عصر الولاة الجزء الرابع

31 / ديوان ذي النون المصري

في مقابر قبيلة المعافر بقرافة الفسطاط يوجد قبر واحد من أشهر أعلام التصوف في العصور الإسلامية وهو الإمام أبو الفيض ثوبان بن إبراهيم المعروف بلقب ذي النون المصري ، وهو فقيه ومحدث وأديب ولد في أخميم بصعيد مصر في عام 157 هـ / 773 م. لأسرة نوبية من موالي قريش وتوفي في الجيزة في عام 245 هـ / 859 م وقد جاوز التسعين ، وكان يوم وفاته مشهودا حتى كاد المشيعون يكسرون يومها الجسور بين الجيزة والفسطاط من شدة الزحام.

جاء عنه في سير أعلام النبلاء للحافظ شمس الدين الذهبي (ذو النون المصري .. الزاهد شيخ الديار المصرية ثوبان بن إبراهيم يكنى أبا الفيض قيل إنه من موالي قريش وكان أبوه نوبيا ولد في أواخر أيام المنصور وروى عن مالك والليث وابن لهيعة وفضيل بن عياض وسلم الخواص وسفيان بن عيينة وطائفة ، وقل ما روى من الحديث روى عن مالك أحاديث فيها نظر وكان واعظا ، قال ابن يونس كان عالما فصيحا حكيما).

وذكر ابن خلكان في وفيات الأعيان قصة ترحيله إلى بغداد بسبب وشاية ضده فقال (وكان قد سعوا به إلى المتوكل فاستحضره من مصر، فلما دخل عليه وعظه فبكى المتوكل ورده مكرماً وكان المتوكل إذا ذكر أهل الورع بين يديه يبكي ويقول : إذا ذكر أهل الورع فحي هلا بذي النون ، وكان رجلاً نحيفاً تعلوه حمرة ليس بأبيض اللحية وشيخه في الطريقة شقران العابد ، ومن كلامه : إذا صحت المناجاة بالقلوب استراحت الجوارح).

ويذكر القشيري في رسالته أنه أول من عرّف التوحيد بالمعنى الصوفي وأنه أول من وضع تعريفات للوجد والسماع والمقامات والأحوال ، وذكر ابن عساكر حواره مع المتوكل عندما قال له صف لي أولياء الله فقال (هم قوم ألبسهم الله النور الساطع من محبته وجللهم بالبهاء من إرادة كرامته ووضع على مفارقهم تيجان مسرته) ، ومن مؤلفاته (حل الرموز وبرء الارقام في كشف أصول اللغات والاقلام) وكان مولعا بقراءة النقوش الهيروغليفية.

ويتضح منهجه الذي يجمع بين التصوف والسنة من خلال أشهر أقواله في الزهد والوعظ (إنما دخل الفساد على الناس من ستة أمور .. أولها ضعف النية بعمل الآخرة والثاني صارت أبدانهم مهيأة لشهواتهم والثالث غلبهم طول الأمل مع قرب الأجل والرابع آثروا رضا المخلوقين على رضا الخالق والخامس اتبعوا أهواءهم ونبذوا سنة نبيهم صلى الله عليه وسلم والسادس جعلوا زلات السلف حجة لأنفسهم ودفنوا أكثر مناقبهم) .

ومن أشهر أبياته الشعرية في ديوانه قوله : إذا ارتحل الكرام إليك يوماً .. ليلتمسوك حالا بعد حال .. فإن رحالنا حطت لترضى .. بحلمك عن حلول وارتحال .. أنخنا في فنائك يا إلهي .. إليك معرضين بلا اعتلال .. فمسنا كيف شئت ولا تكلنا .. إلى تدبيرنا يا ذا المعالي ، وقوله : لبست بالعفة ثوب الغنى .. فصبرت أمشي شامخ الرأس .. انطق لي الصبر لسالي فما .. أخضع بالقول لجلاسي .. إذ رأيت التيه من ذي الغنا .. تهت علي التائه بالباس.

وقوله : مجال قلوب العارفين بروضة .. سماوية من دونها حجب الرب .. تكنفها من عالم السر قربه .. فلو قدر الآجال ذابت من الحب .. وأروى صداها كأس صرف بحبه .. وبرد نسيم جل عن منتهى الخطب .. فيا لقلوب قربت فتقربت .. لذي العرش مما زين الملك بالقرب .. رضيها فأرضاها فحازت مدى الرضى .. وحلت من المحبوب بالمنزل الرحب .. لها من لطيف العزم عزت سرت به .. وتهتك بالأفكار ما داخل الحجب .. سرى سرها بين الحبيب وبينها .. فأضحى مصوناً عن سوى القرب في القرب.

ومنها قوله : شواهد أهل الحب باد دليلها .. بأعلام صدق ما يضل سبيلها .. جسوم أولي صدق المحبة والرضى .. تبين عن صدق الوداد نحولها .. إذا ناجت الإفهام أنس نفوسهم .. بالسنة تخفى علي الناس قبلها .. وضجت نفوس المستهامين واشتكت .. جوى كان عن أجسامها شربيلها .. يحنون حزناً ضعف الخوف شجوه .. ونيران شوق كالسعير عليها .. وساروا على حب الرشاد إلى العلى .. نوم بهم تقواه وهو دليلها .. فحطوا بدار القدس في خير منزل .. وفاز بزلفى ذي الجلال حلولها.

وقد ترجم له ابن الملقن في كتابه طبقات الأولياء فقال : ” ذو النون المصري .. ذو النون بن ابرهيم المصري الإخميني أبي الفيض أحد رجال الحقيقة قيل اسمه ثوبان وقيل الفيض وقيل ذو النون لقبه واشتهر بذلك وقد ذكره في حرف الذال ابن عساكر وغيره ، وكان احد العلماء الورعين في وقته نحيفاً تعلوه حمرة ليس بأبيض اللحية وكان أبوه نوبياً فيما قيل.

سئل عن سبب توبته فقال : خرجت من مصر إلى بعض القرى فنمت في الطريق في بعض الصحاري ففتحت عيني فإذا انا بقنبرة عمياء سقطت من وكرها على الارض فانشقت الارض فأنخرجت منها سكرجتان واحدة ذهب والاخرى فضة في إحداهما سمسم وفي الاخرى ماء فجعلت تأكل من هذا وتشرب من هذا فقلت : حسبي قد تبت ولزمت الباب إلى أن قبلت.

مات يوم الاثنين سنة خمس وقيل ست وأربعين ومائتين ودفن بالقرافة الصغرى وعلى قبره مشهد مبني عليه جلالة ومعه قبور جماعة من الاولياء ، ومن كلامه : سقم الجسد في الاوجاع وسقم القلوب في الذنوب فكما لا يجد الجسد لذة في الطعام عند سقمه كذلك لا يجد القلب حلاوة العبادة مع ذنبه ، وقال : من لم يعرف حق النعم سلبها من حيث لا يعلم  ، وقال : الأنس بالله من صفاء القلب مع الله ، وقال : الصدق سيف الله في أرضه ما وضع على شيء الا قطعه.

وسئل عن التوبه فقال : توبة العوام من الذنوب وتوبة الخواص من الغفلة ، وقال : ثلاثة موجودة وثلاثة مفقودة : العلم موجود والعمل به مفقود والعمل موجود والإخلاص فيه مفقود والحب موجود والصدق فيه مفقود ، وقال : قال الله من كان لي مطيعاً كنت له ولياً فليثق بي وليحكم علي فوعزتي لو سألني زوال الدنيا لأزلتها عنه .

وقال : لم أرْ شيئاً أبعثُ لطلب الإخلاص من الوحدة لأنه اذا خلا لم يرْ غير الله فاذا لم يرْ غيره لم يحركه إلا حكم الله ومن أحب الخلوة فقد تعلق بعمود الإخلاص واستمسك بركن كبير من أركان الصدق.

وقيل له : هل للعبد إلى اصلاح نفسه من سبيل ؟ ، فقال : قد بقينا مذبذ بين حيارى .. نطلب الصدق ما اليه سبيل .. فدواعي الهوى تخف علينا .. وخلاف الهوى علينا ثقيل ، وقال : ما أكلت طعام امرئ بخيل ولا منان إلا وجدت ثقله على فؤادي اربعين صباحاً.

وحكى أن رجلاً صالحاً صحبه مدة وخدمه سنين ثم قال له : أنت تعلم صلاحي وأمانتي أحبك أن تعلمني اسم الله الاعظم فإنه بلغني أنك تعرفه ، فسكت عنه مدة وأوهمه أنه سيعلمه ثم أخذ يوماً طبقاً وجعلى فيه فأرة حية وغطاه وشده في مئزر وقال له : أتعرف صاحبنا الذي بالجيزة بالمكان الفلاني ؟ ، قال : نعم ، قال : فأوصل إليه هذه الامانة ، فأخذه ومضى فوجده خفيفاً فرفع الغطاء فهربت الفأرة فازداد غيظاً فقال : يسخر بي ؟؟ يحملني فأرة هدية ؟؟ ، قال : فلما رآني علم ما في نفسي فقال : يا مسكين أئتمنتك على فأرة فلم تؤدها فكيف آتمنك على اسم الله الاعظم ؟؟ اذهب فلست تصلح له.

وسئل : لما صير الموقف بالحل دون الحرم ؟ ، فقال : لأن الكعبة بيت الله والحرم حجابه والمشعر الحرام بابه فلما أن وصل الوافدون أوقفهم بالحجاب الثاني وهو مزدلفة فلما نظر إلى تضرعهم أمرهم بتقريب قربانهم فلما قربوه وقضوا تفثهم وتطهروا من ذنوبهم،التي كانت لهم حجاباً من دونه أمرهم بالزيارة على الطهارة ، وانما كره صيام التشريق لأن القوم زوار الله وهم في ضيافته ولا ينبغي لضيف أن يصوم عند من أضافه إلا بإذنه. 

وقال اسحاق بن ابرهيم السرخسي سمعت ذا النون – وفي يده الغل وفي رجليه القيد – وهو يساق إلى المطبق والناس يبكون حوله وهو يقول : هذا من مواهب الله ومن عطاياه وكل عذب حسن طيب ، ثم انشأ يقول : لك من قلبي المكان المصون .. كل لومٌ علي فيك يهون .. لك عزم بأن أكون قتيلا .. فالصبر عنك ما لا يكون ، ولما مرض مرضه الذي مات فيه قيل له : ما تشتهي ؟؟ ، قال : أن أعرفه قبل موتي بلحظة ، وقيل له عند النزع أوصنا فقال : لا تشغلوني فإني متعجب من سر لطفه.

قال فتح بن شخرف : دخلت عليه عند موته فقلت له : كيف تجدك ؟ فقال : أموت وما ماتت اليك صبابتي .. ولا قضيت من صدق حبك اوطاري .. مناي المنى كل المنى أنت لي منى .. وانت الغني كل الغنى عند إفقاري .. وأنت مدى سؤلي وغاية رغبتي .. وموضع آمالي ومكنون إضماري .. تحمل قلبي فيك ما لا أبثه … وإن طال سقمي فيك أو طال إضراري .. وبين ضلوعي منك مالك قد بدا .. ولن يبد باديه لأهلٍ ولا جاري.

وبي منك في الأحشاء داء مخامر .. وقد هد من الركن وأنبت أسراري .. ألست دليل الركب اذ هم تحيروا .. ومنقذ من أشفى على جرف هار .. أنرت الهدى للمهتدين ولم يكن .. من النور في أيديهم عشر معشارِ .. وعلمتهم علماً فباتوأ بنوره .. وبان لهم منهم معلموا أسرارِ .. مهامه للغيب حتى كأنها .. لما غاب عنه منه حاضرة الدارِ .. وأبصارهم محجوبة وقلوبهم .. تراك أوهام حديدات إبصار “.

32 / ديوان الجمل الأكبر

(الجمل الأكبر) هو اللقب الذي اشتهر به شاعر مصر في النصف الأول من القرن الثالث الهجري وهو أبو عبد الله الحسين بن عبد السلام المصري الذي ولد في الفسطاط عام 170 هـ / 786 م وتوفي فيها عام 258 هـ / 871 م ، واشتهر بأشعاره التحريضية ضد الفقهاء المصريين في قضية خلق القرآن حيث كان اللسان الناطق عن القاضي محمد بن أبي الليث الخوارزمي الذي كلفه الخليفة الواثق بامتحان شيوخ مصر في هذه المسألة.

ذكره ابن يونس الصدفي في كتابه تاريخ المصريين فقال : ” الحسين بن عبد السلام المصرى يكنى أبا عبد الله شاعر من أهل مصر يعرف بالجمل ، وكان الجمل شرها فى الطعام دنىء النفس وسخ الثوب هجّاء ، ولد قبل سنة سبعين ومائة وعلت سنّه ومدح المأمون بمصر لمّا ورد إليها لجوب البيمارستان ومدح الأمراء مثل عبد الله بن طاهر وغيرهم وتوفى فى ربيع الآخر سنة ثمان وخمسين ومائتين وكان قد جلس إلى الشافعي وسمع منه وكتب عنه حكايات “.

وذكره ياقوت الحموي في كتابه معجم الأدباء فقال : ” الحسين بن عبد السلام أبو عبد الله  المصري المعروف بالجمل الشاعر المشهور ، كان شاعرا مفلقا مدح الخلفاء والأمراء توفي في ربيع الآخر سنة ثماني وخمسين ومائتين ، قدم دمشق وافدا على أحمد بن المدبر وكان أحمد يقصده الشعراء فمن مدحه بشعر جيّد أجزل صلته ومن مدحه بشعر رديء وجّه به مع خادم له إلى الجامع فلا يفارقه حتى يصلّي مائة ركعة ثم يصرفه.

فدخل عليه الجمل وأنشده : أردنا في أبي حسن مديحا .. كما بالمدح تنتجع الولاة .. فقالوا أكرم الثقلين طرّا .. ومن جدواه دجلة والفرات .. وقالوا يقبل الشعراء لكن .. أجلّ صلات مادحه الصلاة .. فقلت لهم وما يغني عيالي .. صلاتي إنما الشأن الزكاة .. فيأمر لي بكسر الصاد منها .. فتصبح لي الصّلاة هي الصلات.

وروى الجمل عن بشر بن بكر عن الأوزاعي أنه قال : كان قوم كسالى ينامون تحت شجرة كمثرى ويقولون إن سقط في أفواهنا شيء اكلنا وإلا فلا ، فسقطت كمثراة إلى جانب أحدهم فقال له الذي يليه : ضعها في فمي ، قال : لو استطعت أن أضعها في فمك وضعتها في فمي.

ومن شعر الجمل أيضا : إذا أظمأتك أكفّ اللئام .. كفتك القناعة شبعا وريّا .. فكن رجلا رجله في الثرى .. وهامة همّته في الثريا .. أبيا لنائل ذي ثروة .. تراه بما في يديه أبيا .. فإنّ إراقة ماء الحياة .. دون إراقة ماء المحيا “.

وذكره ابن عبد ربه في كتابه العقد الفريد فقال : ” وأنشد حسين الجمل وبكر إلى باب سليمان بن وهب فحجبه الحاجب وأدخل ابن سعوة وحمدويه : ولعمري لئن حجبنا عن الشّيخ فلا عن وجه هناك وجيه .. لا ولا عن طعامه التافه النّزر الذي حوله لطام بنيه .. بل حجبنا به عن الخسف والمسخ وذاك التّبريق والتّمويه .. فجزى الله حاجبا لك فظّا كل خير عنّا إذا يجزيه .. إنّ ذبحي نذالة قد تأتّي من صباحي بقبح تلك الوجوه “.

وذكره الثعالبي باختصار في كتابه يتيمة الدهر فقال : ” أَبُو عبد الله الْحُسَيْن الْمَعْرُوف بالجمل ، لَهُ فِي طَبِيب : إِذا سقام عرَاك نازله .. فاندب أَبَا جَعْفَر لنازله .. يعرف مَا يشتكيه صَاحبه .. كَأَنَّمَا جال فِي مفاصله

وذكره الصفدي في كتابه الوافي بالوفيات فقال : ” الْجمل .. الْحُسَيْن بن عبد السَّلَام أَبُو عبد الله الْمصْرِيّ الْمَعْرُوف بالجمل توفّي بِمصْر سنة ثَمَان وَخمسين وَمِائَتَيْنِ ، كَانَ مدح الْمَأْمُون وَبني الْمُدبر والطولونية واكتسب مِنْهُم مَالا جماً وَلم يزل يَقُول الشّعْر من أَيَّام الرشيد إِلَى أَيَّام المعتصم وعلت سنه وَكَانَ نِهَايَة فِي الخلاعة وتشتهر نوادره.

وَكَانَ ابْن أبي دؤاد قد وعده أَن يدْخلهُ على الْمَأْمُون فَلم يفعل فَقَالَ (من الوافر) : سنفرغ للتضاحك من إياد .. وَلَا نبكي على حلق الرماد .. وَمن عجبٍ رجائي مِنْك خيرا .. وَلم تبصر نذالتك انتقادي .. عدمت مطامعا وقفت رجائي .. وآمالي على فقع الْبَوَادِي .. ألحت سَحَابَة فرجوت غيثاً .. وأغفلت الَّذِي صنعت بعاد .. فمعذرةً إِلَيْك بِأَن تراني .. أَعُود إِلَيْك يَا بَان أبي دؤاد .. مَتى ساقت إيادٌ يَوْم خيرٍ .. وَلَا سِيمَا قبيلك من إياد “.

وكان الخليفة الواثق العباسي قد طلب من قاضي مصر محمد بن الليث الخوارزمي التشديد على الشيوخ والعلماء في قضية خلق القرآن ، وذكر ذلك الكندي في كتابه الولاة والقضاة فقال : ”  لمَّا استخلف الواثق ورد كتابه عَلَى محمد بْن أَبِي الليث بامتحان الناس أجمع فلم يبقَ أحد من فقيه ولا مُحدِّث ولا مُؤَذِّن ولا مُعلِّم حتى أُخذ بالمِحنة ، فهرب كثير من الناس ومُلئت السجون ممَّن أنكر المحنة وأمر ابن أَبِي الليث بالاكتتاب عَلَى المساجد لا إله إلا اللَّه ربّ القرآن المخلوق ، فكُتب ذَلكَ عَلَى المساجد بفُسطاط مِصر ومنع الفُقهاء من أصحاب مالك والشافعيّ من الجلوس فِي المسجِد وأمرهم أن لا يقرَبوه “.

وفي ذلك يقول الجمل مادحا القاضي ومعرضا بالشيوخ : وُلِّيتَ حُكْمَ الْمُسْلِمِينَ فَلَمْ تَكُنْ .. بَرِمَ اللِّقاء وَلَا بِفَظٍّ أَزْوَرِ .. ولَقَدْ بَجَسْتَ الْعِلْمَ فِي طُلَّابِهِ .. وَفَجَرْتَ مِنْهُ مَنَابِعًا لَمْ تُفْجَرِ .. فَحَمَيْتَ قَوْلَ أَبِي حَنيفَةَ بِالهُدَى .. وَمُحَمَّدٍ وَالْيُوسُفِي الْأَذْكَرِ .. وَفَتَى أَبِي لَيْلَى وَقَوْلِ قَرِيعِهِمْ .. زُفَرِ الْقِيَاسِ أَخِي الحَجَاجِ الْأَنْظَرِ.

وَحَطَمْتَ قَوْلَ الشَّافِعِيّ وَصَحْبِهِ .. وَمَقَالَةُ ابْنِ عُلَيَةٍ لَمْ تُصْحَرِ .. أَلْزَقْتَ قَوْلَهُمُ الحَصِيرَ فَلَمْ يَجُز .. عَرْضَ الْحَصِيرِ فَإِنْ بَدَا لَكَ فَاشْبُرِ .. والْمَالِكِيَّةُ بَعْدَ ذِكْرٍ شَائِع .. أَخْمَلْتَهَا فَكَأَنَّهَا لَمْ تُذْكَرِ .. أَيْنَ ابْنُ هُرْمُزَ أَوْ رَبِيعَةُ لَا يَرَى .. مَاذَا تَقَوَّلَ بِالْمَقَالِ الْأَجُوَرِ .. كَسَّرْتَهُ فَهَوى بِرَأْيِكَ كَسْرَةً .. لَبِثَتْ عَلَى قِدَم المدَى لَمْ تُجْبَرِ.

أَعْطَتْكَ أَلْسِنَةٌ أَتَتْكَ ضَمِيرَهَا .. وَأَتَتْكَ أَلْسِنَةٌ بِمَا لَمْ تُضْمِرِ .. فَأَطَفْتَ بِالْأَيْلِيّ يَنْعَقُ صَائِحًا .. فِي كُلِّ مَجْمَعِ مَشْهَدٍ أَوْ مَحْضَرِ .. وَمُحَمَّدُ الْحَكَميُّ أَنْتَ أَطَفْتَهُ .. وَأَخَاهُ يَنْعَقُ بِالصِّيَاحِ الْأَجْهَرِ .. كُلٌّ يُنَادِي بِالْقُرْآنِ وَخَلْقِهِ .. فَشَهَرْتَهُمْ بِمقَالَةٍ لَمْ تُشْهَرِ .. لَمْ تَرْضَ أَنْ نَطَقَتْ بِهَا أَفْوَاهُهُمْ .. حَتَّى المْسَاجِدُ خَلْقَهُ لَمْ تُنْكِرِ .. لَمَّا أرَيْتَهُمُ الرَّدى مُتَصَوَّرًا .. زَعَمُوا بِأَنَّ اللَّه غَيْرُ مُصَوَّرِ.

ويسخر الجمل من مصائر الشيوخ ما بين هارب ومعتقل ومختف في بيته فيقول : أَحْجَرْتَ يُوسُف فِي خِزَانَةِ بَيْتِهِ .. فَطَوَتْهُ عَنْكَ وَطَالَ مَا يُحْجَرِ .. أَخْلَيْتَ مِنْ عُمَرِ الزِّنَاءِ مَقَامَهُ .. وَعَمَرْتَ مِنْهُ مَدَاخِلًا لَمْ تُعْمَرِ .. وَكَفَرْنَكَ الْأَرَضُونَ حِينَ سَأَلْتَهَا .. خَبَرَ ابْنِ صَالح الخَبِيثِ الْأَكْفَرِ .. جَحَدتْهُ أَقْطَارُ الْبِلَادِ فَمَا عَلَى .. حَرَكَاتِهِ وَسُكُونِهِ مِنْ مُظْهِرِ.

وَثَوَى ابْنُ سَالِمَ خُفْيَةً فِي بَيْتِهِ .. ثُمَّ امْتَطَى غَلَسَ الظَّلَامِ الأَسْتَرِ .. فَأُتي بِهِ كَفُرَيْجَ أَوْ كَأَبِي النَّدَى .. وَالنَّاسُ بَيْنَ مُهَلِّلٍ وَمُكَبِّرِ .. وَكَذَاكَ داود بْنُ حَمَّادَ اخْتَفَى .. بَعْدَ الْإِجَابَةِ بِالْخَبِيثِ الْأَغْدَرِ .. أَسَفِي عَلَى شُمْطَانِهِ إِذْ أَفْلَتَتْ .. مَنْ سَائِقٍ يَشْتَالُهَا أَوْ مُجْرِرِ .. أَلَّا أَرَى مَطَرًا يَطُوفُ بِنِصْفِهَا .. وَالنِّصْفُ عِنْدَ محَلَّقٍ وَمُقَصِّرِ.

ويمدح القاضي عندما أحكم الخناق على بعض الشيوخ واستصفى أموالهم مثليونس بن عبد الأعلى فقال : وَدَعَوْتَ أَصْحَابَ الْوَصَايَا بِالَّذِي .. قَعَدُوا عَلَيْهِ من التُّراثِ الأَوْفَرِ .. فَأَتَاكَ مَنْ خَشِيَ الْعِقَابَ بِمَالِهِ .. وَطَوَى الْوَصِيَّةَ كُلُّ عَوْدٍ مُجْسَرِ .. فَجَعَلْتَ أَطْبَاقَ السُّجُونِ بُيُوتَهُمْ .. لَا يَأْنَسَونَ بِمُقْبِلِ أَوْ مُدْبِرِ.

وَثَنَيْتَ وَحْدَتَهُم بِيُونسَ مُؤْنِسًا .. وَفَتَى أَبِي عَوْنِ الْخَئُونِ الْأَكْبَرِ .. طَرَحُوا لَها الْأَمْوَالَ خَلْفَ ظُهُورِهِمْ .. وَلَقُوا السُّجُونَ بِقِعْدَةٍ وَتَبَصُّرِ .. أَرْضَى لَهمْ ضَنْكَ السُّجُونِ وَضِيقَهَا .. وَلَجَاجَ رَأْيِكَ فِي الأَلَدِّ الْأَفْخَرِ .. لَمْ يُشْبِعِ الثُّلُثَانِ جُوعَ بُطُونِهِمْ .. حَتَّى غَشُوا ثُلُثَ الضَّعِيفِ الْأَفْقَرِ .. فَكَأَنَّنِي بِكَ قَدْ حَشَوْتَ بِبَعْضِهِمْ … وَعْرَ السُّجُونِ وَكُلَّ حَبْسٍ أَقْدَرِ.

وعندما تجرأ الفقيه سعيد بن زياد الملقب بابن القطاس على معرضة القاضي نكل به وذكر ذلك الجمل فقال يعرض به وبأصله حيث كان مملوكا : وَبَطَشْتَ بِالقَطّوسِ بَطْشَةَ قَائِمٍ .. بِالحَقِّ غَيْرِ مُقَصِّرٍ وَمُبَذِّرِ .. مَا زِلْتَ تَفْحَصُ عَنْ أُمُورِ شُهُودِه .. فِي السِّرّ والْعَلَنِ الْمُبِين الْأَظْهَرِ .. فَرَبَطتَّهُ فِي رِقّهِ وَمَنَعْتَهُ .. يَطأَ الحَرَائِرَ وَهْوَ غَيْرُ مُحَرَّرِ .. هذِي الْمُدَى وَهذِهِ أُذُنِي لَهُم .. إِنْ جَاءَ فِيهِ بِغَيْرِ فَلْسٍ أَقْشَرِ .. يُفْتِي وَيَنْظُرُ فِي الْمُكَاتِبِ دَائِبًا .. والْعَبْدُ غَيْرُ مُكاتِبٍ وَمُدَبِّرِ.

وعندما أشيع أن القاضي سوف يعزل انبرى الجمل للدفاع عنه وتفنيد ذلك فقال : كَمْ يَعْزِلُونَكَ مِنْ يَوْمٍ وَيُكْذِبُهُمْ .. حَملُ القْمَطْرِ فَمَا انْحَاشُوا وَمَا وَكَلُوا .. سَيَعْلَمُونَ مَنِ الْمَعْزُولُ عِنْدَهُمُ .. أَأَنتَ أَمْ هُمْ إِذَا فَاتَتْهُمُ الْأَكَلُ .. هَيْهَاتَ مَنَّتْهُمُ الْآمَالُ بَاطِلَهَا .. وَأَيَّ مُسْتَضْعِفٍ لَمْ يَخْدَعِ الْأَمَلُ .. أَمَّا قَضَايَاكُمُ فِيهمْ فَمُعْمَلَةٌ .. مَا إِنْ لِإِرْجَافِهِمْ مِنْ فَسْخِهَا عَمَلُ .. يَا أَوْجُهًا لَهُمُ مَا كَانَ أَصْفَقَهَا .. مِنْ أَوْجُهٍ كَيْفَ لَا يَثْنِهِمِ الْخَجَلُ .. قَالُوا عُزِلْتَ وَمَا يَدْرُونَ أَنَّهُمُ .. عَنِ الشَّهَادَاتِ وَالزُّورِ الَّذِي عزلوا.

وكان القاضي قد منع الشيوخ من ارتداء القلانس (العمائم الكبيرة) فلما عصوه في ذلك أمر أعوانه بنزعها من فوق رؤوسهم وعزرهم ، وفي ذلك يقول الجمل : وَأَخَفْتَ أَيامَ الطِّوَالِ وَأَهْلَهَا .. فَرَمَوْا بِكُلِّ طَوِيلَةٍ لَمْ تُقْصَرِ .. مَا زِلْتَ تَأْخُذُهُمْ بِطَرْحِ طِوَالِهِمْ .. وَالْمَشْيِ نَحْوَاكَ بِالرُّءُوسِ الْحُسَّرِ .. حَتَّى تَرَكْتَهُمُ يَرَوْنَ لِبَاسَهَا .. بَعْدَ الْجَمَالِ خَطِيَّةً لَمْ تُغْفَرِ .. يَتَفَزَّعُونَ بِكُلِّ قِطْعَةٍ خَرْقَةٍ .. يَجِدُونَهَا مِنْ أَعْيُنٍ وَمُخَبِّرِ.

فَإِذَا خَلَا بِهِمُ الْمَكَانُ مَشَوْا بِهَا .. وَتأَبَّطُوهَا فِي الْمَكَانِ الْأَعْمَرِ .. فَلئِنْ ذَعَرْتَ طِوَالَهم فَلَطَالَ مَا .. ذَعَرَتْ وَمَنْ بِرُوَائِهَا لَمْ يذْعُرِ .. كَانُوا إِذَا دَلَفُوا بِهِنَّ لمفْضَلٍ .. أَمْضَى عَليْهِ مِنَ الْوَشِيجِ الْأَسْمَرِ .. كَمْ مُوسِرٍ أَفْقَرْتَهُ وَمُفَقَّرٍ .. أَغْنَيْتَهُ مِنْ بَعْدِ جَهْدٍ مُفْقَرِ .. مَا إِنْ عَلَيْك لَقِيتَ مِنْهُمْ وَاحِدًا .. أَوْفَى الْعَجَاجَ مُدَجِجًا فِي مِغْفَرِ .. لِبِسُوا الطِّوَالَ لِكُلِ يَوْمِ شَهَادَةٍ .. وَلَقُوا الْقُضَاةَ بِمِشْيَةٍ وَتَبَخْتُرِ .. مَالِي أَرَاهُمْ مُطْرِقِينَ كَأَنَّمَا .. دُمِغَتْ رُءُوسُهُمُ بِحُمَّى خَيْبَرِ

لكن دوام الحال من المحال حيث انقلبت الأوضاع عندما تولى الخليفة المتوكل وعزل القاضي اختفى الشاعر المحرض ، وفي ذلك يقول الكندي : ” لمَّا قام المُتوكِّل رُفع إِلَيْهِ فِي ابن أَبِي الليث فبعث قَوْصَرة يحضر متكشّفًا عَنْهُ فكتب قَوْصَرة بما صحّ عنده من أمره فأتى كتاب المتوكِّل بحبسه واستقصاء ماله ..

فأَمر قَوْصَرة بحبس ابن أَبِي الليث وولده، وأصحابه وأعوانه فاستُقصيت أموالهم كلهم ، ووثب أهل مِصر عَلَى مجلِس ابن أَبِي الليث فرمَوا بحُصُره وغسلوا موضِعه بالماء وذلك يوم الخميس لثنتي عشرة ليلة بقِيَت من شعبان سنة خمس وثلاثين ومائتين وعُزل يومئذٍ ، ثمَّ ورد كتاب المُتوكِّل يأمر بلعن ابن أَبِي الليث عَلَى المِنبر فلعنه مكرم بْن حاجب الْإِمَام عَلَى المنبر ولعنته العامَّة عَلَى أَثَر ذَلكَ يوم الجمعة لأربع بقِينَ من شعبان سنة خمس وثلاثين فكانت وِلايته عليها تسع سنين فأقام فِي السِّجن إلى يوم الأربعاء سلخ ربيع الآخر سنة سبع وثلاثين ومائتين ..

ثمَّ ورد كتاب المُتوكِل إلى خُوط بحلق رأس ابن أَبِي الليث ولْحِيته وضربه بالسوط وحمله عَلَى حِمار بإكاف وتطوافه الفُسطاط ففعل ذَلكَ بِهِ خُوط يوم الإثنين لإحدى عشرة ليلة بقِيَت من شهر رمضان سنة سبع وثلاثين ومائتين فأقام محبوسًا هُوَ وأصحابه إلى يوم الجمعة ثاني يوم من ذي القعدة سنة إحدى وأربعين ومائتين وأُخرج إلى العِراق يوم السبت لتسع خلونَ من ذي القعدة “.

33 / ديوان ماني الموسوس

سار على لسان الناس أن شعرة هي الفارق بين العبقرية والجنون ، وربما تصدق هذه العبارة على شاعر مصري من شعراء القرن الثالث الهجري وهو أبو الحسن محمد بن القاسم المصري المعروف بلقب ماني الموسوس والمتوفي عام 245 هـ / 859 م ، وقد اشتهر بسبب رحلته إلى بغداد في عام 237 هـ والتي حظي خلالها بمنادمة الأمراء والوزراء واتصل بأدباء عصره فكتبوا عنه وعن أخباره وأشعاره وغرابة أطواره ، وله ديوان شعر مطبوع.  

ذكره أبو الفرج الأصفهاني في كتابه (الأغاني) وروى كثيرا من قصصه وأشعاره حيث يقول : ” أخبار ماني الموسوس .. هو رجل من أهل مصر يكنى أبا الحسن واسمه محمد بن القاسم شاعر لين الشعر رقيقه لم يقل شيئا إلا في الغزل ، وماني لقب غلب عليه وكان قدم مدينة السلام ولقيه جماعة من شيوخنا منهم أبو العباس محمد بن عمار وأبو الحسن الأسدي وغيرهما. 

ونسخت من كتاب لابن البراء : حدثني أبي قال : عزم محمد بن عبد الله بن طاهر على الصبوح وعنده الحسن بن محمد بن طالوت ، فقال له محمد : كنا نحتاج أن يكون معنا ثالث نأنس به ونلذ في مجاورته فمن ترى أن يكون ؟ ، فقال ابن طالوت : لقد خطر ببالي رجل ليس علينا في منادمته ثقل قد خلا من إبرام المجالسين وبريء من ثقل المؤانسين خفيف الوطأة إذا أدنتيه سريع الوثبة إذا أمرته ، قال : من هو ؟ قال : ماني الموسوس ، قال : ما أسأت الاختيار.

ثم تقدم إلى صاحب الشرطة بطلبه وإحضاره فما كان بأسرع من أن قبض عليه صاحب الشرطة بربع الكرخ فوافى به باب محمد بن عبد الله فأدخل ونظف وأخذ من شعره وألبس ثيابا نظافا وأدخل على محمد بن عبد الله ، فلما مثل بين يديه سلم فرد عليه وقال له : ما حان لك أن تزورنا مع شوقنا إليك ؟ فقال له ماني : أعز الله الأمير الشوق شديد والود عتيد والحجاب صعب والبواب فظ ولو تسهل لنا الإذن لسهلت علينا الزيارة ، فقال له محمد : لقد لطفت في الاستئذان ، وأمره بالجلوس فجلس وكان قد أطعم قبل أن يدخل.

فأتى محمد بن عبد الله بجارية لإحدى بنات المهدي يقال لها منوسة كان يحب السماع منها وكانت تكثر أن تكون عنده ، فكان أول ما غنته : ولست بناس إذ غدوا وتحملوا .. دموعي على الخدين من شدة الوجد .. وقولي وقد زالت بعيني حمولهم .. بواكر تحدى لا يكن آخر العهد ، فقال ماني : أيأذن لي أيها الأمير ، قال : في ماذا ؟ ، قال : في استحسان ما اسمع ، قال : نعم ، قال : أحسنت والله فإن رأيت أن تزيدي مع هذا الشعر هذين البيتين : وقمت أداري الدمع والقلب حائر .. بمقلة موقوف على الضر والجهد .. ولم يعدني هذا الأمير بعدله .. على ظالم قد لج في الهجر والصد.

فقال له محمد : ومن أي شيء استعديت ياماني ؟ ، فاستحيا وقال : لا من ظلم أيها الأمير ولكن الطرب حرك شوقا كان كامنا ، ثم غنت : حجبوها عن الرياح لأني .. قلت يا ريح بلغيها السلاما .. لو رضوا بالحجاب هان ولكن .. منعوها يوم الرياح الكلاما ، قال : فطرب محمد ودعا برطل فشربه فقال ماني : ما على قائل هذين البيتين لو أضاف إليهما هذين البيتين : فتنفست ثم قلت لطيفي .. ويك إن زرت طيفها إلماما .. حيها بالسلام سراً وإلا .. منعوها لشقوتي أن تناما ، فقال محمد : أحسنت يا ماني.

ثم غنت : يا خليلي ساعة لا تريما .. وعلى ذي صبابة فأقيما .. ما مررنا بقصر زينب إلا .. فضح الدمع سرك المكتوما ، قال ماني : لولا رهبة الأمير لأضفت إلى هذين البيتين بيتين لا يردان على سمع سامع ذي لب فيصدران إلا عن استحسان لهما ، فقال محمد : الرغبة في حسن ما تأتي به حائلة عن كل رهبة فهات ما عندك ، فقال : ظبية كالهلال لو تلحظ الصخر .. بطرف لغادرته هشيما .. وإذا ما تبسمت خلت ما يبدو .. من الثغر لؤلؤاً منظوما.

فقال محمد : إن أحسن الشعر ما دام الإنسان يشرب ما كان مكسوا لحنا حسنا تغني به منوسة وأشباهها فإن كسيت شعرك من الألحان مثل ما غنت قبله طاب ، فقال : ذلك إليها ، فقال له ابن طالوت : يا أبا الحسين كيف هي عندك في حسنها وجمالها وغنائها وأدبها ، قال : هي غاية ينتهي إليها الوصف ثم يقف ، قال : قل في ذلك شعرا ، فقال : وكيف صبر النفس عن غادة ..تظلمها إن قلت طاووسه .. وجرت إن شبهتها بانة .. في جنة الفردوس مغروسة .. وغير عدل إن عدلنا بها .. لؤلؤة في البحر منفوسة .. جلت عن الوصف فما فكرة .. تلحقها بالنعت محروسة.

فقال له ابن طالوت : وجب شكرك يا ماني فساعدك دهرك وعطف عليك إلفك ونلت سرورك وفارقت محذورك والله يديم لنا ولك بقاء من ببقائه اجتمع شملنا وطاب يومنا ، فقال ماني : مدمن التخفيف موصول .. ومطيل اللبث مملول ، فأنا أستودعكم الله ، ثم قام فانصرف فأمر له محمد بن عبد الله بصلة ثم كثيرا ما يبعث في طلبه إذا شرب فيبره ويصله ويقيم عنده “.

وذكره الخطيب البغدادي في كتابه تاريخ بغداد فقال : ” محمد بن القاسم أبو الحسن المعروف بماني الموسوس من أهل مصر ، سكن بغداد في أيام المتوكل على الله وله شعر رقيق في الغزل روى عنه بعض أخباره وشعره أَحْمَد بْن عُبَيْد الله بْن عمار الثقفي وأَحْمَد بْن الْقَاسِم أخو أَبِي الليث الفرائضي، وغيرهما.

أَخْبَرَنِي أبو الحسن علي بن عبيد الله اللغوي قال : أنشدنا محمد بن الحسن بن المأمون قال أنشدنا أبو بكر الأنباريّ قال : أنشدني محمّد بن المرزباني لماني الموسوس : مدنف عاد في النحول إلى مثل دقة الألف .. يشرك الطير في النّحيب ولا يشركه في القصف ، قَالَ أبو بكر : هكذا روى لنا ابن المرزباني هذين البيتين ، والصواب : ومدنف عاد في النحول إلى مثل خيال كدقة الألف فيشرك الطّير.

أنبأنا إِسْمَاعِيل بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيُّ حدّثنا حمزة بن علي الأستروشني قَالَ حَدَّثَنَا الحسن بن محمد بن حبيب المذكر قَالَ أنشدني عبد العزيز بن محمد بن النضر الفهري لماني : زعموا أن من تشاغل باللذّات عن من يحبه يتسلى .. كذبوا والذي تساق له البدن ومن عاذ بالطواف وصلى .. إن نار الهوى أحرّ من الجمر على قلب عاشق يتقلّى.

وَقَالَ ابن حبيب أنشدنا أبو عرابة يحيى بن المتمم الدوسي لماني : شادن وجهه من البدر أوضا .. بعضه في الجمال يعشق بعضا .. بأبي من يزرفن الصدغ بالعنبر .. في خده المورد عرضا .. أين للورد مثل ورد بخديك .. إذا ما قطفته صار غضا .. ليس يعطيك ذاك منه سوى الشم .. وهذا يعطيك شما وعضا.

أنشدنا أَبُو عَبْد اللَّهِ الْحُسَيْن بْن مُحَمَّد بْن جَعْفَر الخالع قَالَ أنشدنا أبو سهل أحمد ابن محمد بن عبد الله بن زياد القطان لماني : هيف الخصور قواصد النبل .. قتلننا بالأعين النجل .. كحل الجمال جفون أعينها .. فغنين عن كحل بلا كحل .. وكأنهن إذا أردن خطى .. يقلعن أرجلهن من وحل “.

وذكره ابن المعتز في كتابه طبقات الشعراء فقال : ” أخبار ماني المجنون .. أخبرني أحمد بن عاصم بن قدامة الضميري قال : رأيت ماني المجنون يوماً بباب الكرخ ببغداد وهو عريان بيده قصبة وهو كأنه ملهوف وهو يقول ولا يزيد عليه شيئاً : تخرج من زقاقِ لها إلى زقاقِ .. كأنها عروس فرت من الطلاق ، فقلت له : من تعني ؟ ، قال: الناقة ، وإذا هو قاعد فإذا أقبلت الجمال النقالة قام في أثرها يتبعها ساعة ثم يرجع إلى موضعه ولا يزال ذلك دأبه عامة نهاره.

حدثني أبو شجرة قال : كان ماني المجنون من أشعر الناس وهو القائل : نُجْل العيون قواصد النبلِ .. قتَّلنا بعيونها النُّجْلِ .. كَحَلَ الجمال جفون أعينها .. تفتر عن كحلٍ بلا كُحلِ .. وكأنهن إذا أردن خطاً .. يقلعن أرجلهن من وحل.

وهو القائل : عدمت جهالتي وفقدت حمقي .. لقد أخطأت وجه طريق عشقي .. كذبت على لساني في مزاح .. فقلت له ولم أنطق بحق .. أنا الصب المسهد في هواكم .. وجنبت المقالة محض صدق .. فبادر حين ملتُ إلى اعتناقي .. بوجه عظاية ونهاح سِلْق .. وساقي صعوةٍ وبخطم قرد .. وريح كنائف وبنتن شدق .. ترى ما أخفتا شفتاه نحوي .. كأن لثاته عُلت بدبق “.

وذكره ابن شاكر الكتبي في كتابه فوات الوفيات فقال : ” ماني الموسوس .. محمد بن القاسم أبو الحسن المعروف بماني الموسوس من أهل مصر قدم بغداد أيام المتوكل وكان من أظرف الناس وألطفهم توفي سنة خمس وأربعين ومائتين ، ومن شعره : زعموا أن من تشاغل باللذات عمن يحبه يتسلى .. كذبوا والذي تقاد له البدن ومن عاذ بالطواف وصلى .. أن نار الهوى أحر من الجمر على قلب عاشق يتقلى.

وقال : دعا طرفه طرفي فأقبل مسرعاً .. وأثر في خديه فاقتص من قلبي .. شكوت إليه ما لقيت من الهوى .. فقال على رس فمت فما ذنبي ، وقال : ذنبي إليه خضوعي حين أبصره .. وطول شوقي إليه حين أذكره .. وما جرحت بدمع العين وجنته .. إلا ومن كبدي يقتص محجره .. نفسي على بخله تفديه من قمر .. وإن رماني بذنب ليس يغفره .. وعاذل باصطبار القلب يأمرني .. فقلت من أين لي قلب فأهجره “.

34 / الوثائق والعهود

بالقرب من سيدى عقبة بقرافة الإمام الليث يقع مشهد القاضي بكار بن قتيبة بن أسد بن عبد الله بن بشر الثقفي وهو من أهل البصرة أرسله الخليفة العباسي المتوكل على الله ليتولى القضاء في مصر سنة 246 هـ فكان أول قاض فيها يحكم وفق المذهب الحنفي ، وتعد مؤلفاته التي كتبها في مصر عمدة الفقه الحنفي عند كل من جاء بعده من أبناء المذهب فنقلوا من كتبه وهي كتاب الوثائق والعهود وكتاب المحاضر والسجلات وكتاب الشروط وكتاب في الرد على الشافعي.

ولد القاضي بكار في البصرة بالعراق عام 182 هـ / 797 م وتوفي في الفسطاط عام 270 هـ / 883 م وتولى القضاء في مصر قرابة ربع قرن واتصل فيها بأصحاب الإمام الشافعي مثل المزني ويونس بن عبد الأعلى ، وحظي بمكانة رفيعة لدى الولاة ثم استمر في منصبه في عهد أحمد بن طولون الذي كان يوقره ويجله حتى خالفه القاضي في مسألة خلع الأمير الموفق العباسي ولي عهد الخليفة المعتمد والمتحكم الفعلي في الدولة فغضب عليه وحبسه حتى توفي.

ذكره ابن يونس الصدفي في كتابه تاريخ المصريين فقال : ” بكّار بن قتيبة بن أبى برذعة بن عبيد الله بن بشير بن عبيد الله بن أبى بكرة الثقفى (صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم) ، يكنى أبا بكرة ، بصري قدم على قضاء مصر أراه سنة ثمان أو تسع وأربعين ومائتين فأقام على القضاء بها إلى أن توفى بها سنة سبعين ومائتين ليلة الخميس لست ليال خلون من ذى الحجة ، حدّث بمصر حديثا كثيرا “.

وذكره الكندي في كتابه الولاة والقضاة فقال : ” بكَّار بْن قُتَيْبة .. ثمَّ ولِيَ القضاء بها بكَّار بْن قُتَيبة من قِبَل المُتوكِّل ، قدِمها يوم الجمعة لثمان خلونَ من جمادى الآخرة سنة ستّ وأربعين ومائتين وتُوفّي فِي ذي الحجَّة سنة سبعين ومائتين.

أخبرنا أَبُو الْحَسَن أخبرنا محمد بْن الربيع بْن سُلَيْمَان الجِيزيّ قَالَ : ولي بكَّار بْن قُتيبة مِصر من قِبَل المتوكِل فدخل البلَد يوم الجمعة لثمان خلونَ من جمادى الآخرة سنة ستّ وأربعين ومائتين وكان عفيفًا عَنْ أموال الناس محمودًا فِي وِلايته وكان يذهب إلى قول أَبِي حَنيفة وتعلَّم الشروط بالبَصرة من هِلال بْن يحيى الرَّأْي.

وأخبرني من أهل البلد من لَهُ عِناية بأخباره أن أحمد بْن طُولون كَانَ يُعظِّم بكَارًا ويرفع قدره إلى أن طالبه ابن طولون بلعن الموفّق فتوقَّف بكَّار فِي ذَلكَ فغضب عَلَيْهِ ابن طولون ، فلمَّا تبيّن ذَلكَ بكَّار من ابن طولون وظهرت لَهُ مَوجِدته عَلَيْهِ قَالَ لَهُ : أَلَا لَعْنَةُ اللَّه عَلَى الظَّالِمِينَ ، فقيل لأحمد بْن طولون : إنَّه إنَّما قصدك بهذا القول ، فطالبه بردّ الجوائز التي كَانَ أجازه بها فقال بكَّار هي بحالها ، فوجّه ابن طولون فوجدها كما هِيَ بخواتيمها فأخذها.

ثمَّ إنَّ ابن طولون سجنه عند درب ابن المعلى فِي الرحَبة المعروفة بدار الحرف ودار مدع الأخشاديّ دارًا اكتُريت لَهُ ، وكان فيها طاق يجلِس يتحدَّث فيها ويُكتَب عَنْهُ وهو فِي السِّجن فإذا كَانَ يوم الجمعة اغتسل غُسل الجمعة ولبِس ثيابه ثمَّ خرج إلى السجَّان فيقول لَهُ السجَّان : إلى أَيْنَ تُريد ؟ فيقول لَهُ بكَّار : أُريد صلاة الجُمعة ، فيقول لَهُ السجَّان : لا سبيل إلى ذَلكَ ، فيقول بكَّار : اللَّه المُستعان ، ويرجِع.

وكان سجنه فِي جمادى الآخرة سنة سبعين فأقام فِي السِّجن إلى أن عرضت لأحمد بْن طولون عِلَّته التي تُوفّي فيها فوجّه إِلَيْهِ يستحلّه فقال للرسول قُل لَهُ أَنَا شيخ كبير وأنت عليل مُدنِف والملتقى قريب والله الحاجز بيننا ، وتُوفّي أحمد بْن طولون فعُرّف بكَّار بموته قَالَ : مات البائس ، قِيلَ لبكَّار : انصرفْ ، قَالَ : الدار بأُجْرة وقد أنِستُ بها فما مضى فعلى غيرنا وما كَانَ فِي المُستأْنَف فعليَّ.

فأقام بكَّار فِي الدار بعد موت ابن طولون أربعين يومًا ثمَّ مات فأُخرج منها إلى المُصلَّى فصلَّى عَلَيْهِ أَبُو حاتم بن أخيه وكانت وفاته يوم الخميس لستٍّ بقِينَ من ذي الحجَّة سنة سبعين ومائتين فكانت وِلايته أربعة وعشرين سنة وستَّة أشهر وستَّة عشر يومًا.

حَدَّثَنِي عليّ بْن أحمد بْن محمد بْن سلامة عَنْ أبيه قَالَ : تُوفّي بكَّار بن قُتَيبة القاضي يوم الخميس لخمس خلونَ من ذي الحجَّة سنة سبعين ومائتين وصلَّى عَلَيْهِ ابن أخيه محمد بْن الْحَسَن بْن قُتَيبة وأهله يقولون أن سِنّه يوم تُوفّي سبع وثمانون سنة ، وحَدَّثَنِي سُلَيْمَان بْن شُعَيب أَنَّهُ سأَله عَنْ مولِده فقال لسليمان : سنة أربع وثمانين ومائة ، فقال لَهُ : أنت من أصحابنا ، وسمعت عليّ بْن أحمد بْن سلامة يَقُولُ : تُعرَف الإِجابة عند قبر بكَّار بْن قُتَيبة “.

قال ابن زولاق : كان لبكّار اتّساعٌ في العلمِ والمناظرة ولما رأى (مختصر المزني) وما فيه من الردّ على أبي حنيفة شرع هو في الردّ على الشافعي فقال لشاهدين من شهوده : اذهبا إلى المزنيّ فقولا له : سمعت الشافعى يقول ما في هذا الكتاب ؟ ، فمضيا وسمعا المختصر كلّه من المزنيّ وسألاه : أسمعت الشافعيّ يقول هذا ؟ قال : نعم ، فعادا إلى بكّار فأخبراه بذلك فقال : الآن استقام لنا أن نقول : قال الشافعي ، ثم صنّف الردّ المذكور.

وقال ابن زولاق حدثني عبيد الله بن عبد الكريم قال : كان بكار يشتهي أن يسمع كلام المُزني فاجتمعا يوماً في جنازة فأشار بكار إلى أبي جعفر التل أن يسأل المزني عن مسألة فقال التل : ما رأيت أعجب من أصحابنا الشافعيين لهم أحاديث في تحريم قليل النبيذ ولنا أحاديث في تحليله فمن جعلهم ألوى بأحاديثهم منا بأحاديثنا ؟ ، فقال المزني : ليس يخلو أن تكون أحاديثُكم قبل أحاديثنا أو بعدها فإن كانت قبلها فهكذا نقول إنها كانت محلَّلة ثم حرِّمت فما نحتاج إلى أحاديثكم وإن كانت أحاديثكم بعد أحاديثنا فهذا لا يقول أحد إنها كانت حلالاً ثم صارت محرَّمة ثم يحلِّل ، فقال بكار سبحان الله ! إن يكن كلام أدق من الشعر فهو هذا ، واتفق فراغهم فصاح المنادي انصرفوا.

وذكر ابن حجر في كتابه رفع الإصر عن قضاة مصر دخول المزني على القاضي بكار في مجلسه فقال : ” ودخل أبو إبراهيم المُزّنِيُّ علي بكار في شهادة ولم يكن رآه قبلها لاشتغال المزني بنفسه وإنما اضطر إلى أداء الشهادة فلما أداها قال له : تَسَمَّ ، فقال : إسماعيل بن يحيى المُزني ، قال : صاحبُ الشافعي ؟ قال : نعم ، فاستدعى من شهد عنده أنه هو فقبل شهادته “.

وذكره الحافظ الذهبي في سير أعلام النبلاء فقال : ” بكار بن قتيبة بن أسد بن عبيد الله بن بشير بن صاحب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أبي بكرة نفيع بن الحارث الثقفي البكراوي البصري القاضي الكبير العلامة المحدث أبو بكرة الفقيه الحنفي قاضي القضاة بمصر .

مولده في سنة اثنتين وثمانين ومائة بالبصرة ، وسمع أبا داود الطيالسي وروح بن عبادة وعبد الله بن بكر السهمي وأبا عاصم ووهب بن جرير وسعيد بن عامر الضبعي وطبقتهم ، وعني بالحديث وكتب الكثير وبرع في الفروع وصنف واشتغل .

حدث عنه أبو عوانة في صحيحه وابن خزيمة وعبد الله بن عتاب الزفتي ويحيى بن صاعد وابن جوصا وأبو جعفر الطحاوي وابن زياد النيسابوري وابن أبي حاتم ومحمد بن المسيب الأرغياني وأبو علي بن حبيب الحصائري وأبو الطاهر أحمد بن محمد بن عمرو الخامي وأحمد بن سليمان بن حذلم ومحمد بن محمد بن أبي حذيفة الدمشقي وأبو العباس الأصم والحسن بن محمد بن النعمان الصيداوي وأبو بكر محمد بن حمدون بن خالد النيسابوري وأحمد بن عبد الله الناقد وخلق كثير من أهل مصر ودمشق ومن الرحالة وكان من قضاة العدل.

قال أبو بكر بن المقرئ : حدثنا محمد بن بكر الشعراني بالقدس حدثنا أحمد بن سهل الهروي قال : كنت ساكنا في جوار بكار بن قتيبة فانصرفت بعد العشاء فإذا هو يقرأ : يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله قال : ثم نزلت في السحر فإذا هو يقرؤها ويبكي فعلمت أنه كان يتلوها من أول الليل .

قال محمد بن يوسف الكندي : قدم بكار قاضيا إلى أن توفي فأقامت مصر بلا قاض بعده سبع سنين ثم ولى خمارويه محمد بن عبدة القضاء ، قال : وكان أحمد بن طولون أراد بكارا على لعن الموفق – يعني ولي العهد – فامتنع  فسجنه إلى أن مات أحمد بن طولون فأطلق القاضي بكار وبقي يسيرا ومات فغسل ليلا وكثر الناس فلم يدفن إلى العصر .

قلت : كان عظيم الحرمة وافر الجلالة من العلماء العاملين كان السلطان ينزل إليه ويحضر مجلسه ، فذكر أبو جعفر الطحاوي أن بكار بن قتيبة استعظم فسخ حكم الحارث بن مسكين في قضية ابن السائح – يعني لما حكم عليه – فأخرج من يده دار الفيل ، وتوجه ابن السائح إلى العراق بغوث على ابن مسكين ، قال الطحاوي : وكان الحارث إنما حكم فيها بمذهب أهل المدينة فلم يزل يونس بن عبد الأعلى يكلم القاضي بكارا ويجسده حتى جسد ورد إلى ابني السائح الدار.

ولا أحصي كم كان أحمد بن طولون يجيء إلى مجلس بكار وهو يملي ومجلسه مملوء بالناس فيتقدم الحاجب ويقول : لا يتغير أحد من مكانه ، فما يشعر بكار إلا وأحمد إلى جانبه فيقول له : أيها الأمير ألا تركتني كنت أقضي حقك وأقوم ؟ قال : ثم فسد الحال بينهما حتى حبسه وفعل به ما فعل .

وقيل : إن بكارا صنف كتابا ينقض فيه على الشافعي رده على أبي حنيفة وكان يأنس بيونس بن عبد الأعلى ويسأله عن أهل مصر وعدولهم ، ولما اعتقله ابن طولون لم يمكنه أن يعزله لأن القضاء لم يكن إليه أمره “.     

وذكره ابن خلكان في كتابه وفيات الأعيان فقال : ” القاضي أبو بكرة بكار بن قتيبة بن أبي برذعة بن عبيد الله بن بشر بن عبيد الله بن أبي بكرة نفيع بن الحارث بن كلدة الثقفي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كان حنفي المذهب وتولى القضاء بمصر سنة ثمان أوتسع وأربعين ومائتين وقيل : قدمها متوليا قضاءها من قبل المتوكل يوم الجمعة لثمان خلون من جمادى الآخرة سنة ست وأربعين ومائتين.

وظهر من حسن سيرته وجميل طريقته ما هو مشهو وله مع أحمد بن طولون صاحب مصر وقائع مذكورة وكان يدفع له كل سنة ألف دينار خارجا عن المقرر له فيتركها بختمها ولايتصرف فيها فلما دعاه إلى خلع الموفق بن المتوكل – وهو والد المعتضد – من ولاية العهد امتع القاضي بكار من ذلك والقضية مشهورة ، فاعتقله أحمد ثم طالبه بجملة المبلغ الذي كان يأخذه كل سنة فحمله إليه بختمه وكان ثمانية عشر كيساً فاستحيا أحمد منه وكان يظن أنه أخرجها وأنه يعجز عن القيام بها فلهذا طالبه.

ولما اعتقله أمره أن يسلم القضاء إلى محمد بن شاذان الجوهري ففعل وجعله كالخليفة له وبقي مسجوناً مدة سنين ، ووقفه للناس مراراً كثيرة وكان يحدث في السجن من طاق فيه لأن أصحاب الحديث شكوا إلى ابن طولون انقطاع إسماع الحديث من بكار وسألوه أن يأذن له في الحديث ففعل وكان يحدث على ما ذكرناه.

وكان القاضي بكار أحد البكائين التالين الكتاب الله عزوجل وكان إذا فرغ من الحكم خلا بنفسه وعرض عليها قصص جميع من تقدم إليه وما حكم به وبكى وكان يخاطب نفسه ويقول : يا بكار تقدم إليك رجلان في كذا وتقدم إليك خصمان في كذا وحكمت بكذا فما يكون جوابك غداً ، وكان يكثر الوعظ للخصوم إذا أراد اليمين ويتلو عليهم قوله تعالى إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً … إلى آخر الآية ، وكان يحاسب أمناءه في كل وقت ويسأل عن الشهود في كل وقت.

وكانت ولادته بالبصرة سنة اثنتين وثمانين ومائة وتوفي وهو باق على القضاء مسجونا يوم الخميس لست خلون من ذي الحجة سنة سبعين ومائتين بمصر وبقيت مصر بعده بلا قاض ثلاث سنين ، وقبره بالقرب من قبر الشريف ابن طبطبا وقبره مشهور هناك عند مصلى بني مسكين على الطريق تحت الكوم بينه وبين الطريق المذكور معروف باستجابة الدعاء عنده ، وقيل كانت ولايته القضاء سنة ست وأربعين ومائتين وهو الأصح وقيل سنة خمس وأربعين رحمه الله تعالى “.

35 / رسائل ابن عبد كان

شهدت الكتابة النثرية في مصر تغييرا كبيرا مع تولي أحمد بن طولون إمارة مصر حيث أنشأ لأول مرة في تاريخها (ديوان الإنشاء) ليجعل عاصمته على قدم المساواة بحواضر الخلافة الكبرى ، وأسند رئاسة هذا الديوان إلى الكاتب والأديب أبي جعفر محمد بن عبد الله بن محمد بن مودود المعروف بلقب ابن عبد كان والمتوفي في مصر عام 270 هـ / 884 م ، وقد جمعت كتاباته في عشرة مجلدات وتناقلها كتاب ديوان الإنشاء في العصور اللاحقة ونقل منها القلقشندي فقرات مطولة في كتابه صبح الأعشى في صناعة الإنشا.

ذكره الشيخ صلاح الدين الصفدي في كتابه الوافي بالوفيات وذكر قصيدة كتبها إلى عامل الخراج أحمد بن المدبر فقال : ” ابن عبد كان الكاتب محمد بن عبد الله بن محمد بن مودود المعروف بابن عبد كان أبو جعفر الكاتب المنشئ صاحب الرسايل المدونة في عشر مجلدات ، توفي سنة سبعين وماتين ، وكان على المكاتبات والترسل منذ أيام أحمد بن طولون ومكاتباته وأجوبته موجودة إلى آخر أيام أبي الجيش خمارويه بن أحمد ، وقال الحافظ أبو القسم : كان أول أمر ابن عبد كان أنه ولى البريد بدمشق وحمص ثم صار كاتب أبي الجيش خمارويه بن أحمد ، ومن رسالة كتبها إلى أحمد بن المدبر:

لم يبق غيرك من يخشى ويرتقب .. ولا يرجى إذا ما نابت النوب .. لولا قيامك بالدنيا تدبرها .. يا ابن المدبر لاستهوى بها العطب .. دانت لك الأرض أولاها وآخرها .. فالقرب متسق والبعد مقترب .. إن الخلافة إن أثنت عليك فما .. أوليتها فلها تنأى وتقترب .. تذود عنها وتحمي ما حمته ولا .. يشوب جدك في توقيرها لعب .. ما إن تدور رحى للحرب تعرفها .. إلا وأنت لها في دورها القطب ، وهي أكثر من هذا، ومما كتبه إلى أبي بكر بن أيمن: إذا كنت عند الجد في الجد عمدة .. ولا أنت عند الهزل تصلح للهزل .. فماذا علينا أن تكون حجارة .. من الأرض لا تندى بوبل ولا هطل “.

ومن نوداره مع أدباء عصره ما ذكره ابن عبد ربه في كتابه العقد الفريد حيث يقول : ” بين أبي مسهر وابن عبد كان .. حدثنا أبو مسهر قال : أتيت أبا جعفر محمد بن عبد الله بن عبد كان فحجبني ، فكتبت إليه : إنّي أتيتك للتّسليم أمس فلم .. تأذن عليك لي الأستار والحجب .. وقد علمت بأني لم أردّ ولا .. والله ما ردّ إلا العلم والأدب ، فأجابني ابن عبد كان فقال : لو كنت كافأت بالحسنى لقلت كما .. قال ابن أوس وفيما قاله أدب  .. ليس الحجاب بمقص عنك لي أملا .. إنّ السماء ترجّي حين تحتجب “.

وفي كتابه تاريخ الأدب العربي يتناول الدكتور شوقي ضيف تأسيس ديوان الإنشاء في مصر ودور ابن عبد كان فيها فيقول : ”  الرسائل الديوانية .. ظلت مصر فى عهد ولاتها من قبل الأمويين والعباسيين لا تعرف من الدواوين سوى ديوانى الخراج والبريد ، وكانت الكتابة فى الديوان الأول باليونانية إلى أن تعرب فى عهد الوليد بن عبد الملك وعادة كان القائمون عليه وعلى ديوان البريد يجلبهم الولاة معهم من العراق ، وبحق يقول القلقشندى إنه (لم يصدر عنهم ما يدوّن فى الكتب وتتناقله الألسنة) ومرجع ذلك – كما لاحظ – أن الولاة لم يهتموا حينئذ باتخاذ ديوان للإنشاء يوظّف فيه كتاب مجيدون وتصدر عنهم رسائل محبّرة.

حتى إذا ولى مصر أحمد بن طولون وأسس بها دولته الطولونية وامتد سلطانه إلى الشام وعلا شأنه أقام ديوان الإنشاء ورفع مقداره كما يقول القلقشندى ، واتخذ فيه جماعة من مهرة الكتاب على رأسهم أحمد بن محمد بن مودود المعروف باسم ابن عبد كان ، ويشهد اسمه بأنه فارسى الأصل إذ الكاف فى الفارسية القديمة تدل على التصغير والألف والنون على النسبة فعبد كان يقابلها فى العربية عبيدى ، وقد ظل قائما على ديوان الإنشاء بعد وفاة ابن طولون فى عهد ابنه خماروية حتى توفى فخلفه على الديوان إسحق بن نصير الكاتب البغدادى.

وابن عبد كان يبتدئ بمصر سلسلة كتابها المشهورين ودوّت شهرته منذ زمنه لا فى مصر وحدها بل أيضا فى العراق إذ نجده بعد نحو قرن من الزمان يقرن إلى أبى إسحق الصابى كاتبها حينئذ ، وإذا رجعنا إلى رسائله الديوانية وجدناه يعنى فيها بالسجع وقد يتخفف منه فيستخدم الازدواج من حين إلى آخر ، وسجعه خفيف ويمده بغير قليل من التصاوير ، وتوقف القلقشندى فى كتابه صبح الأعشى ليذكر عنه كيف وضع رسوم الدعاء فى افتتاح الرسائل وكيف تبتدئ أجوبة الكتب ، وكان أهل بغداد فى زمنه يغبطون عليه مصر ويقولون إن بها كاتبا – يقصدون ابن عبد كان – ليس لأمير المؤمنين بمدينة بغداد مثله ، وكانت رسائله متداولة بين الكتاب حتى زمن ياقوت فى القرن السابع الهجرى “.

ومن أشهر رسائله تلك التي كتبها على لسان ابن طولون إلى ولده العباس عندما استغل غيابه وانقلب عليه وقاد الجيش إلى برقة وطرابلس ، فكتب إليه : ” من أحمد بن طولون مولى أمير المؤمنين إلى الظالم لنفسه العاصى لربّه الملمّ بذنبه المفسد لكسبه العادى لطوره الجاهل لقدره الناكص على عقبه المركوس فى فتنته المبخوس من حظّ دنياه وآخرته.

سلام على كل منيب مستجيب تائب من قريب قبل الأخذ بالكظم وحلول الفوت والندم ، وأحمد الله الذى لا إله إلا هو حمد معترف له بالبلاء الجميل والطّول الجليل وأسأله مسألة مخلص فى رجائه مجتهد فى دعائه أن يصلّى على محمد المصطفى وأمينه المرتضى ورسوله المجتبى صلى الله عليه وسلم.

أما بعد ، فإن مثلك مثل البقرة تثير المدية بقرنيها والنملة يكون حتفها فى جناحيها وستعلم – هبلتك الهوابل ! أيها الأحمق الجاهل الذى ثنى على الغىّ عطفه واغترّ بضجاج المواكب خلفه – أىّ موردة هلكة بإذن الله تورّدت ، إذ على الله جل وعز تمرّدت وشردت فإنه تبارك وتعالى قد ضرب لك فى كتابه مثلا : (قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ).  

وإنا كنا نقرّبك إلينا وننسبك إلى بيوتنا طمعا فى إنابتك وتأميلا لفيئتك فلما طال فى الغىّ انهماكك وفى غمرة الجهل ارتباكك ولم نر الموعظة تلين كبدك ولا التذكير يقيم أودك ، لم تكن لهذه النسبة أهلا ولا لإضافتك إلينا موضعا ومحلّا بل لا نكنى بأبى العباس إلا تكرّها وطمعا بأن يهب الله منك خلفا نقلّده اسمك ونكنى به دونك ونعدّك كنت نسيا منسيّا ولم تك شيئا مقضيّا.

فانظر – ولا نظر بك – إلى عار نسبته تقلّدت وسخط من قبلنا تعرّضت واعلم أن البلاء بإذن الله قد أظلّك والمكروه إن شاء الله قد أحاط بك والعساكر بحمد الله قد أتتك كالسّيل فى الليل تؤذنك بحرب وبويل ، فإنا نقسم – ونرجو أن لا نجور ونظلم – ألا نثنى عنك عنانا ولا نؤثر على شانك شانا ولا تتوقّل ذروة جبل ولا تلج بطن واد إلا تبعناك بحول الله وقوته فيهما وطلبناك حيث أممت منهما منفقين فيك كلّ مال خطير ومستصغرين بسببك كل خطب جليل.

 حتى تستمرّ من طعم العيش ما استحليت وتستدفع من البلايا ما استدعيت حين لا دافع بحول الله عنك ولا مزحزح لنا عن ساحتك وتعرف من قدر الرخاء ما حهلت وتودّ أنك هبلت ولم تكن بالمعصية عجلت ولا رأى من أضلّك من غواتك قبلت ، فحينئذ يتفرّى لك الليل عن صبحه ويسفر لك الحقّ عن محضه فتنظر بعينين لا غشاوة عليهما وتسمع بأذنين لا وقر فيهما.

وتعلم أنك كنت متمسّكا بحبائل غرور متماديا فى مقابح أمور من عقوق لا ينام طالبه وبغى لا ينجو هاربه وغدر لا ينتعش صريعه وكفران لا يودى قتيله ، وتقف على سوء رويتّك وعظم جريرتك فى تركك قبول الأمان إذ هو لك مبذول وأنت عليه محمول ، وإذ السيف عنك مغمود وباب التوبة إليك مفتوح وتتلهّف والتلهف غير نافعك إلا أن تكون أجبت إليه مسرعا وانقدت إليه منتصحا.

وإن مما زاد فى ذنوبك عندى ما ورد به كتابك علىّ بعد نفوذى على الفسطاط من التمويهات والأعاليل والعدات بالأباطيل من مصيرك – بزعمك – إلى إصلاح ما ذكرت أنه فسد علىّ حتى ملت إلى الاسكندرية فأقمت بها طول هذه المدة ، واستظهارا عليك بالحجة وقطعا لمن عسى أن يتعلّق به معذرة علم بأن الأناة غير صادّة ولا أنه خالجنى شكّ ولا عارضنى ريب فى أنك إنما أردت النزوح والاحتيال للهرب والنزوع إلى بعض المواضع التى لعلّ قصدك إياها يوديك ولعل مصيرك إليها يكفينيك ويبلّغ إلىّ أكثر من الإرادة فيك.

لأنك إن شاء الله لا تقصد موضعا إلا تلوتك ولا تأتى بلدا إلا قفوتك ولا تلوذ بعصمة تظن أنها تنجيك إلا استعنت بالله عز وجل فى جدّ حبلها وفصم عروتها ، فإنّ أحدا لا يؤوى مثلك ولا ينصره إلا لأحد أمرين من دين أو دنيا فأمّا الدّين فأنت خارج من جملته لمقامك على العقوق ومخالفة ربك وإسخاطه ، وأما الدنيا فما أراه بقى معك من الحطام الذى سرقته وحملت نفسك على الإيثار به ما يتهيأ لك مكاثرتنا بمثله مع ما وهب الله لنا من جزيل النعمة التى نستودعه تبارك وتعالى إياها ونرغب إليه فى إنمائها إلى ما أنت مقيم عليه من البغى الذى هو صارعك والعقوق الذى هو طالبك.

وأما ما منّيتناه من مصيرك إلينا فى حشودك وجموعك ومن دحل فى طاعتك لإصلاح عملنا ومكافحة أعدائنا بأمر أظهروا فيه الشماتة بنا فما كان إلا بسببك ، فأصلح أيها الصبىّ الأخرق أمر نفسك قبل إصلاحك عملنا واحزم فى أمرك قبل استعمالك الحزم لنا فما أحوجنا الله – وله الحمد – إلى نصرتك وموازرتك ولا اضطررنا إلى التكثّر بك على شقاقك ومعصيتك (وما كنت متّخذ المضلّين عضدا).

وليت شعرى على من تهوّل بالجنود وتمخرق بذكر الجيوش ؟ ومن هؤلاء المسخّرون لك الباذلون دماءهم وأموالهم وأديانهم دونك دون رزق ترزقهم إياه ولا عطاء تدرّه عليهم ؟ فقد علمت – إن كان لك تمييز أو عندك تحصيل – كيف كانت حالك فى الوقعة التى كانت بناحية أطرابلس وكيف خذلك أولياؤك والمرتزقة معك حتى هزمت ، فكيف تغترّ بمن معك من الجنود الذين لا اسم لهم معك ولا رزق يجرى لهم على يدك ؟

فإن كان يدعوهم إلى نصرتك هيبتك والمداراة لك والخوف من سلطانك فإنهم ليجذبهم أضعاف ذلك منا ووجودهم من البذل الكثير والعطاء الجزيل عندنا ما لا يجدونه عندك وإنهم لأحرى بخذلك والميل إلينا دونك ولو كانوا جميعا معك ومقيمين على نصرتك ، لرجونا أن يمكن الله منك ومنهم ويجعل دائرة السّوء عليك وعليهم ويجرينا من عادته فى النصر وإعزاز الأمر على ما لم يزل يتفضل علينا بأمثاله ويتطوّل بأشباهه.

فما دعانى إلى الإرجاء لك والتسهيل من خناقك والإطالة من عنانك طول هذه المدة إلا أمران : أغلبهما كان علىّ احتقار أمرك واستصغاره وقلة الاحتفال والاكتراث به وأنى اقتصرت من عقوبتك على ما أحللته بنفسك من الإباق إلى أقاصى بلاد المغرب شريدا عن منزلك وبلدك فريدا من أهلك وولدك ، والآخر أنى علمت أن الوحشة دعتك إلى الانحياز إلى حيث انحزت إليه فأردت التسكين من نفارك والطّمأنينة من جأشك وعملت على أنك تحنّ إلينا حنين الولد وتتوق إلى قربنا توقان ذى الرّحم والنسب فإن فى رفقنا بك ما يعطفك إلينا وفى تآخينا إياك ما يردّك علينا.

ولم يسمع منا سامع فى خلاء ولا ملإ انتقاصا بك ولا غضّا منك ولا قدحا فيك رقّة عليك واستتماما لليد عندك وتأميلا لان تكون الراجع من تلقاء نفسك والموفّق بذلك لرشدك وحظّك ، فأمّا الآن مع اضطرارك إياى إلى ما اضطررتنى إليه من الانزعاج نحوك وحبسك رسلى النافذين بعهد كثير إلى ما قبلك واستعمالك المواربة والخداع فيما يجرى عليه تدبيرك فما أنت بموضع للصيّانة ولا أهل للإبقاء والمحافظة بل اللعنة عليك حالّة والذّمّة منك بريّة.

والله طالبك ومؤاخذك بما استعملت من العقوق والقطيعة والإضاعة لرحم الأبوّة فعليك من ولد عاقّ مشاق لعنة الله ولعنة اللاعنين والملائكة والناس أجمعين ، ولا قبل الله لك صرفا ولا عدلا ولا ترك لك منقلبا ترجع إليه وخذلك خذلان من لا يؤبه له وأثكلك ولا أمهلك ولا حاطك ولا حفظك فو الله لأستعملنّ لعنك فى دبر كل صلاة والدعاء عليك فى آناء الليل والنهار والغدوّ والآصال.

ولأكتبنّ إلى مصر وأجناد الشامات والثغور وقنّسرين والعواصم والجزيرة والحجاز ومكّة والمدينة كتبا تقرأ على منابرها فيك باللّعن لك والبراءة منك والدّلالة على عقوقك وقطيعتك يتناقلها آخر عن أوّل ويأثرها غابر عن ماض ، ونخلّد فى بطون الصحائف وتحملها الرّكبان ويتحدّث بها فى الآفاق وتلحق بك وبأعقابك عارا ما اطّرد الليل والنهار واختلف الظلام والأنوار.

فحينئذ تعلم أيها المخالف أمر أبيه القاطع رحمه العاصى ربّه أىّ جناية على نفسك جنيت وأىّ كبيرة اقترفت واجتنيت ؟ وتتمنى لو كانت فيك مسكة أو فيك فضل إنسانية أنك لم تكن ولدت ولا فى الخلق عرفت ، إلا أن تراجع من طاعتنا والإسراع إلى ما قبلنا خاضعا ذليلا كما يلزمك فتقيم الاستغفار مقام اللعنة والرّقّة مقام الغلظة ، والسلام على من سمع الموعظة فوعاها وذكر الله فاتقاه إن شاء الله تعالى “.

36 /  ديوان ابن جدار

ابن جدار هو اللقب الذي عرف به الشاعر أبو القاسم جعفر بن محمد بن أحمد المصري والذي اشتهر بالبراعة في الشعر في زمن الأمير أحمد بن طولون حيث دخل في خدمة ابنه وولي عهده الأمير العباس ، وقد أغوته دهاليز السياسة حيث كان من الحاشية التي حرضت العباس ليقوم بالانقلاب على والده وهو يقاتل في الشام وتولى الوزارة للأمير المنقلب ، ثم انتهت مغامرتهم نهاية مأساوية حيث انتصر عليهم ابن طولون وأسرهم وأعدم ابن جدار عام 268 هـ / 881 م في الفسطاط على مرأى من الناس.

وكان شعر ابن جدار سبب مباشر في عصيان العباس على والده فقد قيل إن العباس لما هم بخلع الطاعة كان مرتبك الرأي مترددا في ذلك فأنشده ابن جدار قصيدة يحرضه فيها على العصيان وفيها قوله : إذا هممت فلا ترجع وقم وثب .. فأنت أرفع من يسمو إلى الرتب ، وظل ابن جدار ملازما للعباس وصحبه في خروجه إلى برقة وشهد معه محاولاته غزو إفريقية (تونس) والتي باءت بالفشل والهزيمة.

ويروي الكندي في كتاب الولاة والقضاة وقائع المؤامرة فيقول : ” وقد كَانَ رأَي أحمد بْن طُولُون أن يُقيم بالثُّغور حتى أتاه الخَبر من مِصر أن ابنه الْعَبَّاس قد خالف عَلَيْهِ فأزعجه ذَلكَ ، وكان السبب فِي مخالَفته لأَبيه أَنَّهُ استخصّ قُوَّادًا من قُوَّاده كانوا عَلَى خوف شديد من أحمد بْن طُولُون كَانَ منهم عليّ بْن أَعْوَر وعبد اللَّه بْن طغيا وأحمد بْن صالح الرشيديّ وأحمد بْن أسلم فحسَّنوا للعَبَّاس التغلّب عَلَى مِصر والقبض عَلَى أحمد بن محمد الواسطيّ.

وبلغ الواسطّي ما عزموا عَلَيْهِ من ذكر، فكتب إلى أحمد بْن طُولُون يُخبره بذلك وبلغ الْعَبَّاس ذَلكَ فازداد وحشةً من أبيه لمَّا علِم أَنَّهُ اطَّلع عَلَى أمره ، وكانت للعبَّاس أيضًا تُطيف بِهِ من أهل السعر كانوا خاصَّته منهم جَعفر بْن جَدار وأبو مَعشر أحمد بْن المؤَمَّل ومحمد بْن سَهْل المنتوف فشاورهم فيما عزم عَلَيْهِ فأشاروا عَلَيْهِ أن يفعل وخافوا من أحمد بْن طُولُون فأشاروا عَلَى العبَّاس أن يبعُد عَنْ أبيه ويخرج عَنْ مِصر.

فعمد العبَّاس إلى أحمد بْن محمد الواسطيّ فقيَّده ثمَّ سار الْعَبَّاس فِي الطائفة التي معه والواسطيّ معه كَانَ خروجه إلى الجيزة يوم الأحد لثمان خلونَ من شعبان سنة خمس وستّين ومائتين فعسكر بها واستخلف أخاه رَبيعة بْن أحمد عَلَى الفُسطاط ، وأظهر الْعَبَّاس أن سائر إلى إِسْكَنْدَريَّة لكتاب ورد عَلَيْهِ من أبيه يأمره بذلك فتوجَّه إلى الإسكندريَّة ثمَّ سار إلى بَرْقَة “.

وللشاعر قصيدة مشهورة ذكرها ابن عبد ربه في كتابه العقد الفريد وهو يدلل على التكلف في البلاغة حيث يقول : ” و قد يأتي من الشعر ما هو خارج عن طبقة الشعراء منفرد في غرائبه وبديع صنعته و لطيف تشبيهه كقول جعفر بن جدار كاتب ابن طولون : كم بين باري و بين بمّا وبين بون إلى دمّما .. من رشإ أبيض التراقي أغيد ذي غنّة أحمّا .. وطفلة رخصة المرائي ليست تحلّى ولا تسمّى .. إلا و سلك من اللآلي يعجز من يخرج المعمّى .. صغرى وكبرى إلى ثلاث مثل التّعاليل أو أتما .. وكم ببمّ وأرض بمّ وكم برمّ و أرض رمّا .. من طفلة بضّة لعوب تلقاك بالحسن مستتما .. منهنّ ريّا وكيف ريّا ريّا إذا لاقت المشما “.

ذكره الحصري القيرواني في كتاب جمع الجواهر في الملح والنوادر فقال : ” من طرف ابن جدار وشعره .. وكان ابن جدار كاتب العباس بن أحمد بن طولون بارد المشاهدة فعاد أبا حفص بن أبي أيوب ابن أخت الوزير فوافاه وقد أصابته قشعريرة فقال : ما تجد ؟ جعلت فداك ! قال : أجدك ، وكان أبو حفص أديباً شاعراً بليغاً ولهاً وقد رأى ورداً قريباً من أقحوان فقال : أرى أقحواناتٍ يطفن بناصعٍ .. من الورد مخضرّ النبات نضيد .. يميّله ريح الصّبا فكأنه .. ثغور دنت شوقاً للثم خدود.

وكان ابن جدار ينقل أخبار أبي حفص إلى العباس بن أحمد بن طولون فصار إليه يوماً فقال : أعزك الله إنما مجلس المدام حرمة أنس ومسرح لبانة ومذاد هم ومرتع لهو ومهد سرور وإنما توسطته عند من لا يتهم غيبه وقد بلغني ما تنهيه إلى أميرنا أبي الفضل من أخبار مجالسي ، وأنشد : ولقد قلت للأخلاّء يوماً .. قول ساعٍ بالنصح لو سمعوه .. إنّما مجلس المدام بساطٌ .. للمودّات بينهم وضعوه .. فإذا ما انتهوا إلى ما أرادوا .. من نعيمٍ ولذةٍ رفعوه.

فاعتذر إليه وحلف أنه ما فعل وقام عن مجلسه وأنشد : كم من أخٍ أوجست منه خيفة .. فأنست بعد وداده بفراقه .. لم أحمد الأيّام منه خليقةً .. فتركته مستمتعاً بخلاقه ، وكان ابن جدار قبل تعلقه بالعباس يتكسب بالشعر ويقنع باليسير فصار إلى دار إسحاق بن دينار بن عبد الله وامتدحه فلم يهب له شيئاً فقال فيه : عجب الناس أن مدحت ابن دينار فلم يجزني على مدحيه .. قلت لا تعجبوا فما قدم اللّؤم عجيباً منه ولا منه أخيه .. إنّ ديناره أبوه ومن جاد من الناس لامرىءٍ بأبيه.

وهو القائل في القلم : وعاشقٍ تحت رواق الدجى .. أغرى به الحيرة فقدان .. أهيف ممشوق بتحريكه .. يحلّ عقد السرّ إعلان .. يحوك وشياً لم يحك مثله .. بلاغةٌ تحكى وبرهان .. وربّما أحيا وأهدى الرّدى .. ففيه ماذيٌّ وخطبان .. وفيه للناظر أٌعجوبة .. يكسو عراة وهو عريان .. تجري به خمسٌ مطايا له .. مختلفات القدّ أقران .. له لسانٌ مرهفٌ حدّه .. من ريقة الكرسف ريّان .. في دقّة المعنى إذا أغرقت .. للقول في التدقيق أذهان .. إذا احتسى كأساً كلون الدّجا .. حرّك منه الرأس نشوان .. كأنّما ينثر من لفظه .. درٌّ وياقوتٌ ومرجان .. ترى بسيط الفكر في نظمه .. شخصاً له حدٌّ وجثمان .. كأنّما يسحب في إثره .. ذيلاً من الحكمة سحبان .. لولا ما قام منار الهدى .. ولا سما بالملك ديوان “.

وذكره ياقوت الحموي في معجم الأدباء فقال : ” جعفر بن محمد بن أحمد بن حدار الكاتب أبو القاسم ذكره الصولي في كتاب أخبار شعراء مصر قال : لم يكن بمصر مثله في وقته كثير الشعر حسن البلاغة عالم له ديوان شعر ومكاتبات كثيرة حسنة ، قال : وكان العباس بن أحمد بن طولون قد خرج على أبيه في نواحي برقة عند غيبة أبيه بالشام وتابعه أكثر الناس ثم غدر به قوم وخرج عليه آخرون من نواحي القيروان فظفر به أبوه وكان جعفر بن حدار وزير العباس وصاحب أمره.

قال ابن زولاق مؤرخ مصر : قبض على العباس بنواحي الاسكندرية وأدخل إلى الفسطاط على قتب على بغل مقيدا في سنة سبع وستين ومائتين ونصب لكتّابه ومن خرج بهم إلى ما خرج إليه دكة عظيمة رفيعة السّمك في يوم الأربعاء لا أعرف موقعه من الشهر ، وجلس أحمد بن طولون في علو يوازيها وشرع من ذلك العلو إليها طريقا وكان العباس قائما بين يدي أبيه في خفتان ملحم وعمامة وخفّ وبيده سيف مشهور فضرب ابن حدار ثلاثمائة سوط وتقدم إليه العباس فقطع يديه ورجليه من خلاف وألقي من الدكة إلى الأرض وفعل مثل ذلك بالمنتوف وبأبي معشر واقتصر بغيرهم على ضرب السوط فلم تمض أيام حتى ماتوا ، وقال الصولي : مثّل أحمد بن طولون بابن حدار لما قتله يروى أنه تولّى قطع يديه ورجليه بيده.

ومن شعر ابن حدار إلى صديق له من أبيات : يا كسرويا في القديم وهاشميا في الولاء .. يا ابن المقفّع في البيان ويا إياسا في الذكاء .. يا ناظرا في المشكلات المعضلات ويا ضيائي .. إيها جعلت فداك فيم طويتني طيّ الرداء .. وتركتني بين الحجاب أعوم في بحر الجفاء .. ورغبت عما كنت ترغب فيه من لطف الإخاء .. من بعد أني كنت عندك وابن أمك بالسواء .. فوحقّ كفك إنها كفّ كأخلاق السماء .. لأخلّينّك والهوى ولأصبرنّ عن اللقاء .. ولأشكونّك ما استطعت إلى حفاظك والوفاء .. ولأصبرنّ على رقيّك في ذرى درج العلاء .. فهناك أجني ما غرست إليك من ثمر الرجاء.

ومن شعره أيضا : جاءت بوجه كأنه قمر .. على قوام كأنه غصن .. ترنو بعينين من يعاينها .. من وسن في جفونها وسن .. حتى إذا ما استوت بمجلسها .. وصار فيه من حسنها وثن .. غنّت فلم تبق فيّ جارحة .. إلا تمنيت أنها أذن ، ومن شعره أيضا : زارني زور ثكلتهم .. وأصيبوا حيث ما سلكوا .. أكلوا حتى إذا شبعوا .. حملوا الفضل الذي تركوا “.

37 / مدائح ومراثي القطائع

عندما تنظر من فوق سور القلعة باتجاه الغرب مباشرة يظهر لك مسجد أحمد بن طولون بمأذنته المدرجة المميزة والتي تشبه مأذنة مسجد سامراء حيث نشأ هناك ، وهو الأثر الوحيد المتبقي من عاصمته القطائع والتي سميت بهذا الاسم بسبب تقسيمها إلى أقسام مقطعة بين الترك والروم والسودان والموالي ، وقد أدمجت في العسكر والفسطاط واتصلت بهم.

وبنى فيها قصرا فخما واتخذ ميدانا كبيرا كان يلعب فيه بالكرة وأنشأ فيه أماكن للطيور ومرابط للسباع وغرس فيه الأزهار والرياحين ، وكان هذا القصر والعمائر التي أقامها ابن طولون في حاضرته الجديدة عراقية الأسلوب والطابع وغدا القصر والميدان بعد إنشائهما متعة الناظرين وأقام دور الحكمة إلى الجنوب من المسجد وكان يفصلها عنه ميدان فسيح.

وكان بناء القطائع يحمل دلالة سياسية وهي إعلان استقلال مصر بشكل فعلي عن الخلافة العباسية رغم التبعية الظاهرية ، وكان من الطبيعي أن يضم بلاط ابن طولون عددا من الشعراء الذي حظوا برعايته ليقوموا بدور المنافحة عنه في الحرب الدعائية بينه وبين مراكز صناعة القرار في سامراء وبغداد خاصة مع إقدام ابن طولون على خلع بيعة ولي العهد العباسي الأمير الموفق طلحة وخروجه بجيوشه إلى الشام في عام 269 هـ.

وكان الخليفة المعتمد العباسي يعاني من سطوة أخيه وولي عهده الموفق طلحة المتحكم الفعلي في الأمور فقرر مراسلة أحمد بن طولون واتفق معه على أن يغادر العراق إلى مصر وتصبح مصر هي دار الخلافة ، لكنه عندما وصل إلى مدينة الحديثة بالعراق أرسل إليه الموفق من قبض عليه واعتقله وأعاده إلى العاصمة وقرر عزل ابن طولون والذي وجد في ذلك ذريعة لتحقيق الاستقلال الفعلي بدولته التي ضمت مصر وبرقة والشام والحجاز.

وفي ذلك يقول الشاعر قعدان بن عمرو : طَالَ الهُدَى بِابْنِ طُولَونَ الأَمِيرِ كَمَا .. يَزْهُو بِهِ الدِّينُ عَنْ دِينٍ وَإِسْلَامِ .. قَادَ الجُيُوشَ مِنَ الفُسْطَاطِ يَقْدُمُها .. مِنْهُ عَلَى الهَوْلِ مَاضٍ غَيرُ مِحْجَامِ .. فِي جَحْفَلٍ للْمَنَايَا فِي مَقَانِبِهِ .. مَكَامِنٌ بَيْنَ رَايَاتٍ وَأَعْلَامِ .. يَسْمُو بِهِ مِنْ بَنِي سَامٍ غَطَارِفَةٌ .. بِيضٌ وَسُودٌ أُسُودٌ مِنْ بَنِي حَامِ.

لَوْ أَنَّ رُوحَ بَنِي كُنْدَاجَ مُعْلَقَةٌ .. بالمُشْتَرِي لَمْ يَفتْهُ أَوْ بِبَهْرَامِ .. حَاطَ الخِلافَةَ والدُّنْيَا خَلِيفَتُنَا .. بِصَارِمٍ مِنْ سُيُوفِ اللَّه صَمْصَامِ .. يَا أَيُّها النَّاسُ هُبُّوا نَاصِرِينَ لَهُ .. مَعَ الأَمِيرِ بِدُهْمِ الخَيْلِ فِي اللَّامِ .. لَيْسَتْ صَلاةُ مُصَلِّيكُمْ بِجَائِزَةٍ .. وَلَا الصِّيَامُ بِمَقْبُولٍ لِصَيَّامِ .. حَتَّى يَرَى السَّيِّدُ المَيمُونُ ذَبكُّمُ .. عَنِ الإِسْلَامِ بِأَطْرَافِ الْقَنَا الدَّامِ.

وقال قعدان أيضا : مَنْ مُبْلِغٌ مُضَر الشَّآمِ وَمَا حَوَتْ .. مِصْرٌ وَمَنْ هُوَ مُتْهِمٌ أَوْ مُنْجِدُ .. مَا بَالُكُمْ هِضَتُمْ جَنَاحَ سِنَانِكُمْ .. بِتَوَاكُلٍ مِن فِعْلِكُمْ لَا يُحْمَدُ .. أَنَّى وَكَيْفَ يَطِيبُ يطيب لَكُمْ .. خَفْضُ المَعِيشَة والإِمَامُ مُقَيَّدُ .. حَزَّانُ أُفْرِدَ مِنْ بَنِيهِ وَأَهْلِهِ .. بِأَبِي وَأُمِّي المُسْتَضَامُ المُفْرَدُ.

وقال الشاعر منصف بن خليفة الهذلي : يَا غُرَّةَ الدُّنيَا الَّذِي أَفْعَالُهُ .. غُرَرٌ بِها كُلُّ الْوَرَى تَتَعَلَّقُ .. أَنْتَ الأَمِيرُ عَلَى الشَّآمِ وَثَغْرِهَا .. وَالرَّقَّتَيْنِ وَمَا حَوَاهُ المَشْرِقُ .. وَإِلَيْكَ مِصْرُ وَبَرْقَةٌ وَحَجَازُهَا .. كُلٌّ إِلَيْكَ فُؤَادُهُ مُتَشَوِّقُ .. هَتَكَ الخِلَافَةَ صَاعِدٌ وَخَلِيلُهُ .. إِسْحَاقُ لِعْبًا والحَسُودُ الأَخْرَقُ .. أَسْيَافُنَا بِيضُ المَنُونِ فَلَيْتَهَا .. بِنَجِيحِ مَنْ خَذَلَ الْإِمَامَ تُخَلَّقُ .. تُمْسِي وَتُصْبِحُ ضَارِبًا مِنْ دُونِهِ .. بِمُهَنَّدٍ مِنْهُ الحُتُوفُ تُفَرَّقُ .. يَتْلُوكَ سَعْدٌ والْمُقَدِّمُ تَيْتَكٌ .. وَاللَّاذِقيّ وَذُو الحَفِيظَةِ يَلْحَقُ.

وعلق أبو القاسم ابن عساكر في كتابه تاريخ دمشق على هذه الأبيات وقال بعدها : ”  ذكر ذلك أجمع أبو عمر محمد بن يوسف بن يعقوب الكندي وهؤلاء الذين سماهم في البيت الأخير قواد أحمد بن طولون وصاعد هو ابن مخلد وزير الموفق وإسحاق هو ابن كندا جيق  والحسود يعني به الموفق “.

وفي عام 270 هـ يتولى الحكم الأمير خمارويه بن أحمد بن طولون بعد والد الذي وافته المنية ، واختص خمارويه بشاعر مجيد هو القاسم بْن يحيى بن معاوية المرعي والذي جعل كل قصائده في مدحه وذكر مناقيه وتمجيد انتصاراته ، وقد سئل مرة أن يرحل عن مصر فقال بيته المشهور : وكيف رحيلي عن بلاد غدا بها .. أبو الجيش والنيل الذي ملا الأرضا. 

وفي عام 272 هـ انتصر الأمير خمارويه انتصارا كبيرا في الشام على جيش العباسيين بقيادة إسحاق بن كنداج فاحتفى بذلك الشاعر القاسم بن يحيى وقال : أَتَانَا أَبُو الجَيْشِ الأَمِيرُ بِيُمْنِهِ .. فَشَرَّدَ عَنَّا الجَوْرَ وافْتَقَرَ العُسْرُ .. فَإِنْ يَكُ أَرْضُ الرَّقَّتَيْنِ بِهِ اكتَسَتْ .. ضِيَاءً وَإِشْرَاقً لَقدْ أَظْلَمَتْ مِصرُ .. فَسَائِلْ بِهِ إِسْحَاقَ إِذْ سَارَ نَحْوَهُ .. بِجَيْشٍ كَعَرْضِ النِّيلِ يَقْدُمُهُ النَّصْرُ.

تَبَاعَدَتِ الأَقْطَارُ مِنْهُ كَثَافَةً .. ففِي مَشْرِقٍ قُطْرٌ وَفِي مَشْرقٍ قُطْرُ .. فَأَبْلَسَ إِذْ قِيلَ الْأَمِيرُ بِبَالِسٍ .. وَأَضْحَى ضَعِيفَ العَقْدِ إِذْ عُقِدَ الجَسْرُ .. وَلمَّا رَأَى الجَيْشَ ابْنُ كُنْدَاجَ مُقْبِلًا .. أَرَتْهُ المَنَايَا الحمْرَ أَعْلَامُهُ الْحُمْرُ .. فَوَلَّى شَديدًا ذَا ارْتِيَاعٍ كَأَنَّهُ .. بِكُلِّ بِلَادٍ طَائِرٌ مَا لَهُ وَكْرُ .. لَئِنْ سَرَّ إِسْحَاقَ النَّجَاةُ بِنَفْسِهِ .. لَقَدْ سَاءَهُ فِي جَمْعِهِ القَتْلُ والأَسْرُ .. فَلَا يُغْبَطَنْ بالعَيْش مِنْ بَعْدِ هذِهِ .. فقَدْ كَسَرَتْهُ كَسَرةً مَا لَهَا جَبْرُ.

وفي عام 274 هـ انتصر خمارويه مرة أخرى على جيش عباسي بقيادة محمد بْن ديوداد المعروف بابن أَبِي الساج فقال القاسم بن يحيى : فُتُوحُ الأَمِيرِ نُجُومٌ تَلُوحُ .. فَلَيْسَتْ تُقَاسُ إِلَيْهَا فُتُوحُ .. تَسِيرُ لَهَا فِي جَمِيعِ البِلَادِ .. رَكَائِبُ تَغْدُو بِهَا وتَرُوحُ .. إِذَا حَادَ عَنْ أَمْرِهِ حائِدٌ .. أَتَاحَ لَهُ الحَتْفَ مِنْهُ مُتيِحُ .. نَصَحْنَا لِشَرّ بنِي دِيُودَادَ .. بِتَحْذِيرهِ لَوْ أُطِيعَ النَّصِيحُ.

وَلَمْ يَكُنِ الغَدْرُ مُسْتَقْبَحًا .. وَفِي الغَدْرِ شَيْنٌ وَعَارٌ قَبِيحُ .. تَعَاطَى نِطَاحَ كِبَاشَ الحُرُوبِ .. فَغُودِرَ وَهْوَ صَرِيعٌ بَطِيحُ .. لَئِنْ كَانَ وَلَّى سَليمًا صَحِيحًا .. فَمَا القَلْبُ مِنْهُ سَلِيمٌ صَحيحُ .. أَبَاحَ حِمَاهُ فَتًى لَمْ يَزَلْ .. يَحُوطُ حِمًى وَحِمًى يَسْتَبِيحُ .. إِذَا هُوَ لَمْ يَسْتَرِحْ مِنْ عَدُوٍّ .. فَلَيْسَ إِلَى لَذَّةٍ يَسْتَرِيحُ .. وَإِنْ هَمَّ بِالسَّيْرِ لَمْ يَثْنِهِ .. سَنِيحٌ يَعُنُّ لَهُ أَوْ بَرِيحُ.

ومدحه أيضا الشاعر الشهير الوليد بن عبيد المعروف بالبحتري فقال : وَقَدْ رَأَيْتُ جُيُوشَ النَّصرِ منزلة .. عَلَى جُيُوشِ أَبِي الجَيْش بْنِ طُولُونَا .. يَوْمَ الثَّنِيَّةِ إِذْ ثَنَّى بِكَرَّتهِ .. فِي النَّقْعِ خَمْسِينَ أَلْفًا أَوْ يَزِيدُونَا .. مُظَفَّرٌ لَمْ يَزَلْ يَلْقَى بِطَلْعَتِهِ .. كَوَاكِبَ السَّعْدِ والطَّيْرَ المَيَامِينَا .. يَمشي قَرِيبًا مِنَ الأَعْدَاء لَوْ وَقَفُوا .. بِالصِّينِ مِنْ بُعْدِهَا مَا استَبْعَدَ الصِّيْنَا.

وفي عام 292 هـ ينجح أخيرا القائد العباسي محمد بن سليمان الكاتب في هزيمة الطولونيين وتدمير القطائع فأثار ذلك شجون الشعراء فكتبوا في ذلك مرثيات حزينة مثل الشاعر إسماعيل بْن أَبِي هاشم الذي يقول : قِفْ وَقْفَةً بِفنَاء بَابِ السَّاجِ .. وَالقَصْرِ ذِي الشَّرَفَاتِ والأَبْرَاجِ .. وَرُبُوعِ قَوْمٍ أُزْعِجُوا عَنْ دَارِهِمْ .. بَعْدَ الإِقَامَةِ أَيَّما إِزْعَاجِ.

كَانُوا مَصَابِيحًا إِذَا ظَلِمَ الدُّجَى .. يَسْرِي بِهَا السَّارُونَ فِي الإِدْلَاجِ .. وَكَأَنْ وُجُوهُهُمُ إِذَا أَبْصَرْتَهَا .. مِنْ فِضَّةٍ مَصْبُوغَةٍ أَوْ عَاجِ .. كَانُوا الثُّرَيَّا لَا يُرَامُ حِمَاهُمُ .. فِي كُلِّ مَلْحَمَةٍ وَكُلّ هِيَاجِ .. فَانْظُرْ إِلَى آثارِهِمْ تَلْقَى لَهُمْ .. عَلَمًا بِكُلِّ ثَنِيَّةٍ وَفُجَاجِ .. وَعَلَيْهِمِ مَا عِشْتُ لَا أَدَعُ البُكَا .. مَع كُلّ ذِي نَظَرٍ وَطَرْفٍ ساجِ.

ومن ذلك قصيدة طويلة في الرثاء الحزين للشاعر المصري سعيد القاص يجمل فيها سيرة الطولونيين وأعمالهم فيقول : جَرَى دَمْعُهُ مَا بَيْنَ سَحْرٍ إِلَى نَحْرِ .. وَلَمْ يَجْرِ حَتَّى أَسلَمَتْهُ يَدُ الصَّبْرِ .. وَبَاتَ وَقِيدًا لِلَّذِي خَامَرَ الحَشَى .. يئِنُّ كَمَا أَنَّ الأَسِيرُ مِنَ الأَسْرِ .. وهَلْ يَسْتَطِيعُ الصَّبْرَ مَنْ كَانَ ذَا أَسًى .. يَبِيتُ عَلَى جَمرٍ وَيُضْحِي عَلَى جَمْرٍ .. تَتَابُعُ أَحْدَاثٍ تَحَيَّفْنَ صَبْرَهُ .. وَغَدْرٌ مِنَ الأَيَّامِ وَالدَّهْرُ ذُو غَدْرِ .. أَصَابَ عَلَى رَغْمِ الأُنُوفِ وَجَدْعَهَا .. ذَوِي الدِّينِ والدُّنْيَا بِقَاصِمَةِ الظَّهْرِ.

طَوَى زِينَةَ الدّنيَا وَمِصبَاحَ أَهْلِهَا .. بِفَقْدِ بَنِي طُولُونَ والأَنجُمِ الزُّهْرِ .. فَبَادُوْا وَأَضْحَوْا بَعْدَ عِزٍّ وَمَنْعَةٍ .. أَحَادِيثَ لَا تَخْفَى عَلَى كُلِّ ذِي حِجْرِ .. وَكَانَ أَبُو العَبَّاسِ أَحْمَدُ مَاجِدًا .. جَمِيلَ المُحَيَّا لَا يَبِيتُ عَلَى وِتْرِ .. كَأَنَّ لَيَالي الدَّهْرِ كَانَتْ لِحُسنِهَا .. وَإِشْرَاقِهَا فِي عَصْرِهِ لَيْلَةَ البَدْرِ .. يَدُلُّ عَلَى فَضْلِ ابْنِ طُولُونَ هِمَّةٌ .. مُحَلِّقَةٌ بَيْنَ السِّمَاكَيْنِ والْغَفْرِ .. فَإِنْ كُنْتَ تَبْغِي شَاهِدًا ذَا عَدَالةٍ .. يُخَبِّرُ عَنْهُ بِالحْلِيِّ مِنَ الأَمْرِ.

فبِالجَبَلِ الغَرْبِيِّ خِطَّةِ يَشْكُر .. لَهُ مَسْجِدٌ يُغْني عَنِ المَنْطِقِ الهَذْرِ .. يَدُلُّ ذَوِي الأَلْبَابِ أَنَّ بِنَا .. وَبَانِيَهُ لَا بِالضَّنِينِ وَلَا الْغَمْرِ .. بَنَاهُ بِآجُرٍّ وَآسٍ وَعَرعَرٍ .. وبِالمرْمَرِ المَسْنُونِ والجَصِّ وَالصَّخْرِ .. بَعِيدُ مَدَى الأَقْطَارِ سَامٍ بِنَاؤُهُ .. وَثِيقُ المبَانِي عُقُودٍ وَمِنْ جُدْرِ .. فَسِيحُ الرِّحَابِ يُحْسَرُ الطَّرْفُ دُونَهُ .. رَقِيقُ النَّسِيم طَيِّبُ الْعَرْفِ والنَّشْرِ .. وَتَنُّورُ فِرْعَوْنَ الَّذِي فَوْقَ قُلَّةٍ .. عَلَى شَاهِقٍ عَالٍ عَلَى جَبَلٍ وَعْرِ .. بَنَى مَسْجِدًا فِيهِ يَفُوقُ بِنَاؤُهُ .. وَيَهْدِي بِهِ فِي اللَّيْلِ إِنْ ضَلَّ مَنْ يَسْرِي .. تخَالُ سَنَا قِنْدِيِلِهِ وَضِيَاءه .. سُهَيْلًا إِذَا مَا لَاحَ فِي اللَّيْلِ لِلسَّفْرِ.

وَعَيْنٌ مَعِينُ الِّرْبِ غَيْرُ رَكيةٍ .. وَغَيْرُ أُجَاجٍ لِلرُّوَاةِ وَلِلطُّهْرِ .. كَأَنَّ وُفُودَ النِّيلِ فِي جَنَبَاتِهَا .. تَرُوحُ وَتَغْدُو بَيْنَ مَدٍّ إِلَى جَزْرِ .. فَأَرْفَأَهَا مَسْتَنْبِطًا لِمَغِيبِهَا .. مِنَ الأَرْضِ مِنْ بَطْنٍ عَمِيقٍ إِلَى ظَهْرٍ .. يَمُرُّ عَلَى أَرْضِ المعَافِرِ كُلِّهَا .. وَشَعْبَانَ الأَحْمُور وَالحَيِّ مِنْ بِشْرِ .. قَبَائِلُ لَا نَوْءُ السَّحَابِ يَمُدُّهَا .. وَلَا النِّيلُ يَرْوِيهَا وَلَا جَدْوَلٌ يَجْرِي .. وَلَا تَنْسَ مَارِسْتَانَهُ وَاتِسَاعَهُ .. وَتَوْسِعَةَ الأَرْزَاق لِلْحَوْلِ وَالشَّهْرِ .. وَما فِيهِ مِنْ قُوَّامِهِ وَكُفَاتِهِ .. وَرِفْقَهُمُ بِالمُعْتَفِينَ ذَوِي الفَقْرِ .. فَلِلْمَيِّتِ المَقْبُورِ حُسْنُ جَهَازِهِ .. وَللْحَيِّ رِفْقٌ فِي عِلَاجٍ وَفِي جَبْرِ.

وَإِنْ جِئْتَ رَأْسَ الْجِسْرِ فَانْظُر تَأَمُّلًا .. إِلَى الحِصْنِ أَوْ فَاعْبُرْ إِلَيْهِ عَنِ الْجِسْرِ .. تَرَى أَثَرًا لَمْ يَبْقَ مَنْ يَسْتَطِيعُهُ .. مِنَ النَّاسِ فِي بَدْوِ الْبِلَادِ وَلَا حَضْرِ .. مَآثِرُ لَا تَبْلَى وإِنْ بَادَ رَبُّهَا .. وَمَجْدٌ يُؤَدِّي وَارِثِيهِ إِلَى الْفَخْرِ .. لَقَدْ ضُمِّنَ القَبْرُ المْقَدَّرُ ذَرْعُهُ .. أَجَلَّ إِذَا مَا قِيسَ مِنْ قُبَّتَيْ حَجْرِ .. وَقَامَ أَبُو الجَيْشِ ابْنُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ .. كَمَا قَامَ لَيْثُ الْغَابِ فِي الأَسَلِ السُّمْرِ .. كَذَاكَ اللَّيَالِي مَنْ أَعَارَتْهُ بَهْجَةً .. فَيَالَكَ مِنْ بَابٍ حَدِيدٍ وَمِنْ صُفْرِ .. وَوَرَّثَ هارُونَ ابْنَهُ تَاجَ مَاجِدٍ ..  كَذَاكَ أَبُو الْأَشْبَالِ ذُو النَّابِ وَالْظُفْرِ.

وَقَدْ كَانَ جَيْشٌ قَبْلَهُ فِي مَحَلِّهِ .. وَلَكِنَ جَيْشًا كَانَ مُسْتَنْقِصَ الْعُمْرِ .. فَقَامَ بِأَمْرِ المُلْكِ هارُونُ مُدَّةً .. عَلَى نَكَدٍ مِنْ ضِيقِ بَاعٍ وَمِنْ حَصْرِ .. وَمَا زَالَ حَتَّى زَالَ وَالدَّهرُ كَاشِحٌ .. عَقَارِبُهُ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ تَسْرِي .. يُذَكِّرُهُمْ لَمَّا مَضَوْا فَتَتَابَعُوا .. كَمَا أرْفَضَّ سِلْكٌ مِنْ جُمَانٍ وَمِنْ شَذْرِ .. فَمَنْ يَبْكِ شَيْئًا ضَاعَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهِ .. لِفَقْدِهِمِ فَلْيَبْكِ حُزْنًا عَلَى مِصرِ .. لَيَبْكِ بَنِي طُولُون إِذْ بَانَ عَصْرُهُمْ .. فَبُورِكَ مِنْ دَهْرِ وَبُورِكَ مِنْ عَصرِ “.

38 / ديوان منصور الفقيه       

من أهم شعراء مصر في نهاية القرن الثالث الهجري الشاعر أبو الحسن منصور بن إسماعيل بن عمر بن عيسى التميمي المصري المتوفي في الفسطاط عام 306 هـ / 918 م وهو في الأصل جندي من قبيلة بني تميم العربية قدم إلى مصر صغيرا ثم عميت عينه فاشتغل بتعلم الفقه الشافعي حتى عرف بلقب (الفقيه) ، واشتهر بشعر الحكمة والتأمل ولد ديوان كبير يقارب مائتي صفحة حققه ونشره الدكتور عبد المحسن فراج القحطاني.

ومن أشعاره قوله في الزهد : منافسة الفتى فيما يزول .. على نقصان همته دليل .. ومختار القليل أقل منه .. وكل فوائد الدنيا قليل ، وقوله في القناعة : رضيت بما قسم الله لي .. وفوضت أمري إلى خالقي .. كما أحسن الله فيما مضى .. كذلك يحسن فيما بقي ، وقوله مخاطبا ابنته يبين لها سبب فقره : بنية لا تجزعي واصبري عساك بصبرك أن تظفري .. فلو نال يوما أبوك الغنى كساك الدبيقي والتستري .. ولكن أبوك ابتلي بالعلوم فما إن يبيع ولا يشتري.

ذكره ابن النديم في كتابه الفهرست ضمن من روى عن أبي ثور تلميذ الشافعي فقال : ” منصور بن إسماعيل المصري وتوفي وله من الكتب كتاب زاد المسافر في الفقه ” ، وذكره ابن يونس الصدفي في كتابه تاريخ المصريين فقال : ” منصور بن إسماعيل التميمى المصري يكنى أبا الحسن ، كان فهما حاذقا صنّف مختصرات فى الفقه فى مذهب الشافعى ، وكان شاعرا مجوّدا خبيث اللسان بالهجو يظهر فى شعره التشيع ، وكان جنديا قبل أن يعمى ، توفى سنة ست وثلاثمائة “.

وذكره محمد بن عمران بن موسى المرزباني في كتابه معجم الشعراء فقال : ” منصور بن إسماعيل التميمي المصري الفقيه الضرير : يا معرضاً بهواه لما رآني ضريرا .. كم ذا رأيت بصيراً أعمى وأعمى بصيرا ، وله في ابنه : يا من له من تميم عم نبيل وخال .. إن لم يكن لك تقوى ولم يكن لك مال .. فاجلس فأنت ذليل بحيث تلقى النعال ، وكان الناشي هجاه فأجابه منصور : إن ذكر السياق أصلحك الله وذكر المبيت في اللحد وحدي .. حمياني عند الحديث ما الوداع لم تشتغل بذمي وحمدي .. فاهجني فما لك عندي أبداً غير ما لغيرك عندي “.

وذكره ياقوت الحموي في معجم الأدباء وذكر جانبا من قصائده فقال : ” منصور بن إسماعيل بن عمر أبو الحسن التميمي المصري الضرير ، كان إماما في فقه مذهبه أديبا شاعرا مجيدا متفننا له حظّ من كلّ علم ، أصله من رأس العين المشهورة بالجزيرة وقدم مصر وبها توفي ولم يكن في زمانه مثله فيها.

وكانت له منزلة جليلة عند أبي عبيد القاضي وكان من خواصّه الذين يخلو بهم للمذاكرة والمحادثة وكان بينهما مناظرات في الفروع أدّت إلى الخصام فتعصب الأمير ذكا وجماعة من الجند لمنصور وتعصب للقاضي أبي عبيد جماعة منهم ابن الربيع الجيزي ، ثم شهد ابن الربيع على منصور بكلام زعم أنه سمعه منه فقال القاضي : إن شهد عليه آخر بمثل ما شهد به عليه ابن الربيع ضربت عنقه ، فخاف على نفسه ومات وكانت وفاته في جمادى الأولى سنة ست وثلاثمائة ، وله مصنفات في الفقه منها كتاب الواجب وكتاب المستعمل وزاد المسافر وغير ذلك.

ومن شعره : من كان يخشى زحلا … أو كان يرجو المشتري .. فانني منه وإن .. كان أبي منه بري ، وقال : الناس بحر عميق .. والبعد عنهم سفينه .. وقد نصحتك فانظر .. لنفسك المستكينه ، وقال : لي حيلة فيمن ينمّ وليس في الكذّاب حيله .. من كان يخلق ما يقول فحيلتي فيه قليله ،  وقال : إذا كنت تزعم أنّ النجوم .. تضرّ وتنفع من تحتها .. فلا تنكرنّ على من يقول .. بأنك بالله أشركتها ، وقال يمدح يموت بن المزرع ابن اخت الجاحظ : أنت يحيى والذي يكره أن تحيا يموت .. أنت صنو النفس بل انت لروح النفس قوت .. أنت للحكمة بيت لا خلت منك البيوت.

وقال : الكلب أحسن عشرة وهو النهاية في الخساسه .. ممن ينازع في الرياسة قبل أوقات الرياسه ، وقال : لولا بناتي وسيئاتي .. لطرت شوقا إلى الممات .. لأنني في جوار قوم .. بغضني قربهم حياتي ، وقال : ليس للنجم إلى ضرّ ولا نفع سبيل .. إنما النجم على الأوقات والسمت دليل ، وقال : سررت بهجرك لما علمت .. بأن لقلبك فيه سرورا .. ولولا سرورك ما سرّني .. وما كنت يوما عليه صبورا .. لأني أرى كلّ ما ساءني .. إذا كان يرضيك سهلا يسيرا.

وقال : لولا صدود الصديق عنّي .. ما نال واش مناه منّي .. ولا أدمت البكاء حتى .. قرّح فيض الدموع جفني .. وما جفاء الصديق إلا .. هجوم خوف عقيب أمن ، وقال :  إذا رأيت امرءا في حال عشرته .. بادي الصداقة ما في ودّه دغل .. فلا تمنّ له حالا يسرّ له .. فانه بانتقال الحال ينتقل ، وقال : ليس هذا زمان قولك ما الحكم على من يقول أنت حرام .. والحقي بائنا بأهلك أو أنت عتيق محرّر يا غلام .. أو من تنكح المصابة في العدّة عن شبهة وكيف الكلام .. في حرام أصاب سنّ غزال فتولّى وللغزال بغام .. إنما ذا زمان كدح إلى الموت وقوت مبلّغ والسلام.

وقال : قد قلت إذ مدحوا الحياة فأكثروا .. للموت ألف فضيلة لا تعرف .. منها أمان لقائه بلقائه .. وفراق كلّ معاشر لا ينصف ، وقال : كلّ مذكور من الناس إذا ما فقدوه .. صار في حكم حديث حفظوه فنسوه ، وقال : إذا تخلفت عن صديق .. ولم يعاتبك في التخلّف .. فلا تعد بعدها إليه … فانما ودّه تكلّف ، وقال : من كفاه من مساعيه رغيف يغتذيه .. وله بيت يواريه وثوب يكتسيه .. فعلى ما يبذل الوجه لذي كبر وتيه .. وعلى ما يبذل العرض لمخلوق سفيه.

وقال : قد قلت لما أن شكت تركي زيارتها خلوب .. إنّ التباعد لا يضرّ إذا تقاربت القلوب ، وقال : منذ ثلاث لم نرك .. فقل لنا ما أخّرك .. أعلّة فنعذرك .. أم دهر سوء غيّرك ، وقال في مرضه معرّضا بأبي عبيد القاضي : يا شامتا بي إذا هلكت .. لكلّ حيّ مدى ووقت .. وانت في غفلة المنايا .. تخاف منها الذي أمنت .. والكاس ملأى وعن قليل .. تشرب منها كما شربت ، وأنشد عند موته معرّضا به أيضا  :قضيت نحبي فسرّ قوم .. حمقى بهم غفلة ونوم .. كأنّ يومي عليّ حتم .. وليس للشامتين يوم “.

وذكره ابن خلكان في كتابه وفيات الأعيان فقال : ” منصور الفقيه .. أبو الحسن منصور بن إسماعيل بن عمر التميمي المصري الفقية الشافعي الضرير ، أصله من رأس عين البلدة المشهورة بالجزيرة وأخذ الفقه عن أصحاب الشافعي رضي الله عنه وعن أصحاب أصحابه.

وله مصنفات في المذهب مليحة منها الواجب ” والمستعمل والمسافر والهدية وغير ذلك من الكتب وله شعر جيد سائر ، وذكره الشيخ أبو إسحاق الشيرازي رحمه الله تعالى في (طبقات الفقهاء) وأنشد له : عاب التفقه قوم لا عقول لهم .. وما عليه إذا عابوه من ضرر .. ما ضر شمس الضحى والشمس طالعة .. أن لا يرى ضوءها من ليس ذا بصر.

ومن هنا أخذ أبو العلاء المعري قوله من قصيدته المشهورة : والنجم تستصغر الأبصار رؤيته .. والذنب للطرف لا للنجم في الصغر ، ومن شعره أيضاً : لي حيلة فيمن ينم وليس في الكذاب حيله .. من كان يخلق ما يقول فحيلتي فيه قليله ، وله أيضاً : الكلب أحسن عشرةً وهو النهاية في الخساسه .. ممن ينازع في الرياسة قبل أوقات الرياسه.

وحكي أنه أصاب مسغبة في سنة شديدة القحط فرقي سطح داره ونادى بأعلى صوته في الليل : الغياث الغياث يا أحرار نحن خلجانكم وأنتم بحار .. إنما تحسن المواساة في الشدة لا حين ترخص الأسعار ، فسمعه جيرانه فأصبح على بابه مائة حمل برٍ ، وحكاياته وأخباره مشهورة وتوفي في جمادى الأولى سنة ست وثلثمائة بمصر ، وقال الشيخ أبو إسحاق في الطبقات : إنه مات قبل العشرين والثلثمائة رحمه الله تعالى.

وذكره القاضي أبو عبد الله القضاعي في كتاب خطط مصر فقال : أصله من رأس عين وسكن الرملة وقدم إلى مصر وسكنها وتوفي سنة ست وثلثمائة ، وكان فقيهاً جليل القدر متصرفاً في كل علم شاعراً مجيداً لم يكن في زمانه مثله بمصر.

وكان من أكرم الناس على أبي عبيدة القاضي حتى كان منهما ما كان بسبب المسألة ، وكان لأبي عبيدة في كل عشية مجلس يذاكر فيه رجلاً من أهل العلم ويخلو به خلا عشية الجمعة فإنه كان يخلو بنفسه فيها ، فكان من العشايا عشية يخلو فيها بمنصور وعشية يخلو فيها بأبي جعفر الطحاوي وعشية يخلو فيها بمحمد بن الربيع الجيزي وعشية يخلو فيها بعفان بن سليمان وعشية يخلو فيها بالسجستاني وعشية يخلو فيها للنظر مع الفقهاء وربما حدث.

فجرى بينه وبين منصور في بعض العشايا ذكر الحامل المطلقة ثلاثاً ووجوب نفقتها فقال أبو عبيد : زعم قوم أن لا نفقة لها في الثلاث وأن نفقتها في الطلاق غير الثلاث ، فأنكر ذلك منصور وقال : قائل هذا ليس من أهل القبلة ، ثم انصرف منصور فحدث بذلك أبا جعفر الطحاوي فحكاه أبو جعفر لأبي عبيدة فأنكره وبلغ ذلك منصوراً فقال : أنا أكذبه ، واجتمع الناس عند القاضي وتواعدوا لحضور ذلك فلما حضروا لم يتكلم أحد.

فابتدأ أبو عبيد وقال : ما أريد أحداً يدخل علي ما أريد منصوراً ولا نصاراً ولا منتصراً قوم عميت قلوبهم كما عميت أبصارهم يحكون عنا ما لم نقله ، فقال له منصور : قد علم الله أنك قلت كذا وكذا ، فقال أبو عبيد : كذبت ، فقال له منصور : قد علم الله الكاذب ، ونهض فلم يأخذ أحد بيده غير أبي بكر ابن الحداد فإنه أخذ بيده وخرج معه حتى ركب ، وزاد الأمر فيما بينهما وتعصب الأمير ذكا وجماعة من الجند وغيرهم لمنصور وتعصب للقاضي جماعة.

وشهد على منصور محمد بن الربيع الجيزي بكلام سمعه منه يقال إن منصوراً حكاه عن النظام فقال القاضي : إن شهد عليه آخر مثل ما شهد به عليه محمد بن الربيع ضربت عنقه ، فخاف على نفسه ومات في جمادى الأولى من السنة المذكورة ، وخاف أبو عبيد أن يصلي عليه لأجل الجند الذين تعصبوا لمنصور فتأخر عن جنازته لهذا السبب وحضرها الأمير ذكا وابن بسطام صاحب الخراج وأوعظ الناس ولم يتخلف كبير أحد.

وذكر لأبي عبيد أن منصوراً قال عند موته : قضيت نحبي فسر قوم حمقى بهم غفلة ونوم .. كأن يومي علي حتم وليس للشامتين يوم .. تموت قبلي ولو بيوم ونحن يوم النشور توم ، فأطرق أبو عبيد ساعة ثم قال : فقد فرحنا وقد شمتنا وليس للشامتين لوم ، والله أعلم بالصواب “.

39 / كتاب الانتصار

(ابن ولاد) هو اللقب الذي عرفت به عائلة من أشهر النحويين في مصر في القرن الثالث الهجري ، وأولهم هو الوليد بن محمد التميمي المعروف بلقب ولاد المتوفي عام 263 هـ وثانيهم هو ابنه محمد بن الوليد مؤلف كتاب (المنمق في النحو) والمتوفي عام 298 هـ وثالثهم الحفيد وهو أبو العباس أحمد بن محمد بن ولاد المتوفي عام 332 هـ / 944 م والذي جمع علمهم واشتغل بالتأليف والتصنيف واشتهر عند الأمراء والعلماء وهومؤلف كتاب المقصور والممدود وكتاب الانتصار لسيبويه على المبرد.

ويشرح في كتابه الانتصار سبب تأليفه له فيقول : ” كتاب الانتصار أو كتاب نقض ابن ولاد على المبرد في رده على سيبويه في الكتاب ، بسم الله الرحمن الرحيم قال أبو العباس أحمد بن محمد بن ولاد النحوي : هذا كتاب نذكر فيه المسائل التي زعم أبو العباس محمد بن يزيد أن سيبويه غلط فيها ونبينها ونرد الشبه التي لحقت فيها.

ولعل بعض من يقرأ كتابنا هذا ينكر ردنا على أبي العباس وليس ردنا عليه بأشنع من رده على سيبويه فإنه رد عليه برأي نفسه ورأي من دون سيبويه ومع ردنا عليه فنحن معترفون بالانتفاع به لأنه نبه على وجوه السؤال ومواضع الشك إلا أنه إذا تبين الحق كان أولى بنا وأعود بالنفع علينا ، وبالله التوفيق “.

وفي كتابه المقصور والممدود يبين منهجه في علم النحو قائلا : ” بسم الله الرحمن الرحيم قال أبو العباس أحمد بن محمد بن الوليد بن ولاّد : هذا كتاب نذكر فيه المقصور والممدود ما كان منه مقيساً وغير مقيس مؤلفا على حروف المعجم ليقرب وجود الحرف على طالبه ويسهل استخراجه من موضعه.

وابتدأنا في هذا الكتاب بما كان متفرّقاً منثوراً مما لا حدّ له يحصره ولا قياس بجمعه لأنّ طريقه التي يعلم منها السّماع فقط والمسألة عنه أكثر والعناية به من السائل أشدُّ وما كانت هذه حاله فعلى المخبر أن يجعله في أول خبره ويقدمه في صدر كلامه وإن وقع الباب مقصور له نظير من الممدود أو حرف يقصر ويمد قدمناه في أوله ثم نتبعه المقصور الذي لا نظير له من الممدود ثم الممدود الذي هذه سبيله وإذا تمت الحروف ذكرنا ما كان مقيساً من المقصور والممدود ثم تأتي بتثنيته وجمعه وهجائه “.

وقد جاءت ترجمة المؤلف في كتاب معجم الادباء حيث يقول ياقوت الحموي : ” أحمد بن محمد بن الوليد بن محمد يعرف بولاد : من أهل بيت علم ولأبيه وجده ذكر في هذا الكتاب وتراجم في مواضعها ، وكنية أحمد هذا أبو العباس مات فيما ذكره الزبيدي في كتابه سنة اثنتين وثلاثمائة.

قال : وكان بصيرا بالنحو أستاذا فيه ورحل إلى بغداد من موطنه مصر ولقي إبراهيم الزجاج وغيره وكان الزجاج يفضّله ويقدمه على أبي جعفر النحاس وكانا جميعا تلميذيه ، وكان الزجاج لا يزال يثني عليه عند كلّ من قدم إلى بغداد من مصر ويقول لهم : لي عندكم تلميذ من حاله وصفته كذا فيقال له : أبو جعفر النحاس ، فيقول : بل أبو العباس ابن ولاد.

قال : وجمع بعض ملوك مصر بين ابن ولاد وابن النحاس وأمرهما بالمناظرة فقال ابن النحاس لابن ولاد : كيف تبني مثال افعلوت من رميت فقال ابن ولاد : أقول ارمييت ، فخطأه أبو جعفر وقال : ليس في كلام العرب افعلوت ولا افعليت ، فقال أبو العباس : إنما سألتني أن أمثّل لك بناء ففعلت وإنما تغفّله أبو جعفر بذلك.

قال الزبيدي : ولقد أحسن في قياسه حين قلب الواو ياء ، وقد كان أبو الحسن سعيد بن مسعدة الأخفش يبني من الأمثلة ما لا مثال له في كلام العرب ، وله كتاب المقصور والممدود وكتاب الانتصار لسيبويه فيما ذكره المبرد “.

وذكره القفطي في كتابه إنباه الرواة على أنباه النحاة فقال : ” أحمد بن محمد بن الوليد ولّاد أبو العباس النحوىّ التميمىّ المصرىّ أصله من البصرة وانتقل جدّه إلى مصر وهو نحوىّ ابن نحوىّ ابن نحوىّ.

وكان نحوىّ مصر وفاضلها خرج إلى العراق وسمع من أبى إسحاق الزّجّاج وطبقته ورجع إلى مصر وأقام بها يفيد ويصنّف إلى أن مات رحمه الله ، وله سماع كثير وكان يقول : ديوان رؤبة رواية لى عن أبى عن جدّى.

وروى أبو العباس عن أبيه عن جدّه قال : كان رؤبة بن العجّاج يأتى مكتبنا بالبصرة فيقول : أين تميميّنا ؟ فأخرج إليه ولى ذؤابة فيستنشدنى شعره.

ولأبى العباس كتاب الانتصار لسيبويه من المبرّد وهو من أحسن الكتب ، وكان أبو العباس ممّن أتقن الكتاب على الزجّاج وفهمه وكان أبو إسحاق يسأله عن مسائل فيستنبط لها أجوبة يستفيدها أبو إسحاق منه ، وله كتاب المقصور والممدود على حروف المعجم وقد كان قد أملى كتابا فى معانى القرآن وتوفّى ولم يخرج منه إلا بعض سورة البقرة “.

وجاءت ترجمة والده في كتاب معجم الأدباء حيث يقول ياقوت الحموي : ” محمد بن ولاد .. هكذا اشتهر وقيل هو ابن الوليد أبو الحسين التميمي النحوي : أخذ بمصر عن أبي علي الدينوري ختن ثعلب ثم رحل إلى العراق وأخذ عن المبرد وثعلب وكان جيّد الخط والضبط وفيه عرج وغلب عليه الشيب.

وتزوج الدينوري أمه ، وله كتاب في النحو سماه (المنمّق) لم يصنع فيه شيئا.وكتاب المقصور والممدود وغير ذلك ، وكان المبرد لا يمكن أحدا من نسخ (كتاب سيبويه) من عنده فكلم ابن الولاد المبرد في نسخه على شيء سماه له فأجابه فأكمل نسخه وأبى أن يعطيه شيئا حتى يقرأه عليه ، فغضب المبرد وسعى به إلى بعض خدم السلطان ليعاقبه على ذلك فالتجأ ابن ولاد إلى صاحب الخراج ببغداد وكان يؤدب ولده فأجابه ثم ألحّ على المبرد حتى اقرأه الكتاب.

مات ابن ولاد سنة ثمان وتسعين ومائتين وقد بلغ الخمسين ، ومن شعره : إذا ما طلبت أخا مخلصا .. فهيهات منك الذي تطلب .. فكن بانفرادك ذا غبطة .. فما في زمانك من يصحب “.

وذكره القفطي في كتابه إنباه الرواة على أنباه النحاة فقال : ” محمد بن الوليد (والوليد يعرف بولّاد) المصرىّ النحوىّ التميمىّ صاحب التصانيف فاضل كامل نبيل رحل فى طلب النحو إلى بغداد وقرأ كتاب سيبويه على المبرّد.

وكانت له فيه قصة ، كان يأخذ من ابن المبرّد كراسة كراسة ينسخها ويدفع له درهما وذلك خفية من المبرّد لأنه كان يبخل بالكتاب ، فطلب المبرّد يوما بعض الكراريس فلم يجدها وكشف أمرها فوقف على ما جرى فركب إلى صاحب الجيش وذكر له أن رجلا غريبا استغوى ابنه وأخذ بعض كتبه فأحضر ، وكان له صديق له جاه، فسيّر إلى صاحب الجيش ألّا يعرض له إلا بخير فلما عرف موضعه عنّف أبا العباس وقبح له ما جرى فاعتدر بأنه لم يعرفه وأقرأه الكتاب بعد ذلك ، وكان المبرّد لا يقرىء الكتاب إلا بمائة دينار فإذا اجتمعت له من جماعة أو من واحد لم يحضر ذلك غير من وزن.

ولما عاد ابن ولّاد إلى مصر وتصدّر لإقراء العلم وحضرته الوفاة – رحمه الله – أوصى أن يدفن معه كتاب سيبويه ، وصار الكتاب بعد موته إلى ابنه أبى العباس وانتقل بعد موته إلى رجل يعرف بالدقّاق كان جمّاعة للكتب ابتاعه بمائة دينار من ورثة أبى العباس ومات الدقاق فانتقل بعده الكتاب إلى خزانة الوزير أبى الفضل جعفر بن الفضل بن حنزابة بن الفرات وزير الإخشيد “.

وجاءت ترجمة الجد في كتاب إنباه الرواة فقال : الوليد بن محمد التميمىّ المصرىّ أصله بصرىّ ونشأ بمصر ورحل إلى العراق لطلب العلم وسمع عن العلماء وقتا من كتبهم الحسان وعاد إلى مصر ولم يكن بمصر شىء كبير من كتب النحو واللغة قبله.

وقيل إنه خرج فى أوّل أمره إلى مكة فحج وجاء إلى المدينة، فزار قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأى بالمدينة نحويا متصدرا لإفادة النحو وهو المهّلبىّ تلميذ الخليل وهو الذى كان يهاجى عبد الله بن أبى عيينة ولم يكن من الحذّاق بالعربية ، فأخذ عنه ولّاد ما عنده وكان يسمعه يذكر الخليل شيخه فراح ولّاد إلى البصرة وأدرك الخليل بن أحمد ولقيه وأخذ عنه وأكثر بالبصرة وسمع منه الكثير ولازمه.

ثم انصرف إلى الحجاز ودخل مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولقيه معلمه المهلبىّ فناظره فلما رأى منه المدنىّ تدقيق ولّاد للمعانى وتعليله فى النحو قال : لقد ثقبت يا هذا بعدنا الخردل ، وعاد الوليد (ولّاد) بعد ذلك إلى مصر ومعه كتبه التى استفاد علمها وتصدّر بمصر وأفاد “.

أما الدينوري فقد ذكره الزبيدي في كتابه طبقات النحويين واللغويين فقال : ” الدِّينَوَرِيُّ هو أبو علي أحمد بن جعفر قدم مصر وأصله من الدِّينَوَرِ وقدم البصرة فأخذ عن المازني وحمل عنه كتاب سيبويه ثم رحل إلى بغداد فقرأ على أبي العباس المبرد كتاب سيبويه، ثم نزل مصر.

وكان خَتَنَ أبي العباس ثعلب زوج ابنته وكان يخرج من منزل خَتَنِه أبي العباس فيتخطَّى أصحابَه ويمضي ومعه مِحْبَرَتُه ودفتره فيقرأ كتاب سيبويه على أبي العباس المبرد ، فكان يعاتبه أحمد بن يحيى ثعلب على ذلك ويقول : إذا رآك الناس تمضي إلى هذا الرجل وتقرأ عليه يقولون ماذا !! فلم يكن يلتفتُ إلى قوله.

وكان أبو علي حسن المعرفة ، ثم قدم مصر وألَّف كتابًا في النحو سماه المُهذَّب، وجلب في صدره اختلاف البصريين والكوفيين وعزا كل مسألة إلى صاحبها فلم يعتلَّ لواحد منهم ولا احتج لمقالته فلما أمعن في الكتاب ترك الاختلاف ونقل مذهب البصريين وعول في ذلك على كتاب الأخفش سعيد.

وله كتاب مختصر في ضمائر القرآن استخرجه من كتاب المعاني للفراء ولما قدم علي بن سليمان الأخفش مصر خرج عنها أبو علي الدينوري ثم عاد إليها بعد خروج الأخفش إلى بغداد ، وتوفي أبو علي الدينوري بمصر سنة تسع وثمانين ومئتين وعنه أخذ أبو الحسين بن ولاد وغيره “.

40 / الأمانات والاعتقادات

(الأمانات والاعتقادات) هو عنوان الكتاب الذي كتبه الفيلسوف والرابي اليهودي سعيد بن يوسف الفيومي المعروف بلقب (سعديا) والذي ولد في الفيوم في عام 268 هـ / 882 م نسب إليها وتعلم فيها وقضى حياته متنقلا بين مصر وطبرية وحلب والعراق حيث توفي في عام 330 هـ / 942 م ، وفي عام 928 م تم تعيينه رئيسا لمدرسة سورا العراقية (قرية بالقرب من مدينة الحلة الحالية) بأمر رئيس المسبيين داود بن زاكاي المعروف بلقب (رأس الجالوت).

 ومن المعروف بأن رؤساء المدرستين العراقيتين كانوا دائماً من أهل العراق ويعود تاريخ منصب (رئيس المسبيين) إلى فترة الفتح الإسلامي للعراق عندما أعاد المسلمون هذا المنصب لليهود فأنشأت آنذاك مدرستان كبيرتان إحداهما في مدينة سورا والأخرى في بومبيديتا (بالقرب من الفالوجة) ، وكان انتخاب حاخام مصري الأصل رئيساً لمدرسة عراقية حدثاً عظيماً لأنها كانت المرة الأولى التي يحدث فيها ذلك وأطلق في وقتها لقب جاءون بمعنى الرئيس الأعظم على الحاخامين رئيسي المدرستين في العراق.

وتحت قيادته أصبحت مدرسة سورا مقراً علمياً كبيراً لحاخامات اليهود لكن بعد فترة  نشب خلاف بينه وبين داود بن زكاي بسبب تأليف كتابه هذا الذي يعد أول كتاب فلسفي يتناول قضية التوحيد والعقيدة في اليهودية باللغة العربية حيث اعترض عليه لتأثره بالمعتزلة ، وأصر سعيد على آرائه فاتهم بمخالفة الشريعة الموسوية تملقا للمسلمين ، وتجمهر عوام اليهود ضده ورجموا داره بالحجارة ونادوا بسقوطه فاستقال من منصبه وبقي في بيته بضع سنين يترجم أسفار (العهد القديم) من العبرية إلى العربية ويضع عليها شرحا بالعربية وعرف باسم (كتاب التاج).

وفي مقدمة كتابه يشرح أسباب تأليفه له فيقول : ” لماذا ألفت هذا الكتاب ؟ .. فلما وقفت على هذه الأصول وسوء فروعها أوجعني قلبي لجنسي جنس الناطقين واهتزت نفسي لأمتنا بني إسرائيل مما رأيته في زماني هذا من كثير من المؤمنين إيمانهم لا خالص واعقادهم غير صحيح وكثير من المبطلين يتظاهرون بالفساد وقد ظلوا على أهل الحق وهم يضلون ، ورأيت الناس كلهم قد غرقوا في بحار الشكوك وقد غمرتهم أمواء اللبوس ولا خائض يصعدهم من أعماقها ولا سابح يأخذ بأيديهم فيعبرونها ، وكان عندي مما علمني ربي ما أجعله لهم سندا وفي وسعي مما رزقني ما أضعه لهم رفدا ، رأيت إسعافهم به علي واجب وإرشادهم إليه لي لازم “.  

ذكره ابن النديم في كتابه الفهرست وذلك تحت عنوان الكلام على التوراة التي في يد اليهود وأسماء كتبهم وأخبار علمائهم ومصنفيهم فقال : ” ومن أفاضل اليهود وعلمائهم المتمكنين من اللغة العبرانية ويزعم اليهود أنها لم تر مثله الفيومي واسمه سعيد ويقال سعديا وكان قريب العهد وقد أدركه جماعة في زماننا.

وله من الكتب كتاب المبادى كتاب الشرائع كتاب تفسير أشعيا كتاب تفسير التوراة نسقا بلا شرح كتاب الأمثال وهو عشر مقالات كتاب تفسير أحكام داود كتاب تفسير النكت وهو تفسير زبور داود عليه السلام كتاب تفسير السفر الثالث من النصف الآخر من التوراة مشروح كتاب تفسير كتاب أيوب كتاب إقامة الصلوات والشرائع كتاب العبور وهو التاريخ “.

وكتب عنه بالتفصيل الدكتور عبد الوهاب المسيري في كتابه موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية فقال : ” سعيد بن يوسف الفيومي ويُدعى أيضاً (سعديا جاءون) وُلد في مصر (في قرية أبو صوير بالفيوم) وتلقى في قريته تعليماً عربياً فتوفر له العديد من المعارف العربية الإسلامية في عصره كما درس الكتاب المقدَّس والتلمود ثم توجَّه إلى فلسطين حيث أكمل دراسته ، وقد بدأ في وضع مؤلفاته في سن مبكرة فذاعت شهرته وحينما ذهب إلى العراق عُيِّن في حلقة سورا التلمودية.

وتعود أهمية سعيد بن يوسف إلى أنه ظهر في وقت كانت اليهودية الحاخامية تعاني فيه أزمة حقيقية نتيجة انتشار الإسلام وازدهار الحضارة الإسلامية بكل معارفها بوتيرة سريعة الأمر الذي أدَّى بالكثير من اليهود إلى اعتناق الدين الجديد أو الشك في دينهم أو محاولة إصلاحه كما يتبدَّى في اليهودية القرّائية التي رفضت التلمود ومفهوم الشريعة الشفوية.

ومن مظاهر هذه الأزمة أيضاً إعلان الحاخام هارون بن مائير عام 921 أن التقويم اليهودي الذي تصدره حلقات العراق خاطئ محاولاً بذلك تأكيده أهمية المركز الفلسطيني مقابل المركز العراقي ، ومن هنا فقد أصدر الحاخام هارون تقويماً فلسطينياً الأمر الذي أدَّى إلى انقسام الجماعات اليهودية فكان الاحتفال بالأعياد يتم في أيام مختلفة ، وقد تمكَّن سعيد من الرد على قيادة المركز الفلسطيني استناداً إلى معرفته بعلم الفلك.

وقد كانت حياة سعيد عاصفة فبعد استقراره في العراق عُيِّن رئيساً (جاءون) لحلقة سورا التلمودية ثم نشبت معركة بينه وبين رأس الجالوت وقد ألَّف في هذه المرحلة كتاب الأمانات والاعتقادات الذي ألَّفه بالعربية (ثم تُرجم إلى العبرية فيما بعد بعنوان أمونوت وديعوت) ، وهو كتاب يهدف إلى الرد على القرّائين وإلى جعل اليهودية عقيدة مقبولة لليهود المتعلمين من خلال تقديم تفسير عقلاني لها.

ويبدو أنه كان يهدف أيضاً إلى تقديم عقائد اليهودية للعالم الإسلامي فاتبع في مؤلفه هذا أسلوب المتكلمين الإسلاميين ومنهجهم كما مزج التوراة بالحكمة اليونانية حسب قواعد علم الكلام ، وقد كان سعيد بن يوسف يرى أنه لا يوجد أي صراع بين العقل والوحي ، كان سعيد بن يوسف جزءاً من الخطاب الحضاري العربي الإسلامي ولذا فلم يكن يجد أي حرج في الإشارة للتوراة باعتبارها (الشريعة) وللعهد القديم باعتباره (قرآناً) والاتجاه نحو القدس أثناء الصلاة بأنه (قبلة) أما المرتل (حزان) فكان يشير له بأنه (الإمام).                

ويُعَدُّ سعيد أول من وضع فلسفة دينية يهودية متكاملة حول أسس العقيدة اليهودية فقد كانت هذه العقيدة من قبل مجموعة من الممارسات والفتاوى التي تَصدُر حسب الحاجة ، وقد لخص سعيد العقيدة اليهودية في تسعة مبادئ (الإله خلق العالم من العدم ـ الإيمان بوحدة الإله وعدالته ـ حرية الإرادة ـ الثواب والعقاب ـ خلود الروح ـ البعث ـ خلاص يسرائيل ـ الخلود في الآخرة ـ صفات الإله مطابقة لذاته ولا يمكن فصلها) .

وفي هذا وفي غيره من الأفكار يتضح تأثير الفكر الديني الإسلامي بشكل عام والمعتزلة بوجه خاص وبخاصة في قبولهم خمسة مبادئ عُرفت باسم الأصول : التوحيد ـ العدل ـ الوعد والوعيد (أي الثواب والعقاب) ـ المنزلة بين المنزلين ـ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والإله حسب تصوُّر سعيد الفيومي هو وحده مصدر الحق، ولكن الحق الذي يرسل به يتفق مع ما قد يتوصل إليه العقل ، وقد أكد سعيد بن يوسف أن الإيمان بعقيدة موسى لا يستند إلى الإيمان بالمعجزات التي أتى بها وإنما يستند إلى الإيمان بالقيمة الأخلاقية الذاتية لهذه العقيدة.

وقسَّم سعيد وصايا اليهود إلى وصايا أخلاقية وأخرى احتفالية امتزجت معاً الأمر الذي يعطي ـ في تصوُّره ـ مزية تنفرد بها تجربة اليهود الدينية ، وسعيد بن يوسف هو أول من ترجم العهد القديم إلى العربية كما كتب تفسيراً لمعظم أجزائه وهو ما جعله متاحاً للجماهير اليهودية التي كانت لا تعرف العبرية ، ويُعَدُّ سعيد من أوائل الذين درسوا اللغة العبرية دراسة منهجية كما أنه نظم بعض الأشعار للصلوات اليهودية وألَّف كتاب صلوات يهودية (سدور) ا.هـ “.

وقد جاء ذكر مؤلفاته وجهوده اللغوية بالتفصيل في كتاب البحث اللغوي عند العرب حيث يقول مؤلفه أحمد مختار عمر : ” وفي القرن العاشر الميلادي نجد عالمًا كبيرًا سبق أن أشرنا إلى اسمه وهو سعيد الفيومي الذي أنتج أعمالًا يدخل بعضها في عداد النحو وبعضها الآخر في عداد المعاجم ، والتأثير العربي واضح عليه لأنه في أول عمل أنتجه وكان له من العمر 21 سنة أشار إلى عناوين مؤلفات الكتاب العرب الذين عالجوا فصاحة الأسلوب.

وتتلخص جهود سعيد الفيومي فيما يأتي : عمل معجم يسمى Agron ، وقد اجتاز تأليف هذا المعجم مرحلتين اثنتين ، فقد ظهر أولًا في شكل معجم عبري خالص مرتب ترتيبًا هجائيًّا تبعًا لبدايات الكلمات ونهايتها وكل مادة كانت توضح باقتباسات من الكتب المقدسة ، وكان غرض المؤلف مساعدة الشعراء الدينيين في نظم القصائد من النوع المسمى Acrostics وفي العثور على قواف مناسبة لقصائدهم.

ومن سوء الحظ أن قدرًا صغيرًا منه فقط قد حفظ لنا وبذا لا يمكننا أن نكون فكرة كبيرة عن محتوياته ولكننا نملك المقدمة العبرية التي تعطينا بعض المعلومات الهامة ، وفي هذه المقدمة تحدث المؤلف عن موضوعات أساسية مثل تكوين الكلمات من جزءين يعد واحد منهما أساسيًّا والآخر إضافيًّا والجزء الإضافي يقوم بوظيفة الجمعية والملكية والزمن في حين يبقى الجزء الأساسي من الكلمة غير متغير.

ويبدو أن سعيد الفيومي قد أحس بنوع من عدم الرضا عن عمله ولذا نجده فيما بعد يلبسه ثوبًا جديدًا ويظهره في شكل آخر إذ قام بإضافة ترجمة عربية للكلمات موضوع البحث كما كتب مقدمة عربية ووضع له عنوانًا جديدًا هو (كتاب الشعر) ، تمثلت اهتمامات سعيد فيما بعد في جمعه لرسائل نحوية اثنتي عشرة تحت عنوان (كتب في اللغات) وقد ضاع هذا المجموع فيما عدا بعض اقتباسات منه بقيت في كتاب آخر له شرح فيه (كتاب الخليقة).

شرح (كتاب الخليقة) : وفي هذا الشرح ناقش الأصوات الحلقية Guttural في أماكنها المتعددة في الكلمات والتغيرات المنطقية التي تلحقها حينما ترفض أي نوع من التضعيف وهو في بحثه هذا لم يكن مسبوقًا لأن هذه الأصوات لم يوجه لها اهتمام خاص في اللغة العربية ، كذلك أخرج سعيد عملًا معجميًّا ثانيًا يتمثل في قائمة مفرداته للكلمات التي وردت في الكتاب المقدس مرة واحدة ، والمفردات في هذه القائمة ليست مرتبة بأي شكل وقد أضيفت إليها تعليقات وشروح وترجمة عربية لبعض الكلمات “.