الأمن القومي

الاتحاد الإقليمي

1 / الصين

الاتحاد الإقليمي الاقتصادي أو السياسي بين الدول المتجاورة جغرافيا ليس ترفا فكريا ولا شعارا ثوريا ولكن أمر تحتمه المصلحة وتوجبه الظروف في عالم متسارع الخطوات لاهث الأنفاس يفترس الكبير فيه الصغير ولا يعرف إلا لغة القوة ويباع ويشترى كل شيء فيه بالمال وليس فيه أدنى احترام للأخلاق والقيم وفي ظل هذا الصراع اللانهائي لن يبقى في الوجود إلا الكيانات الكبيرة الموحدة بينما يصبح مصير الدول الصغيرة المتفرقة مجهولا في طي النسيان ، وإذا نظرنا بتمعن إلى خريطة العالم الجغرافية والسكانية فسوف نجد أنه يتكون من عدد من الكتل القارية والسكانية المنفصلة عن بعضها حيث تشكل كل كتلة إقليما قائما بذاته يميل إلى الاتحاد بفعل العوامل الجغرافية والحضارية معا ، ففي أقصى الشرق نجد التنين الصيني حيث أكثر من مليار وربع إنسان يعيشون على ضفاف الأنهار الثلاثة التي نشأت فيها الحضارة الصينية القديمة وغالبيتهم ينتمون إلى عرقية (الهان) وقد توحدت الامبراطورية الصينية بالتدريج عبر مراحل تاريخية متعاقبة وحافظت على الثقافة الكونفوشية في معزل عن العالم الخارجي طبيعيا بفضل الجغرافيا والثقافة وصناعيا بفضل سور الصين العظيم لكنها توسعت في الزمن الحديث حيث احتلت بالقوة العسكرية كلا من منشوريا ومنغوليا الداخلية والتبت وتركستان الشرقية واليوم تحولت الصين الشيوعية من أكبر دولة نامية إلى أحدث قوة عظمى ..

2 / الهند

بالقرب من هذا المستودع البشري السكاني في الصين نجد مستودعا آخر يقاربه في العدد وذلك في شبه القارة الهندية التي تحيط بها المحيطات من الجنوب الشرقي والجنوب الغربي بينما تنتصب كل من جبال الهيمالايا وجبال الهندوكوش في الشمال الشرقي والشمال الغربي على التوالي لتصنع الحدود الطبيعية لتلك الكتلة الضخمة من اليابسة التي كانت قارة منفصلة في الحقب الجيولوجية القديمة ثم اتحدت مع آسيا وكان من نتيجة الاتحاد هذه السلاسل الجبلية المنيعة ، وعلى العكس من الصين فإن شبه القارة الهندية تتكون من أعراق متنوعة نتيجة الغزوات المتعاقبة والامبراطوريات المتتالية التي حكمت هذه المنطقة وهو ما يجعلها حافلة بمختلف اللغات والأديان وقد حاول المهاتما غاندي الحفاظ على وحدة الهند وتوسل إلى السيد محمد علي جناح للحيلولة دون استقلال باكستان حيث كانت الهند الموحدة ستصبح في سنوات معدودة قوة عظمى بالتأكيد لكن النزعة الانفصالية كانت أقوى لاعتبارات تاريخية وطائفية ، وتشغل دولة الهند معظم تلك القارة حيث تتكون من اتحاد أقاليم متباينة إثنيا ومناخيا تحت حكم ديموقراطي حافظ على الوحدة والتنوع معا بل إنه من الطريف أنها تضم حاليا أقلية مسلمة تتجاوز 15 % من سكانها بتعداد يبلغ 150 مليون نسمة أي أنها الدولة الثانية على مستوى العالم في عدد المسلمين وقد تقدمت بالفعل أكثر من مرة للالتحاق بمنظمة التعاون الإسلامي لكن في كل مرة كانت توضع أمامها العراقيل وبفضل هذه الوحدة فإن الهند في طريقها لتكون قوة عظمى جديدة في العالم حيث امتلكت السلاح النووي وحققت طفرة اقتصادية ملموسة وتشكل مركزا يضم حوله كل من بنجلاديش وبوتان ونيبال وسيريلانكا وكشمير.

3 / دول آسيان

إذا ابتعدنا عن هذا الزحام السكاني الملياري في الصين والهند فإن كل كتلة قارية بعد ذلك من الكتل التالية التي يتكون منها العالم تحوي عددا أقل من البشر وأول هذه الكتل قربا منهما هي منطقة جنوب شرق آسيا والتي تتكون من عدد من أشباه الجزر المفصولة عن الصين والهند بحواجز جغرافية طبيعية وعدد كبير من الجزر المنفصلة تماما بالبحار عن البر القاري وتتمثل أشباه الجزر في كل من شبه الجزيرة الكورية وشبه جزيرة الهند الصينية وشبه جزيرة الملايو وأما الجزر فإنها تتكون من سلسلة متجاورة على هيئة أرخبيل كبير يبدأ من الجنوب الغربي عند إندونيسيا ثم القارة الأسترالية مرورا بالفلبين وتايوان حتى اليابان في الشمال الشرقي ، وهي منطقة التمركز الكبرى للديانة البوذية (الهند الصينية واليابان) مع وجود كبير للإسلام (إندونيسيا وماليزيا) والمسيحية (الفلبين وأستراليا ونيوزيلندا) كما أن الأصول الثقافية للمنطقة متعددة حيث هناك وشائج عرقية وحضارية تربط كوريا وفيتنام ولاوس وتايلاند بالصين وتربط كمبوديا بالهند وتربط بورما بالتبت وتربط الملايو بالبلاد العربية وتربط أستراليا بالغرب وإذا حدث المستحيل وانضمت اليابان وأستراليا لمجموعة الآسيان فسوف تتحول هذه البقة الجغرافية إلى (منطقة الين الياباني) وتقفز قفزة اقتصادية هائلة ..

4 / آسيا الإسلامية

على الناحية الأخرى من الصين والهند وفي الشمال الغربي منهما نقابل كتلة جغرافية وسكانية كبيرة تحددها الهضبة الأسيوية التي تمتد من صحراء سيبيريا شمالا إلى المحيط الهندي جنوبا ومن الهيمالايا والهندوكوش شرقا إلى جبال زاجروس وقلقيلية غربا وتضم في جنباتها الهضبة المنغولية وهضبة تركستان والهضبة الإيرانية وهضبة الأناضول وجبال القوقاز وجبال أفغانستان ، وتنتشر في هذه الكتلة العشائر الإيرانية والطورانية مثل الفرس والطاجيك والبشتون والأكراد والأرمن والمغول والترك والإيجور والأوزبك والكازاخ والقيرغيز والتركمان والآذريين والهزارة وكافة عشائر القوقاز الخاضعة للاحتلال الروسي وتركستان الشرقية الخاضعة للصين وهذه المنطقة من العالم كانت تاريخيا تتبع غالبا دولة واحدة حيث خضعت لكل من امبراطوريات الفرس والإسكندر والسلاجقة والمغول وإذا أضفت لهذه الكتلة دولة باكستان لاعتبارات سياسية وثقافية فإنها تشكل قوة إقليمية جبارة في آسيا وفي العصر الحديث ارتبطت كل من باكستان وإيران وتركيا في حلف عسكري ضد الشيوعية وإذا قام بين هذه الدول العشر اتحاد على غرار الآسيان فسوف يتغير مستقبل المنطقة بصورة كبيرة لا سيما وأن هناك صلات عرقية وثقافية بين باكستان وإيران وأفغانستان وطاجيكستان بينما هناك صلات ثقافية ولغوية بين كل من تركيا وأذربيجان وكازخستان وتركمانستان وأوزبكستان وقيرغيزيا فضلا عن اتصالهم جميعا عن طريق البر وقد تأسس بينهم منذ فترة (منظمة التعاون الاقتصادي) التي ضمت هذه الدول جميعا وإذا تم تفعيل هذا التجمع فسوف يتوازن مع كل من روسيا والصين والهند وأوروبا والتي تحيط بهذا التكتل من جهاته الأربع.

5 / الاتحاد الروسي

إذا اتجهنا نحو الشمال والشمال الغربي فسوف نجد كتلة قارية تمتد من المحيط الهادي شرقا مرورا بصحراء سيبيريا إلى جبال الأورال إلى حوض الفولجا إلى أوروبا وساحل الأطلنطي غربا والتي يمكن أن نطلق عليها (شمال أوراسيا) وهذه المساحة المتصلة من اليابسة تقسمها جبال الأورال إلى كتلتين كبيرتين إحداهما شرقية يسكنها عدد قليل من السكان هي سيبيريا والآخرى غربية تتركز فيها الكتلة السكانية الضخمة وهي أوروبا ، وهذه المساحة تخضع من الناحية السياسية إلى كيانين كبيرين يقتسمانها هما الاتحاد الروسي والاتحاد الأوروبي فأما الاتحاد الروسي فهو يسيطر على المساحة التي تنتشر عليها غالبية الشعوب السلافية والتي كانت خاضعة في الماضي القريب للامبراطورية الروسية القيصرية ثم الاتحاد السوفييتي وتشكل روسيا الآن الدولة المركزية في هذه الكتلة وحولها كل من أوكرانيا ومولدافيا وروسيا البيضاء ودول البلطيق وعدد كبير من الجمهوريات الاتحادية الصغيرة ، وتسعى روسيا جاهدة لاستعادة التراث الامبراطوري بربط كل مكونات الكتلة الشرقية القديمة بها مرة أخرى فهي تحافظ على علاقات مع جمهوريات آسيا الوسطى الإسلامية ومع جمهوريات القوقاز المسيحية (أرمينيا وجورجيا) ومع دول أوروبا الشرقية السلافية فضلا عن استمرار احتلالها لكل من المقاطعات الإسلامية في شمال القوقاز وتترستان مما يجعل هذه المنطقة فعليا تحت الهيمنة الروسية ..

6 / الاتحاد الأوروبي

تشكل قارة أوروربا الجزء الغربي من (أوراسيا) على هيئة شبه جزيرة كبيرة حيث تشكل دول الاتحاد الأوروبي نفس حدود الدولة الرومانية الغربية في عهد يوليوس قيصر والمملكة الكارولينجية التي أسسها شارلمان الكبير وامبراطورية نابليون بونابرت الفرنسية والرايخ الثالث الألماني بقيادة هتلر وقد توقف التوسع الروماني عند تخوم القبائل البربرية وتوقف توسع شارلمان عند حدوده مع الفايكنج بينما أخفق كل من نابليون وهتلر عندما قرر كلاهما الخروج من أوروبا وغزو روسيا حيث تحطمت على أعتابها الأحلام الامبراطورية ، وفي أعقاب الحرب العالمية الثانية فقدت أوروبا قوتها الاستعمارية وسقطت في قبضة التبعية لكل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي الذين تقاسما السيطرة على القارة العجوز مما دعا دول القارة للتفكير الجدي في التوحد الاقتصادي والذي يسير باتجاه التوحد السياسي بخطوات واثقة جعلت هذا الكيان بمثابة قوة عظمى جديدة حيث تقف بقوة في وجه الأطماع الروسية وتتعامل مع الولايات المتحدة تعامل الند للند والآن قد تحقق أخيرا بالدبلوماسية والعقلانية ما عجزت عن تحقيقه الجيوش والأساطيل في العصور الماضية.

7 / الولايات المتحدة اللأمريكية

إذا عبرنا المحيط الأطلنطي باتجاه الغرب فسوف تقابلنا كتلة جغرافية طبيعية هي القارة الأمريكية التي تحوي مليار نسمة وتنقسم من الناحية الجغرافية إلى شمالية وجنوبية لكنها من الناحية السكانية والحضارية تنقسم إلى قسمين كبيرين أحدهما ناطق بالإنجليزية والفرنسية في كندا والولايات المتحدة بينما الآخر ناطق بالأسبانية والبرتغالية في غالبية أمريكا الوسطى والجنوبية والكاريبي (أمريكا اللاتينية) ، وتتمركز الولايات المتحدة الأمريكية في وسط القارة الشمالية بين كل من كندا شمالا والمكسيك جنوبا حيث تتحد سويا 48 ولاية بالإضافة إلى ألاسكا وهاواي وكل ولاية منها بحجم دولة متوسطة المساحة والسكان أي أننا بصدد اتحاد مكون من خمسين دولة لذلك تكون النتيجة الطبيعية خلق قوة عظمى جبارة بل هي في الواقع أكبر قوة حضارية شهدها التاريخ ، وقد نشأ هذا الكيان العملاق في البداية من استقلال 13 مستعمرة صغيرة على الساحل الشرقي للقارة عن بريطانيا ثم بدأت التوسع التدريجي نحو الغرب وعندما حاولت الولايات الجنوبية الانفصال عن الفيدرالية تمت مواجهة ذلك بكل عنف في الحرب الأهلية الأمريكية ومع التوسع غربا كانت الهيمنة الأنجلوساكسونية قد صارت أمرا واقعا حيث إن الولايات الشرقية لا تزال حتى الآن هي مركز الدولة وعصب الحياة فيها.

8 / أمريكا اللاتينية

أمريكا اللاتينية (وتشمل قارة أمريكا الجنوبية وأمريكا الوسطى وجزر الكاريبي والمكسيك) ويسكنها كتلة بشرية ضخمة متجانسة ثقافيا واقتصاديا لكنها عانت كثيرا من عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي وتجتهد دولها في الارتباط سويا سعيا لنوع من الوحدة حيث كانت كل من فنزويلا وبوليفيا وكولومبيا والإكوادور كيانا سياسيا واحدا في وقت ما وكذلك دول أمريكا الوسطى لفترة قصيرة وكذلك دول الكاريبي أما البرازيل والمكسيك وهما أكبر دولتين في عدد السكان والقوة والنفوذ والاقتصاد فهما في الأصل نتاج اتحاد عدد من الولايات الصغيرة وهو ما جعلهما في مركز الثقل بالنسبة للدول المحيطة ، ومشكلة أمريكا اللاتينية الكبرى هي مجاورتها للولايات المتحدة التي دأبت على التدخل في شئون تلك الدول بالمال السياسي ودعم الحركات الانفصالية والانقلابات العسكرية الدموية وفي المقابل فإن أمريكا اللاتينية كانت تاريخيا قلعة النضال اليساري ضد الإمبريالية وشوكة في جنب المعسكر الغربي ومنذ سنوات قليلة تأسس تجمع (سيلاك) الذي ضم جميع الدول الأمريكية ما عدا الولايات المتحدة وكندا لمقاومة الهيمنة الأمريكية.

9 / أفريقا جنوب الصحراء

إذا عبرنا الأطلنطي مرة أخرى باتجاه الشرق فسوف تقابلنا كتلة جغرافية محددة المعالم هي (أفريقيا جنوب الصحراء) والتي تحوي مليار نسمة يشكلون قوام الشعوب السمراء في القارة والتي تفصلها الصحراء الكبرى بمسافة شاسعة عن العالم العربي شمالا بينما تحيط بها المحيطات من شرقها وغربها وتنقسم إلى ثلاث مناطق جغرافية وسكانية هي منطقة هضبة الحبشة والتي تضم دول القرن الأفريقي (وأكبر دولة فيه أثيوبيا) ومنطقة أفريقيا المدارية الغربية (التي تبدأ عند تشاد شرقا وتنتهي عند السنغال وغينيا غربا وأكبر دولة فيه نيجيريا) ومنطقة أفريقيا الوسطى والجنوبية (والتي تبدأ من الكونجو شمالا وحتى جنوب أفريقيا جنوبا) وتضم دول منابع النيل وحوض الكونجو وأكبر دولة فيه الكونجو ثم جنوب أفريقيا) ، وخيار الوحدة الأفريقية هو خيار حياة أوموت في أغنى قارة يعيش فيها أفقر شعب لأن الدول الكبرى لن تسمح لهذا المارد بالقضاء على نفوذهم فيها وتحول أفريقيا إلى (هند) أخرى لأن القارة الأفريقية لا تزال حتى الآن منبعا للثروة الطبيعية لكن المشكلة الكبرى أنه لا توجد دولة مركزية قادرة على ربط هذه المناطق بعضها ببعض بل إن الدول الأربع الكبرى أثيوبيا ونيجيريا والكونجو وجنوب أفريقيا تعاني من مشكلات داخلية بسبب النزاعات العرقية والدينية والطائفية لكن يبقى خيار الوحدة استيراتيجيا للصمود أمام التحديات المعاصرة.

10 / الوطن العربي

في نهاية المطاف نتجه نحو عالمنا العربي الذي يسكنه شعب واحد يتكلم لغة واحدة في بقعة من الأرض ذات ظروف جغرافية ومناخية متقاربة حيث تقطعها الصحراء من شرقها إلى غربها وينتشر فيها السكان حول ضفاف الأنهار وقرب سواحل البحار وقد لعبت الجغرافيا دورها في تحديد معالمه ورسم حدوده حيث يتكون من جزئين أحدهما في أفريقيا لكنه مفصول عن بقيتها بمساحة شاسعة من الصحراء الكبرى وهضبة الحبشة والآخر في آسيا لكنه محاط بجبال وبحار تفصله عن بقية القارة ، ولم يتعرض الوطن العربي لأي أخطار من ناحية أفريقيا وإنما تعرض للغزوات الاستعمارية القادمة عبر البحر المتوسط من القارة الأوروبية حيث قدم منه الرومان والصليبيون قديما والبريطانيون والفرنسيون والصهاينة حديثا أما الطرف الآسيوي فقد كان دوما معرضا للهجوم من الشرق والشمال حيث جاءت عن طريقه جيوش الفرس والمغول قديما والأتراك العثمانيين حديثا لذلك فإن ضمان أمن العالم العربي هي أن يكون قويا وموحدا وقادرا على الدفاع عن نفسه ضد الأخطار المحدقة به.

لذلك فإن الوحدة السياسية أو الاقتصادية تأتي في المرتبة التالية لوجود حلف عسكري عربي خالص غير تابع لأي قوة خارجية قادر على حماية استقلال الدول العربية ثرواتها وسيادتها وكرامة شعوبها ويمنحها حرية اتخاذ قرار الوحدة الجزئية أو الشاملة وفق ما يتراءى لكل دولة على حدة دون تأثيرات إقليمية أو دولية ، ويشبه ذلك ما حدث في أوروبا عندما أنشىء حلف الأطلنطي في البداية ثم السوق الأوروبية المشتركة ثم الاتحاد الأوروبي في النهاية حيث إن أي تهديد لأي جزء من الوطن العربي كفيل بتهديد كل وحداته فقد كان احتلال فرنسا للجزائر وتواجد جيوشها فيها عاملا مساعدا في احتلال تونس والمغرب بعد ذلك كما أن العراق والشام سقطت بيد الاحتلال الغربي بسبب تواجد البريطانيين في الخليج العربي وفي مصر حيث دخلت جيوشهم البرية من جنوب العراق ومن سيناء وكذلك السودان تم احتلاله عن طريق مصر وكذلك دخل الغزو العثماني إلى مصر بعد أن استولى قبلها بعام واحد على الشام ودخل الإيطاليون ليبيا بسهولة عندما كان جميع جيرانها خاضعا للاحتلال البريطاني شرقا والفرنسي غربا ولا يزال أقرب الأمثلة واضحة آثاره أمام أعيننا حيث استولت العصابات الصهيونية على فلسطين في البداية ومنها انطلقت بعد ذلك لتغزو سوريا ولبنان والأردن ومصر.

منابع النيل

شعب البجا

الأمن القومي للدول الكبرى لا يقف عند حدودها السياسية المعروفة وإنما يتعدى ذلك إلى نطاق أوسع يشمل كل مصالحها السياسية والاستراتيجية .. ولا يمكن الحديث عن الأمن القومي المائي للبلاد إلا بعد الفهم الدقيق لطبيعة الصراعات في منطقة حوض النيل والقرن الأفريقي والتي تقوم أساسا على أساس إثني وقبلي حيث يسكن هذه المنطقة عدد من الشعوب المتباينة في الشكل واللون واللغة والدين والعادات والتقاليد بل وطبيعة النشاط الاقتصادي ونمط الحياة وجميع هذه الشعوب لا تزال محتفظة بخصائصها من آلاف السنين وهو ما يعني أننا عند دراسة الواقع الديموغرافي للمنطقة يجب علينا أولا أن نمحو الحدود السياسية بين دول المنطقة ونعيد النظر إليها من منظور مختلف ، وسوف نبدأ رحلتنا الجغرافية من أقصى نقطة في حدود مصر الجنوبية عند حلايب حيث الاتصال الجغرافي لساحل البحر الأحمر مع أراضي شرق السودان حيث نجد شعبا من أقدم شعوب المنطقة وهو شعب (البجا) المعروف منذ أيام الفراعنة والذي يسكن المنطقة الساحلية من أول حلايب داخل الأراضي المصرية وحتى مصوع داخل الحدود الأريترية وهو شعب يتجاوز عدده 3 مليون نسمة يدين بالإسلام ويتحدث اللغة العربية بالإضافة إلى لغات البجا الأصلية والتي تنقسم إلى لغتين أولهما البداويت وتتحدث بها قبائل الهدندوة والأمرار والبشارين والحلنقة في الولايات السودانية الشرقية (البحر الأحمر ـ كسلا ـ القضارف) حيث تنتشر منازلهم بين البحر الأحمر شرقا ونهر عطبرة غربا واللغة الثانية هي لغة التقري التي تتحدث بها قبائل الرشايدة وبني عامر والحباب والحدارب في كل من أريتريا وأثيوبيا حيث يشكل البجا 30 % من سكان أريتريا ويتركزون في المنطقة الشمالية والغربية المتاخمة للحدود السودانية بالإضافة إلى منطقة مصوع الساحلية بالكامل حتى جزر دهلك.

الأحباش والدناكل

إذا سلكنا طريقنا إلى الداخل نحو العاصمة الأريترية أسمرة والأقاليم المركزية والجنوبية من أريتريا فإننا ندخل أرض شعب (التجراي) الذي يتجاوز 8 مليون نسمة إذ يشكل أكثر من نصف سكان أريتريا بالإضافة إلى كامل سكان ولاية تجراي الأثيوبية وهو شعب مسيحي على مذهب الكنيسة التوحيدية الأرثوذكسية المرتبط بالمذهب القبطي ويتحدث اللغة التجرينية المشتقة من اللغة الجعزية المرتبطة بلغات اليمن القديمة وهذه المنطقة كانت في الماضي مقر مملكة أكسوم الحبشية ومستقر النجاشي الذي لجأ إليه المسلمون الأوائل في الهجرة الأولى ، وإلى الجنوب من هذه المنطقة يسكن الشعب الأمهري في كامل ولاية أمهرة الأثيوبية التي تمتد حتى بحيرة تانا وتشكل شمال أثيوبيا وهو شعب مسيحي على نفس المذهب لكنه يتحدث اللغة الأمهرية المشتقة أيضا من الجعزية ويتجاوز تعداده أكثر من 20 مليون نسمة بنسبة تصل إلى ربع سكان أثيوبيا وكان مستقر أباطرة الحبشة في العصور الحديثة حيث قام بغزو الشعوب الكوشية بالتعاون مع الاستعمار حتى توسعت المملكة وصارت دولة أثيوبيا بحدودها الحالية والتي اتخذت من الأمهرية لغة رسمية لكن بانتهاء عصر الامبراطور هيلاسيلاسي خرجت مقاليد الحكم منهم لكن التأثير الثقافي لا يزال مستمرا على بقية الشعوب التي احتلتها أثيوبيا بالقوة ، أما إذا سرنا من أريتريا بمحاذاة الساحل باتجاه ميناء عصب الأريتري فإننا نمر على أول الشعوب الكوشية وهو شعب الساهو الذي يبلغ تعداده ربع مليون نسمة يدينون بالإسلام فإذا تجاوزناه نكون بذلك قد دخلنا فعليا في أرض شعب العفر (الدناكل) والذي يتحدث اللغة العربية بالإضافة إلى العفرية الكوشية ويدين بالإسلام ويبلغ تعداده 2 مليون نسمة يسكنون في إقليم عفر الأثيوبي ويشكلون قرابة 4 % من سكان أثيوبيا وفي النصف الشمالي من جيبوتي حيث يشكلون نصف السكان وفي منطقة جنوب البحر الأحمر الأريترية حيث يشكلون 10 % من السكان وقد كانوا في الماضي سلطنة موحدة تسيطر على بقعة جغرافية كبيرة من القرن الأفريقي.

قبائل الصومال

على امتداد الساحل عند مدينة جيبوتي تبدأ مناطق انتشار الشعب الصومالي والذي يدين بالإسلام ويتحدث العربية بالإضافة إلى الصومالية الكوشية ويصل تعداده إلى 15 مليون نسمة يتوزعون على عدد من القبائل الكبرى أولها قبيلة العيسى التي سيطرت على الصومال الفرنسي (جيبوتي) ودخلت في نزاع مع العفر ثم قبيلة الإسحق في الصومال البريطاني وهي التي استقلت بالمنطقة حاليا وأعلنت قيام دولة صوماليلاند (أرض الصومال) غير المعترف بها دوليا لكنها الوحيدة التي نجت من الحروب الأهلية ، بعد ذلك تأتي قبيلة الدارود التي تنتشر في منطقة (بونت لاند) ووسط الصومال وتنتمي لها قبيلة الأوجادين الموجودة في إقليم أوجادين الذي تحتله أثيوبيا وفي شمال شرق كينيا وكذلك قبيلة مريحان في الجنوب ثم بعد ذلك أكبر القبائل وهي قبيلة الهوية التي تنتشر في جنوب الصومال وبعض مناطق إقليم أوجادين بالتداخل مع قبيلة الرحنوين التي تسكن دلتا جوبا وشبيلي وتكاد تكون الحرب الأهلية الصومالية صراعا قبليا في المقام الأول ، وإذا تركنا الصومال بكل مكوناته واتجهنا عبر الصحراء باتجاه الهضبة الأثيوبية فإننا نقابل أكبر الشعوب الكوشية والمهد الأول الذي انحدرت منه سائر الشعوب الحامية وهو شعب الأرومو الذي يتجاوز تعداده 50 مليون نسمة يشكلون غالبية سكان أثيوبيا الحالية بعد أن قام أباطرة الحبشة في الماضي بغزو أرضهم وضمها لمملكتهم ويناضل شعب الأرومو للانفصال عن أثيوبيا ومقاومة هيمنة الأمهرة والتجراي خاصة وأن غالبيتهم يدينون بالإسلام ويقيمون في إقليم جغرافي يفصله النيل الأزرق عن الأمهرة ويحمل اسم (إقليم أرومو) والذي يسكن فيه الفرعان الكبيران لهذا الشعب وهما البرنتو والبورانا مع وجود امتداد طبيعي لهم في كينيا والصومال ، ويتخلل إقليم أرومو الأثيوبي عدد من القبائل المتنوعة بعضها سامي مثل قبيلة جوارجي وبعضها حامي مثل قبيلة سيداما وبعضها نيلي مثل قبيلة ولاييتا وغيرهم حيث يشكلون نسبة 10 % من سكان أثيوبيا يقطنون في إقليم منفصل يطلق عليه (الأمم الجنوبية).

أعالي النيل

إلى الغرب من هضبة الحبشة تبدأ مناطق أعالي النيل في البقعة الجغرافية التي تقوم فيها الآن دولة جنوب السودان حيث يقطن أكبر تجمع للقبائل النيلية في القارة الأفريقية وهي شعوب مختلفة تماما من الناحية العرقية واللغوية عن كل سكان أفريقيا حيث يحيط بها العرب من الشمال والكوشيون من الشرق والبانتو من الجنوب والفولاني والهوسا من الغرب حيث يتوزعون على عدد من القبائل أكبرها الدينكا التي تشكل 50 % من السكان تليها النوير التي تمتد منازلها داخل إقليم جامبلا الأثيوبي مع قبيلة الأنواك حيث ينتمي هذا الإقليم من الناحية الجغرافية والسكانية إلى أعالي النيل وليس الهضبة الأثيوبية وتسعى قبائله للانفصال عن أثيوبيا ثم بعد ذلك قبيلة الشلك (التي تنتمي إلى شعب اللوو المنتشر في أوغندا وكينيا وتنزانيا) وفي أقصى الجنوب قبيلة الزاندي التي تنتمي إلى شعوب البانتو وفي الجنوب الشرقي تسكن قبائل الباريا والمورالي الحامية وجميعهم على دياناتهم الوثنية مع تأثر بالتبشير المسيحي ، وإلى الشمال الغربي من منطقة أعالي النيل يقابلنا إقليم دارفور الذي ينعزل جغرافيا وسكانيا عن بقية السودان حيث تستقر فيه مجموعة من القبائل الأفريقية التي تنتمي إلى شعوب تشاد والصحراء الكبرى وأفريقيا المدارية الغربية مثل الفور والمساليت والزغاوة والهوسا مع عدد من القبائل العربية الرحل مثل المحاميد والرزيقات وهو ما يشكل قرابة 7 مليون نسمة يدينون بالإسلام بفضل سلطنة دارفور التي كانت تبسط سلطانها في الماضي على المنطقة قبل قدوم الاستعمار وهذا الإقليم تفصله الجبال عن وادي النيل مما يجعله مستقلا من الناحية الاقتصادية بل ويملك بالفعل مقومات الاستقلال التام على العكس من إقليم كردفان المجاور له والملاصق لوادي النيل والذي يسكنه 3 مليون نسمه أغلبهم من القبائل العربية التي تسكن وادي النيل وبالتالي فلا يملك أي مقومات سكانية مستقلة بالرغم من وجود أقلية من القبائل الأفريقية والنوبية في الجنوب.

القبائل السودانية

ينتهي بنا المسير إلى وادي النيل حيث مركز الثقل السكاني في السودان والذي تسكنه أغلبية من القبائل العربية مثل الجعليين والشايقية والبديرية والرباطاب والميرفاب والشكرية والبقارة والكبابيش تنتشر بطول الوادي لكنها في الشمال تختلط مع التجمعات النوبية مثل المحس والدناقلة والسكوت والحلفاويين وهي في الأصل من الشعوب النيلية التي هاجرت منذ وقت مبكر إلى شمال السودان وجنوب مصر ولا زالت تتحدث جميعا اللغة النوبية بلهجاتها المتعددة ، وفي الجنوب اندمجت القبائل العربية مع قبائل الفونج الأفريقية التي حطت رحالها في منطقة النيل الأزرق منذ قرون وأسست مملكة سنار التي كان لها الفضل في نشر الإسلام في ربوع السودان ودخلت في منافسة شرسة مع سلطنة دارفور للسيطرة على كردفان كما اندمج العرب مع قبيلة الانقسنا الأفريقية الموجودة في منطقة الدمازين والتي لا زالت تحتفظ بخصوصياتها الثقافية ، ورغم هذا التعدد إلا أن الترابط الجغرافي أقوى من النزعة القبلية حيث يعيش الجميع في الجزيرة المحصورة بين النيل الأزرق والنيل الأبيض في الولايات السودانية الخمس (سنار والنيل الأبيض والنيل الأزرق والجزيرة والخرطوم) حيث يشكل وادي النيل إقليما اقتصاديا واحدا مثلما هو الحال في مصر بل إن هذا الإقليم يمتد داخل الأراضي الأثيوبية ليشمل ولاية بني شنقول الأثيوبية التي اقتطعها البريطانيون لصالح امبراطور الحبشة مقابل سيطرتهم على أعالي النيل وهي المنطقة التي تضم قبائل البرتا (بني شنقول) والقماز الذين يدينون بالإسلام ويتحدثون اللغة العربية ويعتبرون أنفسهم سودانيين وعرب رغم أصولهم الأفريقية ويسعون جاهدين للانفصال عن أثيوبيا معتبرين ولايتهم جزءا لا يتجزأ من منطقة الجزيرة السودانية خاصة بعد إنشاء سد النهضة في أراضيهم التي يمر بها النيل الأزرق لما أحدثه من تهجير قسري للسكان وتدمير منظم للأراضي رغم أن هذه المنطقة من أغنى المناطق في الثروات الطبيعية والحيوانية.