عصر الفاطميين الجزء الثالث

21 / السيرة المؤيدية

تنسب السيرة المؤيدية إلى مؤلفها المؤيد في الدين هبة الله بن أبي عمران موسى بن داود الشيرازي وهو واحد من كبار الدعاة الفاطميين حيث خلف أباه في رئاسة الدعوة الإسماعيلية ببلاد فارس ثم تولى منصب داعي الدعاة في مصر خلال عهد الخليفة المستنصر بالله ، ولد في شيراز عام 390 هـ / 1000 م وتوفي في القاهرة عام 470 هـ / 1078 م ولعب دورا سياسيا كبيرا في القرن الخامس الهجري ، وهذه السيرة تجمع بين المذكرات الشخصية والكتابة التاريخية حيث رصد فيها الكاتب كل ما مر به من أحداث وضمنها آراءه السياسية ووصفه لكبار الشخصيات في عصره من الحكام والوزراء.

وتبدأ أحداث السيرة في عام 429 هـ عندما بدأ المؤيد في التقرب من حاكم شيراز أبي كاليجار البويهي وأقنعه بالاستجابة لدعوته مما أثار جمهور أهل السنة في فارس وأرسلوا إلى الخليفة العباسي في بغداد والذي هدد أبا كاليجار بالاستعانة بالسلاجقة ضده فقرر إبعاد المؤيد عن البلاد فرحل إلى الأهواز وجعلها مقرا مؤقتا لنشاطه الدعوي ، وفي عام 438 هـ وصل المؤيد إلى مصر حيث كتب عن حياته هناك وعلاقته بالوزراء ورجال البلاط الفاطمي وذكر صراحة أن المستنصر بالله كان ألعوبة في أيدي رجال دولته وأنه كان محجورا عليه وأن والدة الخليفة ووكلاءها كانوا هم أصحاب السلطة الحقيقية في البلاد.

بدأ المؤيد في حضور مجالس الدعوة في القاهرة وعانى من الدسائس والوشايات والإبعاد حتى تولى الوزارة أبو محمد الحسن بن علي اليازوري فقربه وولاه ديوان الإنشاء وزاد في معاشه وتحسنت أحواله ، ثم انتدب المؤيد للإشراف على مهمة سياسية وعسكرية خطيرة وهي مواجهة هيمنة السلاجقة المتصاعدة على بغداد ونيتهم مهاجمة أملاك الفاطميين في الشام فقام بمراسلة بعض رجال السلاجقة وكذلك البساسيري عامل البويهيين على العراق وأمراء الإمارات العربية في أعالي الفرات واستمالهم لصفه وخرج على رأس حملة تمكن بها من استعادة حلب إلى حوزة الفاطميين وانتصر على طغرلبك السلجوقي في معركة سنجار.

وفي عام 450 هـ دانت له الموصل والجزيرة وديار بكر وقام بتجهيز البساسيري وأرسله إلى بغداد وخطب في مساجدها للخليفة المستنصر الفاطمي بضعة شهور حتى تمكن السلاجقة من إعادة السيطرة على العراق وإعادة الخليفة العباسي إلى عرشه ، ونتيجة للمشاحنات والخلافات في معسكر المؤيد اكتفى بما حققه من نجاحات وعاد إلى القاهرة ليتولى منصب داعي الدعاة حيث أشرف على مهمة أخرى وهي إعداد قاضي الصليحيين باليمن لمك بن مالك لمدة خمس سنوات والذي تلقى العلم عنه وأسس الدعوة الفاطمية الطيبية والتي عرفت بعد ذلك باسم البهرة فأصبح المؤيد بذلك أستاذ الدعوة في اليمن.

وكان المؤيد في الدين الشيرازي من المتبحرين في الفلسفة والعلوم وله محاورة شهيرة مع الشاعر أبى العلاء المعرى ناظره فيها طويلا فى تحريمه على نفسه أكل الحيوان وكل ما ينتجه من اللبن والبيض وعسل النحل ، وكان قوي الحجة ظاهر البلاغة حتى قال فيه المعري : ” وسيدنا الرئيس الأجل المؤيد في الدين ما زالت حجته باهرة ودولته عالية ولو ناظر أرسطاليس لجاز أن يفحمه أو أفلاطون لنبذ حججه خلفه ” ، وله عدة كتب في موضوعات متنوعة منها كتاب شرح المعاد وكتاب الابتداء والانتهاء وكتاب تأويل الأرواح وكتاب نهج العبادة وكتاب المسألة والجواب وكتاب الإيضاح والتبصير في فضل يوم الغدير.

وله كتاب في الدعوة الفاطمية يعرف باسم (المجالس المؤيدية) والذي يعد أكبر كتاب في هذا المجال إذ يضم ثمانمائة مجلس من مجالس الدعوة التي كان يلقيها المؤيد في الجامع الأزهر ، ويعد من أقوى الكتب عند طائفة البهرة ولا يقربه إلا من من بلغ مرتبة خاصة من مراتب دعوتهم وقد قام الداعي اليمني حاتم بن إبراهيم الحامدي بترتيب الكتاب وقسمه إلى أبواب حسب موضوعاته وأطلق عليه اسم (جامع الحقائق) وصار الكتاب المعتمد للدعوة في اليمن ، وللمؤيد أيضا ديوان شعر به مجموعة قصائده التي مدح فيها الأئمة الفاطميين ومنها قصيدته التي يقول في مطلعها : سلام على العترة الطاهرة .. وأهلا بأنوارها الزّاهرة.

وفي كتاب السيرة المؤيدية يصف الشيرازي يوم دخوله القاهرة فيقول : ” حتى إذا كشفت عن مقصدنا ستور القفار وأنخنا به فألقينا عصا التسيار أدخلوني من باب القاهرة المعزية إلى قصر الخلافة عمره الله تعالى فاستلمت على جاري العادة في مثله الأبواب ولمحت الثريا ترابا تحت قدمي إذ ترشفت ذاك التراب وأجلسوني هنيهة لأفيق من غشية الهيبة التي ملأت جوانحي لما غشيت المسرة بمشاهدة ذلك المقام قلبي وجوارحي ” ، ويحتوي الكتاب أيضا على مناظراته العديدة في فارس ومصر وكذلك المكاتبات التي تمت بينه وبين الأمراء والفقهاء على اختلافهم فنقل لنا صورة حية عن الحياة الثقافية والسياسية في ذلك الزمن.

22 / شرح المقدمة المحسبة

في منتصف القرن الخامس الهجري قرر واحد من كبار كتاب ديوان الإنشاء وهو أبو الحسن طاهر بن بابشاذ أن يعتزل العمل ويتفرغ للعبادة والتأليف واتخذ لنفسه غرفة بمنارة جامع عمرو بن العاص وظل فيها حتى وافته المنية عام 469 هـ / 1077 م ، وكان إمام النحو في عصره وكتب في هذه الخلوة عددا كبيرا من المؤلفات سماها تلاميذه (تعليق الغرفة) نسبة لموضع اعتزاله وكتب لها مقدمة سماها (المقدمة المحسبة) وطلب منه تلاميذه اختصارها فتناولها بالشرح وصارت هذه المؤلفات عمدة المشتغلين بالنحو وعلوم اللغة من بعده.

وقد جاء في أول شرح المقدمة بيان بسبب كتابتها ومنهجها فقال : ” بسم الله الرحمن الرحيم وفق للإتمام يا ذا الجلال والإكرام قال الشيخ الإمام أبو الحسن طاهر بن أحمد بن بابشاذ النحوي رحمه الله : أما بعد حمد الله بجميع المحامد والتوكل عليه في كل المصادر والموارد والصلاة على نبيه محمد خاتم النبيين وعلى آله وأصحابه البررة المتقين والسلام عليهم أجمعين ، فإن للمقصد حرمة مأثورة ونية مشكورة مبرورة.

ولما كنت أيها الأخ أبا القاسم عبد الرحمن بن أبي بكر بن أبي سعيد أدام الله توفيقك وإرشادك وجعل من السعادة في الدين والدنيا والعلم هداك وإمدادك قد اطلعتني على حالك وذكرت أنك لم تسافر من الاسكندرية – مع قرب توجه سفرك إلى مقرك – إلا لتحصل ما أمكن من هذا العلم وأن أقرب ذلك قراءة المقدمة المرسومة لهذا الشأن وإيثارك تعليق شرحها مختصرًا لتنال من ذلك بلغة إلى حين عودتك بمشيئة الله وعونه فتشرع في التنجز لهذا الشأن بحسب ما يؤديك إليه اجتهادك والله معينك في ذلك وموفقك ، أجبت سؤالك إيجاب مثلي لمثلك في مقصدك وابتغاء مرضاة الله سبحانه وتعالى ورحمته والله الموفق للصواب بمنه.

أما قولنا النحو علم مستنبط بالقياس والاستقراء من كتاب الله سبحانه والكلام الفصيح فإن النحو له تفسيران : لغوي وصناعي ، فاللغوي أن تقول هو القصد من قولهم : نحوت كذا وكذا أي قصدته ، وهذا الاسم وإن كان عامًا في الأصل – لأن كل علم مقصود – فهو مخصوص بالترجمة عن هذا العلم كاختصاص علم الشريعة بالفقه وإن كان كل علم فقهًا وفهمًا وكاختصاص الكعبة ببيت الله عز وجل وإن كانت المساجد كلها بيوتًا لله تعالى.

والنحو من المصادر التي وقعت موقع الأسماء فالمراد بالنحو الشيء المنحو إليه كالمراد بنسج اليمن إنه منسوج اليمن وبقوله  سبحانه (أحل لكم صيد البحر وطعامه) أي مصيده فقد خرج بهذه القضية من حكم المصادر المنصوبة على التأكيد ، إذا قلت : نحوت النحو إنما ينتصب انتصاب المفعول به لا انتصاب المصدر المؤكد وعلى هذا تقول : نحي النحو فتقيمه مقام ما لم يسم فاعله.

وهذه اللفظة كان القياس يجيز فيها فتح الحاء وتسكينها على حد أنواعها مما فيه حرف من حروف الحلق من نحو الشعر والشعر والنحر والنحر لكنهم امتنعوا من الحركة في (النحو) لأجل أن الواو حرف علة فلو حركوا الحاء لأدى ذلك إلى قلب الواو ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها فاجتنب تحريكها لذلك.

وأما التفسير الصناعي فهو قولنا (علم مستنبط بالقياس) ، ولا إشكال في كون النحو علمًا من العلوم الجليلة إذ كان العلم ضد الجهل فلذلك سمي علمًا ولا إشكال في كونه مستنبطًا لأن الاستنباط الاستخراج من قوله سبحانه (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم) وأهل هذه الصناعة استخرجوه من كلام الله تعالى والكلام الفصيح.

والطريق الذي استخرجوه به طريقان : السماع والقياس ، فالسماع بالتتبع والتصفح والقياس بحمل شيء على شيء لضرب من الشبه فلذلك قلنا : هو علم مستنبط بالقياس والاستقراء ، وأما قولنا : (والغرض به معرفة صواب الكلم من خطائه وفهم كلام الله تعالى وفوائده) فإنه لا ينبغي لأحد أن يدخل في علم من العلوم حتى يعرف الغرض الذي لأجله دخل ليكون على بصيرة مما دخل فيه.

وهذا الغرض ينقسم إلى قسمين أحدهما معرفة الخطاء حتى يجتنب والآخر معرفة المعاني حتى تعتقد ، ولا أجل من فهم معاني كتاب الله عز وجل وفوائده ومن علم السنة والأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والحكم ودواوين العرب فإن كل هذا لا يفهم على التحقيق إلا بمعرفة العربية “.

وقد ذكره القفطي في كتابه إنباه الرواة على أنباه النحاة فقال : ” طاهر بن أحمد بن بابشاذ أبو الحسن النحوىّ المصرىّ العلامة المشهور المذكور أصله من العراق وكان جدّه أو أبوه قدم مصر تاجرا وكان جوهريا فيما قيل ، وطاهر هذا ممن ظهر ذكره وسارت تصانيفه مثل المقدّمة فى النحو وشرحها وشرح الجمل للزّجّاجىّ ؛ سار كل منهما مسير الشمس ، وقد كان يتولى تحرير الكتب الصادرة عن ديوان الإنشاء فى الدولة القصرية بالديار المصرية إلى الأطراف ليصلح ما لعلّه يجد بها من لحن خفىّ وكان له على ذلك رزق سنىّ مع رزقه على التصدّر للإقراء فى جامع عمرو بن العاص ، واشتمل على العبادة والمطالعة.

وجمع فى حالة انقطاعه تعليقة كبيرة فى النحو قيل لنا لو بيّضت قاربت خمسة عشر مجلدا وسماها النحاة بعده الذين وصلت إليهم (تعليق الغرفة) وانتقلت هذه التّعليقة إلى تلميذه أبى عبد الله محمد بن بركات السعيدىّ النحوىّ اللغوىّ المتصدّر بموضعه والمتولى للتحرير ثم انتقلت بعد ابن البركات المذكور إلى صاحبه أبى محمد عبد الله بن برّىّ النحوىّ المتصدّر فى موضعه والمتولّى للتحرير ثم انتقلت بعده إلى صاحبه الشيخ أبى الحسين النحوىّ المنبوز بثلط الفيل المتصدّر فى موضعه ، وقيل إن كل واحد من هؤلاء كان يهبها لتلميذه المذكور ويعهد إليه بحفظها ولقد اجتهد جماعة من طلبة الأدب فى انتساخها فلم يمكن.

ولما توفى أبو الحسين النحوىّ المقدّم ذكره وبلغنى ذلك وأنا مقيم بحلب أرسلت من أثق به وسألته تحصيل تعليق الغرفة بأى ثمن بلغت وكتاب التذكرة لأبى علىّ ، فلما عاد ذكر أن الكتابين وصلا إلى ملك مصر الكامل محمد بن العادل أبى بكر بن نجم الدين أيوب فإنه يرغب فى النحو وغريب ما صنّف فيه “.

وذكره ياقوت الحموي في معجم الأدباء فقال : ” طاهر بن أحمد بن بابشاذ بن داود بن سليمان بن إبراهيم أبو الحسن المصري المعروف بابن بابشاذ النحوي اللغوي أحد الأئمة في هذا الشأن والاعلام في علوم العربية وفصاحة اللسان ، ورد العراق تاجرا في اللؤلؤ وأخذ عن علمائها ثم رجع إلى مصر وولي متأملا في ديوان الانشاء بالقاهرة يتأمل ما يصدر منه من السجلات والرسائل فيصلح ما فيها من خطأ ورزق في كل شهر على ذلك خمسين دينارا ، تزهد في آخر عمره فاستعفى من ذلك ولزم منارة الجامع – جامع عمرو بن العاص ـ بمصر .. وله من التصانيف : كتاب شرح الجمل للزجاجي كتاب المحنة مختصر في النحو كتاب شرح المحنة كتاب التعليق في النحو خمسة عشر مجلدا سماه تلامذته من بعده تعليق الغرفة وغير ذلك “.

وذكره ابن فضل الله في كتابه مسالك الأبصار فقال : ” طاهر بن أحمد بن بابشاذ أبو الحسين النحوي المصري العراقي المحتد ، رجل محتد ذكي الألعبة زكي اللوذعة سديد النظر شديد الرأي المحتضر دنا من مجالس الخلفا ووسع لتقريبه محالّ الاصطفا ، وكان من وراء الخلفاء الجليس الذي لا ينافس في دنوّ محلّ ولا يناقش في إبرام عقد ولا حلّ حتى كان فردا للنظرا وقياس الآراء والمخصوص بخصب الجناب وقرب المحل قبل ابن الخبّاب ، هذا إلى ما وكل به من تهذيب الكتب وتذييب تلك الأعلام الكثب مع شيء قديم ومرمى قويم ومال موروث وثرا ومال منه فضل للفقرا.

وكان جدّه جوهريا من بغداد قدم مصر تاجرا فسكنها ، وكان متولى بتحرير الكتب الصادرة عن ديوان الإنشاء بمصر في الدولة المصرية وله رزق سنيّ على ذلك ، وعلا التصدر للإقراء بجامع عمرو بن العاص ثم إنه في آخر عمره تزهد وانقطع في غرفة بالجامع واشتمل على العبادة ، وهو شيخ محمد بن بركات السعيدي اللغوي المتولي بعده لوظيفته “.

وترجم له ابن خلكان في وفيات الأعيان فقال : ” ابن بابشاذ النحوي .. أبو الحسن طاهر بن أحمد بن بابشاذ النحوي يقال إن أصله من الديلم ، وكان هو بمصر إمام عصره في علم النحو وله المصنفات المفيدة منها : المقدمة المشهورة وشرحها وشرح الجمل للزجاجي وشرح كتاب الأصول لابن السراج ، وجمع في حال انقطاعه شكة كبيرة في النحو يقال إنها لو بيضت قاربت خمس عشرة مجلدة وسماها النحاة بعده الذين وصلت إليهم (تعليق الغرفة) ..

وانتفع الناس بعلمه وتصانيفه وكان وظيفته بمصر أن ديوان الإنشاء لا يخرج منه كتاب حتى يعرض عليه ويتأمله فإن كان فيه خطأ من جهة النحو أو اللغة أصلحه كاتبه وإلا استرضاه فسيروه إلى الجهة التي كتب إليها وكان له على هذه الوظيفة راتب من الخزانة يتناوله في كل شهر وأقام على ذلك زماناً.

ويحكى أنه كان يوماً في سطح جامع مصر وهو يأكل شيئاً وعنده ناس فحضرهم قط فرموا له لقمة فأخذها في فيه وغاب عنهم ثم عاد إليهم فرموا له شيئاً آخر ففعل كذلك وتردد مراراً كثيرة وهم يرمون له وهو يأخذه ويغيب به ثم يعود من فوره حتى عجبوا منه وعلموا أن مثل هذا الطعام لا يأكله وحده لكثرته ، فلما استرابوا حاله تبعوه فوجدوه يرقى إلى حائط في سطح الجامع ثم ينزل إلى موضع خال صورة بيت خراب وفيه قط آخر أعمى وكل ما يأخذه من الطعام يحمله إلى ذلك القط ويضعه بين يديه وهو يأكله.

فعجبوا من تلك الحال فقال ابن بابشاذ : إذا كان هذا حيواناً أخرس قد سخر الله سبحانه وتعالى له هذا القط وهو يقوم بكفايته ولم يحرمه الرزق فكيف يضيع مثلي ثم قطع الشيخ علائقه واستعفى من الخدمة ونزل عن راتبه ولازم بيته واشتغاله متوكلاً على الله سبحانه وتعالى ، وما زال محروساً محمول الكلفة إلى أن مات عشية اليوم الثالث من رجب سنة تسع وستين وأربعمائة بمصر ودفن في القرافة الكبرى رحمه الله تعالى وزرت بها قبره وقرأت تاريخ وفاته على حجر عند رأسه كما هو ها هنا.

وكان سبب موته أنه لما انقطع وجمع أطرافه وباع ما حوله وأبقى ما لا بد له منه كان انقطاعه في غرفة بجامع عمرو بن العاص وهو الجامع العتيق بمصر ، فخرج ليلة من الغرفة إلى سطح الجامع فزلت رجله من بعض الطاقات المؤدية للضوء إلى الجامع فسقط وأصبح ميتاً ، وبابشاذ بباءين موحدتين بينهما ألف ثم شين معجمة وبعد الألف الثانية ذال معجمة وهي كلمة عجمية تتضمن الفرح والسرور “.

23 / تاريخ الآباء البطاركة

(تاريخ الآباء البطاركة) هو اسم الشهرة لكتاب (سير البيعة المقدّسة) والذي تم تأليفه في القرن الخامس الهجري / الحادي عشر الميلادي ويتناول تاريخ الكنيسة القبطية المصرية من خلال سرد سيرة الآباء البطاركة وفق الترتيب التاريخي لجلوسهم على كرسي مارمرقس الرسول ، ويذكر محقق الكتاب الباحث شريف رمزي أنه يعطي صورة عن تاريخ مصر السياسي والاجتماعي من وجهة نظر المؤرخين الأقباط ، ويعرف الكتاب اليوم باسم (تاريخ بطاركة كنيسة الإسكندرية القبطية).

وكان الاعتقاد الشائع في الماضي أن مؤلف الكتاب هو أسقف الأشمونين الشهير ساويرس ابن المقفع لكن الدراسات الحديثة دلت على أن أول من قام بتجميع تاريخ البطاركة هو الشماس والأرخن موهوب بن منصور بن مُفَرِّج الإسكندرانيِّ (1020 ـ 1100 م) حيث قام هو ومساعدوه بترجمة خمسة وستين سيرة من اللغة القبطية إلى اللغة العربية ثم أضاف بنفسه سيرتين باللغة العربية للبطريركين اللذين عاصرهما (البابا خرستوذولوس البطريرك  66  والبابا كيرلس الثاني البطريرك 67) وذلك في شهر برمهات سنة 804 ش (مارس  1088 م).

وفي خاتمة هذه السيرة ذكر بعضًا من المزارات وآثار العائلة المقدسة التي زارها ورآها فقال عنها : ” وأنا أذكُرُ ما رأيتُهُ وتَبارَكتُ مِنهُ وآثارات سَيِّدِنا المَسيحِ ووالِدَتهِ السَّيِّدَة مرتمريم العَذراءِ القِدِّيسَةِ في عِدَّةِ مَواضِعَ بأرضِ مِصرَ مِنها كَنيسة السَّيِّدة المَعروفَة بالمُعَلَّقَةِ وكَنيستها المَعروفَة بالدَّرَجِ بمِصرَ ببَني وائِل وكَنيستها المَعروفَة بالمِرتوتي وفي بَسطَة ومِنيةِ طانة وسنموتيَة وجَبَلِ الكَهف ودَيرِ بيسوس والأشمونَين وفيليس وقوس وجَبَل إشنين والمُحرَّقَة ومِنها عاد إلى مِصرَ ، هَذا ما تَبارَكتُ بِه أنا الخاطِئُ واضِعُ هَذهِ السِّيرَةِ وشاهَدتُهُ سِوى ما لَم أرَهُ مِمَّا يَطولُ شَرحُهُ وذِكرُهُ “.

وقد أكمله من بعده عدة مؤلفين منهم أبو المكارم معاني بن بركات السرياني الذي أرخ للفترة الأيوبية ، وهو من طائفة السريان الأرثوذكس التي تواجدت في مصر منذ زمن مبكر ومنهم الرهبان الذين رحلوا من سوريا وأنشأوا في مصر عددا من الأديرة منها دير السيدة العذراء بوادي النطرون ، وكان لهم إسهام كبير جدا في حركة الترجمة والفنون الكنسية منذ القرن السابع الميلادي ، وقد جاء تفصيل ذلك في كتاب قاموس آباء الكنيسة وقديسيها مع بعض شخصيات كنسية للقمص تادرس يعقوب ملطي الذي يقول :

” معاني أبو المكارم بن بركات من مشاهير الأقباط في عصر الأيوبيين ، كان كاتب قبطي من أهالي المحلة الكبرى وأقام بها ، قد يكون من أصل سرياني (سريا أو سوريا) وتَقَبَّط عن طريق النسب حينما استوطن أهله في أرض مصر ، فقد كان بمدينتيّ سنباط والمحلة الكبرى جالية كبيرة من السريان اختلطوا بالقبط وتناسبوا معهم وأصبح نسلهم قبطيًا ، عَمَّر أبو المكارم طويلًا ، وقد كتب سيرتيّ البابا مرقس بن زرعة البطريرك 73 والبابا يوأنس 74 ، وأسهب في ذِكر حوادث حروب الدولة الأيوبية في تاريخ البطاركة “.

وقد رصد الكتاب عدة أحداث سياسية هامة منها ثورة الدلتا بزعامة عبد العزيز الجروي زعيم قبيلة جذام فيقول عنها : ” وخرجوا الخوارج على المملكة بمصر وجبوا الخراج لنفوسهم وكان من جملتهم رجل يسمى عبد العزيز الجروي أخذ من شطنوف إلى الفرما وشرقية مصر بلبيس وأعمالها ورجل اسمه السري بن الحكم أخذ من مصر إلى أسوان واستوليا على الخراج وقوم يسمون لخما وجذاما أخذوا غربي مصر وأعمال الإسكندرية ومريوط وملكوا البحيرة جميعا.

وكان الأرخن الدين مقارة بن النبراوي من كرسي سمنود فلما سمع ما جرى قام ومضى إلى عند عبد العزيز المتولي على المشرق وخاطبه بسبب الأب البطريرك أنبا مرقس وأن الأمم الذين تغلبوا على الإسكندرية نهبوا جميع ماله وترك كرسيه وجاء سكن تحت ظل الله وظلك فإن كنت قد ظفرت بنعمة أمامك فاكتب له كتابا باسمك ليتقوى بأمرك ليكون في موضعه آمنا.

حينئذ كتب له سجلا عظيما ثم أنفذ رسلا من عنده وسجل الأمير إلى الأب البطرك أن يأتي ويقيم في منزله فقام أبونا البطرك وصلى وسار إلى أن وصل إلى نبروه فخرج إليه ولقيه وكل من معه ثم مضى معه إلى البيعة بالقراءة أمامه كما يجب للبطاركة وجعله في موضع يشاكل رئاسته وهو موضع أعمره والداه على اسم القديس أبي مقار بوادي هبيب “.

ويرصد ثورة جابر بن الوليد المدلجي فيقول عنها : ” وكانوا بأعمال بنا وأبو صير من الوجه البحري من أرض مصر بين هاتين الناحيتين نزولا فقتل أكثرهم بالسيف وغرق في البحر كثير ومن هرب منهم وطلب الأسطول أخذوه الرجال الذين فيه وهم النفاطين أحرقوه بالنار بين سندفا والمحلة حتى إن من كثرة ما أحرقوه النفاطين بالنار احترق بعض حوانيت المحلة وفيها بضايع التجار وافتقر كثير من الأغنياء في ذلك اليوم ، وأباد الله أولئك الكفرة ومن فضل منهم وهرب التجأ إلى البحيرة ولم يقدر يعود لأن مراكب النفط كانت على المعادي نزولا على الخايض.

ولما كان هذا ظهر في يوم حريق المحلة وحوانيتها سر عجيب يجب أن تظهر للمؤمنين لعظم توكلهم على الله الذي يحفظ أصفياءه ولا يدعهم أن يروا الفساد وينجيهم في زمان الغضب ، كان في ذلك الموضع تاجرين متجاورين أحدهما له مال كثير ولم يكن يرحم المستورين والفقرا والآخر رحوم جيد وكل ما يربحه يدفعه للبيع والمستورين والأيتام فلما حاط النار بالحوانيت إلى مخازن التاجرين فأحرق جميعهم.

وإن الرب المتكلم على لسان داوود حيث يقول طوبى لمن يرحم الفقير والمسكين في يوم السوء ينجيه الرب ويقول أيضا لم أر صديقا قط رفضه الرب فنجا الرب جميع ما لهذا الرجل الرحوم من النار ولم يحترق له شيء بالجملة وأما الغني الذي كان ليس فيه رحمة تسلط النار على جميع ماله وصار غناه مثل التراب للريح وكل من نظر هذا الأمر العجيب مجد الله سبحانه حتى إن كثير جعلوا توكلهم في ذلك الوقت على الذي يخلص المتوكلين عليه “.

ويتحدث عن لجوء البابا ومن معه إلى الدلتا في وقت الاضطرابات فيقول : ” وبتدبير الله تعالى الذي ينجي الفقير والمسكين عملوا ذلك وتحصنت المدينة وأمن أهلها من العدو ولم يقدروا هذه المحاصرة لها على فتحها وكان الأب حزين القلب لا يعلم في أي موضع يأوي إليه لأنهم نهبوا جميع المواضع الذي له وكان لا يقدر يظهر بفسطاط مصر لأجل ابن المدبر الظالم لأنه مع هذه البلايا كلها كان مطالبا بالخراج أعني خراج الأواسي ، وغير ذلك جميع من هرب من هذا العدو التجأ إلى مصر خوفا منه قبض هذا الرجل السو ابن المدبر عليه ورماه في السجن.

ومن هذا خاف أبونا من الدخول إلى فسطاط مصر من المطالبة بخراج الأواسي التي كانت للبيع ونهبت ، ولما علم أبونا بسكان المحلة الكبيرة وأمانتهم مشى إلى عندهم وأقام هناك داعيا لله أن ينجي بيعته وشعبه من هذا الضيق ، ولم يفارق البكا لأجل بيع الإسكندرية وأنه لا يمكن ينفذ شيئا إلى قومتها ليقوموا بقداسات ، وكان جميع من يسافر من موضع إلى موضع ومعه درهم واحد يؤخذ منه ويقتل لأجله وكان لا يسافر إنسان إلا وعليه ثياب خلقان وكراد لا منفعة فيه.

وفيما هذا الأمر يتزايد نظر الله جلت قدرته ما على قلب أبونا من أمر بيع الإسكندرية فهداه إلى أن كتب كتابا إلى التجار الذين بها مساعي الكتان في البلاد الشرقية أن يخرجوا إليه بغير شيء معهم فلما وصلوا إليه دفع لهم ما توجهوا عليهم وقال لهم ابتاعوا لكم تجاير من الريف وسلموا عوضا منه للأقنوم بالإسكندرية لصرفه فيما تحتاج إليه البيع ففرحوا بذلك وشكروا اهتمامه وأخذوا منه المال وربحوا في الطريق فاستقامت أحوال البيع والقلاية بالإسكندرية كالزمان الذي كان لها فيه أواسي “.

 ويحكي عن زمن الشدة المستنصرية فيقول : ” ولأجل كثرة هؤلاء المقدمين في هذا العسكر اختلفوا ولم يتفق رأيهم وصار كل واحد منهم لا يتبع رأي الآخر وإن كان فيه الصواب فلم يفلحوا ولا ظفروا بشيء لاختلافهم وتبددت الرجال عنهم لسوء رأيهم وفساد تدبيرهم وقلة اتفاقهم فقوي عليهم بني حمدان والذين معه وهزموهم واستأسروهم وملكوا بلاد الريف كلها الشرقية والغربية ونهبوها وأخربوها وقتلوا أهلها وهتكوا الحرم.

ولما ملكوا اللواتيين جميع أسفل الأرض وصاروا في أربعين ألف فارس سوى أتباعهم وصارت بلاد مصر بحكمهم يزرعوا كما يريدوا بلا خراج بلا مساحة إلى أن فكروا وتشاوروا مشورة ردية أن لا يعملوا جسور في الريف ولا يحفروا ترع حتى لا يطلع الماء على الأراضي ولا يزرع أحد شيء فيبيعوا غلاتهم التي حصلوها بما يريدوا ويهلكوا من بقي من الناس.

ونال الشعب بالإسكندرية ومصر حزن عظيم معا نالهم من الشدة العظيمة في أيام ابن حمدان وأصحابه وأنه تسلط اللواتيين على الريف فملكوه ولم يقدر أحد يزرع فيه غلة غيرهم فحرثوا الغلات وامتنعوا من بيعها إلى أن عدمت من أرض مصر وبلغ التليس القمح ثمانين دينار وعدم حتى لم يوجد وأكلوا الناس البغال والحمير الميتة وغيرها حتى فنيت ثم أكل بعضهم بعضا.

وجماعة منهم أكلوا أولادهم وجماعة كانوا يأكلون الكندر وهو نخلة خشب النخل ولم يزل الناس في هذا البلا إلى أن أهلك الله ناصر الدولة ابن حمدان وإخوته وأصحابه ، بعد قتله بسنة واحدة وصل أمير الجيوش إلى مصر وفرج الله عن الناس بفتح الريف والصعيد وكل البلاد وتراخت الأسعار ورخصت في أيامه حتى صار القمح يباع بربع دينار التليس ولله الشكر دايما أبدا ..

وكان أمير الجيوش مؤيدا في الحروب حتى إن الغز في سنة تسع وستين وأربع ماية الخراجية وصلوا إلى صهرجت في ألفي فارس مقاتلة وملكوا الشرقية وعدى بعضهم إلى المحلة ونهبوها وقتلوا أكثر أهلها وملكوا الغربية حتى انتهوا إلى برما وكان مقدمهم سلار اسمه أطسز ويعرف بالأقشيش ومعه إخوته والمأمول ومعهم ناصر الجيوش ابن بلدكوش فخرج إليهم أمير الجيوش فظفر بهم وقتلهم وانهزم الأقشيش “.

24 / رسائل ابن أبي الشخباء الإخوانية

عدد كبير من الأدباء والشعراء كتب في فن من فنون الأدب العربي يعرف باسم الرسائل الإخوانية وهي مقطوعات نثرية تعددت أغراضها ما بين التهنئة والمدح والاعتذار والعتاب والمؤانسة وتبادل الأشعار وأحيانا كان الغرض منها إظهار المقدرة البلاغية واستعراض المهارات اللغوية خاصة بين الأدباء وبعضهم البعض ، ومن أشهر أصحاب هذا الفن في مصر الشاعر ابن أبي الشخباء الذي ولد في عسقلان وانتقل إلى القاهرة ليكون من جملة كتاب الدواوين في عهد الخليفة المستنصر بالله الفاطمي زمنا طويلا ثم انتهى به الأمر إلى الحبس والقتل عام 482 هـ / 1090 م في عهد الوزير بدر الجمالي.  

وقد ذكره ابن خلكان في كتابه وفيات الأعيان وفيات الأعيان فقال :  ” ابن أبي الشخباء .. الشيخ المجيد أبو علي الحسن بن عبد الصمد بن أبي الشخباء العسقلاني صاحب الخطب المشهورة والرسائل المحبرة ؛ كان من فرسان النثر وله فيه اليد الطولى ، ويقال : إن القاضي الفاضل رحمه الله تعالى كان جل اعتماده على حفظ كلامه وإنه كان يستحضر أكثره ، وذكره عماد الدين الأصبهاني في الخريدة فقال : ” المجيد مجيد كنعته قادر على ابتداع الكلام ونحته ، له الخطب البديعة والملح الصنيعة ، وذكره ابن بسام في الذخيرة وسرد له جملة من الرسائل .. وذكر أنه توفي مقتولاً بخزانة البنود وهي سجن بمدينة القاهرة المعزية سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة رحمه الله تعالى “.

وذكره ياقوت الحموي في كتابه معجم الأدباء وقام بالتعليق على عدد من رسائله فقال : ” الحسن بن محمد بن عبد الصمد بن أبي الشخباء أبو علي العسقلاني صاحب الرسائل ، مات في ما ذكره علي بن بسام في كتاب الذخيرة في سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة معتقلا بمصر في خزانة البنود ، وكان يلقب بالمجيد ذي الفضيلتين ، أحد البلغاء الفصحاء الشعراء له رسائل مدونة مشهورة  ، قيل إن القاضي الفاضل عبد الرحيم بن علي البيساني منها استمدّ وبها اعتدّ ، وأظنه كتب في ديوان الرسائل للمستنصر صاحب مصر لأن في رسائله جوابات إلى البساسيري إلا أن أكثر رسائله إخوانيات وما كتبه عن نفسه إلى أصدقائه ووزراء وأمراء زمانه وها أنا أكتب منها ما سنح لتعرف قدر بضاعته ومغزى صناعته نظما ونثرا “.

وذكره الدكتور شوقي ضيف في كتابه تاريخ الأدب العربي فقال : ” ابن أبي الشخباء وقيل ابن الشخباء هو الحسن بن محمد بن عبد الصمد العسقلانى ، ولا نعرف متى انتقل هو أو أسرته العسقلانية إلى القاهرة ويبدو أنه التحق مبكرا بدواوين الدولة الفاطمية لعهد الخليفة المستنصر (427 – 487 هـ‍) وتخرج فيها على من كان يعمل بها من كبار الكتاب ولمع اسمه فيها وتألق ، غير أننا لا نمضى إلى سنة 482 حتى نراه يقتل بسجن مصر المسمى خزانة البنود ، وأكبر الظن أن بدرا الجمالى وزير المستنصر هو الذى أمر بقتله كما أمر بقتل صهره القاضى إسماعيل بن على كما مرّ بنا آنفا فى الحديث عن حفيدهما الحسن بن زيد  “.

ويستعرض في نفس الكتاب مقدرة ابن الشخباء البلاغية وهو يعلق على إحدى رسائله فيقول : ” والسجعات تنزلق عن الفم بخفة ورشاقة تشهد لابن أبى الشخباء بأنه كان كاتبا مجيدا حقا وأن الكلم كان يطاوعه ليحيله دررا مختارة ، وكان يزين سجعاته بمحسنات البديع من جناس وطباق وتكثر عنده الاستعارات المبتكرة الطريفة ، وكان يعرف كيف يغوص عليها ويستخرج لآلئها النفيسة من أصدافها البراقة ، وطبيعى للقاضى الفاضل وللكتّاب من بعده أن يعنوا بحفظ كلامه ويستحضروه فيما يكتبون ويصوغون “.

وقد طبعت ونشرت رسائله في العصر الحديث لكن أهم مصدر لها كان مجموعا في كتاب (الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة) من تأليف أبي الحسن علي بن بسام الشنتريني الأندلسي المتوفي عام 542 هـ ، وهو كتاب يختص بشعراء الأندلس لكنه ألحق به فصلا عن النابغين من أهل المشرق في عصره فذكر ابن أبي الشخباء وقال عنه : ” من البلغاء الأفراد وأبهر نجوم تلك البلاد طلوعًا من ثنايا الأدب واجتناء لخبايا لسان العرب ، فقد كاشف حقائقها واستخرج دقائقها وأحرز مسبوقها وسابقها “.

 ونقل عددا من نصوص رسائله منها قوله : ” المودات إذا كانت متينة العقود صادقة المشهود موضوعةً على أصل عريق وأساس وثيق لم تجزعها الشبهة المرمضة ولم تزلزلها الأباطيل المعترضة وإن تناقلتها ألسن مختلفة وعلتها برود من اللفظ مفرفة ، ولما رأيت زيارة مولاي قد صارت مرقعة وجنوب مودته قد عادت مروعة وصرت أرى قوله متناقضاً وماء البشر من وجهه غائضاً من بعد ما عهدته  : (تنبي طلاقة وجهه عن وجهه فتكاد تلقى النجح قبل لقائه .. وضياء وجهٍ لو تأمله امرؤ صادي الجوانح لارتوى من مائه).

لم أتجاسر على سؤاله عن العلة خوفاً أن يعيب علي الارتياب بوده وتطرق سوء الظن على عهده فسألت من يعلم دفائنه ويخبر ظاهره وباطنه ، فأخبرني أن بعض الناس – ولم يسمه – نقل إليه عني فشن الغارة على وفائه وزلزل أواخي وده وإخائه ، فقلت عتب والله ولا ذنب وشكاية ولا نكاية وأنا أحاكم مولاي إلى إنصافه لا إسعافه وعدله لا فضله ، وما كان أجدره برفض قول الماحل وتغليب الحق على الباطل ولا يرى نفسه بصورة من تستخف حصانه الريح الخافقة وتشعث من مودته الأقوال الماذقة ، ولو انتقضت عندي المعاقد وقامت علي – أعوذ بالله – الشواهد لكان مولاي حرياً أن يجري في كرم اللقاء على العادة ويتأدب بقول أبي عبادة : (أبيت على الخلان إلا تحنياً يلين لهم قلبي ويصفو لهم شربي .. وإني لأستبقي الصديق إذا نبا علي وأهنا من خلائقه الجرب).

والآن فقد أوضعت وأوجفت وتألفت مولاي واستعطفت فإن عادت ظلال وده مديدة وحبال كرمه محصوفة جديدة فحسن بتلك الشمائل أن تجمع شمل الفضائل ؛ وإن تمادى على هذه الهجرة ولم يصح من نشوات تلك السكرة فما ذاك من ذنبٍ علي اجترمته إليه فيجزيني به حيث أعلم ولكن إنساناً إذا مل صاحباً وحاول صرماً لم يزل يتجرم ، والله جلت قدرته يجعل حفظ المودة عنده أوجب الحقين وأنفع العلقين ويرفعه عن السمة بنقض المرائر وحلية الجائر الغادر.

وسافر بعض إخوانه فشغل عن وداعه فكتب إليه : ما أخرني عن خدمة مولاي بالوداع أني متأخر في حلبة ولائه ولا عارٍ من ملابس إخائه وآلائه ، ولوددت لو صحبت ركابه السعيد إلى الصعيد وقطعت معه عرض المهمة البعيد وزودت من مجاورته قلباً معموراً بوده ومن مشاهدته طرفاً لا صبر له من بعده ، وإنما حجزني أمران كل منهما يمهد العذر ويبسطه ويمحو الذنب ويحبطه وهو شغلي في إنشاء التقليد العلي وتحريره وفعل ما أمرت به الحضرة السامية وتقريره ، ثم خوفي أن أرى مولاي وقد حل انطلاقه وأسمع أن قد حان فراقه ونعق غراب بينه فقض أضلعاً وأفاض نفوساً وأدمعاً فضعفت عن مشاهدة ذلك المقام وقصرت عن تحمل ذلك الداء العقام وظللت أنشد والدموع همع والفؤاد مصدع: (وأخرني يوم انطلاقك أن أرى على جمرات البين قلبي يلذع .. فؤاد إذا قيل الفراق تساقطت خفوقاً أواخي صبره تتقطع .. وإني صليب العود في كل حادثٍ ولكن أعوادي لنأيك خروع).

وإذا استنقذ البين هذه النوبة وخفقت بمشيئة الله رياح الأوبة وهبت وجهي للشحوب وجسمي للنصب واللغوب وهتمت ثنايا الأرض إيضاعاً وإرقالا وجعلت مسافة اللقاء لمسافة الوداع أميالا وأطلت شكر الزمان على ما يجدده لي من مسرةٍ قد خلعت بردها واستطلت عهدها وأنشدت : (طربت وقد جاء البشير بقربكم وذو الشوق عند اسم الحبيب طروب .. وقمت إليه راشفاً من ترابه ترى لك يحلو رشفه ويطيب) وما يبعد ذلك في قدرة الله الذي يخرج من الشجر الأخضر جذوة نار ويهب القمر كمالاً بعد نقص وسرار.

وله من أخرى يعاتب بعض القواد : رأيت فلاناً عند نظرته لي بالأمس قد قطب حاجبه وزعزع مناكبه ،  فقلت : ماله أأنزل إليه وحي أم عصب به أمر ونهي أم حصل من الخلافة على وعد أم أنسئ له الأجل مدة العهد أم قل عقله فعق نفسه وظلمها وجهل مقادير الأشياء وقيمها واعتقد أن الدنيا طوع حكمه والقطر صائب فهمه ، أم رأى الملائكة المقربين تتشفع به والحور العين تشكو لاعج حبه وثمار الجنة تدلت إلى يده ونار جهنم تقتبس من زنده والكوثر يمد من معينه والسموات مطويات بيمنه ..

فأجبت بأن شيطان ظني مارد وتصوري فيه ـ أعزه الله ـ فاسد ، ولا حقيقة لشيءٍ مما توهمته وسددته من القول وأقمته ، فقلت : إذا لم يكن ذاك فما ذلك قيل : سفه في الرأي وأفن وتغير في الطينة وعفن ظن أن الأحرار ملك عهدته والعالم مجموع في بردته ، فحين سمعت ذلك أخذتني لمولاي الحمية وهزت رأسي الأريحية وقلت : معاذ الله إن دونه في الحصاة والكيس بطليموس وفي الحكمة ارسطاليس وإن الحكمة تستنتج من ظنه والغيث يرشح من شنه (من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه) وإنه بحمد الله كما قيل : (خرق إذا أفضى السماط به كثر العثار وطبق الزلل .. وإذا السرير سما بقعدته غريت بظاهر كفه القبل).

فهناك سكنت الألسن الهادرة ووقفت المرادة الغادرة وعاد من حضر يثني على مولاي ويقرظه ويحمل من شكره ما يؤوده ويبهظه ، فإن كانت هذه الوكالة واقعة منه بالوفاق فيجعل ثوابي عليها انحلال العقدة من جبينه وزوال التمارض من جفونه وخفض الإصبع من سلامه وترك النزوة على غلامه “.

25 / الخلعيات

الخِلَعِيات هو الاسم المشهور لكتاب (الفوائد المنتقاة الحسان من الصحاح والغرائب) للقاضي الشافعي أبي الحسن علي بن الحسن بن الحسين بن محمد المصري الفقيه الصالح ذي الكرامات والتصانيف أعلى أهل مصر إسنادا المعروف بلقب (الخِلَعي ـ بكسر الخاء وفتح اللام) لأنه كان يبيع الخلع (الملابس الفاخرة) لأولاد الملوك بمصر ، ولد في الفسطاط عام 405 هـ / 1014 م وتوفي فيها عام 492 هـ / 1099 م وقبره بالقَرافة يعرف بقبر قاضي الجن والأنس ، والكتاب يتناول عشرين مجموعة من مرويات الحديث النبوي الشريف جمعها له أبو نصر أحمد بن الحسين الشيرازي وخرجها عنه وسماها الخلعيات.

وقد ترجم له ابن خلكان في وفيات الأعيان فقال : ” الخلعي .. أبو الحسين علي بن الحسن بن الحسين بن محمد القاضي المعروف بالخلعي الموصلي الأصل المصري الشافعي صاحب الخلعيات المنسوبة إليه ؛ سمع أبا الحسن الحوفي وأبا محمد ابن النحاس وأبا الفتح العداس وأبا سعد الماليني وأبا القاسم الأهوازي وغيرهم.

قال القاضي عياض اليحصبي : سألت أبا علي الصدفي عنه وكان قد لقيه لما رحل إلى البلاد الشرقية فقال : فقيه له تواليف ولي القضاء وقضى يوماً واحداً واستعفى وانزوى بالقرافة الصغرى وكان مسند مصر بعد الحبال ، وذكره القاضي أبو بكر ابن العربي فقال : شيخ معتزل في القرافة له علو في الرواية وعنده فوائد ، وقد حدث عنه الحميدي وكنى عنه بالقرافي ، وقال غيره : ولي الخلعي قضاء فامية.

وخرج له أبو نصر أحمد بن الحسن الشيرازي أجزاء من مسموعاته آخر من رواها عنه أبو رفاعة ونقلت منها عن الأصمعي قال : كان نقش خاتم أبي عمرو ابن العلاء : (وإن امرءاً دنياه أكبر همه .. لمستمسكٌ منها بحبل غرور) فسألته عن ذلك فقال : كنت في ضيعتي نصف النهار أدور فيها فسمعت قائلاً يقول هذا البيت ونظرت فلم أر أحداً فكتبته على خاتمي ، قال أبو العباس ثعلب : هذا البيت لهانئ بن توبة بن سحيم بن مرة المعروف بالشويعر الحنفي.

وقال الحافظ أبو طاهر السلفي : كان أبو الحسن الخلعي إذا سمع عليه الحديث يختم مجالسه بهذا الدعاء : اللهم ما مننت به فتممه وما أنعمت به فلا تسلبه وما سترته فلا تهتكه وما علمته فاغفره ، وكانت ولادة الخلعي في المحرم سنة خمس وأربعمائة بمصر وتوفي بها في ثامن عشر ذي الحجة يوم السبت سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة وقيل في السادس والعشرين من الشهر المذكور، وتوفي أبوه في شوال سنة ثمان وأربعين وأربعمائة رحمهما الله تعالى.

والخلعي بكسر الخاء المعجمة وفتح اللام وبعدها عين مهملة هذه النسبة إلى الخلع ونسب إليها أبو الحسن المذكور لأنه كان يبيع بمصر الخلع لأملاك مصر فاشتهر بذلك وعرف به ، وأما القرافة بفتح القاف والراء المخففة وبعد الألف فاء فهما قرافتان الكبرى منهما ظاهر مصر والصغرى ظاهر القاهرة وبها قبر الإمام الشافعي رضي الله عنه ، وبنو قرافة فخذ من المعافر بني يعفر نزلوا هذين المكانين فنسبا إليه ، وفامية بالفاء وبعد الألف ميم مكسورة وبعدها ياء مثناة من تحتها ثم هاء قد يزاد فيها الألف فيقال أفامية وهي قلعة ورستاق من أعمال حلب الآن “.

وذكره تاج الدين السبكي في طبقات الشافعية الكبرى فقال : ” عَليّ بن الْحسن بن الْحُسَيْن بن مُحَمَّد القَاضِي أَبُي الْحسن الخلعي العَبْد الصَّالح موصلي الأَصْل مصري الدَّار ولد بِمصْر فِي أول سنة خمس وَأَرْبَعمِائَة ، وَسمع أَبَا مُحَمَّد عبد الرَّحْمَن بن عمر النّحاس وَأَبا الْعَبَّاس أَحْمد بن مُحَمَّد بن الْحَاج الإشبيلي وَأَبا الْحسن الْحصيب بن عبد الله بن مُحَمَّد القَاضِي وَأَبا سعد أَحْمد بن مُحَمَّد الْمَالِينِي وَأَبا عبد الله بن نظيف الْفراء وَجَمَاعَة.

روى عَنهُ الْحميدِي وَمَات قبله بِمدَّة وَأَبُو عَليّ بن سكرة وَأَبُو الْفضل بن طَاهِر الْمَقْدِسِي وَأَبُو الْفَتْح سُلْطَان بن إِبْرَاهِيم الْفَقِيه وَخلق سواهُم آخِرهم عبد الله بن رِفَاعَة السَّعْدِيّ خادمه ، وَكَانَ أَعنِي الخلعي مُسْند ديار مصر فِي وقته قَالَ فِيهِ ابْن سكرة فَقِيه لَهُ تصانيف ولي الْقَضَاء وَحكم يَوْمًا وَاحِدًا واستعفى وانزوى بالقرافة وَكَانَ مُسْند مصر بعد الحبال ، قلت وقفت لَهُ قَدِيما على كتاب فِي الْفِقْه وسمه بالمغنى بَين الْبسط والاختصار “.

وذكره الحافظ شمس الدين الذهبي في كتابه سير أعلام النبلاء فقال : ” الشيخ الإمام الفقيه القدوة مسند الديار المصرية القاضي أبو الحسن علي بن الحسن بن الحسين بن محمد الموصلي الأصل المصري الشافعي الخلعي صاحب (الفوائد العشرين) وراوي السيرة النبوية مولده بمصر في أول سنة خمس وأربعمائة .

وسمع أبا محمد عبد الرحمن بن عمر بن النحاس ، وأبا العباس بن الحاج ، وأبا سعد أحمد بن محمد الماليني ، وأبا العباس منير بن أحمد الخشاب ، وإسماعيل بن رجاء الأديب ، والحسن بن جعفر الكللي ، وأبا عبد الله بن نظيف ، والخصيب بن عبد الله القاضي ، وشعيب بن عبد الله بن المنهال ، وأبا النعمان تراب بن عمر ، وأحمد بن الحسين العطار ، وأبا خازم محمد بن الحسين ، وإسماعيل بن بكران ، وعبد الوهاب بن أبي الكرام ، وغيرهم ، وكان آخر من حدث عن جماعة كالنحاس والماليني .

حدث عنه : أبو علي الصدفي ، ومحمد بن طاهر ، وأبو الفتح سلطان بن إبراهيم الفقيه ، وسليمان بن محمد بن أبي داود الفارسي ، وعلي بن محمد بن سلامة الروحاني وعبد الكريم بن سوار التككي ، وعبد الحق بن أحمد البانياسي ، ومحمد بن حمزة العرقي اللغوي ، والقاضي أبو بكر بن العربي ، وعبد الله بن رفاعة السعدي ، وآخرون .

قال ابن سكرة : هو فقيه له تصانيف ولي القضاء وحكم يوما واحدا واستعفى وانزوى بالقرافة وكان مسند مصر بعد الحبال ، وقال أبو بكر بن العربي : شيخ معتزل في القرافة له علو في الرواية وعنده فوائد  وقد حدث عنه الحميدي وعبر عنه بالقرافي وقال آخر : كان يبيع الخلع لملوك مصر  ..

قال ابن الأنماطي : قبر الخلعي بالقرافة يعرف بقبر قاضي الجن والإنس يعرف بإجابة الدعاء عنده  ، قال : وسألت شجاعا المدلجي وغيره عن الخلعي : النسبة إلى أي شيء ؟ فما أخبرني أحد بشيء ، وسألت السديد الربعي وكان عارفا بأخبار المصريين عدلا ، فقال : كان أبوه بزازا وكانت أمراء المصريين من أهل القصر يشترون الخلع من عنده ، وكان يتصدق بثلث مكسبه .

وذكر ابن رفاعة أنه سمع من الحبال وأنه أتى إلى الخلعي فطرده مدة وكان بينهما شيء أظن من جهة الاعتقاد ، فهذه الحكاية منكرة لأن أبا إسحاق الحبال كان قد منع من التحديث قبل موته بسنوات ، ويصبو ابن رفاعة عن إدراك الأخذ عنه قبل ذلك .

قال أبو الحسن علي بن أحمد العابد : سمعت الشيخ ابن بخيساه قال : كنا ندخل على القاضي أبي الحسن الخلعي في مجلسه فنجده في الشتاء والصيف وعليه قميص واحد ووجهه في غاية من الحسن لا يتغير من البرد ولا من الحر فسألته عن ذلك فتغير وجهه ودمعت عينه ثم قال : أتكتم علي ما أقول ؟ قلت : نعم  ، قال : غشيتني حمى يوما فنمت في تلك الليلة فهتف بي هاتف فناداني باسمي ، فقلت : لبيك داعي الله ، فقال : لا  قل لبيك ربي الله ما تجد من الألم ؟ ، فقلت : إلهي وسيدي قد أخذت مني الحمى ما قد علمت ، فقال : قد أمرتها أن تقلع عنك ، فقلت : إلهي ، والبرد أيضا ؟ ، قال : قد أمرت البرد أيضا أن يقلع عنك فلا تجد ألم البرد ولا الحر ، قال : فوالله ما أحس بما أنتم فيه من الحر ولا من البرد .

قال هبة الله بن الأكفاني : مات الخلعي بمصر في السادس والعشرين من ذي الحجة سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة  “.

26 / فكاهيات ابن مكنسة

تعددت أغراض الشعر في العصور الإسلامية ومنها شعر الفكاهة الذي نشأ في مصر أثناء عصر الولاة ثم تطور في العصر الفاطمي واشتهر به الشاعر أبو طاهر إسماعيل بن محمد  السكندري المعروف بلقب (ابن مكنسة) والذي ولد في الإسكندرية وتوفي في القاهرة عام 510 هـ / 1117 م ، وقد لقبه عوام الناس بهذا اللقب بسبب ميله للدعابة والتندر في مقطوعاته الشعرية والتي جمعت في ديوانه حيث تعد هذه المقطوعات خطوة في تطور الأدب الشعبي في مصر في العصور اللاحقة.

وقد عاش الشاعر في كفالة واحد من كبار الموظفين في مصر وهو نصراني يدعى أبا المليح ورثاه بقصيدة مشهورة يقول فيها : ماذا أرجّى فى حياتى بعد موت أبى مليح ، وحاول مدح الوزير الأفضل فأعرض عنه لأنه وجد شعره فيه أقل مما قاله في أبي المليح ، ثم كفله الأمير عز الدولة بن فائق وهو من كبار رجال الحاشية الفاطمية ، وله فى المديح كثير من الأبيات الطريفة كقوله : يلقاك مبتهجا والغيث فى يده .. يهمى فيجمع بين الشمس والمطر ، وقوله : الطّود حاسد حلمه وأناته .. والسيف حاسد بأسه ومضائه.

وقد ذكره العماد الكاتب في خريدة القصر وذكر جانبا من قصائده نقلا عن الرسالة المصرية لأبي الصلت الأندلسي فقال : ” القائد أبو طاهر إسماعيل بن محمد المعروف بابن مكنسة من شعراء مصر ، ورد علينا واسطاً من شيراز في سنة خمس وخمسين وخمسمائة رجل شريف من مصر يقال له فخر العرب أحمد بن حيدرة الحسني الزيدي المدني الأصل المصري المولد وكان رائضاً حسناً وله شعر قريب فلما لم ينفق شعره عاد يروض الخيل وكان يروض فرساً لي ويحضر عندي وسألته عن شعراء مصر ومن يروي شعره منهم فذكر من جملتهم القائد ابن مكنسة.

وذكر أنه كان شيخاً مسناً وهجره الأفضل لكونه رثى نصرانياً بقصيدة منها : (طُوِيتْ سماءُ المكرماتِ وكوِّرَتْ شمسُ المديحِ) فأبعده لأجل هذا البيت فكتب إلى الأفضل أبياتاً منها : مثلي بمصرٍ وأنت مَلْكٌ .. يقالُ ذا شاعرٌ فقيرُ .. عطاؤك الشمسُ ليس تخفى .. وإنما حظِّيَ الضريرُ ، وأنشدني له في العذر عن العربدة من أبيات : ركبتُ كميتَ الراح وهي جماحُهَا .. شديدٌ ومالي بالتَفَرُّس من خُبْرِ .. وألقيتُ ما بين الندامى عِنانَها .. فجالتْ وأَلقَتْني على وَعِرِ السُّكْر .. وإن بساطَ السكر يُطْوى كما جرى .. به الرسمُ فيما قيل بالسكر في العُذْر.

ثم قرأت بعد ذلك في رسالة لأبي الصلت الحكيم يصف مصر قال : ومن شعرائها المشهورين أبو طاهر اسماعيل بن محمد المعروف بابن مكنسة وهو شاعرٌ مكثر التصرف قليل التكلف يفتن في نوعي جد القريض وهزله وضاربٌ بسهمٍ في رقيقه وجزله ، وكان في ريعان شبيبته وعنفوان حداثته يعشق غلاماً من أبناء عسكرية المصريين يدعى عز الدولة وهو الآن بمصر من رجال دولتها المعدودين وأكابرها المتقدمين ولم يزل مقيماً على عشقه له وغرامه به إلى أن محا محاسنه الشعر وغير معالمه الدهر

ومما أورده أبو الصلت من شعره وذكرته بلفظه قال أبو الطاهر بن مكنسة من قصيدة : أَعاذِلُ ما هَبَّتْ رياحُ مَلامةٍ .. بنار هوًى إلاّ وزادتْ تضرُّما .. فكِلْني إلى عينٍ إذا جفَّ ماؤها .. رأَتْ من حقوقِ الحُبِّ أنْ تَذْرِفَ الدما .. فكم عبرةٍ أَعْطَتْ غرامي زِمامَها .. عَشِيَّةَ أَعْمَلْنَ المطيَّ المُزَمَّمَا .. وعينٍ حماها أن يُلِمَّ بها الكرى .. أَحاديثُ أيامٍ تقضَّيْنَ بالحمى .. فللهِ قلبٌ قارَعَتْهُ هُمُومُهُ .. فلم يَبْقَ حَدٌّ منه إلاَّ تَثَلَّما “.

ويقول عنه الدكتور شوقي ضيف في كتابه تاريخ الأدب العربي : ” وكان فى ابن مكنسة ميل شديد إلى الفكاهة والدعابة ، وله فى ذلك نوادر وأشعار كثيرة ، كان فيها يتماجن على طريقة أبى الشمقمق الذى عرضنا له فى كتاب العصر العباسى الأول ، إذ كان دائم التصوير لبؤسه وفقره وخلو داره من الطعام وعبث الجرذان فيها وبنات وردان أو الصراصير ، ويتابعه ابن مكنسة واصفا قبح داره وضيقها قائلا :  لى بت كأنه بيت شعر .. لابن حجاج من قصيد سخيف .. أين للعنكبوت بيت ضعيف .. مثله وهو مثل عقلى الضعيف .. بقعة صدّ مطلع الشمس عنها .. فأنا مذ سكنتها فى الكسوف.

وهو يذكر عبث بنات وردان فيه وضيقه الشديد وقبحه ، ويقول أنه يشبه بيت شعر سخيف من أشعار ابن حجاج المفحشة ، ويقول إنه – مذ سكنه – فى الكسوف ولا يريد كسوف الشمس وهو المعنى القريب الملائم لما قبله ، وإنما يريد المعنى البعيد من الخجل والاستحياء الشديد وهى تورية واضحة ، ومن قوله الفكه يشكو شيخوخته ووهن عظمه وكلال بصره : عشت خمسين بل تزي‍د رقيعا كما ترى .. أحسب المقل بندقا وكذا الملح سكرا .. وأظن الطويل من كلّ شئ مدوّرا .. قد كبر بر ببر ببرت وعقلى إلى ورا .. عجبا كيف كلّ ش‍يء أراه تغيرا .. لا أرى البيض صار يؤكل إلا مقشّرا .. وإذا دقّ بالحجار زجاج تكسّرا.

وهو يعلن فى مطلع الأبيات أنه عاش ماجنا رقيعا ، وكأنه لن يكفّ عن رقاعته ومجونه ، ويصور شيخوخته وضعف نظره حتى لم يعد يفرق بين ثمر الدوم المسمى بالمقل والبندق ولا بين الملح والسكر ولا بين الطويل والمدور ، ويجسّم ارتعاشه فى شيخوخته بالبيت الرابع إذا لم يكد يلفظ بكلمة كبرت حتى ارتعش به فمه مكونا شطرا من بيت ، ويعجب أن كل شئ تغير ، ونقرأ ما تغير فنستغرق فى الضحك ، إذ تحولت الحقائق فى عقله الكليل إلى عجائب ، فالبيض يؤكل مقشرا ، والزجاج إذا دق بالحجارة تكسر ، وما من ريب فى أن هذه الفكاهة فيه والدعابة هى التى جعلت المصريين لزمنه يلقبونه ابن مكنسة “.

27 / تهذيب الأفعال

في نهاية القرن الخامس الهجري تراجع وجود العرب في جزيرة صقلية بعد ثلاثة قرون من وجودهم فيها وذلك بسبب غزوات النورمان المتكررة والتي انتهت بعد ذلك بطردهم نهائيا ، وبدأ أعيان الجزيرة من علماء وأدباء بالرحيل عنها ومنهم واحد من أعلام اللغة العربية هو ابن القطاع الصقلي الذي هاجر إلى مصر عام 500 هـ ونزل في ضيافة الوزير الأفضل بن بدر الجمالي الذي أكرمه وقربه وجعله معلما لأولاده.

واسمه هو أبو القاسم علي بن جعفر بن علي السعدي الأغلبي التميمي وينحدر من أسرة الأغالبة التي كانت تحكم تونس وصقلية في العصر العباسي وترجع في أصولها إلى قبيلة بني تميم العربية المضرية المعروفة ، وقد ولد في صقلية عام 433 هـ / 1041 م وتوفي الفسطاط عام 515 هـ / 1121 م واشتهر بلقب (ابن القطاع الصقلي) ، وهو شاعر ومؤرخ وفقيه لغوي ومعجمي ودرس فترة بالأندلس ونشر كتبه في مصر.

وكانت أسرته عريقةٍ في الأدب واللُّغة فأبوه لغويٌّ وجدُّه عليٌّ شاعر وكذا جدُّ أبيه وجدُّ جدِّه الحسين بن أحمد ، ويعد كتاب (تهذيب الأفعال) في النحو والصرف من أشهر كتبه حيث ألفه يكون شرحا مفصلا لكتاب الأفعال الذي كتبه النحوي الأندلسي أبو بكر محمد بن عمر القرطبي المعروف بلقب (ابن القوطية) فتوسع في هذا المجال وفاق أقرانه فيه.  

وألف عدة كتب أخرى منها وكتاب أبنية الأسماء والأفعال والمصادر وكتاب حواشي الصِّحاح وكتاب ذكر تاريخ صقلِّيَّة وكتاب البارع في العَروض وكتاب الشافي في علم القوافي وكتاب فرائد الشُّذور وقلائد النُّحور وهو في الأشعار ، وكتاب لَمـْح المُلح في شعراء الأندلس وكتاب شرح المُشْكِل من شعر المتنبي وله مصنَّفٌ عظيمٌ أرَّخ فيه للشِّعر العربيِّ في صقلِّيَّة وسمَّاه (الدُّرَّة الخطيرة في المختار من شعر شعراء الجزيرة).

ومن خلال مقدمة كتابه يتبين لنا فخره واعتزازه باللغة العربية وعلومها حيث يقول : ” بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم قال أبو القاسم علي بن جعفر السعدي عرف بابن القطاع.

الحمد لله ذي العزة والسلطان والقدرة والبرهان المعروف بالإحسان الموصوف بالجود والامتنان المحمود بكل لسان ذي الجلال والحول والأفضال والطول الذي منّ علينا بالدين الحنيفي الصحيح والبيان العربي الفصيح الذي فضله على لغات جميع الملل وشرفه على كلام سائر النحل وكمله بمحمد أفضل الرسل وأعلى لغته على جميع اللغات وأنزل بها كلامه الذي هو صفة من الصفات بالآيات والمعجزات التي يتحدى بها إلى يوم الميقات أنزله على نبيه سيد المرسلين وأفضل العالمين فصدع بآياته وقمع بمعجزاته حتى استقام الدين وانتشر وعلا الحق وظهر وولى الباطل ودحر فصلى الله عليه وعلى آله الطيبين وأصحابه الطاهرين وأزواجه أمهات المؤمنين ما ذر شارق وكر طارق.

واعلم أن أفضل ما رغب فيه الراغب وتعلق به الطالب معرفة لغة العرب التي نزل بها القرآن وورد بها حديث النبي عليه السلام لتعلم بها حقيقة معانيهما ولئلا يضل من أخذ بظاهرهما ، وقد قال بعض الحكماء اللغة أركان الأدب والشعر ديوان العرب بالشعر نظمت المآثر وباللغة نثرت الجواهر لولا اللغة ذهبت الآداب ولولا الشعر بطلت الأحساب بلغة العرب نزل القرآن وبشعرهم ميز الفرقان من ذم شعرهم فجر ومن طعن على لغتهم كفر.

سألتني أراك الله السول وبلغك المأمول أن ألخص لك ما انغلق وبعد وأخلص لك ما عسر وانعقد من كتاب أبنية الأفعال لأبي بكر محمد بن عمر بن عبد العزيز المعروف بابن القوطية وهذا الكتاب في غاية الجودة والإحسان لو كان ذا ترتيب وبيان لكن لم يرتبه على الكمال وقد اجتهدت في ترتيبه وتهذيبه بعد وسميته تهذيب كتاب الأفعال “.

وفي مقدمة كتابه أبنية الأسماء والأفعال والمصادر يتبين لنا سعة علمه وإحاطته بجهود كل من سبقوه في هذا المضمار حيث يقول : ”  بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين ، قال الإمام العلامة أبو القاسم على بن جعفر بن على السعدى رحمه الله : الحمد لله على ما أولانا من نعمه ومنحنا من قسمه وهدانا بعد الضلالة وعلمنا بعد الجهالة وصلواته على نبى الرحمة وأفضل الأمة سيد المرسلين، محمد خاتم النبيين وعلى آله الطيبين وأصحابه المنتخبين صلاة دائمة بلا نفاذ باقية بعد المعاد.

أما بعد .. فإنني رأيت العلماء قد صنفوا في أبنية الأسماء والأفعال وأكثروا فيها من المقال وما منهم من استوعبها ولا أتى على جملتها واضطربوا في أبنيتها وخلطوا في رتبتها ، على أن سيبويه أول من ذكرها وأوفى من سطرها فجميع ما ذكر منها في كتابه ثلثمائة مثال وثمانية أمثلة وعنده أنه ذكر جملتها وكذلك أبو بكر بن السراج ذكر منها ما ذكره سيبويه وزاد عليه اثنين وعشرين مثالا وزاد أبو عمر الجرمي عليه أمثلة يسيرة ثم زاد ابن خالويه أيضا أمثلة يسيرة.

وما منهم إلا ترك أضعاف ما ذكر وكذلك فعلوا في مصادر الثلاثي لم يذكر أحد منها أكثر من ستة وثلاثين مصدرا وذكرت منها مائة مصدر ، قال سيبويه : جميع ما ذكرت العرب للثلاثي الصحيح عشرة أمثلة وللرباعي خمسة أمثلة وللخماسي أربعة أمثلة وللمزيد من الثلاثي مائتا مثال وثمانية وعشرون مثالا وللمزيدة من الخماسي أمثلة فلما رأيت ذلك أردت أن أستوعبها وآتي على جملتها حسب الطاقة والاجتهاد.

فعولت في ذلك على ما ذكرته العلماء في كتبها وفرقته في تواليفها وسطرته في مصنفاتها كأبي عمرو بن العلاء ويونس بن حبيب والخليل وأبي زيد الأنصاري وأبي عبيدة وأبي محمد اليزيدي والمفضل الضبي والأصمعي والكسائي وأبي زياد الكلابي وأبي عمرو الشيباني وسيبويه والأخفش والنضر بن شميل وخلف الأحمر وابن الأعرابي وأبي عمر الجرمي وأبي عبيد والفراء والليحاني والمازني وأبى حاتم السجستاني والرياشى والأثرم ومحمد بن حبيب وقطرب ويعقوب بن السكيت وثعلب والمبرد وابن قتيبة وأبي حنيفة الدينوري وابن كيسان وابن دريد وأبي الحسن الهنائي وأبي إسحق النجيرمي والجوهرى والأزهري وابن فارس القزويني وأبي الحسن المهلبي.

والذي انتهى إليه وسعنا وبلغ إليه جهدنا بعد البحث والاجتهاد ألف مثال وخمسمائة مثال للثنائى منها مائة مثال وسبعة وتسعون مثالا وللثلاثي السالم سبعة عشر مثالا وللمضاعف والمكرر منه أربعة وخمسون مثالا وللمزيدة من الثلاثى ألف مثال واثنان وعشرون مثالا وللرباعي السالم خمسة عشر مثالا وللمضاعف منه أربعة عشر مثالا وللمزيدة من الرباعى مائة وستة وخمسون مثالا وللخماسي السالم عشرة أمثلة وللمزيدة من الخماسي خمسة عشر مثالا.

واعلم أني توخيت الاختصار فيما ذكرت ولم أكثر من الأمثلة فيما أوردت ورجوت أن يكون هذا المختصر كافيا في بابه شافيا لطلابه وما أضمن الإحاطة ولا أشرط أن لا يشذ عن كتابي هذا شيء وكلام العرب واسع والشذوذ كثير ، وحسبي أني أوردت في كتابي المستعمل من أقوال من ذكرت من القدماء ومن بعدهم من العلماء فمنهم القدوة الذين بهم تقتدي والأئمة الذين بهم تهتدي ، أسأل الله أن يوفقنا لكل صالحة ويعيذنا من الخطل والزلل في القول والعمل إنه قريب مجيب “.

وقد ذكره ياقوت الحموي في معجم الأدباء وسرد أشهر مؤلفاته فقال : ” علي بن جعفر بن علي السعدي .. يعرف بابن القطّاع الصقلي وكان مقيما بالقاهرة من مصر يعلّم ولد الأفضل ابن أمير الجيوش بدر الجمالي وزير المتلقب بالآمر بالله الذي كان بمصر متغلّبا ، ومات ابن القطاع سنة أربع عشرة وخمسمائة بمصر ومولده سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة وكان إمام وقته ببلده وبمصر في علم العربية وفنون الأدب.

قرأ على أبي بكر محمد بن البر الصقلي وكان مما روى عنه كتاب الصحاح لإسماعيل بن حماد الجوهري ومن طريقه اشتهرت رواية هذا الكتاب في جميع الآفاق ، ولابن القطاع عدة تصانيف منها : كتاب الدرّة الخطيرة في شعراء الجزيرة يعني جزيرة صقلية اشتملت على مائة وسبعين شاعرا وعشرين ألف بيت شعر وكتاب الأسماء في اللغة جمع فيه أبنية الأسماء كلها وكتاب الأفعال هذّب فيه أفعال ابن القوطية وأفعال ابن طريف وغيرهما في ثلاث مجلدات.

وله حواش على كتاب الصحاح نفيسة وعليها اعتمد أبو محمد ابن بريّ النحوي المصري في ما تكلم عليه من حواشي الصحاح وكتاب فرائد الشذور وقلائد النحور في الأشعار وكتاب العروض والقوافي وكتاب ذيل تاريخ صقلية وكتاب الأبنية أبنية الأسماء والأفعال ، ولابن القطاع أشعار ليست على قدر علمه ومن أجودها قوله : إياك أن تدنو من روضة .. بوجنتيه تنبت الوردا .. واحذر على نفسك من قربها .. فإنّ فيها أسدا وردا “.

وذكره العماد الكاتب في خريدة القصر فقال : ” ابن القطاع مؤلف الدرّة الخطيرة ذكر أن مولده سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة وأنه قال الشعر صبياً سنة ست وأربعين وعمّر ورأيت أنا بمصر من رآه وعاش إلى آخر زمان الأفضل ، ورأيت خطّه على دفتر في سنة تسع وخمسمائة فممّا أورده من شعره قوله من قصيدة : فلا تنفدنّ العمرَ في طلب الصبا .. ولا تشقينْ يوماً بسعدى ولا نُعْمُ فإن قصارى المرء إدراك حاجة .. وتبقى مذمّات الأحاديث والإثمُ “.

وترجم له ابن خلكان في وفيات الأعيان فقال : ابن القطاع .. أبو القاسم علي بن جعفر بن علي بن محمد بن عبد الله بن الحسين بن أحمد بن محمد ابن زيادة الله بن محمد بن الأغلب السعدي بن إبراهيم بن الأغلب بن سالم بن عقال ابن خفاجة بن عبد الله بن عباد بن محرث بن سعد بن حرام بن سعد بن مالك بن سعد بن زيد مناة بن تميم بن مر بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر ابن نزار بن معد بن عدنان ، المعروف بابن القطاع السعدي الصقلي المولد المصري الدار والوفاة اللغوي هكذا وجدت هذا النسب بخطي في مسوداتي وما أعلم من أين نقلته ، والمنقول من خطه أنه علي بن جعفر بن علي بن محمد بن عبد الله بن الحسين الشنتريني السعدي أحد بني سعد بن زيد مناة بن تميم والله أعلم.

كان أحد أئمة الأدب خصوصاً اللغة وله تصانيف نافعة منها كتاب الأفعال أحسن فيه كل الإحسان وهو أجود من الأفعال لابن القوطية وإن كان ذلك قد سبقه إليه ، وله كتاب أبنية الأسماء جمع فيه فأوعب وفيه دلالة على كثرة اطلاعه وله عروض حسن جيد ، وكتاب الدرة الخطيرة في المختار من شعراء الجزيرة وكتاب لمح الملح جمع فيه خلقاً من شعراء الأندلس.

وكانت ولادته في العاشر من صفر سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة بصقلية وقرأ الأدب على فضلائها كابن البر اللغوي وأمثاله وأجاد في النحو غاية الإجادة ورحل عن صقلية لما أشرف على تملكها الفرنج ووصل إلى مصر في حدود سنة خمسمائة وبالغ أهل مصر في إكرامه ، وكان ينسب إلى التساهل في الرواية ونظم الشعر في سنة ست وأربعين.

وكانت ولادته في سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة هكذا ذكره في كتابه الدرة الخطيرة في شعراء الجزيرة عند ذكر ترجمة نفسه رحمه الله تعالى في أواخر الكتاب المذكور ، ورأيته بخطه وتوفي بمصر في صفر سنة خمس عشرة وخمسمائة رحمه الله تعالى “.

28 / ديوان علي بن النضر

شاعر الصعيد في العصر الفاطمي هو علي بن محمد بن النضر الأسواني ، وقد ذكره العماد الكاتب في كتابه خريدة القصر وروى عددا من قصائده فقال : ” جماعة من شعراء مصر في عهد الأفضل ذكرهم أبو الصلت الحكيم في رسالته ، منهم القاضي أبو الحسن علي بن محمد بن محمد ابن النضر المعروف بالأديب ، من أهل صعيد مصر من الأفاضل الأعيان المعدودين من حسنات الزمان ذو الأدب الجم والعلم الواسع والفضل الباهر والنثر الرائع والنظم البارع.

وله في سائر أجزاء الحكمة اليد الطولى والرتبة الأولى ، وقد كان ورد الفسطاط يلتمس من وزيرها الملقب بالأفضل نصرة أخدمة فخاب فيه أمله وضاع رجاؤه وأخفق سعيه فقال من قصيدة يعاتب فيها الزمان ويشكو الخيبة والحرمان : بين التعزُّزِ والتذلُّلِ مسلكٌ .. بادي المَنارِ لعينِ كلِّ مُوَفَّقِ .. فاسلكْهُ في كلِّ المواطنِ واجتنِبْ .. كِبْرَ الأَبيِّ وذلَّةَ المتملّق.

ثم طالعت ديوان ابن النضر بمصر فجبيت هذه الدرر من أصدافه وجنيت هذه الثمر من قطافه واجتليت هذه الغرر من ألطافه فمن ذلك قوله من قصيدة : كتبتُ عن شَمْلِ أُنْسٍ غيرِ ملتئمٍ .. حتى اللقاءِ وشَعْبٍ غيرِ مُنْشَعِبِ .. وإِنَّ للبين كفّاً غيرَ وانيةٍ .. تظلُّ تَجْمَع بي جمعاً وتقذفُ بي ، ومنها : لو أَنَّ أنملةَ المقدار تكتبُهُ .. في صفحة الدهر لم يَبْلُغْ مدى أَرَبي.

وترجم له الإدفوي في كتابه الطالع السعيد الجامع أسماء نجباء الصعيد فقال : ” علىّ بن محمد ابن النّضر الأسوانىّ  ، علىّ بن محمد ابن النّضر الفقيه العالم الأديب النّحوىّ روى عنه من شعره ابن برّى النّحوىّ وقال : أحد قضاة الصّعيد وعلىّ بن هبة الله بن عبد الصّمد الكاملىّ وأبو عبد الله محمد بن إبراهيم المقرئ الكيزانىّ وأبو بكر محمد بن الحسن بن يحيى الدّانىّ الحافظ ، وذكره العماد فى الخريدة وقال : القاضى أبو الحسن المعروف بالأديب من الصّعيد الأعلى ، اهـ ، ورأيت ما يدلّ على أنّه من أهل أسوان فقد ذكره ابن عرّام فى سيرة بنى الكنز وأثنى العماد عليه وقال : من الأفاضل الأعيان المعدودين من حسنات الزّمان.

وقال الحافظ ابن بشكوال : أخبرنا أبو الوليد صاحبنا – وكتبه لى بخطّه وقرأه لى من لفظه – أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن الدّانىّ الحافظ أخبرنى الإمام الأديب أبو الحسن المذكور قال : أملقت سنة وكنت أحفظ كتاب سيبويه وغيره عن ظهر قلب حتّى قلت إنّ حرفة الأدب أدركتنى فعزمت على أن أقول شعرا فى والى عيذاب أمدحه وأستجديه فأقمت إلى السّحر فلم يساعدنى القول وأجرى الله القلم فكتب :

قالوا تعطّف قلوب النّاس قلت لهم .. أدنى من النّاس عطفا خالق النّاس .. ولو علمت لسعيى أو لمسألتى .. جدوى أتيتهم سعيا على الرّاس .. لكنّ مثلى فى ساحات مثلهم .. كمزجر الكلب يرعى غفلة النّاسى .. وكيف أبسط كفّى بالسّؤال وقد .. قبضتها عن بنى الدّنيا على الياس .. تسليم أمرى إلى الرّحمن أمثل بى .. من استلامى كفّ البرّ والقاسى ، قال : فقنعت نفسى وما أقمت إلّا ثلاثة أيام وورد كتاب والى «عيذاب» يولّينى فيه خطّ الصّعيد وزادنى إخميم ولقّبنى بقاضى القضاة.

وذكره الشّيخ قطب الدّين عبد الكريم بن عبد النّور الحلبىّ وقال : علىّ بن محمد بن محمد ابن النّضر أبو الحسن القوصىّ، القاضى الأديب ، له ديوان شعر وقيل إنّه كان يحفظ كتاب سيبويه قال : وتولّى قضاء الصّعيد وإخميم ، وذكره أيضا ابن سعيد وقال : كان أحد عمّال الدّيار المصرية فى زمن الأفضل شاهنشاه ، وذكره ابن الزّبير فى (الجنان) وقال : هو من الرؤساء القضاة ذوى النّباهة فيهم وكان متصرّفا فى علوم كثيرة وله من الأدب مادة غزيرة ، قال : وقد وقفت على ديوانه وأكثر شعره فى تشكّى الزّمان والإخوان.

وذكره أيضا أميّة ابن أبى الصّلت فى رسالته وعظّمه ووصفه بعلوم وأنشد له قطعة من شعره منها فى صدر رسالة له : وافى كتابك عن شحط فآنسنى .. بما تضمّن أنس العين بالوسن .. فضضته عن سموط من كلامك قد .. فصلتهنّ بأنواع من المنن .. قرأته فجرت فى كلّ جارحة .. منّى معانيه جرى الماء فى الغصن .. فما أقول بعثت الرّوح فيه إلى .. قلبى ولكن بعثت الرّوح فى بدني.

وقد وقفت أنا على ديوانه وفيه مدائح فى الأعيان وفى جماعة من بنى الكنز ، وبنو النّضر بيت رياسة بأسنا ولعلّه منهم ، وفى ديوانه أنّه كتب إلى كنز الدّولة من أسنا وفيه أيضا أنّه لمّا أمره كنز الدّولة بالارتحال عن أسوان مدح ابن شيبان، وبالجملة فهو من أسوان أو أسنا وقد ذكرت قطعة من شعره فى كتابى البدر السّافر عن أنس المسافر “.

وذكره الدكتور شوقي ضيف في كتابه تاريخ الأدب العربي فقال : ” على بن النّضر ، من أهل الصعيد كان نحويا أديبا روى عنه ابن برّى وغيره ويقال إنه كان يحفظ كتاب سيبويه ، وكان متصرفا فى علوم كثيرة وهو أحد قضاة الصعيد النابهين ، تولى قضاء الصعيد وإخميم فى زمن الأفضل بن بدر الجمالى (٤٨٧ – ٥١٥ هـ‍.) ، ويبدو أن موهبته الشعرية استيقظت مبكرة مما جعله يقبل على شعر المديح محاكيا شعراء عصره فمدح كثيرين من أعيان الصعيد وفى مقدمتهم بنو الكنز أعيان أسوان.

ثم قصد بمديحه الأفضل فرفع منزلته وعينه قاضيا للصعيد وفيه يقول أبو الصلت فى رسالته المصرية التى كتبها عن شعراء مصر وأدبائها وقد افتتحها بذكره قائلا : من الأفاضل الأعيان المعدودين من حسنات الزمان ذو الأدب الجم والعلم الواسع والفضل الباهر والنثر الرائع والنظم البارع وله فى سائر أجزاء الحكمة اليد الطولى والرتبة الأولى ، ويبدو أنه كان واسع الثقافة ، ويقول الأدفوىّ صاحب الطالع السعيد : أكثر شعره فى تشكى الزمان والإخوان.

وكان قد قصد الأفضل فى أول الأمر راجيا خدمة عنده أو ولاية فخاب أمله فيه وضاع رجاؤه فقال من قصيدة يعاتب فيها الزمان ويشكو الخيبة والحرمان : بين التعزّز والتذلل مسلك .. بادى المنار لعين كل موفّق .. فاسلكه فى كل المواطن واجتنب .. كبر الأبىّ وذلّة المتملّق .. ولقد جلبت من البضائع خيرها .. لأجلّ مختار وأكرم متّق .. ورجوت خفض العيش تحت رواقه .. لابدّ إن نفقت وإن لم تنفق .. ظنّا شبيها باليقين ولم أخل .. أن الزمان بما سقانى مشرقى .. لأقارعنّ الدهر دون مروءتى .. وجرمت عزّ النّصر إن لم أصدق.

وهو ينصح غيره من الشعراء أن لا يصعّروا خدهم كبرا وأهم من ذلك أن لا يسيموا أنفسهم ذل الملق والهوان وليتخذوا منه ومما صنع به الأفضل عبرة وعظة إذ قدم له بين يدى ما أمّله منه قصيدة بديعة من قصائده فكان جزاؤه خيبة ما بعدها خيبة ، ومع ذلك فهو يمسك نفسه إذ هى أكبر من أن تنكسر بل إنه ليهدد بمقارعة الدهر ونزاله دون مروءته وعزة نفسه.

وفزع إلى غير قليل من الزهد والقناعة يحض عليهما ويذم الضراعة متأسفا على امتهان نفسه وإراقة ماء وجهه للأفضل دون طائل بمثل قوله : لهفى لملك قناعة لو أننى .. متّعت فيه بعزّة المتملّك .. ولكنز يأس كنت قد أحرزته .. لو لم تعث فيه الخطوب وتفتك .. آليت أجعل ماء وجهى بعده .. كدم يهلّ به الحجيج بمنسك .. لا أنشأتنى الحادثات لمثلها .. ورميت قبل وقوعها بالمهلك.

لقد أضاع ملك قناعة كان هنيئا به متمتعا فيه بعز سلطانه وأضاع معه كنز يأس من الوزراء والحكام أمثال الأفضل كان مغتبطا به سعيدا ، ويقسم أن لا يريق ماء وجهه لأحد بعد الأفضل وما صنعه ويدعو على نفسه بالموت إن هو فكر أن يعود إلى المديح وهوان الاستجداء وذله ويتجه إلى ربه داعيا ضارعا بمثل قوله : يا مستجيب دعاء المستجير به .. ويا مفرّج ليل الكربة الدّاجى .. قد أرتجت دوننا الأبواب وامتنعت .. وجلّ بابك عن منع وإرتاج .. نخاف عدلك أن يجرى القضاء به .. ونرتجيك فكن للخائف الراجى.

فقد أغلقت أبواب الرجاء من دونه وأظلمت الدنيا من حوله وغرق فى كرب وغمّ وأخذه اليأس من كل جانب فلا أمل بل قنوط مقيم حتى ليخشى على نفسه من أن يغلق الله عنه بابه وإنه ليمتلى خوفا ورجاء ويعزى نفسه ويدعوها إلى الصبر الجميل : يا نفس صبرا واحتسابا إنها .. غمرات أيام تمرّ وتنجلى .. لا تيأسى من روح ربّك واحذرى .. أن تستقرّى بالقنوط فتحذلى.

إنه يتمنى لنفسه أن تخلص من محنة اليأس الذى يملؤها شقاء وعناء ومسرة ولوعة فيخفف عنها ذلك كله أو يحاول أن يخففه بما يدعوها إليه من الصبر على البلاء وأن لا تيأس من روح ربها فإنه لا ييأس من روحه إلا الظالمون لأنفسهم المستسلمون للقنوط وأهواله.

وكان على بن النضر يجيد الرثاء كما يجيد الشكوى من الزمان وأهله وله مرثية بديعة فى إبراهيم ابن الزبير حاكم قوص لسنة ٤٧٢ للهجرة وهو جد المهذب بن الزبير الشاعر المار ذكره استهلها بقوله : يا مزن ذا جدث الرّشيد فقف معى .. نسفح بساحته مزاد الأدمع .. وامسح بأردان الصّبا أركانه .. كى لا يلمّ به شحوب البلقع .. وبودّ نفسى لو سقيت ترابه .. دم مهجتى ووقيته بالأضلع.

وهو يتجه إلى المزن أو السحاب الممطر محاولا أن يستوقفه ليسفح أمطاره معه على قبر صاحبه بل ليسفحا معا عليه قربانا من الدموع ويتوسل إليه أن يمسح بأكمام الصّبا أركانه حتى يظل ناضرا لا يلم به شئ من شحوب البلقع أو القفر من حول جدثه وكان بود نفسه لو فداه بروحه وسقى ترابه دم مهجته ووقاه بأضلعه ، ويخاطب قبره ملتاعا بقوله : لتنفّست فيك الصّبا مفتوقة .. بنسيم مسك رياضها المتضوّع .. أو ما عجبت لطود عزّ باذخ .. مستودع فى ذى الثلاث الأذرع .. ولخدّ من وطئ الكواكب راقيا .. كيف ارتضى من بعدها باليرمع .. ولقد وقفت على ربوعك شاكيا … وبها الذى بى من أسى وتوجّع.

وهو يدعو للقبر أن تهب عليه ريح الصّبا العطرة بمسك الرياض ذكى الرائحة وأن يظل ذلك دائما أبدا ويعجب لهذا الجبل الشامخ عزا أن تطويه ثلاث أذرع ومن وطى الكواكب بقدمه راقيا أن يرتضى النزول تحت اليرمع أو الحجارة الرخوة وإنه – مثل كل ما حوله من الربوع – ليمتلئ حسرة وأسى وتوجعا ما بعده توجع ، ولعل فى ذلك كله ما يصور ملكة ابن النضر الشعرية الخصبة “.

29 / الرسالة المصرية

أبو الصلت أمية بن عبد العزيز بن أبي الصلت الأندلسي طبيب عربي ولد في دانية بالأندلس عام 460 هـ / 1067 م وتوفي في المهدية بتونس عام 529 هـ / 1134 م ، رحل في شبابه إلى مصر في زمن الفاطميين بحثا عن العمل والحظوة وقضى فيها عشرين عاما في خدمة الوزير الأفضل بن بدر الجمالي حيث عمل طبيبا لدى الأمير تاج المعالي مختار وهو الذي قدمه بعد ذلك للوزير كما عرف عنه التميز في علوم الفلك والرياضيات والموسيقى ولعبة الشطرنج.

ثم تقلبت به الأحوال بعد أن سعى به الوشاة عند الوزير بسبب فشله في انتشال إحدى السفن الغارقة حيث سجن لمدة ثلاث سنوات في إحدى المكتبات فقضاها في القراءة والكتابة حيث ألف كتابه (حديقة الأدب) الذي يتناول فيه بالنقد الادبي شعراء عصره ، ثم كتب قصيدة في مدح الوزير وتوسط له بعض الوجهاء فأفرج عنه حيث قرر بعدها الرحيل عن مصر وتوجه إلى تونس حيث عمل في خدمة حاكمها المرتضى أبي الطاهر يحيى بن تميم بن المعز ابن باديس.

وقد طلب منه الأمير أن يكتب له مقالة مختصرة يحكي فيها تجربته في مصر فكتب له (الرسالة المصرية) وبدأها بالوصف الجغرافي للديار المصرية ونهر النيل ثم أخذ في تصوير جمال ربوعها ومغانيها تارة بالشعر وأخرى بالنثر وعقب بالكلام عن سكانها وأخلاقهم وعاداتهم ، ثم تكلم عن الآثار المصرية والأهرام خاصة وذكر أهم عواصم ومدن مصر التاريخية وأشهر الفلاسفة الإغريق في العصر البطلمي والروماني وكذلك من لقيه شخصيا من الأدباء والظرفاء وكتب عن اهتمام المصريين وقتها بالتنجيم وأورد في ذلك عدة طرائف ونوادر.

وخصص أبو الصلت قسما من الرسالة لوصف الطب والأطباء في مصر حيث كان معجبا ببراعة الأطباء المصريين وطرقهم المتعددة ومنها ما يتعلق بالعلاج النفسي للمرضى حيث يقول : ” ومن ظريف ما سمعته أنّه كان بمصر منذ عهد قريب رجل ملازم للمارستان يستدعى للمرضى كما تستدعى الأطبّاء فيدخل على المريض فيحكى له حكايات مضحكة وخرافات مسلّية ويخرج له وجوها مضحكة وكان مع ذلك لطيفا فى إضحاكه وبه خبيرا وعليه قديرا ..

فإذا انشرح صدر المريض وعادت إليه قوّته تركه وانصرف فإن احتاج إلى معاودة المريض عاده إلى أن يبرأ أو يكون منه ما شاء الله ، فليت أطبّاء عصرنا هذا بأسرهم قدروا على مثل هذا العلاج الذى لا مضرّة فيه ولا غائلة له بل أمره على العليل هيّن ونفعه ظاهر بيّن ؛ كيف لا وهو ينشّط النفس ويبسط الحرارة الغريزية ويقوّى القوى الطبيعية ويقوّى البدن على دفع الأخلاط الرديّة المؤذية والفضول مع الاستظهار بحفظ الأصول “.

وفي موضع آخر يحدد العلوم الأساسية التي يجب على الطبيب الإلمام بها ليحقق النجاح في مهمة التشخيص والعلاج فيقول : ” الطبيب محتاج إلى أشياء تعينه في صناعته وتفتح له مغالقها وتوضح مشكلها وتشرح مشتبهها وتبين له مستعجمها وتذيقه برد اليقين وتجلو عن عين بصيرته ظلم الشكوك والظنون ، وهي العلوم الطبيعية التي تعرفه مبادئها وأوائلها وتعطيه استقصّاتها وعناصرها والقوانين القياسية التي تسدد ذهنه نحو الصواب فيما يلتمس علمه ويتطلب فهمه وتعرفه كيف يحيل مطلوباتها إليه ويبنى قياساته عليها وكيف يتطرق من جليها إلى خفيها ويستدل بظاهرها على غائبها ويأمن الزلل ووقوع الخطل والخلل ويحقّق الأسباب والعلل “.

وفي موضع آخر يعيب على بعض المشتغلين بالطب حرصهم على كسب المال من المرضى بما لديهم من علم قليل لم يجتهدوا في تطويره وفقا لما ذكره في الفقرة السابقة حيث يقول : ” فلم يأخذوا نفوسهم بالإتقان لما قد سلف تعديده بل استطالوه واستبعدوا الأمد إليه ورأوا أن غرضهم من صناعة الطب الذي هو عندهم وبحسب رأيهم التكسب بما يتم لهم بأقرب مما شرطه الأوائل متناولاً وأسهل مراماً لم يحفظوا غير أسماء أدوية قليلة العدد يصرفونها في مداواة كل مرض دون إعمال فكرهم في حقيقة نوعه وسببه ومقتضيه وموجبه “.

وتنوعت مؤلفات أبي الصلت الأخرى فشملت عدة كتب منها كتاب في الهندسة وكتاب في الصيدلة وكتاب في الطب هو الانتصار لحنين بن إسحاق على ابن رضوان وكتاب تقويم منطق الذهن في المنطق وكتاب في الأدوية المفردة في ترتيب الأعضاء المتشابهة الأجزاء والآلية وكتاب في الفلك والإسطرلاب بين فيه عدم اعتقاده في التنجيم ورفضه لأقوال المنجمين وكتاب عمل صفيحة جامعة تكون فيها جميع الكواكب السبعة وكتاب الوجيز في علم الهيئة أهداه للوزير الأفضل ورسالة في العمل بالإسطرلاب كتبها وهو في سجنه.

وله في مجال الأدب كتاب الملح العصرية من شعراء أهل الأندلس والطارئين عليها وله ديوان شعر مرتب حسب الحروف وفي مجال الموسيقى له كتاب رسالة في الموسيقى ، وفي تونس  انصرف إلى التأليف وتلحين الأغاني الإفريقية (التونسية) إذ كان عازفاً على العود كما نشر الألحان الأندلسية فيها كما يقول ابن سعيد المغربي في كتابه المُغْرب في حُلى المَغْرب وله في التاريخ كتاب عن تاريخ الزيريين حكام المهدية وذيله بكتاب الرقيق.

ذكره العماد الكاتب في خريدة القصر وذكر عددا من قصائد ديوانه الشعري فقال : ” من أهل العصر الأديب الحكيم أبو الصلت أمية ابن عبد العزيز بن أبي الصلت الأندلسي ، كان أوحد زمانه وأفضل أقرانه متبحراً في العلوم وأفضلُ فضائله إنشاء المنثور والمنظوم وكان قدوة في علم الأوائل ذا منطق في المنطق بذّ سحبان وائل ، سمعت أبا الفتح نصر بن عبد الرحمان بن إسماعيل الفزاري في ذي الحجة سنة سنتين ببغداد وروى لي كثيراً من شعره : أن أمية من أهل المغرب وسكن ثغر الإسكندرية وله الباع الأطول في الأصول والتصانيف الحسنة على أسلوب كتاب اليتيمة للثعالبي ، ثم وقع ديوان هذا أبي الصلت بيدي في دمشق فأخذته وانتخبت منه ما أوردته ونبهت على ما هو من روايتي في مواضعه وكل شره منقح ملقح ممدح مستملح صحيح السبك محكم الحوك نظيم السلك قويم الفلك وذلك على ترتيب الحروف وقد قرأت في ديوانه شعره بتاريخ سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة ولا شك أنه عاش بعد ذلك ..

وحين وفاة أمية بن أبي الصلت أهدى إليّ سيدنا القاضي الفاضل حديقة أبي الصّلت وقرأت في آخرها مكتوباً : توفي الشيخ الأجل أمية ابن أبي الصلت يوم الاثنين الثاني عشر من محرم سنة ست وأربعين وخمسمائة وكان آخر ما سمع منه : سكنتكِ يا دارَ الفناءِ مصدّقاً .. بأني الى دارِ البقاء أصيرُ .. وأعظَمُ ما في الأمر أنّي صائِر .. الى عادلٍ في الحُكم ليس يجورُ .. فيا ليتَ شِعري كيف ألقاهُ بعدها .. وزادي قليلٌ والذّنوبُ كثيرُ .. فإنْ أكُ مَجزيّاً بذنبي فإنّني .. بحَرّ عذاب المذنبين جديرُ .. وإن يكُ عفو ثم عنّي ورحمة .. فثمّ نعيم دائِم وسُرورُ “.

30 / ديوان ظافر الحداد

عدد كبير من الشعراء اشتهر بلقب مهنته الأصلية مثل الخياط والكحال والوراق والجزار والحمامي ، وعلى رأسهم يأتي الشاعر السكندري أبو المنصور ظافر بن القاسم بن منصور بن عبد الله بن خلف بن عبد الغني الجذامي الإسكندري والمعروف بلقب (ظافر الحداد) المتوفي في القاهرة عام 529 هـ / 1134 م وينتمي إلى أسرة كانت تعمل بمهنة الحدادة وتنحدر من قبيلة جذام العربية التي استوطنت الإسكندرية بعد الفتح الإسلامي ، وله ديوان كبير مطبوع يتجاوز مائتي صفحة ومرتب حسب الحروف الهجائية لقافية القصائد.

وقد اشتهر بأنه شاعر الشيب والشباب حيث يقول : (لا غَرْوَ أنْ رَحَل الشبابُ وبانا .. ما كان أولَ من صَحِبتُ فخانا .. فكذا عَهِدتُ الدهرَ منذ عرفتُه .. والمالَ والإِخوان والْخُلاّنا .. ما كنتُ أَحسَبُ يا شباب زيادتي .. بالشيبِ تُوجِب بعدَك النقصانا .. أحسنتَ مبتدِئاً وسُؤْت مُعقِّبا .. ببياض شيبٍ ليتَه ما كانا) ، ويقول : (ولَّى شبابٌ واقترابٌ فأَمْعَنا .. ووالَى مَشيبٌ واغترابٌ فأَدْمَنا .. فيا حَبَّذا ليلُ الشبابِ الذي نأى .. ولا حبذا صبح المشيب الذي دنا .. إذا ما رأيتَ الشيبَ في عارضِ امرىء .. وإنْ لم يمتْ فاحسِبْه مَيْتا مُكفْنا .. وإنْ ظهرتْ بيضاءُ في مَفْرِق الفتى .. فأَوْلَى بذاك الموضع الضربُ بالقَنا).

وحكى ابن ظافر الأزدي في كتابه بدائع البدائه عن أول شهرته عندما ذهب إلى والي الإسكندرية ومدحه بشعره فقال : ” وذكر القاضي أبو عبد الله محمد بن علي بن الحسين الآمدي النائب كان في الحكم بالإسكندرية قال : دخلت على الأمير السعيد بن مظفر في أيام ولايته بالثغر فوجدته يقطر دهناً على خنصره فسألته عن سببه فذكر ضيق خاتمه عليه وأنه ورم بسببه ، فقلت له : الرأي قطع حلقته قبل أن يتفاقم الأمر فيه ، فقال : اختر من يصلح لذلك ، فاستدعيت أبا منصور ظافر ابن القاسم الحداد فقطع الحلقة وأنشد بديها ً: قصر في أوصافك العالم .. وأكثر الناثر والناظم .. من يكن البحر له راحةً .. يضيق عن خنصره الخاتم.

فاستحسنه الأمير ووهبه الحلقة وكانت من ذهب ، وكان بين يدي الأمير غزال متأنس قد ربض وجعل رأسه في حجره فقال ظافر : عجبت لجرأة هذا الغزال .. وأمرٍ تخطى له واعتمد وأعجب به غدا جاثماً .. وكيف اطمأن وأنت الأسد ، فزاد الأمير والحاضرون في الاستحسان وتأمل ظافر شباكاً على باب المجلس تمنع الطير من دخولها فقال : رأيت ببابك هذا المنيف .. شباكاُ فداخلني بعض شك .. وفكرت فيما رأى خاطري .. فقلت : البحار مكان الشبك “.

وروى العماد الكاتب في الخريدة أن جلساء الأمير كانوا مسرورين من سرعة بديهة الحداد وأنهم امتحنوه وطلبوا منه قول الشعر في الغزال والشباك فلما فعل نال عطاء الأمير الذي قال لأحدهم في النهاية : دعه وإلا أخذ ما علي ، ويروي الدكتور شوقي ضيف في كتابه تاريخ الأدب العربي أن هذه الحادثة كانت سببا فى اشتهار ظافر بمدينته وتهاداه أعيانها وقضائها مثل ابن أبى حديد قاضيها وله فيه مدائح طريفة ، وانتقل بعدها إلى الفسطاط فمدح الوزير الأفضل بن بدر الجمالي ثم مدح الوزير المأمون البطائحي.

ثم توصل ظافر إلى الخليفة الآمر بأحكام الله ومدحه في قصائد منها : أجاد ابن هانى فى المعزّ مدائحا .. هداه إليها ذلك الفضل والمجد .. وقد جاد مدحى فيك لما رأيت ما .. رأى فاستوى المدحان والإبن والجدّ ، ومنها قوله : إمام تبدّى للورى من جبينه .. ضياء به تشفى بصائرها الرّمد .. ونورك ما يهدى الصباح لناظر .. ولولاه ضلّ الناس وامتنع القصد ، ومنها قوله : أنت الذى بعث الإله لنا به .. آباءه فتمثّلوا بمثوله .. هذا ضياء الله والمعنى الذى .. تتفاضل العلماء فى تعليله.

ثم انحاز ظافر إلى الخليفة الجديد الحافظ لدين الله وناصره بشعره ضد خصومه كما يروي الدكتور شوقي ضيف قائلا : ” وكان من المبادئ الإسماعيلية أن يتولى الخلافة ابن الخليفة وتصادف أن الآمر لم يترك ابنا وقيل بل ترك طفلا رضيعا اسمه الطيب ، وتعصبت له جماعة سميت الطيبية وتعصبت جماعة أخرى سريعا للحافظ عبد المجيد ابن عم الآمر وأخذت له البيعة واستولى على مقاليد الخلافة ، وظل من ذلك جمر مختف وراء الرماد مما جعل ظافرا يدافع فى بعض مديحه للحافظ عنه وعن حقه فى الخلافة قائلا : ورث ابن عمّ محمد من بعده .. حقّ الخلافة منصفا فى نقلها .. وورثت أنت عن ابن عمّك حقّها .. فجرى قياس خلافة فى شكلها ، فالحافظ ورث الخلافة عن الآمر كما ورثها عن الرسول صلّى الله عليه وسلم ابن عمه على بن أبى طالب رأس الأئمة “.

وذكره ابن خلكان في وفيات الأعيان فقال : ” ظافر الحداد .. أبو المنصور ظافر بن القاسم بن منصور بن عبد الله بن خلف بن عبد الغني الجذامي الإسكندراني المعروف بالحداد الشاعر المشهور؛ كان من الشعراء المجيدين وله ديوان شعر أكثره جيد ومدح جماعة من المصريين وروى عنه الحافظ أبو طاهر السلفي وغيره من الأعيان ، ومن مشهور شعره قوله  :لو كان بالصبر الجميل ملاذه .. ما سح وابل دمعه ورذاذه .. ما زال جيش الحب يغزو قلبه .. حتى وهى وتقطعت أفلاذه “.

وذكره ياقوت الحموي في معجم الأدباء فقال : ” ظافر بن القاسم بن منصور بن عبد الله  بن خلف الجذامي الاسكندري المعروف بالحداد الشاعر الأديب : روى عنه الحافظ السلفي وطائفة من الأعيان وتوفي بمصر في المحرم سنة تسع وعشرين وخمسمائة ومن شعره : حكم العيون على القلوب يجوز .. ودواؤها من دائهنّ عزيز .. كم نظرة نالت بطرف ذابل .. ما لا ينال الذابل المهزوز .. فحذار من تلك اللواحظ غيرة .. فالسحر بين جفونها مكنوز ، وكتب إلى أبي الصلت أمية بن عبد العزيز الأندلسي بعد أن توجه من مصر إلى المهدية يتشوق إليه : ألا هل لدائي من فراقك إفراق .. هو السمّ لكن لي لقاؤك درياق .. فيا شمس فضل غرّبت ولضوئها .. على كلّ قطر بالمشارق إشراق “.

وذكره العماد الكاتب في خريدة القصر فقال : ” ظافر بحظه من الفضل ظافر يدل نظمه على أن أدبه وافر وشعره بوجه الرقة والسلاسة سافر وما أكمله لولا أنه من مداح المصري والله له غافر ، حداد لو أنصف لسمي جوهرياً وكان باعتزائه إلى نظم اللآلىء حرياً أهدى بروي شرعي الروي للقلوب الصادية رياً فيا له ناظماً فصيحاً مفلقاً جرياً ، ولما وصل الملك الناصر صلاح الدين إلى دمشق في سنة سبعين واجتمعت بأفاضل دولته كالقاضي الفاضل ونجم الدين بن مصال رأيتهم يثنون على ظافر وأنشدني له قصيدة خائية وقصيدة رائية وأنشدني مهما ووعدني بهما بعض الأفاضل ، ومن شعره : في لحظها مَرَضٌ للتِّيه تحْسَبُهُ .. وَسْنَان أو فقريبَ العهد بالرَّمَدِ .. تريك ليلاً على صبحٍ على غُصُنٍ .. على كثيبٍ كموج الرَّمْلِ مُطَّرِدِ “.

وجاء عنه في الرسالة المصرية : ” ومنهم من يقول وهو أبو نصر ظافر بن قاسم المعروف بالحداد من أهل الإسكندرية وكتب إلىّ بها في رسالة : وما طائرٌ قصَّ الزمانُ جناحه .. فأعدمه وكراً وأفقده إلفا .. تذكر زغباً بين أفنانِ أيكةٍ .. خوافي الخوافي ما يطرن بها ضعفا إذا التحف الظلماءَ ناجى همومه … لترجيع لحنٍ كاد من رقّة يخفى .. بأشوق منى إذ أطاعت بكَ النوى ..  هوائيةٌ مائيةٌ تسبق الطرفا .. تولت وفيها منك ما لو أقيسه .. بما هي فيه كان في فضله أوفى ، وقال أيضا : رحلوا فلولا أنّنى .. أرجو اللّقا لقضيت نحبي .. والله ما فارقتكم .. لكنني فارقت قلبي “.