عصر الولاة الجزء الخامس

41 / العقيدة الطحاوية 

(العقيدة الطحاوية) هو عنوان أهم كتاب في العقيدة الإسلامية والمعتمد لدى كافة مذاهب أهل السنة والجماعة وهو من تصنيف واحد من علماء الإسلام الأوائل ومن كبار المؤلفين في عصر الولاة ، وهو الإمام أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن سلمة الأزديّ الطحاوي والذي ولد في قرية طحا بالصعيد في عام 239 هـ / 853 م. وتوفي في الفسطاط عام 321 هـ / 933 م. بعد حياة حافلة ..

وينتمي الإمام إلى قبيلة الأزد العربية صاحبة القوة والمنعة في صعيد مصر وهو من فرع حجر بن عمران وعرفت أسرته بالعلم والتقوى حيث اشتهر من عشيرته المحدث عبد الغني بن سعيد الأزدي وكذلك والده محمد بن سلامة الأزدي من أهل الأدب والفضل ، تعلم على يد والدته التي كانت معروفة بالفقه والصلاح ثم التحق بحلقة الإمام أبي زكريا يحيى بن محمد بن عمروس حيث حفظ القرآن وأتقن الكتابة ..

بعد ذلك جلس في حلقة والده واستمع منه جانبا من العلم ثم تتلمذ على يد خاله أبي إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني صاحب الإمام الشافعي فتعلم علم الحديث ورجاله وسنن الشافعي ثم سمع من شيوخ عصره أمثال يونس بن عبد الأعلى ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم والربيع بن سليمان المرادي وهارون بن سعيد الأيلي ، ثم تتلمذ علي يد ابن أبي عمران الحنفي وتبحر في الفقه حتى صار واحدا من أئمة المذهب ..

قال عنه ابن كثير : « الفقيه الحنفي صاحب التصانيف المفيدة والفوائد الغزيرة وهو أحد الثقات الأثبات والحفاظ الجهابذة » ، وقال ابن يونس المصري : « كان ثقة ثبتاً فقيهاً عاقلاً لم يخلف مثله » ، وقال ابن الجوزي : « الإمام العلامة الحافظ الكبير محدّث الديار المصرية وفقيهها » ، وقال تاج الدين السبكي عن كتابه (جمهور المذاهب الأربعة على الحق يقرؤون عقيدة الطحاوي التي تلقاها العلماء سلفاً وخلفاً بالقبول) ..

وهو صاحب الضريح المعروف في شارع الإمام الليث بقرافة الإمام الشافعي وبجوار مقابر بني الأشعث ، والضريح عبارة عن مستطيل ينقسم إلى مربعين يفصل بينهما عقد دائرى ويشغل المربع الجنوبي منهما قبر الإمام الطحاوى وتعلوه قبة تقوم على أربعة مقرنصات كبيرة في أركان المربع ويعلو كل مقرنص من جانبيه مثلثان ، وتفصل هذه المثلثات التي يبلغ عددها ثمانية القبة عن مربع الضريح وقد فتح في القبة ثمانية نوافذ معقودة وزخرفت من الخارج برسوم هندسية محفورة في الحجر على شكل متعرج.

وفي مقدمة كتابه أحكام القرآن يشرح منهجه الفقهي والأصولي حيث جاء فيها : ” قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ سَلَامَةَ الْأَزْدِيُّ الطَّحَاوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ : الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى مَا أَوْضحَ لَنَا مِنْ بُرْهَانِهِ وَبَيَّنَ لَنَا مِنْ فُرْقَانِهِ وَهَدَانَا إِلَيْهِ مِنْ نُورِ كِتَابِهِ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى الَّلهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِاللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ الْمُبِينِ وَأَنْهَجَ بِهِ الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ وَجَعَلَهُ مُهَيْمِنًا عَلَى مَا قَبْلَهُ مِنَ الْكُتُبِ الَّتِي أَنْزَلَهَا عَلَى النَّبِيَّينَ صَلَّى الله عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ.

أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنَّ اللهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنْزَلَ عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيمَا أَنْزَلَ عَلَيْهِ فِي كِتَابِهِ {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} فَأَعْلَمَنَا عَزَّ وَجَلَّ بِذَلِكَ أَنَّ مِنْ كِتَابِهِ آيَاتٍ مُحْكَمَاتٍ قَدْ أَحْكَمَهَا بِالتَّأْوِيلِ مَعَ حِكْمَةِ التَّنْزِيلِ وَأَنَّهَا أُمُّ الْكِتَابِ.

وَأَنَّ مِنْ كِتَابِهِ آيَاتٍ مُتَشَابِهَةً ثُمَّ ذَمَّ مُبْتَغِي الْمُتَشَابِهَاتِ فَقَالَ : {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} لِأَنَّ حُكْمَ الْمُتَشَابِهَاتِ إِنَّمَا يُلْتَمَسُ مِنَ الْآيَاتِ الْمُحْكَمَاتِ الَّتِي جَعَلَهَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لِلْكِتَابِ أُمًّا ثُمَّ مِنْ أَحْكَامِهِ الَّتِي أَجْرَاهَا عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِبْيَانًا لِمَا أُنْزِلَ فِي كِتَابِهِ مُتَشَابِهًا.

وَأَمَرَ عَزَّ وَجَلِّ بِقَبُولِ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلًا كَمَا أَمَرَ بِقَبُولِ كِتَابِهِ مِنْهُ قُرْآنًا، فَقَالَ عَزَّ وَجَلَ ّ: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} ، {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ} وَقَالَ : {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} فَأَوْجَبَ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْنَا بِذَلِكَ قَبُولَ مَا أَتَانَا بِهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلًا كَمَا أَوْجَبَ قَبُولَ مَا تَلَاهُ عَلَيْنَا قُرْآنًا “.

ثم يستعرض عددا من المسائل التي يجب توضيح المحكم والمتشابه فيها ويعقب بعدها قائلا : ” وَقَدْ أَلَّفْنَا كِتَابَنَا هَذَا نَلْتَمِسُ فِيهِ كَشْفَ مَا قَدَرْنَا عَلَى كَشْفِهِ مِنْ أَحْكَامِ كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَاسْتِعْمَالَ مَا حَكَيْنَا فِي رِسَالَتِنَا هَذِهِ فِي ذَلِكَ ، وَإِيضَاحَ مَا قَدَرْنَا عَلَى إِيضَاحِهِ مِنْهُ وَمَا يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ فِيهِ بِمَا أَمْكَنَنَا مِنْ بَيَانِ مُتَشَابِهِهِ بِمُحْكَمِهِ.

وَمَا أَوْضَحَتْهُ السُّنَّةُ مِنْهُ وَمَا بَيَّنَتْهُ اللُّغَةُ الْعَرَبِيَّةُ مِنْهُ وَمَا دَلَّ عَلَيْهِ مِمَّا رُوِيَ عَنِ السَّلَفِ الصَّالِحِ مِنَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ وَمَنْ سِوَاهُمْ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَابِعِيهِمْ بِإِحْسَانٍ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ ، وَاللهَ نَسْأَلُهُ الْمَعُونَةَ عَلَى ذَلِكَ وَالتَّوْفِيقَ لَهُ، فَإِنَّهُ لَا حَوْلَ لَنَا وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِهِ، وَهُوَ حَسْبُنَا وَنِعْمَ الْوَكِيلُ “.

وقد ترجم له ابن خلكان في وفيات الأعيان فقال : ” الطحاوي ..  أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن عبد الملك الأزدي الطحاوي الفقيه الحنفي انتهت إليه رياسة أصحاب أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه بمصر ، وكان شافعي المذهب يقرأ على المزني فقال له يوماً : والله لا جاء منك شيء ، فغضب أبو جعفر من ذلك وانتقل إلى أبي جعفر ابن أبي عمران الحنفي واشتغل عليه فلما صنف مختصره قال : رحم الله أبا إبراهيم – يعني المزني – لو كان حياً لكفر عن يمينه.

وذكر أبو يعلى الخليلي في كتاب (الإرشاد) في ترجمة المزني أن الطحاوى المذكور كان ابن أخت المزني وأن محمد بن أحمد الشروطي قال : قلت للطحاوي : لم خالفت خالك واخترت مذهب أبي حنيفة فقال : لأني كنت أرى خالي يديم النظر في كتب أبي حنيفة فلذلك انتقلت إليه ، وصنف كتباً مفيدة منها أحكام القرآن واختلاف العلماء ومعاني الآثار والشروط ، وله تاريخ كبير وغير ذلك.

وذكره القضاعي في كتاب (الخطط) فقال : كان قد أدرك المزني وعامة طبقته وبرع في علم الشروط وكان قد استكتبه أبو عبيد الله محمد بن عبدة القاضي وكان صعلوكاً فأغناه وكان أبو عبيد الله سمحاً جواداً ثم عدله أبو عبيد علي بن الحسين بن حرب القاضي عقيب القضية التي جرت لمنصور الفقيه مع أبي عبيد وذلك في سنة ست وثلثمائة ، وكان الشهود يتعسفون عليه بالعدالة لئلا تجتمع له رياسة العلم وقبول الشهادة وكان جماعة من الشهود قد جاوروا بمكة في هذه السنة فاغتنم أبو عبيد غيبتهم وعدل أبا جعفر المذكور بشهادة أبي القاسم المأمون وأبي بكر بن سقلاب.

وكانت ولادته سنة ثمان وثلاثين ومائتين وقال أبو سعد السمعاني : ولد سنة تسع وعشرين ومائتين وهو الصحيح وزاد غيره فقال : ليلة الأحد لعشرخلون من ربيع الأول ، وتوفي سنة إحدى وعشرين وثلثمائة ليلة الخميس مستهل ذي القعدة بمصر ودفن بالقرافة وقبره مشهور بها ، وتوفي والده سنة أربع وستين ومائتين رحمه الله تعالى ، ونسبته إلى طحا – بفتح الطاء والحاء المهملتين، وبعدهما ألف – وهي قرية بصعيد مصر، وإلى الأزد – بفتح الهمزة وسكون الزاء المعجمة وبالدال المهملة – وهي قبيلة مشهورة من قبائل اليمن “..

وذكره ابن النديم في كتابه الفهرست فقال : ” الطحاوي .. أبو جعفر احمد بن محمد بن سلمة بن سلامة بن عبد الملك الأزدي الطحاوي من قرية من قرى مصر يقال لها طحا وبلغ من السن ثمانين سنة وكان السواد أغلب على لحيته من البياض يتفقه على مذهب أهل العراق وكان أوحد زمانه علما وزهدا ويقال انه تعمل لأحمد بن طولون كتابا في نكاح ملك اليمين يرخص له في نكاح الخدم والله أعلم وتوفي سنة اثنتين وعشرين وثلثمائة.

وله من الكتب كتاب الاختلاف بين الفقهاء وهو كتاب كبير لم يتمه والذي خرج منه نحو ثمانين كتابا على ترتيب كتب الاختلاف على الولاء ولا حاجة بنا إلى ذكرها وله بعد ذلك من الكتب كتاب الشروط الكبير كتاب الشروط الصغير كتاب المختصر الصغير كتاب المختصر الكبير كتاب شرح الجامع الكبير لمحمد كتاب شرح الجامع الصغير كتاب المحاضر والسجلات كتاب الوصايا كتاب الفرائض كتاب شرح مشكل أحاديث رسول الله ﷺ نحو الف ورقة كتاب نقض كتاب المدلسين على الكرابيس كتاب أحكام القرآن كتاب شرح معاني الآثار كتاب العقيدة كتاب التسوية بين حدثنا وأخبرنا صغير “.

42 / كتاب فيمن دخل مصر من الصحابة

أول من كتب في تاريخ الصحابة في مصر هو الإمام أبو عبد الله محمد بن الربيع بن سليمان الأزدي الجيزي وذلك تحت عنوان (كتاب فيمن دخل مصر من الصحابة) وذكر فيه تراجم لأكثر من مائة وأربعين من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم ممن دخلوا مصر مع الفتح الإسلامي أو بعده ، وقد ظل الكتاب متداولا بين الفقهاء والمحدثين حتى القرن التاسع الهجري عندما قام الإمام السيوطي بإعادة ترتيبه وإضافة مزيد من التراجم إليه وأطلق عليه (در السحابة فيمن دخل مصر من الصحابة).

وقد ولد محمد بن الربيع بالفسطاط في عام 239 هـ / 854 م وتوفي فيها عام 324 هـ / 936 م وألف كتابا آخر هو أخبار قضاة مصر وقد روى عنه الكندي في كتابه الولاة والقضاة في مواضع كثيرة ، ووالده هو الإمام الربيع بن سليمان بن داود الجيزي الأعرج تلميذ الإمام الشافعي والمتوفي بالجيزة عام 256 هـ / 870 م ، وهم من موالي قبيلة الأزد العربية وهي واحدة من القبائل التي أسست مدينة الجيزة في زمن الفتح الإسلامي.

ذكره ابن يونس الصدفي في كتابه تاريخ المصريين فقال : ” محمد بن الربيع بن سليمان مولى الأزد يعرف بمغيث يكنى أبا عبد الله يروى عن عبد الملك بن إبراهيم الحلبى ” ، وذكره الذهبي تاريخ الاسلام وفيات 324 هـ فقال : ” محمد بْن الرَّبِيع بْن سُلَيْمَان بْن دَاوُد الجيزي الْمَصْرِيّ أَبُو عَبْيد اللَّه ولد سنة تسع وثلاثين ومائتين وسمع مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وغيره وقد سمع من أَبِيهِ وهارون الأيلي ، وعنه : إِبْرَاهِيم بْن علي التمار وعلي بْن محمد الحلبي وأبو بَكْر بْن المقرئ وغيرهم ، توفي فِي ربيع الأول “.

وذكره أبو الطيب المنصوري في كتابه )إرشاد القاصي والداني إلى تراجم شيوخ الطبراني) فقال : ” محمد بن الربيع بن سليمان بن داود أبو عبيد الله المصري الجِيزي ، حدث عن محمد بن عبد الله بن الحكم ويونس بن عبد الأعلى وبحر بن نصر وأبيه الربيع بن سليمان وهارون الأيلي وغيرهم ، وعنه : أبو القاسم الطبراني في (المعجمين) وابن الأعرابي وابن عدي وإبراهيم بن علي التمار وعلي بن محمد الحلبي وابن المقرئ وأبو الحسين بن فارس وغيرهم.

قال أبو الحسين بن جهضم : هو أحد المشهورين بالصدق والحديث والدين والعدالة ، وقال الدارقطني : كان من الشهود بمصر وكان مقدمًا فيهم شهد عند أبي عبيد على الحسن بن حرب وغيره ، وذكر ابن زولاق أنه كان من عيون المحدثين المسندين بمصر ، وذكره السيوطي فيمن كان بمصر من المؤرخين ، وقال الألباني : لم أعرفه ، ولد سنة تسع وثلاثين ومائتين ويقال سنة أربع وثلاثين ومات في شهر ربيع الأول سنة أربع وعشرين وثلاثمائة ، قلت : ثقة مؤرخ.

وجاء في كتاب حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة للسيوطي تفاصيل عن كتاب محمد بن الربيع فقال : ” ذكر من دخل مصر من الصحابة رضي الله عنهم .. قد ألف الإمام محمد بن الربيع الجيزي في ذلك كتابا في مجلد ذكر فيه مائة ونيفا وأربعين صحابيا وقد فاته مثل ما ذكر أو أكثر ، وقد ألفت في ذلك تأليفا لطيفا استوعبت فيه ما ذكره وزدت عليه ما فاته من تاريخ ابن عبد الحكم وتاريخ ابن يونس وطبقات ابن سعد وتجريد الذهبي وغيرها فزاد في العدة على ثلاثمائة وها أنا أسوق كتابي المذكور برمته ليستفاد وهو هذا :

در السحابة فيمن دخل مصر من الصحابة : الحمد لله حمدا كثيرا والصلاة والسلام على سيدنا محمد المبعوث بشيرا ونذيرا ، وبعد فقد ألف الإمام محمد بن الربيع الجيزي الذي والده صاحب الإمام الشافعي رضي الله عنه كتابا فيمن دخل مصر من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين في مجلد، فأورد منه مائة ونيفا وأربعين رجلا وأورد فيه أحاديثهم وما رواه أهل مصر وقد فاته جماعة لم يذكرهم ذكر بعضهم ابن عبد الحكم في فتوح مصر وبعضهم ابن يونس في تاريخ مصر وبعضهم ابن سعد في طبقاته.

وقد أردت أن ألخص كتاب محمد بن الربيع الجيزي وأضم إليه ما فاته مرفوعا عليه صورة وأرتبه على حروف المعجم ، وأزيد التراجم فأذكر الاسم والكنية واللقب واسم الأب والجد والنسب والسن والوفاة وما تفرد الصحابي بروايته وقد أُورِد نادرة أو غريبة أو كرامة ، وسميته : (در السحابة فيمن دخل مصر من الصحابة) ، والله أسأل التوفيق إنه ولي الإجابة وإليه الإنابة “.

وقد استشهد ابن حجر العسقلاني في كتابه رفع الإصر عن قضاة مصر بكتابات محمد بن الربيع في كتابه أخبار قضاة مصر فقال : ” وذكر أبو عُبَيد الله محمد بن الربيع الجيزي فِي كتابه أخبار قضاة مصر عن فضالة ابن المفضل بن فضالة عن أبيه قال : كتبت إِلَى مالك فِي حُبس عمير بن أبي مدرِك الخولاني أسأله عنه وكتبت لَهُ نسخته حرفاً بحرف وكتبت لَهُ إن الذين طلبوا إثبات الحٌبس هم من ولد البنين الذين كانوا أجازوا قضاء أبيهم فِيهِ واحتجوا بأن خير بن نعيم كتب لهم بإجازة الحُبس للآخر فالآخر من ولد البنين وأن القضاة قبلي لَمْ يقضوا لنساء البنين ولا لغيرهم فِيهِ بميراث.

واحتجّ مَن طلب أن يكون ميراثاً بأن جدهم لَمْ يصرفه بعد انقراضهم إِلَى شيء من وجوه الأحباس ، فكتب إليَّ : قَدْ نظرت فِي حبس ابن أبي مدرك وفيما احتج من أراد رده ميراثاً فوجدت فِي كتاب ابن أبي مدرك الَّذِي جاء بن بنوه وأقروا بِهِ وأنفذوه أن كل دار هي لَهُ حبس عَلَى بنيه وثلث فضل خراجها بعد مسكن بنيه فِي سبيل الله ، قال : والطاحونة مثل ذلك “.

وجاءت ترجمة والده في كتاب وفيات الأعين حيث يقول ابن خلكان : ” الربيع بن سليمان الجيزي أبو محمد الربيع بن سليمان بن داود بن الأعرج الأزدي بالولاء المصري الجيزي صاحب الشافعي رضي الله عنه ، لكنه كان قليل الرواية عنه وإنما روى عن عبد الله بن عبد الحكم كثيراً وكان ثقة وروى عنه أبو داود والنسائي.

قيل : إنه اجتاز يوماً بمصر فطرحت عليه إجانة رماد فنزل عن دابته وجعل ينفضه عن ثيابه ولم يقل شيئاً فقيل له : ألا تزجرهم ، فقال : من استحق النار وصولح بالرماد فقد ربح ، وتوفي في ذي الحجة سنة ست وخمسين ومائتين بالجيزة وقبره بها كذا قاله القضاعي في (الخطط) رحمه الله تعالى “.

43 / نظم الجوهر  

(نظم الجوهر) هو الاسم الذي اشتهر به كتاب التاريخ المجموع على التحقيق والتصديق والذي صنفه المؤرخ والطبيب سعيد بن بطريق الذي ولد في الفسطاط عام 263 هـ / 876 م وتوفي بالإسكندرية عام 328 هـ / 939 م وتولى بطريركية الروم الأرثوذكس في عام 321 هـ / 932 م حتى وفاته ولقب بلقب (أوثوشيوس) ويعني باليونانية السعيد ، ويعرف الكتاب أيضا بأسماء عدة منها : تاريخ سعيد بن بطريق ، تاريخ ابن بطريق أوتيخيوس ، نظم الجواهر في أخبار الأوائل والأواخر ، وقد تم إكمال الكتاب على يد ابنه يحيى بن سعيد.

ذكره ابن أبي أصيبعة في كتابه عيون الأنباء في طبقات الأطباء فقال : ” سعيد بن البطريق من أهل فسطاط مصر وَكَانَ طَبِيبا نَصْرَانِيّا مَشْهُورا عَارِفًا بِعلم صناعَة الطِّبّ وعملها مُتَقَدما فِي زَمَانه وَكَانَت لَهُ دراية بعلوم النَّصَارَى ومذاهبهم ومولده فِي يَوْم الْأَحَد لثلاث بَقينَ من ذِي الْحجَّة سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ لِلْهِجْرَةِ

وَلما كَانَ فِي أول سنة من خلَافَة القاهر بِاللَّه مُحَمَّد بن أَحْمد المعتضد بِاللَّه صير سعيد بن البطريق بطريركا على الْإسْكَنْدَريَّة وَسمي أوثوشيوس وَذَلِكَ لثمان خلون من شهر صفر سنة إِحْدَى وَعشْرين وثلاثمائة ولسعيد بن البطريق من الْعُمر نَحْو سِتِّينَ سنة.

وَبَقِي فِي الْكُرْسِيّ والرئاسة سبع سِنِين وَسِتَّة أشهر ، وَكَانَ فِي أَيَّامه شقَاق عَظِيم وَشر مُتَّصِل بَينه وَبَين شعبه ، واعتل سعيد بن البطريق بِمصْر بالإسهال ، وَكَانَ متميزا فِي صناعَة الطِّبّ فحدس أَنَّهَا عِلّة مَوته فَصَارَ إِلَى كرسيه بالإسكندرية وَأقَام بِهِ أَيَّامًا عدَّة عليلا وَمَات يَوْم الِاثْنَيْنِ سلخ رَجَب من سنة ثَمَان وَعشْرين وثلاثمائة.

ولسعيد بن البطريق من الْكتب كتاب فِي الطِّبّ علم وَعمل كناش ، كتاب الجدل بَين الْمُخَالف وَالنَّصْرَانِيّ ، كتاب نظم الْجَوْهَر ثَلَاث مقالات كتبه إِلَى أَخِيه عِيسَى بن البطريق المتطبب فِي معرفَة صَوْم النَّصَارَى وفطرهم وتواريخهم وأعيادهم وتواريخ الْخُلَفَاء والملوك الْمُتَقَدِّمين وَذكر البطاركة وأحوالهم وَمُدَّة حياتهم ومواضعهم وَمَا جرى لَهُم فِي ولايتهم ، وَقد ذيل هَذَا الْكتاب نسيب لسَعِيد بن البطريق يُقَال لَهُ يحيى بن سعيد بن يحيى وسمى كِتَابه كتاب تَارِيخ الذيل.

عِيسَى بن البطريق كَانَ طَبِيبا نَصْرَانِيّا عَالما بصناعة الطِّبّ علمهَا وعملها متميزا فِي جزئيات المداواة والعلاج مشكورا فِيهَا وَكَانَ مقَامه بِمَدِينَة مصر الْقَدِيمَة وَكَانَ هَذَا عِيسَى بن البطريق أَخا سعيد بن البطريق الْمُقدم ذكره وَلم يزل عِيسَى بِمَدِينَة مصر طَبِيبا إِلَى أَن توفّي بهَا “.

وذكره الزركلي في كتابه الأعلام وتحدث عن مؤلفاته فقال : ” سعيد بن البطريق طبيب مؤرخ من أهل مصر ، ولد بالفسطاط وأقيم بطريركا في الإسكندرية وسمي إنتيشيوس (Entychius) سنة 321 هـ وهو أول من أطلق اسم (اليعاقبة) على السريان الذين اتبعوا تعاليم يعقوب البرادعي المتوفى 578 م ، له نظم الجوهر في التاريخ والجدل بين المخالف والنصراني وعلم وعمل كناش في الطب “.

وفي مقدمة كتابه يوضح ابن بطريق سبب تأليفه له مستهلا ذلك بالتحدث إلى أخيه عيسى الطبيب فيقول : ” بسم الله الواحد الأبدي الأزلي السرمدي وبه نستعين ، كتاب التاريخ المجموع على التحقيق والتصديق تأليف البطريرك أفتيشيوس المكنى بسعيد ابن بطريق كتبه إلى أخيه عيسى في معرفة التواريخ الكلية من عهد آدم إلى سني الهجرة الإسلامية.

ألهمك الله يا أخي من الأمور البهية أحسنها وأوفقها وأصرف عنك من المحزنات الرديئة أعظمها وأوبقها وجللك من الستر أعمه ودام لك من العز أعظمه وأفاد في الدارين سهمك وفي الحالين قسمك وفهمك جميع ما يرضيه ولا أفرزك من حوله بما يستقصيه ، فهمتُ ما أمرت برسمه لك أسعدك الله بلبوس الفضيلة وطهرك من التردي بإطمار الرذيلة في معرفة التواريخ الكلية من عهد آدم إلى سني الهجرة الإسلامية وبرهنت ذلك على ممر الشهور والدهور والأعوام لتستغني بمعرفته عن سؤالك لكل واحد من الخاص والعام.

ورسمت لك أنهج الله لك أفسح السبيل إلى السعادة وعؤفك في كل حين أبلغ العلم والإفادة رسما وأنموذجا وكيدا وجعلته مختصرا مفيدا ، وبقدر ما رأيته مشاكلا لعلو نفسك الشريفة ومطابقا لذكاء فطنتك العالية المنيفة من الإيجاز والتقريب مما جمعته من التوراة والإنجيل وباقي الكتب القديمة والمحدثة وضممته كتابي هذا وجعلته أخير مطلبا وأصدق مذهبا وبلغت فيه مبلغا يرتضيه ذو لب ويكتفي به ذو فهم وأوضحت لك ولإخوانك إيضاحا يوجب لنا ولك أجرا وخيرا “. 

والكتاب مرجع هام يساعد في فهم تاريخ الديانة المسيحية ومذاهبها المختلفة ومجامعها الأولى وذلك في سرد تاريخي متتابع بالتوازي مع تاريخ الدولة الرومانية الشرقية (البيزنطية) وصراعها مع دولة الفرس الساسانيين ، ويضم الكتاب فصولا تتحدث عن نتائج مجمع خلقدونية والذي أدى إلى حدوث الانفصال الكبير بين مذهب الدولة الرسمي (الروم الأرثوذكس) المعروف باسم المذهب الملكاني وبين مذهب الأقباط الأرثوذكس في مصر والسريان الأرثوذكس في الشام الذي أطلق عليه في كتابه اسم المذهب اليعقوبي نسبة للأسقف السرياني يعقوب البرادعي.

ويشرح ابن بطريق في كتابه الفارق اللاهوتي الجوهري في مسألة العقيدة حيث كان مذهبه يتبنى فكرة وجود طبيعتين للمسيح إحداهما إلهية والأخرى بشرية فعرضها بشكل فلسفي وفند بالحجة والمنطق مذهب الطبيعة الواحدة واصفا إياه بالفساد والبطلان ، وذكر بداية ذلك الخلاف اللاهوتي والذي نشأ من توصيف السيدة مريم العذراء حيث يصر المشرقيون من اليعاقبة تسميتها بوصف (أم الإله) بينما ينكر الملكانيون ذلك ويطلقون عليها وصف (أم المسيح) وقد عرض ذلك من خلال التفكير المنطقي والتحليل الفلسفي.

ويقول في ذلك موضحا موقفه من الأساقفة المخالفين : ” قال سعيد بن بطريق المتطبب : إن أئمة الضلالة أعني نسطوريوس وأفتيشيوس وديسقورس وسويرس ويعقوب البرادعي وأشياعهم وغيرهم من المخالفين الذين أرادوا إقامة أهوائهم الزائفة من خشية الله وزاغوا عن سبيل الحق وعن الحق بسوء رأيهم جرأة على الله وغرقتهم ضمائرهم الخبيثة وهممهم الفاسدة في بحر الضلالة وهم جميعا فيما ارتطموا فيه من ضلالتهم يهمزون جهلا منهم باتحاد لاهوت سيدنا المسيح بناسوته وسقط كل واحد منهم في وجه من وجوه الخلطة فتمسك به وقد رأيت أن أوضح وجوه الخلطة وأبين ذلك لتقف على فساد قولهم وبالله القوة “.

وذكر عدة وقائع تاريخية منها حدوث شقاق بين القبط والروم بسبب التفاوض مع العرب أثناء حصار حصن بابليون فيقول : ” فخرجوا الروم ومعهم المقوقس وجماعة من أكابر القبط من باب القصر القبلي ودونهم جماعة يقاتلون العرب فركبوا المراكب ولحقوا بالجزيرة موضع الصناعة اليوم وقطعوا الجسر وكان ذلك في وقت جري النيل ، ثم أرسل المقوقس إلى عمرو بن العاص وأصحابه يقول لهم : إنكم قوم قد دخلتم بلادنا وألححتم على قتالنا وطال مقامكم في أرضنا وقد أحاط بكم النيل وإنما أنتم أسارى في أيدينا فابعثوا إلينا رجلا من قبلكم نسمع كلامكم فلعله يجري الأمر فيما بيننا وبينكم على ما تحبون ونحب وينقطع عنا وعنكم هذا القتال.

فلما أتت رسل عمرو بن العاص رسل المقوقس وجه معهم بعبادة بن الصامت وكان عبادة أسودا فلما دخل على المقوقس أدنا مجلسه وقال له : ما الذي تريدون منا فبينه لنا ، فقال له عبادة : إنه ليس بيننا وبينكم إلا إحدى ثلاث خصال فاختر أيها شئت وبذلك أمرني الأمير وبذلك أمره أمير المؤمنين إما أن تدخلوا في ديننا الإسلام وكنتم إخواننا وكان لكم ما لنا وعليكم ما علينا ورجعنا عن قتالكم ولم نستحل أذاكم ولا التعرض لكم فإن أبيتم فأدوا لنا الجزية ما نرضى به ونحن وأنتم في كل عام أبدا ما بقينا وبقيتم ونقاتل عنكم من ناوأكم وعرض لكم في شيء من أراضيكم ودمائكم وأموالكم ونقوم بذلك عنكم إذ كنتم في ذمتنا وكان لكم بذلك عهد علينا وإن أبيتم فليس بيننا وبينكم إلا المحاكمة بالسيف حتى نموت عن آخرنا أونصيب ما نريد منكم.

فقال المقوقس : أما الدخول في دينكم فهذا ما لا يكون وأما الصلح فقد رضيت به لنفسي وأصحابي القبط فأبى الروم أن يجيبوا إلى الصلح وقالوا : لا نفعل هذا أبدا ، وإنما فعل المقوقس هذا مكرا منه وخديعة حتى أخرج الروم من الحصن ثم رضي بالصلح ليسلم له ما أخذ من المال “. 

44 / كتاب الانتصار

(ابن ولاد) هو اللقب الذي عرفت به عائلة من أشهر النحويين في مصر في القرن الثالث الهجري ، وأولهم هو الوليد بن محمد التميمي المعروف بلقب ولاد المتوفي عام 263 هـ وثانيهم هو ابنه محمد بن الوليد مؤلف كتاب (المنمق في النحو) والمتوفي عام 298 هـ وثالثهم الحفيد وهو أبو العباس أحمد بن محمد بن ولاد المتوفي عام 332 هـ / 944 م والذي جمع علمهم واشتغل بالتأليف والتصنيف واشتهر عند الأمراء والعلماء وهومؤلف كتاب المقصور والممدود وكتاب الانتصار لسيبويه على المبرد.

ويشرح في كتابه الانتصار سبب تأليفه له فيقول : ” كتاب الانتصار أو كتاب نقض ابن ولاد على المبرد في رده على سيبويه في الكتاب ، بسم الله الرحمن الرحيم قال أبو العباس أحمد بن محمد بن ولاد النحوي : هذا كتاب نذكر فيه المسائل التي زعم أبو العباس محمد بن يزيد أن سيبويه غلط فيها ونبينها ونرد الشبه التي لحقت فيها.

ولعل بعض من يقرأ كتابنا هذا ينكر ردنا على أبي العباس وليس ردنا عليه بأشنع من رده على سيبويه فإنه رد عليه برأي نفسه ورأي من دون سيبويه ومع ردنا عليه فنحن معترفون بالانتفاع به لأنه نبه على وجوه السؤال ومواضع الشك إلا أنه إذا تبين الحق كان أولى بنا وأعود بالنفع علينا ، وبالله التوفيق “.

وفي كتابه المقصور والممدود يبين منهجه في علم النحو قائلا : ” بسم الله الرحمن الرحيم قال أبو العباس أحمد بن محمد بن الوليد بن ولاّد : هذا كتاب نذكر فيه المقصور والممدود ما كان منه مقيساً وغير مقيس مؤلفا على حروف المعجم ليقرب وجود الحرف على طالبه ويسهل استخراجه من موضعه.

وابتدأنا في هذا الكتاب بما كان متفرّقاً منثوراً مما لا حدّ له يحصره ولا قياس بجمعه لأنّ طريقه التي يعلم منها السّماع فقط والمسألة عنه أكثر والعناية به من السائل أشدُّ وما كانت هذه حاله فعلى المخبر أن يجعله في أول خبره ويقدمه في صدر كلامه وإن وقع الباب مقصور له نظير من الممدود أو حرف يقصر ويمد قدمناه في أوله ثم نتبعه المقصور الذي لا نظير له من الممدود ثم الممدود الذي هذه سبيله وإذا تمت الحروف ذكرنا ما كان مقيساً من المقصور والممدود ثم تأتي بتثنيته وجمعه وهجائه “.

وقد جاءت ترجمة المؤلف في كتاب معجم الادباء حيث يقول ياقوت الحموي : ” أحمد بن محمد بن الوليد بن محمد يعرف بولاد : من أهل بيت علم ولأبيه وجده ذكر في هذا الكتاب وتراجم في مواضعها ، وكنية أحمد هذا أبو العباس مات فيما ذكره الزبيدي في كتابه سنة اثنتين وثلاثمائة.

قال : وكان بصيرا بالنحو أستاذا فيه ورحل إلى بغداد من موطنه مصر ولقي إبراهيم الزجاج وغيره وكان الزجاج يفضّله ويقدمه على أبي جعفر النحاس وكانا جميعا تلميذيه ، وكان الزجاج لا يزال يثني عليه عند كلّ من قدم إلى بغداد من مصر ويقول لهم : لي عندكم تلميذ من حاله وصفته كذا فيقال له : أبو جعفر النحاس ، فيقول : بل أبو العباس ابن ولاد.

قال : وجمع بعض ملوك مصر بين ابن ولاد وابن النحاس وأمرهما بالمناظرة فقال ابن النحاس لابن ولاد : كيف تبني مثال افعلوت من رميت فقال ابن ولاد : أقول ارمييت ، فخطأه أبو جعفر وقال : ليس في كلام العرب افعلوت ولا افعليت ، فقال أبو العباس : إنما سألتني أن أمثّل لك بناء ففعلت وإنما تغفّله أبو جعفر بذلك.

قال الزبيدي : ولقد أحسن في قياسه حين قلب الواو ياء ، وقد كان أبو الحسن سعيد بن مسعدة الأخفش يبني من الأمثلة ما لا مثال له في كلام العرب ، وله كتاب المقصور والممدود وكتاب الانتصار لسيبويه فيما ذكره المبرد “.

وذكره القفطي في كتابه إنباه الرواة على أنباه النحاة فقال : ” أحمد بن محمد بن الوليد ولّاد أبو العباس النحوىّ التميمىّ المصرىّ أصله من البصرة وانتقل جدّه إلى مصر وهو نحوىّ ابن نحوىّ ابن نحوىّ.

وكان نحوىّ مصر وفاضلها خرج إلى العراق وسمع من أبى إسحاق الزّجّاج وطبقته ورجع إلى مصر وأقام بها يفيد ويصنّف إلى أن مات رحمه الله ، وله سماع كثير وكان يقول : ديوان رؤبة رواية لى عن أبى عن جدّى.

وروى أبو العباس عن أبيه عن جدّه قال : كان رؤبة بن العجّاج يأتى مكتبنا بالبصرة فيقول : أين تميميّنا ؟ فأخرج إليه ولى ذؤابة فيستنشدنى شعره.

ولأبى العباس كتاب الانتصار لسيبويه من المبرّد وهو من أحسن الكتب ، وكان أبو العباس ممّن أتقن الكتاب على الزجّاج وفهمه وكان أبو إسحاق يسأله عن مسائل فيستنبط لها أجوبة يستفيدها أبو إسحاق منه ، وله كتاب المقصور والممدود على حروف المعجم وقد كان قد أملى كتابا فى معانى القرآن وتوفّى ولم يخرج منه إلا بعض سورة البقرة “.

وجاءت ترجمة والده في كتاب معجم الأدباء حيث يقول ياقوت الحموي : ” محمد بن ولاد .. هكذا اشتهر وقيل هو ابن الوليد أبو الحسين التميمي النحوي : أخذ بمصر عن أبي علي الدينوري ختن ثعلب ثم رحل إلى العراق وأخذ عن المبرد وثعلب وكان جيّد الخط والضبط وفيه عرج وغلب عليه الشيب.

وتزوج الدينوري أمه ، وله كتاب في النحو سماه (المنمّق) لم يصنع فيه شيئا.وكتاب المقصور والممدود وغير ذلك ، وكان المبرد لا يمكن أحدا من نسخ (كتاب سيبويه) من عنده فكلم ابن الولاد المبرد في نسخه على شيء سماه له فأجابه فأكمل نسخه وأبى أن يعطيه شيئا حتى يقرأه عليه ، فغضب المبرد وسعى به إلى بعض خدم السلطان ليعاقبه على ذلك فالتجأ ابن ولاد إلى صاحب الخراج ببغداد وكان يؤدب ولده فأجابه ثم ألحّ على المبرد حتى اقرأه الكتاب.

مات ابن ولاد سنة ثمان وتسعين ومائتين وقد بلغ الخمسين ، ومن شعره : إذا ما طلبت أخا مخلصا .. فهيهات منك الذي تطلب .. فكن بانفرادك ذا غبطة .. فما في زمانك من يصحب “.

وذكره القفطي في كتابه إنباه الرواة على أنباه النحاة فقال : ” محمد بن الوليد (والوليد يعرف بولّاد) المصرىّ النحوىّ التميمىّ صاحب التصانيف فاضل كامل نبيل رحل فى طلب النحو إلى بغداد وقرأ كتاب سيبويه على المبرّد.

وكانت له فيه قصة ، كان يأخذ من ابن المبرّد كراسة كراسة ينسخها ويدفع له درهما وذلك خفية من المبرّد لأنه كان يبخل بالكتاب ، فطلب المبرّد يوما بعض الكراريس فلم يجدها وكشف أمرها فوقف على ما جرى فركب إلى صاحب الجيش وذكر له أن رجلا غريبا استغوى ابنه وأخذ بعض كتبه فأحضر ، وكان له صديق له جاه، فسيّر إلى صاحب الجيش ألّا يعرض له إلا بخير فلما عرف موضعه عنّف أبا العباس وقبح له ما جرى فاعتدر بأنه لم يعرفه وأقرأه الكتاب بعد ذلك ، وكان المبرّد لا يقرىء الكتاب إلا بمائة دينار فإذا اجتمعت له من جماعة أو من واحد لم يحضر ذلك غير من وزن.

ولما عاد ابن ولّاد إلى مصر وتصدّر لإقراء العلم وحضرته الوفاة – رحمه الله – أوصى أن يدفن معه كتاب سيبويه ، وصار الكتاب بعد موته إلى ابنه أبى العباس وانتقل بعد موته إلى رجل يعرف بالدقّاق كان جمّاعة للكتب ابتاعه بمائة دينار من ورثة أبى العباس ومات الدقاق فانتقل بعده الكتاب إلى خزانة الوزير أبى الفضل جعفر بن الفضل بن حنزابة بن الفرات وزير الإخشيد “.

وجاءت ترجمة الجد في كتاب إنباه الرواة فقال : الوليد بن محمد التميمىّ المصرىّ أصله بصرىّ ونشأ بمصر ورحل إلى العراق لطلب العلم وسمع عن العلماء وقتا من كتبهم الحسان وعاد إلى مصر ولم يكن بمصر شىء كبير من كتب النحو واللغة قبله.

وقيل إنه خرج فى أوّل أمره إلى مكة فحج وجاء إلى المدينة، فزار قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأى بالمدينة نحويا متصدرا لإفادة النحو وهو المهّلبىّ تلميذ الخليل وهو الذى كان يهاجى عبد الله بن أبى عيينة ولم يكن من الحذّاق بالعربية ، فأخذ عنه ولّاد ما عنده وكان يسمعه يذكر الخليل شيخه فراح ولّاد إلى البصرة وأدرك الخليل بن أحمد ولقيه وأخذ عنه وأكثر بالبصرة وسمع منه الكثير ولازمه.

ثم انصرف إلى الحجاز ودخل مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولقيه معلمه المهلبىّ فناظره فلما رأى منه المدنىّ تدقيق ولّاد للمعانى وتعليله فى النحو قال : لقد ثقبت يا هذا بعدنا الخردل ، وعاد الوليد (ولّاد) بعد ذلك إلى مصر ومعه كتبه التى استفاد علمها وتصدّر بمصر وأفاد “.

أما الدينوري فقد ذكره الزبيدي في كتابه طبقات النحويين واللغويين فقال : ” الدِّينَوَرِيُّ هو أبو علي أحمد بن جعفر قدم مصر وأصله من الدِّينَوَرِ وقدم البصرة فأخذ عن المازني وحمل عنه كتاب سيبويه ثم رحل إلى بغداد فقرأ على أبي العباس المبرد كتاب سيبويه، ثم نزل مصر.

وكان خَتَنَ أبي العباس ثعلب زوج ابنته وكان يخرج من منزل خَتَنِه أبي العباس فيتخطَّى أصحابَه ويمضي ومعه مِحْبَرَتُه ودفتره فيقرأ كتاب سيبويه على أبي العباس المبرد ، فكان يعاتبه أحمد بن يحيى ثعلب على ذلك ويقول : إذا رآك الناس تمضي إلى هذا الرجل وتقرأ عليه يقولون ماذا !! فلم يكن يلتفتُ إلى قوله.

وكان أبو علي حسن المعرفة ، ثم قدم مصر وألَّف كتابًا في النحو سماه المُهذَّب، وجلب في صدره اختلاف البصريين والكوفيين وعزا كل مسألة إلى صاحبها فلم يعتلَّ لواحد منهم ولا احتج لمقالته فلما أمعن في الكتاب ترك الاختلاف ونقل مذهب البصريين وعول في ذلك على كتاب الأخفش سعيد.

وله كتاب مختصر في ضمائر القرآن استخرجه من كتاب المعاني للفراء ولما قدم علي بن سليمان الأخفش مصر خرج عنها أبو علي الدينوري ثم عاد إليها بعد خروج الأخفش إلى بغداد ، وتوفي أبو علي الدينوري بمصر سنة تسع وثمانين ومئتين وعنه أخذ أبو الحسين بن ولاد وغيره “.

 

45 / عمدة الكتاب

(عمدة الكتاب) هو عنوان الكتاب الذي صنفه الكاتب والأديب والنحوي والمفسر أبو جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل المرادي المصري المولود في الفسطاط والمتوفي بها عام 338 هـ / 949 م ، وقد عرف بلقب النحاس والصفار لاشتغال أسرته بمهنة صناعة الأواني النحاسية ويرجع في نسبه إلى قبيلة مراد القحطانية اليمنية وهي واحدة من القبائل الأربع الكبرى التي أسست مدينة الفسطاط في زمن الفتح الإسلامي.

 ذكره ابن يونس الصدفي في كتابه تاريخ المصريين فقال : ” أحمد بن محمد بن إسماعيل بن يونس المرادى النحوى يكنى أبا جعفر ويعرف بابن النحّاس المصري ، كان عالما بالنحو حاذقا وكتب الحديث عن الحسن بن غليب وطبقته وخرج إلى العراق ولقى أصحاب المبرّد ، وله تصانيف فى النحو وفى تفسير القرآن جياد مستحسنة ، توفى فى ذى الحجة سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة “.

وذكره أبو المحاسن المفضل التنوخي في كتابه تاريخ العلماء النحويين من البصريين والكوفيين وغيرهم حيث قال : ” وصنف كتبا مِنْهَا كتاب لقبه بالْكَافِي فِي علم الْعَرَبيَّة وَكتاب سَمَّاهُ المُقْنِع وَذكر فِيهِ اخْتِلَاف الْبَصرِيين والكوفيين وَكتاب إِعْرَاب الْقُرْآن وكتابان جيدان ذكر فيهمَا أَقْوَال الْمُتَقَدِّمين ، وَلم يكن صَاحب دراية واستنباط وَإِنَّمَا كَانَ معوِّله على النَّقْل وَالرِّوَايَة ، وَله كتاب فِي النَّاسِخ والمنسوخ وشرح المعلقات السَّبع وشرح المُفَضَّليَّات وشرح أَبْيَات الْكتاب “.

وقد وضع كتابه هذا ليكون عونا للعاملين بمهنة الكتابة في دواوين الدولة وفيه بيان بأصول الكتابة وما يلزمها من علوم النحو والخط والمعاني والبديع والبيان ، ويشرح ذلك في مقدمته حيث جاء فيها : ” قال أبو جعفر : ومن العلم صناعة الكتاب وقد وهم من زعم أن أحكام الكتابة مباينةٌ لأحكام الشريعة لأن ذلك مخالفٌ لما يوجبه الدين والعقل لأن الكتابة فرعٌ من فروع الشريعة والشريعة أصلٌ والكتابة سياسةٌ للملك والملك لا قوام له إلا بالدين فقد تبين أن الكتابة فرعٌ من فروع الدين وما كان فرعاً لشيءٍ لم يباينه وأحكام الكتابة ملائمةٌ لأحكام الشريعة.

والدليل على ذلك أن مسلماً لو أحيا أرضاً مواتاً كان حكم الفقيه والكاتب فيها سواءً وكذلك في ما يخرج من الزكاة من العشر ونصف العشر وكذا حكم الصدقات من الإبل والبقرة والغنم وكذا الحكم في الركاز والفيء والغنائم ، وقد ألزم بعض الناس الكاتب أشياء يعجز عنها وترك أشياء يحتاج إليها وإنما أدوات الكتابة الخط والبلاغة والعلم بترتيب أعمال الدواوين والخبرة بمجاري الأعمال والدربة بوجوه استخراج الأموال مما يحل ويسع ، فهذه الآلات ليس لواحدٍ منها حيزٌ بذاته ولا انفرادٌ باسمه يخصه وإنما هو جزءٌ من الكتابة وداخلٌ في أركانها.

فأما الفقه والفرائض وصناعة الحساب والعلم بالنحو فكل واحدٍ منها منفردٌ على حدته وإن كان الكاتب محتاجاً إلى أشياء منها نحو ما يكتب بالألف والياء وإلى شيءٍ من المقصور والمدود  ولو كلف الكاتب ما ذكره من ذكره لجعل الأصعب طريقاً إلى الأسهل والأشق مفتاحاً للأهون ، وفي طباع الناس النفار عن ما ألزمهم من جميع هذه الأشياء على أن بعض الناس قد ترك كل ما قال وأغفل كل ما يحتاج إليه وجهل ما يجب عليه حتى صار يعيب العلم وأهله ويستصغر الأدب وأصله وهذا كما حكى ابن الأعرابي أن العرب تقول من أمل رجلاً هابه ومن جهل شيئاً عابه “.

ويعد أبو جعفر النحاس من كبار المؤلفين في القرن الثالث الهجري ، وقد أورد ابن خلكان مؤلفاته في كتابه وفيات الأعيان فقال : ” النحاس النحوي .. أبو جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل بن يونس المرادي النحاس النحوي المصري كان من الفضلاء ، وله تصانيف مفيدة منها تفسير القرآن الكريم وكتاب إعراب القرآن وكتاب الناسخ والمنسوخ وكتاب في النحو اسمه التفاحة وكتاب في الاشتاق ، وتفسير أبيات سيبويه ولم يسبق إلى مثله وكتاب الكافي في النحو وكتاب المعاني ، وفسر عشرة دواوين وأملاها وكتاب الوقف والابتداء صغرى وكبرى وكتاب في شرح المعلقات السبع وكتاب طبقات الشعراء وغير ذلك.

وروى عن أبي عبد الرحمن النسائي وأخذ النحو عن ابي الحسن علي بن سليمان الأخفش النحوي وأبي إسحاق الزجاج وابن الأنباري ونفطويه وأعيان أدباء العراق وكان قد رحل إليهم من مصر ، وكانت فيه خساسة وتقتير على نفسه وإذا وهب عمامة قطعها ثلاث عمائم بخلاً وشحاً وكان يلي شراء حوائجه بنفسه ويتحامل فيها على أهل معرفته ومع هذا فكان للناس رغبة كبيرة في الأخذ عنه فنفع وأفاد وأخذ عنه خلق كثير.

وتوفي بمصر يوم السبت لخمس خلون من ذي الحجة سنة ثمان وثلاثين وثلثمائة وقيل سنة تسع وثلاثين رحمه الله تعالى ، وكان سبب وفاته أنه جلس على درج المقياس على شاطىء النيل وهو في أيام زيادته وهو يقطع بالعروض شيئاً من الشعر فقال بعض العوام : هذا يسحر النيل حتى لايزيد فتغلو الأسعار ، فدفعه برجله في النيل فلم يوقف له على خبر ، والنحاس – بفتح النون والحاء المشددة المهملة وبعد الألف سن مهملة – هذه النسبة إلى من يعمل النحاس وأهل مصر يقولون لمن يعمل الأواني الصفرية النحاس “.

وذكره الحافظ الذهبي في كتابه سير أعلام النبلاء فقال : ” ابن النَّحاس .. العَلاَّمَةُ إِمَامُ العَرَبِيَّة أبي جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيْلَ المِصْرِيُّ النَّحْوِيُّ صَاحِبُ التَّصَانِيْف ارْتَحَلَ إِلَى بَغْدَادَ وَأَخَذَ عَنِ الزجَّاج وَكَانَ يُنظَّر فِي زَمَانِهِ بِابْنِ الأَنْبَارِيِّ وَبنِفْطَوَيْه لِلْمِصْريين.

حدَّث عَنْ مُحَمَّدِ بنِ جَعْفَر بن أَعْيَن وَبَكْر بن سَهْل الدِّمْيَاطِي وَالحَسَنِ بن غُلَيْب وَالحَافِظ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسَائِيِّ وَجَعْفَر الفِرْيَابِيّ وَمُحَمَّد بن الحَسَنِ بنِ سَمَاعَة وَعُمَرَ بن أَبِي غَيْلاَن وَطَبَقَتهم ووَهِمَ ابْنُ النَّجَّار فِي قَوْله إنَّه سَمِعَ مِنَ المُبَرِّد فَمَا أَدركَه.

رَوَى عَنْهُ أبي بَكْرٍ مُحَمَّدُ بنُ عَلِيٍّ الأُدْفُوِي توَالِيفَه وَوصفَهُ أبي سَعِيْدٍ بن يُوْنُسَ بِمَعْرِفَة النَّحْو ، وَمِنْ كتبه : “إِعرَابُ القُرْآن ، اشتِقَاق الأَسْمَاء الحُسْنَى ، تفسيرُ أَبيَات سِيْبَوَيْه ، كتَابُ المَعَانِي ، الكَافي فِي النَّحْوِ ، النَّاسخ وَالمَنْسوخ ، وَرَوَى كَثِيْراً عَنْ عَلِيِّ بنِ سُلَيْمَان الصَّغِيْر وَكَانَ مِنْ أذكياء العالم “.

وذكره كمال الدين الأنباري في كتابه  نزهة الألباء في طبقات الأدباء فقال : ” أما أبو جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل الصفار المعروف بالنحاس فإنه كان نحوياً فاضلاً ، أخذ عن أبي العباس المبرد وأبي الحسن علي بن سليمان الأخفش وأبي عبد الله بن إبراهيم بن محمد بن عرفة الملقب بنفطويه وعن أبي إسحاق الزجاج ، وقال : قرأت على أبي إسحاق في كتاب سيبويه : (يكون دفاع مصدر دفع كما تقول : حسبت الشيء حساباً).

وصنف الكتاب المعروف في إعراب القرآن وشرح السبع الطوال وصنف كتاباً في النحو إلى غير ذلك ، وحكى في إعرابه للقرآن : الحمد لله والحمد لله وقال : سمعت علي بن سليمان يقول : لا يجوز من هذين شيء عند البصريين ، قال أبو جعفر النحاس : وهاتان لغتان معروفتان وقراءتان موجودتان فالحمد لله (بالكسر) قراءة الحسن البصري وهي لغة تميم والحمد لله (بالضم)  قراءة ابن أبي عبلة وهي لغة بعض بني ربيعة “.

وذكره أبو بكر الزبيدي في كتابه طبقات النحويين واللغويين فقال : ” أبو جعفر بن النحاس ..  هو أبو جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل المعروف بالنحاس أخذ عن أبي إسحاق الزجاج وكان واسع العلم غزير الرواية، كثير التأليف ولم تكن له مشاهدة فإذا خلا بقلمه جود وأحسن.

وله كتب في القرآن مفيدة منها كتاب معاني القرآن وكتاب إعراب القرآن جلب فيه الأقاويل وحشد الوجوه ولم يذهب في ذلك مذهب الاختيار والتعليل ، وكان لا يتكبر أن يسأل الفقهاء وأهل النظر ويفاتشهم عما أشكل عليه في تأليفاته وكان يحضر حلقة ابن الحداد الشافعي وكانت لابن الحداد ليلة في كل جمعة يُتكَلَّم فيها عنده في مسائل الفقه على طرائق النحو فكان لا يدع حضور مجلسه تلك الليلة.

وله كتاب في تفسير أسماء الله – عز وجل – أحسن فيه ونزع في صدره بالاتباع للسنة والانقياد للآثار ، وله في ناسخ القرآن ومنسوخه كتاب حسنوكتاب في اختلاف البصريين والكوفيين في النحو سماه (المُقْنِع) وكتاب في أخبار الشعراء.

حدثني قاضي القضاة منذر بن سعيد قال : أتيتُ ابنَ النحاس في مجلسه فألفيتُه يملي في أخبار الشعراء شعر قيس بن معاذ المجنون حيث يقول : خَلِيلَيَّ هَلْ بِالشَّامِ عَينٌ حَزِينةٌ .. تُبَكِّي على نَجدٍ لَعلِّي أعينُها .. قَدَ اسْلمها الباكون إلَّا حمامةً .. مُطَوَّقَةً باتت وبات قرينُها ، فلما بلغ هذا الموضع قلتُ : باتا يفعلانِ ماذا أعزك الله ! فقال لي : وكيف تقول أنت يا أندلسي ؟ فقلتُ : بانت وبان قرينها ، فسكت.

قال القاضي : فما زال يستثقلني بعدها حتى منعني (العَيْنَ) وكنتُ ذهبتُ إلى الانتساخ من نسخته فلما قطع بي قيل لي : أين أنتَ مِن أبي العباس بن ولَّادٍ ؟ فقصدتُه فوجدتُ رجلًا كاملَ العلم والأدب حسنَ المروءة وسألته الكتاب، فأخرجه إليَّ ، ثم تقدَّم أبو جعفر النحاس حين بلغه إباحة أبي العباس كتابه إليَّ وعاد إلى ما كنت أعرفه منه.

وكان أبو جعفر لئيمَ النفس شديدَ التقتير على نفسه وكان ربما وُهِبت له العمامة فيقطعها على ثلاث عمائم وكان يلي شراء حوائجه بنفسه ويتحامل فيها عن أهل معرفته وتوفي بمصر سنة سبع وثلاثمئة “.

46 / المكافأة وحسن العقبى  

حاكم المحلة في عصر الطولونيين هو عالم الرياضيات والشاعر والمؤرخ أبو جعفر أحمد بن أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم البغدادي الأصل ، كانت جدته مربية للأمير إبراهيم بن المهدي والخليفة المعتصم وتربى أبوه في قصور الخلافة ثم عمل كاتبا في سامراء وعرف بلقب ابن الداية ، وبعد اضطرابات سياسية رحل يوسف إلى الشام ثم إلى مصر حيث عمل كاتبا في عهد أحمد بن طولون وصار من أعيان الدولة.

ولد أحمد بن يوسف في القطائع ونبغ في علوم الرياضيات والفلك والطب وفي فنون الأدب والتاريخ وعمل كاتبا في ديوان الطولونيين وامتد به العمر حتى عهد الإخشيديين ، عاش في المحلة الكبرى التي كانت ضمن إقطاعه وعاصر كثيرا من الأحداث الهامة وتوفي عام 340 هـ / 951 م ، وله عدد من المؤلفات منها كتاب المكافأة وحسن العقبى وسيرة أحمد بن طولون وأخبار الأطباء ومختصر المنطق وأخبار المنجمين.

وروى في كتابه أحداثا سياسية هامة كان شاهد عيان عليها منها واقعة القضاء على الطولونيين بواسطة جيش محمد بن سليمان الكاتب الذي هاجم الدلتا وكيف أن ضياعه وأملاكه قد نجت من الجنود بفضل علاقته بأحد الأمراء العباسيين كان قد أسدى له معروفا من قبل ، ويروي أيضا في كتابه كيف أن تاجرا من تنيس ذكر له صنيعه معه يوما في المحلة ورد له الجميل أثناء أزمة مرت بالكاتب ولم ينس معروفه.

وروى الكاتب تفصيل القصة في كتابه حيث كانت مرتبطة بحادثة غرق مركب تجارية كبيرة قبالة المحلة بعد تكسرها وكيف أنه خرج وهو ورجاله من الوكلاء والكتاب وعسكر على شاطىء النيل ليشرف على عملية الإنقاذ ثم أنزل الغواصين في بحر المحلة لاستخراج البضائع الغارقة وقام بعلاج المصابين ثم دفع لهم من ماله ما يعوضهم ويكفل لهم العودة السالمة إلى تنيس وأرسل إلى وكلائه هناك لمعونتهم.

ويضم كتاب المكافأة عددا كبيرا من القصص التي عاشها المؤلف بنفسه أو حدثت له ولأسرته أو حكايات سمعها من معاصريه وكلها تدور حول عمل الخير وإسداء المعروف ومجازاة الإحسان بالإحسان ، ويبدو من استعراض الكتاب أن المؤلف تأثر فيه بما حدث له في حياته من نكبات بسبب التقلبات السياسية حيث قرر أن يسجلها ويدون ما فيها من حكمة وعبرة وموعظة تعلمها من هذه التجارب والأحداث.

ويتضح ذلك في مقدمة كتابه حيث جاء فيها : ” أخبرنا أبو محمد عبد الله الفرغاني قراءة مني عليه قال أخبرنا أبو جعفر أحمد بن يوسف الكاتب قراءة مني عليه قال : سدد الله فكرك وأحسن أمرك وكفاك مهمك ، إن أشد على الممتحن من محنته عدوله في سعيه عن مصلحته وتنكبه الصواب في بغيته ، ولكل وجهة من الجدوى مأتىً تستنزل به عوائدها ويقرب معه ما استصعب منها ، يستثيره حسن الرواية ويهدي إليه صالح التوفيق.

وقد رأيتك لا تزيد من رغبت إليه ـ فيما تحدوه على برك وتحته لما أغفل أمرك ـ على نص مكارم من سلف ، وترى أنه يهش إلى مساجلتهم فلا تبلغ في هذا أكثر من إحراز الفضيلة للمرغوب إليه ، ولا توجد في الراغب فضيلة تحثه على شفيع قصده ولو عدلت عن مكارم من رغب إليه إلى حسن مكافأة من أنعم عليه لكانت ذرائع يمت بها الراغب توجد المرغوب إليه سبيلا إلى الإنعام وتفسح أمله في مواترة الإحسان.

ولم يؤت الجود من مأتىً هو أغمض من مغادرة حسن المكافأة ولو أنعمت النظر فيها لوجدتها أقوى الأسباب في منع القاصد وحيرة الطالب ولو كانت توجد مع كل فعل استحقها لآثر الناس قاصديهم على أنفسهم ولجروا على السنن المأثورة عنهم ، وقد كتبت لك هذه الرسالة أخبارا ـ في المكافأة على الحسن والقبيح تنعم بها الخاطر وتقرب بغية الراغب ـ مما سمعناه ممن تقدمنا وشاهدناه بعصرنا وبالله التوفيق “.  

وقد ترجم له ياقوت الحموي في معجم الأدباء فقال : ” أحمد بن أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم يعرف بابن الداية .. كان أبوه ولد داية إبراهيم بن المهدي وأظنّ أن المعروف بابن الداية هو يوسف الراوي أخبار أبي نواس والله أعلم ، وكان أبوه يوسف بن إبراهيم يكنى أبا الحسن وكان من جلة الكتاب بمصر ولا أدري كيف كان انتقاله إليها عن بغداد وكان له مروءة تامة وعصبية مشهورة.

قال أبو القاسم العساكري الحافظ : يوسف بن إبراهيم أبو الحسن الكاتب وأظنه بغداديا كان في خدمة إبراهيم بن المهدي قدم دمشق سنة خمس وعشرين ومائتين ، وحكى عن عيسى بن حكم الدمشقي الطبيب النسطوري وشكلة أم إبراهيم بن المهدي وإسماعيل بن أبي سهل بن نوبخت وأبي إسحاق إبراهيم بن المهدي وأحمد بن رشيد الكاتب مولى سلام الأبرش وجبرئيل بن بختيشوع الطبيب وأيوب بن الحكم البصري المعروف بالكسروي وأحمد بن هارون الشرابي ، روى عنه ابنه أبو جعفر أحمد ورضوان بن أحمد بن جالينوس وكان من ذوي المروءات وصنف كتابا فيه أخبار المتطببين.

قال الحافظ : وبلغني عن أبي جعفر أحمد بن يوسف قال : حبس أحمد بن طولون يوسف بن إبراهيم والدي في بعض داره وكان اعتقال الرجل في داره يؤيس من خلاصه فكاد ستره أن ينهتك لخوف شمله عليه ، وكان له جماعة من أبناء الستر يتحمل مؤنها مقيمة لا تنقطع إلى غيره فاجتمعوا وكانوا زهاء ثلاثين رجلا وركبوا إلى دار أحمد بن طولون فوقفوا بباب له يعرف بباب الخيل واستأذنوا عليه فأذن لهم.

فدخلوا إليه وعنده محمد بن عبد الله بن عبد الحكم وجماعة من أعلام مستوري مصر فابتدأوا كلامه بأن قالوا : قد اتفق لنا – أيد الله الأمير – من حضور هذه الجماعة – وأشاروا إلى ابن عبد الحكم والحاضرين مجلسه – ما رجونا أن يكون ذريعة إلى ما نأمله ونحن نرغب إلى الأمير في أن يسألها عنّا ليقف على أمرنا ومنازلنا فسألهم عنهم فقالوا : قد عرضت العدالة على أكثرهم فامتنع منها.

فأمرهم أحمد بن طولون بالجلوس وسألهم تعريفه ما قصدوا له فقالوا : ليس لنا أن نسأل الأمير مخالفة ما يراه في يوسف بن إبراهيم لأنه أهدى إلى الصواب فيه ونحن نسأله أن يقدمنا إلى ما اعتزم عليه فيه إن آثر قتله أن يقتلنا وإن آثر غير ذلك أن يبلغ مأربه فهو في سعة وحلّ منه ، فقال لهم : ولم ذلك ؟

فقالوا : لنا ثلاثون سنة ما أفكرنا في ابتياع شيء مما احتجنا إليه ولا وقفنا بباب غيره ونحن والله يا أمير نرتمض من البقاء بعده ومن السلامة من شيء إن مكروه وقع به وعجّوا بالبكاء بين يديه ، فقال أحمد بن طولون : بارك الله عليكم فقد كافأتم إحسانه وجازيتم إنعامه ، ثم قال : أحضروا يوسف بن إبراهيم فأحضر ، فقال : خذوا بيد صاحبكم وانصرفوا ، فخرجوا معه وانصرف إلى منزله.

قال أبو جعفر أحمد بن يوسف بن إبراهيم : وبعث أحمد بن طولون في الساعة التي توفي فيها والدي يوسف بن إبراهيم بخدم فهجموا الدار وطالبوا بكتبه مقدرين أن يجدوا فيها كتابا من أحد ممن ببغداد فحملوا صندوقين وقبضوا عليّ وعلى أخي وصاروا بنا إلى داره وأدخلنا إليه وهو جالس وبين يديه رجل من أشراف الطالبيين.

فأمر بفتح أحد الصندوقين وأدخل خادم يده فوقع في يده دفتر جراياته على الاشراف وغيرهم فأخذ الدفتر بيده وتصفحه وكان جيد الاستخراج فوجد اسم الطالبيّ في الجراية فقال له وأنا أسمع : كانت عليك جراية ليوسف بن إبراهيم ؟ فقال له : نعم يا أيها الأمير دخلت هذه المدينة وأنا مملق فأجرى عليّ في كلّ سنة مائتي دينار ومائة اردب قمحا أسوة ابن الأرقط والعقيقي وغيرهما ثم امتلأت يداي بطول الامير فاستعفيته منها فقال لي : ناشدتك الله أن قطعت سببا لي برسول الله صلى الله عليه وسلّم.

وتدمّع الطالبي فقال أحمد بن طولون : رحم الله يوسف بن إبراهيم ، ثم قال : انصرفوا إلى منازلكم فلا بأس عليكم ، فانصرفنا فلحقنا جنازة والدنا وحضر ذلك العلويّ دفننا وقضى حقنا وقد أحسن مكافأة والدنا في مخلّفيه.

وقال : أبو جعفر أحمد بن أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم يعرف بابن الداية من فضلاء أهل مصر ومعروفيهم وممن له علوم كثيرة في الأدب والطب والنجامة والحساب وغير ذلك ، وكان أبوه أبو يعقوب كاتب إبراهيم بن المهدي ورضيعه ، ألّف كتابا في أخبار الطب ، مات أحمد بن يوسف في سنة نيف وثلاثين وثلاثمائة وأظنها سنة أربعين وثلاثمائة.

وله من التصانيف : سيرة أحمد بن طولون ، كتاب سيرة ابنه أبي الجيش خمارويه ، كتاب سيرة هارون ابن أبي الجيش وأخبار غلمان بني طولون ، كتاب المكافأة ، كتاب حسن العقبى ، كتاب أخبار الأطبّاء ، كتاب مختصر المنطق ألّفه للوزير علي بن عيسى ، كتاب ترجمة كتاب الثمرة ، كتاب أخبار المنجّمين ، كتاب أخبار إبراهيم بن المهدي ، كتاب الطبيخ.

وذكره ابن زولاق الحسن بن إبراهيم فقال : كان أبو جعفر رحمه الله في غاية الافتنان أحد وجوه الكتّاب الفصحاء والحسّاب والمنجمين مجسطيّ أوقليدسيّ حسن المجالسة حسن الشعر قد خرج من شعره أجزاء ، دخل يوما على أبي الحسن علي بن المظفر الكرخي عامل خراج مصر مسلّما عليه فقال له : كيف حالك يا أبا جعفر ؟ فقال على البديهة : يكفيك من سوء حالي إن سألت به .. أني على طبريّ في الكوانين “.

وقد ذكره الدكتور شوقي ضيف في كتابه تاريخ الأدب العربي ضمن كتب النوادر فقال : ” كتاب المكافأة ، مؤلف هذا الكتاب أحمد بن يوسف المعروف باسم ابن الداية كانت أم أبيه يوسف بن إبراهيم داية لإبراهيم بن المهدى عم المأمون فنسب إليها ، وظل يوسف فى خدمته حتى توفى ويبدو أنه كان مثقفا ثقافة متنوعة مما جعل بعض ولاة العباسيين بمصر يستكتبه فى ديوانها واستقر مقامه بها هو وأسرته منذ سنة ٢٢٦ للهجرة ، ويروى أنه صنف كتابا فى أخبار أصحاب الطب مما يؤكد أنه كان على صلة بعلوم الأوائل.

ورزق بابنه أحمد وعنى بتثقيفه مما أهله ليعمل كاتبا فى دواوين الدولة الطولونية وليكتب سيرة أحمد بن طولون وابنه خمارويه وليس ذلك فحسب فإنه وصله بعلوم الأوائل وبرع فيها وخاصة فى الطب والرياضة والفلك وأيضا فى الفلسفة ، ويسوق له مترجموه كتابا فى أخبار الأطباء وكتابا فى النسبة والتناسب وكتابا فى الأقواس المتمائلة كما يسوقون له كتاب مختصر المنطق وكتاب السياسة لأفلاطون وشرح كتاب الثمرة فى الفلك لبطليموس ، وقد توفى سنة ٣٤٠.

وتؤكد سيرة أحمد بن يوسف وسيرة أبيه أنهما كانا من أصحاب المروءات وكانا يحسنان تثمير أموالها فى التجارة والزراعة فأغدقا كثيرا على كل من رأياه تلم به كارثة أو ينزل به خطب من الخطوب ، ولعل هذا الجانب فى أحمد بن يوسف هو الذى جعله يؤلف كتابه المكافأة ، وهو فى ثلاثة أقسام : قسم يضم إحدى وثلاثين نادرة أو حكاية قصيرة تدور حول مكافأة الجميل بالجميل ليرغّب فى عون المنكوب ومد يد المساعدة إليه وحتى يكافئ الإنسان جميلا بجميل يماثله.

ويعرض ذلك فى النوادر عرضا جذابا بما يذكر من نوادر وقعت فى أيامه وغير أيامه فى مصر وغير مصر ، ويتلو هذا القسم بقسم ثان يضم إحدى وعشرين نادرة أو حكاية قصيرة تصور كيف أن مكافأة القبيح تستتبع قبيحا مثله حتى يرتدع أهل الشر والسوء ويكفوا عن سوئهم وشرهم لما يجرّان من أوخم العواقب ، والقسم الثالث يضم تسع عشرة نادرة أو حكاية قصيرة وهى تصور حسن العقبى وكيف أن أناسا تورطوا فى شر أو بلاء ونجوا منه ، والكتاب بذلك دعوة حارة إلى عمل الخير بضرب أمثلة بديعة من النوادر والحكايات القصيرة.

وهو مكتوب بفصحى جزلة ناصعة إذ كان أحمد بن يوسف من كتّاب زمنه البارعين ويبدو أنه قصد به إلى أن يشيع فى الشعب ولعل ذلك هو السبب فى أننا نراه يقترب من لغته اليومية إذ تدور فيه صيغ وتعابير لا تزال تجرى على ألسنتنا فى الحياة اليومية من مثل : كاد والله يموت فرحا – كثّر الله فى الناس مثله – حصّلنى على الباب أى لحقنى – اعتذرت إليه من تقصيرى فى حقه – امرأة تطلق (أى أصابها المخاض) – ست (أى سيدة) – امرأة مقربة (أى قربت ولادتها).

واستخدم قليلا مدّ تاء المخاطبة بحيث تتولد من الكسرة ياء فقال على لسان تاجر يكافئ سيدة على جميل : (هذا جزاء ما قدمتيه) كما نقول فى عاميتنا المصرية ، واستخدم أيضا مطابقتنا فى العامية بين الفعل والفاعل فى الجمع فقال : (اشتهوا علىّ صبيانى حلواء فى العيد) والفصيح أن يقال (اشتهى علىّ صبيانى) ، ويكثر من الاستفهام فى الجمل دون ذكر أداة من أدوات الاستفهام كما نصنع أيضا فى عاميتنا ، وكثير من نوادر الكتاب واسع الدلالة التاريخية على زمن المؤلف وجوانبه السياسية والاقتصادية والاجتماعية بجانب دلالته القيمة على الأسلوب الأدبى فى مصر حينئذ، وما كان يستخدم فيه من عبارات لا تزال حية إلى اليوم “.

47 / المسائل المولدات

(كتاب الفروع) هو اسم الشهرة لأحد مصنفات الفقه الشافعي وهو كتاب (المسائل المولدات على مذهب الإمام أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي تخريج القاضي أبي بكر محمد المعروف بابن الحداد) ، وقصد بكلمة (المولدات) أي المسائل المستجدة في فروع الفقه ولا يوجد نص بها وتحتاج القياس على نظائرها وبعضها نادر الوقوع أو من الموضوعات غريبة التصور وتحتاج اجتهادا خاصا من الفقيه خاصة إذا كانت متعلقة بأحكام قضائية.

ومصنف الكتاب هو إمام الشافعية في زمنه الفقيه أبو بكر محمد بن أحمد الكناني المصري الذي ولد في الفسطاط عام 265 هـ / 878 م وتوفي فيها عام 345 هـ / 956 م وتولى القضاء مرتين رسميا ثم تولاها مدة طويلة فعليا بالنيابة عن غيره وذلك لبراعته وحسن إدارته حيث كان موضع ثقة الأمراء الإخشيديين ، وقد حفلت كتب الفقه الشافعي في العصور التالية له بدراسة أحكامه القضائية والتعليق عليها وبيان أوجه الفائدة فيها.

وذكر محقق الكتاب الباحث الدكتور عبد الرحمن محمد الدارقي أن ابن الحداد قد ألف عدة كتب أخرى منها كتاب أدب القضاء في أربعين جزءا وكتاب الفرائض في مائة جزء وكتاب الباهر في الفقه في مائة جزء وكتاب جامع الفقه وكتاب أسئلة وأجوبة فقهية وكتاب بهجة التوحيد (وهي منظومة في العقيدة) وكتاب أقاويل الشافعي (وهي حكم وأمثال) وكتاب تفسير الكتاب العزيز.

ذكره ابن يونس الصدفي في كتابه تاريخ المصريين فقال : ” محمد بن أحمد بن محمد بن جعفر الكنانىّ : يعرف بابن الحدّاد يكنى أبا بكر ، كان فيه بأو وفصاحة لسان وكان يحسن النحو والفرائض وكان يدخل على السلاطين وكتب الحديث ، وكان حافظا للفقه على مذهب الشافعى كثير الصلاة متعبدا وولى القضاء بمصر خلافة عن ابن هروان قاضى الرملة “.

وذكره الكندي في كتابه الولاة والقضاة فقال : ” محمد بْن أحمد بْن الحدَّاد فنظر أَبُو بَكْر بْن الحدَّاد فِي الحُكم للنصف من ذي القعدة سنة أربع وعشرين وثلاثمائة فِي داره وفي الجامع ووقّع فِي النِّكاحات ، وأقام عَلَى ذَلكَ أشهُرًا إلى أن ورد الكتاب إلى ابن زُرعة فِي آخر ربيع الآخر سنة خمس وعشرين وثلاثمائة فكانت أيَّامه ستَّة أشهُر.

محمد بْن أحمد بْن الحدَّاد الثانية .. ثمَّ إن أَبَا بَكْر نظر بين الخصوم لابن هَرَوان فِي جمادى الأولى سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة فركِب إلى المسجد الجامع فنظر بين الخصوم إلى أن أظهر عبد الله بْن أحمد بْن شُعَيب كتاب المُستكفي إِلَيْهِ فعاونه محمد بْن عليّ بْن مُقاتِل وكان وزير الإِخْشِيد فصرف ابن الحدَّاد عَن النظَر لسبع بقِين من المحرَّم سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة فكانت مُدَّة مُقامه ونظَره تسعة أشهُر “.

ذكره ابن خلكان في كتابه وفيات الأعيان فقال : ” ابن الحداد المصري .. أبو بكر محمد بن أحمد بن محمد بن جعفر الكناني المعروف بابن الحداد الفقيه الشافعي المصري صاحب كتاب الفروع في المذهب ، وهو كتاب صغير الحجم كثير الفائدة دقق في مسائله غاية التدقيق واعتنى بشرحه جماعة من الأئمة الكبار شرحه القفال المروزي شرحا متوسطا ليس بالكبير وشرحه القاضي أبو الطيب الطبري في مجلد كبير وشرحه الشيخ أبو علي السنجي شرحا تاما مستوفى أطال فيه وهو أحسن الشروح.

وكان ابن الحداد المذكور قد أخذ الفقه عن أبي إسحاق المروزي ، وقال صاحبنا عماد الدين بن باطيش في كتابه الذي وضعه على المهذب وفي طبقات الفقهاء : إنه من اعيان أصحاب إبراهيم المزني ، وقد وهم فيه فإن ابن الحداد ولد في السنة التي توفي فيها المزني ، وقال القضاعي في كتاب خطط مصر إنه ولد في اليوم الذي مات فيه المزني رحمه الله تعالى فكيف يمكن أن يكون من أصحابه وإنما نبهت على ذلك لئلا يظن ظان أن هذا غلط وذلك الصواب.

وكان ابن الحداد فقيها محققا غواصا على المعاني تولى القضاء بمصر والتدريس وكانت الملوك والرعايا تكرمه وتعظمه وتقصده في الفتاوى والحوادث وكان يقال في زمنه : عجائب الدنيا ثلاث : غضب الجلاد ونظافة السماد والرد على ابن الحداد ، وكانت ولادته لست بقين من شهر رمضان سنة أربع وستين ومائتين وتوفي سنة خمس وأربعين وثلثمائة وقال السمعاني سنة أربع وأربعين والله أعلم بالصواب.

وحدث عن أبي عبد الرحمن النسائي وغيره رحمهم الله أجمعين ، وذكر القضاعي في كتاب خطط مصر ان ابن الحداد المذكور توفي عند منصرفه من الحج سنة أربع وأربعين وثلثمائة بمنية حرب على باب مدينة مصر وقيل في موضع القاهرة.

وكان متصرفا في علوم كثيرة من علوم القرآن الكريم والفقه والحديث والشعر وأيام العرب والنحو واللغة وغير ذلك ، ولم يكن في زمانه مثله وكان محببا إلى الخاص والعام وحضر جنازته الأمير أبو القاسم أنوجور ابن الإخشيد وكافور وجماعة من اهل البلد وله تسع وسبعون سنة وأربعة أشهر ويومان رحمه الله تعالى ، والحداد : بفتح الحاء المهملة وتشديد الدال ثم دال بعد ألف وكان أحد أجداده يعمل الحديد ويبيعه فنسب إليه “.

وترجم له الحافظ ابن كثير في كتابه طبقات الشافعيين فقال :  ” محمد بن أحمد بن محمد بن جعفر أبو بكر بن الحداد الكناني المصري شيخ الديار المصرية في مذهب الشافعي رضي الله عنه ، ولد يوم موت المزني وأخذ الفقه عن أبي سعيد محمد بن عقيل الفريابي وعن بشر بن نصر غلام عرق وعن منصور بن إسماعيل والد بحر.

وجالس الشيخ أبا إسحاق المروزي لما ورد عليهم مصر ودخل بغداد سنة عشر وثلاث مائة فاجتمع بأبي جعفر بن جرير الطبري وأخذ عنه ، وأخذ العربية عن محمد بن ولاد وروى الحديث عن جماعة ، قال الدارقطني : وكان ابن الحداد كثير الحديث ولم يحدث عن غير أبي عبد الرحمن النسائي ، وقال : رضيت به حجة بيني وبين الله عز وجل.

وقال أبو سعيد بن يونس : روى عن محمد ابن عقيل الفريابي الفقيه وأبي يزيد القراطيسي وعمر بن مقدام والنسائي وغيرهم ، قال : وكان يحسن النحو والفرائض ويدخل على السلاطين ، وكان حافظا للفقه على مذهب الشافعي رضي الله عنه وكان كثير الصلاة متعبدا ولي القضاء بمصر نيابة.

وقال ابن زولاق في تاريخ قضاة مصر : ولما كان في شوال سنة أربع وعشرين وثلاث مائة سلم محمد بن طغج الإخشيد قضاء مصر إلى أبي بكر بن الحداد وكان أيضا ينظر في المظالم ويوقع فيها فينظر في الحكم خلافة عن الحسين بن محمد بن أبي زرعة ومحمد بن عثمان الدمشقي وهو لا ينظر.

وكان يجلس في الجامع وفي داره وربما جلس في دار ابن أبي زرعة، ووقع في الأحكام وكاتب خلفاء النواحي ، قال : ثم بعد ستة أشهر ورد العهد بالقضاء من بغداد من ابن أبي الشوارب لابن أبي زرعة فركب بالسواد إلى الجامع وقرئ عهده على المنبر ولم يزل ابن الحداد يخلفه إلى آخر أيامه.

وكان ابن الحداد فقيها متعبدا يحسن علوما كثيرة منها علم القرآن وقول الشافعي وعلم الحديث والأسماء والكنى والنحو واللغة واختلاف الفقهاء وأيام الناس وسير الجاهلية والشعر والنسب ويحفظ شعرا كثيرا ويجيد الشعر ، ويختم في كل يوم وليلة في صلاته ويصوم يوما ويفطر يوما ويختم يوم الجمعة ختمة أخرى في ركعتين في الجامع قبل الصلاة سوى التي يختم بها كل يوم.

وكان حسن الثياب رفيعها حسن المركوب فصيحا غير مطعون عليه في لفظه وله فضل معه ثقة في اليد والفرج واللسان مجمعا على صيانته وطهارته ، وكان من محاسن مصر حاذقا بعلم القضاء أخذ ذلك عن القاضي أبي عبيد بن حربويه ،  إلى أن قال : وكل من وقف على ما ذكرناه يقول : صدقت.

قال : وله كتاب أدب القضاء في أربعين جزءا وكتاب الباهر في الفقه نحو مائة جزء وكتاب جامع الفقه وكتاب المسائل المولدات ، وفيه يقول الشاعر في جملة قصيدة له طويلة : الشافعي تفقها والأصمعي .. تفهما والتابعين تزهدا.

وقال الشيخ المسبحي : كان ابن الحداد فقيها عالما كثير الصلاة والصيام يصوم يوما ويفطر يوما ويختم القرآن في كل يوم وليلة قائما مصليا وكان نسيج وحده في حفظ القرآن واللغة والتوسع في علم الفقه ، وكانت له حلقة من سنين كثيرة فغشاها المسلمون فأخذوا عنه وكان عالما أيضا بالحديث والأسماء والرجال والتاريخ.

قال : وحج ومرض في الرجوع ومات يوم الثلاثاء لأربع بقين من المحرم سنة أربع وأربعين وثلاث مائة وهو يوم دخول الحجاج إلى مصر وعمره سبع وسبعون سنة وشهور وَصُلِّيَ عليه يوم الأربعاء ودفن بسفح المقطم عند قبر والدته وحضر جنازته أبو القاسم بن الإخشيد وأبو المسك كافور والأعيان رحمه الله ، فما خلف بعده بمصر مثله.

قلت : له كتاب الفروع وهو صغير الحجم وقد شرحه من الأئمة الكبار أبو بكر القفال المروزي الكبير والقاضي أبو الطيب الطبري والشيخ أبو علي السنجي ، وله اختيارات ووجوه كثيرة وكلام دقيق وفروع مخرجه كثيرة ، وقال الشيخ أبو إسحاق في الطبقات : ومنهم ابن أبي بكر بن الحداد المصري صاحب الفروع مات سنة خمس وأربعين وثلاث مائة وكان فقيها مدققا وفروعه تدل على فضله “.

48 / التنبيه والإشراف

(التنبيه والإشراف) هو عنوان الكتاب الذي صنفه المؤرخ الكبير أبو الحسن علي بن الحسين بن علي بن عبد الله بن زيد بن عتبة بن عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب ، المسعودي الهذلي المعتزلي الذي ولد في العراق عام 283 هـ / 896 م وتوفي في الفسطاط ودفن بها عام 346 هـ / 957 م ، ويرجع في نسبه إلى قبيلة هذيل العربية الحجازية المعروفة ولقب بلقب المسعودي نسبة إلى جده الأعلى الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود الهذلي.

قام المسعودي في عام 301 هـ ببدء رحلته حيث اتجه شرقا وقضى ثلاث سنوات متجولا في بلاد فارس وكرمان ووصل إلى مدينة بومباي الهندية في عام 304 هـ وقضى فيها بعض الوقت ثم أكمل رحلته شرقا حتى مشارف الصين ، وفي عام 314 هـ وصل إلى بلاد الشام ومر على كل من أنطاكية وفلسطين ومنها اتجه إلى مصر حيث استقر في الفسطاط وشرع في كتابة مؤلفاته الموسوعية الكبرى وبدأها بكتاب (أخبار الزمان).

وفي عام 332 هـ بدأ بكتابة كتابه الشهير (مروج الذهب ومعادن الجوهر) وانتهى منه في الفسطاط عام 336 هـ ويضم أربعة أجزاء تقع في ألف وستمائة صفحة يتناول فيها خلاصة رحلاته وأفرد فيها فصولا خاصة بالشعوب والسكان وجغرافية الأرض وتاريخ الأمم السالفة وآدابها وفنونها ، وأعقب ذلك بتصنيف عدد من المؤلفات مفصلا فيها كل ذلك ثم ختمها بكتابه (التنبيه والإشراف) والذي بدأه في عام 344 هـ وانتهى منه في عام 345 هـ ووضع فيه خلاصة كل ما كتبه.

وقد لقب المسعودي عند المؤرخين الغربيين باسم (هيردوت العرب) حيث كان من أوائل الجغرافيين الذين رسموا خريطة تقريبية للعالم وقتها وأضاف فيها من ناحية الغرب مساحة أطلق عليها الأرض المجهولة وذكرها بقوله : ” وان منهم رجلا من أهل الأندلس يقال له خشخاش وكان من فتيان قرطبة وأحداثها فجمع جماعة من أحداثها وركب بهم في مراكب استعدها في هذا البحر المحيط فغاب فيه مدة ثم انثنى بغنائم واسعة وخبره مشهور عند أهل الأندلس “.

وأشار المسعودي في كتاباته إلى الانحراف الوراثي في الحمضيات أثناء عملية النقل لها من السند إلى مصر وسجل هذا الانحراف على أصناف من الليمون ، وقدم معلومات أنثروبولوجية قيمة عن شعوب المناطق التي زارها فذكر أجناسهم وصفاتهم الجسمية وعاداتهم وتقاليدهم والحرف والمأكل والملبس والمأوى لكل شعب من الشعوب ، أما في كتابه التنبيه والاشراف فقد سبق كل من جاء بعده بذكره أثر البيئة والمناخ على الإنسان.

ذكره ابن النديم في كتابه الفهرست فقال : ” المسعودي .. هذا الرجل من أهل المغرب يعرف بأبي الحسن علي بن الحسين بن علي المسعودي من ولد عبد الله بن مسعود مصنف لكتب التواريخ وأخبار الملوك وله من الكتب كتاب يعرف بمروج الذهب ومعادن الجوهر في تحف الأشراف والملوك وأسماء القرايات كتاب ذخائر العلوم وما كان في سائر الدهور كتاب الاستذكار لما مر في سالف الأعمار كتاب التاريخ في أخبار الأمم من العرب والعجم كتاب رسائل “.

وذكره ابن شاكر الكتبي في كتابه فوات الوفيات فقال : ” المسعودي صاحب التاريخ .. علي بن الحسين بن علي أبو الحسن المسعودي المؤرخ من ذرية عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه ، قال الشيخ شمس الدين : عداده في البغداديين وأقام بمصر مدة وكان إخبارياً علامة صاحب غرائب وملح ونوادر مات سنة ست وأربعين وثلاثمائة “.

وذكره ياقوت الحموي في كتابه معجم الأدباء فقال : ” علي بن الحسين بن علي المسعودي المؤرخ أبو الحسن من ولد عبد الله بن مسعود صاحب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ، ذكره محمد بن إسحاق النديم فقال : هو من أهل المغرب مات فيما بلغني في سنة ست وأربعين وثلاثمائة بمصر ، قال مؤلف الكتاب : وقول محمد بن إسحاق إنه من أهل المغرب غلط لأن المسعودي ذكر في السفر الثاني من كتابه المعروف بمروج الذهب وقد عدّد فضائل الأقاليم ووصف هواءها واعتدالها وانحرافها ثم قال :

(وأوسط الأقاليم إقليم بابل الذي مولدنا به وإن كانت ريب الأيام أنأت بيننا وبينه وساحقت مسافتنا عنه وولّدت في قلوبنا الحنين إليه إذ كانت وطننا ومسقطنا وقد كان هذا الأقليم عند ملوك الفرس جليلا وكانوا يشتون بالعراق ويصيفون بالجبال ، فقال أبو دلف العجلي : إني امرؤ كسرويّ الفعال .. أصيف الجبال وأشتو العراقا.

وقد كانت الأوائل تشبهه بالقلب في الجسد لأن أرضه هي التي كشفت الآراء عن أهله بحكمة الأمور كما يرتفع ذلك عن القلب ولذلك اعتدلت ألوان أهله وامتدت أجسامهم فسلموا من شقرة الروم والصقالبة وسواد الحبشة وغلظ البربر واجتمعت فيهم محاسن جميع الأقطار وكما اعتدلوا في الخلقة لطفوا في الفطنة.

وأشرف هذه الأقاليم مدينة السلام وأعزز عليّ بما أصارتني إليه الأقدار من فراق هذا المصر الذي عن بقعته فصلنا لكنه الدهر الذي من شيمته التشتيت والزمن الذي من شرطته الآفات ، ولقد أحسن أبو دلف في قوله : أيا نكبة الدهر التي طوّحت بنا .. أيادي سبا في شرقها والمغارب ، ومن علامة وفاء المرء دوام عهده وحنينه إلى إخوانه وشوقه إلى أوطانه ومن علامة الرشد أن تكون النفس إلى مولدها تائقة وإلى مسقط رأسها شائقة).

فهذا يدلك على أن الرجل بغداديّ الأصل وإنما انتقل إلى ديار مصر فأقام فيها وهو يحكي في كتبه كثيرا ويقول : رأيت أيام كوني بمصر كيت وكيت ، وله من الكتب : كتاب مروج الذهب ومعادن الجوهر في تحف الأشراف والملوك ، كتاب ذخائر العلوم وما كان في سالف الدهور ، كتاب الرسائل ، كتاب الاستذكار لما مرّ في سالف الأعصار ، كتاب التاريخ في أخبار الأمم من العرب والعجم ، كتاب التنبيه والاشراف ، كتاب خزائن الملك وسرّ العالمين ، كتاب المقالات في أصول الديانات ، كتاب أخبار الزمان ومن أباده الحدثان ، وكتاب البيان في أسماء الأئمة ، وكتاب أخبار الخوارج “.

ويقول المسعودي في مقدمة كتابه (أخبار الزمان) : ” بسم الله الرحمن الرحيم وهو حسبنا ونعم الوكيل .. قال الشيخ أبو الحسن علي بن الحسين بن علي بن عبد الله الهذلي المسعودي رحمه الله ورضي عنه :  نبتدئ بحمد الله وذكره وشكره والثناء عليه والشكر له والصلاة على أنبيائه ورسله وملائكته ونخص سيدنا ونبينا محمداً صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأزواجه وأصحابه بأفضل صلواته وأكمل تحياته وأزكى بركاته.

ثم نذكر ما وقع إلينا من أسرار الطبائع وأصناف الخلق مما يكون ذلك مشاكلا لقصدنا ونصل ذلك بذكر ما يجب ذكره من ملوك الأرض وما عملوه من عجائب الأعمال وشيدوه من عجائب البلدان ووصفوه من الآلات المستطرفة والطلاسمات المستعملة وما بنوا من هياكلهم وأودعوه نواويسهم وزبروه على أحجارهم ، على حسب ما نقل إلينا من ذلك.

ونبدأ بما جاء من الآثار الشرعية والملة الحنيفية ثم نذكر ما روي عن الحكماء الأول المتقدمين وبالله أستعين وهو حسبي ونعم الوكيل ، وقد سميت كتابي هذا بكتاب تاريخ أخبار الزمان ومن أباده الحدثان وعجائب البلدان والغامر بالماء والعمران “.

وفي مقدمة كتابه التنبيه والإشراف يوضح الهدف من تأليفه مع الإشارة لجميع مؤلفاته السابقة فقال : ” بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد للَّه رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين قال أبو الحسن على بن الحسين بن على المسعودي :

أما بعد ، فانا لما صنفنا كتابنا الأكبر في (أخبار الزمان ومن أباده الحدثان) من الأمم الماضية والأجيال الحالية والممالك والداثرة وشفعناه بالكتاب الأوسط في معناه ثم قفوناه بكتاب (مروج الذهب ومعادن الجوهر) في تحف الأشراف من الملوك وأهل الدرايات ثم أتلينا ذلك بكتاب (فنون المعارف وما جرى في الدهور السوالف) وأتبعناه بكتاب (ذخائر العلوم وما كان في سالف الدهور) وأردفناه بكتاب (الاستذكار لما جرى في سالف الاعصار).

ذكرنا في هذه الكتب الأخبار عن بدء العالم والخلق وتفرقهم على الأرض والممالك والبر والبحر والقرون البائدة والأمم الخالية الداثرة الأكابر كالهند والصين والكلدانيين – وهم السريانيون – والعرب والفرس واليونانيين والروم وغيرهم ، وتاريخ الأزمان الماضية والأجيال الخالية والأنبياء وذكر قصصهم وسير الملوك وسياساتهم ومساكن الأمم وتباينها في عبادتها واختلافها في آرائها.

وصفة بحار العالم وابتدائها وانتهائها واتصال بعضها ببعض وما لا يتصل منها وما يظهر فيه المد والجزر وما لا يظهر ومقاديرها في الطول والعرض وما يتشعب من كل بحر من الخلجان ويصب إليه من كبار الأنهار وما فيها من الجزائر العظام وما كان من الأرض برا فصار بحرا وبحرا فصار براً على مرور الأزمان وكرور الدهور ، وما قاله حكماء الأمم في كيفية شبابها وهرمها وعلل جميع ذلك والأنهار الكبار ومبادئها ومصابها ومقادير مسافاتها على وجه الأرض من ابتدائها إلى انتهائها.

والأخبار عن شكل الأرض وهيئتها وما قالته حكماء الأمم من الفلاسفة وغيرهم في قسمتها والربع المسكون منها وحدبها وأنجادها وأغوارها وتنازع الناس في كيفية ثباتها وتأثيرات الكواكب في سكانها واختلاف صورهم وألوانهم وأخلاقهم ، ووصف الأقاليم السبعة وأطوالها وعروضها وعامرها وغامرها ومقادير ذلك.

ومجاري الأفلاك وهيئاتها واختلاف حركتها وأبعاد الكواكب وجرامها واتصالها وانفصالها وكيفية مسيرها وتنقلها في أفلاكها ومضاداتها إياها في حركاتها ووجوه تأثيراتها في عالم الكون والفساد التي بها قوام الأكوان ، وهل أفعالها على المماسة أم على المباينة عن ارادة وقصد أم غير ذلك وكيف ذلك وما سببه ؟ وهل حركات الأفلاك والنجوم جميعا طباع أم اختيار ؟ وهل للفلك علة طبيعية فاعلة في الأشياء المعلولة التي هو مشتمل عليها ومحيط بها والنواحي والآفاق من الشرق والغرب والشمال والجنوب.

وما على ظهر الأرض من عجيب البنيان وما قاله الناس في مقدار عمر العالم ومبدئه وغايته ومنتهاه وعلة طول الأعمار وقصرها وآداب الرئاسة وضروب أقسام السياسة المدنية الملوكية منها والعامية مما يلزم الملك في سياسة نفسه ورعيته ، ووجوه أقسام السياسة الديانية وعدد أجزائها ولأية علة لا بد للملك من دين كما لا بدّ للدين من ملك ، ولا قوام لأحدهما إلا بصاحبه ولم وجب ذلك وما سببه؟

وكيف تدخل الآفات على الملك، وتزول الدول وتبيد الشرائع والملل ؟ والآفات التي تحدث في نفس الملك والدين والآفات الخارجة المعترضة لذلك وتحصين الدين والملك وكيف يعالج كل واحد منهما بصاحبه إذا اعتل من نفسه أو من عارض يعرض له وماهية ذلك العلاج، وكيفيته وأمارات إقبال الدول وسياسة البلدان والأديان والجيوش على طبقاتهم ووجوه الحيل والمكايد في الحروب ظاهرا وباطنا ، وغير ذلك من أخبار العالم وعجائبه.

وأخبار نبينا صلّى الله عليه وسلّم ومولده وما ظهر في العالم من الآيات والكوائن والأحداث المنذرات بظهوره قبل مولده من أخبار الكهان وغيرهم وما أظهر الله سبحانه على يديه من الدلائل والعلامات وجوامع المعجزات ، ومنشئه ومبعثه وهجرته ومغازيه وسراياه وسوار به ومناسره إلى وفاته والخلفاء بعده والملوك والغرر من أخبارهم ، وما كان من الكوائن والاحداث والفتوح في أيامهم وأخبار وزرائهم وكتابهم إلى الخلافة المطيع.

وذكرنا من كان في كل عصر من حملة الأخبار ونقلة السير والآثار وطبقاتهم من عصر الصحابة والتابعين ومن بعدهم من فقهاء الأمصار وغيرهم من ذوى الآراء والنحل والمذاهب والجدل بين فرق أهل الصلاة ومن مات منهم في سنة سنة إلى هذا الوقت المؤرخ ، وذكرنا في كتاب (نظم الأعلام في أصول الأحكام) وكتاب (نظم الأدلة في أصول الملة) وكتاب (المسائل والملل في المذاهب والملل) تنازع المتفقهين في مقدمات أصول الدين والحوادث التي اختلفت فيها آراؤهم وما يذهب اليه من القول بالظاهر وإبطال للقياس والرأى والاستحسان في الأحكام

إذ كان الله جل وعز قد أكمل الدين وأوضح السبيل وبين للمكلفين ما يتقون في آياته المنزلة وسنن رسوله المفصلة التي زجرهم بها عن التقليد ونهاهم عن تجاوز ما فيها من التحديد ، وما اتصل بذلك من الكلام في أصول الفتوى والأحكام العقليات منها والسمعيات وغير ذلك من فنون العلوم وضروب الأخبار مما لم تأت الترجمة على وصفه ولا انتظمت ذكره.

رأينا أن نتبع ذلك بكتاب سابع مختصر نترجمه بكتاب (التنبيه والاشراف) وهو التالي لكتاب (الاستذكار لما جرى في سالف الأعصار) نودعه لمعا من ذكر الأفلاك وهيئاتها والنجوم وتأثيراتها والعناصر وتراكيبها وكيفية أفعالها والبيان عن قسمة الازمنة وفصول السنة وما لكل فصل من المنازل والتنازع في المبتدإ به منها والاصطقصات وغير ذلك والرياح ومهابها وافعالها وتأثيراتها.

والأرض وشكلها وما قبل في مقدار مساحتها وعامرها وغامرها والنواحي والآفاق وما يغلب عليها وتأثيراتها في سكانها ، وما اتصل بذلك وذكر الأقاليم السبعة وقسمتها وحدودها وما قيل في طولها وعرضها وقسمة الأقاليم على الكواكب السبعة – الخمسة والنيرين – ووصف الإقليم الرابع وتفضيله على سائر الأقاليم وما خص به ساكنوه من الفضائل التي باينوا بها سكان غيره منها.

وما اتصل بذلك من الكلام في عروض البلدان وأطوالها والأدوية وتأثيراتها وغير ذلك وذكر البحار وأعدادها وما قيل في أطوالها وأعراضها واتصالها وانفصالها ومصبات عظام الأنهار اليها وما يحيط بها من الممالك وغير ذلك من أحوالها وذكر الأمم السبع في سالف الأزمان ، ولغاتهم وآرائهم ومواضع مساكنهم وما بانت به كل أمة من غيرها.

وما اتصل بذلك ثم نتبع ذلك بتسمية ملوك الفرس الأول والطوائف والساسانية على طبقاتهم وأعدادهم ومقدار ما ملكوا من السنين وملوك اليونانيين وأعدادهم ومقدار ملكهم وملوك الروم على طبقاتهم من الحنفاء وهم الصابئون والمتنصرة وعدتهم وجملة ما ملكوا من السنين ، وما كان من الكوائن والاحداث العظام الديانية والملوكية في أيامهم وصفة بنودهم وحدودها ومقاديرها وما يتصل منها بالخليج وبحري الروم والخزر وما اتصل بذلك من اللمع المنبهة على ما تقدم من تأليفنا فيما سلف من كتبنا وذكر الأفدية بين المسلمين والروم إلى هذا الوقت وتواريخ الأمم.

وجامع تأريخ العالم والأنبياء والملوك من آدم الى نبينا محمد صلّى الله عليه وسلّم وحصر ذلك وما اتصل به ومعرفة سنى الأمم الشمسية والقمرية وشهورها وكبسها ونسيئها وغير ذلك من أحوالها وما اتصل بذلك من التنبيهات على ما تقدم جمعه وتأليفه ، وذكر مولد النبي صلّى الله عليه وسلّم ومبعثه وهجرته وعدد غزواته وسراياه وسواربه وكتابه ووفاته والخلفاء بعده والملوك وأخلاقهم وكتابهم ووزرائهم وقضاتهم وحجابهم ونقوش خواتيمهم وما كان من الحوادث العظيمة الديانية والملوكية في أيامهم وحصر تواريخهم إلى وقتنا هذا وهو سنة 345 للهجرة في خلافة المطيع.

منبهين بذلك على ما قدمنا ذكره من كتبنا وانما اقتصرنا في كتابنا هذا على ذكر هذه الممالك لعظم ملك ملوك الفرس وتقادم أمرهم واتصال ملكهم وما كانوا عليه من حسن السياسة وانتظام التدبير وعمارة البلاد والرأفة بالعباد وانقياد كثير من ملوك العالم إلى طاعتهم وحملهم اليهم الإتاوة والخراج وانهم ملكوا الإقليم الرابع وهو إقليم بابل أوسط الأرض وأشرف الأقاليم.

وأن مملكتي اليونانيين والروم تتلوان مملكة فارس في العظم والعز ولما خصوا به من أنواع الحكم والفلسفة والمهن العجيبة والصنائع البديعة ولأن مملكة الروم الى وقتنا هذا ثابتة الرسوم متسقة التدبير وان كان اليونانيون قد دخلوا في جملة الروم منذ احتووا على ملكهم كدخول الكلدانيين – وهم السريانيون سكان العراق – في جملة الفرس الأولى لغلبتهم عليهم ، فأحببنا أن لا نخلي كتابنا هذا من ذكرهم وإن كنا قد ذكرنا سائر الممالك التي على وجه الأرض وما أزيل منها ودثر وما هو باق إلى هذا الوقت وأخبار ملوكهم وسياساتهم وسائر أحوالهم فيما سميناه من كتبنا.

على أنا نعتذر من سهو إن عرض في تصنيفنا مما لا يسلّم منه من لحقته غفلة الانسانية وسهوة البشرية ثم ما دفعنا اليه من طول الغربة وبعد الدار وتواتر الاسفار طورا مشرقين وطورا مغربين كما قال أبو تمام : خليفة الخضر من يربع على وطن .. في بلدة فظهور العيس أوطاني .. بالشأم قومي وبغداد الهوى وأنا .. بالرقتين وبالفسطاط إخواني ، وكقوله أيضا : فغربت حتى لم أجد ذكر مشرق .. وشرقت حتى قد نسيت المغاربا .. خطوب إذا لاقيتهن رددنني .. جريحا كأنى قد لقيت الكتائبا ، ونحن آخذون فيما به وعدنا وله قصدنا وباللَّه نستعين وإياه نسأل التوفيق والتسديد “.

49 / تاريخ المصريين

أول مرة يظهر فيها مصطلح (تاريخ المصريين) باللغة العربية كان في كتاب يحمل نفس العنوان : ” كتاب تاريخ المصريين ” للمؤرخ ابن يونس الصدفي وهو من رجال القرن الرابع الهجري ، واسمه كاملا هو أبو سعيد عبد ‌الرحمن ‌بن ‌أحمد ‌بن ‌يونس بن عبد الأعلى بن موسى بن ميسرة بن حيان الصدفي المصري ولد في عام 281 هـ / 894 م وعاش حياته في الفسطاط ولم يغادر مصر حتى وافته المنية في عام 347 هـ / 958 م وهو من أبناء قبيلة الصدف الحضرمية.

وهو من عائلة اشتهرت بالتميز في العلوم والآداب حيث عرف جده الأكبر أبو سلمة عبد الأعلى بن موسى بالصلاح والتقوى والعقل والحكمة وولد عام 121 هـ وتوفي عام 201 هـ وتزوج من فليحة بنت أبان بن زياد بن نافع التّجيبى وأنجب منها الإمام أبي موسى يونس بن عبد الأعلى ، ولد يونس عام 170 هـ وتوفي عام 264 هـ وتتلمذ في القراءات علي يد الإمام ورش وفي الحديث على يد عبد الله بن وهب وفي الفقه على يد الإمام الشافعي.

واشتغل أبناؤه من بعده بالفقه والحديث وهم موسى ومحمد وعبد الأعلى وأصغرهم أبو الحسن أحمد بن يونس الذي ولد عام 240 هـ وتوفي عام 302 هـ وقضى حياته متنقلا بين الفسطاط والصعيد وهو والد عبد الرحمن بن أحمد المؤرخ ومعلمه في نفس الوقت ، ولهذا نشأ عبد الرحمن على الجد في الدراسة والتحصيل واستفاد من كتابات أسرته في تدوين التاريخ ومعرفة الشخصيات حتى نجح في كتابة أول مدونة في السير الذاتية والتراجم والأنساب.

وقد ورث عنه ابنه أبو الحسن علي حب العلم حيث برع في مجال الفلك والفلسفة والرياضيات وعرف باسم ابن يونس المصري المنجم تمييزا له عن أبيه المؤرخ وجده الأكبر الفقيه والمحدث ، ولد عام 342 هـ وتوفي عام 399 هـ ، ولنبوغه أجزل له الفاطميون العطاء وأسسوا له مرصدا على جبل المقطم قرب الفسطاط وأمره العزيز بالله الفاطمي بعمل جداول فلكية فأتمها في عهد الحاكم بأمر الله وسماها الزيج الكبير الحاكمي.

وقد عاش عبد الرحمن في نهاية عصر الولاة وعاصر الطولونيين والإخشيديين وما حدث وقتها من أحداث تاريخية كبرى ، وقد أثنى عليه المؤرخون فقال عنه الذهبي : ” الإمام الحافظ المتقن .. ما ارتحل ولا سمع بغير مصر ولكنه إمام بصير بالرجال فهم متيقظ له كلام في الجرح والتعديل يدل على بصره بالرجال ومعرفته بالعلل ” ، وقال عنه ابن خلكان : ” كان خبيرا بأحوال الناس ومطلعا على تواريخهم عارفا بما يقوله “.

أما كتابه الأشهر تاريخ المصريين فقد ورد بهذا الاسم عند كل ابن الفرضى فى «الألقاب» وابن عبد البر فى «الاستيعاب» والسمعاني فى «الأنساب» وابن عساكر فى «مخطوطة تاريخ دمشق» وغيرها ، وعرف الكتاب باسم آخر هو تاريخ ابن يونس عند ابن حجر في تهذيب التهذيب وباسم تاريخ مصر عند الذهبى فى «تاريخ الإسلام» والصفدى فى «الوافى بالوفيات» وابن دقماق فى «الانتصار».

وقد سجل ابن يونس في كتابه ترجمة لكل من يمكن أن يطلق عليه لقب «مصرى» وجعل على رأس هؤلاء جميعا الصحابة الذين دخلوا مصر مع الفتح الإسلامى لها أو بعده ومن أدركوا زمن الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يلتقوا به وقدموا إلى مصر مع الفتح أو بعده بقليل وكذلك من ولد بمصر وعاش بها وكذلك من دخل صغيرا واختط بها أو أقام واستقر بها ومات أو خرج بعد فترة إلى غيرها من البلاد وذلك حتى سنة وفاته.

ومصطلح تاريخ المصريين الذي ظهر لأول مرة على يد ابن يونس كان يقصد به صراحة العرب الذين دخلوا مصر وسكنوها وليس عموم سكان وادي النيل في زمنه فقد كانت كلمة المصريين تعني عرب مصر وهو الأمر الواضح من محتوى الكتاب وما ورد فيه من شخصيات حيث ترجم لأكثر من ألف وخمسمائة رجل وامرأة من سكان الفسطاط وذيل به ملحقا سماه تاريخ الغرباء ويقصد به العرب الزائرين لمصر لفترة مؤقتة من موظفين وطلبة علم وتجار.

وبهذا فإن المؤلف يفصل بين العرب المقيمين في مصر منذ زمن الفتح فسماهم المصريين وبين سائر العرب فسماهم الغرباء ، أما بقية سكان وادي النيل فلم يكن يطلق عليهم اسم المصريين وإنما وصف العرب من سبقهم من السكان وصفا دقيقا فأطلقوا اسم النوبة على سكان الجنوب عند أسوان وأطلقوا اسم الروم على من بقي من البيزنطيين في الإسكندرية وبعض مناطق شمال وغرب الدلتا وأطلقوا اسم النبطيين على الناطقين بالسريانية في شرق الدلتا ، أما الغالبية العظمى فقد عرفت بالاسم التاريخي وهو القبط  ..

وقسموا القبط إلى أربعة أقسام .. ربما كان تقسيما جغرافيا أو لغويا أو مذهبيا فأطلقوا على أقباط الصعيد اسم المريس وميزوا بينهم وبين سائر الأقباط ، وأطلقوا على سكان شمال الدلتا في النطاق الساحلي اسم البشرود (البشموريين) وربطوا بينهم وبين الروم والسريان بينما أطلقوا على غالبية القبط في وسط الدلتا والمنوفية والبحيرة اسم البلما (وتنطق أحيانا البيما وتعني القريب من البحر أو من يسكن في الوجه البحري) ، وأطلقواعلى قطاع من المسيحيين الناطقين بالعربية في شرق الدلتا اسم الحرسيين وهم مجموعات قبلية قديمة تنتشر في سيناء والنقب وبادية الشام والعراق.

وقد ذكره وفيات الأعيان : ” ابن يونس صاحب تاريخ مصر .. أبو سعيد عبد الرحمن بن أبي الحسن أحمد بن أبي موسى يونس بن عبد الأعلى بن موسى بن ميسرة بن حفص بن حيان الصدفي المحدث المؤرخ المصري ؛ كان خبيراً بأحوال الناس ومطلعاً على تواريخهم عارفاً بما يقوله جمع لمصر تاريخين : أحدهما وهو الأكبر يختص بالمصريين والآخر وهو صغير يشتمل على ذكر الغرباء الواردين على مصر ، وما أقصر فيهما وقد ذيلهما أبو القاسم يحيى بن علي الحضرمي وبنى عليهما.

وهذا أبو سعيد المذكور هو حفيد يونس بن عبد الأعلى صاحب الإمام الشافعي رضي الله عنه والناقل لأقواله الجديدة ، وقال أبو الحسن علي بن عبد الرحمن المذكور : كانت ولادة أبي في سنة إحدى وثمانين ومائتين ، وكانت وفاته يوم الأحد ودفن يوم الاثنين لست وعشرين ليلة خلت من جمادى الآخرة سنة سبع وأربعين وثلثمائة رحمه الله تعالى وصلى عليه أبو القاسم ابن الحجاج ، ورثاه أبو عيسى عبد الرحمن بن إسماعيل بن عبد الله بن سليمان الخولاني الخشّاب المصري النحوي العروضي بقوله :  

بثثت علمك تشريقاً وتغريباً .. وعدت بعد لذيذ العيش مندوبا .. أبا سعيد وما نألوك أن نشرت .. عنك الدواوين تصديقاً وتصويبا ما زلت تلهج بالتاريخ تكتبه .. حتى رأيناك في التاريخ مكتوبا .. أرّخت موتك في ذكري وفي صحفي .. لمن يؤرخني إذ كنت محسوبا .. نشرت عن مصر من سكانها علماً .. مبجّلاً بجمال القوم منصوبا .. كشفت عن فخرهم للناس وما سجعت .. ورق الحمام على الأغصان تطريبا .. أعربت عن عرب نقّبت عن نجبٍ .. سارت مناقبهم في الناس تنقيبا .. أنشرت ميتهم حيّاً بنسبته .. حتى كأن لم يمت إذ كان منسوبا .. إن المكارم للإحسان موجبة .. وفيك قد ركّبت يا عبد تركيبا .. حجبت عنا وما الدنيا بمظهرة .. شخصاً وإن جلّ إلا عاد محجوبا .. كذلك الموت لا يبقي على أحدٍ .. مدى الليالي من الأحباب محبوبا.

والصدفي : بفتح الصاد والدال المهملتين وبعدهما فاء هذه النسبة إلى الصدف بن سهل وهي قبيلة كبيرة من حمير نزلت مصر والصدف بكسر الدال وإنما تفتح في النسب كما قالوا في النسب إلى نمرة نمري وهي قاعدة مطردة وفيه لغة أخرى أنه الصدف بفتح الدال “.

50 / ديوان ابن طباطبا      

الأثر الوحيد في مصر المتبقي من عصر الإخشيديين هو مشهد آل طباطبا الموجود على الساحل الشمالي لبحيرة عين الصيرة على بعد خمسمائة متر إلى الغرب من مسجد الإمام الشافعي ، وينسب هذا المشهد إلى أسرة السيد إبراهيم طباطبا بن إسماعيل الديباج بن إبراهيم الغمر بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب حيث يضم عددا من القباب أقيمت فوق أضرحة ذريته وأبناء أخيه ..

وكان إبراهيم طباطبا من المعارضين للعباسيين فهاجرت ذريته إلى مصر ورصد المؤرخون منهم تسعة أجيال متصلة خلال عصر الطولونيين والإخشيديين وأوائل عصر الفاطميين ، وقد بني المشهد على يد محمد بن طغج الإخشيد في القرن العاشر الميلادي تكريما لآل طباطبا الذين كانت بيدهم نقابة الأشراف في ذلك العصر وكانت لهم أهمية سياسية للإخشيد أثناء النزاع بين العباسيين والفاطميين ..

ومن أولاد إبراهيم طباطبا المدفونين بهذا المشهد علي بن الحسن وكانت له مكانة ومقام كبير عند أمراء مصر وتوفي سنة 868م (255هـ). كما دُفن في المشهد الامام أحمد بن علي بن الحسن بن طباطبا وكان من شعراء عصره وكان يسعى في قضاء حوائج الناس لدى أحمد بن طولون ، ودُفن في المشهد الامام عبدالله بن طباطبا وكانت تربطه علاقة وثيقة بكافور الاخشيدي توفي سنة 959م (348هـ) ..

وقد دفن فيه من النساء السيدة خديجة ابنة محمد بن اسماعيل بن إبراهيم بن طباطبا وكانت عابدة زاهدة وهي زوجة عبد الله بن طباطبا وتوفيت سنة 932م (320هـ). ، ودُفن في المشهد من عائلة طباطبا أبو الحسن علي بن الحسن ابن طباطبا المعروف باسم صاحب الحوريّة وأبو محمد الحسن بن علي بن طباطبا سنة 965م (354هـ). كما دُفن به سُليمان بن علي بن طباطبا سنة 1277م (676هـ) وكان من خدام المشهد..

والمشهد عبارة عن مستطيل غير منتظم يبلغ طوله ثلاثين مترا وعرضه عشرين مترا ، وفي نهايته الجنوبية يوجد قبتان وفي الجزء الشمالي الشرقي من سور المشهد يوجد المدخل وإلى يساره يوجد مبنى حديث عبارة عن حجرة مربعة يغطيها قبة وبهذه الحجرة يوجد بئر يغذى المشهد بالمياه ويتصل بجدار حجرة البئر مبنى مستطيل مقسم إلى ست حجرات صغيرة بعضها مربع والآخر مستطيل ..

وقد نبغ من آل طباطبا عدد كبير من الشعراء على رأسهم الشاعر أبو القاسم أحمد بن محمد بن إسماعيل بن طباطبا ، وله ديوان شعري نقل منه الثعالبي في كتابه يتيمة الدهر ومنها قوله : يَا بدر بَادر إِلَيّ بالكاس .. فَرب خير أَتَى على ياس .. وَلَا تقبل يَدي فَإِن فمي .. أولى بهَا من يَدي وَمن رَأْسِي .. لَا عَاشَ فِي النَّاس من يلوم على .. حبي وعشقي لأحسن النَّاس (من المنسرح).

وَقَوله : قل للَّذي حسنت مِنْهُ خلائقه .. باكر صبوحك واسبق من تسابقه .. أما ترى الْغَيْم مجموعا ومفترقا .. يسير هَذَا إِلَى هَذَا يعانقه .. كعاشق زار معشوقا يودعه .. قبل الْفِرَاق فآلى لَا يُفَارِقهُ (من البسيط) ، وَقَوله : قَالَت أَرَاك خضبت الشيب قلت لَهَا .. سترته عَنْك يَا سَمْعِي وَيَا بَصرِي .. فاستضحكت ثمَّ قَالَت من تعجبها .. تكاثر الْغِشّ حَتَّى صَار فِي الشّعْر (من البسيط).

وَقَوله :عيرتني بِالنَّوْمِ جورا وظلما .. قلت زِدْت الْفُؤَاد هما وغما .. اسمعي حجتي وَإِن كنت أَدْرِي .. أَن عُذْري يكون عنْدك جرما .. لم أنم لَذَّة وَلَا نمت إِلَّا .. طَمَعا فِي خيالك أَن يلما (من الخفيف) ، وقَوله : سأعتبها حق مَا استعتبت .. وَإِن لم تكن أبدا معتبه .. وسوف أجربها بالصدود .. وَمن يشرب السم للتجربه (من المتقارب).

وقوله : خليلي إِنِّي للثريا لحاسد .. وَإِنِّي على صرف الزَّمَان لواجد .. أيبقى جَمِيعًا وَهِي سَبْعَة .. وأفقد من أحببته وَهُوَ وَاحِد .. كَذَلِك من لم تخترمه منية .. يرى عجبا فِيمَا يرى ويشاهد (من الطويل).

ونقل الثعالبي مساجلاته الشعرية مع أدباء عصره ومنهم الْحسن بن عَليّ الْأَسدي كَاتب السِّرّ حيث كتب إِلَيْهِ أَحْمد بن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل الرسي يطْلب مِنْهُ الْكتاب الَّذِي عمله الْمَعْرُوف بالأنيس فأنفذ إِلَيْهِ الْجُزْء الأول مِنْهُ وَكتب إِلَيْهِ :

قد بعثنَا بمؤنس لَك فِي الوحشة .. خل يدعى كتاب الأنيس .. فِيهِ مَا يَشْتَهِي الأديب من الْعلم .. وَفِيه جلاء هم النُّفُوس .. فِيهِ مَا شِئْت من بدور معَان .. ضاحكات إِلَى وُجُوه شموس .. والنفيس الْبَهِي مَا زَالَ يهدى .. كل حِين إِلَى الْبَهِي النفيس (من الخفيف).    

فَلَمَّا قَرَأَ رقعته كتب على ظهرهَا ارتجالا : قد قَرَأت الْكتاب يَا خل نَفسِي .. فَهُوَ لي مؤنس وَأَنت الأنيس .. فَهُوَ تأليف ذى ذكاء وَفهم .. وَهُوَ وقف على الْعُلُوم حبيس (من الخفيف). 

وقد ترجم له ابن خلكان في كتابه وفيات الأعيان حيث قال : ” ابن طباطبا .. أبو القاسم أحمد بن إسماعيل بن إبراهيم طباطبا بن إسماعيل بن إبراهيم ابن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، الشريف الحسني الرسي المصري كان نقيب الطالبين بمصر وكان من أكابر رؤسائها وله شعر مليح في الزهد والغزل وغير ذلك.

وذكره أبو منصور الثعالبي في كتاب اليتيمة وذكر له مقاطيع ومن جملة ما أورد له قوله : خليلي إني للثريا لحاسد .. وإني على ريب الزمان لواجد .. أيبقي جميعاً شملها وهي ستة .. وأفقد من أحببته وهو واحد ، وأورد له أيضاً وذكرها في أوائل الكتاب لذي القرنين بن حمدان قوله : قالت لطيف خيال زارني ومضى .. بالله صفه ولا تنقص ولا تزد .. فقال أبصرته لو مات من ظمإ .. وقلت قف عن ورود الماء لم يرد .. قالت صدقت الوفا في الحب عادته .. يا برد ذلك الذي قالت على كبدي ،  وله غير هذا أشياء حسنة.

ومن شعره المنسوب إليه في طول الليل وهو معنى غريب : كأن نجوم الليل سارت نهارها .. فوافت عشاء وهي أنضاء أسفار .. وقد خيمت كي يستريح ركابها .. فلا فلك جار ولا كوكب ساري ، ثم وجدت هذين البيتين في ديوان أبي الحسن ابن طباطبا من جملة قصيدة طويلة.

ونقلت من ديوان أبي الحسن المذكور من جملة أبيات : بانوا وأبقوا في حشاي لبينهم .. وجداً إذا ظعن الخليط أقاما .. لله أيام السرور كأنما .. كانت لسرعة مرها أحلاما .. لو دام عيش رحمةً لأخي هوًى .. لأقام لي ذاك السرور وداما .. يا عيشنا المفقود خذ من عمرنا .. عاماً ورد من الصبا أياما ، ولا أدري من هذا أبو الحسن ولا وجه النسبة بينه وبين أبي القاسم المذكور والله أعلم.

وذكره الأمير المختار المعروف بالمسبحي في تاريخ مصر وقال : توفي في سنة خمس وأربعين وثلثمائة رحمه الله تعالى ؛ وزاد غيره : ليلة الثلاثاء لخمس بقين من شعبان ، ودفن في مقبرتهم خلف المصلى الجديد بمصر وعمره أربع وستون سنة.

وطباطبا – بفتح الطاءين المهملتين والباءين الموحدتين – وهو لقب جده إبراهيم وإنما قيل له ذلك لأنه كان يلثغ فيجعل القاف طاء وطلب يوماً ثيابه فقال له غلامه : أجيء بدراعة فقال : لا طباطبا ، يرد قبا قبا ، فبقي عليه لقباً واشتهر به ، والرسي : بفتح الراء والسين المشددة المهملة قال ابن السمعاني : هذه نسبة إلى بطن من بطون السادة العلوية “.

وذكره الصفدي في كتابه الوافي بالوفيات فقال : ” ابْن طَبَاطَبَا الْعلوِي ..أَحْمد بن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم بن طَبَاطَبَا بن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم بن حسن بن الْحسن بن عَليّ بن أبي طَالب الْعلوِي الرئيس أَبُو الْقَاسِم الْمصْرِيّ نقيب الطالبيين بِمصْر لَهُ الشّعْر الْجيد فِي الزّهْد والغزل مدونٌ لقب طَبَاطَبَا لِأَنَّهُ كَانَ يلثغ بِالْقَافِ طاء فَطلب يَوْمًا ثِيَابه فَقَالَ الْغُلَام أجيء بدراعةٍ فَقَالَ لَا طِبًّا طِبًّا يَعْنِي قبا قبا توفّي سنة خمس وَأَرْبَعين وَثَلَاث مائَة “.

ونقل الثعالبي أشعار ولده وهو أَبُو مُحَمَّد الْقَاسِم بن أَحْمد الرسي حيث يقول : إِذا الكروان صَاح على الرمال .. وَحل الْبَدْر فِي برج الْكَمَال .. وجعد وَجه بركتنا هبوب .. تمر بِهِ الْجنُوب مَعَ الشمَال .. وحركت الغصون فشابهتها .. قدود سقاتنا فِي كل حَال .. فهات الكأس مترعة وَدعنِي .. أبادر لذتي قبل ارتحالي .. فَكل جمَاعَة لَا شكّ يَوْمًا .. يفرق بَينهم صرف اللَّيَالِي (من الوافر).

وَقَوله : إِذا التحف الجو بالأدكن .. وغنى الحمائم بالأعن .. وهب نسيم الصِّبَا سحرة .. برِيح البنفسج والسوسن .. وحن إِلَى القصف ألافه .. فبادر إِلَى شيخك المنحني .. فَنَفْس من الحنق أوداجه .. وسق الندامى وَلَا تنسني (من المتقارب).

ونقل أشعار أَخُيه وهو أَبُو إِسْمَاعِيل إِبْرَاهِيم بن أَحْمد الرسي الذي يقول : عرفت الديار على مَا بهَا .. وأوقفت ركبي على بَابهَا .. وناديت فِيهَا بِأَعْلَى النداء .. مرَارًا بأسماء أَرْبَابهَا .. فَلم أر فِيهَا سوى بومها .. تصيح جهارا بأترابها .. فَأَعْلمنِي ذَاك أَن الزَّمَان .. أخنى عَلَيْهَا وأودى بهَا (من المتقارب).

ونقل شعر ولده وهو أَبُو عبد الله الْحُسَيْن بن إِبْرَاهِيم ابْن أَحْمد الذي يقول : شم النسيم لذيذا .. من قبل أَن لَا تشمه .. واصرف عَن الْقلب مَا اسطعت .. بالمسرة همه .. وغالط الدَّهْر إِن كنت .. لست تملك حكمه .. وَقد نَصَحْتُك جهدي .. فَلَا تصم وتكمه (من المجتث).

وَقَوله : صدقت عَنَّا نوار .. وَلَقَد كَانَت تزور .. ثمَّ قَالَت كَيفَ أودى .. ذَلِك الْغُصْن النَّضِير .. وشباب يتلالا .. فِيهِ للنَّاظِر نور .. قلت إِن أنصفت هَذَا .. لِابْنِ خمسين كثير (من مجزوء الرمل).