النبوءات الظاهرية

النبوءات الظاهرية

مرض الفتى محمود بيبرس مرضا شديدا وهو في بلاد الشام عند السيدة حسنة الدمشقية ولم تفلح معه العلاجات فحملوه إلى المارستان وهو يرتجف من الحمى ويعاني من شدة الألم ولا يقوى على تناول الطعام ويشتكي من السهاد وعدم النوم من أيام ، فلما كانت تلك الليلة أخذه المنام بأمر مدبر الأكوان لما سبق في علم  الملك الحنان المنان وإذا قد ظهر في ذلك المكان نور عظيم يأخذ البصر السليم ، وفي عقب ذلك النور رجل عابد زاهد شكور قد أقبل وهو يصيح بسم الله بسم الله المكان خالي يا عباد الله.

وعند ذلك النداء أقبل بضعة رجال وقد صفوا الكراسي في الجهتين ثم أتوا بكرسي كبير ووضعوه في صدر ذلك المجلس وصاح الرجل الأول وهو نقيب الرجال يا سادة الأرض ذات الطول والعرض أحضروا ذلك المحضر كما أمر قطب الأقطاب الأكبر سيدي أحمد البدوي الشريف العلوي صاحب الإمداد النبوي ، فأقبلت الرجال كأنهم الأقمار وجلسوا ذات اليمين وذات اليسار ووقف النقيب بين أيديهم يمدح مرشدهم وهاديهم حتى تكامل الديوان وحضر كامل الإخوان ، ثم قالت الرجال أين السلطان وبطل الأبطال فقال لهم النقيب تأنوا حتى يحضر باقي الأقطاب ثم إنه بدأ يمدح الرسول الحبيب.

ولما فرغ نقيب الرجال من المديح النبوي أقبل ثلاثة من أقطاب الرجال وسلموا على بعض الأبطال وقد وضعت لهم الكراسي العوال وجلسوا بين الرجال وراق الحي وذهب الضلال ونامت الأعين بإذن الكريم ذي الجلال ، ولما استقر بهم القعاد أقبل فحل الرجال الأجواد صاحب العطايا والإمداد كثير العدل والرشاد وخادم باب سيد العباد وبيده قضيب خيزران ما فيه اعوجاج وبين يديه ينادي المنادي يا أبا فراج يا أبا فراج ، فلما سمعت الرجال بذلك نهضوا جميعا الرفيع منهم والوضيع ووقفوا على كراسيهم وأجلسوه وقبلوا يديه وظلوا واقفين على أقدامهم حتى جلس على الكرسي أمامهم وبعد ذلك أمرهم بالجلوس فجلسوا ولم يكن أحد منهم يتكلم بكلمة قبله والنقيب بين يديه ينتظر أمره ونهيه قدر ساعة من الزمن.

ثم إن الأستاذ الأكبر شيخ العرب قرأ الفاتحة لسيد البشر وأمر النقيب بقرائتها بالجهر فقرأ النقيب وقد كانت لكل الأمور فاتحة وبها ناجحة ، وبعد ذلك أذن الأستاذ بالكلام لكل من يريد بشرط أن يظهر معانيه ومبانيه فقال أحد الرجال مخاطبا الأستاذ وهو يشير إلى بيبرس النائم يا سلطان الرجال وبطل الأعيان هذا ملك الزمان وفارس العصر الأوان وهو الذي ينصر الإسلام ويقيم الأحكام ويذل جيوش اللئام ، وقال الثاني هو هذا الذي يفتح السواحل والبلاد وتطيعه أهل السواد وينصره النبي الهادي ، وقال الثالث سبق في علم الله أن كل شيء بقضاء الله فاطلبوا له من الله أن يكشف ضره وبلاه ، وقال رجل آخر اطلبوا من خالق البرايا واسألوا صاحب العطايا أن يزيل عنه جميع المضرات فما منكم إلا وهو مجاب الدعوات وتكلم كل إنسان منهم بمثل هذه الإشارات.

أشار السيد أحمد البدوي إلى بيبرس ثم قال اعلموا أن هذا ولدي ولا بد أن يأخذ عهدي ويحفظ ودي وأنا سألت الله العظيم رب موسى وإبراهيم وزمزم والحطيم أن الله ينصره على جميع أعدائه ويذل له العتاة ، وقال الدسوقي أسأل الله العظيم رب موسى الكليم أن الله يريه ليلة القدر عن قريب ويكون دعاه فيها مجيب ، وقال الجيلاني أسأل الله تعالى أن يعلي قدره ويدبر أمره ويهدي سره ويطيل حكمه ، وقال الرفاعي اللهم اشف كل من كان في هذا المكان لأجل خاطر هذا الإنسان.

ثم بعد ذلك قرأوا الفاتحة وجلسوا وأشار السيد البدوي إلى النقيب وأمره بإحضار طعام الكشك الموجود عند رأس بيبرس ففعل النقيب ذلك وقدمه له وللأعيان وقال دستور يا سلطان أقدم لك هذه الهدية ولي الأمان ، فقال السيد البدوي والله إنها لهدية عظيمة وعزومة مقبولة غير ذميمة اللهم اشف كل من أكل منه ، ثم مد يده في الطعام ولعق لعقة واحدة وكذلك فعل كل الرجال ثم بعد ذلك قال للنقيب ضع هذا مكانه فالله يجود على من جاد علينا بإحسانه ، ثم نفض المنديل فسار كل منهم إلى حال سبيله وأخذ النقيب الكراسي وانصرفوا فهذا ما كان من أمرهم.

وأما بيبرس فإنه بعد ذلك استيقظ وأفاق فوجد طاجن الكشك بجوار رأسه وشعر بالجوع الشديد فأكل منه حتى شبع ثم غسل يده وحمد ربه ووضع رأسه فنام هانئا ، وأما السيدة حسنة فقد فرحت غاية الفرح واتسع صدرها وانشرح ونزلت من مكانها وأخذت باقي الكشك بيدها ودارت به على الضعفاء وصارت تطعم كل واحد منهم بيدها ، وبأمر الله الكريم محى عنهم ذلك السقم والأنين ثم مرت أربعون يوما فأتاه الشفاء بإذن خالق السماء.

وعندما بدأت المحن والحروب خرج بيبرس من الشام في طريقه إلى مصر ومر على المقابر فرغب في الخلوة فيها بعض الوقت وقد رأى ذلك القبر الجديد المفتوح وكان هذا سببا للفتوح فقال في نفسه إذا جن الظلام وأقبل علي الليل وغلب على عيني المنام نزلت إلى هذا المكان ونمت فيه ولا أحد يراني من الأنام ، فبينما هو كذلك إذ لمح ثلاثة أشباح تقترب منه يستجيرون به وكأنهم هاربون يبحثون عن الأمان فسلموا عليه ورد عليهم السلام وسألهم عن حالهم.

أجابه الأول أنه طيوري يرعى طيور الأمير وقد فر منه طائر عزيز عليه فخاف أن يقتل فهرب وأجابه الثاني أنه هجان وقد هرب منه جمل فخشي من غضب الأمير فهرب وأجابه الثالث أنه سايس وقد فر منه حصان الأمير فخاف على نفسه فهرب ، فقال بيبرس كلنا مغاليب فأقيموا بنا ها هنا حتى يأتي الفرج القريب من الملك المجيب فقالوا له هذا هو الصواب والأمر الذي لا يعاب ، ثم إنهم جلسوا يتحدثون مع بعضهم حتى انتصف الليل وظهرت النجوم ودام الديموم.

وكانت ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان وقد نزل الرجال الثلاثة إلى أسفل التربة فناموا بينما لم يتمكن بيبرس من النوم وانشغل فكره حتى مضى من الليل الثلثان وإذا بأبواب السماء قد فتحت بقدرة الله وقدره وظهرت من السماء من قبله طاقة قدر القبة وهي صافية البياض وفي دائرها خضار ورأى كل شيء على الأرض ساجد ولا أحد منتبه من الأنام لا وحش ولا غلام ولا رجل ولا صبيان ولا ديك يصيح ولا كلب ينبح إلا الدنيا ساجدة وأشجارها راقدة.

قال بيبرس في نفسه هذه دلائل ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر ووالله إن هذه العلامات لها ولم تكن لغيرها ، ثم نهض على قدميه وسأل الله الغفران ودعا رب الأنام وقال اللهم بحرمة هذه الليلة عندك أن تجعلني ملكا وسلطانا على مصر والشام وسائر بلاد الإسلام وأن ترزقني النصر على الأعداء اللئام بحق المصطفى المظلل بالغمام وأن تجعل لي كلمة تسمع وحرمة ترفع اللهم اجعل لي من أمري فرجا ومخرجا وأن ترزقني من الشدائد النجا اللهم اجعل بين أكتافي عزم أربعين وليا من الأولياء العظام اللهم استجب دعوتي إنك على كل شيء قدير وبدعائي خبير برحمتك يا نعم المولى ونعم النصير.

ولما انتهى بيبرس من دعائه وتضرعه إلى مولاه قال في نفسه لا يكمل إيمان المرء حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ، ثم إنه نزل إلى التربة وأيقظ رفاقه الثلاثة الهاربين وقال لهم قوموا واطلبوا النصر من رب العالمين فإن ليلة القدر قد فتحت والدعاء فيها مستجاب ، نهض الرجال الثلاثة وبدأو في دعاء غريب وهو أن يجعلهم الله من الأقطاب الساكنين في الركن الخراب خلف جبل قاف ، وبينما ذهب بيبرس لينال قسطا من النوم لم يجد الرجال الثلاثة الذين اختفوا فجأة وكأن دعوتهم قد استجيبت من وقتها فاستبشر.

وعندما جاء الصباح وأضاء الكريم بكوكبه انتبه بيبرس من رقاده ومنامه وصلى لله فرضه وقرأ شيئا من كلامه وسار يمشي وإذا به يرى شخصا يدلي حبلا من طاقة من سطح عال إلى أسفل فسأله عن ذلك فأجابه قائلا أن هذا المكان فيه جواد من أرقى الخيول الجياد لا يقدر أقوى الفرسان عليه فحبسناه ها هنا من شدة قوته لأنه قتل خمسة من السياس وننزل له أكله وشربه من هذه الطاقة ، فلما سمع بيبرس ذلك سأل عن المفتاح فأخذه ودخل إلى حيث الجواد وتأمله فوجده فتنة للعباد وقد احمرت عيناهوضرب بأرجله وهمهم عاليا وأراد أن يهاجم بيبرس.

اقترب بيبرس من الحصان وضربه بين عينيه ضربة لطيفة فخضع له ثم صاح بالسايس فأحضر له السرج واللجام وركب على ظهره وسط خوف السياس ودهشتهم ، وسار به في القفار والوديان حتى انتهى إلى مغارة في الخلوات ووقف الحصان بأمر ربه عند بابها فوكزه بيبرس فلم يتحرك فتعجب بيبرس من ذلك ونزل عنه ودخل المغارة بعد أن ربط الحصان خارجها ، ودخل إلى المغارة فرأى في داخلها سراج يضيء بالنهار كما يضيء بالليل من غير أن يشتعل بزيت أو دهن فزاد ذلك من تعجبه وريبته.

ثم إن بيبرس أقبل إلى داخل المغارة فوجد فيه بابا من الحجر وفي وسطه حلقة فقبض عليها وتأملها ثم سقطت منه فضربت الباب وصار لها دوي  مثل دوي البحر في الآذان ، وسمع بيبرس صوت الخدام من داخل المكان وقالوا من الضارب لهذا الباب من غير إذن الأصحاب شلت يداك وشمتت فيك أعداك فارجع أيضا الضارب لئلا تحل بك المصائب واعلم أن هذا المكان ما لأحد عليه من سبيل من جميع الأنام إلا غلام يقال له محمود العجمي الخوارقي المدشقي فهو الذي معدود له الدخول وحصل المأمول والقبول.

فلما سمع بيبرس ذلك صاح أنا صاحب هذا الحسب والنسب من دون الأعاجم والعرب فسمع صوتا من الداخل ينادي ادخل لا بأس عليك يا سادة قد دخل الأمير بيبرس وقد فتح له الباب وفهم كل الخطاب ، فلما دخل رأى شخصا راقدا على كاهله وهو على سرير من الذهب الأحمر يكاد يأخذ البصر ثم رأى حوله أربع خدام كل واحد منهم كأنه الأسد الضرغام فبسط يده وقرأ الفاتحة وأهداها إلى روح النبي ثم إلى روح حراس المغارة إن كانوا مؤمنين.

وعندما أتم القراءة تحرك حارس المغارة وقام على قدمه وقال أنت بيبرس قال نعم قال له أنت محمود محمود العجمي الدمشقي ابن السيدة من أرض خوارزم العجم قال نعم فقال أنت صاحب الأمارة وقد دلت عليك الإشارة لأنك موعود بنا ونحن موعودون بك في هذه الساعة وإن لك عندنا حاجة وبضاعة ولنا عندك صناعة وأنت صاحب القدر العالي والكوكب المتعالي ، ثم فتح صندوقا أمامه فتناول بيبرس الأمانة المقررة له والتي وضعت في كيس صغير ثم خرج من المغارة ليجد الحصان جامدا كالتمثال فلما وضع يده عليه تحرك واستعاد حيويته فركبه وانطلق في البراري والآكام.

وفي مصر ذهب بيبرس ليشتري حاجاته من دكان الشيخ يحيى الشماع وكان يقف فيه ابنه الشيخ كريم الدين وهو شاب من طلاب العلم ، وبعد أن حمل ما تيسر له من البضاعة أخبره بيبرس أن العشرة دنانير سوف يحضرها له في يوم غد وطمأنه بأنه مملوك تابع للوزير نجم الدين البندقداري ثم انصرف ، وعندما حضر الشيخ يحيى ووجد أن ولده قد باع البضاعة شككا بلا مقابل غضب غضبا شديدا وأنكر عليه ذلك وحذره من تكرار ذلك وتوسطت له والدته حتى لا يعاقبه وطلبت منه الانتظار للغد ، وفي اليوم التالي حضر بيبرس مرة أخرى وخاف كريم الدين ألا يدفع بيبرس ما عليه لكنه ذهل عندما وضع في يده خمسمائة دينار ذهبية وانصرف ، وفي هذه المرة غضب أبوه أيضا لأن المبلغ كبير جدا وخاف أن يكون بيبرس قد سرقها من بيت الوزير.

وبينما الشيخ يحيى الشماع جالس في البيت مع زوجته إذ أخذتهما سنة من النوم ورأى كل واحد منهما مناما فلما انتبها حكى كل منهما للآخر ما رآه ، أخبرته زوجته أن بيتها كله نور وقد ظهرت فيه روائح حسنة زكية فشعرت بالبهجة ثم أقبلت عليها شريفة سمراء عليها حلة خضراء كأنها الشمس المضيئة الزاهرة متنقبة بإزار أخضر وتمسك بيدها اليسار ولدها كريم الدين وبيدها اليمنى ولد آخر فتأملته وإذ به كأنه البدر ليلة تمامه وفي جبهته سبع نقط سوداء وبين حاجبيه شعرة من الأسد بجانبها سبع من اللحم يظهر إذا غضب ويزول إذا سعد وقد غشاها النر فسألتها من هي.

قالت الشريفة أنا كريمة الدارين ها أنا أم الأيادي الطايلات أنا غفيرة مصر من جميع الجهات من الآفات أنا عمة الحسن والحسين ومن نسل سيد الكونين وهذا نسبي وحسبي ، فقالت لها المرأة وهي خجلة نعم الحسب ونعم النسب ولكن من هذا الغلام الذي في يدك اليمنى ، فقالت لها الشريفة اعلمي يا أم كريم الدين أن هذا محمود المكنى بيبرس وهو الذي تفتح على يديه بلاد الكفار ومداين أهل الأشرار وهو صاحب الفن والوقار وتكون مصر في حكمه في غاية الافتخار ويكتب اسمه على السواحل والأقطار هذا الأمير بيبرس أبو الفتوحات والنصر ويسمى الظاهر وسوف يكون ملكا وسلطانا وتذل له رقاب الإنس والجان وهذا ولدك كريم الدين يكون له بمدته شأن وتكون له كلمة عليا وشأن عظيم من كل شأن وهو أخوه على ممر الليالي والأيام ويبقى بمدته له ذكر يذكر ما دامت الشمس تظهر والقمر يسرج ويبتدر.

فلما سمعت منها هذا الكلام فرحت وأقبلت إليها وقبلت يديها وسألتها الدعاء لها ولولدها وزوجها فدعت لهم جميعا أن يرفع عنهم ألم الفقر والفاقة ثم انصرفت عنها واستيقظت المرأة من منامها وهي فرحة مسرورة ، وعندما سمع الشيخ ما روته تبسم في وجهها وقال لها وحق خالقنا وإلهنا ومحيينا ومميتنا هذا المنام الذي رأيته أنا وهو يدل على كل خير وسرور وهذا منام صحيح لأن قول السيدة صادق ولم يكن مفارق ، ففرحت المرأة بذلك الفرح العظيم ونال الشيخ بذلك سرورا كبيرا.

وبينما هو كذلك دق الباب دقا خفيفا وإذا ابنه كريم الدين بصحبة بيبرس الذي وضع كيس الدنانير الذهبية بين يديه وقال له يا سيدي هذه عطية وسر الاسم الأعظم ما سرقته ولا نهبته ولا هو من مال أحد من الناس ولا يخطر ببالك أنه من مال نجم الدين وإنما هو من مالي وصلب حالي لأنني لست بمملوك إلا لملك الملوك الحاكم على كل غني وصعلوك واعلم أنني أنا محمود بيبرس ابن السيدة فاطمة الأقواسية فلا يخطر ببالك شيء آخر فخذ المال وتوكل على الملك المتعال وكل من سألك عن شيء أخبره بأنك أخذت مني المال والنوال.

فلما سمع الشيخ يحيى ذلك الكلام اطمأن قلبه وقال له يا ولدي اجلس واسترح حتى أبشرك ببشارة مليحة وأنا أسأل الله العظيم ونبيه الكريم أن يبلغك ما أنت طالبه بحق النبي وأصحابه ويعطيك العز والشان على ممر الليالي والأيام ولا بد أن تكون ملكا وسلطانا وسيد ملوك الزمان لأني أنا وزوجتي رأينا لك مناما وعلمت أنك صاحب هذه العلامة لأن المؤمن ينظر بنور الله وإن الإشارات لا تخفى على بصير.

وحكى له المنام فلما انتهى بيبرس من سماعه تبسم ضاحكا في وجهه وقبل يده ورأسه وقال له هذا يكون إن شاء الله ببركة دعائك يا والدي ، فقال له الشيخ اعلم أني أريد أن تكون أخا لولدي  بعهد الله وأنا أكون والدكما فقال بيبرس افعل ما تريد فنحن لك من جملة العبيد ، وذهب الثلاثة إلى بيت الشيخ فأقبلت أم الغلام وبشرت الأمير بالمنام وتعاهدت معه وصارت أمه وأم كريم الدين وقال لها بيبرس يا أمي تمني علي وعلى الله تعالى فقالت له تمنيت على الله وعليك وعلى جانبك السعيد أنه إذا أعطاك الله تعالى وصرت ملكا وسلطانا يكون ولدي كريم الدين هو القاضي بالديوان وإذا توفيت تبني لي مسجدا عظيما وتدفنني فيه وتزورني في كل شهر أربع مرات فقال لها الأمير سمعا وطاعة ثم مد يده إلى الكيس ونثر الدنانير الذهبية بين يديها.

ولما عزم الشيخ يحيى الشماع على زيارة قبر الإمام الشافعي اصطحب معه بيبرس ، وعند باب القرافة انتفض الحصان من تحت بيبرس ورفع قوائمه الأمامية عاليا وهو يصهل فانفك عنه السرج والركاب وانقطع اللجام والرباط ثم انطلق فجأة مثل السهم لكن بيبرس تشبث برقبة الحصان وظهره وأطبق رجليه على جانبيه بكل قوتة فسقطت عمامته ومتعلقاته وضربت في وجهه الرياح بقوة حتى أصيب بالإعياء الشديد وصار يلهث من انقطاع نفسه ، وفي النهاية اقتحم الحصان بوابة بستان الوزير شاهين الأفرم على مشهد من الأمراء والأعيان ومرافقي الوزير وسط صياح المماليك ومحاولاتهم لإيقاف الحصان.

توقف الحصان فجأة في وسط البستان وألقى بيبرس على الأرض وقد فقد وعيه فحمله المماليك وقد عرفوا شخصيته ، ثم حمله الأمير أيدمر البهلوان فأفاقه وعالجه ثم أدخله حمام بيت الوزير وأعطاه بدلة جديدة ليلبسها ، وعندما خرج بيبرس من الحمام تلقاه الوزير بالترحاب في ديوانه فأسرع بيبرس ليقبل يده ويعتذر عما سببه الحصان من فوضى فتبسم الوزير ودعاه للجلوس بجواره وسأله عن المكان الذي سار منه الحصان حتى وصل إلى البساتين فأخبره بيبرس أنه ذلك كان عند باب قرافة الإمام الشافعي.

وعند ذلك قال له الوزير شاهين الأفرم يا ولدي إن الله تعالى قد سبب الأسباب وجمعنا من غير سبب ولا ميعاد وهذه الألطاف التي حصلت لك من بركة الإمام ولك عندي بشارة فقم معي ، فأطاعه بيبرس وسار معه حتى دخلا قاعة كبيرة في أحد جدرانها لوح كبير من الرخام وبه حلقة نحاسية حركها الوزير فانزاح اللوح كلشفا عن قاعة أكبر مشيدة الأركان مليحة البنيان بها جدارية كبيرة تحوي صورا للأبطال والفرسان ، ودهش بيبرس لأن صورته كانت منقوشة في وسط الجدارية وعلى يمينه صورة الوزير شاهين وعن يساره رجل أعجمي وقور وجواره رجل أسمر قصير وخلفهم أبطال من المماليك والفداوية وأكراد أيوبية ورجال من القفجاق والديلم.

وعندما تساءل بيبرس عن ذلك أجابه الوزير وقال اعلم يا ولدي أنك على طول الدوام يصير لك العز والإحكام وتتولى مملكة بلاد الإسلام وتجاهد في الأعداء الكفرة اللئام وأنت تحرس قبر النبي المظلل بالغمام وتذب بالسيف عن دين الإسلام ويخدمك خلق كثير لا يحصى عددهم إلا الله العليم من مصر والشام ومن جميع بلاد الإسلام ويكون لك ديوان مثل هذا الديوان ولا بد أن تجلس على كرسي مصر ويكون لك العز والنصر.

ولما سأل بيبرس عن صانع هذه الجدارية أجابه الوزير قائلا اعلم أنه كان في قديم الزمان وسالف العصر والأوان بهذه المدينة رجل يقال له أحمد بن باديس السبكي وكان حاذقا لبيبا فطنا أديبا يعرف أشكال الرمل ويصرف الأمور ويخبر عما هو كائن ، وفي يوم من الأيام ضرب الرمل ودققه واستخرج أشكاله وتبينه فتبين له أنه يظهر في آخرالزمان ملك وسلطان ويكون أصله من خوارزم العجم ويكون اسمه محمود بيبرس الدمشقي وينصر الإسلام في مدته وتهلك جيوش الكفرة واللئام ويكون مجاهدا في سبيل الملك العلام فلما عرف ذلك نظم هذا الديوان وكتب على صورة كل شخص اسمه ، وقد عرفت أنك أنت صاحب العلامة فاقرأ يا ولدي حسبك ونسبك.

قرأ بيبرس المكتوب فإذا فيه (يا متصلا إلى هذا المكان ومطلعا على ما فيه من الإتقان إن كنت أنت محمود بيبرس الدمشقي العجمي الخوارزمي بن القان شاه جمك أحمد بن محمد بن مصطفى بن مرتضى بن سعيد بن رشيد بن إسماعيل بن إبراهيم بن أدهم فأنت صاحب الأمارة والإشارة واعلم أني بشرتك بهذه البشارة ولكن عندي غيرها إذا حضر أوانها فلا تنسني من الرحمة والفواتح والقرآن والسلام على نبي ظللته الغمام).

فلما عرف بيبرس ذلك الأمر قرأ الفاتحة وأهدى ثوابها إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإلى روح من صنع هذه الحروف وهو المرحوم أحمد بن باديس السبكي و أموات المسلمين ، ثم خرج الوزير وبيبرس من القاعة وأوصاه أن يجعل هذا السر بينهما فقط وألا يبوح به لأي أحد وطلب منه أن يعوده بالزيارة كل يوم ليعلمه فنون الحرب والطعن والنزال ومقام الضرب وعراك الأبطال حتى يصير فارس هذا الزمان فوعده بيبرس بذلك وقال له يا أبي افعل ما تريد فإني لا أخالفك في كل ما تريد ، وأخبره الوزير أن أكبر عقبة سوف تواجهه في مصر تتمثل في زعيم الشطار والزعار عثمان بن الحبلة الذي يهاجم الدواوين والأسواق ويسرق الأمراء والأعيان وينشر الفوضى في البلاد.

شد بيبرس على حصانه بالسرج واللجام حتى لا يتكرر ما حدث منه وبدأ في البحث عن سايس يتولى رعايته وتهذيبه فذهب إلى ميدان الرميلة تحت القلعة ليقابل شيخ السياس وطلب منه أن يختار له واحدا من أقوياء الرجال وعرفه بنفسه وحكى له ما حدث من الحصان فاستمع له شيخ السياس وعرض عليه سائسا تلو الآخر لكن بيبرس رفضهم جميعا ، وبينما يتحدثان إذا بضجة عظيمة قد وقعت وتراجع الناس ذات اليمين وذات الشمال وهرب جميع السياس من المكان والتفت شيخ السياس إلى بيبرس وطلب منه أن يغادر المكان هو الآخر لأن سبب هذه الضجة قدوم جبار عنيد وشيطان مريد.

تأخر بيبرس وتأمل ذلك الفارس القادم فوجده طويل القامة غليظ الهامة حلو المنظر أحمر الوجه عليه ملابس فاخرة وبيده رزة مكتوب عليها الأجر على الله وقد أقبل يغني موالا وعرف بيبرس أن هذا الفارس هو عثمان بن الحبلة الذي ذكره له الوزير وحذره منه ، ورأى بيبرس شيخ السياس يعامل عثمان بقدر من الخوف والاحترام معا ثم تكلم معه برهة والتفت بعدها إلى بيبرس وأخبره أن عثمان هو السائس الذي يبحث عنه فوقف أمامه بيبرس في تحد ونظر في عينه وسأله إن كان يقبل خدمته وهو يضمر له الشر وينوي أن يخلص العباد من شره فوافق عثمان وهو يضمر له الغدر أيضا ونوى قتله.

وفي نهار اليوم التالي عمل عثمان في رعاية الحصان وعندما جاء الليل تسلل إلى باب بيت البيت لكن بيبرس كان قد كمن له خلف الباب فلما عبر عثمان ضربه ضربة قوية بين أكتافه وأوقعه أرضا ووضع قدمه على رقبته وأخذ منه الرزة التي يخيف بها الناس ثم قيده في عامود الباب وتركه مغشيا عليه ، وعندما أفاق عثمان أدرك مدى قوة بيبرس وأنه جندي جبار لا يشق له غبار فنادى على مساعده عقيرب فحل وثاقه ثم أسرع إلى بيت أمه غزية الحبلة ليجمع أنصاره ويعد العدة للثأر من بيبرس.

أما بيبرس فقد تتبعه إلى بيت أمه وطرق بابها ففتحت ثم سمع صوتها وهي تقول أهلا وسهلا ومرحبا عدد ما مشيت من محلك إلى هذا المكان لقد تشرفت بك الأوطان هذه دارنا قد حلت بها البركة بقدومك إلينا فأنا جاريتك وعثمان خادمك وكلنا تحت أمانك وزمامك ، فسألها عن عثمان فأشارت إليه أن يجلس ودعته إلى الطعام أولا فقال لها بيبرس أنا لا آكل حتى أروح إليه وأجتمع معه إما أن يهديه الله إلى خدمتي وإلا آتيك برأسه وأريح الخلق من شره وبأسه.

أجابته المرأة قائلة يا ولدي ترفق به فإنه خادمك وأنا أسأل الله أن يهديه إلى صراط مستقيم هل لك يا ولدي أن تصبر حتى أقص عليك ما رأيته في المنام بالأمس وما فسرته ولا حكيت عنه لأحد ، رأيت في منامي الست أم القناع الطاهرة بنت النبي النختار المبرقعة بالأنوار وهي سيدة السيدات نفيسة رضي الله عنها ونفعنا بها وهي تقول لي يا حبلة طيبي نفسا وقري عينا وافرحي فرحا شديدا بخدمة ولدك عثمان عند هذا الملك السعيد فإن سعد ولدك أقبل وذهب عنه الشقاء وتحول وأتت له الهداية والولاية والرعاية من مولاه خالق البرايا.

ورأيتك أنت في يدها اليمين وولدي في يدها الشمال ونور وجهها أضوى من الهلال فقلت لها يا سيدتي من هذا الغلام الذي على يمينك فقالت لي هذا بيبرس محمود العجمي وسوف يكون ملكا وسلطانا ويبقى له كلمة تسمع وحرمة ترفع وهو صاحب العز والوقار والمجد والافتخار وينصر دين النبي المختار ويهلك جيوش الكفار وأما ولدك هذا فإنه يكون له على يده شأن فإذا أقبل إليك في الغداة فأكرميه غاية الإكرام واقرأي له مني السلام وإذا طلب ابنك ليخدمه فدليه عليه فإنه شفوق عليه وينال على يده الهداية  وتحصل له الناية من خالق البرايا ، فلما انتبهت يا أمير من منامي وأنا غارقة في افتكاري ما أشعر إلا وأنت في دياري فلما رأيتك علمت أنك أنت صاحب الصورة الصحيحة والعلامة الواضحة وها أنا يا أمير أخبرتك بكل شيء وأوصيك عليه.

وأخبرته عن مكان ولدها الذي اختفى في إحدى المغارات بالجبل فركب حصانه وراح يطارده من مكان إلى مكان حتى لجأ عثمان إلى مقام السيدة نفسية رضي الله عنها ، وقد رآه بيبرس وهو يقف أمام باب المقام ثم يمد يده إلى ضبة الباب فانفتحت ودخل هاربا إلى رحابها ومد يده وأغلق الضبة كما كانت ، وسمعه بيبرس ينادي يا أم البيت أنا في حماكي قد أتيت حيالك وطوال عمري خادمك واشهدي أني كل يوم آتي فأكنس مقامك فقومي وادفعي عني هذا الخطر.

تعجب بيبرس من دخول عثمان إلى المقام بهذه البساطة فاندفع خلفه لكن خدام العتبة وقفوا في طريقه ومنعوه من الدخول وقالوا له ارجع أنى لك أن تهاجم مقام السيدة ألا تخشى الله ألا تخاف من صاحبة هذا المقام ، تلطف بيبرس معهم وذكر لهم أن خادمه عثمان بن الحبلة قد هرب منه إلى المقام وهو يلاحقه فقالوا له إن الذي ذكرته لا يخدم أبدا عند أحد من الناس ولم يخدم في عمره إلا عند السيدة كريمة الدارين وانظر كيف أنها فتحت له الضبة بغير مفتاح وكيف دخل عليها وجلس عندها وهو يتحدث معها وأنت تريد أن تهجم عليه فارجع يا جندي وإلا هلكت فإن هذا الرجل من أتباعها فإن أذنت لك فتقدم إلى الضبة فإن فتحتها تكون قد بلغت المأمول ولكن بأدب وإذا أرادت السيدة وصولك فكن على عتبتها خاضعا فقال بيبرس سمعا وطاعة.

تقدم بيبرس ووقف قبالة مقام السيدة نفيسة وقرأ الفاتحة ووهب ثوابها إلى حضرة النبي صلى الله عليه وسلم وقال لها يا سيدتي أنت تعلمي أن هذا الرجل انهمك في المعاصي وفي أكل الحرام وضيع كل صباه وجريه في الضلال وركوب الآثام وأنا يا سيدتي أردت أن أجعله خادما عندي لعل الله سبحانه وتعالى أن يوفقه وإياي إلى طريق الخير والصلاح ويكون بإذنك يا سيدتي وأطلب منك في ذلك السماح فأنت صاحبة المشورة ورأيك فيه الصلاح فإذا سمحتي لي فيه آخذه وأتوبه عن المعاصي وأخدمه على يدك ونكون أنا وإياه من أتباعك وها أنا واقف ملازم الأعتاب فإن رضيتي يا سيدتي فافتحي لي الضبة حتى أجوز في الرحاب وإن منعتيني يا سيدتي عن الدخول سأرجع مكسور الخاطر بلا فائدة ولا حصول ولكن يا سيدتي إن أهل البيت لا يخيبون من قصدهم فافتحي لي الضبة حتى آخذه بإجازة منك واجبري خاطري لعل ببركاتك أن يزول عني جميع الكبائر وأكون قد دخلت على سيدتي بانكسار ورجعت بانجبار.

ثم إن الأمير بيبرس قرأ الفاتحة ثانية ووضع يده في الضبة وقال بسم الله الرحمن الرحيم وجرها فانفتحت فلما رأى خدام العتبة ذلك قالوا له ادخل فلا بأس عليك إن السيدة راضية عليك ، ودخل بيبرس ووجد عثمان متعلق بأستار المقام بإحدى يديه ويمسك بيده الأخرى حجرا صوانا ليضرب به بيبرس ، واتجه كل منهما إلى السيدة نفيسة يخاطبها لتحقق له مراده فكان بيبرس يناجيها لتحقق له مراده بينما كان عثمان يناجيها من أجل أن تخلصه من ملاحقة بيبرس.

وبينما بيبرس وعثمان على هذه الحالة من المناجاة إذ أخذتهما سنة من النوم وغشي عليهما في الحضرة الشريفة ، ورأى بيبرس في منامه السيدة نفيسة وهي واقفة أمامه وتقول له هذا تابعي وخادمي وأنا لم أفوته أبدا ولكن رضيت أن يكون خادمك على طول المدى ويكون سامعا مطيعا وكذلك أنت الآخر تطيع أمره فإنه صحيح النظر وأنا ناظرة إليكما بالرعاية والعناية وعلى يدك زال نجسه وانمحى وعده وأقبل عليه سعده ويكون أخاك على مقامي وتوثق بينه وبينك عهد الله أمامي والله تعالى من الشاهدين ، فقال لها بيبرس سمعا وطاعة.

ثم انتبه بيبرس من منامه ولذيذ أحلامه فوجد عثمان بن الحبلة يبكي ويتحسر وقد جرت دموعه على خديه ثم كلمه قائلا خدمتك بقلبي ونيتي لأني سمعت كلام السيدة المبرقعة معك وهي توصيني بخدمتك وتوصيك علي وبالأمارة قالت لك انمحى وعده وأقبل سعده وأنت تطيع كلامه لأنه صحيح النظر وأوثقوا عهد الله على يدي بينكما ويكون أخاك يا بيبرس ، فقال بيبرس صحيح يا أسطى لقد سمعت ما قالت فقال عثمان نعم أنا معك منذ الآن ثم خرجا سويا من المقام وخدام العتبة قد وقفوا على الجانبين ينظرون إليهما ويشيروا لهما بالتحية ، ومن هذه الساعة تبدأ الأحداث الجسام في حياة محمود بيبرس حيث خاض مع رفيقه سلسلة لا تنتهي من البطولات والمغامرات والانتصارات والتي سارت بذكرها الركبان ورويت فيها الحكايات.

(من كتاب السيرة الظاهرية للدواداري)