عصر الأيوبيين الجزء الخامس

41 / تاج المعاجم

(تاج المعاجم) هو الاسم الذي اشتهر به كتاب (ثغور المدح البواسم لتاج المجامع والمعاجم وسراج الأعارب والأعاجم) والذي كتبه الأديب الشيخ شهاب الدين أبو المحامد إسماعيل بن حامد بن عبد الرحمن الأنصاري الخزرجي القوصي المصري ، ولد في قوص بصعيد مصر عام 574 هـ / 1178 م وتلقى العلم في المنيا والقاهرة ومكة والشام وتوفي في دمشق عام 653 هـ / 1254 م حيث عمل في عدة وظائف بتكليف من الوزير الصاحب ابن شكر في عهد الملك العادل الأيوبي ثم في عهد الملك الكامل بالإضافة إلى التدريس والتأليف.

وقد تقدمت مكانته حيث كان الملك العادل يرسله سفيرا عنه إلى حكام كل من حلب وديار بكر وسنجار وخلاط والموصل وجزيرة ابن عمر وكان يهتم بمظهره ولا يخرج إلا على هيئة جميلة في الملبس والمركب ، وهو مؤسس دار الحديث القوصية في دمشق والتي سميت نسبة إليه حيث كانت من جملة أوقافه التي أوقفها لطلبة العلم.

وقد تقلبت به السياسة حيث تعرض لنقمة الملك الصالح عماد الدين إسماعيل الأيوبي فسجنه في سجن بعلبك فترة من الزمن قضاها في تأليف هذا الكتاب الذي جمع فيه مروياته عن شيوخه من حديث وأشعار ونوادر وفوائد مع ترجمة مختصرة لهم دون الاستعانة بأي مراجع ، وقد تبرم من طول المدة وسجل ذلك في قصيدة قال فيها : هب الدهر أرضاني وفرج كربتي .. وأنقذني من ذلة السجن والأسر .. فمن لي بأيام السرور التي مضت .. ومن لي بما أنفقت في السجن من عمري.

ويضم الكتاب ستمائة صفة في أربعة مجلدات وضمت تراجم ما يقارب ألف شخص منهم الشعراء والمحدثون والمفسرون والأمراء والقضاة واللغويون والنحويون والأطباء وسماه الزركشي (معجم الشعراء) لاشتماله على عدد كبير منهم ومن قصائدهم ، ومن أهمية الكتاب كان القوصي لا يسمح بنسخه في حياته وإنما أوصى أن توضع النسخة على قبره لينسخها من يريد بعد وفاته طلبا للمثوبة.

واستهل المؤلف كتابه بذكر الملك العادل الأيوبي وأنه كان يتعصب لأبي الطيب المتنبي التعصب التام ويفضل شعره على شعر أبي تمام وأنه سمع من إنشاده في رثاء أبي الطيب بثغر دمياط بحضور ولديه السلطان الملك الكامل والسلطان الملك المعظم في شهور سنة تسع وستمائة : ما رأى الناس ثاني المتنبي .. أي ثان يرى لبكر الزمان .. هو في شعره تنبأ ولكن .. ظهرت معجزاته في المعاني.

ومن مؤلفاته الأخرى كتاب بغية الراجي ومنية الآمل في محاسن دولة السلطان الملك الكامل وكتاب تحف المحاضرة وظرف المذاكرة وكتاب الحلة الموشاة في أسباب النصرة على خوارزم شاه المصنف للملك الأشرف الأيوبي وكتاب الدر الثمين في شرح كلمة آمين المصنف للملك الكامل وكتاب الروض البهيج والعرف الأريج المخدوم به سيف الدين ابن قليج وكتاب الروض الناضر في محاسن دولة الملك الناصر وكتاب قلائد العقائل في ذكر ما ورد في الزلازل.

ذكره الزركلي في الأعلام فقال : ” إسماعيل بن حامد بن عبد الرحمن الأنصاري الخزرجي أبو المحامد شهاب الدين القوصي فاضل له إلمام بالفقه والأدب والحديث ، ولد بقوص وتوفي بدمشق وكان وكيل بيت المال فيها وإليه تنسب المدرسة القوصية بها ، له (تاج المعاجم) أربع مجلدات ذكر فيه من لقيه من المحدثين قال الأدفوي : فيه مواضع تحتاج إلى تحقيق   “.

وذكره حاجي خليفة في سلم الوصول إلى طبقات الفحول فقال : ” شهاب الدين أبو المحامد إسمعيل بن حامد بن عبد الرحمن الأنصاري الخَزْرَجي الشافعي المعروف بالشهاب القُوصي المتوفى بدمشق في ربيع الأول سنة ثلاث وخمسين وستمائة عن تسع وسبعين سنة.

تفقه وسمع ودرس وحدث وخَرّج لنفسه (معجمًا) جمع فيه شعراء زمانه في أربع مجلدات ، وكان بصيرًا بالفقه أديبًا أخباريًا روى عنه الدمياطي وغيره ووقف دار الحديث بدمشق ، وكان فصيحًا مفوهًا لكن في معجمه” غلط كثير كذا في حسن المحاضرة وعقود الجُمَان للزركشي “.

وترجم له الإدفوي في كتابه الطالع السعيد فقال : ” إسماعيل بن حامد شهاب الدّين القوصىّ ..  إسماعيل بن حامد بن عبد الرّحمن بن المرجّى بن المؤمّل بن محمد بن علىّ بن إبراهيم ابن يعيش بن سعيد بن سعد بن عبادة الأنصارىّ الخزرجىّ القوصىّ الشافعىّ الوكيل المنعوت شهاب الدّين وكنيته أبو الطّاهر وأبو العرب وأبو المحامد وأبو الفداء، نزيل دمشق.

سمع من أبى الطّاهر الخشوعىّ وأبى محمد القاسم بن علىّ الشافعىّ الحافظ وأبى عبد الله محمد بن محمد الأصبهانىّ الكاتب وأبى الفضل محمد بن الحسين بن الخصيب وأبى حفص عمر بن محمد بن طبرزد وأبى علىّ بن عبد الله بن الفرج وأبى اليمن زيد بن الحسن الكندىّ وعبد الصمد بن محمد الحرستانىّ وأبى الفتوح محمد ابن محمد البكرىّ وآخرين.

وكتب عنه جماعة كثيرة من أهل العلم والأدب وجمع لنفسه معجما يشتمل على أربع مجلّدات سمّاه (تاج المعاجم) وذكر فيه من لقيه من المحدّثين وتكلّم عليه وفيه مواضع تحتاج إلى تحقيق ، وتصدّر بجامع دمشق يفتى ويدرس سنين وتولّى وكالة بيت المال بدمشق وكان فاضلا وحدّث كذا ترجمه الشّريف عزّ الدّين وغيره.

وذكره الحافظ عبد المؤمن الدّمياطىّ وذكر أنّ معجمه مشحون بكثرة الوهم والغلط قال : ووقف داره على طلبة الحديث ، قال الشّيخ شرف الدّين : وكنت ساكنا بها ومدرّسا بها حين كنت بدمشق ، ولد بقوص فى المحرّم سنة أربع وسبعين وخمسمائة وتوفّى بدمشق ليلة الاثنين السابع عشر من ربيع الأوّل سنة ثلاث وخمسين وستّمائة.

سمع الحديث منه الشّيخ شرف الدّين الدّمياطىّ وروى عنه الحافظ اليغمورىّ شعرا رواه عن سليمان بن نجاح القوصىّ ، وفيما رأيت من وفيات الشّريف أنّه مات فى السابع عشر “.

وكتب عنه الصفدي في الوافي بالوفيات فقال : ” شهَاب الدّين القوصي .. إِسْمَاعِيل بن حَامِد بن عبد الرَّحْمَن بن المُرَجَّى بن المؤمَّل بن مُحَمَّد بن عَليّ بن إِبْرَاهِيم بن يعِيش الْفَقِيه شهَاب الدّين أَبُو المحامد وَأَبُو الطَّاهِر وَأَبُو الْعَرَب الْأنْصَارِيّ الخزرجي القوصي الشَّافِعِي وَكيل بَيت المَال بِالشَّام ولد سنة أَربع وَسبعين وَتُوفِّي سنة ثَلَاث وَخمسين وسِتمِائَة قدم الْقَاهِرَة وَقدم الشَّام وَسمع من جمَاعَة وَخرج لنَفسِهِ معجماً هائلاً فِي أَربع مجلدات ضخمة وَفِيه غلط كثير وأوهام وعجائب صنفه وَهُوَ فِي سجن بعلبك فِي القلعة لِأَن الصَّالح إِسْمَاعِيل غضب عَلَيْهِ وسجنه.

وصنف بغية الراجي ومنية الآمل فِي محَاسِن دولة السُّلْطَان الْملك الْكَامِل وَله أَيْضا الدّرّ الثمين فِي شرح كلمة آمين صنفه للكامل وَله قلائد العقائل فِي ذكر مَا ورد فِي الزلازل ، وَكَانَ فَاضلا أديباً مدرساً أخبارياً حفظَة للأشعار فصيحاً مفوهاً اتَّصل بالصاحب صفي الدّين ابْن شكر وسيره رَسُولا عَن الْعَادِل وَولي وكَالَة بَيت المَال وَتقدم عِنْد الْمُلُوك وَكَانَ يلازم الطيلسان المحنك ومدحه جمَاعَة وَأخذُوا جوائزه.

وَكَانَت فِيهِ دعابة وَله تندير كثير من ذَلِك مَا حدث بِهِ الشَّيْخ رشيد الدّين الرقي قَالَ كنت يَوْمًا عِنْد الشَّيْخ شهَاب الدّين القوصي على بَاب دَاره بدرب ابْن صصري وَشرف الدّين وَابْن صصرى يحدث شَابًّا مليحاً اسْمه سُلَيْمَان فَجعل ابْن صصرى يمازحه ويطيل حَدِيثه فَقَالَ لَهُ القوصي يَا شرف الدّين أَنْت تروم الْملك فَقَالَ معَاذ الله قَالَ فَمَا لي أَرَاك تحوم حول خَاتم سُلَيْمَان فَخَجِلَ.

وَقَالَ لَهُ يَوْمًا الصاحب جمال الدّين ابْن مطروح يَا شيخ شهَاب الدّين أَنْت عندنَا مثل الْوَالِد فَقَالَ لَا جرم أَنِّي مطروح وَقَالَ لَهُ بعض الرؤساء يَوْمًا أَنْت عندنَا مثل الْأَب وشدد الْبَاء فَقَالَ لَا جرم أَنكُمْ تأكلونني وَفِي مُعْجَمه قَالَ بعض شعراء عصره من البسيطٍ : كم مُعجم طالعَتْهُ مُقلتي فَبَدَا .. للحظِها مِنْهُ فضلٌ غيرُ منقوصِ .. فَمَا سمعتُ وَلَا عاينتُ فِي زمني .. أتمَّ فِي فَضله من مُعْجم القوصي “.

42 / تحرير التحبير

من أهم كتب البلاغة والنقد الأدبي في القرن السابع الهجري كتاب (تحرير التحبير في صناعة الشعر والنثر وبيان إعجاز القرآن) والذي كتبه الأديب والشاعر عبد العظيم بن عبد الواحد بن ظافر بن عبد الله العدواني المعروف بلقب ابن أبي الإصبع المصري ، ولد في مصر عام 585 هـ / 1189 م وتوفي فيها عام 656 هـ / 1256 م حيث قضى حياته كلها معتزلا ومتفرغا للكتابة والتأليف ، وهذا الكتاب يقارب ستمائة صفحة جمع فيها كل أبواب البلاغة والنقد المعروفة عند من سبقه وأضاف لها أبوابا جديدة من أبحاثه.

ذكره الحافظ شمس الدين الذهبي في كتابه (تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام) وذلك  في وفيات سنة 654 هـ فقال : ” عبد العظيم بن عبد الواحد بن ظافر بن عبد الله بن محمد ، الأديب أبو محمد بن أبي الإصْبَع العدْوانيّ المصريّ ، الشّاعر المشهور الإمام في الأدب له تصانيف حسنة في الأدب وشِعر رائق وعاش نيِّفاً وستّين سنة ، وتوفّي بمصر في الثّالث والعشرين من شوّال “.

ومن مؤلفاته المعروفة ديوانه الشعري وكتاب (بديع القرآن) وهو مختصر عن كتاب التحبير يختص بالألوان البديعية في آيات القرآن الكريم ، وكتاب (الخواطر السوانح في أسرار الفواتح) في الأسرار البلاغية والبيانية لألفاظ القرآن ومعانيه ، وكتاب (الأمثال) الذي جمع فيه أمثال القرآن وما ورد في قصائد الشعراء ودواوين الأدباء وما جرى على ألسنة الناس ، وكتاب (صحاح المدائح) ويضم قصائد في مدح النبي صلى الله عليه وسلم ، وكتاب (الكاملة في تأويل تلك عشرة كاملة) في التفسير ، وكتاب (الميزان في الترجيح بين كلام قدامة وخصومه) في النقد الأدبي ، وكتاب (المختارات الفائقة من الأشعار الرائقة) ويضم مختاراته من الشعر ويقع في خمسمائة صفحة.

وفي مقدمة كتابه الجليل (تحرير التحبير) يستعرض كتابات كل من سبقه من المؤلفين في هذا المجال ثم يعرض منهجه في تناول ذلك فيقول : ” ولما أمرني من لا محيد لي عن أمره ولا محيص عن رسمه سيد الفضلاء وقدوة البلغاء وملجأ الأدباء ومحط رحال الغرباء وإمام الكرماء ، القاضي الأجل الفاضل شرف الدين أبي الحسن بن القاضي الأجل الفقيه الإمام الورع العدل الرضي جلال الدين المكرم أبي الحسن موسى بن الحسن بن سناء الملك : (كامل) نسب كأن عليه من شمس الضحى .. نوراً ومن فلق الصباح عموداً.

أمتعه الله بفضائله كما أمتع الفضلاء بفواضله ورحم سلفه كما رحم به من عرفه بجمع ما في كتب الناس من ذلك على سبيل الاختصار من الشواهد وتجنب الإطالة بذكر كل الاشتقاق إلا إيضاح مشكل أو كشف غامض أو زيادة بسط في الكلام على أنه من كتاب الله تعالى أو في بيت قد أهمل تقصي الكلام عليه ، بادرت إلى امتثال أمره واستخرت الله سبحانه وتعالى حالة الشروع في مرسومه وسألته الإعانة على بلوغ غرضه والهداية إلى ما يترجح عنده.

ولما أخذت في ذلك عن لي استنباط أبواب تزيد بها الفوائد ويكثر بها الإمتاع نسجاً على منوال من تقدمني واتباعاً لسنة من سبقني ، ففتح علي من ذلك بثلاثين باباً سليمة من التداخل والتوارد لم أسبق في غلبة ظني إلى شيء منها اللهم إلا أن يوجد في زوايا الكتب التي لم أقف على شيء مما اخترعته فأكون أنا ومن سبقني إليه متواردين عليه وما أظن ذلك والله أعلم.

ولما انتهى استخراجي إلى هذا العدد أمسكت عن الفكر في ذلك ليكون ما أتيت به وفق عدد الأصول من هذا الشأن وهذا أوان سياقة أبوابي التي استنبطتها وضروبي التي استخرجتها وهي : التخيير ، والتدبيج ، والتمزيج والاستقصاء ، والبسط ، والهجاء في معرض المدح ، والعنوان ، والإيضاح والفرائد ، والحيدة والانتقال ، والشماتة ، والتهكم ، والتندير ، والإسجال بعد المغالطة ، والإلغاز والتعمية، والتصرف ، والنزاهة ، والتسليم ، والافتنان ، والمراجعة ، والسلب والإيجاب ، والإبهام ، والقول بالموجب ، وحصر الجزئي وإلحاقه بالكلي ، والمقارنة ، والمناقضة ، والانفصال ، والإبداع ، وحسن الخاتمة.

وألحقت ذلك بما تقدم من الأبواب فصارت عدة أبواب هذا الكتاب مائة باب وثلاثة وعشرين باباً سوى إذا انشعب من أبواب الائتلاف من الجناس والطباق والتصدير ، ووسمته بتحرير التحبير ، وبعض هذه الأبواب وهو الأقل يخص الشعر وباقيها وهو الأكثر يعم الشعر والنثر ، يعلم ذلك من تبحر في هذا الكتاب ، فالذي يخص الموزون منها ثلاثة وعشرون باباً مراعاة لاشتراك القرآن العزيز مع النثر ودخوله في بابه.

ولانفراد الموزون عن المنثور من كلام المخلوقين فثلاثة عشر باباً لا غير والله أعلم وهي : المواربة براء مهملة ، والتسميط ، والتجزئة ، والتسجيع ، والترصيع ، والتصريع ، والتشطير ، والتطريز ، والعكس ، والإغراق ، والغلو ، والاستدراك ، والاطراد ، والتفريع والإيداع ، والاستعانة ، والموازنة ، والمشاكلة ، والمواردة من الفروع ، ومن الأصول الهزل الذي يراد به الجد ، وائتلاف اللفظ مع الوزن ، وائتلاف المعنى مع الوزن.

وباقي الأبواب وهي مائة باب تعم الموزون والمنثور ، وتوجد في الكتاب العزيز إلا الأقل لمن دقق النظر في الاستنباط ، والله سبحانه وتعالى المسئول في حسن التوفيق إلى التحقيق لنهتدي إلى سبيل الرشد ونهج الصواب وسعادة يرزق بها هذا التأليف حسن القبول من ذوي الألباب إنه الكريم الوهاب ، وهذا حين الشروع في تفصيل جملة الأبواب “.

وقد ذكره ابن فضل الله في كتابه مسالك الأبصار ووصفه بالأوصاف الجليلة وذلك تحت عنوان (أرباب المعاني والبيان) فقال : ” وأما مصر فلم يقع إلينا من أهلها إلّا واحد ، ولكنه أيّ واحد ! واحد كالألف إن أقرعنا ، وهو الزكي عبد العظيم بن عبد الواحد بن ظافر بن عبد الله بن محمد بن جعفر بن الحسن بن محمد العدواني المصري ، عرف بابن الإصبع.

جدّ حتى انقاد له الحظّ وسهر حتى رقّ عليه قلب الليل الفظّ ، طالما تمحّى ليل بإدراكه وتنحّى سهيل فوقع في أشراكه ، مرّ على قطائع الكواكب فساق قلائصها وسام في طرائد الليل قنائصها ، وكان بمصر وله مثل مقطعاتها ونضير مصبغات ربيعها ومصبغاتها ، قطع شعر هي السحر الحلال والبارد العذب لا ماء النيل الزلال.

وعليه تخرج جماعة المتأخرين من الأدباء ، وكان الأديب أبو الحسين الجزار يمتّ بحضوره لديه وعرض أوائل شعره عليه ، وله عمّ أي الحسين بسببه حكايات ليس هذا موضعها ، مولده سنة خمس وقيل سنة تسع وثمانين وخمسمئة بمصر وتوفي في الثالث والعشرين من شوال سنة أربع وعشرين وستمئة ، وله تصانيف مفيدة “.

وذكره الصفدي في الوافي بالوفيات فقال : ” الزكي ابن أبي الإصبع .. عبد العظيم بن عبد الواحد بن ظافر بن عبد الله بن محمد الأديب أبو محمد ابن أبي الإصبع العدواني المصري الشاعر المشهور الإمام في الأدب ؛ له تصانيف حسنة في الأدب وشعره رائق عاش نيفاً وستين سنة وتوفي بمصر في ثالث وعشرين شوال سنة أربع وخمسين وستمائة رحمه الله.

ومن شعره : تصدق بوصلٍ إن دمعي سائل .. وزود فؤادي نظرةً فهو راحل .. جعلتك بالتمييز نصباً لناظري .. فلم لا رفعت الهجر والهجر فاعل ، وقال : فديت التي إذ ودعتني أودعت .. من اللفظ سمعي ساعة البين جوهرا .. فلما التقينا رد دمعي لنحرها .. وديعتها فهي اللآلي التي ترى .. بكت ورنت نحوي فجرد لحظها .. من الجفن سيفاً بالدموع مجوهرا “.

وذكره اليونيني في كتابه ذيل مرآة الزمان في وفيات سنة 654 هـ فقال : ” عبد العظيم بن عبد الواحد بن ظافر بن عبد الله بن محمد بن جعفر بن حسن أبو محمد العدواني المصري المعروف بابن أبي الإصبع ، كان أحد الشعراء المجيدين وله تصانيف في الأدب حسنة مفيدة ومولدة سنة خمس وقيل سنة تسع وثمانين وخمسمائة بمصر وتوفي بها في الثالث والعشرين من شوال ودفن من يومه.

ومن شعره : ليطف لهيب القلب وليذهب السقم .. فقد أنعمت بالوصل بعد الجفا نعم .. أشكى ظلمها قلبي فجادت بنظمها .. على ظمأ فاستعذب الظُلم والظَلم .. وقالت أرسلي حين بثوا صبابتي .. إليكم فعندي من صبابته علم .. أيا نعم إن شئت انعمي أو فعذبي .. فعرم الهوى عند المحب هو النعم.

وله : وساق إذا ما ضحك الكأس قابلت .. فواقعها من ثغره اللؤلؤ الرطبا .. خشيت وقد أمسى نديمي على الدجى .. فأسدلت دون الصبح من شعره حجبا .. وقسمت شمر الطاس في الكأس انجما .. ويا طول ليل قسمت شمسه شهبا .. تبسم لما أن بكيت من الهجر .. فقلت ترى دمعي فقال ترى ثغري .. فديتك لما أن بكيت تنظمت .. بفيك لآلئ الدمع عقد من الدر .. فلا تدعي يا شاعر الثغر صنعة .. فكاتب دمعي قال ذا النظم من نثري.

وله يمدح الملك الأشرف رحمه الله تعالى : أيا عبلة ألا لحاظك عنتر وما لي على غاراته في الحشا صبر .. نعم أنت ياخنساء خنساء عصرنا وشاهد قولي أن قلبك لي صخر .. غاية قصدي بطن يمناك غاية بها أندى المجدى ينبت التبر  .. أغضت الحيا والبحر جودا فقد بكى الحياء حياءً منك والنظم والبحر .. عيون معانيها صحاح وأعين الملاح مراض في لواحظها كسر .. أضاعت عقولا حين ضاعت فما درى أبابل أهدتها إليك أم السحر.

وله : إذا الوهم أبدى لي لماها وثغرها .. تذكرت ما بين العذيب وبارق .. وتذكرني من أدمعي وقوامها … تجر عوالينا وتجر السواق ، وله يهجو : ولما رأيتك عند المديح .. جهم المحيا لنا تنظر .. تيقنت نحلك لي بالندا .. لأن الجهامة لا تمطر ، وله في قيّم حمّام : وقيّم كلمت جسمي أنامله .. بغير السنة تكليم خرصان .. إن أمسك اليد مني كاد يخلعها أو سرح الشعر عند الغسل أدماني .. فليس يمسك إمساكا بمعرفة .. ولا يسرح تسريحا بإحسان.

وله : تصدق بوصل إن دمعي سائل .. وزود فؤادي نظرة فهو راحل .. فخدك موجود به التبر والغنى .. وحسنك معدوم لديه الشمائل .. أيا قمراً من شمس وجنته لنا .. وظل عذاريه الضحى والأصائل .. تنقلت من طرف القلب مع النوى .. وهاتيك للبدر التمام منازل .. إذا ذكرت عيناك للصب درونها .. من السحر قامت بالدليل الدلائل .. جعلتك بالتمييز نصباً لناظري .. فهلا رفعت الهجر والهجر فاعل .. ولما أضفت السحر للجفن حسنت .. به الكسر منه غنج الجفون العوامل .. أعاذل قد أبطرت حبي وحسنه .. فإن لمتني فيه فما أنت عاقل .. محياه قنديل لديجور شعره .. تعلقه بالصدغ منها سلاسل .. غدا القد منه غصناً تعطفه الصبا .. ولا غرو إن هاجت عليه البلابل “.

43 / الترغيب والترهيب

(الترغيب والترهيب) هو أشهر كتاب بمصر في الوعظ الديني بداية من العصر الأيوبي وحتى يومنا هذا حيث لا يزال من الكتب المفضلة عند الشيوخ والأئمة وعلماء الأزهر وطوائف الإسلاميين بسبب وضوح كلماته وبساطة أسلوبه واقتصاره على الأحاديث النبوية الشريفة ، وهو من تصنيف العالم والمحدث والفقيه الشافعي الإمام زكي الدين المنذري الذي ولد في مصر عام 581 هـ / 1185 م وتوفي في دار الحديث الكاملية بالقاهرة عام 656 هـ / 1258 م ودفن بالقرافة.  

وينقسم الكتاب إلى أربعة أجزاء حيث يتناول الجزء الأول منها الإخلاص والعلم والصلاة والصدقات ويتناول الجزء الثاني الصوم والحج وقراءة القرآن والذكر والجهاد ويتناول الجزء الثالث الأدب والحياء والبر وصلة الرحم  والقضاء والإمارة والزواج والطعام والملابس  والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وأما الجزء الرابع فهو الأهم ويشمل التوبة والزهد والموت والجنائز والبعث وأهوال القيامة والحساب والميزان والصراط والجنة والنار حيث جمع فيه أهم ما ورد فيها من الأحاديث النبوية الصحيحة.     

والحافظ المنذري أشهر من نار على علم وهو إمام القرن السابع الهجري في مصر بلا منازع ، ذكره ابن شاكر الكتبي في كتابه فوات الوفيات فقال : ” الحافظ زكي الدين المنذري .. عبد العظيم بن عبد القوي بن عبد الله بن سلامة بن سعيد الحافظ الإمام زكي الدين أبو محمد المنذري المصري الشافعي ؛ ولد سنة إحدى وثمانين وخمسمائة غرة شعبان بمصر، وتوفي سنة ست وخمسين وستمائة.

قرأ القرآن على الأرتاحي وتفقه على أبي القاسم عبد الرحمن بن محمد القرشي وتأدب على أبي الحسين ابن يحيى النحوي وسمع من عبد المجيد ابن زهير وإبراهيم بن البتيت ومحمد بن سعيد المأموني والمطهر ابن أبي بكر البيهقي والحافظ ربيعة اليمني وأبي الجود غياث ابن فارس والحافظ ابن المفضل وبه تخرج وهو شيخه ؛ وبمكة من يونس الهاشمي وأبي عبد الله بن البناء وخرج لنفسه معجماً كبيراً مفيداً.

روى عنه الدمياطي وأبو الحسين اليونيني وإسماعيل ابن عساكر وعلم الدين الدواداري وتقي الدين ابن دقيق العيد وخلق كثير ؛ ودرس بالجامع الظافري بالقاهرة مدة ثم ولي مشيخة دار الحديث الكاملية وانقطع بها نحواً من عشرين سنة رحمه الله تعالى “.

وذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء فقال : ” الإمام العلامة الحافظ المحقق شيخ الإسلام زكي الدين أبو محمد عبد العظيم بن عبد القوي بن عبد الله بن سلامة بن سعد المنذري الشامي الأصل المصري الشافعي  ، ولد في غرة شعبان سنة إحدى وثمانين وخمسمائة .

وسمع من أبي عبد الله محمد بن حمد الأرتاحي وهو أول شيخ لقيه وذلك في سنة إحدى وتسعين ، ومن عمر بن طبرزذ وهو أعلى شيخ له ، ومن أبي الجود غياث المقرئ ، وست الكتبة بنت علي بن الطراح ، ومن يونس بن يحيى الهاشمي لقيه بمكة ، وجعفر بن محمد بن آموسان أملى عليه بالمدينة ، وعلي بن المفضل الحافظ ولازمه مدة وبه تخرج ، وعبد المجيب بن زهير الحربي ، وإبراهيم بن البتيت ، وأبي روح البيهقي ، وأبي عبد الله بن البناء الصوفي ، وعلي بن أبي الكرم بن البناء الخلال ، وأبي المعالي محمد بن الزنف وأبي اليمن زيد بن الحسن الكندي ، وأبي الفتوح بن الجلاجلي ، وأبي المعالي أسعد بن المنجى مصنف (الخلاصة) وأحمد بن محمد بن سيدهم الأنصاري ، وأحمد بن عبد الله السلمي العطار ، والشيخ أبي عمر بن قدامة ، وداود بن ملاعب ، وأبي نزار ربيعة بن الحسن الحضرمي ، والإمام موفق الدين بن قدامة ، وأبي محمد عبد الله بن عبد الجبار العثماني ، وموسى بن عبد القادر الجيلي ، والعلامة أبي محمد عبد الله بن نجم بن شاس المالكي ، والقاضي أبي محمد عبد الله بن محمد بن عبد الله بن مجلي وعبد الجليل بن مندويه الأصبهاني ، والواعظ علي بن إبراهيم بن نجا الأنصاري سمعه يعظ ، ونجيب بن بشارة السعدي سمع منه كتاب (العنوان) وعبد العزيز بن باقا ، ومحمد بن عماد ، وأبي المحاسن بن شداد ، وأبي طالب بن حديد ، وخلق كثير لقيهم بالحرمين ومصر والشام والجزيرة .

وعمل المعجم في مجلد والموافقات في مجلد ، واختصر صحيح مسلم و سنن أبي داود وتكلم على رجاله وعزاه إلى الصحيحين أو أحدهما أو لينه ، وصنف شرحا كبيرا للتنبيه في الفقه وصنف الأربعين وغير ذلك .

وقرأ القراءات على أبي الثناء حامد بن أحمد الأرتاجي ، وتفقه على الإمام أبي القاسم عبد الرحمن بن محمد القرشي الشافعي ، وأخذ العربية عن أبي الحسين يحيى بن عبد الله الأنصاري  ، قال الحافظ عز الدين الحسيني درس شيخنا بالجامع الظافري ثم ولي مشيخة الدار الكاملية وانقطع بها عاكفا على العلم ، وكان عديم النظير في علم الحديث على اختلاف فنونه ثبتا حجة ورعا متحريا ، قرأت عليه قطعة حسنة من حديثه وانتفعت به كثيرا .

قلت : حدث عنه أبو الحسين اليونيني ، وأبو محمد الدمياطي ، والشرف الميدومي ، والتقي عبيد ، والشيخ محمد القزاز ، والفخر بن عساكر ، وعلم الدين الدواداري ، وقاضي القضاة ابن دقيق العيد ، وعبد القادر بن محمد الصعبي ، وإسحاق بن إبراهيم الوزيري ، والحسين بن أسد بن الأثير ، وعلي بن إسماعيل بن قريش المخزومي ، والعماد بن الجرائدي ، وأبو العباس بن الدفوفي ، ويوسف بن عمر الختني ، وخلق سواهم ، ودرس بالجامع الظافري مدة قبل مشيخة الكاملية وكان يقول : إنه سمع من الحافظ عبد الغني ، ولم نظفر بذلك ، وأجاز له مروياته.

وكان متين الديانة ذا نسك وورع وسمت وجلالة  ، قال شيخنا الدمياطي : هو شيخي ومخرجي أتيته مبتدئا وفارقته معيدا له في الحديث  ، ثم قال : توفي في رابع ذي القعدة سنة ست وخمسين وستمائة ورثاه غير واحد بقصائد حسنة  ، وقال الشريف عز الدين أيضا : كان شيخنا زكي الدين عالما بصحيح الحديث وسقيمه ومعلوله وطرقه متبحرا في معرفة أحكامه ومعانيه ومشكله قيما بمعرفة غريبه وإعرابه واختلاف ألفاظه إماما حجة “.

وترجم له تاج الدين السبكي في طبقات الشافعية فقال : ” عبد الْعَظِيم بن عبد الْقوي بن عبد الله بن سَلامَة ابْن سعد الْمُنْذِرِيّ الْحَافِظ الْكَبِير الْوَرع الزَّاهِد زكي الدّين أَبُو مُحَمَّد الْمصْرِيّ ، ولي الله والمحدث عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم والفقيه على مَذْهَب ابْن عَم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ترتجى الرَّحْمَة بِذكرِهِ وَيُسْتَنْزَلُ رضَا الرَّحْمَن بدعائه.

كَانَ رَحمَه الله قد أُوتِيَ بالمكيال الأوفى من الْوَرع وَالتَّقوى والنصيب الوافر من الْفِقْه وَأما الحَدِيث فَلَا مراء فِي أَنه كَانَ أحفظ أهل زَمَانه وَفَارِس أقرانه لَهُ الْقدَم الراسخ فِي معرفَة صَحِيح الحَدِيث من سقيمه وَحفظ أَسمَاء الرِّجَال حفظ مفرط الذكاء عظيمه والخبرة بأحكامه والدراية بغريبه وَإِعْرَابه وَاخْتِلَاف كَلَامه.

ولد فِي غرَّة شعْبَان سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة ، تفقه على الإِمَام أبي الْقَاسِم عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد الْقرشِي بن الْوراق ، وَسمع من أبي عبد الله الأرتاحي وَعبد الْمُجيب بن زُهَيْر وَمُحَمّد بن سعيد المأموني والمطهر بن أبي بكر الْبَيْهَقِيّ وَرَبِيعَة اليمني الْحَافِظ والحافظ الْكَبِير عَليّ بن الْمفضل الْمَقْدِسِي وَبِه تخرج وَسمع بِمَكَّة من أبي عبد الله بن الْبناء وطبقته وبدمشق من عمر بن طبرزد وَمُحَمّد بن وهب بن الزنف وَالْخضر بن كَامِل وَأبي الْيمن الْكِنْدِيّ وَخلق وَسمع بحران والرها والإسكندرية وَغَيرهَا.

وتفقه وصنف شرحا على التَّنْبِيه وَله مُخْتَصر سنَن أبي دَاوُد وحواشيه كتاب مُفِيد ومختصر صَحِيح مُسلم وَخرج لنَفسِهِ معجما كَبِيرا مُفِيدا وانتقى وَخرج كثيرا وَأفَاد النَّاس ، وَبِه تخرج الْحَافِظ أَبُو مُحَمَّد الدمياطي وَإِمَام الْمُتَأَخِّرين تَقِيّ الدّين ابْن دَقِيق الْعِيد والشريف عز الدّين وَطَائِفَة وعمت عَلَيْهِم بركته وَقد سمعنَا الْكثير ببلبيس على أبي الطَّاهِر إِسْمَاعِيل بن أَحْمد بن إِسْمَاعِيل بن عَليّ بن سيف بإجازته مِنْهُ ، قَالَ الذَّهَبِيّ وَمَا كَانَ فِي زَمَانه أحفظ مِنْهُ ، قلت وَأما ورعه فأشهر من أَن يحْكى.

وَقد درس بِالآخِرَة فِي دَار الحَدِيث الكاملية وَكَانَ لَا يخرج مِنْهَا إِلَّا لصَلَاة الْجُمُعَة حَتَّى إِنَّه كَانَ لَهُ ولد نجيب مُحدث فَاضل توفاه الله تَعَالَى فِي حَيَاته ليضاعف لَهُ فِي حَسَنَاته فصلى عَلَيْهِ الشَّيْخ دَاخل الْمدرسَة وشيعه إِلَى بَابهَا ثمَّ دَمَعَتْ عَيناهُ وَقَالَ أودعتك يَا وَلَدي لله وفارقه ، سَمِعت أبي رَضِي الله عَنهُ يَحْكِي ذَلِك وسمعته أَيْضا يَحْكِي عَن الْحَافِظ الدمياطي أَن الشَّيْخ مرّة خرج من الْحمام وَقد أَخذ مِنْهُ حرهَا فَمَا أمكنه الْمَشْي فاستلقى على الطَّرِيق إِلَى جَانب حَانُوت فَقَالَ لَهُ الدمياطي يَا سَيِّدي أما أقعدك على مصطبة الْحَانُوت وَكَانَ الْحَانُوت مغلقا فَقَالَ فِي الْحَال وَهُوَ فِي تِلْكَ الشدَّة بِغَيْر إِذن صَاحبه كَيفَ يكون وَمَا رَضِي.

وَسمعت أبي رَضِي الله عَنهُ أَيْضا يَحْكِي أَن شيخ الْإِسْلَام عز الدّين بن عبد السَّلَام كَانَ يسمع الحَدِيث قَلِيلا بِدِمَشْق فَلَمَّا دخل الْقَاهِرَة بَطل ذَلِك وَصَارَ يحضر مجْلِس الشَّيْخ زكي الدّين وَيسمع عَلَيْهِ فِي جملَة من يسمع وَلَا يسمع وَأَن الشَّيْخ زكي الدّين أَيْضا ترك الْفتيا وَقَالَ حَيْثُ دخل الشَّيْخ عز الدّين لَا حَاجَة بِالنَّاسِ إِلَيّ ، وَمن شعره : اعْمَلْ لنَفسك صَالحا لَا تحتفل .. بِظُهُور قيل فِي الْأَنَام وَقَالَ .. فالخلق لَا يُرْجَى اجْتِمَاع قُلُوبهم .. لَا بُد من مثن عَلَيْك وَقَالَ.

توفّي فِي الرَّابِع من ذِي الْقعدَة سنة سِتّ وَخمسين وسِتمِائَة وَهِي السّنة الْمُصِيبَة بأعظم المصائب المحيطة بِمَا فعلت من المعائب المقتحمة أعظم الجرائم الواثبة على أقبح العظائم الفاعلة بِالْمُسْلِمين كل قَبِيح وعار النَّازِلَة عَلَيْهِم بالكفار المسمين بالتتار “.

44 / ديوان البهاء زهير

هو أبو الفضل بهاء الدين زهير بن محمد بن علي بن يحيى بن الحسن المهلبي العتكي الأزدي (والمهلبي نسبة إلى جده الأعلى المهلب بن أبي صفرة) ، ولد في مكة المكرمة عام 1186 م. وتوفي بالقاهرة عام 1258 م. ، نزحت أسرته من الحجاز إلى صعيد مصر وسكنت في مدينة قوص (عاصمة الصعيد آنذاك) وكان والده من المتصوفة من أهل الصلاح والتقوى.

تعلم وظهر نبوغه مبكرا في الشعر والكتابة واتصل بحاكم قوص الأمير مجد الدين إسماعيل بن اللمطي حتى ذاع صيته فانتقل إلى القاهرة واتصل بالأمير نجم الدين أيوب بن الملك الكامل سلطان مصر ، ودامت صحبته للأمير زمنا طويلا وسافر معه إلى بلاد الشام وشهد معه كل التقلبات التي عاصرها والمحن التي واجهها وظل وفيا له باقيا على العهد.

فلما تولى الملك الصالح مقاليد السلطنة عين البهاء زهير في وظيفة كاتب الإنشاء وهي بمقام رئيس الديوان حيث يتولى الإشراف على كافة مكاتبات ومراسيم السلطنة ، وأجمع المترجمون له على أنه كان ذا مروءةٍ ولُطفٍ ومكارم أخلاقٍ وقد كان متمكنًا من صاحبه الملك الصالح ولا يتوسَّط عنده إلَّا بالخير ونَفَع خلْقًا كثيرًا وبلغ من الرِّفعة ما لم يبلغه غيره.

وقد جمع البهاء زهير بين الشعر والنثر وبلغ فيهما حد البلاغة وحسن التعبير حيث كان شعره متعدد الموضوعات قريبا من مشكلات الحياة ومتاعبها معبرا عن الواقع خاصة في ما يتعلق بالحب والعشق فلم يقلد من سبقه وإنما تناول ما يحيط بالمحبين من عتاب ولوم وما يفعله الحب في القلوب من نزوع نحو الكمال كما تأثر شعره بالموشحات الأندلسية.

وقد عرف بالمبالغة في أوصاف المحبوبة والتوسل إليها مثل قوله : سأشكر حبّا زان فيك عبادتى .. وإن كان فيه ذلّة وخضوع .. أصلّى وعندى للصّبابة رقّة .. فكلّ صلاتى فى هواك خشوع ، ومنها قوله :  قصّروا مدة الجفا .. طوّل الله عمركم .. شرّفونى بزورة .. شرّف الله قدركم .. قد صبرتم وليتنى .. كنت أعطيت صبركم .. لو رأيتم محلّكم .. من فؤادى لسرّكم .. لو وصلتم محبّكم .. ما الذى كان ضرّكم.

وتعد أشعاره خطوة على طريق ظهور الشعر العامي الدارج وما فيه من لطف وفكاهة مثل قوله : تعيش أنت وتبقى .. أنا الذى مت عشقا .. حاشاك يا نور عينى .. تلقى الذى أنا ألقى .. ولم أجد بين موتى .. وبين هجرك فرقا .. يا أنعم الناس بالا .. إلى متى فيك أشقى .. لم يبق منى إلاّ .. بقية ليس تبقى .. قد كان ما كان منى .. والله خير وأبقى.

ويتناول معاني مختلفة في الهجر والشوق فيقول : من اليوم تعارفنا ونطوى ما جرى منّا .. ولا كان ولا صار ولا قلتم ولا قلنا .. وإن كان ولا بدّ من العتب فبالحسنى .. فقد قيل لنا عنكم كما قيل لكم عنّا .. وما أحسن أن نرج‍ع للوصل كما كنّا ، وله في الغزل الصريح : وها أنذا كالطّيف فيها صبابة .. لعلى إذا نامت بليل أزورها .. من الغيد لم توقد مع الليل نارها .. ولكنها بين الضلوع تشيرها.

أما في النثر فقد كان تقليديا على عادة الكتاب وقتها ، ومن أشهر ما كتب الرد على رسالة التهديد التي أرسلها لويس التاسع باللغة العربية بعد احتلال دمياط وهدد فيها الملك الصالح وتوعده بعظائم الأمور وكان الرجل مريضا في المنصورة فبكى واسترجع وناول الرسالة إلى البهاء زهير الذي رد عليها ردا قويا جاء فيه  :

” أما بعدُ فإنه وصل كتابُك وأنت تهدِّد فيه بكثرة جيوشك وعدد أبطالك ونحن أرباب السيوف وما قُتِلَ مِنَّا قِرْنٌ إلَّا جَدَّدناه ولا بَغَى علينا باغٍ إلا دَمَّرناه فلو رأتْ عينُك أيها المغرورُ حدَّ سيوفنا وعِظَم حُروبنا وفَتْحنَا مِنْكُم الحصونَ والسواحلَ وتخريبَنا ديار الأواخر منكم والأوائل لكان لك أن تَعَضَّ على أناملك بالندَم ولا بدَّ أن تَزِلَّ بك القدم في يوم أوَّلُه لنا وآخره عليك فهنالك تسيء بك الظنون وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ.

فإذا قرأت كتابي هذا فكن فيه على أول سورة النحل (أتى أمر الله فلا تستعجلوه) وكن على آخر على سورة ص (ولتعلمنَّ نبأه بعد حين) ونعود إلى قول الله تعالى وهو أصدق القائلين (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين) وإلى قول الحكماء إن الباغي له مصرع وبغيك يصرعك وإلى البلاء يقلبك والسلام “.

وقد ترجم له ابن خلكان في وفيات الأعيان وذكر الصحبة بينهما فقال : ” بهاء الدين زهير .. أبو الفضل زهير بن محمد بن علي بن يحيى بن الحسن بن جعفر بن منصور بن عاصم المهلبي العتكي الملقب بهاء الدين الكاتب ؛ من فضلاء عصره واحسنهم نظماً ونثراً وخطاً ومن أكبرهم مروءة ، كان قد اتصل بخدمة السلطان الملك الصالح أبي الفتح أيوب ابن السلطان الملك الكامل بالديار المصرية وتوجه في خدمته إلى البلاد الشرقية وأقام بها إلى أن ملك الملك الصالح مدينة دمشق فانتقل إليها في خدمته.

وأقام كذلك إلى أن جرت الكائنة المشهورة على الملك الصالح وخرجت عنه دمشق وخانه عسكره وهو على نابلس وتفرق عنه وقبض عليه الملك الناصر صاحب الكرك واعتقله بقلعة الكرك ، فأقام بهاء الدين زهير المذكور بنابلس محافظة لصاحبه ولم يتصل بخدمة غيره ولم يزل على ذلك حتى خرج الملك الصالح وملك الديار المصرية وقدم إليها في خدمته وذلك في أواخر ذي القعدة سنة سبع وثلاثين وستمائة.

وكنت يومئذ مقيماً بالقاهرة وأود لو اجتمعت به لما كنت أسمعه عنه فلما وصل اجتمعت به ورأيته فوق ما سمعت عنه من مكارم الأخلاق وكثرة الرياضة ودماثة السجايا ، وكان متمكناً من صاحبه كبير القدر عنده لا يطلع على سره الخفي غيره ومع هذا كله فإنه كان لا يتوسط عنده إلا بالخير ونفع خلقاً كثيراً بحسن وساطته وجميل سفارته ، وأنشدني كثيراً من شعره ..  وشعره كله لطيف وهو كما يقال : السهل الممتنع ، وأجازني رواية ديوانه وهو كثير الوجود بأيدي الناس فلا حاجة إلى الإكثار من ذكر مقاطيعه.

وأخبرني بهاء الدين أيضاً أن مولده في خامس ذي الحجة سنة إحدى وثمانين وخمسمائة بمكة حرسها الله تعالى وأخبرني مرة أخرى أنه ولد بوادي نخلة وهو بالقرب من مكة والله أعلم، وهو الذي أملى علي نسبه على هذه الصورة وسطرت هذا الفصل وهو في قيد الحياة منقطعاً في بيته بالقاهرة بعد موت مخدومه طيب الله قلبه وأجراه على أجمل عاداته ، وأخبرني أن نسبته إلى المهلب بن أبي صفرة.

ثم حصل بالقاهرة ومصر مرض عظيم لم يكد يسلم منه أحد وكان حدوثه يوم الخميس الرابع والعشرين من شوال سنة ست وخمسين وستمائة وكان بهاء الدين المذكورة ممن مسه منه ألم فأقام أياماً ثم توفي قبيل المغرب يوم الأحد رابع ذي القعدة من السنة المذكورة ودفن من الغد بعد صلاة الظهر بالقرافة الصغرى بتربته بالقرب من قبة الإمام الشافعي رضي الله عنه في جهتها القبلية ، ولم يتفق لي الصلاة عليه لاشتغالي بالمرض رحمه الله تعالى ، ولما أبللت من المرض مضيت إلى تربيته وزرته وقرأت عنده شيئاً من القرآن وترحمت عله لمودة كانت بيننا “.

ويحكي اليونيني في كتابه ذيل مرآة الزمان عن سبب فتور العلاقة بعد ذلك بين البهاء زهير والملك الصالح نجم الدين أيوب والتي انتهت بعزله من ديوان الإنشاء فيقول : ” فلما خرج الملك الصالح من الأعتقال وسار إلى الديار المصرية كان بهاء الدين المذكور في صحبته وأقام عنده في أعلى المنازل وأجل المراتب هو المشار إليه في كتاب الدرج والمتقدم عليهم وأكثرهم اختصاصاً بالملك الصالح واجتماعاً به.

وسيره رسولاً في سنة خمس وأربعين إلى الملك الصالح يوسف رحمه الله صاحب حلب يطلب منه إنقاذ الملك الصالح عماد الدين اسماعيل إليه فلم يجب الملك الناصر رحمه الله إلى ذلك وأنكر هذه الرسالة غاية الإنكار وأعظمها واستفضعها وقال كيف يسعني أن أسير عمه إليه وهو خال أبي وكبير البيت الأيوبي ليقتله وقد استجار بي والله هذا شيء لا أفعله أبداً ورجع بهاء الدين إلى الملك الصالح نجم الدين بهذا الجواب فعظم عليه وسكت على ما في نفسه من الحنق.

وقبل موت الملك الصالح نجم الدين بمدة يسيرة وهو نازل بالمنصورة تغير على بهاء الدين وأبعده لأمر لم يطلع على فحواه ، حكى لي أنه سبب تغيره عليه أنه كتب عن الملك الصالح كتابا إلى الملك الناصر داود فلما وقف عليه الملك الصالح كتب بخطه بين الأسطر أنت تعرف قلة عقل ابن عمي وهو يحب من يعظمه ويعطيه من يده فاكتب له ما يعجبه من ذلك وسير الكتاب إليه وهو مشغول فأعطاه لفخر الدين إبراهيم بن لقمان وأمر بختمه فختمه وجهزه ولم يتأمله وأعطاه للنجاب فسافر به لوقته.

ولما استبطأ الملك الصالح عود الكتاب إليه ليعلم عليه سأل عنه بهاء الدين وقال ما وقفت على ما كتبت بخطي بين الأسطر قال ومن يجسر أن يقف على ما كتبه السلطان بخط يده إلى ابن عمه وأخبره أنه سيره مع النجاب فسيروا في طلبه فلم يدركوه ووصل الكتاب إلى الملك الناصر بالكرك فعظم عليه وتألم له وكتب إلى الملك الصالح يعتبه العتب المؤلم ويقول له والله ما بي ما يصدر منك في حقي وإنما بي أطلاع كتابك على مثل ذلك فعز على الملك الصالح وغضب على بهاء الدين زهير.

وبهاء الدين لكثرة مرؤته نسب ذلك إلى نفسه ولمينسبه إلى فخر الدين إبراهيم بن لقمان رحمه الله تعالى ، وكان الملك الصالح كثير التخيل والغضب والمؤاخذة على الذنب الصغير والمعاتبة على الوهم لا يقيل عثرة ولا يقبل معذرة ولا يرعى سالف خدمة والسيئة عنده لا تغفر والتوسل إليه لا يقبل والشفائع لديه لا تؤثر .. وأما بهاء الدين زهير رحمه الله فاتصل بعد موت الملك الصالح بخدمة الملك الناصر صلاح الدين يوسف رحمه الله وله فيها مدايح حسنة يتضمنها ديوانه.

ثم فارقه ورجع إلى الديار المصرية ولزم بيته يبيع كتبه وموجوده وينفقه وانكشف حاله بالكلية ولما عرض بالبلاد الوباء العام عقيب أخذ التتر بغداد مرض أياماً ثم توفي إلى رحمة الله تعالى قبل المغرب من يوم الأحد رابع ذي القعدة وقيل خامسه هذه السنة عن خمس وسبعين سنة غير شهر واحد ودفن بالقرافة الصغرى ،  وفضيلته أشهر من أن تحتاج إلى الأطناب في ذكرها وأما مروئته وكرم طباعه وعصبيته لكل من يلوذ به ويقصده فذلك أمر مشهور “.

45 / ديوان ابن مطروح

بعد فشل الحملة الصليبية السابعة بمدة أشيع أن لويس التاسع ينوي تجهيز حملة جديدة فكتب الشاعر جمال الدين ابن مطروح قصيدة ساخرة يذكر الناس فيها بما حدث سابقا من أسر ملك فرنسا في المنصورة بدار قاضي الإنشاء فخر الدين إبراهيم بن لقمان وتحت حراسة الطواشي صبيح المعظمي ، ورغم المستوى الفني المتوسط للقصيدة إلا أنها ذاعت واشتهرت بين العامة والخاصة بسبب كلماتها البسيطة وتعبيراتها الدارجة ولهجة التحدي البادية فيها وما تحويه من فخر بالنصر وثقة في قوة مصر حيث يقول :

قل للفرنسيس إذا جئته .. مقال صدق عن قؤول فصيح .. آجرك الله على ما جرى .. من قتل عبّاد يسوع المسيح .. أتيت مصرا تبتغى ملكها .. تحسب أن الزّمر يا طبل ريح .. فساقك الحين إلى أدهم .. ضاق به عن ناظريك الفسيح .. وكلّ أصحابك أودعتهم .. بحسن تدبيرك بطن الضّريح .. تسعين ألفا لا ترى منهم .. إلا قتيلا أو أسيرا جريح .. وفّقك الله لأمثالها .. لعلّ عيسى منكم يستريح .. وقل لهم إن أضمروا عودة .. لأخذ ثار أو لقصد صحيح .. دار ابن لقمان على حالها .. والقيد باق والطّواشى صبيح.

ويعلّق ابن تغرى بردى على القصيدة بقوله : ” لله درّه ! فيما أجاب عن المسلمين مع اللطف والبلاغة وحسن التركيب ” ، وقال الصفدي في (الوافي في الوفيات) معلقاً على هذه القصيدة : ” واشتهرت هذه الأبيات وسارت بها الركبان خصوصاً البيت الأخير منها فلهذا قال بعض المغاربة لما قصد ريد افرنس تونس : يا فرنسيس هذه أخت مصر  .. فتيقن لما إليه تصير .. لك فيها دار ابن لقمان قبر  .. وطواشيك منكر ونكير ” ، وانتهت مغامرة لويس التاسع بالموت في تونس كما تنبأ له الشعراء !!

أما ديوانه الشعري فهو يضم مائة قصيدة تقريبا في مختلف الأغراض الشعرية ومنها قصيدة في مدح الملك الكامل يقول فيها : قدست من ملك عظيم الشان .. متتابع الحسنات والإحسان .. متوقد العزمات فياض الندى .. حدث عن النيران والطوفان ، ومنها في مدح الملك الناصر داود بن المعظم عيسى عندما استعاد القدس للمرة الثانية من الفرنجة عام 637 هـ فقال : المسجد الأقصى له عادة .. سارت فصارت مثلا سائرا .. إذا غدا للكفر مستوطنا .. أن يبعث الله له ناصرا .. فناصر طهره أولا .. وناصر طهره آخرا.

ولد ابن مطروح في أسيوط عام 592 هـ / 1195 م وتوفي في القاهرة عام 649 هـ / 1251 م ، وقد ترجم له ابن خلكان في وفيات الأعيان وذكر لقاءه به فقال : ” جمال الدين ابن مطروح ..أبو الحسن يحيى بن عيسى بن إبراهيم بن الحسين بن علي بن حمزة بن إبراهيم بن الحسين بن مطروح الملقب جمال الدين ، من أهل الصعيد بمصر ونشأ هناك وأقام بقوص مدة وتنقلت به الأحوال في الخدم والولايات ، ثم اتصل بخدمة السلطان الملك الصالح أبي الفتح أيوب الملقب نجم الدين ابن السلطان الملك الكامل ابن السلطان الملك العادل بن أيوب وكان إذ ذاك نائباً عن أبيه الملك الكامل بالديار المصرية.

ولما اتسعت مملكة الكامل بالبلاد المصرية بل بالبلاد الشرقية فصار له آمد وحصن كيفا وحران والرها والرقة ورأس عين وسروج وما انضم إلى ذلك ، سير إليها ولده الملك الصالح المذكور نائباً عنه وذلك في سنة تسع وعشرين وستمائة فكان ابن مطروح المذكور في خدمته ولم يزل يتنقل في تلك البلاد إلى أن وصل الملك الصالح إلى مصر مالكاً لها وكان دخوله القاهرة يوم الأحد السابع والعشرين من ذي القعدة سنة سبع وثلاثين وستمائة.

ثم وصل ابن مطروح بعد ذلك إلى الديار المصرية في أوائل سنة تسع وثلاثين وستمائة فرتبه ناظراً في الخزانة ، ولم يزل يقرب منه ويحظى عنده إلى أن ملك الملك الصالح دمشق في الدفعة الثانية وكان ذلك في جمادى الأولى من سنة ثلاث وأربعين وستمائة ، ثم إن السلطان بعد ذلك رتب لدمشق نواباً فكان ابن مطروح في صورة وزير لها ومضى إليها وحسنت حالته وارتفعت منزلته.

ثم إن الملك الصالح توجه إلى دمشق فوصلها في شعبان سنة ست وأربعين وجهز عسكراً إلى حمص لاستنقاذها من يدي نواب الملك الناصر أبي المظفر يوسف الملقب صلاح الدين بن الملك العزيز بن الملك الظاهر ابن السلطان صلاح الدين صاحب حلب فإنه قد انتزعها من صاحبها الملك الأشرف مظفر الدين أبي الفتح موسى ابن الملك المنصور إبراهيم ابن الملك المجاهد أسد الدين شيركوه عنوة وكان منتمياً إلى الملك الصالح فخرج من مصر لاسترداد حمص له.

فعزل ابن مطروح عن ولايته بدمشق وسيره مع العسكر المتوجه إلى حمص وأقام الملك الصالح بدمشق إلى أن ينكشف له ما يكون من أمر حمص ، فبلغه أن الفرنج قد اجتمعوا بجزيرة قبرص على عزم قصد الديار المصرية فسير إلى عسكره المحاصرين بحمص وأمرهم أن يتركوا ذلك المقصد ويعودوا إلى لحفظ الديار المصرية فعاد بالعسكر وابن مطروح في الخدمة والملك الصالح متغير عليه متنكر له لأمور نقمها عليه.

وطرق الفرنج البلاد في أوائل سنة سبع وأربعين وملكوا دمياط يوم الأحد الثاني والعشرين من صفر من السنة ، وخيم الملك الصالح بعسكره على المنصورة وابن مطروح مواظب على الخدمة مع الإعراض عنه ، ولما مات الملك الصالح ليلة النصف من شعبان سنة سبع وأربعين بالمنصورة وصل ابن مطروح إلى مصر وأقام في داره إلى أن مات ، هذه جملة حاله على الإجمال.

وكانت أدواته جميلة وخلاله حميدة جمع بين الفضل والمروءة والأخلاق الرضية ، وكان بيني وبينه مودة أكيدة ومكاتبات في الغيبة ومجالس في الحضرة تجري فيها مذاكرات أدبية لطيفة ، وله ديوان شعر أنشدني أكثره فمن ذلك قوله في أول قصيدة طويلة  :هي رامة فخذوا يمين الوادي .. وذروا السيوف تقر في الأغماد .. وحذار من لحظات أعين عينها .. فلكم صرعن بها من الآساد ، وكانت ولادته يوم الاثنين ثامن رجب سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة بأسيوط.

وتوفي ليلة الأربعاء مستهل شعبان سنة تسع وأربعين وستمائة بمصر ودفن بسفح الجبل المقطم وحضرت الصلاة عليه ودفنه وأوصى أن يكتب عند رأسه دوبيت نظمه في مرضه وهو : أصبحت بقعر حفرةٍ مرتهناً .. لا أملك من دنياي إلا كفنا .. يا من وسعت عبادة رحمته .. من بعض عبادك المسيئين أنا ، ومما ذكر أنه وجد في رقعة مكتوبة تحت رأسه بعد موته : أتجزع مِن الموت هذا الجزع .. ورحمة ربك فيها الطمع .. ولو بذنوب الورى جئته .. فرحمته كل شيء تسع ، رحمه الله تعالى “.

وذكر اليونيني في كتابه ذيل مرآة الزمان تقلب العلاقة بين ابن مطروح والصالح أيوب والتي انتهت بعزله فقال : ” وأما جمال الدين عيسى بن يحيى بن إبراهيم بن مطروح رحمه الله المقدم ذكره فكان من حسنات الدهر تام الفضيلة متنوعاً في العلوم متفنناً في الآداب مع مكارم كثيرة ودماثة أخلاق ولين جانب وحسن عشرة وكان كثير السعي في مصالح إخوانه وأصحابه ومن يلوذ به متلطفاً في قضاء حوائج الناس على الإطلاق لا يرى التوقف في صلة رزق.

وكان كثير الصحبة والصداقة لبهاء الدين زهير وبينهما مودة عظيمة واشتراك في الفضيلة ومكارم الأخلاق وخدمة الملك الصالح وشاركه أيضاً في تغيير الملك الصالح عليه وانحرافه عنه فإنه تغير عليه تغيراً مفرطاً قبل وفاته وأبعده إبعاداً كلياً ، وسبب ذلك علمه بموت الملك الصالح نجم الدين فإن الأمير فخر الدين يوسف بن شيخ الشيوخ كان يعرف محل جمال الدين وما هو عليه من الأهلية لكل شيء وأن الدول تفتقر إلى تدبيره فلما اتفق موت الملك الصالح وبقي الأمير فخر الدين يدبر الأمور وهو في مقابلة الإفرنج قرب جمال الدين المذكور وجعله في محل الوزارة وكان يستشيره في الأمور ولا يكاد يفارقه.

فعلم الناس بهذه القرينة موت الملك الصالح وأنه لو كان في قيد الحياة لم يقدم الأمير فخر الدين على تقريب من أبعده وكان جمال الدين اتصل بخدمة الملك الصالح حين كان ولي عهد أبيه ولما سافر إلى الشرق سافر معه ثم قدم معه دمشق حين ملكها بعد الجواد وكان ناظرجيشه فلما أعتقل بالكرك مضى أبن مطروح إلى الخوارزمية وحرضهم على القيام بنصرة مخدومه ثم توجه إلى حماة وأقام بها لعلمه بميل صاحبها إلى الملك الصالح نجم الدين.

فلما خرج الملك الصالح من الاعتقال وملك الديار المصرية توجه جمال الدين إلى خدمته وولي الخزانة ثم استنابه الملك الصالح بدمشق مع الطواشي شهاب الدين رشيد الكبير وجعله صورة وزير ثم تغير عليه في سنة ست وأربعين لما قدم الشام وعزله واستصحبه معه إلى الديار المصرية في أوائل سنة سبع وأربعين فأقام بالمنصورة إلى أن توفي الملك الصالح وهو متغير عليه معرض عنه بالكلية.

فلما قام الأمير فخر الدين يوسف بن شيخ الشيوخ بتقدمة العساكر صحبه وقربه غاية التقريب وكان لا يصدر إلا عن رأيه في غالب الأمور ، فلما استشهد الأمير فخر الدين رحمه الله انتقل جمال الدين إلى مصر ونزل بدار كان بناها على النيل وكتب على بابها : دار بنيناها بإحسان من .. لم تخل دار قط من رفده .. الملك الصالح رب العلى .. أيوب زاد الله في مجده .. اليمن والتوفيق من حزبه .. والنصر والتأييد من جنده .. أغنى وأقنى فالذي عندنا .. من نعمة الله ومن عنده .. فقل لحسادي ألا هكذا .. فليصنع السيد من عبده.

ولجمال الدين المذكور ترسل حسن وديوان مشهور وكان لطيف الشعر جيد المعاني ومولد جمال الدين المذكور بأسيوط صعيد مصر يوم الإثنين ثامن شهر رجب سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة وتوفي بالديار المصرية يوم الأربعاء مستهل شعبان سنة تسع وأربعين وستمائة ودفن بسفح المقطم رحمه الله تعالى ، ومن شعره:  يا من إليه اتكالي .. في العسر والإملاق .. سؤال غيرك عندي .. شرك على الإطلاق .. لا تسأل الرزق إلا .. من قاسم الأرزاق “.

وذكره ابن الشعار في كتابه قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان فقال : ” يحيى بن عيسى بن إبراهيم بن الحسين بن علِّي بن حمزة بن مطروح بن سليمان أبو الحسين بن أبي البركات الأعرابي الحميريُّ ، كانت ولادته في يوم الإثنين ثامن رجب سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة بمدينة أسويط من مدن الصعيد الأعلى بالديار المصرية وتوفي بمصر في مستهل شعبان سنة تسع وأربعين وستمائة.

وكان أوَّلًا يتولى الكتابة بديوان قرص ثم هاجر إلى مصر وتولى بها عملًا جليلًا للملك الكامل أبي المعالي محمد بن أبي بكر بن أيوب المستولي يومئذ على الديار المصرية في ديوان الأحباس ؛ ولما مات الملك الكامل قربة الملك الصالح أبو الفتح أيوب وأشخصه من بين نظرائه ورتبه عارض الجيش ورفع منزلته وازداد تقدمه حتى كاد أن يكون أجل رتبه من وزرائه.

لقيته بحلب وقرأت عليه قطعة وافرة من أشعاره ؛ ومما أنشدني في جمادي الأولى سنة ثلاث وأربعين وستمائة يمدح الملك الأشرف شاه أرمن بن موسى بن أبي بكر بن أيوب – رحمه الله تعالى – من قصيدة طويلة : (من الكامل) وافى وأقبل في الغلالة ينثني .. فأراك حظَّ المجتلى والمجتني .. ورنا فما تغني التَّمائم والرُّقي .. وأبيك من لحظات تلك الأعين .. أغناه ذابل قدِّه عن ذابلٍ .. وبشعره عن بيت شعر قد غني .. رشاٌ من الأعراب مسكنه الفلًا … ولكم له في مهجة من مسكن ..

وقوله مما كتبه إلى بهاء الدين زهير بن محمد الكاتب من الحصار : (من الكامل) ولقد ذكرتك والصَّوارم لمَّع .. من حولنا والسَّمهريَّة شرَّع .. وعلى مكافحة العدوِّ ففي الحشا .. شوقٌ إليك تضيق عنه الأضلع .. ومن الصِّبا وهلمَّ جرّا شيمتي .. هذا الوفاء فكيف عنه المرجع ؟

ومما كتبه إلى السلطان الملك الصالح نجم الدين أبي الفتح أيوب بن محمد بن أبي بكر بن أيوب – صاحب الديار المصرية – حين أنفذه رسولاً إلى الديوان العزيز: (من الطويل) أعلِّل طرفي عنك بالبدر طالعاً .. وبالظبي وسنانًا وبالغصن يانعا .. ووالله ما ازداد إلا صبابةً .. بفرط حنين قد أقضَّ المضاجعا .. أفي كلِّ يوم للتَّفرُّق رحلةٌ .. ترى عندها للعاشقين مصارعا .. كأنَّ النَّوى تبغي ذحولًا قديمةً .. لديًّ وألا تقتضيني الودائعا “.

46 / مسائل على كتاب المهذب

شهد المذهب الشافعي عصره الذهبي في مصر تحت حكم الأيوبيين حيث استحضر السلطان صلاح الدين عددا من الفقهاء من أبناء المذهب وأوكل إليهم مهام القضاء والتدريس والإفتاء والوعظ والخطابة كما قام الملك الكامل بتجديد ضريح الإمام الشافعي بالقرافة وبنى عليه قبة وجعل معه مقابر الأسرة الأيوبية ، وشهد العصر الأيوبي كتابة عدد من كتب المذهب من أهمها (مسائل على كتاب المهذب) جمعها الفقيه الشافعي يعقوب ابن أبي عصرون لتكون مدونة للأحكام القضائية ونقلها عنه فقهاء المذهب في العصور التالية في ثنايا كتبهم وفتاواهم. 

وهو إمام المحدثين بالمحلة الكبرى والديار المصرية في القرن السابع الهجري سعد الدين يعقوب بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عصرون التميمي ، شامي المولد من قبيلة بني تميم العربية وهاجر إلى مصر واستقر بالمحلة الكبرى وتوفي بها في عام 665 هـ / 1266 م ، وهو من عائلة عريقة في الفقه والقضاء فكان جده الأكبر قاضي قضاة حلب شرف الدين عبد الله بن محمد بن أبي عصرون الموصلي المولد والمتوفي عام 585 هـ ووالده عبد الرحمن قاضي حماة وعمه محمد قاضي دمشق وأخوه محمود من المحدثين وأبناء عمه عمر وعثمان من الفقهاء.

وكانت الأسرة ترتبط في تاريخها بكل من الملك العادل نور الدين محمود والسلطان صلاح الدين الأيوبي حيث لعبت دورا كبيرا في نشر المذهب السني وبنى لهم نور الدين المدارس في كل من حلب وحمص وحماه وبعلبك كما بنوا هم مدرستين في حلب ودمشق ، وانتقل سعد الدين يعقوب إلى مصر ليدرس بالمدرسة القطبية بالقاهرة فترة من الزمن ثم ارتحل إلى المحلة الكبرى وقضى بها بقية حياته.

ذكره شمس الدين الذهبي في كتابه تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام فقال : ” يعقوب بن عبد الرحمن بن الإمام الكبير أبي سعد بن أبي عصرون الشّيخ سعد الدين أبو يوسف التميميّ الشّافعيّ ، روى بالإجازة عن الإمام أبي الفرج بن الجوزيّ ودرّس بالمدرسة القطبيّة الّتي بالقاهرة مدّة ، وكان فقيها فاضلا رئيسا نبيلا توفّي بالمحلّة في الثّالث والعشرين من رمضان وولي أبوه قضاء حماة وتأخّر أخوه محمود وحدّث “.   

وذكره بدر الدين العيني في كتابه عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان فقال : ” الشيخ الأصيل أبو يوسف يعقوب بن أبي البركات عبد الرحمن بن القاضي أبي سعد عبد الله بن محمد بن هبة الله بن علي بن المطهر بن أبي عصرون التميمي الشافعي المنعوت بالسعد ، أجاز له جماعة منهم الحافظ بن الجوزي ودرس بالمدرسة القطبية بالقاهرة مدة وهو من ذوي البيوتات المشهورة بالفقه والحديث والتقدّم ، مات في الثالث والعشرين من شهر رمضان بالمحلة “. 

وذكره الإمام تاج الدين السبكي في كتابه طبقات الشافعية الكبرى فقال : ” يَعْقُوب بن عبد الرَّحْمَن بن القَاضِي أبي سعد بن أبي عصرون الشَّيْخ سعد الدّين أَبُي يُوسُف التَّمِيمِي ، روى بِالْإِجَازَةِ عَن أبي الْفرج بن الْجَوْزِيّ وَله مسَائِل جمعهَا على كتاب الْمُهَذّب ، وَكَانَ فَقِيها فَاضلا درس بِالْمَدْرَسَةِ القطبية بِالْقَاهِرَةِ مُدَّة ثمَّ توفّي بِمَدِينَة الْمحلة فِي ثَالِث عشري رَمَضَان سنة خمس وَسِتِّينَ وسِتمِائَة “.

وذكره عز الدين الحسيني في كتابه صلة التكملة في وفيات سنة 665 هـ فقال : ” وفي الثالث والعشرين من شهر رمضان توفّي الشّيخ الأصيل أبو يوسف يعقوب بن أبي البركات عبد الرّحمن ابن القاضي أبي سعد عبد الله ابن محمد بن هبة الله بن عليّ بن المطهّر بن أبي عصرون التّميميّ الشافعيّ، المنعوت بالسّعد، بالمحلّة ، أجاز له جماعة منهم الحافظ أبو الفرج عبد الرّحمن بن علي ابن الجوزي ، وحدّث سمعت منه ودرّس بالمدرسة القطبيّة بالقاهرة مدة وهو من ذوي البيوتات المشهورة بالفقه والحديث والتقدّم “.

وقد نقل ابن خلكان نص كتاب التعزية الذي أرسله القاضي الفاضل مصر إلى عائلة ابن أبي عصرون في الشام عندما توفي جدهم الأكبر القاضي شرف الدين عبد الله في دلالة على قوة الرابطة بين هذه الأسرة والدولة الأيوبية حيث يقول :

” ولما توفي القاضي ورد من القاضي الفاضل تعزية فيه جواباً عن كتاب ورد عليه بذلك والتعزية ، وصل كتاب الذات الكريمة – جمع الله شملها وسر بها أهلها ويسر إلى الخيرات سبلها وجعل في ابتغاء رضوانه قولها وفعلها ـ وفيه زيادة هي نقص الإسلام وثلم في البرية يتجاوز رتبة الانثلام إلى الانهدام ، وذلك ما قضاه الله وقدره من وفاة الإمام شرف الدين بن أبي عصرون رحمه لله تعالى وما حصل بموته من نقص الأرض من أطرافها ومن مساءة أهل الملة ومسرة أهل خلافها فلقد كان علماً للعلم منصوباً وبقية من بقايا السلف الصالح محسوباً.

والعلم بالشام زرعه وكل من انتفع فعليه كان وإليه ينسب نفعه ، رضي الله عنه وأرضاه ونضح بماء الرحمة مثواه وما مات من أبقى تلك التصانيف التي هي المعنى المغني بل ما مات من ولده المحيي فإنه والله لآثاره ولعلمه المحيي ، والحضرة تنوب عني في تعزيته والقيام بحق تسليته وقد ساءتني الغيبة عن مشهده وتغبير القدم وراء سريره والتوسل إلى الله في ساعة مقدمه.

ولقد علم الله اغتمامي لفقد حضرته واستيحاشي لخلو الدنيا من بركته واهتمامي بما عدمت من النصيب الموفور كان من أدعيته ، وما مات بحمد الله حتى أحرز غيبته بأولاد كرام بررة وأنشأ طلبةً للعلم نقلة وللمدارس عمرة وحتى بنى لله المدارس والمساجد وأحيا نهاره وليله بين راكع وساجد فهو حيٌ لمجده وإنما نحن الموتى بفقده وتعذر عليه أن ينتقل بقايا الخير وأعقاب السلف وأن يفارق من ليس لنا منه لولا خلفه خلف “.

47 / عيون الأنباء في طبقات الأطباء

(عيون الأنباء في طبقات الأطباء) هو عنوان الكتاب الذي ألفه الطبيب والمؤرخ موفق الدين أبو العباس أحمد بن سديد الدين القاسم بن خليفة بن يونس الخزرجي الأنصاري المعروف بلقب (ابن أبي أصيبعة) وجمع فيه التراجم والسير الذاتية للأطباء منذ عصر الإغريق وحتى زمنه ، وقد بلغ الكتاب قرابة ثمانمائة صفحة وفيه فصل خاص بأطباء الديار المصرية حيث كتب عن ثمانية وخمسين طبيبا وذكر مؤلفاتهم وأعمالهم وتخصصاتهم بالتفصيل.

ولد ابن أبي أصيبعة في دمشق عام 600 هـ / 1203 م لأسرة اشتهرت بالعمل في الطب وتنقلت بين مصر والشام حيث كان والده من مواليد القاهرة ، درس العلوم والطب في في البيمارستان النوري زميلا لابن النفيس ، وكان من أساتذته من كبار الأطباء كل من : رضي الدين الرحبي وشمس الدين الكلي وابن البيطار (العالم الشهير ومؤلف جامع المفردات) ومهذب الدين عبد الرحيم بن علي الدخوار والطبيب اليهودي عمران بن صدقة صاحب المكتبة القيمة التي أفاد منها ابن أبي أصيبعة لإكمال ثقافته وتأليف كتابه.

 انتقل ابن أبي أصيبعة إلى القاهرة في عام 634 هـ ومارس فيها الكحالة (طب العيون) وتردد على البيمارستان الناصري للحصول على مزيد من الدراسة والتدريب العملي في تخصصه حيث تتلمذ على يد العالم والطبيب السديد ابن أبي البيان الإسرائيلي الكحال ومؤلف كتاب الأقراباذين المعروف باسم الدستور البيمارستاني ، وقضى في مصر فترة جاوزت العام اشتغل فيها ليلا ونهارا حتى اشتهر بين الناس ونبغ في مهنته فتم تعيينه ضمن أطباء الدولة المصرية.

ولم تطل به الإقامة في مصر إذ عاد إلى الشام ملبياً دعوة صاحب صرخد الأمير عز الدين أيدمر (صلخد الحالية من أعمال جبل العرب في حوران) حيث توفي فيها عام 668 هـ / 1269 م ، وقد قام بتأليف كتابه بناء على طلب أمين الدولة وزير الملك الصالح وبدأ بتأليفه حوالي السنة 640 هـ ووصل بتراجم من ذكرهم إلى السنة 667 هـ أي قبل وفاته بسنة واحدة وترجم فيه لأكثر من أربعمائة طبيب في مختلف العصور والبلدان ، وله عدة كتب أخرى منها كتاب التجاريب والفوائد وكتاب حكايات الأطباء في علاجات الأدواء وكتاب معالم الأمم.

وفي مقدمة كتابه يشرح دوافعه في كتابة تاريخ الأطباء فقال : ” وبعد فإنه لما كانت صناعة الطب من أشرف الصنائع وأربح البضائع وقد ورد تفصيلها في الكتب الإلهية والأوامر الشرعية حتى جعل علم الأبدان قرينا لعلم الأديان ، وقد قالت الحكماء إن المطالب نوعان خير ولذة وهذا الشيئان إنما يتم حصولهما للإنسان بوجود الصحة لأن اللذة المستفادة من هذه الدنيا والخير المرجو في الدار الأخرى لا يصل الواصل إليهما إلا بدوام صحتة وقوة بنيته.

وذلك إنما يتم بالصناعة الطبية لأنها حافظة للصحة الموجودة ورادة للصحة المفقودة ، فوجب إذ كانت صناعة الطب من الشرف بهذا المكان وعموم الحاجة إليه داعية في كل وقت وزمان أن يكون الاعتناء بها أشد والرغبة في تحصيل قوانينها الشكلية والجزئية أكد وأجد.

وإنه لما كان قد ورد كثير من المشتغلين بها والراغبين في مباحث أصولها وتطلبها منذ أول ظهورها إلى وقتنا هذا وكان فيهم جماعة من أكابر هذه الصناعة  وأولي النظر فيها والبراعة ممن قد تواترت الأخبار بفضلهم ونقلت الآثار بعلو قدرهم ونبلهم وشهدت لهم بذلك مصنفاتهم ودلت عليها مؤلفاتهم ، ولم أجد لأحد من أربابها ولا من أنعم الاعتناء بها كتاباً جامعاً في معرفة طبقات الأطباء وفي ذكر أحوالهم على الولاء.

رأيت أن أذكر في هذا الكتاب نكتاً وعيوناً في مراتب المتميزين من الأطباء القدماء والمحدثين ومعرفة طبقاتهم على توالي أزمنتهم وأوقاتهم وأن أودعه أيضاً نبذاً من أقوالهم وحكاياتهم ونوادرهم ومحاوراتهم وذكر شيء من أسماء كتبهم ليستدل بذلك على ما خصهم الله تعالى به من العلم وحباهم به من جودة القريحة والفهم ، فإنَّ كثيراً منهم وإن قدمت أزمانهم وتفاوتت أوقاتهم فإن لهم علينا من النعم فيما صنفوه والمنن فيما قد جمعوه في كتبهم من علم هذه الصناعة ووضعوه ما هو تفضل المعلم على تلميذه والمحسن إلى من أحسن إليه.

وقد أودعت هذا الكتاب أيضا ذكر جماعة من الحكماء والفلاسفة ممن لهم نظر وعناية بصناعة الطب وجملا من أحوالهم ونوادرهم وأسماء كتبهم وجعلت ذكر كل واحد منهم في الموضع الأليق به على حسب طبقاتهم ومراتبهم ، فأما ذكر جميع الحكماء وأصحاب التعاليم وغيرهم من أرباب النظر في سائر العلوم فإني أذكر ذلك إن شاء الله تعالى مستقصى في كتاب (معالم الأمم وأخبار ذوي الحكم).

وأما هذا الكتاب الذي قصدت حينئذ إلى تأليفه فإني جعلته منقسما إلى خمسة عشر بابا وسميته (كتاب عيون الأنباء في طبقات الأطباء) وخدمت به خزانة المولى الصاحب الوزير العالم العادل الرئيس الكامل سيد الوزراء ملك الحكماء إمام العلماء شمس الشريعة أمين الدولة كمال الدين شرف الملة أبي الحسن بن غزال بن أبي سعيد أدام الله سعادته وبلغه في الدارين إرادته ، ومن الله تعالى أستمد التوفيق والمعونة إنه ولي ذلك والقادر عليه “.

وقد ذكره الصفدي باختصار في كتابه الوافي بالوفيات فقال : ” ابْن أبي أصيبعة الطَّبِيب .. أَحْمد بن الْقَاسِم بن خَليفَة الخزرجي موفق الدّين أَبُو الْعَبَّاس الْمَعْرُوف بِابْن أبي أصيبعة الطَّبِيب الْفَاضِل صنف تَارِيخا للأطباء وجوده توفّي بصرخد سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وست مائَة وَكَانَ أديباً طَبِيبا شَاعِرًا كَانَ الرشيد ابْن الصُّورِي أهْدى إِلَيْهِ تأليفاً يحتوي على فَوَائِد ووصايا طبية فَكتب إِلَيْهِ :

لعلم رشيد الدّين فِي كل مشْهد .. منار على يأتمه كل مهتد .. حكيمٌ لَدَيْهِ المكرمات بأسرها .. توارثها عَن سيدٍ بعد سيد .. حوى الْعلم عَن آبَائِهِ وجدوده .. فَذَاك قديمٌ فِيهِ غير مُجَدد .. تفرد فِي ذَا الْعَصْر عَن كل مشبهٍ .. بِخَير صفاتٍ حصرها لم يحدد .. أَتَتْنِي وَصَايَاهُ الحسان الَّتِي حوت .. نثير كلامٍ كل فضلٍ منضد .. فأهدى إِلَى قلبِي السرُور وَلم يزل .. بإحسانه يسدي لمثلي من يَد .. وجدت بهَا مَا أرتجيه وإنني .. بهَا أبدا فِيمَا أحاول مقتدي .. وَلَا غرو من علم الرشيد وفضله .. إِذا كَانَ بعد الله فِي الْعلم مرشدي “.

وقد حكى ابن أبي أصيبعة في كتابه عن أسرته وتنقلها بين القاهرة ودمشق وهو يترجم لعمه رشيد الدين علي فقال : ” عمي رشيد الدّين عَليّ بن خَليفَة .. هُوَ أَبُو الْحسن عَليّ بن خَليفَة بن يُونُس بن أبي الْقَاسِم بن خَليفَة من الْخَزْرَج من ولد سعد بن عبَادَة مولده بحلب فِي سنة تسع وَسبعين وَخَمْسمِائة.

وَكَانَ مولد أبي قبله فِي سنة خمس وَسبعين وَخَمْسمِائة بِالْقَاهِرَةِ المعزية وَنَشَأ أَيْضا بِالْقَاهِرَةِ واشتغلا بهَا وَذَلِكَ أَن جدي رَحمَه الله كَانَت لَهُ همة عالية ومحبة للفضائل وَأَهْلهَا وَله نظر فِي الْعُلُوم وَيعرف بِابْن أبي أصيبعة وَكَانَ قد توجه إِلَى الديار المصرية عِنْدَمَا فتحهَا الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب ، وَكَانَ فِي خدمته وخدمة أَوْلَاده.

وَكَانَ من جملَة معارف جدي وأصدقائه من دمشق جمال الدّين أبي الحوافر الطَّبِيب وشهاب الدّين أَبُو الْحجَّاج يُوسُف الكحال وَذَلِكَ أَن مولد جدي كَانَ بِدِمَشْق وَنَشَأ بهَا وَأقَام سِنِين كَثِيرَة ،  فَلَمَّا اجْتمع بِجَمَال الدّين بن أبي الحوافر بِمصْر وبأبي الْحجَّاج يُوسُف وَكَانَ قد ترعرع أبي وَعمي وَقصد إِلَى تعليمهما صناعَة الطِّبّ لمعرفته بِشَرَفِهَا وَكَثْرَة احْتِيَاج النَّاس إِلَيْهَا وَأَن صَاحبهَا الْمُلْتَزم لما يحب من حُقُوقهَا يكون مبجلا حظيا فِي الدُّنْيَا وَله الدرجَة الْعليا فِي الْآخِرَة وَترك أبي وَعمي يلازمان ذَيْنك الشَّيْخَيْنِ ويغتنمانهما.

 فلازم أبي أَبَا الْحجَّاج يُوسُف واشتغل بصناعة الْكحل وباشر مَعَه أَعمالهَا ، وَكَانَ أَبُو الْحجَّاج يكحل فِي البيمارستان بِالْقَاهِرَةِ غير الْموضع الَّذِي صَار حِينَئِذٍ بِالْقَاهِرَةِ بيمارستانا وَهُوَ من جملَة الْقصر ، وَكَانَ البيمارستان فِي ذَلِك الْوَقْت فِي السقطين أَسْفَل الْقَاهِرَة وَكَانَ جدي يسكن إِلَى جَانِبه فَبَقيَ أبي ملازما لأبي الْحجَّاج يُوسُف ومتعلما مِنْهُ إِلَى أَن أتقن صناعته وَقَرَأَ أَيْضا على غَيره من أَعْيَان الْمَشَايِخ الْأَطِبَّاء فِي ذَلِك الْوَقْت بِمصْر مثل الرئيس مُوسَى الْقُرْطُبِيّ صَاحب التصانيف الْمَشْهُورَة وَمن هُوَ فِي طبقته.

ولازم عمي لجمال الدّين بن أبي الحوافر واشتغل عَلَيْهِ بصناعة الطِّبّ ، وَأول اشْتِغَال عمي بِالْعلمِ أَنه كَانَ عِنْد تَقِيّ الْمعلم وَهُوَ أَبُو التقي صَالح بن أَحْمد إِبْرَاهِيم بن الْحسن ابْن سُلَيْمَان العرشي الْمَقْدِسِي ، وَكَانَ هَذَا تَقِيّ يعرف علوما كَثِيرَة وَكَانَت لَهُ سيرة حسنه فِي التَّعْلِيم فِي الْكتب وسياسة مَشْهُورَة عَنهُ لم يكن أحد يقدر عَلَيْهَا إِلَّا هُوَ ، وَلما أتقن عمي رَحمَه الله حفظ الْقُرْآن عِنْد تَقِيّ وَعلم الْحساب وَشرع فِي تعلم صناعَة الطِّبّ وَالنَّظَر فِيهِ لَازم جمال الدّين بن أَي الحوافر وَكَانَ فِي ذَلِك الْوَقْت رَئِيس الْأَطِبَّاء بالديار المصرية وصاحبها الْملك الْعَزِيز عُثْمَان بن عبد الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين.

وَقَرَأَ عَلَيْهِ شَيْئا من كتب جالينوس السِّتَّة عشر وَحفظ مِنْهَا الْكتب الأولة فِي أسْرع وَقت ، ثمَّ باحث الْأَطِبَّاء ولازم مُشَاهدَة المرضى بالبيمارستان وَمَعْرِفَة أمراضهم وَمَا يصف الْأَطِبَّاء لَهُم وَكَانَ فِيهِ جمَاعَة من أَعْيَان الْأَطِبَّاء ، ثمَّ قَرَأَ فِي أثْنَاء ذَلِك علم صناعَة الْكحل وباشر أَعمالهَا عِنْد القَاضِي نَفِيس الدّين الزبير وَكَانَ الْمُتَوَلِي للكحل فِي ذَلِك الْوَقْت فِي البيمارستان وَكَذَلِكَ أَيْضا بَاشر مَعَه فِي البيمارستان أَعمال الْجراح.

وَكَانَ الشَّيْخ موفق الدّين عبد اللَّطِيف بن يُوسُف الْبَغْدَادِيّ يَوْمئِذٍ فِي الْقَاهِرَة وَكَانَ صديقا لجدي وَبَينهمَا مَوَدَّة أكيدة فاشتغل عمي عَلَيْهِ بِشَيْء من الْعَرَبيَّة وَالْحكمَة ، وَكَانَ يبْحَث مَعَه فِي كتب أرسطوطاليس ويناقشه فِي الْمَوَاضِع المشكلة مِنْهَا وَكَانَ يجْتَمع أَيْضا بسديد الدّين وَهُوَ عَلامَة فِي الْعُلُوم الْحكمِيَّة ويشتغل عَلَيْهِ “.

وتحدث عن والده سديد الدين قاسم بن خليفة فقال :” وَلما كَانَ فِي سنة تسع وسِتمِائَة مَرضت عَيْني خَادِم يُقَال لَهُ سليطة للسُّلْطَان الْملك الْعَادِل أبي بكر ابْن أَيُّوب وَهُوَ يعزه كثيرا وتفاقم الْمَرَض فِي عَيْنَيْهِ حَتَّى هَلَكت ويئس مِنْهَا ، وَرَآهُ الْمَشَايِخ من الْأَطِبَّاء والكحالين وكل عجز عَن مداواته وَأَجْمعُوا أَنه قد عمي وَأَن المداواة لم يبْق لَهَا فِيهِ تَأْثِير أصلا.

وَلما رَآهُ أبي وَتَأمل عَيْنَيْهِ قَالَ أَنا أداوي عَيْني هَذَا ويبصر بهما إِن شَاءَ الله تَعَالَى ، وَشرع فِي مداواته وَفِي علاجه وَعَيناهُ فِي كل وَقت تصلح حَتَّى كملت عافيته وبرأ برءا تَاما وَركب وَعَاد إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ أَولا حَتَّى كَانَ يتعجب مِنْهُ ، وَظَهَرت مِنْهُ فِي مداواته معْجزَة لم يسْبق إِلَيْهَا فَأحْسن الْملك الْعَادِل ظَنّه بِهِ كثيرا وأكرمه غَايَة الْإِكْرَام من الْخلْع وَغَيرهَا.

وَكَانَ لَهُ قبل ذَلِك أَيْضا تردد إِلَى الدّور السُّلْطَانِيَّة بالقلعة بِدِمَشْق وداوى بهَا جمَاعَة كَانَت فِي أَعينهم أمراض صعبة فصلحوا فِي أسْرع وَقت ، وَعرف بذلك أَيْضا الْملك الْعَادِل وَقَالَ مثل هَذَا يجب أَن يكون معي فِي السّفر والحضر وَطَلَبه للْخدمَة فَسَأَلَ أَن يُعْفَى وَأَن يكون مُقيما بِدِمَشْق فَلم يجبهُ إِلَى ذَلِك وَأطلق لَهُ جامكية وجراية واستقرت خدمته لَهُ فِي خَامِس عشر ذِي الْحجَّة سنة تسع وسِتمِائَة.

وَكَانَ حظيا عِنْده وَعند جَمِيع أَوْلَاده الْمُلُوك ويعتمدون عَلَيْهِ فِي المداواة وَله مِنْهُم الْإِحْسَان الْكثير والافتقاد التَّام ، وَلم يزل فِي الْخدمَة إِلَى أَن توفّي الْملك الْعَادِل رَحمَه الله وَملك دمشق بعده الْملك الْمُعظم فَأمر أَن يسْتَمر فِي خدمته وَكَانَ لَهُ فِيهِ أَيْضا من حسن الِاعْتِقَاد والرأي مثل أَبِيه وَأكْثر وخدم الْملك الْمُعظم لاستقبال صفر سنة عشرَة وسِتمِائَة وَلم يزل فِي خدمته إِلَى أَن توفّي الْملك الْمُعظم رَحمَه الله.

ورسم الْملك النَّاصِر دَاوُد ابْن الْملك الْمُعظم بِأَن يسْتَمر فِي خدمته وَأَن يجْرِي لَهُ مَا كَانَ مقررا فِي أَيَّام وَالِده ، فَبَقيَ مَعَه إِلَى أَن اتّفق توجه الْملك النَّاصِر إِلَى الكرك فَأَقَامَ أبي بِدِمَشْق وَصَارَ يتَرَدَّد إِلَى القعلة لخدمة الدّور السُّلْطَانِيَّة لكل من ملك دمشق من أَوْلَاد الْملك الْعَادِل وَغَيرهم وَكلهمْ يرَوْنَ لَهُ ويعتمدون عَلَيْهِ فِي المداواة وَله الجامكية والجراية والإنعام الْكثير.

ويتردد أَيْضا إِلَى البيمارستان نور الدّين الْكَبِير وَله الجامكية والجراية وَالنَّاس يقصدونه من كل نَاحيَة لما يَجدونَ فِي مداواته من سرعَة الْبُرْء وَإِن أمراضا كَثِيرَة مِمَّا تكون مداواتها بالحديد يبرئها بذلك على أَجود مَا يُمكن وَمِنْهَا مَا يعالجها بالأدوية ويبرئها بهَا ويستغني أَصْحَابهَا عَن الْحَدِيد.

وَهَذَا الْمَعْنى قد مدحه جالينوس فِي كِتَابه فِي محنة الطَّبِيب الْفَاضِل وَقَالَ رَأَيْت طَبِيبا يُبرئ بالأدوية الأدواء الَّتِي يبرئها المعالجون بالحديد بِالْقطعِ فعد ذَلِك على أَن لَهُ علما ودربة وحذقا ، قَالَ وَأحمد أَيْضا من رَأَيْته يُبرئ بالأدوية وَحدهَا من أدواء الْعين مَا يعالجه غَيره بِالْقطعِ مثل الظفرة والجرب وَالْبرد وَالْمَاء والغلظ وَالشعر وَزِيَادَة اللَّحْم الَّذِي فِي المآقي ونقصانه.

وَأحمد أَيْضا من رَأَيْته حلل من الْعين مَادَّة محتقنة فِيهَا بِسُرْعَة أَو رد الطَّبَقَة الَّتِي يُقَال لَهَا العنابية بعد أَن نتأت نتوءا كثيرا إِلَى موضعهَا حَتَّى لطئت أَو ظهر مِنْهُ غير ذَلِك مِمَّا هُوَ شَبيه فِي علاج الْعين بِغَيْر حَدِيد ، هَذَا نَص جالينوس ، وَقد رَأَيْت كثيرا من ذَلِك وَأَمْثَاله قد تأتى لأبي فِي المداواة وَكَثِيرًا أَيْضا من أمراض الْعين الَّتِي قد يئس من برئها قد صلحت بمداواته كَمَا قَالَ فِيهِ بعض من عالجه وبرأ على يَدَيْهِ وَهُوَ شمس الْعَرَب الْبَغْدَادِيّ :

لسديد الدّين فِي الطِّبّ يَد .. لم تزل تنقذ طرفا من قذى .. كم جلت عَن مقلة من ظلمَة .. وأماطت عَن جفون من أَذَى .. لَا يعاني طب عين فِي الورى .. قطّ إِلَّا حاذق كَانَ كَذَا .. يَا مسيح الْوَقْت كم من أكمه .. بك أضحى مبصرا ذَاك وَذَا .. فبآرائك للداء دوا .. وبألفاظك للروح غذا .. لَك عِنْدِي منن لَو إِنَّنِي .. شَاكر أيسرها يَا حبذا (الرمل) ، وشمس الْعَرَب هُوَ أَبُو مُحَمَّد عبد الْعَزِيز بن النفيس بن هبة الله بن وهبان السّلمِيّ.

وَلم يزل أبي مترددا إِلَى الْخدمَة بقلعة دمشق وَإِلَى البيمارستان الْكَبِير النوري إِلَى أَن توفّي رَحمَه الله ، وَكَانَت وَفَاته فِي لَيْلَة الْخَمِيس الثَّانِي وَالْعِشْرين من ربيع الآخر سنة تسع وَأَرْبَعين وسِتمِائَة وَدفن ظَاهر بَاب الفريدس فِي طَرِيق جبل قاسيون وَذَلِكَ فِي أَيَّام الْملك النَّاصِر يُوسُف بن مُحَمَّد صَاحب دمشق “.

48 / زهر العريش في تحريم الحشيش

(زهر العريش في تحريم الحشيش) هو عنوان كتاب ألفه المتصوف الكبير أبو عبد الله محمد بن سليمان المعافري الشاطبي الذي ولد في مدينة شاطبة الأندلسية عام 585 هـ / 1188 م ورحل إلى المشرق في العصر الأيوبي وسكن في الإسكندرية وتوفي بها عام 672 هـ ، ويرجع في نسبه إلى قبيلة المعافر اليمنية التي دخلت الأندلس مع الفتح الإسلامي وسكنت الجزيرة الخضراء بجنوب البلاد وهي القبيلة التي ينتمي إليها الملك المنصور محمد بن أبي عامر المعافري.

وله عدة مؤلفات أخرى منها كتاب المسلك القريب في ترتيب الغريب وكتاب اللمعة الجامعة في العلوم النافعة في تفسير القرآن العزيز وكتاب شرف المراتب والمنازل في معرفة العالي في القراءات والنازل وكتاب المباحث السنية في شرح الحصريّة وكتاب الحرقة في لباس الخرقة وكتاب المنهج المفيد فيما يلزم الشيخ والمريد وكتاب النبذة الجلية في ألفاظ اصطلح عليها الصوفية وكتاب الزهر المضي في مناقب الشاطبي وكتاب الأربعين المضية في الأحاديث النبوية.

وقد كتب الشاطبي كتابه هذا ليبين خطر نبتة الحشيش والحكم الشرعي بتحريمها خاصة وقد ارتبطت وقتها ببعض الصوفية حيث كانت منتشرة في ذلك الوقت وتبارى الشعراء في وصفها ووصف تأثير ما تفعله بالعقل وما توهم به من الوجد والكشف ، وقد انتقل الكتاب من جيل إلى جيل حتى وصل إلى الإمام الزركشي فنقله وأضاف إليه وقد ذكر ذلك الباحث سعيد الأفغاني محقق كتاب الإجابة للزركشي وهو يتحدث عن مؤلفاته فقال :

” زهر العريش في أحكام الحشيش أوله : الحمد لله على نعمائه (كشف الظنون ، بروكلمان) ونظن أن هذا الاسم مقتبس من كتاب أبي عبد الله محمد بن سليمان المعافري الشاطبي المسمى : (زهر العريش في تحريم الحشيش) كما يرى في ترجمة الشاطبي التي في كتاب (الزهر المضبي في مناقب الشاطبي) والشاطبي توفي سنة 672 قبل الزركشي بقرن ونيف فلا يبعد أن يكون اطلع على كتاب الشاطبي واستفاد منه ، انظر مقال الدكتور عبد الوهاب عزام في مزارات الإسكندرية مجلة الرسالة العدد 338 “.

ذكره المقري التلمساني في كتابه نفح الطيب ضمن الأعلام الراحلين من الأندلس إلى المشرق  فقال : ” ومنهم أبو عبد الله محمد بن سليمان المعافري الشاطبي نزيل الإسكندريّة ويعرف بابن أبي الربيع ، أحد أولياء الله تعالى شيخ الصالحين صاحب الكرامات المشهورة جمع بين العلم والعمل والورع والزهد والانقطاع إلى الله تعالى والتخلّي عن الناس والتمسّك بطريقة السّلف.

قرأ القرآن ببلده بالقراءات السبع على أبي عبد الله محمد بن سعادة الشاطبي وغيره وقرأ بدمشق على الواسطي وسمع عليه الحديث ورحل فسمع من الزاهد أبي يوسف يعقوب خادم أضياف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بين قبره ومنبره سنة  617 وسمع بدمشق على أبي القاسم ابن صصرى وأبي المعالي ابن خضر وأبي الوفاء ابن عبد الحق وغيرهم وانقطع لعبادة الله تعالى في رباط سوار من الإسكندرية بتربة أبي العباس الراسي وتلمذ للشاطبي تلميذ الراسي.

وصنّف كتباً حسنة منها : كتاب المسلك القريب في ترتيب الغريب وكتاب اللمعة الجامعة في العلوم النافعة في تفسير القرآن العزيز وكتاب شرف المراتب والمنازل في معرفة العالي في القراءات والنازل وكتاب المباحث السنية في شرح الحصريّة وكتاب الحرقة في لباس الخرقة وكتاب المنهج المفيد فيما يلزم الشيخ والمريد وكتاب النبذة الجلية في ألفاظ اصطلح عليها الصوفية وكتاب زهر العريش في تحريم الحشيش وكتاب الزهر المضي في مناقب الشاطبي وكتاب الأربعين المضية في الأحاديث النبوية ، ومولده بشاطبة سنة 585 ووفاته بالإسكندرية في رمضان سنة 672 ودفن بتربة شيخه المجاورة لزاويته رحمهما الله تعالى ونفع بهما “.

وذكره الذهبي في كتابه تاريخ الإسلام فقال : ” محَمَّد بْن سُليمان بْن مُحَمَّد بْن سُليمان بْن عَبْد الملك بْن عليّ أبو عَبْد الله المعافِريّ الشّاطبيّ الزّاهد نزيل الإسكندريّة ، كان من كبار مشايخ الثَغَر المشهورين بالعبادة والصّلاح والانقطاع وكان كبير القدر رفيع الذِّكْر يقصد للتّبرّك والزّيارة ويعدّ في طبقة القبّاريّ ، تُوُفِّيَ فِي العشرين من رمضان وله سبْعٌ وثمانون سنة ودُفن بمرج سوار ولا أعلمه روى شيئا إلّا عن أبي القاسم بْن صصريّ ، روى عنه أبو محمد الدّمياطيّ وغيره.

وقد لبس الخرقة من جعفر الهمدانيّ ، ثمّ وجدت أربعين حديثا قد خرّجها ابن عَبْد الباري له وَإِذَا به قد سمع من ابن صَصْرَى فِي دمشق ومن مُوسَى بْن عَبْد القادر وأحمد بْن الخضِر بْن طاوس وزين الُأمَناء وغيرهم وأنّه قرأ بالسَّبْع بالأندلس ، وله تفسير صغير وله كتاب (المنهج المفيد فيما يلزم الشَّيْخ والمريد) ، سمع منه شيخنا التّاج الغرافيّ هَذِهِ الأربعين والوجيه عَبْد الرَّحْمَن السّبتيّ وكتب الطّبقة الغرافيّ فكتب له : قدوة الطّوائف شيخ الإِسْلَام “.

وذكره الصفدي في الوافي بالوفيات فقال : ” الشاطبي الصَّالح مُحَمَّد بن سُلَيْمَان أَبُو عبد الله الْمعَافِرِي الشاطبي شهر رَمَضَان سنة ثلث وَسبعين وست ماية وَدفن بمرج سوار ، كَانَ أحد مَشَايِخ الثغر المعروفين بالصلاح والانقطاع مَشْهُورا فِي ناحيته بتبرك بِهِ ويزار ” ، وذكره ابن تغري بردي في النجوم الزاهرة في وفيات سنة 672 هـ فقال : ” وفيها توفّى الشيخ الإمام أبو عبد الله محمد بن سليمان بن محمد بن سليمان بن عبد الملك بن علىّ المعافرىّ الشاطبىّ المقرئ الزاهد نزيل الإسكندرية ، قرأ بالسّبع فى الأندلس وبرع فى القراءات والتفسير وله تفسير صغير ومات فى العشرين من شهر رمضان وله سبع وثمانون سنة “.

وذكره أبو علي الحسن بن محمد الفاسي في كتابه طبقات الشاذلية الكبرى المسمى جامع الكرامات العلية في طبقات السادة الشاذلية فقال : ” أبو عبد الله الشاطبي .. الزاهد العابد نزيلُ الإسكندرية أبو عبد الله محمد بن سليمان المعافري الشاذلي المشهور بالشاطبي أحدُ المشهورين بالعبادة والزهادة ، وكان رضى الله عنه شيخًا كبيرًا جليل الذكر وله مجاهداتٌ وكرامات تُحكى عنه .. توفي قدس الله سره بالإسكندرية سنة ثلاث وسبعين وست مئة ودُفن بمسجده بالجهة المعروفة به ومقامه يُزار ويُتبرَّك به قدّس الله سره آمين “.

49 / العنوان في معرفة الأوزان        

الأرجوزة هي منظومة لها قالب الشعر العمودي لكن لأهداف تعليمية وليست في الأغراض التقليدية التي عرفها العرب القدماء في شعرهم ومن أشهر هذه المنظومات ألفية ابن مالك في علم النحو ومنظومة الجزرية في علم التجويد ومتن الشاطبية في علم القراءات ، وفي علم العروض اشتهرت منظومة مماثلة في العصر الأيوبي وهي أرجوزة (العنوان في معرفة الأوزان) والتي تتناول البحور الشعرية وأوزانها المعروفة.

ومؤلفها هو واحد من أهم أئمة اللغة العربية والنحو والعروض في القرن السابع الهجري ومن الفضلاء أصحاب المؤلفات المعروفة في الأدب العربي ، وهو الشيخ الإمام العلامة أمين الدين أبو بكر محمد بن علي بن موسى بن عبد الرحمن المحلي الأنصاري الخزرجي العروضي النحوي الأديب الفقيه الكاتب والمشهور بلقب أمين الدين المحلي ، ولد في المحلة الكبرى في شهر رمضان عام 600 هـ وتوفي بالقاهرة ليلة الجمعة 18 من ذي القعدة عام 673 هـ ودفن بين القرافتين.

تتلمذ على رشيد الدين العطار المتوفي عام 662 هـ وعمل في ديوان الأوقاف مع برهان الدين الحموي المتوفي عام 640 هـ ، من مؤلفاته : تذكرة في أشعار المحدثين ومفتاح الإعراب ومختصر طبقات النحاة واللغويين للزبيدي والجوهرة الفريدة في قافية القصيدة وذخيرة التلا في أحكام كلا ورسالة في شرح ظاءات القرآن وشفاء العليل في علم الخليل وغنية الحفاظ في أوزان الألفاظ والكليات العروضية في الأوزان القريضية والعنوان في معرفة الأوزان.

نص عليه ابن ناصر الدين ضمن علماء المحلة في كتابه توضيح المشتبه فقال : ” محلة دقلا مدينة ذات أسواق وحمامات وهي أم الغربية واشتهر بالنسبة إليها أبو بكر محمد بن علي الأنصاري المحلي المنعوت بالأمين النحوي ” ، ونص عليه حاجي خليفة في كتابه سلم الوصول إلى طبقات الفحول فقال : ” المحلي نسبة إلى المحلة الكبرى بالغربية بلد بديار مصر إليه ينسب أمين الدين أبو بكر محمد بن علي بن موسى بن عبد الرحمن الخزرجي “.   

وجاء في الأعلام للزركلي : ” محمد بن علي بن موسى أبو بكر أمين الدين الأنصاري المحلي نحوي من أهل المحلة بمصر درس النحو وتوفي بالقاهرة له شعر حسن وكتب ” ، وقال الذهبي ‏:‏ ” أحد أئمة النحو بالقاهرة تصدر لإقرائه وانتفع به الناس وله شعر حسن وتصانيفه حسنة ” ، وقال البغدادي في خزانة الأدب : ” والأمين المحلي من الفضلاء المصرية له تأليفات في علم العروض “.

وقد ترجم له الصفدي في كتابه الوافي بالوفيات وذكر بعض أبياته الشعرية ومؤلفاته فقال : ” أَمِين الدّين الْمحلي النَّحْوِيّ مُحَمَّد بن عَليّ بن مُوسَى بن عبد الرَّحْمَن الشَّيْخ أَمِين الدّين ابو بكر الْأنْصَارِيّ الْمحلي النَّحْوِيّ أحد أَئِمَّة الْعَرَبيَّة بِالْقَاهِرَةِ ، تصدر لإقراء النَّحْو وانتفع بِهِ النَّاس لَهُ تصانيف حَسَنَة مِنْهَا أرجوزة فِي الْعرُوض وَغير ذَلِك وَله شعر حسن ، توفّي فِي ذِي الْقعدَة سنة ثَلَاث وَسبعين وست مائَة عَن ثَلَاث وَسبعين سنة.

وَمن نظمه مَا كتبه فِي مَرضه لبَعض الأكابر : يَا ذَا الَّذِي عَم الورى نَفعه .. وَمن لَهُ الْإِحْسَان وَالْفضل .. العَبْد فِي منزله مدنفاً .. وَقد جفاه الصحب والأهل .. فروجه البقل وَيَا وَيْح من .. فروجه فِي الْمَرَض البقل ، وَمن نظمه أَيْضا مَا كتبه إِلَى مَرِيض : إِن جِئْت نلْت ببابك التشريفا .. وَإِن انْقَطَعت فأوثر التخفيفا .. ووحق حبي فِيك قدماً أنني .. عوفيت أكره أَن أَرَاك ضَعِيفا.

وَمن نظمه مَا أنشدنيه الْعَلامَة قَاضِي الْقُضَاة تَقِيّ الدّين السُّبْكِيّ الشَّافِعِي قَالَ أَنْشدني الشَّيْخ تَقِيّ الدّين مُحَمَّد بن عبد الْخَالِق الصَّائِغ الْمُقْرِئ قَالَ أَنْشدني لنَفسِهِ أَمِين الدّين الْمحلي : عَلَيْك بأرباب الصُّدُور فَإِن من .. يُجَالس أَرْبَاب الصُّدُور تصدرا .. وَإِيَّاك أَن ترْضى صحابة ساقطٍ .. فتنحط قدرا من علاك وتحقرا .. فَرفع ابو من ثمَّ خفض مزملٍ .. يُحَقّق قولي مغرياً ومحذرا “.

وذكر ابن خلكان في كتابه وفيات الأعيان أنه التقى مع أمين الدين المحلي في ديوان الأحباس (الأوقاف) بالقاهرة فقال : ” ومثل هذه النادرة ما أخبرني به الفقيه أمين الدين المحلي الذي كان في جملة المتصدرين عند الفقيه برهان الدين ابن الفقيه نصر وهو يومئذ صاحب ديوان الأحباس وكتب أسماءهم ينتدبهم للمضي إلى الخانقاه إلى المقام السلطاني في مهم.

فاعتذر رجل منهم فخط على اسمه وكتب غيره فقام رجل يعتذر فقال : المملوك كما قال الله عز وجل (إن بيوتنا عورة) فقال له الفقيه أمين الدين : صِل ، يشير إلى بقية الآية وهي قوله تعالى (وما هي بعورة أن يريدون إلا فراراً) ، فضحك البرهان والحاضرون ، وقال : لا أجمع عليك بين الفقه وبين تكليفك المجيء ثم خط على اسمه وابتدأ بغيره “.

وذكره أبو الفتح اليونيني في كتابه (ذيل مرآة الزمان) في وفيات سنة ثلاثة وسبعين وستمائة فقال : ” محمد بن علي بن موسى بن عبد الرحمن أبو بكر أمين الدين الأنصاري الخزرجي المحلي النحوي العروضي الكاتب ، ولد في شهر رمضان المعظم سنة ست مائة وتوفي ليلة الجمعة ثامن عشر ذي القعدة ودفن يوم الجمعة بين القرافتين بالديار المصرية ، قرأ الأدب وبرع فيه وانتفع به جماعة وله تصانيف.

وكان أحد الفضلاء المشهورين عارفاً بعلوم عدة وله نظم حسن وأرجوزة في العروض وأخرى في القوافي وغير ذلك ، كتب في مرضه إلى بعض معارفه الأكابر يشكو المضائقة وسوء الحال : يا من الذي عم الورى نفعه .. ومن له الإحسان والفضل .. العبد في منزله مدنف .. وقد جفاه الصحب والأهل .. فزوجه البقل ويا ويح من .. فروجه في المرض البقل ، ومات بعد قوله هذه الأبيات الثلاثة بثلاثة أيام “.

وقد جاءت منظومة (العنوان في معرفة الأوزان) في خمسة وأربعين وثلاثمائة بيت استهلها بقوله : يقول راجي رحمة الله العلي .. محمد نجل المحلي علي .. الحمد لله المبين الحق .. منزل الميزان بين الخلق .. ليقضي الحق ولما يميل .. فما لهم عن حكمه عدول .. ثم الصلاة بعد هذا أبدا .. على النبي العربي أحمدا .. وآله وصحبه وعترته .. وكل من أخلص في محبته.

ويبين بعد ذلك هدفه من نظم الأرجوزة فيقول : هذا ولما كان نظم الشعر .. محررا في وزنه كالتبر .. وكان قانون العروض ينزل .. منزلة الميزان حين يجهل .. صنفت في تقريبه كتابا .. جعلته مبوبا أبوابا .. ثم خشيت سرعة الملال .. لبسطه وكثرة الأمثال .. فاخترت أن أنظمه أرجوزة .. جامعة أبوابه وجيزة .. ليسهل الحفظ على الملول .. فإن ترد معرفة الأصول.

ثم يعرض لأبواب علم العروض المختلفة وأنواع البحور الشعرية وختمها بذكر اسم الأرجوزة فقال : جعلتها عليه كالعنوان .. لمن أراد العلم بالأوزان ، وهذه المنظومة هي اختصار لمؤلفه الأكبر في علم العروض والمعروف باسم (شفاء العليل في علم الخليل) والذي اشتهر به أولا ثم جاءت المنظومة لتكون تتويجا لجهوده الأدبية. 

وقد كتب عنه الشاعر سراج الدين الوراق مادحا كتابه (شفاء الغليل) فقال : جزاك الله عن علم الخليل .. مجازاة الخليل عن الخليل .. فقد أحييته من بعد موت .. وقد نبهتخ بعد الخمول .. وأوضحت السبيل إليه حتى .. هديت أخَ الضلال إلى السبيل .. وكنا قد أيسنا منه حتى .. شفيت عليلنا بشفا الغليل .. رعاك الله من بحر لدينا .. مديد بل بسيط بل طويل.

أما كتابه (مفتاح الإعراب) فهو يتجاوز ستمائة صفحة وهو من الكتب المعتبرة في النحو والصرف وكان متداولا بين علماء اللغة العربية وقتها وذكره أبو حيان الأندلسي في كتابه تذكرة النحاة فقال : ” محمد بن علي بن موسى بن عبد الرحمن الأنصاري ثم الخزرجي ينعت بأمين الدين ويعرف بالمحلي كان أستاذا نحويا أديبا ناظما فاضلا وكان يشتغل بالعربية في مصر وعليه تخرج أكثر فضلائها.

له كتاب في النحو اسمه (مفتاح الإعراب) أخبرني به مناولة شيخنا اللغوي الإمام الحافظ رضي الدين أبو عبد الله محمد بن يوسف بن محمد بن يوسف الأنصاري الشاطبي عنه قراءة منه عليه لجميعه في مجالس آخرها يوم الخميس السابع عشر من ذي الحجة سنة ستين وستمائة ، ثم إن المحلي زاد في هذا الكتاب أشياء فقرأه عليه ثانية بعد ما جدد في مجالس آخرها يوم الأحد التاسع من ذي الحجة سنة ست وستين وستمائة ، ألفيت القراءتين بخط المحلي وكذلك الكتاب المذكور بخطه أيضا “.

50 / وفيات الأعيان

مؤلف الكتاب الشهير وفيات الأعيان ، وهو القاضي أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر بن خلكان البرمكي ، ولد في أربيل بالعراق في عام 608 هـ وينحدر من عائلة البرامكة التي عرفت بتولي الوزارة في العصر العباسي الأول ، انتقل مع أسرته إلى الموصل وحلب ودمشق حيث تلقى العلم في شبابه ، وفي عام 636 هـ انتقل إلى القاهرة ليواصل طلب العلم والبحث عن وظيفة.

وطاب له المقام في مصر فتزوج واستقر وتتلمذ على يد كبار شيوخها في المجالات المتعددة ومنهم الحافظ زكي الدين المنذري صاحب الترغيب والترهيب وأبو عمرو بن الحاجب عالم اللغة والنحو ، لكن اتصاله كان أقوى بعالم الأدب حيث صحب كلا من البهاء زهير والشاعر جمال الدين بن مطروح والمقربين من الملك الصالح نجم الدين أيوب والتقى ابن الخيمي وأبي الحسن الجزار وموفق الدين البغدادي.

وفي عام 645 هـ التحق بسلك القضاء حيث عمل نائبا عن القاضي بدر الدين السنجاري ، ويذكر ابن خلكان أنه شرع في في سنة 654 هـ في تأليف كتابه القيم وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان مع اشتغاله بنيابة الحكم بفصل القضايا الشرعية والأحكام الدينية ثم تمت ترقيته من نيابة القاضي إلى وظيفة القاضي حيث تولى قضاء المحلة الكبرى وظل في هذا المنصب خمس سنوات كاملة ظهرت فيها مهارته.

وكانت سنوات المحلة فاتحة خير له حيث أتيح له قدر من التفرغ ساعده على وضع المسودات الأساسية لكتابه الأشهر كما ظهرت كفايته في المنصب وتمت ترقيته في عام 659 هـ إلى منصب قاضي قضاة الشام بأمر السلطان بيبرس فحمل مسوداته معه وانتقل إلى دمشق حيث عمل بالقضاء والتدريس معا وأكمل كتابه الذي يعد نموذجا لكتب التراجم حتى توفي عام 681 هـ ودفن في تربته بسفح جبل قاسيون.

قال عنه تقي الدين المقريزي في كتابه المقفى الكبير : ” ومضى إلى ديار مصر وناب عن البدر السنجاريّ في الحكم بالقاهرة ثمّ ولي قضاء المحلّة بالغربية وتقلّد قضاء القضاة بدمشق عوضا عن نجم الدين أبي بكر ابن سناء الدولة في يوم الجمعة تاسع ذي الحجة سنة تسع وخمسين وستّمائة وفوّض إليه الحكم من العريش إلى الفرات والنظر في الجامع والمارستان وسائر الأوقاف وتدريس سبع مدارس “.

ويقول في مقدمة كتابه : ” بسم الله الرحمن الرحيم ، يقول الفقير إلى رحمة الله تعالى شمس الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر بن خلكان الشافعي رحمه الله تعالى : بعد حمد الله تفرد بالبقاء وحكم على عباده بالموت والفناء وكتب لكل نفس أجل لا تجاوزه عند الانقضاء وسوى فيه بين الشريف والمشروف والأقوياء والضعفاء.

أحمده على سوائغ النعم وضوافي الآلاء حمد معترف بالقصور عن إدراك أقل مراتب الثناء وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له شهادة مخلص في جميع الآناء راجٍ رحمة ربه في الإصباح والإمساء وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أفضل الأنبياء وأكرم الأصفياء والداعي إلى سلوك المحجة البيضاء صلى الله عليه وعلى آله السادة النجباء صلاة دائمة بدوام الأرض والسماء ورضي الله عن أزواجه وأصحابه البررة الأتقياء.

هذا مختصر في التاريخ دعاني إلى جمعه أني كنت مولعاً بالاطلاع على أخبار المتقدمين من أولي النباهة وتواريخ وفياتهم وموالدهم ومن جمع منهم كل عصر فوقع لي منهم شيء حملني على الاستزادة وكثرة التتبع ، فعمدت إلى مطالعة الكتب الموسومة بهذا الفن وأخذت من أفواه الأئمة المتقنين له ما لم أجده في كتاب ولم أزل على ذلك حتى حصل عندي منه مسودات كثيرة في سنين عديدة ، وغلق على خاطري بعضه فصرت إذا احتجت إلى معاودة شيء منه لا أصل إليه إلا بعد التعب في استخراجه لكونه غير مرتب.

فاضطررت إلى ترتيبه فرأيت على حروف المعجم أيسر منه على السنين فعدلت إليه والتزمت فيه تقديم من كان أول اسمه الهمزة ثم من كان ثاني حرف من اسمه الهمزة أو ما هو أقرب إليها على غيره فقدمت إبراهيم على أحمد لأن الباء أقرب إلى الهمزة من الحاء وكذلك فعلت إلى آخره ليكون أسهل للتناول ، وإن كان هذا يفضي إلى تأخير المتقدم وتقديم المتأخر في العصر وإدخال من ليس من الجنس بين المتجانسين لكن هذه المصلحة أحوجت إليه .

ولم أذكر في هذا المختصر أحداً من الصحابة رضوان الله عليهم ولا من التابعين رضي الله عنهم إلا جماعة يسيرة تدعو حاجة كثير من الناس إلى معرفة أحوالهم ، وكذلك الخلفاء ولم أذكر أحداً منهم اكتفاء بالمصنفات الكثيرة في هذا الباب لكن ذكرت جماعة من الأفاضل الذين شاهدتهم ونقلت عنهم أو كانوا في زمني ولم أرهم ليطلع على حالهم من يأتي بعدي.

ولم اقصر هذا المختصر على طائفة مخصوصة مثل العلماء أو الملوك أو الأمراء أو الوزراء أو الشعراء بل كل من له شهرة بين الناس ويقع السؤال عنه ذكرته وأتيت من أحواله بما وفقت عليه مع الإيجاز كيلا يطول الكتاب ، أثبت وفاته ومولده إن قدرت عليه ورفعت نسبه على ما ظفرت به وقيدت من الألفاظ ما لا يؤمن تصحيفه وذكرت من محاسن كل شخص ما يليق به من مكرمة أو نادرة أو شعر أو رسالة ، ليتفكه به متأمله ولا يراه مقصوراً على أسلوب واحد فيمليه والدواعي إنما تنبعث لتصفح الكتاب إذا كان مفنناً.

وبعد أن صار كذلك لم يكن بد من استفتاحه بخطبة وجيزة للتبرك بها ؛ فنشأ من مجموع ذلك هذا الكتاب وجعلته تذكرة لنفسي وسميته كتاب (وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان مما ثبت بالنقل أو السماع أو أثبته العيان) ليستدل على مضمون الكتاب بمجرد العنوان ، فمن وقف عليه من أهل الدراية بهذا الشأن ورأى فيه خللاً فهو المثاب في إصلاحه بعد التثبيت فيه فإني بذلت الجهد في التقاطه من مظان الصحة ولم أتساهل في نقله ممن لا يوثق به بل تحريت فيه حسبما وصلت القدرة إليه.

وكان ترتيبي له في شهور سنة أربع وخمسين وستمائة بالقاهرة المحروسة مع شواغل عائقة وأحوال عن مثل هذا متضايقة فليعذر الواقف عليه وليعلم أن الحاجة المذكورة ألجأت إليه ، لا أن النفس تحدثها الأماني من الانتظام في سلك المؤلفين بالمحال ففي أمثالهم السائرة (لكل عمل رجال) ومن أين لي ذلك والبضاعة من هذا العلم قدر منزور والمتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور ، حرسنا الله تعالى من التردي في مهاوي الغواية وجعل لنا من العرفان بأقدارنا أمنع وقاية بمنه وكرمه ، آمين  “.

وقد ترجم له الصفدي في كتابه الوافي بالوفيات فقال : ” قَاضِي الْقُضَاة شمس الدّين بن خلكان .. أَحْمد بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن خلكان قَاضِي الْقُضَاة شمس الدّين أَبُو الْعَبَّاس الْبَرْمَكِي الإربلي الشَّافِعِي ولد بإربل سنة ثَمَان وست مائَة وَسمع بهَا صَحِيح البُخَارِيّ من أبي مُحَمَّد بن هبة الله بن مكرم الصُّوفِي وَأَجَازَ لَهُ الْمُؤَيد الطوسي وَعبد الْمعز الْهَرَوِيّ وَزَيْنَب الشعرية روى عَنهُ الْمزي والبرزالي والطبقة.

وَكَانَ فَاضلا بارعاً متفنناً عارفاً بِالْمذهبِ حسن الفتاوي جيد القريحة بَصيرًا بِالْعَرَبِيَّةِ عَلامَة فِي الْأَدَب وَالشعر وَأَيَّام النَّاس كثير الِاطِّلَاع حُلْو المذاكرة وافر الْحُرْمَة فِيهِ رياسة كَبِيرَة لَهُ كتاب وفيات الْأَعْيَان وَقد اشْتهر كثيرا وَله مجاميع أدبية.

قدم الشَّام فِي شبيبته وَقد تفقه بالموصل على كَمَال الدّين بن يُونُس وَأخذ بحلب عَن القَاضِي بهاء الدّين ابْن شَدَّاد وَغَيرهمَا وَدخل مصر وسكنها مُدَّة وتأهل بهَا وناب بهَا فِي الْقَضَاء عَن القَاضِي بدر الدّين السنجاري ثمَّ قدم الشَّام على الْقَضَاء فِي ذِي الْحجَّة سنة تسع وَخمسين مُنْفَردا بِالْأَمر ثمَّ أقيم مَعَه فِي الْقَضَاء ثَلَاثَة سنة أَربع وَسِتِّينَ وَكَانَ ذَلِك فِي جُمَادَى الأولى ..

ثمَّ عزل عَن الْقَضَاء سنة تسع وَسِتِّينَ بِالْقَاضِي عز الدّين ابْن الصايغ ثمَّ عزل ابْن الصايغ بعد سبع سِنِين بِهِ وَقدم من مصر فَدخل دُخُولا لم يدْخل غَيره مثله من الاحتفال والزحمة وَأَصْحَاب البغال وَالشُّهُود وَكَانَ يَوْمًا مشهوداً وَجلسَ فِي منصب حكمه وَتكلم الشُّعَرَاء وَلما قدم ابْن خلكان إِلَى دمشق ثَانِيًا وَكَانَ لثامن سنة قَالَ رشيد الدّين الفارقي فِي ذَلِك : أَنْت فِي الشَّام مثل يُوسُف فِي مصر وَعِنْدِي أَن الْكِرَام جناس .. وَلكُل سبعٌ شدادٌ وَبعد السَّبع عامٌ يغاث فِيهِ النَّاس.

وَقَالَ سعد الدّين الفارقي : أذقت الشَّام سبع سِنِين جدباً .. غَدَاة هجرته هجراً جميلا .. فَلَمَّا زرته من أَرض مصرٍ .. مددت عَلَيْهِ من كفيك نيلا ، وَقَالَ ابْن جعوان :  لما تولى قَضَاء الشَّام حاكمه .. قَاضِي الْقُضَاة أَبُو الْعَبَّاس ذُو الْكَرم .. من بعد سبعٍ شدادٍ قَالَ خادمه .. ذَا الْعَام فِيهِ يغاث النَّاس بِالنعَم.

وَكَانَ كَرِيمًا جواداً ممدوحاً فِيهِ ستر وحلم وعفو وحكاياته فِي ذَلِك مَشْهُورَة ثمَّ عزل بِابْن الصايغ ودرس بالأمينية إِلَى أَن مَاتَ عَشِيَّة نَهَار السبت سادس عشْرين شهر رَجَب سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وست مائَة بالنجيبية جوَار النورية وشيعه الْخَلَائق ، أَنْشدني من لَفظه لنَفسِهِ شهَاب الدّين أَحْمد بن غَانِم كَاتب الْإِنْشَاء يرثي قَاضِي الْقُضَاة شمس الدّين : يَا شمس الْعُلُوم فِي الثرى قد غَابَتْ .. كم نبت عَن الشَّمْس وَهِي مَا نابت .. لم تأت بمثلك اللَّيَالِي أبدا .. إِمَّا قصرت عَنهُ وَإِمَّا هابت “.

وذكره تاج الدين السبكي في طبقات الشافعية فقال : ” أَحْمد بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن أبي بكر بن خلكان الْبَرْمَكِي قَاضِي الْقُضَاة شمس الدّين ابْن شهَاب الدّين ، تفقه على وَالِده بِمَدِينَة إربل ثمَّ انْتقل بعد موت أَبِيه إِلَى الْموصل وَحضر دروس الإِمَام كَمَال الدّين بن يُونُس ثمَّ انْتقل إِلَى حلب وَأقَام عِنْد الشَّيْخ بهاء الدّين أبي المحاسن يُوسُف بن شَدَّاد وتفقه عَلَيْهِ وَقَرَأَ النَّحْو على أبي الْبَقَاء يعِيش بن عَليّ النَّحْوِيّ.

ثمَّ قدم دمشق واشتغل على ابْن الصّلاح ، ثمَّ انْتقل إِلَى الْقَاهِرَة وناب فِي الحكم عَن قَاضِي الْقُضَاة بدر الدّين السنجاري ثمَّ ولي قَضَاء الْمحلة ، ثمَّ ولي قَضَاء الْقُضَاة بِالشَّام ثمَّ عزل ثمَّ وَليهَا ثَانِيًا ثمَّ عزل ، وَمن مصنفاته كتاب وفيات الْأَعْيَان وَهُوَ كتاب جليل ، توفّي بِدِمَشْق فِي سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة فِي شهر رَجَب.

وَله فِي الْأَدَب الْيَد الطُّولى وشعره أرق من أعطاف ذِي الشَّمَائِل لعبت بِهِ الشُّمُول وأعذب فِي الثغور لعسا من ارتشاف الضَّرْب وَإنَّهُ لفوق مَا نقُول فَمِنْهُ : يَا من كلفت بِهِ فعذب مهجتي .. رفقا على كلف الْفُؤَاد معذب .. إِن فَاتَهُ مِنْك اللِّقَاء فَإِنَّهُ .. يرضى بلقيا طيفك المتأوب .. قسما بوجدي فِي الْهوى وبحرقتي .. وبحيرتي وتلهفي وتلهبي .. لَو قلت لي جدلى بروحك لم أَقف .. فبمَا أمرت وَإِن شَككت فجرب “.