عصر الأيوبيين الجزء الأول

1 / رسائل القاضي الفاضل

يقول السلطان صلاح الدين الأيوبي للأمراء : ” لا تظنوا أني ملكت البلاد بسيوفكم ولكن بقلم القاضي الفاضل ” .. وهي عبارة تحوي الكثير من التقدير والإعزاز لوزيره الأول وكاتب سره ومدبر دولته ومربي أولاده القاضي أبي علي عبد الرحيم بن علي بن الحسن بن الحسن اللخمي البيساني (نسبة إلى قبيلة لخم العربية ومدينة بيسان الفلسطينية) ، ولد في عسقلان عام 529 هـ / 1135 م وتوفي بالقاهرة عام 596 هـ / 1200 م.

انتقل إلى الإسكندرية ليعمل كاتبا في دواوين الدولة الفاطمية ثم ترقى للعمل في ديوان الإنشاء في القاهرة ولفت نظر الوزير أسد الدين شيركوه فعينه كاتبا خاصا له ، وبعد وفاته كتب المنشور الخاص بتولي صلاح الدين للوزارة وكانت بداية صداقة طويلة وعلاقة وثيقة بين الرجلين دامت ربع قرن حيث كان القاضي الفاضل هو الرجل الثاني في الدولة وكان له دور كبير في القرارت المصيرية مثل إنهاء حكم الفاطميين وضم الشام إلى مصر.

كان مجلسه حافلا بالعلماء والأدباء حيث أوكل إليه السلطان الإشراف على الوقف الخاص بالإنفاق على المجال العلمي والذي كان يبلغ ثلاثمائة ألف دينار شهريا ، كما كان مسئولا عن دار الحكمة وما تحويه من كتب نفيسة قام بتنظيمها وإعادة نسخها وتوزيعها على العلماء والأدباء ، وهو الذي تولى المراسلات مع الخلافة العباسية وحصل منها على لقب السلطنة وتفويض صلاح الدين في حكم مصر والشام ومناصرته في الجهاد.

ويمكننا أن نطلق على الفترة الزمنية التي عاش فيها هذا الرجل اسم (عصر القاضي الفاضل) لأنه أبدع أسلوبا في الكتابة الإنشائية صار السائد بعد ذلك في العصور اللاحقة له ، وكان الرجل سببا في ازدهار الأدب والشعر في أوائل العصر الأيوبي بسبب رعايته للكثير من الشعراء والكتاب وتشجيعه لهم فكان أستاذ العصر ، والأهم من ذلك أنه لم يكن فقط شاهدا على أحداث التاريخ لكنه كان صانعا لها ومشاركا فاعلا في تفاصيلها.

وكتابه (المياومات) خير تعبير عن ذلك حيث اشتق اسمه من معنى الكتابات اليومية والتي كان يسجلها القاضي الفاضل في الفترة من عام 565 هـ وحتى عام 595 هـ ودون فيها الكثير من التفاصيل الخاصة بالأحداث والشخصيات ، أما رسائل القاضي الفاضل السياسية فقد اكتسبت أهميتها التاريخية من تناولها للوقائع ووجهات النظر التي كتبها أصحاب القرار بأنفسهم من داخل المطبخ السياسي وهي تختلف عما يسجله المؤرخون أو يكتبه المعاصرون للحدث من بعيد.

وأما الرسائل الشخصية والأدبية فقد جاءت في ثنايا كتابات الآخرين خاصة كتاب فصوص الفصول الذي جمع فيه تلميذه ابن سناء الملك عددا من المكاتبات والرسائل والنوادر المتبادلة بينهم ، وأما ديوانه الشعري فهو حافل بعدد كبير من القصائد في أغراض متعددة ومن أشهرها قصيدته في مدح السيدة نفيسة والتي يقول في مطلعها : جَنابكِ منه تُسْتَفَادُ الفَوائدُ .. ولِلناسِ بالإحسَانِ منكِ عوائدُ .. فَطُوبَى لِمنَ يَسْعَى لِمَشْهَدِكِ الذي .. تكَادُ إلى مَغْنَاهُ تَسْعَى المشَاهِدُ.

ومن أشهر عباراته الأدبية التي تستخدم على نطاق واسع ما جاء عنه وهو يعتذر إلى العماد الأصفهاني عن كلام استدركه عليه : إنه قد وقع لي شيء وما أدري أوقع لك أم لا ؟ وها أنا أخبرك به ، وذلك إني رأيتُ أنه لا يكتب أحد كتاباً في يومهِ إلا قال في غَدِهِ لوُ ُغَّيرَ هذا لكان أحسن ولو زيد هذا لكان يُستحَسن ولو قُدَّم هذا لكان أفضل ولو تُرِك هذا لكان أجمل وهذا أعظم العبر وهو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر.

وفي كتابه خريدة القصر يصفه العماد الكاتب بأوصاف بديعة وقد بدأ به عند ذكره لأدباء مصر وكتابها فقال : ” وقبل شروعي في ذكر أعيان مصر وأحاسنها ومزايا فضائلها ومزاينها ، أقدم ذكر من جميع أفاضل الدهر وأماثل العصر كالقطرة في تيار بحره بل كالذرة في أنوار فجره وهو المولى الأجل القاضي الفاضل الأسعد أبو علي عبد الرحيم بن القاضي الأشرف أبي المجد علي بن الحسن بن الحسن بن أحمد ابن البيساني.

صاحب القران القديم الأقران وواحد الزمان العظيم الشان ، رب القلم والبيان واللسن واللسان والقريحة الوقادة والبصيرة النقادة والبديهة المعجزة والبديعة المطرزة والفضل الذي ما سمع في الأوائل بمن لو عاش في زمانه لتعلق بغباره أو جرى في مضماره ، فهو كالشريعة المحمدية التي نسخت الشرائع ورسخت بها الصنائع يخترع الأفكار ويفترع الأبكار ويطلع الأنوار ويبدع الأزهار.

وهو ضابط الملك بآرائه ورابط السلك بآلائه ، إن شاء أنشأ في يوم واحدٍ بل في ساعةٍ واحدة ما لو دون لكان لأهل الصناعة خير بضاعة ، أين قسٌّ عند فصاحته وأين قيسٌ في مقام حصافته ومن حاتمٌ وعمرو في سماحته وحماسته ، فضله بالإفضال حالٍ ونجم قبوله في أفق الإقبال عالٍ لا من في فعله ولا مين في قوله ولا خلف في وعده ولا بطء في رفده ، الصادق الشيم السابق بالكرم ذو الوفاء والمروة والصفاء والفتوة والتقى والصلاح والندى والسماح منشر رفات العلم وناشر راياته وجالي غيابات الفضل وتالي آياته.

وهو من أولياء الله الذين خصوا بكرامته وأخلصوا لولايته قد وفقه الله للخير كله ، وفضل هذا العصر على الأعصار السالفة بفضله ونبله فهو مع ما يتولاه من أشغال المملكة الشاغلة ومهامه المستغرقة في العاجلة لا يغفل عن الآجلة ولا يفتر عن المواظبة على نوافل صلاته وحفظ أوراده ووظائفه وبث أصفاده وعوارفه ويختم كل يوم ختمةً من القرآن المجيد ويضيف إليه ما شاء من المزيد.

وأنا أوثر أن أفرد بنظمه ونثره كتاباً فإنني أغار من ذكره مع الذين هم كالسها في فلك شمسه وذكائه وكالثرى عند ثريا علمه وذكائه فإنما تبدو النجوم إذا لم تبد الشمس حاجبها ولا حجب نور الغزالة عند إشراقها كواكبها ولأنه لا يؤثر أيضاً إثبات ذلك ، فأنا متمثلٌ لأمره المطاع ملتزم له قانون الاتباع واضعٌ أذني لإذنه قابضٌ يميني على يمنه راكنٌ بأملي إلى ركنه قاطنٌ برجائي في ظل منه أقترض رضاه ولا أحكم على ما يحكم به ويراه ولا أقوم إلا حيث يقيمني ولا أسوم إلا ما يسومني ولا أعرف يداً ملكتني غير يده ولا أتصدى إلا ما جعلني بصدده وأسأل الله التوفيق للثبات على هذا السنن وانتهاج جدده.

وهو أحق ممدوحي بمدحي وأقضاهم لحقه وأسماهم في أفقه وأولاهم بصدقه وأهداهم إلى طرقه ، ولي فيه مدائح منظومةٌ ومنثورة ومقاصد معاهدها بفضله معمورة وقصائد قلائدها على مجده موفورة فمن ذلك من قصيدة كتبت بها إليه عند وصوله إلى الشام في الخدمة الملكية الناصرية سنة سبعين واتصالي به : 

قد أُهْدِيَ الإِثراءُ في الإِيفاضِ لي .. مذ فاضَ لي بالرَّحْبِ بحرُ الفاضل .. قد عاضَ لي مَلْقَاهُ من فقري غنىً .. ما زالَ صَرْفُ الدهر منه عاضِلي .. كم من مُنىً ضَلَّتْ وعاودتِ الهدى .. بلقائه حتى غَلَبْتُ مناضلي .. عاينتُ طَوْدَ سكينةٍ ورأيتُ شمسَ .. فضيلةٍ ووردت بَحْرَ فواضل .. ولقيتُ سَحْبانَ البلاغةِ ساحباً .. ببيانه ثوبَ الفخارِ لوائل .. أَبصرتُ قُسّاً في الفصاحةِ معجزاً .. فعرفتُ أني في فهاهةِ باقل .. حلفُ الفصاحةِ والحصافةِ والسما .. حةِ والحماسةِ والتقى والنائل .. بحرٌ من الفضلِ الغزيرِ خِضَمُّهُ .. طامي العُبابِ وما لَهُ من ساحلِ “.

وقد ترجم له الحافظ الذهبي في سير أعلام النبلاء فقال : ” القاضي الفاضل المولى الإمام العلامة البليغ القاضي الفاضل محيي الدين يمين المملكة سيد الفصحاء ، أبو علي عبد الرحيم بن علي بن الحسن بن الحسن بن أحمد بن المفرج اللخمي الشامي البيساني الأصل العسقلاني المولد المصري الدار الكاتب  صاحب ديوان الإنشاء الصلاحي ، ولد سنة تسع وعشرين وخمسمائة.   سمع في الكهولة من أبي طاهر السلفي وأبي محمد العثماني وأبي القاسم ابن عساكر وأبي الطاهر بن عوف وعثمان بن فرج العبدري  وروى اليسير ، وفي انتسابه إلى بيسان تجوز فما هو منها بل قد ولي أبوه القاضي الأشرف أبو الحسن قضاءها .

انتهت إلى القاضي الفاضل براعة الترسل وبلاغة الإنشاء وله في ذلك الفن اليد البيضاء والمعاني المبتكرة والباع الأطول لا يدرك شأوه ولا يشق غباره مع الكثرة ، قال ابن خلكان يقال إن مسودات رسائله ما يقصر عن مائة مجلد وله النظم الكثير ، أخذ الصنعة عن الموفق يوسف بن الخلال صاحب الإنشاء للعاضد ثم خدم بالثغر مدة ، ثم طلبه ولد الصالح بن رزيك واستخدمه في ديوان الإنشاء .

قال العماد : قضى سعيدا ولم يبق عملا صالحا إلا قدمه ولا عهدا في الجنة إلا أحكمه ولا عقد بر إلا أبرمه  فإن صنائعه في الرقاب وأوقافه متجاوزة الحساب لا سيما أوقافه لفكاك الأسرى وأعان المالكية والشافعية بالمدرسة والأيتام بالكتاب ، كان للحقوق قاضيا وفي الحقائق ماضيا والسلطان له مطيع ما افتتح الأقاليم إلا بأقاليد آرائه ومقاليد غناه وغنائه ، وكنت من حسناته محسوبا وإلى آلائه منسوبا وكانت كتابته كتائب النصر ويراعته رائعة الدهر وبراعته بارية للبر وعبارته نافثة في عقد السحر وبلاغته للدولة مجملة وللمملكة مكملة وللعصر الصلاحي على سائر الأعصار مفضلة ، نسخ أساليب القدماء بما أقدمه من الأساليب وأعربه من الإبداع ما ألفيته كرر دعاء في مكاتبة ولا ردد لفظا في مخاطبة .. إلى أن قال : فإلى من بعده الوفادة ؟ وممن الإفادة ؟ وفيمن السيادة  ؟ ولمن السعادة  ؟

وقال ابن خلكان : وزر للسلطان صلاح الدين بن أيوب فقال هبة الله بن سناء الملك قصيدة منها : قال الزمان لغيره لو رامها .. تربت يمينك لست من أربابها .. اذهب طريقك لست من أربابها .. وارجع وراءك لست من أترابها .. وبعز سيدنا وسيد غيرنا .. ذلت من الأيام شمس صعابها     وأتت سعادته إلى أبوابه .. لا كالذي يسعى إلى أبوابها .. فلتفخر الدنيا بسائس ملكها .. منه ودارس علمها وكتابها .. صوامها قوامها علامها .. عمالها بذالها وهابها.

وبلغنا أن كتبه التي ملكها بلغت مائة ألف مجلد وكان يحصلها من سائر البلاد  ، حكى القاضي ضياء الدين بن الشهرزوري أن القاضي الفاضل لما سمع أن العادل أخذ مصر دعا بالموت خشية أن يستدعيه وزيره ابن شكر أو يهينه فأصبح ميتا ، وكان ذا تهجد ومعاملة  ..

قيل : كان القاضي أحدب فحدثني شيخنا أبو إسحاق الفاضلي أن القاضي الفاضل ذهب في الرسلية إلى صاحب الموصل فأحضرت فواكه فقال بعض الكبار منكتا : خياركم أحدب  يوري بذلك ، فقال الفاضل : خسنا خير من خياركم ، قال الحافظ المنذري : ركن إليه السلطان ركونا تاما وتقدم عنده كثيرا وكان كثير البر وله آثار جميلة ، توفي ليلة سابع ربيع الآخر سنة ست وتسعين وخمسمائة .

وقال الموفق عبد اللطيف : كانوا ثلاثة إخوة أحدهم خدم بالإسكندرية وخلف من الخواتيم صناديق ومن الحصر والقدور بيوتا مملوءة وكان متى سمع بخاتم  سعى في تحصيله ، وأما الآخر فكان له هوس مفرط في تحصيل الكتب عنده نحو مائتي ألف كتاب  ، والثالث القاضي الفاضل كان ذا غرام بالكتابة وبالكتب أيضا له الدين والعفاف والتقى مواظب على أوراد الليل والصيام والتلاوة .

لما تملك أسد الدين أحضره فأعجب به ثم استخلصه صلاح الدين لنفسه ، وكان قليل اللذات كثير الحسنات دائم التهجد يشتغل بالتفسير والأدب وكان قليل النحو لكنه له دربة قوية ، كتب من الإنشاء ما لم يكتبه أحد أعرف عند ابن سناء الملك من إنشائه اثنين وعشرين مجلدا وعند ابن القطان عشرين مجلدا ، وكان متقللا في مطعمه ومنكحه وملبسه لباسه البياض ويركب معه غلام وركابي ولا يمكن أحدا أن يصحبه ويكثر تشييع الجنائز وعيادة المرضى.

وله معروف معروف في السر والعلانية ضعيف البنية رقيق الصورة له حدبة يغطيها الطيلسان وكان فيه سوء خلق يكمد به نفسه ولا يضر أحدا به ، ولأصحاب العلم عنده نفاق يحسن إليهم ولم يكن له انتقام من أعدائه إلا بالإحسان أو الإعراض عنهم ، وكان دخله ومعلومه في العام نحوا من خمسين ألف دينار سوى متاجر الهند والمغرب ،  توفي مسكوتا أحوج ما كان إلى الموت عند تولي الإقبال وإقبال الإدبار وهذا يدل على أن لله به عناية .

قال العماد : تمت الرزية بانتقال القاضي الفاضل من دار الفناء إلى دار البقاء في منزله بالقاهرة في سادس ربيع الآخر ، وكان ليلتئذ صلى العشاء وجلس مع مدرس مدرسته وتحدث معه ما شاء وانفصل إلى منزله صحيحا وقال لغلامه : رتب حوائج الحمام وعرفني حتى أقضي منى المنام ، فوافاه سحرا فما اكترث بصوته فبادر إليه ولده فألفاه وهو ساكت باهت فلبث يومه لا يسمع له إلا أنين خفي ، ثم قضى رحمه الله .

قيل : وقف منجم على طالع القاضي  فقال : هذه سعادة لا تسعها عسقلان  ، حفظ القرآن وكتب ختمة ووقفها وقرأ (الجمع بين الصحيحين) على ابن فرح عن رجل عن الحميدي وصحب أبا الفتح محمود بن قادوس المنشئ ، وكان موت أبيه سنة ست وأربعين وكان لما جرى على أبيه نكبة اتصلت بموته ضرب وصودر حتى لم يبق له شيء ومضى إلى الإسكندرية وصحب بني حديد فاستخدموه .

قال جمال الدين بن نباتة : رأيت في بعض تعاليق القاضي : لما ركبت البحر من عسقلان إلى الإسكندرية كانت معي رزمة فيها ثياب ورزمة فيها مسودات فاحتاج الركاب أن يخففوا فأردت أن أرمي رزمة المسودات فغلطت ورميت رزمة القماش  ، وذكر القاضي ابن شداد أن دخل القاضي كان في كل يوم خمسين دينارا “.

وذكره ياقوت الحموي في معجم الأدباء فقال : ” عبد الرحيم بن القاضي الأشرف بهاء الدين أبي المجد ابن القاضي السعيد أبي محمد الحسن بن الحسن المعروف بالقاضي الفاضل الملقب مجير الدين.

كان أوحد دهره وفريد عصره عقلا ونبلا وفصاحة وبيانا لم يكن أحد يضاهيه في صناعة الانشاء ، وكان هيوبا وقورا نزه المجلس على شراسة كانت في خلقه وتقلل في ملبسه فإنه كان لا يزيد لباسه على النصفية البغدادية، والدنيا تدبّر برأيه وصلاح الدين سلطان البلاد لا يرد له أمرا وكان يترفع عن التسمية بالوزارة ويعمل عملها سرا.

وتوفي في سابع عشر ربيع الآخر سنة ست وتسعين وخمسمائة ، ومولده وأصله بعسقلان في جمادى الآخرة سنة تسع وعشرين وخمسمائة ، وذكروا أن الكتب التي خلفها مائة ألف وعشرون ألف مجلدة ، وزادت سيرته على عدة مجلدات “.

واستعرض ياقوت المسيرة المهنية للقاضي الفاضل وقصة انتقاله إلى الإسكندرية ثم القاهرة وما تعرض له من دسائس ومؤامرات وذلك في صفحات مطولة ثم ختمها بذكر دوره في تولية الوزارة لصلاح الدين فقال : ” فلما مات أسد الدين شيركوه ترشّح أكابر الدولة لمكانه وطمع فيها من هو أهل لذلك ولم يكن صلاح الدين ممن تطمع نفسه في تلك الرتبة.

واتفق أنه اجتمع بالفاضل في دار السلطان وجرى حديث من ترشّح للولاية وبسط صلاح الدين الحديث في ذكرهم ولم يذكر نفسه فجذبه الفاضل إليه وقال له سرا : هل عندك قوة لأن تلي هذا الأمر ؟ ، فقال صلاح الدين : وأنّى لي بذلك وهنا مثل فلان وفلان وعدّد الأكابر ، فقال له : لا عليك فإني أدبّر أمرك فاستعدّ لذلك.

فبينا هما في الحديث استدعي الفاضل إلى مجلس العاضد واستشير فيمن يولّى ولم يكن شيركوه دفن بعد لأن من عادتهم أنّ الذي يتولى يلبس في الجنازة أخضر دون كلّ من فيها وهي إمارة الولاية ، فقال الفاضل : رأي أمير المؤمنين أعلى وهو أعرف ، فقال العاضد : ما تقول في فلان فوهّى أمره وذكر شيئا صدفه عنه ، إلى أن ذكر جماعة كلّهم كذلك ، فقال للفاضل : فمن ترى أنت ؟ قال : ما رأيت في الجماعة أحسن طريقة من يوسف ابن أيوب ابن أخي الميّت فإني اختبرته ورأيته يرجع إلى دين وأمانة ، فقال العاضد : إني أخاف أن لا يرضى به القوم ، فقال الفاضل : يا أمير المؤمنين أنت ألبسه وأجلسه وهو يبذل الأموال ويصلح حال الرجال ، ففعل ذلك.

وخرج الناس وعلى صلاح الدين الأخضر من دون الجماعة فعرفوا أنه صاحب الأمر وساعدته السعادة فلم يقل أحد كلمة وفرّق خزائن شيركوه وعامل الناس بالإحسان وبذل المال فأحبّوه ، وتمّ أمره وصار القبض والبسط إلى الفاضل وفوّض صلاح الدين إليه أمور دولته وصار لا يصدر إلّا عن رأيه واستنابه في جميع أموره ورعى له تلك الحال فجرى في تصاريفه على أحسن قانون وأحسن إلى أرباب البيوت ، وجمع كتبا مشهورة بلغني أنها تكون سبعين ألف مجلد في فنون العلم وأنواعه “.

وكتب عنه ابن خلكان في وفيات الأعيان وذكر نماذج من نثره وشعره فقال : ” ونذكر له رسالة لطيفة كتبها على يد خطيب عيذاب إلى صلاح الدين يتشفع له في توليته خطابة الكرك وهي : (أدام الله السلطان الملك الناصر وتبته وتقبل عمله بقبولٍ صالح وأنبته وأخذ عدوه قائلاً أو بيته وأرغم أنفه بسيفه وكبته ، خدمة المملوك هذه واردة على يد خطيب عيذاب ولما نبا به المنزل عنها وقل عليه المرفق فيها وسمع بهذه الفتوحات التي طبق الأرض ذكرها ووجب على أهلها شكرها هاجر من هجير عيذاب وملحها سارياً في ليلة أمل كلها نهار فلا يسأل عن صبحها ، وقد رغب في خطابة الكرك وهو خطيب وتوسل بالمملوك في هذا الملتمس وهو قريب ونزع من مصر إلى الشام ومن عيذاب إلى الكرك وهذا عجيب والفقر سائق عنيف والمذكور عائل ضعيف ولطف الله بالخلق بوجود مولانا لطيف ، والسلام).

وله من جملة رسالة في صفة قلعة شاهقة ولقد أبدع فيها ويقال إنها قلعة كوكب : (وهذه القلعة عقاب في عقاب ونجم في سحاب وهامة لها الغمامة عمامة، وأنملة إذا خضبها الأصيل كان الهلال لها قلامة ) .. ومن كلامه في أثناء رسالة وقد كبر : (والمملوك قد وهت ركبتاه وضعف أطيباه وكتبت لام ألف عند قيامه رجلاه ولم يبق من نظره إلا شفافة ومن حديثه إلا خرافة ).

وله في النظم أيضاً أشياء حسنة منها ما أنشده عند وصوله إلى الفرات في خدمة السلطان صلاح الدين رحمه الله تعالى ويتشوق نيل مصر  : بالله قل للنيل عني إنني .. لم أشف من ماء الفرات غليلا .. وسل الفؤاد فإنه لي شاهد .. إن كان جفني بالدموع بخيلا .. يا قلب كم خلفت ثم بثينةً .. وأعيذ صبرك أن يكون جميلا.

ومن المنسوب إلى القاضي الفاضل قوله : عتبٌ أقلب فيه طرف ترقبي .. فعسى يكون وراءه الإعتاب ، ومن شعره أيضاً  :بتنا على حال يسر الهوى .. وربما لا يمكن الشرح .. بوابنا الليل وقلنا له .. إن غبت عنا دخل الصبح ، ولقد نظمت هذا المعنى في دوبيت وهو : ما أطيب ليلة مضت بالسفح .. والوصف لها يقصر عنه شرحي .. إذ قلت لها بوابنا أنت متى .. ما غبت نخاف من دخول الصبح ، وكان كثيراً ما ينشد لابن مكنسة وهو أبو طاهر إسماعيل بن محمد بن الحسين القرشي الإسكندري  :وإذا السعادة أحرستك عيونها .. نم فالمخاوف كلهن أمان .. واصطد بها العنقاء فهي حبائل .. واقتد بها الجوزاء فهي عنان.

وكان الملك العزيز بن صلاح الدين يميل إلى القاضي الفاضل في حياة أبيه فاتفق أن العزيز هوي قينة شغلته عن مصالحه وبلغ ذلك والده فأمره بتركها ومنعها من صحبته فشق ذلك عليه وضاق صدره ولم يجسر أن يجتمع بها ، فلما طال ذلك بينهما سيرت له مع بعض الخدم كرة عنبر فكسرها فوجد في وسطها زر ذهب فأفكر فيه ولم يعرف معناه ، واتفق حضور القاضي فعرفه الصورة فعمل القاضي الفاضل في ذلك بيتين وأرسلهما إليه وهما : أهدت لك العنبر في وسطه .. زرٌ من التبر دقيق اللحام فالزر في العنبر معناهما .. زر هكذا مستتراً في الظلام ، فعلم الملك العزيز أنها أرادت زيارته في الليل ، وشعره أيضاً كثير ..

توفي القاضي الفاضل وذلك في ليلة الأربعاء سابع شهر ربيع الآخر سنة ست وتسعين وخمسمائة بالقاهرة فجأة ، ودفن في تربته من الغد بسفح المقطم في القرافة الصغرى ، وزرت قبره مراراً وقرأت تاريخ وفاته على الرخام المحوط حول القبر كما هو ها هنا رحمه الله تعالى ؛ وكان من محاسن الدهر وهيهات أن يخلف الزمان مثله .

وبنى بالقاهرة مدرسة بدرب ملوخية ورأيت بخطه أنه استفتح التدريس بها يوم السبت مستهل المحرم من سنة ثمانين وخمسمائة ، وأما لقبه فإن أهله يقولون إنه كان يلقب محيي الدين ، ورأيت مكاتبة الشيخ شرف الدين عبد الله بن أبي عصرون إليه وهو يخاطبه بمجير الدين والله أعلم بالصواب.

وكان ولده القاضي الأشرف بهاء الدين أبو العباس أحمد ابن القاضي الفاضل كبير المنزلة عند الملوك وكان مثابراً على سماع الحديث وتحصيل الكتب ، ومولده في المحرم سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة بالقاهرة وتوفي بها في ليلة الاثنين سابع جمادى الآخرة سنة ثلاث وأربعين وستمائة ودفن بسفح المقطم إلى جانب قبر أبيه ، وكان الملك الكامل ابن الملك العادل ابن أيوب قد سيره من مصر في رسالة إلى بغداد فأنشد الوزير من نظمه : يا أيها المولى الوزير ومن له .. مننٌ حللن من الزمان وثاقي .. من شاكر عني نداك فإنني .. من عظم ما أوليت ضاق نطاقي .. مننٌ تخف على يديك وإنما .. ثقلت مؤونتها على الأعناقِ “.

2 / خريدة القصر وجريدة العصر

من الكتب الفريدة التي تجمع بين الأدب والتاريخ والنقد والبلاغة والسير الذاتية هذا الكتاب القيم (خريدة القصر وجريدة العصر) الذي ألفه إمام أهل الكتابة في زمنه عماد الدين محمد بن محمد بن حامد الأصفهاني المعروف بلقب (العماد الكاتب) ، ولد في أصفهان عام 519 هـ / 1125 م وتنقل ما بين العراق والشام ومصر حيث عمل كاتبا للسطان صلاح الدين الأيوبي وتوفي في دمشق عام 597 هـ / 1201 م بعد حياة حافلة بالأحداث والتقلبات وتفرغ في آخر سبع سنوات من حياته للكتابة والتأليف وأنجز عدة كتب قيمة ، وقد اشتهر أسلوبه في الكتابة بالسجع والترادف والمحسنات البديعية المتأنقة.

وقد أفرد في كتابه الخريدة فصلا كاملا عن مصر وشعرائها وأدبائها وكتابها فجاء مرجعا هاما للحياة الأدبية في العصرين الفاطمي والأيوبي ، وقد جاء في مقدمة ذلك الفصل : ” وأنا مبتدىء بالديار المصرية لامتزاجي بأهلها وابتهاجي بفضلها وحصول مداري في فلكها ووصول مرادي إلى ملكها وإطلاعي على فضائلها واضطلاعي بفواضلها ودخولي إليها في خدمة سلطانها وخروجي منها بشكر إحسانها ومقامي فيها أترفرف على محاسنها وأترشف من عذبها وآسنها وأتحلى بعقود جواهرها وأتملى من سعود زواهرها ، نازلاً من المولى الأجل الفاضل في ظل إفضاله الوافر الوارف واصلاً من ذرى المحل الكامل في ذيل إقباله الكافي إلى أبهج الرفارف حاصلاً من الملك الناصر في المنى بالملك والنصر حاملاً في سلطانه الباهر على العدا بالهلك والقهر.

ومصر مربع الفضلاء ومرتع النبلاء ومطلع البدور وموضع الصدور وأهلها أذكياء أزكياء يبعد من أقوالهم وأعمالهم العي والعياء لاسيما في هذا الزمان المذهب والوقت المهذب، بدولة مولانا الملك الناصر جامع كلمة الإيمان قامع عبدة الصلبان صلاح الدنيا والدين سلطان الإسلام والمسلمين أبي المظفر يوسف بن أيوب محيي دولة أمير المؤمنين.

ففي أيامه الزاهرة ودولته القاهرة أشرقت الأرض بنور ربها وهبت الأرياح من مهبها ورفعت معالم العدل والعلم وخضعت دعائم الجهل والظلم وأثبتت أمالي الآمال في دفاتر النجاح وكتب أمان الأماني بمهارق الفلاح واستدر جود الجود واستقر طود الوجود وزف هدي الهدى على خاطبي النصر وحف ندي الندى بطالبي الوفر واتضح الحق واتضع الباطل وعز العالم وذل الجاهل وأفاض الأفاضل في الشكر وراض الأماثل قرح القرائح في النظم والنثر.

وعاد الرجاء مفتوح الرتاج ممنوح النتاج حالي التاج بيواقيت الفوز علي السراج في مواقيت العز أرج الآفاق بذائع البدائع رائج الأسواق بضاع البضائع بوجود المولى الفاضل وجده المولى إلى الأفاضل ، وكفى مصر فخراً سمو سناء فضله في ذراها ودنو جنى أفضاله لذراها فإنه ذو السؤدد الظاهر والمحتد الطاهر والسلف الكريم والشرف الصميم والعرف الزكي والعرف الذكي والفتوة الراجحة والمروة الناجحة والظن المخمر بالدين واليقين المؤزر بالصدق المبين والحق المتين والبلاغة التي لم يبلغ إلى شأنها قسٌ والرأي الذي لم يهتد إلى سننه قيس والبراعة التي نسخت شريعتها بالإعجاز شرائع الفصحاء وبذخت صنعتها بالإحراز لبدائع البلغاء.

وهو الذي راش نبل نبلي وأعاش شخص فضلي وأقام جاه أملي بعد الخمول وأنام عين وجلي عند الذهول وثبت عرش حفظي ونبت غرس حظي ونشرني وقد كاد يطوى اسمي وأنشرني وقد كرب يبلى رسمي ورغبني في قصد مصر عند توجه مولانا الملك الناصر من دمشق إليها عائداً وحقق عندي أنه يكون لي مساعفاً مساعداً ، فسرت في أول شهر ربيع الأول من دمشق في الخدمة الناصرية ووصلت آخر الشهر إلى القاهرة الصلاحية فقابل وفادتي بوافر رفادته وموافاتي بوافي إفادته ونوه بذكرى ونبه على قدري ونظم أمري واغتنم شكري وخفف ثقلي ورادف نهلي  ، وحين ملكت مادة بره سلكت جادة شكره وصار حمدي الحر له مسترقاً ونفسي المستعبدة لآمالها بنجح آماله قد صادفت عتقاً.

ومما نظمته في طريق مصر قصيدةٌ ذكرت فيها المنازل على ترتيبها والشوق إلى دمشق وطيبها، ووصلتها بمدح الملك الناصر وتلوى المولى الفاضل نعش جدها العاثر وترويج حظها الكاسد وسعرها القاصر ، أولها : هجرتكمُ لا عن مَلاَلِ ولا غَدرِ … ولكن لمقدورٍ أُتيحَ من الأَمْر .. وما كنتُ أَدري أَن يُتَاحَ فراقكمْ … ومن يعلمُ الأَمرَ المقدَّرَ أو يدري .. وأَعلمُ أَني مخطىءٌ في فراقكم … وعذريَ في ذنبي وذنبيَ في عذرِي .. أَرى نُوَباً للدهر تُخْصَى وما أَرى … أَشدَّ من الهجران في نُوَبِ الدهر “.

والعماد الكاتب أشهر من نار على علم حيث ترجم له كافة المؤرخين في زمنه وفي العصور اللاحقة ، لكن أهم ترجمة مفصلة عنه جاءت في كتاب وفيات الأعيان حيث يقول ابن خلكان : ” العماد الأصفهاني الكاتب .. أبو عبد الله محمد بن صفي الدين أبي الفرج محمد بن نفيس الدين أبي الرجا حامد بن محمد بن عبد الله بن علي بن محمود بن هبة الله المعروف بابن أخي العزيز المعروف بأله ، الملقب عماد الدين الكاتب الأصبهاني.

كان العماد المذكور فقيهاً شافعي المذهب تفقه بالمدرسة النظامية زماناً وأتقن الخلاف وفنون الأدب وله من الشعر والرسائل ما يغني عن الإطالة في شرحه ، وكان قد نشأ بأصبهان وفد بغداد في حداثته وتفقه على الشيخ أبي منصور سعيد بن محمد بن الزاز مدرس النظامية وسمع بها الحديث من أبي الحسن علي بن هبة الله بن عبد السلام وأبي منصور محمد بن عبد الملك بن جيرون وأبي المكارم المبارك بن علي السمرقندي وأبي بكر أحمد بن علي بن الأشقر وغيرهم وأقام بها مدة.

ولما تخرج ومهر تعلق بالوزير عون الدين يحيى بن هبيرة ببغداد فولاه النظر بالبصرة ثم بواسط ، ولم يزل ماشي الحال مدة حياته، فلما توفي تشتت شمل أتباعه والمنتسبين إليه ونال المكروه بعضهم وأقام العماد مدة في هيش منكد وجفن مسهد ، ثم انتقل إلى مدينة دمشق فوصلها في شعبان سنة اثنتين وستين خمسمائة وسلطانها يومئذ الملك العادل نور الدين أبو القاسم محمود بن أتابك زنكي وحاكمها ومتولي أمورها وتدبير دولتها القاضي كمال الدين أبو الفضل محمد ابن الشهرزوري فتعرف به وحضر مجالسه وذكر لديه مسألة في الخلاف وعرفه الأمير الكبير نجم الدين أبو الشكر أيوب والد السلطان صلاح الدين رحمهما الله تعالى وكان يعرف عمه العزيز من قلعة تكريب فأحسن إليه وأكرمه وميزه عند الأعيان والأماثل وعرفه السلطان صلاح الدين من جهة والده ومدحه في ذلك الوقت بدمشق المحروسة وذكر العماد ذلك في كتابه (البرق الشامي) وأورد القصيدة التي مدحه بها يومئذ.

ثم إن القاضي كمال الدين نوه بذكره عند السلطان نور الدين وعدد عليه فضائله وأهله لكتابة الإنشاء ، قال العماد : فبقيت متحيراً في الدخول فيما ليس من شأني ولا وظيفتي ولا تقدمت لي به دربة ، ولقد كانت مواد هذه الصناعة عتيدة عنده لكنه لم يكن قد مارسها فجبن عنها في الابتداء فلما باشرها هانت عليه وأجاد فيها وأتى فيها بالغرائب وكان ينشئ الرسائل باللغة العجمية أيضاً وحصل بينه وبين صلاح الدين في تلك المدة مودة أكيدة وامتزاج تام.

وعلت منزلته عند نور الدين وصار صاحب سره وسيره إلى دار السلام بغداد رسولاً في أيام الإمام المستنجد ، ولما عاد فوض إليه تدريس المدرسة المعروفة به في دمشق أعني العماد وذلك في شهر رجب سنة سبع وستين وخمسمائة ثم رتبه في إشراف الديوان في سنة ثمان وستين ، ولم يزل مستقيم الحال رخي البال إلى أن توفي نور الدين وقام ولده الملك الصالح إسماعيل مقامه وكان صغيراً فاستولى عليه جماعة كانوا يكرهون العماد فضايقوه وأخافوه إلى أن ترك جميع ما هو فيه وسافر قاصداً بغداد فوصل إلى الموصل ومرض بها مرضاً شديداً.

ثم بلغه خروج السلطان صلاح الدين من الديار المصرية لأخذ دمشق فانثنى عزمه عن قصد العراق وعزم على العود إلى الشام وخرج من الموصل رابع جمادى الأولى سنة سبعين وخمسمائة وسلك طريق البرية فوصل إلى دمشق في ثامن جمادى الآخرة وصلاح الدين يومئذ نازل على حلب ثم قصد خدمته وقد تسلم قلعة حمص في شعبان من السنة فحضر بين يديه وأنشده قصيدة أطال نفسه فيها ثم لزم الباب ينزل لنزول السلطان ويرحل لرحيله.

فاستمر على عطلته مديدة وهو يغشى مجالس السلطان وينشده في كل وقت مدائح ويعرض عليه ويقرب بصحبته القديمة ولم يزل على ذلك حتى نظمه في سلك جماعته واستكتبه واعتمد عليه وقرب منه ، فصار من جملة الصدور المعدودين والأماثل المشهورين، يضاهي الوزراء ويجري في مضمارهم ، وكان القاضي الفاضل في أكثر أوقاته ينقطع عن خدمة السلطان ويتوفر على مصالح الديار المصري، والعماد ملازم الباب بالشام وغيره وهو صاحب السر المكتوم.

وصنف التصانيف النافعة ، من ذلك : كتاب (خريدة القصر وجريدة العصر) جعله ذيلاً على زينة الدهر ” تأليف أبي المعالي سعد بن علي الوراق الحظيري ، والحظيري جعل كتابه ذيلاً على دمية القصر وعصر أهل العصر للباخرزي ، والباخرزي جعل كتابه ذيلاً على يتيمة الدهر  للثعالبي ، والثعالبي جعل كتابه ذيلاً على كتاب البارع لهارون بن علي المنجم ، وقد ذكر العماد في خريدته الشعراء الذين كانوا بعد المائة الخامسة إلى سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة وجمع شعراء العراق والعجم والشام والجزيرة ومصر والمغرب ولم يترك أحداً إلا النادر الخامل وأحسن في هذا الكتاب وهو في عشر مجلدات.

وصنف كتاب (البرق الشامي) في سبع مجلدات وهو مجموع تاريخ وبدأ فيه بذكر نفسه وصورة انتقاله من العراق إلى الشام وما جرى له في خدمة السلطان نورد الدين محمود وكيفية تعلقه بخدمة السلطان صلاح الدين وذكر شيئاً من الفتوحات بالشام ، وهو من الكتب الممتعة وإنما سماه البرق الشامي لأنه شبه أوقاته في تلك الأيام بالبرق الخاطف لطيبها وسرعة انقضائها.

وصنف كتاب (الفتح القدسي في الفتح القدسي) في مجلدين يتضمن كيفية فتح البيت المقدس ، وصنف كتاب (السيل على الذيل) جعله ذيلاً على الذيل لابن السمعاني الذي ذيل به تاريخ بغداد تأليف الخطيب البغدادي الحافظ ، هكذا كنت قد سمعت ثم إني وقفت عليه فوجدته ذيلاً على كتابه خريدة القصر المذكور، وصنف كتاب “(نصرة الفترة وعصره الفطرة) في أخبار الدولة السلجوقية ، وله ديوان رسائل وديوان شعر في أربع مجلدات ونفسه في قصائده طوية وله ديوان صغير جميعه دوبيت.

وكان بينه وبين القاضي الفاضل مكاتبات ومحاورات لطاف فمن ذلك ما يحكى عنه أنه لقيه يوماً وهو راكب على فرس فقال له : سر فلا كبا بك الفرس ، فقال له الفاضل : دام علا العماد ، وهذا مما يقرأ مقلوباً وصحيحاً سواء ، واجتمعا يوماً في موكب السلطان وقد انتشر من الغبار لكثرة الفرسان ما سد الفضاء فتعجبا من ذلك فأنشد العماد في الحال : أما الغبار فإنه مما أثارته السنابك .. والجو منه مظلم لكن أنار به السنابك .. يا دهر لي عبد الرحيم فلست أخشى مس نابك ، وقد اتفق له الجناس في الأبيات الثلاثة وهو في غاية الحسن.

وكان القاضي الفاضل قد حج من مصر في سنة أربع وسبعين وخمسمائة وركب البحر في طريقه فكتب إليه العماد : طوبى للحجر والحجون من ذي الحجر والحجا منيل الجدا ومنير الدحى ولندي الكعبة من كعبة الندى وللهدايا المشعرات من مشعر الهدى وللمقام الكريم من مقام الكريم ومن حاط فقار القفر للحطيم ومتى رؤي هرم في الحرم وحاتم ماتح زمزم ومتى ركب البحر البحر وسلك البر البر لقد عادي قس إلى عكاظه ولقبلة يستقبلها قبلة القبول والإقبال والسلام.

لقد أبدع في هذه الرسالة وما أودعها من الصناعة لكن الظاهر أنه غلط في قوله قيس لحفاظه فإن المشهور أنس الحافظ وهم أربعة أخوة لكل واحد منهم لقب، ولولا خوف الإطالة والانتقال عما نحن بصدده لذكرت قصتهم.

ولما توفي الوزير عون الدين بن هبيرة اعتقل الديوان العزيز جماعة من أصحابه وكان العماد في جملة من اعتقل لأنه كان ينوب عنه في واسط تلك المدة فكتب من الحبس إلى عماد الدين بن عضد الدين بن رئيس الرؤساء وكان حينئذ أستاذ الدار المستنجدية وذلك في شعبان سنة ستين وخمسمائة من قصيدة:  قل للإمام علام حبس وليكم .. أولوا جميلكم جميل ولائه .. أوليس إذ حبس الغمام وليه .. خلى أبوك سبيله بدعائه ، فأمر بإطلاقه.

وهذا معنى مليح غريب وفيه إشارة إلى قضية العباس بن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه فإن الغيث قد انقطع في زمن خلافته وأمحلت الأرض فخرج للاستسقاء ومعه  العباس والناس فلما وقف للدعاء قال اللهم إنا كنا إذا قحطنا توسلنا إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك اليوم بعم نبينا فاسقنا فسقوا ، وأما الولي فهو المطر الذي يأتي بعد الوسمي وسمي ولياً لأنه يلي الوسمي والوسمي مطر الربيع الأول وسمي بذلك لأنه يسم الأرض بالنبات وهو منسوب إلى الوسم وقد جمعها المتنبي في بيت واحد وهو : أمنعمة بالعود الظبية التي .. بغير ولي كان نائلها الوسمي ، يعني أنه لم تكن لزيارتها الأولى ثانية.

ولم يزل العماد الكاتب على مكانته ورفعة منزلته إلى أن توفي السلطان صلاح الدين رحمه الله تعالى فاختلت أحواله وتعطلت أوصاله ولم يجد في وجهه باباً مفتوحاً فلزم بيته وأقبل على الاشتغال بالتصانيف ، وقد ساق في أوائل (البرق الشامي) طرفاً من ذلك ونقد في ترجمة ابن التعاويذي ما دار بينهما في طلب الفروة والرسالة والقصيدة وجوابهما.

وكانت ولادته يوم الاثنين ثاني جمادى الآخرة وقيل في شعبان سنة تسع عشرة وخمسمائة بأصبهان وتوفي يوم الاثنين مستهل شهر رمضان المعظم سنة سبع وتسعين وخمسمائة بدمشق ودفن في مقابر الصوفية خارج باب النصر رحمه الله تعالى ، أخبرني بعض الرؤساء ممن كان ملازمه في مدة مرضه أنه كان إذا دخل عليه أحدٌ يعوده أنشده : أنا ضيف بربعكم .. أين أين المضيف .. أنكرتني معارفي .. مات من كنت أعرف ، وأله بفتح الهمزة وضم اللام وسكون الهاء وهو اسم عجمي معناه بالعربي العقاب وهو الطائر المعروف “.

وفي كتاب معجم الأدباء نص الرسالة التي كتبها العماد الأصفهاني إلى الخليفة العباسي ببغداد يبشره فيها بفتح بيت المقدس حيث يقول ياقوت الحموي : ” ومن إنشاء العماد الكتاب الكتاب الذي كتبه عن السلطان صلاح الدين إلى ديوان الخلافة ببغداد مبشرا بفتح بيت المقدس سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة افتتحه بقوله تعالى وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ الآية ثم قال :

الحمد لله الذي أنجز لعباده الصالحين وعد الاستخلاف وقهر بأهل التوحيد أهل الشرك والخلاف وخصّ سلطان الديوان العزيز بهذه الخلافة ومكّن دينه المرتضى وبدّل بالأمان المخافة وذخر هذا الفتح الأسنى والنصر الأهنى للعصر الإمامي النبوي الناصري على يد الخادم أخلص أوليائه والمختصّ من الاعتزاز باعتزائه إليه وانتمائه ، وهذا الفتح العظيم والنجح الكريم قد انقرضت الملوك الماضية والقرون الخالية على مسرة تمنيه وحيرة ترجيه ووحشة اليأس من تسنيه ، وتقاصرت عنه طوال الهمم وتخاذلت عن الانتصار له أملاك الأمم.

فالحمد لله الذي أعاد القدس إلى القدس وطهره من الرجس وحقق من فتحه ما كان في النفس وبدّل وحشة الكفر فيه من الإسلام بالأنس وجعل عزّ يومه ماحيا ذلّ أمس وأسكنه الفقهاء والعلماء بعد الجهال والضلال من بطرك وقس وعبدة الصليب ومستقبلي الشمس ، وقد أظهر الله على المشركين الضالين جنوده المؤمنين العالمين وقطع دابر القوم الظالمين والحمد لله رب العالمين ، فكأن الله شرّف هذه الأمة فقال لهم اعزموا على اقتناء هذه الفضيلة التي بها فضّلكم وحقّق في حقكم امتثال أمره الذي خالفه اليهود في قوله ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ.

وهذا الفتح قد أقدر الله على افتضاضه بالحرب العوان وجعل ملائكته المسوّمة له من أعز الأنصار وأظهر الأعوان وأخرج من بيته المقدس يوم الجمعة أهل يوم الأحد وقمع من كان يقول إن الله ثالث ثلاثة بمن يقول هو الله أحد ، وأعان الله بإنزال الملائكة والروح وأتى بهذا النصر الممنوح الذي هو فتح الفتوح وقد تعالى أن يحيط به وصف البليغ نظما ونثرا وعبد الله في البيت المقدّس سرا وجهرا ، وملكت بلاد الأردنّ وفلسطين غورا ونجدا وبرا وبحرا وملئت إسلاما وقد كانت ملئت كفرا وتقاضى الخادم دين الدين الذي غلق رهنه دهرا والحمد لله وشكرا حمدا يجدّ للإسلام كلّ يوم نصرا ويزيد وجوه أهله بشرى فتتوجّه بشرا.

والكتاب طويل ذكر فيه فصولا عن الوقائع التي تقدمت فتح القدس فاكتفينا منه بما أوردناه “.

3 / ديوان ابن عرام

لعب الشعر العربي دورا كبيرا مناصرة الدولة الأيوبية في وقت تأسيسها حيث قام عدد من الشعراء بالإشادة بها وبأمرائها وأعمالها ، ومنهم شاعر الصعيد الأهم في زمنه وهو أبو الحسن علي بن أحمد بن عرام الربعي الأسواني المتوفي عام 580 هـ / 1185 م ، ويرجع في نسبه إلى قبيلة ربيعة العربية المعروفة التي انتقلت من الجزيرة العربية إلى النوبة في القرن الثالث الهجري وعرفت أسرته بنو عرام بالأدب والشعر والمكانة الرفيعة.

وقد انحاز ابن عرام إلى الأيوبيين منذ اليوم الأول لهم في مصر وتعرض بسبب ذلك إلى الاضطهاد من حكام النوبة وهم بني كنز حلفاء الفاطميين فأخرجوه فترة من الزمن إلى إسنا حتى استعاد الأيوبيون زمام السيطرة على المنطقة ، وقد قام بالتعبير عن تلك الأحداث في ديوانه الشعري الذي يشمل أكثر من خمسين قصيدة متعددة الأغراض ما بين المديح والغزل والرثاء والوصف والفخر والحكمة والهجاء وذكر فترة نفيه وحنينه إلى أسوان.

ذكره الإدفوي في كتابه الطالع السعيد الجامع أسماء نجباء الصعيد فقال : ” علىّ بن أحمد بن عرّام الأسوانىّ .. علىّ بن أحمد بن عرّام بن أحمد أبو الحسن الرّبعىّ الأسوانىّ ذكره الحافظ المنذرىّ فيما نقلت من خطّ المقشرانىّ ، وقال : ذكر أبو عبد الله الأنصارىّ أنّه كتب عنه بأسوان ، وقال : لم أر فى أرض مصر من يدانيه فى فضله ويضاهيه فى نبله ، قال : وله تصانيف كثيرة فى كلّ فنّ وأنّه سمع من ابن بركات بمصر سنة خمس عشرة وخمسمائة “.

وأثنى عليه العماد الكاتب في خريدة القصر فقال : ” بنو عرام .. شعراء الصعيد وشعرهم معسول من الصنعة مقبول الحلة ، منهم السيد أبو الحسن علي بن أحمد بن عرام الربعي ، شيخ من أهل الأدب مقيم بأسوان فوق قوص ملك من الأدب الخلوص ومن الشعر الخصوص وعدم ظل فضله القلوص وهجر في لزوم وطنه الرحل والقلوص.

وسألت عنه بمصر سنة ثلاث وسبعين فقيل إنه حيٌّ في أسوان وهو على حظه أسوان وطلبت شعره فأحضر لي بعض أصدقائي من أهلها ديوانه فوجدت عالياً في سماء السحر كيوانه وجمعت شارد حسنه وألزمته صوانه وغبطت عليه أسوانه وجلوت بكر نظمه وعوانه ووضعت لمأدبة أهل الأدب إخوانه خوانه وأحضرت عليه ألوانه فاحمد إذا حققت برهانه أوانه.

وقد أوردت من جملة نظمه الفائق الرائق ولفظه الرائع الشائق ما إذا حسر سحر وإذا أصحر أحصر وإذا أنشد نشد ضالة الأماني وإذا أقمر نور هالة المعاني ، فلابن عرام في ميدان النظم عرام وبابتكار المعاني الحسان غرام ولرويته في إذكاء نار الذكاء ضرام والملوك باصطناع أمثاله يقال لهم كرام وكل سحرٍ وخمر سوى منسوج فدامه وممزوج مدامه حرام ، أعجب بحرٌ في الصعيد يقصد بالتيمم لمائه ونجمٌ في صعود السعود لا يرتقى إلى سمائه “.

(كيوان هو الكوكب زحل وهو عند العرب مثل فى العلو والبعد ، وقوله أصحر : أى برز فى الصحراء وأحصر أى منع ، والمعنى أن شعر ابن عرام إذا قيل فى بادية – وهى موطن الشعر – منع الغير أن يأتى بمثله).

وقد عده الدكتور شوقي ضيف من شعراء المراثي والشكوى لغلبة ذلك المعنى على قصائده ، وفصل ذلك في كتابه تاريخ الأدب العربي فقال : ” على بن عرّام شاعر أسوان مسقط رأسه وموطنه بل شاعر الصعيد قاطبة دفعه طموحه فى شبابه إلى أن ينزل الفسطاط ويأخذ عن علمائها اللغويين من أمثال ابن بركات وغير اللغويين.

وكان فيه ذكاء وحب للعلم وفنونه فبرع فى غير فن وصنف تصانيف كثيرة ، ويبدو أنه آثر المقام ببلدته أسوان وله فى أعيانها غير مدحة وكان كثير الوفود على حكام الصعيد من الأيوبيين فى قوص وغير قوص من مثل مبارك بن منقذ وتوران شاه.

ويقول العماد الأصبهانى إنه سأل عنه سنة 573 فقالوا له إنه حىّ فى أسوان وكان لا يزال يذكرها حين يبرحها فترة فى حنين بالغ حتى ليقول فى إحدى رحلاته وقد ذكرها فكأنما نكأ جرحا فى فؤاده إذ يقول متلهفا فى العودة إليها حين نفاه بنو الكنز أعيانها إلى إسنا :

ولا بارك الرحمن فيمن أزاحنى .. عن الظلّ والماء الزّلال الذى يجرى .. مقيل ولكن أين منّى ظلّه .. وسقيا ولكنى بعيد عن القطر ، فهو يتمنى وقت قيلولة بأسوان وشربة من مائها السلسبيل إنها نعيمه وفردوسه الذى لا يماثله فردوس، وسرعان ما عاد إليها وظل بها حتى توفى سنة 580 “.

ومن أشهر قصائده واحدة أرسلها إلى القاضي الفاضل يمدحه فيها ويقول : على الله مُعْتَمَدُ السائلِ .. فَعَوِّلْ على لُطْفِهِ الشاملِ .. وقد مَسَّني الضرُّ حتى لَجَأْتُ .. إلى كَنَفِ الفاضِلِ الفاضِلِ .. لقد وفِّقْتْ دولةٌ رأْيُها .. إلى الوَرِعِ العالِمِ العامِلِي .. مليٌّ بتدبير أَحْكامِها .. وأَحكامِ مُشْكلِهِا النازلِ .. وَمَنْ يَفْزعُ الحرُّ مِن فَضْلهِ .. إلى خيرِ كافٍ له كافلِ ..

ومن تَمَّمَ اللهُ نقصَ الأَنامِ .. بسؤْدُدِهِ الباذخِ الكامل .. تَوَاضَعَ عن رِفعَةٍ فاعتَلَى .. وكم حَطَّ كِبْرٌ إلى سافِل .. كتائبُهُ كُتْبُهُ في العِدَا .. وأقلامُهُ كالقنا الذابل .. إذا ما استمدَّ أتاك اليَرَاعُ .. بمَدِّ بلاغتِهِ الهاطل .. ترى البَرْقَ في جَرْي أقلامِهِ .. كما الوبلُ في جُودِهِ الهامل .. تظاهَر بالحقِّ في حُكْمِه .. ويأْنَفُ من باطنِ الباطل.

وله من قصيدة في الأمير مبارك بن منقذ : همُ حَمَّلوا ثِقْلَ المغارمِ مَالَهُمْ .. وخَلَّوْهُ وَقْفاً بينهمْ لِلْمَنَاهِبِ .. صفائحُ في أَيديهمُ أَو صحائفٌ .. فهمْ بين كُتْبٍ تُقْتَنَى أَوْ كَتَائبِ .. هواهمْ على أنَّ المآربَ جَمَّةٌ .. صريرُ يراعٍ أَوْ صَليلُ قَوَاضِب .. وجادوا بفضلٍ باهرٍ وفضائلٍ .. عَطاءَيْنِ من عِلْمٍ وَفَيْضِ مَوَاهب .. مدحتك فاسمعْ من مديحيَ قَهْوةً .. تلذُّ لذي سمعٍ وَنَشْوَانَ شاربِ .. عليَّ امتداحي للكرام مناصباً .. فذلك أحلى من غناء الجنائب.

وله من قصيدة في عز الدين موسك الناصري وكان والي قوص وأسوان : بَلَغْتَ بِسَعْدِ الجدِّ أَسْنَى المراتبِ .. فناجِ إذا ما شئتَ زُهْرَ الكواكبِ ، ومنها : يُبيحون في سُبْلِ المكارمِ ما غَدَتْ .. تُبيحُهُمُ في الرَّوْعِ بيضُ القَضائبِ .. فآراؤهُمْ تكفي النصالَ نصالَهُمْ .. كما كُتْبُهُمْ تُغْنِي غَنَاءَ الكتائب ، ومنها : عليكَ بعزِّ الدين فاستَذِرْ ظِلَّهُ .. ولُذْ بعزيزِ الجارِ رَحْبِ الجوانب .. إذا ظَمِئَتْ سُمْرُ الرماحِ بكفِّه .. سَقَاها فروّاها دماءَ الترائبِ.

ومنها : بأفعالكَ الحُسْنَى بَلغْتَ إلى العُلاَ .. وأَصبَحْتَ فَرْداً في اجتنابِ المعَايبِ .. فها أنتَ مَرْضِيُّ الشمائلِ ماجِدٌ .. كريمُ السجايا طيِّبٌ من أَطَايب .. قصدناكَ يا خيرَ الأَنامِ لنكبةٍ .. عرَت أَقْصَدَتْنا بالسهامِ الصوائب .. وقد وَثِقَتْ آمالُنَا أَنّ قَصْدَنَا .. جَنَابَكَ يا خيرَ الورى غَيْرُ خائب .. وقد عَلِقَتْ أَيْمَانُنَا منكَ ذِمَّةً .. وَقَتْنَا مُلِمَّاتِ الزمانِ المُغَالب .. وإن لم تَسَعْنَا منكَ عَطْفَةُ راحمٍ .. وإِلا فَقَدْ ضاقتْ فِجاجُ المَذَاهبِ.

وله من قصيدة في الملك المعظم سلطان اليمن شمس الدولة توران شاه بن أيوب وكانت بلاد الصعيد له من أخيه قبل اليمن يصف فيها دمشق فإن الممدوح كان يعجبه ذلك : أرقتُ لبرقٍ في الدُّجُنَّةِ مشبوبِ .. ودمعِ سحابٍ ناشىءٍ منه مسكوبِ .. فَمِنْ قلبِ صبٍ لَفْحُهُ وَخُفُوقُهُ .. كما غَيْثُهُ مِنْ مَدْمَعٍ منه مصبوبِ .. ولم أَرَ ناراً من مياهٍ وَقُودُهَا .. أَلا إِنَّ هذا من فُنون الأعاجيب .. وبي جِنَّةٌ من ذكرِ جَنَّات جِلَّقٍ .. وَجَنَّةُ مُشْتَاقٍ وأَنَّةُ مَكْرُوبِ.

ومنها قوله في مدح الأيوبيين وصلاح الدين : وقد كادَ دينُ اللهِ يَخْفتُ نُورُهُ .. ويُرْمَى بتبديلٍ وشيكٍ وتقليب .. فحصَّنْتُمُوهُ بالأَسِنَّةِ والظُّبَا .. وتصعيدِ آراءٍ كَفَتْهُ وتَصْويب .. فلست ترى إِلا مَحَاريبَ في وغى .. حَمَوْا بيضةَ الإسلامِ أَوْفى مَحَاريبِ .. وما المُلْكُ إلا لائقٌ بأَخيكُمُ .. وغارِبُهُ إِلاّ لَهُ غيرُ مَرْكوبِ .. أنتم نجومٌ وهو كالشمسِ ضَوْءُها .. مَلِيٌّ بتَشْرِيقٍ يَعُمُّ وتغريب .. أَيُوسفَ مصرٍ إنما أَنْتَ يوسُفٌ .. فأَنْتَ ابنُ أَيُّوبٍ وذاكَ ابنُ يعقوب.

وله من قصيدة في مدح الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب أخي الملك الناصر يصف عصيان المعروف بالكنز : فأيْنَ يَنْجُو هائبٌ هارِبٌ .. من نكبةٍ شنعاءَ ذاتِ اجتياحْ .. أَنَّى وظهرُ الأرضِ مَعْ بطنها .. لناصرِ الإِسلامِ في بَطْنِ راحْ ، وله في نفس المعنى من قصيدة أخرى : وإذا انتَضَى سيفاً هناك فنصلُهُ .. في غِمْدِ ثَجَّاجٍ من الدم مُزْبِدِ .. وكأنما هو مُغْمَدٌ في هامِهِمْ .. فلذاك يُلْفَى الدهرَ غيرَ مُجَرَّد.

وله أيضا في مدح الملك العادل قصيدة مطلعها : أَحْبِبْ بعصرِ الصِّبَا المأثورِ والغَزَلِ … أَيَّامَ لي بالغواني أعظَمُ الشُّغُلِ .. وإذْ غَرِيمي غَرَامٌ لستُ أَفتَرُ مِنْ .. أوْصابِهِ وعَذَابي فيه يَعْذُبُ لي .. مَنْ لي بعَوْدِ شَبَابٍ مُنْذُ فارقني .. لم ألْقَ من عِوَضٍ عنه ولا بَدَلِ .. لبستُ بُرْدَ الصِّبَا حيناً بجِدَّتِه .. فأَخْلَقَ البُرْدُ حتى صِرْتُ في سَمَلِ .. كم ليلةٍ نِلْتُ من نَيْل المُنَى وَشَفَت .. بذلك الوَصْلِ ما بالصدر من غُلَل .. عُلِّقْتُها غِرَّةً غَرَّاءَ غُرَّتُها .. كالبدرِ حَفَّ بليلٍ فاحمِ رَجِلِ.

وله قصيدة يصف فيها شوقه وحنينه إلى أسوان فيقول : وما الحظُّ منقوصاً بقوصٍ وإنها .. أَجلُّ محطٍ للغريبِ وللسَّفْرِ .. وأْسنى بلادِ الله إِسْنا لساكنٍ .. وخيرٌ من الكلِّ الرحيلُ إلى مصر .. فلستُ على أَسْوان أَسوانَ بعدها .. وما أنا مجرٍ ذِكْرَهَا لي على فِكْرِ .. فلا بارك الرحمنُ فيمن أَزاحني .. عن الظلِّ والماءِ الزُّلالِ الذي يجري .. مَقيلٌ ولكن أينَ مِنِّيَ ظِلُّهُ .. وسُقْيا ولكنِّي بعيدٌ عن القطر.

وله من قصيدة في مرثية ابن عمه أبي محمد هبة الله بن علي بن عرام وكان شاعراً مجيداً : مَنْ لسودِ الخطوب غَيْرُكَ يُجْلِيهَا .. وقد غابَ منك بَدْرٌ منيرُ .. من يحوكُ القريضَ مِثْلكَ يُسْدِيه .. على خِبْرةٍ به وَيُنِيرُ .. ليس في العيشِ بَعْدَ فقْدِك خَيْرٌ .. حَبَّذَا وافدُ الردى لو يَزُور .. كان ظنِّي إذا المنايا انْتَحَتْنَا .. أَنَّني أَوَّلٌ وأَنْتَ أخير .. خانني الدهرُ فيه آمَنَ ما كنتُ .. عليه وعَزَّني المَقْدُورُ .. كيف لي بالسلوِّ عنه وَطَيُّ .. القلبِ من فَقْدِهِ جَوًى مَنْشُور .. فسقى قبرَهث نداه فَفِيهِ .. لثراهُ غِنًى وَرِيٌّ غَزِيرُ.

4 / المقدمة الفاضلية  

(المقدمة الفاضلية) هو الاسم الذي اشتهر به كتاب (تحفة ظريفة ومقدمة لطيفة وهدية منيفة في أصول الأحساب وفصول الأنساب) والذي كتبه نقيب الأشراف بالديار المصرية شرف الدين أبو علي محمد بن أسعد الجواني الحسيني الذي ولد في القاهرة عام 525 هـ / 1131 م وتوفي فيها عام 588 هـ / 1192 م وهو شاعر وكاتب ومؤرخ وعالم بالأنساب ، وسمي الكتاب بهذا الاسم لأن المؤلف أهداه إلى القاضي الفاضل ووضع له في مقدمته مدحا وثناء عظيما بأسلوب أدبي رفيع وعبارات بديعة منمقة.

ويشرح في مقدمته تفصيل ذلك فيقول : ” هذه تحفة ظريفة ومقدمة لطيفة وهدية منيفة في أصول الأحساب وفصول الأنساب جليت في معرض المخترع المبتدع لا المبتدل المفترع ، حلت من عقد المجد محل يتيمته وتنزلت من دوح الفخر منزل ثمرته تبصرة لمن أراد معرفة هذا العلم والنظر فيه وتذكرة لمن علم دنيا أدانيه وقصوى أقاصيه مرتبة على عمود النسب الأفخر ومبنية على مشيد الحسب الأطهر مطعمة المسالك فايتة المدارك ، لمتأملها ترقرق السرور ولمستشفها تألق الحبور ، تروق المتوسم وتشوق المترسم.

أتحف بها من أصبح نسيج دهره وأضحى فريد عصره فأعذب الله سليقته وحمد صنيعته إذ حاز الفضل من جميع جهاته وأحرز النبل بكلتا أسمائه وصفاته ، القاضي الأجل الفاضل الناصري أبا علي عبد الرحين بن القاضي الأجل بهاء الدين أبي المجد علي بن الحسن بن الحسن بن أحمد اللخمي البيساني الذي وصف بالأجل استحقاقا لا اتفاقا ونعت بالفاضل لاستيلائه على جهات الفضل كمالا واتساقا ، فزاد الرؤساء وإن كان أولهم بكونه خاتمتهم مجدا وفخرا وعاد حندس ذرى العلم بطلوع شمس معرفته بضروبه عليهم صباحا وفجرا “.

وقد جاء في صدر كتابه ألقابه وأوصافه التي كتبها تلاميذه في العبارة التالية : (تأليف الشيخ الفقيه الشريف القاضي الأجل العالم النابه نقيب النقباء سيد الأدباء فخر الخلافة ونسيبها جلال المملكة وحسيبها ذي الحسبين مسابة أمير المؤمنين أبي علي محمد بن الشريف القاضي أبي البركات أسعد بن علي الحسيني الجواني رضي الله عنه) ، وقد عرف بلقب الجواني نسبة إلى اسم بلدتهم الأصلية بجوار المدينة المنورة والتي كانت ضمن إقطاعهم في العصر الأيوبي.

وقد ذكر المقريزي مؤلفاته المشهورة في الأنساب والتاريخ والقبائل والسير الذاتية وذلك في كتابه المقفى الكبير فقال : ” وصنّف كتاب طبقات الطالبيّين وكتاب طبقات النسّابين الطالبيّين وكتاب تاج الأنساب ومنهاج الصواب وكتاب نسب بني إدريس وكتاب نسب بني الأرقط وكتاب الذهب في كشف أسرار النسب وكتاب الواضح عن العيب الفاضح فيمن ادّعي إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه وكتاب نسب بني الجوّاني مشجّرا وكتاب سناء الملك أسعد والده ودرجا في جميع الأنساب قريب من ستّين ذراعا.

وكتاب غيظ أولي الرفض والمكر في فضل من كنيته أبو بكر – بدأ بأبي بكر الصدّيق وختم بالسلطان أبي بكر العادل بن أيّوب – أجاد فيه وكتاب الأوراق المحرّرة في فضائل العشرة عشر مجلّدات وكتاب الجوهر المكنون في ذكر القبائل والبطون عشر مجلّدات وكتاب تذكرة أولي الألباب لأصول الأنساب وكتاب طبقات النسّابين وكتاب في التصحيح والتجريح وكتاب التنقيح فيمن ثبت نسبه في الصحيح وكتاب تحفة الطالبين في اختصار الأشراف النسّابين وكتاب النقط على الخطط “.

ذكره العماد الكاتب من جملة أدباء مصر المقدمين وذلك في كتابه خريدة القصر فقال : ” الشريف النقيب النسابة بمصر .. شرف الدين أبو علي محمد بن أسعد بن علي بن معمر أبي الغنائم بن عمر ابن علي ابن أبي هاشم الحسين النسابة بن أحمد النسابة بن علي النسابة ابن إبراهيم بن محمد بن الحسن الجواني الحسيني ، كان نقيب مصر في الأيام المصرية والآن فهو ملازم مشتغل بالتصنيف في علم النسب وهو فيه أوحد وله فيه تصانيف كثيرة.

قرأت بخطه كتاباً إلى بعض الأشراف بدمشق في سنة إحدى وسبعين قد صدره بهذه الأبيات : أَحنُّ إلى ذكراك يابنَ مُحَسَّنٍ .. وأَرجُو من الله اللقاءَ على قُرْب .. لما لَكَ في قلبي من الموضعِ الذي .. يرى فيه كل الحب مُبْراً من الخِبِّ .. وللمفخر السامي الذي قد حويتَهُ .. وسار مسيرَ الشمسِ في الشرق والغرْبِ .. فأصبحتَ تاجاً للفخار ومَفْرِقاً .. وقطبَ المعالي بل أَجلَّ من القطب .. فلا عَدِمَتْ روحي الحياةَ فإنها .. قرينةُ ما يأتي إلي من الكتب

وقرأت أيضاً بخطه من كتاب كتبه إلى الأمير عز الدين حارن لما قصده بالشام في أوله هذه القصيدة : تُرَى هاجكم ما هاجني من جوى البعدِ .. وهل كَرْبُكُمْ كربي وهل وجدكم وجدي .. لئن جَلَّ ما أبديه شوقاً إليكم .. فإنَّ الذي أُخفيه أَضعافُ ما أبدي ، والده الشريف القاضي سناء الملك أبو البركات أسعد بن علي الحسيني النحوي موصلي الأصل مصري الدار هاجر إليها واتخذها مسكناً ورضي بها وطراً ووطناً وكان كبير القدر نابه الذكر “.

وذكره الإدفوي في كتابه البدر السافر عن أنس المسافر وعدد مؤلفاته في علم الأنساب والتراجم والتاريخ فقال : ” محمد بن أسعد بن علي الحسيني المكنى بأبي علي الشريف النسابة الجَوَّاني ، حدث بمصر عن أبي محمد عبد الله بن رفاعة بن غدير السعدي وغيره ، روى عنه أبو الجود مرتضى بن حاتم.

قال الحافظ عبد العظيم المنذري : أصول سماعاته كلها مظلمة مثبّجة مكشطة وكان شيوخنا لا يحتفلون بحديثه ولا يعتمدون عليه ، وكان مشهورًا بعلم النسب ، قال : ويقال إنه ربما يخوَّن فيه ، أخذ علم النسب عن الشريف ثقة الدولة أبي الحسين يحيى بن محمد بن حَيدرة الحسيني الأرْقَطِي وغيره وذكر مشايخه في جزء.

وصنف عدة تصانيف منها : كتاب طبقات النسابين الطالبيِّين ، وكتاب طبقات الطالبيين ، وكتاب بيوت الطالبيِّين ، وكتاب نسب بني إدريس ، وكتاب نسب بني الأرقط ، وكتاب الذهب في كشف أسرار النسب ، وكتاب الواضح في العيب الفاضح ذَكَر فيه من انتسب إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه ، وكتاب تاج الأنساب نسب الدولة العلوية والخلافة الفاطمية ، وكتاب بني الجوان مشجَّر ، وألف في جميع الأنساب وصنف لأبي هاشم مشجَّرة في نسب بني حسن.

أجاز لي غير واحد عن الحافظ المنذري قال : أنشدني مرتضى بن حاتم أنشدني الشريف أبو علي المذكور لنفسه إجازة قوله : شعر ، قال : وجرَّبت إخواني على السخط والرِّضى  فلم أر إلا خائنًا أو مداجيًا .. فصرتُ لما جرَّبت من كل صاحبٍ  أخاف يميني أن تخون شِمَاليا .. ووُجد بخطه أن مولده ليلة الأربعاء سلخ جمادى الأولى سنة خمس وعشرين وخمس مئة وتوفي بمصر سنة ثمان وثمانين وخمس مئة “.

وذكر المنذري نسبه كاملا في كتابه لوفيات النقلة وذلك ضمن وفيات سنة 588 هـ فقال : ” وفي هذه السنة توفي الشريف الأجل النسابة أبو علي محمد ابن الشريف أبي البركات أسعد بن علي بن معمر بن عمر بن علي بن أبي هاشم الحسين بن أحمد بن علي بن إبراهيم بن محمد بن الحسن بن محمد الجواني بن عبيد الله الزاهد بن الحسين الأصغر العابد بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنهم أجمعين – الحسيني العبدلي الجواني بمصر.

ومولده ليلة الأربعاء سلخ جمادى الأولى سنة خمس وعشرين وخمس مئة ، قيل إنه قرأ على والده أبي البركات أسعد والفقيه أبي القاسم عبد الرحمان بن الحسين ابن الجباب وأبي الطاهر عبد المنعم بن موهوب الواعظ والأديب أبي عبد الله محمد بن إبراهيم المقرئ المعروف بابن الكيزاني “.

وترجم له الذهبي في كتابه تاريخ الإسلام في وفيات سنة 588 هـ فقال : ” محَمَّد بْن أسعد بْن عَلِيّ بْن معمّر بْن عُمَر بْن عَلِيّ بْن الْحُسَيْن بْن أَحْمَد بْن عَلِيّ بْن إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن مُحَمَّد الْجَوَّانيّ بْن عُبَيْد اللَّه بْن حُسَيْن بْن زين العابدين بْن الْحُسَيْن ، الشّريف أَبُو عَلِيّ ابْن الشّريف الأجلّ أَبِي البركات العَلَويّ الحُسَينيّ العُبَيْدليّ الجوّانيّ المصريّ.

ولد سنة خمس وعشرين وخمسمائة وقرأ عَلَى والده وعلى الفقيه عَبْد الرَّحْمَن بْن الْحُسَيْن بْن الجبّاب وعبد المنعم بْن مَوْهوب الواعظ ومحمد بْن إِبْرَاهِيم الكيزانيّ وحدَّث عَنْ عَبْد اللَّه بْن رفاعة والسِّلَفيّ.

قَالَ الحافظ عبد العظيم : ثنا عَنْهُ غير واحد ، وولّي نقابة الأشراف مدةٌ بمصر وذُكِر أَنَّهُ صنّف كتاب طبقات الطّالبيّين وكتاب تاج الأنساب ومنهاج الصّواب وغير ذَلِكَ ، وكان علّامة النَّسَب فِي عصره أَخَذَ ذَلِكَ عَنْ ثقة الدّولة أَبِي الْحُسَيْن يَحْيَى بْن مُحَمَّد بْن حيدرة الحسيني الأرقطيّ ، ومُحَمَّد هَذَا منسوب إلى الْجَوَّانيَّة وهي من عمل المدينة من جهة الفرع ، ذكر أنّ السّلطان صلاح الدّين وقَّع لأبي عليّ بربعها وأنّه وكّل عليها من يستغلها لَهُ.

قُلْتُ : رَوَى عَنْهُ يُونُس بْن مُحَمَّد الفارقيّ هَذِهِ القصيدة الّتي مَدَح بها القاضي أَبَا سعد بْن عَصْرُون وهي : هَتَفَتْ فمادت بالفروع غصونُ .. وبَكَتْ فجادتْ بالدّموعِ عيونُ .. مرحت بها قضب الأراكة فانْثَنَى .. غصْنٌ يَمِيسُ بها وماد غَصونُ .. ما لي وما للهاتفات ترنُّمًا .. يصبو لهنَّ فؤادي المحزون ، وهي قصيدة طويلة “.

5 / ديوان الجويني

استهل العصر الأيوبي في مصر والشام بالانتصارات الكبرى على الصليبيين في معركة حطين والتي أعقبها تحرير بيت المقدس وهو ما أحدث رنة فرح في العالم الإسلامي كله وتبارى الشعراء في مدح السلطان صلاح الدين والإشادة بجهاده ونجاحاته ، ومن أشهر القصائد التي خلدت ذكره هذه الملحمة تلك القصيدة التي كتبها الشاعر والأديب فخر الكتاب أبو علي الحسن بن علي الجويني المتوفي بالقاهرة عام 586 هـ وقد وأرسل القصيدة من مصر إلى الشام لتقرأ بين يدي السلطان واشتهرت بين الأدباء والعامة ويقول في مطلعها :

جند السَّمَاء لهَذَا الْملك أعوان .. من شكّ فيهم فَهَذَا الْفَتْح برهَان .. مَتى رأى النَّاس مَا نحكيه فِي زمن .. وَقد مَضَت قبل أزمان وأزمان .. هذي الْفتُوح فتوح الْأَنْبِيَاء وَمَا .. لَهَا سوى الشُّكْر بالأفعال أَثمَان ، وقال فيها : تسعون عَاما بِلَاد الله تصرخ .. وَالْإِسْلَام نصاره صم وعميان .. فَالْآن لبّى صَلَاح الدّين دعوتهم .. بِأَمْر من هُوَ للمعوان معوان .. للناصر ادخرت هذي الْفتُوح وَمَا .. سمت لَهَا همم الْأَمْلَاك مذ كَانُوا ، وختمها بقوله : فَالله يبقيك لِلْإِسْلَامِ تحرسه .. من أَن يضام ويلفى وَهُوَ حيران .. إِذا طوى الله ديوَان الْعباد فَمَا .. يطوى لأجر صَلَاح الدّين ديوَان.

ذكره العماد الكاتب في خريدة القصر حيث يقول : ” أبو علي الحسن بن علي الجويني .. من أهل بغداد المعروف باب اللعيبة ذو الخط الرائق والفضل الفائق واللفظ الشائق والمعنى اللائق ، خطه كاسمه حسن وله فصاحة ولسن .. وهو حلو الفكاهة خلو من السفاهة بريء المنطق من الفهاهة سليم الخط من العاهة مربوع مطبوع .. وليس بمصر الآن من يكتب مثله.

ناولني المولى القاضي الأجل الأسعد ابن القاضي بهاء الدين البيساني ـ وقد دخلت إليه بالمخيم بمرج الصفر أهنئه بالعام سنة إحدى وسبعين وخمسمائة مستهل المحرم ـ رقعة لابن الجويني تتضمن كلمة كتبها إليه من مصر يتشوقه وهي قطعة حسنة لم أر في أشعاره مثلها “.

ويبدأ الجويني هذه القصيدة بقوله : بعدت عن دار ملك أنت رونقها .. فكاد يفصح بالأشواق منطقها .. بالرغم منها معان بان رائقها .. مباعدا ونأى بالكره ريَقها .. شمس فلا غربت عنا قد اغتربت .. عن أفقها وغدا بالشام مشرقها .. أقول للنفس والأخبار تطرحها .. بساحل الأمن والأفكار تعرقها ..

ويختتم مديح القاضي الفاضل بقوله : لله أفعاله الحسنى فما حسن .. تراه إلا عليه فاق مؤنقها .. عيني ونفسي قد أضحت تؤرق ذي .. لواعج الشوق والأخرى تحرقها .. خذني إليك فأيامي وحقك إن .. فارقت مصر فقلبي ليس يفرقها .. ودع همومي مع التوديع أودعها .. الحساد في مصر بل فيهم أفرقها.

 وترجم له ياقوت الحموي في معجم الأدباء فقال : ” الحسن بن علي الجويني الكاتب .. أبو علي صاحب الخط المليح المنسوب كان مقيما ببغداد ولا أدري أولد بها أم انتقل اليها لأنه لما انتقل إلى مصر كان يعرف بها بالبغدادي وكان يلقب فخر الكتاب.

مات بمصر لعشر خلون من صفر سنة ست وثمانين وخمسمائة ، سمعت جماعة من أهل الكتابة المتحققين بها يقولون : لم يكتب أحد بعد أبي الحسن علي بن هلال بن البواب أجود من الجويني ، وكان أستاذه في الكتابة يعقوب الغزنوي كتب عليه ببغداد إلا أنه أبرّ عليه وزاد حتى لا تناسب بين خطيهما.

وكان من شيمة الجويني أنه قطّ ما كتب شيئا بخطّه كثر أو قلّ دق أو جلّ إلا ويكتب في آخره : كتبه الحسن بن علي الجويني ، وكتب عليه جماعة من الكتاب وافتخروا بأستاذيته كابن القيسراني وغيره وكان يتنقل في البلاد، حتى حطّ بركه بالديار المصرية ونفق بها سوقه وعلا على أبناء جنسه قدره وعظم شانه وارتفع مكانه وكان مع ذلك لا يترك هيئته وسمته فإنه كان يتزيا زيّ أهل التصوف.

وبلغ من علو قدره بالديار المصرية إلى أن ولي ولده عز الدين إبراهيم ولاية القاهرة بعد ما ولي ولاية اسكندرية مدة وكان محمود السيرة ، رأيت أهل مصر ممن شاهد ولايته يحسن الثناء عليه وكان ملوكيّ الهمة شريف النفس أعني عز الدين إبراهيم ، وكان فخر الكتاب يقول الشعر ويتعاناه إلا أنه لم يكن فيه بذاك.

ومن شعره يمدح القاضي الفاضل وهو من أجود شعره : لولا انقطاع الوحي كان منزّلا .. في الفاضل بن عليّ البيساني .. نثني عليه بمثل ما يثني على .. أفعاله المرضيّة الملكان ، ومن شعره في الزهد : كم كادت الأوطان تشغلنا .. بزخارف الدنيا عن الله .. حتى تغرّ بنا فكم غيرا .. يقطعن عقل الغافل اللاه “.

وذكره ابن خلكان في وفيات الأعيان فقال : ” فخر الكتاب الجويني .. أبو علي الحسن بن علي بن إبراهيم الملقب فخر الكتاب الجويني الأصل البغدادي الكاتب المشهور كتب كثيراً ونسخ كتباً توجد في أيدي الناس بأوفر الأثمان لجودة خطها ورغبتهم فيه ، وذكره العماد الكاتب في الخريدة وبالغ في الثناء عليه وقال: كان من ندماء أتابك زنكي بالشام وأقام بعده عند ولده نور الدين محمود في ظل الإكرام ثم سافر إلى مصر في أيام ابن رزيك وتوطن بها إلى هذه الأيام وليس بمصر الآن من يكتب مثله وأورد له مقطوع شعر كتبه إلى القاضي الفاضل ولولا أنه طويل لذكرته.

وتوفي سنة أربع وثمانين وقيل ست وثمانين وخمسمائة بالقاهرة رحمه الله تعالى ، والجويني – بضم الجيم وفتح الواو وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها نون – هذه النسبة إلى جوين وهي ناحية كبيرة من نواحي نيسابور ينسب إليها جماعة كثيرة من العلماء ، وكان كثيراً ما ينشد لبعض العراقيين : يندم المرء على ما فاته .. من لبانات إذا لم يقضها .. وتراه فرحاً مستبشراً .. بالتي أمضى كأن لم يمضها .. إنها عندي وأحلام الكرى .. لقريب بعضها من بعضه “.

وذكره الصفدي في الوافي بالوفيات فقال : ” الْجُوَيْنِيّ الْكَاتِب .. الْحسن بن عَليّ بن إِبْرَاهِيم الْجُوَيْنِيّ أَبُو عَليّ الْكَاتِب الْمَعْرُوف بِابْن اللعيبة تَصْغِير لعبة صَاحب الْخط الْمليح كَانَ أديباً فَاضلا ذكره الْعِمَاد فِي الخريدة كَانَ من ندماء أتابك زنكي بِالشَّام وتخصص بِنور الدّين وَلَده بعده وأكرمه ثمَّ سَافر إِلَى مصر أَيَّام ابْن رزيك وَأقَام بهَا قَالَ الْعِمَاد الْكَاتِب وَلَيْسَ بِمصْر من يكْتب مثله.

قَالَ محب الدّين بن النجار حَدثنِي سعد الإربلي الْكَاتِب بِمصْر قَالَ كَانَ الْجُوَيْنِيّ الْكَاتِب لي صديقا وَكَانَ مشتهراً بِشرب الْخمر فَحَدثني أَنه كَانَ يكْتب مُصحفا للسُّلْطَان فِي يَوْم بَارِد كثير الْغَيْم والإنداء قَالَ وَبَين يَدي مجمرة فِيهَا نَار فاشتدت ليقة الدواة وَلم يكن ماءٌ قَرِيبا مني فأتركه فِيهَا وَبَين يَدي قنينةٌ من الْخمر فَصَبَبْت مِنْهُ فِي الدواة ثمَّ كتبت بهَا وجهة من الْمُصحف وكببتها على المجمرة لتنشف فَصَعدت شرارة فأحرقت الْخط الْمَكْتُوب أجمعه من غير بَقِيَّة الكاغد فَرُعِبْت من ذَلِك وَقمت وغسلت الدواة والأقلام وَجعلت فِيهَا مداداً جَدِيدا واستغفرت الله من ذَلِك.

توفّي بِالْقَاهِرَةِ سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة ، وَمن شعره يمدح صَلَاح الدّين بن أَيُّوب من الْخَفِيف : ملكاه محسدان لما يرفع .. من حسن فعله الْملكَانِ .. صحباه مكرمين عَن السوء .. وَلم يكتبا سوى الْإِحْسَان ، يُقَال إِنَّه كتب مِائَتَيْنِ وَسِتَّة وَثَلَاثِينَ ختمة وربعة وَله حيل الْمُلُوك ومدائح أهل الْبَيْت ومدائح صَلَاح الدّين وخطه مليح مرغوبٌ فِيهِ “.

6 / متن الشاطبية

(متن الشاطبية) هو اسم الشهرة للمنظومة الشعرية التي تعرف باسم (حرز الأماني ووجه التهاني) في القراءات السبع والتي وضعها الإمام الشاطبي وتعد من المراجع العليا في علم القراءات في العالم الإسلامي ويبلغ عدد أبياتها ألف ومائة وثلاثة وسبعون بيتا ، ومؤلفها هو رئيس الإقراء بالديار المصرية الشيخ أبو محمد القاسم بن فيرة بن أبي القاسم خلف بن أحمد الرعيني الأندلسي المعروف بلقب الشاطبي ، ولد في شاطبة بالأندلس عام 538 هـ / 1144 م وتوفي في القاهرة عام 590 هـ / 1194 م.

رحل إلى مصر عام 572 هـ في بداية الدولة الأيوبية واستقبله القاضي الفاضل فأكرمه واحتفى به وأنزله بمدرسته التي بناها بدرب الملوخية داخل القاهرة وجعله شيخها وبقي بها يُقْرِئ القراءات حتى وفاته ودفن في تربة القاضي الفاضل ، وله عدة مؤلفات أخرى منها قصيدته الرائية المسماة (قيلة أتراب القصائد في أسنى المقاصد) في علم الرسم وقصيدة دالية خمسمائة بيت لخَّصَ فيها (التمهيد) لابن عبد البر ، وأشهر قصائده هي (ناظمة الزهر) في علم عدد الآي والتي يعتمد عليها في المصحف إلى يومنا هذا.

ترجم له ابن خلكان في وفيات الأعيان فقال : ” الشيخ الشاطبي .. أبو محمد القاسم بن فيرة بن أبي القاسم خلف بن أحمد الرعيني الشاطبي الضرير المقرئ صاحب القصيدة التي سماها حرز الأماني ووجه التهاني في القراءات وعدتها ألف ومائة وثلاثة وسبعون بيتا ، ولقد أبدع فيها كل الإبداع وهي عمدة قراء هذا الزمان في نقلهم فقل من يشتغل بالقراءات إلا ويقدم حفظها ومعرفتها وهي مشتملة على رموز عجيبة وإشارات خفية لطيفة وما أظنة سبق إلى أسلوبها.

وقد روي عنه أنه كان يقول : لا يقرأ أحد قصيدتي هذه إلا وينفعه الله عز وجل بها لأني نظمتها لله تعالى مخلصا في ذلك ، ونظم قصيدة دالية في خمسمائة بيت من حفظها أحاط علما بكتاب التمهيد لابن عبد البر ، وكان عالما بكتاب الله تعالى قراءة وتفسيرا وبحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مبرزا فيه ، وكان إذا قرئ عليه صحيح البخاري ومسلم والموطأ تصحح النسخ من حفظه ويملي النكت على المواضع المحتاج إليها ، وكان أوحدا في علم النحو واللغة عارفا بعلم الرؤيا، حسن المقاصد مخلصا فيما يقول ويفعل.

وقرأ القرآن الكريم بالروايات على أبي عبد الله محمد بن علي بن محمد بن أبي العاص النفزي المقري وأبي الحسن علي بن محمد بن هذيل الأندلسي ، وسمع الحديث من أبي عبد الله محمد بن يوسف بن سعادة وأبي عبد الله محمد بن عبد الرحيم الخزرجي وأبي الحسن ابن هذيل والحافظ أبي الحسن ابن النعمة وغيرهم وانتفع به خلق كثير ، وأدركت من أصحابه جمعا كثيرا بالديار المصرية ، وكان يجتنب فضول الكلام ولا ينطق إلا على طهارة في هيئة حسنة وتخشع واستكانة ، وكان يعتل العلة الشديدة فلا يشتكي ولا يتأوه وإذا سئل عن حاله قال : العافية ، لا يزيد على ذلك.

أنشدني بعض أصحابه قال : كان الشيخ كثيرا ما ينشد هذا اللغز وهو في نعش الموتى فقلت له : فهل هو له فقال : لا أعلم ، ثم إني وجدته بعد ذلك في ديوان الخطيب أبي زكريا يحيى بن سلامة الحصكفي وهو : أتعرف شيئا في السماء يطير .. إذا سار صاح الناس حيث يسير .. فتلقاه مركوبا وتلقاه راكبا .. وكل أمير يعتليه أسير .. يحض على التقوى ويكره قربه .. وتنفر منه النفس وهو نذير .. ولم يستزر عن رغبة في زيارة .. ولكن على رغم المزور يزور.

وكانت ولادته في آخر سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة وخطب ببلدة على فتاء سنى ودخل مصر سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة وكان يقول عند دخوله إليها : إنه يحفظ وقر بعير من العلوم بحيث لو نزل عليه ورقة أخرى لما احتملها ، وكان نزيل القاضي الفاضل ورتبه بمدرسته بالقاهرة متصدرا لإقراء القرآن الكريم وقراءاته والنحو واللغة ، وتوفي يوم الأحد بعد صلاة العصر الثامن والعشرين من جمادى الآخرة سنة تسعين وخمسمائة ودفن يوم الاثنين في تربة القاضي الفاضل بالقرافة الصغرى وزرت قبره مرارا رحمه الله تعالى ، وصلى عليه الخطيب أبو إسحاق العراقي خطيب جامع مصر.

وفيره بكسر الفاء وسكون الياء المثناة من تحتها وتشديد الراء وضمها وهو بلغة اللطيني من أعاجم الأندلس ومعناه بالعربي الحديد ، والرعيني بضم الراء وفتح العين المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها نون هذه النسبة إلى ذي رعين وهو أحد أقيال اليمن نسب إليه خلق كثير ، والشاطبي بفتح الشين المعجمة وبعد الألف طاء مكسورة مهملة وبعدها باء موحدة هذه النسبة إلى شاطبة وهي مدينة كبيرة ذات قلعة حصينة بشرق الأندلس خرج منها جماعة من العلماء استولى عليها الفرنج في العشر الأخير من شهر رمضان سنة خمس وأربعين وستمائة ، وقيل إن اسم الشيخ المذكور أبو القاسم وكنيته اسمه لكن وجدت في إجازات أشياخه له أبو محمد القاسم كما ذكرته ها هنا “.

وذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء فقال : ” الشَّاطِبِيُّ القَاسِمُ بنُ فِيْرُّه بنِ خَلَفِ بنِ أَحْمَدَ الرُّعَيْنِيُّ .. الشيخ الإمام العالم العامل القدوة سيد القراء أبو محمد وأبو القاسم القاسم بن فيره بن خلف بن أحمد الرعيني الأندلسي الشاطبي الضرير ناظم الشاطبية والرائية ، من كناه أبا القاسم – كالسخاوي وغيره – لم يجعل له اسما سواها والأكثرون على أنه أبو محمد القاسم  ، وذكره أبو عمرو بن الصلاح في طبقات الشافعية ، ولد سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة .

وتلا ببلده بالسبع على أبي عبد الله بن أبي العاص النفري ورحل إلى بلنسية فقرأ القراءات على أبي الحسن بن هذيل وعرض عليه (التيسير) وسمع منه الكتب ، ومن أبي الحسن ابن النعمة وأبي عبد الله ابن سعادة وأبي محمد بن عاشر وأبي عبد الله بن عبد الرحيم وعليم بن عبد العزيز ، وارتحل للحج فسمع من أبي طاهر السلفي وغيره  ، وكان يتوقد ذكاء له الباع الأطول في فن القراءات والرسم والنحو والفقه والحديث وله النظم الرائق مع الورع والتقوى والتأله والوقار .

استوطن مصر وتصدر وشاع ذكره ، حدث عنه أبو الحسن بن خيرة ومحمد بن يحيى الجنجالي وأبو بكر بن وضاح وأبو الحسن علي بن الجميزي وأبو محمد بن عبد الوارث قارئ مصحف الذهب ، وقرأ عليه بالسبع أبو موسى عيسى بن يوسف المقدسي وعبد الرحمن بن سعيد الشافعي وأبو عبد الله محمد بن عمر القرطبي وأبو الحسن السخاوي والزين أبو عبد الله الكردي والسديد عيسى بن مكي والكمال علي شجاع وآخرون .

قال أبو شامة أخبرنا السخاوي : أن سبب انتقال الشاطبي من بلده أنه أريد على الخطابة فاحتج بالحج وترك بلده ولم يعد إليه تورعا مما كانوا يلزمون الخطباء من ذكرهم الأمراء بأوصاف لم يرها سائغة ، وصبر على فقر شديد وسمع من السلفي ، فطلبه القاضي الفاضل للإقراء بمدرسته فأجاب على شروط وزار بيت المقدس سنة سبع وثمانين وخمسمائة ، قال السخاوي : أقطع بأنه كان مكاشفا وأنه سأل الله كف حاله ، قال الأبار تصدر بمصر فعظم شأنه وبعد صيته ، انتهت إليه رياسة الإقراء وتوفي بمصر في الثامن والعشرين من جمادى الآخرة سنة تسعين وخمسمائة.

قلت : وله أولاد رووا عنه منهم أبو عبد الله محمد ، أخبرنا أبو الحسين الحافظ ببعلبك أخبرنا علي بن هبة الله أخبرنا الشاطبي أخبرنا ابن هذيل بحديث ذكرته في التاريخ الكبير ، وجاء عنه قال : لا يقرأ أحد قصيدتي هذه إلا وينفعه الله لأنني نظمتها لله ، وله قصيدة دالية نحو خمسمائة بيت من قرأها أحاط علما بالتمهيد لابن عبد البر  ، وكان إذا قرئ عليه الموطأ والصحيحان يصحح النسخ من حفظه حتى كان يقال : إنه يحفظ وقر بعير من العلوم .

قال ابن خلكان قيل : اسمه وكنيته واحد ولكن وجدت إجازات أشياخه له : أبو محمد القاسم ، وكان نزيل القاضي الفاضل فرتبه بمدرسته لإقراء القرآن ولإقراء النحو واللغة ، وكان يتجنب فضول الكلام ولا ينطق إلا لضرورة ولا يجلس للإقراء إلا على طهارة “.

وذكره السبكي في طبقات الشافعية فقال : ” الْقَاسِم بن فيره بن أبي الْقَاسِم خلف بن أَحْمد الرعيني الأندلسي الشَّيْخ أَبُي الْقَاسِم الشاطبي الْمُقْرِئ الضَّرِير ويكنى أَيْضا أَبَا مُحَمَّد وَمِنْهُم من جعل كنيته أَبَا الْقَاسِم وَلم يَجْعَل لَهُ اسْما سواهَا كَذَلِك نقل أَبُو الْحسن السخاوي وَالصَّحِيح أَن اسْمه الْقَاسِم وَله كنيتان أَبُو مُحَمَّد وَأَبُو الْقَاسِم.

ولد فِي آخر سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة وَقَرَأَ القرآات بشاطبة على أبي عبد الله مُحَمَّد بن عَليّ بن أبي الْعَاصِ النفزي الْمَعْرُوف بِابْن اللاية وارتحل إِلَى بلنسية فَقَرَأَ القراآت وَعرض التَّفْسِير حفظا على أبي الْحسن بن هُذَيْل وَسمع مِنْهُ وَمن أبي الْحسن بن النِّعْمَة وَأبي عبد الله بن سَعَادَة وَجَمَاعَة وارتحل ليحج فَسمع من السلَفِي وَغَيره.

روى عَنهُ أَبُو الْحسن عَليّ بن هبة الله بن الجميزي وَأَبُو بكر بن وضاح وَجَمَاعَة آخِرهم أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن عبد الْوَارِث الْمَعْرُوف بِابْن فار اللَّبن وَقَرَأَ عَلَيْهِ القرآات جماعات فَإِنَّهُ تصدر للإقراء بِمصْر وَعظم شَأْنه وَبعد صيته وانتهت إِلَيْهِ رياسة الإقراء وَقصد من الْبِلَاد وَألف القصيدة الْمُبَارَكَة الْمَشْهُورَة الْمُسَمَّاة بحرز الْأَمَانِي ، وَكَانَ ذكي القريحة قوي الحافظة وَاسع الْمَحْفُوظ كثير الْفُنُون فَقِيها مقرئا مُحدثا نحويا زاهدا عابدا ناسكا يتوقد ذكاء وَكَانَ تصدر للإقراء بِالْمَدْرَسَةِ الْفَاضِلِيَّةِ بِالْقَاهِرَةِ.

قَالَ السخاوي أقطع بِأَنَّهُ كَانَ مكاشفا وَأَنه سَأَلَ الله كتمان حَاله مَا كَانَ أحد يعلم أَي شَيْء هُوَ ، وَمن شعره : قل للأمير نصيحة .. لَا تركنن إِلَى فَقِيه .. إِن الْفَقِيه إِذا أُتي .. أَبوأبكم لَا خير فِيهِ ، توفّي فِي ثامن عشرى جُمَادَى الْآخِرَة سنة تسعين وَخَمْسمِائة عَن اثْنَتَيْنِ وَخمسين سنة وَخلف بِنْتا وابنا عمر بعده “.

7 / مقالات في التوحيد

من أوائل أعلام الصوفية الذين وفدوا على الديار المصرية واستقروا بها إمام أهل الصعيد السيد عبد الرحيم بن أحمد بن حجون المولود في المغرب عام 521 هـ / 1127 م والمعروف بلقب القنائي أو القناوي نسبة إلى مدينة قنا التي استقر بها عام 551 هـ وسكنها هو وأبناؤه من بعده وبنى فيها المسجد المعروف باسمه وتوفي فيها عام 592 هـ / 1195 م ، قضى شبابه في الترحال في الحجاز والشام والمغرب ثم رحل إلى مصر وحظي بدعم الأيوبيين حيث عين في عام 566 هـ شيخا لمدينة قنا.

وقد ترك عدة مصنفات منها تفسير القرآن الكريم ورسالة في الزواج وكتاب الأصفياء ونقل عنه تلاميذه عدة دروس ألقاها في مسجده في شهر رمضان سنة 587 هـ بالإضافة إلى الأوراد والأحزاب المعروفة لدى أهل التصوف وكذلك مجموعة حكم وعظات وكلمات نشرها الشعراني والسبكي والمناوي في طبقاتهم ومنها عبارات في العقيدة عرفت باسم (مقالات في التوحيد) ، وقد تتلمذ على يده عدد من أعلام التصوف في الصعيد منهم السيد أبو الحجاج الأقصري والشيخ أبو الحسن بن الصباغ والشيخ محمد بن أحمد القرشي الأندلسي.

وقد تحول مسجده إلى مدرسة فقهية وعلمية طوال العصر الأيوبي والمملوكي حيث نبغ فيها عدد من أولاده وأحفاده ذكرهم الإدفوي وعلي باشا مبارك ومنهم : الشيخ الحسن بن عبد الرحيم بن أحمد بن حجون السيد الشريف أبو محمد وكان من فقهاء المالكية وكان نحويا أصوليا ناظما ناثرا وتوفي عام 655 هـ ، الشيخ محمد بن الحسن بن عبد الرحيم بن أحمد ابن سيدى عبد الرحيم القنائى جمع بين العلم والعبادة والورع الزهادة وحسن ألفاظه تفعل بالعقول ما لا يفعله العقار مع سكوت ووقار وتوفي عام 693 هـ.

ومنهم العلامة القاضي جعفر بن محمد بن عبد الرحيم الشريف القنائى : شيخ الدهر وتحفة العصر فقيه شافعى أصولى أديب ناظم ناثر كريم كبير المروءة كثير الفتوّة حسن الشكل مليح الخط ، رحل إلى دمشق واشتغل بها ثم أقام بمصر وتولى الحكم بالأعمال القوصية ثم تولى وكالة بيت المال بالقاهرة ودرس بالمشهد الحسينى ، وكان يقال إنه يصلح للخلافة لكماله فضلا ونبلا وتوفي في قنا عام 696 هـ.

ومنهم الشيخ تقي الدين محمد بن ضياء الدين جعفر بن محمد ابن سيدى عبد الرحيم القنائى : كان فقيها شاعرا كريما درس بالمدرسة المسرورية وتوفي عام 738 هـ ، والشيخ على بن محمد بن جعفر بن محمد بن عبد الرحيم الشريف فتح الدين ابن الشيخ تقى الدين ابن الشيخ ضياء الدين القنائى : كان من الفقهاء الفضلاء الأدباء الشعراء جمع وألف وكتب وصنف وتوفي عام 807 هـ ، والشيخ أحمد بن إبراهيم بن الحسن بن سيدى عبد الرحيم القنائى الشريف المشهور : كان من أهل الصلاح والعلم تفقه على مذهب الإمام الشافعى واشتغل بالنحو وبقية العلوم حتى صار إماما تنتفع لناس بعلومه وتوفي عام 828 هـ.   

وقد ترجم له الإدفوي في كتابه الطالع السعيد الجامع أسماء نجباء الصعيد وذكر كثيرا من الحكايات والتهويمات المتعلقة به فقال : ” عبد الرّحيم بن أحمد بن حجّون القنائىّ .. عبد الرّحيم بن أحمد بن حجّون بن محمد بن حمزة بن جعفر بن إسماعيل بن جعفر ابن محمد بن الحسين بن علىّ بن محمد بن جعفر الصّادق ، التّرغىّ المولد السّبتىّ الأصل وترغا من عمل سبتة وقيل إنّه غمارىّ ، ذكره الحافظ الرّشيد ابن المنذرىّ وقال : قال لى ابنه الحسن : نحن من مسراة.

وهو شيخ مشايخ الإسلام وإمام العارفين الأعلام ، وصل من المغرب وأقام بمكّة سبع سنين على ما حكاه بعضهم ثمّ قدم قنا من عمل قوص فأقام بها سنين كثيرة إلى حين وفاته وتزوّج بها وولد له بها أولاد ، وهو من أصحاب الشّيخ أبى يعزى وكانت إقامته رحمه الله بالصّعيد رحمة لأهله ، اغترفوا من بحر علمه وفضله وانتفعوا ببركاته وأشرقت أنوار قلوبهم لمّا أدخلوا فى خلواته.

اتّفق أهل زمانه على أنّه القطب المشار إليه والمعوّل فى الطّريق عليه لم يختلف فيه اثنان ولا جرى فيه قولان ، ولو لم يكن من أصحابه إلّا الشّيخ الإمام أبو الحسن علىّ بن حميد بن الصبّاغ لكفاه من سائر الأمم ولأن يهدى الله بك رجلا واحدا خير من حمر النّعم فإنّ سرّ الشّيخ رحمه الله ظهر فيه حتّى نطق فى المعارف بملء فيه وأبدى من سرّه ما كان يخفيه.

وكرامات سيّدى عبد الرّحيم مستغنية عن التّعريف تكثر عن أن يسعها تأليف أو يقوم بها تصنيف ، وقد ذكر النّاس منها ما يشفى الغليل ويبرئ العليل فاكتفيت منها بالقليل ، وليس يصحّ فى الأذهان شئ .. إذا احتاج النّهار إلى دليل.

وقد ذكره الإمام الحافظ أبو محمد عبد العظيم المنذرىّ فى وفياته معظّما له معترفا ببركاته فقال: (الشّيخ الزّاهد عبد الرّحيم كان أحد الزّهاد المذكورين والعبّاد المشهورين ظهرت بركاته على جماعة من أصحابه وتخرّج عليه جماعة من أعيان الصّالحين بصالح أنفاسه) ، انتهى.

وللشّيخ عبد الرّحيم مقالات فى التّوحيد منقولة عنه ومسائل فى علوم القوم تلقّيت منه وكلمات لا تستفاد من كلمات الأعراب وأحوال هى فى نهاية الإغراب وكان مالكىّ المذهب كتابه (المعونة).

حكى لى الشّيخ الصالح الفاضل الثّقة العدل ضياء الدّين منتصر بن الحسن خطيب أدفو عن الشّيخ العالم العارف كمال الدّين علىّ بن محمد بن عبد الظّاهر نزيل إخميم وحكى لى أيضا ابنه الشّيخ العارف أبو العبّاس ابن الشّيخ كمال الدّين المشار إليه أنّهما سمعا الشّيخ كمال الدّين يقول : زرت جبّانة قنا وجلست عند سيّدى الشّيخ عبد الرّحيم وإذا يد خرجت لى من قبره وصافحتنى ! قال:  وقال لى : يا بنىّ لا تعص الله طرفة عين فإنّى فى أعلى علّيين ، وأنا أقول : يا حسرتا على ما فرّطت فى جنب الله  !

وأهل بلاده متفقون على تجربة الدّعاء عند قبره يوم الأربعاء ، يمشى الإنسان حافيا مكشوف الرأس وقت الظّهر ويدعو بالدّعاء الذى سنذكره ويدّعون أنّه ما حصلت لإنسان ضائقة وفعل ذلك إلّا وفرّج الله عنه ، وهم يروونه عن الشّيخ أبى عبد الله القرشىّ وقالوا : قال القرشىّ : من فعل ذلك ودعا ولم تقض حاجته فليسبّ القرشىّ.

قال : يصلّى ركعتين ويقرأ شيئا من القرآن ويقول:  اللهمّ إنّى أتوسّل إليك بجاه نبيّك محمد صلّى الله عليه وسلّم وبأبينا آدم وأمّنا حواء وما بينهما من الأنبياء والمرسلين وبعبدك عبد الرّحيم اقض حاجتي ، ويذكر حاجته.

حكى لى الشّيخ محمد بن حسن القزوينىّ المحتد : قال : كان بقوص وال يقال له الزّردكاش فحمل على ابنى فضربه فجئت إلى أمّه بنت أخى الشّيخ أبى عبد الله الأسوانىّ فأخبرتها فتألمت كثيرا فذكرت لها هذا الدّعاء فتوجّهت إلى قنا وفعلت ذلك فلم يقم الوالى إلّا أياما يسيرة وتوفّي.

وجماعة كثيرة يذكرون مثل ذلك ، حتّى حكى لى بعض الفقهاء الحكّام – وكانت به حمّى الرّبع وقلق منها – أنّه توجّه إلى قنا وطلع إلى الجبّانة وفعل ما ذكره وأنّ الحمّى أقلعت عنه ، وله ولأمثاله من العارفين أحوال تتلقّى بالقبول والتّسليم وفوق كلّ ذى علم عليم وإذا وقعت العناية وثبتت الولاية وصحّت الرّواية ونازع منازع بعد ذلك فى أمر أجازه العقل ولم يمنعه الشّرع كان النّزاع غواية فنسأل الله تعالى التّوفيق والهداية.

أخبرنا أقضى القضاة شمس الدّين ابن القمّاح قال : قال لى الشّيخ العلّامة ضياء الدّين جعفر بن محمد بن سيّدى عبد الرّحيم المذكور : إنّ الشيخ القرشىّ وصل إلى قنا لزيارة الشّيخ عبد الرّحيم فجلس على الباب يوما وثانى يوم ولم يؤذن له وغيره يدخل ، قال : فذكر أنّه فكّر فى سبب ذلك فقام فى خاطره أنّه إنّما منع بسبب أنّه جاء على أنّه شيخ يزور شيخا ، قال : وقلت : لو جئت على أنّى مريد أزور شيخا لأذن لى ، فنويت ذلك والخادم خرج وقال : باسم الله ادخل  ، ورأيت هذه الحكاية بخطّ الشّيخ الحسن أيضا ، وكراماته كثيرة.

والمشهور فى وفاة الشّيخ رحمه الله تعالى ونفعنا ببركاته أنّه توفّى فى شهر صفر سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة يوم الجمعة بعد صلاة الصّبح التّاسع من شهر صفر المذكور وذكر ذلك الشّيخ علم الدّين المنفلوطىّ فى رسالته وهو زوج بنت بنته ومن جملة أصحابه ، وقال الشّيخ عبد العظيم : فى أحد الرّبيعين ، والأوّل هو الصواب،وقد رأيته مكتوبا على قبره ورواية الشّيخ على ما بلغه.

وكانت وفاته بقنا وقبره بجبّانتها يزار ولا يكاد يخلو من زائر قاصد أوعابر تقصده العبّاد من أقصى البلاد وتأتى إليه الخلائق من كلّ فجّ وواد وتزدحم النّاس فى الدّفن عنده ليستمنحوا رفده ، حتّى إنّ القاضى الرّضى ابن أبى المنا أعطى جملة على ذلك قيل ألف دينار ولكلّ امرئ ما نوى ، زرته مرّات كثيرة ولله الحمد والمنّة وعلى تلك الجبّانة نور وبهجة يدركان بالبصر وفيها روح يعرف بالفكر والنّظر “.

8 / حز القلاصم وإفحام المخاصم

عرفت الفلسفة الإسلامية باسم (علم الكلام) وازدهرت في مصر مع فلاسفة المذهب الإسماعيلي في عهد الدولة الفاطمية حيث كان المذهب متأثرا بأفكار المعتزلة والقدرية ، وانبرى عدد من فقهاء أهل السنة للرد على ذلك وتفنيد دعواهم ومنهم الفقيه المالكي الإمام العلامة ضياء الدين شيث بن إبراهيم المعروف بلقب (ابن الحاج) ويعرف أيضا بالقفطي والقناوي حيث ولد في قفط بصعيد مصر عام 511 هـ / 1117 م وتوفي في قنا عام 599 هـ / 1203 م ، وكان ابن الحاج يتولى مقاومة المد الشيعي في الصعيد ويعارض مذهب الفاطميين علانية.

فلما تولى الأيوبيون استعانوا به للقضاء على بقايا التشيع فوضع رسالته المشهورة (حز القلاصم وإفحام المخاصم عند جريان النظر في أحكام القدر) ليرد عليهم من واقع الفهم اللغوي السليم للقرآن ، وكان ابن الحاج مقربا من القاضي الفاضل ودارت بينهما مراسلات حول موضوعات عدة كما ألف ابن الحاج كتابا خاصا في السياسة الشرعية أهداه إلى السلطان صلاح الدين بعنوان (تهذيب ذهن الواعي في إصلاح الرعية والراعي) وله أيضا كتاب آخر في نفس المجال بعنوان (لطائف السياسة في أحكام الرئاسة) بالإضافة إلى كتابات عدة في النحو وعلوم اللغة.

وكلمة الغلاصم هي جمع غلصمة وهى اللحم بين الرأس والعنق في دلالة على الحسم والقطع حيث ذكر المؤلف في مقدمة كتابه (حز القلاصم) أن أحد الأمراء طلب منه تناول هذا الموضوع لأهميته فقال : ” بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم قَالَ الشَّيْخ الْفَقِيه الإِمَام حجَّة الاسلام ضِيَاء الدّين أَبُو الْحسن شِيث بن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن حيدرة غفر الله لَهُ وَعَفا عَنهُ : الْحَمد لله نَاصِر الْحق ومعيله وخاذل الْبَاطِل ومتبعيه وَالصَّلَاة على إِمَام الْهدى مُحَمَّد الْمُصْطَفى وعَلى آله اهل الصدْق والوفى وَمن ولاهم وبهديهم اهْتَدَى وَسَلَامه وتحياته عَلَيْهِم إِلَى يَوْم الْجَزَاء.

سَأَلت نور الله باطنك بأنوار الْإِيمَان وزين ظاهرك بوظائف الاسلام واستعملك فِي الدُّنْيَا بمتابعة السّنة وأسعدك فِي الْأُخْرَى بجواره فِي الْجنَّة وَلَا سلبك فِي الْمحيا ثوب التَّقْوَى واكرمك فِي الْحسنى بِطيب المثوى عِنْد الْمُجَاورَة وجريان المذاكرة أَن انتزع الْآيَات الَّتِي فِي كتاب الله تَعَالَى المتضمنة إِقَامَة الْحجَّة على صِحَة إعتقاد اهل السّنة فِي إِرَادَة الكائنات المنوطة بِخلق أَفعَال الْعباد وانها مُتَعَلقَة بِمَشِيئَة وإرادته دون خلقه.

وَأَن الْخلق لَيْسَ لَهُم فِيهَا إِلَّا نوع إكتساب ومحاولة وَنسبَة وَإِضَافَة وَأَن ذَلِك كُله إِنَّمَا حصل لَهُم بتيسير الله تَعَالَى وَتَقْدِيره وإلهامه وتوفيقه فَلهُ الْخلق وَالْأَمر وَالتَّقْدِير وَالتَّدْبِير والتيسير والتعسير وَبِيَدِهِ الْهِدَايَة والاضلال وَالطَّاعَة والعصيان وَالْكفْر والايمان وَلَا يجْرِي فِي ملكه وملكوته خير اَوْ شَرّ نفع أَو ضرّ فوز اَوْ خسر حَيَاة أَو موت غنى اَوْ فقر حُلْو اَوْ مر سر اَوْ جهر وَفَاء اَوْ غدر نصح اَوْ مكر عرف اَوْ نكر حَرَكَة أَو سُكُون قيام اَوْ قعُود قبض أَو بسط إِيمَان اَوْ كفر إِلَّا بإرادته ومشيئته وَعلمه وَقدرته فَمَا شَاءَ كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن ..

ثمَّ أَنِّي لما عرضت مَا سنح بِهِ الخاطر فِي مسَائِل الْقدر وَخلق أَفعَال الْبشر على الْأَمِير الْأَجَل المكرم الْأمين نجم الدّين أعلا الله فِي الفردوس الْأَعْلَى دَرَجَته وأسبغ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة نعْمَته وَافق مَقْصُوده ومرغوبه وَأَشَارَ إِلَى أَن اتبعهُ بانتزاع الْآيَات الْكِتَابِيَّة الْوَارِدَة فِي هَذَا الْفَنّ على تَرْتِيب سور الْقُرْآن سُورَة سُورَة.

فلاح لي من علو همته وتوقد قريحته أَنه لَا يرضى بالاقتصار عَن الِاخْتِصَار دون التوغل فِي الغايات والتطلع إِلَى أقصى النهايات لغَرَض لَهُ لم أطلع عَلَيْهِ وَلم يَوْم إِلَيْهِ فسارعت إِلَى تلقي أمره بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَة وبذلت فِي تَلْبِيَة دَعوته جهد الِاسْتِطَاعَة وابتدأت بِأم الْقُرْآن تيمنا بهَا لِأَنَّهَا الْمَقْصُود تلاوتها فِي كل فرض وَنفل وَفرع وأصل “.

وقد ترجم له القفطي في كتابه إنباه الرواة فقال : ” شيث بن إبراهيم بن الحاج القفطىّ الفقيه النحوى الزاهد العالم المتفنن ، كان من أهل مدينة قفط من صعيد مصر وأهله أهل قرآن وخير وصلاح أصحاب سنة وجماعة أرباب تعصب فى ذلك وقد كانوا يتظاهرون به فى الدولة العلوية القصرية وعلم منهم ذلك فلم يعارضوا ، وكان أخوه الفقيه محمد المقرئ ممن سلمت إليه صناعة القرآن فى الروايات وجودة التلاوة وطيب النغمة ، ولم يزل مفيدا للناس فى مسجد له بمحلّة مفردة له ولأهله تعرف بحارة ابن الحاج.

وكان الفقيه شيث هذا قيّما بعلم النحو وله تصنيفان أحدهما اسمه المختصر ، وآخر أخصر منه سماه المعتصر من المختصر ، وقد جدول فى المختصر جدولا لعوامل الإعراب أجمع من رآه أنه لم يأت أحد بمثله ، وله مسائل نحوية أجوبة عن مآخذ أخذها عليه بعض النحاة ، سماها حز الغلاصم وإفحام المخاصم ، وكان يتفقه على مذهب مالك بن أنس وله مسائل وتعاليق فى الفقه جميلة، وله كلام فى الرقائق.

وقد كان – رحمه الله – حسن العبارة مخلوقا من حذر لم يره أحد ضاحكا قط ولا هازلا وكان يسير فى أفعاله على سنن السلف الصالح وكان ملوك البلاد يجلون قدره ويرفعون ذكره ، وكان القاضى الفاضل عبد الرحيم بن علىّ البيسانىّ يعرف قدره ويعظم ذكره ويقبل إشارته فى حق من يشفع فيه وله إليه مكاتبات ومخاطبات يشهد بها ترسّله ، وانتقل فى آخر عمره إلى مدينة قريبة من مدينته اسمها إقنا وأقام بها لاشتهار كلمة السّنة بها إلى أن توفىّ – رحمه الله – فيما بلغنى قريبا من سنة ستمائة بعد أن طعن فى السن وكف بصره “.

وذكره ابن شاكر الكتبي في فوات الوفيات فقال : ” ضياء الدين القناوي شيث بن إبراهيم بن محمد بن حيدرة القناوي النحوي اللغوي العروضي أبو الحسن ضياء الدين ، قال شهاب الدين القوصي : أنشدنا ضياء الدين القناوي سنة تسعين وخمسمائة قصيدته اللغوية التي نظمها ووسمها باللؤللؤة المكنونة واليتيمة المصونة في الأسماء المذكرة وهي :

وصفت الشعر من يفهم يخبرني بما يعلم .. يخبرني بألفاظٍ من الإعراب ما الدهثم .. وما الإقليد والتقليد والتهنيد والأهتم .. وما النهاد والأهدام والأسمال والعيهم .. وما الالغاد والإخراد والأقراد والمكدم .. وما الدفراس والمرداس والقداس والأعلم.

وتوفي ضياء الدين المذكور سنة تسع وتسعين وخمسمائة بعدما أضر رحمه الله وله تصانيف في العربية منها كتاب الإشارة في تسهيل العبارة والمعتصر من المختصر وتهذيب ذهن الواعي في إصلاح الرعية والراعي صنفه للملك صلاح الدين يوسف بن أيوب رحمه الله وإيانا وجميع المسلمين “.

وذكره الإدفوي في الطالع السعيد وذكر جانبا من أشعره وققصه فقال : ” شيث بن إبراهيم القفطىّ .. شيث بن إبراهيم بن محمد بن حيدرة بن الحاجّ الفقيه النّحوىّ القفطىّ ، كان قيّما بالعربيّة وله فيها تصانيف منها المختصر و المعتصر من المختصر رأيته وعليه خطّه ، وحزّ الغلاصم وإفحام المخاصم .. سمع الحديث من الحافظ السّلفىّ ومن أبى القاسم عبد الرّحمن بن الحسين بن الحباب وحدّث وسمع منه جماعة منهم الشّيخ الحسن بن الشّيخ عبد الرّحيم وكان له نظم.

وذكره الشّيخ عبد الكريم الحلبىّ فى تاريخه ومن خطّة نقلت وقال : أنشدنا الشّيخ قطب الدّين محمد بن أحمد القسطلّانىّ أنشدنى الخطيب يحيى ابن جعفر يعرف بخطيب عيذاب القفطىّ أنشدنا الفقيه شيث بن إبراهيم القفطىّ لنفسه قوله : اجهد لنفسك إنّ الحرص متعبة .. للقلب والجسم والإيمان يرفعه .. فإنّ رزقك مقسوم سترزقه .. وكلّ خلق تراه ليس يدفعه .. فإن شككت بأنّ الله يقسمه .. فإنّ ذلك باب الكفر تقرعه ، وقد أجاز لى غير واحد سمعت عليه من أصحاب الشّيخ قطب الدّين ابن القسطلّانىّ.

ولد شيث بقفط ثمّ انتقل بعد سنين إلى قنا وقيل إنّه كان ينكر على الشّيخ العارف السيّد عبد الرّحيم ويذكر أهل البلاد أنّ الشّيخ عبد الرّحيم قال للمؤذّن : أذّن للظّهر، وأنّ الفقيه شيث قال : ما دخل الوقت ، ويزعمون أنّ الشّيخ عبد الرّحيم دعا عليه أن يخمد ذكره ، وكان شيث من العلماء العاملين وكفّ بصره وعلت سنّه وله بقفط حارة تعرف بحارة ابن الحاجّ.

وذكره ابن سعيد وقال : نقلت من خطّ بدر الدّين ابن أبى جرادة أنّ شيث رحل إلى شاور واشتغل بتعليم أولاده وأنشد له قوله رحمه الله تعالى : هى الدّنيا إذا اكتملت .. وطاب نعيمها قتلت .. فلا تفرح بلذّتها .. فباللّذات قد شغلت .. وكن منها على حذر .. وخف منها إذا اعتدلت .. ولا يغررك زخرفها .. فكم من نعمة سلبت.

وقال : سمعت البهاء زهير يقول سمعت ابن الغمر الأديب يقول رأيت فى النّوم الفقيه شيث يقول شعرا وهو : أنبئكم يا أهل ودّى بأنّ لى .. ثمانين عاما أردفت بثمان .. ولم يبق إلّا هفوة أو صبابة .. فجد يا إلهى منك لى بأمان ، قال : فأصبحت وجئت إلى الفقيه شيث وقصصت عليه الرّؤيا ، فقال : لى اليوم ثمان وثمانون سنة وقد نعيت لى نفسى ، قال : توفّى فى سنة ثمان وتسعين وخمسمائة “.

9 / المقالة الفاضلية

(المقالة الفاضلية) هو اسم الشهرة لكتيب مختصر في الطب كتبه الطبيب موسى بن ميمون بطلب من القاضي الفاضل للمساعدة في علاج حالات التسمم الناشئة عن اللدغ أو العض بواسطة الحشرات والزواحف والحيوانات ، وعنوانها الأصلي هو (الرسالة الفاضلية في تدبير المنهوش) ثم ترجمت إلى اللاتينية وطبعت بها وهي التي سماها ولفنسون (السموم والتحرز من الأدوية القتالة) وبدأها بقوله : ” بسم الله الرحمن الرحيم قال موسى بن عبيد الله القرطبي قد شهر في أعصارنا وفي إقليمنا هذا بل في عدة أقاليم سيرة مولانا القاضي الفاضل الأجل .. فيمنع عنهم المضار ويجلب لهم المنافع دائما بماله وجاهه ولسانه .. إلخ “.  

وقد قسم الكتيب إلى قسمين أولهما بعنوان (نهش الهوام وعض بعض الحيوانات) وفيه عدة فصول منها في تدبير الملسوع على العموم ومنها ذكر أغذية الملسوعين ومنها فصل في لسع الهوام مع ذكر الادوية الوضعية التى توضع على موضع النهشة مفردة أو مركبة وذكر المفردات التي تجذب السم من البدن على العموم وفي هذه الحالات خاصة ، أما القسم الثاني من الكتيب فيتناول شرحا عاما للسموم وأثرها وكيفية تلافيها وعلاجها بعنوان (صورة التحفظ من السموم) وكيفية تشخيص السموم حال الإصابة بها بعنوان (تدبير في علم الشيء الذي تناوله).

ويعد موسى بن عبيد الله بن ميمون بن يوسف بن إسحاق من أهم وأشهر فلاسفة اليهود في العصور الوسطى واشتهر بلقب رامبام (الرابي موسى بن ميمون) وهو مؤلف كتاب دلالة الحائرين الذي اشتمل على مفاهيم فلسفية بعيدة عن اللاهوت اليهودي الخالص كالعدالة الإلهية وعلاقة الفلسفة بالدين ، ولد في قرطبة بالأندلس في عام 529 هـ / 1135 م وتعلم فيها وتنقل مع أبيه في مدن الأندلس وكان والده عالمًا يهوديًّا مشهورًا وعضو المحكمة الطائفية بالمدينة ، ثم رحل إلى مراكش بالمغرب بعد سيطرة الموحدين على الأندلس واستمر في الكتابة والبحث والتعلم في الفلسفة والطب ثم قرر الرحيل إلى مصر بسبب التقلبات السياسية.

وفي مصر لفت نظر القاضي الفاضل بمهارته وعلمه فقربه من السلطان صلاح الدين الأيوبي والذي اختاره ليكون رئيس اليهود في الديار المصرية والطبيب الخاص لولده الأفضل نور الدين علي حيث ألف له عدة كتب في الطب منها (مقالة في تدبير الصحة) ويضم وصايا ممتازة في صحة الجسد والغذاء وترجم إلى اللاتينية ومنها (مقالة في بيان الأعراض) وقد كتبه وهو يلازم غرفة السلطان لعلاجه من مرض ألمَّ به ويضم إجابات ابن ميمون على أسئلة وجَّهها له السلطان بخصوص مرضه ، وقد وعاش في مصر سبعة وثلاثين سنة وتوفي فيها عام 601 هـ / 1204 م ودفن في طبرية.

ورغم شهرته في مجال الفلسفة إلا أن مؤلفاته في المجال الطبي كانت الأكثر والأوسع انتشارا ومنها : المختصرات وهي تلخيص الكتب الستة عشر لجالينوس ، شرح فصول أبوقراط ، فصول موسى في الطب وهو كتاب ضخم  يضم أربعة وعشرين فصلا ، كتيب في البواسير وعلاجها في سبعة فصول ، رسالة في التدبير المعين على كثرة الجماع ، مقالة في الربو كتبها سنة 1190 م ، كتاب شرح أسماء العقار ، تهذيب الاستكمال لابن هود في علم الرياضة ، مقالة تشتمل على فصول من كتاب الحيوان لأرسطو ، تلخيص كتاب حيلة البرء لجالينوس.

وقد ترجم له ابن أبي أصيبعة في كتابه عيون الأنباء في طبقات الأطباء وترجم لولده إبراهيم بن موسى الطبيب فقال : ” الرئيس مُوسَى .. هُوَ الرئيس أَبُو عمرَان مُوسَى بن مَيْمُون الْقُرْطُبِيّ يَهُودِيّ عَالم بسنن الْيَهُود ويعد من أَحْبَارهم وفضلائهم وَكَانَ رَئِيسا عَلَيْهِم فِي الديار المصرية.

وَهُوَ أوحد زَمَانه فِي صناعَة الطِّبّ وَفِي أَعمالهَا متفنن فِي الْعُلُوم وَله معرفَة جَيِّدَة بالفلسفة وَكَانَ السُّلْطَان الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين يرى لَهُ ويستطبه وَكَذَلِكَ وَلَده الْملك الْأَفْضَل عَليّ ، وَقيل أَن الرئيس مُوسَى كَانَ قد أسلم فِي الْمغرب وَحفظ الْقُرْآن واشتغل بالفقه ثمَّ أَنه لما توجه إِلَى الديار المصرية وَأقَام بفسطاط مصر ارْتَدَّ.

وَقَالَ القَاضِي السعيد بن سناء الْملك يمدح الرئيس مُوسَى : أرى طب جالينوس للجسم وَحده .. وطب أبي عمرَان لِلْعَقْلِ والجسم .. فَلَو أَنه طب الزَّمَان بِعِلْمِهِ .. لَا براه من دَاء الْجَهَالَة بِالْعلمِ .. وَلَو كَانَ بدر التم من يستطبه … لتم لَهُ مَا يَدعِيهِ من التم .. وداواه يَوْم التم من كلف بِهِ .. وأبرأه يَوْم السرَار من السقم (الطَّوِيل).

وللرئيس مُوسَى من الْكتب اخْتِصَار الْكتب السِّتَّة عشر لِجَالِينُوسَ ، مقَالَة فِي البواسير وعلاجها ، مقَالَة فِي تَدْبِير الصِّحَّة صنفها للْملك الْأَفْضَل عَليّ بن الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب ، مقَالَة فِي السمُوم والتحرز من الْأَدْوِيَة القتالة ، كتاب شرح الْعقار ، كتاب كَبِير على مَذْهَب الْيَهُود.

إِبْرَاهِيم بن الرئيس مُوسَى : هُوَ أَبُو المنى إِبْرَاهِيم بن الرئيس مُوسَى بن مَيْمُون منشؤه بفسطاط مصر وَكَانَ طَبِيبا مَشْهُورا عَالما بصناعة الطِّبّ جيدا فِي أَعمالهَا ، وَكَانَ فِي خدمَة الْملك الْكَامِل مُحَمَّد بن أبي بكر بن أَيُّوب ويتردد أَيْضا إِلَى البيمارستان الَّذِي بِالْقَاهِرَةِ من الْقصر ويعالج المرضى فِيهِ

وَاجْتمعت بِهِ سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ أَو اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة بِالْقَاهِرَةِ وَكنت حِينَئِذٍ أطب فِي البيمارستان بهَا فَوَجَدته شَيخا طَويلا نحيف الْجِسْم حسن الْعشْرَة لطيف الْكَلَام متميزا فِي الطِّبّ ، وَتُوفِّي إِبْرَاهِيم بن الرئيس مُوسَى بِمصْر فِي سنة وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة “.

وذكره ابن شاكر الكتبي في فوات الوفيات فقال : ” موسى بن ميمون الرئيس أبو عمران القرطبي اليهودي الطبيب المفتن في العلوم كان رئيساً على اليهود بمصر وكان أوحد أهل زمانه في الطب وكان السلطان صلاح الدين يستطبه وكذلك ولده الأفضل ، ويقال إنه كان قد أسلم بالمغرب وحفظ القرآن واشتغل بالفقه ولما قدم من الغرب صلى بمن في المركب التراويح في شهر رمضان وجاء إلى الديار المصرية.

وجاء إلى دمشق فاتفق للقاضي محي الدين ابن الزكي مرض خطر فعالجه الرئيس موسى وبالغ في نصحه فرأى له القاضي ذلك وأراد مكافأته على ذلك فحلف أيماناً مغلظة أنه ما يأخذ شيئاً أبداً ، ثم بعد مدة اشترى داراً وسأل من القاضي تقديم التاريخ إلى خمس سنين متأخرة فما بخل القاضي عليه بمثل ذلك ولم يعلم أن في ذلك مفسدة ثم إنه أثبت ذلك.

وبعد مدة توجه إلى الديار المصرية وخدم القاضي الفاضل فجاء من كان في المركب وقالوا : جاء معنا من الغرب وصلى بنا التراويح في السنة الفلانية ، فأنكر ذلك وأخرج المكتوب وقال : أنا كنت في دمشق قبل هذه السنة بمدة واشتريت داراً وهذا خط القاضي بذلك ؛ فلما رأى الفاضل خط محيي الدين ابن الزكي بالثبوت ما شك فيه واندفعت القضية بخبث هذا الشيطان.

وعلى الجملة فكان فاضلاً وله كتاب الدلالة في أصول دينهم ، وهو جيد إلى الغاية على قواعدهم وكانت له مشاركة في كل فن .. وله مقالة في معالجة الحدبة صنفها للقاضي الفاضل ومقالة في السموم وتنقيح الفصول وهو من أجل كتب الطب ، وتوفي سنة عشر وستمائة “.

10 / الاستقصاء لمذاهب الفقهاء

يعد كتاب المهذب في الفقه للشيرازي من أهم مراجع المذهب الشافعي حتى القرن السادس الهجري فكان موضع اهتمام العلماء والفقهاء فألفوا الكتب في شرحه وأضافوا إليه الحواشي والتعليقات ، ومن أهم شروح الكتاب في مصر كتاب (الاستقصاء لمذاهب الفقهاء) والذي كتبه الفقيه الشافعي عثمان بن عيسى بن درباس الماراني وعرف بعنوان آخر هو (استقصاء المذهب في شرح المهذب) وقد رتبه على أبواب الفقه المعروفة بهدف تطبيق أحكامه في أعمال القضاء والمعاملات والإفتاء.

ولد ابن درباس في الموصل عام 516 هـ / 1123 م وتوفي في القاهرة عام 602 هـ / 1206 م حيث رحل إلى مصر مع أخيه عبد الملك في أوائل العصر الأيوبي بعد أن قرر السلطان صلاح الدين فرض المذهب الشافعي في الديار المصرية ، وقد تولى أخوه قضاء الغربية ثم قاضي القضاة بمصر وعمل المؤلف فترة بالقضاء في القاهرة لكن جهوده الكبرى كانت في لكتابة والتدريس والإفتاء حيث ألف كتابا آخر في أصول الفقه وهو شرح كتاب اللمع للشيرازي ، ونبغ من الأسرة ابنه إبراهيم بن عثمان المحدث وابن أخيه الفقيه والشاعر محمد بن عبد الملك.   

وقد ترجم له ابن خلكان في وفيات الأعيان فقال : ” ضياء الدين شارح المهذب .. أبو عمرو عثمان بن عيسى بن درباس بن فير بن جهم بن عبدويس الهذباني الماراني الملقب ضياء الدين ؛ كان من أعلم الفقهاء في وقته بمذهب الإمام الشافعي وهو أخو القاضي صدر الدين أبي القاسم عبد الملك الحاكم بالديار المصرية – كان – وناب عنه في الحكم في القاهرة ، واشتغل في صباه بإربل على الشيخ أبي العباس الخضر بن عقيل.

ثم انتقل إلى دمشق وقرأ على الشيخ أبي سعد عبد الله بن أبي عصرون وتمهر في المذهب وأصول الفقه وأتقنهما ، وشرح (المذهب) شرحاً شافياً لم يسبق إلى مثله في قريب من عشرين مجلداً ولم يكمله بل بقي من كتاب الشهادات إلى آخره وسماه (الاستقصاء لمذاهب الفقهاء) وشرح (اللمع) في أصول الفقه للشيخ أبي إسحاق الشيرازي شرحاً مستوفى في مجلدين وصنف غير ذلك.

وقبل أن مات القاضي صدر الدين رحمه الله تعالى – وكان موته في الليلة الخامسة من رجب ليلة الأربعاء سنة خمس وستمائة – عزل ضياء الدين المذكور عن النيابه فوقف عليه الأمير جمال الدين خشترين الهكاري مدرسة أنشأها بالقصر بالقاهرة وفوض تدريسها إليه ، ولم يزل بها إلى أن توفي في ثاني عشر ذي القعدة سنة اثنتين وستمائة بالقاهرة ودفن بالقرافة الصغرى وقد قارب تسعين سنة رحمه الله تعالى.

ثم توفي صدر الدين في التاريخ المذكور ودفن في تربته بالقرافة الصغرى ، وكان يتردد في مولده هل هو في أواخر سنة ست عشرة أو أوائل سنة سبع عشرة وخمسمائة ؛ وفوض إليه السلطان صلاح الدين القضاء بالديار المصرية بعد أن كان قاضي الغربية من أعمال الديار المصرية في الثاني والعشرين من جمادى الآخرة سنة ست وقيل سنة خمس وستين وخمسمائة رحمه الله تعالى.

وفير : بكسر الفاء وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها راء ، وجهم : بفتح الجيم وسكون الهاء وبعدها ميم ، وعبدوس : بفتح العين المهملة وسكون الباء الموحدة وضم الدال المهملة وسكون الواو وبعدها سين مهملة ، والماراني : بفتح الميم وبعد الألف راء مفتوحة وبعد الألف الثانية نون هذه النسبة إلى بني ماران بالمروج تحت الموصل “.

وقد ذكره المنذري في كتاب التكملة لوفيات النقلة في وفيات سنة 602 هـ فقال : ” وفي الثاني عشر من ذي القعدة توفي القاضي الأجل الفقيه أبو عمرو عثمان بن عيسى بن درباس بن فير بن جهم بن عبدوس الماراني الشافعي المنعوت بالضياء بالقاهرة ودفن بسفح المقطم ، تفقه على مذهب الإمام الشافعي – رضي الله عنه – وحصل منه جملة صالحة وسمع من أبي الجيوش عساكر بن علي المقرئ.

وشرح كتاب (المهذب) للإمام أبي إسحاق الشيرازي وسماه (الاستقصاء) ، وشرح أيضا كتاب (اللمع) للإمام أبي إسحاق الشيرازي أيضا وغير ذلك ، وحدث بشيء من تصانيفه وناب في الحكم العزيز بالقاهرة عن أخيه قاضي القضاة صدر الدين أبي القاسم عبد الملك ودرس في الموضع المنسوب إلى الأمير خشترين الكردي بالقصر “.

وذكر أخاه القاضي صدر الدين عبد الملك بن درباس في وفيات سنة 605 هـ فقال : ” وفي ليلة الخامس من رجب توفي القاضي الأجل قاضي القضاة أبو القاسم عبد الملك بن عيسى بن درباس بن فير بن جهم بن عبدوس الماراني الشافعي المنعوت بالصدر بالقاهرة ودفن من الغد بتربته المعروفة بسفح المقطم.

ومولده في أواخر سنة ست عشرة وخمس مئة أو أوائل سنة سبع عشرة وخمس مئة بالمروج تحت الموصل ، تفقه على مذهب الإمام الشافعي – رضي الله عنه – بحلب على الإمام أبي الحسن علي بن سليمان بن أحمد المرادي وسمع منه وسمع بدمشق من القاضي أبي القاسم الحسين بن الحسن بن محمد الأسدي المعروف بابن البن والحافظ أبي القاسم علي بن الحسن الشافعي.

وقدم مصر في أول الدولة الأيوبية وسمع بها من الشيخ الزاهد أبي الحسن علي بن إبراهيم بن المسلم الأنصاري المعروف بابن بنت أبي سعد وكان سماعه منه في جمادى الآخرة سنة ثمان وستين وخمس مئة ، وولي القضاء بالغربية ثم ولي قضاء القضاة بالديار المصرية مدة طويلة وأضيف إليه من الأعمال الشامية بلاد كثيرة وولى نوابه بها وولي ديوان الأحباس بجميع الديار المصرية.

وحدث سمعت منه وخرج له شيخنا الحافظ أبو الحسن علي بن المفضل المقدسي أربعين حديثا سمعها الناس منه بقراءته وسمع هو أيضا من شيخنا الحافظ أبي الحسن المقدسي أربعين حديثا من تصنيفه ، وكان من زمن شبيبته مشهورا بالصلاح والخير والغزو وطلب العلم يتبرك بآثاره المرضى ويقصد لذلك ، والماراني : نسبة إلى بني ماران بالمروج تحت الموصل “.

وذكر ابنه إبراهيم بن عثمان المحدث في وفيات سنة 622 هـ فقال : ” وفي هذه السنة توفي الشيخ الفقيه أبو إسحاق إبراهيم ابن الفقيه الإمام أبي عمرو عثمان بن عيسى بن درباس بن فير بن جهم بن عبدوس الماراني الشافعي المنعوت بالجلال، فيما بين الهند واليمن.

تفقه على مذهب الإمام الشافعي ـ رضي الله عنه ـ على والده وسمع بمصر من أم عبد الكريم فاطمة بنت سعد الخير بن محمد الأنصاري وأبي عبد الله محمد بن حمد بن حامد الأرتاحي وأبي محمد عبد الله بن محمد ابن المجلي وجماعة من أهل البلد والقادمين عليها.

ورحل إلى دمشق فسمع بها من جماعة من شيوخنا منهم أبو حفص عمر بن محمد بن أبي الفضل الأنصاري وأبو اليمن زيد بن الحسن الكندي وغيرهم ، وكنا رفيقين بها مدة ، ثم رحل فسمع بالعراق وأصبهان وخراسان من جماعة كبيرة وكانت له إجازة من الحافظ أبي طاهر أحمد بن محمد الأصبهاني.

وكتب كثيرا وله شعر وحدث سمعت منه بمنى والصفراء والقاهرة ، وسئل عن مولده فقال : في شوال سنة اثنتين وسبعين وخمس مئة ، وكان مائلا إلى طريق الآخرة متقللا من الدنيا جدا “.

أما ابن أخيه محمد بن عبد الملك بن درباس فقد ذكره عز الدين الحسيني في كتاب صلة التكملة في وفيات سنة 659 هـ فقال : ” وفي الخامس من شوّال توفّي الشيخ الفقيه الأصيل أبو حامد محمد ابن قاضي القضاة صدر الدّين أبي القاسم عبد الملك بن عيسى بن درباس بن فير بن جهم بن عبدوس المارانيّ الشافعيّ العدل الضّرير المنعوت بالكمال بالقاهرة ودفن من يومه بسفح المقطّم ، حضرت الصّلاة عليه.

ومولده في ليلة الثاني عشر من شهر ربيع الأوّل سنة ستّ وسبعين وخمس مئة ،  سمع من الحافظ أبي محمد القاسم ابن الحافظ أبي القاسم عليّ بن الحسن الدمشقيّ وأبي القاسم هبة الله بن عليّ البوصيري وأبي عبد الله محمد بن حمد بن حامد وأبي الجود غياث بن فارس المقرئ وغيرهم ، وحدّث سمعت منه ودرّس بالمدرسة السّيفية بالقاهرة مدة “.