
21 / التفكير فريضة إسلامية
عباس محمود العقاد هو المفكر الذي صار أيقونة الفكر والثقافة في مصر الحديثة ورمزا للكتاب والمؤلفين حيث حفرت صورته الذهنية في الوجدان الجمعي لكل محبي القراءة والأدب والفلسفة وهو جالس إلى مكتبه وخلفه عدد كبير من الكتب وقد ارتدى طاقيته المشهورة والروب المنزلي والكوفية وينظر نظرة تأمل تعبر عن الثقة والحكمة معا ، وقد كان والدي رحمه الله يحتفظ بعدد كبير مؤلفاته وعلى رأسها كتاب (التفكير فريضة إسلامية) والذي كان يحتل موقعا بارزا في مكتبته وظل عنوانه مطبوعا في ذاكرتي منذ الطفولة وحتى يومنا هذا.
ولد في أسوان عام 1889 م وتوفي بالقاهرة عام 1964 م وترجع أصوله من ناحية والده إلى مدينة دمياط حيث اشتهر جده بالعمل في صناعة الحرير بالمحلة الكبرى وعرف بالعقاد (أي الذي يعقد الحرير) ثم انتقل والده إلى أسوان ليعمل أمينا للمحفوظات بها ، أما والدته فهي من عائلة كردية قدمت إلى مصر من ديار بكر في عهد محمد علي باشا وخدم أفرادها في الفرقة العسكرية الكردية التي أرسلت إلى السودان ثم انتقل جدها الكبير عمر أغا الشريف إلى أسوان واستقر بها هو وذريته من بعده.
اقتصرت دراسته على المرحلة الابتدائية لكنه علم نفسه بنفسه عن طريق القراءة المستمرة في كافة المجالات حتى صار صاحب ثقافة موسوعية وضمت مكتبته ثلاثين ألف كتاب واشتغل فترة في دمياط بمصنع للحرير ثم عمل في عدة وظائف حكومية في مصلحة التلغراف والسكة الحديد وديوان الأوقاف ، ثم انتقل إلى القاهرة وعمل بالصحافة واشترك مع محمد فريد وجدي في إصدار صحيفة الدستور كما أسس مدرسة الديوان الشعرية مع كل الشاعر عبد الرحمن شكري والأديب إبراهيم عبد القادر المازني وذلك في عام 1921 م.
اقترب العقاد من الزعيم سعد زغلول وسخر قلمه لخدمة القضايا الوطنية وصار من رموز حزب الوفد والناطق بلسانه وانتخب عضوا بمجلس النواب واتهم بتهمة العيب في الذات الملكية وسجن في عام 1930 م لمدة تسعة أشهر ، وسبب ذلك أن الملك فؤاد أراد إسقاط عبارتين من الدستور تنص إحداهما على أن الأمة مصدر السلطات والأخرى أن الوزارة مسؤولة أمام البرلمان فارتفع صوت العقاد من تحت قبة البرلمان على رؤوس الأشهاد من أعضائه قائلًا : (إن الأمة على استعداد لأن تسحق أكبر رأس في البلاد يخون الدستور ولا يصونه).
استقال من حزب الوفد عام 1933 م بعد خلافه مع مصطفى النحاس باشا ورحل إلى السودان عام 1943 م أثناء تقدم الجيش الألماني بقيادة روميل إلى العلمين ثم عاد منها بعد الحرب العالمية الثانية وذلك بسبب مهاجمته للنازية علانية ، وقد عرف بمعاركه الأدبية والفكرية العديدة ومنها مساجلاته مع كل من أمير الشعراء أحمد شوقي ومصطفى صادق الرافعي وطه حسين وزكي مبارك وبنت الشاطئ ومحمود أمين العالم وعبد العظيم أنيس والشاعر جميل صدقي الزهاوي واللغوي العراقي مصطفى جواد.
نبغ في الشعر والأدب والنقد والفلسفة والسياسة وعلم الاجتماع والتاريخ والفكر الإسلامي وعين عضوا بمجمع اللغة العربية ، وألف أكثر مائة كتاب منها عشرة دواوين شعر وسلسلة العبقريات (عبقرية محمد وعبقرية الصديق وعبقرية عمر وعدد من شخصيات التاريخ) وكتاب الفصول الذي يضم مقالاته الأدبية وكتاب حياة قلم الذي يضم مقالات متنوعة وكتاب الإنسان في القرآن وكتاب فلسفة الغزالي وكتاب فلسفة الحكم في العصر الحديث وكتاب اللغة الشاعرة وكتاب عالم السدود والقيود وكتاب الإنسان الآخر وكتاب رجال عرفتهم.
ويعد كتابه الديوان في الأدب والنقد تكريسا لمدرسة جديدة في الشعر العربي عرفت باسم مدرسة الديوان وشن فيها الهجوم على الأدب التقليدي من شعر ونثر خاصة أدب المنفلوطي وشعر شوقي وكتاب الرافعي (إعجاز القرآن والبلاغة النبوية) والذي حظي وقتها بثناء الملك فؤاد والزعيم سعد زغلول ، وكان ذلك سببا لقيام الرافعي بالرد على العقاد وانتقاد شعره في كتابه (على السفود) في تعريض بأنه سوف يشوي العقاد ويقلبه على النار لأن معنى السفود هو سيخ الحديد الذي يوضع فيه اللحم للشواء.
وقد وصف طه حسين شعر العقاد في احتفالية أقيمت له عام 1934 م فقال : ” تسألونني لماذا أومن بالعقاد في الشعر الحديث وأومن به وحده وجوابي يسير جدا لأنني أجد عند العقاد ما لا أجده عند غيره من الشعراء ، لأني حين أسمع شعر العقاد أو حين أخلو إلى شعر العقاد فإنما أسمع نفسي وأخلو إلى نفسي وحين أسمع شعر العقاد إنما أسمع الحياة المصرية الحديثة وأتبين المستقبل الرائع للأدب العربي الحديث .. ضعوا لواء الشعر في يد العقاد وقولوا للأدباء والشعراء أسرعوا واستظلوا بهذا اللواء فقد رفعه لكم صاحبه “.
وقال عنه زكي نجيب محمود : ” إن شعر العقاد هو البصر الموحي إلى البصيرة والحس المحرك لقوة الخيال والمحدود الذي ينتهي إلى اللامحدود هذا هو شعر العقاد وهو الشعر العظيم كائنا من كان كاتبه ، من حيث الشكل شعر العقاد أقرب شيء إلى فن العمارة والنحت فالقصيدة الكبرى من قصائده أقرب إلى هرم الجيزة أو معبد الكرنك منها إلى الزهرة أو جدول الماء وتلك صفة الفن المصري الخالدة فلو عرفت أن مصر قد تميزت في عالم الفن طوال عصور التاريخ بالنحت والعمارة عرفت أن في شعر العقاد الصلب القوي المتين جانبا يتصل اتصالا مباشرا بجذور الفن الأصيل في مصر “.
ومن شعره التقليدي قوله : وقفٌ عليك تحيتي وحياتي .. وعلى صباك نصائحي وعظاتي .. أوتيتَ من حسن الشمائل نعمة .. والحسن في الدنيا من الآفات .. هو جوهر يجني عليك وميضهُ .. عدوان سراّق وحقد عفاة .. والحسن يعشقه الكريم وربما .. أضرى لئيم النفس بالنزعات .. كالبدر يأتمّ السراة بنوره .. ولقد يضيء مواقع الشبهات .. فاحذر فإن مع الجمال لغرة .. وأراك تأمن جانب الغفلات .. واحرس جمالك فالجمال وديعة .. لله ترعاها إلى ميقات .. واحمل شبابك للمشيب مبرءاً .. مما يكدّر ناصع الصفحات.
وتضم حياة العقاد الفكرية ثلاث مراحل هامة الأولى فيها غلبت على كتاباته الناحية الأدبية والنقدية وتشمل فترة العشريات والعشرينيات من القرن الماضي ثم تأتي المرحلة الثانية في الثلاثينات والأربعينيات وغلب عليها السياسة والتاريخ ثم جاءت المرحلة الثالثة وهي الأكثر نضجا وغلب عليها الفكر والفلسفة وذلك في فترة الخمسينات وأوائل الستينات وصاغ فيها العقاد رؤيته المتكاملة في الدين والحياة والثقافة والاجتماع وعلى رأسها كتاب التفكير فريضة إسلامية.
وقد استهل كتابه هذا بمقدمة تشرح منهجه القائم على الإعلاء من شأن العقل فقال : ” التفكير فريضة إسلامية ، الفصل الأول فريضة التفكير في كتاب الإسلام : من مزايا القرآن الكثيرة مزية واضحة يقل فيها الخلاف بين المسلمين وغير المسلمين لأنها تثبت من تلاوة الآيات ثبوتًا تؤيده أرقام الحساب ودلالات اللفظ اليسير قبل الرجوع في تأييدها إلى المناقشات والمذاهب التي قد تختلف فيها الآراء.
وتلك المزية هي التنويه بالعقل والتعويل عليه في أمر العقيدة وأمر التبعة والتكليف ، ففي كتب الأديان الكبرى إشارات صريحة أو مضمونة إلى العقل أو إلى التمييز ولكنها تأتي عرضًا غير مقصودة ، وقد يلمح فيها القارئ بعض الأحايين شيئًا من الزراية بالعقل أو التحذير منه لأنه مزلة العقائد وباب من أبواب الدعوى والإنكار.
ولكن القرآن الكريم لا يذكر العقل إلا في مقام التعظيم والتنبيه إلى وجوب العمل به، والرجوع إليه ولا تأتي الإشارة إليه عارضة ولا مقتضبة في سياق الآية بل هي تأتي في كل موضع من مواضعها مؤكدة جازمة باللفظ والدلالة وتتكرر في كل معرض من معارض الأمر والنهي التي يحث فيها المؤمن على تحكيم عقله أو يلام فيها المُنكِر على إهمال عقله وقبول الحجْر عليه.
ولا يأتي تكرار الإشارة إلى العقل بمعنًى واحد من معانيه التي يشرحها النفسانيون من أصحاب العلوم الحديثة بل هي تشمل وظائف الإنسان العقلية على اختلاف أعمالها وخصائصها وتتعمد التفرقة بين هذه الوظائف والخصائص في مواطن الخطاب ومناسباته ، فلا ينحصر خطاب العقل في العقل الوازع ولا في العقل المدرك ولا في العقل الذي يناط به التأمل الصادق والحكم الصحيح بل يعم الخطاب في الآيات القرآنية كل ما يتسع له الذهن الإنساني من خاصة أو وظيفة وهي كثيرة لا موجب لتفصيلها في هذا المقام المجمل إذ هي جميعًا مما يمكن أن يحيط به العقل الوازع والعقل المدرك والعقل المفكر الذي يتولى الموازنة والحكم على المعاني والأشياء.
فالعقل في مدلول لفظه العام ملكة يناط بها الوازع الأخلاقي أو المنع عن المحظور والمنكر ومن هنا كان اشتقاقه من مادة (عقل) التي يؤخذ منها العقال وتكاد شهرة العقل بهذه التسمية أن تتوارد في اللغات الإنسانية الكبرى التي يتكلم بها مئات الملايين من البشر فإن كلمة ( مايند Mind ) وما خرج من مادتها في اللغات الجرمانية تفيد معنى الاحتراس والمبالاة ويُنادَى بها على الغافل الذي يحتاج إلى التنبيه.
ونحسب أنَّ اللغات في فروعها الأخرى لا تخلو من كلمة في معنى العقل لها دلالة على الوازع أو على التنبيه والاحتراس ، ومن خصائص العقل ملكة الإدراك التي يناط بها الفهم والتصور وهي على كونها لازمة لإدراك الوازع الأخلاقي وإدراك أسبابه وعواقبه تستقل أحيانًا بإدراك الأمور فيما ليس له علاقة بالأوامر والنواهي أو بالحسنات والسيئات.
ومن خصائص العقل أنه يتأمل فيما يدركه ويُقلِّبه على وجوهه ويستخرج منه بواطنه وأسراره ويبني عليها نتائجه وأحكامه ، وهذه الخصائص في جملتها تجمعها ملكة (الحكم) وتتصل بها ملكة الحكمة وتتصل كذلك بالعقل الوازع إذا انتهت حكمة الحكيم به إلى العلم بما يحسن وما يقبح وما ينبغي له أن يطلبه وما ينبغي له أن يأباه .
ومن أعلى خصائص العقل الإنساني (الرشد) وهو مقابل لتمام التكوين في العاقل الرشيد ووظيفة الرشد فوق وظيفة العقل الوازع والعقل المدرك والعقل الحكيم لأنها استيفاء لجميع هذه الوظائف وعليها مزيد من النضج والتمام والتميز بميزة الرشاد حيث لا نقص ولا اختلال ، وقد يؤتى الحكيم من نقص في الإدراك وقد يؤتى العقل الوازع من نقص في الحكمة ولكن العقل الرشيد ينجو به الرشاد من هذا وذاك.
وفريضة التفكير في القرآن الكريم تشمل العقل الإنساني بكل ما احتواه من هذه الوظائف بجميع خصائصها ومدلولاتها فهو يخاطب العقل الوازع والعقل المدرك والعقل الحكيم والعقل الرشيد ولا يذكر العقل عرضًا مقتضبًا بل يذكره مقصودًا مفصلًا على نحو لا نظير له في كتاب من كتب الأديان “.
وخصص فصلا من الكتاب للحديث عن تجديد الفكر الإسلامي فقال : ” الفصل التاسع الاجتهاد في الدين ، مصادر الشرائع والأحكام في الدين الإسلامي ثلاثة الكتاب والسنة والإجماع ، ويقوم الإجماع على اجتهاد أولي الأمر وأهل الذكر بما اشتمل عليه من قياس واستحسان أو مصالح مرسلة أي مصالح لم تتقيد بحكم خاص ينطبق عليها في جميع الأحوال وجميع الأزمنة ولكنها من العوارض المتغيرة التي ينظر فيها المسلمون إلى مصالحهم بحسب أحوالها وأزمنتها.
والفهم واجب على المسلم في الأخذ من جميع هذه المصادر والعمل بها فلا تعارض بين النص والاجتهاد في وجوب الفهم في كل منها لأن المسلم ـ بعدما تلقاه من الأوامر الإلهية التي توجب عليه التفكير والتدبير والاحتكام إلى العقل والبصيرة ـ لا يستطيع أن يعتقد أنه مطالب باتباع النص بغير فهم ولا تفرقة بين مواضع الاتباع وأسبابه ، ومن قال : إنَّ العمل بالنص يعني العمل بغير فهم فليس هو من الإسلام في شيء.
والفرائض كلها في الإسلام تتساوى في شرط واحد وهو الاستطاعة ومنها التفكير ، فلا فرق بين الصلاة والحج والزكاة والتفكير في شرط الاستطاعة ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها .. فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ [سورة البقرة : ١٧٣].
والتفكير في أمور الدين أصل من الأصول المقررة أما التقليد فهو حالة من حالات الضرورة التي تعفي من الاجتهاد بالفهم مَن يعجز عنه ولا يستطيعه ، وقد يكون المستطيعون للاجتهاد أقل عددًا من المستطيعين للصلاة وكذلك المستطيعون للزكاة والحج هم أقل عددًا ممن يؤدون صلاتهم أو يقدرون عليها ولكن الفرق في الاستطاعة لا يجعل العجز عن الفريضة واجبًا محتومًا يلتزمه العاجز ولا يعمل على الخلاص منه كلما استطاع.
إذ الفرق ظاهر بين الواجب الذي لا يستطاع والحرام المنهي عنه فلا إيجاب للتقليد ولا تحريم للاجتهاد بالفكر ، وشر الناس في الإسلام من يحرم على خلق الله أن يفكروا ويتدبروا بعد أن أمرهم الله بالتفكير والتدبر وأنبأهم بعاقبة الذين لا يفكرون ولا يتدبرون ومثله شرًّا من يحرم الاجتهاد على الناس جميعًا لأنه قضى على خلق الله إلى آخر الزمان بالحرمان من نعمة العقل والعلم والصلاح.
ومن أباح لنفسه أن يحرم على الناس نعمة العقل والعلم إلى آخر الزمان فقد اجتهد برأيه اجتهادًا أبعد في الدعوى من كل ما يدعيه المجتهدون على حق أو على باطل فإنه يلغي أوامر الله لعباده حيث يتحرى المجتهدون أن يبتغوا الوسيلة إليها فهو ينهى الناس برأيه عمَّا أمرهم به الله واجتهدوا قادرين أو عاجزين أن يطيعوه.
وليس التفكير في الإسلام عوضًا من النص أو ما يشبه النص في الأحكام بل هو فريضة منصوص عليها مطلوبة لذاتها ولما يتوقف عليها من فهم الفرائض الأخرى وكلها محظور على المسلم أن يهمله وهو قادر على النهوض بتكاليفه غير مضطر إلى تركه فإنْ ترَكه لغير ضرورة فهو مُقصرٌ مُحاسبٌ على التقصير.
وقد وقع الاجتهاد في الإسلام نصًّا وعرفًا وتقليدًا ـ إن صح هذا التعبير ـ ونعني بالتقليد هنا حسن القدوة بالأولين والتابعين من السلف الصالح ، وأول الأولين نبي الإسلام عليه السلام ثم الخلفاء الراشدون ومن تبعهم في العصور التي اشتدت فيها حاجة المسلمين إلى الاجتهاد فإن البعد عن القدوة المشاهدة من الخلف الصالح أحرى أن يلجئ ولاة الأمور وأهل الذكر بين المسلمين إلى التفكير فيما يصلح لأزمنتهم ولم يكن معهودًا في أزمنة الأولين “.
وفي آخر الكتاب يلخص العقاد منهجه الفكري الذي يجمع بين الدين وكلا من العلم والفلسفة ومظاهر الحياة المختلفة بقوله : ” خاتمة ، كتبنا هذه الفصول عسى أن يكون فيها جواب هادٍ لأناس من الناشئين يتساءلون : هل يتفق الفكر والدين ؟ وهل يستطيع الإنسان العصري أن يقيم عقيدته الإسلامية على أساس من التفكير ؟
ونرجو أن تكون هذه الفصول تعزيزًا للجواب بكلمة (نعم) على كل من هذين السؤالين ، نعم يتفق الفكر والدين ونعم يدين المفكر بالإسلام وله سند من الفكر وسند من الإيمان ، ولكننا نكتب هذه الخاتمة ونود أن نضيف بها سؤالًا آخر يتمم هذين السؤالين نود أن نسأل : هل يؤمن عقل الإنسان بالدين في هذا العصر ؟ ويرى فيه دينًا أحق بالإيمان به من الإسلام ؟
أما أن يؤمن الإنسان بالدين في أعماق وجدانه بمعرفة الفكر فذلك بحث طويل لا يستقصى في سطور ولا صفحات ولكنه ـ مع خلوص النية ـ يتضح جليًّا مبينًا من حقيقة واحدة وهي أنَّ الإنسان جزء من هذا الوجود غير المحدود لا بد له من صلة عميقة تربطه به أبعد غورًا من هذه الصلات الحسية التي تحصرها العلوم المتغيرة مع العصور والسنين .
فكيف تكون هذه الصلة ؟ إنَّ فكر الإنسان محدود ينقطع دون النهاية من هذا الوجود الذي ليست له حدود فهل تنقطع صلته بالوجود كله عند انقطاع فكره ؟ أو يعلم حدود نهايته ويعلم علمًا يقينًا أنَّ الصلة وراء ذلك لن تكون إلا بالإيمان ، لا بد أن يؤمن لأنه ذهب بالفكر إلى نهايته ولم يبلغ النهاية ولا بد ـ بعد طريق الفكرـ من طريق يهتدي إليه الفكر ولكنه لا يستقصيه.
وإذا آمن المفكر بهذ، فأي دين يختاره للجماعة الإنسانية أفضل من دين الإسلام ؟ ، إنَّ الإسلام دين موجود فالذي يشير على المسلم بدين غيره يريد منه أن يتركه ليَدِينَ بعقيدة أرفع منه في درجات الاعتقاد وأوفى منه بمطالب الجماعة ومطالب الآحاد وهذا ما يعتقده المسلم ، فما الذي يعتقده خيرًا منه إذا نظر في الإسلام وفي سائر الأديان ؟
يعتقد المسلم في الإله أنه رب العالمين ليس كمثله شيء وهو بكل شيء محيط لا يحابي ذرية دون ذرية ولا يختص بالنجاة فريقًا دون فريق ولا يميز أحدًا على أحد بغير العمل والتقوى ، ويعتقد المسلم في النبي أنه رسول هداية يعلم ما علَّمه الله ولا يعلم الغيب إلا بإذن الله يخاطب العقول ولا يقسرها على التصديق بالخوارق والأعاجيب ولا يملك لأحد نفعًا ولا ضرًّا إلا ما يكسبه لنفسه من خير وما يجنيه عليها من خسار.
ويعتقد المسلم في الأنبياء كافة أنهم رسل الله بالهداية يصدقهم جميعًا حين يصدق برسالة نبيه ويصلي عليهم جميعًا حين يصلي عليه يبشرون وينذرون فلا يهلك أحد من خلائق الله بغير نذير ولا تفوته النجاة لأنه سبق في الزمان أو تأخر فيه بغير حيلة له في السبق أو التأخير ، ويعتقد المسلم في الإنسان أنه مخلوق مسئول عن عمله وعن نيته إن عمل صالحًا فلنفسه وإن أساء فعليها يؤاخذه الله بذنبه ولا يؤاخذه بذنب لم يقترفه وينجيه بتوبته ولا ينجيه بكفارة لم ينهض يثوابها.
ويعتقد المسلم في بني الإنسان عامة أنهم أسرة واحدة من ذكر وأنثى أكرمهم عند الله أتقاهم وأتقاهم لله أنفعهم لعباده يتكاثرون بالأنساب ويتعارفون بالأعمال والأسباب فإذا نصبت لهم موازين الحساب فلا أنساب بينهم يومئذ ولا هم يتساءلون ، ويعتقد المسلم في الدين أنه عهد بين المرء وخالقه أينما كان فثم وجه الله محرابه حيث أقام الصلاة بين الأرض والسماء وضميره حرم لا يباح إلا بما يشاء.
فإذا آمن المسلم بغير هذه العقيدة فما له من عقيدة خير منها فيما يعتقده إنسان في الله أو في أنبياء الله أو في خلق الله أو في مشيئة الله ، وإذا قيل له : لا تعتقد بالإسلام فقد قيل له : لا تعتقد بشيء ولا تؤمن بإله ، ويحق للمسلم على الحالين أن يعلم أنَّ التفكير يوجب الإسلام وأنَّ الإسلام يوجب التفكير.
ذلك منحًى من مناحي العقل الواسعة ينحرف عنه ذو العقل الذي انتهى من بحوثه وتقديراته إلى نبذ الأديان وإنكار المعتقدات وهي نهاية تُعاب بقسطاس الفكر نفسه لأنها سوء تفكير ولا ينحصر عيبها في سوء التقدير للضرورات التي استقام عليها بناء الجماعة الإنسانية منذ وجدت في التاريخ وقبل التاريخ.
يعاب على هذا التفكير القاصر أنه انتهى إلى غير شيء .. انتهى إلى العدم وليس ما وراء الفكر عدمًا بل هو وجود مطلق أزلي أبدي محيط بجميع الموجودات ومنها الفكر والمفكرون لا يدركه الفكر بداهة ولكن ليدركه الإيمان لا ليبقى منقطعًا عن العقل والوجدان والشعور.
وإذا قلنا : إنَّ هذا الفكر القاصر يعاب كذلك لأنه سوء تقدير لضرورات الجماعة الإنسانية فليس هذا بالعيب الهين عند من يتأمل ويريد أن يتأمل ، إنَّ حاجة النفوس إلى العقيدة في الجماعة الإنسانية برهان وأي برهان ، برهان من الواقع لكن كبرهان الحنان الأبوي على مصلحة النوع في البقاء أيقدح في حنان الآباء أنهم ينظرون إلى الأبناء بعين النوع كله ولا ينظرون إليه نظرة الغريب المجرد من هذا الحنان ؟
برهان الجماعة حق في العقل وحق في الواقع وعلى الإنسان الأمين لعقله ولنوعه أن يفطن لهذا الحق ويبحث عنه بحث المسئول لا بحث السائل الطارئ على القضية من بعيد ، وعلى الإنسان الأمين لعقله ولنوعه أن يرعى حرمة القداسة في جماعته كما يرعاها في ضميره فمن سلامة الضمير أن تكون سلامة الجماعة مما يتوخاه ومما يصونه ويحميه.
وفي العالم اليوم جماعة إنسانية تعد بمئات الملايين .. أربعمائة مليون مسلم يعيشون بعقيدة قويمة ويعتصمون منها بحصانة قوية ، هذا هو الإسلام بنية حية تذود عن عقيدتها فتذود عن كيانها أو تموت.
صانها الإسلام في وجوه أعدائها فلتصنه في وجوه أعدائه ، وأوجب ما يوجب عليها هذه الصيانة أنها تطلق للضمير آفاقه وأعماقه وتحمي للجماعة ديارها وقرارها وأنها لُبٌّ ووجدان وتفكير وإيمان فإن يكن للجماعة الإسلامية دين ولا بد من دين فلا بديل لها من دين يهديها إلى الفكر ويهديها الفكرُ إليه “.

22 / فجر الإسلام
من أهم الكتب التي تناولت تاريخ الحياة الثقافية في العصور الإسلامية الأولى كتاب (فجر الإسلام) الذي ألفه المفكر والأديب والمؤرخ والقاضي أحمد أمين إبراهيم الطباخ الذي ولد بالقاهرة عام 1886 م وتوفي فيها عام 1954 م ، وهو من رواد تجديد الفكر الإسلامي من خلال مدرسة الوسطية الإسلامية التي تجمع بين العقل والنص وتمزج بين الأصالة والمعاصرة وتستوعب منجزات الحضارة الغربية في إطار التعايش مع تراثنا الأدبي والثقافي ، وهو والد الكاتب والسفير حسين أحمد أمين والمفكر الدكتور جلال أمين.
كان والده محبا لكتب اللغة والأدب يعمل مدرسا في الأزهر وفي مسجد الإمام الشافعي وإماما للمسجد في الحي ومصححا بالمطبعة الأميرية واهتم به منذ صغره وفرض عليه برنامجا شاقا في تلقي دروسه وعوده على القراءة والإطلاع ، تلقى تعليمه في الأزهر ثم عمل مُدرسًا للُّغة العربية في عدة مدارس في طنطا والإسكندرية والقاهرة وتَقدَّم بعدها لامتحانات القَبول بمدرسة القضاء الشرعي فاجتازها بنجاح وتخرَّج منها بعد أربع سنوات عام 1911 م ثم عين للتدريس فيها برعاية أستاذه عاطف بركات باشا ابن أخت الزعيم سعد زغلول.
وفي عام 1914 م أسس لجنة التأليف والترجمة والنشر وتولى رئاستها طوال حياته وعمل بالقضاء لمدة أربع سنوات ، وفي عام 1926 م عمل مدرسا لمادة النقد الأدبي بكلية الآداب بالجامعة وخلال تلك الفترة كتب مشروعه البحثي الكبير حول الحياة العقلية في الإسلام وبدأها بكتاب فجر الإسلام ثم كتاب ضحى الإسلام وكتاب ظهر الإسلام وكتاب يوم الإسلام ، وفي عام 1939 م عين عميدا للكلية لمدة عامين ثم استقال بعد خلاف إداري مع وزير المعارف وقتها الدكتور محمد حسين هيكل وقال : (أنا أصغر من أستاذ وأكبر من عميد).
وفي تلك الفترة عين أيضا عضوا في مجمع اللغة العربية بالقاهرة وعضوا في المجلس الأعلى لدار الكتب ، وفي عام 1945 م عمل مديرا للإدارة الثقافية بوزارة المعارف وأسس (الجامعة الشعبية) والتي تحولت بعد ذلك إلى (الثقافة الجماهيرية) ثم هيئة قصور الثقافة ، وفي عام 1946 م عين مديرا للإدارة الثقافية في جامعة الدول العربية فأسس (معهد المخطوطات العربية) ، وأسهم في تحقيق عدد كبير من كتب التراث العربي ودافع عن ذلك في مقالاته بمجلة الرسالة ضد زكي نجيب محمود الذي انتقد جهده في إحياء المؤلفات القديمة ونشرها.
وقد ترأس أحمد أمين تحرير مجلة الثقافة التي أصدرتها لجنة التأليف والترجمة والنشر واستمرت في الصدور أربعة عشر عامًا متوالية ابتداءا من عام 1939 م وعرفت المجلة بالأفق الواسع وعرضها للتيارات والمذاهب السياسية الحديثة وتشجيعها للتيار الاجتماعي في الأدب وفن الرواية والمسرحية ودعمها للمواهب الجديدة ، وكان يكتب فيها مقالًا أسبوعيًّا في مختلف الموضوعات الأدبية والاجتماعية وجمعت هذه المقالات في كتابه الموسوعي الكبير فيض الخاطر (عشرة أجزاء) وفيها خلاصة آرائه الفكرية والفلسفية والسياسية.
ومن مؤلفاته الأخرى : كتاب زعماء الإصلاح في العصر الحديث وكتاب الأخلاق وكتاب الصعلكة والفتوة في الإسلام وكتاب المهدي والمهدوية وكتاب النقد الأدبي وكتاب قاموس العادات والتقاليد والتعابير المصرية وكتاب إلى ولدي وكتاب هارون الرشيد وكتاب الشرق والغرب وكتاب حياتي (مذكراته الشخصية) وكتاب علمتني الحياة وكتاب ابتسم للحياة وكتاب حرب الشر ، واشترك مع زكي نجيب محمود في تأليف كل من كتاب قصة الفلسفة اليونانية وكتاب قصة الفلسفة الحديثة وكتاب قصة الأدب في العالم (ثلاثة أجزاء).
وقام بتحقيق كتب تراثية مثل كتاب الهوامل والشوامل وكتاب الإمتاع والمؤانسة وكتاب البصائر والذخائر (وهي لأبي حيان التوحيدي) وديوان الحماسة لأبي تمام والعقد الفريد لابن عبد ربه وقصة حي بن يقظان لابن طفيل وكتاب خريدة القصر للعماد الكاتب ، وترجم كتاب مبادئ الفلسفة وقام بمراجعة كتاب تاريخ الفلسفة الغربية وأصدر عدة كتب تعليمية لتدرس للطلاب في المراحل المختلفة وهي كتاب المنتخب من الأدب العربي وكتاب المفصل في الأدب العربي وكتاب المطالعة التوجيهية وكتاب تاريخ الأدب العربي.
وفي كتابه فجر الإسلام يتحدث عن التغيير الثقافي الكبير الذي صاحب حركة الفتوحات الإسلامية واختلاط العرب القادمين من الصحراء مع سكان البلاد التي نشأت فيها الأمصار الجديدة والتي صارت مراكز الإشعاع الحضاري في زمنها وذلك في الفصل الرابع عشر بعنوان مراكز الحياة العقلية حيث يقول :
نلاحظ أن الدين والفن والعلم والأدب تنبع دائمًا من المدن وتزهر فيها كان ذلك في القديم وهو كذلك في الحديث فأنت الآن ترى الأفكار الجديدة وآراء المصلحين إنما تنشأ في المدن أوَّلًا وكذلك معاهد العلم والأدب والفن من مدارس وجامعات ومكتبات وصحف ومتاحف إنما تعظم وتكثر في المدن لا في القرى.
ولذلك أسباب أهمها : أن المدن أكثر ناسًا وأوفر عمرانًا وقد نشأت كثرة الناس والعمران من وفرة المؤن إما لسبب مباشر كخصب الأرض وجودتها وكثرة غلاتها أو غير مباشر كأن تتبادل المدينة مصنوعاتها مع أمة أخرى خصبة الأرض كثيرة الغلات أو نحو ذلك وكثرة السكان على هذا النحو تستتبع نوعًا من الغنى يستطيع معه أهله أن يجدوا زمنًا يصرفونه في غير كسب القوت ، كما يستتبع نوعًا من الرقي السياسي يستطيع الناس معه أن يتبادلوا الآراء والأفكار وينظروا إلى الحياة غير هذا النظر المادي الوضيع فينشأ الرأي وينشأ العلم ويزهو الأدب.
كذلك تختلف المدن في نوع ما تمتاز به من العلوم فقد تمتاز مدينة بعلم وأخرى بعلم آخر وثالثة بفن أو أدب وهكذا ، فأنت إذا رأَيت الحديث مثلًا ونوعًا من التاريخ الإسلامي كان يكثر في الحجاز في ذلك العصر وأن المذاهب الدينية نبع أكثرها في العراق وأن النحو نبع في البصرة فلا تظن أن ذلك كان مجرد اتفاق بل الواقع أن هناك أسبابًا اجتماعية أنتجت ذلك ولم يكن في الإمكان أن يكون غير ما كان.
واختلاف المدن في الشهرة العلمية ونوع العلم الذي تمتاز به يرجع إلى أسباب أهمها بالنظر إلى العصر الذي نبحث فيه : تكوّن المدنية الإسلامية على أطلال مدنيات قديمة طبعت البلاد بطابع خاص كالذي كان في مدن العراق والشام ، فلما فتحها المسلمون لم تتجرد من طابعها وعقليتها القديمة ولكن أثر فيها الإسلام أثرًا جديدًا فكانت العقلية الجديدة نتيجة العاملين معًا.
ومنها أن العلماء الأولين من الصحابة ومن يلحق بهم مع اختلاف شخصياتهم العلمية التي بيَّنا نزلوا في البلاد المختلفة وكوَّنوا فيها مدارس ومذاهب تبعًا لمزاجهم العقلي فتأثرت البلاد التي نزلوا فيها بشخصياتهم ونهجوا في العلم مناهجهم ! ومنها ظهور أحداث سياسية وغير سياسية كان لها أثر كبير في امتياز بعض المدن بنوع من العلم ونمط من التفكير!
فظهور رسول الله ﷺ في مكة وهجرته إلى المدينة جعل لمكة والمدينة صبغة علمية خاصة وكثرة الأحداث السياسية في العراق وتلاحق الفتن فيه كان له الأثر الكبير في نشوء المذاهب الدينية به وقرار الخلافة الأموية في دمشق لم يخل من أثر في تكييف الحياة العلمية فيها وهكذا مما سنعرض لبيانه بعد ، وعلى الجملة فقد كانت أهم المراكز العقلية في ذلك العصر مكة والمدينة في الحجاز والبصرة والكوفة في العراق ودمشق في الشام والفسطاط في مصر “.
وقد أفرد فصلا خاصا للبلاد المصرية في أول ذلك العهد وقال فيه : ” مصر : فتح المسلمون مصر والثقافة اليونانية الرومانية منتشرة فيها وقد ذكرنا قبلُ شيئًا عن مدرسة الإسكندرانيين ومذاهبهم وتعاليمهم ، فلما تم فتحها أقبل العرب عليها لما سمعوا بغناها وخصب أرضها وخططوا الفسطاط حسب قبائلهم ونزلوا بالمدن والأرياف واستوطنوها واتخذوا الزرع معاشًا ودخل كثير من القبط في الإسلام واختلطت أنساب العرب بأنساب المصريين بما كان بينهم من تزاوج.
أصبحت مصر منذ دخول العرب إليها مركزًا علميًّا في المملكة الإسلامية كما هي مركز سياسي ، ولكن الحركة العلمية في بدء عهدها لم تكن حركة فلسفية ولا دنيوية إنما كان شأنها شأن جميع المراكز العقلية إذ ذاك فأكبر شيء قيمة هو الدين فكان طبيعيًّا أن يكون العلم السائد في هذا العصر في جميع الأقطار هو علم الدين وما إليه.
ولكن ليس معنى هذا أن الثقافة اليونانية الرومانية التي كانت منتشرة في مصر والشام والعراق قد بادت ولم يعد لها من أثر إنما أصابتها دهشة الفتح وخضعت لقوة الحركة الدينية ، فلما هدأت النفوس أخذت هذه الثقافة اليونانية الرومانية تستعيد نشاطها وقوتها بعد أن صُبغت بالتعاليم الإسلامية وعُدِّلت حسب ما يتفق والإسلام ولكن هذا النشاط لم يظهر إلا آخر الدولة الأموية وصدر الدولة العباسية.
كان من الصحابة الذين نزلوا بمصر علماء علَّموا بها وكانوا أساس مدرستها وأشهرهم عبد الله بن عمرو بن العاص وقد كان عبد الله هذا من أكثر الناس حديثًا عن رسول الله ﷺ وكان يدون ما يسمع ، قال مجاهد: (رأيت عند عبد الله بن عمرو صحيفة فسألته عنها فقال : هذه الصادقة فيها ما سمعت من رسول الله ﷺ ليس بيني وبينه فيها أحد) ، وكان مع هذا كثير الاطلاع في غير الحديث فابن حجر في الإصابة يروي لنا أنه كان يقرأ التوراة وابن سعد في طبقاته يروي لنا عن شريك أنه قال : رأيت عبد الله بن عمرو يقرأ بالسريانية.
وقد روى عنه الحديث كثير من الصحابة والتابعين في المدينة والشام ومصر وقد خرج مع أبيه إلى مصر عندما ولاه إياها معاوية ولما حضرت الوفاة عمرًا استعمل ابنه عبد الله عليها فأقره معاوية ثم عزله ، وكان يحج ويعتمر ويأتي الشام ثم يرجع إلى مصر وابتنى فيها دارًا فلم يزل بها حتى مات فدُفن في داره في مصر ـ على أحد الأقوال ـ في خلافة عبد الملك بن مروان ، ويُعدّ بحق مؤسس المدرسة المصرية فقد أخذ عنه كثير من أهل مصر وكانوا يكتبون عنه ما يُحدِّث.
روى المقريزي عن حَيْوَة بن شريح قال : دخلت على حسين بن شَفيِّ بن مانع الأصبحي وهو يقول : فعل الله بفلان ، فقلت : ما له ؟ فقال : عمد إلى كتابين كان شفي سمعهما من عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه أحدهما : قضى رسول الله في كذا وقال رسول الله كذا والآخر ما يكون من الأحداث إلى يوم القيامة فأخذهما فرمى بهما بين الْخَوْلة والرَّباب ، (قال أبو سعيد بن يونس : يعني بقوله الخولة والرباب مركبين كبيرين من سفن الجسر كانا يكونان عند رأس الجسر مما يلي الفسطاط تجوز من تحتهما لكبرهما المراكب).
وقد اشتهر من مدرسة مصر بعد الصحابة يزيد بن أبي حبيب وهو نوبي الأصل من دنقلة وقد أخذ العلم عن بعض الصحابة المقيمين بمصر ، قال الكندي : إنه أول من نشر العلم بمصر في الحلال والحرام ومسائل الفقه وكانوا قبل ذلك إنما يتحدثون في الفتن والترغيب وكان ثالث ثلاثة جعل عمر بن عبد العزيز الفتيا إليهم بمصر رجلان من الموالي ورجل من العرب فأما العربي فجعفر بن ربيعة وأما الموليان فيزيد بن أبي حبيب وعبد الله بن أبي جعفر ، فكأن العرب أنكروا ذلك فقال عمر بن عبد العزيز : ما ذنبي إن كانت الموالي تسمو بأنفسها صُعُدًا وأنتم لا تسْمُون ، وقد كان يزيد عالمًا بالفتن والحروب وخاصة ما يتعلق بفتح مصر وشئونها وولاتها وهو أحد الأركان الذين نقل عنهم الكندي كتابه ولاة مصر وقضاتها.
وكان من أشهر تلاميذ يزيد هذا عبد الله بن لهِيعة والليث بن سعد فأما عبد الله فعربي أصله من حضرموت ـ وما أكثر الحضارِمة كانوا في مصر ـ وقد قابل كثيرًا من التابعين وأخذ عنهم وكان يُدوِّن ما يسمع ، وكثير من المحدثين كالبخاري والنسائي لا يثق به ومن الأسف أن كثيرًا من حوادث تاريخ العرب في مصر نُقلت عنه وكان هو العمدة في روايتها وقد ولي القضاء بمصر نحو تسع سنين.
أما الليث بن سعد فمن الموالي على أصح الأقوال أصله من أصفهان في فارس ولكن الراجح أنه وُلد في مصر في قَلْقَشَنْدَة ، وقد طوَّف في كثير من البلدان لأخذ العلم فرحل إلى مكة وبيت المقدس وبغداد ولقي تسعة وخمسين تابعيًّا حدّث عنهم وكان له اتصال بالإمام مالك في المدينة يُكاتبه في مسائل في التشريع ويحاجْه ، ويروون أن الشافعي قال : (الليث أفقه من مالك إلا أن أصحابه لم يقوموا به) وكان ذا منزلة رفيعة في قومه يستشيره الولاة والقضاة في عظائم الأمور ثقة لم يشك أحد في صدقه وأمانته وكان له مذهب خاص يُعرف به وقد قلده المصريون واتبعوه ولكن ضاع مذهبه كما ضاع مذهب الأوزاعي في الشام “.
ويتحدث عن معاناته في تتبع تاريخ الثقافة العربي في مقدمة كتابه ضحى الإسلام فيقول : ” لعل أصعب ما يواجه الباحث في تاريخ أمة هو تاريخ عقلها في نشوئه وارتقائه وتاريخ دينها وما دخله من آراء ومذاهب ، ذلك أن مدار البحث في المسائل المادية وما يشبهها واضح محدود وما يطرأ عليها من تغير ظاهر جلي.
أما الفكرة فإذا حاولت أن تعرف كيف نبتت وكيف نمت وما العوامل في إيجادها وما العناصر التي غذتها وما الطوارئ التي طرأت عليها فعدلتها أو صقلتها أعياك ذلك وبلغ منك في استخراجه الجهد لأن الفكرة أول أمرها لا مظهر لها نستدل به عليها وقد تتكون من عناصر قد لا تخطر ببال ويعمل في تغييرها وتعديلها عوامل في منتهى الغموض.
والمذاهب الدينية قد يكون الباعث عليها غير ما ظهر من تعاليمها قد يكون الباعث عليها سياسيًّا وهي في مظهرها الخارجي مجردة من كل سياسة وقد يكون الباعث لها إفساد الدين فتتشكل بشكل المتحمس للدين وقد يكون المذهب صالحًا كل الصلاح ولكن يحكيه أعداؤه فيشوهونه ويلغون فيه فيفسدونه فيقف الباحث حائرًا ضالًّا يتطلب بصيصًا من نور يهديه أو أثرًا في الطريق سلكه من قبله فيحتذيه.
وفوق هذا، فالأفكار متنوعة والآراء متعددة وقضايا كل عصر تخالف ما قبلها ويراها الباحث فيظنها أول وهلة جديدة لم ترتبط بما قبلها برباط ولم تتصل به أي صلة فيُعمِل فكره فيما عسى أن يكون بينهما من قرابة أو نسب وما قد يصل بينهما من سبب ، ففي سبيل الله ما يلاقي مؤرخ الفكر من عناء لا يتناسب وما يحصله من نتاج ! “.
وفي مقدمة كتابه (حياتي) يتناول مسيرته المهنية والفكرية وما فيها من تأملات ترسم لنا معالم الحياة في زمنه حيث قال : ” لم أتهيب شيئًا من تأليف ما تهيبت من إخراج هذا الكتاب فإن كل ما أخرجته كان غيري المعروض وأنا العارض أو غيري الموصوف وأنا الواصف وأما هذا الكتاب فأنا العارض والمعروض والواصف والموصوف ، والعين لا ترى نفسها إلا بمرآة والشيء إذا زاد قربه صعبت رؤيته والنفس لا ترى شخصها إلا من قول عدو أو صديق أو بمحاولة للتجرد تم توزيعها على شخصيتين : ناظرة ومنظورة وحاكمة ومحكومة وما أشق ذلك وأضناه.
ومع هذا فكيف يكون الإنصاف ؟ إن النفس إما أن تغلو في تقدير ذاتها فتنسب إليها ما ليس لها أو تبالغ في تقدير ما صدر عنها أو تبرر ما ساء من تصرفها وإما أن تغمطها حقها ويحملها حب العدالة على تهوين شأنها فتسلبها ما لها أو تقلل من قيمة أعمالها أو تنظر بمنظار أسود لكل ما يأتي منها أما أن تقف من نفسها موقف القاضي العادل والحكم النزيه فمطلب عز حتى على الفلاسفة والحكماء.
ثم إن للنفس أعماًقا كأعماق البحار وغموضا كغموض الليل فالوعي واللاوعي والعقل الباطن والظاهر والشعور البسيط والمركب والباعث السطحي والعميق والغرض القريب والبعيد كل هذا وأمثاله يجعل تحليلها صعب المنال وفهمها أقرب إلى المحال ، وقد يخدع الإنسان فيكون من السهل اكتشاف الخديعة والوقوف على حقيقتها وتبين أمرها وتفهم بواعثها ومراميها أما أن يخدع الإنسان نفسه فأمر غارق في الأعماق مغلف بألف حجاب وحجاب.
من أجل هذا كان قول سقراط : (اعرف نفسك بنفسك) تكليًفا شططاً وأمرًا يفوق الطاقة ، ولكن على المرء أن يبذل جهده في تعرف الحق وتحري الصدق ليبرئ نفسه ويريح ضميره ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.
على ذلك وضعت هذا الكتاب ولم أذكر فيه كل الحق ولكني لم أذكر فيه أيضًا إلا الحق فمن الحق ما يرذل قوله وتنبو الأذن عن سماعه ، وإذا كنا لا نستسيغ عري كل الجسم فكيف نستسيغ عري كل النفس ؟ إلا أحداث تافهة حدثت لي أو لغيري معي لا نفع في ذكرها والإطالة في عرضها.
ثم إن حديث الإنسان عن نفسه ـ عادة ـ بغيض ثقيل لأن حب الإنسان نفسه كثيرًا ما يدعوه أن يشوب حديثه بالمديح ولو عن طريق التواضع أو الإيماء أو التلويح وفي هذا المديح دلالة على التسامح والتعالي من القائل ومدعاة للاشمئزاز والنفور من القارئ والسامع. ولذلك لا يستساغ الحديث عن النفس إلا بضروب من اللباقة وأفانين من اللياقة.
وترددت ـ أيضًا ـ في نشره : ما للناس و(حياتي) ؟ ، لست بالسياسي العظيم ولا ذي المنصب الخطير الذي إذا نشر مذكراته أو ترجم لحياته أبان عن غوامض لم تعرف أو مخبآت لم تظهر فجلى الحق وأكمل التاريخ ، ولا أنا بالمغامر الذي استكشف مجهوًلا من حقائق العالم فحاول وصفه وأضاف ثروة إلى العلم أو مجهوًلا من العواطف ـ كالحب والبطولة أو نحوهما فجلاه وزاد بعمله في ثروة الأدب وتاريخ الفن ـ ولا أنا بالزعيم المصلح المجاهد ناضل وحارب وانتصر وانهزم وقاوم الكبراء والأمراء أو الشعوب والجماهير فرضوا عنه أحياًنا وغضبوا عليه أحياًنا وسعد وشقي وعذب وُ كرِّم فهو يروي أحداثه لتكون عبرًة وينشر مذكراته لتكون درسًا ، لست بشيء من ذلك ولا قريب من ذلك ففيمَ أنشر (حياتي) ؟
ولكن سرعان ما أجيب بأن عصر الأرستقراطية كاد يزول من غير رجعة وينقضي من غير عودة ، وأزهرت الديمقراطية فحلت محلها ونشرت سلطانها وتغلغلت حتى في الفن والأدب كان الشعر في الشرق لا يعيش إلا في قصور الخلفاء والأمراء فعاش في الناس بعيدًا عن القصور ، وكانت أهم موضوعاته المديح وخير أساليبه المزوق المطرز فصارت مواضيعه كل شيء إلا الإفراط في الزينة وكانت الروايات التمثيلية في الغرب لا تتخذ موضوعها إلا من حياة الملوك والأمراء ولا تعرج على شيء من حياة الفقراء إلا لإضحاك الأغنياء.
ثم دار الزمن دورته، فصار كل شيء موضوعًا للرواية كوخ الفقير وقصر الأمير وعيشة المترف الناعم وعيشة المجهد البائس والفلاحة في الحقل والأميرة في القصر ـ وقد كان المؤرخ إنما يؤرخ للخلفاء وأعمالهم ومبانيهم وحروبهم وإقطاعهم ومن اتصل بهم وما صدر عنهم من فعل وما روي لهم من قول ولا شيء غير ذلك ثم صار المؤرخ يؤرخ للشعب كما يؤرخ للسلطان ويؤرخ الفقر كما يؤرخ الغنى ويؤرخ الزراعة كما يؤرخ الإمارة ـ فحياة المغمورين مهمة كحياة المشهورين.
فلماذا ـ إذا ـ لا أؤرخ (حياتي) لعلها تصور جانبًا من جوانب جيلنا وتصف نمطًا من أنماط حياتنا ولعلها تفيد اليوم قارئًا وتعين غدًا مؤرخًا فقد عنيت أن أصف ما حولي مؤثرًا في نفسي ونفسي متأثرة بما حولي.
نبتت عندي فكرة تاريخ حياتي منذ أول عهد شبابي فقد رأيتني أدون مذكرات يومية عن رحلاتي وعن حياتي في الأسرة وأيام زواجي ووجدتني أسجل في المفكرات السنوية أهم أحداث السنة وما يسوء منها وما يسر ، ولكن لم يكن كل ذلك عملاً منظمًا متواصلا بل كان يحدث في فترات متقطعة ـ ثم نمت الفكرة وشغلت بالي في العام الماضي فكنت أعصر ذاكرتي لأستقطر منها ما اختزنته من أيام طفولتي إلى شيخوختي وكلما ذكرت حادثة دونتها في إيجاز ومن غير ترتيب ـ فلما فرغت من ذلك ضممته إلى مذكراتي اليومية ثم عمدت ـ في الأشهر القريبة ـ إلى ترتيبه وكتابته من جديد على النحو الذي يراه القارئ من غير تصنع ولا تأنق ، والله هو الموفق الجيزة ٢٦ مارس (آذار) ١٩٥٠ أحمد أمين “.

23 / في الشعر الجاهلي
(عميد الأدب العربي) هو اللقب الذي عرف به المفكر والأديب والناقد الدكتور طه حسين علي سلامة الذي ولد في قرية الكيلو بالمنيا عام 1889 م وتوفي بالقاهرة عام 1973 م وهو رمز من رموز التنوير في مصر الحديثة والأب الروحي لأجيال من الأدباء والمثقفين ، وقد منح هذا اللقب بسبب عزله من منصب عميد كلية الآداب بالجامعة المصرية وتضامن الأساتذة والطلاب والمثقفين معه في قصة شغلت الرأي العام في وقتها وأخذت طابعا سياسيا وصل للاشتباك مع أكبر رأسين في البلد الملك ورئيس الوزراء.
وقصة حياته وحدها هي ملحمة في الإصرار والعزيمة من أول تحدي الإعاقة والتفوق في الدراسة وحتى المعارك الفكرية التي خاضها والمناصب التي تولاها حتى حفر لنفسه اسما كبيرا في عالم الفكر وصنع له مكانة عظمى في تاريخ الأدب والثقافة في مصر والوطن العربي ، وحيثما حل كان يثير الجدل بآرائه وكتاباته التي تبعث على التفكير وتهاجم المسلمات وتدعو للثورة على القديم وتبشر بالتجديد الدائم لكنه من ناحية الأسلوب الأدبي ظل متأثرا بالطريقة التراثية في الكتابة محافظا على اللغة العربية وقواعدها.
التحق بالأزهر وتأثر فيه بكل من الشيخ المرصفي والشيخ المراغي والإمام محمد عبده لكنه لم يكن منسجما مع طريقة شيوخه في التدريس فالتحق بالجامعة الأهلية عند إنشائها في عام 1908 م وحصل منها على درجة الدكتوراة عام 1914 م عن رسالته (في ذكرى أبي العلاء) ونشأ حولها جدل واتهام له بنشر الزندقة ، ثم سافر إلى فرنسا في بعثة درس فيها اللغة الفرنسية وآدابها وعلم النفس والتاريخ الحديث وحصل على الدكتوراه عن رسالته (الفلسفة الاجتماعية عند ابن خلدون) واجتاز دبلوم الدراسات العليا في القانون الرُّوماني.
وقد رصد تلك الفترة من كفاحه في مذكراته الشخصية التي صدرت بعنوان (الأيام) وكتب فيها عن زوجته الفرنسية الأصل السويسرية الجنسية السيدة سوزان بريسو التي كان تأثيرها كبيرا في حياته حيث ساعدته على مطالعة اللغة الفرنسية واللاتينية وقرأت له لكثير من المراجع وأمدته بالكتب التي كُتِبَت بطريقة برايل حتى تساعده على القراءة بنفسه كما كانت الزوجة والصديق الذي دفعه للتقدم دائماً وقد أحبها طه حسين حباً جماً حتى قال فيها أنه منذ أن سمع صوتها لم يعرف قلبه الألم وأنجب منها أبناءه أمينة ومؤنس.
وفي عام 1919 م عاد إلى مصر وعُين أستاذًا للتاريخ اليوناني والروماني في الجامعة الأهلية فلما أُلحقت بالدولة عام 1925 م عينته وزارة المعارف أستاذاً فيها للأدب العربي ، وفي عام 1926 م أصدر كتابه الشهير (في الشعر الجاهلي) وسار فيه على نهج ديكارت فأنكر وجود الشعر الجاهلي وتشكك في مصادر التاريخ الإسلامي فتصدى له عدد من علماء اللغة ورفعت ضده قضية تتهمه بالإساءة للدين إلا أن المحكمة برأته ، قام بتعديل عنوان الكتاب إلى (في الأدب الجاهلي) وحذف منه المقاطع الأربعة التي أُخذت عليه.
وقد صدر الكتاب بإهداء قال فيه : ” إلى حضرة صاحب الدولة عبد الخالق ثروت باشا ، سيدي صاحب الدولة كنت قبل اليوم أكتب في السياسة وكنت أجد في ذكرك والإشادة بفضلك راحة نفس تحب الحق ورضا ضمير يحب الوفاء ، وقد انصرفت عن السياسة وفرغت للجامعة وإذا أنا أراك في مجلسها كما كنت أراك من قبل قوي الروح ذكي القلب بعيد النظر موفقا في تأييد المصالح العلمية توفيقك في تأييد المصالح السياسية ، فهل تأذن لي في أن أقدم إليك هذا الكتاب مع التحية الخالصة والإجلال العظيم ، طه حسين 22 مارس سنة 1926 “.
واستهل الكتاب بمقدمة بدأها بعبارة توقع فيها ما سوف يثيره من زوابع وأن موضوعه أمر جديد تماما في الأدب فقال : ” تمهيد .. هذا نحو من البحث عن تاريخ الشعر العربي جديد لم يألفه الناس عندنا من قبل ، وأكاد أثق بأن فريقا منهم سيلقونه ساخطين عليه وبأن فريقا آخر سيزورون عنه ازورارا ولكني على سخط أولئك وازورار هؤلاء أريد أن أذيع هذا البحث أو بعبارة أصح أريد أن أقيده فقد أذعته قبل اليوم حين تحدثت به إلى طلابي في الجامعة.
وليس سرا ما تتحدث به إلى أكثر من مائتين ولقد اقتنعت بنتائج هذا البحث اقتناعا ما أعرف أني شعرت بمثله في تلك المواقف المختلفة التي وقفتها من تاريخ الأدب العربي ، وهذا الاقتناع القوي هو الذي يحملني على تقييد هذا البحث ونشره في هذه الفصول غير حافل بسخط الساخط ولا مكترث بازورار المزور ، وأنا مطمئن إلى أن هذا البحث وإن أسخط قوما وشق على آخرين فسيرضي هذه الطائفة القليلة من المستنيرين الذين هم في حقيقة الأمر عدة المستقبل وقوام النهضة الحديثة وزخر الأدب الجديد “.
أما عن قصة عزله من العمادة فقد بدأت بموقف حكاه طه حسين فقال : ” جاء الملك فؤاد لكى يزور الجامعة وكلياتها وقبل وصوله سألني زملائي باعتباري عميدا للكلية : هل نلقى محاضرات خاصة بمناسبة زيارة الملك ؟ قلت : لا ، وحينما وصل الملك ودخل أول قاعة للمحاضرات فوجئ بالطلبة يستمعون إلى محاضرة عن النظام الدستوري وهنا غضب الملك وغضب مرة ثانية حينما دخل عدلي باشا رئيس مجلس الشيوخ فصفق له الطلبة أشد مما صفقوا للملك وهنا قال الملك : كيف يصفق الطلبة لعدلي ولا يصفقون لي ؟ هذا عمل من تدبير الملعون طه “.
وفي شهر فبراير من عام 1932 م أرادت حكومة صدقي باشا منح الدكتوراة الفخرية من كلية الآداب لأربعة من السياسيين والأعيان وهم علي ماهر وإبراهيم يحيى وعبدالعزيز فهمي وتوفيق رفعت ، ورفض طه حسين ذلك لأنه اعتداء على حرمة وقدسية الجامعة ورأى أن مواقفهم السياسية لا تستوجب منحهم هذا الأمر إذ ليس لهم علاقة بالأدب ومجاله فقام وزير المعارف العمومية حلمي عيسى باشا باستدعائه وكرر عليه الطلب فأصر على الرفض فتم تحويل الأمر إلى كلية الحقوق التي رحب عميدها الدكتور عبدالرزاق السنهوري بذلك.
وكان رد طه حسين على الوزير وقتها قاطعا بقوله : ” يا باشا عميد كلية الآداب ليس عمدة تصدر إليه الأوامر فينفذها على الفور أنا كعميد للآداب لن أوافق على إعطاء الدكتوراة الفخرية لأحد لمجرد أنه من الأعيان أو السياسيين .. لا أوافق ولا أستطيع حتى أن أعرض هذا الأمر على مجلس كلية الآداب لأن أعضاء هذا المجلس لن يوافقوا ” ، ويحكي بعد ذلك قائلا : ” في هذه اللحظة بدأ التجهم والغضب كاملين في صوت وزير المعارف حتى أنه ردّ غاضباً : طيّب أنت لا تسمع الكلام حانشوف مين ينفذ كلامه ! “.
وأصدر الوزير قراره بإقالة طه حسين من عمادة كلية الآداب ونقله إلى ديوان وزارة المعارف العمومية فرفض القرار ومن ثم أحيل إلى التقاعد وبدأت معركة صحفية بين أنصار الحكومة وبين المثقفين ، وثار طلاب كلية الآداب وتوجهوا إلى مبنى كليتهم القديم بجوار إدارة الجامعة بالجيزة وأعلنوا احتجاجهم وأبلغوه إلى مدير الجامعة أحمد لطفي السيد الذي تقدم باستقالته تضامنا معهم وحفظا لكرامة الجامعة ، ولزم طه حسين بيته واقتصر نشاطه الفكري على الكتابة في صحف ومجلات السياسة اليومية وكوكب الشرق ووادي النيل.
وفي عام 1936 م أصدر كتابه (مستقبل الثقافة في مصر) والذي أثار الجدل حيث قسم فيه حضارات العالم إلى شرقية وغربية وجعل الشرق من وجهة نظره بلاد الفرس والهند والصين واليابان وجعل الغرب البلاد الأوروبية واعتبر مصر جزءا من الحضارات الغربية بسبب انقطاع صلتها بالشرق وفق تقسيمه واتصالها بثقافات البحر المتوسط في الزمن القديم وأننا يجب أن نسير على طريقة تقليد الغرب بسبب هذه الوشائج التاريخية القديمة ، ورغم نظريته هذه فإنه لا يسقطها على اللغة العربية بل يتبنى في سبيلها موقفا محافظا حيث يقول في أحد الفصول :
” ما هذه اللغة العربية التي نريد أن نعلِّمها في المدارس العامة والخاصة والتي نطالب الدولة بأن تتولى بنفسها إعداد المعلمين لها منذ التعليم العام ؟ وعلى أي نحوٍ نريد أن نعلمها ؟ .. أريد هنا أن يطمئن المحافظون عامة والأزهريون خاصة أشد الاطمئنان وأقواه فاللغة العربية التي أريد أن تُعلَّم في المدارس على أحسن وجه وأكمله هي اللغة الفصحى لا غيرها هي لغة القرآن الكريم والحديث الشريف وهي لغة ما أورثنا القدماء من شعر ونثر ومن علمٍ وأدب وفلسفة.
نعم ، وأحب أن يعلم المحافظون عامة والأزهريون خاصة ، إن كانوا لم يعلموا بعد ـ أني من أشد الناس ازورارًا عن الذين يفكرون في اللغة العامية على أنها تصلح أداة للفهم والتفاهم ووسيلة إلى تحقيق الأغراض المختلفة لحياتنا العقلية ، قاومت ذلك منذ الصبا ما وسعتني المقاومة ولعلي أن أكون قد وُفِّقت في هذه المقاومة إلى حدٍّ بعيد وسأقاوم ذلك فيما بقي لي من الحياة ما وسعتني المقاومة لأني لا أستطيع أن أتصور التفريط ولو كان يسيرًا في هذا التراث العظيم الذي حفظته لنا اللغة العربية الفصحى.
ولأني لم أومن قط ولن أستطيع أن أومن بأن للغة العامية من الخصائص والمميزات ما يجعلها خليقة بأن تسمى لغة وإنما رأيتها وسأراها دائمًا لهجة من اللهجات قد أدركها الفساد في كثيرٍ من أوضاعها وأشكالها ، وهي خليقة أن تفنى في اللغة العربية الفصحى إذا نحن منحناها ما يجب لها من العناية فارتفعنا بالشعب من طريق التعليم والتثقيف وهبطنا بها هي من طريق التيسير والإصلاح إلى حيث يلتقيان في غير مشقة ولا جهد ولا فساد “.
وفي عام 1942 م عين طه حسين مستشارا لوزير المعارف ثم مديرا لجامعة الإسكندرية وفي عام 1950 م عين وزيرا للمعارف في حكومة حزب الوفد وذلك حتى عام 1952 م ومنح لقب باشا في أثنائها وتبنى الدعوة إلى مجانية التعليم في ظل شعاره الشهير (التعليم كالماء والهواء) ، وفي عام 1955 م سافر لأداء فريضة الحج وكان في استقباله الملك سعود والوجهاء والأدباء والإعلاميون وبعثة الأزهر الشريف وكان من بينها الشيخ محمد متولي الشعراوي إذ كان يعمل أستاذاً في كلية الشريعة وقتها.
وفي عام 1959 م عاد إلى الجامعة ليعمل أستاذا غير متفرغ وتولى رئاسة تحرير جريدة الجمهورية الناطقة باسم ثورة يوليو ، وفي عام 1960 م مثل مصر في مؤتمر الحضارة المسيحية الإسلامية في مدينة فلورنسا بإيطاليا وانتخب عضوا في المجلس الهندي المصري الثقافي ومشرفا على معهد الدراسات العربية العليا ، وفي عام 1963 م تولى رئاسة مجمع اللغة العربية خلفا لأستاذ الجيل أحمد لطفي السيد وفي عام 1965 م حصل على قلادة النيل وفي عام 1971 م ترأس مجلس اتحاد المجامع اللغوية في الوطن العربي.
وقد قال عنه العقاد مادحا : (رجل جريء العقل مفطور على المناجزة والتحدي) وكانت بينها منافسة على تصدر المجال الثقافي العربي ، وحين انضم إلى حزب الوفد بعد انتماء طويل لحزب الأحرار الدستوريين سعى إلى استرضاء العقاد وهو أبرز كتّاب الوفد فأعلن في حفل كبير أن العقاد هو حامل لواء الشعر بعد شوقي وكتب له في مقدمة ديوانه : (أنت أقمت للكروان ديوانا فخماً في الشعر العربي فهل تأذن لي أن أتخذ له عشاً متواضعاً في النثر الحديث).
ولا شك أن أسلوب طه حسين في الكتابة قد أثر في الأجيال اللاحقة له حيث كانت كتبه ورواياته تدرج ضمن مراحل التعليم المختلفة وقد درست في المرحلة الثانوية رواية (أحلام شهرزاد) وكتاب (الشيخان) حيث كانت ضمن مقررات مادة اللغة العربية ، وعندما كنت أقرأ فيهما أشعر أنني بين يدي كتاب من العصور الوسطى من حيث طريقة السرد وتتابع العبارات واختيار الألفاظ وأدركت أن رواياته ليست جذابة من الناحية الأدبية ولكنها نصوص تعليمية ، على سبيل المثال وصفه مجلس الملك في رواية أحلام شهرزاد فيقول :
(فلما فرغ القوم من تدبير أمور الرعية أخذوا يعرضون أمور الحرب ويهيئون لاستقبال العدو المغير ولم يكن الأمر هينًا ولا ميسورًا فهم قد كانوا تعودوا أن يحاربوا هذا الملك أو ذاك من ملوك الجن ولم يكونوا ينتظرون أن يحاربوا ملوك الجن جميعًا ، وهم كانوا قد ألفوا أن يستعدوا للشر يأتيهم من الجو أو يأتيهم من البر أو يخرج لهم من البحر أو ينجم لهم من الأرض ولكنهم لم يألفوا أن يأتيهم الشر من هذه الوجوه كلها في وقت واحد فلم يكن أمرهم سهلًا ولا تشاورهم رفيقًا).
وفي كتابه الشيخان يتحدث عن أبي بكر الصديق وموقف العرب منه بأسلوب المؤرخين القدماء فقال : (فقد نظر العرب إلى أبي بكر على أنه رجل ملَّكته قُريشٌ أمرَها وأبوْا أن يدينوا للملوك وهم بعد ذلك قد عرفوا من ألِفوا من ملوك الغسانيين في الشام وملوك المناذرة في العراق ولم يكن أولئك الملوك يتسلَّطون عليهم فضلًا عن أن يفرضوا عليهم الضرائب ، فما بال هذا القرشي الذي عرفوه تاجرًا كغيره من قريش يريد أن يجعل نفسه عليهم ملكًا وأن يفرض عليهم الضرائب التي لم يجرؤ ملوك غسان، ولا ملوك المناذرة على فرضها).
ومن أعماله الأخرى في مجال الرواية روية دعاء الكروان ورواية شجرة البؤس ورواية المعذبون في الأرض ، وفي المجال الديني كتاب الوعد الحق وكتاب على هامش السيرة وكتاب مرآة الإسلام ، وفي المجال الأدبي كتاب حافظ وشوقي وكتاب مع المتنبي وكتاب أدبنا الحديث ما له وما عليه ، وفي الأدب الغربي كتاب قادة الفكر وكتاب صور مختارة من الشعر التمثيلي عند اليونان وكتاب من أدب التمثيل الغربي ، وجمع مقالاته في كتاب حديث الأربعاء.
وقد تناول الأستاذ السيد مرسي أبو ذكري وقائع المعركة الفكرية والقانونية التي حدثت بسبب كتاب (في الشعر الجاهلي) وذلك في كتابه المقال وتطوره في الأدب المعاصر حيث يقول : ” كتاب في الشعر الجاهلي ، مؤلف هذا الكتاب الدكتور طه حسين ١٨٨٩ – ١٩٧٣ أستاذ اللغة العربية بالجامعة المصرية بعد أن تحولت حكومية في ١٩٢٤.
كان متفتحًا للآراء المجددة في الأدب والحياة على الرغم من تنشئته في بيئة الأزهر المحافظة ، ارتبط بعد عودته من باريس بأحمد لطفي السيد والمثقفين من حزب الأحرار الدستوريين وبدأ ينشر في (السياسة) دراسات في شكل مقالات أسبوعية جمعت – فيما بعد – في كتاب (حديث الأربعاء).
منذ تولى التدريس بالجامعة بدأ يدرس الشعر الجاهلي مطبقًا موازين النقد الأوروبي مختارًا منهج ديكارت الفلسفي الذي يقوم على الشك حتى يصل الباحث به إلى اليقين ، وانتهى من دراسته إلى نظرية انتحال الشعر الجاهلي وأنه يمثل حياة المسلمين وميولهم وأهوائهم أكثر من حياة الجاهليين وأن ما ينسب من شعر إلى امرئ القيس أو طرفة أو ابن كلثوم وغيرهم إنما هو من انتحال الرواة أو اختلاق الأعراب أو صفة النحاة أو تكلف القصاص أو اختراع المفسرين والمحدثين وعلماء الجدل أو جاء لنشر دعوة سياسية أو إرضاء للعصبيات.
أثار كتاب الشعر الجاهلي حين نشر ١٩٢٦ عاصفة سياسية انعكست على البرلمان الوفدي برياسة سعد زغلول ضد صاحبه وكادت تعصف بوزارة عدلي يكن وانتهى الأمر بمصادرة الكتاب وتقديم مؤلفه إلى القضاء للنظر في هذه القضية.
اتهم طه حسين بالطعن في الدين الإسلامي دين الدولة وأنه أنكر وجود إبراهيم قبل محمد صلى الله عليه وسلم وأنه وإسماعيل لم يبنيا الكعبة ، لكن طه حسينا أنكر ما وجه إليه من تهم وأنه مسلم لا يرتاب في وجود إبراهيم وإسماعيل وما يتصل بهما مما جاء في القرآن الكريم لكنه كباحث مضطر إلى أن يذعن لمناهج البحث العلمي الذي لا يسلم بالوجود التاريخي لإبراهيم وإسماعيل إلا إذا أثبت وجودهما بالدليل الذي يقبله العلم.
وشرح طه حسين رأيه في صحيفة (السياسة الأسبوعية) فقال : ” كل امرئ منا يستطيع لو فكر أن يجد نفسه شخصيتين متميزتين إحداهما عاقلة تبحث وتنقد وتحلل وتغير اليوم ما ذهب إليه أمس وتهدم اليوم ما بنته أمس والأخرى شاعرة تلذ وتألم وتفرح وتحزن وترضى وتغضب وترهب كل ذلك في غير نقد ولا بحث ولا تحليل ، وكلتا الشخصيتين متصلة بمزاجنا وتكويننا لا نستطيع أن نخلص من إحداهما فما الذي يمنع من أن تكون الشخصية الأولى عالمة باحثة وأن تكون الشخصية الثانية ممتعة مطمئنة وطامحة إلى المثل الأعلى “.
رد كثير من الكتاب على كتاب طه حسين في الصحف باعتدال تارة وعنف أخرى ، جمعت مقالات الردود في كتب نشرت فيما بعد فكان منها (الشهاب الراصد) لمحمد لطفي جمعة وكتاب (نقض كتاب في الشعر الجاهلي) لمحمد الخضر حسين وكتاب (نقد كتاب في الشعر الجاهلي) لمحمد فريد وجدي ونشرت مقالات هذه الكتب في صحف المعارضة للأحرار الدستوريين.
وعلى الرغم من إعادة طبع الكتاب بعد حذف أشياء منه وإضافة أخرى عليه وخرج باسم (في الأدب الجاهلي) فقد ظلت الثورة قائمة عليه نحو ما عرف عن أحمد الغمراوي في كتاب (النقد التحليلي في الأدب الجاهلي) ومصطفى صادق الرافعي في كتابه (تحت راية القرآن).
ناقش هؤلاء الكتاب طه حسين في تطبيقه لمنهج ديكارت على الشعر الجاهلي وهل يجعل الشك وسيلة للشك نفسه أم هو وسيلة لليقين ، وراجعوه في بعض الفروض والنتائج والأدلة والبراهين لأن طه حسين عدد دوافع الشك في الشعر الجاهلي فيما يلي : عدم تمثيله الحياة الدينية والعقلية والسياسية والاقتصادية ، عدم تمثيله ما أشيع في الجنوب من اللغة الحمرية ، لا يحتوي على ما يجري في لغة العدنانيين الشماليين من لهجات متفاوتة ، رد أسباب الانتحال إلى السياسة والدين والقصص والشعوبية واختلاف الرواة الوضاعين.
وحملت صحيفة السياسة اليومية والأسبوعية أمانة الفكر ودافعت عن الكتاب ومؤلفه وردت على مزاعم مهاجميه في الصحف الأخرى ، ويؤيد محمد حسين هيكل طه حسين في حرية رأيه بعد تقديمه إلى النيابة للتحقيق فيقول: ” ما يميز البحث العلمي عن سائر البحوث إمكان تحقيقه كما يكون التحقيق في العلوم الطبيعية بالتجربة أو الملاحظة فهو في العلوم النظرية وفي التاريخ بالرجوع إلى المصادر ودقة تفسيرها ومقارنتها بغيرها وقد يستغنى عن هذا التثبت في بعض الآحايين بما يقتضيه البحث العلمي من الإشارة في هامش الكتاب “.
ويأخذ على المؤلف إهماله التثبت والإشارة في الهوامش فيقول هيكل : ” والبحث العلمي يقضي إمكان تحقيقه علميا بتحقيق مراجعه والمقارنة بينها ولهذا نرى العلماء لا يكتفون أكثر الأحيان بالإشارة في هوامش كتبهم إلى المراجع التي أخذوا عنها والتي يناقشوها بل يذكرون لك كذلك أسماء المراجع الأخرى التي قد تتفق في الرأي معهم كما يذكرون المراجع التي تخالفهم “.
والخلاصة أن قضية الشعر الجاهلي أسفرت عن وضع أصول جديدة للبحث الأدبي ترجع إلى جانب علمي يقوم على فحص النصوص الأدبية وتحقيقها واستنباط دلالاتها مع الدقة في التفسير والتعليل في الأحكام والتحليل السليم ومعرفة ما يحيط بها من ظروف ومؤثرات والجانب الآخر فني يتصل بنقد النصوص وتصوير شخصيات أصحابها حتى يحيل التاريخ الأدبي إلى عمل ممتع يلذ العقل والشعور معًا.
ويمكن القول بأن قضية الشعر الجاهلي قد أسفرت عن طبيعة الخلاف بين رجال الدين ورجال العلم ، يؤكد هذا هيكل ويوجزه في أنه خلاف على السلطة ونظام الحكم وقد انتصر رجال العلم ونظموا الحكم واستأثر أنصارهم به في كل أنحاء العالم المتمدن وبقي لرجال الدين الإشراف على قيام جوهر الدين في النفوس إشراف نصيحة وإرشاد لا إشراف حكم وسلطان “.
ومن وجهة نظري أن الكتاب صار من أشهر الكتب التي يتم الاقتباس منها للدلالة على تطور الفكر دون وعي حقيقي بمحتواه حيث تجد الكثيرين وهم يتداولون عبارات منه أو يضمنون عنوان الكتاب في مقالاتهم ولا أدري إن كانوا بالفعل قد أتموا قراءة الكتاب بتمعن أم اكتفوا بالنقل عن الآخرين ، وسبب ذلك أن الكتاب يحوي الكثير من المغالطات التاريخية التي ترقى لدرجة التدليس من خلال منهج الشك الذي اتبعه المؤلف قاصدا الطعن في المرويات وفق نظرة أحادية يمكن تفنيد بعضها في الآتي :
أولا : لجأ المولف إلى التشكيك في الوجود التاريخي الفعلي لعدد من شعراء العصر الجاهلي مثل امرىء القيس والمهلهل وعلقمة والحارث بن حلزة وطرفة بن العبد حيث تناول الروايات الأسطورية التي أحاطت بحياتهم وفي نفس الوقت سكت عن غيرهم من الشعراء الكبار من أصحاب المعلقات مثل عنترة والنابغة الذبياني والأعشى وزهير بن أبي سلمى حيث كان الإنصاف يقتضي ذكرهم وذكر أشعارهم لكنه تغافل عنهم لأن وجودهم التاريخي ثابت في كل مراجع التاريخ التي استقى المؤلف منها كل اقتباساته وبالتالي سوف تنهار نظريته .. وبالنسبة للشاعر عمرو بن كلثوم فقد ظل يراوغ في صفحات كثيرة لكنه في النهاية أقر بوجوده التاريخي بسبب وجود ذريته وقبيلته حتى وقت متأخر رصده المؤرخون في تلك العصور ومنهم أبو الفرج الأصفهاني في كتاب الأغاني ..
ثانيا : طعن المؤلف في شعر امرىء القيس الذي روي بلغة العرب التقليدية وليس بلغة حمير المختلفة عنها رغم أن الشاعر من قبيلة كنده اليمنية والمفترض في رأيه أنها اللغة التي يجب أن تروى بها أشعار قبائل اليمن بل وكل قبائل قحطان خارج اليمن أيضا .. وفي هذا خلط واضح لأن لغة حمير قديما وحديثا خاصة بفروع محدودة من قبيلة حمير وحدها وليس كل اليمن ولا كل قحطان بل كانت لكل قبيلة لهجتها مثل لهجة سبأ التي يتكلم بها أبناء قبيلة همدان من حاشد وبكيل أما مذحج وكندة فقد كان يطلق عليهم اسم أعراب سبأ تمييزا لهم عن سائر اليمن .. ولا أدري هل كان المؤلف جاهلا بقبائل العرب وتقسيماتهم أم أنه تعمد ذلك الخلط ليكرس لفكرة معينة .. وعموما فقد أثبت علم السلالات الجينية الحديث خطأ وجهة نظر المؤلف حيث إن غالبية قبائل اليمن تتصل بعرب الشمال ..
ثالثا : ثلث الكتاب يتناول مسألة انتحال الشعر عند كل الأمم خاصة في اليونان القديمة وعدد أسباب ذلك والتي تنوعت ما بين سياسية ودينية وغيرها وأفرد صفحات كثيرة للأشعار التي تداولها المهاجرون والأنصار بعد الإسلام أثناء الصراعات السياسية ودلل على ذلك بالتشابه بين قصة حياة امرىء القيس والثائر الكندي عبد الرحمن بن الأشعث للدلالة على صناعة السير الشعبية في زمن متأخر لخدمة الأغراض السياسية لقبيلة بعينها رغم أن سيرة أي منهما لم تكن متداولة على الصعيد الشعبي مثل سيرة عنترة بن شداد مثلا والتي استقرت في التراث رغم أن قبيلة بني عبس كانت بعيدة تماما عن الصراعات السياسية والمذهبية ..
رابعا : كل النتائج اليقينية التي وصل إليها المؤلف بدأها بعبارات من قبيل : (وأظن .. ويغلب على ظني .. وأغلب الظن .. ويبدو لي .. ربما .. إلخ) أو يعلق على قصيدة ما بقوله إنه ليس فيها طابع القدم وهو أمر نسبي بحت حيث يضع المؤلف وجهة نظره باعتبارها نتيجة مؤكدة رغم وجود تناقض كبير في ترتيب الأفكار .. مثلا ساق صفحات كثيرة لنفي الوجود التاريخي لامرىء القيس لكنه في موضع آخر يثبت له أشهر قصيدتين وهما (قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل .. ألا أيها الطلل الباكي) وهما تحويان أشهر أبياته وتعبيراته .. وهو يعيب على عنترة أنه لم يتناول في شعره الأحوال الدينية في عصره لكن في موضع آخر يعيب على أمية بن أبي الصلت اهتمامه بالشؤؤن الدينية ويلمز في شعره أنه منتحل بعد الإسلام ..
خامسا : يخلط المؤلف بين اللغات واللهجات وينتهي إلى فرضية أن كل شاعر يجب أن يقرض الشعر بلهجة قبيلته وليس بالعربية القياسية حيث لا يوجد اختلاف بين شعراء المعلقات وهو احتمال أدرجه المؤلف لكنه ضعفه ورجح الاحتمال الثاني وهو أن الشعر كله منحول بعد الإسلام وسيادة اللغة العربية .. والحقيقة أن الفوارق في اللهجات بين معظم قبائل الجزيرة العربية قديما وحديثا هي محدودة للغاية ومعظمها في لكنة بعض الحروف عند النطق وليس في أصل اللغة ولا ألفاظها ومشتقاتها .. رغم أن المؤلف في موضع آخر يؤكد على استحالة معرفة الزمن الحقيقي لنشأة اللغة العربية القياسية المعروفة بلغة قريش ومن ثم أقر بصعوبة تتبع اللهجات وتنوعها ومعرفة متى ظهرت الفواق بينهم ..
سادسا : يصف المؤلف شعر المهلهل بن ربيعة بقوله إنه مستقيم الوزن مطرد القافية يلائم قواعد النحو وأساليب النظم لا يشذ في شيء وهذه هي حجته في عدم إثبات الشعر للعصر الجاهلي لكنه في نفس الموضع يرى أن شعر المهلهل مضطرب ومختلط ولذلك فهو منحول بعد الإسلام على يد شعراء من قبيلة تغلب .. وهو يرى أن قصيدة عمرو بن كلثوم الشهيرة سهلة الألفاظ لا تخلو من جزالة وفيها معان حسان وفخر لا بأس به وتمثل إباء البدوي للضيم واعتزازه بقوته وبأسه وبذلك هي تتفق مع البيئة العربية في ذلك العصر لكنه في نفس الوقت يرى أن القصيدة فيها من رقة اللفظ وسهولته ما يجعل فهمها يسيرا على أقل الناس حظا من العلم باللغة العربية في هذا العصر الذي نحن فيه وبالتالي لا تنتمي للماضي !!

24 / الإسلام وأصول الحكم
في 3 مارس عام 1924 م تم إلغاء الخلافة الإسلامية ونفي آخر الخلفاء العثمانيين خارج تركيا وبدأ كثير من حكام البلاد الإسلامية يتطلع إلى وراثة هذه المكانة ومنهم ملك مصر أحمد فؤاد الثاني بصفته حاكم الدولة المركزية في الوطن العربي ينافسه في ذلك الشريف حسين بن علي الذي قاد الثورة العربية الكبرى وحكم أبناؤه الثلاثة كلا من الحجاز والعراق وشرق الأردن ، وتسبب ذلك في قدر كبير من الحساسية لدى سلطان نجد عبد العزيز آل سعود خاصة مع وجود صراع قائم بينهما انتهى بعد عامين بدخوله مكة والمدينة ورحيل الهاشميين عنها.
ودخل المنافسة إمام الزيدية يحيى حميد الدين مؤسس المملكة المتوكلية في اليمن ومولاي يوسف بن الحسن العلوي سلطان المغرب وملك أفغانستان أمان الله خان والسيد أحمد الشريف السنوسي زعيم المقاومة الليبية في برقة ضد الإيطاليين ، وأعلنت اليابان تأييدها للأمير محمد عبد الكريم بن محمد سليم بن السلطان عبد الحميد الثاني لإنشاء دولة في تركستان الشرقية لكن عرقلته الصين باحتلال الإقليم ، كما أن كثيرا من الطوائف الإسلامية تسمي قادتها بالإمامة مثل الإباضية في عمان والأدارسة في تهامة وقتها والمهديين في السودان.
وكانت أسرع الخطوات العملية قد تمت في مصر حيث تبنى الأزهر فكرة إنشاء المؤتمر الإسلامي العام للخلافة وذلك في 25 مارس عام 1924 م أي في نفس الشهر الذي عزل فيه آخر خليفة عثماني وترأسه الإمام الأكبر محمد أبو الفضل الجيزاوي شيخ الجامع الأزهر ويعاونه في ذلك كل من الشيخ محمد مصطفى المراغي رئيس المحكمة الشرعية العليا والشيخ عبد الرحمن قراعة مفتي الديار المصرية والشيخ أحمد هارون وكيل الجامع الأزهر والسيد محمد علي الببلاوي نقيب السادة الأشراف والسيد عبد الحميد البكري شيخ مشايخ الطرق الصوفية وعدد من كبار العلماء منهم شيخ معهد الإسكندرية محمد عبد اللطيف الفحام وشيخ معهد أسيوط محمد الأحمدي الظواهري.
ثم حدد شهر مارس من عام 1925 م ليكون موعدا للمؤتمر لكن المشاورات استغرقت عاما كاملا وتعطلت بسبب الحرب في الجزيرة العربية عاما آخر ، وكتب الشيخ الجيزاوي دعوة إلى المدعوين للحضور نصها كالتالي : بسم الله الرحمن الرحيم ، من عبد الله محمد أبي الفضل شيخ الجامع الأزهر الشريف ورئيس المؤتمر الإسلامي العام للخلافة بمصر إلى حضرة … ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أما بعد فإني أحمد الله إليكم وأصلي وأسلم على سيدنا محمد الداعي إلى الله بإذنه وعلى آله وصحبه الذين جمعوا كلمة المسلمين وأظهروا شأن الدين خصوصًا الخلفاء الراشدين.
ثم أنهي إليكم أنه لا بد أن يكون قد وصل إلى علمكم ما قررته الهيئة العلمية الدينية الإسلامية الكبرى بالديار المصرية يوم الثلاثاء ١٩ شعبان سنة ١٣٤٢ هـ (٢٥ مارس سنة ١٩٢٤م) في شأن الخلافة بعد أن حدث من الأتراك ما حدث في أمرها ، وإنا ملحقون بكتابنا هذا صورة ما قررته الهيئة العلمية المشار إليها وقد تضمنت المادة الرابعة عشرة منه أنه من الضروري أن يعقد مؤتمر ديني إسلامي عام يدعى إليه ممثلو جميع الأمم الإسلامية للنظر في أمر الخلافة من الوجهة العلمية الدينية وأن يكون عقد المؤتمر برياستنا في مدينة القاهرة في شهر شعبان سنة ١٣٤٣ هـ (مارس ١٩٢٥م).
وفي أثناء هذا الحراك الكبير صدر في مصر عام 1925 م كتاب أحدث دويا هائلا في وقته وهو كتاب (الإسلام وأصول الحكم) من تأليف عالم أزهري شاب هو القاضي الشرعي الشيخ علي حسن أحمد عبد الرازق الذي ولد في قرية أبو جرج بالمنيا عام 1888 م وتوفي بالقاهرة عام 1966 م ، وخلص في كتابه هذا إلى عدم وجود دليل شرعي على شكل معيّن للدولة في الإسلام وأن هيكل الدولة ونظام حكمها هو أمر متروك للمسلمين يختاروه بكامل حريتهم مع مراعاة تحقيق المقاصد الكلية للشريعة وبالتالي فإن الخلافة منظومة سياسية وليست من أصول الدين.
ورغم أن محتوى الكتاب يدخل في إطار البحث العلمي المباح إلا أن توقيت صدوره أثار ضجة كبرى بين طرفين أولهما الملك فؤاد الذي يسعى لإضافة سلطة دينية إلى سلطته المدنية ويحقق مجدا تاريخيا لأسرته وشخصه ويعاونه في ذلك التيار المحافظ من علماء الأزهر وأنصار التقليد وقطاع كبير من الغيورين على الإسلام ، وبين طرف آخر هو نخبة ثورة 19 من الوفديين والأحرار الدستوريين الذين يسعون للحد من صلاحيات الملك الدستورية رغم احترامهم للدين ويؤازرهم في ذلك قطاع دعاة العلمانية والتغريب.
ونتج عن ذلك أزمة ثقافية وسياسية انتهت بمحاكمة مؤلف الكتاب وفصله من الأزهر وسحب شهادة العالمية مما يعني حرمانه من أي وظيفة في مجاله وذلك بإيعاز من الملك حيث أفسد عليه ذلك خططه وطموحاته ، واكتفى المؤلف بالكتابة في الصحف يشرح فيها وجهة نظره وبعد أن تولى أخوه الشيخ مصطفى عبد الرازق باشا مشيخة الأزهر سنة 1945م أعاده إلى زمرة العلماء ثم تولى وزارة الأوقاف عام 1948 م في وزارة إبراهيم عبد الهادي باشا وشغل عضوية مجلس النواب ومجلس الشيوخ وعين عضواً بمجمع اللغة العربية بالقاهرة.
وقد تناول الباحث الأستاذ السيد مرسي أبو ذكري وقائع هذه الضجة وما صاحبها من كتابات وذلك في كتابه المقال وتطوره في الأدب المعاصر حيث يقول : ” كتاب الإسلام وأصول الحكم ، مؤلف هذا الكتاب الشيخ علي عبد الرازق ١٨٨٨ ـ ١٩٦٦ تلميذ الإمام محمد عبده والحائز على العالمية من الأزهر الشريف ١٩١١ ، التحق بجامعة أكسفورد للحصول على درجة علمية في الاقتصاد والعلوم السياسية لكن الحرب العالمية حالت دون تحقيق رغبته فعاد لمصر.
وأقام زمنًا بالإسكندرية ألقى خلالها دروسًا في الأدب العربي وتاريخ الإسلام بالمعهد الإسكندري وعمل بالقضاء الشرعي ١٩١٥ وظل به حتى فصل ١٩٢٥ بعد نشر كتابه هذا ، وتولى وزارة الأوقاف مرتين الأولى في وزارة النقراشي والثانية في وزارة إبراهيم عبد الهادي ١٩٤٧ ، كانت تربطه صداقة وطيدة بالدكتور محمد حسين هيكل دعمها انتماؤهما لمدرسة التجديد التي ضمت أكثر المنادين بالتجديد والتحرر في الفكر الغربي الإسلامي.
أثار الكتاب منذ نشر ١٩٢٥ معركة دينية وفكرية وسياسية لأنه هاجم الخلافة الإسلامية والنظام الملكي في صراحة وجرأة ، ومما جاء فيه: ” والحق أن الدين الإسلامي بريء من تلك الخلافة التي يتعارفها المسلمون وبريء من كل ما هيئوا حولها من رغبة ورهبة وعزة وقوة ، والخلافة ليست في شيء من الخطط الدينية كلا ولا القضاء ولا غيرها من وظائف الحكم ومراكز الدولة وإنما تلك كلها خطط سياسية صرفة لا شأن للدين بها فهو لم يعرفها ولم ينكرها ولا أمر بها ولا نص عليها إنما تركها لنا لنرجع فيها إلى أحكام العقل وتجارب الأمم وقواعد السياسة “.
واستند في هدم الخلافة على الأدلة التالية : أولًا / الخلافة هي الرياسة العامة في أمور الدين والدنيا نيابة عن محمد صلى الله عليه وسلم وخلفائه من بعده مع الالتزام بحدود الشرع مؤكدًا أن الأدلة في تأييد الخلافة لا تكفي لفرض هذا الحكم أو تأييده على الأقل.
ثانيًا / خلو القرآن والسنة من العبارات التي تؤيد الخلافة تأييدًا صريحًا بحيث يلتزم المسلمون ، ويقرر أن الخلافة لم توجد بالإجماع ولم تقم بعد أبي بكر وعمر وعثمان على الاختيار الحر وإنما قامت على السيف ” فلذلك الذي يسمى عرشًا لا يرتفع إلا على رءوس البشر ولا يستقر إلا فوق أعناقهم وذلك الذي يسمى تاجًا لا حياة له إلا بما يأخذه من حياة البشر ولا قوة إلا بما يغتال من قوتهم “.
ثالثًا / يرى أن الرأي القائل بتنصيب الإمام أو الخليفة يتوقف على إظهار الشرائع الدينية وصلاح الرعية فيقول : ” معاذ الله .. لا يريد الله جل شأنه لهذا الدين الذي كفل له البقاء أن يجعل عزه وذله مرتبطين بنوع من الحكومة ولا يصنف من الأمراء ! ولا يريد الله جل شأنه بعباده المسلمين أن يكون صلاحهم وفسادهم رهن لخلافة ولا تحت رحمة الخلفاء ” ، ويذهب إلى أن القرآن الكريم لم يحدد شكلًا معينًا من أشكال الحكومة.
رابعًا / الأنظمة والقواعد التي شرعها الإسلام ليست من أساليب الحكم السياسي ولا من أنظمة الدولة المدنية وإنما هو شرع ديني خاص لمصلحة البشر الدينية فلا حاجة لنا في الخلافة في أمور الدين أو الدنيا لأن الخلافة كانت وما زالت نكبة على الإسلام والمسلمين.
خامسًا / لا حاجة لزعيم يخلف محمدًا في زعامة إسلامية لأنه رسول نبي فقط واستدل من القرآن بخمس وأربعين آية منها : {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} ، {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا} ، وأكد من السنة النبوية أن محمدًا – كالرسل – ليس ملكًا ولا مؤسس دولة وخلص إلى الأسباب التي أدت إلى تسمية أبي بكر ومن جاء بعده بلقب (الخليفة) ثم استغل من جاء بعدهم كلمة (الخلافة) لما يحيط بها من قداسة فتمسكوا باللقب ليحموا مقاصدهم من الثائرين.
وختم المؤلف كتابه قائلًا : ” وتلك جناية الملوك واستبدادهم بالمسلمين أضلوهم عن الهدى وعموا عليهم وجوه الخير وحجبوا عنهم مسالك النور باسم الدين وباسم الدين أيضًا استبدوا بهم وأذلوهم وحرموا عليهم النظر في علوم السياسة وباسم الدين خدعوهم وضيقوا على عقولهم فصاروا لا يرون لهم وراء ذلك الدين مرجعًا “.
أثارت هذه الآراء عاصفة هوجاء واشتد الجدل حولها وهاجمت قوى عديدة الكتاب وصاحبه وكانت بداية لكثير من الدراسات والمؤلفات عن مبادئ السياسة ونظام الحكم في الإسلام ونشط رجال الدين فألفوا الكتب ونشروا المقالات من أمثال : كتاب نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم للشيخ محمد الخضر حسين ، كتاب نقض علمي لكتاب الإسلام وأصول الحكم لمحمد طاهر بن عاشور مفتي المالكية في تونس ، كتاب حقيقة الإسلام وأصول الحكم للشيخ محمد بخيت مفتي الديار المصرية.
كتاب نظام الحكم في الإسلام لمحمد يوسف موسى ، كتاب النظريات الإسلامية السياسية لضياء الدين الريس ، كتاب الحكومة الإسلامية لمحمد حسين هيكل ، كتاب الإسلام والسياسة لحسين فوزي النجار ، كتاب الدولة والإسلام لخالد محمد خالد ، كتاب (ثلاث معارك فكرية) لمختار التهامي وتدور موضوعات هذا الكتاب حول كتاب تحرير المرأة لقاسم أمين وكتاب في الشعر الجاهلي لطه حسين وكتاب الإسلام وأصول الحكم للشيخ علي عبد الرازق.
ومما أضعف موقف هؤلاء العلماء حرصهم على إرضاء الملك فؤاد ، أهدى الشيخ محمد الخضر حسين كتابه على النحو التالي : ” إلى خزانة حاضرة صاحب الجلالة فؤاد الأول ملك مصر المعظم راجيًا أن يتفضل عليه بالقبول والله يحرص ملكه المجيد،ويثبت دولته على دعائم العز والتأييد ” ، في الوقت الذي صدر علي عبد الرازق كتابه بقوله : ” أشهد أن لا إله إلا الله ولا أعبد إلا إياه ولا أخشى أحدا سواه “.
وانتهى الأمر بمحاكمة علي عبد الرازق أمام هيئة من كبار العلماء بالأزهر وإخراجه من زمرتهم وإقصائه عن القضاء وتجريده من العالمية التي تؤهله للوظائف الحكومية ، ولعب المقال دوره في هذه المعركة الفكرية التي خاض غمارها نفر من الكتاب بين مؤيدين ومعارضين.
كتب طه حسين مقالًا ساخرًا يهنئ الشيخ بخروجه من زمرة الأزهريين ونشرته صحيفة السياسة يقول فيه : ” إيه أيها الطريد من الأزهر ، تعال إلي نتحدث ضاحكين من هذه القضية المضحكة قصة كتابك والحكم عليه وعليك وطردك من الأزهر ما بال رجال الأزهر لم يقضوا على كتابك بالتمزيق فقد كان يلذ لنا أن نرى نسخه في صحن الأزهر أو أمام (باب المزينين) – اسم حارة في حي الأزهر- أو في ناحية من هذه الأنحاء التي لا يأتيها ولا يصل إليها المنكر ولا يسمى الأخيار والأبرار ثم تضرم فيها النار ..
ودعنا نتحدث في حرية ولا تكن أزهريا فقد أخرجت من الأزهر ثم تعالى نجد فقد آن لنا أن نجد ما هذه الهيئة التي أخرجتك من الأزهر ؟ وما سلطتها الدينية على أي آية من كتاب الله ، أركن هي من أركان الإسلام كالإمامة كلا إنما هي بدعة لا يعرفها القرآن الكريم ولا تعرفها السنة المطهرة ولا النظم الإسلامية وهي بدعة فليس تحكمها صفة دينية ومن قال غير ذلك فهو آثم لأن هذا النظام يشبه أن يكون من نظم النصارى لا من نظم المسلمين للنصارى مجلس للأساقفة ومجلس للكرادلة ولهم بابا أما نحن فليس لنا من هذا كل شيء فسلام عليك أيها الطريد وإلى اللقاء “.
وكتب الشيخ علي عبد الرازق عقب حكم هيئة كبار العلماء عليه بصحيفة السياسة فقال: ” لا جرم أننا تقبلنا مسرورين إخراجنا من زمرة العلماء وقلنا كما يقول القوم الذين إذا خلصوا من الأذى قالوا : الحمد لله الذي أذهب عنا الأذى وعافانا “.
ودافع محمد حسين هيكل عن الكتاب وصاحبه فقال : ” وماذا نقول في عالم من علماء الإسلام يريد ألا يكون للمسلمين خليفة في وقت يطمع فيه كل ملك من ملوك المسلمين وكل أمير من أمرائهم في أن يكون خليفة ؟ ثم ماذا تقول في عالم مسلم مصري يقول بوجوب ارتباط مصر وإنجلترا برباط الصداقة ويذهب في ذلك مذهب المتطرفين ثم يقف في وجه إقامة خليفة وأن يكون هذا الخليفة واحدًا من الملوك والأمراء الواقعين تحت نفوذها ؟!
أو لم يكن الأولى له والأجدر به أن يترك الخلق للخالق حتى ينام الخليفة فيرضى أمير وأن غضب أمراء ! وترضى إنجلترا وقد يكون في رضاها ما يقرب المسائل المعلقة بيننا وبينها ؟! ما أظن واحدًا من أصدقاء الشيخ علي عبد الرازق بل ما أظن الشيخ نفسه إلا يرى أمام هذه الاعتبارات أن الشيخ قد أخطأ خطأ بينا يستحق عليه المحاكمة ؟!
وأدرك الناس أن القضية سياسية في المقام الأول ولكنها ليست ثوبًا دينيا ، يقول المرحوم عبد الرحمن الرافعي في كتابه في أعقاب ثورة ١٩١٩ : ” أن كتاب الإسلام وأصول الحكم كان في ظاهره يعارض الخلافة الإسلامية أما في حقيقته فإنه يعارض النظام الملكي وقد هاجمه الملك والحكومة بأساليب تستثير العواطف الدينية ولكن الرأي العام كان أنضج من أن يتأثر بالدعاية الدينية التي كثيرًا ما يستخدمها دعاة الحكم المطلق وسيلة للتضليل بالشعب فلم يكترث لهذه الدعاية التي ليست من الدين في شيء وذلك على تقدمه في الوعي السياسي والديني معًا وظل منكرًا متهاونًا لهذا النظام الذي أهدر حقوقه السياسية “.
وبلور الدكتور محمد حسين هيكل – في تلك الفترة – مفهوم (حرية الفكر) من خلال مقالاته التي نشرتها صحيفة السياسة ، وأروع مقالاته المقال الذي كتبه بعد صدور الحكم على الشيخ علي عبد الرازق بعنوان (بعد قرار العلماء) خاطبه فيه في أسلوب ساخر فقال : ” تعال نضحك فقد كان كتابك مصدرًا لتغير الأرثوذكسية في الإسلام ولست أنت الذي غيرها أيها الطريد المسكين وإنما غيرها الذين طردوك وأخرجوك من الأزهر نعم كان أهل السنة وما زالوا يرون أن الخلافة ليست ركنًا من أركان الدين وأن الشيعة فسقوا حين عدوها كذلك فلما قلت للناس في كتابك ما أجمع عليه أهل السنة غضب عليك أهل الأزهر ورموك بالابتداع والإلحاد وأخذوا يقولون إن الخلافة أصل من أصول الدين.
وقد كنا نعلم أن القاهرة مركز أهل السنة وموطن الأشاعرة ومستقر الأرثوذكسية الإسلامية فسبحان من يغير ولا يتغير أصبحت القاهرة كطهران مركز الشيعة وإنها بناء صلاح الدين ؟! ولم لا ؟ الشيعة هم الذين بنوا القاهرة وهم الذين بنوا الأزهر وشيدوه أليس الفاطميون هم الذين أنشئوا المدينة ومسجدها الجامع ؟ فأي عجب أن تعود مدينة القاهرة شيعية كما كانت يوم أسسها الفاطميون ؟! وأي عجب في أن يعود الأزهر شيعيا كما كان يوم بناه الفاطميون ؟! ” ، واستمر هيكل يدافع عن حرية الرأي اعتمادًا على ما قرره الدستور حتى تسود البلاد وتستقيم الأمور.
وعلى أي حال فقد كان كتاب الإسلام وأصول الحكم نقطة تحول في البحث عن الإسلام والسياسة بعد أن انقطع الحديث عنهما قرونًا منذ ابن تيمية وابن حزم وابن خلدون وغيرهم وبدأت المكتبة المصرية تحفل بالكتب القيمة التي بسطت المبادئ والقواعد المتعلقة بشئون الدولة الإسلامية ، كما كان الكتاب نقطة انطلاق شارك فيها علماء الدين وكبار الساسة وأصحاب الفكر بمقالاتهم فاتسعت دائرة الجدل ولم يعد الموضوع الأساسي هو الخلافة الإسلامية وإنما أصبح موضوع الدولة في نظر الإسلام دينا وشريعة وتاريخًا “.

25 / أحلام الفلاسفة
ظل حلم المدينة الفاضلة يراود عقول الفلاسفة منذ الزمن القديم وحتى عصر الحداثة حيث هناك محاولات لتخيل العالم المثالي الذي يجب أن تكون عليه الدولة والمجتمع حيث يتمتع الناس بحياة الرفاهية أو الحرية أو المساواة أو الروحانية حسب ما يرى كل مفكر وحالم ، ومن الكتب التي حاولت الإحاطة بهذا الموضوع كتاب (أحلام الفلاسفة) الذي كتبه المفكر والصحفي وأحد رواد الاشتراكية المصرية سلامة موسى الذي ولد في كفر العفي بالشرقية عام 1887 م وتوفي بالقاهرة عام 1958 م وهو من أسرة قبطية.
حصل على الشهادة الابتدائية في الزقازيق وانتقل بعدها إلى القاهرة حيث التحق بالمدرسة التوفيقية ثم المدرسة الخديوية وحصل على شهادة البكالوريا (الثانوية) سنة 1903 م ، وفي عام 1906 م سافر إلى أوروبا ثلاث سنوات تعرّف فيها على الفلسفة الغربية وتأثر بأفكار فولتير وماركس وتابع مستجدات علم المصريات في فرنسا ، ثم انتقل إلى إنجلترا لدراسة الحقوق وانضم إلى جمعية العقليين والجمعية الفابية الاشتراكية وتأثر بأفكار تشارلز دارون وتعرف على الكاتب الأيرلندي جورج برناردشو.
عاد إلى مصر عام 1910 م وأصدر كتابه مقدمة السوبرمان الذي تضمن بدايات لأفكاره التي تطورت بعد ذلك والتي ركزت على ضرورة الانتماء الكامل للغرب وقطع أي صلة تربط مصر بالشرق وتضمن نقدا للفكر الديني والإيمان الغيبي إذ أورد فصلا في هذا الكتاب تحت عنوان (نشوء فكرة الله) متأثرا بأفكار الكاتب الإنجليزي جرانت ألين الذي ينطلق من أساس مادي لفهم الكون ، ثم أصدر أول كتاب باللغة العربية عن الاشتراكية في الشرق الأوسط سنة 1912 م وصار من أكبر منظريها.
ثم أصدر هو والكاتب السوري شبلي شميل صحيفة أسبوعية اسمها المستقبل سنة 1914 م كما ساهم هو والمؤرخ محمد عبد الله عنان في تأسيس الحزب الاشتراكي المصري عام 1921 م ولكنه انسحب منه رافضا الخضوع لأية قيود تنظيمية وذلك إثر خلافات كانت قد أثارتها انتقاداته لثورة أكتوبر في روسيا فاعتزل الحياة السياسية واكتفى بالنشاط الفكري حيث رأس مجلة الهلال عام 1923 م لمدة ست سنوات.
وفي سنة 1930 م أسس المجمع المصري للثقافة العلمية وأصدر مجلة أسماها المجلة الجديدة ، وكان يهدف من خلالها إلى تغليب الاتجاهات العلمية على الثقافة المكتوبة بالعربية لكن حكومة صدقي باشا أغلقت المجمع فقام سلامة بتكوين جمعية المصري للمصري وتبنت هذه الجمعية مقاطعة البضائع الإنجليزية مستلهمة في ذلك تجربة الزعيم الهندي غاندي.
ومن أهم أطروحاته الدعوة إلى الفرعونية كأساس لانتماء المصريين حيث دعا إلى اللغة العامية بدلاً من اللغة العربية الفصحى وذلك لإنهاء الازدواج في اللغة عند المصريين ودعا لكتابة اللغة العربية بالحرف اللاتيني لأن ذلك بحسب رأيه وثبة نحو المستقبل ، واتخذ موقفا سلبيا من التراث العربي فقد نقد الأدب المصري في تقليده الأدب العربي ويرى أن ذلك قد جعل الوطنية المصرية تذوب في وعاء القومية العربية لأن من يتعمق في اللغة العربية الفصحى لا بد أن يشرب روح العرب وأبطالهم.
ذكره الزركلي في كتابه الأعلام فقال : ” سَلامة مُوسى ١٣٠٤ – ١٣٧٨ هـ = ١٨٨٧ – ١٩٥٨ م ، سلامة موسى القبطي المصري كاتب مضطرب الاتجاه والتفكير ولد في قرية كفر العفي بقرب الزقازيق وتعلم بالزقازيق وباريس ولندن ودعا إلى الفرعونية وشارك في تأسيس حزب اشتراكي ، لم يلبث أن حله الإنجليز واعتقلوه وسجنوه مدة.
وجحد الديانات في شبابه وعاد إلى الكنيسة في سن الأربعين ، وأصدر مجلة (المستقبل) قبل الحرب العامة الأولى وتعطلت بسبب الحرب وعمل في التدريس ثم رأس تحرير مجلة الهلال وكل شئ حتى عام ١٩٢٧ وقام بحملة على الصحافة اللبنانية بمصر فنشرت دار الهلال رسائل بخطه تثبت أنه كان عينا عليها لحكومة صدقي.
وصنف وترجم ما يزيد على ٤٠ كتابا طبعت كلها منها : حرية الفكر وأبطالها في التاريخ ، ونظرية التطور وأصل الإنسان ، وغاندي والحركة الهندية ، أشهر قصص الحب التاريخية والتجديد في الأدب الإنجليزي الحديث ، واليوم والغد (مقالات من إنشائه) ، والتثقيف الذاتي ، وفن الحياة ، والعقل الباطن أو مكنونات النفس ، والمرأة ليست لعبة الرجل ، وتاريخ الفنون وأشهر الصور.
وجمع الناشرون مقالات له بعضها مترجم في كتب منها : اليوم والغد ، ومختارات سلامة موسى ، وفي الحياة والأدب ، وكتب في مجلات وصحف متعددة لم يكن يستقر في الانقطاع إلى إحداها إلى أن مات في أحد مستشفيات القاهرة ، وكان كثير التجني على كتب التراث العربيّ يناصر بدعة الكتابة بالحرف اللاتيني “.
كتب عددا كبيرا من المؤلفات من أهمها كتاب المرأة ليست لعبة الرجل وكتاب أشهر الخطب ومشاهير الخطباء وكتاب الأدب الانجليزي الحديث وكتاب الإنسان قمة التطور وكتاب البلاغة العصرية واللغة العربية وكتاب الحب في التاريخ وكتاب الصحافة حرفة ورسالة وكتاب برنارد شو وكتاب العقل الباطن وكتاب تاريخ الفنون وأشهر الصور وكتاب حياتنا بعد الخمسين وكتاب في الحياة والأدب وكتاب طريق المجد والشباب وكتاب مصر أصل الحضارة وكتاب هؤلاء علموني وكتاب فن الحياة وكتاب حرية الفكر وأبطالها في التاريخ.
وفي كتابه (الاشتراكية) يكرس لها قائلا : ” يدعوني إلى كتابة هذه الرسالة الوجيزة كثرة السخافات والغباوات التي تُحْكَى عن الاشتراكية فغرضي الأول منها تنوير الرأي العام عن ماهيتها مع بيان أغراض الاشتراكيين في أوروبا وأمريكا وذكر مآثرهم في التشريع وما وصلت إليه حالة العمال من الرفاهية بمساعيهم ، ولست طامعًا أن تُعَدَّ هذه الرسالة دعوة للجمهور إلى الاشتراكية ولا أن تكون سببًا في تأليف حزب أو جمعية ولكني أطرحها أمام الجمهور القارئ عسى أن تكون خميرة تختمر بها الأفكار إلى حين تستعد البلاد للاشتراكية “.
وفي مقدمة كتابه (أحلام الفلاسفة) يتحدث عن المثل العليا وتطلعه إلى يوتوبيا خاصة به فيقول : ” لكلٍّ منا حياتان حياة الواقع التي يعيشها الإنسان متأثرًا بالوسط الزماني والمكاني وحياة الخيال التي يرغب في أن يعيشها ، والفرق بين الحياتين هو الفرق بين الوجود الناقص وبين التخيل الكامل أو بين ما هو موجود على الرغم منا وبين ما يجب أن يوجد وفق خيالنا وطبق رغباتنا.
والعقل الإنساني مطبوع على أن يُتم بخياله ما يراه ناقصًا في الحقائق الواقعة حوله ومهما قيدنا العقل ومنعنا من التفكير فيما يهوى فإنه ينفلت منا ولو وقت النوم فيعوضنا من نقصنا الحقيقي كمالًا متوهَّمًا فمن جاع في النهار وقت صحوه أكل في الليل أشهى الأطعمة وقت نومه ومن تحرق في النهار لرؤية حبيبته رأى طيفها يتهادى في الليل وهو مستغرق في سباته ، بل نحن نحلم في يقظتنا فنستسلم للخواطر الجميلة لنرى القصر الفخم الذي نسكن فيه بخيالنا، والجياد المطهمة تجر عرباتنا كما نرى الخدم والأتباع نخاطبهم بلهجة الرياسة ونحن في فراش وثير لنا زوجة محبة وأولاد مطيعون وحدائق غنَّاء نتنزه فيها ، كل هذا وأكثر منه نراه في خيالنا لأننا نشعر بالنقص في الحقائق الواقعة حولنا،
ومن ضروب الراحة التي يلجأ إليها العقل أن يعيد التوازن في رغبات الجسم وشهوات النفس وهذا هو السبب في أن الاستغراق في الضحك يعقبه شيء من الغم والانغماس في الشهوة يليه شيء من الاشمئزاز والفتور ، فإذا كانت حقائق الحياة مؤلمة تعكر صفاء الذهن وتكده بالتدبير لملاقاة تكاليفها وآلامها كان من ضروب الراحة لهذا الذهن أن يعمد إلى ما يناقض هذه الحقائق من الخيال فيرسم لنفسه عالمًا آخر غير هذا العالم كله نعيم وسرور.
فكلٌّ منا يعيش إذن في عالمين عالم الواقع وهو أبدًا ناقص وعالم الخيال وهو أبدًا كامل على النحو الذي نفهم به معنى الكمال ، فإذا آلمتنا الحقيقة لجأنا إلى الحياة أو قل بعبارة أخرى : إذا رأينا الواقع خارجنا ناقصًا مختلًّا مؤلمًا فررنا منه إلى الخيال داخل أذهاننا فاعتضنا من الحقيقة حلمًا.
وإياك واحتقار الأحلام .. وهل تحتقر الآلهة ؟ ، اعتبر المصريون القدماء لما استبدت بسواد الأمة فئة قليلة العدد من الأمراء والكهنة والأجناد واستحوذوا على ثروة البلاد ورأى أفراد هذا السواد أنهم يعيشون في حرمان لا ينعمون بشيء من نعم هذه الحياة فعمدوا إلى خيالهم فاخترعوا عالمًا آخر يعيش فيه المحرومون المظلومون يؤجرون أجرًا حسنًا على ما قاسوه في هذا العالم وينعمون هناك بما لم يقدروا أن ينعموا به هنا ، فكأن خيالهم قد ثار على الحقيقة وخرج عقلهم الباطن على عقلهم الظاهر وأوجد نوعًا من التوازن في حياتهم بحيث جعل ما توهمه من ملذات العالم الثاني بنسبة ما هو واقع من آلام هذا العالم الأول.
لعلك من هنا تدرك تلك النزعة الإلحادية التي تعتري بعض الشياطين الاشتراكيين والشيوعيين حين يقاومون الأديان ويحضون السواد على تركها إذ يخشون هذا التوازن الذي يحدثه الإيمان بعالم آخر وما يعقبه من تهدئة لنفس العمال وهم إنما يرغبون في إحداث القلق والاستعار في نفوسهم ، والفيلسوف والعالِم والأديب كلهم يتخيل ويحلم وهم أكثر خيالًا وحلمًا إذا اضطربت أحوال المعيشة وتنافر الخيال المشتهى مع الواقع الحتم.
ونحن في كل أزمة تقع أو نكبة تلم بنا نجدنا إزاء ثلاثة حلول لنا أن نختار منها واحدًا فإما أن نفر كما يفعل الناسك يزهد في الحياة فيلجأ إلى صومعته مهزولًا كالأسد الجريح يذهب إلى مغارته ، وإما أن نكافح مدافعين وهذا ما يفعله معظمنا ، وإما أن نهاجم وهذا ما يفعله الأديب أو العالم أو الفيلسوف فهو لا يفر وهو أيضًا لا يكتفي بالمكافحة وإنما يتخيل وسطًا يجعله بديلًا من هذا الوسط الحقيقي فيهاجمه به ويدعو الناس إلى حلمه حتى يستبدلوا بحقائقهم خياله.
ولكل إنسان مزاج خاص ولكن أمزجة الناس متداخلة فليس فينا من لا يفكر في الفرار بعض الأحيان ، ولم تكن المهاجرة إلى أمريكا إلا فرارًا من أوروبا وليس فينا من لا يكافح بعض الأحيان بل هذا هو شأننا طول النهار كما أنه ليس فينا من لا يتخيل ويحلم ولو بضع دقائق بعد الغداء حين يطمو العقل الظاهر وتتسلل الخواطر بلا قيد ولا شرط.
والفيلسوف ومن إليه من المفكرين يختلفون عن الكاهن المصري القديم الذي يمثل أحلام سواد الأمة من حيث إنهم لا يجعلون ميدان حلمهم في العالم الثاني فإن همومهم الذهنية مقصورة على هذا العالم ، والناس على الأرض ـ لا الملائكة في السماء ـ هم موضوع كلامهم وخيالهم فهم يرون من الخبط والخلط في الهيئة الاجتماعية ومن الظلم والإسراف في معاملات الناس ما يحثهم على اختراع نظام أوفى يضمن لهم أكمل ما يتوهمون من صور العدالة والصحة والعمار فهم يحلمون لنا ونحن أحياء على هذه الأرض ولا يبالون بنا بعد موتنا لأن الحياة ـ لا الموت ـ هي موضوع تفكيرهم وغاية نظرهم في الإصلاح ولا ننسى أن كل إصلاح حدث في الماضي أو سيحدث في المستقبل إنما هو حلم من أحلام المفكرين.
وقد صدق أناطول فرانس في قوله : لولا أحلام الفلاسفة في الأزمنة الماضية لكان الناس يعيشون إلى الآن كما كانوا يعيشون قديمًا عراة أشقياء في الكهوف ، لقد كان إنشاء أول مدينة خيالًا من أخيلة المفكرين .. ومن الأحلام السخية ظهرت الحقائق النافعة فالخيال هو مبدأ التقدم وفيه محاولة إيجاد المستقبل الحسن.
وفيما يلي قد لخصنا للقراء بعض الأحلام الشهيرة التي رآها الفلاسفة في يقظتهم وتخيلوها عن روية وتدبير يرجون بها إصلاح مجتمعهم ، ومنها يقف القارئ على ضرورة الإصلاح التي تخيلها هؤلاء الفلاسفة وما كان من أثر الوسط في كلٍّ منهم وكيف كانوا يتخيلون المدينة الفاضلة والحكومة الفاضلة وأحسن ضروب الزواج وخير نظام للتربية وما إلى ذلك.
ولا شك في أن القارئ وهو يتنقل من ترسيم إلى ترسيم ومن برنامج إلى برنامج آخر سيدفعه إلى أن يحلم هو أيضًا حلمًا قد يظن أنه جدير بأن يحشر بين هذه الأحلام ، وسواء أكان هذا أم لم يكن فالمؤلف قد تجرأ وحشر حلمه بينها في (طوبى) توهمها كاملة مستوفية شروط السعادة لمن به كفاية السعادة “.
وبسبب أفكاره التصادمية خاض معارك فكرية مع مثقفي عصره وتعرض لهجوم شرس منهم ومن ذلك قول إبراهيم عبد القادر المازني : ” سلامة موسى ليس بشيء إن لم يكن دجالاً !! بضاعته بضاعة الحواة المشعوذين وله حركاتهم وإشاراتهم وأساليبهم يزعم نفسه أديبا وتعالى الأدب عن هذا الدَّجل ويدعي العلم ويحاكي الملاحدة ليقول عنه المغفلون إنه واسع الذهن وليتسنى له أن يغمز في الإسلام ويبسط لسانه في العرب ، والحقيقة أنه لا أديب ولا عالم وإنما هو مشعوذ يقف في السوق ويصفر ويصفق ويصخب ويجمع الفارغين حوله بما يُحدث من الصياح الفارغ والضجة الكاذبة “.
وقال عنه الرافعي : ” دعا هذا المخذول إلى استعمال العامية وهدم العربية فأخزاه الله على يدي وأريته أنه لا في عيرها ولا نفيرها وأنه في الأدب ساقط لا قيمة له وفي اللغة دَعِيٌّ لا موضع لديه وفي الرأي حقير لا شأن له ، فلما افتضح كيده قام يدعو إلى الأدب المكشوف فأخزاه الله مرة أخرى .. وكانت البدعة الثالثة دعوته المسلمين جهرة إلى مساواة الرجل بالمرأة في الميراث فأخزاه الله ، ثم قام هذا المفتون يدعو إلى الفرعونية ليقطع المسلمين عن تاريخهم وظن أنه في هذه الناحية ينسيهم لغتهم وقرآنهم وآدابهم “.
وكان عباس محمود العقاد من أشد منتقديه بعد أن نشر سلامة كتابه (البلاغة العصرية واللغة العربية) فقال عنه : ” إنه الكاتب الذي يكتب ليحقد ويحقد ليكتب ويدين بالمذاهب ليربح منها ولا يتكلف لها الكلفة في العمل أو في المال .. إن العلماء يحسبونه على الأدباء والأدباء يحسبونه على العلماء لهذا فهو المُنبَتّ الذي لا علماً قطع ولا أدباً أبقى .. إن كل ما يهدف إلى سلامة موسى بين حملاته على الأدب العربي هو تشويه للأدب العربي عامة ورميه بالقصور والجهل وانحلال مجتمعه “.
وكتب عنه طه حسين قائلا : ” إن الأستاذ سلامة موسى ليس من أصحاب الألوان السياسية الظاهرة وقد يكون حرًا دستوريا وقد يكون وطنيا بل قد يكون اتحاديا ولكنه على كل حال لا يعلن رأيه السياسي أو لا يتكلف إعلانه ولا يتخذ لنفسه لونا ، وهو من أنصار الجديد وهو يعلم أني أرى رأيه وأشاركه فيه دون حفظ ولا احتياط ولكن نصره للجديد قد اضطره إلى شيء من الإسراف كنت أحب ومازلت أحب ألا يتورط فيه الباحثون المنصفون وهو مسرف في ازدراء الأدب العربي القديم والغض منه.
وقد أفهم ألا يكون هذا الأدب القديم كما هو ملائما كله لذوقنا الحديث أو كافيا لحاجات أنفسنا ولكن القدماء لم يضعوا أدبهم لنا وإنما وضعوه لأنفسهم ، وليس من شك في أن هذا الأدب القديم كان يلائم أذواق القدماء وحاجات نفوسهم فإذا لم يلائم أذواقنا وأهواءنا فلنبتغ غيره لا أكثر ولا أقل ، وهو مسرف أيضا حين يقول : إن الأدباء المصريين لم يكن لهم شأن في حركة الاستقلال لم يقودوا الأمة في هذه الحركة وإنما قادتهم الأمة بل قادهم الرعاع إلى الاستقلال ، وقد يكون هذا حقا بالقياس إلى هؤلاء الشعراء الذين تبعوا الجمهور ولم يتبعهم “.
وقال عنه توفيق الحكيم “: إن سلامة موسى يتحدى للحكم على قضايا لا يملك أسباب التصدي لها ويخيل إلي أنه قد انقطع للقراءة منذ ربع جيل على الأقل فإني كلما قرأت له لمحت أثر تفكير القرن التاسع عشر في اتجاهات تفكيره والتفاتات ذهنه ، إنه لا زال يقيم فلسفته – إن كان له فلسفة – على الاعتراف بالمادة وإنكار الروح .. إن ما قرأته لسلامة موسى منذ ثلاثين عاما لا يختلف عما أقرؤه له اليوم نزعة وأسلوبا واتجاها حادًا إلى إنكار كل شيء والاستخفاف بكل شيء “.

26 / تجديد الفكر العربي
(تجديد الفكر العربي) هو عنوان كتاب يتناول كيفية صناعة ثقافة عربية جديدة تجمع بين منجزات الفكر الغربي الحديث والتراث العربي التقليدي وهو من تأليف الفيلسوف المصري الكبير الدكتور زكي نجيب محمود الذي ولد في ميت الخولي عبد الله بدمياط عام 1905 م وتوفي بالقاهرة عام 1993 م ، تلقى تعليمه الابتدائي في كلية جوردون بالسودان حيث كان يعمل والده ثم عاد إلى مصر ثم استكمل المرحلة الثانوية في مصر وتخرج عام 1930 من مدرسة المعلمين العليا بالقسم الأدبي وعمل بالتدريس بوزارة المعارف.
وفي عام 1944 م سافر إلى إنجلترا في بعثة دراسية حيث حصل على الدكتوراة في الفلسفة من جامعة لندن عام 1947 م عن رسالته (الجبر الذاتي) وبعد عودته إلى مصر التحق بهيئة التدريس في قسم الفلسفة بكلية الآداب جامعة القاهرة ، وفي عام 1953 م انتدب للعمل في وزارة الإرشاد القومي ثم سافر إلى الولايات المتحدة الأمريكية ودرس في في جامعة كولومبيا بولاية كارولينا الجنوبية وجامعة بوليمان في ولاية واشنطن وفي عام 1954 م عين ملحقا ثقافيا بالسفارة المصرية في واشنطن لمدة عامين.
انضمَّ إلى لجنةِ التأليف والترجمة والنشر واشترك مع أحمد أمين في إصدارِ سلسلةٍ من الكتب الخاصة بالفلسفة وتاريخ الآداب ، وفي عام 1965 م أحيل إلى التقاعد فكلفته وزارة الثقافة بإصدار مجلة فكرية رصينة تعنى بالتيارات الفكرية والفلسفية المعاصرة فأصدر مجلة (الفكر المعاصر) ورأس تحريرها وكتب فيها مقالا شهريا ثابتا بعنوان (تيارات فلسفية) ، وفي عام 1968 م عمل أستاذا للفلسفة بجامعة الكويت لمدة خمس سنوات ثم عاد إلى مصر وكتب في جريدة الأهرام مقالا أسبوعيا ثابتا.
اختِيرَ عُضوًا في العديد من اللجان الثقافية والفكرية فكان عُضوَ لجنتَيِ الفلسفة والشِّعْر بالمجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية وعُضوَ المجلس القومي للثقافة وعُضوًا بالمجلس القومي للتعليم والبحث العلمي ، وهو رائد تيار الوضعية المنطقية في مصر والعالم العربي والإسلامي وذلك من خلال مؤلفاته المشهورة كتاب المنطق الوضعي وكتاب خرافة الميتافيزيقا وكتاب نحو فلسفة علمية وكتاب نافذة على فلسفة العصر وكتاب نظرية المعرفة وكتاب من زاوية فلسفية وغيرها.
ويستهل المؤلف كتابه بمقدمة يشرح فيها أسباب تناوله هذا الموضوع فقال : ” تقديم .. لم تكن قد أُتيحت لكاتب هذه الصفحات في معظم أعوامه الماضية فرصة طويلة الأمد تمكِّنه من مطالعة صحائف تراثنا العربي على مَهل فهو واحد من ألوف المثقفين العرب الذين فُتحت عيونهم على فكر أوروبي ـ قديم أو جديد ـ حتى سبقت إلى خواطرهم ظنونٌ بأن ذلك هو الفكر الإنساني الذي لا فكر سواه لأن عيونهم لم تُفتح على غيره لتراه.
ولبثتْ هذه الحال مع كاتب هذه الصفحات أعوامًا بعد أعوام : الفكر الأوروبي دراسته وهو طالب والفكر الأوروبي تدريسه وهو أستاذ والفكر الأوروبي مَسْلاته كلما أراد التسلية في أوقات الفراغ ، وكانت أسماء الأعلام والمذاهب في التراث العربي لا تجيئه إلا أصداء مفككة متناثرة كالأشباح الغامضة يلمحها وهي طافية على أسطر الكاتبين.
ثم أخذته في أعوامه الأخيرة صحوة قلقة فلقد فوجئ وهو في أنضج سنيه بأن مشكلة المشكلات في حياتنا الثقافية الراهنة ليست هي كم أخذنا من ثقافات الغرب وكم ينبغي لنا أن نزيد ، إذ لو كان الأمر كذلك لهان فما علينا عندئذٍ إلا أن نضاعف من سرعة المطابع ونزيد من عدد المترجمين فإذا الثقافات الغربية قد رُصَّت على رفوفنا بالألوف بعد أن كانت تُرص بالمئين.
لكن لا ، ليست هذه هي المشكلة وإنَّما المشكلة على الحقيقة هي كيف نُوائم بين ذلك الفكر الوافد الذي بغيره يفلت مِنَّا عصرنا أو نفلت منه وبين تراثنا الذي بغيره تفلت مِنَّا عروبتنا أو نفلت منها ؟ إنَّه لمحال أن يكون الطريق إلى هذه المواءمة هو أن نضع المنقول والأصيل في تجاور بحيث نشير بأصابعنا إلى رفوفنا فنقول : هذا هو شكسبير قائم إلى جوار أبي العلاء ، فكيف إذن يكون الطريق ؟
استيقظ صاحبنا ـ كاتب هذه الصفحات ـ بعد أن فات أوانه أو أوشك فإذا هو يحس الحيرة تؤرقه فطفق في بضعة الأعوام الأخيرة التي قد لا تزيد على السَّبعة أو الثَّمانية يزدرد تراث آبائه ازدراد العجلان كأنه سائح مر بمدينة باريس وليس بين يديه إلا يومان ولا بد له من خلالهما أن يريح ضميره بزيارة اللوفر فراح يعدو من غرفة إلى غرفة يُلقي بالنظرات العجلى هنا وهناك ليكتمل له شيء من الزاد قبل الرحيل.
هكذا أخذ صاحبنا ـ وما يزال ـ يعب صحائف التراث عبًّا سريعًا والسؤال ملء سمعه وبصره : كيف السبيل إلى ثقافة موحدة متسقة يعيشها مثقف حي في عصرنا هذا بحيث يندمج فيها المنقول والأصيل في نظرة واحدة ؟ ، وفي هذا الكتاب محاولات للإجابة ربما أصابت هنا وأخطأت هناك ، فلعل القارئ أن يفيد بالصَّواب وأن يعفوَ عن الخطأ لا سيَّما إذا وجده خطأ من شأنه أن يُثير الحوار النافع حتى ننتهيَ معًا إلى ما يُرضي ويريح ، زكي نجيب محمود جامعة الكويت في يونيو 1971 “.
وقد شغف المؤلف بعدد من الكتب التراثية وعلق على نتاجها الفكري والفلسفي ومنها كتاب العقد الفريد لابن عبد ربه حيث كتب عنه في إعجاب وقال : ” ياقوتة العقد للعِلم والعلماء .. سُمِّيَ كتاب (العِقد الفريد) بهذا الاسم لأن فصوله تؤلِّف عِقدًا من خمس وعشرين جوهرة منها اثنتا عشرة في جانب واثنتا عشرة في الجانب الآخر وبينهما واسطة العِقد ، وقد تكررت الأسماء في المجموعتين الأولى والثانية فلؤلؤة هنا تقابلها لؤلؤة هناك وزبرجدة هنا تقابلها زبرجدة هناك وهلمَّ جرًّا.
يقول صاحب الكتاب في مقدمته لكتابه : (وسميته كتاب العِقد الفريد لما فيه من مختلف جواهر الكلام مع دقة السلك وحسن النظام وجزأته على خمسة وعشرين كتابًا كل كتاب منها جزءان فتلك خمسون جزءًا في خمسة وعشرين كتابًا كل كتاب منها جزآن فتلك خمسون جزءًا في خمسة وعشرين كتابًا وقد انفرد كل كتاب منها باسم جوهرة من جواهر العقد).
وأخذ المؤلف بعد ذلك يذكر أسماء تلك الكتب وموضوعاتها واحدًا واحدًا فكتاب اللؤلؤة في السلطان وكتاب الفريدة في الحروب وكتاب الزبرجدة في الأجواد والأصفاد وكتاب الجمانة في الوفود وكتاب المرجانة في مخاطبة الملوك وكتاب الياقوتة في العلم والأدب وهكذا دَوَالَيْكَ حتى يصل إلى كتاب الواسطة في الخطب ، ثم ينتقل إلى المجموعة الثانية يكرر بها أسماء المجموعة الأولى بادئًا هنا بما انتهى إليه هناك ومنتهيًا هنا بما ابتدأ به هناك فأول العقد هو كتاب اللؤلؤة في السلطان وآخره هو كتاب اللؤلؤة الثانية في الفكاهات والْمُلَح ، هندسة بديعة في التقسيم والتبويب.
وقضيت ساعة بالأمس مع كتاب الياقوتة الذي خُصص للمختارات التي قيلت في العلم والأدب وقد قصدت إلى هذا الاختبار عامدًا في أيام نروج فيها للعلم وللنظرة العلمية وللحياة العلمية وللتخطيط العلمي وللإشادة بالقائمين على الحياة العلمية ، أقول إني قد قصدت إلى هذا الاختيار بالأمس عامدًا لأعيش مع السلف ساعة أستمع إليهم في موضوع هو مشغلة اليوم لا من حيث مادة الموضوع نفسها ولكن من حيث القيم التي كانت تضبط عمل العاملين به.
فنحن إذ نقول ونعيد ـ في إصرار وإلحاح وفي إيمان وعقيدة ـ إن جهودنا الثقافية اليوم ينبغي أن تسير بنا نحو ثقافة عربية معاصرة تحمل موضوعات العصر واهتماماته مصوغة في قيم موروثة عن السلف لنحقق بها معاصرة وطابعًا قوميًّا في آنٍ معًا ولنجمع خصوصية تاريخنا إلى عمومية الحياة العصرية المشتركة بين سائر الأقوام في نتاج واحد ، نحن إذ نقول هذا ونعيده لا يجدر بنا أن نترك القول عند هذا الحد من التجريد والشيوع بل لا بد أن نضيف إليه محاولات في التطبيق وها هنا يتبين متى تكون تلك المبادئ معقولة ومقبولة ومتى لا تكون.
قد اشتملت مجموعة الأقوال التي أوردها ابن عبد ربه عن العلم والعلماء ـ على قلة صفحاتها ـ خطوطًا رئيسيةً تصلح أن تكون دستورًا للحياة العلمية كلها منهجًا ومعيارًا فهذا هو يروي فيما يروي قولًا عن ضرورة الشك لمن التمس اليقين في أية مسألة يطرحها للبحث فقد سُئل عالم لماذا يكثر من الشك ؟ فأجاب : محاماة عن اليقين ، وسُئل عالم آخر عن حديث فقال : أشك فيه ، فقال السائل : شكك أحب إليَّ من يقيني.
فماذا تريد للروح العلمية الصحيحة معيارًا أصلح من هذا المعيار وكيف يكون هذا ما رسمه الأسلاف طريقًا ثم نفغر أفواهنا من الدهشة حين يقول لنا قائل إن أعلام المنهج العلمي في الغرب يطالبون بأن نشك أوَّلًا حتى يأتي اليقين مَحْضًا ؟ انظر فيمن حولك تجدهم ـ حكمًا بما يقولون وما يفعلون ـ يطمئنون إلى صاحب التصديق السريع ويقلقهم أن يقف متشكك ليتساءل قبل أن يجزم بالصواب فسريع التصديق عندنا أقرب إلى الملائكة والمتشكك أقرب إلى الشياطين وما هكذا روح الحياة العلمية وما هكذا تراثنا في تحديده للقيم.
إننا إذ نقول : يجب أن نحيي تراثنا لنحياه ابتغاء التميز بطابع يصل حاضرنا بماضينا فليس المراد هو أن نعيد طباعة الكتب لتوضَع على الرفوف بل المراد هو أن نعيش مضمونها على نحو يحفظ لنا الأصالة ولا يفوت علينا روح العصر ، وإن لنا لتراثًا عن العلم والعلماء يكفل لنا أن نتقدم في ثقة مع المتقدمين موضوعنا علم حديث وخصالنا من إرث عزيز “.
وفي المجال الأدبي اتبع زكي نجيب محمود منهجا يسقط القواعد الفلسفية على النقد (قضية النقد الأدبي بين الذوق والعقل) وخاض في هذا معركة فكرية مع الناقد الدكتور محمد مندور وقال في ذلك : ” أنت يا سيدي بين أمرين اثنين : إما أن يكون الحكم للذوق وإما أن يكون للعقل بنظره وأسبابه فأيهما تختار ؟ نعجب غاية العجب أن يقال للناقد : تذوق الأدب تذوّقك للطعام والشراب ثم اكتب ! ماذا تكتب يا سيدي في تفضيل الكمثرى أو البرتقال إذا أقمت المفاضلة على الذوق وحده ؟ كلا ! لسنا نرى هذا الرأي.
نصرّ على أن يكون النقد علما ولا نوافق على رأيك في أن النقد ليس بعلم وإن وجب كما تقول أن نأخذ فيه بروح العلم ما هذا الذي تقول، وكيف ننظر إلى الجنة بعين وإلى النار بعين ؟ فلست أدري ! سيدي ما العلم وما روح العلم ؟ إن تعريف العلم هو منهج البحث ولست أعرف للعلم تعريفا غير هذا ، فلتكن مادتك ما شئت لها أن تكون .. إنها علم إذا اصطنعت في بحثها منهجا إن العلم ليس حقائق بعينها بل هو ترتيب منهجي لما شئت من الحقائق ! “.
فاختلف مندور الذي يرى أن الذوق فى ذاته هو أساس كل نقد أدبى صحيح وأن هذه حقيقة واقعة وضرورة إنسانية وأن زكى نجيب محمود أخذ الحقائق الأدبية والفلسفية بل والحقائق الإنسانية العامة على نحو مسرف فى التبسيط ، ورفض منهجه في إقحام الفلسفة باصطلاحاتها المعروفة ومناهجها الخاصة فى علوم النفس والاجتماع على الساحة الأدبية والفنية ويرى أن فى هذا الإقحام إفلاسا أدبيا وعقما فى الإحساس المباشر وفى الحاسة الفنية التى لا يمكن أن يغنى عنها شيء فى إدراك المفارقات الدقيقة التى يتميز بها الأدب.
أما عن أسلوبه الأدبي وطريقته في الكتابة فقد تناولها الباحث الأستاذ السيد مرسي أبو ذكري في كتابه المقال وتطوره في الأدب المعاصر فقال : ” زكي نجيب محمود .. من أكبر الوجوه التي لعبت دورًا رئيسيا في حياتنا الجماعية والثقافية وخاصة في الفكر العربي منذ الحرب العالمية الثانية حتى اليوم ، شارك في العمل الثقافي من خلال لجنة التأليف والترجمة والنشر التي قدمت عددًا كبيرًا من الكتب الجادة في الفلسفة والأدب والاجتماع إلى اللغة العربية فحقق معنى التعاون الفكري مما أكسبه ثقة الجميع.
اهتم منذ الستينات بتعريف المذاهب الفلسفية المعاصرة وتعميق المفاهيم العامة فتخطى الحواجز الجغرافية والإقليمية ، حاول من خلال اتجاهه أن يوجد صلات بين الفكر العربي والفكر الغربي في منهج عقلي دون نظر إلى العصبيات الإقليمية أو العرفية وبرز هذا الاتجاه في كتبه : تجديد الفكر العربي ، وثقافتنا في مواجهة العصر ، والمعقول واللا معقول في تراثنا الفكري.
يقاس فكر زكي نجيب محمود بالكم الضخم من الإنتاج وبالتأثير الشامل الذي أحدثته أراؤه وإضافاته إلى عالمنا بوضعيته الحقيقية القائمة من حولنا ، وتعد كتب هذا المفكر من الأدب العالمي لتناولها الشخصيات العالمية الفلسفية وتقريب الوضعية والتجريبية والتحليلية والمذاهب الغربية والعربية وجهوده في الإشراف على الترجمات والموسوعات وأمهات الكتب لا تحتاج إلى تعريف.
أسلوب زكي نجيب محمود : جمع زكي نجيب محمود مقالاته في كتب منها : الثورة على الأبواب ، وقشور ولباب وجنة العبيط ، وفلسفة وفن ، أكد في كتابه الأخير مذهبه الوصفي العلمي في الفلسفة وعمقه خلال فكرته عن الأدب والفن باعتبارهما من ضروب الخلق المبتكر الجديد وليست مقالاته سردًا لغويا أو صورًا بيانية ولكنها فنون أدبية تعبر عن أهم التصورات التي تسيطر على العقل الإنساني في إحدى الفترات.
وتناولت مقالاته مجال التطور التاريخي الاجتماعي للمنطقة العربية وقضايا المعرفة وطبيعة العقل ومنهجه في التفكير وجاء أسلوبه فيها أجمل ما عرفته العربية في هذا المجال ولا زال حتى اليوم أنفذ الأساليب وأقربها إلى قلب القارئ في أدبنا المعاصر ، وأهم سماته ما يلي : دسامة الموضوع وخصوبة التفكير وسهولة التعبير مما يكشف عن سعة اطلاعه وكثرة قراءته ، تغلب عليه نزعة الفكرة لطول معالجته للفلسفة وعكوفه على دراستها وتفهم قضاياها “.

27 / مقدمة في فقه اللغة العربية
هيمنت اللغة العربية على الأمصار إثر حركة الفتوحات الإسلامية وهجرات القبائل العربية إليها وتبع ذلك ظهور فكر (الشعوبية) بين أبناء السكان الأقدم فيها والتي تهاجم العرب وثقافتهم وتحاول الانسلاخ منها ، وفي العصر الحديث ظهرت دعوات لإحيائها في ثوب جديد ممثلة في عدة مؤلفات منها كتاب (مقدمة في فقه اللغة العربية) من تأليف المفكر والناقد الدكتور لويس حنا خليل عوض الذي ولد في شارونة بالمنيا عام 1914 م وتوفي بالقاهرة عام 1990 م.
تخرج من قسم اللغة الإنجليزية بكلية الآداب عام 1937 م وحصل على ماجستير في الأدب الإنجليزي من جامعة كامبريدج سنة 1943 م ودكتوراة في الأدب من جامعة برينستون بالولايات المتحدة عام 1953 م عن رسالته (أسطورة بروميثيوس في الأدبين الإنجليزي والفرنسي) ، التحق بهيئة التدريس بالجامعة وتدرج فيها حتى صار أول رئيس مصري لقسم اللغة الإنجليزية عام 1954 م وقام بالأشراف على القسم الأدبي بجريدة الجمهورية.
عمل في إدارة المؤتمرات بهيئة الأمم المتحدة واستقال بعد العدوان الثلاثي عام 1956 م ورجع إلى مصر فعمل بجريدة الشعب ثم مديرا عاما للثقافة بوزارة الثقافة واعتقل عام 1959 م مع الشيوعيين لمناهضته للوحدة المصرية السورية ، وفي عام 1961 م عمل مستشارا ثقافيا لدار التحرير للطبع والنشر ثم في عام 1962 م عمل مستشارا لمؤسسة الأهرام ثم عضوا في المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية.
تتلمذ على يد (العمالقة الثلاثة) كما وصفهم وقال عنهم : ” إن الذي حرث أرض فكري هو العقَّاد وإن الذي بذر فيها البذور هو سلامة موسى أما الذي سقى نبتها وشذبها تشذيبًا فهو طه حسين ” ، من أهم كتبه الأكاديمية التي درست في الجامعة ووضعت الأساس النظري للمنهج التاريخي في النقد كتاب فن الشعر لهوراس الصادر عام 1945 م وكتاب بروميثيوس طليقا لشلي الصادر عام 1946 م وكتاب في الأدب الإنجليزي الحديث الصادر عام 1950 م.
وقد كتب في مجالات عدة منها رواية العنقاء وكتاب المسرح العالمي وكتاب الاشتراكية والأدب وكتاب دراسات أوروبية وكتاب رحلة الشرق والغرب وكتاب أقنعة الناصرية السبعة وكتاب مصر والحرية وكتاب على هامش الغفران وكتاب في الأدب الإنكليزي الحديث وكتاب المؤثرات الأجنبية في الأدب العربي الحديث ، وله أيضا دراسات في النظم والمذاهب ودراسات في النقد والأدب ودراسات في أدبنا الحديث مسرح شعر قصة ودراسات في النظم والمذاهب.
وقد كتب عدة أعمال باللهجة العامية مثل مذكرات طالب بعثة وديوان بلوتو لاند وتابع رؤية سلامة موسى في الدعوة إلى الهوية الفرعونية، ودعا إلى الكتابة بالعامية حيث رأى أن شأن اللغة العربية شأن اللغة اللاتينية التي تقسمت إلى لهجات وانقلبت تلك اللهجات إلى لغات ، وشجع على قصيدة النثر وهاجم الشعر العمودي وناصر تيار الحداثة وانتقد التراث العربي وبرز اهتمامه بالتراث الأوروبي مثل الآداب والأساطير الإغريقية.
وقد تناول في كتابه (تاريخ الفكر المصري الحديث) تطور المجتمع والدولة في مصر في القرن التاسع عشر في المجالات السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية وصاحب ذلك تغيرات فكرية نتجت عن التواصل مع أوروبا ونمو حركة الوعي القومي ، وشمل الجزء الأول الفترة من الحملة الفرنسية وحتى عصر إسماعيل وشمل الجزء الثاني من الثورة العرابية وحتى ثورة 19 ، أما الفترة التي عاصرها هو بعد ذلك فقد ضمنها في مذكراته الشخصية التي صدرت تحت عنوان (أوراق العمر) وفيها سرد لمشاركته في الحياة السياسية ورصده للأحوال الاجتماعية.
وفي مقدمة كتابه هذا يشرح منهجه في تناول محتواه فيقول : ” في الكلام عن تكون الفكر السياسي والاجتماعي والثقافي في مصر والعالم العربي الحديث وعما طرأً عليه من تطورات نتيجة للمؤثرات الأجنبية واليقظة القومية والثقافية الشاملة لا مناص من اعتبار حملة بونابرت على مصر في ۱۷۹۸ وما تلاها من اتصال مستمر بین مصر وأوروبا عامل فاصلاً في تكون الأفكار السياسية والاجتماعية بالمعنى الحديث في مصر خاصة وفي العام العربي بوجه عام.
وبتحليل هذا الالتقاء العنيف المستمر منذ الحملة الفرنسية بين مصر والحضارة الغربية نستطيع أن نتتبع تكون الأفكار السياسية والاجتماعية والثقافية الأساسية بالمعنى الحديث من خلال خمسة عناصر رئيسية هي :
التجارب المختلفة لبناء هيكل الدولة وتنظيمها السياسي والإداري والقانوني على الطراز الحديث ، التطورات الاقتصادية والمادية التي استجدت في مصر والعالم العربي نتيجة لتصفية الاقطاع التركي المملوكي وإعادة تنظيم العلاقات القومية والطبقية أيام الحملة الفرنسية ونتيجة للثورة الصناعية والتكنولوجية التي استحدثها محمد علي.
التطورات الاجتماعية التي استجدت في مصر والعالم العربي عن طريق الأدب خاصة والصحافة عامة والكلمة المكتوبة بوجه أعم أوعن طريق الاختلاط الحضاري والثقافي المباشر وغير المباشر بارتياد مصر لأوروبا أو بارتياد أوروبا أو بارتياد أوروبا لمصر عن طريق البعوث أوعن طريق الحاليات الوافدة علينا.
التيارات الفكرية التي استجدت في مصر والعالم العربي نتيجة لهذا الالتقاء بالحضارة الغربية وللصراع معها ولا سيا فيما يتصل بالمعتقدات السياسية والاجتماعية والثقافية وفيما يتصل بالعلاقة بين العلم والدين وبمواجهة الفكر الديني لمقومات الحضارة الحديثة بوجه عام ، التيارات الأدبية والفنية الي استجدت في مصر والعالم العربي نتيجة للتواصل الثقافي مع أوروبا ولا سيما ما يتصل منها بتطور اللغة وأشكال التعبير الأدبي والفني “.
أما كتابه الأشهر الذي أثار الجدل وتعرض للمصادرة وحوكم بسببه فهو كتاب (مقدمة في فقه اللغة العربية) حيث هاجم فيه فكرة قداسة اللغة العربية ويستعرض في سبيل ذلك عدة مقاربات لغوية وتاريخية تعبر عن أزمته الوجودية في رفض ثقافة مصر العربية والبحث عن هوية بديلة مفقودة ويكرس لمجال جديد قال عنه : عسى أن يأتي بعدي من يقيم أركان هذا العلم الخطير ، وقد صدرت عدة كتب ترد عليه وتفند طرحه بالتفصيل وتصدى له المفكرون والأدباء في كتابات عديدة ودارت بينهم معركة أدبية شرسة.
والحقيقة أن المؤلف قد خلط في كتابه بين الوقائع التاريخية والافتراضات التخيلية والاستنتاجات الشخصية في تدليس واضح ليقوم بإحياء فكر (الشعوبية) في صورة جديدة تحاول فيها نزع الهوية العربية عن مصر وصناعة ثقافة قومية وهمية مستقلة عنها ، وفي سياق ذلك ظهرت تناقضات في طرحه حيث يفصل بين المصريين والعرب بينما في كتابه تاريخ الفكر المصري الحديث يعترف أن القبائل العربية صارت جزءا من النسيج السكاني المصري وأن غالبية الفلاحين في الصعيد من أبناء القبائل المتوطنة.
وقد رصد الكاتب نسيم مجلي أهم النقاط المثيرة في المحتوى وذلك في كتابه (لويس عوض ومعاركه الأدبية) وأولها قناعة المؤلف أن الفراعنة عرفوا حضارات وأمما مجاورة مثل الحيثيين والآشوريين والفرس والبطالمة في حين لم يرد للعرب ذكر في التاريخ الفرعوني ، ويضيف أن أول ظهور للعرب قد ورد في نص شالمانصر الثالث ملك آشور (القرن التاسع قبل الميلاد) في نص من مكتبة آشور بانيبال ملك الاشوريين (القرن السادس قبل الميلاد) ويشير إلى ملكات العرب ويرى أن المرأة في المراحل المبكرة من تاريخ القبائل العربية كانت هي رأس القبيلة وتحمل أشهر القبائل أسماء مؤنثة مثل أمية وربيعة وكندة ومرة !
ويرى أن حركة التدوين بالعربية بدأت لأول مرة في القرن الثاني قبل الميلاد وهكذا يكون العرب أمة حديثة نسبيا ونوه الى أن التأريخ للحضارات عادة يكون ببداية عصر التدوين واستعمال الأبجدية ، ويذكر أن أقدم نص عربي معروف يرجع الى عام 328 ميلادية وهو شاهد قبر امرؤ القيس بن عمرو المتوفى في ذلك العام ويسمي صاحبه (ملك العرب كلهم) ويسجل أن امرؤ القيس هذا كان نائب قيصر الروم أو بيزنطة في بلاد العرب.
ولذا فهو من وجهة نظره يرى أن العرب موجة متأخرة جدا من موجات بشرية هبطت شبه الجزيرة العربية من القوقاز والمنطقة المحيطة ببحر قزوين والبحر الاسود قبيل بداية الألف الأولى قبل الميلاد ويفترض أن عدم اقامتهم بالعراق أو الشام يعود الى وجود أقوام مستقرة أكثر قوة وتحضرا فذهبوا الى الفراغ الكبير في شبه الجزيرة العربية حاملين لغتهم القوقازية.
ويرجح أن العرب هبطوا شبه الجزيرة على سكان أصليين منهم الهكسوس المطرودين من مصر في القرن الخامس عشر قبل الميلاد حيث نقل الهكسوس الى شبه الجزيرة ما حملوه من مصر من معتقدات دينية ورواسب لغوية مضيفا أن المرحلة الهكسوسية ربما تمثل مرحلة الجاهلية الأولى وأن العبادات المصرية القديمة لم تكن مجهولة في شبه الجزيرة العربية في الجاهلية.
ويرى أن في مخالطة العرب بعد أن جاءوا بلغتهم ومعتقداتهم القوقازية للسكان الاصليين تفسيرا لوجود كثير من الالفاظ المصرية القديمة في اللغة العربية القرشية التي تسلمناها عن العرب بعد الفتح العربي وبهذا وحده نستطيع أن نفسر الاثار الواضحة للديانات المصرية القديمة ومصطلحاتها في لغة الجاهلية القريبة وفي بعض معتقداتها الدينية.
ويعتبر أن التفاعلات اللغوية في هذه المنطقة خاصة في لغة قريش كانت سببا في إنضاج اللغة العربية ومنحها مرونة وخصوبة أهلتها أن تكون وعاء لوحي عظيم في عصر الرسول وأداة صالحة للتعبير الفكري العميق حتى عصر ابن خلدون (نحو 1400 م) مما أهلها أن تقهر بعض ما جاورها من اللغات تماما كما قهرت اللاتينية عديدا من لغات أوروبا التي فتحها الرومان حتى نهاية العصور الوسطى.
ويرى أن العربية لغة محدثة وأنها لم تكن لغة ادم في الجنة الاولى ولا كانت مسطورة في اللوح المحفوظ قبل بدء الخليقة ، كما يرى أن سكان شمال أفريقيا وبينهم المصريون ينتمون سلاليا الى عنصر غير عربي ورغم ذلك قبلوا اللغة العربية حين قبلوا ثقافة الاسلام بل إن أقباط مصر الذين لم يقبلوا ثقافة الاسلام قبلوا اللغة العربية لأنها غدت لغة مصر القومية وحين واجهوا مشكلة الاختيار بين الوحدة القومية في اللغة والانشقاق القومي باللغة آثروا الوحدة على الانشقاق.
ويضيف أن المصريين المسلمين لم يأخذوا اللغة العربية بحرفيتها وانما مزجوها بألفاظ قبطية تنتمي الى اللغة الديموطيقية وهي العامية في مصر القديمة ، ويرى أن التكوين الأساسي للفكر الإسلامي بني على عمادين هما مدرسة الإسلام ومدرسة العروبة وتعطي الاخيرة قداسة وشرفا للعربية وللعرب على غيرهم لحكم العالم الاسلامي وكان أول مظاهر الاحتجاج على الربط بين العروبة والاسلام هو الانشقاق على الخلافة متمثلا في حركتي الشيعة والخوارج.
ورغم اختلافهما إلا أنهما أنهم يشتركان في الثورة على الحق العربي وعلى السلطة العربية اللذين قدمهما بنو أمية كبديل للحق الديني إلهيا كان أو إنسانيا ليثبتوا به أن العرب أولى من غيرهم من المسلمين بالحكم بدعوى أن النبي عربي قرشي وبدعوى أن القران نزل بلغة العرب وبلهجة قريش وأنهما نظرا الى حكم بني أمية على أنه فترة الاستعمار العربي باسم الدين واللغة لما فتحه المسلمون لا العرب وحدهم من أمصار غير عربية دخلت الاسلام وتكونت منها الامة الاسلامية فهي بهذا المعنى حركات قومية تحررية أو شعوبية كما كان يقال بلغة ذلك الزمان.
ويرى أن الصراع بين العرب والشعوب التي حكموها باسم الاسلام اتخذ أقنعة أيديولوجية متعددة فأصحاب نظرية تقديس اللغة العربية نقلوا فكرة إعجاز القران إلى فكرة إعجاز اللغة نفسها وهي النظرية التي سخر منها الشاعر أبو العلاء المعري ، ويضيف أنهم حرصوا على إثبات نقاء لغة القران من كل كلمة أعجمية أما الشعوبيون فأثبتوا أن بالقران ألفاظا أعجمية مثل قسطاس اليونانية وتعنى ميزان واستبرق الفارسية وتعنى الديباج الغليظ وطوبى الهندية وتعنى الجنة وأرائك الحبشية وتعنى سرر وقطنا النبطية وتعني كتابنا.
ويقول إن كتاب (المعرب من الكلام الاعجمي على حروف المعجم) الذي ألفه أبو منصور الجواليقي أثبت أن العربية فيها من الالفاظ الاجنبية قرابة ألف وخمسمائة كلمة وأن مئات من هذه الالفاظ كانت متداولة لدى العامة كما استخدمها الشعراء في صدر الاسلام وفي الجاهلية وبذلك تكون من صلب اللغة العربية أيام الوحي ، ويسجل أن جلال الدين السيوطي يرى أن القرآن احتوى على ألفاظ من لغات أخرى وهو بذلك يرى أن وجود الالفاظ المعربة في لغة القران ليس غضا من إعجازه وانما مزية يمتاز بها على سائر الكتب المقدسة.
ويقول أن تواتر الالفاظ في أكثر من لغة ناتج عن قرابة لغوية أو تأثيرات حضارية مشيرا الى أن شرعية التجنس تجعل كلمة أجنبية جزءا من اللغة الجديدة التي انتقلت اليها ويعتبر أن البحث في لغة ما عن أصول بعيدة فيها للألفاظ الوافدة اليها من أشكال التزمت والعنصرية اللغوية وأن رفض العرب في الدولة العربية امتصاص الأعاجم أو تسويتهم بالعرب في حق المواطنة هو الذي أجج روح الشعوبية وألب أبناء الامصار على العرب ومزق دولتهم تمزيقا.
ويشير الى أن اللغات والأديان والأجناس تتعايش داخل القومية الواحدة في حالة الاستقرار أما في حالة البداوة فوحدة اللغة أو العنصرية هي علامة القومية مشيرا الى أن الصلف القومي يصور لكل أمة أنها المصطفاة فالمصريون القدماء قسموا العالم الى مصريين وأجانب كما قسم اليونانيون العالم الى إغريق وبربر وقسم العبرانيون العالم الى يهود وقبائل ، ويقول إن العرب يقسمون الناس إلى عرب وعجم وهم بذلك يعترفون بالتبويب اليهودي للبشر إلى يهود وأمم ولهذا وصف النبي محمد بأنه النبي الأمي (ليس النبي الجاهل بالقراءة والكتابة كما في المعنى المتوارث وإنما النبي الأمي أي النبي الذي ليس من بني إسرائيل).

28 / عبد الرحمن بدوي
دائما ما توضع الفلسفة في برج عال بعيدا عن سائر العلوم محاطة بسياج من الغموض والترفع وقليلا ما تفلح محاولات الفلاسفة للنزول بأفكارهم إلى مستوى المثقف العادي من خلال تبسيط كتاباتهم وحسن عرضها عليهم ، ومن أهم وأكبر المؤلفات التي تناولت ذلك ونجحت فيه كتاب (موسوعة الفلسفة) من تأليف الأكاديمي والفيلسوف والكاتب الدكتور عبد الرحمن بدوي محمود الشرباصي الذي ولد في شرباص بدمياط عام 1917 م وتوفي في القاهرة عام 2002 م.
تخرج من قسم الفلسفة بكلية الآداب عام 1938 م ثم حصل على الماجستير عام 1941 م عن رسالته (مشكلة الموت في الفلسفة الوجودية) ثم الدكتوراه عام 1944 م عن رسالته (الزمان الوجودي) وكانت تحت إشراف كل من الفيلسوف باول كراوس والشيخ مصطفى عبد الرازق والدكتور طه حسين الذي علق عليها قائلا : (لأول مرة نشاهد فيلسوفاً مصرياً) ، وعين بعدها عضوا في هيئة التدريس في جامعة فؤاد (القاهرة) ثم جامعة إبراهيم باشا (عين شمس).
وفي الفترة من عام 1956 م إلى عام 1958 م عمل مديرا البعثة التعليمية في سويسرا ومستشارا ثقافيا للسفارة المصرية هناك وفي عام 1959 م صار أستاذ كرسي الفلسفة وعمل بالتدريس في كل من فرنسا ولبنان وإيران والكويت وليبيا ، وعرف عنه التفوق الدائم والجدية الشديدة وإجادة عدة لغات منها الفرنسية والألمانية والإيطالية والأسبانية واليونانية واللاتينية والإنجليزية والفارسية وأصدر أكثر من مائة كتاب وهو رائد الفلسفة الوجودية في العالم العربي.
وهو ينتمي إلى أسرة من ملاك الأراضي في الريف عرفت بمناصرتها لحزب الأحرار الدستوريين لكنه اتخذ لنفسه موقف مختلفا حيث شارك مبكرا في الحياة السياسية من خلال عضويته في حزب مصر الفتاة ثم الحزب الوطني الجديد ، وله موقف معارض من حزب الوفد والحزب السعدي معا حيث شرح ذلك بالتفصيل في مذكراته الشخصية التي صدرت تحت عنوان (سيرة حياتي) والتي تجمع بين الرؤية السياسية وأدب الرحلات.
وقد عرف بحدة مواقفه ونقده اللاذع لعدد من الأعلام إما بسبب مهادنة الاحتلال البريطاني في وقت ما أو بسبب خلافات شخصية ومهنية أو خلافات سياسية فهاجم كلا من الإمام محمد عبده وسعد زغلول ومصطفى النحاس وعباس العقاد وأحمد أمين وطه حسين وزكي نجيب محمود وعبد الوهاب عزام وتوفيق الحكيم وعلي الجارم ومصطفى أمين ومحمود فوزي ، لكنه كان يوقر أستاذه الشيخ مصطفى عبد الرازق ويضعه في مرتبة عالية لا يطالها النقد.
ورغم تحيزه لأفكار الزعيم مصطفى كامل وإيمانه بالعروبة إلا أنه يهاجم عصر عبد الناصر بقسوة هو يرى أن ثورة الضباط الأحرار عام 1952 م هي أسوأ شيء حدث في تاريخ مصر الحديث وربما كان التأميم ومصادرة أراضي عائلته قد أثر فيه ، وعلق على الحضور الجماهيري في جنازة جمال عبد الناصر بأنه أمر عادي ولا يمت بصلة إلى وجود علاقة حب بين المصريين وعبد الناصر مشيرا إلى أن هذه هي طبيعة شعب هوايته المشي في الجنازات.
وقد عانى طوال حياته بسبب مواقفه السياسية وعبر عن ذلك في مذكراته فقال : ” ومن بلادة الشرطة في مصر أنها إذا سجلت لشخص أنه ينتسب إلى جماعة ما في وقت ما فإنّها تتصور أنه مستمر معها أبدا مهما تغيّرت الأوضاع بالشخص – وكأن لسان حالها يقول : لقد سجلنا ذات يوم أنك في حزب كذا إذن أنت في هذا الحزب إلى الأبد ، حتى لو كان هذا الحزب قد زال من الوجود منذ عشرات السنين ولهذا لازمتني تهمة انتسابي إلى مصر الفتاة طوال حياتي وصار صاحب السلطة ينبش لي عن هذه التهمة كلما عنَّ له إيقاع الأذى بي أو عند منعي من نيل حق من حقوقي “.
وهو صاحب مبدأ لا يحيد عنه في السياسة والفلسفة معا وعبر عن ذلك بقوله : ” كل حركة سياسية تخرج عن مبادئها الأولى ابتغاء كسب أنصار من خصومها لا بدّ ان يصيبها الإخفاق والانحلال ، إن على صاحب الحركة السياسية ان يتابع طريقه قدماً على أساس المبادىء التي قام يدعو إليها مهما لاقى في سبيل ذلك من عقبات او انتكاسات ولن يجديه نفعاً ان يستعيد من خصومه شعاراتهم ، إن كان يمينياً محافظاً فعليه ان يتابع السير في خط يميني يتطور في إطار يميني وإن كان يسارياً فعليه ان يتحرك في اطار يساري أما أن يكون يمينيا وفي الوقت نفسه يستعير شعارات اليسار أو أساليبهم وخططهم فلن يؤدّي به ذلك إلا إلى الضياع لأنه سيفقد أنصاره الأصليين الذين يمكنه الاعتماد عليهم ولن يكسب شيئا يذكر من الطرف المضاد “.
وفي كتابه موسوعة الفلسفة يقدم لنا الفلاسفة وأفكارهم من خلال ترتيب أبجدي حيث يترجم لكل واحد منهم ثم يعرض تاريخه وأفكاره وأعماله وملخص فلسفته وشمل ذلك الفلاسفة الإغريق وفلاسفة العصور الوسطى من المسلمين والفلاسفة الغربيين فجاءت الموسوعة شاملة وافية ، كما يتناول بالشرح بعض المصطلحات الفلسفية مثل الإرادة والتجريد والإلهيات وعلم الجمال والجوهر والقيمة واللغة والكونيات والوعي واليوتوبيا وغيرها.
وتضم الموسوعة كذلك مداخل تتصل بالتصوف الإسلامي ومعاني التقدم والتضامن والتسامح والمنطق المثالي عند هيجل بما يبرز تداخل الفلسفة مع الفكر الديني والاجتماعي والعلمي ، هذا التنوع يدل على أن الموسوعة تعمل بوصفها خريطة معرفية شاملة تقدم للقارئ تعريفًا تحليليًا مضبوطًا لكل مدخل مع بيان سياقه التاريخي وتطوره الدلالي وصلته بالبناء الفلسفي العام مما يجعلها أداة منهجية لتنظيم المعرفة الفلسفية وتيسير الرجوع إليها.
وقد استهل المؤلف موسوعته الكبرى بمقدمة قال فيها : ” تصدير عام .. هذه موسوعة للفلسفة وهي تلبي حاجة ماسة يستشعرها القارىء العربي ليس فقط المتخصص في الفلسفة بل وكل مثقف بعامة فهي تسعف الأول بما يريغ إليه من معلومات موجزة عن الفلاسفة والمعاني والمذاهب الفلسفية ، وهي تزود الثاني بما يغنيه من معلومات عن هذا الفرع الأساسي من فروع المعرفة الإنسانية الذي يهيىء له التكوين العقلي الحر ويوسّع من أفق تفكيره ويبث فيه الروح النقدية ويمكنه من تكوين نظرة في الحياة وفي الوجود ويشغل ذهنه بمشاكل الإنسان والكون وبالجملة يسمو بالجانب الإنساني حقا في الإنسان.
وقد استقصيت فيها أمرين : الأول يشمل كل ذي شأن في الفلسفة على مدى تاريخها من منشئي مذاهب ومؤرخين لها ومسهمين في تطورها والثاني يتناول أمهات المذاهب الفلسفية والموضوعات الرئيسية التي تندرج في ميدانها ، وحرصنا بالنسبة إلى كلا الأمرين أن نقدم عرضاً واضحاً مستوفياً لكل جوانب الفيلسوف حياته ومذهبه ومؤلفاته إن تعلق القول بالنوع الأول وللمعاني الرئيسية والتحديد الدقيق والتطور في المفهوم إن تعلق القول بالنوع الثاني ، وكل مادة قد ذيلناها ببيان بالنشرات والمراجع التي تعين الباحث على المزيد من الاطلاع والتوسع والتعمق .
وفي تحريري لمواد هذه الموسوعة قد استعنت كما هو طبيعي ببعض ما سبق أن عرضته في كتب لي سابقة وأفدت من كثير من الموسوعات الفلسفية الأوربية والأمريكية التي ظهرت في العشرين سنة الأخيرة ومن السلاسل الفرنسية والألمانية والإيطالية المخصصة لتراجم ومذاهب الفلاسفة ومن معاجم المصطلحات الفلسفية الكبرى وهذه المراجع لو سردنا أسماءها ها هنا لاستغرق ذلك عدة صفحات ، وكلى أمل في أن تكون هذه الموسوعة الفلسفية أداة عمل ممتازة للباحثين في الفلسفة والراغبين في الإفادة من مناهجها ومذاهبها في السمو بالفكر الإنساني الصحيح ، باريس روما 1979 ـ 1981 عبد الرحمن بدوي “.
وقد ترجم لنفسه في الموسوعة بصفته من أعلام الفلسفة فقال : ” عبد الرحمن بدوي فيلسوف مصري ومؤرخ فلسفة ، فلسفته هي الفلسفة الوجودية في الاتجاه الذي بدأه هيدغر وقد أسهم في تكوين الوجودية بكتابه (الزمان الوجودي) الذي ألفه في سنة 1943 وقدمه رسالة للحصول على الدكتوراه في الفلسفة من كلية الآداب بجامعة فؤاد الأول (القاهرة حاليا) ونوقشت هذه الرسالة في 29 مايو سنة 1944 وحصل ما على إجازة الدكتوراه في الآداب تخصص فلسفة .
وتمتاز وجوديته من وجودية هيدجر وغيره من الوجوديين بالنزعة الديناميكية التي تجعل للفعل الأولوية على الفكر وتستند في استخلاصها لمعاني الوجود إلى العقل والعاطفة والإرادة معا وإلى التجربة الحية وهذه بدورها تعتمد على ملكة الوجدان بوصفها أقدر ملكات الإدراك على فهم الوجود الحي ، وقد أحاط علما بكل تاريخ الفلسفة وتعمّق في مذاهب الفلاسفة المختلفين والألمان منهم بخاصة لكن أقوى تأثير في تطوره الفلسفي إنما يرجع إلى اثنين هما هيدجر ونيتشه.
حياته : ولد في الرابع من شهر فبراير سنة 1917 ( سبع عشرة وتسعمائة وألف ) في قرية شرباص مركز فارسكور وكان آنذاك يتبع مديرية الدقهلية ثم صار ابتداء من سنة 1955 يتبع محافظة دمياط وتقع على النيل بين المنصورة 42 كم ودمياط 21 كم ، وكان أبوه عمدة هذه القرية منذ سنة 1905 كما كان جده عمدة لها قبل ذلك وهو من أسرة ريفية موفورة الثراء وثروتها أراض زراعية .
ودرس في مدرسة فارسكور الإبتدائية وحصل منها على الشهادة الإبتدائية في سنة 1929 وكان أول مدرسته كما كان ترتيبه 354 من كل الحاصلين على الشهادة الإبتدائية في القطر المصري ويقدرون بأكثر من ثلاثين ألفاً ، وفي أثر ذلك دخل المدرسة السعيدية في الجيزة على الشاطىء الآخر من القاهرة حيث حصل على شهادة الكفاءة في سنة 1932 ثم شهادة البكالوريا سنة 1934 وكان ترتيبه الثاني على جميع الحاصلين على البكالوريا في مصر .
ودخل كلية الآداب في الجامعة المصرية (جامعة القاهرة حالياً) القائمة في الجيزة واختار قسم الفلسفة وكان الأول على جميع طلاب الآداب في جميع الأقسام طوال السنوات الأربع للدراسة في كلية الآداب ، وحصل على الليسانس الممتازة في الآداب ( قسم الفلسفة ) في مايو سنة 1938 وتتلمذ في هذه الفترة على أساتذة فرنسيين ممتازين هم : ألكسندر كواريه 1892 ـ 1964 صاحب المؤلفات العظيمة في تاريخ العلوم وفي الفلسفة الألمانية في القرنين السادس عشر والسابع عشر عشره ثم أندريه لالاند 1867 ـ 1963 عالم النفس والأستاذ بجامعة رن ، ومن الأساتذة المصريين تتلمذ خصوصاً على الشيخ مصطفى عبد الرازق 1883 ـ 1947 الذي كان مثلا كاملا للإنسان نبالة نفس ومكارم أخلاق كما كان عالما بالعلوم الإسلامية متعمقاً في قراءة النصوص الإسلامية مع إلمام بالفكر الأوروبي .
كما أفاد إفادة جلى في ميدان الدراسات الإسلامية على نهج المستشرقين من باول كراوس 1900 ـ 1944 الذي كان يدرس في قسم اللغة العربية فقه اللغات السامية كما كان يلقي محاضرات على طلاب الماجستير في تحقيق النصوص والنقد التاريخي ، وكان كراوس مهتما بالتراث اليوناني في العالم الإسلامي وبجابر بن حيان ومحمد بن زكريا الرازي بخاصة فكانت لكراوس اليد الطولى في توجيهه في ميدان انتقال التراث اليوناني إلى العام الإسلامي بفضل علمه الهائل ومنهجه الفيلولوجي الدقيق ومكتبته الحافلة بأعمال المستشرقين خصوصا الأبحاث المفردة منها.
وفي 15 أكتوبر سنة 1938 عين بدوي معيداً في قسم الفلسفة بكلية الآداب بالجامعة المصرية (القاهرة الآن) وتولى مساعدة الأستاذ لالاند فيما كان يلقيه من دروس على طلاب الليسانس في مادتي مناهج البحث وما بعد الطبيعة كما قام منذ يناير سنة 1939 بتدريس تاريخ الفلسفة اليونانية وشرح نصوص فلسفية بالفرنسية لطلاب قسم الفلسفة .
وفي الوقت نفسه حضر رسالة الماجستير تحت إشراف لالاند ثم كواريه وكتبها باللغة الفرنسية ونوقشت في نوفمبر سنة 1941 وكان موضوعها : (مشكلة الموت في الفلسفة الوجودية) وقد طبعت هذه الرسالة في سنة 1964 بالفرنسية في مطبعة المعهد الفرنسي للآثار الشرقية بالقاهرة ضمن منشورات كلية الآداب جامعة عين شمس.
وابتداء من العام الدراسي 1941 / 1942 قام بتدريس المنطق وجانب من تاريخ الفلسفة اليونانية وفي السنة التالية بدأ بتدريس مناهج البحث العلمي إلى جانب المنطق ونصوص في الفلسفة اليونانية واستمر على ذلك إلى أن ترك جامعة فؤاد إلى جامعة إبراهيم ( عين شمس حاليا) في صيف سنة 1950.
وكما قلنا من قبل ألف رسالة للحصول على الدكتوراه بعنوان (الزمان الوجودي) في سنة 1943 وناقشها في 29 مايو سنة 1944 وحصل بذلك على درجة الدكتوراه في الآداب من قسم الفلسفة بجامعة فؤاد الأول (القاهرة حاليا) وقد نشرت هذه الرسالة في سنة 1945 وكان معها ملخص واف باللغة الفرنسية ، وفي أثر ذلك عين مدرساً بقسم الفلسفة بكلية الآداب جامعة فؤاد في أبريل سنة 1945 ثم صار أستاذا مساعداً في نفس القسم والكلية في يوليو سنة 1949 .
وانتقل إلى كلية الآداب جامعة إبراهيم باشا الكبير (جامعة عين شمس حاليا) في 19 سبتمبر سنة 1950 لينشىء قسم الفلسفة بها وتولى رئاسة القسم منذ هذا التاريخ إلى أن ترك جامعة عين شمس في أول سبتمبر سنة 1971 وفي 28 يناير سنة 1959 صار أستاذاً ذا كرسي في هذه الكلية ، وفي المدة من 1947 إلى 1949 كان معاراً أستاذاً للفلسفة الإسلامية في كلية الآداب العليا التابعة للجامعة الفرنسية في بيروت (لبنان) التابعة بدورها لجامعة ليون بفرنسا ، وعمل مستشارا ثقافيا ومديرا للبعثة التعليمية في برن عاصمة سويسرة في المدة من مارس سنة 1956 حتى نوفمبر سنة 1958.
وفي فبراير سنة 1967 انتدب أستاذاً زائراً لإلقاء محاضرات في قسم الفلسفة وفي معهد الدراسات الإسلامية في كلية الآداب (السوربون) بجامعة باريس وظل في عمله هذا حتى مايو سنة 1967 وكانت ثمرة هذه المحاضرات كتابه بالفرنسية La Transmission de la Philosophie grecque au monde arabe الذي طبع في سنة 1968 لدی الناشر Vrin في باريس ضمن مجموعة دراسات في العصور الوسطى التي كان يشرف عليها اتيين حلسون عضو الأكاديمية الفرنسية وأعظم باحث معاصر في تاريخ الفلسفة في العصر الوسيط.
ثم عمل في كلية الآداب بالجامعة الليبية ببنغازي ست سنوات 1967 ـ 1973 أستاذا للمنطق والفلسفة المعاصرة ، ثم عمل أستاذاً في كلية الإلهيات والعلوم الإسلامية بجامعة طهران في العام الدراسي 1973 ـ 1974 أستاذا للتصوف الإسلامي والفلسفة الإسلامية لطلاب الدراسات العليا مع إلقاء محاضرات عامة في التصوف الإسلامي على أساتذة الكلية وطلابها مرة كل يوم أحد في كل أسبو ع وهي التي تمخض عنها كتابه تاريخ التصوف الإسلامي من البداية حتى القرن الثاني للهجرة (الكويت سنة 1975).
ثم انتقل إلى جامعة الكويت من سبتمبر سنة 1974 أستاذا للفلسفة المعاصرة والمنطق والأخلاق والتصوف في كلية الآداب ولا يزال في هذا المنصب حتى كتابة هذه السطور ، ولكنه في أثناء هذا كله كان يوالي إنتاجه في الفلسفة وفي الأدب منذ أن بدأه في سبتمبر سنة 1939 لما أن أصدر كتابه الأول نيتشه (القاهرة سبتمبر سنة 1939) ، وقد بلغ عدد مؤلفاته التي أصدرها حتى الآن أكثر من مائة وعشرين كتابا منها خمسة مجلدات باللغة الفرنسية إلى جانب مئات المقالات والأبحاث التي ألقاها في المؤتمرات العلمية الدولية باللغات العربية والفرنسية والإنجليزية والألمانية والأسبانية وسيجد القارىء ثبتا بهذه المؤلفات في نهاية هذه المادة.
وشارك في السياسة الوطنية فكان عضوا في حزب مصر الفتاة 1938 ـ 1940 ثم عضواً في اللجنة العليا للحزب الوطنى الجديد 1944 ـ 1952 ، واختير عضوا في لجنة الدستور التي كلفت في يناير سنة 1953 بوضع دستور جديد لمصر وكانت تضم صفوة السياسيين والمفكرين والقانونيين (خسين عضواً) وأسهم خصوصاً في وضع المواد الخاصة بالحريات والواجبات ، وأتمت اللجنة وضع الدستور في أغسطس سنة 1954 لكن القائمين على الثورة لم يأخذوا به لما فيه من تقرير وضمانات للحريات والحكم الديموقراطي السليم ووضعوا بدلا منه دستور سنة 1956 الذي صادر الحريات وكان سندا للطغيان الذي استقر بعد ذلك لعدة سنوات “.