عصر الأيوبيين الجزء الرابع

31 / المطرب من أشعار أهل المغرب

(المطرب من أشعار أهل المغرب) هو عنوان الكتاب الذي ألفه الفقيه والمحدث الأندلسي ابن دحية الكلبي وأهداه إلى الملك الكامل الأيوبي سلطان مصر وقد جمع فيه خلاصة محفوظاته الشعرية لأشهر شعراء الأندلس ، وقد ولد أبو الخطاب عمر بن الحسن بن علي بن محمد الكلبي في مدينة بلنسية الأندلسية عام 544 هـ / 1150 م وتوفي في القاهرة عام 633 هـ / 1136 م وعرف بلقب ابن دحية نسبة إلى جده الأعلى الصحابي الجليل دحية بن خليفة الكلبي. 

تلقى العلم عن شيوخ الأندلس في زمنه ثم رحل منها إلى المشرق فطاف بلادا عدة حتى استقر به المقام في مصر حيث طلب منه الملك العادل الأيوبي أن يتولى تعليم وتأديب ابنه وولي عهده الملك الكامل محمد ، وعندما تولى الملك الكامل أنشأ دار الحديث الكاملية عام 622 هـ وعين ابن دحية رئيسا عليها وكانت ثاني مدرسة للحديث تتأسس في السلطنة بعد مدرسة نور الدين محمود بدمشق حيث أوقفها على علماء الحديث والفقهاء الشافعية.

ويشرح ابن دحية في مقدمته سبب تأليف الكتاب فيقول : ” بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين ، الحمد لله الذي شرفنا باللسان العربي وجعلنا من أمة سيد ولد آدم محمد النبي الأمي الداعي إلى الطريق الواضح الجلي صلى الله عليه وعلى آله المتسنمين من الفضل صهوة المنصب العلي ما ولي الأرض بعد وسم الوسمي سلطان الولي ونم بأسرار الرياض نسيم شذاها الذكي.

أما بعد ، فإن مولانا سلطان العرب والعجم عز الملوك العصرية ومالك فضيلتي السيف والقلم وملك اليمن والشام والديار المصرية أبا المعالي أبا المظفر محمدا الكامل ، الكامل الأوصاف لا برحت ببقائه الممالك مهتزة الأعطاف معتزة الأطراف ، تقدم إلي أمره المطاع الواجب له علي من الجهد غاية ما يستطاع أن أجمع له ما اجتمع عندي من الأناشيد التي رويتها عن شعراء الأندلس وسائر المغرب بأقرب الأسانيد.

فجمعت منها لخدمة مقامه العالي ما يؤكل بالضمير ويشرب ويهتز عند سماعه ويطرب في الغزل والنسيب والوصف والتشبيب إلى غير ذلك من مستطرفات التشبيهات المستعذبة ومبتكرات بدائع بدائه الخواطر المستغربة ولمح سير ملوك المغرب وملح أخبار أدبائه ورقيق معاني كتابه وجزل ألفاظ خطبائه.

وبالجملة فقد نثلت في هذا المجموع كنانة محفوظاتي الأدبية ولم أخلِه من أخاير ذخائر ما التقطته من أفواه مشايخي من مشكل علمي الغريب والعربية ، إلا أني لم أقصد جمع ذلك على الترتيب ولا سلكت فيه مسلكي المعهود في التبويب والتهذيب بل استرسلت فيه مع الخاطر على ما يجود به ويسمح ويعن له ويسنح ، فالناظر فيه يسرح في بساتين ويمرح في ميادين ويخرج من فن إلى فنون والحديث ذو شجون “.

ومن أمثلة ما دونه فصل خاص بالشاعرة ولادة بنت المستكفي وأشعارها المتبادلة مع ابن زيدون فقال : ” وحدثني القاضي العدل أبو القاسم خلف بن عبد الملك بن بشكوال الأنصاري بقراءتي عليه بقرطبة أم بلاد الأندلس في العشر الآخر من صفر سنة أربع وسبعين وخمسمائة ، قال في كتاب الصلة له : ولادة بنت المستكفي بالله أمير المؤمنين محمد بن عبد الرحمن بن عبيد الله بن الناصر عبد الرحمن بن محمد المرواني ، من بني أمية بأندلسي أديبة شاعرة جزلة القول حسنة الشعر وكانت تخالط الشعراء وتساجل الأدباء وتفوق البرعاء.

سمعت شيخنا أبا عبد الله جعفر بن محمد بن مكي رحمة الله يصف نباهتها وفصاحتها وحرارة نادرتها وجزالة منطقها وقال لي : لم يكن لها تصاون يطابق شرفها ، وذكر لي أنها أتته معزية له في أبيه إذ توفي رحمه الله سنة أربع وسبعين وأربعمائة ، وتوفيت رحمها الله يوم مقتل الفتح بن محمد بن عباد يوم الأربعاء لليلتين خلتا من صفر سنة أربع وثمانين وأربعمائة ، ولم تتزوج قط، وعمرت عمراً طويلاً إلى أيام المعتمد.

قال ذو النسبين رضي الله عنه : كانت الحسيبة ولادة في زمانها واحدة أوانها حسن منظر ومخبر وحلاوة مورد ومصدر ، وكان مجلسها بقرطبة منتدى أحرار المصر وفناؤها ملعباً لجياد النظم والنثر يعشو أهل الأدب إلى ضوء غرتها ويتهالك أفزاد الشعراء والكتاب على حلاوة عشرتها ، إلى سهولة حجابها وكثرة منتابها تخلط ذلك بعلو نصاب وسمو أحساب على أنها – سمح الله لي ولها وتغمد زللي وزللها – اطرحت التحصيل وأوجدت إلى القول فيها السبيل بقلة مبالاتها ومجاهرتها للذاتها.

كتبت – زعموا – على عاتقي ثوبها : أَنَا واللهِ أصلُحُ للمعاليِ .. وأمشى مِشيَتِي وأتيهُ تِيهَا .. وأُمكُن عاشقي من صَحْن خَدّي .. وأُعطِى قُبلتي من يَشْتَهيها ، وكتبت إلى ذي الوزارتين أبي الوليد أحمد بن عبيد الله بن أحمد بن زيدون المخزومي القرطبي : ترقَّب إذا جنَّ الظَّلامُ زِيارتي .. فإني رأيتُ الّليلَ أكَتَم للّسِّر .. وبِي مِنك ما لو كان بالبَدْر ما بَدا .. وبالليل ما أدْجَى وبالنَّجم لم يَسْرِ.

إلى أن يقول ابن زيدون : وبتنا بليلة نجتني أقحوان الثغور ونقطف رمان الصدور فلما انفصلت عنها صباحا أنشدتها ارتياحا : ودَّع الصَّبْر محٌّب ودَّعَك .. ذائِعاً من سرّه ما استودَعكْ .. يقَرُع الِّسَّن على أن لَم يكُن .. زادَ في تِلك الخُطَا إذ شَيَّعَك .. يا أخَا البدر سَنَاءً وسَنًى .. حَفِظَ الله زَماناً أطلَعك .. إن يطُل بَعدَك ليَلِى فلَكَم .. بِتُّ أشكُو قِصَرَ الَّليلِ مَعَك.

وله يتعزل فيها : يا نازحاً وضميرُ القلب مثواهُ .. أنْسَتْك دنياكَ عبداً أنت مولاهُ .. ألهْتك عنه فُكاهاتٌ تَلذُّ بها .. فليس يَجري ببالٍ منك ذِكراه .. عَلَّ اللّيالي تُبقِّيني إلى أمدٍ .. الدّهُر يعلم والأيّام معناه ، وله فيها : يا قَمراً مطلعُه المغربُ .. قد ضاقَ بي في حُبِّكَ المذهب .. فأنَّ من أعجب مَا مَرَّ بِي .. أنَّ عَذابي فيك مُسْتَعذب .. ألزمْتَنْي الذّنَب الذي جئْته .. صَدقتَ فأصفح أيُّها المذنب.

وقال : ما بالُ خَدِّك لا يَزال مُضَرَّجا .. بدمٍ ولحظُك لا يزالُ مُرِيبَا ، وقال فيها : حَلَّيْتني بحُلًى أصبحت زاهية .. بها على كِّل أنثى من حُلًى عُطُلِ .. لله أخلاقُكِ الغُرُّ التي سُقِيَتْ .. من الفُرات فرقَّت رِقَّةَ الغَزَل .. أشبهِت في الشّعر من غَارَتْ بدائعه .. وأنْجَدت وغَدَتْ من أحسَنِ المُثل .. من كانَ وَالدهُ العضْبَ المهَّنَد لَم .. يَلْد من النَّسل غيَر الْبِيِض والأسَل “.

وقد ترجم له ابن خلكان في وفيات الأعيان فقال : ” الحافظ ابن دحية .. أبو الخطاب عمر بن الحسن بن علي بن محمد الجميل بن فرح بن خلف بن قومس بن مزلال بن ملال بن بدر بن أحمد بن دحية بن خليفة بن فروة الكلبي المعروف بذي النسبين الأندلسي البلنسي الحافظ ؛ نقلت نسبه على هذه الصورة من خطه وكان قد قيده وضبطه كما هو هاهنا .. ودحية : بكسر الدال المهملة وفتحها وسكون الحاء المهملة وبعدها ياء مثناة من تحتها وهو دحية الكلبي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ..

كان يذكر أن أمه أمة الرحمن بنت أبي عبد الله ابن أبي البسام موسى بن عبد الله بن الحسين بن جعفر بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه فلهذا كان يكتب بخطه (ذو النسبين دحية والحسين رضي الله عنهما) وكان يكتب أيضاً (سبط أبي البسام) إشارة إلى ذلك.

كان أبو الخطاب المذكور من أعيان العلماء ومشاهير الفضلاء متقناً لعلم الحديث النبوي وما يتعلق به عارفاً بالنحو واللغة وأيام العرب وأشعارها واشتغل بطلب الحديث في أكثر بلاد الأندلس الإسلامية ولقي بها علماءها ومشايخها ثم رحل منها إلى بر العدوة ودخل مراكش واجتمع بفضلائها ثم ارتحل إلى إفريقية ومنها إلى الديار المصرية ثم إلى الشام والشرق والعراق وسمع ببغداد من بعض أصحاب ابن الحصين وسمع بواسط من أبي الفتح محمد ابن أحمد بن الميداني ودخل إلى عراق العجم وخراسان وما والاها ومازندران.

كل ذلك في طلب الحديث والاجتماع بأئمته والأخذ عنهم وهو في تلك الحال يؤخذ عنه ويستفاد منه وسمع بأصبهان من أبي جعفر الصيدلاني وبنيسابور من منصور بن عبد المنعم الفراوي وقدم مدينة إربل في سنة أربع وستمائة وهو متوجه إلى خراسان فرأى صاحبها الملك المعظم مظفر الدين بن زيد الدين رحمه الله تعالى مولعاً بعمل مولد النبي صلى الله عليه وسلم عظيم الاحتفال به فعمل له كتاباً سماه (كتاب التنوير في مولد السراج المنير) وقرأه عليه بنفسه وسمعناه على الملك المعظم في ست مجالس في جمادى الآخرة سنة خمس وعشرين وستمائة ، وكان الحافظ أبو الخطاب المذكور قد ختم هذا الكتاب بقصيدة طويلة أولها : لولا الوشاة وهم .. أعداؤنا ما وهموا .. ولما عمل هذا الكتاب دفع له الملك المعظم المذكور ألف دينار ، وله عدة تصانيف.

وكانت ولادته في مستهل ذي القعدة سنة أربع وأربعين وخمسمائة وتوفي في يوم الثلاثاء الرابع عشر من ربيع الأول سنة ثلاث وثلاثين وستمائة بالقاهرة ودفن بسفح المقطم رحمه الله تعالى أخبرني بذلك ولده ، وأخبرني بعض أصحابنا الموثوق بقولهم أنه سأل ولده المذكور عن مولد أبيه فقال في ذي القعدة من سنة ثمان وأربعين ، وأخبرني ابن أخيه قال : سمعت عمي أبا الخطاب غير مرة يقول : ولدت في مستهل ذي القعدة سنة ست وأربعين وخمسمائة ، والله أعلم ، والبلنسي بفتح الباء الموحدة اللام وسكون النون وبعها سين مهملة هذه النسبة إلى بلنسية وهي مدينة في شرق الأندلس.

وكان أخوه أبو عمرو عثمان بن الحسن أسن من أخيه أبي الخطاب وكان حافظاً للغة العرب قيماً بها ، وعزل الملك الكامل أبا الخطاب المذكور عن دار الحديث التي كان أنشأها بالقاهرة ورتب مكانه أخاه أبا عمرو المذكور ولم يزل بها إلى أن توفي يوم الثلاثاء ثالث عشر جمادى الأولى سنة أربع وثلاثين وستمائة بالقاهرة ودفن بسفح المقطم وله رسائل استعمل فيها حوشي اللغة “.

32 / العلم الظاهر في مآثر الفقيه أبي الطاهر

(العلم الظاهر في مآثر الفقيه أبي الطاهر) هو عنوان الكتاب الذي كتبه قاضي المحلة كمال الدين أبو العباس أحمد بن عيسى ابن القليوبي وذلك ليخلد به ذكرى شيخه الإمام العالم العامل محمد بن الحسين الأنصاري المعروف بلقب أبي الطاهر المحلي). 

والإمام أبو الطاهر المحلي هو واحد من أهم الشخصيات في العصر الأيوبي حيث لعب دورا هاما في استنفار الناس للجهاد ضد الفرنجة أثناء الحملة الصليبية الخامسة على دمياط حيث طاف بالبلاد يحث الناس على الخروج مع الملك الكامل ، وهو الإمام الفقيه تقي الدين أبو طاهر محمد بن الحسين بن عبد الرحمن المحلي الأنصاري الجابري نسبة إلى جده الأعلى الصحابي الجليل جابر بن عبد الله الخزرجي الأنصاري إمام جامع عمرو بن العاص والمعروف بلقب شيخ الديار المصرية والمتوفي عام 633 هـ.

جاء عنه في موسوعة طبقات الفقهاء : ” محمد بن الحسين بن عبد الرحمن الاَنصاري الجابري الفقيه الشافعي أبو الطاهر المحلِّـي ، ولد بجَوْجَر بليدة بمصر من جهة دمياط ، ونشأ بالمحلَّة وتفقّه بمصر على محمد بن هبة اللّه الحموي وأبي العباس أحمد بن المظفر ابن الحسين المعروف بزين التجّار وغيرهما ، وصحب أبا عبد اللّه القرشي الزاهد مدّة وسمع من أبي إسحاق إبراهيم بن عمر الاِسعردي وخطب بجامع مصر العتيق ودرّس بمدرسة الاَمير يازكوج الاَسدي “.

وقال عنه تاج الدين السبكي : ” مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن عبد الرَّحْمَن الْأنْصَارِيّ الشَّيْخ الْفَقِيه الصَّالح الْوَرع الزَّاهِد أَبُو الطَّاهِر الْمحلي خطيب جَامع مصر الْعَتِيق وَهُوَ جَامع عَمْرو بن الْعَاصِ رَضِي الله عَنهُ قدم من الْمحلة إِلَى مصر وتفقه بهَا على الشَّيْخ تَاج الدّين مُحَمَّد بن هبة الله الْحَمَوِيّ واختص بِصُحْبَتِهِ وعَلى أبي إِسْحَاق الْعِرَاقِيّ شَارِح الْمُهَذّب وعَلى ابْن زين التُّجَّار هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة أشياخه فِي الْفِقْه وَسمع الحَدِيث من إِبْرَاهِيم بن عمر الإسعردي وَغَيره “. 

وقد ترجم له تقي الدين ابن قاضي شهبة في كتابه طبقات الشافعية فقال : ” محَمَّد بن الْحُسَيْن بن عبد الرَّحْمَن الْأنْصَارِيّ الشَّيْخ الْفَقِيه الصَّالح الْوَرع الزَّاهِد أَبُو طَاهِر الْمحلي خطيب جَامع مصر الْعَتِيق تفقه على أبي إِسْحَاق الْعِرَاقِيّ شَارِح الْمُهَذّب وَابْن زين التُّجَّار وَغَيرهمَا وَصَارَ شيخ الديار المصرية علما وَعَملا وَسُئِلَ عَن ولَايَة الْقَضَاء فَامْتنعَ أَشد الِامْتِنَاع مولده سنة أَربع وَخمسين وَخَمْسمِائة تَقْرِيبًا قَالَ الْمُنْذِرِيّ كتبت عِنْه فَوَائِد وَكَانَ من أهل الدَّين والورع التَّام على طَريقَة صَالِحَة.

ذَا جد فِي جَمِيع أُمُوره قَاضِيا لحقوق معارفه ساعيا فِي أَفعَال الْبر كثير الِاجْتِهَاد فِي الْعِبَادَة حصل كتبا كَثِيرَة وَكَانَ لَا يمْنَعهَا وَرُبمَا أعارها لمن لَا يعرفهُ نقل عَنهُ ابْن الرّفْعَة فِي الْمطلب فِي بَاب الْوكَالَة لكنه سَمَّاهُ طَاهِرا وَأخذ عَنهُ جمَاعَة مِنْهُم السديد التزمنتي وَالْجمال يحيى الْمصْرِيّ وصنف الْخَطِيب كَمَال الدَّين أَحْمد بن عِيسَى بن رضوَان الْعَسْقَلَانِي شَارِح التَّنْبِيه مصنفا فِي مَنَاقِب أبي الطَّاهِر سَمَّاهُ الطَّاهِر فِي مَنَاقِب أبي الطَّاهِر توفّي فِي ذِي الْقعدَة سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة بِمصْر “.

وجاء ذلك في كتاب المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار حيث يقول المقريزي عن الملك الكامل : ” ونزل قبالة طلخا على رأس بحر أشموم ورأس بحر دمياط وحيز في المنزلة التي يقال لها المنصورة ، وسير السلطان الكتب إلى الآفاق ليستحث الناس على الحضور لدفع الفرنج عن ملك مصر وشرع العسكر في بناء الدور والفنادق والحمامات والأسواق بمنزلة المنصورة وجهز الفرنج من أسروه من المسلمين في البحر إلى عكا.

وخرجوا من دمياط ونازلوا السلطان تجاه المنصورة وصار بينهم وبينه بحر أشموم وبحر دمياط وكان الفرنج في مائتي ألف راجل وعشرة آلاف فارس فقدم المسلمون شوانيهم (السفن) أمام المنصورة وعدتها مائة قطعة ، واجتمع الناس من القاهرة ومصر وسائر النواحي من أسوان إلى القاهرة ووصل الأمير حسام الدين يونس والفقيه تقي الدين أبو الطاهر محمد بن الحسن بن عبد الرحمن المحلي فأخرجا الناس من القاهرة ومصر.

ونودي بالنفير العام وخرج الأمير علاء الدين جلدك وجمال الدين بن صيرم لجمع الناس فيما بين القاهرة إلى آخر الحوف الشرقي فاجتمع عالم لا يقع عليه حصر وأنزل السلطان على ناحية شارمساح ألف فارس في آلاف من العربان ليحولوا بين الفرنج ودمياط وسارت الشواني ومعها حراقة كبيرة على رأس بحر المحلة وعليها الأمير بدر الدين بن حسون فانقطعت الميرة عن الفرنج من البر والبحر ، فتضعضع الفرنج لذلك وضاق بهم المقام “.

وترجم له المقريزي في المقفى الكبير فقال : أبو الطاهر الجابريّ المحلّيّ (554 ـ 633) .. محمد بن الحسين بن عبد الرحمن أبو الطاهر تقيّ الدين ابن أبي عبد الله الأنصاريّ الجابريّ من ولد جابر بن عبد الله الأنصاريّ رضي الله عنه المعروف بأبي الطاهر المحلّي الشافعيّ خطيب جامع مصر وإمامه.

ولد بناحية جوجر من قرى مصر في سادس عشرين ذي الحجّة سنة أربع وخمسين وخمسمائة ونشأ بالمحلّة وقدم إلى مصر وتفقّه على الخطيب أبي عبد الله محمد بن هبة الله المعروف بالتاج الحمويّ وتخرّج به وتفقّه أيضا على أبي الحقّ العراقيّ وعلى ابن زين التجّار وصحب الزاهد أبا عبد الله القرشيّ مدّة وكان من خواصّ أصحابه.

وكان من أهل الدين والورع التامّ على طريقة السلف عديم النظير في وقته صلاحا وورعا وكان يسرد الصوم دائما ولا يقبل لأحد شيئا وأوقاته معمورة بالخير والعبادة وقضاء حقوق المسلمين لا يزال ساعيا في أفعال البرّ ، وشهد عند قاضي القضاة أبي القاسم عبد الملك بن درباس ومن بعده وسمع الحديث من الفقيه أبي إسحاق إبراهيم بن عمر الأسعرديّ وأبي القاسم عبد الرحمن بن عبد الله المغربيّ.

ودرّس بمدرسة الأمير يازكوج بن عبد الله الأسديّ بمصر وكان يلقي بها كلّ يوم على الطلبة عدّة دروس من صدره ما بين فقه وأصول وغير ذلك وأفتى وحصّل كتبا كثيرة وكان لا يمنع كتبه أحدا يستعيرها ولو أنّه ممّن لا يعرفه ، واستقرّ في خطابة الجامع العتيق بمصر وإمامته وقراءة الميعاد بعد وفاة الشيخ أبي إسحاق إبراهيم العراقيّ في ثاني صفر سنة ثلاث عشرة وستّمائة.

وكان يبيع الأشربة بحانوت خلف الأشربة فوجد يوما في بعض البرانيّ فأرا فرمى سائر ما كان في الحانوت من الأشربة  فقيل له في ذلك ، فقال : ما يبعد أنّ الملعقة تنقّلت من برنيّة الواقع إلى جميع برانيّ الدكّان.

وبلغه مرّة أنّ بالجامع رجلا مغربيّا له مدّة يقيم به ولا يصلّي وراءه وإنّما يؤخّر صلاته حتى تنقضي الصلاة ثمّ يقيم الصلاة ويصلّي بجماعة  فأتاه وسأله عمّا بلغه ، فقال : إنّك تصلّي بالأجرة وأكره أن أصلّي خلف من يصلّي بالأجرة ، فقال أبو الطاهر : والله لا تناولت أجرة بعدها ! ، وكان المقرّر عن الخطابة والإمامة في الصلوات الخمس ثلاثين دينارا في كلّ شهر فقرّر من ذلك للشيخ مجد الدين أبي الحسن الإخميميّ عشرة دنانير لينوب عنه في الخطابة ووفّر عشرين دينارا فصلّى المغربيّ حينئذ خلفه.

وقد جمع الشيخ كمال الدين أبو العبّاس أحمد بن عيسى بن رضوان القليوبيّ مجلّدة لطيفة سمّاها (العلم الظاهر في مآثر الفقيه أبي الطاهر) ، توفّي ليلة الأحد سابع ذي القعدة سنة ثلاث وثلاثين وستّمائة ودفن بسفح المقطّم من القرافة وقبره مشهور يتبرّك الناس بزيارته ، وولي الخطابة بعده المجد الإخميميّ نائبه “.

أما مؤلف الكتاب فهو من أفاضل المؤلفين في القرن السابع الهجري وهو قاضي المحلة ابن القليوبي المتوفي عام 691 هـ ، صنّف ” شرح التنبيه ” في اثني عشر مجلداً وله ” كتاب في علوم القرآن ” وكان ديّناً صالحاً ، ذكره ابن حجر العسقلاني في كتاب الدرر الكامنة بأعيان المائة الثامنة وترجم له حاجي خليفة في كتاب سلم الوصول إلى طبقات الفحول.   

ذكره السبكي في طبقات الشافعية فقال : ” أَحْمد بن عِيسَى بن رضوَان بن القليوبي شَارِح التَّنْبِيه لقبه كَمَال الدّين وكنيته أَبُو الْعَبَّاس وَكَانَ يكْتب بِخَطِّهِ ابْن الْعَسْقَلَانِي وَهُوَ ولد الشَّيْخ ضِيَاء الدّين كَانَ كَمَال الدّين هَذَا فَقِيها صَالحا سليم الْبَاطِن حسن الِاعْتِقَاد كثير المصنفات أَخذ عَن وَالِده وَغَيره.  

وروى عَن ابْن الجميزي وَعِنْدِي بِخَطِّهِ من مصنفاته نهج الْوُصُول فِي علم الْأُصُول مُخْتَصر صنفه فِي أصُول الْفِقْه والمقدمة الأحمدية فِي أصُول الْعَرَبيَّة وَكتاب طب الْقلب وَوصل الصب تصوف وَكتاب الْجَوَاهِر السحابية فِي النكت المرجانية جمع فِيهِ كَلِمَات سَمعهَا من أَخِيه فِي الله على مَا ذكر الشَّيْخ الْجَلِيل الْمِقْدَار أبي عبد الله بن مُحَمَّد بن الْمرْجَانِي. 

وَكَانَ اجْتمع بِهِ بعد قفول ابْن الْمرْجَانِي من حجه سنة أَربع وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة وَكتب عَنهُ هَذِه الْفَوَائِد وَكتاب الْعلم الظَّاهِر فِي مَنَاقِب الْفَقِيه أبي الطَّاهِر جمع فِيهِ مَنَاقِب شيخ وَالِده أبي الطَّاهِر خطيب مصر وكتبت من هَذَا الْكتاب فَوَائِد تتَعَلَّق بتراجم جمَاعَة نقلتها عَنهُ فِي هَذَا الْكتاب وَكتاب الْحجَّة الرابضة لفرق الرافضة وكل هَذِه مختصرات عِنْدِي بِخَطِّهِ.           

وَولي قَضَاء الْمحلة مُدَّة زمانية ، اجْتمع بِالْحَافِظِ زكي الدّين الْمُنْذِرِيّ وَحدث عَنهُ بفوائد وَقَالَ شَيخنَا الذَّهَبِيّ إِنَّه توفّي سنة تسع وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة قلت وَلَيْسَ كَذَلِك بل قد تَأَخّر عَن هَذَا الْوَقْت فقد رَأَيْت طباق السماع عَلَيْهِ فِي الْعلم الظَّاهِر مؤرخة بِسنة إِحْدَى وَتِسْعين وسِتمِائَة بَعْضهَا فِي جُمَادَى الأولى وَبَعضهَا فِي رَجَب وَعَلَيْهَا خطه بالتصحيح وَكَانَ حَاكما بِمَدِينَة الْمحلة إِذْ ذَاك.

وَلابْن القليوبي شرح على التَّنْبِيه مَبْسُوط وَفِيه يَقُول فِيمَا رَأَيْته مَنْقُولًا عَنهُ إِنَّه استنبط من قَوْله تَعَالَى {يَا أَيهَا النَّبِي قل لِأَزْوَاجِك وبناتك وَنسَاء الْمُؤمنِينَ يدنين عَلَيْهِنَّ من جلابيبهن ذَلِك أدنى أَن يعرفن فَلَا يؤذين} أَن مَا يَفْعَله عُلَمَاء هَذَا الزَّمَان فِي ملابسهم من سَعَة الأكمام وَكبر الْعمة وَلبس الطيالس حسن وَإِن لم يَفْعَله السّلف لِأَنَّهُ فِيهِ تَمْيِيز لَهُم يعْرفُونَ بِهِ ويلتفت إِلَى فتاويهم وأقوالهم “.

33 / تاريخ الفيوم وبلاده

في عام 641 هـ قرر الملك الصالح نجم الدين أيوب أن يعين على الفيوم حاكما من طبقة الكتاب وهو الأمير فخر الدين عثمان بن إبراهيم النابلسي الصفدي بهدف إصلاح أحوالها والنهوض بمصالح سكانها ، فقام بالأمر خير قيام وقضى ثلاث سنوات في الفيوم أمضاها في إنفاذ تلك المهمة ثم شرع في عمل إحصاء سكاني وجغرافي شامل للإقليم جمعه في كتاب (إظهار صنعة الحي القيوم في ترتيب بلاد الفيوم) واشتهر باسم تاريخ الفيوم وبلاده وأهداه إلى السلطان.

وقد ترجم له الزركلي في كتاب الأعلام فقال : ” النَّابُلُسي (نحو 685 هـ / 1286 م) .. عثمان بن إبراهيم النابلسي ثم الصفدي فخر الدين مؤرخ أديب من أمراء الدولة الأيوبية ، ولاه السلطان نجم الدين أيوب النظر على الدواوين المصرية سنة 632 وصنف بأمره لمع القوانين المضية في دواوين الديار المصرية فرغ منه سنة 656 وتجريد سيف الهمة لاستخراج ما في الذمة وتاريخ الفيوم يسمى (إظهار صنعة الحي القيوم في ترتيب بلاد الفيوم) قدمه الى نجم الدين سنة 641 “.

ويشرح في مقدمة كتابه تكليف السلطان له بهذه المهمة فيقول : ” وتواترت مطالعات عبيد دولته وأرقاء مملكته بأحوال الفيوم وأنه ربما فترت الهمة في عمارته واستمر إهمال المباشرين له حتى تغير عن حالته ، سلك عظم الله سلطانه سبيل السنة النبوية اليوسفية الصديقية في مرور ركابه العزيز به وتشريفه بالنظر له فرآه ذا زروع وضروع وفياف ومروج ومزارع ومسارح ومناجح ومرابح بل ذا بساتين وأشجار وجنات تجري من تحتها الأنهار ورأى خلد الله ملكه مياهه الجارية على الدوام وسلوكها منه تحت الوهاد وفوق الآكام وجرى على جميل شيمه من عمارة البلاد ومصالح العباد.

أمر نصره الله باستدعائي ببطاقة على جناح طائر من القاهرة المحروسة إلى حيث ركابه العزيز فسارعت ممتثلا وامتثلت مسرعا فحين شرفت بالمثول بين يديه شرفني بأحسن خطاب وأجمل جواب وأمرني بالمقام فيه مديدة ريثما يسر خبره ويطيب مخبره ، وقال خلد الله ملكه هذه البلاد قد غفل عنها عمالها حتى ظهر إهمالها فاسلك فيها سبيل العدل والسداد وعف منها آثار الظلم والفساد وجرى عظم الله سلطانه على شيمه من كرم السجية وحسن الوصية ، ووصلت إليه وباشرته ومررت على بلاده وبحثت عن طارف التدبير فيه وتلاده وعلمت جملا من أحواله وجمعت بين تفصيل الأمر فيه وإجماله.

عزمت على أن أتحف خزائن مولانا السلطان عظم الله سلطانه بكتاب أؤلفه فيه ومصنف ينتفع به في اليوم وما يليه ونزهته عن أكاذيب الأقاويل الماضية وتحريف المؤرخين بوصف الأمم الخالية وأخبر به وعنه خبرا يشهد العقل بصحته وتميل النفس الفاضلة إلى موافقته “.

وقد جمع الكتاب بيانت تفصيلية عن إقليم الفيوم وجغرافيته وما فيه من تقسيمات إدارية وأحواله الاقتصادية والزراعية ونظام الري فيه وحصر ما فيه من الجوامع والمساجد والأديرة والكنائس مع قائمة بأسماء كافة القرى ، وأهم ما جاء فيه حصر جملة السكان في الإقليم وبيان طبيعتهم القبائلية حيث يقول   :

” الباب الخامس : في ذكر الساكنين به وانقسامهم إلى البدو والحضر : أقول وبالله التوفيق إنه لما رسم لي بالنظر في بلاد الفيوم وعمارتها مررت عليه بلدا بلدا وعرفت ساكنيها ولولا خوفي من استشعارهم لأحصيتهم عددا ، فوجدت أكثر أهلها العرب وقد تقسموا إلى الأفخاذ والشعوب وليس فيها من الحضر إلا النزر اليسير ولعلها البلدتان أو الثلاث.

وهؤلاء العرب الساكنون كلهم يتفرعون عن ثلاثة أصول بني كلاب وبني عجلان واللواتيين ، وها أنا أصف أنفارهم في مساكنهم وأعينهم فيها بأماكنهم خارجا عما يرد إليها أيام جدب البلاد منتجعا وينزل بساحتها أوان حمل الغلال منتفعا.

فأما بنو كلاب فيتفرعون على الأنفار التي يأتي ذكرها بأماكنهم : فمنهم بنو جواب والبلاد التي هم بها فدمين الاستنباط أبو كسا ثلاث عنز نصف سينرو الروبيون ، النفر الآخر الأضابطة وبلادهم منية افتى وكفورها وهي دقلوه الفحامة منشأة حويت منشأة غيلان منشأة الوسط الأثلة أبشايه الرمان نصف سينرو.

الحنبوشية فيها مأوى بني زبح وبلادهم أيضا ببيج أنشو كرابسة بور سينرو مسجد عائشة ، بنو غصين من بني كلاب وبلادهم أهريت بني عطا دسيا جردو دنفارة جردو دنفارة أهريت طبها أخصاص العجميين ببيج أنقاش ببيج أندير ششها منية ششها بلالة منتارة حدادة أم السباع بشطا.

بنو عامر من بني كلاب وبلادهم مطول دفدنو بوصير منشأة المطوع من كفور بلالة الصفاونة تنفشار ببيج فرح إطسا باجة خفرا القلهانة منشأة أولاد عرفة أهلها حضر نصارى ، بنو ربيعة من بني كلاب وبلادهم قبشا دموشيه منية الأسقف خفرا فإن سكانها حضر وهم نصارى.

بنو حاتم من بني كلاب وبلادهم المهمسى بلجسوق تطون طليت كنبوت دهما غابة باجة هيشة دموشيه ، بنو قريط وبنو شاكر وبلادهم بحر بني قريط من حقوق مطول شدموه مقران ، بنو جعفر من بني كلاب وبلادهم بأقلول وكفرها.

الأصل الثاني بنو عجلان وينقسم على الأنفار التي يأتي ذكرها : بنو جابر وقيصر من بني عجلان وبلادهم ذات الصفا منشأة ابن كردي من كفور سنورس فانو ونقليفة ونقليفة قياصرة منية كربيس أخصاص أبي عطية سنورس ، للقياصرة كفورهم من بني عجلان منشأة الطواحين بيهمو شلالة شسفه أبهيت أخصاص الحلاق خفرا جرفس القبرا كعبيون.

بنو زرعة من بني عجلان وبلادهم شانة بياض سيلة مقطول الربيات بنديق بورها فرقس العدوة سرسنا مطرطارس المصلوب الملالية الأعلام قشوش صنوفر خور الرماد دموه الداثر هوارة البحرية إبربزيا الزربي خياثمة.

بنو سمالوس من بني عجلان وبلادهم منية البطس الطارمة ترسا بمويه أهلها حاضرة خفراؤهم بنو سمالوس وكفورها ، بنو زمران وبلادهم الكوم الأحمر منشأة نعيم وغير ذلك ، بنو مطير سنهور خاصة.

الأصل الثالث اللواتيون : بنو هاني وهم لواتيون وبلادهم سدمنت ببيج غيلان كوم الرمل طما ، بنو سليمان من لواتة وبلادهم اللاهون أم النخارير هيشة الفردة ، بنو منكنيث وبلادهم ناموسة الحمام هوارة فخذ من لواتة دمشقين كوم دري وهو دموه اللاهون “.

34 / رايات المبرزين وغايات المميزين

في عام 641 هـ / 1243 م نزل الشاعر والرحالة الأندلسي ابن سعيد المغربي في ضيافة نائب السلطنة بالديار المصرية الأمير جمال الدين ابن يغمور والذي كان أديبا مثقفا واسع الاطلاع مهتما بالشعر والشعراء ، وكانت دولة الإسلام بالأندلس قد آذنت شمسها بالمغيب حيث سقطت حاضرتها قرطبة بيد القشتاليين في سنة 633 هـ / 1236 م فطلب الأمير من الشاعر أن يكتب له كتابا يحفظ به ذكرى شعراء الأندلس ويخلد فيه أفضل ما في نتاجهم الأدبي حتى لا يضيع مع ضياع البلاد وتمحى آثارهم من ذاكرة التاريخ.

وقد شرع ابن سعيد المغربي في هذا العمل الجليل وصدره بمقدمته التي قال فيها : ” بسم الله الرحمن الرحيم وبه ثقتي ، حمد الله أولى ما يقدم والصلاة والسلام على سيدنا محمد نبيه وآله وصحبه وسلم أحق ما يبدأ به الذكر الجميل ويختم.

وبعد ، فهذا مجموع أوردت فيه من غرائب شعر المغرب ما كان معناه أرق من النسيم ولفظه أحسن من الوجه الوسيم ليرف على نداه ريحان القوب وتتعلق الأسماع بمعاده تعلق عين المحب بطلعة المحبوب إذ هو كما قال أحد شعرائهم (من السريع) : شعر على الشعرى علا قدره .. عنه ثناء الصدق لا ينثني .. ينقلب القلب له جودة .. ويدخل القلب بلا آذن ، وحق له ذلك إذ قمص ألفاظه مفصلة على قدود معانيه وزخرف إتقانه من حسن مبانيه.

واشترطت مع هذا أن لا أورد منه إلا ما لم سيبقوا إلى معناه أو استحقوه بزيادة أو حسن عبارة أبرزته بعد تجويده في حلاه ثم اشتركت أن يكون مما لا يكاد يرضاه شخص مميز فيأباه شخصان ، وها أنا قد عرضته في ميدلن التبريز ومعيار الإبريز ليكرم أو يهان وسميته برايات المبرزين وغايات المميزين المنتقاة من كتاب (المغرب في شعراء المغرب).

وطرزته باسم من يتلقى راية المجد باليمين ومن عليه يطلق في المكارم الأمين ، المَولَى المُولِي لكل إحسان الجدير بأن يوصف بأنه عين الزمان أمير الأمراء ورئيس الرؤساء وفخر العاملين العلماء وملاذ المتوسلين والغرباء المبرز في كل فضيلة المؤهل لكل غريبة ، جمال الدين والدنيا وكمال الفضائل والعليا مستشار الملوك واسطة السلوك علم الأعلام سند الإسلام موسى ابن يغمور ذو الجود والذكر السائر والشرف الباهر والسعد الظاهر ، وصل الله بهجة جماله وخلد مآثره إفضاله وإجماله ولا برحت سعادته مسعدة ومكانته كتمكنة متزيدة وما قصدت إلا أن يهب في هذا الروض نسيم اسمه ويطلع في هذا الأفق هادي نجمه.

وإن أشار المولى أن أناظره بمثله من كتاب (المشرق في شعراء المشرق) ألفه المملوك في أقرب مدة فما يخاف القصور من كانت له سعادة المولى أعظم عدة ، وقد جعلته كالعنوان على ما في باطن هذا الكتاب والرونق في الوجه على جدة الشباب واختصرته مما يتعلق مما يتعلق به غاية الاختصار إذ التطويل يذهب بطلاوة الشيء ويسد باب الإقبال عليه بملال الإكثار.

والمملوك ينهي للمولى أن هذا المجموع إن نقص في عين من عميت بصيرته لصغر جرمه فجوابه قول أشعر من ملك طريق التخيل وتوصل بلطافة الذهن إلى الاستنباط والتحيل (من البسيط) : والنجم تستصغر الأبصار رؤيته .. والذنب للعين لا للنجم في الصغر ! ، وهو متخير من خزانة كتب تفسيرها في أثنائه عندما يقع التنبيه على الينبوع والإشارة إلى أفق الطلوع مغن عن تعداده هاهنا.

وأضيف إلى ذلك مما تخيره المملوك من شعر من أنشده من شعراء العصر أو أنشد عنه ما لا بد لذي الهمة المنصفة منه إذ ليس الفضل مخصوصا بعصر دون عصر بل لكل أوان فضله مدى الدهر ، وليس ذو الإنصاف من عمل بقول عنترة : هل غادر الشعراء من متردم ، بل بقول أبي تمام : ولو كان يفنى الشعر أفنته ما قرت .. حياضك منه في العصور الذواهب .. ولكنه صوب العقول إذا انجلت .. سحائب منه أعقبت بسحائب ، وقد بين ابن شرف بقوله العلة لما غمط أهل عصره فضله (من الخفيف) : عني الناس بامتداح القديم .. وبذم الجديد غير الذميم .. ليس إلا لأنهم حسدوا الحي .. ورقوا على العظام الرميم.

ورتبه المملوك ترتيبا تتنبه به المحاضرة وتتزين به المذاكرة وقد قسمته قسمين : القسم الأول يختص بجزيرة الأندلس القسم الثاني ببر العدوة ، والمملوك مذ علق خاطره بهذا الفن وتجول في البلاد مجتهدا في طلبه وانتقاده ينخل ما يتحصل له منه إلى أن أدى التنخيل لهذا اللباب فقصدت به أهل القصد ، وفي عنق الحسناء يستحسن العقد.

والله الموفق للصواب وإياه أسأل أن يلقي في قلب المولى على هذا المجموع قبولا يفضي بسعادة جامعه ويطلع نجوم اليمن في مطالعه ، آمين “.

ويبلغ حجم الكتاب قرابة ثلاثمائة صفحة بدأها بشعر المعتمد بن عباد أمير أشبيلية في عهد ملوك الطوائف وختمها بشعراء جزيرة صقلية ، وله عدة مؤلفات أخرى في الشعر والأدب واللغة والجغرافيا حيث ولد في غرناطة لأسرة بني سعيد التي اشتهرت بالعلم والإمارة منذ عهد المرابطين وذلك في عام 610 هـ 1214 م وقضى حياته في الترحال ومصاحبة الأدباء والشعراء والكتابة عنهم منذ صغره حتى توفي عام 685 هـ / 1286 م في تونس.

وقد وصل إلى الإسكندرية بصحبة والده في عام 639 هـ ليستقرا فيها بعد عناء رحلة شاقة في المغرب العربي ، وفي عام 640 هـ توفي والده في الإسكندرية فتركها وتوجه إلى القاهرة ليعمل في دواوين الدولة الأيوبية وظل فيها حتى عام 643 هـ والتقى فيها عددا من أدبائها وشعرائها الكبار مثل البهاء زهير وابن مطروح وابن أبي الإصبع وغيرهم.

ذكره ابن شاكر الكتبي في فوات الوفيات فقال : ” ابن سعيد المغربي .. علي بن موسى بن سعيد المغربي الغماري الأديب نور الدين ينتهي نسبه إلى عمار بن ياسر ؛ ورد من الغرب وجال في الديار المصرية والعراق والشام وجمع وصنف ونظم وهو صاحب كتاب المغرب في أخبار المغرب و المشرق في أخبار المشرق والمرقص والمطرب وملوك الشعر ؛ توفي بدمشق في شعبان سنة ثلاث وسبعين وستمائة “.

وترجم له السيوطي في كتابه بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة فقال : ” عَليّ بن مُوسَى بن مُحَمَّد بن عبد الْملك بن سعيد أَبُو الْحسن الأندلسي الأديب النَّحْوِيّ المؤرخ ، من ذُرِّيَّة عمار بن يَاسر الصَّحَابِيّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ ، قَالَ فِي الْبَدْر السافر : جال فِي الْمغرب وجاب فِي الْمشرق وَقَرَأَ النَّحْو وَالْأَدب على الشلوبين والدباج والأعلم البطليوسي.

وألّف : المشرِق فِي أَخْبَار الْمشرق والمُغرب فِي أَخْبَار الْمغرب – وَقد اطَّلَعت على هَذَا التَّأْلِيف – والمرقص والمطرب والعزة الطالعة فِي شعراء الْمِائَة السَّابِعَة وَالْأَدب الغض وَرَيْحَانَة الْأَدَب وَغير ذَلِك ، روى عَنهُ الشّرف الدمياطي وَغَيره ، مولده بغرناطة لَيْلَة عيد الْفطر سنة عشر وسِتمِائَة وَمَات حادي عشر شعْبَان سنة ثَلَاث وَسبعين.

وَمن شعره : أفدي بروحي كَاتبا متعلما .. قد حير الْأَبْصَار والألبابا .. لَو كَانَ يكْتب مثل خطّ عذاره .. كَانَ ابْن بواب لَهُ بوابا ، وَله فِي نهر غرناطة : كَأَنَّمَا النَّهر صفحة كتبت .. أسطرها والنسيم منشئها .. لما أبانت عَن حسن منظره .. مَالَتْ عَلَيْهَا الغصون تقرؤها “.

أما الأمير موسى بن يغمور فقد ذكره الإدفوى في كتابه الطالع السعيد الجامع أسماء نجباء الصعيد فقال : ” موسى بن يغمور بن جلدك  .. موسى بن يغمور بن جلدك بن سليمان بن عبد الله أبو الفتح المنعوت جمال الدّين الأمير ، ولد بقرية بالقرب من سمهود من عمل قوص تعرف بقرية ابن يغمور فى جمادى الآخرة سنة تسع وتسعين وخمسمائة.

وسمع من أبى عبد الله محمد بن إبراهيم الفارسىّ وأبى الحسن علىّ بن محمود الصابونىّ وأبى علىّ الحسن ابن إبراهيم بن دينار وأبى الحسن علىّ ابن أبى عبد الله ابن المقيّر وجماعة وحدّث.

كان أحد الأمراء المشهورين والرؤساء المذكورين موصوفا بالكرم والمعرفة معروفا بالرأى والتّقدمة ، توفّى بالقصير من عمل فاقوس بين الغرابى والصالحيّة فى مستهلّ شعبان سنة ثلاث وستّين وستّمائة وحمل إلى تربة أبيه بقرافة مصر ودفن فى رابع شعبان ، ذكره الشّريف فى وفياته “.

وذكره اليونيني في ذيل مرآة الزمان فقال : ” موسى بن يغمور بن جلدك بن يلمان بن عبد الله أبو الفتح جمال الدين مولده في جمادى الآخرة سنة تسع وتسعين وخمسمائة بالقرية قرية بالقرب من سمهود من أعمال قوص وهو ياروقي الأصل سمع من جماعة وحدث وتوفي في مستهل شعبان بالقصير من أعمال الفاقوسية بين الغرابي والصالحية وحمل إلى تربة والده بسفح المقطم فدفن بها في رابع الشهر المذكور.

وكان أميراً كبيراً عظيماً رئيساً عالماً فاضلاً جليل المقدار خبيراً حازماً سيوساً مدبراً جواداً ممدحاً تنقلت به الأحوال وهذبته الأيام وأحكمته التجارب وناب بالديار المصرية في الأيام الصالحية النجمية مدة ثم نقله إلى الشام وجعله نائب السلطنة به فأقام بدمشق إلى أن توفي الملك الصالح نجم الدين وقدم الملك المعظم توران شاه ولده دمشق وتوجه منها إلى الديار المصرية وقتل على ما هو مشهور.

وتقرر الملك المعز بالديار المصرية فراسله في موافقته فلم يجبه وبقي بدمشق إلى أن قدمها الملك الناصر صلاح الدين يوسف رحمه الله وملكها فاعتمد عليه في سائر أموره وكان هو أمير الدولة ومشيرها وله عند الملك الناصر المكانة العالية والمرتبة الرفيعة ولم يكن في أمراء الدولة من يضاهيه في منزلته ومكانته وقربه ومحله إلا الأمير ناصر الدين القيمري رحمه الله.

وكان الأمير جمال الدين من رجال الدهر عقلاً وحزماً وسداداً وحشمة وله الآراء الثاقبة والفراسة الصائبة وأنعامه وأصل إلى الأمراء والفقراء والرؤساء ، وكان بينه وبين والدي رحمه الله مودة كبيرة ومكاتبات في حال الغيبة وكان في الدولة الناصرية كثير البر والإحسان إلى الأمير ركن الدين بيبرس البندقداري فلما أفضت السلطنة إليه أعرض عنه بعض الإعراض ثم أقبل عليه ورعى له سالف خدمته وعظم قدره وجعله أستاذ داره وفوض إليه أموراً كثيرة لعلمه بكفايته وعظم غنائه ولم يزل على ذلك إلى أن درج إلى رحمة الله تعالى كما ذكرنا “.

35 / أوراد الأقصري

اشتق الاسم العربي لمدينة الأقصر الحالية من آثارها التاريخية حيث سماها العرب الأقصرين وقصدوا بذلك معبد الكرنك ومعبد الأقصر ، ووردت بهذا الاسم في الروك الصلاحي والروك الناصري ثم خفف الاسم بعد ذلك في دفاتر التربيع العثماني إلى الأقصر ، وفي القرن السابع الهجري نزل بها ولي الله تعالى السيد يوسف بن عبد الرحيم بن يوسف بن عيسى الزاهد المعروف بلقب أبي الحجاج الأقصري والمتوفي في الأقصر عام 642 هـ / 1244 م.

أشرف أبو الحجاج الأقصري على الديوان في عهد أبي الفتح عماد الدين عثمان ابن الناصر صلاح الدين الأيوبي ، ثم ترك العمل الرسمي وتفرغ للعلم والزهد والعبادة ، وسافر إلى الإسكندرية فالتقى أعلام الصوفية فيها خاصة أتباع الطريقتين الشاذلية والرفاعية وتتلمذ على يد الشيخ عبد الرازق الجازولي وأصبح أقرب تلاميذه ومريديه ، والتقى الشيخ عبد الرحيم القنائي ثم استقر بالأقصر حتى وفاته عن تسعين عاما ، ودفن في ضريح داخل مسجد سمي باسمه بنى فوق معبد الأقصر.

له جملة أوراد ووصايا وحكايات مروية كتبها مريدوه على عادة أهل الطريق وله منظومة من ألف وثلاثمائة وثلاثة وثلاثين بيتا فى علم التوحيد محفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم 177 (مجاميع) ويوجد منها نسخة بالمكتبة الأزهرية تحت رقم 927 (علم الكلام) تحدث فيها عن العقيدة الأشعرية وأيدها وتحدث فيها أيضا عن ذات الله تعالى وصفاته والدار الأخرة والبعث والنشور وعذاب القبر والجنة والنار والإمامة وشروطها والخليفة والولى وآداب الطريق وغير ذلك من القضايا الإسلامية.

ومن أشعاره قوله : ولقد رأيت جماعة في عصرنا .. قد كنت أحسبهم على سنن السلف .. فبلوتهم وخبرتهم وعرفتهم .. فوجدت خلفا ما بجملتهم خلف .. فنفضت كفي من تعاهد وصلهم .. من رام وصلهم فقد رام التلف .. ورأيت أسباب السلامة كلها في .. رميهم خلفا لظهر ثم كف.

ومن أقواله المأثورة : ” كنت فى بدايتى أذكر (لا إله إلا الله) لا أغفل عنها فقالت لى نفسى مرة من ربك ، فقلت ربى الله ، فقالت لى : ليس لك رب إلا أنا فإن حقيقة الربوبية امتثالك العبودية فأنا أقول لك أطعمنى فتطعمنى نم تنم قم تقم امش تمشى اسمع تسمع ابطش تبطش فأنت تمتثل أوامرى كلها فإذن أنا ربك وأنت عبدى.

وقال : فبقيت متفكرا فى ذلك وظهرت لى عين من الشريعة فقالت لى : جادلها بكتاب الله فاذا قالت لك نم فقل : كانوا قليلا من الليل ما يهجعون ، وإذا قالت لك كل فقل : وكلوا واشربوا ولا تسرفوا ، واذا قالت لك امش قل : ولا تمش فى الأرض مرحا ، وإذا قالت لك ابطش فقل : ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط ، فقلت لتلك الحقيقة : فمالى إذا فعلت ذلك فقالت : أخلع عليك خلع المتقين وأتوجك بتاج العارفين وأمنطقك بمنطق الصديقين وأقلدك بقلائد المحققين وأنادى عليك فى سوق المحبين “.

وقد ترجم له الإدفوي في كتابه الطالع السعيد الجامع أسماء نجباء الصعيد فقال : ” يوسف بن عبد الرّحيم أبو الحجّاج الأقصرىّ  .. يوسف بن عبد الرّحيم بن غزّى القرشىّ الشّيخ العارف الزّاهد أبو الحجّاج الأقصرىّ ، كان شيخ الزّمان وواحد الأوان صاحب المعارف المأثورة والكرامات المشهورة والمكاشفات المعروفة المذكورة والمعارف الربّانيّة واللطائف القدسيّة والإشراقات النفسيّة والأنوار التى تصيّر الليل فى حكم النّهار والتجلّيات التى يكاد سنا برقها يذهب بالأبصار.

أحد الشّيوخ الذى انتفع النّاس ببركاته وصالح دعواته ودخلوا فى خلواته وعلت بركاته على ما سواها وغمرت الخلائق وعمّت وتقدّمت كرامات الصّوفية إليه فتقدّمتها كراماته وأمّت ، طالما استنقذ من أسر الجهل من كان موثوقا فى حباله وأنجد من ضلّ عن طريق الهدى فهداه بعد ضلاله ووجد عاثر المعاصى قد أحاط به جيش الذّنوب فأخذ بيده وأقاله ووضع فى يد التّقوى عقاله.

كان (مشارفا) فأشرف على مقامات الأولياء فترك المشارفة للمشارفة فتعارفت روحه وروح الأصفياء فحمدت تلك المعارفة ، وتجرّد وجرّد الهمّة فسمع طيب النّغمة والسّعادة لا تنال بالسّاعد إنّما يرزقها من كان السّعد الإلهىّ له مساعد : فقل لفتى قد رام فى العصر مثله .. يمينا بربّ النّاس لست بواجد .. ومن ذا يضاهى حسن يوسف فى الورى .. ويؤتى الذى قد ناله من محامد.

تقدّم فى الفضل على أقرانه وأترابه وظهرت بركاته على الجمّ الغفير من أصحابه فانتشروا فى الأقطار والآفاق وقام لهم سوق الثّناء ولم يكن من قبل يعدّ فى الأسواق ،وكان لمّا تجرّد توجّه إلى شيخه عبد الرزّاق فصحبه ودرّت عليه الأرزاق فجاد فى الإنفاق ولم يخش الإملاق وتفجّرت من قلبه ينابيع الحكمة والإشراق ، ثمّ عاد إلى وطنه وأهله وربّما زكا الفرع على أصله والمواهب الإلهيّة لا تحصر والمعارف الربانيّة ليست على شخص تقصر.

وقد تخرّج عليه وخرج من بين يديه سادات وأكابر نطقت بمناقبهم ألسنة الأقلام وأفواه المحابر ممّن له فضل بارع وباع فى الكرامات واسع كالشّيخ علىّ من أهل أدفو والشّيخ علىّ بن بدران والشّيخ شمّاس السّفطىّ والشّيخ إبراهيم الفاوىّ والبرهان الكبير والبدر الدّمشقىّ والشّيخ مفرّج ونظرائهم.

حكى الشّيخ عبد الغفّار بن نوح فى كتابه أنّ الشّيخ كان مشارف الدّيوان ثمّ تجرّد وصحب الشّيخ عبد الرزّاق تلميذ الشّيخ أبى مدين فحصل له من الخير ما حصل ، وذكر الشّيخ الصفىّ بن أبى المنصور أنّه صحب الشّيخ عبد الرّحيم والشّيخ حبيب العجمىّ والشّيخ عبد الرزّاق.

قال عبد الغفّار : حكى لى الشّيخ أبو زكريّا يحيى ابن القاضى إسماعيل اليمنىّ وهو ثقة وكان أبى يقبل شهادته والنّفس تركن إليه قال : كنت أجئ إلى الشّيخ أبى الحجّاج فى بعض الأوقات فأجده يتكلم وحده وما عنده أحد فربّما سألته فيقول : إنّ أحد الجنّ المؤمنين كان عندى.

قال : وأخبرنى الشّيخ أبو الطّاهر إسماعيل ابن الشّيخ أبى الحجّاج قال : كان فى سماعه وكان يصيح : يا حبيب يا حبيب ، وخرجنا نودّعه فمشى خطوات وهو يصيح : يا حبيب يا حبيب ، وكراماته يضعف عن وصفها اللسان ويعجز عن رصفها البنان وقد صنّف فيها بعضهم ما يشفى الغليل ويبرئ العليل ، وليس يصحّ فى الأذهان شئ .. إذا احتاج النّهار إلى دليل.

لكن جهّال أتباعه قد أطنبوا فى أمره ورفعوه فوق قدره وظنّوا أنّ ذلك من برّه، فجعلوا له معراجا ودعوا النّاس إلى سماعه فجاءوا أفواجا وادّعوا أنّه فى ليلة النّصف من شعبان عرج به إلى السّماء فتلقّى من ربّه الأسماء ، واتخذوه فى الصّعيد، فى كلّ سنة كالعيد تأتى إليه الخلائق من العوالى ويبذل فيه العزيز الغالى وتحضر أصحاب السّيوف والشّبابات والدّفوف وتختلط الرجال بالنّسوان وتجتمع فيه الشّباب والمردان وهى من الأمور الفظيعة والبدع الشنيعة ، والشّيخ بعيد عنها ومحاشى منها وله من المناقب ما يكفيه ومن المآثر ما ينطق المرء فيه بملء فيه.

قال الشّيخ عبد الغفّار : وكان مشهورا بالعلم والرّواية وله كلام يشهد له بالمعرفة والدّراية ، توفّى رحمه الله تعالى ونفع ببركته فى شهر رجب سنة اثنين وأربعين وستّمائة وله قبر مشهور بالأقصر يزار وإن بعد على الزّائر المزار ويرجى أن تحطّ عنه الأوزار ، زرته غير مرّة وعدت إليه كرّة بعد كرّة نفع الله به “.

36 / جمال القراء وكمال الإقراء                  

(جمال القراء وكمال الإقراء) هو عنوان الكتاب الذي وضعه الإمام علم الدين السخاوي في علم القراءات وهو واحد من أكبر علماء اللغة العربية والنحو وعلوم القرآن في القرن السابع الهجري ، ولد في سخا من الأعمال الغربية في مصر عام 558 هـ / 1163 م وتوفي في دمشق عام 643 هـ / 1245 م ويرجع في أصوله إلى قبيلة همدان العربية اليمنية التي سكنت مصر بعد الفتح الإسلامي ، وتتلمذ في الإسكندرية على الحافظ السلفي وفي القاهرة على أبي القاسم الشاطبي وسائر شيوخ عصره في القراءات والنحو.

وألف عددا كبيرا من المصنفات من أهمها : في القراءات كتاب الإفصاح وغاية الانشراح في القراءات السبع وكتاب فتح الوصيد في شرح القصيد وهو في شرح الشاطبية وكتاب مراتب الأصول وغرائب الفصول ، وله كتاب تفسير القرآن الكريم إلى آخر سورة الكهف في أربعة مجلدات ، وله في إعجاز القرآن كتاب الإفصاح الموجز في إيضاح المعجز وله في عد آي القرآن كتاب أقوى العدد في معرفة العدد وله في رسم الصحف كتاب الوسيلة إلى شرح العقيلة وله في متشابه القرآن كتاب هداية المرتاب وغاية الحفاظ والطلاب.

وله في علم التجويد كتاب التبصرة في صفات الحروف وأحكام المد وكتاب منهاج التوفيق الى معرفة التجويد والتحقيق ومجموعة رسائل صغيرة هي روضة الدرر والمرجان في تجويد القرآن وعمدة المفيد وعدة المجيد في معرفة لفظ التجويد ، وله في فضائل القرآن كتاب منازل الإجلال والتعظيم في فضائل القرآن العظيم وله في النسخ كتاب الطود الراسخ في المنسوخ والناسخ وله في الوقف والابتداء كتاب علم الاهتداء في معرفة الوقف والابتداء وله في المكي والمدني كتاب نثر الدرر في ذكر الآيات والسور وله رسالة في علوم القرآن ، وقد جمعت مؤلفاته في علوم القرآن وأدمجت في كتابه الجامع (جمال القراء).

وفي علم الحديث له كتاب شرح مصابيح السنة للبغوي وفي السيرة النبوية عدة قصائد في أسماء الرسول (ص) ومدحه وتعرف باسم القصائد السبع وكتاب ذات الدرر في معجزات سيد البشر وله في الفقه كتاب تحفة الناسك في معرفة المناسك في الحج وكتاب ذات الحلل ومهاة الكلل وله في العقيدة كتاب الكوكب الوقاد في تصحيح الاعتقاد والقصيدة الناصرة لمذهب الأشاعرة ، وله في النحو عدة مؤلفات هي : كتاب سفر السعادة وسفير الإفادة وكتاب المفضل في شرح المفصل وكتاب منير الدياجي في شرح الأحاجي وكتاب نظم الضوابط النحوية وكتاب تحفة الفرّاض وطرفة تهذيب المرتاض.       

وهو يشرح في مقدمة كتابه (جمال القراء) سبب كتابته فيقول : ” بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين الحمد لله الذي استنارت صدور الصحف باسمه وأشرقت سطور الكتب بوصفه فيها ورسمه وكانت البداءة بحمده كافلة بالتمام ضامنة بلوغ الغاية فيما يراد من الأمور ويرام ، أحمده مستعينا به على تيسير ما أحاوله وأشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له الذي عم الأنام نائله وأشهد أن محمدا صلّى الله عليه وسلم عبده الذي بعثه رحمة لعباده ورسوله الذي اتضحت السبل بهدايته وإرشاده أيّده بكتابه المبين الذي ظهرت معجزاته وبهرت آياته وقهرت ذوي العناد بيّناته صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين نصرت بهم ألوية الحق وراياته.

هذا وإنّ أجلّ ما بأيدي هذه الأمة كتاب ربّها الناطق بمصالح دينها ودنياها الواصف لها مراشد أولاها وعقباها ، وإنّ أشرف العلوم ما كان منه بسبيل وأجلّ الرسوم فنونه التي هي أعلى الدرجات في التقديم والتفضيل، وفي هذا الكتاب من علومه ما يشرح الألباب ويفرح الطلاب وينيلهم المنى ويفيدهم الغنى ويريحهم من العناء ويمنحهم ما دعت اليه الحاجة لهم بأيسر الاعتناء ، فهو كاسمه (جمال القراء وكمال الإقراء) أعان الله عبده الضعيف على إنهائه ومنّ عليه بإجابة دعائه وصلى الله على سيد أصفيائه وخاتم رسله وأنبيائه وعلى آله وأصحابه المفضلين في أرضه وسمائه “.

وفي مقدمة كتابه الكبير في النحو وهو (سفر السعادة وسفير الإفادة) يقول : ” بسم الله الرحمن الرحيم وهو حسبي بسم الله الذي باسمه تفتتح الأوائل والحمد الله الذي بحمده تنجح الوسائل وصلى الله على محمد نبيه المنتخب من أشرف البطون والفصائل وأكرم العمائر والقبائل وعلى آله وصحبه الداعين إلى المكارم والفضائل.

هذا كتاب سفر السعادة وسفير الإفادة يتحفك بالمعاني العجيبة ويقفك على الأسرار الغامضة الغريبة ويسلك بك إلى مرادك المسالك القريبة ويجلو عليك من الخرائد الحسان أوجها ويدني إليك من الفوائد شموسا طالما سما بها أوجها ؛ فاملأ وعاءك من درره وأخلص دعاءك لمحرره فقد كفاك مؤونة التعب وحماك حزونة الدأب وأراح من النصب وأراح عن الوصب وأزاح عن الوصب وأتى بما لا يوجد في كتاب ولا يورد عليه في منهل غير مناهله العذاب.

نفع الله به المسلمين المذعنين لأهل الإفادة المسلمين الذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين ، شرحت فيه معاني الأمثلة ومبانيها المشكلة وأودعته ما استخرجته من ذخائر القدماء وتناظر العلماء وختمته بأغرب نظم وأسناه فيما اتفق لفظه واختلف معناه وأضفت إلى الأبنية ألفاظا مستطرفة واقعة أحسن المواقع عند أهل المعرفة ورتبت الأبنية على الحروف مستعينا بالله المنان الرؤوف “.

ذكره القفطي في كتابه (إنباه الرواة على أنباه النحاة) فقال : ” على بن محمد السّخاوىّ المصرىّ المقرئ النحوىّ نزيل دمشق من أهل سخا إحدى قرى الناحية الشمالية من مصر ، قرأ القرآن العزيز بمصر على أبى القاسم بن فيّره الشاطبىّ المقرئ المشهور ولازمه مدّة طويلةواستفاد منه وقرأ النحو على نحاة زمانه من الشاطبىّ وغيره وخرج عن مصر واستوطن دمشق وتصدّر بجامعها للإقراء والإفادة فاستفاد الناس منه وأخذوا عنه.

وصنف فى علم القراءات وشرح قصيدة شيخه فى القراءات شرحا كافيا ونقل عنه وشرح المفصل للزمخشرى شرحا حسنا وطيئ الألفاظ أراد به وجه الله تعالى فالنفوس تقبله إذ لم يعتمد فيه القعقعة الأعجمية ولا التقاسيم المنطقية ، وهو مقيم على حالته فى الإفادة بدمشق فى زماننا هذا وهو سنة اثنتين وثلاثين وستمائة “.

وترجم له ابن خلكان في وفيات الأعيان فقال : ” العلم السخاوي .. أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الصمد بن عبد الأحد بن عبد الغالب الهمداني المصري السخاوي المقرىء النحوي الملقب علم الدين ؛ كان قد اشتغل بالقاهرة على الشيخ أبي محمد القاسم الشاطبي المقرىء وأتقن عليه علم القراءات والنحو واللغة وعلى أبي الجود غياث بن فارس بن مكي المقرىء وسمع بالإسكندرية من السلفي وابن عوف وبمصر من البوصيري وابن ياسين.

ثم انتقل إلى مدينة دمشق وتقدم بها على علماء فنونه واشتهر وكان للناس اعتقاد عظيم ، وشرح (المفصل) للزمخشري في أربع مجلدات وشرح القصيدة الشاطبية في القراءات وكان قد قرأها على ناظمها وله خطب وأشعار وكان متعيناً في وقته ، ورأيته بدمشق والناس يزدحمون عليه في الجامع لأجل القراءة ولا تصح لواحد منهم نوبة إلا بعد زمان.

ورأيته مراراً يركب بهيمة وهو يصعد إلى جبل الصالحين وحوله اثنان وثلاثة وكل واحد يقرأ ميعاده في موضع غير الآخر والكل في دفعة واحدة وهو يرد على الجميع ، ولم يزل مواظباً على وظيفته إلى أن توفي بدمشق ليلة الأحد ثاني عشر جمادى الآخرة سنة ثلاث وأربعين وستمائة وقد نيف على تسعين سنة رحمه الله تعالى.

ولما حضرته الوفاة أنشد لنفسه  :قالوا غداً نأتي ديار الحمى .. وينزل الركب بمغناهم .. وكل من كان مطيعاً لهم … أصبح مسروراً بلقياهم .. قلت فلي ذنبٌ فما حيلتي .. بأي وجه أتلقاهم .. قالوا أليس العفو من شانهم .. لا سيما عمن ترجاهم ، ثم ظفرت بتاريخ مولده في سنة ثمان وخمسين وخمسمائة بسخا والله أعلم.

والسخاوي بفتح السين المهملة والخاء المعجمة وبعدها ألف هذه النسبة إلى سخا وهي بليدة بالغربية من أعمال مصر وقياسه سخوي لكن الناس أطبقوا على النسبة الأولى “.

37 / كافية ذوي الأرب في معرفة كلام العرب  

(كافية ذوي الأرب في معرفة كلام العرب) هو عنوان المقدمة الشهيرة في علم النحو والتي اشتهرت بين اللغويين والنحاة باسم (كافية ابن الحاجب) نسبة إلى مؤلفها جمال الدين أبي عمرو عثمان بن عمرو ابن الحاجب الذي ولد في إسنا بصعيد مصر عام 570 هـ / 1174 م وتوفي بالإسكندرية ودفن فيها عام 646 هـ / 1249 م ، وعرف بهذا اللقب لأن والده كان حاجبا عند الأمير عز الدين موسك ابن خال السلطان صلاح الدين (وهو صاحب قنطرة الموسكي التي سميت منطقة وسط القاهرة على اسمها).

وتعد كافية ابن الحاجب من أفضل وأهم مراجع علم النحو حتى يومنا هذا بسبب حجمها الصغير ومعلوماتها المرتبة حسب حالات الإعراب (المرفوعات والمنصوبات والمجرورات والمبني والمجموع والمصدر والأفعال والحروف) وهي تكفي الدارس ليحيط علما بالموضوعات الأساسية في علم النحو بعيدا عن التفاصيل والخلافيات ولها أكثر من مائة وأربعين شرحا كتبها العلماء بعد ذلك ، وأضاف ابن الحاجب بعدها مقدمة أخرى في الصرف والخط عرفت باسم الشافية لتكون الفائدة أشمل وأعم وبدأها بأنواع الأبنية والميزان الصرفي.

وقد درس ابن الحاجب في المدرسة الفاضلية بالقاهرة ثم رحل إلى دمشق وظل بها حتى اعتقل بصحبة الشيخ العز بن عبد السلام بعد معارضتهما العلنية للملك الصالح إسماعيل الأيوبي بسبب تسليمه عدة حصون للصليبيين ثم رحل معه عائدا إلى مصر في عهد الملك الصالح نجم الدين أيوب ، وله مؤلفات عديدة منها كتاب (جامع الأمهات) في الفقه وكتاب (جمال العرب في علم الأدب) في التاريخ والسير ومنظومة (المقصد الجليل في علم الخليل) في العروض وكتاب (منتهى السؤال والأمل في علمي الأصول والجدل) في أصول الدين.       

ذكره ابن خلكان في وفيات الأعيان فقال : ” أبو عمرو ابن الحاجب .. أبو عمرو عثمان بن عمر بن أبي بكر ابن يونس الدوني ثم المصري الفقيه المالكي المعروف بابن الحاجب الملقب جمال الدين ؛ كان والده حاجباً للأمير عز الدين موسك الصلاحي وكان كردياً ، واشتغل ولده أبو عمرو المذكور بالقاهرة في صغره بالقرآن الكريم ثم بالفقه على مذهب الإمام مالك رضي الله عنه ثم بالعربية والقراءات وبرع في علومه وأتقنها غاية الإتقان.

ثم انتقل إلى دمشق ودرس بجامعها في زاوية المالكية وأكب الخلق على الاشتغال عليه والتزم لهم الدروس وتبحر في الفنون ، وكان الأغلب عليه علم العربية وصنف مختصراً في مذهبه ومقدمة وجيزة في النحو وأخرى مثلها في التصريف وشرح المقدمتين.

وله : أي غدٌ مع يدٍ ددٍ ذي حروفٌ طاوعت في الروي وهي عيون .. ودواة والحوت والنون نونات عصتهم وأمرها مستبين ، وهو جواب عن البيتين المشهورين وهما : ربما عالج القوافي رجالٌ .. في القوافي فتلتوي وتلين .. طاوعتهم عينٌ وعين وعين .. وعصتهم نون ونون ونون ،  فيعني بقوله (عين وعين وعين) نحو غد ويدٍ وددٍ فإن وزن كل منها (فع) إذ أصل غد غدوٌ ويد يديٌ ودد ددن ، وبقوله (نون ونون ونون) الدواة والحوت والنون الذي هو الحرف.

وله أيضاً في أسماء قداح الميسر ثلاثة أبيات وهي : هي فذ وتوأم ورقيب .. ثم حلس ونافس ثم مسبل .. والمعلى والوغد ثم سفيح .. ومنيح وذي الثلاثة تهمل .. ولكلٍ مما عداها نصيب … مثله أن تعد أول أول ، وصنف في أصول الفقه وكل تصانيفه في نهاية الحسن والإفادة وخالف النحاة في مواضع وأورد عليهم إشكالات وإلزامات تبعد الإجابة عنها وكان من أحسن خلق الله ذهناً.

ثم عاد إلى القاهرة وأقام بها والناس ملازمون للاشتغال عليه ، وجاءني مراراً بسبب أداء شهادات وسألته عن مواضع في العربية مشكلة فأجاب أبلغ إجابة بسكون كثير وتثبت تام ، ومن جملة ما سألته عن مسألة اعتراض الشرط على الشرط في قولهم (إن أكلت إن شربت فأنت طالق) لم تعين تقديم الشرب على الأكل بسبب وقوع الطلاق حتى لو أكلت ثم شربت لا تطلق.

وسألته عن بيت أبي الطيب المتنبي وهو قوله : لقد تصبرت حتى لات مصطبر .. فالآن أقحم حتى لات مقتحم ، ما السبب الموجب لخفض مصطبر ومقتحم ولات ليست من أدوات الجر فأطال الكلام فيهما وأحسن الجواب عنهما ولولا التطويل لذكرت ما قاله.

ثم انتقل إلى الإسكندرية للإقامة بها فلم تطل مدته هناك وتوفي بها ضاحي نهار الخميس السادس والعشرين من شوال سنة ست وأربعين وستمائة ودفن خارج باب البحر بتربة الشيخ الصالح ابن أبي شامة ؛ وكان مولده في آخر سنة سبعين وخمسمائة بأسنا رحمه الله تعالى وأسنا بفتح الهمزة وسكون السين المهملة وفتح النون وبعدها ألف وهي بليدة صغيرة من الأعمال القوصية بالصعيد الأعلى من مصر “.

وذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء فقال : ” ابن الحاجب الشيخ الإمام العلامة المقرئ الأصولي الفقيه النحوي جمال الأئمة والملة والدين أبو عمرو عثمان بن عمر بن أبي بكر بن يونس الكردي الدويني الأصل الإسنائي المولد المالكي صاحب التصانيف ، ولد سنة سبعين وخمسمائة أو سنة إحدى – هو يشك – بإسنا من بلاد الصعيد وكان أبوه حاجبا للأمير عز الدين موسك الصلاحي.

اشتغل أبو عمرو بالقاهرة وحفظ القرآن وأخذ بعض القراءات عن الشاطبي وسمع منه (التيسير) وقرأ بطرق (المبهج) على الشهاب الغزنوي وتلا بالسبع على أبي الجود وسمع من أبي القاسم البوصيري وإسماعيل بن ياسين وبهاء الدين القاسم بن عساكر وفاطمة بنت سعد الخير وطائفة وتفقه على أبي المنصور الأبياري وغيره .

وكان من أذكياء العالم رأسا في العربية وعلم النظر درس بجامع دمشق وبالنورية المالكية وتخرج به الأصحاب وسارت بمصنفاته الركبان وخالف النحاة في مسائل دقيقه وأورد عليهم إشكالات مفحمة .

قال أبو الفتح بن الحاجب في ترجمة أبي عمرو بن الحاجب : هو فقيه مفت مناظر مبرز في عدة علوم متبحر مع دين وورع وتواضع واحتمال واطراح للتكلف ، قلت : ثم نزح عن دمشق هو والشيخ عز الدين بن عبد السلام عندما أعطى صاحبها بلد الشقيف للفرنج فدخل مصر وتصدر بالفاضلية .

قال ابن خلكان كان من أحسن خلق الله ذهنا جاءني مرارا لأداء شهادات وسألته عن مواضع من العربية فأجاب أبلغ إجابة بسكون كثير وتثبت تام ، ثم انتقل إلى الإسكندرية فلم تطل مدته هناك ، وبها توفي في السادس والعشرين من شوال سنة ست وأربعين وستمائة .

قلت : تلا عليه بالسبع شيخنا الموفق بن أبي العلاء وحدث عنه المنذري والدمياطي وأبو محمد الجزائري وأبو إسحاق الفاضلي وأبو علي بن الخلال وأبو الحسن بن البقال وجماعة ، وأخذ عنه العربية جماعة منهم شيخنا رضي الدين القسرطيني وقد رزقت كتبه القبول التام لجزالتها وحسنها ، وممن روى عنه ياقوت الحموي فقال : حدثني عثمان بن عمر النحوي المالكي حدثنا علي بن المفضل حدثنا السلفي أن النسبة إلى دوين دبيلي “.

وترجم له الإدفوي في كتابه الطالع السعيد الجامع أسماء نجباء الصعيد وذكر أشعاره ومروياته في الحديث فقال : ” عثمان بن عمر ابن الحاجب الأسنائىّ .. عثمان بن عمر بن أبى بكر بن يونس الدّوينىّ ، ابن الحاجب أبو عمرو ولد بأسنا وقرأ على الشّاطبىّ بعض القراءات وقرأ على أبى الفضل الغزنوىّ وعلى أبى الجود اللخمىّ وسمع الحديث على الشّاطبىّ وأبى القاسم البوصيرىّ وإسماعيل بن ياسين، وأبى عبد الله محمد بن أحمد بن حامد الأرتاحىّ وجماعة.

روى عنه الحافظ عبد العظيم المنذرىّ والحافظ منصور بن سليم الإسكندرانىّ وعبد المؤمن الدّمياطىّ الحافظ وأبو علىّ ابن الجلال وأبو الفضل الذّهبىّ وغيرهم ، وأخذ الفقه عن أبى منصور الأبيارىّ وغيره وتأدّب على الشّاطبىّ وغيره وصنّف فى الفقه والأصول والنّحو وبرع فى علوم كثيرة وكان صحيح الذّهن قوىّ الفهم حادّ القريحة.

قال الشّيخ الإمام أبو الفتح محمد بن علىّ القشيرىّ عنه : (هذا الرّجل تيسرت له البلاغة فتفيّأ ظلّها الظّليل وتفجّرت ينابيع الحكمة فكان خاطره ببطن المسيل وقرب المرمى فخفّف الحمل الثّقيل وقام بوظيفة الإيجاز فناداه لسان الإنصاف ما على المحسنين من سبيل).  

وكان رحمه الله من المحسنين الصالحين المتّقين تصدّر بالمدرسة الفاضليّة مدّة ثمّ توجّه إلى دمشق ، ولمّا حصل للشّيخ الإمام أبى محمد ابن عبد السّلام ما حصل بدمشق كان الشّيخ أبو عمرو يسعى فى أمره ونصرة قوله ، وذكره ابن خلّكان وأثنى عليه ثناء جميلا وقال : سألته عن مسئلة (إدخال الشّرط على الشّرط) فتكلّم فيها كلاما كثيرا.

انتفع النّاس بتصانيفه لما فيها من كثرة النّقل مع صغر الحجم وتحرير اللفظ ، منها المقدّمة فى النّحو والمقدّمة فى التّصريف وشرحهما وكتابه فى الفقه (جامع الأمّهات) وكتابه فى العروض وكتاباه فى أصول الفقه وشرح مقدّمة الزّمخشرىّ فى النّحو وله تعليق فى النّحو وفوائد مجموعة تكلّم فيها على آيات وأحاديث وكلّها متقنة كثيرة التّحقيق والتّدقيق ، ولد بأسنا فى أواخر سنة سبعين وخمسمائة وتوفّى بالإسكندرية فى يوم الخميس سادس عشرى شوّال سنة ستّ وأربعين وستّمائة.

أنبأتنا الشّيخة أمّ محمد وجيهة ابنة علىّ بن يحيى بن سلطان السّكندريّة أخبرنا الإمام أبو عمرو عثمان إجازة أخبرنا أبو القاسم هبة الله بن علىّ بن مسعود قراءة عليه وأنا أسمع أخبرنا مرشد بن يحيى بن القاسم المدينىّ بقراءة الحافظ أبى الطّاهر السّلفىّ عليه فى ذى الحجّة سنة ستّ وعشرين وخمسمائة أخبرنا علىّ بن عمر بن محمد الحرّانىّ قراءة عليه وأنا أسمع حدّثنا حمزة بن محمد الكنانىّ الحافظ إملاء فى شهر ربيع الأوّل سنة سبع وخمسين وثلاثمائة وفيها مات أخبرنا عمران بن موسى بن حميد حدّثنا يحيى بن عبد الله بن بكير حدّثنا الليث بن سعد عن عامر بن يحيى المعافرىّ عن أبى عبد الرّحمن الحبليّ قال : سمعت عبد الله بن عمرو يقول :

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : (يصاح برجل من أمّتى يوم القيامة فينشر له تسعة وتسعون سجلّا كلّ سجلّ منها مدّ البصر ثمّ يقول الله تبارك وتعالى له : أتنكر من هذا شيئا ؟ فيقول : لا يا ربّ ، فيقول : بلى لك عندى حسنات ، وإنّه لا ظلم عليك ، فتخرج له بطاقة فيها:  أشهد أن لا إله إلّا الله وأنّ محمدا عبده ورسوله ، فيقول : يا ربّ ما هذه البطاقة مع هذه السّجلّات ؟ فيقول : إنّك لا تظلم ، قال : فتوضع السّجلّات فى كفّة والبطاقة فى كفّة ، فطاشت السّجلّات وثقلت البطاقة) ، قال حمزة : لا أعلمه روى هذا الحديث غير الليث بن سعد وهو من أحسن الحديث أخرجه التّرمذىّ والنّسائىّ والحاكم أبو عبد الله في المستدرك.

وقال الشّيخ عبد الكريم الحلبىّ فى تاريخه أنشدنا الجلال إسماعيل  بن أحمد ابن إسماعيل القوصىّ هذين البيتين عنه : كنت إذا ما أتيت غيّا .. أقول بعد المشيب أرشد .. فصرت بعد ابيضاض شيبى .. أسوأ ما كنت وهو أسود ، وكان أبوه حاجب موسك الكردىّ ، وقال الكنجىّ فى تاريخ القدس : سمعت الفقيه الإمام الخطيب عبد المنعم بن يحيى يقول لم يكن أبوه حاجبا وإنّما كان يصحب بعض الأمراء فلمّا مات كان أبو عمرو صبيّا فربّاه الحاجب فعرف به والأوّل هو المشهور.

ومن نظمه أيضا ما أخبرنا به الفقيه المفتى أبو العبّاس أحمد ابن الصّفىّ الإسكندرىّ بها أنبأنا الحافظ منصور بن سليم أنشدنا أبو عمرو عثمان بن عمر بن أبى بكر ابن الحاجب لنفسه ممّا كتب إلىّ به : إن غبتم صورة عن ناظرىّ فما .. زلتم حضورا على التّحقيق فى خلدى .. مثل الحقائق فى الأذهان حاضرة .. وإن ترد صورة فى خارج تجد ، وله بيتان فى معناهما لكنّه قلبهما فى قافية أخرى فقال : إن تغيبوا عن العيون فأنتم فى قلوب حضوركم مستمرّ .. مثل ما تثبت الحقائق فى الذّهن وفى خارج لها مستقرّ.

ولمّا مات رثاه الفقيه العالم أبو العبّاس أحمد بن المنيّر بأبيات فقال : ألا أيّها المختال فى مطرف العمر .. هلمّ إلى قبر الفقيه أبى عمرو .. ترى العلم والآداب والفضل والتّقى .. ونيل المنى والعزّ غيّبن فى قبر .. وتوقن أن لا بد يرجع مرّة .. إلى صدف الأجداث مكنونه الدّرّ ، وذكره ابن مسدىّ وأثنى على دينه وعلمه وقال أنشدنى لنفسه قوله : قد كان ظنّى بأنّ الشّيب يرشدنى .. إذا أتى فإذا غيّى به كثرا .. ولست أقنط من عفو الكريم وإن .. أسرفت جهلا فكم عافى وكم غفرا .. إن خصّ عفو إلهى المحسنين فمن .. يرجو المسئ ويدعو كلّما عثرا ، وخصّه بثنائه ومدحه وأعفاه من ذمّه وقدحه وذلك من كراماته وإحدى بركاته رحمه الله تعالى “.

38 / إنباه الرواة بأنباه النحاة

أكبر كتاب تناول تراجم علماء النحو والصرف واللغة العربية في العصور الإسلامية هو كتاب (إنباه الرواة بأنباه النحاة) الذي صنفه النحوي والشاعر والكاتب والوزير جمال الدين القفطي الشيباني الذي ولد في قفط بصعيد مصر عام 568 هـ / 1172 م وتوفي في حلب عام 646 هـ / 1248 م وينحدر من قبيلة بني شيبان العربية البكرية المعروفة حيث كان والده القاضي الأشرف القفطي من أعيان نواب القاضي الفاضل في ديوان الإنشاء زمن السلطان صلاح الدين الأيوبي ووالدته بدوية من عرب قضاعة وكانت فصيحة مطبوعة تحفظ الشعر وترويه.

تلقى العلم في قفط والقاهرة والإسكندرية ثم صحب والد ه أثناء عمله في القدس ثم رحل إلى حلب التي كانت تحت حكم الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين وكانت بعيدة عن صراعات البيت الأيوبي التي اندلعت في بقية البلاد واشتغل بالكتابة ومجالسة العلماء ثم تولى أعمال الكتابة في الدواوين ثم تولى رئاسة ديوان الملك العزيز ابن الظاهر غازي عام 616 هـ وحتى عام 628 هـ ثم تولى الوزارة حتى وفاته واشتغل بالكتابة والتأليف فصنف عدة كتب من أشهرها هذا الكتاب الذي كان فريدا في بابه. 

ويشرح في مقدمة كتابه الهدف من تأليفه فقال : ” بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وبه توفيقى ، الحمد لله خالق الأمم وبارىء النسم علّم الإنسان ما لم يعلم وألهمه البيان فهو يورده تارة باللسان ومرة بالقلم سبحانه من قادر قاهر أعاد إلى العدم عادا ولم ترمّم بعدها إرم ، قال الشيخ الأجل الإمام الواثق بعفو ربه جمال الدين أبو الحسن علىّ بن يوسف بن إبراهيم بن عبد الواحد الشيبانىّ القفطىّ عفا الله عنه :

أما بعد ، فقد كان بعض منتحلى صناعة التصنيف قد أجرى ذكر أخبار النحاة ورغب فى جمعها ، وكان عادم الموادّ فسأل إعارته بعض ما أنعم الله به من أوعية العلوم فأجبته إلى ملتمسه ونبّهته على الترتيب والتبويب وأعنته غاية إمكانى ، فلما فرغ منه أو كاد طلب ورقا ليبيّض منه نسخة لأجلى، فمكّنته من ذلك ثم بلغنى أنه أباع الورق وتعلّل عن النّسخ لهذا المجموع وغيره ، فذهب كالمغضب فالتقمه حوت الموت وهو مليم فأرجو ألّا يكون من كذبه ولؤمه فى العذاب الأليم.

وقد شرعت – بتأييد الله وتوفيقه – في جمع ما أمكن من ذلك واستثارة كامنه من مكامنه واستنباط وارده من موارده والتورّد على مناهله فى مجاهله واختراف أثماره من أشجاره واقتطاف نوّاره من أزهاره بعد أن استوعبت جهد الإمكان حسب ما وقع إلىّ من الموادّ على تطاول الزمان ، وذكرت مشايخ علمى النحو واللغة ممّن تصدّر لإفادتهما تصنيفا وتدريسا ورواية فى أرض الحجاز واليمن والبحرين وعمان واليمامة والعراق وأرض فارس والجبال وخراسان وكرمسير وغزنة وما وراء النهر وأذربيجان والمذار وإرمينية والموصل وديار بكر وديار مضر والجزيرة والعواصم والشام، والساحل وومصر وعملها وإفريقية ووسط المغرب وأقصاه وجزيرة الأندلس، وجزيرة صقلّيّة.     

وبالله أسترشد ومنه أستمدّ الإعانة والتوفيق ، وقد جعلته على حروف المعجم ليسهل تناوله بحول الله وقوته له العزة لا إله غيره ولا ربّ سواه “.

وترجم له ابن شاكر الكتبي في فوات الوفيات وذكر مؤلفاته العديدة فقال : ” ابن القفطي .. علي بن يوسف بن إبراهيم بن عبد الواحد بن موسى وزير حلب القاضي الأكرم الوزير جمال الدين أبو الحسن ابن القفطي أحد الكتاب المشهورين وكان أبوه القاضي الأشرف كاتباً أيضاً ؛ ولد بقفط من الصعيد الأعلى بالديار المصرية وأقام بحلب وكان يقوم بعلوم من اللغة والنحو والفقه والحديث وعلوم القرآن والأصول والمنطق والنجوم والهندسة والتاريخ والجرح والتعديل ؛ ولد سنة ستين وخمسمائة وتوفي سنة ست وأربعين وستمائة.

وكان صدراً محتشماً كامل السؤدد جمع من الكتب ما لا يوصف وقصد بها من الآفاق وكان لا يحب من الدنيا سواها ولم يكن له دار ولا زوجة وأوصى بكتبه للناصر صاحب حلب وكانت تساوي خمسين ألف دينار ، وله حكايات غريبة في غرامه بالكتب وهو أخو المؤيد ابن القفطي ، ومن شعره : ضدان عندي قصرا همتي .. وجه حيي ولسان وقاح .. إن رمت أمراً خانني ذو الحيا .. ومقول يطمعني في النجاح .. فأنثني في حيرة منهما .. لي مخلب ماض وما من جناح .. شبه جبان فر من معرك .. خوفاً وفي يمناه عضب الكفاح.

وله من التصانيف كتاب (الضاد والظاء) وهو ما اشتبه في اللفظ واختلف في المعنى والخط ، كتاب الدر الثمين في أخبار المتيمين ، كتاب من ألوت الأيام عليه فرفعته ثم التوت عليه فوضعته ، كتاب أخبار المصنفين وما صنفوه ، كتاب (أخبار النحويين) كبير ، كتاب أخبار مصر من ابتدائها إلى أيام صلاح الدين ست مجلدات ، كتاب تاريخ المغرب ، كتاب تاريخ اليمن ، كتاب المحلى في استيعاب وجوه كلا  ، كتاب إصلاح خلل صحاح الجوهري ، كتاب (الكلام على الموطأ) لم يتم ، كتاب (الكلام على صحيح البخاري) لم يتم ، تاريخ محمود بن سبكتكين وبيته ، كتاب تاريخ السلجوقية ، كتاب الإيناس في أخبار آل مرداس ، كتاب الرد على النصارى وذكر مجامعهم ، كتاب مشيخة تاج الدين الكندي ، كتاب (نهزة الخاطر ونزهة الناظر) في أحاسن ما نقل من ظهور الكتب “.

وذكره الإدفوي في كتابه (الطالع السعيد الجامع أسماء نجباء الصعيد) فقال : ” علىّ بن يوسف الوزير جمال الدّين القفطىّ .. علىّ بن يوسف بن إبراهيم بن عبد الواحد بن موسى بن أحمد بن محمد بن إسحاق ابن محمد بن ربيعة الشّيبانىّ القفطىّ الوزير جمال الدّين أبو الحسن ، سمع الحديث من أبى الطّاهر ابن بنان بمصر وبحلب من جماعة وروى عن الحافظ أبى الطّاهر السّلفىّ بالإجازة.

قال الحافظ أبو عبد الله محمد البغدادىّ : (اجتمعت به فوجدته جمّ الفضائل ذا علوم غزيرة وفواضل مستنيرة عظيم القدر سخىّ الكف طلق الوجه حلو الشّمائل مشاركا لأرباب كلّ علم من النّحو واللغة والفقه والحديث وعلم القراءات والأصول والمنطق والنّجوم والهندسة والتاريخ) ، انتهى.

قرأ النّحو على الشّيخ العالم صالح بن عادي وذكر فى كتابه (أنباه النّحاة) أنّه انتفع به ، وله يد فى الأدب وكان ممدّحا مدحه ياقوت الحموىّ وغيره ، وولى الوزارة بحلب فى أوائل سنة أربع عشرة وستّمائة ثمّ عزل ثمّ أعيد ، وله تصانيف فى فنون منها كتاب أخبار المصنّفين وما صنّفوه وكتاب إنباه الرّواة فى أنباه النّحاة وكتاب تاريخ اليمن وكتاب تاريخ مصر إلى أيام الملك النّاصر صلاح الدّين وكتاب تاريخ بنى بويه وكتاب تاريخ الملوك السّلجوقيّة وكتاب أشعار اليزيدين وغير ذلك.

ولد بقفط سنة ثمان وستّين وخمسمائة ومات بحلب سنة ستّ وأربعين وستّمائة وله شعر وأدب ، ذكره الحافظ عبد المؤمن فيمن أجاز له وذكره ابن سعيد وقال : نظم بيتين فى جارية اشتراها وهما : تبدّت فهذا البدر من كلف بها .. وحقّك مثلى فى دجى الليل حائر .. وماست فشقّ الغصن غيظا ثيابه .. ألست ترى أوراقه تتناثر ، قال : وزعم أنّه لا يؤتى لهما بثالث فأنشدته فى الحال : وعاجت فألقى العود فى النّار نفسه .. كذا نقلت عنه الحديث المجامر .. وقالت فغار الدّرّ واصفرّ لونه .. لذلك ما زالت تغار الضّرائر “.

وقد تكلم عنه ياقوت الحموي في معجم الأدباء وأطال في مدحه بعد أن استضافه في حلب وأكرم وفادته فكتب عنه وعن أسرته ونسبه ومنها قوله : ” علي بن يوسف بن إبراهيم بن عبد الواحد بن موسى بن أحمد بن محمد بن إسحاق بن محمد بن ربيعة بن الحارث بن قريش بن أبي أوفى بن أبي عمرو بن عادية بن حيان بن معاوية بن تيم بن شيبان بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل ، أبو الحسن القفطي : يعرف بالقاضي الأكرم.

أحد الكتّاب المشهورين المبرزين في النظم والنثر، وكان أبوه القاضي الأشرف كاتبا أيضا منشئا ، وكانت أمه امرأة من بادية العرب من بليّ من قضاعة وأمها جارية حبشية كانت لأخت أبي عزيز قتادة الحسني أمير مكة تزوجها أحد بني عمها العلويين وجاءت منه بأولاد ثم مات عنها فتزوجها رجل من بليّ فجاءت منه ببنين وبنات منهم أمّ القاضي الأكرم أدام الله علوّه.

وكان والده الأشرف خرج يشتري فرسا من تلك البوادي وقد قاربوا أرض مضر للنجعة فرآها فوقعت منه بموقع فتزوجها ونقلها إلى أهله ، وكانت ربما خرجت في الأحيان إلى البادية استرواحا على ما ألفته ونشأت عليه ويخرج ابنها معها مدّة ، قال : وكانت امرأة صالحة مصلية حسنة العبادة فصيحة اللهجة وكانت اذا أردت سفرا اشتغلت بما يصلح أموري في السفر وهي تبكي وتقول : أجهّز زيدا للرحيل وإنني .. بتجهيز زيد للرحيل ضنين ..

اجتمعت بخدمته في حلب فوجدته جمّ الفضل كثير النبل عظيم القدر سمح الكفّ طلق الوجه حلو البشاشة وكنت ألازم منزله ويحضره أهل الفضل وأرباب العلم فما رأيت أحدا فاتحه في فنّ من فنون العلم كالنحو واللغة والفقه والحديث وعلم القرآن والأصول والمنطق والرياضة والنجوم والهندسة والتاريخ والجرح والتعديل – وجميع فنون العلم على الاطلاق – إلا وقام به أحسن قيام وانتظم في وسط عقدهم أحسن انتظام ..

وكان الأكرم القاضي المذكور جماعة للكتب حريصا عليها جدا لم أر في من لقيت مع اشتمالي على الكتب وبيعي لها وتجارتي فيها أشدّ اهتماما منه بها ولا أكثر حرصا منه على اقتنائها وحصل له منها ما لم يحصل لأحد ، وكان مقيما بحلب وذلك أنه نشأ بمصر وأخذ بها من كلّ علم بنصيب.

ولي والده القاضي الأشرف النظر بالبيت المقدس من قبل الملك العزيز عثمان بن صلاح الدين بن أيوب وصحبه القاضي الأكرم وذلك في سنة إحدى وتسعين وخمسمائة وأقام بها مع والده مدة فآنس ولاة البيت المقدس من القاضي الأكرم – أدام الله عزه – شرف نفس وعلوّ همة فأحبوه واشتملوا عليه وكانوا يسألونه أن يتسم بخدمة أحد منهم فلم يكن يفعل ذلك مستقلا وإنما كان يسام العمل ويعتمد على رأيه في تدبير الأحوال وكان لا يدخل معهم إلا فيما لا يقوم غيره فيه مقامه “.

39 / الجامع لمفردات الأدوية والأغذية

(الجامع لمفردات الأدوية والأغذية) هو عنوان الكتاب الذي ألفه رئيس العشابين بالديار المصرية الطبيب والعالم ضياء الدين أبو محمد عبد الله بن أحمد المالقي المعروف بلقب (ابن البيطار) والذي اشتهر أيضا بلقب النباتي والعشاب ، وقد كتبه بطلب من السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب وأتقن فيه واجتهد حتى صار أكبر مرجع في علم الصيدلة في العصور الوسطى حيث جمع فيه ما كتبه علماء الإغريق القدماء وعلماء العرب في زمنهم وأضاف إلى كل ذلك تجاربه العملية ومشاهداته المختلفة.

ويضم الكتاب أربعة أجزاء تقع في قرابة ألف صفحة وقد طبع في العصر الحديث أكثر من مرة ، وله كتب أخرى منها كتاب الأقرباذين وهو يحتوي على مجموعة من الأدوية مع وصف جميع النباتات والأحجار والمعادن والحيوانات التي لها خواص طبية، وقد ألف هذا الكتاب أثناء وجوده في مصر ، وله رسالة في تداوي السموم منها نسخة محفوظة بدار الكتب المصرية بالقاهرة ، وله كتاب يسمى تفسير كتاب ديسقوريدوس وهو عبارة عن قاموس عرب يوناني مع شرح للأدوية النباتية والحيوانية.

وله كتاب ميزان الطبيب وهو في مجال في الطب العلاجي وألفه بطلب من الأمير شهاب الدين أحمد بن عيسى وقسمه إلى ثمانين بابًا مرتبة بحسب أعضاء الجسد وله نسخة مخطوطة في جامعة أبسالا بالسويد ، وله كتاب المغني في الأدوية المفردة وهو معجم في الأدوية وقد رتبه وفق أعضاء الجسد بشكل مبسط وقسّمه إلى عشرين فصلًا بحسب الأعضاء وضمن كل فصل الأدوية المفردة المناسبة لأمراض العضو المقصود والتي لا يستطيع الطبيب الاستغناء عنها وذلك بطريقة مختصرة مفيدة للأطباء وطلاب الطب.

وله كتاب هام آخر في مجال البحث الطبي وهو (الإبانة والإعلام بما في المنهاج من الخلل والأوهام) وقد كتبه تعليقا على كتاب (منهاج البيان فيما يستعمله الإنسان) والذي كتبه العالم ابن جزلة البغدادي المتوفي عام 493 هـ بالعراق والذي جمع فيه الأدوية والأغذية والأشربة حيث استخرج ابن البيطار المواد التي تثير النقاش والنقد ونبه على أخطائه وما خلط فيه من أسماء الأدوية ورتبها ترتيبًا أبجديًا ، وهذا الكتاب موجود اليوم في مخطوطة فريدة محفوظة في مكتبة الحرم المكي الشريف.

ولد ابن البيطار في مدينة مالقة الأندلسية عام 593 هـ / 1197 هـ وتوفي في دمشق عام 646 هـ / 1248 م ، هاجر في مطلع شبابه إلى المغرب ومنها إلى مصر حيث قام بعدة رحلات إلى الحجاز والشام والأناضول واليونان والعراق وفارس حيث كان مهتما في الأصل بعلم النبات ، ثم دخل في خدمة الملك الكامل الأيوبي الذي قربه ورعاه وعينه في منصب رئيس العشابين في مصر واستمر فيها في عهد ولده الصالح نجم الدين أيوب وتنقل معه بين القاهرة ودمشق.

ويُعد ابن البيطار من رواد للعلاج الضوئي الكيميائي ، فقد استخدم بذور نبات الخلة في علاج البهاق فكان يَخلط بذور الخلة مع عسل النحل ويُقدمها للمريض ثم يجعله يتعرَّض للشمس ساعة أو ساعتين حتى يتصبَّب عرقًا ، وكان يُتابع حالة مرضاه بدقة حتى إنه ذكَر أن البقع المُصابة تتأثَّر وتَظهر بها فقاعات بينما الجلد السليم لا يتأثَّر ثم تكتسب اللون الطبيعي بالتدريج ، وهو أول من ذكر أن الجلد المُصاب يصعب علاجه فوق النتوءات العظمية في هذا المرض.

وكان ابن البيطار يؤكد على أهمية التجربة في كل مؤلفاته ويقصد بالتجربة ما ثبتت صحته ويتحقق من صدقه من خلال ملاحظة النباتات وامتحان خواصها وتصنيفها ومتابعة أحوال النباتات ورصد مراحل تطورها ، ثم القيام بعد ذلك بتدوين وتسجيل أسماء الأدوية حيث كان يكتب الاسم مضبوطًا بالشكل والنقط و يتوخى الدقة والحرص في إقامة التجارب والاختبارات للنباتات.

وكان يبين منافع الأدوية وأهميتها لعلاج الأمراض ويحدد القدر المناسب منها ويحذر من الإفراط في استخدامها لأنه قد يؤدي إلى الضرر بالإنسان كما يبحث عن البديل منها للدواء الأصلي إذا كان غير متوفر ويرى أنه ليس من الضرر الاستعانة بغيره إذا لم يتيسر الحصول عليه ، ولم يقتصر ابن البيطار على الاستعانة بالنباتات والأعشاب ذات الأصول النباتية بل استعان بالمواد ذات الأصول الحيوانية  التي يمكن أن تستخلص منها العقاقير. 

ويشرح في مقدمة كتابه منهجه العلمي والبحثي فيقول : ” بسم اللّه الرحمن الرحيم  ، المقدمة : الحمد لله الذي خلق بلطيف حكمته بنية الإنسان واختصه بما علمه من بديع البيان وسخر له ما في الأرض من جماد ونبات وحيوان وجعلها له أسباباً لحفظ الصحة وإماطة الداء يستعملها بتصريفه في حالتي عافيته ومرضه بين الدواء والغذاء ، نحمده حمد الشاكرين ونصلي على أنبيائه أجمعين.

وبعد ، فإنه لما رسم بالأوامر المطاعة العالية المولوية السلطانية الأعظمية الملكية الصالحية النجمية لا زالت نافذة في المغارب والمشارق وأرزاقها شاملة لكافة الخلائق وبواترها ماضية في قمم الأعداء والمفارق ، بوضع كتاب في الأدوية المفردة تذكر فيه ماهياتها وقواها ومنافعها ومضارها وإصلاح ضررها والمقدار المستعمل من جرمها أو عصارتها أو طبيخها والبدل منها عند عدمها.

قابل عبد عتباتها وغذي نعمتها هذه الأوامر العالية بالامتثال وسارع إلى الانتهاء إليها في الحال ووضع هذا الكتاب مشتملاً على ما رسم به وعرف بسببه وأودع فيه مع ذلك أغراضاً يتميز بها عما سواه ويفضل على غيره بما اشتمل عليه وحواه.

الغرض الأول بهذا الكتاب استيعاب القول في الأدوية المفردة والأغذية المستعملة على الدوام والاستمرار عند الاحتياج إليها في ليل كان أو نهار مضافاً إلى ذلك ذكر ما ينتفع به الناس من شعار ودثار ، واستوعبت فيه جميع ما في الخمس مقالات من كتاب الأفضل ديسقوريدوس بنصه وكذا فعلت أيضاً بجميع ما أورده الفاضل جالينوس في الست مقالات من مفرداته بفصه ثم ألحقت بقولهما من أقوال المحدثين في الأدوية النباتية والمعدنية والحيوانية ما لم يذكراه ، ووصفت فيها عن ثقات المحدثين وعلماء النباتيين ما لم يصفاه وأسندت في جميع ذلك الأقوال إلى قائلها وعرفت طرق النقل فيها بذكر ناقلها واختصصت بما تم لي به الاستبداد وصح لي القول فيه ووضح عندي عليه الاعتماد.

الغرض الثاني صحة النقل فيما أذكره عن الأقدمين وأحرره عن المتأخرين فما صح عندي بالمشاهدة والنظر وثبت لدي بالخبر لا الخبر ادخرته كنزاً سرياً وعددت نفسي عن الاستعانة بغيري فيه سوى الله غنياً ، وما كان مخالفاً في القوى والكيفية والمشاهدة الحسية في المنفعة والماهية للصواب والتحقيق أو أن ناقله أو قائله عدلاً فيه عن سواء الطريق نبذته ظهرياً وهجرته ملياً وقلت لناقله أو قائله لقد جئت شيئاً فرياً ولم أحاب في ذلك قديماً لسبقه ولا محدثاً أعتمد غيري على صدقه.

الغرض الثالث ترك التكرار حسب الإمكان إلا فيما تمس الحاجة إليه لزيادة معنى وتبيان ، الغرض الرابع تقريب مأخذه بحسب ترتيبه على حروف المعجم مقفى ليسهل على طالب ما طلب من غير مشقة ولا غناء ولا تعب ، الغرض الخامس التنبيه على كل دواء وقع فيه وهم أو غلط المتقدم أو متأخر لاعتماد أكثرهم على الصحف والنقل واعتمادي على التجربة والمشاهدة حسب ما ذكرت قبل ، الغرض السادس في أسماء الأدوية بسائر اللغات المتباينة في السمات مع أني لم أذكر فيه ترجمة دواء إلا وفيه منفعة مذكورة أو تجربة مشهورة.

وذكرت كثيراً منها بما يعرف به في الأماكن التي تنبت فيها الأدوية المسطورة كالألفاظ البربرية واللاطينية وهي أعجمية الأندلس إذ كانت مشهورة عندنا وجارية في معظم كتبنا وقيدت ما يجب تقييده منها بالضبط وبالشكل والنقط تقييداً يؤمن معه من التصحيف ويسلم قارئه من التبديل والتحريف إذ كان أكثر الوهم والغلط الداخل على الناظرين في الصحف إنما هو من تصحيفهم لما يقرؤونه أو سهواً لورّاقين فيما يكتبونه.

وسميته بالجامع لكونه جمع بين الدواء والغذاء واحتوى على الغرض المقصود مع الإيجاز والاستقصاء ، وهذا حين أبتدي وبالله أستعين وأهتدي “.

وقد ترجم له تلميذه ابن أبي أصيبعة في كتابه عيون الأنباء في طبقات الأطباء وذلك في الفصل الخاص بأطباء مصر فقال : ” فقال ضِيَاء الدّين بن البيطار .. هُوَ الْحَكِيم الْأَجَل الْعَالم أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن أَحْمد المالقي النباتي وَيعرف بِابْن البيطار أوحد زَمَانه وعلامة وقته فِي معرفَة النَّبَات وتحقيقه واختياره ومواضع نَبَاته ونعت أَسْمَائِهِ على اختلافها وتنوعها.

سَافر إِلَى بِلَاد الأغارقة وأقسى بِلَاد الرّوم وَلَقي جمَاعَة يعانون هَذَا الْفَنّ وَأخذ عَنْهُم معرفَة نَبَات كثير وعاينه فِي موَاضعه وَاجْتمعَ أَيْضا فِي الْمغرب وَغَيره بِكَثِير من الْفُضَلَاء فِي علم النَّبَات وعاين منابته وَتحقّق ماهيته وأتقن دراية كتاب ديقوريدس إتقانا بلغ فِيهِ إِلَى أَن لَا يكَاد يُوجد من يجاريه فِيمَا هُوَ فِيهِ وَذَلِكَ أنني وجدت عِنْده من الذكاء والفطنة والدراية فِي النَّبَات وَفِي نقل مَا ذكره ديسقوريدس وجالينوس فِيهِ مَا يتعجب مِنْهُ.

وَأول اجتماعي بِهِ كَانَ بِدِمَشْق فِي سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة ، وَرَأَيْت أَيْضا من حسن عشرته وَكَمَال مروءته وَطيب أعراقه وجودة أخلاقه ودرايته وكرم نَفسه مَا يفوق الْوَصْف ويتعجب مِنْهُ ، وَلَقَد شاهدت مَعَه فِي ظَاهر دمشق كثيرا من النَّبَات فِي موَاضعه وقرأت عَلَيْهِ أَيْضا تَفْسِيره لأسماء أدوية كتاب ديسقوريدس فَكنت أجد من غزارة علمه ودرايته وفهمه شَيْئا كثيرا جدا.

وَكنت أحضر لدينا عدَّة من الْكتب الْمُؤَلّفَة فِي الْأَدْوِيَة المفردة مثل كتاب ديسقوريدس وجالينوس والفافقي وأمثالها من الْكتب الجليلة فِي هَذَا الْفَنّ فَكَانَ يذكر أَولا مَا قَالَه ديسقوريدس فِي كِتَابه بِاللَّفْظِ اليوناني على مَا قد صَححهُ فِي بِلَاد الرّوم ثمَّ يذكر جمل مَا قَالَه ديسقوريدس من نَعته وَصفته وأفعاله وَيذكر أَيْضا مَا قَالَه جالينوس فِيهِ من نَعته ومزاجه وأفعاله وَمَا يتَعَلَّق بذلك وَيذكر أَيْضا جملا من أَقْوَال الْمُتَأَخِّرين وَمَا اخْتلفُوا فِيهِ ومواضع الْغَلَط والاشتباه الَّذِي وَقع لبَعْضهِم فِي نَعته.

فَكنت أراجع تِلْكَ الْكتب مَعَه وَلَا أَجِدهُ يُغَادر شَيْئا مِمَّا فِيهَا ، وأعجب من ذَلِك أَيْضا أَنه كَانَ مَا يذكر دَوَاء إِلَّا ويعين فِي أَي مقَالَة هُوَ من كتاب ديسقوريدس وجالينوس وَفِي أَي عدد هُوَ من جملَة الْأَدْوِيَة الْمَذْكُورَة فِي تِلْكَ الْمقَالة.

وَكَانَ فِي خدمَة الْملك الْكَامِل مُحَمَّد بن أبي بكر بن أَيُّوب وَكَانَ يعْتَمد عَلَيْهِ فِي الْأَدْوِيَة المفردة والحشائش وَجعله فِي الديار المصرية رَئِيسا على سَائِر العشابين وَأَصْحَاب البسطات ، وَلم يزل فِي خدمته إِلَى أَن توفّي الْملك الْكَامِل رَحمَه الله بِدِمَشْق ، وَبعد ذَلِك توجه إِلَى الْقَاهِرَة فخدم الْملك الصَّالح نجم الدّين أَيُّوب بن الْملك الْكَامِل وَكَانَ حظيا عِنْده مُتَقَدما فِي أَيَّامه ، وكانت وَفَاة ضاء الدّين العشاب رَحمَه الله بِدِمَشْق فِي شهر شعْبَان سنة سِتّ وَأَرْبَعين وسِتمِائَة فَجْأَة.

ولضياء الدّين بن البيطار من الْكتب : كتاب الْإِبَانَة والأعلام بِمَا فِي الْمِنْهَاج من الْخلَل والأوهام ، شرح أدوية كتاب ديسقوريدس ، كتاب الْجَامِع فِي الْأَدْوِيَة المفردة وَقد استقصى فِيهِ ذكر الْأَدْوِيَة المفردة وأسمائها وتحريرها وقواها ومنافعها وَبَين الصَّحِيح مِنْهَا وَمَا وَقع الِاشْتِبَاه فِيهِ وَلم يُوجد فِي الْأَدْوِيَة المفردة كتاب أجل وَلَا أَجود مِنْهُ وصنفه للْملك الصَّالح نجم الدّين أَيُّوب بن الْملك الْكَامِل ، كتاب الْمُغنِي فِي الْأَدْوِيَة المفردة وَهُوَ مُرَتّب بِحَسب مداواة الْأَعْضَاء الآلمة ، كتاب الْأَفْعَال الغريبة والخواص العجيبة “.

وذكره ابن فضل الله في كتابه مسالك الأبصار في ممالك الأمصار وحكى قصة وفاته الغريبة فقال : ” ابن البيطار .. عبد الله بن أحمد المالقي النباتي ضياء الدين أبو محمد ، سحاب أتى سيله فطمّ على القرى وسحب ذيله فتم نشج العبقرى وكأنما كان بأسرار الأدوية مناجي أو أوتي أجزل من ابن جزلة منهاجا لعلم بالعقاقير وأشخاصها وعموم منافعها واختصاصها مع حسن جمع وإتقان ما يلج في سمع ، وعرف فيها مقالات الحكماء وحزرها وألّف فيها المطوّلات وحبّرها وكان نسيج وحده ووشيج جفان بأسده ، تقلّب في البلاد وجلب ما يبقى على الآباد ثم مات ولله في خلقه أمر وجناها على نفسه وقال بيدي لا بيد عمرو ..

قلت : ويحكى أنه سمّ نفسه فمات ! ، حدثني الحكيم أمين الدين سليمان بن داود المتطبّب قال : كان الملك الصالح قد أعطى ابن البيطار ألف دينار لينفقها على أثمان أدوية دعت إليها حاجته واجتناء حشائش شامية ورومية فلما أتى بيت المقدس رأى امرأة نصرانية اسمها مريم فأحبّها وأنفق عليها ذلك المال حتى أنفده وأهمل حاجة الملك الصالح.

فلما قدم الملك الصالح إما قال القدس أو قال دمشق ، لم يكن لابن البيطار دأب ليله أراد الصالح يدخل البلد في صباحها إلا أنه أحضر النصرانية وبات معها في أكل وشرب واستماع غناء واستمتاع حتى كان الثلث الآخر فأخرج حشيشة معه فسحقها في هون ثم استفها ونام وقال : غطوني ثم إذا أصبحتم لا تسحقوا شيئا في الهون حتى تجيدوا غسله فإنه قد صار مسموما ، فلم يفهموا مقاله إلى أن أصبحوا فرأوه ميتا ففهموا ما كان قاله وغسلوا الهون ، فلما دخل السلطان سأل عنه فحكيت إليه القصة فقال : لقد أساء بنا الظن وأين مثله لأشتريه بشطر ملكي والله لو علمت لأعطيته عشرة آلاف دينار يصرفها في لذته وكان أمتعنا بنفسه.

قلت : ويحكى أنه ترك عقاقير كثيرة ومفردات عدة لم يذكرها في كتابه الجامع ضنا بها وبخلا على غيره بمعرفتها ، قال لي الحكيم صلاح الدين ابن البرهان : كان ابن البيطار يعرف مما يدخل في علم الكيمياء أشياء لم يذكره في جامعه ، قلت : وابن البرهان كان مغرى بالكيمياء مصدقا بعلمها وإن كان لا يعملها بيده ولهذا أظنه قال ما قال (الوافر) : وكل يدعي وصلا بليلى .. وليلى لا تقر لهم بذاك “.

وذكره شمس الدين الذهبي في كتابه سير أعلام النبلاء فقال : ” ابْنُ البَيْطَارِ ضِيَاءُ الدِّيْنِ عَبْدُ اللهِ بنُ أَحْمَدَ المَالَقِيُّ  .. العَلاَّمَةُ ضِيَاء الدِّيْنِ عَبْد اللهِ بن أَحْمَدَ المَالَقِيّ النَّبَاتِيّ الطَّبِيْب ابْن البَيْطَار، مُصَنِّفُ كِتَابِ (الأَدويَة المفردَة) وَمَا صُنِّفَ فِي مَعْنَاهُ مِثْله ، انْتَهَت إِلَيْهِ مَعْرِفَة الحشَائِش وَسَافَرَ إِلَى أَقَاصي بِلاَد الرُّوْمِ وَحرر شَأْن النّبَاتِ ، وَكَانَ أَحَدَ الأَذكيَاء وَخدم الْملك الكَامِل، وَابْنه الْملك الصَّالِح ، تُوُفِّيَ بِدِمَشْقَ سَنَة سِتٍّ وَأَرْبَعِيْنَ وَسِتِّ مائَةٍ “.

وذكره المقري في كتابه نفح الطيب فقال : ” الطبيب الماهر الشهير ضياء الدين أبو محمد عبد الله بن أحمد بن البيطار  المالقي نزيل القاهرة ،  وهو الذي عناه ابن سعيد في كتابه (المغرب) بقوله : وقد جمع أبو محمد المالقي الساكن الآن بقاهرة مصر كتابا في هذا الشأن حشر فيه ما سمع به فقدر عليه من تصانيف الأدوية المفردة ككتاب الغافقي وكتاب الزهراوي وكتاب الشريف الإدريسي الصقلي وغيرها وضبطه على حروف المعجم وهو النهاية في مقصده “.

وذكره ابن شاكر الكتبي في كتابه فوات الوفيات فقال : ” ابن البيطار .. عبد الله بن أحمد الحكيم العلامة ضياء الدين ابن البيطار الأندلسي المالقي النباتي الطبيب مصنف كتاب الأدوية المفردة ولم يصنف مثله ، وكان ثقة فيما ينقله حجة، وإليه انتهت معرفة النبات وتحقيقه وصفاته وأسماؤه وأماكنه لا يجاري في ذلك، سافر إلى بلاد الأغارقة وأقصى بلاد الروم وأخذ فن النبات عن جماعة، وكان ذكياً فطناً..

وتوفي بدمشق في شعبان سنة ست وأربعين وستمائة ، وكان بمصر رئيساً على سائر العشابين وأصحاب البسطات ، ثم إنه خدم بعد الكامل الصالح وحظي عنده وله كتاب المغني في الطب وهو مجيد مرتب على مداواة الأعضاء وكتاب الأفعال الغريبة والخواص العجيبة والإبانة والإعلام على ما في المنهاج من الخلل والأوهام وكتاب الأدوية المفردة رحمه الله تعالى “.

40 / أزهار الأفكار في جواهر الأحجار 

في نهاية القرن السابع الهجري قام محمد بن مكرم ابن منظور بتجميع مخطوطات كتاب ( فصل الخطاب في مدارك الحواس الخمس لأولي الألباب) الذي كتبه أستاذه أحمد بن يوسف التيفاشي والذي كان صديقا لوالده جلال الدين المكرم ، وكتب له مقدمة لطيفة وأطلق عليه اسم (سرور النفس بمدارك الحواس الخمس) والذي يشمل موضوعات متنوعة منها مظاهر الطبيعة وعالم الحيوان وجزء في الطب بعنوان الشفاء وجزء في الموسيقى بعنوان متعة الأسماع في علم السماع وجزآن في تاريخ الأمم.

ومن ضمنها مخطوطة كانت في الأصل كتابا مستقلا يعد من بواكير الكتابات في علم الجيولوجيا في العصور الوسطى بعنوان (أزهار الأفكار في جواهر الأحجار) تتضمن دراسة موضوعية للأحجار الكريمة وتفاعلاتها مع الأحماض والمواد المختلفة ، وقد عده القلقشندي صاحب صبح الأعشى أحسن مصنف في الأحجار ونقل عنه في عدة مواضع كما ذكر منه بروكلمان ما يربو على عشرين مخطوطة في المكتبات المختلفة ومنها واحدة تم تحقيقها وطباعتها عام 1977 م في القاهرة.

ونقل منه علي بن عبد الله الغزولي البهائي الدمشقي في كتابه (مطالع البدور ومنازل السرور) فقال : ” قال الفاضل أبو العباس شهاب الدين أحمد بن يوسف التيفاشي : في الجوهر اسم عام يطلق على الكبير والصغير منه فما كان كبيراً فهو الدر وما كان صغيراً فهو اللؤلؤ المسمى حباً ويسمى أيضاً اللؤلؤ الدق ولؤلؤ النظم.

وحيوان الجوهر الذي يتكون فيه كبيره وصغيره يسمى باليونانية أسطوروس يعلو لحم ذلك الحيوان صدفتان ملازمتان لجسمه والذي يلي الصدفتين من لحمه أسود ولهذا الحيوان فم وأذنان وشحم يلي الفم من داخلهما إلى غاية الصدفتين والباقي رغوة وصدفة وماء.

قال التيفاشي مما جربته واختبرته ووقفت عليه بالعمل أن حماض الأترج يحل الجوهر إلا أنه يحله خائراً مثل المني لا يعلق بالأجسام إذا طلي عليها والمياه الحادة الطاهرة القوية الحريفة تحله رجراجاً يعلق بالأجسام على ما يوجبه القياس في حل الحماض له وقد جربته فصح “.

والمؤلف هو شرف الدين ألو الفضل أحمد بن يوسف بن أحمد بن أبي بكر ابن حمدون القيسي التيفاشي (القيسي نسبة إلى قبيلة عبس القيسية العربية والتيفاشي نسبة إلى قرية تيفاش بجوار قفصة في تونس) ، ولد في قريته عام 580 هـ / 1184 م لأسرة من العلماء والشيوخ ورحل إلى مصر صغيرا وتعلم بها ثم سافر إلى العراق والشام ثم ولي القضاء في بلده ثم عاد إلى القاهرة وتوفي بها في عام 651 هـ / 1153 م  ، وهو شاعر وأديب وعالم موسوعي.

وكان يقوم بجولات ميدانية لاستخراج المعادن والبحث عنها ومعاينتها ومحادثة المتخصصين والمهتمين بهذا العلم فكان يدارسهم يناقشهم ويقوم بالرحلات الميدانية معهم مدونا كل ما يسمعه منهم من أوصافها وعن أماكن تواجدها كما كان يجالس التجار للتعرف على أثمانها وقيمتها ، وله ديوان شعري ومن أشهر أشعاره قوله في أهرام مصر : قد كان للماضين من .. أرباب مصر همم .. فالفضل عنهم فضلة .. والعلم فيهم علم .. إن انقضت أعلامهم .. وعلمهم وانصرموا .. فاليوم مصر عدم .. إن كان يرجى العدم .. وانظر تراها ظاهراً .. بادٍ عليها الهرم.

وله عدة مؤلفات أخرى منها كتاب في التفسير يغلب عليه القصص وكتاب في علم البديع متوسط الحجم وكتاب (قادمة النجاح في آداب النكاح) وكتاب (سجع الهديل في أخبار النيل) والذي نقل عنه السيوطي في كتابه حسن المحاضرة وكتاب (المنقذ من التهلكة في دفع مضار السمائم المهلكة) وكتاب (الدرة الفائقة في محاسن الأفارقة) وكتاب (درة اللآل في عيون الأخبار ومستحسن الأشعار) وكتاب (الديباج الخسرواني في شعر ابن هاني) وكتاب (رجوع الشيخ إلى صباه في القوة على الباه) وله كتاب فريد في موضوعه بعنوان (نزهة الألباب فيما لا يوجد في كتاب) يتناول فيه الأسرار الخفية لعالم اللهو والمجون.

يروي عنه المؤرخ ابن العديم في كتابه بغية الطلب في تاريخ حلب (ج 1 / ص 447) : ” ذكر لي أنه ولد بقفصة من بلاد إفريقية وأنه خرج وهو صبي واشتغل بالديار المصرية على شيخنا أبي محمد عبد اللطيف بن يوسف البغدادي ورحل إلى دمشق وقرأ بها على شيخنا أبي اليمن زيد بن الحسن الكندي وأحب المقام بها ثم إن نفسه اشتاقت إلى الوطن فعاد إلى قفصة.

ثم إنه حن إلى المشرق وطالبته نفسه بالمقام بدمشق فباع أملاكه وما يثقل عليه حمله وأخذ معه أولاده وزوجه وماله وركب البحر في مركب اتخذه لنفسه فغرق أهله وأولاده وخلص بحشاشة نفسه ، وخلص عرب برقة بعض متاعه فخرج معهم متفكراً خوفاً منهم أن يهلكوه بسبب أخذ متاعه وسبقهم إلى الإسكندرية وتوصل بعمل مقامة يذكر فيها ما جرى له في طريقه.

وعرف الملك الكامل أبو المعالي محمد بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب ملك الديار المصرية بذلك فكتب له إلى الإسكندرية بتخليص ماله فخلص له منه جملة ، ثم إنه لما رحل الملك الكامل إلى آمد وافتتحها توجه إلى دمشق، ومنها إلى حلب ومنها إلى آمد فوجد الملك الكامل راجعاً إلى الديار المصرية فعاد معه إليها وسكن بها “.

وذكره الصفدي في الوافي بالوفيات فقال : ” شرف الدّين التيفاشي .. أَحْمد بن يُوسُف بن أَحْمد هُوَ الشَّيْخ شرف الدّين التيفاشي بِالتَّاءِ ثَالِثَة الْحُرُوف وَبعدهَا يَاء آخر الْحُرُوف وَفَاء وَبعدهَا ألف وشين مُعْجمَة قبل يَاء النِّسْبَة الْقَيْسِي.

لَهُ كتاب كَبِير إِلَى الْغَايَة وَهُوَ فِي أَربع وَعشْرين مجلدة جمعه فِي علم الْأَدَب وسمّاه فصل الْخطاب فِي مدارك الْحَواس الْخمس لأولي الْأَلْبَاب ورتبّه وَجمع فِيهِ من كل شَيْء وتعب عَلَيْهِ إِلَى الْغَايَة وَلم أَقف عَلَيْهِ لَكِن رَأَيْت الَّذِي اخْتَصَرَهُ مِنْهُ الْفَاضِل جلال الدّين مُحَمَّد بن المكرّم وَسَماهُ سرُور النَّفس بمدارك الْحَواس الْخمس وَهُوَ كتاب جيد وَجمع جيد يدلّ على فضل جَامعه.

قَالَ ابْن سعيد فِي الْمشرق فِي أَخْبَار أهل الْمشرق هُوَ مقرّ بأنّه اسْتَعَانَ فِي هَذَا الْكتاب الْمَذْكُور بالخزائن الصاحبية ، قلت هُوَ الصاحب محيي الدّين مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن سعيد بن ندى الْجَزرِي لأنّه عِنْد وُرُوده من الغرب وَمَا اتّفق عَلَيْهِ فِي الْبَحْر من سلب مَاله وَكتبه أَتَى إِلَى الصاحب فآواه وَأقَام عِنْده مُدَّة ، وللتيفاشي مُجَلد جيد فِي معرفَة الْجَوَاهِر وَتُوفِّي شرف الدّين التيفاشي بِالْقَاهِرَةِ سنة إِحْدَى وَخمسين وسِتمِائَة “.

وذكره عز الدين الحسيني في كتاب صلة التكملة في وفيات سنة 651 هـ فقال : ” وفي الثالث عشر من المحرّم توفّي الشيخ الفاضل أبو الفضل أحمد بن يوسف بن أحمد بن أبي بكر المغربيّ القفصيّ التّيفاشيّ بالقاهرة ودفن من يومه بمقابر باب النّصر ، ومولده بقفصة إحدى بلاد إفريقيا في ليلة السادس عشر من جمادى الآخرة سنة ثمانين وخمس مئة.

اشتغل بالأدب وعلوم الأوائل وقدم مصر وهو صبيّ وقرأ على أبي محمد عبد اللطيف بن يوسف البغداديّ ودخل دمشق وقرأ بها على أبي اليمن زيد بن الحسن الكندي ورجع إلى بلاده وولي قضاء قفصة ثم بعد ذلك رجع إلى مصر والشام وتوفّي بالقاهرة ، وكان شيخا حسنا فاضلا وله شعر حسن ونثر جيد ومصنّفات حسنة في عدة فنون ، وتيفاش قرية من قرى قفصة “.

وذكره الذهبي تاريخ الاسلام في وفيات سنة  651 هـ فقال : ” أَحْمَد بن يوسف بن أحمد أَبُو الفضل المغربيّ القَفْصِي وقفصَة من بلاد إفريقية ولد بها سنة ثمانين وخمسمائة ، وقرأ الأدب وعلوم الأوائل والفلسفة وقدِم دمشقَ وسمع من التّاج الكِنْدي واشتغل عليه وأخذ قبل ذلك بمصر عن الموفّق عَبْد اللّطيف وله نَظْمٌ ونَثْر ومصنّفات ، رجع إلى بلاده وولّي قضاء قَفْصَة ثمّ رجع بعد ذلك إلى مصر وبها مات فِي المحرّم وهذا يُنعت بالشرَف التّيفاشيّ “.

وترجم له المقريزي في المقفى الكبير وذكر كثيرا من التفاصيل عن حياته ورحلاته وكتاباته فقال : ” التيفاشيّ القفصيّ أحمد بن يوسف بن أحمد بن أبي بكر بن حمدون بن حجّاج بن ميمون بن سليمان بن سعد القيسيّ القفصيّ المغربيّ شرف الدين أبو الفضل التيفاشيّ.

جدّه الأعلى سعد من عرب قيس دخل المغرب في فتوح إفريقيّة وتوالى بها عقبه إلى حمدون بن حجّاج بن ميمون بن سليمان بن سعد ، فخرج منها حمدون في فتنة العرب الداخلين على ملوك صنهاجة وانتقل عنها بولده وماله واستوطن مدينة قفصة فولد له بها أبو بكر العالم الشهير وولد لأبي بكر أحمد عميد هذا البيت ووزر لسلطان قفصة.

وولد لأحمد خمسة فضلاء كلّ واحد منهم إمام في فنّ من فنون العلم غير الفنّ الذي اشتغل به الآخر وهم : يوسف ومحمّد وعمر ويحيى وأبو بكر ، فيوسف ومحمّد ويحيى لهم نظم وولد يوسف أحمد صاحب الترجمة ومولده بقفصة يوم الاثنين الرابع والعشرين من جمادى الآخرة سنة ثمانين وخمسمائة.

قال ابن سعيد : الشيخ الإمام الفاضل مجموع الفضائل شرف الدين أبو الفضل أحمد ابن القاضي أبي يعقوب ابن الوزير أبي العبّاس التيفاشيّ (السريع) : لست لله بجاحد .. أن يجمع العالم في واحد ، فسبحان من جمع أشتات الفضائل لديه وخلع ملابس المحاسن عليه وأسنى به ابن أبي دواد في منازع الهمّة وابن سينا في دقائق الحكمة وأخمل بديع الزمان، في التمكّن من أعنّة البيان ، (الكامل) : نسبوا لنا نسق الحساب مقدّما .. وأتى بذلك حين جاء مؤخّرا.

وسلني فإنّي به خبير : غصن خضل في دوحة الظرف وفي معالم الجلال ثبير ركب جوامح الأمور وسبر بتصرّف الأحوال الجمهور وتقلّب بين التأهل والاغتراب وتصرّف بين الضرب والصاب فخلّصه الزمان إبريزا وأبى له الكمال في ما نهض فيه إلّا تبريزا ، نشأ حيث مولده بمدينة قفصة في بحبوحة ذلك الكرم وتقلّب بين أفياء تلك النعم ولم يشغله عن طلب العلم الجاه والغنى إلى أن نال من فنونه غاية المنى ، ولمّا أكبرته العيون وتحقّقت في نجابته الظنون قلّده صاحب إفريقيّة الأمير أبو محمد عبد الواحد بن أبي حفص خطّة أبيه وهي قضاء قفصة ورفعه ودفع كلّ خاطب على تلك المنصّة.

ومع هذا فإنّه لم يزل له إلى المشرق حنّة لم يبلغها أبو نواس إلى دير حنّة ابتغاء في زيادة العلم ومشاهدة من به من ذوي الفهم فرحل عن بلده بماله وولده وصبّح أهل مدينته من فراقه براغية البكر حتّى بكته لحسن سيرته عين ذي حسده وطارت به أجنحة الرياح في اللجج الخضر وهي كاشرة عن المنايا الحمر ، فغار البحر الملح من ركوب البحر العذب فلم تنج إلا حشاشة مهجته التي غفرنا له بها كلّ ذنب ولم يبق معه إلّا الكنز الذي لا يبور ولا يضيع فنال به حيث اتّجه من بلاد المشرق ذروة المكان الرفيع ، وأوصله إلى مجلس الملك الأعظم الكامل فغمره من إحسانه ما بقي مستمرّا عليه إلى الآن وأغناه بحمد الله عن فلان وفلان.

وانزوى في كسر بيته على جمع التصانيف في مختلفات الفنون حتّى كمل له ما قصر عنه المصنّفون وأعظمها تصنيفه الذي سمّاه بفصل الخطاب في تدبير الطعام والشراب وسائر ما يتّصل بهما بسبب من الأسباب.

وجملة الأمر فيه أنّه لم يترك في العالم العلويّ والسفليّ شيئا ممّا ينظر إليه فيستحسن أو يشمّ فيستعطر أو يؤكل فيستطاب ممّا خلقه الله أو نضيفه لأنفسنا أو يشرب فينساغ من المشروبات المباحة أو المحظورات أو يسمع فيرتاح إليه إلّا وأورد الكلام عليه من كل علم من العلوم المعقولة والمنقولة والشرعيّة والأدبيّة.

وأنا أقول قول منصف غير جاحد للحقّ : إنّه ما ألّف في معناه مثل كتابه هذا لا في قديم الزمان ولا في حديثه وإنّه لممّا تحتاج إليه مجالس الملوك ، وقد ولع بتصنيفه ولوع جميل ببثينة واسألني عنه تجد الخبر اليقين عند جهينة ، وله في تصنيفه نحو من ثلاثين سنة لا تشغله عنه يقظة ولا سنة (البسيط) : إذا تلفّظت لم أنطق بغيركم .. وإن سكتّ فأنتم عقد إضماري.

وله على الكتب وفضلاء الأدب عيون كلّما علّموا بشيء من ذلك على تلك المسالك فلا يستقرّ به قرار حتى يبلغ منه الغرض والاختيار مصرفا في ذلك جاهه وماله إلى أن يقضي منه آماله ، وله من النثر والنظام مكان البدر من التمام هذا على كون الأدب أقلّ فنّ من فنونه الجمّة وبمنزلة الطراز لملابس تلك النّعمة ..

توفّي يوم السبت ثالث عشر محرّم سنة إحدى وخمسين وستّمائة بالقاهرة ودفن من يومه بباب النصر رحمه الله تعالى وقد طرش وعمي “.