاء كثيرة من أقطار الوطن العربي الكبير ، وذلك بعد أن ظلت مصدر وحي في الأزمان الماضية لشعراء الهلالية الذين ألَّفوا بفضل معانيها الكثيرة من الأغاني والقصص الشعري الذي حفظ لنا ابن خلدون طرائف من نفحاته.

قال ابن خلدون في العبر : كان لبنو هلال رجالات وفرسان مذكورين أشهرهم وأشرفهم حسن بن سرحان وبدر وفضل ابنا ناهض وينسبون في دُرَيْد من الأثبج من هلال بن عامر ، وماضي بن مقرب وهو من بني قُرَّة من الأثبج ، والأسمر سلامة الفارس الشهير وينسبونه في بني كثير من بطون كرفة من الأثبج ، وشبان بن الأحيمر وأخوه صليصل وهم من بني عطية من كرفة من الأثبج ، كما أن هناك الفارس الشهير ذياب بن غانم وينسب في ثور وهم من فروع ربيعة بن عامر من هوازن ، وموسى بن يحيى وهو من بني صُنبر من بطون مرداس من رياح.

وقد شهد الصعيد في العصر المملوكي نزوح لقبائل بني هلال وبني سليم وحلفائهم العائدين من التغريبة الهلالية المشهورة في المغرب العربي وذلك على موجتين الأولى في عهد بيبرس والثانية في عهد الناصر محمد بن قلاوون ، وقد رصدها القلقشندي في كتاب قلائد الجمان في التعريف بعرب الزمان فقال : ومن بني هلال أيضاً بنو عامر وهم بنو عامر بن هلال بن عامر بن صعصعة قال الحمداني وهم بطون بالصعيد منهم رفاعة وبنو حجير وبنو عزيز ، وبإخميم منهم بنو قُرّة ، وبساقية قُلتة منهم طائفة ، وبأَصفون وإسنا بنو عُقبة وبنو جَمِيلة

ويضم مركز طهطا بسوهاج وحده أربعين قرية متجاورة تعرف باسم بلاد الهلة وقد ذكرها علي باشا مبارك في كتابه الخطط التوفيقية الجديدة فقال : ” ثم أن أهل الهلة يزعمون أن أصلهم من قبيلة بنى هلال المستوطنين ببلاد تونس ، وقيل : أصلهم من حمير اليمن وارتحلوا إلى تونس ، ثم ارتحل بعضهم إلى أرض مصر، وذلك فى القرن السادس وأن نسبهم ينتهى إلى عدنان ، كما فى وثائق عند كبرائهم كالقاضى ، فنزلوا فى غربى طهطا ، وكانت تلك الجهة إذ ذاك لشيخ العرب الجندالى الكشكى من مشايخ عرب جهينة ، فأقطعهم أرضا قليلة ، فاستقلوها على كفايتهم ، وكان من بنى حرب ، وهى قبيلة من عرب الحجاز نجع قاطنون فى غربى طهطا ، ولهم أرض يزرعونها “.

وقد تحدث الدكتور شوقي ضيف عن تلك الأحداث بالتفصيل في كتابه تاريخ الأدب العربي فقال : ” السيرة الهلالية .. قوام هذه السيرة حروب مستمرة بين بنى هلال ومن دخل معهم من قبائل زغبة وسليم ورياح وعدى وربيعة والأثبج إلى إقليمى طرابلس وتونس وشمالى إفريقيا ومن كان بهذه الاقاليم من الصنهاجيين وزناتة وغيرهم من القبائل المغربية المستوطنة.

وكانت القبائل العربية المذكورة قد حاربت مصر لعهد المعز أول الخلفاء الفاطميين سنة ٣٦٠ تحت لواء الأعصم القرمطى ، وكان قد استولى على دمشق والرملة ودخل مصر والتقى بالجيش الفاطمى فى عين شمس بالقرب من القاهرة وكاد يكتب له النصر لولا خروج بعض قواده عليه وانضمام القبائل سالفة الذكر إلى الجيش المصرى وبذلك دارت عليه الدوائر فعاد إلى الشام ومنها إلى البحرين موطنه وأسكن المعز تلك القبائل القيسية الصعيد لعله يمكن الانتفاع بها فى المستقبل.

وحانت الفرصة لذلك فى عهد الخليفة الفاطمى المستنصر (٤٢٧ – ٤٨٧ هـ‍) إذ خرج عليه المعز بن باديس الصنهاجى صاحب تونس والقيروان سنة ٤٤٣ وأعلن العودة إلى المذهب المالكى السنى وتبعيته للخليفة العباسى القائم بأمر الله وانفصل بذلك الجناح الغربى للدولة الفاطمية ولم تقم للمذهب الشيعى الفاطمى قائمة فى تلك الأنحاء منذ هذا التاريخ ، واستشاط المستنصر غضبا وأشار عليه وزيره اليازورى أن يسلط عليه القبائل القيسية النازلة بالصعيد منذ أيام جده المعز فاتصل بشيوخهم ووعدهم أن تكون ديار طرابلس وتونس وكل ما تحت يد المعز إقطاعا لهم وأيضا كل ما يمتلكونه من بلاد المغرب.

وسرعان ما لبّته جموعهم وخرجت إلى المغرب إلى تونس وإفريقية واستولت فى سنة ٤٤٣ على برقة بزعامة يحيى الرياحى وتملك بنوزغبة فى سنة ٤٤٦ طرابلس واتجهت هلال ورياح والأثبج وعدى إلى إفريقيا وأضرموها نارا بقيادة زعيمهم مؤنس بن يحيى الرياحى وحاول المعز بن باديس أن يقربه منه مجزلا له العطايا ولم يغن ذلك عنه شيئا.

ونازل تلك الجموع ودحرته وأنزلت به هزائم متوالية مما اضطره أن يخلى لهم القيروان وأن يكتفى بالمهدية وبلدان صغيرة حولها ، واكتفى بها من بعده ابنه تميم الذى حكم بعده إلى نهاية القرن الخامس وأخذت تتضعضع الإمارة بينما تحول إقليم تونس والجزائر إلى إقطاعيات صغيرة يحكمها هلاليون أو زناتيون إلى أن أعادت دولة الموحدين إلى شطر كبير من المغرب وحدته.

ويبدو أنه حين ارتضت هذه القبائل القيسية هجرتها إلى المغرب أرسلت إلى عشائرها فى الجزيرة العربية أن تقدم عليها لتشاركها فى هذه الهجرة الكبيرة وأن عشائر فعلا لبّت دعوتها ، يدل على ذلك أننا نجد القاصّ للسيرة أو قصاصها استغلّوا فيها قصة فتاة جميلة من بنى هلال هى الجازية بنت الحسن بن سرحان عشقها فتى من عشيرتها وأراد الزواج منها وتصادف أن أمير مكة شكر بن أبى الفتوح (٤٣٠ – ٤٥٣ هـ‍) رآها وأعجب بها وطلب يدها من أبيها فآثره على عشيقها وزوّجها منه.

ثم حدث أن أغضب شكر عشيرتها ورأوا الانتقام منه فاحتالوا عليه لأخذ الجازية وحرمانه منها فادعوا أنهم يريدونها لزيارة أبويها فى نجد حتى إذا قدمت معهم مضوا مع أبيها فى الرحلة إلى إفريقيا وهناك زوّجوها من ابن عمها ولكن قلبها ظل معلقا بزوجها الأول حتى ماتت من شدة هيامها وحبها له ، وهى قصة صحيحة فى أصلها المتصل بشكر أمير مكة وزوجته الجازية مما يدل على أن عشائر هلالية من الجزيرة قدمت على بنى هلال بالصعيد أو بعد تركهم له مباشرة وواصلت بدورها الهجرة إلى المغرب.

والأساس فى السيرة تاريخى صحيح وهو هجرة بنى هلال ومن معهم من القبائل القيسية إلى المغرب واستيلاؤهم على بعض مدنه غير أن الأحداث بعد ذلك تمضى وكأنها أضغاث أحلام لتلك الهجرة الكبيرة إذ سمّى القصاص بطلها أبا زيد الهلالى وسموا خصمه فى قبيلة زناتة الزناتى خليفة ، وبذلك غابت عن السيرة قبيلة صنهاجة وأميرها المعز بن باديس الصنهاجى كما غاب زعيم القبائل يحيى الرياحى وابنه مؤنس وقد يرجع ذلك إلى أن القاص أو القصاص الذين وضعوها كانوا بمصر بعيدين عن ساحة الأحداث أو ساحاتها فبدت وقائعها وكأنها أخلاط أحلام بما فى ذلك اسم بطليها العربيين الخياليين أبى زيد الهلالى ودياب بن غانم الزغبى.

وأغلب الظن أن ذلك يرجع إلى أنها تأخرت فى وضعها طويلا عن زمن أحداثها ولذلك كنا نظن أنها ألفت فى القرن السابع الهجرى أو بعده فى القرن الثامن وهى مكتوبة باللغة اليومية شعرا ونثرا ، وقد تعلق بها الشعب المصرى فى ريفه وحضره وعادة كان يلقيها على الناس منشد على ربابة فى المقاهى والحفلات يسمونه الشاعر.

وللسيرة ثلاث مراحل : مرحلة الريادة إلى بلاد المغرب وفيها يرود الطريق بطلها الخيالى أبو زيد الهلالى وأبناء أخته يحيى ومرعى ويونس وفى تونس يلقى بهم فى غياهب السجون ويستطيع أبو زيد الفرار من السجن ويستنفر القبيلة لتخليص أبنائها الثلاثة ، والمرحلة الثانية تسمى التغريبة وفيها تهاجر القبيلة إلى تونس وتمكنها سعدى ابنة ملكها الزناتى خليفة من دخولها وتفك القبيلة الأسرى الثلاثة ويأخذ الحسن بن سرحان القيروان ودياب تونس وأبو زيد الأندلس ويستولون على قلاع كثيرة حتى يصلوا إلى أقصى المغرب.

والمرحلة الثالثة خاصة بأبناء الأبطال ويسمون الأيتام وفيها يجمع زيدان بن أبى زيد الهلالى العرب من الشام والحجاز ويلتقى بهم فى صعيد مصر ويرحل معهم إلى تونس ويشدد الحصار عليها وعلى أميرها دياب بن غانم الزغبى ويوافيه الهلالية من الأندلس ويفتحون جميعا المدينة ويقتلون دياب بن غانم ، ويتنازل الهلالية عنها لابن الزناتى خليفة ويتأمّر على الهلالية ابن الحسن بن سرحان ويعود زيدان الهلالى إلى صعيد مصر كما يعود الهلالية الذين قدموا من الأندلس إليها وبذلك تنتهى السيرة وهى تمتلئ بانطباعات مصرية كثيرة “.

وقد نشرت مجلة الثقافة الشعبية في عددها رقم 38 دراسة قيمة للباحث خالد أبو الليل رصد فيها التلقي الشعبي للسيرة وأشكال الاستجابة الجماهيرية لها حيث يرى أن دليل الثراء هو تعدد الروايات فيها بين الدلتا والصعيد وبين مصر وبقية البلاد العربية والأفريقية وكذلك بين المدون والشفهي حيث تحولت من نص أدبي إلى عرض شعبي جماهيري قائم على التفاعل بين المؤدي (الشاعر) والجهور ويسمح بالتأثير المتبادل لكل منهما على الآخر.

ومن أسباب بقاء السيرة الهلالية وتفوقها على غيرها يتمثل في كونها بطولة جماعية وليست قائمة على بطل واحد مثل غيرها من السير كما أنها لم تكتف بتمجيد صفات الكرم والشجاعة والفروسية فقط وإنما أيضا رصدت بواقعية حياة القبائل العربية وما يحدث بينها من صراعات وانقسامات وبحث عن الغنائم وتفشي روح الثأر والانتقام كما حفلت بقدر كبير من الغزل الصريح ووصف المرأة ومفاتنها والذي يجذب انتباه الجمهور .

وحفلت السيرة الهلالية بتنوع رواياتها تبعا للمنطقة الجغرافية .. مثلا في فلسطين يصبح أبو زيد الهلالي هو نفسه شخصية الفدائي الذي يدافع عن وطنه الفلسطيني المغتصب ، وفي داخل مصر تختلف رواية الدلتا عن نظيرتها في الصعيد سواء من حيث الشكل أو المضمون أو طبيعة الأداء ، فمن حيث الشكل يشيع في رواية الوجه البحري القصيد والموال في حين تتميز رواية الوجه القبلي بالمربع (شعر رباعي التفعيلة).

أما على مستوى أداء الرواة فإن الهلالية في الدلتا تبدو أقرب ما تكون إلى النص الهلالي المدون حيث يسودها شكل القصيد التقليدي والموال وأحيانا الزجل ، ومن حيث الموضوعات فإن قصص الحب والثنائيات العاطفية هي الأكثر شيوعا فيها مثل قصة عزيزة ويونس وقصة رزق وحسنة ، ولذا فإن الإيقاع فيها بطيء حيث يميل الشعراء إلى استخدام آلات موسيقية تتناسب وطبيعة النص والإيقاع الهادىء فيه مثل العود والناي والكمنجة.  

ويحرص الشعراء في الدلتا على ارتداء زي معين لحظة الأداء مثل القفطان الأبيض والجبة والطربوش الأحمر (مثل شيوخ الأزهر) وذلك بهدف إضفاء نوع من القدسية والاحترام على روايتهم ويتبدى ذلك في اللغة التي يستخدمونها في رواياتهم حيث الاعتماد على تفصيح العامية  ويطلق عليها اسم : ” العامية المفصحة ” أو ” الفصحى المهشمة ” ، أما في الصعيد فهناك العمامة العربية والخاتم واللهجة البدوية .

وفي الصعيد يشيع المربع بالأساس لأنه يتناسب وطبيعة الموضوعات التي تتعرض لها الرواية الجنوبية مثل قصص الحرب والثأر ، لذا فهناك  ميل إلى استخدام آلات موسيقية معينة لتناسب طبيعة الإيقاع الأكثر سرعة فيها وتعد الربابة أهم هذه الآلات ومعها الطبلة والرِّق (المظهر)  والبندير علما بأن البندير أو الرق قد حلا بدلا عن آلة الطار التي شاع استخدامها في الروايات القديمة في الصعيد.

الملمح الأهم في السيرة الهلالية هو تعدد الروايات لتلبية الانتماء القبلي .. مثلا في قنا حيث  قبيلة الأشراف يكون أبو زيد الهلالي هو البطل لأن أمه هي خضرة الشريفة وأخواله من قريش بينما في مناطق قبائل هوارة والزغابة يصبح دياب بن غانم هو البطل والذي كان في السيرة يقود تحالف قبائل الجنوب واليمانية ، وفي  دندرة ومنطقة القلعة وما يحيطها في مركز قفط يفضلون الزناتي خليفة حيث قبائل الأمارة وحلفائهم من زناتة .

وفي الصعيد ظل الجمهور هناك يفضل الاستماع إلى قصص اللقاء والحرب والثأر مثل حرب الزناتي مع أبي زيد و قتل دياب للزناتي وقصص الأيتام وأولاد هولة ، أما في الوجه البحري لم يبق منها سوى قصص الحب والرومانسية التي تغذي روح العاطفة والحب وتراجعت من السيرة الهلالية قصص الحروب لصالح قصص العشق والغرام وأهمها قصة عزيزة ويونس التي صارت مصدر إلهام لبقية قصص الحب في الدلتا  .

ويونس هو ابن السلطان حسن الهلالي وخاله هو أبو زيد الهلالي وقد وقع في حب الأميرة عزيزة بنت السلطان معبد حاكم تونس والمعروفة بلقب (السفيرة عزيزة) بالإضافة إلى قصة حب بين أخيه مرعى وسعدى ابنة الزناتي خليفة وأخيه يحيى ومي الهلالية ، ويقول الدكتور شوقي عبد الحكيم إن القصة قد انفصلت في زمن مبكر عن جسم السيرة الهلالية وصارت تحكي قصة الفرسان النجديين الثلاثة .

ومن المعلوم أن منطقة وسط الدلتا كانت مستقرا لخليط كبير من القبائل العربية والبربرية ولعل هذا هو السبب في انتشار هذه السيرة بشكل مستقل حيث تجاوزت الصراعات التقليدية بين الطرفين وانتصر الحب في النهاية عندما تزوج يونس من عزيزة وصحبته في حروبه وانتقلت معه إلى الأندلس ، وهي دلالة رمزية على فكرة التعايش المشترك والاتحاد بدلا من العداوة مع الإشارة الخفية للأندلس التي كانت تضيع بالتدريج.

وقد أشار ابن خلدون إلى أن السيرة الهلالية كانت شائعة قبله بعدة عقود حيث أورد أشعارا تنسب إلى أحفاد بني هلال ويرجح إدوارد لين أن تدوينها كان بعد القرن الثالث الهجري وأنها كانت تتكون في زمنه من عشرة أجزاء أو أكثر من الحجم المربع الصغير ، ويقسمها شعراء السيرة (الرواة) إلى أربعة أقسام هي مواليد الأبطال وثانيتها الريادة وثالثها التغريبة وأما الرابعة فهي الأيتام ، ودائما ما يضرب بها المثل فيقال : ” سكة أبو زيد كلها مسالك ” أو يقال : ” كأنك يا أبو زيد ما غزيت “.