
51 / يوميات نائب في الأرياف
إذا كان الشعر هو ديوان العرب فإن الرواية هي مرآة العصر خاصة إذا كان الروائي مشتبكا مع واقعه السياسي والاجتماعي ولديه مهارة التعبير عن مكنون نفسه بصور متنوعة وأساليب شيقة جذابة ، وهو ما ينطبق على رائد الرواية العربية في مصر الأديب الكبير توفيق الحكيم الذي ولد بالإسكندرية عام 1898 م وتوفي بالقاهرة عام 1987 م وعاش حياة مليئة بالتجارب الإنسانية تقاطعت من تاريخ مصر وما مرت به من أحداث جسام في القرن العشرين.
ويظهر ذلك في معظم أعماله الأدبية حيث المؤلف نفسه هو شريف وكيل النيابة في رواية (يوميات نائب في الأرياف) حيث يرصد لنا بأسلوب ساخر طريقة تطبيق العدالة الصورية أثناء عمله في السلك القضائي بالإضافة إلى نقد الأوضاع السياسية القائمة في تلك الفترة (الثلاثينيات) ، وفي المسرحية القصيرة (أمام شباك التذاكر) يحكي عن قصة حب بين البطل وفتاة فرنسية كانت تعمل في شباك التذاكر في باريس وهي تجربة حقيقية مر بها المؤلف في شبابه.
وفي روايته (عودة الروح) يتحول المؤلف إلى محسن الفتى القادم من أرياف البحيرة إلى القاهرة ويشارك مع أعمامه في ثورة 19 ويدخل السجن وهي الرواية التي اعتبرها جمال عبد الناصر ملهمة له حيث بشرت بالبطل المنتظر الذي يخرج من بين الناس ويعيد الروح إلى مصر ، وفي مسرحية (عصفور من الشرق) يكمل البطل محسن رحلته إلى فرنسا والتي هي في حقيقتها سرد لبعثة المؤلف الدراسية ورؤيته الفلسفية لأوجه الالتقاء والاختلاف بين الشرق والغرب.
وهو أيضا مهتم بدراسة التغيير والانتقال الذي يحدث في المجتمعات من عصر إلى عصر وعلاقة ذلك بمفاهيم الحرية والعدالة مثل مسرحيته (أهل الكهف) التي تخيل فيها رجوع النائمين ودهشتهم مما لاقوه بعد السبات الطويل ، وفي مسرحية (الأيدي الناعمة) يتناول قصة شوكت البرنس المفلس الذي يبحث عن عمل بعد مصادرة أمواله وصديقه الدكتور حمودة الحاصل على الدكتوراه في حرف الجر حتى وذلك في نقد اجتماعي ساخر يعبر عن روح المؤلف المرحة.
أما الخيال الجديد عنده فكان اتخاذه للحمار صديقا له ونديما في الحوار على مدى أعمال عديدة حتى اشتهر به فقيل (حمار الحكيم) ومن ذلك : حماري الفيلسوف ، حماري ومؤتمر الصلح ، حماري قال لي ، الحمير (وتضم مسرحيات : الحمار يفكر – الحمار يؤلف – سوق الحمير – حصص الحبوب) ، كما كتب أعمالا تحمل في طياتها نقدا مبطنا للسلطة مثل السلطان الحائر وبنك القلق وكتب عملا مشتركا مع الدكتور طه حسين هو القصر المسحور.
وقد حققت أعماله نجاحا كبيرا عند ظهورها ولفتت نظر الأدباء والنقاد وترجمت لأكثر من لغة حتى صار كاتبا عالميا وهو في شبابه وعرف بلقب (عدو المرأة) بسبب انتقاداته للحركات النسوية ومهاجمته أسلوب هدى شعراوي في تشكيل عقلية المرأة المصرية ، وقد اتخذ لنفسه غطاء رأس مميز وهو البيريه الأسود والذي خلق له صورة ذهنية للأديب المتأمل خاصة مع العصا والنظارة بعد تقدمه بالعمر حتى صار من أيقونات الفكر والثقافة في مصر.
وكان سبب ذلك دعوته إلى خلع الطربوش رمز التبعية العثمانية والذي لا يوفر دفئًا في شتاء ولا يقي من الشمس في الصيف حسب قوله وخاض في ذلك معركة صحفية قال عنها : ” وجاءت الثلاثينيات فتجدَّدت الدعوة وكنت أنا طرفًا فيها وكثر الجدال على صفحات الجرائد بيني وبين رئيس تحرير جريدة المقطم المحافِظة خليل ثابت وانتهى الأمر بأن خلعت أنا وحدي الطربوش ولبست البيريه لقربه من الطاقية وثَبَتُّ عليه حتى اليوم ورأيته يعلو الكثير من الرءوس “.
وتكاد تكون أعماله كلها صدى لرحلة حياته العائلية والأدبية والمهنية حيث كان والده إسماعيل الحكيم ينحدر من عائلة من أثرياء الريف وعمل في سلك القضاء في مدينة الدلنجات بالبحيرة ووالدته كانت من أسرة أرستقراطية وابنة ضابط تركي متقاعد ، تلقى تعليمه الابتدائي في دمنهور ثم أكمل تعليمه الثانوي بالقاهرة حيث شارك مع أعمامه في مظاهرات ثورة 19 وقبض عليهم واعتقلوا بسجن القلعة إلا أن والده استطاع نقله إلى المستشفى العسكري إلى أن أفرج عنه.
تخرج من كلية الحقوق عام 1925 م وسافر في بعثة دراسية إلى فرنسا لمدة ثلاث سنوات وذلك للحصول على الدكتوراه في القانون لكنه لم يوفق في ذلك لأنه انشغل هناك بعالم الأدب والثقافة والمتاحف والسينما والمسرح ، وفي عام 1930 م عين وكيلا للنائب العام في المحاكم المختلطة بالإسكندرية ثم في المحاكم الأهلية وفي سنة 1934 م انتقل إلى وزارة المعارف ليعمل مفتشاً للتحقيقات ثم نقل مديراً لإدارة الموسيقى والمسرح بالوزارة عام 1937 م.
وعمل بعدها في مناصب متعددة عبر سنين حياته الطويلة منها مدير مصلحة الإرشاد الاجتماعي بوزارة الشؤون الاجتماعية ومدير دار الكتب المصرية وعضو مجمع اللغة العربية وعضو متفرغ في المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب بدرجة وكيل وزارة ومندوب مصر بمنظمة اليونسكو في باريس ومستشار بجريدة الأهرام ثم عضو مجلس إدارتها ، وهو حاصل على قلادة الجمهورية وجائزة الدولة التقديرية في الآداب ووسام العلوم والفنون من الدرجة الأولى.
وهو رائد المسرح الذهني الذي يقتصر على مرحلة الكتابة ولا يتم تمثيله على خشبة المسرح فهو أقرب للفن القصصي في هيئة حوارية يترك فيها المجال لخيال القارىء ، ويتحدث هو عن ذلك قائلا : ” إني اليوم أقيم مسرحي داخل الذهن وأجعل الممثلين أفكارا تتحرك في المطلق من المعاني مرتدية أثواب الرموز لهذا اتسعت الهوة بيني وبين خشبة المسرح ولم أجد قنطرة تنقل مثل هذه الأعمال إلى الناس غير المطبعة “.
وعرف الحكيم بمناصرته ثورة يوليو وقراراتها وتأييد زعامة عبد الناصر على مدار فترة حكمه وكتب في رثائه : اعذرني يا جمال القلم يرتعش في يدي ليس من عادتي الكتابة والألم يلجم العقل ويذهل الفكر لن أستطيع الإطالة لقد دخل الحزن كل بيت تفجعا عليك لأن كل بيت فيه قطعة منك لأن كل فرد قد وضع من قلبه لبنة في صرح بنائك ، إلا أنه قام بإعادة تقييم موقفه من خلال كتاب (عودة الوعي) الذي صدر في السبعينات وبدا من العنوان أنه رد على كتابه عودة الروح ، كما كان له دور وقتها في كتابه بيان المثقفين المؤيد للحركة الطلابية مما أغضب السادات وتسببت في جفوة مؤقتة معه.
وقد كتب عن ذلك في كتابه هذا فقال : ” لقد ذكرتُ أن عبد الناصر أهدى إليَّ كتابه فلسفة الثورة عند صدوره لقد كان بالإهداء عبارة أشار فيها إلى كتاب (عودة الروح) مطالبًا بعودةٍ لروحٍ أخرى في عهد الثورة ، ولم يَدُرْ بخلَدي وقتئذٍ أنَّ ما سوف تحتاج إليه مصر بعد عشرين سنة من عمر الثورة ليس عودة الروح ولكن عودة الوعي وهو كتاب لن أكتبه أنا لا لأن شيخوختي وضعف صحتي هما وحدهما السبب بل لأن موقفي من الثورة منذ البداية كان الحب لها والأمل فيها والتسامح معها كما ذكرتُ في هذه الصفحات إلى أن صدمتني هزيمة 1967 م وتكشَّفت لي خطورة مساوئها “.
ولا يختلف موقفه السياسي عن الخط العام الذي سار عليه في النقد الاجتماعي عبر أعماله كلها حيث يتضح ذلك في رواية يوميات نائب في الأرياف والتي تحدث فيها عن تأثير الفساد السياسي على حياة البسطاء كما رصد تزوير الانتخابات (وهو الأمر الموجود من يومها واستمر طوال العصر الجمهوري) وذلك على لسان المأمور وهو يقول للبطل :
” تصدق بالله ؟ أنا مأمور مركز بالشرف أنا مش مأمور من المآمير اللي انت عارفهم أنا لا عمري أتدخل في انتخابات ولا عمري أضغط على حرية الأهالي في الانتخابات ولا عمري قلت انتخبوا هذا وأسقطوا هذا أبدًا أبدًا أبدًا أنا مبدئي ترك الناس أحرارًا تنتخب كما تشاء .. دي دايمًا طريقتي في الانتخابات الحرية المُطلَقة أترك الناس تنتخب على كيفها لغاية ما تتم عملية الانتخابات وبعدين أقوم بكل بساطة شايل صندوق الأصوات وارميه في الترعة واروح واضع مطرحه الصندوق اللي احنا موضبينه على مهلنا “.
ويرصد فيها أيضا علاقة الفلاح بالسلطة من خلال بحثه في قضية مقتل قمر الدولة علوان وتأثره بالموال الشعبي الذي كان يردده الشيخ عصفور المجذوب ويحمل في طياته حل لغز القضية والتي انتهت بشكل بيروقراطي بالحفظ والتقييد ضد مجهول ، ونقل لنا كلمات الموال المعبر عن التراث المصري وهي : أنا كنت صياد وصيد السمك غِيَّة .. نزلت بحر السمك أصطاد لي بنيَّة .. وعجبني شكل السمك في البحر حواليَّه .. واحدة بياض شفتشي والتانية بُلطيَّة .. والتالتة من بدعها سحرت مراكبية ، ثم في آخر الرواية تتغير الأغنية لتصبح : ورمش عينها يا ناس يفرش على الميَّة .. واحدة بياض شفتشي والتانية بلطية .. والتالتة من بدعها غرَّقها في الميَّة.
ويتحدث في موضع آخر عن التداخل بين السياسة والإدارة في مصر وقتها فيقول : ” وكنت قد اتصلت تليفونيًّا بالمركز عقب قراءتي ذلك الخطاب لأخطر المأمور فقيل لي إن المأمور ركب ومضى إلى اجتماع خطير معقود في المديرية برياسة المدير ، وحضر إليَّ للفور المعاون يقول : سعادتك اطلعت طبعًا على جرائد المساء ؟ ، ـ أبدا ، ـ في البلد أزمة وزارية ، فأدركت في الحال سر اجتماع المديرية وعلمت أن رجال الإدارة منذ الساعة لن يكون لهم عقل ولا فكر في غير تنسُّم هوى الوزارة الجديدة حتى يعدُّوا أنفسهم للميل معها كما مالوا مع غيرها وهذا الميل يبدو أكثر ما يبدو في التجهم السريع للعُمَد والأعيان الموالين للوزارة الآفلة والابتسام الوديع لأنصار الوزارة المقبلة ، ولم أبدِ أيَّة ملاحظة للمعاون فأنا رجل قضاء لا ينبغي لي الكلام في السياسة ومهما تغيَّرت الوزارات والأحزاب فإن القانون هو القانون “.
ويحكي عن موقف أثار دهشته في الريف يرصد فيه احتفال الأهالي بنقل سلطة العمودية فقال : ” أطللت من نافذة السيارة فإذا أنا أمام منظر لم أفهمه أول الأمر ورأيت شيخ الخفر ووكيله وبعض الخفراء يحملون شيئًا في أيديهم ومن حولهم جموع الرجال والنساء والصبيان يهللون ويكبرون والنساء يزغردن كما يفعلن في الأفراح وفي أيديهن الدفوف يضربن عليها ، وتأملت جيدًا ما يحملونه وتأمَّل معي الطبيب الشرعي دهشًا فرأينا آلة تليفون حكومية من طراز تليفونات المراكز فصاح الطبيب في عجب : التليفون له زفة كأنها زفة عروسة !
ومر بقربنا خفير نظامي فأشرت إليه فاقترب وسألته عن الخبر فأجابني أنه قد صدر اليوم أمر برفت العمدة الحالي وتعيين آخر مكانه من الأسرة المنافسة في القرية ففهمنا كل شيء ومال عليَّ الطبيب يقول ضاحكًا : يظهر أن تليفون الحكومة عند العمدة في مقام الصولجان.
هذا صحيح فيما أرى إنه مظهر السلطة والحكم وأداة الاتصال بالحكومة وإن خلعه من دار العمدة (المخلوع) إنما هو رمز زوال السلطة وإن هذا العويل المرتفع من دوار العمدة القديم وهذا البكاء الذي يشيع به التليفون الخارج من بيته لدليل على فداحة المصيبة ، وهذه المصيبة ككل مصيبة لها وجهها الآخر الباسم يطل على ناحية أخرى وإن دار العمدة الجديد الذي يستقبل التليفون الداخل عليه بالزغاريد والدفوف لدليل أيضًا على مبلغ السعادة والهناء ، هنا (الرمز) كذلك في شكل تليفون من الصلب والخشب قد لعب دورًا مهمًّا على مسرح هذه القرية الوادعة.
وانطلقت بنا السيارة والطبيب صامت في بعض الطريق وأخيرًا التفت إليَّ وقال : يظهر أن العمدة الجديد من محاسيب الوزارة الجديدة ، فقلت له : إن هذه القرية ككل قرية اليوم في مصر بها عائلتان قويتان أو أكثر تتنافس في العُمُدية وكلٌّ منها ينتمي إلى حزب من الأحزاب التي تتنازع الحكم ولماذا تريد أن يكون الحال في القرية غيره في الدولة ؟ وهل القرية إلا مصغر الدولة ؟ “.
وقد كتب النقاد الأوروبيون عن الرواية ومنها ما نشر في جريد ماريان الفرنسية عام 1939 م على لسان رمون فرنانديز الذي يقول : ” إنها صورة حية ساخرة قاسية أحيانًا لدنيا الريف المصري ، وإن هذه الدنيا لَتتحرك في صفحات هذا الكتاب في حيوية مدهشة تجعل القارئ ينسى أحيانًا المقاصد الإصلاحية التي حركت توفيق الحكيم .. فإن الذي يعلَق بذاكرة القارئ هو قوة السرد والخلق والإبراز والصدق ودقة الملاحظة والقدرة في إدارة القصة على أن توفيق الحكيم إنما يكتب ليحتج وينقد ويتهم “.
وفي جريدة فرنسس الستراسيون كتب الفرنسي أندريه روسو عام 1950 م قائلا : ” هو ديكنز وادي النيل بل هو كورتلين أيضًا لأن روح الفكاهة في تصوير مجالس القضاء تجدها عنده كثيرة بطريقة منوعة .. فالكتاب مليء بالصور المرسومة بريشة السخرية والمأساة فيه رابضة في جو مفعم بالأسرار ، على أن الأشخاص الشعبيين ومَن يعيش في محيطهم من آدميين هم الذين عنيَ المؤلف بخلقهم خلقًا نابضًا مؤثرًا .. إن كورتلين المصري وهو ـ والحق يقال ـ أعمق شاعرية من كاتبنا الفرنسي يثور لهذه الفوضى التي نتجت في الريف المصري وإن توفيق الحكيم قد استخرج من كل ذلك الحجج التي تحتم الإصلاح ، وهذه ليست كل صفات هذا الكاتب الذي يعتبر ممثلًا لأدب مصر المعاصرة “.
وفي صحيفة سبكتاتور الإنجليزية كتب د. س. سافاج ام 1947 م قائلا : ” يوميات نائب في الأرياف تُرينا الفقر والظلم في الريف المصري وما يلقاه أبناؤه من عنت وعسف من جانب الإدارة بسبب تطبيق نظم لم تراعِ عند وضعها أحوالهم وظروفهم صيغت في قالب ذكريات موظف حكومي مصري يعمل في سلك القضاء ، إن المرارة والسخرية التي رسم بهما توفيق الحكيم هذه الصور لا يُمكن أن تُنسى “.
وفي صحيفة ذي لسنر الإنجليزية كتب ب. ﻫ. نيوباي عام 1947 م أيضا فقال : ” يعتبر توفيق الحكيم أكبر الروائيين المصريين الأحياء ، ويوميات نائب في الأرياف هو أول كتبه التي نُقلت ونُشرت في اللغة الإنجليزية ، ما أعجب وأصدق كل هذا الذي في الكتاب !
إنها المهزلة الخالدة التي تصوِّر فساد الإدارة الحكومية وعجز النظم الإدارية عن تحقيق العدالة بين جموع الفلاحين ، إن تصوير توفيق الحكيم لرجال الإدارة وانشغالهم بالحملة الانتخابية عن واجبهم لَينطوي على أكثر من مجرد الاستنكار وإن في تصويره للعبث بالجثث لَأكثر من مجرد الاحتجاج ، وكما حدث في القرن التاسع عشر مع الكُتَّاب الروس وكما حدث مع كاتبنا الإنجليزي ديكنز يشعر الأديب مرهف الحس وسط الاضطراب وفي أجواء الظلم أن الشفقة على المظلومين لا تكفي وأن الغضب على الظالمين لا يجدي فيتخذ من السخرية اللاذعة سلاحًا لتحقيق ما يهدف إليه من التنبيه والتحذير والإصلاح ، وقد كان توفيق الحكيم في هذه الناحية رائعًا فقد زخر كتابه بالسخرية اللاذعة ولكنها سخرية اتخذ منها سلاحًا للهجوم “.
وتحت عنوان (نائب في ريف مصر) علَّق الكاتب الصحفي الفرنسي المشهور جان لاكوثور على الطبعة الأخيرة من الترجمة الفرنسية ﻟيوميات نائب في الأرياف في باريس في مقال نشرته صحيفة الموند بتاريخ ١٥ يناير ١٩٧٥م قال : في توفيق الحكيم يتغلب الكاتب القصصي والشاهد قوي الملاحظة خفيف الروح مع أقدم مدنية قامت على الزراعة والكتاب هو تحفته التي أخرجتها دار مصرية للنشر منذ ثلاثين عامًا يقدمه جاستون ويت وسليم حسن في الثوب الأنيق المعهود وبعنوان يوميات نائب في الأرياف لكن بعد شيء من التعديل ، لست أدري لماذا ؟!
على أن مدير النشر جان مالوري كان موفقًا تمامًا عندما نشره في مجموعة الإنسانيات ليجاور توفيق الحكيم خلاصة الكُتَّاب الذين كتبوا في هذا المجال فالكتاب هو قبل كل شيء وثيقة أنثروبولوجية عظيمة وصورة من أكثر الصور أمانة وأبلغها تأثيرًا لمجتمع القرية في مصر بسيئاته ومباهجه بحماقاته وروح التكافل التي تثير الإعجاب فيه خلافاته وتماسكه وإخلاصه لكل هذه السمات فيه من زمن بعيد.
ولأن توفيق الحكيم متفائل في سخريته ولأن مصريته من العمق بحيث يمكنه أن يجد في أقسى صور الشقاء أسبابًا للضحك فإن يومياته هذه يمكن أن تعتبر من الأدب الفكاهي الممتاز ، إنها تذكرنا بأعمال تشيكوف وجوجول ، تحقيقاته الجنائية من قرية إلى قرية هي مزيج من النكتة وتقطيب الوجه وأحيانًا ضربات العصا روح الفكاهة طبع أصيل والتعليق اللاذع أسرع من رد الطرف ! ، في أغوار شقائهم يبدأ أولئك الناس البسطاء بالضحك من معذبيهم وقبل أن يتناولوا الحبل الذي سيشنقونهم به ! فإذا ضحكنا معهم ومع المؤلف وطوينا الكتاب فإننا نأخذ نستشعر شحنة الغضب والرفض التي ضمَّنها النائب توفيق وثيقته !
الكتاب مؤلم بما يذكره صراحة وما يترك لك أن تفهمه كذلك المقدمة القصيرة التي كتبها المؤلف لهذه الطبعة الأخيرة (وهو قد كتبه عام 1940 م) وحيث يقول إن شيئًا لم يتغير بعدُ لدرجة تُذكر في ذلك العالم الغارق في الوحل حتى الاختناق ! ، والكتاب هامٌّ جدًّا لأن الكثير في مصر وعن الحقيقة تجده في تلك اليوميات الحية أكثر كثيرًا مما يمكن أن تجده في كتب سياسية تصدر عن ذلك الشعب الفريد في وادي النيل والذي يبدأ عادة بالضحك من مصائبه لكنه في النهاية يجد الوسيلة التي يسترد بها الحياة ! “.

52 / قنديل أم هاشم
أصدق الكتابات الأدبية هي التي يعبر فيها الكاتب عن بيئته ومجتمعه والتجارب الذاتية التي مر بها خاصة ما غرس في العقل الباطن أثناء فترة الطفولة والصبا ومن هذه الأعمال رواية (قنديل أم هاشم) من تأليف رائد القصة القصيرة في مصر الأديب يحيى حقي (1905 ـ 1992 م) ، ويظهر فيها بشكل واضح معالم الحياة في حي السيدة زينب حيث الأجواء الصوفية وارتباط الخرافة بالحياة الاجتماعية والتمسك بأهداب العادات والتقاليد البالية التي تجاوزها الزمن.
وتبدأ القصة على لسان الراوي الذي يحكي عن عمه الشاب النابه إسماعيل الذي سافر ليتعلم طب العيون في أوروبا وعاد بعد سبع سنوات وقد تغيرت طباعه وعاداته وطريقة تفكيره واصطدم بالمجتمع الذي يصر على علاج المرضى بالوصفات الشعبية ، وكانت قمة المأساة في قيامهم بعلاج عين فاطمة بنت خالته بقطرات من زيت القنديل الموجود في مسجد السيدة زينب بحجة أنه مبارك فاتهمهم بالجهل والتخلف واتهموه بالتنكر للدين ولأهله وبلده.
ويرصد المؤلف فيها الصراع النفسي داخل عقل البطل بين منطقه العلمي وموروث الناس العاطفي حيث يقوم في غمرة الحماس بتكسير القنديل المعلق ويتعرض لغضب المريدين فأثخنوه ضربا حتى لزم بعدها الفراش ، وأصابه اليأس لأن عين فاطمة لا تستجيب للعلاج الطبي الذي وصفه لها وأدرك أن هناك سر وراء ذلك حيث هداه تفكيره في لحظة تنوير إلى مجاراة الناس فوضع العلاج الطبي داخل زجاجة زيت القنديل وأعطاه لها فتحسنت حالتها.
وتحمل القصة دلالة رمزية حيث الفتاة الأوروبية ماري (رمز الغرب) قد أعطته كل شيء وقضت معه أوقاتا سعيدة لكنها رفضته في النهاية بينما هو لا يحب فاطمة (رمز الشرق) لكنه تزوجها في النهاية وقد أدرك أن الحياة لها وجهان أحدهما علمي صارم والآخر عاطفي نفساني ، أما قصة البوسطجي فقد استوحاها من تجربته الشخصية أثناء عمله موظفا حكوميا في الصعيد ورصد فيها الة المرأة وقضايا الشرف في ظل العادات والتقاليد الحاكمة هناك.
وقد تأثر الكاتب بالطبع من بيئته المحلية وجذوره العائلية حيث نشأ في بيت صغير من بيوت وزارة الأوقاف المصرية بمنطقة درب الميضة التي تقع خلف المقام الزينبي في حي السيدة زينب بالقاهرة ، وهو ينتمي لأسرة تركية مسلمة متوسطة الحال غنية بثقافتها ومعارفها هاجرت من الأناضول وأقامت فترة في شبه جزيرة المورة ثم نزح منها جده إبراهيم حقي في أوائل القرن التاسع عشر وتوفي في مصر عام 1890 م.
وكانت خالته السيدة حفيظة المورالية (خازندارة) بقصور الخديوي إسماعيل فتمكنت من تعيين قريبها الوافد في خدمة الحكومة فاشتغل زمناً في دمياط ثم تدرج في الوظائف حتى أصبح مديرًا لمصلحة في بندر المحمودية بالبحيرة ثم وكيلًا لمديرية البحيرة ، وقد كون أسرة تركية مصرية فأنجب ثلاثة أبناء هم على الترتيب محمد (والد يحيى حقي) وكامل حقي ومحمود طاهر حقي (وهو أديب معروف وصاحب رواية عذراء دنشواي)
ثم عمل محمد حقي موظفا بنظارة الأوقاف وتزوج من سيدة هانم حسين التي تنتمي إلى أب تركي وأم ألبانية وقد التقى بأسرتها أثناء عمله في بندر المحمودية وعمل أكبر أبنائه إبراهيم حقي في الخاصة الملكية ثم انتقل بعدها إلى شركة فيلبس ، وعمل أخوه إسماعيل حقي بالتدريس أما أخوه زكريا حقي فقد درس الطب وعمل مديرًا بإحدى مصالح وزارة الصحة وأما أصغرهم موسى حقي فقد تخرج في كلية التجارة وعمل في وظيفة بإحدى المؤسسات السينمائية.
تلقى يحيى حقي تعليمه الأوليَّ في كُتَّاب السيدة زينب وبعد أن انتقلت الأسرة إلى حي الخليفة التحق سنة 1912 م بمدرسة (والدة عباس باشا الأول) الابتدائية بحي الصليبية حيث حصل على الشهادة الابتدائية عام 1917 م ، فالتحق بالمدرسة السيوفية ثم المدرسة الإلهامية الثانوية بنباقادن حتى نال شهادة الكفاءة عام 1920 م ، ثم التحق بالمدرسة السعيدية ثم المدرسة الخديوية التي حصل منها على شهادة البكالوريا وكان من أوائل المتفوقين فيها.
التحق بعدها بمدرسة الحقوق السلطانية العليا في جامعة فؤاد الأول وكانت وقتئذٍ لا تقبل سوى المتفوقين وتدقق في اختيارهم وحصل على الليسانس عام 1925 م حيث عمل بالمحاماة لمدة عامين في القاهرة والإسكندرية والبحيرة ، وفي عام 1927 م عمل في وظيفة معاون إدارة في منفلوط لمدة عامين ثم التحق بوزارة الخارجية حيث عمل في وظيفة أمين المحفوظات بالقنصلية المصرية في جدة لمدة عام ثم إسطنبول لمدة أربع سنوات ثم روما لمدة خمسة أعوام.
وعندما نشبت الحرب عام 1939 م عاد إلى القاهرة وعين سكرتيرًا ثالثًا في الإدارة الاقتصادية بوزارة الخارجية ثم تزوج في عام 1942 م من ابنة الأستاذ عبد اللطيف سعودي المحامي النسابة عضو مجلس النواب بالفيوم إلا أنها توفيت بعد ولادة ابنته الوحيدة ، واستمر بالوزارة عشر سنوات رقي خلالها حتى درجة سكرتير أول ثم مدير مكتب الوزير ثم سكرتيرًا أول للسفارة المصرية في باريس ثم مستشارًا في سفارة مصر بأنقرة ثم وزيرًا مفوضًا في ليبيا.
وفي عام 1954 م أُقِيلَ من العمل الدبلوماسي عندما تزوج من الرسَّامة والمثَّالة الفرنسية جان ميري جيهو والتي قضت معه بقية حياته حيث عاد إلى مصر وعين مديرًا عامًا لمصلحة التجارة الداخلية بوزارة التجارة ثم مديرا لمصلحة الفنون ثم مستشارًا لدار الكتب ، وفي عام 1962 م تولى رئيساً تحرير مجلة المجلة المصرية حيث شهدت تحت إدارته نهضة ثقافية وعرفت باسم (مجلة يحيى حقي) وذلك لمدة ثماني سنوات انتهت باعتزاله العمل العام.
وقد جاءت ترجمته وأعماله في كتاب تتمة الأعلام وفيها : ” يحيى حقي يحيى بن محمد بن إبراهيم حقي .. أديب قاص مصري من أم تركية الأب ألبانية الأم ولد بالقاهرة وتعلم بها وتخرج في كلية الحقوق بجامعتها وقرأ أمهات كتب الأدب على الأستاذ محمود شاكر فقوم لسانه وصحح أسلوبه وعباراته ، عمل في المحاماة مدة ثم عين بالقنصلية المصرية في جدة ثم في استانبول فروما ونقل إلى ديوان وزارة الخارجية فكان مديرا لمكتب وزير الخارجية مع عدة وزراء.
ثم عين سكرتيرا لسفارة بلاده في باريس ثم وزيرا مفوضا في ليبيا ثم مستشارا فنيا لدار الكتب المصرية إلى أن استقال فكان رئيسا لتحرير مجلة (المجلة) واختير عضوا بالمجلس الأعلى لرعاية الآداب والفنون ومنح جائزة الدولة التقديرية في الآداب وجائزة الملك فيصل في الأدب العربي ، وله توقيعات مستعارة منها : أبو شنب فضة ، شاكر فضل الله ، عابر سبيل ، قصير.
من مؤلفاته : قنديل أم هاشم ، صح النوم ، خليها على الله (سيرة ذاتية) ، سارق الكحل ، البوسطجي ، ناس في الظل ، مدرسة المسرح ، تراب الميري ، هموم ثقافية ، الطائر الأزرق ، البلطة ، لاعب الشطرنج ، الأب الضليل ، تعال معي إلى الكونسير ، دماء وطين ، أم العواجز ، حقيبة في يد مسافر ، عنتر وجولييت ، الفراش الشاعر ، من فيض الكريم ، كناسة الدكان ، خطرات في النقد ، فجر القصة المصرية ، فكرة فابتسامة ، عطر الأحباب ، يا ليل يا عين ، أنشودة البساطة.
جمع فؤاد دوارة أعمال يحيى حقي ، وللدكتور نعيم عطية (يحيى حقي وعالمية القصة) ولمجموعة من الأساتذة (سبعون شمعة في حياة يحيى حقي) وللدكتور مصطفى حسين (يحيى حقي مبدعا وناقدا) ولصلاح معاطي (وصية صاحب القنديل) ولحميد الإدريسي (دور يحيى حقي في الفن القصصي) رسالة ماجستير “.
وقد تأثر يحيى حقي بعمه الأديب محمود طاهر حقي وكتب عن روايته الشهيرة التي نشرها عام 1906 م بدوافع وطنية تهاجم الإنجليز حيث قال عنها : ” عذراء دنشواي كانت البذرة التي مهدت لمحمد حسين هيكل أن يكتب في سنة 1912 م رواية زينب وجعل حوادثها تجري في الريف وبعض أبطالها من الفلاحين .. عذراء دنشواي تمسكت بأطراف أهداب الواقعية على حين غرقت زينب في رومانسية شاعرية لا تقبل الأضداد “.
وفي الجزء الأخير من القصة يصف المؤلف اللحظة الفارقة التي غيرت مسار الأحداث فيقول : ” وجاء رمضان فما خطر له أن يصوم ، ابتدأ يطيل وقفته في الميدان ويتدبر في الجو في الهواء في المخلوقات في الجمادات كلها شيء جديد لم يكن فيها من قبل كأن الوجود خلع ثوبه القديم واكتسى جديدًا علا الكون جو هدنة بعد قتال عنيف.
يحدث إسماعيل نفسه : لماذا خاب ؟ لقد عاد من أوربا بجعبة كبيرة محشوة بالعلم عندما يتطلع فيها الآن يجدها فارغة ليس لديها على سؤاله جواب هي أمامه خرساء ضئيلة ومع خفّتها فقد رآها ثقلت في يده فجأة.
ودار بعينيه في الميدان وتريثت نظرته على الجموع فاحتملتها وابتدأ يبتسم لبعض النكات والضحكات التي تصل إلى سمعه فتذكره هي والنداءات التي يسمعها بأيام صباه ، ما يظن أن هناك شعبًا كالمصريين حافظ على طابعه وميزته رغم تقلب الحوادث وتغير الحاكمين ، (ابن البلد) يمر أمامه كأنه خارج من صفحات الجبرتي.
اطمأنت نفس إسماعيل وهو يشعر بأن تحت أقدامه أرضًا صلبة ، ليس أمامه جموع من أشخاص فرادى بل شعب يربطه رباط واحد هو نوع من الإيمان ثمرة مصاحبة الزمان والنضج الطويل على ناره وعندئذ بدأت تنطق له الوجوه من جديد بمعان لم يكن يراها من قبل ، هنا وصول فيه طمأنينة وسكينة والسلاح مغمد وهناك نشاط في قلق وحيرة وجلاد لا يزال على أشده والسلاح مسنون ، ولم المقارنة ؟ إن المحب لا يقيس ولا يقارن وإذا دخلت المقارنة من الباب ولى الحب من النافذة.
وحلت ليلة القدر فانتبه لها إسماعيل ففي قلبه لذكراها حنين غريب ربي على إجلالها والإيمان بفضائلها ومنزلتها بين الليالي لا يشعر في ليلة أخرى – حتى ولا ليالى العيد – بمثل ما يشعر به من خشوع وقنوت لله ، هي في ذهنه غرة بيضاء وسط سواد الليالي كم من مرة رفع فيها بصره إلى السماء فبهره من النجوم جمال لا يراها تنطق به بقية العام.
وغاب لحظة عن أفكاره فإذا به ينتبه على صوت شهيق وزفير عميقين يجوبان الميدان هذا هو سيدي العتريس ولا ريب رفع بصره القُبّة في غمرة من ضوء يتأرجح يطوف بها ، انتفض إسماعيل من رأسه إلى أخمص قدميه أين أنت أيها النور الذي غبت عني دهرًا ؟ مرحبًا بك ! لقد زالت الغشاوة التي كانت ترين على قلبي وعيني وفهمت الآن ما كان خافيًا عليّ ، لا علم بلا إيمان إنها لم تكن تؤمن بي إنما إيمانها ببركتك أنت وكرمك ومَنِّك ببركتك أنت يا أم هاشم.
ودخل إسماعيل المقام مطأطئ الرأس فأبصره يرقص عليه ضوء خمسين شمعة زينت جوانبه والشيخ درديري يتناولها واحدة واحدة من فتاة طويلة القامة سمراء اللون جعدة الشعر هي نعيمة ! قد زال انطباق شفتيها وبدت لها أسنان وإن تكلمت فصف من أسنان بيض كاللؤلؤ تكفي النظرة إليها أن تنسي وجود كل قبيح ، لقد صبرت وآمنت فتاب الله عليها وجاءت توفي بنذرها بعد سبع سنوات لم تقنط ولم تثر ولم تفقد الأمل في كرم الله.
أما هو – الشاب المتعلم الذكي المثقف – فقد تكبر وثار وتهجم وهجم وتعالى فسقط ، ورفع إسماعيل بصره فإذا القنديل في مكانه يضيء كالعين المطمئنة التي رأت وأدركت واستقرت ، خيل إليه أن القنديل وهو يضيء يومئ إليه ويبتسم ، وجاءه الشيخ درديري يسأله عن صحته وأخباره فيميل عليه إسماعيل يقول : هذه ليلة مباركة يا شيخ درديري أعطني شيئًا من زيت القنديل ، والله أنت بختك كويس دي ليلة القدر ؟ وليلة الحضرة كمان.
وخرج إسماعيل من الجامع وبيده الزجاجة وهو يقول في نفسه للميدان وأهله : تعالوا جميعًا إليّ ! فيكم من آذاني ومن كذب عليّ ومن غشّني ولكني رغم هذا لا يزال في قلبي مكان لقذارتكم وجهلكم وانحطاطكم فأنتم مني وأنا منكم أنا ابن هذا الحي أنا ابن هذا الميدان لقد جار عليكم الزمان وكلما جار واستبد كان إعزازي لكم أقوى وأشد.
ودخل الدار ونادى فاطمة : تعالى يا فاطمة ! لا تيأسي من الشفاء لقد جئتك ببركة أم هاشم ! ستجلي عنك الداء وتزيح الأذى وترد إليك بصرك فإذا هو حديد ، وشدّ ضفيرتها واستمر يقول : وفوق ذلك سأعلمك كيف تأكلين وتشربين وكيف تجلسين وتلبسين سأجعلك من بني آدم.
وعاد من جديد إلى علمه وطبه يسنده الإيمان لم ييأس عندما وجد الداء متشبثًا قديمًا يجادله بعناد ولا يتزحزح ، ثابر واستمر ولاحت بارقة الأمل ففاطمة تتقدم للشفاء على يديه يومًا بعد يوم وإذا بها تكسب في آخر العلاج ما تأخرته في مبدئه فهي تقفز أدواره الأخيرة قفزًا ، ولما رآها ذات يوم أمامه سليمة في عافية فتش في ذهنه وقلبه عن الدهشة التي كان يخشاها فلم يجدها “.

53 / واإسلاماه
تتعدد المدارس الأدبية في كتابة الرواية العربية فمنها ما يعبر عن التجربة الشخصية للمؤلف بحيث يكون أحد أبطالها أو يعبر عن البيئة التي عايشها أو شاهدها أو تكون فكرتها نابعة من خياله وحده أو متأثرا برواية أجنبية أو سيرة شعبية ، وهناك مدرسة أدبية متأثرة بالتاريخ حيث يكتب المؤلف عمله حول أحداث تاريخية معينة تركت أثرا في وجدانه عند قرائته لها فيعيد صياغتها بأسلوبه ويضفي عليها من إبداعه وأفكاره.
ومن الروايات التاريخية التي حظيت بالتأثير في وجداننا عندما كانت مقررة علينا في المرحلة الإعدادية رواية واإسلاماه من تأليف الأديب علي أحمد باكثير (1910 ـ 1969 م) خاصة بعد تحويلها إلى فيلم سينمائي شهير ، وتتناول وقائع الانتصار للمسلمين على المغول في معركة عين جالوت بقيادة سلطان مصر الملك المظفر سيف الدين قطز المملوكي واتخذ العنوان من صيحة البطل القتالية في الميدان عندما نادى على الجند يستحثهم ويثير حميتهم.
والعقدة الأساسية للرواية هي نسب السلطان حيث كان اسمه الحقيقي هو محمود بن مودود من سلالة الملوك الخوارزميين في آسيا الوسطى والذين سقطت دولتهم على يد جنكيز خان في أول الحروب المغولية ، وهذه الفكرة ليست من خيال المؤلف كما يظن كثير من الناس وإنما هي حقيقة ذكرها عدد من المؤرخين على لسان قطز نفسه ومنهم المؤرخ المملوكي جمال الدين أبو المحاسن ابن تغري بردي في كتابه النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة.
فقد ذكر في ترجمة قطز قوله : ” قال الحافظ أبو عبد الله شمس الدين محمد الذهبىّ فى تاريخه – رحمه الله تعالى – بعد ما سمّاه ونعته قال : وكان المظفّر أكبر مماليك الملك المعزّ أيبك التّركمانىّ وكان بطلا شجاعا مقداما حازما حسن التدبير يرجع إلى دين وإسلام وخير وله اليد البيضاء فى جهاد التّتار فعوّض الله شبابه بالجنّة ورضى عنه.
وحكى الشيخ شمس الدين الجزرىّ فى تاريخه عن أبيه قال : كان قطز فى رقّ ابن الزعيم بدمشق فى القصّاعين فضربه أستاذه فبكى ولم يأكل شيئا يومه ثم ركب أستاذه للخدمه وأمر الفرّاش أن يترضّاه ويطعمه ، قال : فحدّثنى الحاجّ علىّ الفراش قال : فجئته وقلت : ما هذا البكاء من لطشة ؟ فقال : إنّما بكائى من لعنة أبى وجدّى وهم خير منه ، فقلت : من أبوك ؟ واحد كافر ! فقال : والله ما أنا إلّا مسلم ابن مسلم أنا محمود بن ممدود ابن أخت خوارزم شاه من أولاد الملوك فسكّتّه وترضّيته.
وتنقّلت به الأحوال إلى أن تملّك مصر ولمّا تملك أحسن إلى الحاج علىّ الفراش المذكور وأعطاه خمسمائة دينار وعمل له راتبا ، قال الذهبىّ أيضا : ولمّا تسلطن لم يبلغ ريقه ولا تهنّى بالسلطنة حتى امتلأت الشامات المباركة بالتّتار ثم ساق الذهبىّ أمره مع التّتار بنحو ما حكيناه.
وقال الشيخ قطب الدين : حكى عن الملك المظفّر قطز أنّه قتل جواده يوم القتال مع التّتار ولم يصادف المظفّر أحد من الأوشاقية فبقى راجلا فرآه بعض الأمراء الشجعان فترجّل له وقدّم له حصانه، فامتنع المظفّر من ركوبه وقال : ما كنت لأمنع المسلمين الانتفاع بك فى هذا الوقت ! ثم تلاحقت الأوشاقيّة إليه.
وقال ابن الجزرىّ فى تاريخه : حدّثنى أبى قال حدّثنى أبو بكر بن الدّريهم الإسعردىّ والزكىّ إبراهيم أستاذ الفارس أقطاى قالا : كنّا عند سيف الدين قطز لمّا تسلطن أستاذه الملك المعزّ أيبك التركمانىّ فأمرنا قطز بالقعود ثم أمر المنجّم فضرب الرّمل ثم قال له قطز : اضرب لمن يملك بعد أستاذى الملك المعزّ أيبك ومن يكسر التّتار ، فضرب وبقى زمانا يحسب فقال : يطلع معى خمس حروف بلا نقط ، فقال له قطز : لم لا تقول محمود بن ممدود ، فقال : يا خوند لا ينفع غير هذا الاسم ، فقال: أنا هو أنا محمود بن ممدود وأنا أكسر التّتار وآخذ بثأر خالى خوارزم شاه ، فتعجّبنا من كلامه وقلنا : إن شاء الله يكون هذا يا خوند ، فقال : اكتموا ذلك ، وأعضى المنجّم ثلثمائة درهم “.
ولد المؤلف في إندونيسيا لأسرة ذات جذور حضرمية وتلقى تعليمه في مدرسة النهضة العلمية بمدينة سيئون اليمنية ودرس علوم العربية والشريعة على يد شيوخ أجلاء منهم عمه الشاعر اللغوي النحوي القاضي محمد بن محمد باكثير كما تلقى علوم الدين أيضا على يد الفقيه محمد بن هادي السقاف وظهرت مواهب باكثير مبكراً فنظم الشعر وهو في الثالثة عشرة من عمره وتولى التدريس في مدرسة النهضة العلمية وتولى إدراتها وهو دون العشرين من عمره.
تزوج مبكرا ولكنه فجع بوفاة زوجته وهي في ريعان الشباب فغادر حضرموت في عام 1931 م وتوجه إلى عدن ومنها إلى الصومال والحبشة واستقر زمناً في الحجاز ، وفي الحجاز نظم مطولته نظام البردة كما كتب أول عمل مسرحيه شعري له وهو همام أو في بلاد الأحقاف وطبعهما في مصر أول قدومه إليها في عام 1934 م ، والتحق بعدها بكلية الآداب جامعة فؤاد الأول وحصل منها على ليسانس اللغة الإنجليزية ثم دبلوم معهد التربية للمعلمين.
وأثناء دراسته الجامعة ترجم مسرحية روميو وجولييت لشكسبير بالشعر المرسل وألف مسرحيته الشعرية أخناتون ونفرتيتي ثم تزوج سيدة مصرية واستقر في مصر وعمل بالتدريس لمدة أربعة عشر عاما في المنصورة والقاهرة وحصل على الجنسية المصرية بمرسوم ملكي عام 1951 م ، ثم سافر إلى فرنسا عام 1954 م في بعثة دراسية ، وفي سنة 1955 م انتقل للعمل في وزارة الثقافة والإرشاد القومي بمصلحة الفنون ثم انتقل إلى قسم الرقابة على المصنفات الفنية.
وظلَّ يعمل في وزارة الثقافة حتى وفاته حيث حصل على منحة تفرغ لمدة عامين (1961 ـ 1963 م) حيث أنجز الملحمة الإسلامية الكبرى عن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب في تسعة عشر جزءاً وتعد ثاني أطول عمل مسرحي عالمياً كما حصل على منحة تفرغ أخرى أنجز خلالها ثلاثية مسرحية عن غزو نابليون لمصر (الدودة والثعبان ، أحلام نابليون ، مأساة زينب) طبعت الأولى في حياته والأخريين بعد وفاته.
ومن أعماله الروائية الأخرى رواية الثائر الأحمر التي تتناول تاريخ القرامطة ورواية سلامة القس التي تحكي عن قصة حب بين سلامة الجارية والزاهد أبي عبد الرحمن القس في العصر الأموي وتحولت إلى فيلم سينمائي ورواية الشيماء التي تتناول قصة أخت الرسول في الرضاعة ووقائع غزوة حنين وتحولت أيضا إلى فيلم سينمائي ، وله عدد من الدواوين الشعرية هي : أزهار الربى في أشعار الصبا ، سحر عدن وفخر اليمن ، صبا نجد وأنفاس الحجاز.
وكان الموسم المسرحي في مصر يفتتح سنوياً بمسرحيته مسمار جحا التي تنبأ فيها باحتلال فلسطين وكان يصنف كثاني كاتب مسرح عربي بعد توفيق الحكيم ، ومن عباراته المأثورة التي تعبر عن فكره قوله : ” أنا على يقين أن كتبي وأعمالي ستظهر في يوم من الأيام وتأخذ مكانها اللائق بين الناس .. ولهذا فأنا لن أتوقف عن الكتابة ولا يهمني أن ينشر ما اكتب في حياتي .. إنني ارى جيلا مسلما قادما يستلم أعمالي ويرحب بها “.
وقد تناول الأستاذ سعيد لبيب روايته واإسلاماه بالنقد والتجليل وذلك في العدد رقم 612 في مجلة الرسالة حيث كتب يقول : ” وا إسلاماه ! للأستاذ علي احمد باكثير بقلم الأستاذ لبيب السعيد .. بعد أن ردت مصر الصليبيين في المنصورة المجيدة لم ينالوا من الإسلام خيراً خرجت إلى (عين جالوت) ترد التتار هم الآخرين ووقف سلطان مصر المظفر قطز على رأس جيشه يثخن بيده في أعدائه الطغاة بيد أن هؤلاء مكروا مكراً كاد يرديه لولا أن برز فارس مسلم ملثم رد عليهم مكرهم وتلقى المكروه من دون السلطان ثم هتف وهو يعاني الموت : (صن نفسك يا سلطان المسلمين ها قد سبقتك إلى الجنة).
لم يكن هذا الفارس سوى جلنار زوجة السلطان وحبيبته وقد جعل السلطان يقبلها ويقول لها في ذهول وجزع : (وا زوجاه ! وا حبيبتاه !) فنادته وهي تجود بروحها : (لا تقل واحبيبتاه قل : وا إسلاماه!) ، وانطلق السلطان إلى المعمعة يصرخ : (وا إسلاماه !) ورجاله معه يرددونها ويلقون في قلوب الذين كفروا الرعب ولا يزالون يجاهدونهم ويغلظون عليهم حتى يجيئهم النصر ويشفي الله صدور المؤمنين ، تلك هي القولة التاريخية التي اتخذها صديقنا الأستاذ علي باكثير عنواناً لروايته الجميلة.
كانت جلنار وقطز رقيقين في جملة الرقيق أيام آل أيوب ولكن لهنا قصة حافلة بالعبر فهما سلالة بيت بعيد النسب في المجد فأما هي فبنت السلطان جلال الدين بن خوارزم شاه وأما هو فابن عمتها ، وقد نزلت افجع الأحداث بآلها فبادوا جميعاً في ظروف تموج الهول وسلم هذان من الموت ليباعا في الأسواق وليذوقا ضروباً من الهوان وفرق الدهر المشت بينهما أمداً ثم جمعتهما الأقدار أخيراً ليكونا سلطاني المسلمين وليكتبا في تاريخ الإسلام صفحة جد نضيرة.
تجلو الرواية أياما مجيدة لسلف المسلمين وفصولها جميعاً تنطوي على رسالات سامية فهنا معرض خلق وبطولة باهرين وهناك حديث وطنية وتضحية مثاليتين وهنا دعوة قوية إلى الاستمساك بالحق والحماسة له وثم حوافز للمجد وزراية على الضعف والضعفاء ، ولكنك على كثرة ما تواجهك هذه المعاني لا تحس أن الكاتب تكلفها بل تدرك أنها – مع علو نمطها – ليست الشيء الذي وضعت له الرواية وتلك لا ريب من خصائص القصة الفنية الناجحة.
ولقد عرض المؤلف أشخاصاً يتعذر على القارئ نسيانهم لوفرة ما لذوا شعوره وناجوا ضميره فكيف ينسى مثلاً (ممدود) أبو قطز وصهر جلال الدين ووليه الحميم ومستشاره الحصيف الأمين ؟ وكيف ينسى (سلامة الهندي) الخادم الوفي الذي حمل الطفلين قطزا وجلنارا – وكان اسماهما في طفولتهما محمودا وجهادا – إلى الهند يوم أغرق نساء بيت (خوارزم شاه) في اليم تفادياً من ذل الإسار والذي قاسى ما قاسى ابتغاء الوفاء والذي مات هماً بالغلامين إذ بيعا في أسواق النخاسة وجزعاً عليهما من تفرق الشمل ؟ وكيف ينسى (غانم المقدسي) السري الصالح وزوجته البارة ؟ والحاج (علي الفراش) الخادم الخير الذي لا تمنعه ضآلة منزلته من إسداء الجميل ؟ وابن الزعيم المحسن البار والوطني المسلم المجاهد ؟
فأما (الشيخ عز الدين بن عبد السلام) العالم الذي لا يشتري بدينه ثمناً قليلاً والسياسي الخالص العقيدة والمجاهد الصادق البأس والزعيم الذي يجد الناس في زعامته أنواراً وآمالاً فما ألطف وما أجل وما أنفع ما جرى به عنه قلم المؤلف في روايته ، إن القارئ كلما حكى المؤلف عن عز الدين شيئاً لتحويه موجات روحية وإن نفسه لتسمو وتسمو.
وفي الرواية صفحات أخرى كثيرة كأنها لعذوبتها فيوض من الشعر كتبها المؤلف بأسلوب مسيطر ينتزع للرواية منزلة طيبة بين الآثار الأدبية ، فطفولة (جهاد) الحلوة ومعابثة أبيها إياها وطموح (محمود) وبطولته وغرامه بتدمير التتار وهو بعد في طفولته يجتاز الحياة على جسور من الأوهام والأحلام والحب الأكيد بين الطفلين ومناجاة جلال الدين لأبيه حين أخطأ جلال وقسا على بلد إسلامي هذه كلها فيها جمال مؤثر ورقة تلفت القلوب وفيها دقة وحذق تساوقان علم النفس مساوقة ملحوظة.
والحب الذي كان بين قطز وجلنار الحب العظيم الذي كأن السماء كانت ترعاه والذي نعما به وشقيا هو في كل مراحله من أمتع ما في الرواية وأكثره استهواء للب وهزاً للعواطف ، حدث المؤلف عن الحبيبين في فترة من أيامهما قال : وحليت الدنيا في عينيهما فصارت رياضاً وأنهاراً ووروداً وأزهاراً وطيوفاً من ضياء الشفق البهيج وروحات من نسيم الفجر العليل يتقلبان في أيام كلها أصيل وليالي كلها سحر ، ومن مثل هذا النسق العالي كانت كتابة (باكثير) عن ذلك الحب الفائق ومن مثله كان وصفه للطبيعة في بعض جنبات روايته.
بقي أن نعتب على مؤلفنا الموهوب ما حشد به روايته من أسماء كثيرة لأناس في العهد الأيوبي لم تكن الرواية – في رأينا – بحاجة إلى ذكرهم ، ونحن نستميح صديقنا المؤلف في أن نسأله : ما هذه الحيدة عن الطابع الأدبي الخالص في بعض أنحاء الرواية حين يسوق أحداث التاريخ غير مدبجة بيراع الأديب فلا هي خفيفة ولا هي محبوبة بل هي مجهدة للقارئ مزعجة إياه ، لقد قال مثلاً في أحد المواضع : (فلما كان يوم السبت لست بيقين من ذي العقدة سنة 657 حصل كيت وكيت) فانظر كيف يثقل هذا على من يقرأ قصة أدبية محضاً.
إن اللمحات بله العبارات الأدبية – وخاصة إذا كانت من أديب تمرّس بالقصة وتوفر عليها مثل مؤلفنا البارع – كانت كفيلة جداً بأن تشق لنا مسالك التاريخ في الحدود التي تناسب روايته بوصفها أثراً أدبياً لا كتاباً تاريخياً ، إن القصة الفنية كاللوحة – كم هو معلوم – والرسام يرسم الصورة للشيء القديم فيجعلنا بفنه ندرك تاريخ هذا الشيء دون أن يضع عليه اسم يوم أو شهر أو سنة ، ألا وإن الفطرة الفنية الذواقة على نقيض العقلية العلمية لا تحفل كثيراً بالتواريخ ولا تعني بالأسماء إلا بقدر.
وأظن إن الأستاذ المؤلف إذا عني بتقديم روايته لمسابقة وزارة المعارف في الموعد الذي ضرب للمتسابقين أعجل عن بث مواهبه الفنية في تلك الأجزاء ولو فعل لكانت روايته يقيناً من أرفع الآثار الفنية لدينا ، وبعد فلا بد أن نقرر أن المؤلف كان في جل روايته نافذ القوة وأنه – فيما خلا المواضع المشحونة بالتاريخ لغير داع فني – بلغ فيما عرضه أقص ما يبلغه مؤلف في نفس قارئه من الانفعال والأثر القوي “.

54 / الحرافيش
الرواية عالم ساحر لا يشعر به إلا من غاص في بحره العميق وكل روائي له عالم خاص به لا تدركه إلا بعد أن يفتح لك الباب وتتجول في صفحات كتاباته وتتنقل بين شخوصه وأحداثه ، وعندما تقرع باب نجيب محفوظ فإنك على الفور تدخل بقدمك مباشرة إلى الحارة المصرية وإن شئت الدقة القاهرة القديمة في القرون الثلاثة الأخيرة ، سوف تجد نفسك تسير في شارع بين القصرين حيث منزل السيد أحمد عبد الجواد ووكالات التجار وليالي الأنس والطرب وأحداث ثورة 19 ضد الإنجليز.
وربما يأخذك المسير إلى زقاق المدق حيث المقهى الشعبي والجيران الفضوليين والفتاة الساذجة البريئة حميدة وتقلب الزمن بها ، وسوف يكون عليك أن تحذر تلك المعارك الشرسة بين الفتوات خاصة المعلم الديناري والمعلم الشبلي والتي ضاع فيها الفتى (شطا) في إحدى قصص مجموعة (الشيطان يعظ) ، وقد يسعدك الحظ بالجلوس أمام المتصوف الجليل ذي الماضي الغامض في (حكاية بلا بداية ولا نهاية) حيث تجد هناك خليطا من الفلسفة والدين وأحداث الماضي والمستقبل.
وإذا أخذك المسير إلى آخر الحارة فسوف تشاهد بيت الجبلاوي في (أولاد حارتنا) حيث الصراع بين أبناء أدهم وأبناء إدريس والأبطال الثلاثة جبل ورافع وقاسم (وهي رموز الديانات الثلاث التي أثارت الجدل حول الرواية) ، أما (حكايات حارتنا) فهي ترصد جزءا من السيرة الذاتية للمؤلف عندما يجعل الراوي طفلا صغيرا حيث التكية محور الأحداث ، وأما في (حديث الصباح والمساء) فسوف تر الأبطال وهم يولدون ثم يموتون كأنهم لم يلبثوا في الدنيا إلا عشية أو ضحاها.
ربما مررت على مقهى (قشتمر) حيث الأصدقاء الأربعة الذين فرقتهم الأحداث وتقدم بهم العمر لكن تربطهم جلسة المقهى ، وسوف تجد تناقضات الحياة أمام عينك حيث هناك محجوب عبد الدايم الموظف الذي لديه استعداد لعمل أي شيء في (القاهرة الجديدة) وهناك أيضا محمد حامد المحامي الذي يدخل المعتقل بسبب انتمائه للإخوان في (الباقي من الزمن ساعة) وهناك أيضا عثمان بيومي الموظف المثالي الكادح الذي يسعى للترقي في قسم المحفوظات في رواية (حضرة المحترم).
لكن كل ما مضى من أعمال لا تعدل أهم رواية في عالم نجيب محفوظ وهي (ملحمة الحرافيش) حيث عشرة أجيال من عائلة عاشور الناجي تقلبت فيها أحوالهم ما بين العز والذل حيث امتلاك الفتونة ثم ضياعها وعودتها في صراع بين أولاد الأصول والغوغاء ، حكايات شمس الدين الناجي وسليمان وسماحة ووحيد وعزيز وزهيرة وجلال صاحب الجلالة وفتح الباب وأخيرا الإخوة فايز وضياء وعاشور الذي يستعيد تاريخ جده الكبير ويهتف له الحرافيش : (اسم الله عليه .. اسم الله عليه).
وعالم نجيب محفوظ مرتبط بمسيرة حياته الطويلة (1911 ـ 2006 م) والبيئة التي تفتحت عينه عليها وتعليمه وتدرجه الوظيفي ، فقد ولد ونشأ في شارع بيت القاضي بحي الجمالية والذي يشكل القسم الأكبر من القاهرة المعزية (المدينة الفاطمية التي بناها جوهر الصقلي عام 962 م) بما يحمله من روح التاريخ والتراث ، وهذا الحي يمتد من باب الفتوح وباب النصر حتى خان الخليلي وجامع الحسين ويحده من الشرق جبل المقطم وقلعة الجبل ومن الشمال الحسينية والظاهر ومن الغرب باب الشعرية والموسكي ومن الجنوب الدرب الأحمر وباب زويلة.
والده هو عبد العزيز إبراهيم وكان موظفًا ثم تاجرا وكان صديقا للكاتب محمد المويلحي ومعجبا بكتابه الشهير حديث عيسى بن هشام ووالدته فاطمة مصطفى قشيشة ابنة الشيخ مصطفى قشيشة من علماء الأزهر وتنحدر عائلته من رشيد بالبحيرة ، الْتَحق بالمدرسة الابتدائية وأثناء ذلك تعرَّف على مغامرات بن جونسون التي استعارها من زميل له لقراءتها وشغف بالخيال كما عاصر ثورة 19 وهو طفل وتركت في نفسه أثرا كبيرا ثم أتم تعليمه الثانوي والتحق بقسم الفلسفة بكلية الآداب جامعة فؤاد الأول.
وهناك الْتَقى بعميد الأدب العربي طه حسين ليُخبِره برغبته في دراسةِ أصل الوجود وزاد شغَفُه بالقراءة وشغلَته أفكارُ الفلاسفة التي كان لها أكبرُ الأثر في طريقة تفكيره كما تعرَّف على مجدِّد الفلسفة الإسلامية في العصر الحديث الشيخ مصطفى عبد الرازق وتعلَّم منه الكثير ، وقد تخرج عام 1934 م وشرع بعدها في إعداد رسالة الماجستير عن الجمال في الفلسفة الإسلامية ثم غير رأيه وقرر التحول إلى عالم الأدب حيث استوحى من حي الجمالية ومحيطه معظم رواياته لكن مع بعد فلسفي واضح في كثير منها.
انضم إلى السلك الحكومي ليعمل سكرتيراً برلمانياً في وزارة الأوقاف (1938 ـ 1945 م) ثم مديراً لمؤسسة القرض الحسن في الوزارة حتى 1954 م (وكانت تقع في منطقة الأزهر حيث عالمه المفضل) ، بعد ذلك عمل مديراً لمكتب وزير الإرشاد ثم انتقل إلى وزارة الثقافة مديراً للرقابة على المصنفات الفنية وفي 1960 م عمل مديراً عاماً لمؤسسة دعم السينما ثم مستشاراً للمؤسسة العامة للسينما والإذاعة والتلفزيون ثم رئيس مجلس إدارة المؤسسة العامة للسينما (1966 ـ 1971 م) وتقاعد بعدها ليصبح أحد كتاب مؤسسة الأهرام.
بدأ الكتابة مبكرا وبدأ بسيرته الذاتية تحت عنوان الأعوام متأثرًا بكتاب الأيام لطه حسين ، وأثناء دراسته الجامعية واظب على نشر مقالات فكرية وفلسفية عدة في مجلة الرسالة وكذلك في المجلة الجديدة التي كان يرأس تحريرها سلامة موسى والذي نشر له عام 1932 م أول أعماله وكانت ترجمة كتاب مصر القديمة لجيمس بيكي ، وفي عام 1938 م نشر أول قصة له بعنوان همس الجنون ثم أعقبها بثلاث روايات مستوحاة من التاريخ الفرعوني وهي عبث الأقدار ورادوبيس وكفاح طيبة وقد وصفها المؤلف بأنها مرحلة (الهواية).
وفي عام 1945 م يبدأ في مرحلة هامة من كتاباته حيث نشر ثمانية روايات كبرى تحمل الطابع المميز له والمرتبط بالأجواء الشعبية وقد ساعده على إنجازها حياته الوظيفية المنظمة حيث كانت له مواعيد يومية ثابتة للكتابة ، وهذه الروايات هي القاهرة الجديدة وخان الخليلي وزقاق المدق والسراب وبداية ونهاية والثلاثية (بين القصرين ـ قصر الشوق ـ السكرية) والتي يغلب عليها الواقعية الاجتماعية ، وتعد هذه المجموعة بمثابة تاريخ للحقبة الليبرالية التي بدأت مع ثورة 19 وانتهت مع ثورة يوليو وظهر فيها ميل المؤلف إلى حزب الوفد.
وقد أشاد به النقاد حيث كتب سيد قطب عن القاهرة الجديدة وكتب الدكتور طه حسين عن زقاق المدق وقال عنه : ” لقد خسرت الفلسفة أحد أبنائها الموهوبين بتحول نجيب محفوظ إلى الأدب غير أن ما كسبته الرواية قد عوضنا بلا شك أضعافا مضاعفة ” ، وأثناء تلك الفترة دخل المؤلف إلى عالم السينما حيث كتب سيناريو عدد من الأفلام منها مغامرات عنتر وعبلة ولك يوم يا ظالم وريا وسكينة وفتوات الحسينية وجعلوني مجرما ودرب المهابيل وشباب امرأة والطريق المسدود والوحش والمنتقم والنمرود والفتوة وجميلة وأنا حرة وبين السما والأرض.
ثم مر بحالة من الصمت الأدبي بعد صدور الثلاثية عام 1957 م واستمر ذلك لمدة ثلاث سنوات حيث انتقل بعدها إلى الرمزية الواقعية وبدأ في كتابة رواية أولاد حارتنا ونشرها على هيئة سلسلة في جريدة الأهرام عام 1959 م والتي أثارت ردود فعل متحفزة ضده وتم إيقافها ، وكانت تحمل نقدا سياسيا مبطنا حيث طرح سؤالا على رجال الثورة عن الطريق الذي يرغبون في السير فيه هل هو طريق الفتوات أم طريق الحرافيش واستمرت الرمزية عنده في كل من اللص والكلاب والسمان والخريف والطريق والشحاذ ودنيا الله وبيت سيء السمعة.
وفي عام 1966 م يتعرض المؤلف لغضب من قيادات بالدولة منهم عبد الحكيم عامر وصلاح نصر وشمس بدران بسبب روايته ثرثرة فوق النيل والتي تنبأ فيها بحدوث كارثة وشيكة رمز لها في الأحداث بقيام راكبي السيارة بقتل المرأة الريفية التي ترمز لمصر إلا أن الرئيس عبد الناصر تدخل لحمايته ، وفي عام 1967 م يكتب رواية ميرامار التي تحمل مزيدا من النقد للنظام السياسي واستمر ذلك معه في أعماله التالية وهي المرايا والكرنك والحب تحت المطر وحكايات حارتنا وقلب الليل وحضرة المحترم وخمارة القط الأسود وتحت المظلة.
وفي عام 1977 م يصدر المؤلف رائعته الخالدة (ملحمة الحرافيش) والتي ظهر فيها نضجه الأدبي والفلسفي حيث تناقش ثنائية الخير والشر والحق والباطل والظلم والعدل ومسألة توزيع الثروة ومفهوم الزعامةُ ومعنى المساواة وكيفية حماية حقوق الضعفاء وتداخل ذلك مع أفكار الزُّهد والتديُّن كما ترصد مشكلة حب السلطة وجنون العظَمة والخلود ، وحفلت الرواية بقدر من الفانتازيا استمر معه في أعماله التالية وهي ليالي ألف ليلة وأمام العرش ورحلة ابن فطومة والعائش في الحقيقة ويوم قتل الزعيم ورأيت فيما يرى النائم.
وفي عام 1988 م حصل نجيب محفوظ على جائزة نوبل في الآداب وقلادة النيل العظمى وكتب بعدها عدة مجموعات قصصية هي الفجر الكاذب والقرار الأخير وصدى النسيان وفتوة العطوف كما كتب مذكراته من خلال كتاب أصداء السيرة الذاتية وكتاب أحلام فترة النقاهة ، وهو من أكثر الأدباء الذين نقلت أعمالهم الروائية إلى السينما والدراما وحققت شهرة كبيرة في مصر والوطن العربي وتحدث عن ذلك قائلا : ” من حسن حظي أن جميع الأفلام التي أُخذت عن كتبي أحرزت نجاحًا كبيرًا وقد استجبت لها رغم كل ما قيل عنها “.
ومن أجمل ما كتب نجيب محفوظ ختام ملحمة الحرافيش عندما يعود كل شيء إلى نصابه ويتحقق العدل في الحارة ويسترجع عاشور ربيع الناجي الفتونة مرة أخرى من حسونة السبع وينتقم منه بسبب إذلاله سابقا له ولأمه حليمة البركة ، ويعيد البطل للأذهان ذكرى جده عاشور الناجي الكبير والذي يتجه بعدها إلى التكية وتلان في أذنه أبيات من الشعر الصوفي الفارسي ، وفي ذلك يقول المؤلف :
” ذات يوم عجيب والحارة تعاني حياتها اليومية المألوفة الكئيبة والشتاء يولِّي مودِّعًا انحدر من تحت القبو رجل عملاق الهيكل يرفل في جلباب أزرق وطاقية بنية وبيده نبوت سار بهدوء وثقة كأنه راجع من غيبة ساعة لا بضع سنين ، رآه أول من رآه محمد العجل فمدَّ إليه عينَيه بذهول وتمتم : من ؟ عاشور ! ، فقال له عاشور بهدوء : سلام الله عليك يا عم محمد.
سرعان ما شخصت إليه الأبصار بدهشة من الدكاكين والنوافذ وأرجاء الحارة شخصت إليه ، لم يُلقِ بالًا إلى أحد وشَقَّ طريقه إلى المقهى ، وكان حسونة السبع متربِّعًا فوق أريكته وفي حاشيته جلس يونس السايس شيخ الحارة والشيخ جليل العالم شيخ الزاوية ، دخل عاشور المقهى فاتجهت نحوه الأعين في ذهول أمَّا هو فمضى إلى ركن وهو يقول : السلام عليكم.
لم يسمع ردًّا وواضح أن الفتوة انتظر منه تحيةً خاصةً مشفوعةً باستعطاف ولكنه مضى إلى مقعد بلا مبالاة وجلس ، سرعان ما توقَّع الناس أحداثًا ولم يطِق السبع صبرًا فسأله بخشونة : ماذا أرجعك يا ولد ؟ ، فأجاب بهدوء : لا بد يومًا أن يعود الإنسان إلى حارته ، فصاح به : ولكنك طُردت منها منبوذًا ملعونًا ، فقال عاشور بهدوئه المطمئن : كان ظلمًا ولا بد للظلم من نهاية.
فتدخَّل الشيخ جليل قائلًا : تقدَّم إلى فتوتنا واسأله العفو ، فقال عاشور ببرود : لم أجئ لطلب العفو ، فهتف يونس السايس : ما عرفناك مغرورًا ولا وقحًا ، فقال بسخرية : بالصدق نطقت ، عند ذاك نتر حسونة السبع ساقَيه المتشابكتَين نحو الأرض وسأله منذرًا : علامَ تعتمد في رجوعك إن لم يكن على عفوي ؟ ، فقال بصوت جهْوري : اعتمادي على الله جل شأنه ، فصاح السبع : اذهب على قدمَيك وإلا ذهبتَ على نقالة.
فوقف عاشور وشدَّ على نبوته ، اندفع صبي القهوة خارجًا مناديًا رجال العصابة ، هُرع الآخرون إلى الحارة خوفًا ، انقضَّ السبع بنبوته وانقضَّ عاشور بنبوته فارتطم النبوتان بعنفِ جدار متهدِّم ونشبت معركة غاية في الشدة والقسوة وجاء رجال العصابة من شتى الأنحاء فاختفى الناس من الحارة وأُغلقت الدكاكين وامتلأت النوافذ والمشربيات.
وإذا بمفاجأة تدهم الحارة كزلزال مفاجأة لم يتوقَّعها أحد ، تدفَّق الحرافيش من الخرابات والأزقة صائحين ملوِّحين بما صادفته أيديهم من طوب وأخشاب ومقاعد وعِصي تدفَّقوا كسيل فاجتاحوا رجال السبع الذين أُخذوا وبسرعة انقلبوا من الهجوم إلى الدفاع وأصاب عاشور ساعد السبع فأفلت منه النبوت عند ذاك هجم عليه وطوَّقه بذراعَين عصره حتى طقطق عظامه ثم رفعه إلى ما فوق رأسه ورمى به في الحارة فتهاوى فاقد الوعى والكرامة ، أحاط الحرافيش بالعصابة انهالوا عليهم ضربًا بالعِصي والطوب فكان السعيد من هرب وفيما دون الساعة لم يبقَ في الحارة إلا جموع الحرافيش وعاشور.
كانت معركةً لم تُسبق بمثيل من حيث عدد مَن اشترك فيها فالحرافيش أكثرية ساحقة وفجأةً تجمَّعت الأكثرية واستولت على النبابيت فاندفعت في البيوت والدُّور والوكالات رجفة مزلزلة ، تمزَّق الخيط الذي ينتظم الأشياء وأصبح كل شيء ممكنًا غير أن الفتونة رجعت إلى آل الناجي إلى عملاق خطير تُشكِّل عصابته لأول مرة أكثرية أهل الحارة ، ولم تقع الفوضى المتوقَّعة التفَّ الحرافيش حول فتوتهم في تفانٍ وامتثال وانتصب بينهم مثل البناء الشامخ توحى نظرة عينَيه بالبناء لا بالهدم والتخريب.
واجتمع بعاشور ليلًا يونس السايس وجليل العالم ، كانا واضحي القلق وقال شيخ الحارة : المأمول ألَّا يقع ما يقتضي تدخُّل الشرطة ، فقال عاشور في استياء : كم من جرائم ارتُكبت تحت بصرك وكانت تقتضي تدخُّل الشرطة ، فقال الرجل بلهفة : معذرة إنك أدرى الناس بظروفنا أوَدُّ أن أذكِّرك أنك انتصرت بهم ولكنك غدًا ستقع تحت رحمتهم !
فقال عاشور بثقة : لن يقع أحد تحت رحمة أحد ، فقال الشيخ جليل العالم بإشفاق : لم يكبحهم في الماضي إلا التفرُّق والضعف ! ، فقال عاشور بثقة أشد : إني أعرفهم خيرًا منك عاشرتهم في الخلاء طويلًا والعدل خير دواء ، فتردَّد يونس السايس قليلًا ثم تساءل : والسادة والأعيان ماذا يكون مصيرهم ؟ ، فقال عاشور بقوة ووضوح : إني أحب العدل أكثر ممَّا أحب الحرافيش وأكثر ممَّا أكره الأعيان.
ولم يتوانَ عاشور ربيع الناجي ساعةً واحدةً عن تحقيق حلمه ذلك الحلم الذي جذب به الحرافيش إلى ساحته ولقَّنهم تأويله في الخلاء وحوَّلهم به من صعاليك ونشَّالين ومتسوِّلين إلى أكبر عصابة عرفتها الحارة ، سرعان ما ساوى في المعاملة بين الوجهاء والحرافيش وفرض على الأعيان إتاوات ثقيلةً حتى ضاق كثيرون بحياتهم فهجروا الحارة إلى أحياء بعيدة لا تعرف فتوةً ولا فتونة وحتَّم عاشور على الحرافيش أمرَين أن يدرِّبوا أبناءهم على الفتونة حتى لا تهِن قوتهم يومًا فيتسلَّط عليهم وغد أو مغامر وأن يتعيَّش كلٌّ منهم من حرفة أو عمل يقيمه لهم من الإتاوات.
وبدأ بنفسه فعمل في بيع الفاكهة وأقام في شقة صغيرة مع أمه وهكذا بعث عهد الفتوة البالغ أقصى درجات القوة وأنقى درجات النقاء ، ولم يجد الشيخ جليل العالم بُدًّا من الثناء عليه والجهر بالتنويه بعدالته وكذلك يونس السايس فَعل ولكنه ارتاب في ضميرهما ولم يشكَّ في أنهما يتحسَّران على الهبات التي كانت تتسرَّب إليهما من الأعيان وعند توزيع الإتاوات بين أفراد العصابة الهاربة.
وما لبث الشيخ جليل العالم أن هجر الحارة فعيَّن مكانه الشيخ أحمد بركات ولمَّا كان يونس السايس مُعيَّنًا من قِبَل السلطة فقد تعذَّر عليه هجرها وكان يغمغم وهو منفرد بنفسه في دكانه : لم تبقَ في الحارة إلا الزبالة ! ، وكان يفضي بذات نفسه إلى زين علباية الخمَّار فيتساءل الرجل في قلق : حتى متى تدوم هذه الحال ؟ ، فيقول يونس السايس : لا أمل مع بقاء الوحش على قيد الحياة ، ثم يتنهَّد مواصلًا : لا شك أن أناسًا مثلنا تناجَوا بما نتناجى به الآن على عهد جده الأول فاصبر وما صبرك إلا بالله.
وجدَّد عاشور الزاوية والسبيل والحوض والكُتَّاب وأنشأ كُتَّابًا جديدًا ليتسع لأبناء الحرافيش ثم أقدم على ما لم يُقدم عليه أحد من قبل فاتَّفق مع مقاول على هدم مئذنة جلال وقد كان يصد السابقين عن ذلك خوفهم من إغضاب العفاريت التي تسكنها ولكن الفتوة الجديد لم يخَف العفاريت، وقام وهو في الحارة عملاقًا كالمئذنة ولكنه في الوقت نفسه مستقر للعدل والنقاء والطمأنينة ، ولم يبدأ بتحدي أحدٍ من فتوات الحارات ولكنه كان يؤدِّب من يتحدَّاه ويجعل منه عظةً للآخرين فتهيَّأت له السيادة بلا معارك.
واعتقدت حليمة البركة أنه آن له أن يفكِّر في ذاته وجاءه ضياء أخوه سعيدًا وفي نيته أن يستعيد وكالة الفحم وأن يصير كبير الأعيان في كنف أخيه الفتوة ولكنه لم يلقَ منه تشجيعًا فاضطُر إلى الاستقرار في فندقه ، واقترحت حليمة عليه أن يتزوَّج قائلة : ما زال في حارتنا نفر من الأعيان الطيبين الذين لم يفرِّطوا فيها ، فتذكَّر عاشور موقف أسرتَي الخشاب والعطار بامتعاض شديد وقال لأمه : أشعر يا أمي أنك تطمحين إلى حياة أفضل ممَّا نحن فيه.
فقالت المرأة بصدق : ليس العدل أن تظلم نفسك ! ، فقال بقوة محتجًّا ورافضًا : لا ، قالها بقوة ليست قوة الرفض الحقيقي بل قوة يداري بها ضعفًا يُحِس به أحيانًا في أعماق خواطره فكم يحن أحيانًا إلى رغد العيش والجمال كما يحلم بحياة الدُّور والمرأة الناعمة ! لذلك قال لا بعنف وقوة وقال لها : لن أهدم بيدي أعظم ما شيَّدت من بناء شامخ !
وأصرَّ أن يجيء الرفض من ذاته لا حذرًا من الحرافيش إنه يريد أن يتفوَّق على جده نفسه لقد اعتمد جده على نفسه على حين خلق هو من الحرافيش قوةً لا تُقهر ولقد مال مرةً جده مع هواه وسوف يصمد هو مثل السور العتيق ، ومرةً أخرى قال بقوة : لا ! ، وتمَّ له أعظم نصر وهو نصره على نفسه وتزوَّج من بهية بنت عدلات الماشطة بعد مشاهدةٍ واستقراء من جانبه.
وعندما اقتُلعت مئذنة جلال من جذورها أحيت الحارة ليلة رقص وطرب وعقب منتصف الليل ذهب إلى ساحة التكية لينفرد بنفسه في ضوء النجوم ورحاب الأناشيد ، تربَّع فوق الأرض مستنيمًا إلى الرضا ولطافة الجو ، لحظة من لحظات الحياة النادرة التي تُسفر فيها عن نورٍ صافٍ لا شكوى من عضو أو خاطرة أو زمان أو مكان كأن الأناشيد الغامضة تُفصح عن أسرارها بألف لسان وكأنما أدرك لمَ ترنَّموا طويلًا بالأعجمية وأغلقوا الأبواب.
وسبح في الظلام صرير فرنا إلى الباب الضخم بذهول ، رأى هيكله وهو ينفتح بنعومة وثبات ومنه قدم شبح درويش كقطعة متجسِّدة من أنفاس الليل ، مال نحوه وهمس : استَعِدُّوا بالمزامير والطبول غدًا سيخرج الشيخ من خلوته ويشق الحارة بنوره وسيهب كلَّ فتًى نبوتًا من الخيزران وثمرةً من التوت استَعِدُّوا بالمزامير والطبول.
عاد إلى دنيا النجوم والأناشيد والليل والسور العتيق قبض على أهداب الرؤية فغاصت قبضته في أمواج الظلام الجليل وانتفض ناهضًا ثمِلًا بالإلهام والقدرة فقال له قلبه لا تجزع فقد ينفتح الباب ذات يوم تحيةً لمن يخوضون الحياة ببراءة الأطفال وطموح الملائكة ، وهتفت الحناجر شادية : دوش وقت سحر أز غصه نجاتم دارند .. وأندر آن ظلمت شب آب حياتم دارند “.

55 / رد قلبي
عندما يكون مؤلف الرواية ضابطا في الجيش المصري ومؤيدا لحركة الضباط الأحرار الذين غيروا وجه التاريخ في مصر ليلة 23 يوليو عام 1952 م فإن أشهر رواياته سوف تكون بالطبع سجلا فنيا حافلا يحكي فيه قصة الثورة المصرية ، وهو الأمر الذي ينطبق على أعمال الأديب والروائي والوزير يوسف السباعي (1917 ـ 1978 م) أحد رواد القصة المصرية وهي كل من : رد قلبي ، نادية ، جفت الدموع ، ليل له آخر ، أقوى من الزمن ، العمر لحظة.
ففي الرواية الأولى رد قلبي تبدأ الأحداث في نهاية العصر الملكي من خلال قصة حب بين الضابط الشاب علي والأميرة إنجي ورفض والدها البرنس إسماعيل كمال أن يزوجها من ابن الريس عبد الواحد الجنايني ثم تقوم الثورة وتتبدل الأحوال ، وفي رواية نادية يتناول المؤلف إعلان تأميم شركة قناة السويس وما تبعها من أحداث من خلال حياة الأختين التوأم منى ونادية وما يجمعهما من اهتمام بالسياسة بالرغم من تناقضهما في السمات الشخصية.
وفي رواية جفت الدموع تأثر المؤلف بعمله في المنظمة الأفروآسيوية حيث تدور الأحداث حول السياسي اللامع سامي المؤمن بالقومية العربية والذي يتعرض للتشنيع بسبب علاقته السرية مع المطربة هدى ، وفي رواية ليل له آخر تتناول الأحداث قيام الوحدة المصرية السورية ثم الانفصال من خلال علاقة حب بين النقيب حمدي الضابط المصري الذي يعمل في سوريا أثناء الوحدة وسهير الفتاة السورية المصابة بشلل الأطفال والتي تبحث لها عن علاج.
وفي مسرحية أقوى من الزمن يصدرها المؤلف بإهداء خاص قال فيه (إلى الذين قالوا حانبني السد وبنوه) حيث اللقاء الخيالي بين المهندس عمر الذي يعمل في السد العالي والأميرة الفرعونية ميريت والتي خرجت له من أطلال المعبد الأثري وقد انبهرت بالمشروع الجبار للأحفاد ، أما رواية العمر لحظة فهي تحكي عن النكسة وحرب الاستنزاف ثم نصر أكتوبر من خلال الصحفية نعمت التي تتطوع في الجبهة لتمريض الجرحى وتصبح شاهدة عيان على الأحداث.
وهو صاحب إنتاج غزير في مجال الرواية والمسرح والسينما ، ومن أشهر أعماله الأخرى : نائب عزرائيل ، أم رتيبة ، إني راحلة ، أرض النفاق ، السقا مات ، بين أبو الريش وجنينة ياميش ، نحن لا نزرع الشوك ، طريق العودة ، بين الأطلال ، لست وحدك ، اثنتا عشر امرأة ، مبكى العشاق ، جميلة الجزائرية ، هذا هو الحب ، في موكب الهوى ، ابتسامة على شفتيه ، فديتك يا ليل ، خبايا الصدور ، البحث عن جسد ، همسة غابرة.
والده هو الكاتب محمد عبد الوهاب السباعي الذي ترجم كتاب (الأبطال وعبادة البطولة) لتوماس كارلايل وترجم أشعار عمر الخيام وكتب في مجلة (البيان) للشيخ عبد الرحمن البرقوقي وألف رواية (الفيلسوف) لكنها لم يكملها حيث توفي تاركا ابنه الأكبر يوسف في الرابعة عشرة من عمره فقام بإكمالها حيث تتناول انعكاس حياة مؤلفها الذي عاش في حي الدرب الأحمر بالقاهرة في أوائل القرن العشرين ووصف فيها تقلباته العاطفية.
تلقى يوسف السباعي تعليمه الثانوي في مدرسة شبرا حيث أصدر مجلة نالت إعجاب الإدارة ونشر عددا من القصص القصيرة في عدد من الإصدارات مثل مجلتي ومسامرات الجيب ، ثم التحق بالكلية الحربية وتخرج منها عام 1937 م حيث ظل ينشر قصصا قصيرة بشكل أسبوعي ثم أعقبها بعدد من الروايات ، وفي عام 1940 م عمل بالتدريس في الكلية الحربية وتدرج في الترقيات حتى وصل إلى رتبة عميد ثم عين مديراً للمتحف الحربي عام 1952 م.
وفي عام 1956 م عين سكرتيرا للمجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب ثم في عام 1957 م عين في منصب سكرتير عام منظمة تضامن الشعوب الأفريقية والآسيوية ، ثم عين رئيسًا لمجلس إدارة مؤسسة روز اليوسف عام 1961 م ورأس تحرير مجلة آخر ساعة عام 1967 م ورأس مجلس إدارة دار الهلال عام 1971 م وتولى وزارة الثقافة عام 1973 م ورأس المجلس الأعلى لاتحاد الإذاعة والتليفزيون ومجلس إدارة ورئيس تحرير الأهرام عام 1976 م.
وفي عام 1977 م اختير نقيبًا للصحفيين وأسهم في إنشاء نادي القصة وجمعية الأدباء ونادي القلم الدولي واتحاد الكتاب وعمل على إنشاء عدد من المجلات مثل : الأدباء العرب والرسالة الجديدة وزهور والثقافة والقصة ولوتس ومختارات القصة الآسيوية الإفريقية ومختارات الشعر الآسيوي الإفريقي وأصدر مجلة لكتاب آسيا وإفريقيا ، وفي عام 1978 م استشهد في قبرص إثر حادث إرهابي دبرته منظمة متطرفة ردا على زيارة السادات للقدس.
وقد عرف بلقب (فارس الرومانسية) حيث تحولت أعماله إلى أفلام سينمائية شهيرة لكن نجيب محفوظ أطلق عليه لقب (جبرتي العصر) لأنه سجل بكتاباته الأدبية أحداث الثورة منذ قيامها حتى حرب أكتوبر ، يصف توفيق الحكيم أسلوب السباعي بأنه سهل عذب باسم ساخر ويحدد محور كتبه بقوله أنه يتناول بالرمز والسخرية بعض عيوب المجتمع المصري بينما يرى فريد أبو حديد أن أسلوب السباعي سائغ عذب سهل سليم قوي متين.
وقد كتب عدد من النقاد عن أعمال يوسف السباعي لكن أقوى نقد تلقاه كان من الدكتور طه حسين والذي كتب عن رواية رد قلبي ووصفها بمصطلح (المطولة) بسبب حجمها الكبير وذلك في كتابه نقد وإصلاح حيث كتب قائلا : ” المطوَّلة .. رُدَّ قلبي ، هذه هي القصة التي أهداها إليَّ الأستاذ يوسف السباعي منذ أسابيع والتي أنفقتُ في قراءتها وقتًا ليس أقل منها طولًا.
فهي لا تُقرَأ في يومين ولا في أيام قليلة وإنما تُقرَأ في الأيام الكثيرة وفي الليالي الكثيرة أيضًا لأنها أطول من شهر الصوم الذي انقضى أخيرًا ومن عرقوب تلك الفتاة الذي شبَّهَه الشاعر القديم بشهر الصوم في بيته المشهور : نُبِّئْتُ أَنَّ فَتَاةً كُنْتُ أَخْطُبُهَا عُرْقُوبُهَا مِثْلُ شَهْرِ الصَّوْمِ فِي الطُّولِ ، ولا أشبهها بليالي الشتاء ففي ليالي الشتاء طول مملٌّ.
وليس في قصة الأستاذ السباعي على إغراقها في الطول ما يمل أو يغري بالملل ولكنها تمضي في طريقها هادئة حينًا وعنيفة حينًا آخَر فلا يكاد هدوءُها يغريك بالملل حتى تعنف فجأةً وترد عنك الملل ردًّا ، وتشغلك بأحداثها وأوصافها وتغريك بالقراءة والإمعان فيها حتى تبلغ من العلم بهذه الأحداث والأوصاف ما تريد ثم تردك مرة أخرى إلى الهدوء ، وهي لا تكاد تمضي مستقيمة مطردة حتى تلتوى بك إلى اليمين مرة وإلى الشمال مرة أخرى فتريحك من هذه الاستقامة التي كادت تشق عليك ثم تردك إليها بعد أن كاد الالتواء يرهقك من أمرك عسرًا.
والفرنسيون يسمون مثل هذه القصة قصةً نهرًا ، يجعلون النهر لها صفةً ولا يضيفونها إليه لأنهم يشبِّهونها بالنهر في طوله وفي كثرة ما يلتوي به مجراه وفي كثرة ما يعترض مجراه كذلك من العقبات والصخور التي تُخرِجه عن هدوئه واطراده واستقامته وتضطره إلى شيء من العنف والثورة والالتواء ليشق لنفسه طريقه إلى مصبه القريب أو البعيد ، ولست أخفي أني إنما سميتها المطوَّلة رجوعًا بالذاكرة إلى ذلك الكتاب الذي كنَّا نعرفه أيام الطلب في الأزهر والذي كان شيوخنا يحدِّثوننا عنه ولا يقرءونه لإغراقه في الطول وهو كتاب من كتب البلاغة.
ويكفي أن نعلم أن صفحات القصة تتجاوز الألف ثم تتجاوز المائتين بعد الألف وأنها تُقَدَّم إليك مرةً واحدةً لا مرات يتبع بعضها بعضًا ، فإذا رأيت أمامك هذين المجلدين الضخمين أخذك شيء من الروع ثم لم تلبث أن تحس شيئًا من فتور الهمة والإشفاق من أن تبدأها ثم تصرفك الصوارف عن إتمامها ، وأشهد أني رضيت عن نفسي حين رأيتني أفرغ من قراءة الصفحة الحادية عشرة بعد المئتين والألف وكنتُ أقدِّر أنني لن أبلغها.
وأشهد كذلك أن الأستاذ السباعي نفسه قد أخذه شيء من الدهش حين أنبأته بأني قرأتُ قصته هذه إلى آخِرها كما أن بعض الصديق أصابهم مثل هذا الدهش واعترفوا بأنهم حين رأوا القصة لم يحاولوا الأخذ في قراءتها لأنهم يئسوا من إتمام هذه القراءة ، وأنا بعد ذلك لا آسي على ما أنفقت في قراءتها من الأيام والليالي بعد أن سعدت بهذه القراءة كل السعادة واغتبطت بها أعظم الاغتباط ، فالقصة جديرة أن تقرأ حقًّا وأن تقرأ في أناة ومهل لا في سرعة وعجل وعسى أن تكون من خير ما أهدى الأستاذ السباعي إلى قرَّائه إن لم تكن خير ما أُهدِي إليهم لولا هنات سيكون الإلمام بها بعد حين.
فأنت واجد في هذه القصة حين تقرؤها ألوانًا كثيرة مختلفة من تصوير الحياة المصرية في ربع القرن الأخير ، تجد فيها السياسة وتجد فيها الإسراف في البؤس والإسراف في الثراء والإسراف في هذا التفاوت لا بين أبناء الوطن الواحد ولا بين أبناء المدينة الواحدة بل بين أبناء الحي الواحد أو الجزء الضئيل من هذا الحي ، فهذا القصر الضخم الفخم الذي تسرف الأيام على أهله بما تتيح لهم من النعيم وهذا البيت الصغير الحقير الذي تسرف الأيام على أهله بما تصبُّ عليهم من الفقر والشقاء والحرمان وبما تذكي في قلوبهم على رغم ذلك من الأمل والطموح ، هذا القصر الضخم وهذا المنزل الضئيل متجاوران ليس بينهما إلا خطوات يمكن إحصاؤها.
وأنت واجد في القصة إلى جانب التصوير للحياة السياسية والاجتماعية تصويرًا آخَر أعمق منه عمقًا وأروع منه روعةً وأشد منه إمعانًا في الجدة والطرافة والغرابة جميعًا وأريد به الحب الذي يلغي الفروق ويمحو الآماد ولا يحفل بالسياسة ولا يحفل بالحياة الاجتماعية وإنما يمضي في طريقه كما تمضي القصة يهدأ حينًا ويعنف حينًا آخَر ويستقيم مرة ويلتوي مرة أخرى حتى ينتهي إلى غاية بعد خطوب أي خطوب ، وبعد عبث بالقلوب وتعذيب للنفوس وإرهاق للأعصاب وامتحان لقدرة الإنسان على الصبر والمطاولة وعلى الجهاد والكفاح، وعلى النفوذ من المشكلات والتغلب على الخطوب حين يركب بعضها بعضًا وحين تجعل حياة الناس جحيمًا لا يطاق.
وأنت واجد بعد هذا كله فنونًا من تحليل النفس الإنسانية وأهوائها وعواطفها وآلامها وآمالها ودخائلها الملتوية المعقَّدَة وأسرارها التي تكاد تخفي حتى الضمير نفسه والتي تدفع الناس إلى أن يعملوا ويأملوا دون أن يعرفوا لمَ يأملون ويعملون ؟ ، ثم أنت متنقل أثناء هذه القراءة بين بيئات مختلفة متفاوتة أشد التفاوت فأنت في هذه الضيعة بين القصر الشامخ الضخم والبيت المتواضع الفقير ثم أنت في بيئة أخرى تخالفها أشد المخالفة بيئة المدرسة الحربية على ما لأساتذتها وطلابها وضباطها من تقاليد وعادات.
وأنت في القاهرة ثم أنت في الإسكندرية، ثم أنت على ساحل البحر مما يلي الصحراء ثم أنت في أعماق الصحراء قد بعدت أشد البعد عن النهر والبحر جميعًا وعشت في خيام لا يرى أهلها إلا رمال الصحراء وشمس السماء ونجومها فقدِّر أنت ما يكون لاختلاف هذه البيئات وتفاوت الحياة فيها والمعاشرة لأهلها من الأثر في نفسك حين ينقلك الكاتب بينها في أناة ورفق مرةً وفي سرع وعنف مرة أخرى ، وليس هذا كل ما تجد في هذه القصة بل أنت واجد فيها ألوانًا من العلم قلَّما تعرض عليك في كتابٍ فحياة الجند في ثكناتهم منذ يصبحون إلى أن يظلهم الليل ومنذ يمسون إلى أن يسفر عنهم الصبح والصلة بينهم وبين الضباط والصلة بين بعض الضباط وبعض على اختلاف مراتبهم ومنازلهم في نظامهم ذاك العسكري.
كل هذا تجده مفصَّلًا في القصة تفصيلًا يرضي حاجتك إلى المعرفة والاستطلاع ، ولولا أن كاتب القصة قد بَلَا حياةَ الطالب في المدرسة الحربية وحياة الضابط منذ يتخرج من هذه المدرسة إلى أن يبلغ المرتبة التي بلغها من مراتب الجيش لما أتيح له أن يعرض عليك هذه الفنون من المعرفة في هذه الدقة التي أشهد أنها تروق وتشوق ، وأشياء كثيرة أخرى تجدها في قراءة هذه القصة ، ولست أريد أن أمضي في الحديث عنها لأني لا أريد أن أطيل كما أطال الأستاذ السباعي ولو حاولت لما رضي قرَّاء هذه الفصول فهم إلى وقتهم أشد حاجةً وهم عليه أعظم حرصًا من إضاعته في قراءة الأحاديث المطولة وخير لهم أن ينفقوه في قراءة القصة نفسها فسيجدون فيها من المتعة ما هو أقوى وأقوم مما يجدونه حين يقرءون هذا الحديث.
والقصة على طولها واختلافها بين الهدوء والعنف وبين الاستقامة والالتواء يسيرة التلخيص أو قُلْ إن ما يمتع منها ويروق يسير التلخيص فنحن في قصر شاهق أنيق من قصور الأمراء السابقين وصاحب القصر يمشي في بستانه متفقدًا شجره وزهره وزينته والبستاني عبد الواحد يسعى بين يديه يجيبه حين يسأل ويطيعه حين يأمر ويتملقه في الاستجابة والطاعة جميعًا ، ولهذا البستاني غلامان لم يتجاوزا صباهما بعدُ صحبا أباهما إلى البستان في ذلك اليوم واستخفيا حين ظهر الأمير وإن الأمير لماضٍ في تفقُّد بستانه يرضى حينًا ويسخط أحيانًا ويرفق مرة ويعنف مرة أخرى.
وإذا صيحة مخيفة تخرجه عما هو فيه فإذا تبيَّن مصدرها عرف أن ابنته الصبية إنجي قد خالفت عن أمر أبيها وركبت عربة من عربات النقل الخفيفة على قضبان هُيِّئَتْ لها في البستان وانحدرت العربة بها مسرعة لا تلوي على شيء فعرَّضتها لخطر لا شك فيه حين تبلغ غاية القضبان والمربية تصيح مرتاعةً والأمير ينظر وليس أقل منها ارتياعًا ، ولكن العربة تقف فجأةً لأن جسمًا ممتدًا على هذه القضبان قد اعترضها فأنقذ الأميرة الصبية من الموت فإذا حاول الأمير أن يعرف هذا الجسم الذي أنقذ ابنته راعه أنه ليس إلا عليًّا ابن البستاني وأكبر صبيته سنًّا.
ومنذ ذلك الوقت شغفت الصبية بالصبي لأنه أنقذ حياتها وشغف الصبي بهذه الأميرة الناشئة لأنه أنقذ حياتها أيضًا ، والأميرة مدينة لهذا الصبي ترى أن له عليها حقوقًا يجب أن تُؤدَّى إليه والصبي مستخزٍ من مكانه ذاك ومن ظهور الأمير عليه في بستان القصر الذي لا ينبغي أن يلم به إلا السادة والخدم الذين يعملون فيه وهو مستخزٍ كذلك من ثيابه الرثَّة وبنطلونه المرقع الذي يكره أن يرى مكان الرقعة منه ، ومهما يكن من شيء فقد اتصل قلْبَا الصبيين وكان لهذا الاتصال ما بعده.
والصبي ينمو ذكي القلب حاد الذهن رقيق الشعور دقيق الحس منطويًا على نفسه، متقدِّمًا في الدراسة حتى يتاح له النجاح في كل ما يؤدي من امتحاناته ، والقصة كلها تدور حول هذين الصبيين اللذين التقيا في ذلك الموقف فلم يَنْسَ أحدٌ منهما صاحبه وإنما استقر في قلب كل واحد منهما حبٌّ لصاحبه جعل ينمو ويشتد ويزداد قوةً على مر الأيام حتى انتهى إلى ما لم يكن بدٌّ من أن ينتهي إليه ، فابن البستاني يحب الأميرة هائبًا لها يائسًا منها والأميرة تحب ابن البستاني رفيقة به عطوفًا عليه يائسة منه وليس بدٌّ للحب من أن يلغي هذا الفرق الهائل بين المحبين فلا بد من أن تنزل الأميرة إلى ابن البستاني أو يرقى ابن البستاني إلى الأميرة.
وكلا العاشقين يؤدِّي إلى الحب دَيْنه كأحسن ما يُؤدَّى الدَّيْن فابن البستاني قد أصبح طالبًا في المدرسة الحربية بعد خطوب كثيرة ملتوية معقَّدة والأميرة تنزل عن كبريائها والمصادفة تهيِّئ لهما اللقاء بين حين وحين وقد أصبح ابن البستاني ضابطًا في الجيش وأصبح جديرًا إنْ رأته حبيبته ألَّا تقتحمه عينها ، وهي سعيدة بتدرُّج الفتى في هذا الرقي ترى في ذلك تقريبًا لما بينهما من أمد بعيد والمتاعب تكثر والمشكلات تتعقد بين العاشقين يدنوان ليبعدا ويبعدان ليدنوا وليس بدٌّ من الثورة لتريح العاشقين من شقائهما المتصل ولتلغي ما كان بينهما من فروق ولتتيح لهما أن يخلصا كلٌّ منهما لصاحبه ولكن بعد أهوال أي أهوال.
وقصة الثورة وتاريخ الأحداث التي مهَّدت لها والظروف التي اقتضتها وما نشأ عنها من تغيُّر في حياة السادة والمسودين وفي النظم السياسية والاجتماعية كلُّ هذا هو الذي أطال القصة وأمعن بها في هذا الطول ، ولا بدَّ من الاعتراف بأن هذه القصة تنقسم في حقيقة الأمر إلى أقسام ثلاثة : أحدها قصة الثورة وما كان قبلها وما كان بعدها من الخطوب وهذا القسم على طوله لا يعطي القارئ شيئًا جديدًا ولا يقفه موقفًا طريفًا وإنما هو التاريخ السياسي لمصر منذ وليَ فاروقٌ إلى أن أقصته الثورة عن مصر وهو التاريخ السياسي كما قرأه الناس في الصحف قبل الثورة وكما قرءوه بعد الثورة هو التاريخ السياسي الرسمي الذي يعرفه الناس الآن ليس فيه جديد وعسى أن ينقصه كثير جدًّا من التحقيق والتعمق.
والقسم الثاني قيِّم حقًّا ولكنه ينفع العقل أكثر مما يمس القلب وهو القسم الذي تُصوَّر فيه حياة الضابط المصري في بيئته العسكرية بين زملائه وبين الجند مع تفصيل مطوَّل ولكنه نافع ممتع لأنه يُظهِر مثلَك ومثلي من الذين لا يعرفون شئون الجيش ولا حياة الضابط على حقائق من الخير لهم أن يعرفوها ، أما القسم الثالث فهو أقوم هذه الأقسام كلها وأعظمها حظًّا من الإمتاع للقلب والعقل والذوق جميعًا وهو تصوير هذا الحب بين هذين الصبيين وكيف نما وكيف تطوَّر وكيف عبث به البُعْد والقرب جميعًا وكيف أثَّر فيه اختلاف الطبقة وتفاوت المنزلة وكيف أتيح له آخِر الأمر أن ينتصر ويفوز.
في هذا القسم استطاع الأستاذ السباعي أن يكون كاتبًا ماهرًا حقًّا فهو قد عرف كيف يحلِّل نفوس طائفة من الناس يتفاوتون في الطبقة والمنزلة وفي الذكاء والغباء وفي العلم والجهل وفي التواضع والكبرياء وفي الثقة بالنفس والشك فيها وفي الإيمان بالله والشك فيه أيضًا ، وفيه أتقن الأستاذ السباعي أيضًا تصوير الطموح الذي يستأثر بنفوس الطبقات الفقيرة ويدفعها إلى الجد والكد ويعرضها للإخفاق مرة وللنجاح مرة أخرى ويُخرِجها على كل حال من طورها الضئيل المتواضع إلى طور الطبقة الوسطى التي لا حدَّ لمطامعها.
وفيه كذلك صوَّر الأستاذ السباعي أدقَّ تصوير وأصدقه عبثَ الشباب وافتتانهم بما يتعرضون له من المغريات ومضيَّ هذا العبث إلى غايته مرة، وتحوُّله مرة أخرى إلى الحب القويِّ العنيف الذي يذهل صاحبه عن كل شيء ، ولو شئتُ لمضيتُ في تصوير ما تمتاز به قصة الحب والمحبين وما يحيط بها ويكتنفها من المشكلات والخطوب ولكن هذا القسم الثالث وحده جدير أن يكلفك قراءة القصة على طولها وعلى إسرافها في إنبائك بما تعرفه عن أنباء السياسة وخطوبها ، وأنا أعترف بأني كنت أتعرَّض للملل في قراءة هذا التاريخ السياسي الطويل لأني لا أجد فيه جديدًا فلا ينقذني من الملل إلا مهارة الكاتب في الرجوع بنا إلى قصة الحب قبل أن يصرفنا الملل عن القراءة.
وليس لي بعد ذلك إلا ملاحظتان اثنتان كنتُ أتمنى ألَّا أضطر إليهما فأما أولاهما فتتصل باللغة وهي لا تخلو من طرافة فقد خُيِّلَ إليَّ حين أخذتُ في قراءة القصة أن الكاتب قد عاد إلى الحق ورجع إلى الصواب وآمَن باللغة العربية الفصحى وإعرابها ، ولكني لم أَكَدْ أمضي في قراءة القصة مائتي صفحة حتى راعني ما فيها من استخفاف بالفصحى وازدراء للإعراب وإعراض عن أيسر أوَّلِيَّاته وتورُّط في فنون من الهجن لا تخطر لكاتب ولا لقارئ على بال.
وكأن القصة طالت على الكاتب نفسه فعني باللغة في أولها ثم أدركه السأم فأرسل قلمه بغير حساب وكأنه قد اطمأن إلى أن مثلي من الذين يتحرجون في اللغة لن يقرءوا هذه القصة إلى آخِرها فأطلق نفسه على سجيتها وكتب غير حافل بخطأ أو صواب ، وربما لم يحفل هو بمثل هذه الملاحظة لأنه لا يهتم للإعراب ويريد أن يشاركه الناس في الإعراض عنه والازدراء له ولكني أؤكد له ناصحًا أن هذا الإهمال يشين قصته حقًّا ويسيء إليها في غير استحقاق منها لهذه الإساءة.
أما الملاحظة الثانية فتتصل بآخِر القصة الذي هو جدير بفيلم من أفلام السينما كما نعرف الأفلام السينمائية في مصر فهذه الأحداث الكثيرة العنيفة التي يتبع بعضها بعضًا في سرعة خاطفة وهذا الدم الذي يُسفَك وهذا العاشق الذي يُجرَح في ظهره والعاشقة التي تُجرَح في قدمها والرصاص الذي ينطلق بحسابٍ أو بغير حسابٍ ، كل هذا يهبط بالقصة من منزلةٍ كانت رفيعة إلى منزلة لا أحبها لكاتب مجيد كالأستاذ السباعي.
فمتى يتاح لكتَّابنا أن يراقبوا أقلامهم وأن يمتلكوا أنفسهم وألَّا يستجيبوا لهذه الدعوة الخطيرة التي تدعوهم إليها السينما والتمثيل الرخيص ؟ ، هذه قصة بدأت كأحسن ما تبدأ القصص وانتهت كأسوأ ما تنتهي واضطربت بين بدايتها ونهايتها في ألوان من الإجادة الرائعة والتهافت المؤلم ، ولو راقب الكاتب نفسه أولًا وقلمه ثانيًا لأهدى إلى قرَّائه قصةً من خير ما يُهدَى إلى القرَّاء في هذه الأيام “.

56 / في بيتنا رجل
هناك جسر عابر بين الأدب المكتوب والفن المرئي والمسموع حيث تحولت كثير من القصص والروايات إلى أفلام سينمائية ومسرحيات ومسلسلات إذاعية وتليفزيونية خاصة في النصف الثاني من القرن العشرين ، وفارس هذا المضمار هو بلا منازع الأديب الكبير إحسان عبد القدوس (1919 ـ 1990 م) والذي حاز فيه قصب السبق وتربع على عرش السينما والدراما بلا مدافعة وخلدت أعماله في الوجدان الجمعي لأجيال من محبي الأدب والفن ، ونظرة واحدة إلى عناوين أعماله سوف تجدها محفورة في الذاكرة ومعروفة للقاصي والداني.
ومن أشهرها رواية (في بيتنا رجل) والتي تدور أحداثها حول البطل الشاب إبراهيم حمدي الذي يقدم على قتل رئيس الوزراء عبد الرحيم باشا شكري بسبب خيانته وعلاقته بالاحتلال حيث يهرب من السجن ويلجأ للاختباء في منزل زميله في كلية الحقوق محيي زاهر البعيد عن السياسة حيث تخفيه الأسرة في ظل عاطفة وطنية جارفة رغم خطورة ذلك عليهم ، والقصة مستوحاة من حادثة حقيقية هي واقعة اغتيال أمين عثمان باشا وهروب الفاعل حسين توفيق والذي اختبأ فترة من الزمن في بيت إحسان عبد القدوس نفسه.
ومن أعماله التي حملت أبعادا سياسية واجتماعية قصص : لن أعيش في جلباب أبي ، يا عزيزي كلنا لصوص ، لا تطفىء الشمس ، الرصاصة لا تزال في جيبي ، حتى لا يطير الدخان ، الراقصة والسياسي ، ، شيء في صدري ، وفي أعمال أخرى تناول العلاقة بين الرجل والمرأة وقضايا الحرية النسوية وتغير أخلاقيات المجتمع ومنها قصص : النظارة السوداء ، أنا حرة ، أين عمري ، الوسادة الخالية ، الطريق المسدود ، لا أنام ، البنات والصيف ، بئر الحرمان ، أنف وثلاث عيون ، العذراء والشعر الأبيض ، ونسيت أني امرأة.
كما كتب قصصا للسينما مباشرة مثل فيلم (الله معنا) والذي يتناول قضية الأسلحة الفاسدة والتي تولى المؤلف الكتابة عنها في وقتها وتسببت في أزمة سياسية كبرى ، وأفلام أخرى منها : نساء بلا رجال ، هي والرجال ، كرامة زوجتي ، أبي فوق الشجرة ، الخيط الرفيع ، إمبراطورية ميم ، دمي ودموعي وابتساماتي ، غابة من السيقان ، آه يا ليل يا زمن ، أنا لا أكذب ولكني أتجمل ، ولا يزال التحقيق مستمرا ، الراقصة والطبال ، أرجوك أعطني هذا الدواء ، لا تسألني من أنا ، قبل الوصول لسن الانتحار ، أيام في الحلال ، إلا ابنتي.
وقد نشأ المؤلف في أسرة فنية وصحفية حيث كان والده هو المؤلف والممثل محمد عبد القدوس رضوان (1888 ـ 1969 م) وجده لوالده هو الشيخ أحمد رضوان العالم الأزهري ورئيس الكتاب بالمحاكم الشرعية ، ووالدته هي السيدة فاطمة محيي الدين اليوسف (1898 ـ 1958 م) وهي لبنانية من جذور تركية رحلت إلى مصر في طفولتها وعملت بالتمثيل المسرحي ثم اشتغلت بالصحافة وأسست مجلة روزاليوسف الفنية ومجلة صباح الخير الشبابية ، وأما ابنه فهو الكاتب الصحفي والناشط السياسي الأستاذ محمد عبد القدوس.
وقد نشأ المؤلف بين عالمين مختلفين حيث عاش في بيت جده لوالده وسط أجواء محافظة والتزام بالتقاليد والعادات والحرص على العبادات وحضور ندوات لشيوخ الأزهر ودروس دينية منتظمة ثم كان ينتقل منها إلى بيت والدته حيث أجوار التحرر ولقاءات الأدباء والمثقفين والشعراء والسياسيين ورجال الفن ، وكتب عن ذلك قائلا : ” إن الانتقال بين هذين المكانين المتناقضين يصيبني في البداية بما يشبه الدوار الذهني حتى اعتدت عليه بالتدريج واستطعت أن أعد نفسي لتقبله كأمر واقع في حياتي لا مفر منه “.
تخرج من كلية الحقوق عام 1942 م وعمل فترة بالمحاماة ولم يحقق فيها نجاحا فالتحق بالعمل الصحفي حيث تولى رئاسة تحرير مجلة روزاليوسف عام 1945 م كما تولى رئاسة مجلس إدارتها بعد وفاة والدته ، وقد اشتبك مع العمل السياسي في فترة الأربعينات وأثار قضية الأسلحة الفاسدة في حرب فلسطين عام 1948 م وحظي بعلاقة طيبة مع الضباط الأحرار لكنه تعرض للاعتقال لمدة ثلاثة شهور بعد أزمة مارس عام 1954 م بعد أن كتب مقالة تهاجم مجلس قيادة الثورة بعنوان (الجمعية السرية التي تحكم مصر).
تولى منصب رئيس تحرير جريدة أخبار اليوم مرتين الأولى من عام 1966 م إلى عام 1968 م والثانية من عام من 1969 م حتى 1974 م ثم عين في منصب رئيس مجلس الإدارة إلى جانب رئيس التحرير في الفترة بين 1971 م إلى 1974 م ، انتقل بعدها للعمل ككاتب بصحيفة الأهرام وفي عام 1975 م عُين رئيسًا لمجلس إدارة مؤسسة الأهرام واستمر يشغل هذا المنصب حتى عام 1976 م ثم عمل بعدها كاتبًا متفرغًا ومستشارًا بالأهرام ، وله كتابات في الشأن العام بعنوان (على مقهى في الشارع السياسي).
ورغم التحرر البادي في أعماله إلا أنه على المستوى الشخصي كان يقدس الحياة الزوجية فتزوج زيجة واحدة مستقرة استمرت قرابة نصف قرن ، وكتب كثيرا عن زوجته في كثير من أعماله وكان يسميها (رئيسة مجلس إدارة حياتي) حيث تولت العناية بشئونه وساعدته على التفرغ للكتابة ، وفي روايته (لا تطفيء الشمس) قال عنها إنها الحياة ومحور الحياة وكتب لها إهداء قال فيه : (إلي الهدوء الذي صان ثورتي والعقل الذي أضاء فني والصبر الذي غسل ذنوبي).
وقد اشتهرت عباراته الأدبية بسبب سهولة أسلوبه في التعبير مثل مقدمة قصته (ونسيت أني امرأة) حيث يقول : ” كل منا له وجهان وجه للناس ووجه داخل نفسه والمستحيل هو التوفيق بين الوجهين ” ، وفي مقال له بمجلة الهلال يتحدث عن الخيال فيقول : ” أنا مقتنع بأن هناك نوعا من الجنون أحب أن أسميه جنون القراءة أن تفقد شخصيتك وتعيش في شخصية أخرى خصوصا قراءة القصص تساعدك على هذا الجنون لأنها تنقلك من شخصيتك إلى شخصية البطل أو البطلة التي تقرأ عنها “.
وهو صاحب أكبر عدد من الأعمال التي تحولت إلى أفلام ومسلسلات كما نجح في الوصول إلى العالمية وترجمت معظم رواياته إلى اللغات الإنجليزية والفرنسية والصينية والألمانية ، وعندما نشرت قصة الوسادة الخالية كتب عنها يحيى حقي في مجلة الرسالة قائلا : ” لو أقيم عندنا معبد للحب لكان الأستاذ إحسان عبد القدوس رغم شبابه حفيا بأن يكون كاهنه الأكبر إليه يصعد بريد القلوب ” ، واشتهرت عبارته التي بدأ بها القصة قائلا : ” في حياه كل منا وهم كبير يسمي الحب الاول لا تصدق هذا الوهم فان حبك الاول هو حبك الأخير “.
ويعتبر المؤلف من أوائل الروائيين العرب الذين تناولوا في قصصهم الحب البعيد عن العذرية واتهمت بأنها تصور فساد المجتمع المصري وانغماسه في الرذيلة وحب الجنس والشهوات والبعد عن الأخلاق لكنه دافع عن نفسه قائلا : ” لست الكاتب المصري الوحيد الذي كتب عن الجنس فهناك المازني في قصة (ثلاثة رجال وامرأة) وتوفيق الحكيم في قصة (الرباط المقدس) وكلاهما كتب عن الجنس أوضح مما كتبت ولكن ثورة الناس عليهما جعلتهما يتراجعان ، ولكنني لم أضعف مثلهما عندما هوجمت فقد تحملت سخط الناس عليّ لإيماني بمسؤوليتي ككاتب !!
ونجيب محفوظ أيضاً يعالج الجنس بصراحة عني ولكن معظم مواضيع قصصه تدور في مجتمع غير قارئ أي المجتمع الشعبي القديم أو الحديث الذي لا يقرأ أو لا يكتب أو هي مواضيع تاريخية لذلك فالقارئ يشعر وكأنه يقرأ عن ناس من عالم آخر غير عالمه ولا يشعر بأن القصة تمسه أو تعالج الواقع الذي يعيش فيه لذلك لا ينتقد ولا يثور ، أما أنا فقد كنت واضحاً وصريحاً وجريئاً فكتبت عن الجنس حين أحسست أن عندي ما أكتبه عنه سواء عند الطبقة المتوسطة أو الطبقات الشعبية دون أن أسعى لمجاملة طبقة على حساب طبقة أخرى “.
وحول ضيقه من النقاد يحكي كامل الشناوي في كتابه زعماء وفنانون وأدباء فيقول : ” إحسان عبد القدوس ثائر على النقاد ! .. رأيت اليومَ إحسان عبد القدوس وهو يغلي من الغضب وعندما يغضب إحسان تتقلص عضلات وجهه وتتناثر الألفاظ من فمه كما لو كانت شظايا وتصاب حروف الكلمات بانتفاخٍ شديد فإذا الذال كالظاء والسين كالصاد والدال كالضاد وحرف الراء كحرف الغين !
قال إن النقاد يتعقبونه بالهجوم والتجريح فهم يتهمونه بأنه يعمد في قصصه إلى الإثارة الجنسية وأنه بهذه الطريقة استطاع أن يجمع حوله كل القراء المراهقين ، وهؤلاء النقاد يكيلون له الاتهامات جزافًا فكثيرون منهم لم يقرءوا له عملًا كاملًا ومع ذلك استباحوا لأنفسهم أن يرموه بشر التهم ! ، وقلت لإحسان : لا ينبغي للمفكِّر أن يضيق بالنقد مهما يكن قاسيًا ، قال : إنني لا أبالي بالقسوة ولكني أكره الظلم والنقاد الذين تصدوا لأعمالي بالهدم لم يكونوا قساة ولكنهم كانوا ظالمين !
وضرب مثلًا على هذا الظلم بما كتبه عنه الدكتور مندور وقال : لقد سبق للدكتور مندور أن اتهمني بأني اقتبستُ قصتي القصيرة (دعني لولدي) من الكاتب العالمي ستيفان زفايج وقد رددتُ على نقده بأسلوبٍ اعتمدتُ فيه على المنطق وكل الذين اطَّلَعوا على ردِّي اقتنعوا بأني لم أقتبس القصةَ من أحدٍ وأن فكرة غيرة الطفل على أمه من عشيقها وهي الفكرة التي عالجتها في قصتي بعيدة في سياقها وتفصيلاتها وجَوِّها عن الفكرة التي عالجها زفايج ، وقد اعترف مندور بأني تناولتُ الفكرةَ بأسلوبي الخاص وطابعي الذي تميَّزْتُ به وما هو الفن ؟ إنه أسلوب وطابع ، والقصة الجديرة بالبقاء هي القصة القائمة على أساسٍ فنيٍّ صحيح ولو تشابهت مع غيرها والقصة التي لا تبقى هي القصة القائمة على أساسٍ زائف ولو احتوت على أشياءَ لم تخطر ببال أحد.
وقال إحسان إنه تحمَّسَ للردِّ على مندور واعتزم أن يطالب الجريدة بنشر قصته وقصة زفايج في صفحتين متقابلتين ليستطيع القراء أن يحكموا له أو يحكموا لمندور ، ولكنه وجد أن نقد مندور وإنْ كان ينطوي على تجنٍّ وتحامُل فهو أيضًا ينطوي على تراجعٍ وتأنيب ضمير فقد أصرَّ على اتهامه في صخبٍ وضجة ثم لم يلبث أن تراجع في هدوء وتحصَّنَ أمام قرَّائه بالعبارات التقليدية مثل الإطار العام والطابع الخاص ! ، إن الدكتور مندور قد اقتنع بأنه ظلمني في الاتهام الذي وجَّهَه لي وكل ما في الأمر أنه عزَّ عليه أن ينفي الاتهام أو يسحبه.
والشعور الذي ينتاب إحسان عبد القدوس من النقد هو شعور أكثر المفكِّرين والفنانين فهناك عداء طبيعي بين الناقد وبين المفكِّر والفنان ، المفكرون والفنانون يرون أنهم لو لم يكونوا لما كان النقاد فهم لا يخلقون الأثر الفني وحده ولكن يخلقون الناقد أيضًا ! وإلا فكيف يوجد الناقد إذا لم يجد ما ينقده ؟ ولهذا يؤلمهم أن يتعالى النقاد عليهم لأنهم خالقون والنقاد مخلوقون ! ، أما النقاد فهم يرون أنهم العلماء والمثقفون وأن المفكِّرين والفنانين ليسوا إلا مواهب تحتاج إلى تبصيرٍ بالعلم والثقافة والتوجيه وهي أشياء تفرَّغَ لها النقاد ولا يستطيع المفكِّرون والفنانون أن يجاروهم في العلم والثقافة لأن هذه المجاراة لا تدع لهم وقتًا للخلق والإنتاج !
ولا أنكر أن النقاد كثيرًا ما يجنحون في نقدهم إلى القسوة والظلم والتجنِّي ولكن هذا الجنوح يفيد العمل الفني الأصيل وكم نسمع من فنانٍ أن النقاد تآمروا عليه وهاجموه وعندي أن التآمُرَ بالكلمة أهون من التآمُرِ بالصمت ! ، وما تعانيه نهضة المسرح والسينما والشعر في بلادنا ليس مبعثه هجوم النقاد عليها ولكن مبعثه تجاهلهم لهذه النهضة ومواجهتهم لها بالصمت العميق ! وكيف يتكلَّمون وقد بلغَتِ الحساسيةُ بممثِّلينا وشعرائنا حدَّ البكاء والعويل من أي نقد لا ينتهي بتضفير أكاليل الغار على كل مسرحية وكل فيلم وكل ديوان شعر جديد !
وقلتُ لإحسان : لتكن لك أسوة في أستاذنا سقراط لقد اتهمه حكام أثينا بإفساد الشباب بآرائه وسقوه السم ! ، وقال إحسان : لقد كان سقراط فيلسوفًا وأنا لستُ بفيلسوف إنني فنان أعيش بأعصابي فدعوا لي أعصابي كي أعيش وأعمل إنني أحِبُّ الفنَّ وأكره الفلسفةَ وعندما أصبح فليسوفًا اشنقوني ! “.
لكنه مع ذلك كان واسع الصدر للنقد البناء ومشجعا له كما يحكي عبد العظيم أنيس في كتابه ذكريات من حياتي حيث قال : ” ذكريات مع إحسان عبد القدوس .. رأيت إحسان لأول مرة في المدرسة مدرسة فؤاد الأول الثانوية كان هو في السنة الخامسة أو الرابعة لا أذكر بالضبط وكنت بالسنة الأولى ، كان إحسان تلميذًا مرموقًا في المدرسة فأمه السيدة روز اليوسف الصحفية المشهورة ووالده الأستاذ محمد عبد القدوس الممثل المعروف بينما لم يكن أحد يعرفنا.
ومع أن إحسان لم يكن آنذاك يعرفني شخصيًّا إلا أنني كنت أعرف عن طريق أقاربي من عائلة أمي القاطنين في حي العباسية الكثير عنه فقد كنت أعرف أنه يقيم مع عمته في شارع رضوان شكري (حيث كان يقيم نجيب محفوظ) سنين طويلة وأنه ظل يقيم مع عمته السيدة نعمات رضوان إلى أن أنهى دراسته الثانوية والتحق بكلية الحقوق فانتقل إلى منزل والدته.
وظللت أتابع من بعيد إحسان في عمله الصحفي ومقالاته النارية عن قضية الأسلحة الفاسدة دون أن نلتقي إلى أن عدت من البعثة بعد حصولي على الدكتوراه من جامعة لندن في سبتمبر سنة ١٩٥٢م وتم تعييني مدرسًا بقسم الرياضة البحتة بكلية العلوم جامعة القاهرة وبدأت أكتب مقالاتي في الأدب في صفحة يوم الأحد بصحيفة المصري وأذكر أنني كتبت مقالًا عن (الأدب الواقعي) تعرضت فيه بشكل جانبي لقصص إحسان ورأيي السلبي فيها.
وإذا بأحد الأصدقاء من العاملين مع إحسان في روزاليوسف يتصل بي تليفونيًّا ويبلغني بأنه يريد أن يراني فلما ذهبت إليه في مكتبه فوجئت به يعرض عليَّ الكتابة بانتظام في روزاليوسف وهكذا بدأت صلتي من جديد بإحسان وبالمجلة وظللت أكتب فيها حتى نهايات عام ١٩٥٤م وأذكر أنني قمت بتحرير باب (أدب) في المجلة بعد انتقال فتحي غانم إلى أخبار اليوم “.

57 / الأرض
في الأدب المصري كثيرا ما ترمز القرية للوطن كله حيث جدلية العلاقة بين الفلاح والسلطة والمواطن والحكومة ، ولا شك أن الأعمال الروائية التي أبدعتها قريحة المؤلفين خلال العقود الماضية قد تقاطعت مع الأحداث السياسية الجارية والتوجهات الفكرية السائدة ورصدت كل ذلك بمهارة وحرفية ، وقد تحمل الرواية طابعا رمزيا يرسل من خلاله المؤلف الرسالة التي يريدها أو ربما ذكر ما يريد تصريحا لا تلميحا وذلك حسب ما تمليه الظروف وتقتضيه الأحوال.
ومن الأعمال الخالدة التي صرحت بذلك رواية الأرض من تـأليف الأديب والصحفي والشاعر والمفكر الإسلامي عبد الرحمن الشرقاوي (1921 ـ 1987 م) حيث البطل هنا هو (محمد أبو سويلم) الفلاح المتمسك بأرضه ضد تآمر الأعيان وظلم السلطة ، وقد استوحى المؤلف أحداثها من وقائع حقيقية شاهدها بنفسه في الريف حيث ولد ونشأ في قرية الدلاتون مركز شبين الكوم بالمنوفية ولهذا جاء هذا العمل الملحمي معبرا بصدق عن حالة مصر في العصر الملكي.
تخرج المؤلف من كلية الحقوق جامعة فؤاد الأول عام 1943 م وعمل فترة بالمحاماة ثم اتجه إلى الصحافة حيث عمل في مجلة الطليعة ثم مجلة الفجر وعمل بعد ثورة 23 يوليو في صحيفة الشعب ثم صحيفة الجمهورية ثم شغل منصب رئيس تحرير روز اليوسف ثم عمل في جريدة الأهرام ، وتولى عددا من المناصب منها سكرتير منظمة التضامن الآسيوي الأفريقي وأمانة المجلس الأعلى للفنون والآداب وفي عام 1974 م حصل على جائزة الدولة التقديرية.
وفي عام 1954 م أصدر أولى أعماله وهي هذه الرواية (الأرض) وتحولت بعد ذلك إلى فيلم سينمائي من أشهر وأروع أفلام السينما المصرية ، ثم تتابعت أعماله الروائية وهي : قلوب خالية ، الشوارع الخلفية ، الفلاح ، ومن أشهر أعماله مسرحية الحسين ثائراً ومسرحية الحسين شهيدا ومأساة جميلة (عن الجزائرية جميلة بوحيرد) ومسرحية الفتى مهران والنسر الأحمر وأحمد عرابي وفي الفكر الإسلامي كتب محمد رسول الحرية وعلى إمام المتقين والفاروق عمر.
وكان عبد الرّحمن الشّرقاوي متأثرا بالأفكار الاشتراكية حيث کان عضواً في جماعة أنصار الإسلام اليساريّة في شبابه لكنه نفى عن نفسه تهمة الانتماء للشيوعية حيث كان واحداً من الكتاب العرب الذين فهموا الإسلام وفق معيار العدالة والمساواة وعبر عن ذلك في أعماله حيث أدرك أنّ جوهر الدين هو مساندة الفقراء والمستضعفين في الأرض وهو القائل : لو کان کارل مارکس قرأ القرآن ودرس السنة المحمّديّة لمّا أحتاج أن يؤلف رأس المال ، وقد شارك في كتابة سيناريو فيلم (الرسالة) بالاشتراك مع توفيق الحكيم وعبد الحميد جودة السحار.
وتدور أحداث (الأرض) في سنوات الثلاثينيات في عام 1932 م وعام 1933 م في عصر الملك فؤاد ووزارة إسماعيل صدقي باشا التي عطلت الدستور وانحازت للأعيان وتشهد صراعا حقيقيا بين الفلاحين الذين يفلحون الأرض وهؤلاء الذين يستغلونها دون أن يعملوا ويبدو الاستغلال في صور كثيرة منها الضرائب وبيع وشراء منتجات الأرض وتحديد دورات الري لأرض الفلاحين وأخيرا انتزاع الأرض بهدف إنشاء السكة الزراعية ويشتد النضال من أجل الحصول على الماء للأرض بين كبار الملاك وصغار الفلاحين “.
ويرى بعض النقاد أن ملحمة الأرض ليست رواية بالمعنى المفهوم وإنما هي أقرب لكتابة يسترسل فيها المؤلف مستعيدا ذكرياته في الريف ويحكيها على لسان الراوي الذي يطل على القرية في فترة أجازته الدراسية ، فهناك محور الأحداث وهم محمد أبو سويلم وعبد الهادي ودياب (رمز الفلاح الحقيقي) وهناك بقية الشخصيات من الموظفين والشيوخ والتجار والعمدة والغفر والهجانة ورعاة الغنم وغيرهم وقد عبر المؤلف عن ذلك بوضوح في مقدمة الرواية وكتب عن ذلك قائلا :
” لست أريد بهذه الصفحات أن أكتب رواية طويلة ولا أن أروي هنا تاريخ بعض الرجال أو النساء ولا ذكرياتي ولست أحتال على القارئ لأسرق اهتمامه ويقظته فأؤكد له أن الأبطال الذين يضطربون عبر هذه الفصول لم يعيشوا أبدًا إلا في الخيال ، لن أخدع القارئ لأسرق اهتمامه إلى هذا الحد فخيالاتنا في النهاية لا تستطيع أن تخلق الكائنات التي تمضي مع الحياة مثقلة بالحياة تحلم وتتعذب وتعرف المتاع واليأس والهوى والدموع والضحكات والأمل الغامض وتصنع المستقبل في إصرارٍ حزين.
وما أنا بزاعمٍ أني عرفت حياة الذين أتحدث عنهم فنحن في مصر لا نكاد نعرف قصة كاملة لإنسان وقصة الإنسان في مصر تظهر فجأة وتمضي فاترة رتيبة يخالجها الاحتدام والغليان لبعض الوقت ثم تمهد وتغيض ، تغيض شيئًا فشيئًا كمياه منسابة على الرمال هكذا كانت حياة وصيفة وعبد الهادي وخضرة وعلواني ومحمد أبو سويلم والشيخ يوسف والشيخ الشناوي ومحمد أفندي والشيخ حسونة وكل النساء والرجال الذين عرفتهم في قريتي منذ عشرين عامًا “.
وقد تبنى هذا الرأي الناقد الأستاذ أنور المعداوي في كتابه (كلمات في الأدب) حيث كتب قائلا : ” رواية الأرض بين أيديولوجية الفن وواقع الحياة .. قلت عن هذا النموذج الروائي في العدد الثاني للسنة الثالثة من (الآداب) : هذه القصة الطويلة التي سماها كاتبها (الأرض) والتي صور فيها كفاح رقيق الأرض ضد مختلف القوى المسيطرة على وجودهم الإنساني فقد فيها الاتجاه الملتزم رسالته التأثيرية الموجهة فقدها لأن الكاتب عني بالاتجاه أكثر مما عني بالأصول التكنيكية لبناء الرواية ومن هنا خرجت (الأرض) وهي أقرب إلى الريبورتاج الصحفي في طريقته وأسلوبه منها إلى العمل الروائي بمقوماته الفنية.
كان هذا هو رأيي في (الأرض) لمؤلفها الأستاذ عبد الرحمن الشرقاوي سجلته وأنا أتحدث عن فردية الاتجاه في الأدب الملتزم ولكن الناقد المصري الأستاذ محمود العالم قد خالفني في هذا الرأي بما يثبت العكس من الناحية التقييمية ، إن (الأرض) من خلال منظاره النقدي : (عمل روائي تتحقق له مقومات فنية أصيلة في بناء أحداثه وشخصياته وأنماطه وتطوير عناصره) حتى لقد طالبني في النهاية من باب المساجلة النقدية أن أحدد له أوجه النقص في هذا العمل الروائي تحديدًا تفصيليًّا موضوعيًّا يمكن أن يتضح فيه الكثير من مسائل النقد المعلقة “.
وفي كتابه (مصر في قصص كُتابها المعاصرين) يتحدث الكاتب الأستاذ محمد جبريل عن أبطال الرواية وطريقة تعاملهم مع بعضهم ومع السلطة فيقول : ” ويلخص محمد أبو سويلم (الأرض) المأساة التي فرضت ظلها الثقيل على أهالي القرية : خدوا منَّا مشيخة الخفر وسكتنا لهم ورموا لنا الشيخ حسونة في آخر الدنيا وسكتنا لهم وحجزوا على نص البلد وسكتنا لهم الله ! ويموتوا لنا الأرض من العطش كمان ؟ هو احنا خلاص بقينا هفية ؟! هي البلد خلاص كده بقت كلها حريم ! مفيش رجالة ؟!
لقد فُصِل محمد أبو سويلم من وظيفته ونُقِل الشيخ حسونة ناظر المدرسة الإلزامية إلى وظيفة مدرس في قرية بعيدة وعلت نبرة التهديد في صوت العمدة والتفت محمود بك إلى كل من بادر ـ أو يبادره ـ بالعداء سواء من القرية أو من القرى المجاورة ، يطوف رجال الهندسة على الحقول يفتشون عن السواقي المعلقة فإذا وجد الساقية تدور في غير الوقت المخصص لدورانها قام المهندس أو مساعده بتعطيلها ليعود العامل بعد قليل ويدير الساقية مقابل عشرين قرشًا ، لكن أهالي القرية ـ في تلك الأيام السوداء ـ كانوا لا يملكون ريالات ولا أي نقود !
وقد رضخ البعض لأوامر رجال الهندسة قصرًا للشر وتظاهر البعض الآخر بالرضوخ ورفض عبد الهادي في إصرار ثم أدار الجميع سواقيهم ـ بلا تدبر ـ حتى لا تحترق المزروعات ، كانت لوزات القطن قد بدأت تترنَّح على أعواده القصيرة الغضة وتهددها الموت عطشًا مثلما عطشت حقول الذرة من قبل وأحس كل واحد كأنما الآخر يريد أن يسلبه الحياة نفسها ، بل إن لحظات العتاب بين عبد الهادي ودياب تحوَّلت إلى مشاجرة حقيقية هوى عبد الهادي بكفِّه على وجه دياب، وهوى دياب بفأسه على رأس دياب ، وفي تلك اللحظات لم يكن أحد يدري ما يفعل كانت طاقات هائلة من الضيق تنفجر من كل نفس وتضرب كل من يتعرض لحرمان الأرض من الماء.
وباسم الدفاع عن حياة الأرض عن الحياة نفسها مضى كل فلاح يضرب ويضرب بلا توقف كلَّ مَن يريد أن يناقش حق الأرض في الماء كان الرجال يضربون بعضهم بعضًا بلا حساب وبلا مراعاة كأنهم لم يعرفوا بعضهم أبدًا ولم يحبوا بعضهم من قبل وكأنما قد أصبح من المستحيل أن يتحدثوا إلى بعضهم مرة أخرى ، لكن الجميع عادوا إلى أنفسهم إلى التكافل الاجتماعي الذي يحتضنونه في كل أيامهم حين انطلقت أصوات استغاثة من ناحية الساقية وتراخت الأيدي بالعصي وسقطت الفئوس والشماريخ على الأرض واتجه الجميع إلى بئر الساقية ونسي دياب وعبد الهادي أن أحدهما كاد يقتل الآخر منذ قليل وتعاونا مع بقية الرجال لإنقاذ جاموسة مسعود أبو قاسم من بئر الساقية الذي سقطت فيه “.
ويرى أن الأرض نفسها هي البطل الأساسي والمحرك للأحداث فيقول : ” والواقع أن أبناء القرية كانوا يدركون جيدًا أبعاد المأساة التي تغلف حياتهم ويدركون بواعثها ، من هنا لم يكن يعنيهم أن تُنتزَع الأرض من أيدي الملاك لقاء ضرائب متجمدة على الأرض كان شاغل كل منهم أن يبحث عن حقل يعمل فيه ويتقاضى أجرًا يحفظ عليه حياته وربما جاهروا بضحكاتهم الشامتة لمرأى الصراف وهو يدخل ـ بصحبة خفير ـ إلى بيت أحد الملاك في القرية.
الأرض شخصية رئيسة في الرواية وهي شخصية فاعلة ولها تأثيرها المؤكد في نفوس شخصياتها فعبد الهادي ينظر إلى هذه الأرض الواسعة التي تمتد إلى جواره لتملأه إحساسًا بالثبات والرسوخ والشرف لم يكن يرى منها شيئًا في الليل ومع ذلك فقد كان يعرفها ويعرفها جيدًا يعرف وجهها وقنواتها وكل مسلك فيها إنه الآن يقف إلى جوار الأرض التي يملكها هو والتي ورثها عن أبيه وحمل الفأس عليها وهو طفل ، الأرض ـ من ناحية ثانية ـ وسيلة لتحقيق السلطة وتأكيدها ولولا الأرض التي يمتلكها العمدة ما بلغ المكانة التي وصل إليها ، ن الذي لا يملك أرضًا لا يملك شيئًا حتى الشرف.
ويقول عبد الهادي لنفسه (إن فدانه يجعل له مكانًا خاصًّا في القرية فالعمدة نفسه لا يملك أكثر منه) ، وعندما يطلب علواني يد وصيفة تقول (إن علواني يصلح أجيرًا عليه أن يتزوج إحدى الفتيات اللائي يشتغلن في الحقول بالأجرة لأنهن لا يملكن حقلًا يشتغلن فيه) ، وتقول وصيفة : (الذي لا يملك في القرية أرضًا لا يملك فيها شيئًا على الإطلاق حتى الشرف) ، وحين أصبحت وصيفة بلا أرض أصبحت ـ بالتالي ـ بلا شرف حتى إن أحد عمال الزراعة حاول إغراءها بالعمل مقابل بريزة في اليوم ويمكنها الحصول على بريزة أخرى إذا دخلت الذرة “.
ويستعرض الشخصيات الأساسية وموقفهم المتباين من الأحداث فيقول : ” ويختلف محمد أفندي عن عبد الهادي في حرصه على مهادنة السلطة بل ونفاقها والتقرب من العمدة ومحمود بك ، محمد أفندي ـ بحكم وظيفته ـ يخشى السلطة ويفضِّل أسلوب كتابة العرائض بعكس عبد الهادي الذي يفضِّل ـ بطبيعته الواضحة السهلة ـ أسلوب المواجهة المباشرة الذي ينبغي أن تلجأ إليه القرية في صراعها مع السلطة طعامه فحل بصل ورغيف ذرة جاف وأحيانًا يأكل بالرغيف قطعة من المش أو الجبن القديم كانت أمه تجيد صنعه.
تحددت أمنياته في الإحساس بالطمأنينة وأن يزرع أرضه في أمان ويملك زوجة وأولادًا وإن لم يمنع نفسه ـ ولعل ذلك كان هو السبب ـ من شعور الحسد لمحمد أفندي على الجنيهات الأربعة التي يقبضها أول كل شهر (ويدوس بهم على الدنيا) ، الأرض عند عبد الهادي هي الحياة نفسها هي الشرف والكرامة والأمان ، وقد حرص دومًا على أن يبذل لها كل رعايته وإعزازه ولم يفرط فيها أبدًا ففدان الأرض الذي يملكه يجعل له مكانًا خاصًّا في القرية ويسمح له ـ إذا ذهب إلى عاصمة الإقليم ـ أن يجلس على مقهى الخواجة الأرمني الذي يجلس عليه عمُّه والعمدة والناس المهمون.
إن معنى رضوخه لأوامر رجال الهندسة بإيقاف الري عن أرضه أن تذبل الذرة التي بدأت تظهر وتكسو الأرض بخضرة حلوة فهل يترك الذرة تموت لمجرد أن الحكومة أرادت هذا ؟ ، وكان ـ إلى ذلك ـ مهمومًا بمشكلات الآخرين فمع أن القرية كانت مشغولة تمامًا بالأيام الخمسة من الري التي أخذت منهم لتُعطَى لأرض الباشا القريبة من مدينة المركز عاصمة الإقليم فإن عبد الهادي أفلح في أن ينتزع تفكيره من ذلك كله ويفكر في العلاقة التي رأى أنها تنمو بين وصيفة وخضرة ومحمد أفندي ودور خضرة في ذلك.
وحين يصر الشيخ الشناوي على رأيه بأن منع المياه هو أمر يتصل بقلة الدين واللعنة والحساب والجزاء الوفاق ينفجر فيه عبد الهادي بالحقيقة البسيطة وهي أن الله لا يد له في منع المياه فرجال الحكومة هم الذين منعوها بدليل أن المياه تصل إلى أرض الباشا بدون أن تدور ساقية أو تشقى بهيمة أو يعمل وابور مياه ثم يهتف في أسًى : هو ربنا مش فاضي إلا لأذية بلدنا ! ، وكان عبد الهادي هو الوحيد الذي رفض ـ بين الرجال حين أُودِعوا السجن ـ أن يعترف بأنه امرأة ورفض أن يشرب البول أو يجلس على الخازوق إلا بعد أن أغمي عليه !
أما محمد أبو سويلم فقد أسهمت مشاركته في ثورة ١٩١٩م في إنضاج وعيه وفي تمرسه بالنضال ، كان محمد أبو سويلم شيخًا للخفراء ثم فُصِل من وظيفته بعد أن قاطعت القرية الانتخابات التي أجرتها حكومة صدقي ودخل فيها حزب الشعب بمفرده وأصر المأمور أن يسوق أبو سويلم الرجال إلى صناديق الانتخابات فرفض فلجئُوا إلى جمع أصوات الموتى فتشاجر وفُصِل من وظيفته ، لم يكن محمد أبو سويلم مؤمنًا بأسلوب العرائض وكان لا يفتأ يقول : ما كفاية عرايظ ! أدي احنا جربناها عاوزين نشوف لنا سكة تانية !
ويُعَد الشيخ حسونة هو العقل المفكر للقرية أفاد من تجنيد السلطة له في الحرب العالمية الأولى ومن أحداث ثورة ١٩١٩م في التصدي لمحاولة حكومة صدقي تزييف الانتخابات إنه يجد الحل في طرد الإنجليز وطرد حزب الشعب وعودة الدستور لترتفع مِن ثَم أسعار القطن “.

58 / النداهة
هناك من الأدباء من كتب عن القرية وطباعها وهناك من كتب عن المدينة وأحوالها لكن هناك قلة رصدوا بأعمالهم تلك الفجوة الهائلة بين الريف والعاصمة وما بينهما من تفاوت اجتماعي واقتصادي يؤثر على حياة الناس وأخلاقهم ، ومن أهم القصص التي تناولت ذلك قصة (النداهة) من تأليف الكاتب القصصي الدكتور يوسف إدريس (1927 ـ 1991 م) وهو واحد من رواد القصة القصيرة والكتابة الصحفية وتميزت أعماله بالنقد الاجتماعي والسياسي الواضح.
واستلهم المؤلف عنوان القصة من أسطورة ريفية قديمة تدعى (النداهة) وهي امرأة خيالية تخرج من الترع في الظلام وتخدع الشباب بالمناداة عليهم فيذهبوا إليها مسحورين فتقوم بخطفهم حيث الاختفاء في العالم المجهول ، لكن في القصة تحولت العاصمة بزحامها وتعقيدها إلى نداهة جديدة تجذب أبناء الريف السذج البسطاء الذين ينبهرون بأضواء المدينة ويسعون إليها مسحورين ذاهلين فيكون مصيرهم الأخير الضياع والذوبان بين طوفان من البشر والحجر.
ولد المؤلف في قرية البيروم مركز فاقوس بالشرقية وكان والده متخصصاً في استصلاح الأراضي ولذا فقد تأثر بكثرة تنقل والده الذي أرسله ليعيش مع جدته في القرية ، التحق بكلية الطب حيث شهدت سنوات دراسته اشتراكه في مظاهرات كثيرة ضد المستعمرين البريطانيين ونظام الملك فاروق حيث كان السكرتير التنفيذي للجنة الدفاع عند الطلبة ثم سكرتيراً للجنة الطلبة وكتب مقالات ثورية وسجن وأبعد عن الدراسة عدة أشهر.
تخرج من الكلية عام 1951 م وعمل بمجال الطب تسع سنوات ثم قرر في عام 1960 م قرر التحول إلى عالم الصحافة حيث عين محرراً بجريدة الجمهورية وقام بأسفار في العالم العربي ، وفي 1961 م انضم إلى المناضلين الجزائريين في الجبال وحارب معارك استقلالهم ستة أشهر وأصيب بجرح وأهداه الجزائريون وساماً إعراباً عن تقديرهم لجهوده في سبيلهم وعاد بعدها إلى مصر حيث حصل على وسام الجمهورية عام 1963 م.
صدرت أولى أعماله في عام 1950 م حيث نشر قصة بعنوان (أنشودة الغرباء) في مجلة القصة ، وفي عام 1954 م وهي مجموعة قصصية بعنوان (أرخص ليالي) ثم في عام 1956 م صدرت له مجموعة أخرى بعنوان (جمهورية فرحات) ولفتت نظر الأدباء والنقاد ، وكتب عنه الدكتور طه حسين قائلا : ” أجد فيه من المتعة والقوة ودقة الحس ورقة الذوق وصدق الملاحظة وبراعة الأداء مثل ما وجدت في كتابه الأول (أرخص ليالي) على تعمق للحياة وفقه لدقائقها وتسجيل صارم لما يحدث فيها “.
وبعد ذلك تعددت إصداراته القصصية والمسرحية ومن أشهرها : حَادِثةُ شَرَف ، النداهة ، اقتلها ، الفرافير ، البهلوان ، ملك القطن ، وفي عام 1969 م كتب مسرحية المخططين التي تحمل نقدا للسلطة وقتها وتم منعها بأمر الرئيس عبد الناصر ، وقد عرف المؤلف بالكتابة السياسية الصريحة إلى جانب الكتابة القصصية التي كانت تحوي انقادات سياسية واجتماعية مثل قصص : العسكري الأسود ، الحرام ، قاع المدينة ، العيب ، رجال وثيران ، لا وقت للحب.
وقد انضم المؤلف إلى عضوية كل من نادي القصة وجمعية الأدباء واتحاد الكتاب ونادي القلم الدولي وفي عام 1973 م عين كاتبا في جريدة الأهرام وعرف بمعاركه الأدبية والفكرية العديدة وكتب جانبا من مذكراته في كتاب (جبرتي الستينات) وجمع مقالاته السياسية والفكرية في عدة كتب هي : فقر الفكر وفكر الفقر ، أهمية أن نتثقف يا ناس ، انطباعات مستفزة ، شاهد عصره ، الإرادة ، الإيدز العربي ، خلو البال.
وتدور الأحداث في قصة النداهة حول الفتاة الريفية فتحية التي تنبهر بابنة خالتها فاطمة التي سافرت للقاهرة لتعمل خادمة وعادت منها بهيئة جديدة (فستان وشنطة) وأصبحت مثل الخواجات ولذلك رفضت الزواج من مصطفى الخفير النظامي المقيم بالبلدة وفضلت عليه حامد الذي يعمل بوابا في إحدى العمارات الكبرى بالقاهرة رغم أنه أكبر سنا وأكثر سمرة إلا أنها كانت تسير وراء نداء المدينة وما تسمعه من قصص حول مصر أم الدنيا وما فيها من رفاهية ونعيم.
وتنتقل فتحية إلى القاهرة بالفعل كما حلمت وتسكن مع زوجها في غرفة تحت سلم العمارة وتبدأ حياتها هناك وتتعرف على الجيران بل تصبح هي مصدر المعلومات لزوجها وعرفت الكثير من أسرار أهل المدينة ، وفي ذلك يقول المؤلف : ” أصبحت تدرك أن تحت مصر الوجيهة الغنية المؤدبة الوقور هناك مصر أخرى مليئة بالفضائح والمخازي والأشياء التي لا يعرفها إلا البواب أو مَن هو أدهى في هذه الأمور وأمَرُّ زوجة البواب خاصةً إذا كانت رغم صغر عينَيها ترى كثيرًا وبالذات في الليل “.
ويصف المؤلف حالة البطلة وهي تستكشف هذا العالم الجديد فيقول : ” هي وحدها الباقية أسيرة الحجرة أسيرة حتى ذلك الشرخ المحدود الذي ترى عالم مصر منه شاعرة أنه ليس عالمًا أو مدينة إنما هو بحرٌ لا بر له ولا قرار تسير هي على حافتِه إن سهت مرة وزلَّت قدمها فقُل عليها السلام ، والمخيف أنه بحر ليس هادئًا أو ساكنًا أو يأخذ منها نفس موقفها منه إنما هو بحرٌ جبارٌ صفيق تمتد منه آلاف الأيدي وتُطِل منه آلاف الابتسامات كابتسامات الجنيات والنداهات خادعة تدعوها وتُسهِّل لها خوض الماء ، أجل ! كلها أيدٍ ماكرة وابتساماتٌ خبيثة “.
ورغم إدراك البطلة ما في القاهرة من غواية إلا أنها ظلت منبهرة بالحياة فيها كما بفصل المؤلف ذلك ويقول : ” والغريب أنها كلها أشياء لم تُفسِد الحلم في عقل فتحية تمامًا ، صحيح نالت منه كثيرًا ولكنها أبدًا لم تضيعه ، بَقِيَت مصر العظيمة هي مصر العظيمة في نظرها والشر في كل مكان هكذا كانت دائمة الرد على حامد حين يجيئها بين كل حينٍ وحين لاعنًا مصر وأبو مصر وأهل مصر الذين فعل أحدهم به كذا أو كيت ، وإذا كان الشر والوحل والقُبح في القاع فالنجاة في العوم ، وهكذا تعلَّمَت فتحية أن تفعل مثلما يفعل آلاف وملايين الناس الذين تَحفِل بهم مصر الكبيرة ويُكوِّنون حركاتها الجبَّارة الهائلة وتعوم مثلما يعومون “.
ويصل المؤلف إلى العقدة الأساسية في القصة حيث البطلة تقاوم سحر جارهم الشاب الوسيم لكنها مقاومة مترددة فيقول : ” كل ما كان يُنغِّص عليها حياتها أحيانًا هي تلك الانتفاضات التي كانت تفاجئها على هيئة كمين يخرج لها منه من بين مشاغلها التي أصبحَت كثيرة وكثيفة ذلك الأفندي العاري كاليد المهولة الممتدة مُهدِّدة أن تجذبها إلى القاع مباشرة حيث الوحل والقبح والطين.
خرج لها ذلك الهاتف اللعين الذي طالما أكَّد لها وصدق أن ستكون القاهرة مآلها ليؤكِّد لها أنها واقعة في المحظور مع الأفندي لا محالة ومهما فعلَت ، مسألة تترك فتحية ، وهي تكاد تنفجر بالغيظ والضيق والاستنكار والتصميم أيضًا تصميم قاطع مانع أنْ أبدًا لن يكون حتى لو دفعَت حياتها ثمنًا فأبدًا لن يكون وبيننا الأيام يا مصر “.
وعندما تقع فتحية في الخطيئة يبرر المؤلف ذلك بأنها استجابت لنداء النداهة متمثلا في أضواء المدينة وزينتها المبهرة فيقول : ” قد بدأت تُحس بأشياءَ غريبةٍ عجيبة تنفُذ إلى ذاتها وجسدها أشياء جديدةٍ مذهلة كبريق مصر الخاطف أشياء أحسَّت معها كما لو أن كل النيون الأحمر والأزرق والبنفسجي ومهرجان الأضواء والألوان.
كل الوجوه الحلوة الحليقة والملابس الغالية الأنيقة كل الروائح العطرة المنعشة المخدرة والشوارع الواسعة المزدحمة النظيفة والمتنزهات والأشجار حتى الأشجار مجفَّفَة الأوراق مقصوصة كتسريحات السيدات كل الترمايات والعربات الفارهة والسينمات والوجوه الخارجة من السينمات والكباريهات والراقصات كل الأطفال الأصحاء النظيفين والأمهات والأجزخانات والأرتستات.
كلها تتجمَّع وتتسرَّب إليها، إلى داخلها المرتعش الخائف المهزوم المبهور وهي حتى في عجزها وإدراكها ويقينها بالهزيمة التامة الساحقة بكل ما أُوتيَت من قدرةٍ تُقاوِم ولا تكُفُّ عن المقاومة والأشياء الغربية الكثيرة لا تكُف عن التسرُّب فتعود تُقاوم مستميتةً أكثر تُقاوِم مدينةً بأكملها تتسرب إليها ورغمًا عنها تتسلَّل إلى كل خافٍ فيها ومُستتر “.
وعندما ينكسر زوجها ويقرر الرحيل عن القاهرة بأسرته تهرب منه فتحية لكن هذه المرة بإرادتها حيث يختتم المؤلف قصته بقوله : ” وسيرًا على الأقدام مضت القافلة الصغيرة تحتمي من برد الصباح الباكر بالجدران ويتركها ظلامُ عمارة لتتسلَّمها ظلالُ عمارةٍ أخرى إذ كان قمر الفجر قد طلع ، قافلةٌ صغيرة تتسلَّل منسحبةً من المدينة الكبيرة الراقدة في صمتٍ ولا مبالاة لا تُحس بهم ولا بما تحفل به صدورهم من أهوال نائمة تُشخِّر في براءة وضميرٍ مستريح وكأنها ما فعلَت شيئًا.
حتى لقد بلغ الغيظ ﺑحامد إلى حدِّ التفكير في أن يُلقي بصُرَّة العزال جانبًا وينهال ﺑزقلته ضربًا ودشدشةً وتكسيرًا على فتارينها المضيئة وعرباتها اللامعة المُستكِنَّة وحتى أسفلت شوارعها المغسول ، كان من جماع قلبه قد أصبح لا يُطيق حتى مشيه في شوارعها وهو يُغادرها لم تعُد في نظره مدينة لقد أصبحت كابوسًا خانقًا بشعًا !
وفي أول قطارٍ قطع لهم حامد التذاكر لكنه عاد لبلدتهم وحده فقد غافلَتْه فتحية في ازدحام القادمين والراحلين في باب الحديد وهَربَت ، عادت إلى مصر بإرادتها هذه المرة وليس أبدًا تلبيةً لهتافِ هاتف أو نداءِ ندَّاهة “.
وفي كتابه إسلام بلا ضفاف يتحدث المؤلف عن جانب من ذكرياته أثناء نضاله في الحركة الوطنية ثم رحلته إلى الأراضي المقدسة بأداء العمرة وما يحمله قلبه من هموم بالوطن ومشكلاته فقال : ” عُمرة كاتب .. بدأت الكتابة كتفرغ منذ خمسة وثلاثين عامًا وقبلها كنت ضائعًا في الحركة الوطنية الطلابية والعمالية.
ومنذ (العَلْقَة) التي نالتنا على يد فيتز باتريك باشا حكمدار بوليس القاهرة في كوبري عباس وجنود بلوكات النظام وثمة علاقة عضوية شخصية قد ربطتني بالحركة الوطنية المصرية برباط لم تنفصم عُراه وأعتقد أنها أبدًا لن تنفصم ، ما حدث لمصر طوال هذه المدة عانيتُ منه على المستوى الشخصي من اعتقال إلى فصل إلى مرض إلى إهانات ولا أزال أعاني والإنسان مِنَّا ليس مصنوعًا من حَجر ولا من صُلب إنه دم ولحم وعظام فأعصاب.
ومنذ ذلك اليوم البعيد في أوائل الخمسينيات ولم تمر عليَّ وربما على المصريين جميعًا إلا أيام قليلة جِدًّا من الفرحة الشخصية والجماعية مثل يوم أَلغَى النَّحَّاس باشا معاهدة ٣٦ ويوم أمَّم عبد الناصر القناة ويوم قرر في خُطبته المشهورة بالأزهر عقب العدوان الثلاثي أن نقاتل ونقاتل ونقاتل ، يوم طُرد الملك يوم قرار العبور وبطولة الجيش المصري في حرب ٧٣ ولا أريد أن أذكر الأسباب التي لا تَخفَى على القارئ وبعض أيام أخرى في عهد الرئيس مبارك.
وفي المقابل كانت حياتنا طوال تلك الأعوام التي قاربت على الأربعين سلسلة متصلة الحلقات من المشاكل والهموم ، وعجيب أمر هذا الشعب الذي لستُ سوى فرد منه كيف تحملنا كل هذا كيف لم ننكسر كيف لم نركع، كيف لم نسلِّم بالأوضاع ونحيا كيفَما اتَّفَق ؟! افتح قلب أي مصري تجد أن قلقه على بلاده ومصيرها يكاد يوازي قلقه على مصالحه الشخصية وعند بعض الناس يفوق قلقه على مصالحه الشخصية.
ومنذ النصف الثاني من السبعينيات والهم يتثاقل حتى يبلغ الحلقوم ومع هذا فنحن أحياء ما زلنا نتحمل ونصبر وحتى نأمل ونحلم ، وتلك هي معجزة الشعب المصري، تلك التي أبقته حيًّا طوال أكثر من ألفي عام من حكم المستبدين والغزاة والمجانين.
كانت هذه الأفكار تدور في رأسي وأنا أرتدي ملابس الإحرام في طريقي للصلاة في الحرم وزيارة قبر الرسول ﷺ وصاحبَيْه أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما فأرضاهما ، وقفت أمام مقام الرسول الكريم ﷺ وجموع المسلمين تتدافع لتلقي على بابه وعلى مقامه نظرة شوق طال وشفاعة مكتومة في النفس كل منهم يبوح له ﷺ بمكنون قلبه وبدعاءٍ له ولوالديه ولأولاده وعائلته.
ومثلما كانوا يَدْعُون دَعَوْت ، ولم يكن الدعاء سهلًا، فقد كان عليَّ أن أفرغ نفسي تمامًا من كل اهتماماتها الشخصية والدنيوية ، كان عليَّ أن أطهر قلبي، وأفسح صدري وأمسح كل ما يزدحم في رأسي من قلق ولم يكن الأمر سهلًا فما كان يشغلني عُمْره أحقاب وأحقاب طبقات فوق طبقات من هموم عامة وخاصة من خوف غريب من المستقبل من تشاؤم يكاد يطبق على بصيرتي وبصري ، كان عليَّ أن أتطهر وتعود نفسي بريئة كنفوس الأطفال الرضع جديدة وكأن لم يمسها سوء ولا فعلتْ سوءًا.
وأنا مستغرق في دعائي لنفسي ولأسرتي وحتى لأصدقائي هبط عليَّ خاطر كأنما هو مُنزَّل من أعلى عِلِّيِّين ، وماذا يا يوسف لو استجاب الله لدعائك وحفظ عليك صحتك وعلى أسرتك سعادتها وعلى أصدقائك حياتهم ؟! أهذا هو منتهى الوصول ؟! ما فائدة أن تحل البركة والخير على تلك المجموعة الصغيرة من الناس في مجتمع يعاني وبين مصريين يتحملون ما لا طاقة لهم به ؟!
ودنوت إلى قبر الرسول ﷺ ورأيته في ضوء آخر تمامًا هذا إنسان من بني البشر اصطفاه الله جل جلاله ليكون رسولًا ومبشرًا بالإسلام العظيم فماذا فعل ؟ لم يكتفِ بتبليغ الرسالة إلى أولي القربى منه أو إلى قريش وإنما جعل همه كله سعادة البشر في الجزيرة وفي الدنيا كلها وآمن بهذا إيمانًا جعله يتحمل الأذى ويتحمل النفي والهجرة ويحارب ويقاتل المشركين الضالين.
رجل واحد بمفرده وبقوة من عند الله، ولكن بإيمان يجلُّ عن الوصف استطاع أن يغير أناسًا يعيشون في عصر الوثنية والبداوة والجاهلية الأولى يعبدون أصنامًا من الحجر إلى قوم صنعوا أمة من أعظم الأمم إن لم تكن أعظم أمم الأرض ، قوم استطاعوا أن يهزموا أكبر إمبراطوريتين في عصرهما يقابلان القوتين العظميين في عالم اليوم يحطمون ديوان كسرى ويقوضون عرش إمبراطور الرومان وينشرون مبادئ الإسلام السمحة من بواتييه في فرنسا إلى الصين في أقصى الشرق.
وأنا أطوف بالكعبة وأرى الناس سودًا وبيضًا صينيين وأوروبيين مشارقة ومغاربة من نيجيريا إلى إندونيسيا نلتف جميعًا حول الكعبة ونصلي المغرب يا له من مشهد غريب فريد في بابه يشرح القلب ! آلاف مؤلفة من الناس يحمدون الله ويركعون ويسجدون ويُسَبِّحون ويستغفرون ، كان منظرهم يخلع القلب فرحًا ويجعلك تنتقل من انتماءاتك المحدودة في عائلتك أو في بلدك إلى انتماء أشمل وأكبر الانتماء الأكبر إلى المحيط الإسلامي الواسع وتحس بآلامك ومخاوفك تذوب تمامًا في هذا المحيط وتبدأ نفسك كالماء المعكر بالطين حين يروق ويروق حتى يصبح أصفى من الماء المقطر من نقاوة وحلاوة ماء زمزم.
صليت ركعتين في الروضة الشريفة وارتكنت إلى عمود من أعمدة الحرم النبوي الشريف أرقب الإيمان مجسدًا على الوجوه ، يا لحلاوة الإيمان حين يُكسِب الوجهَ البشري جمالًا نابعًا من القلب وموجَّهًا إلى المولى سبحانه !
وجاءتني مصر وأنا مرتكن أمارس متعة الابتهال بلا صوت والتأمل بلا انقطاع ، جاءتني مصر بشعبها ومشاكلها بحاضرها ومستقبلها ورحت أدعو للشعب المصري بَنِي وطني أن يزيد الله نِعَمه إنه القادر القوي المعين ، ما فائدة أن أكون قد دعوتُ لعائلتي ولنفسي أن يخلصنا من أزماتنا وقلقنا ونحن نحيا مع شعبٍ واقع في الأزمات والقلق ؟ ما فائدة أن تكون سعيدًا صحيحًا في مجتمع يعاني ؟ ما فائدة أن يرزقك الله بالملايين في شعب يعيش على حافَة الفاقة ؟ إن المسلم الحقيقي لا يسعد إلا في مجتمع مكتمل السعادة ترفرف فيه السكينة على الجميع.
وظللت أدعو وأدعو حتى وجدتُني أبكي بكاءً لم يحدث لي من قبل فهو ليس بكاء حزن وليس بكاء إشفاق على النفس والشعب وليس بكاء إشفاق على النفس الشعب وليس بكاء مذلة وإحساس بالضيم ، ولكنه بكاء المحب لحبيب، البكاء الواصل بين الله سبحانه والإنسان البكاء المستلهم من حياة الرسول ﷺ بكاء المتأمل في الآيات البينات التي أوحى الله بها وغمرت الدنيا من أقصاها لأقصاها ، يا رب لا تمنحني الصحة وشعبي مريض ولا تمنحني الرزق الوافر وشعبي يشكو الفاقة ولا تمنحني سلامة النفس وشعبي يطحنه القلق.
وأنزِلِ اللهمَّ السكينة على قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانًا مع إيمانهم ، يا لها من آية كريمة معجزة المعنى ظللتُ ـ دون أن أعي ـ أرددها وكأنما بقدرة قادر وبإملاء قادر : هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ ، أنزِلِ اللهمَّ السكينةَ على قلوبنا وألهِمنا الصواب وأخرِجنا بفضل قدرتك ورحمتك من مآزقنا وهيئ لنا من أمرنا رَشَدًا إنك أنت السميع المجيب الوهَّاب “.

59 / شيء من الخوف
(جواز عتريس من فؤادة باطل) .. ربما يكون هذا الهتاف من أشهر ما عرفه جمهور السينما في مصر حيث جاء في نهاية فيلم (شيء من الخوف) والمأخوذ من رواية تحمل نفس العنوان للمؤلف والأديب الأستاذ ثروت أباظة (1927 ـ 2002 م) ، وقد تسبب الفيلم في أزمة سياسية كبرى حيث اعترضت عليه الرقابة ولم يعرض على الشاشات إلا بعد أن شاهده الرئيس جمال عبد الناصر واقتنع أنه ليس المقصود بالنقد.
لكن الحقيقة كانت بخلاف ذلك لأن الرواية تحمل رمزية سياسية واضحة لا تغيب عن عقل القارىء مفادها أن النظام الناصري فاقد للشرعية وأنه اغتصب حكم مصر مثلما فعل عتريس مع فؤادة في القرية حيث تزوجها بالقوة تحت ظل الخوف والقهر وانتهت الأحداث برجوع الأمور إلى طبيعتها بعد ثورة الأهالي ، والخط الروائي للمؤلف متسق مع أفكاره وقناعاته وتوجهاته السياسية التي كانت تعارض الحكم الشمولي.
والمؤلف هو سليل واحدة من أعرق عائلات مصر وهي الأسرة الأباظية التي ترجع في جذورها الأولى إلى عرب العايد حيث جدهم الأكبر الشيخ إبراهيم العايدي مؤسس قرية كفر إبراهيم بالشرقية والذي تزوج امرأة شركسية من أبخازيا وعرفت ذريته منها باسم الأباظية تمييزا لهم عن سائر عرب العايد وسكنوا في قرية خاصة بهم عرفت باسم كفر أباظة وعين في عهد محمد علي باشا في منصب ناظر قسم بلبيس ثم مأمورا عليه.
واشتهر منهم حسن باشا أباظة الذي عين في منصب شيخ مشايخ نصف الشرقية ثم باشمعاون الشرقية والدقهلية ، والسيد باشا أباظة الذي عينه الوالي سعيد باشا مديرا للبحيرة ثم وكيلا للداخلية وناظرا على مضابط المعية ثم وكيلا لمديرية الروضة (الغربية والمنوفية) ، وسليمان باشا أباظة ناظر عرب وجه بحري الذي عين مديرا للقليوبية ثم مديرا للشرقية ثم وزيرًا للمعارف وانتُخب في منصب الوكيل الأول لمجلس النواب الأول في مصر.
ومنهم أحمد بك أباظة عضو مجلس شورى النواب وهو من رجال الثورة العرابية وسجن معهم وعثمان بك أباظة ناظر قسم منيا القمح ثم وكيل مديرية الشرقية والشيخ عبد الرحمن أباظة العالم الأزهري والذي تولى مشيخة بلده ، وإسماعيل باشا أباظة المحامي ومؤسس جريدة الأهالي وعضو الحزب الوطني وعضو الجمعية التشريعية ومؤلف كتاب (حديقة الأدب) ، ومحمد باشا أباظة عضو الجمعية التشريعية ثم عضو مجلس النواب.
ومن مشاهير العائلة في القرن العشرين الكاتب والأديب فكري أباظة نقيب الصحفيين والطيار وجيه أباظة من الضباط الأحرار والفنان رشدي أباظة ، أما ثروت أباظة فقد كان والده هو السياسي والكاتب والوزير إبراهيم دسوقي أباظة وكيل مجلس النواب (تولى وزارات المواصلات والأوقاف والخارجية في حكومات الحزب السعدي) ومؤسس جماعة أدباء العروبة ، وعمه وحماه هو الشاعر الكبير عزيز أباظة أحد رواد المسرح الشعري.
حصل ثروت أباظة على ليسانس الحقوق من جامعة فؤاد الأول عام 1950 م وعمل بالمحاماة وبدأ حياته الأدبية مبكرا واتجه إلى كتابة القصة القصيرة والتمثيلية الإذاعية ثم اتجه إلى القصة الطويلة فكتب أول قصصه وهي ابن عمار وهي قصة تاريخية كما كتب مسرحية بعنوان الحياة لنا ، وخلال رحلته الأدبية الطويلة ألف أكثر من أربعين تمثيلية إذاعية وأربعين قصة قصيرة وسبعة وعشرين رواية طويلة.
تولّى رئاسة تحرير مجلة الإذاعة والتلفزيون عام 1974 م ورئاسة القسم الأدبي بصحيفة الأهرام عام 1975 م لمدة ثلاثة عشر عاما وكان رئيس اتحاد الكتاب ووكيل مجلس الشورى وعضو المجلس الأعلى للثقافة وعضو المجالس القومية المتخصصة وعضو مجلس أمناء اتحاد الإذاعة والتلفزيون ورئيس شرف رابطة الأدب الحديث وعضو نادي القلم الدولي وحصل على جائزة الدولة التشجيعية وجائزة الدولة التقديرية في الآداب.
حصل على ووسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى وارتبطَ بعَلاقاتٍ وثيقةٍ مع أدباءِ مصرَ الكِبار فقدْ قدَّمَ له عميدُ الأدبِ العربيِّ طه حُسَين روايته (هارِب من الأيام) وأَثْنى عليهِ نجيب محفوظ حينَ قالَ عنه : إنَّ دورَهُ في الروايةِ الطويلةِ يحتاجُ إلى بحثٍ مُطوَّلٍ بعيدًا عَنِ المَذاهبِ السياسيَّة ، وقالَ توفيق الحكيم له ذاتَ مرةٍ : أنا مُعجَبٌ برِواياتِكَ في الإذاعة لدرجةِ أنَّني حينَ أقرأُ في البَرْنامجِ أنَّ لكَ رِوايةً أمكثُ في البيتِ ولا أخرُج.
ومن أعماله غير الروائية في الأدب والمقالات والسيرة الذاتية كتاب القصة في الشعر العربي وكتاب من أقاصيص العرب وكتاب ذكريات لا مذكرات وكتاب لمحات من حياتي وكتاب قراءة ومشاهدات وكتاب خواطر ثروت أباظة وكتاب السرد القصصي في القرآن وكتاب ذكريات طه حسين وكتاب وبالحق نزل وكتاب نيام بلا مضاجع وكتاب الزمن الممزق وكتاب عاشق الليل وكتاب حين يميل الميزان وكتاب الأيام الخضراء.
وفي روايته (شيء من الخوف) استعمل المؤلف اسم قرية مجاورة لقريته وهي الدهاشنة مركز بلبيس في الشرقية ويبدأ أحداثها بالرواي الذي يسأل أسئلة وجودية حائرة عن هوية البلاد وذاكرتها التاريخية خاصة وجميعها كانت قرى حديثة استوطنتها القبائل العربية في العصر العثماني وما يليه ودائما ما كانوا يحاولون البحث عن جذورهم الأولى في وادي النيل.
ولذا فهو يستهل الفصل الأول بالبحث عن الهوية المفقودة وينقل لنا طبيعة العلاقة بين الراوي والأرض فيقول : ” خالجه نفس الشعور الذي يخالجه كلما ركب القطار في طريقه إلى القاهرة كان يتحرى دائمًا أن يتخذ مكانه بجوار النافذة لا يرفع نظره عن الحقول المنبسطة المترامية الأطراف لا يحد الحقل إلا حقل مثله وإن تباينت أنواع المزروعات واختلفت.
وكان يشعر دائمًا أن هذه الأرض جميعها ملكه وأنه نبتة منها ولكن نبتة خالدة باقية لا تُحصَد ولا يُعاد زرعها وإنما هي نبتت منذ ملايين السنين ثم بقيت ، كان يُخيل إليه أنه يعرف أغوار هذه الأرض وأنه كان في يوم ما في داخلها تحنو عليه أعماقها وتدفئه حناياها ويمده بالسقيا ماؤها حتى إذا انفجر إلى السطح كان هواء هذه التربة هو الذي يمده بالحياة ، لم يكن هذا الشعور يخالجه وهو في قريته فهي أضيق من أن تتسع لهذه الفكرة وإنما كان يُحس بها دائمًا إذا ما انفسح أمامه الوادي وانطلقت عينه إلى ما لا نهاية من الأرض حينئذٍ كانت هذه المشاعر تثب إلى نفسه خفيفة في أنحاء شتى من كيانه فلا يدري مأتاها.
وكان يخيل إليه أنه فلاح من هؤلاء الفلاحين الذين يعملون في الأرض ثم ما تلبث هذه الفكرة أن تنداح في وعيه فإذا هو يُحس أنه هو جميع هؤلاء الفلاحين فهو الذي يدرس القمح وهو الذي يحصده وهو هو نفسه الذي يذروه أو هو الذي يجمع القطن وهو الذي يسير خلف الأنفار وهم يجمعونه وهو هو نفسه الذي يفرز القطن وينقِّيه من شوائبه.
وما تلبث أفكاره ومشاعره أن تضرب به في أغوار الزمن فيُحس أنه هو نفسه الذي زرع هذه الأرض منذ بدأت هذه الأرض تعرف نفسها كمنتجة للزرع وحين لم تكن هذه الأرض شيئًا إلا أن تحمل الإنسان كان يُخيَّل إليه أنه هو أول إنسان حملته لم تحمل قبله أحدًا ، كان يُخيَّل إليه أنه هو أول من قَدِم إلى هذه الأرض من البشر فهي لم تعرف قبله أحدًا ولا عرف هو قبلها أرضًا.
فهو يرى نفسه حينًا واقفًا في أرضه هذه أرضه جميعًا لا يقصد قطعة معينة منها ويرى رمسيس يشيد أمجاده هنا على هذه الأرض ويُخيَّل إليه أنه كان فيما مضى من أزمان جنديًّا من جنود رمسيس أو هو جندي من جنود سيزستريس أو هو ملقًى في الحديد والقيود حول يديه وقدميه في أزمان قمبيز ثم هو يُحس الحديد يُحطَّم واسم الإسكندر يذيبه عن أقدامه وسواعده ، ثم يمضي مع نفسه هذه الهائمة في ملكوت التاريخ فيرى كليوباترا وقيصر ثم يرى أنطونيو.
وحين يفرغ التاريخ من القوى الباطشة تتهدى إليه الرسالات من السماء فيرى نفسه ساعيًا وراء موسى على هذه الأرض نفسها ثم يرى نفسه معذبًا بالمسيحية سعيدًا بها في وقت معًا ، ثم ينتهي به الأمر مع عمرو بن العاص مسلمًا مؤمنًا سعيدًا بروحه وعقله وجسمه جميعًا ثم يطوح به التاريخ في جذبة قوية رائعة إلى هذا المستقبل القريب القريب حين هو تلميذ في كُتَّاب القرية يجري بين دهاليز الكُتَّاب الضيقة الصغيرة حافيًا ينتعل التراب في الفناء الضيق مع زملاء وزميلات ، أما الزملاء فهم أصدقاء اليوم وأما الزميلات فإنهن زوجته وزوجات أصدقائه “.
ويرسم المؤلف المشهد الختامي للأحداث بالثورة على النظام وذلك بعبارات مؤثرة قال فيها : ” ومضى الشيخ إبراهيم إلى دكان عبد الملاك فاشترى إصبعًا من الطباشير ومضى إلى حائط الجامع البني اللون الأملس وكتب عليه في حروف ظاهرة قوية «زواج عتريس من فؤادة باطل، باطل». وتجمَّع حوله وهو يكتب بعض نفر أخذ عددهم يزداد وراحت الوجمة الآخذة تتجمد على وجوههم.
وحين فرغ من الكتابة وقَّع باسمه إبراهيم علَّام، ومضى يهيئ ولده ليشيعه لمثواه الأخير، ولكن الباحة التي أمام الجامع ما لبثت أن امتلأت بالناس وكانوا صامتين، ولم يبرحوا الباحة إلا حين مرت جنازة محمود، ووجدوا أنفسهم يسيرون فيها دون وعي. ، حين علم عتريس بما كتبه الشيخ إبراهيم دخل إلى حجرة فؤادة ثائرًا: أليس لها آخر؟ وقبل أن تجيب أهوى على رأسها بعصاه الغليظة فانهارت فؤادة وهي تقول: ولكني لا أموت.
وارتمت أمها بجانبها تنادي اسمها في ثورة، وهمَّ عتريس أن يبرح الغرفة، ولكنه وجد الطريق مسدودًا أمامه، كانت عيون الرجال تُغلقه فلا سبيل له، ونظر لهم مذهولًا أول الأمر، ثم حين تبين ما في عيونهم ما لبث أن غشيته غاشية من الخوف المذعور الراجف، ولم يقل شيئًا، ولكن أحد الرجال قال في حزم: فؤادة تذهب إلى بيت أبيها.
واستجمع عتريس أشلاء نفسه ليقول: أتجرؤ؟ ولكن الصوت عاد يقول له في حزم ثابت هادئ: فؤادة تذهب إلى بيت أبيها. ، سأقتلكم جميعًا. ، وجاءه الصوت مرة أخرى: إننا نحن الذين نقتل، فؤادة تذهب إلى بيت أبيها. ، وحملت فاطمة فؤادة بين ذراعيها وانفسح الطريق أمامها وخرجت ونكس عتريس رأسه في استسلام وحين رفع بصره لينظر الطريق الذي سارت فيه فاطمة بفؤادة وجد الطريق وقد أغلقته العيون مرة أخرى “.
ولا يخفي الكاتب انحيازه السياسي ويعبر عنه صراحة في مقال بكتابه قراءات ومشاهدات وذلك تحت عنوان (أيها التاريخ ترقَّب) حيث قال : ” وقد مرت مصر بعصر أي عسر وتعرَّض شبابنا لفترة من أحلك فترات التاريخ وقد استقبلوها في مشارق أعمارهم وفي غضارة حياتهم، والعبد أن منهم كانت لا تزال خضرًا غضة فوضعوا كل ثقتهم في جماعة لا تستحق هذه الثقة ، وفجأة تفجرت الحقيقة على نفوسهم الشابة المفعمة بالأمل المترعة بالوثوق فيمن أسلموهم قيادهم عن اقتناع وخبرة ، وقد كانوا قد ضربوا صفحًا وأغلقوا أُذُنًا عن كل ما كان يتناقله آباؤهم وإخوانهم الذين يكبرونهم عما يرتكبه العهد من آثام تبدأ بالاعتداء على الأعراض وتنتهي بالاعتداء على الحياة بإزهاقها.
وكانوا قد ضربوا صفحًا وأغلقوا أُذُنًا وعينًا عن الرعب الذي تفشَّى وجه مصر جميعًا مقتنعين في حماسة الشباب أن كل هذا يهون في سبيل مصر فقد كانوا يظنون أن ما كان العهد يقترفه كان من أجل مصر وليس من أجل الاستيلاء على مصر والإلقاء بها ورقة مراهنة لاصطياد الأمجاد الفردية وإقامة إمبراطورية لشخص في زمان اندثرت فيه الإمبراطوريات ، حتى إذا رأى الشباب مصر وقد صرعت كرامتها في عام ٦٧ أفاقوا إلى صُراح الحق ورفضوا من بعد أن يضربوا صفحًا أو يُغلقوا أُذُنًا أو يغضُّوا عينًا وهالَتْهم ـ كان الله لهم ـ تلك الهُوَّة السحيقة بين ما اقتنعوا به وبين ما طالعتهم به الحقيقة التي ترفض المناقشة.
وانماعت أمامهم وجوهُ الحياة وغامست في أعينهم مسالك الطريق وراحوا يُنعمون النظر فإذا دينهم قد ضاع في غمرة الإلحاد ووطنهم قد تلاشى في تقديس الأفراد وقِيَمهم قد انهارت في حماة الشعارات ، وإذا الفراغ يُطلُّ عليهم من وراء اللافتات وكفروا بما وقع عليهم من أقوال يردد أن الولاء سابق على الكفاءة والولاء هنا لغة كاذبة يعنى في صريحها النفاق فمن شاء أن يصحح الكذب بالصدق فعليه أن يقول النفاق قبل الكفاءة أو الوطنية أو الإيمان بالله أو بالحرية أو بالكرامة الإنسان.
هكذا تصدَّعت قلوبنا نحن الآباء والأخوة الكبار على شباب هذا الجيل المصري وحسبنا أنه تاهَ عن مصريته وضل السبيل عن ربِّه وفقد الانتماء لقِيَمه الأصيلة وما كان لا يعرف الإيمان بالله والحب للوطن أن يكون منتميًا.
وازددنا جزعًا ونحن نرى الدين يُصبح عند بعض منهم سُلَّمًا يصطنعونه إلى مغانم دنيوية وطريقًا يُزيِّفونه ليستولوا به على الحكم ورأينا فئاتٍ منهم تغلوا في دينها غلوًّا ينأَى بها عن الدين في جوهره وروحه ويدنو بهم إلى مظهر لا يعني إلا الفراغ من لحية تطلَق أو جلباب أصبح كأستار مسرح للمضحكات التي لا جد فيها ولا عمق ، ويزداد بنا الجزع ويبلغ أقصى مداه في نفوسنا حين نرى فئة أخرى يخدعها الشيوعيون عن أديانهم وعن عروبتهم ليقذفوا بهم إلى متاهات ماركس ولينين وإلى مذابح ستالين وماو.
ولكن الله سبحانه وتعالى يمدُّ من فوق سبع سماوات يدَه باللطف الرباني فيرفع عنَّا وعنهم وزرنا ووزرهم الذي أنقض ظهورنا وظهورهم ويرفع بذكر مصر وذكرهم ، ونلتفُّ فجأة فنجد مصر على حقيقتها تموج بالحياة في نفوس الأصلاء من شبابنا أولئك الذين لا تعرف الأرض مفرقهم إلا مصلين فهم شُمُّ الأنوف عامرة أفئدتهم بالإيمان برب العالمين مخضلة جنبات جوانحهم بحب مصرهم العالية فإذا هم يزحفون زرافاتٍ ووجدانًا إلى قلعة صلاح الدين ومسجد محمد علي ليُعيدوا إليها وإليه رونق مصر وجلال الإيمان.
إن الشباب الذي عمل في صمت ولكن في عزم يعيد الزخرف إلى الآثار التي هُدمت والمتاحف التي احترقت وإلى المساجد التي دُمرت أن يعيد بشبابه الشباب إلى مصر وبجمال روحه الجمال إلى وجه مصر وبعزمه الفتوة إلى عزمات مصر وبفنِّه الريادة إلى فن مصر أراد الشباب وفعل ، إذن فذاك هو الشباب الذي أحزننا بعضٌ منه بمظهره ها هو ذا يتكشف لنا عن أصوله ويزيح عن حقيقته الباذخة ما ألصقه بها التافهون منهم والضائعون والمضيعون.
هذا الشباب الذي وقف الأيام الطوال والشهور المتلاحقة على الهواء ليزيح عن آثار مصر ما أفسدته أزمان مقيتة ، أزاح في ذات الوقت عن نفسه سوء الظن به الذي رماه عليه فئة منه قليلة قلة الاستثناء الذي يؤكد القاعدة ، والقاعدة هنا عملاقة تقف رءوسها عالية مع المآذن التي عاد إليها الله أكبر الله أكبر ولا إله إلا الله ومحمد رسول الله ، إن هذا الشباب هو مصر القادمة فأصبح أيها التاريخ أن مصر المؤمنة بالله وبالشرف وبالحق والحرية قادمة إلينا في الطريق وقد بدَت منها الطلائع كإشراقة فجر في يوم ربيع “.

60 / رحلات الطرشجي الحلوجي
هناك مدارس عدة في الرواية العربية منها مدرسة الكتابة عن الحياة الواقعية في الريف أو المدينة ومنها مدرسة الرواية التاريخية التي تدور أحداثها في حقبة زمنية معينة من الماضي ومنها مدرسة التراث التي تستوحي أبطالها من القصص والملاحم والسير الشعبية ومنها مدرسة الخيال الرومانسي التي تدور أحداثها في عالم له مفرداته الخاصة من صنع المؤلف ومنها مدرسة الكتابة الذاتية التي يرصد فيها الأديب وقائع من حياته وتجاربه في صورة قصصية.
لكن هناك مدرسة أخرى فريدة ومختلفة عنهم وهي مدرسة (الفانتازيا التاريخية) التي يخوض فيها البطل أو الراوي رحلة السفر عبر الزمان والمكان ويلتقي بالملوك والأمراء والعوام والدهماء وينقل لنا في الرواية صورة حية من الحياة الاجتماعية والسياسية في تلك العصور ، ومن أهم ما صدر في هذا المجال رواية (رحلات الطرشجي الحلوجي) من تأليف الكاتب والأديب والروائي الأستاذ خيري شلبي (1938 ـ 2011 م).
ويستهل المؤلف روايته بعبارة هزلية ساخرة مكتوبة على طريقة المؤلفين القدماء وجاء فيها : ” رحلات الطرشجي الحلوجي في الزمان .. رواية تحتوي على أحداث مدهشة غريبة وخواطر مسلية وعجيبة وأخبار مذهلة ووقائع مؤسفة رهيبة تتحدث عن حياة الأوائل والأواخر والأماجد والأسافل ، خطها يراع العبد الفقير إلى ربه تعالى العالم غير العلَّامة والحبر غير الفهَّامة ابن شلبي الحنفي المصري الطرشجي الحلوجي كفانا الله شر جهله آمين “.
وتبدأ أحداث الرواية بدعوة خاصة جدا إلى وليمة حيث يقول : تلقيت دعوة شخصية من المعز لدين الله الفاطمي لتناول طعام الإفطار على مائدته أو سماطه كما ورد في الدعوة وذلك بمناسبة أول رمضان قاهري خالص أو بمعنى أصح أول رمضان تشهده القاهرة ذلك أن شيئا اسمه القاهرة لم يكن موجودا قبل المعز لدين الله الفاطمي ” ، ثم يتأرجح الراوي بين العصور المختلفة ويلتقي المقريزي وابن عبد الظاهر ليتعرف على جغرافية وتاريخ القاهرة المعزية.
بعد ذلك ينتقل الراوي لمقابلة الأمير بهاء الدين قراقوش والمؤرخ ابن الطوير ثم يجد نفسه في زمن الحاكم بأمر الله محبوسا في السجن المعروف باسم (خزانة البنود) والتي تتحول إلى بيت الجبرتي بمرور الزمن ، ثم يستمع إلى هتاف هادر (قلاوون أيا قلاوون النصر لك والعون) ويجد نفسه بصحة المؤرخ ابن تغري بردي والأمير العربي خزعل حيث يعيش وسط الانقلابات المملوكية وعمائرهم الضخمة ويرى الجارية السوداء عازفة العود المشهورة (اتفاق) التي أغرم بها عدد من السلاطين والأمراء.
ولد المؤلف في قرية شباس عمير بمحافظة كفر الشيخ وكان والده من أعضاء حزب الوفد ويعمل بهيئة الفنارات بالإسكندرية ، وقد تعلم في الكتاب ثم في مدرسة عبد الله النديم وحصل على الابتدائية عام 1952 م والتحق بمعهد المعلمين العام بمدينة دمنهور لكنه لم يكمل فيه وتعرض بسبب ذلك لغضب والده ، بعدها عمل في مهن عديدة منها أراضي الإصلاح الزراعي وبائع خردوات وعامل تراحيل وقهوجياً وحداداً وخياطاً ونجاراً وغيرها.
ويحكي في كتابه (أنس الحبايب) عن بدء تعليمه قائلا : ” ناظر مدرستنا آنذاك رجل فاضل من حملة شهادة العالمية الأزهر الشريف ظل على ولائه لزيه الرسمي الجبة والقفطان والعمامة فكان المعمم الوحيد بين لفيف الأفندية المُطربشين ، كنا نصطبح بوجهه كل يوم في طابور الصباح للتفتيش على نظافة التلاميذ من فرط ندرتها بين عيال أبناء الفلاحين والأجرية بل المعدمين لا يملكون سوى الجلباب الذي يستر أجسادهم وبعضهم لا يخلعه عند النوم.
عذرهم ليس الفقر وحده إنما العذر الأكبر أن المدارس لم تكن في حسبان أهاليهم من الأساس بل هم غير مرحبين بها نظرًا لاحتياجهم إلى العيال يساعدونهم في شغل الغيط أو باليومية في أرض الوسية ، غير أن دعوة طه حسين إلى التعليم الإلزامي باعتباره من حق كل مواطن كالماء والهواء قد تم تنفيذها وأصبح خفراء البلدة يجلبون العيال بقوة القانون إلى المدرسة برضاء أو عدم رضاء أهاليهم “.
نبغ في كتابة الشعر والأغنيات المستوحاة من القصص الشعبية ثم انتقل إلى القاهرة والتحق بمعهد السيناريو ثم عمل بمجلة الإذاعة والتليفزيون وتخصص في النقد الإذاعي وقدم باب فن البورترية فرسم وجوه وملامح الشخصيات المعاصرة له ، ثم عمل أستاذا زائرا بمعهد الفنون المسرحية ورأس تحرير مجلة الشعر لمدة ثمانية عشر عاماً وسلسلة مكتبة الدراسات الشعبية لخمسة عشر عاما وترأس لجنة القصة في المجلس الأعلى للثقافة.
تنوعت أعماله بين الرواية والنقد والمسرحيات والمجموعات القصصية من أشهرها : الأوباش ، ثلاثية الأمالي ، صالح هيصة ، السنيورة ، واكتشف مجموعة من النصوص النادرة لمسرحيات لم تُسجل من قبل بلغت مائتي مسرحية طُبعت في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين مثلتها فرق شهيرة منها مسرحية (فتح الأندلس) للزعيم مصطفي كامل وحققها في برنامج بالإذاعة ضمن برنامج بهاء طاهر (مسرحيات ساقطة القيد).
واكتشف أيضا مسرحية من تأليف العلاَّمة الشيخ أمين الخولي بعنوان (الراهب) كتبها لجوقة عكاشة وكان يحضر جلسات التدريبات كل يوم وهو أحد قضاة مصر آنذاك ولكنه كان يحجب اسمه ووضع بدلاً منه بقلم كاتب متنكر إلا أن حيلته كانت مكشوفة لأن الخبر قد نشر أيامها ، وقد قام المؤلف بدراستها وتحقيقها ونشرت المسرحية في مجلة الأدب التي كان يصدرها الشيخ أمين ونشرت الدراسة في أكثر من دورية ثقافية.
واكتشف أيضا نص تحقيق النيابة مع طه حسين عن كتابه الشعر الجاهلي وتحولت بعض أعماله للسينما والتليفزيون منها : الشطار ، سارق الفرح ، الوتد ، الكومي ، كما ترجمت أعماله إلى عدة لغات منها الإنجليزية والفرنسية والروسية والصينية والإيطالية و شارك في الكتابة الدرامية لبرنامج حياتي وبرنامج الأدب وقدم ما يقرب من ألف مسلسل إذاعي ، وقُدمت عنه عدة رسائل ماجستير ودكتوراه في جامعات القاهرة وطنطا والرياض وأكسفورد وألمانيا.
كتب عنه نجيب محفوظ قائلا : خيري شلبي أمير الروائيين الصعاليك ، ووصفه الناقد الدكتور جابر عصفور بقوله : خيري شلبي تجربة إنسانية وإبداعية فريدة ، وكتبت الأستاذة فاطمة عمارة سيرته الذاتية في جريدة الأهرام وصدرتها بعبارة : خيري شلبي كاتب المهمشين شيخ الحكائين صاحب الوتد أديب الفقراء ماركيز العرب مؤسس الفانتازيا الريفية فيلسوف البسطاء جبرتي القرية المصرية صانع الدهشة.
وقد تأثر المؤلف بتجارب حياته العديدة فكتب عن قريته وعائلته في رواية (الوتد) وصور فيها طبيعة الحياة في الأرياف تصويرا دقيقا ، وفي رواية (وكالة عطية) تأثر بالفترة التي عمل فيها في مهن متعددة مع البسطاء بعد أن فصل من الدراسة ، أما رواية (الشطار) فقد تأثر فيها بالأحياء الشعبية في القاهرة عندما انتقل إليها وجعل الراوي فيها من أولها إلى آخرها (خمسمائة صفحة) كلب يتعرف القارئ على شخصيته ويعايشه ويتابع رحلته الدرامية بشغف.
أما روايته رحلات الطرشجي الحلوجي فقد استوحاها من الفترة التي قرر فيها أن يبحث عن مكان هادئ بعيدا عن صخب الحياة ليكتب في خلوة وتأمل ووجد ضالته في حوش مقبرة قديمة سكن فيها ثماني سنوات (من 1986 م إلى 1994 م) ، وتحدث عن ذلك قائلا : ” عندما ازدحم منزلي بالأطفال اتفقت معي زوجتي علي ان أبحث عن مكان لي اكتب فيه وبالفعل وبعد رحلة بحث طويلة وجدت ضالتي في حي قايتباي بالقرب من أحد الأحياء السكانية المتاخمة للمقابر “.
وفي موقع الهيئة العامة للاستعلامات جاء عنه : ” مشواره : كان واحدا من أهم الروائيين الذين قدموا تشريحا للمجتمع المصرى فى الريف وأيضا عالم الفئات المهمشة فى المدن وتشابكات العلاقات المتوازية والمتقاطعة لمن هم فى أسفل السلم الاجتماعى وأعلاه ، وبالتالي جمع خيري شلبي في رحلته الإبداعية بين تجربة نجيب محفوظ التي كانت تركز على القاهرة حيث ولد محفوظ ومات وتجربة يوسف إدريس التي ركزت على الريف والمدينة بشكل أقل.
كان يغرف من بحر لا ينفد من التجارب والصور لأنه كان مفتونا بالسير والحكايات الشعبية ولهذا فيمكن اعتباره الراوي الشعبي الحديث الذي يدور بحكاياته بين الناس ليقدمها ، لكنها كانت سيرا لأبطال من نوع خاص يكتسبون بطولاتهم من كونهم يواصلون البقاء أحياء في مواجهة كل عناصر الفناء.
كانت عبقرية خيري شلبي أنه كان يستطيع إظهار البطولات التي يمارسها الناس العاديون كل لحظة دون أن يتوقف عندها أحد ولهذا فإن خسارة هؤلاء البشر لا تقل عن خسارة مصر روائيا مثل خيري شلبي قدم تاريخًا موازيًا ثريًا لعالم مصر الاجتماعي.
المناصب : تولى رئاسة تحرير مجلة الشعر (وزارة الإعلام) لعدة سنوات ، تولى حتى رحيله رئاسة تحرير سلسلة مكتبة الدراسات الشعبية الصادرة عن الهيئة العامة لقصور الثقافة (وزارة الثقافة) ، الجوائز : حاصل على جائزة الدولة التشجيعية في الآداب عام 1980 ـ 1981. ، حاصل على وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى 1980 ـ 1981. ، حاصل على جائزة أفضل رواية عربية عن رواية وكالة عطية 1993.
حاصل على الجائزة الأولى لإتحاد الكتاب للتفوق عام 2002. ، حاصل على جائزة نجيب محفوظ من الجامعة الأمريكية بالقاهرة عن رواية وكالة عطية 2003. ، حاصل على جائزة أفضل كتاب عربى من معرض القاهرة للكتاب عن رواية صهاريج اللؤلؤ 2002. ، حاصل على جائزة الدولة التقديرية في الآداب 2005. ، رشحته مؤسسة إمباسادورز الكندية للحصول على جائزة نوبل للآداب.
أعماله وإنجازاته : كان خيري شلبي غزير الإنتاج أصدر أكثر من 70 كتابا بين روايات وقصص قصيرة ، من أشهر رواياته : السنيورة ، الأوباش ، الشطار ، الوتد ، العراوى ، فرعان من الصبار ، موال البيات والنوم ، ثلاثية الأمالى (أولنا ولد – وثانينا الكومى – وثالثنا الورق) ، بغلة العرش ، لحس العتب ، منامات عم أحمد السماك ، موت عباءة ، بطن البقرة ، صهاريج اللؤلؤ ، نعناع الجناين .
من مجموعاته القصصية : صاحب السعادة اللص ، المنحنى الخطر ، سارق الفرح ، أسباب للكى بالنار ، الدساس ، أشياء تخصنا ، قداس الشيخ رضوان ، وغيرها ، من مسرحياته : صياد اللولي ، غنائية سوناتا الأول ، المخربشين.
من مؤلفاته ودراساته : محاكمة طه حسين تحقيق في قرار النيابة في كتاب الشعر الجاهلي ، أعيان مصر (وجوه مصرية) ، غذاء الملكات (دراسات نقدية) ، مراهنات الصبا (وجوه مصرية) ، لطائف اللطائف (دراسة في سيرة الإمام الشعراني) ، أبو حيان التوحيدي (بورتريه لشخصيته) ، دراسات في المسرح العربي ، عمالقة ظرفاء ، فلاح في بلاد الفرنجة (رحلة روائية) ، رحلات الطرشجي الحلوجي ، مسرح الأزمة (نجيب سرور) وغير ذلك ، كما يعد خيري شلبي رائد الفانتازيا التاريخية في الرواية العربية المعاصرة وتعد روايته (رحلات الطرشجى الحلوجى) عملا فريدا في بابها.
يعد من رواد النقد الإذاعى ففى فترة من حياته أثناء عمله كاتبا بمجلة الإذاعة والتليفزيون تخصص في النقد الإذاعى بوجهيه المسموع والمرئى وكان إسهامه مهما لأنه التزم الأسلوب العلمى في التحليل والنقد بعيدا عن القفشات الصحفية والدردشة فكان يكتب عن البرنامج الإذاعى كما يكتب عن الكتاب والفيلم السينمائى والديوان الشعرى.
ابتدع في الصحافة المصرية لونا من الكتابة الأدبية كان موجودا من قبل في الصحافة العالمية ولكنه أحياه وقدم فيه إسهاما كبيرا اشتهر به بين القراء وهو فن البورتريه حيث يرسم القلم صورة دقيقة لوجه من الوجوه تترسم ملامحه الخارجية والداخلية إضافة إلى التكريس الفنى للنموذج المراد إبرازه ، وقدم في فن البورتريه مائتين وخمسين شخصية من نجوم مصر في جميع المجالات الأدبية والفنية والسياسية والعلمية والرياضية على امتداد ثلاثة أجيال من جيل طه حسين إلى جيل الخمسينيات إلى جيل الستينيات “.