
أبو زعبل
انتهى أبو زعبل من يوم عمل شاق في الحقل ثم جلس بجوار رفاقه من الفلاحين واستمع في انبهار لحكاياتهم ومغامراتهم في المدينة القريبة وكيف يقوم بعضهم بخداع المماليك والإفلات منهم ، وقد عاش أبو زعبل حياته كلها في القرية لم يغادرها لكن في هذا اليوم بدأ يحدث نفسه بالذهاب إلى هناك وتمنى أن يعود يوما ليحكي عن بطولاته وصولاته مثلما يفعل هؤلاء الرفاق.
وفي اليوم الموعود حمل الفلاح أبو زعبل أقفاص الدجاج على رأسه وسار إلى المدينة ليبيعها وعند باب السوق مر على ثلاثة من الفتيات يقفن في خلاعة ومجون ويتابعنه بأنظارهن وهو لا يدري ، كان محور الحديث والضحك بينهن هو هذا الفلاح الذي تبدو عليه أمارات الحماقة والسذاجة حيث وضعوه في موضع رهان وتحدي بينهن وقررت الأولى أن تسرق منه الدجاج وحلفت الثانية أنها قادرة على سرقة ملابسه بينما قالت الثالثة أنها سوف تبيعه هو شخصيا في سوق العبيد.
وهكذا سارت الفتاة الأولى خلفه وأوقفته وتحدثت معه بعض الوقت في دلال وعبث وطلبت منه شراء بضاعته كلها وعرضت في ذلك مبلغا كبيرا من المال وطلبت منه أن يسير معها إلى منزلها لتعطيه إياه ، فأسرع أبو زعبل خلفها وهو سعيد بإنجاز المهمة التي جاء من أجلها في هذا الزمن القياسي حتى إذا وصلوا إلى أحد أبواب المدينة توقفت عنده وأخبرته أنه باب منزلها وأخذت منه الأقفاص وطلبت منه الانتظار حتى تحضر له النقود.
جلس الفلاح بجوار الباب ينتظر عودتها وهو متعجب من حجم الباب الكبير واعتقد أنها تسكن في قصر أحد الأمراء المماليك لأنه لاحظ أن الناس يدخلون ويخرجون منه طوال الوقت ، انتظرها في صبر لكن غيبتها طالت حتى حان وقت الظهر واشتدت حرارة الشمس فقام ليدخل من الباب ليجد دربا طويلا موصلا إلى سوق المدينة وأخذ يسأل الناس عنها ويخبرهم بما فعلته معه وهم يضحكون عليه ويسخرون منه ويصفونه بقلة العقل فصاح ولطم وجهه واستمر في الصراخ والبكاء.
وبينما هو على هذه الحال اقتربت منه الفتاة الثانية متظاهرة بالتعاطف معه وسألته عما حدث له فقص عليها ما فعلته الفتاة الأولى فأظهرت له العطف والرقة وطلبت منه أن يلحق بها إلى منزلها لتعطيه صدقة تعوضه عما خسره ففرح أبو زعبل ووعدها أنه في الزيارة القادمة سوف يحضر لها من الكفر حزمة بصل وعشرين قرص جلة كما يفعل مع أصدقائه المخلصين.
وصلت الفتاة إلى بستان تابع لقصر واحد من الأمراء المماليك في وسطه بئر يسمح للجواري بملأ الماء منه في وقت العصر ، وعندما وصلت الفتاة إلى البئر تظاهرت بأن أساورها الذهبية قد وقعت منها في البئر وبدأت تصرخ وتبكي وتولول وتتهم الفلاح بأن مقابلته هي سبب الشؤم الذي حل بها ، ولتهدئة خاطر الفتاة عرض عليها أبو زعبل أن ينزل إلى البئر ليعيد لها أساورها المفقودة فهو يجيد السباحة والغطس ثم خلع ثيابه وتركها في حوزتها وتعلق بحبل البكرة وطلب منها أن تدليه في البئر وبدأ في النزول إلى أن وصل إلى الماء فأرخت الفتاة الحبل وأخذت ثيابه وتوجهت إلى حال سبيلها.
اجتهد أبو زعبل في البحث عن الأساور الذهبية في قعر البئر حتى دخل الليل وأظلمت الدنيا واشتدت برودة المياه فيأس من العثور على أي شيء وراح ينادي على الفتاة بصوت عال ثم بدأ في السباب والصياح بغضب وهو يرتعش ، وبينما هو على هذه الحال إذ أقبل الأمير وجنوده فسمعوا الفلاح يصيح في البئر واعتقدوا أنه عفريت من الجن خاصة عندما ذكر لهم اسمه كاملا وهو أبو زعبل ابن جنيجل ابن كلب المش لكنهم لما عرفوا حكايته دلوا له الحبل فتعلق به ثم سحبوه.
وعندما تبين لهم أنه إنسان وليس من الجان انهالوا عليه بالضرب وقد ظنوه لصا تسلل إلى قصر الأمير بغرض السرقة فخرج يجري منهم ولحقه أطفال الحارة يزفونه مثلما هو الشائع مع المجانين ، وعندها جاءت الفتاة الثالثة فوضعت يدها على ظهره ومسحت وجهه بمنديل كان معها وسترته بمنشفة وبدأت تواسيه وهي تستمع إلى حكايته وتظهر الشفقة عليه بسبب خداعه مرتين من نسوان المدينة وأخذت تسب الفتاتين ، أخبرها أنه لم يعد يثق في كلام النساء لكنها حلفت له أنها ليست من هؤلاء العواهر وأنها في هذا اليوم تخرج من دارها لأول مرة وليس لها هدف إلا فعل الخير والإحسان إلى أبناء السبيل.
اقتنع أبو زعبل بالذهاب معها إلى منزلها بعد أن وعدت بتحويله من فلاح يزرع الأرض إلى جندي يخدم في جيش المماليك وأن تعلمه التكلم بالتركية وسرحت به الأحلام وتخيل نفسه عائدا إلى قريته مرتديا الملابس المزركشة للجنود ويقوم بضرب عوكل شيخ الكفر ، أدخلته إلى بيتها ووضعت بين يديه الطعام فأكل وشرب وارتاحت نفسه ثم أتته بماء ساخن وغسلته بالليفة والصابون وألبسته قميصا جديدا فوقه رداء من الجوخ وطاقية مملوكية من القطيفة وحزاما عريضا به خنجر لامع مع شاشية من القصب ومحرمة حريرية ثم حلقت له لحيته وشاربه فصار يشبه جنود المماليك.
تطلع إلى هيئته الجديدة في المرآة وهو في غاية السرور ثم استمع إلى تعليماتها إذ أوصته بعدم الكلام مع أي شخص والاكتفاء بهز رأسه مع تكرار بضع عبارات تركية وبهذا سوف يصير قائدا مملوكيا تضرب له الطبول في موكبه ، شكرها كثيرا ووعدها أن يرد لها جميل صنيعها عندما يعود من القرية في المرة القادمة ويحضر لها ربع كشك وعشر طور كعك ثم يبني لها قاعة ويليسها بالوحل والجلة ويفرشها بالتبن والعشب.
ثم إنها أخذته ونزلت من منزلها تمشي وهو يمشي خلفها إلى أن أقبلت على سوق الأقمشة وجلست عند دكان رجل من التجار عنده من أنواع الحرير والديباج والأطالس والشاش وغير ذلك وطلبت منه كميات كبيرة تساوي مائتي دينار ثم حملت ذلك وأخبرت التاجر أن المملوك المرافق لها سوف يبقى عنده حتى تذهب إلى بيت سيدها الأمير وتعرض على حريمه ما حملته من بضائع فوافقها التاجر مرحبا وشيعها بالتحيات وهي تمضي إلى وجهتها.
مضى نصف النهار ولم ترجع الفتاة فتضايق التاجر والتفت إلى الفلاح يسأله عن سيدته التي لم ترجع فقام أبو زعبل بهز رأسه كما أوصته الفتاة فكرر التاجر السؤال وهو غاضب بينما واصل أبو زعبل هز رأسه دون أن ينطق بكلمة فتجمع التجار وبدأ الصياح ، وبينما الحال على ذلك إذ أقبل فارس مملوكي فطلب منه التاجر أن يتحدث إلى الفلاح باللغة التركية فكلمه فواصل هز رأسه فأخرج الفارس خنجره فخاف أبو زعبل ونطق بالعبارات التركية المبهمة التي تعلمها من الفتاة فضربه الفارس ضربا شديدا ، صاح أبو زعبل بلهجة الفلاحين وبدأ يحكي للفارس والتجار حكايته من أولها لآخرها وسط ضحكات الحاضرين.
قام التاجر بنزع ملابسه المملوكية ليأخذها عوضا عما سرقته الفتاة ثم أراد بيعه في سوق العبيد لكن تشفع فيه عدد من الشيوخ كانوا مارين بالسوق ودفعوا للتاجر مبلغ المائتي دينار ثم أخذوه وألبسوه ملابس الشيوخ مثلهم ، حلف لهم أنه فلاح وليس مملوكا فأخبروه أن يتبعهم وإلا سلموه للوالي فسار معهم مستسلما وأعطوه أربع بيضات كانت معهم ليسد بها جوعه فأكل ثلاثة منها واحتفظ بالبيضة الرابعة تحت عمامته ، وأثناء الطريق أخبره الشيوخ أن هناك مهمة لو نجح فيها فسوف يعتق ويسمح له بالعودة إلى قريته ثم انطلقوا به إلى كبيرهم في ساحة الذكر ليشرح له ما سوف يطلب منه.
بدأ كبير الشيوخ يحكي عن رجل من بلاد العجم قدم إلى مصر المحروسة واجتمع بوزيرها وأخبره أنه من علماء العجم ولا أحد يقاومه في العلم ودخل على عقل الوزير بالكلام وصار عنده في منزلة عظيمة وطلب منه مناظرة شيوخنا فلما حضروا بين يديه وغص المجلس بأهله قام العجمي وسألهم بالإشارة من غير كلام يتلفظ به فلم يفهموا مقصوده لأن لغة الإشارة لا اكون إلا للأخرس فأمهلهم الوزير ثلاثة أيام ليتباحثوا في الأمر.
واستقر رأي الشيوخ على أن يحضروا رجلا من عوام الناس لا يعرف السماء من الأرض ولا الطول من العرض فيلبسوه شيخا ويمشون خلفه ويطلعون به إلى الوزير وهو الذي يجيب العجمي فتصير حماقة مقابل حماقة ويعاملونه بما يناسب مقامه ويسلطون الكلب على الخنزير ، وعرف أبو زعبل أن الاختيار وقع عليه فأخبرهم أنه على قدر التحدي وأنه يستطيع أن يكلمه بالإشارة بل وأن يضربه إذا دعت الضرورة.
ومضوا على حالهم حتى أقبلوا جميعا على الوزير والعجمي عندهم فقام إليهم وأكرمهم وجلس العجمي متأدبا جلوس طلبة العلم وجلس أبو زعبل في كبر ومد رجليه ولم يعتبر بالمجلس كأنه في زريبة بقر فتوجس العجمي منه وظن أنه من العلماء الثقات لأنه لم يظهر اهتماما بمقام الوزير ومجلسه ، ثم إن العجمي أشار إليه بالسؤال بأصبع من أصابعه فرد عليه أبو زعبل بالإشارة في وجهه بأصبعين ، ثم رفع العجمي يده إلى السماء فوضع أبو زعبل يده على الأرض ثم فتح العجمي علبة بجواره وأجرخ منها دجاجة صغيرة فتذكر أبو زعبل البيضة التي وضعها في عمامته فأخرجها وقذفها في المجلس.
هز العجمي رأسه في تعجب وأخبر الوزير أنها أول مرة ينجح فيها أحدهم في الإجابة على سؤاله وشهد بانتصار منافسه عليه وأنه من اليوم من تلاميذه وأتباعه ، ثم إن الوزير أكرم الشيوخ وصرفهم مؤيدين منصورين واختلى بالرجل العجمي ليفهم منه مغزى الأسئلة والأجوبة التي دارت في المجلس وقد تعجب طيف أن الأعجمي الذي أعجز كل الشيوخ قد ارتضى أن يتحول في لحظة واحدة إلى تلميذ عند هذا الشيخ المجهول.
شرح العجمي للوزير تفسير ذلك بأنه أشار له بأصبعه دلالة على أن الله واحد فرد عليه بأصبعين دلالة أنه لا ثاني له ورفع يده إلى فوق دلالة على أنه رفع السماء بلا عمد فوضع يده إلى الأرض دلالة على أنه بسط الأرض على ماء جمد فأخرج له الدجاجة دلالة على أنه يخرج الحي من الميت فأخرج له البيضة دلالة على أنه يخرج الميت من الحي فأعجب الوزير بهذه الردود ورأى فيها من الحكمة والرأي السديد ما سر قلبه وأراح خاطره.
أما أبو زعبل فقد خرج من عند الوزير بصحبة الشيوخ وهم في غاية السعادة والفخر وسألوه عن حقيقة الأسئلة والأجوبة فأخبرهم ببساطة أنه لاحظ احمرارا في عين العجمي وأنه ينوي الشر فلما أشار له بأصبع واحد يقصد أن سوف يخرق إحدى عينيه رد عليه بالإشارة بأصبعين بمعنى أنه سوف يخرق عينيه الاثنين ولما رفع يده للأعلى قصد أنه سوف يضربه ضربة تطيح به إلى السقف فرد عليه بإشارته إلى الأرض دلالة على أنه سوف يضربه ويطرحه أرضا ويخرج عفاريته فغضب وأخرج الدجاجة ليفخر بأن في نعيم وأنه يأكل كل يوم طعاما طيبا فرد عليه بإخراج البيضة المسلوقة من عمامته ليفحمه ويعلمه بأنه أيضا في نعيم مثله ويأكل كل يوم من أطايب الطعام !
وقضى أبو زعبل ليلته في ضيافة أحد الأمراء المماليك فأنزله في محل فيه شباك يطل على حريم القصر فوقف ينظر منها خلسة ليعرف كيف يتكلم الأمير مع نسائه في الخلوة وهو ينوي أن يحكي لامرأته ما يراه ليعلمها كيف تقلدهن في الدلال والغنج ، ثم إنه صبر حتى أقبل الليل ودخل الأمير إلى منزله فنظر أبو زعبل من الفتحة فرآه جالسا على سرير من العاج وعليه أنواع الفرش وجلست زوجته على سرير مثله وصارا يتلاطفان ويتنادمان بالكلام الرقيق تارة باللغة التركية وتارة باللغة العربية ثم تناول الأمير وردة ورماها إليها فأتت إليه وتملى في حسنها وجمالها ثم انقضت الليلة في أتم سرور وحبور.
فلما أصبح الصباح توجه أبو زعبل إلى قريته فلاقته زوجته أم معيكة وسألته عن المدينة وما فيها فراح يحكي لها عما كانت تلبسه زوجة الأمير من ثياب مثل نوار أبو النوم أصفر وأحمر وعلى رأسها قحف ربما يتجاوز ثمنه نصف فضة جديد وفي أيديها أساور صفر كأنها أسباط النخل وعلى جسدها قميص أحمر مخيط يشبه زكيبة الفول الأخضر وفي سيقانها حجل يساوي ثمنه خمسة أنصاف فلوس جدد وعليها شال أخضر فاقع اللون كأنه مصبوغ بالبرسيم ، وطلب أبو زعبل من زوجته أن تفعل مثلها حتى يتحدث الناس في الكفر أنه صار يعيش عيشة الأمراء فطلبت منه أن يخبرها عن كافة ما رأى.
قص عليها أنه في تلك الليلة قد لبد في الشباك مثل الكلب الزوام وشاهد الأمير يجلس على خشبة سوداء ذات أشرطة بيضاء لها أربعة أرجل مثل عريشة البطيخ في الغيط وجلست زوجته على خشبة مثل جرافة المحراث وكلما تتحرك تشن وترن مما تحمله من الذهب والخلاخيل ، وحكى لها أنهما ظلا طيلة الليل يتبادلان كلمات بالعربية والتركية مثل شلضم بلضم وشقلب مقلب حتى مضى وقتهما في السمر والضحك فألقى عليها الوردة العطرة التي تشبه نوارة أبو النوم وانتهت ليلتهما في سعادة وهناء ، فحلفت زوجته بشاربه الذي يشبه شارب التيس أنه سوف يبلغ مراده هذه الليلة ويقضيان ليلة مثل ليالي الأمراء ويتباهون بها على مشايخ الكفر.
وفي الليل دخل أبو زعبل وزوجته إلى الزريبة وجلس هو في مدود البقرة وجلست زوجته في مدود الحمارة وحولهم آثار الجلة والشلاتيت والروث وتنادما بكلام مثل نباح الكلاب كله شياط وعياط وضراط وحوارات حول البقرة والعجلة والثور ، ثم أراد أن يرميها بشيء مثلما رمى الأمير الوردة فتناول أقرب شيء إليه وقذفه نحو زوجته وكان ذلك الشيء قالبا من الطوب المحروق فوقع في وسط رأسها ففلقها وسال الدم فصرخت بأعلى صوتها وأقبل الجيران ومشايخ البلد وحاكم الناحية ، فلما عرفوا ما حدث أخذوه وضربوه ضربا موجعا وأحضروا للمرأة من قطب رأسها وتحولت الملاعبة والمداعبة إلى هم ونكد وقيام غارات في البلد.
(من كتاب هز القحوف في شرح قصيدة أبي شادوف للشربيني).

الملافيق
في صباح ذلك اليوم استيقظت على صوت والدتي التي ربتت على رأسي وأخبرتني أنه قد حان وقت الاحتفال بي جريا على عادة القرية وهي أنه إذا مضت مدة من الزمان توجب أن يقوم الأهل بحلاقة رأس ابنهم وأن يصنعوا له وليمة ، واعتذرت لي والدتي أنها قد نسيت فعل ذلك في الوقت المفروض وأنه قد حان الوقت للالتزام بتلك العادة فأظهرت لها سروري بذلك وأطعتها في كل ما أمرتني به ، وخطر لي أنها حادثة فريدة ونادرة عجيبة وظننت حلاقة الرأس تجربة مفيدة ومهمة سعيدة.
اصطحبني والدي إلى الحمام العمومي فغسل رأسي ونظف جسدي وألبسني ثيابا لا أعرفها تتكون من جلباب قصير من دون أي سراويل ثم أركبني على الفرس وحوله موكب كبير من رجال يحملون سيوفا مسلولة بأيديهم وعليهم أمارات السعادة والسرور وقد رفعوا رايات تحمل اسمي (هبالة بن واقد) ، وسار الموكب الاحتفالي من الحمام إلى البيت وسط التهليل والزغاريد ودخلوا جميعا وقدمت لهم الأطعمة فأكلوا ثم قدمت المشروبات فشربوا إلا أن والدي منعني أنا من الأكل أو الشرب مما أصابني بالغضب وتعجبت من ذلك كل العجب.
أحضر لي والدي وسادة وأجلسني عليها وجاء الحلاق فوضع الطشت الكبير أمامي فزادت حيرتي وبدأ أتساءل في نفسي عن سر فعل ذلك لكن والدي طمأنني وأخبرني أن سبب وجود الطشت هو أن يتجمع فيه الشعر المحلوق ولا يتساقط على الأرض وعندها سوف يقوم الناس بنثر الدراهم فوقه ليأخذها الحلاق مكافأة له على مهارته ، ثم قام والدي برفع الجلباب القصير الذي ألبسني إياه في الحمام فتساءلت عن علاقة ذلك بحلاقة رأسي لكن والدتي ربتت على كتفي وشرحت لي أن سبب ذلك هو وجود برغوت على طرف الثوب يمكن أن يقرصني عند الحلاقة فيتحرك وأنجرح.
بعد ذلك أمسكني والدي بقوة وطلب مني أن أرفع رأسي إلى السقف وأن أنظر إلى العصفورة ففعلت ذلك في بلاهة وبدأت البحث عن تلك العصفورة وفي نفس اللحظة شعرت بيد الحلاق وهي تمسك بالموسى وتقطع من أسفل جسدي قطعة من الجلد وسال الدم بين رجلي في الطشت فصرخت وبكيت بينما الناس يضحكون ويفرحون ، وعلمت ساعتها أن والدتي قد خدعتني بتلك الحيلة فحلفت ألا أكلمها بعد اليوم فأتت إلي واستعطفت خاطري فلم ألتفت إليها إلا بعد أن حلفت لي سبعة عشر يمينا بالطلاق من والدي أنها بعد هذا لا تطاهرني مرة أخرى فصدقتها ، أما والدي فلم أسامحه أبدا لأنه شغلني بالعصفورة عن الحمامة.
ثم حدث عندنا احتفال آخر بعد زمن حيث رأيت والدتي في هرج ومرج فتدخل وتخرج لتعد عرس أختي فهربت منها لئلا تسخرني في بعض حاجاتها ، ثم رجعت بعد العشاء ودخلت المنزل وإذا به بسط مفروشة ومقاعد منقوشة ودكك منصوصة ومخدات مرصوصة وقناديل معلقة وحوائج مزوقة وارتفعت أصوات المغاني فظننته بيت السلطان فجعلت يدي على وجهي وتسحبت من بين الناس لئلا يفطن بي أحد فيقبض علي.
فبينما أنا كذلك وإذ بأختي قد برزت في هيئة مدهشة عليها حلة مزركشة على رأسها تاج يأخذ بالأبصار قد علتها السكينة والوقار وهي تخطر في الحلي والحلل وتمشي الهوينى دون عجل بقامة مياسة ومقلة نعاسة تترقص في خطواتها كأنها الغصن في أزهارها أو البدر في إسفارها والدفوف تصفق والمزامير تزعق وتزفها المغاني ولها من المسك على ورد الخدود شامات.
والعريس جالس في صدر الإيوان عليه حلل سنية ذات ألوان قد مد إلى العروسة ناظره وقصر عليها خاطره فلما دنت منه قام إليها وقبل رأسها ونثر عليها الدنانير من جيبه وكذلك فعل من كان بقربه ، ثم تراجع للخلف وهي تمشي معه والزغاريط صاعدة والأفراح زائدة حتى انتهت إلى الستارة فأرخيت عليها ساعة جيدة ثم ارتفعت عنها وظهرت في حلة أبهى من الأخرى وأسنى منها وأجمل ، وأنا أحسدها على ذلك مليا وأمقت نفسي إذ كنت صبيا.
تعلقت بثياب والدتي وطلبت منها متوسلا أن تلبسني مثل ما تلبس العروسة لأفرح مرة في حياتي ، وعبثا حاولت والدتي أن تثنيني عن ذلك بحجة أن ذلك يتم صنعه للبنات فقط وليس الأولاد لكنني أصررت على مطلبي واستنجدت بخالاتي فكلمنها وألححن عليها حتى وافقت ، فلما عادت أختي نزعوا ثيابها وألبسوني إياها ثم أجلسوني في مكانها ، ثم جاءت الماشطات وحركن المقصات وجعلن لحيتي ضفيرتين ولطخن وجهي بالأصباغ والحمرة وزينني بزينة العرايس وعلمنني نظرة المتناعس وجعلن على صدري أنامل يدي اليسرى وعلى صدغي أنامل الأخرى وقد طال على العريس الانتظار وتقلق من في الدار.
فبينما هم كذلك إذ ظهرت بهذا الشكل العجيب والنمط الغريب أغمز بعيني وأغزل وقد انذهل كل من في المنزل وكثرت التخاليط وعلت الزغاريط وطاب قلبي وانشرح وكدت أطير من الفرح ، وكان بعض الناس قد أصابني بالعين فسقطت من شرفة الإيوان وكدت أعفص بعض النسوان فشكشكنني بالإبر وصار لقرصهن في سيقاني أثر فهربت منهن وتركت المغاني وشكوت لوالدتي ما دهاني فنزعت ما كان علي من ملابس وألبسته لأختي وطردتني لقلة بختي فازددت في نفسي مقتا وانكسر قلبي إذ لم أكن بنتا وهذا سبب غبني وبكائي وحزني.
وقد بلغني أن بظاهر المدينة بركة لا يعرف لها يمين من يسار ولا تطلع عليها شمس النهار من انغمس في مائها سحرا يصير أنثى إن كان ذكرا فقصدت السير إليها ، وفي طريقي عرجت على المسجد لأستريح قليلا وأنام حتى الصباح وكان إلى جانبي رجل يصلي طول ليلته فلما قرب الفجر ترك سجادته إلى جانبي وذهب ليجدد وضوءه فاسبشرت به خيرا وأدركت أنه من الأولياء وعزمت على أن أسرق سجادته لأبيعها وآكل بثمنها التماسا للبركة فأخذتها وخبأتها في موضع خفي.
وعاد الرجل فسألني عنها فحلفت له سبعة وثلاثين يمينا أني ما أخذتها ولا أعرف من أخذها فصلى ركعتين ثم رفع رأسه وصار يدعو على السارق وأنا أردد وراءه بكلمة آمين حتى قامت الصلاة فأخذت السجادة وخرجت من المسجد وذهبت إلى السوق فبعتها بخمسة دراهم ومشيت أبحث عن أي طعام متاح ، وإذا برجل قد ازدحم عليه الناس وصار بعضهم يركب بعضا فأيقنت أن هذا الجمع لا يكون سدى وقد اشتهر من الكلام أن المنهل العذب كثير الزحام.
سألت بعض الناس عنه فعرفت أن الرجل يبيع البهار وهو حشيش مخدر يزيد الأفراح ويزيل الأتراح من أكل منه شيئا سارت به الأسرار في أودية الأفكار فيرى وهو في مكانه سائر الأقطار وتتحقق به الأماني والأوهام وتستوفي به الرغبات والأحلام ، فتقدمت إليه وأعطيته الدراهم الخمس طالبا من البهار ما تيسر لكنه أخبرني أن كمية بدرهم واحد تكفي الرجل خمسة أيام لكني أصررت على الشراء بالدراهم كلها وتفاخرت أمامه أنه لا يكفيني في اليوم الواحد إلا كمية بخمسة دراهم فقهقه ملء فمه ودفع لي ما يساوي الخمسة ولسان حاله أن صاحب البيت أدرى بالذي هو فيه.
أكلت الكمية كلها وواصلت طريقي إلى البركة ولا أدري متى وصلتها هل بعد المغرب أم قبل العشاء وجلست أنظر إلى الماء وإذا خيال السماء يلوح في قاع البركة وتنعكس منها جدران منكوسة فأدركت أن القيامة قد قامت وأصابتني دهشة عارمة لأن البركة بدأت تكبر وتصغر وتقترب وتبتعد وأردت أن أمشي إلى الأمام فمشيت إلى الوراء وسقطت في وحل البركة وحاولت القيام مرارا فلم أفلح في ذلك.
ومر بي رجل يدعى شحبذة الحجرمي فنزل إلي في الوحلة وعاونني حتى استطعت الوقوف والتحرك ثم نزع ثيابي وألبسني شيئا من أثوابه وأطعمني شيئا من الزاد وسألني عن سبب ما حدث لي فحكيت له كل شيء ، وعندها قام إلي مغضبا وضربني ضربا متواصلا ونزع الثياب التي أعطاها لي من قليل ورفع بقية الطعام من أمامي وأنا لم أنته منه بعد ثم ألقاني مرة أخرى في وحل البركة فعلمت أن كل ما حدث لي كان بسبب دعاء صاحب السجادة.
ثم ظهر في خدي ورم فشكوت ذلك إلى والدتي فاستبشرت بظهور لحيتي لأن أسناني لما طلعت حدث لي مثل ذلك فلم يطب قلبي بهذه البشارة وتركتها وذهبت إلى طبيب عرفت منه أنها نزلة وسوف تزول ، ثم ظهر لي ورم في إحدى قدمي ولا أدري الآن أي القدمين كانت إلا أنه من جهة يدي التي آكل بها إذا لم أكن مستعجلا فأردت أن أذهب إلى الطبيب ثم تذكرت أنه أخبرني أن الورم الذي كان بوجهي نزلة فخمنت أن ما بقدمي أيضا نزلة لأن ذلك الوجه وجهي وهذه القدم قدمي فلم أذهب إليه.
وتزايد بي الألم فلما ذهبت إليه ورآني فحصني وأوصاني أن أحتمي فذهبت واحتميت أياما فلم يفدني ذلك شيئا فرجعت إليه فسألني عما فعلت فأخبرته أنني سمعت كلامه حرفيا ونفذته وقضيت وقتا أحتمي أي أدخل تحت حماية واحد من رجال السلطان فضحك من فرط حماقتي وأنكر علي ذلك إذ كان مقصده الحمية أي الامتناع عن الطعام ، ثم عدد علي أصناف الأطعمة التي يجب علي تجنبها وهي القلقاس والفولية والبامية والملوخية والممززة والبورانية والأوز والدجاج والماوردية والمزاج والرز المفلفل والبيض المزغزل والبقالي والأجبان المقالي فبكيت وأنا أستمع لما يقول لأن ذلك يعني موتي.
ثم إنه راح يعدد الأصناف المسموحة وهي اللوز المقشر والقطر المكرر وشراب النيلوفر والمشبك والقطايف والممشك والكنايف والسكاكر والبواكر فازداد بكائي لأنها جميعا مما لا أقدر على ثمنه لقلة الدراهم ، وعندها خيرني بين ذلك وبين الجراحة والمراهم فاستسلمت له فتناول نصلا حاد الجانبين وضرب الورم حتى سالت منه الدماء وهو يضحك باستهزاء ثم إنه راح يتعهدها فلما كادت تبرأ أصابها بالنار حتى انتفخت ثم احترقت فأيقنت أنها قد طابت واستوت مثلما يحدث للطعام عندما ينضج على التنور ولم أرجع إليه بعد ذلك.
وبسبب هذا التعب عانيت من الأرق فلم أتمكن من النوم فقمت لأصلي ما تيسر فلما نويت الصلاة أقبل علي النوم فرجعت إلى الفراش فعاد إلى القلق فعدت إلى الصلاة فعاد إلى النوم ولم أزل كذلك إلى السحر ، وعندما خرجت لصلاة الفجر التقيت والدي عند الباب لأنه رأى في كنامه أنني لا أنام فجاءني وأحضر لي الدواء وهي علبة فيها شيء لا أعرفه يميل إلى الخضرة ويصيب بياض العين بالحمرة وأوصاني أن آخذ منه قدر جفنة ووأطرح منه بذره وقشره وأسكب عليه ماء الورد ثم أعجنه وأتناول منه قطعة صغيرة.
ولما كان قلقي كبيرا فقد بلعت ما في العلبة كلها فأقبل علي النوم أفواجا أفواجا لكن شعرت في نفس الوقت بالجوع الشديد فخرجت أبحث عما آكله فوجدت بحرا متلاطم الأمواج أرضه من الحلوى وجوانبه من المأمونية وماؤه من الشراب المكرر وأسماكه من الموز المقشر ، وعلى الشاطىء شباك من الزلابية فأخذت شبكة منها وطرحتها حتى امتلأت من الصيد لكن لم أتمكن من جذب شيء منها لثقله فنزعت ثيابي ونزلت إلى العمق وقضيت سبعة أيام آكل من هذا وذاك ومن كل ما لذ وطاب.
ثم قذفتني الأمواج إلى جزيرة فيها جبال من كنافة وأودية من قطايف فيها قوم كالأقمار عليهم آثار السعادة وهم يتناشدون بأصوات حسنة ويذكرون من كل قول أحسنه ينادون علي بأعذب صوت وأحلى مقال أن هلم إلى اختلاس المنى واجتلاء كئوس الهنا فهممت بالصعود إليهم لكني وقفت على عتبة من الحلوى المنفوشة فانخسفت بي وهويت منها عشرين ليلة وأنا لا أدري إلى أين أصير ، ثم سقطت في بركة من الليمون المالح فسبحت فيها يوما وليلة فلما انتهيت منها وجدت نفسي في الفراش بمنزلي وعلمت أن والدي قد غشني وأنه لا يصلح أن يكون لي أبا فرميت العلبة إليه وحلفت ألا أنزل من صلبه مرة أخرى أبدا !
ولما كنت بليدا لا أصيب في مقال ولا أفهم ما يقال زوجتني والدتي بامرأة كانت أبعد مني ذهنا إلا أنها أكبر سنا فلما دخلت بها أطعمتني شيئا وادعت أنني بعد أكله سوف أرى منه عجبا فرأيت أنه زاد في عقلي حتى اقتنعت أن السكر أحلى من البصل وأن الطاجن يقلى في السمكة فشكرتها على هذه النعمة وسألت الله ألا يؤتيها الرحمة ، ثم لم يمض من الزواج سوى يومين وإذا بها قد ولدت فأنكرت ذلك لكنها أفهمتني أن الطعام الذي أكلته يحوي من المدد ما يجعلني كل يوم آتي بولد فرجعت عن الإنكار وشرعت لها في الاستغفار.
ثم إن المرأة طلبت مني أن أحضر طعاما من السوق فخرجت ومعي الصحفة ثم تذكرت أنني نسيت المكبة التي تغطيها ووجدت أنه ليس من الحشمة أن تحمل الصحفة مكشوفة فرجعت أخذت المكبة ونسيت الصحفة فلما كنت في السوق تذكرت ذلك فرجعت أخذت الصحفة ونسيت المكبة ، ولم أزل كلما أخذت واحدة نسيت الأخرى حتى غربت الشمس فحلفت من حنقي أني لا أشتري لها شيئا في تلك الليلة حتى لو ماتت من الجوع.
ثم رجعت إليها فإذا بها قد ماتت وصار ولدها يستغيث ففكرت كيف أربيه فخطر في بالي أن الحمامة إذا فرخت وماتت ذهب زوجها والتقط الفول ثم يأتي وينفخه في مناقير أفراخه فيشبعون بذلك فحلفت ألا أكون أعجز من الحمام ولا أدع ولدي يذوق كأس الحمام ، ثم مضيت وأتيته بجوز ولوز جعلته في فمي ونفخته في فمه فرادى وأزواجا وأفواجا أفواجا حتى امتلأ جوفه وصار يتناثر من أشداقه ثم نظرت إليه فإذا به قد مات فحسدته على ذلك إذ انحط سعد أمه وارتفع سعده لأنها ماتت جوعا والطفل مات من الشبع ، ثم مضيت آتيهما بالكفن فلما رجعت لم أعرف طريق المنزل وها أنا في طلبه إلى يومنا هذا !
(من كتاب نزهة النفوس ومضحك العبوس لابن سودن اليشبغاوي الجركسي)