من نحن وماذا نريد ؟

نشيد الجيش وملامح الهوية المصرية

في العروض العسكرية والمناسبات الوطنية يصدح رجال القوات المسلحة بترديد نشيد الجيش الذي يحمل معاني التضحية والفداء والذي كتبه الشاعر الكبير فاروق جويدة ولحنه المبدع كمال الطويل ، وتأتي معاني النشيد لترسم ملامح الهوية المصرية من خلال الكلمات المعبرة عن هذه الروح الأصيلة وأولها ارتباط مصر والمصريين بنهر النيل الخالد الذي هو شريان الحياة ومصدر الخير والنماء ..


وجاء ذكر النيل مرتبطا بتضحيات المصريين في قوله (وتنساب يا نيل حرا طليقا لتحمي ضفافك معنى النضال) في إشارة لتاريخ طويل من الكفاح ثم أعقبها قوله (وسالت مع النيل يوما دمانا) لتؤكد ذلك الارتباط الشديد بين النهر والحياة ، كذلك أيضا جاء في ثنايا وصف البيئة المصرية في قوله (نخيلا ونيلا وشعبا أصيلا) حيث ضفاف النيل وأشجار النخيل المميزة لها والتي ترمز لروح الأصالة ..


وفي أول القصيدة عاطفة قوية في قوله (رسمنا على القلب وجه الوطن) لتؤكد ذلك الارتباط الوجداني بين البشر والأرض وروح الحضارة ، وفي وسط القصيدة تبدو لنا معالم الاعتزاز بالانتماء لمصر في قوله (على كل أرض تركنا علامة قلاعا من النور تحمي الكرامة) ثم أعقبها بوصف طبيعة المصريين عندما ذكر أسباب رفعة الوطن وانتصاره وعزته في قوله (بصدق القلوب وعزم الرجال) ..


وتأتي الكلمات قوية معبرة على لسان الجنود في هتافهم إلى بلادهم قائلين (سلام عيك إذا ما دعانا رسول الجهاد ليوم الفداء) حيث الجيش هو درع الوطن وسيفه وهو الذي حمل راية الجهاد المقدسة ضد أعداء الأمة طوال التاريخ ، وفي نفس السياق تأتي معاني العناية الإلهية لمصر المحروسة في قوله (يد الله يا مصر ترعى سماك) وهي متأثرة بالروح الدينية التي هي من سمات الشخصية المصرية ..


وتظهر بوضوح معاني الانتماء والهوية من خلال مخاطبة الجنود لوطنهم وأمتهم معا قائلين (عروبتنا تفتديك القلوب ويحميك بالدم جيش الكنانة) حيث التأكيد على مركزية دور مصر في الوطن العربي والارتباط بالقومية واللغة ، وجاءت كلمة جيش الكنانة لتعبر عن خير الأجناد حماة الحمى مقتبسا ذلك من الكنانة وهي جعبة السهام والتي جاءت في العبارة المشهورة (مصر كنانة الله في أرضه) ..

من نحن وماذا نريد ؟؟

عندما نتأمل تاريخ مصر عبر العصور المتعاقبة نجد أنها في حال نهضتها تتحول إلى امبراطورية كبرى وهو ما يمكننا ملاحظته في الخرائط التي ترصد عهد كل من تحتمس الثالث (عصر المصريين القدماء) وبطليموس الثاني (عصر البطالمة) وصلاح الدين الأيوبي (العصر الإسلامي) ومحمد علي باشا (العصر الحديث) .. وهذا أمر تفرضه الجغرافيا التاريخية والموقع الجيوسياسي.

وتنقسم دول العالم ذات الثقل إلى مجموعتين .. أولاهما الدول القارية والتي نتجت عن اتحاد عدد من الأقاليم في ظرف زمني سابق مثل الولايات المتحدة والاتحاد الروسي والصين والهند .. والمجموعة الثانية التي تضم دولا ذات ثقل حضاري وسكاني تلعب دورا مركزيا في محيطها الإقليمي مثل البرازيل واليابان وإندونيسيا وأثيوبيا وألمانيا ومصر وتركيا وإيران.

وتسعى الحكومات الوطنية في هذه الدول المركزية لاستعادة دورها القيادي والريادي .. مثلا ألمانيا هي قاطرة الاتحاد الأوروبي بينما لعبت أثيوبيا دورا تاريخيا في الاتحاد الأفريقي ولعبت إندونيسيا الدور الأبرز في إنشاء رابطة آسيان التي تضم دولا مختلفة في الأديان واللغات والثقافات كما تلعب البرازيل دورا هاما في اتحاد سيلاك الذي يضم دول أمريكا اللاتينية والكاريبي.

ولا شك أن هذا الدور الريادي للدول المركزية مرتبط بالإرث الأمبراطوري التاريخي .. مثلا حدود الاتحاد الأوروبي هي نفس حدود دولة شارلمان القديمة والرايخ الثالث .. نفوذ إيران في نفس منطقة دولة السلاجقة الإسلامية وهي أيضا نفس حدود دولة الفرس الأخمينيين القديمة بينما تسعى تركيا لاستعادة الإرث العثماني الذي يشغل نفس حدود الدولة البيزنطية.

ومصر لا تقل مكانة عن مثيلاتها من هذه الدول المركزية فهي ليست دولة هامشية ولا صغيرة لكنها للأسف تخلت طوعا عن دورها القيادي في المنطقة مما أدى إلى فراغ كبير لم تستطع دول أخرى أن تشغله رغم المحاولات المستميتة .. والخطوة الأولى نحو العودة لتلك المكانة هو تغيير النظام السياسي الذي ارتضى الخنوع وتقزيم دور مصر في كل المحافل الدولية.

وليس الأمر مقتصرا على الإرث الامبراطوري وإنما يتعداه إلى حدود الأمن القومي المصري الذي يتجاوز الحدود السياسية التقليدية .. فهو يشمل منابع النيل والبحر الأحمر وباب المندب .. الخليج العربي وحوض البحر المتوسط والصحراء الغربية .. وهنا يجب أن نعيد النظر إلى أنفسنا وفق هذا الطرح الذي يستلهم روح الامبراطورية.. ونجيب على السؤال الأهم .. من نحن وماذا نريد ؟؟

مصر هبة النيل

نهر النيل هو الذي رسم خريطة مصر الجغرافية في الماضي وهو أيضا الذي يرسم خريطتها السكانية في الحاضر ويحدد آفاق التنمية في المستقبل ، وإذا تتبعنا مسار النهر العظيم من بداية دخوله إلى الأراضي المصرية في أقصى الجنوب وحتى مصبه النهائي في البحر المتوسط سوف ندرك فورا التوزيع المثالي للأقاليم المصرية حيث يبدأ إقليم جنوب الوادي محيطا بالنهر على هيئة شريط مستطيل ضيق بين الصحراء الشرقية والصحراء ويضم في طريقه بحيرة ناصر والسد العالي ومنطقة النوبة لينتهي عند أول انحناء للنهر قرب مدينة الأقصر الخالدة ومن الناحية التاريخية فإن هذا الإقليم يمثل المقاطعات السبع الفرعونية الجنوبية والتي لم تخضع لحكم الهكسوس وقادت حرب التحرير والبعث الامبراطوري ، إلى الشمال من ذلك يبدأ إقليم جنوب الصعيد من عند انحناءة النهر عند ثنية قنا يمينا ثم يسارا ثم باتجاه الشمال الغربي حتى اعتدال النهر عند ديروط ليشمل محافظات قنا وسوهاج وأسيوط الحالية على هيئة شريط على جانبي النهر حيث يتوسط بين الصحراء الشرقية حيث إقليم البحر الأحمر شرقا والصحراء الغربية حيث إقليم الوادي الجديد غربا ، وإلى الشمال منه يبدأ إقليم شمال الصعيد من عند تفرع بحر يوسف وحتى مشارف الجيزة ليضم محافظات المنيا وبني سويف والفيوم وجنوب الجيزة حيث ينتشر الإقليم على هيئة دلتا طولي بين النيل شرقا وبحر يوسف غربا والذي يصب في بحيرة قارون.

ينتهي مسار وادي النيل عند نقطة انقسامه إلى فرعين كبيرين حيث يحيط به إقليم القاهرة الكبرى والذي يشكل نقطة الارتكاز الجغرافية والديموغرافية حيث أكبر كثافة سكانية في البلاد وعلى جانبيه من الشرق والغرب نشأت المدن الجديدة وبعده مباشرة يبدأ الدلتا الذي ينقسم جغرافيا إلى شطرين كبيرين متماثلين يفصل بينهما فرع دمياط الذي يشكل الامتداد الفعلي للنهر حيث كان في الماضي يشكل الفرع الرئيسي الأوسط بين فروع النيل السبعة ويتجه إلى الشمال مباشرة من عند المنصورة لتكون دمياط بالكامل عن يمينه والبراري عن يساره بينما تكون فرع رشيد من اتحاد عدد من الترع الكبرى التي خرجت من فرع دمياط لتصب في الغرب بسبب انحدار أرض الدلتا نحو الغرب ، وإذا اتجهت غربا يقابلك مثلث كبير يشكل إقليم غرب الدلتا ويضم حاليا محافظات المنوفية والغربية وكفر الشيخ والبحيرة وحدوده هي النهر والبحر والصحراء وفي نهاية هذا المثلث يقبع إقليم الإسكندرية على هيئة شريط ساحلي طولي يحمل بصمة أشهر ملوك العالم القديم (الإسكندر المقدوني) ومن بعده إقليم الساحل الشمالي حتى نهاية حدود مصر الغربية والذي شهد أعنف معركة فاصلة في الحرب العالمية الثانية ، أما إذا اتجهت شرقا فسوف يقابلك مثلث كبير يشكل إقليم شرق الدلتا ويضم محافظات دمياط والدقهلية والقليوبية والشرقية وحدوده أيضا البحر والنهر والصحراء وفي نهايته يقبع إقليم قناة السويس على هيئة شريط طولي ملاصق للقناة التي تحمل مدنها أسماء أشهر حكام الحقبة الخديوية (سعيد وإسماعيل وتوفيق وفؤاد) ومن خلف القناة يأتي إقليم سيناء الذي يمتد حتى نهاية حدود مصر الشرقية ويشمل الجزيرة المباركة حيث أرض الفيروز التي تجلى فيها الرب الأعلى على جبل طور سينين.

مصر الإمبراطورية

مصر الامبراطورية في العصور القديمة

لا شك أن كل محب لوطنه يتمنى أن يرى وطنه أعظم بلاد الدنيا وأن يتفاخر بأمجاده وانتصاراته وتاريخه العظيم خاصة إذا كان في الأصل من تلك التي تمتلك مقومات التميز الحضاري والتي من أهمها (الثقل السكاني – الموقع الجغرافي – القدرات العسكرية – التاريخ الثقافي) ، وفي الشرق الأوسط هناك ثلاث دول فقط تمتلك هذه المقومات (الجيوسياسية) وهي مصر وتركيا وإيران ، وبالتالي فإن الحديث عن مكانة مصر السياسية وتأثيرها في مجريات الأحداث في الشرق الأوسط يجب أن يكون نابعا من هذه الرؤية ، حيث إن منطقة الشرق الأوسط هي ملتقى قارات العالم القديم آسيا وأوروبا وأفريقيا والدول الثلاث هي نقاط الارتكاز لهذا الالتقاء الجغرافي حيث تقبع مصر على رأس أفريقيا بينما تقف إيران على أول الطريق نحو آسيا وتمتلك تركيا مفاتيح أوروبا ، وكان من الطبيعي أن تخرج من هذه الدول امبراطوريات العالم القديم (الفراعنة – الفرس – الحيثيين) وأن تتنازع فيما بينها السيادة على المنطقة المحصورة بينهما (الهلال الخصيب في أول الأمر ثم بادية العرب في مرحلة تالية) ، وعندما اجتاح الاسكندر العالم نشأت في تلك المناطق ثلاث امبراطوريات هيلينية (بطليموس في مصر وفلسطين وسلوقس في فارس والعراق ولسيماخوس في آسيا الصغرى وتراقيا) وقد تنافست فيما بينها على الأقاليم السورية وجزر البحر المتوسط ودارت بينها الحروب المتواصلة ثم سقط اثنان منهما تحت الاحتلال الروماني (مصر وآسيا الصغرى) بينما صمدت إيران ونجت منه حيث لعبت الجغرافيا التاريخية دورها في قيام الدولة الرومانية الشرقية (البيزنطية) ودولة الفرس الساسانيين واللذان تقاسما السيادة على العالم القديم (في غيبة مصر) ..

مصر الامبراطورية في العصور الوسطى

بعد الفتوحات الإسلامية خضعت للدولة الإسلامية الناشئة كل من مصر وإيران بينما فقدت بيزنطا امبراطوريتها وصمدت عاصمتها القسطنطينية للضربات المتلاحقة ، وقد لعبت الجغرافيا التاريخية دورها مرة أخرى عندما انتقلت مراكز الثقل في العالم الإسلامي لهذه الدول تباعا ، ففي البداية قامت الدعوة العباسية في خراسان تحت حماية الجيوش الفارسية وفقدت الدولة الإسلامية نظامها السياسي ذي الطابع البدوي القبائلي الذي كان موجودا في العهد الأموي وتحول إلى نظام (كسروي) حيث طبقة الوزراء الفرس (البرامكة وغيرهم) حتى إن اسم العاصمة الجديدة (بغداد) فارسي قح ، وعندما ضعفت سطوة الخلفاء صار ملوك إيران (البويهيون الديلم ثم الأتراك السلاجقة) هم المتحكم في الجناح الشرقي للدولة الإسلامية قرابة ثلاثة قرون ، أما الجناح الغربي فقد تمتع بدرجة من الاستقلالية منذ ولاية أحمد بن طولون حيث استعادت مصر مرة أخرى وضعها الطبيعي عندما سيطر الحكام الفاطميون والأيوبيون والمماليك على كل من (النوبة – برقة – اليمن – الحجاز – الشام) وهي الأقاليم التي ظلت تابعة لمصر قرابة ألف عام متصلة (يمكننا أن نطلق عليها دون مبالغة وصف مصر الكبرى) كما لعبت دورا حيويا في التصدي للصليبيين والمغول ثم تمتعت بالسيادة الروحية على العالم الإسلامي عندما انتقل البلاط العباسي إلى القاهرة بعد سقوط بغداد وذلك لمدة ثلاثة قرون دون منافس ، إلا أن موازين القوى في العالم الإسلامي مالت بعد ذلك لصالح الأتراك العثمانيين بعد فتح القسطنطينية والتوغل في البلقان حيث خرجت جيوشها لتطيح بالدولة الصفوية في إيران والمملوكية في مصر وينفرد الباب العالي بالسيادة على العالم الإسلامي قرابة القرون الثلاثة ..

مصر الامبراطورية في العصر الحديث

في العصر الحديث تنافست الدول الثلاث مصر وإيران وتركيا على السيادة الإقليمية ودارت بينها الحروب وأهمها حروب محمد علي التي استعاد بها مكانة مصر الامبراطورية وتحدى الآستانة في عقر دارها حيث استولى على كامل بلاد الشام وأعالي الفرات وبرقة والسودان فضلا عن الجزيرة العربية ثم توغل في الأناضول وصارت جيوشه قاب قوسين أو أدنى من احتلال الباب العالي .. وفي العهد الجمهوري لعبت مصر الدور الأكبر في المنطقة على المستوى السياسي والعسكري بقيادتها حركات التحرر الوطني ودور الفاعل في في مواجهة حلف بغداد (والذي ضم إيران وتركيا) ، ورغم تبدل الأنظمة السياسية في الدول الثلاث على مدار مائتي عام إلا أن التنافس المكتوم والمكايدة السياسية كانت حاضرة بين الدول الثلاث في مواقف مختلفة .. وقد حاولت دول أخرى في المنطقة أن تلعب أدوارا سياسية مثل هذه الدول الثلاث لكنها تفشل في النهاية (مثل إسرائيل) لأنها دولة حديثة النشأة تعتمد على دعم خارجي في الحماية والتسليح ويمكنها أن تنهار وتختفي من على الخريطة وتحل محلها دولة أخرى بمسميات مغايرة .. لكن تظل الدول الكبرى الثلاث قائمة راسخة حيث تتبدل فيها الأنظمة فقط بينما تظل محافظة على حدودها الأولى وأقصى خسارة قد تلحقها هي فقدانها لدائرة تأثيرها السياسي أو تستقطع منها أقاليم خارج أرضها الأصلية كانت تحتلها في يوم ما .. وتسعى كل دولة لبسط نفوذها في دائرة تأثيرها الطبيعية حيث تحاول إيران جمع الشعوب الآرية الشرقية حولها مثل الأفغان والبشتون والطاجيك والأكراد وكذلك تحاول تركيا مع الشعوب الطورانية مثل الآذريين والأوزبك والتركمان والإيغور .. وهو ما يجب أن تفعله مصر في دائرة تأثيرها الطبيعية وأعني بها الوطن العربي ..

مصر الامبراطورية في المستقبل

مكانة مصر الإقليمية قدر حتمي لا مفر منه يفرضه التاريخ والجغرافيا والواقع والسياسة وليست من قبيل أوهام العظمة الكاذبة أو أمنيات التفوق الزائفة ، وفي الفترات القليلة التي نهضت فيها تحولت إلى امبراطورية (في عهد محمد علي وإسماعيل) أو على الأقل كانت من أهم الدول المؤثرة في السياسية الدولية (في عهد عبد الناصر والسادات) ، أما وضعها الحالي فهو استثناء من القاعدة وإن طال مداه الزمني .. ومكانة مصر السياسية والدبلوماسية أيضا يجب أن تصل إلى مرتبة تستحقها البلاد إذ يجب أن تكون على قدم المساواة مع كل من اليابان وألمانيا والهند وهي الدول التي تتطلع إلى نيل العضوية الدائمة في مجلس الأمن حيث يمكن لمصر أن تمثل العرب والأفارقة والعالم الإسلامي ، أما بالنسبة للعرب فهي أكبر الدول العربية سكانا إذ تشكل وحدها ربع الناطقين باللسان العربي وربما تصل إلى نسبة الثلث بعد عقود قليلة وهي بالنسبة للدول العربية واسطة العقد ، وبالنسبة لأفريقيا فهي في منافسة مع ثلاث دول أفريقية هي أثيوبيا ونيجيريا وجنوب أفريقيا بل تتفوق عليهم بامتلاكها دائرة تأثير طبيعية في شمال وشرق أفريقيا وفي دول حوض النيل كما تتفوق عليهم في الإمكانيات والتاريخ والدور النضالي في مساعدة دول القارة في الماضي القريب ، أما في العالم الإسلامي فهي تتميز عن كل من إيران وتركيا وباكستان وإندونيسيا بعروبتها وأزهرها ومذهبها السني المعتدل .. لكن نهضة مصر مرهونة بالتخلص من أزماتها الاقتصادية الناتجة عن الفساد ثم الخروج من دائرة التبعية السياسية للغرب وتحقيق استقلالها الحقيقي لتكون رأسا برأس مع منافسيها التقليديين في الإقليم تركيا وإيران حيث يزداد نفوذهما في المنطقة فقط عندما تغيب مصر ..

اللغة العربية والهوية المصرية

اللغات الخمس الكبرى في العالم

اللغة العربية هي إحدى اللغات الخمس الكبرى من حيث عدد المتكلمين بها كلغة أصلية حيث يأتي ترتيبها بعد كل من الصينية والهندية والإنجليزية والأسبانية (تضعها بعض الإحصائيات السكانية في المركز الرابع بفارق طفيف) ثم يأتي بعدهم جميعا في الترتيب كلا من اللغات الروسية والألمانية والبنغالية والبرتغالية والفرنسية ، واللغات الخمس الكبرى يتحدث بها مئات الملايين من البشر وهو رقم ضخم في عالم متنوع اللغات والأعراق والثقافات وهذا الأمر نابع من ظروف تاريخية محددة هي التي أدت إلى انتشار كل لغة منها في رقعة جغرافية شاسعة بالإضافة إلى تميز اللغة نفسها وقدرتها على التأقلم مع هذه الظروف التاريخية وامتلاكها القدرة الفعلية على تلبية احتياجات الناطقين بها وهو ما يترجم عمليا بظهور اللهجات المتعددة داخل اللغة الواحدة ، ففي أقصى الشرق تطورت الماندرين من اللغة الصينية القديمة وتطورت الهندية من السنسكريتية القديمة وكلاهما يعبر عن حضارات الشرق العريقة والمتصلة ثقافيا من الماضي البعيد وحتى العصر الحديث وإن كانت الصينية حافظت على قدر كبير من العزلة بينما تعرضت الهندية لمؤثرات حضارية متنوعة ظهر أثرها في اللهجة الأوردية التي تضم مفردات عربية وفارسية ، وفي الغرب لعبت الكشوف الجغرافية واستعمار العالم الجديد دورا كبيرا في انتشار الإنجليزية في أمريكا الشمالية وأستراليا وانتشار الأسبانية في أمريكا اللاتينية ، ولم تكن اللغة العربية بمعزل عن هذا المسار حيث كان انتشارها قرين الفتوحات الإسلامية في القرن السابع الميلادي لكنها توقفت على حدود الوطن العربي ولم تتعداه إلى خارجه أي أنها لم ترافق انتشار الدين الإسلامي الذي وصل إلى مشارف الهند والصين وجنوب شرق آسيا وأفريقيا المدارية الغربية فضلا عن وسط آسيا وفارس والأناضول والقوقاز.

اللغة العربية واللغات الأفرو آسيوية

من الملاحظ أن منطقة انتشار اللغة العربية هي نفسها منطقة انتشار اللغات الأفروآسيوية التاريخية وهو ما يعني أن التغيير الذي حدث في أعقاب الفتوحات الإسلامية هو عبارة عن إعادة انتشار داخل منطقة هذه المجموعة اللغوية الكبرى بحيث إن إحدى لغاتها قامت بعملية إحلال بدلا من بقية فروع المجموعة التي اندثرت أو ذابت في هذا الفرع المنطلق بسرعة الصاروخ ، ويؤكد ذلك أن العربية لم تستطع الوصول إلى المناطق المتاخمة للوطن العربي مثل فارس والأناضول وأفريقيا المدارية حيث اصطدمت بحاجز لغوي صلب من لغات لا تمت لها بأدنى صلة مثل الفارسية والكردية في إيران والإغريقية ثم التركية في الأناضول رغم دخول الإسلام فيهما في نفس الوقت الذي دخل فيه إلى مصر والشام كما اصطدمت اللغة العربية بحاجز كبير من اللغات الأفريقية النيلو صحراوية والكونجونيجيرية رغم وجود الإسلام في تلك المناطق في وقت قريب من دخوله إلى شمال أفريقيا ، ومن المؤكد أن نجاح انتشار اللغة العربية كان نابعا من قدرتها الفائقة على تلبية احتياجات المتكلمين بها وقدرتها على التكيف مع متغيرات الزمان والمكان ويرجع ذلك في المقام الأول إلى كونها لغة خليطة تكونت من اندماج عدد من اللهجات الأفروآسيوية وهو الأمر الذي جعلها من أغنى اللغات في المفردات والتي تجعل قوتها التعبيرية فائقة بل إنها تمكنت بسهولة من استيعاب ألفاظ من خارج المجموعة الأفروآسيوية مثل اللغات الهندوأوروبية المجاورة لها في فارس والأناضول ، ولا زالت اللغة العربية تحتوي بالفعل على ألفاظ دخلتها من لغات أقدم منها مثل الفارسية واليونانية والرومانية فضلا عن لغات المنطقة مثل العبرانية والآرامية والقبطية وغيرها كما انتقلت مئات الألفاظ العربية إلى اللغات الأوروبية بفعل الاحتكاك التجاري والحربي لمئات الأعوام.

غزارة اللغة العربية وتنوع مفرداتها

مثل كل اللغات الكبرى فإن اللغة العربية تحوي عددا كبيرا من اللهجات الفرعية تتناسب مع اتساعها الجغرافي حيث كانت هذه اللهجات نتاج تلاقح بين العربية الفصحى وبين اللهجات واللغات المحلية الأقدم منها وهو الأمر الذي صنع هذا التنوع الهائل في المفردات والصيغ التعبيرية واللكنات الصوتية بدرجة تتناسب مع متطلبات الأقاليم المختلفة وطبيعة الحياة فيها ، هذا التنوع في اللهجات الحالية والأصول القديمة جعل اللغة العربية من أكثر اللغات ثراءا في الألفاظ والمترادفات حيث ترى الكلمة الواحدة يعبر عنها بأكثر من لفظ وكذلك تعدد الأسماء لذات المسمى مما جعلها اللغة الأولى على مستوى العالم في الجذور اللغوية وفي الألفاظ والكلمات أيضا (أكثر من 12 مليون كلمة) ، واللغة العربية من أغزر اللغات من حيث المادة اللغوية فعلى سبيل المثال يحوي معجم لسان العرب لابن منظور من القرن الثالث عشر أكثر من 80 ألف مادة بينما في اللغة الإنجليزية فإن قاموس صموئيل جونسون وهو من أوائل من وضع قاموساً إنجليزياً من القرن الثامن عشر يحتوي على 42 ألف كلمة ، وقد كانت العربية الفصحى إحدى لهجات اللغة في وقت ما ثم صارت اللهجة القياسية لأنها منذ القدم كانت متركزة في الحجاز الذي كان متحضرا عن سائر مناطق الجزيرة العربية مما جعله مركزا لريادة الحياة الدينية والأدبية ومقصدا للنشاط التجاري والاقتصادي حيث جاءت هذه اللهجة من اختلاط قبيلة قريش الوافدة مع القبائل المحلية التي تنتمي للسكان الأصليين للحجاز وأهمهم خزاعة وهذيل وثقيف والتي وصفت لهجاتها منذ القدم بأنها أفصح لهجات العرب لهذا صارت هذه اللهجة هي اللهجة القياسية قبل ظهور الإسلام بمئات الأعوام.

اللغة العربية والهوية

اللغة عموما هي إحدى أهم محددات الهوية لأنها تتعدى النطق المجرد باللسان إلى كونها الأداة الأولى للتفكير والشعور الذاتي أي أنني عندما أقول إنني عربي فهذا لا يعني فقط أن لساني ينطق بالعربية وإنما الحقيقة أنني أفكر بالعربية وأحلم في نومي بالعربية وأتكلم مع نفسي بالعربية وأكتب معبرا عن آرائي ومشاعري بالعربية ، ولا يوجد أي تعارض بين الانتماء للقومية المصرية وبين الانتساب للعروبة بل العكس هو الصحيح لأن (الهوية اللغوية) للقومية المصرية هي العربية أي أنني (مصري الانتماء عربي اللسان) واللسان هنا يشمل التفكير والتعبير بل والمزاج العام والوجدان الجمعي أيضا ، واللغة هي وسيلة التواصل الأولى مع العالم من حولنا وعندما أتقابل كمصري مع غيري من العرب في أكثر من 22 دولة تتحدث نفس لغتي وأستطيع فهمهم بسهولة فإن الحياة تصبح سهلة ميسورة ولا يدرك ذلك إلا من جرب المعيشة في دولة عربية وأخرى غير ذلك لأنه عندما تكون اللغة التي أتكلم بها مشتركة مع الملايين من أقطار أخرى فإنه بالطبع أفضل كثيرا من أن تكون لي لغة مقتصرة على بلدي وحدها ولا ينطق بها غيرها فيصبح مصيرنا هو العزلة وهو الأمر الذي حدث مع بلاد عديدة ، وكل اللغات الكبرى في العالم عابرة للدول بل والقارات لأنها بالتأكيد وليدة نهضة حضارية في مرحلة ما من مراحل التاريخ وأيا كانت الظروف الماضية التي تسببت في عروبة مصر فإن ذلك قد أصبح أمرا واقعا بل إنه قد بات من المستحيل الفصل بين العروبة ومصر لأنها صارت قلب العالم العربي ومركز الثقل السكاني والحضاري فيه إذ لا يمكن لشعب يشكل ربع العرب أن ينكر هذا الانتماء أو ينخلع منه فهذا جائز مع الدول العربية الصغيرة أو الطرفية أو ثنائية القومية أو قليلة العدد لكنه غير قابل للحدوث في الحالة المصرية بأي حالة من الأحوال.