
1 / أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم
أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم هو أول كتاب جغرافي ذكر حدود الوطن العربي كما نعرفه اليوم وذلك في القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) حيث قسم المقدسي بلاد الإسلام إلى أقاليم عربية وأخرى أعجمية فقال : ” والأقاليم العربية جزيرة العرب ثم العراق ثم آقور ثم الشام ثم مصر ثم المغرب وأقاليم العجم أوّلها المشرق ثم الديلم ثم الرحاب ثم الجبال ثم خوزستان ثم فارس ثم كرمان ثم السند ” ، وآقور هي الجزيرة الفراتية والرحاب هي منطقة تبريز وما حولها والمشرق يقصد به خراسان وما وراء النهر والجبال هي همدان وأصفهان.
ومؤلف الكتاب هو الرحالة والتاجر والجغرافي شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر البشاري المقدسي وينحدر من عائلة عربية عملت في خدمة الطولونيين وساهم جده في بناء مدينة عكا ، ولد في القدس عام 336 هـ / 947 م وتوفي في القاهرة عام 380 هـ / 990 م وقضى حياته كلها في التجوال بين البلاد الإسلامية للعمل بالتجارة حتى وصف بلقب الواوي (نسبة إلى ابن اوى كثير التنقل والترحال) ، وانتهى من تأليف كتابه في شيراز عام 375 هـ ثم رحل إلى مصر عام 378 هـ حيث أهداه إلى مكتبة الفاطميين.
وقال المقدسي عن كتابه : ” فإنه ما زالت العلماء ترغب في تصنيف الكتب لئلا تدرس آثارهم ولا تنقطع أخبارهم فأحببت أن أتبع سنتهم وأقفو سننهم وأقيم علما أحيي به ذكري ونفعا للخلق أرضي به ربي ” ، ويقول في المقدمة : ” اعلم أني أسست هذا الكتاب على قواعد محكمة وأسندته بدعائم قوية وتحريت جهدي الصواب واستعنت بفهم أولي الألباب وسألت الله عز اسمه أن يجنبني الخطأ والزلل ويبلغني الرجاء والأمل فأعلي قواعد وأرصف بنيان ما شاهدته وعقلته وعرفته وعلقته وعليه رفعت البنيان وعملت الدعائم والأركان “.
ويتحدث المقدسي عن منهجه في ترتيب البلاد ورسم الخرائط الخاصة بجغرافية الأقاليم والألوان الدالة على التضاريس فقال : ” وقد قسمناها أربعة عشر إقليما وأفردنا أقاليم العجم عن أقاليم العرب ثم فصّلنا كور كلّ إقليم ونصبنا أمصارها وذكرنا قصباتها ورتّبنا مدنها وأجنادها بعد ما مثّلناها ورسمنا حدودها وخططها وحرّرنا طرقها المعروفة بالحمرة وجعلنا رمالها الذهبيّة بالصفرة وبحارها المالحة بالخضرة وأنهارها المعروفة بالزرقة وجبالها المشهورة بالغبرة ليقرب الوصف إلى الأفهام ويقف عليه الخاصّ والعامّ “.
وقال في كتابه عن مصر : ” وقد كرّر الله في القرآن ذكره وأظهر للخلق فضله أحد جناحي الدنيا ومفاخره فلا تحصى مصره قبة الإسلام ونهره أجلّ الأنهار وبخيراته تعمر الحجاز وبأهله يبهج موسم الحاجّ وبرّه يعمّ الشرق والغرب قد وضعه الله بين البحرين وأعلى ذكره في الخافقين حسبك ان الشام على جلالتها رستاقه والحجاز مع أهلها عياله وقيل إنه هو الرّبوه ونهره يجرى عسلا في الجنّة قد عاد فيه حضرة أمير المؤمنين ونسخ بغداد إلى يوم الدين وصار مصره أكبر مفاخر المسلمين “.
وقال عن الفسطاط : ” خزانة المغرب ومطرح المشرق وعامر الموسم ليس في الأمصار أهل منه كثير الأجلّة والمشايخ عجيب المتاجر والخصائص حسن الأسواق والمعايش إلى حمّاماته المنتهى ولقياسيره لباقة وبهاء ، ليس في الإسلام أكبر مجالس من جامعه ولا أحسن تجمّلا من أهله ولا أكثر مراكب من ساحله أهلّ من نيسابور وأجلّ من البصرة وأكبر من دمشق ، به أطعمة لطيفه وإدامات نظيفة وحلاوات رخيصة كثير الموز والرطب غزير البقول والحطب خفيف الماء صحيح الهواء معدن العلماء طيّب الشتاء ، أهل سلامة وعافية ومعروف كثير وصدقة نغمتهم بالقرآن حسنة ورغبتهم في الخير بيّنة وحسن عبادتهم في الآفاق معروفة “.
وذكر اتصال البادية العربية بالصحراء الكبرى في مصر فقال : ” وبين أقاليم العرب بادية ووسط أقاليم الأعاجم مفازة لا بدّ من إفرادهما والاستقصاء في وصفهما لشدّة الحاجة اليهما وكثرة الطرق فيهما ، وأما البحار والأنهار فقد أفردنا لهما بابا كافيا لشدّة الحاجة اليه والأشكال فيه ” ، وقال أيضا : ” ذكر بادية العرب .. اعلم أن بين أقاليم العرب غير المغرب بادية ذات مياه وغدران وآبار وعيون وتلال ورمال وقرى ونخيل قليلة الجبال كثيرة العرب مخيفة السبل خفيّة الطرق طيّبة الهواء رديّة الماء “.
ووصف الديار المصرية ومدن الدلتا فقال عنها : ” العبّاسيّة هي قصبة الريف عامرة طيّبة قديمة شربهم من النيل موضع الريف والخصب بنيانهم أفرج من بنيان مصر بها أضداد تحمل اليها وجامع حسن من الآجرّ رفقة سريّة والمحلّة الكبيرة ذات جانبين اسم الجانب الآخر سندفا بكلّ جانب جامع وجامع المحلّة وسطها وجامع تلك على الشطّ لطيف وهذه أعمر وبها سوق زيت حسن والناس يذهبون ويجيئون في الزواريق شبّهتها بواسط ودميرة أيضا على الشطّ طويلة عامرة بها بطّيخ نادر الاسكندريّة قصبة نفيسة على بحر الروم عليها حصن منيع وهو بلد شريف كثير الصالحين والمتعبّدين “.
ويقول عنه المستشرق النمساوي لويس سبرنغر : “هو أكبر جغرافي عرفته البشرية قاطبة ولم يسبقه شخص في اتساع مجال أسفاره وعمق ملاحظاته وإخضاعه المادة التي جمعها لصياغة منظمة ” ، أما المستشرق الفرنسي ريجي بلاشير فيقول في كتابه (مقتطفات من أهم الجغرافيين العرب في العصور الوسطى) : ” كتاب المقدسي أساسي لمعرفة العالم الإسلامي في تلك الفترة ونظرا لما كان يتمتع به من حب استطلاع يقظ دوما ومن روح تسامح فريدة تماما وبقدرة نادرة على الفهم فقد نتج عن كل تلك المزايا المذكورة أن أصبح كتابه وصفا بديعا للعالم “.

2 / فضائل مصر وأخبارها وخواصها
كتاب صغير ألفه المؤرخ ابن زولاق ليكون مختصرا لكتابه في تاريخ مصر وقد كتبه بعد دخول الفاطميين إلى مصر ، وقد جاء ذكر ذلك في مقدمة كتابه فقال : ” بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى ، قال أبو محمد الحسن بن إبراهيم بن الحسين بن الحسن بن علي بن خالد بن راشد بن عبد الله بن سليمان بن زولاق الليثي : هذا كتاب جمعت فيه جملا من أخبار مصر وفضائلها وصفتها ، اختصرته من كتابي الكبير في تاريخ مصر وأخبارها ، ولم أذكر في هذا الكتاب إسناد الخبر ليقرب على من أراده وبالله التوفيق “.
وقد ولد ابن زولاق الليثي في مصر عام 306 هـ / 919 م وتوفي فيها عام 387 هـ / 997 م ونشأ في بيت علم وفقه حيث كان جده الحسن بن علي الليثي من كبار العلماء في زمنه ، وتتلمذ ابن زولاق على يد أبي عمر الكندي وأبي جعفر الطحاوي وعاصر فترة هامة شهدت نهاية عصر الولاة وبداية الخلافة الفاطمية حيث كان مقربا من الإخشيدين وكتب عنهم استجابة لطلبهم ثم خدم الفاطميين وتولى ديوان المظالم وكتب لهم كتابا يمجد فيه دولتهم على حساب دولة العباسيين بعنوان (رسالة الموازنة بين مصر وبغداد في العلم والعلماء والخيرات) ، وله مدونة أدبية لطيفة تحكي نوادر أحد الأدباء الحمقى في الفسطاط والمعروف باسم سيبويه المصري.
وقد تخصص ابن زولاق في الكتابة التاريخية وبلغ من محبته للتواريخ والحرص على جمعها وكتبها أنه كثيرا ما كان ينشد : (ما زلت تكتب فى التاريخ مجتهدا .. حتى رأيتك فى التاريخ مكتوبا) ، وذكر ياقوت من مؤلفاته كتاب سيرة محمد بن طغج الإخشيد وكتاب سيرة جوهر وكتاب سيرة الماذرائيين وكتاب التاريخ الكبير على السنين وكتاب سيرة كافور وكتاب سيرة المعز وكتاب سيرة العزيز ، ويضيف ابن خلكان كتاب فى خطط مصر وكتاب أخبار قضاة مصر وكتاب التاريخ الصغير وكتاب أخبار سيبويه المصري ، كما أشار ابن زولاق فى كتابه فضائل مصر وأخبارها إلى كتابين آخرين أحدهما فى أخبار عمرو بن العاص والآخر فى أخبار النيل.
وكتاب فضائل مصر وما فيه من معلومات يشبه فهرسا وافيا لمن أراد البحث في تاريخ مصر وجغرافيتها فقد ذكر في فصول الكتاب من ملك مصر فى الإسلام ومن دخل مصر من الخلفاء قبل المعز وذكر عمال الخراج بمصر وقضاتها ومن دخل مصر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن توفى بها منهم ، وذكر من كان بمصر من عيون العلماء والرواة وطبقاتهم ومن فيها من عيون المحدثين المسندين والفراض المؤلفين وعيون حفاظ الحديث من رواة الأخبار والحديث والفقه وعيون النحويين والشعراء والمتكلمين من النساب ومن الزهاد أصحاب الوعظ وعيون أشراف مصر.
وبدأ كتابه بذكر ما جاء في القرآن الكريم عن مصر وهي ثمانية وعشرين موضعا ثم ذكر ما جاء من أحاديث حيث يقول : ” باب ما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذكر مصر .. قوله صلى الله عليه وسلم : ستفتح عليكم بعدي مصر فاستوصوا بقبطها خيرا فإن لكم منهم ذمة ورحما ، وقوله صلى الله عليه وسلم : إذا فتح الله عز وجل عليكم مصر فاتخذوا بها جنداً كثيفاً فذلك الجند خير أجناد الأرض ، قال له أبو بكر : ولم يا رسول الله ؟ فقال : لأنهم وأزواجهم في رباط إلى يوم القيامة ، وفي الحديث الآخر : ستفتح عليكم بعدي مدينة يذكر فيها القيراط فاستوصوا بأهلها خيراً فإن لهم ذمة ورحماً “.
وهو أول من كتب عن الأقاليم المصرية وما فيها من خيرات تتميز بها كل مدينة وذلك تحت عنوان (ذكر كور مصر وما في كل كورة) حيث ذكر مدن الصعيد الهامة وما تتميز به كل واحدة من زراعة وصناعة وهي الفيوم وبوصير وأهناس والبهنسا والأشمونين وأسيوط وأخميم وأنصنا وطرفا والبلينا وإدفو وقوص أسوان ، وتكلم بالتفصيل عن أهم الآثار ونهر النيل وأهم المساجد والمقابر وما تختص به مصر دون غيرها من المأكولات والملابس.
وكتب عن مدن الدلتا بالتفصيل لأهميتها التجارية فقال : ” فمنها : تِنِّيس وبها ثياب الكتان الدبيقي والمقصور والشفاف والأردية وأصناف المناديل والمناشف الفاخرة للأبدان والأرجل والمخاد والفرش القلموني المعلم والمطرز ، ويبلغ ثمن الثوب المقصور منه مائة دينار فما فوقها ولا يعلم في بلد ثوب يبلغ مائتي دينار فما فوقها وليس فيه ذهب إلا بمصر وبها ثياب النساء من الأصناف من المعلمات ما ليس في بلد ومنها لغمر الدنيا وليس في الدنيا ملك جاهلي ولا إسلامي يلبس خواصه وحرمه غير ثياب مصر.
ومنها : دمياط يعمل فيها القصب البلخي من كل فن والشرب لا تشارك تنيس في شيء من عملها وبينهما مسيرة نصف يوم ، ويبلغ الثوب الأبيض بدمياط وليس فيه ذهب ثلاثمائة دينار ولا يعمل بدمياط مصبوغ ولا يعمل بتنيس أبيض ، وهما حاضرتا البحر وبهما من صيد البر والبحر من الطير والحيتان ما ليس في بلد.
ومنها : الفرما بها البسر الفرماوي والرطب والتمر إذا فرغت أرطاب الدنيا وبسرها هو فلم يبرح أكثر الشتاء حتى يجتمع مع الرطب الجديد وليس هذا بالحجاز ولا اليمن ولا البصرة ، وربما وزنت البسرة منه فكانت عشرين درهما ولا يعرف بُسرٌ في خلقته ، وفيها المناسج أيضاً الأبيض والمصبوغ.
ومنها : الجفار وما فيه من الطير والجوارح والمأكول والصيد والتمور والثياب إلى ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم تعرف بالقسية تعمل بالقس ، وبها الرمان العريشى لا يعرف في قدره ، وما يعمل في الجفار من المكاتل يحمل إلى سائر الآفاق.
ومنها : مدينة المحلة وبنا وبوصير وسمنود وما فيها من الكتان الذي يحمل إلى بلاد الإسلام وبلاد الكفر وأقاصي الدنيا ، وبها الأترج الجافي وبها الإوز الذي ليس في خلقته ولا وزنه مثيل له ، وربما يكون وزن الطير الواحد رطلاً ، وفي قوله عز وجل : {وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ} قال : بنا وبوصير وسمنود.
ومنها : دقهلة وكورتها التي يعمل فيها القرطاس الطومار الذي يحمل منه إلى أقاصي بلاد الإسلام والكفر ، وما في أعمال أسفل الأرض بمصر كورة إلا وتختص بنوع دون الأخرى ، وسائر فواكه الشام في كور أسفل الأرض.
ومنها : إسكندرية وعجائبها ومنارتها طولها مائتا ذراع وثمانون ذراعا وفيها المرآة التي يرى فيها كل من يمر بالقسطنطينية ، وبها الملعب الذي كانوا يجتمعون فيه لا يرى أحد منهم شيئاً دون صاحبه وليس لأحد سر دون صاحبه من نظر أو سماع البعيد والقريب فيه سواء “.
وقد ترجم له ابن خلكان في كتابه فيات الأعيان فقال : ابن زولاق .. أبو محمد الحسن بن إبراهيم بن الحسين بن الحسن بن علي بن خالد بن راشد بن عبد الله بن سليمان بن زولاق الليثي مولاهم المصري، كان فاضلاً في التاريخ ، وله فيه مصنف جيد ، وله كتاب في خطط مصر استقصى فيه ، وكتاب (أخبار قضاة مصر) جعله ذيلاً على كتاب أبي عمر محمد بن يوسف بن يعقوب الكندي الذي ألفه في أخبار قضاة مصر وانتهى فيه إلى سنة ست وأربعين ومائتين ، فكمله ابن زولاق المذكور ، وابتدأ بذكر القاضي بكار بن قتيبة وختمه بذكر محمد بن النعمان ، وتكلم على أحواله إلى رجب سنة ست وثمانين وثلثمائة ؛ وكان جده الحسن بن علي من العلماء المشاهير.
وكانت وفاته – أعني أبا محمد – يوم الثلاثاء الخامس والعشرين من ذي القعدة سنة سبع وثمانين وثلثمائة رحمه الله تعالى ، ورأيت في كتابه الذي صنفه في أخبار قضاة مصر في ترجمة القاضي أبي عبيد أن الفقيه منصور بن إسماعيل الضرير توفي في جمادى الأولى سنة ست وثلثمائة ثم قال : قبل مولدي بثلاثة أشهر ، فعلى هذا التقدير تكون ولادة ابن زولاق المذكور في شعبان سنة ست وثلثمائة وروى عن الطحاوي ، وزولاق : بضم الزاي وسكون الواو وبعد اللام ألف قاف ، والليثي – بفتح اللام وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها ثاء مثلثة – هذه النسبة إلى ليث بن كنانة وهي قبيلة كبيرة ، قال ابن يونس المصري : هو ليثي بالولاء “.

3 / كتاب المجالس والمسايرات
كتاب المجالس والمسايرات هو عنوان الكتاب الذي كتبه القاضي النعمان بن محمد بن منصور بن أحمد بن حيون التميمي المستشار الأول للخليفة المعز لدين الله الفاطمي وأقرب رجاله إليه وهو فقيه إسماعيلي تولى منصب قاضي القضاة وداعي الدعاة ، ولد النعمان في القيروان عام 283 هـ / 896 م وتوفي في القاهرة عام 363 هـ / 974 م وهو صاحب أول حلقة دراسية منظمة في الجامع الأزهر بعد بنائه.
ويتجاوز الكتاب ستمائة صفحة تحوي تفصيلا للجلسات التي جمعت بين القاضي النعمان والخلفاء الفاطميين خاصة المعز حيث ينقل عنه سيرته الذاتيه وأفكاره وسياسته في الحكم إلى جانب توثيق عدد كبير من المراسلات بين الفاطميين والأمويين بالأندلس وتفصيلات عن الصراع الفاطمي البيزنطي في البحر المتوسط كما يضم الكتاب عبارات للمعز في الوعظ والفلسفة والسياسة وبعض القصص التي تشرح معاني تلك الكلمات.
ومن مؤلفاته الأخرى كتب تشرح الفقه الإسماعيلي مثل كتاب دعائم الإسلام وكتاب تأول الدعائم وكتاب اختلاف أصول المذاهب وكتاب أساس التأويل الباطن وكتاب الاقتصار وكتاب مختصر الآثار في ما روي عن الأئمة الأطهار وكتاب الرسالة المذهبية في العقائد الإسماعيلية وكتاب رسالة ذات البيان في الرد على ابن قتيبة وكتاب عيون المعارف ، وفي مجال التاريخ ألف كتاب افتتاح الدعوة ويتناول فيه تأسيس الدولة الفاطمية في المغرب.
ويقول ابن حجر إن النعمان كان يسكن مصر أي الفسطاط ويغدو منها إلى القاهرة في كل يوم ، ويروي ابن خلكان عن المسبحي أن النعمان كان من أهل العلم والفقه والدين والنبل ما لا مزيد عليه ، ونقل ابن خلكان عن ابن زولاق أن النعمان بن محمد القاضي كان في غاية الفضل من أهل القرآن والعلم بمعانيه وعالما بوجوه الفقه وعلم اختلاف الفقهاء واللغة والشعر الفحل والمعرفة بأيام الناس مع عقل وإنصاف.
وقد حظي أولاده من بعده بثقة الخلفاء الفاطميين وأسندت لهم أعمال القضاء ، ومنهم ابنه الأكبر أبو الحسين علي بن النعمان الذي تولى منصب قاضي القضاة حتى وفاته وكان عالما فقيها مثل أبيه ، وتولى بعده أخوه أبو عبد الله محمد بن النعمان وكان جيد المعرفة بالأحكام متفننا في علوم كثيرة حسن الأدب والدراية بالأخبار والشعر وأيام الناس ، وتولى بعده أبو عبد الله الحسين بن علي بن النعمان الذي جمع بين منصبي قاضي القضاة وداعي الدعاة في مصر.
ويقول المؤلف في مقدمة الكتاب سبب كتابته فيقول : ” وألفت سيرة المعز لدين الله صلوات الله عليه من الوقت الذي أفضى الله عز وجل بأمر الإمامة إليه إلى اليوم وأنا دائب في ذلك إلى أن ينقضي عمري إن شاء الله تعالى ويصلها من بعدي من عقبي وأعقابهم بتوفيق الله إياهم بطول بقاء وليه ودوام عزه وسلطانه ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ثم رأيت وجوها من الحكم والعلم والآداب والمعرفة تنفجر عن منطقه وتندفع من ألفاظه وتشير عن رمزه وإشارته ولا تجري مجرى السير التي صنفتها ولا تدخل في أبوابها التي ألفتها على ما في تلك السير من الحكمة والعلم والمعجزات والبراهين والدلائل والآيات ، فرأيت إفراد هذه في كتب تشبهها وتليق بها وأن أفرد السير في كتابها مع ما شاكلها وكان في معناها وأن أذكر في هذا الكتاب ما سمعته من المعز صلوات الله عليه من حكمة وفائدة وعلم ومعرفة عن مذاكرة في مجلس أو مقام أو مسايرة وما تأدى إلي من ذلك عن بلاغ أو توقيع أو مكاتبة “.
وفي الجزء الرابع من الكتاب يتناول القاضي النعمان سياسة المعز في التعامل مع أعوانه وخصومه ودهائه في التعامل مع المتناقضات فقال نقلا عنه : ” وسمعته صلوات الله عليه يقول : إنا لنحسن إلى الولي جهدنا ونصفح عن العدو ما لم ينصب لحربنا ونقتني الشريف والمشروف ونعتد بالقوي وبالضعيف فربما عاد العدو لنا وليا والضعيف في نصرتنا قويا والوضيع شريفا والخائن عفيفا ولو عاجلناهم بالعقوبة لما أدركناهم عند الحاجة ولكل في كل حال موضع يحتاج إليه فيه بشدة.
إن السفينة في البحر ربما احتاجت إلى أدنى حاجة صغيرة فلا يوجد لها فتعطب من أجل عجزها عدتها وإن الفرس الجواد ليعدم أقل أداة من أدوات ركوبه فلا يمكن ركوبه وإن الجدار لا يقوم بناؤه إلا بالكبار من الحجارة والصغار ، ولكل امرىء من الناس صغر أو كبر شرف أو اتضع عندنا إذا أخلص نيته موضع نصيره إليه ونرفعه إذا ارتضيناه منه إلى غيره حتى نلحقه ما لم يضع نفسه بأعلى درجات أمثاله ونوصله من الفضل ما لم يخطر قط بباله وما يضع عندنا إلا أنفسهم ولو أحسنوا إليها لرفعناهم كلهم “.
وكتب عن الخليفة المعز واصفا ما لديه من براعة وحكمة واهتمام بالعلم فقال : ” وجدناه صلوات الله عليه قد نظر في كل فن وبرع في كل علم وإن تكلم في فن منها أربى على المتكلمين وكان فيه نسيج وحده في العالمين أما علم الباطن ووجهه فهو البحر الذي لا تخاض لجته ولا يدرك آخره وأما القول في التوحيد وتثبيت الدين والرد على أهل اقتراف البدع والملحدين فهو واحده وهو علمه ومناره وعمدته.
وأما الفقه والحلال والحرام ومسائل الفتيا والأحكام فذلك مجاله وميدانه وصنعته وديدانه ، وأما الطب والهندسة وعلم النجوم والفلسفة فأهل النفاذ في كل فن من ذلك في يديه وكلهم في ذلك عيال عليه يخترع في كل يوم لهم من الصنائع ويبدع لهم فيه البدائع من دقائق معانيه وما تحار أذهانهم فيه فيما لو أخذت في تقصي معانيه ووصف ما آثره الله عز وجل به وجعله من العلم والحكمة فيه لقطع هذا الكتاب عما بنيته عليه “.

4 / ديوان تميم بن المعز
هو الابن الأكبر للخليفة المعز لدين الله الفاطمي وبه كان يكنى ، أبو علي تميم بن معد الفاطمي (337 ـ 374 هـ / 948 ـ 985 م) ولد في المهدية بتونس وتوفي بالقاهرة المعزية ودفن إلى جوار أبيه في تربة الزعفران بالقصر الشرقي الكبير ، اشتهر باللهو والمجون ولذلك تجاوزه المعز في ولاية العهد وعهد بها إلى أخيه الأصغر عبد الله فلما توفي تجاوزه مرة أخرى وعهد بها إلى ابنه الثالث نزار والذي تولى الخلافة بعده ولقب بلقب (العزيز بالله).
نظم تميم في كل أغراض الشعر التقليدية مثل المدح والفخر والرثاء والغزل وبلغ ديوانه الشعري أكثر من أربعمائة صفحة حتى شبهه المؤرخون بالشاعر العباسي ابن المعتز الذي كان مثله من أبناء الخلفاء في بغداد ، وتميز تميم عن غيره بالقدرة البديعة على الوصف خاصة ما يتعلق بالقاهرة ومتنزهاتها وبساتينها وأعيادها ومناسباتها المختلفة وعادات الناس وأحوالهم حيث حفل ديوانه بالكثير من الصور الحية للحياة الاجتماعية والثقافية في عصره.
ومن شعره في مدح والده قوله : ألا كل يوم في زمانك عيد .. وهل فوق إشراق الضحاء مزيد .. زمان كريعان الشبيبة ناعم .. وعصر قديم بالمعز جديد ، وقال في الفخر بنفسه : أنا ابن المعز سليل العلا .. وصنو العزيز إمام الهدى .. سما بي معد إلى غاية .. من المجد ما فوقها مرتقى ، وقال في الغزل : قالت وقد نالها للبين أوجعه .. والبين صعب على الأحباب موقعه .. اجعل يديك على قلبي فقد ضعفت .. قواه عن حمل ما فيه وأضلعه .. كأنني يوم ولت حسرة وأسى .. غريق بحر يرى الشاطي ويمنعه.
ومن شعره في مدح أخيه العزيز قوله : فيابن الوصي ويا ابن البتول .. وبا بن نبي الهدى المصطفى .. ويا بن المشاعر والمروتين .. ويا بن الحطيم ويا بن الصفا .. لك الشرف الهاشمي الذي .. يقصر عنه علا من علا .. فمن حد سيفك تسطو المنون .. ومن بطن كفك يبغى الندى .. ولو فاخرتك جميع الملوك .. لكانوا الظلام وكنت السنا ، وقال يصف بركة الحبش وخليج بني وائل : كأن البركة الغنا إذا ما .. غدت بالماء مفعمة تموج .. وقد لاح الضحى مرآة قين .. قد انصفلت ومقبضها الخليج.
وقد استسلم تميم إلى قدره الذي حرمه الملك والخلافة فلم يقم بأي حركة أو فتنة ضد أخيه العزيز بل على العكس أخذ يمدحه كلما واتت الفرصة ويظهر له الخضوع والوفاء والحب ، وكان أخوه العزيز بالله يجزل له العطاء ووهب له البستان المعروف باسم (المعشوقة) بخط راشدة من ضواحي الفسطاط وهي المنطقة التي عرفت بعد ذلك باسم (جنان الأمير تميم) كما جعل له القصور على ضفاف بركة الحبش والتي كانت تمتد حتى القرافة في سفح جبل المقطم.
وظلت العلاقة بين الشاعر وأخيه طيبة لكن هذا الصفاء كانت تشوبه بعض فترات من الجفوة بسبب سعي الوشاة بالوقيعة بين الأخوين وأرسل تميم إلى الخليفة عدة مقطوعات شعرية يذكر هؤلاء الواشين بالشر ويذكر فيها بأخوتهما ويعلن فيها براءته مما يقولونه ، ورغم ذلك اضطر العزيز إلى أن ينفي أخاه إلى الرملة فأخذ تميم يشكو الغربة والفراق ويهجو منازل السفر في فلسطين ويحن إلى حياته بمصر حتى أعيد من منفاه واستقر مرة أخرى بالقاهرة.
وفي مقدمة ديوان الأمير تميم يذكر الأستاذ محمد حسن الأعظمي محقق الكتاب وصفا لاحتفالات تميم وأصحابه فقال : ” وكان تميم يحيا في مصر حياة لهو وترف ووجد في البيئة المصرية من المتنزهات والديارات ما وافق هواه ومزاجه فأكثر الخروج إلى المختار بجزيرة الروضة وإلى دير القصير بالقرب من قصوره وشارك المصريين في لهوهم ولا سيما في أيام الأعياد ، والأعياد في العصر الفاطمي كانت كثيرة متنوعة منها الأيام الإسلامية والمسيحية ومنها أيام خاصة بالشيعة عامة وأعياد استنتها فرقة الإسماعيليةومنها الفاطميون ومنها ما هو مصري خالص.
وكانت الدولة تحتفل بهذه الأعياد مع الشعب ويكثر فيها اللهو والعبث مع البذخ الشديد والتأنق في كل شيء ، وقد شاهد الكهيني الرحالة بعض هذه الأعياد المصرية وشاركه الأمير تميم فيها فوصفها بقوله : ما رأيت أجمل من أيام النوروز والغطاس والميلاد والمهرجان وعيد الشعانين وغير ذلك من أيام اللهو التي كانوا يسخون فيها بأموالهم رغبة في القصف والعزف ، ذلك أنه لا يبقى صغير ولا كبير إلا خرج إلى بركة الحبش متنزها فيضربون عليها المضارب الجليلة والسرادقات والقباب والشراعات ويخرجون بالأهل والولد ومنهم من يخرج بالقينات المسمعات المماليك والمحررات فيأكلون ويشربون ويسمعون ويتفكهون وينعمون.
فإذا جاء الليل أمر الأمير تميم بن المعز مائتي فارس من عبيده بالعسس عليهم في كل ليلة إلى أن يقضوا من اللهو والنزهة إربهم وينصرفوا فيسكرون وينامون كما ينام الإنسان في بيته ولا يضيع لأحد منهم ما قيمته حبة واحدة ، ويركب الامير تميم في عشاري ويتبعه أربعة زواريق مملوءة فاكهة وطعاما ومشروبا فإن كانت الليالي مقمرة وإلا كان معه من الشموع ما يعيد الليل نهارا فإذا مر على طائفة واستحسن من غنائهم صوتا أمرهم بإعادته وسألهم عما عز عليهم فيأمر لهم به ويأمر لمن يغني لهم ، وينتقل منهم إلى غيرهم بمثل هذا الفعل عامة ليله ثم ينصرف إلى قصوره وبساتينه التي على هذه البركة فل يزال على هذه الحال حتى تنقضي هذه الأيام ويتفرق الناس “.

5 / الرسالة الوزيرية
الرسالة الوزيرية هو عنوان الكتاب الذي يتناول الأحكام الفقهية العملية ويشبه في عصرنا مدونات القوانين وينسب إلى الوزير الفاطمي يعقوب بن كلس وأصله من يهود العراق ولد في بغداد عام 318 هـ / 930 م وتوفي في القاهرة عام 380 هـ / 991 م ، قدم إلى مصر عام 331 هـ والتحق بخدمة كافور الإخشيدي وترقى في المناصب حتى صار مشرفا على ديوان المال ثم أعلن إسلامه عام 356 هـ وصار من جملة كتاب الدولة ، وبعد موت كافور تعرض لاضطهاد الوزير جعفر بن الفرات ففر إلى إفريقية ودخل في خدمة المعز الفاطمي وعاد معه إلى مصر حيث تولى الوزارة في عام 368 هـ بأمر الخليفة العزيز .
وقد ترجم له ابن خلكان في كتابه وفيات الأعيان فقال ” : أبو الفرج يعقوب بن يوسف بن إبراهيم بن هارون بن داود بن كلس وزير العزيز نزار بن المعز العبيدي صاحب مصر ، كان يعقوب أولاً يهودياً يزعم أنه من ولد هارون بن عمران أخي موسى بن عمران عليهما السلام ، وقيل إنه كان يزعم أنه من ولد السموأل بن عاديا اليهودي صاحب الحصن المعروف بالأبلق وهو المشهور بالوفاء وقصته مع امرئ القيس الكندي الشاعر المشهور مشهورة مستفيضة بين العلماء في الوفاء له في ودائعه ..
ثم إنه أسلم يوم الاثنين لثماني عشرة ليلة خلت من شعبان سنة ست وخمسين وثلثمائة ولزم الصلاة ودراسة القرآن الكريم ورتب لنفسه رجلاً من أهل العلم شيخاً عارفاً بالقرآن المجيد والنحو حافظاً لكتاب السيرافي فكان يبيت عنده ويصلي به ويقرأ عليه ولم تزل حاله تزيد وتنمي مع كافور إلى أن توفي كافور .. وانتهى إلى إفريقية وتعلق بخدمة المعز العبيدي ثم رجع إلى الديار المصرية ولم يزل يترقى إلى أن ولي الوزارة للعزيز نزار بن المعز معد وعظمت منزلته عنده وأقبلت عليه الدنيا وانثال الناس عليه ولازموا بابه ومهّد قواعد الدوله وساس أمورها أحسن سياسة ولم يبق لأحد معه كلام ..
وكان يعقوب يحب أهل العلم ويجمع عنده العلماء ورتب لنفسه مجلساً في كل ليلة جمعة يقرأ فيه لنفسه مصنفاته على الناس وتحضره القضاة والفقهاء والقراء والنحاة وجميع أرباب الفضائل وأعيان العدول وغيرهم من وجوه الدولة وأصحاب الحديث فإذا فرغ من مجلسه قام الشعراء ينشدونه المدائح ، وكان في داره قوم يكتبون القرآن الكريم وآخرون يكتبون كتب الحديث والفقه والأدب حتى الطب ويعارضون ويشكلون المصاحف وينقطونها وكان من جملة جلسائه الحسين بن عبد الرحيم المعروف بالزلازلي مصنف كتاب الأسجاع ، ورتب في داره القراء والأئمة يصلون في مسجد اتخذه في داره وأقام في داره مطابخ لنفسه ولجلسائه ومطابخ لغلمانه وحاشيته وأتباعه وكان ينصب كل يوم خواناً لخاصته من أهل العلم والكتاب وخواص أتباعه ومن يستدعيه وينصب موائد عديدة يأكل عليها الحجاب وبقية الكتاب والحاشية ..
وكانت هيبته عظيمة وجوده وافراً وأكثر الشعراء من مدائحه ، ولقد نظرت في ديوان أبي حامد أحمد بن محمد الأنطاكي المنبوز بأبي الرقعمق الشاعر فوجدت أكثر مديحه في الوزير المذكور والقصيدة التي نقلت بعضها في ترجمته مدح بها الوزير المذكور ، ورأيت في تاريخ الأمير المختار عز الملك محمد بن أبي القاسم المعروف بالمسبحي فصلاً طويلاً يتعلق بشرح حال الوزير المذكور معظم ما ذكرته ها هنا نقلته منه ، وصنف الوزير المذكور كتاباً في الفقه مما سمعه من المعز وولده العزيز وجلس في شهر رمضان سنة تسعة وستين وثلثمائة مجلساً حضره العام والخاص وقرأ فيه الكتاب بنفسه على الناس وحضر هذا المجلس الوزير أبو الفضل ابن الفرات المذكور وجلس في الجامع العتيق جماعة يفتون الناس من هذا الكتاب ..
ووجدت رقعة في دار الوزير المذكور في سنة ثمانين وثلثمائة وهي السنة التي توفي فيها ونسختها : (احذروا من حوادث الأزمان .. وتوقوا طوارق الحدثان .. قد أمنتم من الزمان ونمتم .. رب خوف مكمن في أمان) فلما قرأها قال : لا حول ولا قوة إلا بالله العظيم واجتهد أن يعرف كاتبها فلم يقدر على ذلك .. ولما اعتل علة الوفاة آخر السنة المذكورة ركب إليه العزيز عائداً وقال له : وددت أنك تباع فأبتاعك بملكي أو تفدي فأفديك بولدي فهل من حاجة توصي بها يا يعقوب فبكى وقبل يده وقال : أما فيما يخصني فأنت أرعى لحقي من أن أسترعيك إياه وأرأف على من أخلفه من أن أوصيك به ، ولكني أنصح لك فيما يتعلق بدولتك : سالم الروم ما سالموك واقنع من الحمدانية بالدعوة والسكة ولا تُبق على مفرج بن دغفل بن جراح إن عرضت لك فيه فرصة ، ومات فأمر العزيز أن يدفن في داره وهي المعروفة بدار الوزارة بالقاهرة داخل باب النصر في قبة كان بناها وصلى عليه وألحده بيده في قبره وانصرف حزيناً لفقده وأمر بغلق الدوايين أيامأً بعده “.
وهو أول من نظم الدراسة بالجامع الأزهر كما ذكر الدكتور محمد عبد الله عنان في مجلة الرسالة (العدد 136) حيث يقول : ” في رمضان سنة 369 هـ جلس يعقوب بن كلِّس وزير المعز لدين الله ثم وزير ولده العزيز من بعده بالجامع الأزهر وقرأ على الناس كتاباً ألفه في الفقه الشيعي وكان ابن كلس كما سنرى شخصية ممتازة تجمع بين السياسة والعلم وكان نصيراً كبيرا للعلماء والأدباء ؛ وكان يعقد مجالسه الفقهية والأدبية تارة بالأزهر وتارة بداره فيهرع إليها العلماء والطلاب من كل صوب وكانت في الواقع أول مجالس جامعية حقة عقدت بالجامع الأزهر.
والظاهر أن ابن كلس كان أول من فكر في جعل الجامع الأزهر معهداً للدراسة المنظمة المستقرة وعلى أي حال فهو أول من فكر في تنفيذ هذا المشروع الجامعي ففي سنة 378 هـ استأذن ابن كلس العزيز بالله في أن يعين بالأزهر جماعة من الفقهاء للقراءة والدرس يحضرون مجلسه ويلازمونه ويعقدون مجالسهم بالأزهر في كل جمعة من بعد الصلاة حتى العصر ؛ وكان عددهم خمسة وثلاثين وقد رتب لهم العزيز أرزاقاً وجرايات شهرية وأنشأ لهم داراً للسكنى بجوار الأزهر وخلع عليهم في يوم الفطر وأجرى عليهم ابن كلس أيضاً رزقاً من ماله الخاص “.
وذكر الدكتور محمد كامل حسين في كتابه أدب مصر الفاطمية أن التميمي المقدسي الطبيب صنف للوزير كتابا ضخما في عدة مجلدات سماه (مادة البقاء بإصلاح فساد الهواء والتحرز من ضرر الأوباء) ، وأخذ الوزير علم العروض عن شيخه البديهي وبفتحه وهدايته قال الشعر وبلغ هو نفسه في علم الفقه الفاطمي درجة أهلته لأن يؤلف الكتب ويعقد مجالس التأويل فقد رتب لنفسه مجلسا في كل ليلة جمعة يقرأ فيه مصنفاته على الناس وكان يحضر هذا المجلس القضاة والفقهاء والقراء والنحاة وجميع أرباب الفضائل والعدول وغيرهم من وجوه الدولة كما نصب مجلسا في داره يحضره في كل يوم ثلاثاء الفقهاء والمتكلمون وأهل الجدل للمناظرة بين يديه.
وأضاف أن رعايته للعلم والعلماء ساعدته على أن يؤلف هذه الكتب التي قرأها على الناس والتي منها كما ذكر ياقوت في معجم الأدباء : كتاب في القراءات ، كتاب في علم الأبدان وصلاحها ، كتاب في الفقه مما سمعه من المعز والعزيز ، كتاب في الأديان وهو في الفقه ، كتاب في آداب رسول الله (ص) ، مختصر الفقه وهو المعروف بالرسالة الوزيرية وهو الكتاب الذي طلب الخليفة الظاهر من الناس أن يحفظوه وشجع على ذلك بترتيب أموال لمن حفظه وأن الناس كانوا بفتون بكتابه في الفقه ودرس فيه الفقهاء بجامع مصر كما يقول المقريزي.

6 / سيرة الأستاذ جوذر
في القاهرة شارع وحارة وعطفة تحمل كلها اسم الجودرية ويتألف منها حي يعرف باسم الجودرية ، وأصلها (الجوذرية) ثم خفف حرف الذال إلى دال ، وهي طائفة من الجند الفاطمي الذين قدموا مع المعز لدين الله الفاطمي اختطوا هذه الحارة وسكنوا فيها ، ومن رجالهم أبو علي منصور الجوذري العزيزي وهو كاتب وموظف في عهد الخليفة العزيز بالله واشتهر بتسجيله لتاريخ مؤسس الطائفة وهو جوذر الصقلبي الذي كان من كبار رجال الدولة في عهد الخلفاء الفاطميين في تونس ولعب دورا كبيرا في الأحداث السياسية هناك وذلك في كتاب أدبي يحمل عنوان (سيرة الأستاذ جوذر).
وتأتي أهمية هذه السيرة في كونها رصدت نصف قرن من تاريخ الدولة الفاطمية في المغرب بشكل موثق حيث ضمت عددا كبيرا من الرسائل والمكتبات المتبادلة بين جوذر والخلفاء في موضوعات مختلفة (سياسية وشخصية وتنظيمية وتجارية) ، وتحوي أيضا عددا من الخطب التي ألقاها الخلفاء في مناسبات مختلفة (تأبين أو احتفال أو أعياد أو غيرها) وكذلك اقتباسات من الشعر في أغراض المدح والوصف ، وتضم أيضا المكاتبات المعروفة باسم (التوقيعات) والتي تعني طلبا مقدما للخليفة ليوقع عليه بالموافقة وتعرف أيضا باسم (الاستئمارات) وهي مشتقة من الفعل استأمر أي طلب الإذن بصدور الأمر والتي تحولت بعد ذلك إلى الكلمة العامية المصرية (استمارات ومفردها استمارة) والتي تستعمل في النظام الإداري حتى اليوم ، كما تحوي السيرة عددا كبيرا من المفردات والتعبيرات التي صارت بعد ذلك من مكونات اللهجات العامية المصرية مما يسهم في معرفة كيفية وتوقيت ظهور هذه اللهجات وتطورها الزمني.
ويحكي المؤلف عن صحبته لصاحب السيرة وسبب كتابته لها في مقدمة كتابه فقال : ” إنه لما استخدمني مولاي الأستاذ جوذر رضي الله عنه كاتبا بعد وفاة كاتبه رشيق وكان ذلك في سنة خمسين وثلاثمائة وآثرني بما أنالنيه من جزيل الرتبة وشرف المنزلة عنده وجعلني واسطة بينه وبين الخدام تحت يديه واستحفظني على ما يجري بينه وبين مولانا وسيدنا الإمام المعز لدين الله صلى الله عليه من الأسرار مما تضمنته التوقيعات وجرت به المشافهات والكتب الواردات عليه من كل الجهات ، مع ما تبع ذلك من إسباغ فضله علي وجزيل إحسانه إلي حتى أني لم أك شيئا مذكورا فجعل مني أشياء مذكورات وفتح لي أبواب الخيرات وبلغ بي رفيع الدرجات في باب الديانات فرضي الله عنه وأرضاه وحشره في زمرة مواليه الأئمة الأطهار والسادة الأخيار.
وكان من تطوله علي وامتنانه وتفضله وإحسانه أن بسطني وآنسني بنفسه وأمرني بالجلوس بين يديه ومحادثته ، فدعتني نفسي عند ذلك إلى سؤاله عن كيفية مبتدأ خدمته لموالينا الأطهار الأبرار النجباء الأخيار صلوات الله عليهم وكيف كان السبب في اتصاله بهم وما هو الأمر الذي أوجب بلوغه إلى تلك الحال من ظاهر عز الدنيا والتفقه في الدين والعمل للأخرى والمنافسة في ابتغاء الدرجى العليا ، فعرفني من ذلك بما حفظته عنه وحسن موقعه مني فحمدت الله تبارك وتعالى على ما أنعم به علي من سماع ما سمعته من شيخ لم يخف عن جميع الأمة كيف كان في حال ديانته وصحة أمانته وورعه وعفته وخلوص مولاته ، وسنذكر ما سمعته منه في هذا الكتاب أولا فأولا.
ولما توفي رحمه الله وقد طوقني من الإحسان وقلدني من الامتنان ما أعجزني بما ترادف علي منه عن شكر بعض أيام حياته ، أوجبت المروءة والوفاء له بعد وفاته أن أذكر في هذا الكتاب جميع مناقبه وما شرفه به مواليه الأئمة الأطهار صلوات الله عليهم وما جرى له في عصر كل واحد منهم من مكرمة أناله بها وفضيلة اختصه بها ، وأحكي ذلك وأنقله على حسب ما جرى من توقيعات ومشافهات فعل من صدق الله ربه وأدى أمانته ولم يغير شيئا مما معه ولا زاد فيه ولا نقص منه ليتأمل ذلك من تأمله ويقف على عظيم فضل موالينا عنده ويستحق عند ذلك الترحم عليه فلعلي أكون بهذا الفعل قد قضيت المفترض له علي وبالله التوفيق “.
وقد جاءت ترجمة كل من المؤلف وصاحب السيرة في كتاب الأعلام للزركلي حيث يقول : ” مَنْصُور الكاتِب (نحو 390 هـ / 1000 م) .. منصور الجوذري العزيزي أبو علي كاتب يعد من المؤرخين ، نسبته إلى العزيز باللَّه العبيدي الفاطمي وقد يكون صقلبيا ، تولى الكتابة للأستاذ جوذر الصقلبي (انظر ترجمته) سنة 350 هـ وهما في المهدية واشتدت صلته بجوذر حتى كان أمينه ومستودع أسراره.
ومات جوذر في طريقه إلى مصر سنة 362 هـ فصنف منصور أخباره وأدخل فيها كثيرا من الوثائق والنصوص في كتاب سيرة الأستاذ جوذر وحلّ محله في خدمة المعز معد بن إسماعيل ثم العزيز نزار بن معد فالحاكم بأمر الله منصور بن نزار متوليا أمانة سرهم وحفظ توقيعاتهم والكتب التي ترد عليهم ، وتولى الأحباس (الأوقاف) بمصر وأضيفت إليه في أيام الحاكم الحسبة وسوق الرقيق والسواحل وأعمال أخرى ، ويظهر أنه مات في أيام الحاكم ..
جَوْذَر (362 هـ / 973 م) .. جوذرالصقلبي الأستاذ من رجال الدولة الفاطمية ، كان في صباه عبدا من مماليك مؤسسها عبيد الله المهدي وأهداه هذا إلى ولي العهد أبي القاسم القائم بأمر الله وتقدم عند القائم حتى استخلفه وهو لا يزال وليا للعهد سنة 300 هـ على قصره وجعله بعد ولايته الخلافة صاحب بيت ماله والموكل بخزائن الكساء والسفير بينه وبين الناس.
وتوفي القائم سنة 334 هـ وثورة مخلد بن كيداد على أشدها ، فأخفى المنصور ابن القائم وفاة أبيه وخرج لحرب ابن كيداد ، واستخلف جوذر على دار الملك وسائر البلاد وسلمه مفاتيح الخزائن ثم كان يرسل الكتب من القيروان وعليها عنوان القائم (أبيه) ليوهم الناس بأنه لا يزال حيا وتصل الكتب إلى جوذر فيتصرف بها.
ولما عاد المنصور إلى المهدية وقد أخمد فتنة مخلد بن كيداد أعلن وفاة أبيه وأعتق جوذر من الرق ولقبه بمولى أمير المؤمنين وهو أول من كان له هذا اللقب ، وأمره أن يجعل مكاتباته لسائر الناس : (من جوذر مولى أمير المؤمنين إلى فلان ..) وألا يكنى في رسائله أحدا ولا يقدم على اسمه اسما إلا الخليفة وولي عهده المعز لدين الله.
ثم كان مع المعز كما كان مع أبيه وجده وسافر مع المعز في رحلته إلى مصر فمات في الطريق في مكان يعرف بمياسر على مقربة من برقة ، ولتلميذه منصور الجوذري العزيزي كتاب سيرة الأستاذ جوذر “.
وقد جاء ذكر طائفة الجودرية في كتاب صبح الأعشى للقلقشندي وهو يتكلم عن حارات القاهرة فقال : ” ومنها الجودرية : وتعرف بطائفة يقال لهم الجودريّة من الدولة الفاطمية نسبة إلى جودر خادم عبيد الله المهدي أبي الخلفاء الفاطميين ، اختطوها وسكنوها حين بنى جوهر القاهرة ثم سكنها اليهود بعد ذلك إلى أن بلغ الحاكم الفاطميّ أنهم يهزأون بالمسلمين ويقعون في حق الإسلام فسدّ عليهم أبوابهم وأحرقهم ليلا وسكنوا بعد ذلك حارة زويلة المتقدّمة الذكر “.
وجاء في الخطط المقريزية : ” حارة الجودرية : هذه الحارة عرفت أيضا بالطائفة الجودرية إحدى طوائف العسكر في أيام الحاكم بأمر اللّه على ما ذكره المسبّحي ، وقال ابن عبد الظاهر : الجودريّة منسوبة إلى جماعة تعرف بالجودريّة اختطّوها وكانوا أربعمائة ، منهم أبو عليّ منصور الجودريّ الذي كان في أيام العزيز بالله وزادت مكانته في الأيام الحاكمية فأضيفت إليه مع الأحباس الحسبة وسوق الرقيق والسواحل وغير ذلك.
ولها حكاية سمعت جماعة يحكونها وهي أنّها كانت سكن اليهود والمعروفة بهم ؛ فبلغ الخليفة الحاكم أنّهم يجتمعون بها في أوقات خلواتهم ويغنّون : (وأمّة قد ضلّوا .. ودينهم معتلّ .. قال لهم نبيّهم .. نعم الإدام الخلّ) ويسخرون من هذا القول ويتعرّضون إلى ما لا ينبغي سماعه فأتى إلى أبوابها وسدّها عليهم ليلا وأحرقها فإلى هذا الوقت لا يبيت بها يهوديّ ولا يسكنها أبدا ، وقد كان في الأيام العزيزيّة جودر الصقلبيّ أيضا ضرب عنقه ونهب ماله في سنة ستّ وثمانين وثلاثمائة “.

7 / الدر الثمين في إيضاح الدين
(الدر الثمين في إيضاح الدين) هو اسم الشهرة لكتاب عنوانه (الدر الثمين في إيضاح الاعتقاد في الدين بما نطقت به أفواه النبيين والرسل الأطهار المؤيدين والآباء المعلمين والبطاركة المغبوطين علي تجسد رب المجد وصعوده وإرساله الباراقليط) ، ويتكون الكتاب من عدة مقالات تقع في مائتي صفحة كتبها أسقف الأشمونين الشهير ساويرس بن المقفع ليلخص بها مجمل العقيدة واللاهوت عند الأقباط الأرثوذكس في القرن العاشر الميلادي.
ويبدأ الكتاب بمقدمة تدل على براعته وتعمقه في اللغة العربية حيث يقول : ” باسم الله القوي باسم الآب والابن والروح القدس إله واحد آمين ، الشكر لله الذي أمر فعدل وأعطى وأجزل وشرف دينه وأعلى شأنه وكرمه وجعلنا أهلا للإيمان الموضوع على الحق المحقق والصدق المصدق من غير شبهة ولا تجديف ولا لبس ولا تحريف.
نشكره شكرا دائما على آلائه وحمدا متصلا على جزيل نعمائه إذ خلقنا على الصورة الأزلية المسجود لها من كل البرية وشرفنا على جميع المخلوقات الأرضية بالنفس العاقلة الناطقة وأنقذنا من مرارة الطغيان وأطلعنا على سرائر الإيمان بتوحيد جوهره وذاته وبتثليث أقانينه وصفاته.
وطهرنا من ظلمة الجهالات وعتق نفوسنا من رق الضلالات ورفعنا بالولادة الثانية من درجة العبيد الذين طغوا وخرجوا عن طاعته إلى رتبة البنين العاملين مشيئته وإرادته بفضله ونعمته وجوده ورحمته ، نسبحه ونقدسه على مر الأزمان الآن وكل أوان وإلى دهر الداهرين آمين “.
والكتاب يتناول الأفكار الدينية بطريقة فلسفية مع مسحة وعظية وتناولت موضوعات الفصول كلا من : التثليث والتوحيد ، التجسد والفداء ، التجسد والفداء في سفر يشوع بن نون ، تفسير الفصح اليهودي وكيف يتحول الخبز إلى جسد المسيح ، كيف تقهر الشياطين ، فضل يوم الأحد ، صوم يومي الأربعاء والجمعة ، حقيقة الصوم وكيف نصوم ، إثبات العقيدة الأرثوذكسية ، تفاسير تسبحة موسى.
وختم كتابه بالفصل الأخير تحت عنوان (عزاء المؤمنين وتصبيرهم على الأحزان) وجعل في نهايته خاتمة الكتاب حيث قال : ” فلنسأل الرب يسوع المسيح المنعم علينا بالخلاص أن يؤهلنا لقبول التعب على اسمه القدوس وأن يمنحنا الصبر على ذلك والشكر عليه تقدست أسماءه وله ينبغي الشكر والابتهال إلى أبد الآبدين ودهر الداهرين آمين “.
وقد ولد ساويرس بن المقفع في عام 915 م وتوفي بعد عام 987 م وعرف بلقب ابن المقفع نسبة إلى عمل والده الذي كان يعمل في صناعة القفعات للفلاحين (القفف وهي جمع قفة) ، وجمع بين العلوم الدينية والعلوم الدنيوية فعرف الفلسفة التي كانت مزدهرة في الإسكندرية وعلوم الكلام التي قرأها في مصادرها وأتقن اللسان العربي الوافد وعمل في الوظائف الإدارية والدواوين وتدرج في الوظائف ثم تخلى عنها ليترهبن في أحد الأديرة.
وبدأ حياته الوظيفية في عصر الإخشيديين ثم عرف واشتهر في العصر الفاطمي وكان مقربا من الخليفة المعز لدين الله حيث كان كثيرا ما يتردد على ديوان المعز لدين الله وكان المعز يدعوه للمناظرة مع أئمة المسلمين واليهود في حضوره ومرات كثيرة جادل قضاة من شيوخ المسلمين بأمر الخليفة الذي كان محبا لمثل هذه المناقشات.
وكان ساويرس يتمتع بروح فكاهية كما جاء في كتاب تاريخ البطاركة حيث يقول : ” اتفق أنه كان جالس عند قاضي القضاة إذ عبر عليهم كلب وكان يوم الجمعة وكان هناك جماعة من الشهود ، فقال له قاضى القضاة : ماذا تقول يا ساويرس في هذا الكلب هو نصراني أو مسلم ؟ ، فقال له : إسأله فهو يجيبك عن نفسه ، فقال له القاضي : هل الكلب يتكلم ؟ إنما نريدك أنت تقول لنا ، قال : نعم يجب أن نجرب هذا الكلب وذلك أن اليوم يوم جمعة والنصارى يصوموه ولا يأكلوا فيه لحم فإذا فطروا عشيه يشربوا النبيذ والمسلمين ما يصوموه ولا يشربوا فيه النبيذ ويأكلوا فيه اللحم فحطوا قدامه لحم ونبيذ فإن أكل اللحم فهو مسلم وإن لم يأكله وشرب النبيذ فهو نصراني ، فلما سمعوا كلامه تعجبوا من حكمته وقوة جوابه وتركوه “.
وكان يعرف بلقب أبي البشر ساورى ابن المقفع كما جاء في عنوان رسالته إلى الوزير القبطي أبو اليمن قزمان بن مينا حيث يقول فيها : (نبتدى بعون الله وتأييده نكتب رسالة أنبا ساويرى أسقف الأشمونيين المعروف قبل رهبنته بأبي البشر ابن المقفع الكاتب إلى أبي اليمن قزمان بن مينا عامل مصر أيده الله فيما سأله من الكتاب إليه بمذاهب النصارى على طريق الاختصار والإيجاز).
ويعد من أكثر رجال الكنيسة القبطية ثقافة وتأليفا ، ومن مؤلفاته الأخرى : مصباح العقل ، البيان المختصر في الإيمان ، كتاب المجامع ، ترتيب الكهنوت ، كلام في طب الغم وشفاء الحزن ، الرد علي أبي البشر بن جارود ، نظم الجواهر والدرر في الرد علي القائلين بالقضاء والقدر ، وفي نوفمبر 950 م ألف كتاب (تفسير الأمانة) الذي استكمل به كتابه (المجامع) وهو رد على كتاب نظم الجوهر لسعيد بن بطريق البطريرك الملكاني ، وفي سبتمبر 955م قام بإعادة تفسير كتابه السابق ، وفي سنة 987 م وضع مساهمته في تحرير الرسالة المجمعية إلى بطرك السريان.

8 / المسالك والممالك
من أهم الكتب التي وصفت شبه جزيرة سيناء في القرن الرابع الهجري كتاب (المسالك والممالك) الذي كتبه الرحالة أبو الحسين الحسن بن أحمد المهلبي المتوفي في القاهرة عام 380 هـ / 990 م وينحدر المهلبي من قبيلة الأزد العربية القحطانية وينسب إلى جده الأعلى القائد المعروف المهلب بن أبي صفرة ، وقد ألف هذا الكتاب بطلب من الخليفة العزيز بالله الفاطمي ولذلك اشتهر الكتاب باسم (العزيزي) نسبة إليه ، وقد كتبه دون الاستعانة بالنقل عن غيره وإنما أورد فيه مشاهداته التي عايشها في رحلاته المختلفة.
وقد ذكر محقق الكتاب الأستاذ تيسير خلف أن هذا المصنف المهم قد حظي بعناية واهتمام الكثيرين من المؤلفين العرب المسلمين الذين أتوا بعده ، فوصفه ابن العديم مؤلف (بغية الطلب في تاريخ حلب) والمتوفي سنة 660 هـ / 1262 م بأنه كتاب حسن في فنه يوجد فيه مما لا يوجد في غيره من أخبار البلاد وفتوحها وخواصها ، وقد نقل ابن العديم عن المهلبي مقاطع مهمة تتعلق بحلب والثغور الشامية قبل سقوطها نهائيا في يد البيزنطيين أواسط القرن الرابع الهجري ، كما نقل ياقوت الحموي في معجم البلدان عن كتاب المهلبي أكثر من ثلاث وخمسين مرة ونقل عنه أبو الفداء في تقويم البلدان مائتين وعشرة مرات.
وذكر أن المستشرق آدم ميتز صاحب كتاب (الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري) قال : إن لكتاب المهلبي مزية هي أنه أول كتاب وصف بلاد السودان وصفا دقيقا وكان علماء الجغرافيا في القرن الرابع لا يعرفون من أخبار السودان شيئا ، كما تحدث عنه المستشرق الروسي إغناتي يوليانوفيتش كراتشكوفسكي صاحب (تاريخ الأدب الجغرافي العربي) الذي أكد على الأثر الكبير لكتاب المهلبي على المؤلفات التالية ، كما ظل كتابه معروفا مباشرة إلى أيام دولة التيموريين فاستعمله في بداية القرن التاسع الهجري (الخامس عشر الميلادي) حافظ آبرو عندما وضع مصنفه في الجغرافيا.
وفي الكتاب يتحدث المهلبي عن مصر وأقاليمها لكنه اهتم بطرق الحج والتجارة المارة عبر سيناء لأن الدولة الفاطمية وقتها كانت حديثة عهد بالسيطرة على الشام والحجاز فكتب بالتفصيل عن المنطقة المحاذية لبحيرة البردويل والتي كانت تعرف قديما باسم الجفار فيقول : ” وأعيان مدن الجفار : العريش ورفح والورّادة ، والنخل في جميع الجفار كثير وكذلك الكروم وشجر الرمان ، وأهلها بادية محتضرون ولجميعهم في ظواهر مدنهم أجنّة وأملاك وأخصاص فيها كثير منهم ، ويزرعون في الرمل زرعا ضعيفا يؤدون فيه العشر وكذلك يؤخذ من ثمارهم.
ويقطع في وقت من السنة إلى بلدهم من بحر الروم طير من السلوى يسمونه المرع يصيدون منه ما شاء الله يأكلونه طريّا ويقتنونه مملوحا ، ويقطع أيضا إليهم من بلد الروم على البحر في وقت من السنة جارح كثير فيصيدونه منه الشواهين والصقور والبواشق وقلّ ما يقدرون على البازي ، وليس لصقورهم وشواهينهم من الفراهة ما لبواشقهم.
وليس يحتاجون لكثرة أجنتهم إلى الحرّاس لأنه لا يقدر أحد منهم أن يعدو على أحد لأن الرجل منهم إذا أنكر شيئا من حال جنانه نظر إلى الوطء في الرمل ثم قفا ذلك إلى مسيرة يوم ويومين حتى يلحق من سرقه ، وذكر بعضهم أنهم يعرفون أثر وطء الشاب من الشيخ والأبيض من الأسود والمرأة من الرجل والعاتق من الثيّب فإن كان هذا حقّا فهو من أعجب العجائب “.
ويتحدث عن العريش وأهميتها التجارية فيقول : ” من الورّادة إلى مدينة العريش ثلاثة فراسخ ، ومدينة العريش مدينة جليلة وهي كانت حرس مصر أيام فرعون وهي آخر مدينة تتصل بالشام من أعمال مصر ويتقلدها والي الجفار وهي مستقرّة ، وفيها جامعان ومنبران وهواؤها صحيح طيب وماؤها حلو عذب وبها سوق جامع كبير وفنادق جامعة كبيرة ووكلاء للتجار ونخل كثير وفيها صنوف من التمور ورمّان يحمل إلى كل بلد بحسبه ، وأهلها من جذام.
ومنها إلى بئري أبي إسحاق ستة أميال وهما بئران عظيمتان ترد عليهما القوافل وعندهما أخصاص فيها باعة ، ومنها إلى الشجرتين وهي أول أعمال الشام ستة أميال ومنها إلى البرمكية ستة أميال ثم إلى رفح ستة أميال “.
ويتحدث عن الفرما وسكانها فيقول : ” وأما الفرما فحصن على ضفّة البحر لطيف لكنه فاسد الهواء وخمه لأنه من كل جهة حوله سباخ تتوحّل فلا تكاد تنضب صيفا ولا شتاء ، وليس بها زرع ولا ماء يشرب إلا ماء المطر فإنه يخزن في الجباب ويخزنون أيضا ماء النيل يحمل إليهم في المراكب من تنّيس ، وبظاهرها في الرمل ماء يقال له العذيب ومياه غيره في آبار بعيدة الرشاء وملحة تنزل عليها القوافل والعساكر ، وأهلها نحاف الأجسام متغيّرو الألوان وهم من القبط وبعضهم من العرب من بني جرى وسائر جذام ، وأكثر متاجرهم في النوى والشعير والعلف لكثرة اجتياز القوافل بهم ولهم بظاهر مدينتهم نخل كثير له رطب فائق وتمر حسن يجهّز إلى كل بلد “.
ويتحدث بعدها عن الطريق التجاري بين مصر وفلسطين فيقول : ” الطريق من الفرما إلى غزّة على الساحل من الفرما إلى رأس القس وهو لسان خارج في البحر وعنده حصن يسكنه الناس ولهم حدائق وأجنّة وماء عذب ويزرعون زرعا ضعيفا “.
ثم يتحدث عن رفح والقوات العسكرية المتمركزة فيها فيقول : ” ورفح مدينة عامرة فيها سوق وجامع ومنبر وفنادق ، وأهلها من لخم وجذام وفيهم لصوصية وإغارة على أمتعة الناس حتى إن كلابهم أضر كلاب أرض بسرقة ما يسرق مثله الكلاب ، ولها والي معونة برسمه عدة من الجند ، ومن رفح إلى مدينة غزة ثمانية عشر ميلا وعلى ثلاثة أميال من رفح من جنب هذه غزة شجر جمّيز مصطف من جانبى الطريق عن اليمين والشمال نحو ألف شجرة متصلة أغصان بعضها ببعض مسيرة نحو ميلين ، وهناك منقطع رمل الجفار ويقع المسافرون في الجلد “.
ويتحدث عن طريق الحج من أول برزخ السويس وحتى العقبة فيقول : ” من الفسطاط إلى جب عميرة ستة أميال ثم إلى منزل يقال له عجرود وفيه بئر ملحة بعيدة الرشاء أربعون ميلا ثم إلى مدينة القلزم خمسة وثلاثون ميلا ثم إلى ماء يعرف بتجر يومان ثم إلى ماء يعرف بالكرسي فيه بئر رواء مرحلة ثم إلى رأس عقبة أيلة مرحلة ثم إلى مدينة أيلة مرحلة.
ومدينة أيلة جليلة على لسان من البحر الملح وبها مجتمع حج الفسطاط والشام ، وبها قوم يذكرون أنهم من موالي عثمان بن عفان ويقال إن بها برد النبي صلّى الله عليه وسلم وكان قد وهبه ليوحنة بن رؤبة لمّا سار إليه إلى تبوك ؛ وخراج أيلة ووجوه الجبايات بها نحو ثلاثة آلاف دينار وأيلة في الإقليم الثالث وعرضها ثلاثون درجة “.
ويعلق على منطقة السويس التي كانت تعرف قديما بالقلزم فيقول : ” ويتصل بجبل القلزم جبل يوجد فيه المغناطيس وهو حجر يجذب الحديد وإذا دلك ذلك الحجر بالثوم بطل عمله فإذا غسل بالخل عاد إلى حاله “.

9 / الزيج الكبير الحاكمي
كثيرا ما يوصف العباقرة من العلماء بغرابة الأطوار مثل الصورة الذهنية التي كرسها أينشتين في الإعلام الغربي والسينما الأمريكية حيث يظهر بثياب رثة وشعر منكوش وانفصال عن العالم وتصرفات غير منطقية ، ويبدو أنه ليس أول من فعل ذلك بل سبقه واحد من أشهر علماء الفلك في مصر وهو علي بن يونس المصري الذي عرف بالنبوغ والتفوق في العلم والبحث والشعر والتأليف لكنه اشتهر في نفس الوقت بغرابة الأطوار وطرافة الأحوال ، وقد كان من حظه أنه كان معاصرا للخليفة الحاكم بأمر الله والذي كان معروفا هو الآخر بطبائع تشبه ذلك.
ولد ابن يونس في مصر عام 339 هـ / 950 م وتوفي فيها عام 339 هـ / 1009 م وهو ينحدر من قبيلة الصدف اليمنية التي سكنت الفسطاط في زمن الفتح الإسلامي وعرفت عائلته بالعلم والفقه ، والده هو المؤرخ الكبير عبد الرحمن بن يونس الصدفي صاحب كتاب تاريخ المصريين وجده هو الفقيه أحمد بن يونس وجده الكبير هو شيخ الإسلام يونس بن عبد الأعلى تلميذ الإمام الشافعي ، وقد عرف بالنبوغ في علم الفلك فأجزل له الفاطميون العطاء وأسسوا له مرصدا على جبل المقطم وجهزوه بكل ما يلزم من الآلات والأدوات واشتغل فيه مدة ستة وعشرين عاما.
ورصد ابن يونس كسوف الشمس وخسوف القمر في القاهرة في عام 978 م وكذلك وصف بدقة الاقتران الكوكبي الذي حدث في سنة 1000 م بين الزهرة والمريخ ، واستعمل الدوال المثلثية لتحديد الزمن من ارتفاع الشمس أو النجوم ورصد الشروق النجمي للشعرى اليمانية وهو أول من وضع قانوناً في حساب المثلثات الكروية ، ورصد كسوف الشمس عامي 993 و 1004 م وخسوف القمر عامي 1001 و 1002 م وأنشا من ذلك عدة جداول فلكية بالغة الدقة ، وتقديرا لأعماله فقد أطلق اسمه على إحدى فوهات سطح القمر.
وأهم كتاب له هو (الزيج الكبير الحاكمي) وهو الكتاب الذي بدأ تأليفه بأمر من الخليفة العزيز الفاطمي سنة 990 م وأتمه سنة 1007 م في عهد الخليفة الحاكم وسماه الزيج الحاكمي نسبة إلى الخليفة ، وكلمة زيج فارسية الأصل (زيك) وكانت تستعمل للدلالة على الجداول الفلكية الرياضية حيث يضم الكتاب مقدمة طويلة ثم واحدا وثمانين فصلا تتناول اقتران الكواكب ومولد الأهلة والكسوف والخسوف وتزايد حركة القمر وحسب ميل دائرة البروج ، وكان المصريون يعولون في تقاويمهم على زيج ابن يونس لفترة طويلة من الزمن.
وقد حكى عنه ابن خلكان في كتابه وفيات الأعيان وذكر جانبا من تصرفاته الغريبة فقال : ” ابن يونس المنجم .. صاحب الزيج الحاكمي أبو الحسن علي بن أبي سعيد عبد الرحمن بن أحمد بن يونس بن عبد الأعلى الصدفي المنجم المصري المشهور صاحب الزيج الحاكمي المعروف بزيج ابن يونس ، وهو زيج كبير رأيته في أربع مجلدات بسط القول والعمل فيه وما أقصر في تحريره ولم أر في الأزياج على كثرتها أطول منه وذكر أن الذي أمره بعمله وابتدأه له العزيز أبو الحاكم صاحب مصر.
كان مختصاً بعلم النجوم متصرفاً في سائر العلوم بارعاً في الشعر ، وعلى إصلاحه لزيج يحيى بن منصور تعويل أهل مصر في تقويم الكواكب وعدله القاضي أبو عبد الله محمد بن النعمان في جمادى الأولى سنة ثمانين وثلثمائة ، وخلف ولداً متخلفاً باع كتبه وجميع تصنيفاته بالأرطال في الصابونيين ، وكان قد أفنى عمره في الرصد والتسيير للمواليد وعمل فيها ما لا نظير له وكان يقف للكواكب.
قال الأمير المختار المعروف بالمسبحي : أخبرني أبو الحسن المنجم الطبراني أنه طلع معه إلى جبل المقطم وقد وقف للزهرة فنزع ثوبه وعمامته ولبس ثوباً نساوياً أحمر ومقنعة حمراء تقنع بها وأخرج عوداً فضرب به والبخور بين يديه فكان عجباً من العجب.
قال الأمير المختار في تاريخ مصر : كان ابن يونس المذكور أبله مغفلاً يعتم على طرطور طويل ويجعل رداءه فوق العمامة وكان طويلاً وإذا ركب ضحك منه الناس لشهرته وسوء حاله ورثاثة لباسه ، وكان له مع هذه الهيئة إصابة بديعة غريبة في النجامة لا يشاركه فيها غيره ، وكان أحد الشهود وكان متفنناً في علوم كثيرة وكان يضرب بالعود على جهة التأدب.
وله شعر حسن فمنه قوله : (أحمل نشر الريح عند هبوبه … رسالة مشتاق لوجه حبيبه .. بنفسي من تحيا النفوس بقربه … ومن طابت الدنيا به وبطيبه .. لعمري لقد عطلت كأسي بعده … وغيبتها عني لطول مغيبه .. وجدد وجدي طائف منه في الكرى … سرى موهناً في خفية من رقيبه) وله شعر كثير.
ويحكى أن الحاكم العبيدي صاحب مصر قال وقد جرى في مجلسه ذكر ابن يونس وتغفله : دخل إلى عندي يوماً ومداسه بيده فقبل الأرض وجلس وترك المداس إلى جانبه وأنا أراه وأراها ، وهو بالقرب مني فلما أراد أن ينصرف قبل الأرض وقدم المداس ولبسه وانصرف ، وإنما ذكر هذا في معرض غفلته وقلة اكتراثه.
وقال المسبحي : كانت وفاته بكرة يوم الاثنين لثلاث خلون من شوال سنة تسع وتسعين وثلثمائة فجأة رحمه الله تعالى وصلى عليه في الجامع بمصر القاضي مالك بن سعيد ودفن بداره بالفرائين “.
ويشرح ابن يونس منهجه العلمي في مقدمة كتابه فيقول : ” رسالة الزيج .. أما بعد فإن الذين نظروا في كتب من تقدمهم من العلماء واستقصوا أقاويلهم وجدوا فيها الصواب والخطأ والمشكل ، وأما من كان غرضه العلم وكانت طباعه خيرة فإنه ميز بعقله الحق من الباطل متأملا مجتهدا في درك الحق طالبا بمنحه متبعا أثره فحيث وجده أخذه بأحسن قبول وأتم رغبة وأين وجد الباطل اجتنبه وحاد عن سبيله.
وأما من منعه الهوى من التأمل ومالت به طباعه إلى الشر فإنه نكب عن سبيل الحق إلى الضلال وبها وكابر وأخطأ وخطأ العلماء وكلب للعالم سهوا وغلطا وعلق به وأشاعه وأكثر القول فيه وطوى محاسن ذلك العلم كلها ، والذي طلبه ليس بموجود في الإنسان لأنه لا بد للإنسان من أن يسهو وأن يزل وتشكل عليه بعض الأمور “.
ويقول عن سبب تأليف الكتاب : ” ولما كان للكواكب ارتباط بالشرع في معرفة أوقات الصلوات وطلوع الفجر الذي يحرم به على الصائم الطعام والشراب وهو آخر أوقات الفجر وكذلك مغيب الشفق الذي هو أول أوقات العشاء الآخرة وانقضاء الأيمان والنذور والمعرفة بأوقات الكسوف للتأهب لصلاته والتوجه إلى الكعبة لكل مصل وأوائل الشهور معرفة بعض الأيام إذا وقع فيه شك وأوان الزرع ولقاح الشجر وجني الثمار ومعرفة سمت مكان من مكان والاهتداء عن الضلال.
وكان رصد أصحاب الممتحن قد بعد عمره وكان عليه من الخلل ما وجد في أرصاد من تقدمهم من أهل العلم والبطش مثل أرشميدس وأبرخس وبطليموس وغيرهم أمر مولانا وسيدنا أمير المؤمنين أبو علي المنصور الإمام الحاكم بأمر الله صلوات الله عليه وعلى آبائه الطاهرين وأبنائه الأكرمين بتجديد رصد الكواكب السريعة السير وبعض البطيئة “.
ويشرح كيفية قيامه بتنفيذ ذلك فيقول : ” فامتثلت من ذلك ما أمرني به مولانا أمير المؤمنين لما صح عند السبر من الآلات الرصدية التي اجتهدت في إحكام صنعتها وصحة أماكن أقسامها وجعلت زمان القياس بها طويلا وجعلت بعض الآلة عيارا على بعض احتياطا ليشهد بعضها لبعض بالصواب.
فلما وضح لي الحق في أماكن الكواكب السريعة السير وغيرها استعنت في استخراج حركاتها الوسطى بأرصاد المتقدمين إذ لا سبيل إلى معرفتها إلا من هذا الوجه ، ومن ذلك ما ذكره بطليموس في المجسطي عن من تقدمه وعن نفسه ثم بأرصاد يحيى بن أبي منصور ومن كان معه إذ ذاك وبأرصاد بني موسى بن شاكر وبأرصاد الماهاني فإن له أرصادا كثيرة وأبي الحسن علي ابن أماجور فإن له أرصادا كثيرة.
واستعنت بما شاهدوه من اجتماع الكواكب في الروية واعتمدت من ذلك على ما كان فيه أحد الكواكبين المجتمعين قريبا من الآخر وقرنت ذلك بما ذكروا أن الآلة القياسية أخرجته وسبرت قياس بعض بقياس بعض وكذلك فعلت فيما شاهدوا من اجتماعها مجتهدا في تحرير أماكنها وأوساطها وأماكن أوجاتها ومقادير تعديلها حتى أفضى الاجتهاد إلى ما أثبت في هذا الزيج سالكا في ذلك السبيل التي أوضحها بطليموس في المجسطي ، والله أسأل حسن التوفيق فيما قصدت بفضله وطوله إنه جواد كريم “.

10 / المختلف والمؤتلف
من أهم علوم الحديث الشريف ما عرف باسم علم الرجال أو الجرح والتعديل والذي يعني دراسة شخصيات رواة الحديث والتثبت من تحقيقهم لشروط الرواية من الصدق والعدالة وكذلك سيرتهم الذاتية وسلامتهم من الفسق وخوارم المروءة ، ومن أهم الكتب في هذا العلم كتاب (المؤتلف والمختلف) الذي كتبه محدث الديار المصرية الإمام عبد الغني بن سعيد الأزدي المصري تلميذ الإمام الدارقطني ، ولد في الفسطاط عام 332 هـ / 943 م وتوفي فيها عام 409 هـ / 1018 م ويرجع في نسبه إلى قبيلة الأزد العربية القحطانية التي دخلت مصر مع الفتح الإسلامي.
والكتاب يحوي سجلا لأسماء رواة الحديث مع نبذة مختصرة عنهم مرتبة أبجديا مع ذكر من روى عنهم الشخص ومن روى لهم بحيث يكون مثل الفهرس يستعان به في بقية كتب الحديث ، وقد تطور هذا العلم بعد ذلك وأدى إلى ظهور مؤلفات تراجم المحدثين ثم توسعت وشملت السيرة الذاتية لغيرهم من الأعيان والأدباء وسائر الشخصيات ، وقد استهل المؤلف كتابه هذا بعبارة نقله عن شيوخه إلى تلاميذه وهي توضح منهجه حيث يقول : ” أولى الأشياء بالضبط أسماء الناس لأنه شيء لا يدخله القياس ولا قبله شيء ولا بعده شيء يدل عليه “.
ومن مؤلفاته الأخرى كتاب أدب المحدِث والمحدَث وكتاب أسباب الأسماء وكتاب الأوهام التي في مدخل أبي عبد الله الحاكم النيسابوري وكتاب إيضاح الإشكال في الرواة وكتاب الرباعي في الحديث وكتاب الغوامض والمبهمات وكتاب العلم وكتاب الفوائد المنتقاة عن الشيوخ الثقات من حديث أبي الحسن محمد بن أحمد الإخميمي وكتاب مشتبه النسبة وكتاب المتوارين وكتاب القضاة وكتاب فيه مجلس من أوهام أبي عبد الله البخاري في تأريخه الكبير وكتاب في أسباب ورود الحديث وكتاب المقلين والمقلات من الصحابة وكتاب من روى من التابعين عن عمرو بن شعيب وكتاب فوائد حديث الحافظ عبد الغني بن سعيد الأزدي عن شيوخه.
وفي كتابه الفوائد يروي عن شيوخه عددا من النوادر والأشعار والمواقف المؤثرة مثل قوله : ” وَحَدَّثَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحَدَّادُ النهاوندي قال : حدثني محمد السقاء – وَهُوَ صَالِحٌ فَاضِلٌ مِنْ خِيَارِ الْمُسْلِمِينَ ـ قَالَ : رَكِبْتُ فِي سفينةٍ مِنْ تِنِّيسَ إِلَى مِصْرَ ، قَالَ : فَاشْتَدَّ هَوْلُ الْبَحْرِ عَلَيْنَا فَتَضَرَّعَ النَّاسُ وجأروا إلى الله عز وجل قال : فنبغ رجلٌ مِنْ وَسَطِهِمْ ، وَقَالَ : عَجِبْتُ لِقَلْبِكَ كَيْفَ انقلب ، قال : فاستجهلناه ، وَقُلْنَا : انْظُرْ فِي أَيِّ وقتٍ يُخَاطَبُ اللَّهُ بمثل هذا؟ ، قال : ثُمَّ زَادَ الْهَوْلُ فَأَطْلَعَ رَأْسَهُ مَرَّةً أُخْرَى ثُمَّ قَالَ : وَشِدَّةُ حُبِّكَ لِي لِمْ ذَهَبَ؟ ، قَالَ : فَكُنَّا عَلَيْهِ فِي هَذِهِ أَشَدَّ غَيْظًا من الأولى ، ثم زاد الهول فَأَطْلَعَ رَأْسَهُ الثَّالِثَةَ فَقَالَ : (وَأَعْجَبُ مِنْ ذَا وذا أَنَّنِي .. أَرَاكَ بِعَيْنِ الرِّضَا فِي الْغَضَبِ) ، قَالَ : فَمَا تَمَّ الْكَلامُ حَتَّى سَكَنَ الْهَوَاءُ ، قَالَ : فَوَضَعْتُ عَيْنِي عَلَيْهِ وَقُلْتُ : هَذَا وَلِيٌّ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ أَكُونُ مُرَافِقًا لَهُ وَصَاحِبًا ، قَالَ : فَمَا هُوَ إِلا أَنْ وَصَلْنَا اتَّبَعْتُهُ فَلَمْ أجده ولم أدر أَيَّ طريقٍ سَلَكَ “.
ذكره ابن خلكان في وفيات الأعيان فقال : ” الحافظ عبد الغني .. أبو محمد عبد الغني بن سعيد بن علي بن سعيد بن بشر بن مروان بن عبد العزيز الأزدي الحافظ المصري ؛ كان حافظ مصر في عصره وله تواليف نافعة منها مشتبه النسبة وكتاب المؤتلف والمختلف وغير ذلك وانتفع به خلق كثير ، وكانت بينه وبين أبي أسامة جنادة اللغوي وأبي علي المقرئ الأنطاكي مودة أكيدة واجتماع في دار الكتب ومذاكرات فلما قتلهما الحاكم صاحب مصر استتر بسبب ذلك الحافظ عبد الغني خوفاً أن يلحق بهما لاتهامه بمعاشرتهما وأقام مستخفياً مدة حتى حصل له الأمن فظهر.
وكانت ولادة الحافظ عبد الغني لليلتين بقيتا من ذي القعدة سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة وتوفي ليلة الثلاثاء ودفن يوم الثلاثاء سابع صفر سنة تسع وأربعمائة بمصر ودفن بحضرة مصلى العيد رحمه الله تعالى ، وذكر أبو القاسم يحيى بن علي الحضرمي المعروف بابن الطحان في تاريخه الذي جعله ذيلاً لتاريخ ابن يونس المصري أن عبد الغني بن سعيد المذكور مولده في سنة ثلاث وثلاثين وثلثمائة والله أعلم وتوفي والده سعيد المذكور سنة ثمان وثلاثين وثلثمائة وعمره ثلاث وأربعون سنة رحمه الله تعالى وقال ولده الحافظ عبد الغني : لم أسمع من والدي شيئاً.
وقال أبو الحسن علي بن بقا كاتب الحافظ عبد الغني بن سعيد : سمعت الحافظ عبد الغني بن سعيد يقول : رجلان جليلان لزمهما لقبان قبيحان معاوية بن عبد الكريم الضال وإنما ضل في طريق مكة وعبد الله بن محمد الضعيف وإنما كان ضعيفاً في جسمه لا في حديثه.
وقال أبو عبد الله محمد بن علي الحافظ الصوري : قيل للدارقطني هل رأيت في الحديث أحداً يرجى علمه فقال : نعم شاباً بمصر كأنه شعلة نار يقال له عبد الغني ، فلما خرج الدارقطني من مصر جاءه المودعون وتحزنوا على مفارقته وبكوا فقال : لقد تركت عندكم خلفاً ، يعني عبد الغني ، وقال أيضاً – أعني الصوري – لما صنف عبد الغني (المؤتلف والمختلف) عرضه على الدارقطني فقال له : اقرأه ، فقال : كيف أقرأه لك ومعظمه أخذته عنك فقال : نعم أخذته عني متفرقاً والآن قد جمعته “.
وترجم له الحافظ شمس الدين الذهبي في كتابه سير أعلم النبلاء فقال : ” عبد الغني بن سعيد بن علي بن سعيد بن بشر بن مروان الإمام الحافظ الحجة النسابة محدث الديار المصرية أبو محمد الأزدي المصري صاحب كتاب المؤتلف والمختلف ، مولده في سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة وكان أبوه سعيد فرضي مصر في زمانه .
سمع أبو محمد من : عثمان بن محمد السمرقندي وهو أكبر شيخ له ، ومن أحمد بن إبراهيم بن عطية ، وأحمد بن بهزاذ السيرافي وسماعه منه في عام اثنين وأربعين ، وسمع من إسماعيل بن يعقوب بن الجراب ، وعبد الله بن جعفر بن الورد ، وأحمد بن إبراهيم بن جامع ، وأبي الطيب القاسم بن عبد الله الروذباري ، وعلي بن أحمد بن إسحاق المزكي ، والحسن بن يحيى القلزمي ، وأبي أحمد بن الناصح المفسر ، والحسن بن الخضر الأسيوطي ، ومحمد بن علي النقاش التنيسي ، وعلي بن جعفر الفريابي ، وأبي قتيبة سلم بن الفضل ، وإبراهيم بن علي الحنائي صاحب الكجي ، وأبي نجيد محمد بن القاسم الحذاء ، والخضر بن محمد المراغي ، وأبي الحسن الدارقطني ، ويعقوب بن مبارك ، وحمزة بن محمد الكناني الحافظ ، والقاضي أبي الطاهر السدوسي ، وأبي الحسن بن حيويه ، وطبقتهم بمصر ، والقاضي يوسف بن القاسم الميانجي ، وأبي سليمان بن زبر ، والفضل بن جعفر المؤذن ، وطبقتهم بدمشق .
حدث عنه : الحافظ محمد بن علي الصوري ، ورشأ بن نظيف المقرئ ، وعبد الرحيم بن أحمد البخاري ، وابن بقاء الوراق ، وأبو علي الأهوازي ، والقاضي أبو عبد الله القضاعي ، وأبو إسحاق الحبال ، وخلق سواهم ، وبالإجازة أبو عمر بن عبد البر ، وغيره .
وكان من كبار الحفاظ ، قال البرقاني : سألت الدارقطني لما قدم من مصر : هل رأيت في طريقك من يفهم شيئا من العلم ؟ قال : ما رأيت في طول طريقي إلا شابا بمصر يقال له عبد الغني كأنه شعلة نار ، وجعل يفخم أمره ويرفع ذكره ، وقال أبو الفتح منصور بن علي الطرسوسي : أراد أبو الحسن الدارقطني الخروج من عندنا من مصر فخرجنا معه نودعه فلما ودعناه بكينا فقال لنا : تبكون وعندكم عبد الغني بن سعيد وفيه الخلف .
ولعبد الغني جزء بين فيه أوهام كتاب (المدخل إلى الصحيح) للحاكم يدل على إمامته وسعة حفظه ، قال عبد الغني : لما رددت على أبي عبد الله الحاكم (الأوهام التي في المدخل) بعث إلي يشكرني ويدعو لي فعلمت أنه رجل عاقل ، قال أبو بكر البرقاني : ما رأيت بعد الدارقطني أحفظ من عبد الغني .
وقال محمد بن علي الصوري : قال لي الحافظ عبد الغني : ابتدأت بعمل كتاب (المؤتلف والمختلف) فقدم علينا الدارقطني فأخذت عنه أشياء كثيرة منه فلما فرغت من تصنيفه سألني أن أقرأه عليه ليسمعه مني فقلت : عنك أخذت أكثره ، قال : لا تقل هكذا فإنك أخذته عني مفرقا وقد أوردته فيه مجموعا وفيه أشياء كثيرة أخذتها عن شيوخك ، قال : فقرأته عليه .
قال أبو الوليد الباجي : عبد الغني بن سعيد حافظ متقن قلت لأبي ذر الهروي : أخذت عن عبد الغني ؟ فقال : لا إن شاء الله ، على معنى التأكيد وذلك أنه كان لعبد الغني اتصال ببني عبيد يعني أصحاب مصر ، قال أحمد بن محمد العتيقي : كان عبد الغني إمام زمانه في علم الحديث وحفظه ثقة مأمونا ما رأيت بعد الدارقطني مثله .
قلت : اتصاله بالدولة العبيدية كان مداراة لهم وإلا فلو جمح عليهم لاستأصله الحاكم خليفة مصر الذي قيل إنه ادعى الإلهية وأظنه ولي وظيفة لهم ، وقد كان من أئمة الأثر نشأ في سنة واتباع قبل وجود دولة الرفض واستمر هو على التمسك بالحديث ولكنه دارى القوم وداهنهم فلذلك لم يحب الحافظ أبو ذر الأخذ عنه ، وقد كان لعبد الغني جنازة عظيمة تحدث بها الناس ونودي أمامها : هذا نافي الكذب عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم ، قال أبو إسحاق الحبال : توفي في سابع صفر سنة تسع وأربعمائة .
قلت : ومات معه في هذا العام المحدثون المسندون : أبو الحسين أحمد بن محمد بن المتيم البغدادي الواعظ ، وأبو الحسن أحمد بن محمد بن أحمد بن الصلت الأهوازي شيخا أبي بكر الخطيب ، وأبو محمد عبد الله بن يوسف الأصبهاني الصوفي شيخ البيهقي ، والمعمر أبو الحسن علي بن محمد بن علي بن خزفة الصيدلاني الواسطي ، وأبو طلحة القاسم بن أبي المنذر القزويني الخطيب راوي سنن ابن ماجه .
أخبرنا عيسى بن عبد الرزاق أخبرنا جعفر الهمداني أخبرنا أبو طاهر السلفي سمعت جعفر بن أحمد اللغوي سمعت محمد بن علي الصوري الحافظ سمعت عبد الغني بن سعيد سمعت أبا القاسم الحسين بن عبد الله القرشي سمعت بنانا الزاهد يقول : من كان يسره ما يضره متى يفلح ؟
أخبرنا أحمد بن سلامة المقرئ إجازة عن هبة الله بن علي أخبرنا علي بن الحسين أخبرنا عبد الرحيم بن أحمد الحافظ أخبرنا عبد الغني بن سعيد أخبرنا أبو حفص عمر بن محمد العطار حدثنا إبراهيم بن دنوقا حدثنا زكريا بن عدي حدثنا بشر بن المفضل عن غالب القطان عن بكر عن أنس قال : كنا نصلي مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في شدة الحر فإذا أراد أحدنا أن يسجد على الأرض بسط ثوبه فسجد عليه .
غالب هو ابن خطاف قيده الدارقطني بفتح الخاء اتفق الشيخان عليه من طريق بشر ، قال عبد الغني بن سعيد في كتاب (العلم) وهو جزآن : أخبرنا محمد بن عبد الله بن البياع في كتابه من نيسابور حدثنا الأصم فذكر حديثا “.