عصر الفاطميين الجزء الخامس

41 / جواب المسائل العشر 

شهدت العواصم الإسلامية الثلاث بغداد والقاهرة وقرطبة منافسة شرسة في كافة المجالات وعلى رأسها الكتابة والتأليف حيث كان يسعى كل من العباسيين والفاطميين والأمويين لاجتذاب النوابغ من الأدباء والشعراء والمؤلفين والنحويين ، ومن أشهر هذه المنافسات ما كتبه أحد علماء النحو في العراق بعنوان (المسائل العشر المتعبة للحشر) تحدى فيها معاصريه في عشرة مسائل نحوية غاية في التعقيد ليقوم بالرد عليه عالم مصري بكتاب تحت عنوان (جواب المسائل العشر).

أما صاحب المسائل فهو العالم العراقي الحسن بن صافي النحوي المعروف بلقب ملك النحاة الذي ولد في بغداد وأقام في واسط  والذي وصفه العماد الكاتب فقال : ” كان من الفضلاء المبرزين وبرع في النحو حتى صار أنحى أهل زمانه وكان فهمًا فصيحًا ذكيًا إلا أنه كان عنده عجب بنفسه وتيه لقب نفسه ملك النحاة وكان يسخط على من يخاطبه بغير ذلك ، وله مصنفات كثيرة في الفقه والأصلين والنحو وله ديوان شعر ومدح النبى صلى الله عليه وسلم بقصيدة وتوفي بدمشق سنة 568 هـ “.

وأما صاحب الرد المفحم فهو عالم النحو المصري أبو محمد عبد الله بن أبي الوحش بَرِّي بن عبد الجبار بن بَرِّي الذي ولد في مصر عام 499 هـ / 1105 م وتوفي فيها عام 582 هـ / 1187 م وينحدر من أسرة مهاجرة من القدس ، وعرف بكثرة الاطلاع على المصنفات والكتب حيث كان أبوه يعمل وراقا فاهتم بعلم الحديث والنحو وأخذ عن شيوخ عصره مثل ابن القطاع والسعيدي وابن السراج وأبي طالب القرطبي ، وعمل في ديوان الإنشاء وكتب عدة كتب منها كتاب الاختيار في اختلاف أئمة الأمصار وكتاب غلط الضعفاء من الفقهاء وكتاب شرح أدب الكاتب لابن قتيبة وكتاب التنبيه والإيضاح عما وقع في كتاب الصحاح.

وهو يشرح في مقدمة كتابه سبب كتابته هذه الردود فقال : ” بسم الله الرحمن الرحيم صلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم ، وقف عبد الحضرة السامية أطال الله بقاءها في سعد مشرقة آفاقه وعز يتسع مدى الزمان نطاقه وأدام تأييد العلوم ببقائها وإعزاز الفضائل بحراسة علائها ومحا صورة الجهل بكونها في الوجود وجعل الزمان لمعاليها من أعدل البينات لها والشهود ، على الأوراق المشتملة على المسائل النحوية وما يبينها من الأجوبة الملكية وتصفح ما تضمنت من دقائق معانيها ووقف على الجوهر المودع فيها.

فوجد كلام مؤلفها كلام من يتعاظم عجبا وصلفا ويطرح أقوال العلماء استصغارا وأنفا قد تيقن أنه في الفضلاء يتيمة عقدها وضياء زندها وأنه علامة زمانه الذي وقع الإجماع عليه وأشير في المحافل إليه بأنه الحاوي لفنون الآداب والمشهور فضله عند ذوي الألباب ، وهو ـ لعمر الله ـ متعلق منه بأضعف الأسباب يرى أنه قد طال العلماء بطائل علمه وأربى على الفهماء بثاقب فهمه وهو مع ذلك يسقط فيما تسقط فيه الأفهام الكليلة ويقطع بحدسه فيما تنبو عنه الخواطر الصقيلة لا يقنع بما حوته دفاتره دون ما سمحت به خواطره ليبين بذلك عن مقدار فضله ولتشهد العقول لأبي تمام بتصديق قوله : (يقول من تقرع أسماعه .. كم ترك الأول للآخر).

وقد أجبت عن أوهامه في هذه المسائل بما أحاط به علمي واتسع له فهمي وأظهرت ما خفي عليه معناه وبينت غلطه الذي ركب فيه هواه وسلكت فيه مسلك التحقيق والله أسأل في ذلك حسن التوفيق “.

 وقد ذكره القفطي في كتابه إنباه الرواة على أنباه النحاة فقال : ” عبد الله بن برىّ بن عبد الجبار بن برىّ النحوىّ اللغوىّ المصرى المولد والمنشأ المقدسىّ الأصل ، سلفه من القدس وولد هو بمصر سنة تسع وتسعين وأربعمائة وبها نشأ وقرأ العربية على مشايخ زمانه من المصريين والقادمين على مصر وحصل له من ذلك ما لم يحصل لغيره وانفرد بهذا الشأن وقصده الطلبة من الآفاق.

وكان جمّ الفوائد كثير الاطلاع عالما بكتاب سيبويه وعلله وبغيره من الكتب النحوية قيّما باللغة وشواهدها ، وكان إليه التصفح فى ديوان الإنشاء لا يصدر كتاب عن الدولة إلى ملك من ملوك النواحى إلا بعد أن يتصفّحه ويصلح ما لعلّه فيه من خلل خفى ، وكان ينسب إلى الغفلة فى غير العلوم العربية حتى ما يقوم بمصالح نفسه ويحكى عنه حكايات فى التغفل أجلّه عنها وعن ذكر شىء منها ، وكانت كتبه فى غاية الصّحة والجودة وإذا حشّاها أتى بكل فائدة.

ورئى جماعة من تلاميذه متصدّرين متميزين وأكثر الرؤساء بمصر استفادوا منه وأخذوا عنه ، وكان قليل التصنيف لم يشتهر له شىء سوى مقدّمة سماها اللّباب وجواب المسائل العشر التى سأل عنها أبو نزار ملك النحاة وحاشيته على كتاب الصّحاح فإنها نقلت عن أصله وأفردت فجاءت ستة مجلدات وسماها من أفردها التنبيه والإيضاح عما وقع فى كتاب الصّحاح  ، ولما مات – رحمه الله – وأبيعت كتبه حضرها الجمّ الغفير من الأجلّاء بمصر فى ذى القعدة سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة “.

وذكره ابن فضل الله في كتابه مسالك الأبصار فقال : ” ابن برّي .. واسمه عبد الله بن برّي بن عبد الجبار بن برّي النحوي اللغوي المصري ، دخل في خدمة الخلفاء على طريقة ابن بابشاذ ورفعت به مصر رأسها على بغداذ ، وكان من بيت المقدس تربته ومن الأقصى بها غربته على أن واديه المقدس كان أوطانه إليه وأوطاره ولو خلع شراك جبينه قبل نعليه بلغ بعد فراق بيت المقدس غاية في اللسان العربي ورحل عن الطور فنودي من جانبه الغربي إلّا أنه ما خلا ممّن تكلّم ورماه بسهامه وما تألم إلّا أنه كان منغمسا في غمار الغفلة وبعد الذهن الذي ما فيه قلّة وتعوذ بالله من خلل النسا ولعب السفلة بالرؤساء أرادت تهذيب أخلاقه فغدرته من مخ جحش شويا كما حفظت قدرة للثرى كذا رفعت قربة للثريا.

ولد بمصر سنة تسع وتسعين وأربعمائة وقرأ على مشايخ زمانه وانفرد بهذا الشأن وقصده الطلبة من الآفاق ، وكان عالما بكتاب سيبويه وعلله قيمّا باللغة وشواهدها ، وكان إليه التصفّح في ديوان الإنشاء لا يصدر كتاب عن الدولة إلى ملوك النواحي إلّا بعد أن يتصفّحه ويصلح ما فيه من خلل خفيّ وهذه كانت وظيفة ابن بابشاذ ، وكان ينسب إلى الغفلة في غير العربية وتجلّى عنه حكايات وتصدّر غير واحد من أصحابه وبرع.

وكان قليل التصنيف له مقدّمة سمّاها اللباب وجواب المسائل العشر التي سأل عنها أبو تراب ملك النحاة وحاشيته على صحاح الجوهري فإنها أفردت فجاءت ستة مجلّدات ، قال ابن خلكان : ورأيت له حواشي على درّة الغوّاص في أوهام الخواص للحريري ، وله جزء لطيف في أغاليط الفقهاء وله الردّ على ابن الخشاب في الكتاب الذي بيّن فيه غلط الحريري في المقامات وانتصر للحريري وما أقصر فيما عمله ، وتوفي بمصر في شوال سنة اثنتين وثمانين وخمسمئة.

وكان وسخ الثوب رديء الهيئة واللبسة يحكي عنه المصريون عجائب منها : أنه اشترى لحما وخبزا وبيضا وحطبا وحمل الجميع في كمّه وجاء إلى منزله فوجد أهله قد ذهبوا لبعض شأنهم والباب مغلقا فتقدّم إلى كوّة هناك تفضي إلى داره فجعل يلقي منها الشيء بعد الشيء، ولم يفكر في تكسير البيض وأكل السنانير اللحم والخبز إذا خلت به ، ومنها أنه اشترى عنبا وجعله في كمّه وحادث بعض أصحابه وجعل يعبث بالعنب حتى سال على رجليه فقال لصاحبه : نجي المطر ؟ فقلت : لا ، فقال : فما هذا الذي سقط على رجلي ؟ قال : فأملته ، فإذا هو العنب ، فاخبرته فخجل واستحيا ومضى.

ويحكون عنه من الحذق وحسن الجواب عمّا يسأل عنه ما يعجب ، وله نسختان الجامع بين الأضداد ويحكى عنه أنه كان لا يتكلف في كلامه ولا يتقيد في الإعراب بل يسترسل في حديثه كيفما اتّفق حتى قال يوما لبعض تلامذته ممن يشتغل عليه : اشتر لي هندباء بعروقو ، فقال له التلميذ : بعروقو ، فعزّ عليه كلامه وقال له : لا تأخذه إلّا بعروقو ، وإن لم يكن بعروقو لا تأخذه وكانت له ألفاظ من هذا الجنس لا يكترث بما يقوله ولا يتوقف على إعراب “.

وترجم له ابن خلكان في كتابه وفيات الأعيان فقال : ” ابن بري .. أبو محمد عبد الله بن أبي الوحش بري بن عبد الجبار بن بري المقدسي الأصل المصري الإمام المشهور في علم النحو واللغة والرواية والدراية ؛ كان علاّمة عصره وحافظ وقته ونادرة دهره أخذ علم العربية عن أبي بكر محمد ابن عبد الملك الشنتريني النحوي وأبي طالب عبد الجبار بن محمد بن علي المعافري القرطبي وغيرهما وسمع الحديث على أبي صادق المديني وأبي عبد الله الرازي وغيرهما واطلع على أكثر كلام العرب.

وله على كتاب (الصحاح) للجوهري حواشٍ فائقة أتى فيها بالغرائب واستدرك عليه فيها مواضع كثيرة وهي دالة على سعة علمه وغزارة مادته وعظم اطلاعه ، وصحبه خلق كثير اشتغلوا عليه وانتفعوا به ومن جملة من أخذ عنه أبو موسى الجزولي صاحب المقدمة في النحو وذكره في مقدمته ونقل عنه في آخرها ، وكان عارفاً بكتاب سيبويه وعلله وكان إليه التصفح في ديوان الإنشاء لا يصدر كتاب عن الدولة إلى ملك من ملوك النواحي إلا بعد أن يتصفحه ويصلح ما لعله فيه من خلل خفي وهذه كانت وظيفة ابن بابشاذ.

ولقيت بمصر جماعة من أصحابه وأخذت عنهم رواية وإجازة ؛ ويحكى أنه كانت فيه غفلة ولا يتكلف في كلامه ولا يتقيد بالإعراب بل يسترسل في حديثه كيفما اتفق حتى قال يوماً لبعض تلامذته ممن يشتغل عليه بالنحو : اشتر لي قليل هندبا بعروقو ، فقال له التلميذ : هندبا بعروقه ، فعز عليه كلامه وقال له : لا تأخذه إلا بعروقو وإن لم يكن بعروقو فما أريده ، وكانت له ألفاظ من هذا الجنس لا يكترث بما يقوله ولا يتوقف على إعرابها.

ورأيت له حواشي على (درة الغواص في أوهام الخواص) للحريري وله جزء لطيف في أغاليط الفقهاء وله الرد على أبي محمد ابن الخشاب في الكتاب الذي بيَّن فيه غلط ابن الحريري في المقامات وانتصر لابن الحريري وما أقصر فيما عمله ، وكانت ولادته بمصر في الخامس من رجب سنة تسع وتسعين وأربعمائة وتوفي بمصر ليلة السبت السابعة والعشرين من شوال سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة رحمه الله تعالى ، وبرِّي بفتح الباء الموحدة وتشديد الراء المكسورة وبعدها ياء وهو اسمٌ علمٌ يشبه النسبة “.

42 / الاعتبار

كتاب الاعتبار هو المذكرات الشخصية للشاعر والفارس العربي المشهور مؤيد الدولة مجد الدين أبي المظفر أسامة بن مرشد بن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ الكناني الذي ولد في شيزر شمالي حماه عام 488 هـ / 1095 م وتوفي في دمشق عام 584 هـ / 1188 م حيث عاش حتى جاوز التسعين بسنوات ، وهو ينحدر من أسرة تنتمي لقبيلة كلب القضاعية كانت تحكم قلعة شيزر وعرف أبناؤها بالفروسية والشجاعة واشتهروا بالجهاد ضد البيزنطيين والصليبيين كما برعوا في مجال الشعر والأدب.   

حارب أسامة بن منقذ مع أسرته في شيزر ثم حارب تحت قيادة الأمير عماد الدين زنكي في الموصل ثم معين الدين أنر في دمشق ثم العادل ابن السلار في مصر ثم عاد إلى دمشق وقاتل تحت راية نور الدين زنكي وأخيراً مع صلاح الدين الأيوبي حيث كان يُعينه بمشورته بعد أن كبر ، وبسبب علاقته بكل حكام عصره من المسلمين والصليبيين لعب دورا كبيرا في التواصل بينهم جميعا فكان أشهر سفير في عصره كما أنه كتب بالتفصيل عن طبائع الفرنجة وعاداتهم ومكانة الفرسان والفروسية عندهم.

وقد وفد ابن منقذ على مصر في عام 539 هـ في عهد الخليفة الحافظ لدين الله الذي قربه وأكرمه ومنحه إقطاعا في كوم أشفين بالقرب من قليوب حيث قضى في مصر عشر سنوات كانت مليئة بالأحداث السياسية والمؤامرات والدسائس حيث قام بنصرة الوزير العادل ابن السلار ضد ابن مصال ثم ساعد عباس الصنهاجي بعد قتله ابن السلار ، وكتب في مذكراته ما وقع من كوارث ومذابح على يد الوزير عباس الذي قام باغتيال الخليفة الظافر وثلاثة من الأمراء الفاطميين وهي الأحداث التي ساهمت في إضعاف الدولة الفاطمية ومهدت لسقوطها.

وقد كتب في كتابه الاعتبار عن استقبال الخليفة له وتقدير مكانته فقال : ” فكان وصولي إلى مصر يوم الخميس الثاني من جمادى الآخر سنة تسع وثلاثين وخمس مائة ، فأقرني الحافظ لدين الله ساعة وصولي فخلع علي بين يديه ودفع لي تخت ثياب ومائه دينار وخولني دخول الحمام ، وأنزلني في دار من دور الأفضل بن أمير الجيوش في غاية الحسن وفيها بسطها وفراشها ومرتبة كبيرة آلتها من النحاس كل ذلك لا يستعاد منه شيء، وأقمت بها مدة إقامة في إكرام واحترام وإنعام متواصل وإقطاع زاج “.

ويحكي عن مؤازرته لابن السلار وتوليه الوزارة بالقوة في عهد الخليفة الظافر بالله فقال : ” ودخل ابن السلار القاهرة ودخل دار الوزارة واتفق الجند على طاعته وأحسن إليهم وأمرني أن أبيت أنا وأصحابي في داره وأفرد لي موضعاً في الدار أكون فيه ، وابن مصال في الحوف قد جمع من لواتة ومن جند مصر ومن السودان والعربان خلقاً كثيراً ، وقد خرج عباس ركن الدين وهو ابن امرأة على بن السلار ضرب خيمة في ظاهر مصر فغدت سرية من لواتة ومعهم نسيب لابن مصال وقصدوا مخيم عباس فانهزم عنه جماعة من المصريين ووقف هو وغلمانه ومن صبر معه من الجند ليلة مخايستهم.

وبلغ الخبر إلى ابن السلار فاستدعاني في الليل وأنا معه في الدار وقال : هؤلاء الكلاب (يعني جند مصر) قد شغلوا الأمير (يعني عباساً) بالفوارغ حتى عدا إليه قوم من لواتة سباحة فانهزموا عنه ودخل بعضهم إلى بيوتهم بالقاهرة والأمير مواقفهم ، قلت : يا مولاي نركب إليهم في سحر وما يضحي النهار إلا وقد فرغنا منهم إن شاء الله تعالى ، قال : صواب أبكر في ركوبك ، فخرجنا إليهم من بكرة وفلم يسلم منهم إلا من سبحت به فرسه في النيل وأخذ نسيب بن مصال وضرب رقبته “.

ويروي ابن منقذ في موضع آخر مهمته القتالية التي قام بها في عهد ابن السلار وهي الدفاع عن مدينة عسقلان ضد الفرنجة حيث كانت تابعة للفاطميين فقال : ” تقدم إلى الملك العادل رحمه الله بالتجهيز للمسير إلى الملك العادل نور الدين رحمه الله وقال : تأخذ معك مالاً وتمضي إليه لينازل طبرية ويشغل الفرنج عنا لنخرج من ها هنا نخرب غزة ، وكان الإفرنج خذلهم الله قد شرعوا في عمارة غزة ليحاصروا عسقلان ، قلت : يا مولاي فإن اعتذر أو كان له من الأشغال ما يعوقه أي شيء تأمرني ؟ ، قال : إن نزل على طبرية فأعطه المال الذي معك وإن كان له مانع فديون من قدرت عليه من الجند واطلع إلى عسقلان أقم بها في قتال الإفرنج واكتب إلي بوصلك لآمرك بما تعمل ، ودفع إلي ستة آلاف دينار مصرية وحمل جمل ثياب دبيقي وسقلاطون ومسنجب دمياطي وعمائم ورتب معي قوما من العرب أدلاء وسرت وقد أزاح علة سفري بكل ما أحتاجه من كثير وقليل “.

ويذكر ابن منقذ بعد ذلك قربه من الوزير عباس الصنهاجي وابنه نصر وذكر تحريض الخليفة الظافر لصديقه نصر ليقتل أباه الوزير فقال : ” وشرع الظافر مع ابن عباس في حمله على قتل أبيه ويصير في الوزارة مكانه وواصله بالعطايا الجزيله فحضرته يوماً وقد أرسل إليه عشرين صينية فضه فيها عشرون ألف دينار ثم أغفله أياماً وحمل إليه من الكسوات من كل نوع وما لا رأيت مثله مجتمعا قبله وأغفله أياماً وبعث إليه خمسين صينية فضه فيها خمسون ألف دينار وأغفله أياماً وبعث إليه ثلاثين بغلا رحلا وأربعين جملا بعددها وغرائرها وحبالها “.

ويحكي عن المذبحة البشعة في قصر الخلافة حيث كان شاهد عيان عليها فقال : ” ونحن في الرواق جلوس وفي القصر أكثر من ألف رجل من المصرين فما راعنا إلا فواج قد خرج من المجلس إلى القاعة وصوت السيوف على إنسان ، فقلت لغلام لي أرمني : أبصر من هذا المقتول ، فمضى ثم عاد وقال : ما هؤلاء مسلمون ! هذا مولاي أبو الأمانة (يعني الأمير جبريل) قد قتلوه وواحد قد شق بطنه يجذب مصارينه  ، ثم خرج عباس وقد أخذ رأس الأمير يوسف تحت إبطه ورأسه مكشوف وقد ضربه بسيف والدم يفور منه وأبو البقى ابن أخيه مع نصر بن عباس فأدخلوهما في خزانة في القصر وقتلوهما وفي القصر ألف سيف مجردة ، وكان ذلك اليوم من أشد الأيام التي مرت بي لما جرى فيه من البغي القبيح الذي ينكره الله تعالى وجميع الخلق “.

ويشرح ابن منقذ ما حدث بعد ذلك فقال : ” وأما الفتنة التي جرت بمصر ونصر فيها عباس على جند مصر فإنه لما فعل بأولاد الحافظ رحمة الله ما فعل جفت عليه قلوب الناس وأضمروا فيها العداوة والبغضاء وكاتب من في القصر من بنات الحافظ فارس المسلمين أبا الغارات طلائع بن رزبك رحمة الله يستصرخون به ، وحشد وخرج من ولايته يريد القاهرة فأمر عباس فعمرت المراكب وحمل فيها الزاد والسلاح والخزانة وتقدم إلي العسكر بالركوب والمسير معه وذلك يوم الخميس العاشر من صفر سنه تسع وأربعين وأمر ابنه ناصر الدين بالمقام في القاهرة وقال لي : تقيم معه “.

ويروي أن الصالح طلائع بن رزيك بعد انتصاره على عباس قد طلب منه التخلي عن الوزير المهزوم والالتحاق به لكن ابن منقذ فضل الرحيل بعد كل هذه الأحداث فقال : ”  ثم سكنت تلك الفتنة وقد أرتاع منها عباس وتحقق عداوة الجند والأمراء وأنه لا مقام له بينهم وثبت في نفسه الخروج من مصر وقصد الشام إلى الملك العادل نور الدين رحمه الله يستنجد به ، والرسل بين من في القصور وبين ابن رزيك مترددة وكان بيني وبينه رحمه الله مودة ومخالطة من حين دخلت ديار مصر فنفذ إلى رسولاَ يقول لي عباس ما يقدر على المقام بمصر بل هو يخرج منها إلى الشام وأنا أملك البلاد وأنت تعرف ما بيني وبينك فلا تخرج معه فهو بحاجته إليك في الشام يرغبك ويخرجك معه فالله الله لا تصحبه فأنت شريكي في كل خير أناله “.

ويصف ابن منقذ أيامه الأخيرة في مصر فقال : ” فلما خرجنا من باب النصر وصلوا إلى الأبواب أغلقوها وعادوا إلى دروبنا نهبونا فأخذوا من قاعة داري أربعين غرارة جمالية مخالطة فيها من الفضة والذهب والكسوات شيء كثير ، وأخذوا من إصطبلي ستة وثلاثين حصاناً وبغله سروجية بسروجها وعدتها كاملة وخمسة وعشرين جملاً وأخذوا من إقطاعي من كوم أشفين مائتي رأس بقر للنشابين ألف شيه وأهراء غلة ، ولما سرنا عن باب النصر تجمعت قبائل العرب الذين استحلفهم وقاتلونا من يوم الجمعة وضحى نهار إلى يوم الخميس العشرين من ربيع الأول فكانوا يقاتلون النهار كله فإذا جن الليل ونزلنا أغفلونا إلى أن ننام ثم يركبونا في مائة فارس ويدفعون خيلهم في بعض جوانبنا ويرفعون أصواتهم بالصياح فما نفر من خيلنا وخرج إليهم أخذوه “.

وقد ظلت المراسلات قائمة بن أسامة بن منقذ والصالح طلائع بن رزيك في مختلف الشئون الأدبية والسياسية وحيث لعب الرجل دوار الوساطة بين الوزير المصري والملك العادل نور الدين محمود في دمشق ، وكتب عدة قصائد مي مدح الوزير منها قوله : (للهِ درُّك مِن فتىً أبدتْ بهِ .. أيامُنا بشرَ الزمانِ العابسِ .. نالَ العُلا حتى أقرَّ بفضلهِ .. وعُلاه كلَّ معاندٍ ومنافسِ) ، وطلب منه نور الدين أن يرد على قصيدة أرسها الصالح طلائع يفخر فيها بجهاده فرد عليه وقال : (أبى اللهُ إلا أن يكونَ لنا الأمرُ .. لِتحيَا بنا الدُّنيا ويفتخرَ العصرُ .. وتخضعَ أعناقُ الملوكِ لعزنا .. ويُرهِبَها منّا على بُعدنا الذِّكرُ).

وفي بلاط نور الدين بدمشق تعرف ابن منقذ على الأمير الشاب صلاح الدين الأيوبي الذي كان صديقا لولده الأمير عضد الدولة أبي الفوارس مرهف بن أسامة بن منقذ ، ويقول عن ذلك الْعِمَاد الكاتب : ” وشاهدت وَلَده عضد الدّين أَبَا الفوارس مرهفاً وَهُوَ جليس صَلَاح الدّين وأنيسه وَقد كتب ديوَان شعر أَبِيه لصلاح الدّين وَهُوَ لشغفه بِهِ يفضله على جَمِيع الدوّاوين ، وَلم يزل هَذَا الْأَمِير الْعَضُد مرهف مصاحباً لَهُ بِمصْر وَالشَّام وَإِلَى آخر عصره وتوطن بِمصْر ” ، وقد قام ولده مرهف في مصر بتجميع ديوان والده الشعري والذي يصل حجمه إلى أربعمائة صفحة وذلك بعد أن انتقل للعيش في مصر هو وأولاده واستقر فيها.

وذكره ياقوت في معجم الأدباء فقال : ” قد رأيت أنا العضد هذا بمصر عند كوني بها في سنتي إحدى عشرة واثنتي عشرة وستمائة وأنشدني شيئاً من شعره وشعر والده .. فارقته في جمادى الأولى سنة اثنتي عشرة وستمائة بالقاهرة يحيا ولقيته بها وهو شيخ ظريف واسع الخلق شائع الكرم جمّاعة للكتب وحضرت داره واشترى مني كتباً ، وحدثني أنّ عنده من الكتب ما لا يعلم مقداره إلا أنه ذكر لي أنه باع منها أربعة آلاف مجلد في نكبة لحقته فلم يؤثر فيها .. وكان السلطان صلاح الدين رحمهُ الله قد أقطعه ضياعاً بمصر فهو يصرّفها في مصالحه وأجراه الملك العادل أخو صلاح الدين على ذلك وكان الملك الكامل بن العادل يحترمه ويعرف له حقه “.

ومن مؤلفات أسامة بن منقذ كتاب العصا وقد أورد فيه شواهد شعرية ونثرية وكتاب البديع في نقد الشعر وكتاب المنازل والديار وهي ترجمة لعائلته وقبيلته ومختصر مناقب عمر بن الخطاب لابن الجوزي ومختصر مناقب عمر بن عبد العزيز لابن الجوزي أيضا وكتاب تاريخ القلاع والحصون وكتاب أخبار النساء وكتاب التاريخ البدري عن غزوة بدر وكتاب ذيل يتيمة الدهر وكتاب نصيحة الرعاة وكتاب التأسي والتسلي وكتاب الشيب والشباب وكتاب النوم والأحلام وكتاب التجائر المربحة والمساعي المنجحة.

43 / ديوان طلائع بن رزيك

شاع في تراجم القدماء والمحدثين عبارة (رب السيف والقلم) للدلالة على الجمع بين أمرين أولهما مجال السياسة والحرب والثاني ميدان الأدب والشعر ، وينطبق هذا الوصف على واحد من أهم وأشهر وزراء الدولة الفاطمية وهو الملك الصالح طلائع بن رزيك الذي جادت قريحته بالشعر فترك ديوانا كبيرا وقد رتبت قصائده وفق القافية حسب أحرف الهجاء ، وفي العصر الحديث قام محمد هادي الأميني بتحقيق الديوان وطبعه في مائة وخمسة وعشرين صفحة ووصفه في مقدمته بلقب (وزير الأدباء وأديب الوزراء).

وقد ولد طلائع بن رزيك في أرمينيا عام 495 هـ / 1102 م وتوفي في القاهرة عام 556 هـ / 1161 م ، وشغف منذ صغره بالقراءة والاطلاع ثم رحل في شبابه إلى العراق حيث مشهد الإمام على بن أبى طالب بالنجف واعتنق مذهب الشيعة الإمامية وتعرّف فى أثناء زيارته على أحد دعاة الفاطميين ويدعى ابن معصوم فأشار عليه بالسفر إلى مصر حيث التحق بالخدمة هناك  وترقى في المناصب وتولى ولاية قوص ثم ولاية أسوان ثم ولاية البهنسا واستقر وقتها في منية ابن خصيب (مدينة المنيا الحالية).

وفي عام 549 هـ استنجد به نساء القصر الفاطمي بعد قيام الوزير عباس الصنهاجي بقتل الخليفة الظافر وإخوته فزحف على رأس جيش كبير ودخل القاهرة وتولى الوزارة ولقب بالملك الصالح (وهو أول من لقب بلقب الملك من الوزراء الفاطميين) ثم لقب بلقب آخر هو (أبو الغارات) بعد جهاده ضد الصليبيين في عدة مواقع ، وقد أفسح في مجلسه لشعراء عصره من مصر وغيرها من البلاد مثل القاضي الجليس والمهذب ابن الزبير وابن قادوس وابن الخلال وعمارة اليمني وابن الدهان الموصلي وساعده ذلك على تصحيح أشعاره وضبطها.   

وصفه العماد الكاتب في كتابه خريدة القصر فقال : ” الصالح أبو الغارات طلائع بن رزيك .. سلطان مصر في زمان الفائز وأول زمان العاضد ، ملك مصر واستولى على صاحب القصر ونفق في زمانه النظم والنثر واسترق بإحسانه الحمد والشكر ، وقرب الفضلاء واتخذهم لنفسه جلساء ورحل إليه ذوو الرجاء وأفاض على الداني والقاصي بالعطاء.

وله قصائد كثيرة مستحسنة أنفذها إلى الشام يذكر فيها قيامه بنصر الإسلام ، وما يصدق أحدٌ أن ذلك شعره لجودته وإحكام مباني حكمته وأقسام معاني بلاغته ، فيقال إن المهذب بن الزبير كان ينظم له وإن الجليس بن الحباب كان يعينه ؛ وله ديوان كبير وإحسان كثير ، ملك سنة تسع وأربعين وفتك به في دهليز القصر في سنة ست وخمسين وخمسمائة بالقاهرة ..

ومن شعر الصالح في الغزل : ومهفهفٍ ثملِ القوام سَرَتْ إلى .. أعطافِهِ النَّشَواتُ من عينيهِ .. ماضي اللحاظِ كأنما سَلَّتْ يدي .. سيفاً غداةَ الروع من جفنيه .. الناسُ طوع يدي وأمري نافذٌ .. فيهمْ وقلبي الآن طوعُ يديه .. فاعجبْ لسلطان يَعُمُّ بعدله … ويجورُ سلطانُ الغرام عليه ..

 ونقلت من دَرْج بخط الصالح بن رزيك قصيدة له أعارنيه ابن أخته مما نظمه سنة خمس وخمسين، أولها : أبى الله إلا أن يكون مؤيّداً .. مدى الدهر منصورَ الديين على العِدَا .. وكم جاهلٍ قد زاده الحلمُ عزةً .. على غيره لما فَسَحْتُ له المَدَى .. فأوردته من راحتي موردَ الندى .. ولما أَسرَّ الغَدْرَ أوردتْهُ الرَّدَى .. وهاجَرَ فاستدرجتُه ودفعتُه .. بحلمي أَناةً وانتظاراً به غَدَا .. عسى هو أن يَصْحو من الجهل أَو يُرَى .. عليه الحسامُ المشرفيُّ مُعَرْبِدَا “.

ويقول عنه المقريزى : كان رجل وقته فضلا وعقلا وسياسة وتدبيرا ، ولم يكن يستر عقيدته الإمامية بل كان يعلنها ويجادل فيها الفقهاء الإسماعيليين وصنف فى ذلك كتابا سماه (الاعتماد فى الرد على أهل العناد) ويقول المقريزي إنه جمع له الفقهاء وناظرهم عليه وكان يجادل أيضا بقوة عن مذهب المعتزلة فى القدر وأن الإنسان حر الإرادة لا مجبر كما يقول القدرية وله فى ذلك قصيدة سماها (الجوهرية فى الرد على القدرية) ..

ويقول الدكتور شوقي ضيف في كتابه تاريخ الأدب العربي : ” وأكثر الديوان المنشور فى مديح آل البيت ورثائهم ورثاء الحسين خاصة ولعل هذا هو سبب النغم الحزين الكثير فى شعره إذ الشيعة دائما محزونون منذ مقتل الحسين وقد اتخذوا يوما يندبونه فيه هو يوم عاشوراء وجعلوا شعارهم السواد وهو سواد يطبع كثيرا من أشعار طلائع بالتشاؤم والتفكير الكثير فى الموت حتى فى يومه البهيج يوم جلوسه فى الوزارة إذ نرى الدنيا تتحول بهجتها أمام عينيه حزنا وشؤما وموتا وإذا هو ينشد حين تربعه فى دست الوزارة : انظر إلى ذى الدار كم .. قد حلّ ساحتها وزير .. ولكم تبختر آمنا .. وسط الصفوف بها أمير .. ذهبوا فلا والله ما .. بقى الصغير ولا الكبير .. ولمثل ما صاروا إلي‍ه .. من الفناء غدا نصير ..

وكثيرا ما كان يرسل ببشائر انتصاراته على الصليبيين إلى صديقه أسامة بن منقذ الشّيزرىّ وكان قد زار مصر وأقام فيها مدة أيام عباس الصهاجى وانعقدت بينه وبين طلائع صداقة فكان يخبره بانتصاراته حتى يستثير نور الدين صاحب حلب لتضييق الخناق على حملة الصليب ، وكانت فرحته بالغة حين انتصر الجيش المصرى بقيادة ضرغام عليهم فى سنة 553 هـ نصرا عظيما وصور ذلك لأسامة فى ميمية استهلها بقوله : ألا هكذا فى الله تمضى العزائم .. وتمضى لدى الحرب السيوف الصّوارم .. وتغزى جيوش الكفر فى عقر دارها .. ويوطا حماها والأنوف رواغم .. خيول إذا ما فارقت مصر تبتغى .. عدا فلها النّصر المبين ملازم “.

وقد ترجم له ابن خلكان في كتابه وفيات الأعيان وذكر عدة قصائد له من ديوانه فقال : ” أبو الغارات طلائع بن رزيك الملقب الملك الصالح وزير مصر ؛ كان والياً بمنية بني خصيب من أعمال صعيد مصر فلما قتل الظافر إسماعيل صاحب مصر سير أهل القصر إلى الصالح واستنجدوا به على عباس وولده نصر المتفقين على قتله ، فتوجه الصالح إلى القاهرة ومعه جمع عظيم من العربان فلما قربوا من البلد هرب عباس وولده وأتباعهما ومعهما أسامة بن منقذ لأنه كان مشاركاً لهما في ذلك على ما يقال.

ودخل الصالح إلى القاهرة وتولى الوزارة في أيام الفائز واستقل بالأمور وتدبير أحوال الدولة وكانت ولايته في التاسع عشر من شهر ربيع الأول سنة تسع وأربعين وخمسمائة ، وكان فاضلاً سمحاً في العطاء سهلاً في اللقاء محباً لأهل الفضائل جيد الشعر وقفت على ديوان شعره وهو في جزأين ، ومن شعره قوله : كم ذا يرينا الدهر من أحداثه .. عبراً وفينا الصد والإعراض .. ننسى الممات وليس يجري ذكره .. فينا فتذكرنا به الأمراض.

ولما مات الفائز وتولى العاضد مكانه استمر الصالح على وزارته وزادت حرمته وتزوج العاضد ابنته فاغتر بطول السلامة ، وكان العاضد تحت قبضته وفي أسره فلما طال عليه ذلك أعمل الحيلة في قتله فاتفق مع قوم من أجناد الدولة يقال لهم أولاد الراعي وتقرر ذلك بينهم وعين لهم موضعاً في القصر يجلسون فيه مستخفين فإذا مر بهم الصالح ليلاً أو نهاراً قتلوه ، فقعدوا له ليلة وخرج من القصر فقاموا ليخرجوا عليه فاراد أحدهم أن يفتح غلق الباب فأغلقه وما علم فلم يحصل مقصودهم تلك الليلة لأمر أراده الله تعالى في تأخير الأجل.

ثم جلسوا له يوماً آخر فدخل القصر نهاراً فوثبوا عليه وجرحوه جراحات عديدة بعضها في رأسه ووقع الصوت فعاد أصحابه إليه فقتلوا الذين جرحوه وحمل إلى داره مجروحاً ودمه يسيل وأقام بعض يوم ومات يوم الاثنين تاسع عشر رمضان سنة ست وخمسين وخمسمائة رحمه الله تعالى ، وكانت ولادته في سنة خمس وتسعين وأربعمائة.

وخرجت الخلع لولده العادل يحيى الدين رزيك يوم الثلاثاء ثاني يوم وفاة أبيه وكنيته أبو شجاع ولما تولى الوزارة لقبوه العادل الناصر .. وكان قد دفن بالقاهرة ثم نقله ولده العادل من دار الوزارة التي دفن بها وهي المعروفة بانشاء الأفضل شاهان شاه ؛ وكان نقله في تاسع عشر صفر سنة سبع وخمسين في تابوت وركب خلفه العاضد إلى تربته التي بالقرافة الكبرى “.

44 / ديوان ابن قادوس

ابن قادوس هو اللقب الذي عرف به القاضي جلال الدين أبو الفتح محمود بن إسماعيل بن حميد الدمياطي الفهري وهو الشاعر المخضرم وكاتب الإنشاء في النصف الأول من القرن السادس الهجري وعرف بألقاب أخرى مثل القاضي المفضل وكافي الكفاة وذي البلاغتين ، ولد في دمياط وتوفي في القاهرة عام 551 هـ / 1156 م ، وله ديوان في مجلَّدين وتناول في شعره المديح والرثاء والهجاء والوصف والغزل والنسيب والمجون والخمريات وألَّف عدداً من الرسائل الأدبية والمناشير الرسمية.

وقد نبغ مبكرا في مجال الشعر فمدح الوزير الأفضل ثم صار من جملة حاشية الخليفة الحافظ وله قصة مشهورة تسبب فيها في مقتل غريمه الشاعر أبي علي الأنصاري ،  ثم التحق بديوان الإنشاء حتى تولى رئاسته مع الموفق بن الخلال وكان من جملة أصحاب الوزير طلائع بن رزيك حيث دافع عن القاضي الجليس عندما هجاه ابن الصياد بأكثر من ألف مقطوعة ، وقصيدته في الدفاع عن القاضي الجليس تُعدُّ من أشهر أعماله كما كانت له مساجلات شعرية ومناكفات مع الشاعر الرشيد بن الزبير.

وقد ذكره ابن أبي الصلت في (الرسالة المصرية) وهو يعدد شعراء مصر في زمنه فقال : ” ومنهم من يقول في معشوق له تمتام وهو محمود بن إسماعيل بن حميد الدّمياطى : تمتمة تمّ غرامي بها .. وعارضٌ عرضني للسقام .. ووفرةٌ همي بها وافر .. وحاجب حجب عنّى المنام ، وله من أبيات يصف الخمر : وبتّ ليلي أرى النار التي سجدت .. لها المجوس من الإبريق تسجد لي “.

وذكره العماد الكاتب في خريدة القصر وذكر عددا من قصائده فقال : ” القاضي أبو الفتح محمود بن إسماعيل بن حميد الفهري وأصله من دمياط وذكره أبو الصلت في رسالته وقال محمود بن إسماعيل الدمياطي ، كاتب الإنشاء بالحضرة المصرية قال القاضي الفاضل توفي سنة إحدى وخمسين وأنشدني له أشعاراً محكمة النسج كالدر في الدرج علق بحفظي من قصدية هائية هذا البيت : (َثَرُ المشيبِ بفَوْدِه وفُؤَادِه .. ألجاه أَنْ يَبْغي لديها الجاها ..

وأنشدني الأمير مرهف بن أسامة بن منقذ له : أَكْرِمْ بقلبي للأحبَّةِ منْزِلا … رَبَعُوا به أَم أَزْمَعُوا مَتَرَحَّلا .. جادتْهُ أَنواءُ الدموعِ فما اغْتَدَى … يوماً لِمنَّاتِ الحَيَا مُتَحَمِّلا .. حفظي لعهدِ الغادرين أَضاعَ لي … قلباً أَقامَ غرامُهُ وتَرَحَّلا .. لا يَبْعُدَنْ زمنٌ مضى لو تُشْتَرى … ساعاتُهُ بالعمر أَجمعَ ما غَلاَ .. أَيَّامَ أَغصانُ القدودِ، قطوفُهَا … تُجنى، وأَقمارُ الملاحة تُجْتَلَى .. ومهفهفٍ لولا سهامُ جفونه … تُصْمِي لأَدْرَكَ عاشقٌ ما أَمَّلا .. كالبدرِ وجهاً والغزالِ تلفُّتاً … والحِقْف ردفاً والقضيب تَمَيُّلا .. ويكادُ من طيبِ المُقَبَّلِ يَنْثَني … عود الأَراك من الثنايا مُبْدلا .. إن كان يحكي البدرَ وجهاً إنه … يحكيه أَيضاً في البروجِ تَنَقُّلاَ “.

وذكر القلقشندي في صبح الأعشى عددا من كتاباته النثرية ومنها وصف موكب الخليفة الفاطمي وجاء فيه : ” وسار أمير المؤمنين والعساكر متتابعة في إثره متوافقة على امتثال أمره قد رفعت السنابك من العجاج سحابا وخيلت جنن الجند للناظرين في البر عبابا والجياد المسمومة تموج في أعنتها وتختال في مراكبها وأجبتها وتسرع فتكسب الرياح نشاطا وتفيد المتعرض لوصفها إفراطا وتهدي لمن يحاول مماثلتها غلوا واشتطاطا وأصوات مرتفعة بالتهليل وأصوات الحديد تسمع بشائر النصر بترجمة الصليل ويكاد يرعب الأرض تزلزل الصهيل “.

ومنها وصفه ليوم وفاء النيل حيث يقول : ” فأولاها بشكر تنشر الآفاق أعلامه واعتداد تحكم بإدراك الغايات أحكامه نعمة يشترك في النفع بها العباد وتبدو بركتها على الناطق والصامت والجماد ، وتلك النعمة النيل المصري الذي تبرز به الأرض الجرز في أحسن الملابس وتظهر حلل الرياض على القيعان والبسابس وترى الكنوز ظاهرة للعيان متبرجة بالجواهر واللجين والعقيان فسبحان من جعله سببا لإنشار الموات وتعالى من ضاعف به ضروب البركات “.

وجاءت تفاصيل عن أعماله في كتاب تاريخ الأدب العربي حيث يقول الدكتورشوقي ضيف : ” ابن قادوس هو أبو الفتح محمود بن إسماعيل الدمياطى المشتهر باسم ابن قادوس ، من شعراء النصف الأول من القرن السادس الهجرى ، ذكره أبو الصلت الشاعر الأندلسى نزيل مصر فى رسالته التى ألفها عن الشعراء المصريين حوالى سنة 510 هـ مما يدل على أن نجمه أخذ يلمع ويتألق فى المحافل الأدبية بالقاهرة منذ هذا التاريخ وله مدائح مختلفة فى الأفضل بن بدر الجمالى المقتول كما مر بنا سنة 515 هـ.

ويبدو أن نجمه ظل يصعد فى الأدب حتى عمل فى الدواوين الفاطمية ومازال يترقّى بها حتى أسندت إليه – مع الموفق بن الخلال – رياسة ديوان الإنشاء ، واستمر يتقلدها حتى نزل به القضاء سنة 551 للهجرة ، ورياسته لهذا الديوان تجعلنا مهيّئين لأن يكون شعره – مثل النثر المصرى الكتابى فى تلك الحقبة – مرصعا بالبديع ، كقوله فى الأفضل : مليك تذلّ الحادثات لعزّه .. يعيد ويبدى والليالى رواغم .. وكم كربة يوم النزال تكشّفت .. بحملاته وهى الغواشى الغواشم .. تشيد بناء الحمد والمجد بيضه .. وهن لآساس الهوادى هوادم ..

وهو فى شعره يتغنى بالخمر وينفذ فى وصفه لها إلى تصاوير بديعة ، ويبدو أنه كثيرا ما كان يشربها مع صحبه فى الأديرة ، يقول : قم قبل تأذين النواقيس .. واجل علينا بنت قسّيس .. عروس دنّ لم يدع عتقها .. إلا شعاعا غير ملموس .. تجلى علينا باسما ثغرها .. فلا تقابلها بتعبيس .. مذهبة اللّون إذا صفّقت .. مذهبة للهمّ والبوس .. نار إلى النار دعا شربها .. وشرّدت بالعقل والكيس .. فى روضة كانت أزاهيرها .. كأنها ريش الطواويس.

وهو يحتسيها مع رفاقه فى بستان دير وهو يعبّ منها متمليا بجمال الطبيعة وهى تجلى عليهم عروسا رشيقة معتقة كأنما لم يبق منها عتقها إلا شعاعا يفرّج الهموم حين يمسّ الحلوق وإنها لذات ثغر باسم بما يطفو عليها من حباب ، وابن قادوس يشربها وهو غير ناس أنها محرمة وأنه يتناولها من يد إبليس وكأنه آمل فى عفو ربه ، وعلى نحو ما كان يمزج بين الخمر والطبيعة محتسبا كئوس النشوة منهما جميعها ، كذلك كان يمزج بينها وبين الغزل فى مثل قوله :

وليلة كاغتماض الطّرف قصّرها … وصل الحبيب ولم تقصر عن الأمل .. بتنا نجاذب أهداب الظلام بها .. كفّ الملام وذكر الصّدّ والملل .. وكلما رام نطقا فى معاتبتى .. سددت فاه بطيب اللثم والقبل .. وبات بدر تمام الحسن معتنقى .. والشمس فى فلك الكاسات لم تفل .. فبتّ منها أرى النار التى سجدت .. لها المجوس من الإبريق تسجد لى .. راح إذا سفك النّدمان من دمها .. ظلّت تقهقه فى الكاسات من جذل .. فقل لمن لام فيها إننى كلف .. مغرى بها مثل ما أغريت بالعذل.

والخمرية بديعه يصوّر فيها ابن قادوس ليلة من أروع ليالى وصاله يعاتب فيها صاحبته مصرحا بما اقتطفا فيها من أزهار الوجد والوله والصبابة بينما شمس الخمر تتفلّت أشعتها من أفلاكها فى الكئوس مشرقة غير غاربة ويشعر كأنها نفس النار التى طالما سجد لها المجوس تسجد له حين تصب من إبريقها فى كأسه ، ويعجب أن يسفك دمها الشارب فتسيل من الدن إلى كأسه غير محزونة بل مستبشرة بل ضاحكة مقهقهة لشدة فرحها وسرورها ، ويقول لعاذله فى شربها كفى عذلا فإننى مولع بها ولوعك باللوم والعذل ، وحسبنا هذه الخمرية وسابقتها لندل على تفوق ابن قادوس فى تصوير الشغف بالخمر إما حقيقة وإما محاكاة لشعراء بغداد من أمثال أبى نواس ومعاصريه “.

45 / ديوان القاضي الجليس

(القاضي الجليس) هو اللقب الذي عرف به الشاعر والأديب أمين الدين أبو المعالي عبد العزيز بن الحسين بن عبد الله الجباب الأغلبي السعدي التميمي ، ولد في جزيرة صقلية عام 490 هـ / 1097 م لأسرة تنحدر من سلالة الأغالبة حكام تونس قبل عصر الفاطميين وتنتمي إلى قبيلة بني تميم العربية المعروفة ، ورحل إلى مصر واجتهد منذ شبابه في التعلم والدراسة وتتلمذ على يد علماء عصره ومنهم خاله الموفق ابن الخلال كبير ديوان الإنشاء في زمنه.

وفي القاهرة التحق بخدمة الخليفة الحافظ لدين الله وعمل مربيا ومؤدبا لأولاده من الأمراء زمنا طويلا ومنهم الخليفة الظافر بعد ذلك ولذلك سمي بالجليس حيث كان من جملة رجال الحاشية المقربين في قصر الخلافة ، وفي عام 549 هـ حدث انقلاب الوزير عباس الصنهاجي على الخليفة الظافر وقتله مع ثلاثة من أمراء البيت الفاطمي فقام القاضي الجليس نيابة عن نساء القصر بمكاتبة والي الصعيد طلائع بن رزيك واستصرخه بقصائد شعرية تفت الأكباد.

وبعد استقرار الصالح طلائع في الوزارة عهد إليه بمهمة تربية الخليفة الطفل الفائز بنصر الله بن الظافر ثم تولى كتابة الإنشاء في ديوان الخلافة ثم كلف بمهمة السفر إلى اليمن ليحمل رسالة من الفاطميين إلى دعاتهم هناك ، وظل مقربا من الوزير الصالح حيث صار من جملة ندمائه في مجلسه الذي حفل بالأدباء والشعراء ، وتوفي في القاهرة عام 561 هـ / 1166 م وترك ديوانا من الشعر طبع حديثا وحققه في العراق الأستاذ الدكتور فهد نعيمة البيضاني.   

وقد ذكره ابن شاكر الكتبي في كتابه فوات الوفيات فقال : ” الجليس بن الجباب عبد العزيز بن الحسين بن الجباب – بالجيم والباء الواحدة المشددة وبعد الألف باء – الأغلبي السعدي الصقلي المعروف بالقاضي الجليس أبو المعالي ؛ قال ابن نقطة : سمي الجليس لأنه كان يعلم الظافر وأخويه أولاد الحافظ القرآن الكريم والأدب وكانت عادتهم يسمون مؤدبهم الجليس ؛ وقال العماد الكاتب : مات سنة إحدى وستين وخمسمائة وقد أناف على السبعين وتولى ديوان الإنشاء للفائز مع الموفق بن الخلال.

وكان القاضي الجليس ابن الجباب كبير الأنف وكان الخطيب أبو القاسم هبة الله ابن البدر المعروف بابن الصياد  مولعاً بأنفه وهجائه وذكر أنفه في أكثر من ألف مقطوع ، فانتصر له أبو الفتح ابن قادوس الشاعر فقال  : يا من يعيب أنوفنا الشم التي ليست تعاب .. الأنف خلقة ربنا وقرونك الشم اكتساب “.

وذكره العماد الكاتب في خريدة القصر فقال : ” القاضي الجليس أبو المعالي عبد العزيز بن الحسين ابن الجباب الأغلبي السعدي التميمي جليس صاحب مصر ، فضله مشهور وشعره مأثور وقد كان أوحد عصره في مصره نظماً ونثراً وترسلاً وشعراً ، ومات بها في سنة إحدى وستين وقد أناف على السبعين ..

وأنشدني له الشريف إدريس الإدريسي قصيدة سيرها إلى الصالح بن رزيك قبل وزارته يحرضه على إدراك ثأر الظافر وكان عباس وزيرهم قتله وقتل أخويه يوسف وجبريل ، يقول فيها : فأين بنو رزيك عنها ونصرهم .. وما لهمُ من منعة وزياد .. فلو عاينتْ عيناك بالقصر يومهمْ .. ومصرعهمْ لم تَكْتَحِلْ برُقَادِ .. تداركْ من الإيمان قبلَ دُثُورِه .. حُشَاشَةَ نَفْسٍ آذنت بنَفَاد .. فمزِّقْ جموعَ المارقين فإنها .. بَقَايا زُرُوعٍ آذنت بحصَادِ.

وله فيه من أخرى في هذه الحادثة : ولما ترامى البربريُّ بجهلهِ .. إلى فتكةٍ ما رامَها قَطُّ رائمُ .. ركبْتَ إليه مَتْنَ عزمتك التي .. بأمثالها تلقَى الخطوبُ العظائم .. وقُدْتَ له الجُرْدَ الخِفَافَ كأنما .. قوائمُها عند الطِّرَادِ قَوادِم .. وتنصُلُ منها والعَجاجُ خضابُها .. هواد لأركان البلادِ هَوادِمُ .. تجافتْ عن الماء القَرَاحِ فريُّها .. دماءُ العِدَا فهي الصواديْ الصوادم .. وقمتَ بحقِّ الطالبيِّينَ طالباً .. وغيرُكَ يُغْضِي دونه ويُسالِمُ .. أَعدت إليهمْ مُلْكَهُم بعد ما لوى .. به غاصبٌ حقَّ الأمانةِ ظالِمُ .. فما غالبٌ إلا بنصرك غالبٌ .. وما هاشمٌ إلا بسيفك هاشم .. فأدْرِكْ بثأرِ الدِّين منه ولم تزلْ .. عن الحقِّ بالبيضِ الرِّقاقِ تُخَاصِمُ.

ورأيت من كلامه في خطبة ديوان الصالح بن رزيك : هو الوزير الكافي والوزير الكافل والملك الذي تلقى بذكره الكتائب وتهزم باسمه الجحافل ، ومن جدد رسوم المملكة وقد كاد يخفيها دثورها وعاد به إليها ضياؤها ونورها .. فقد نشرت أيامه مطوي الهمم وأنشرت رفات الجود والكرم ونفقت بدولته سوق الآداب بعد ما كسدت وهبت ريح الفضل بعد ما ركدت ، إذا لها الملوك بالقيان والمعازف كان لهوه بالعلوم والمعارف وإن عمروا أوقاتهم بالخمر والقمر كانت أوقاته معمورةً بالنهي والأمر “.

وقد تعددت الأغراض الشعرية في ديوان القاضي الجليس فشملت المدح والوصف والغزل والرثاء والفخر والهجاء والحكمة ، فهو يمدح ابن رزيك بقوله : سيوفُكَ لا يُفَلُّ لها غِرارُ .. فنومُ المارقين بها غِرارُ .. يُجَرِّدُها إذا أُحْرِجْتَ سُخْطٌ .. على قومٍ ويُغْمِدُها اغتفار .. طَرِيدُكَ لا يفوتُكَ منه ثارٌ .. وخصمك لا يُقالُ له عِثار .. وفيما نلتَه من كلِّ باغٍ .. لمن ناواك لو عَقَلَ اعتبار .. فمرْ يا صالحَ الأملاكِ فينا .. بما تختارُه، فلَكَ الخيارُ.

ويقول في الغزل : تُرَى أَخْلَسَتْ فيه الفَلاَ بعضَ رَيَّاها .. ففاتَ فتيتَ المسكِ نشْرُ خُزَامَاها .. أَلَمَّتْ بنا والليلُ يُزْهَى بلمة .. دجوجيَّةٍ لم يكتحلْ بعدُ فَوْدَاها .. فأشرقَ ضوءُ الصبحِ وهْو جبينها .. وفاحتْ أزاهيرُ الرُّبا وهْيَ ريَّاها .. إذا ما اجتنتْ من وجهها العينُ روضةً .. سَفَحْتُ خلالَ الروض بالدمع أمواها .. وإني لأَستسقي السحابَ لربعها .. وإن لم تكن إلا ضلوعيَ مأْوَاها .. إذا استعرتْ نارُ الأسى بين أضلعي .. نضحتُ على حرِّ الحشا بردَ ذكراها .. وما بيَ أَنْ يَصْلَى الفؤادُ بحرِّهَا .. ويُضْرَمَ لولا أَنَّ في القلب مأواها.

ويقول في وصف زهرة النرجس : وَفَدَ الربيعُ على العيونِ بنرجسٍ .. يحكي العيونَ فقد حباها نَفْسها .. علقَتْ على استحسانِه أبصارُنَا .. شغفاً إِذِ الأَشياءُ تعشقُ جنسها .. يلهِي ويُؤْنِسُ مَنْ جفاهُ خليلهُ .. كم مِنَّةٍ في أُنْسِهِ لم أَنْسَها .. فارضَ الرياض بزورةٍ تلهو بها .. واحْثُثْ على حَدَقِ الحدائقِ عَكْسَها ، وقال في وصف الخمر : معتقةٌ قد طالَ في الدنِّ حَبْسُهَا .. ولم يَدْعُهَا شُرَّابُها بنتَ عامها .. وقد أشبهتْ نارَ الخيلِ لأَنها .. حكتا لنا في بَرْدِها وسَلاَمِها.

ويقول متفاخرا بقصائده الشعرية وبلاغتها : خُذْهَا إِليكَ بماءِ الطبعِ قد شَرِقَتْ .. لو مازجَ البحرَ منها لفظة عَذُبَا .. جوَّالةٌ بنواحي الأَرضِ مُمْعِنَةٌ .. في السير لا تشتكي أَيْناً ولا نَصَبَا .. ألفاظُها الدُّر تحقيقاً ومن عَجَبٍ .. تُمْلِي على البحرِ درَّ البحر مُجْتَلَبَا ، ويقول في الفخر بنفسه : دعِ البينَ تحدونا حثاثُ ركابه .. فغيريَ من يشجوه صوتُ غرابِهِ .. سأركبُ ظهرَ العزْمِ أو أَرْجِعَ المنى .. برجعةِ موفورِ الرجاءِ مُثَابِهِ .. فإمَّا حياةٌ يسحبُ المرءُ فوقَها .. ذيولَ الغنى والعزِّ بين صحابه .. وإِما مماتٌ في العُلا يتركُ الفتى .. يقالُ ألا للهِ درُّ مُصَابِه.

ومن تأملاته وحكمته قوله : ما كان مِثْلَكَ من تغتالُهُ الغِيَرُ .. لو كان ينفع من ضَرْبِ الرَّدَى الحَذَرُ .. قد أَعلن الدهرُ لكن غالنا صَمَمٌ .. عنه وأنذرنا لو أَغْنَتِ النُّذُرُ .. يَغُرُّنا أَمَلُ الدنيا ويخدعنا .. إن الغُرور بأَطماعِ المُنَى غَرَرُ .. قد كان أنفسَ ما ضنَّتْ يداهُ بهِ .. لو كان يعلمُ ما يأتي وما يَذَرُ .. أغالبُ القولَ مجهوداً وأيسرُ ما .. لَقِيتُه مِن أَذاه العِيُّ والحَصَرُ ، ومنها أشهر أبياته وهي قوله : لا تعجبي من صَدِّهِ ونفارِه .. لولا المشيبُ لكنت من زُوّارِهِ .. لم تترك الستون إذ نزلتْ به .. من عهد صبوتهِ سوى تذكارِه.

46 / ديوان ابن الكيزاني

من أبرز شعراء العشق الإلهي في القرن السادس الهجري واحد من كبار المتصوفين وهو الفقيه الشافعي شمس الدين أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن ثابت الكناني المصري المعروف بلقب (ابن الكيزاني) ، ولد في الفسطاط وتوفي فيها عام 562 هـ / 1166 م ورحل في طلب العلم إلى الحجاز والعراق والشام ثم عاد إلى مصر واستقر فيها ومال إلى مذهب المعتزلة ، وهو كاتب ومُقرِئ وفقيه وأصولي ومحدث وواعظ وشاعر وأسس الطريقة الصوفية الكيزانية التي كانت منتشرة في مصر خلال العصر الفاطمي والأيوبي.

وصفه السخاوي بالزهد والورع فقال : ” كان كثير الإيثار وكان له معمل يرسم القزازة ويأكل من كسبه ويتصدَّق بالباقي وكان يأتيه الطالب لبقرأ عليه فيجده جوعاناً فيطعمه وعرياناً فيكسوه ويعطيه العمامة حتى يجد في نعله شيئاً مقطوعاً فيخرزه بيده ” ، وقد رأى ابن سعيد صاحب كتاب المغرب الذى زار مصر فى العقد الخامس من القرن السابع الهجرى ديوانه يباع بكثرة فى سوق الفسطاط وسوق القاهرة ، يقول القفطى المتوفى سنة 646 هـ : لابن الكيزانى بمصر وسواحل الشام فرق تنتمى إليه فى المعتقد وأكثرهم بحوف مصر.

وقد ترجم له ابن خلكان في وفيات الأعيان فقال : ” الكيزاني ..أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن ثابت بن إبراهيم بن فرح الكناني المقرئ الأديب الشافعي الحامي المصري المعروف بابن الكيزاني الشاعر المشهور ؛ كان زاهدا ورعا وبمصر طائفة ينسبون إليه ويعتقدون مقالته وله ديوان شعر أكثره في الزهد ولم أقف عليه وسمعت بيتا واحدا أعجبني وهو : وإذا لاق بالمحب غرام .. فكذا الوصل بالحبيب يليق ، ويروى له : يا ضنى جسمي تحكم أو فدع .. ليس في السلوان عن ليلى طمع .. عنفوني والهوى يغلبني .. وأطالوا العتب لو كان نفع .. سألوني هل يوافي طيفها .. إنما يعلم هذا من هجع.

 وفي شعره أشياء حسنة ، وتوفي ليلة الثلاثاء التاسع من شهر ربيع الأول وقيل بل توفي في المحرم سنة اثنتين وستين وخمسمائة بمصر ودفن بالقرب من قبة الإمام الشافعي رضي الله عنه، بالقرافة الصغرى ثم نقل إلى سفح المقطم بقرب الحوض المعروف بأم مودود وقبره مشهور هناك يزار وزرته مرارا رحمه الله تعالى ، والكيزاني : بكسر الكاف وسكون الياء المثناة من تحتها وفنح الزاي وبعد الألف نون هذه النسبة إلى عمل الكيزان وبيعها ، وكان بعض أجداده يصنع ذلك والله أعلم “.

وذكره العماد الكاتب في خريدة القصر وذكر عددا كبيرا من قصائده منها ثلاثمائة بيت في الحب الإلهي فقال : ” الفقيه ابن الكيزاني المصري الواعظ الشافعي أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن ثابت بن فرح الأنصاري المعروف بابن الكيزاني .. فقيه واعظ مذكر حسن العبارة مليح الإشارة لكلامه رقة وطلاوة ولنظمه عذوبة وحلاوة.

مصري الدار عالم بالأصول والفروع عالم بالمعقول والمشروع مشهود له بألسنة القبول مشهور بالتحقيق في علم الأصول ، وكان ذا رواية ودراية بعلم الحديث ومعرفة بالقديم مكون الحديث ، إلا أنه ابتدع مقالة ضل بها اعتقاده وزل في مزلقها سداده وادعى أن أفعال العباد قديمة ، والطائفة الكيزانية بمصر على هذه البدعة إلى اليوم مقيمة أعاذنا الله من ضلة الحلم وزلة العلم وعلة الفهم واعتقد أن التنزيه في التشبيه عصم الله من ذلك كل أديبٍ أريب ونبيلٍ نبيه.

وله ديوان شعر يتهافت الناس على تحصيله وتعظيمه وتبجيله لما أودع فيه من المعنى الدقيق واللفظ الرشيق والوزن الموافق والوعظ اللائق والتذكير الرائع الرائق والقافية القافية آثار الحكم والكلمة الكاشفة أسرار الكرم ، توفي بمصر سنة ستين وخمسمائة وهو شيخ ذو قبول وكلام معسول وشعر خال من التصنع مغسول ، ودفن عند قبر إمامنا الشافعي رضي الله عنه ، والكيزانية بمصر فرقة منسوبة إليه ويدعون قدم الأفعال وهم أشباه الكرامية بخراسان.

أنشدني الفقيه أبو الفتح نصر الفزاري الإسكندري ببغداد في ذي الحجة سنة ستين قال : أنشدني ابن الكيزاني وقد دخلت إليه زائراً بمصر في شوال سنة خمس وخمسين لنفسه : إِذا سمِعْتَ كثير المدح عن رجلٍ .. فانظر بأيِّ لسانٍ ظلَّ ممدوحَا .. فإن رَأَى ذاك أَهلُ الفضل فارْضَ لهم .. ما قيل فيه وخُذْ بالقول تصحيحا .. أَوْ لا فما مَدْحُ أَهلِ الجهل رافِعُهُ .. وربما كان ذاك المدح مجروحَا.

واستعرت من الملك الناصر صلاح الدين وقد لقيه قبل أن ملك مصر قطعة بها من شعره في الغزليات وغيرها في الزهديات وأثبت منها هذه المقطوعات فمنها قوله : اصْرِفوا عنّي طَبِيبي وَدَعُوني وَحَبيبي .. عَلِّلوا قلبي بذكراهُ فقد زادَ لهيبي .. طابَ هَتْكي في هواهُ بَيْنَ وَاشٍ ورقيبِ .. لا أُبالي بفَوَات النَّفْسِ ما دامَ نصيبي .. ليسَ مَنْ لامَ وإن أَطْنَبَ فيه بمُصيب .. جَسَدي راضٍ بسُقْمي وَجُفُوني بنَحيبي.

وديوان شعره كبير وقد انتخبنا منه ما صفا وأوردنا ما كفى وهو على هذا النفس والنمط السلس وهو مما انطبع في سمع الطبع وانتظم نظم الودع وتوقد بدهن الذهن ولم يخل مع ذلك من وهن اللحن سهل اللفظ مقبول في سبيل الوعظ يستخلص القبول ويسترقص العقول “.

وقد تناول الدكتور شوقي ضيف عددا من قصائده بالوصف والتحليل في كتابه تاريخ الأدب العربي فقال : ” وتجمع كتب التراجم على أنه كان ورعا زاهدا بل متصوفا متقشفا وقد أنشد له العماد أكثر من ثلاثمائة بيت فى الحب الالهى تسيل عذوبة ورشاقة وخفة من مثل قوله : تلذّ لى فى هوى ليلى معاتبتى … لأنّ فى ذكرها بردا على كبدى .. وأشتهى سقمى أن لا يفارقنى … لأنها أودعته باطن الجسد .. وليس فى النوم لى ما عشت من أرب … لأنها أوقفت جفنى على السّهد .. ولو تمادت على الهجران راضية … بالهجر لم أشك ما ألقى إلى أحد .. اللوم أشبه بى منها وإن ظلمت … أنا الذى سقت حتفى فى الهوى بيدى.

ولو أننا لم نعرف قائل هذا الشعر وأنه من الصوفية لظنناه شاعرا عذريا فهو يشكو الصد والهجر ويرمز عن الذات الإلهية بليلى ويتمادى فى العتاب معلنا سقمه وسهده بل لقد عرض نفسه للموت والهلاك ، وابن الكيزانى مثله مثل شعراء الحب الإلهى جميعا فقد رفعوا كل الحواجز بينهم وبين أصحاب الغزل العذرى معبرين بما فى غزلهم من حسية واضحة عن رموز ومعان صوفية حتى لنرى ابن الكيزانى يقول : أتزعم ليلى أننى لا أحبّها .. وأنّى لما ألقاه غير حمول .. فلا ووقوفى بين ألوية الهوى .. وعصيان قلبى للهوى وعذولى .. لو انتظمتنى أسهم الهجر كلّها .. لكنت على الأيام غير ملول .. ولست أبالى إذ تعلقت حبّها .. أفاضت دموعى أم أضرّ نحولى .. وما عبثى بالنوم إلا تعلّل .. عسى الطيف منها أن يكون رسولى.

وهل من فارق بين هذه الأبيات وأبيات الحب العذرى ؟ إنه ليذكر وقوفه بمعاهد الهوى وعصيانه للعذول أو العواذل وصبره على الهجران الأليم وما يعانى فيه من البكاء والنحيب والسقم والنحول ويأمل فى طيف يزوره فى الحلم ليلا ، ولكن لنحذر هذا الفهم الظاهرى للأبيات فابن الكيزانى إنما يتخذ ذلك كله رموزا عن معانى حبه وهيامه بالذات العلية وهو هيام لا نهائى غير محدود بحس ولا ما يشبه الحس هيام كله لوعة ووجد وجد سماوى علوى يندلع شرره فى كل جسمه وجوارحه وحشاه وهو صابر لا يتألم ولا يشكو بل يجد لذة لا يبلغها وصف فى ألمه حتى ليبذل دمه فى سبيل حبه طائعا مختارا فهو النور الذى يضئ فى جنبات قلبه وفؤاده وهو الخمر الروحانية التى سرت فى شرايينه فلم يعد يملك إزاءها حولا ولا قوة “.

47 / سجلات ابن الخلال

آخر رئيس لديوان الإنشاء في العصر الفاطمي هو الأديب والشاعر أبو الحجاج موفق الدين يوسف بن محمد بن الحسين المصري المعروف بلقب (ابن الخلال) المتوفي في القاهرة عام 566 هـ / 1170 م ، له قصائد شعرية عديدة ومقطوعات كاملة من نثره خاصة المناشير الرسمية وهي موجودة في كتابات الأدباء والمؤرخين اللاحقين وذلك لأن أسلوبه في الكتابة بطريقة السجع قد انتشر في العصور التالية بواسطة تلميذه القاضي الفاضل وذكر العماد الكاتب جملة من قصائده في كتابه خريدة القصر.

قد نقل القلقشندي في كتابه صبح الأعشى مقطوعات من كتاباته النثرية ومنها سجل من الخليفة العاضد للوزير شاور بتوليه الوزارة في المرة الثانية بعد انتصاره على ضرغام وجاء فيه :  ” وراقب الله فيما ألقاه إليك فقد فوض إليك مقاليد البسط والقبض والرفع والخفض ، والولاية والعزل والقطع والوصل ، والتولية والتصريف والصرف والإمضاء والوقف ، والغض والتنبيه والإخمال والتنويه ، والإعزاز والإذلال والإساة والإجمال ، والإبداء والإعادة والنقص والزيادة ، والإنعام والإرغام وكل ما تحدثه تصاريف الأيام وتقتضيه مطالب الأنام ، فهو إليك مردود وفيما علق بنظرك معدود “.

وقد ذكر عمارة اليمني في كتابه النكت العصرية أن ابن الخلال كان رئيس ديوان الإنشاء في وقته فقال : ” وأطلقت لي من دار الضيافة رسوم لم تطاق لأحد من قبلي وتهادتني أمراء الدولة إلى منازلهم للولائم واستحضرني الصالح للمجالسة ونظمني في سلك أهل المؤانسة وانثالت علي صلاته وغمرني برّه ، ووجدتُ بحضرته من أعيان أهل الأدب الشيخ الجليس أبا المعاني ابن الحباب والموفق ابن الخلال صاحب ديوان الإنشاء وأبا الفتح محمود بن قادوس والمهذّب أبا محمد الحسن بن الزبير ، وما من هذه الحلبة أحد إلا ويضرب في الفضائل النفسانيّة والرئاسة الإنسانية بأوفر نصيب ويرمي شاكلة الإشكال فيصيب ، وما زلت أحذو على طرائقتهم وأعرض جذعى في سوابقهم حتى أثبتوني في جرائدهم ونظموني في سلك فرائدهم “.

وجاءت ترجمته في كتاب وفيات الأعيان حيث يقول ابن خلكان : ” الموفق ابن الخلال الكاتب .. أبو الحجاج يوسف بن محمد المعروف بابن الخلال الملقب بالموفق صاحب ديوان الإنشاء بمصر في دولة الحافظ أبي الميمون عبد المجيد العبيدي ومن بعده ؛ قال عماد الدين الكاتب الأصبهاني في كتاب الخريدة في حقه : هو ناظر مصر وإنسان ناظره وجامع مفاخره ، وكان إليه الإنشاء وله قوة على الترسل يكتب كما يشاء ، عاش كثيراً وعطل في آخر عمره وأضر ولزم بيته إلى أن تعوض منه القبر ، وتوفي بعد ملك الملك الناصر مصر بثلاث أو أربع سنين ، وذكر له عدة مقاطيع من الشعر ..

وذكره ضياء الدين أبو الفتح نصر الله المعروف بابن الأثير الجزري ثم الموصلي في الفصل الأول من كتابه الذي سماه (الوشي المرقوم في حل المنظوم) فقال : حدثني القاضي الفاضل عبد الرحيم بن علي البيساني رحمه الله تعالى بمدينة دمشق في سنة ثمان وثمانين وخمسمائة وكان إذ ذاك كاتب الدولة الصلاحية فقال : كان فن الكتابة بمصر في زمن الدولة العلوية غضاً طرياً ، وكان لا يخلو ديوان المكاتبات من رأس يرأس مكاناً وبياناً ويقيم لسلطانه بقلمه سلطاناً ، وكان من العادة أن كلا من أرباب الدواوين إذا نشأ له ولد وشدا شيئاً من علم الأدب أحضره إلى ديوان المكاتبات ليتعلم فن الكتابة ويتدرب ويرى ويسمع.

قال : فأرسلني والدي وكان إذ ذاك قاضياً بثغر عسقلان إلى الديار المصرية في أيام الحافظ وهو أحد خلفائها ، وأمرني بالمصير إلى ديوان المكاتبات وكان الذي يرأس به في تلك الأيام رجلاً يقال له ابن الخلال ؛ فلما حضرت الديوان ومثلت بين يديه وعرفته من أنا وما طلبتي رحب بي وسهل ، ثم قال لي : ما الذي أعددت لفن الكتابة من الآلات فقلت : ليس عندي شيء سوى أني أحفظ القرآن الكريم وكتاب الحماسة فقال : في هذا بلاغ ، ثم أمرني بملازمته فلما ترددت إليه وتدربت بين يديه أمرني بعد ذلك أن أحل شعر الحماسة فحللته من أوله إلى آخره ثم أمرني أن أحله مرة ثانية فحللته ؛ انتهى ما ذكره ابن الأثير.

وقال العماد في الخريدة : أنشدني مرهف بن أسامة بن منقذ قال أنشدني الموفق بن الخلال لنفسه من قصيدة : عذبت ليال بالعذيب حوالي .. وخلت مواقف بالوصال خوالي .. ومضت لذاذات تقضى ذكرها .. تصبي الخلي وتستهيم السالي .. وجلت موردة الخدود فأوثقت .. في الصبوة الخالي بحسن الخال .. قالوا سراة بني هلال أصلها .. صدقوا كذاك البدر فرع هلال ، ولم يزل ابن الخلال بديوان الإنشاء إلى أن طعن في السن وعجز عن الحركة فانقطع في بيته ، ويقال إن القاضي كان يرعى له حق الصحبة والتعليم فكان يجري عليه ما يحتاج إليه إلى أن مات في الثالث والعشرين من جمادى الآخرة سنة ست وستين وخمسمائة رحمه الله تعالى “.

وكان ابن الخلال يحظى بمنزلة رفيعة لدى الخليفة الحافظ لدين الله حيث يقول ابن خلكان : ” وذكر أبو الحسن علي بن ظافر الأزدي المصري في كتاب (بدائع البدائه) أن أبا القاسم ابن هانئ الشاعر المتأخر هجا ابن الخلال المذكور وبلغه هجوه فأضمر له حقداً ، واتفق بعض المواسم التي جرت عادة ملوك مصر بالحضور فيه لاستماع المدائح فجلس الحافظ أبو الميمون عبد المجيد ملك مصر إذ ذاك فأنشده الشعراء ، وانتهت النوبة إلى ابن هانىء المذكور فأنشد وأجاد فيما قاله.

فقال الحافظ للموفق المذكور : كيف تسمع ، فأثنى عليه واستجاد شعره وبالغ في وصفه ثم قال له : ولو لم يكن له ما يمت به إلا انتسابه إلى أبي القاسم بن هانىء شاعر هذه الدولة ومظهر مفاخرها وناظم مآثرها لولا بيت أظهره منه الضجر عند دخوله هذه البلاد ، فقال له الحافظ : ما هو ، فتحرج من إنشاده فأبى الحافظ إلا أن ينشده وفي أثناء ذلك صنع بيتاً وهو : (تباً لمصر فقد صارت خلافتها .. عظماً تنقل من كلب إلى كلب) فعظم ذلك على الحافظ وقطع صلته وكاد يفرط في عقوبته والله أعلم “.

48 / ديوان القاضي المهذب

(القاضي المهذب) هو اللقب الذي عرف به الشاعر أبو محمد الحسن بن علي بن إبراهيم بن الزبير الغساني الأسواني ، ولد في أسوان لأسرة تنحدر من قبيلة غسان العربية المعروفة وتوفي في القاهرة عام 561 هـ / 1166 م ، وكان المهذب وأخوه الرشيد من أكبر شعراء مصر في القرن السادس الهجري حيث رحلا من أسوان إلى القاهرة وارتقيا في مناصب الدولة حتى بلغا مرتبة القضاء وجالسا الوزراء والأمراء ، وحظي المهذب بصحبة الوزير الصالح طلائع بن رزيك الذي قربه وجعله من أخص ندمائه.

ذكره العماد الكاتب في كتابه خريدة القصر وجريدة العصر فقال : ” المهذب أبو محمد الحسن بن علي بن الزبير .. هو أخو الرشيد محكم الشعر كالبناء المشيد وهو أشعر من أخيه وأعرف بصناعته وإحكام معانيه ، توفي قبل أخيه بسنة ، لم يكن في زمانه أشعر منه أحد وله شعر كثير ومحل في الفضل أثير.

 أنشدني له نجم الدين بن مصال ببعلبك في رمضان سنة سبعين من قصيدة في الصالح بن رزيك يعرض بشاعره المعروف بالمفيد : لقد شك طرفي والركائب جنح .. أأنت أم الشمس المنيرة أملح ، ومنها في الغزل : يظل جنى العناب في صحن خده .. عن الورد ماء النرجس الغض يمسح ، ومنها : فيا شاعرا قد ألف قصيدة .. ولكنها من بيته ليس تبرح .. ليهنك لا هنئت أن قصائدي .. مع النجم تسري أو مع الريح تسرح.

أنشدني زين الدين الحاج أبو القاسم قال : أرسلني نور الدين إلى مصر في زمان الصالح بن رزيك فلقيت المهذب بن الزبير فأنشدني لنفسه : وشادن ما مثله في الجنان .. قد فاق في الحسن جميع الحسان .. لم أر إلا عينه جعبة .. للسيف والنصل وحد السنان ، ووجدت في بعض الكتب له من قصيدة في مدح الصالح طلائع بن رزيك بمصر : وتلقى الدهر منه بليث غاب .. غدت سمر الرماح له عرينا .. تخال سيوفه لما انتضاها .. جداول والرماح لها غصونا “.

ويقول في موضع آخر : ” للشعراء المهذبين المذهبين مذهب على هذا الوزن المعجز المعجب قصائد فرائد قلائد وهذا مهذب مذهبهم إذ هو وحيد العصر مجيد النظم والنثر ، واستعرت من الأمير عز الدين حسام جزءا فيه قصيدة بخط المهذب بن الزبير مدح بها الصالح بن رزيك سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة ويصف أسطوله ونصرته في البحر على الروم :

أعلمت حين تجاور الحيّان .. أن القلوب مواقد النّيران .. وعرفت أن صدورنا قد أصبحت .. في القوم وهي مرابض الغزلان .. وعيوننا عوض العيون أمدّها .. ما غادروا فيها من الغدران .. ما الوخد هزّ قبابهم بل هزها .. قلبي عشية سار في الأظعان .. وبمهجتي قمر إذا ما لاح للساري .. تضاءل دونه القمران .. قد بان للعشاق أن قوامه .. سرقت شمائله غصون البان .. وأراك غصنا في النعيم تميل إذا .. غصن الأراك يميد في نعمان .. للرمح نصل واحد ولقده .. من ناظريه إذا رنا نصلان .. والسيف ليس له سوى جفن وقد .. أضحى لصارم طرفه جفنان .. السهم تكفي القوس فيه وقد غدا .. من حاجبيه للحظة قوسان .. ولرب ليل خلت خاطف برقه .. نارا تلفع للدجى بدخان “.

ويصف ما حل بالفرنجة من هزيمة فيقول : ” ما زلزلت أرض العدا بل ذاك ما .. بقلوب أهليها من الخفقان .. وأقول إن حصونهم سجدت لما .. أوتيت من ملك ومن سلطان .. والناس أجدر بالسجود إذا غدا .. لعلاك يسجد شامخ البنيان .. ولقد بعثت إلى الفرنج كتائبا .. كالأسد حين تصول في خفان .. لبسوا الدروع ولم نخل من قبلهم .. أن البحار تحل في غدران .. وتيمموا أرض العدو بقفرة .. جرداء خالية من السكان “.

وفي نفس القصيدة ذكر الأسطول وأوصافه حيث يقول : ” وكأن بحر الروم خلق وجهه .. وطفت عليه منابت المرجان .. ولقد أتى الأسطول حين غزا بما .. لم يأت في حين من الأحيان .. أحبب إلي بها شواني أصبحت .. من فتكها ولها العداة شواني .. شبهن بالغربان في ألوانها .. وفعلن فعل كواسر العقبان .. أوقرتها عدد القتال فقد غدت .. فيها القنا عوضا من الأشطان .. فأتتك موقرة بسبي بينه .. أسراهم مغلولة الأذقان .. حرب عوان حكمتك من العدا .. في كل بكر عندهم وعوان “.

وقد أوفد المهذب إلى اليمن في سفارة وهناك أتيحت له فرصة جمع كتب الأنساب والتواجد وسط القبائل العربية حيث تعمق في هذا المجال وألف (كتاب الأنساب) في عشرين مجلدا ، لكن غلبت عليه طبيعة الأديب فكان يورد مع النسب ما أتيح له من أشعار وأخبار حيث يقول ياقوت الحموي عن ذلك في معجم الأدباء : ” فوجدته مع تحقيقي هذا العلم وبحثي عن كتبه غاية في معناه لا مزيد عليه يدل على جودة قريحة مؤلفه وكثرة اطلاعه إلا أنه حذا فيه حذو أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري وأوجز في بعض أخباره عن البلاذري إلا أنه إذا ذكر رجلا ممن يقتضي الكتاب ذكره لا يتركه حتى يعرفه بجهده من إيراد شيء من شعره وخبره “.

وقد ارتبطت حياة المهذب بأخيه الرشيد وما حدث له من تقلبات سياسية كتبها إلى الداعي لما قبض على أخيه باليمن يستعطفه على أخيه الرشيد فأطلقه وهي : يا ربع أين ترى الأحبة يمموا .. هل أنجدوا من بعدنا أو أتهموا .. نزلوا من العين السواد وإن نأوا .. ومن الفؤاد مكان ما أنا أكتم .. رحلوا وفي القلب المعنّى بعدهم .. وجدٌ على مرّ الزمان مخيم .. رحلوا وقد لاح الصباح وإنما .. تسري إذا جنّ الظلام الأنجم.

ولما جرى لأخيه الرشيد ما جرى من اتصاله بصلاح الدين ابن أيوب قبض شاور على المهذب وحبسه فكتب إليه يستعطفه فلم ينفع فيه فالتجأ غل ولده الكامل شجاع وكتب إليه أشعاراً كثيرة  فقام بأمره واصطنعه وضمه إليه بعد أن أمر أبوه شاور بصلبه ، ومنها قوله : إذا أحرقت في القلب موضع سكناها .. فمن ذا الذي من بعد يكرم مثواها .. وإن نزفت ماء الدموع بهجرها .. فمن أيّ عينٍ تأمل العيس سقياها .. وما الدمع يوم البين إلاّ لآلىء .. على الرسم في رسم الديار نثرناها .. وما أطلع الزهر الربيع وإنما .. رآى الدمع أجياد الغصون فحلاها.

وذكره ابن شاكر الكتبي في كتابه فوات الوفيات فقال : ” المهذب ابن الزبير .. الحسن ابن علي بن إبراهيم بن الزبير أبو محمد الملقب بالقاضي المهذب وهو أخو القاضي الرشيد ؛ توفي القاضي المهذب المذكور في ربيع الآخر سنة إحدى وستين وخمسمائة بمصر وكان كاتباً مليح الخط جيد العبارة مليح الألفاظ وكان أشعر من أخيه الرشيد.

واختص بالصالح ابن رزيك ويقال إن أكثر الشعر الذي في ديوان الصالح إنما هو شعر المهذب وحصل له من الصالح مال جم ، وكان القاضي عبد العزيز بن الجباب هو الذي قدمه عند الصالح ولما مات ابن الجباب شمت به المهذب ومشى في جنازته بثياب مذهبة فاستقبح الناس فعله ونقص بهذا السبب ولم يعش بعده إلا شهراً واحداً.

وصنف المهذب كتاب الأنساب وهو أكثر من عشرين مجلدة كل مجلد عشرون كراسة ؛ قال ياقوت : رأيت بعضه فوجدته مع تحققي بهذا العلم وبحثي عن كتبه لا مزيد عليه ، وكان المهذب قد مضى رسولاً إلى اليمن عن بعض ملوك مصر واجتهد هناك في تحصيل كتب النسب وجمع منها ما لم يجتمع عند أحد ، رحمه الله تعالى.

ومن شعره : لقد طال هذا الليل بعد فراقه .. وعهدي به قبل الفراق قصير .. وكيف أرجّي الصبح بعدهم وقد .. تولّت شموسٌ بعدهم وبدور ، ومنه : أقصر فديتك عن لومي وعن عذلي .. أو لا فخذ لي أماناً من ظبا المقل .. من كلّ طرف مريض الجفن ينشدني .. يا رب رام بنجد من بني ثعل .. إن كان فيه لنا وهو السقيم شفاً .. فربما صحت الأجسام بالعلل.

49 / الذخائر والتحف

تعددت مدارس المؤرخين لتغطي كافة المجالات فمنهم من يتخصص في الأحداث السياسية ومنهم من يهتم بتاريخ المدن وجغرافيتها ومنهم من يتناول الأنساب والقبائل وهجراتها ومنهم من يهتم بتاريخ الأشخاص وسيرهم الذاتية ، أما كتاب (الذخائر والتحف) فيتناول موضوعا تاريخيا مختلفا يميل إلى أدب النوادر وهو وصف الهدايا المتبادلة بين الملوك والأعيان وتكاليف احتفالات الزواج المشهورة وغنائم الحروب وعطايا الأمراء ووصف الترف في مجالس الأنس والشراب وحصر التركات وكنوز الخزائن المختلفة وأشهرها ما نهب من القصور الفاطمية في زمن الشدة المستنصرية.

ومؤلف الكتاب هو الأديب والشاعر القاضي الرشيد بن الزبير الأسواني المتوفي في القاهرة عام 563 هـ / 1167 م والذي يقول في مقدمة كتابه ليشرح الهدف من كتابته : ” بسم الله الرحمن الرحيم رب يسر وأعن يا كريم ، هذا كتاب فيه ذكر الهدايا والتحف العظيمة الأقدار والنفقات في الولائم والدعوات والإعذارات والحذاقات والأيام المشهودة والاجتماعات في الأوقات المعهودة وغرائب الموجودات والذخائر والمصونات الموجودات بعد الوفيات والمغانم والفتوحات والكنوز والدفائن والنفقات وما أخرج من خزائن قصر الإمام المستنصر بالله في أيام الفتنة في سنة ستين وسنة إحدى وستين وأربع مئة “.

ويحكي في الكتاب عن الكنوز المنهوبة من قصر المستنصر فيقول : ” ووجد من الشطرنج والنرد المعمولة من سائر أنواع الجواهر والحجارة والذهب والفضة والعاج والأبنوس برقاع الحرير الخسرواني والدبيقي الطميم المذهب وغيره المعمول على مثال بيوت الشطرنج والنرد ، ومن فصوص النرد المخطوطة من سائر أنواع الجوهر والحجارة والذهب والفضة وغير ذلك من العاج وما سواه ما لا يحد كثرة ونفاسة ..

ووجد من آلات الذهب والفضة عدة كثيرة من صواني الذهب المجري بالمينا وغيره المنقوشة بغرائب النقوش والصنعة ملئت جميعها جوهرا فاخرا من سائر أنواعه وألوانه وبديعه ، وأربعة آلاف نرجسية فضة محرقة بالذهب وألف بنفسجية كذلك سوى باقي الآلات المحتاج إليها ، ووجد في خزائن الطرائف والفضة ستة وثلاثون ألف قطعة من محكم وبلور مجرود من سائر أنواعه.

 ووجد من تماثيل العنبر اثنان وعشرون ألف قطعة كل تمثال منها وزنه اثنا عشر منا وأكبره ما جاوز ذلك وإلى ما فوق ذلك ودونه ، ووجد من تماثيل الكافور ما لا يحد كثرة وإن من جملتها ثمان مئة بطيخة كافور وغيرها.

ووجد طاووس ذهب مرصع بنفيس الجوهر عيناه من ياقوت أحمر وريشه من الزجاج المينا المجري بالذهب على ألوان ريش الطاووس ، ودسك من الذهب على مثل صفته أيضا له عرف مفترق كأكبر ما يكون من أعراف الديوك مرصع بسائر ألوان الدر والجوهر وعيناه من الساقوت الأحمر ، وغزال على مثل صفتهما في مثل لون الغزال وهيئته مرصع أيضا بنفيس الدر والجوهر وقيل إن بطنه أبيض دون سائر جسده على لزن بطون الغزلان منظوم من در رائع “.

ومؤلف الكتاب هو القاضي أبو الحسن أحمد بن علي بن إبراهيم بن محمد بن الزبير الغساني الأسواني (نسبة لقبيلة غسان العربية ومدينة أسوان التي ولد فيها) والملقب بلقب (الرشيد) وهو أخو الشاعر المهذب بن الزبير ، وله ديوان شعر وعدد من المؤلفات منها كتاب (منية الألمعي وبلغة المدعي) في موضوعات أدبية متنوعة وكتاب (جنان الجنان ورياض الأذهان) يتناول فيه شعراء عصره بالنقد والتحليل في أربع مجلدات وكتاب (المقامات) وكتاب (شفاء الغلة في سمت القبلة) ، وذكر ياقوت في معجم الأدباء أنه كان كاتبا شاعرا فقيها نحويا لغويا ناشئا عروضيا مؤرخا منطقيا مهندسا عارفا بالطب والموسيقى والنجوم متفننا.

وأثناء تولي القاضي الرشيد للقضاء في اليمن التفت حوله القبائل في محاولة للاستقلال عن الفاطميين حيث ادعى الخلافة وتلقب بالإمام الأمجد وضربت السكة باسمه ثم هزم وحمل مكبلا إلى قوص في الصعيد ، وأثناء حملة أسد الدين شيركوه الثانية على مصر قام بمناصرة صلاح الدين الأيوبي أثناء حصاره في الإسكندرية حيث خرج راكبا متقلدا سيفه وقاتل معه طوال فترة الحصار مما أغضب الوزير شاور فقبض عليه بعدها وأمر بإشهاره على جمل ثم شنقه في القاهرة وهو يردد آخر كلماته : إن كان عندك يا زمان بقية .. مما تهين بها الكرام فهاتها ، ومن أولاده الشاعر علي بن أحمد بن الزبير من شعراء الدولة الأيوبية.

وقد ترجم له ابن خلكان في كتابه وفيات الأعيان فقال : ” القاضي الرشيد ابن الزبير .. القاضي الرشيد أبو الحسين أحمد ابن القاضي الرشيد أبي الحسن علي ابن القاضي الرشيد أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن الحسين بن الزبير الغساني الأسواني ؛ كان من أهل الفضل والنباهة والرياسة ، صنف كتاب جنان الجنان ورياض الأذهان وذكر فيه جماعة من مشاهير الفضلاء ، وله ديوان شعر، ولأخيه القاضي المهذب أبي محمد الحسن ديوان شعر أيضاً وكانا مجيدين في نظمهما ونثرهما.

ومن شعر القاضي المهذب – وهو معنى لطيف غريب – من جملة قصيدة بديعة : وترى المجرة والنجوم كأنما .. تسقي الرياض بجدول ملآن .. لو لم تكن نهراً لما عامت بها .. أبداً نجوم الحوت والسرطان ، وله أيضا من جملة قصيدة : وما لي إلى ماءٍ سوى النيل غلة .. ولو أنه أستغفر الله زمزم ، وله كل معنى حسن وأول شعر قاله سنة ست وعشرين وخمسمائة وذكره العماد الكاتب في كتاب السيل والذيل وهو أشعر من الرشيد والرشيد أعلم منه في سائر العلوم ، وتوفي بالقاهرة سنة إحدى وستين وخمسمائة في رجب حمه الله تعالى.

وأما القاضي الرشيد فقد ذكره الحافظ أبو الطاهر السلفي – رحمه الله تعالى – في بعض تعاليقه وقال : ولي النظر بثغر الإسكندرية في الدواوين السلطانية بغير اختياره في سنة تسع وخمسين وخمسمائة ثم قتل ظلماً وعدواناً في المحرم سنة ثلاث وستين وخمسمائة رحمه الله تعالى ؛ وذكره العماد أيضاً في كتاب السيل والذيل الذي ديل به على الخريدة فقال : الخضم الزاخر والبحر العباب ذكرته في الخريدة وأخاه المهذب ، قتله شاور ظلماً لميله إلى أسد الدين شيركوه في سنة ثلاث وستين وخمسمائة ، كان أسود الجلدة وسيد البلدة أوحد عصره في علم الهندسة والرياضات والعلوم الشرعيات والآداب الشعريات.

ومما أنشدني له الأمير عضد الدولة أبو الفوارس مرهف بن أسامة بن منقذ ، وذكر أنه سمعها منه : جلت لدي الرزايا بل جلت هممي .. وهل يضر جلاء الصارم الذكر .. غيري يغيره عن حسن شيمته .. صرف الزمان وما ياتي من الغير .. لو كانت النار للياقوت محرقة .. لكان يشتبه الياقوت بالحجر .. لا تغررن بأطماري وقيمتها .. فإنما هي أصداف على درر .. ولا تظن خفاء النجم من صغرٍ .. فالذنب في ذاك محمول على البصر قلت : وهذا البيت مأخوذ من قول أبي العلاء المعري في قصيدته الطويلة المشهورة فإنه القائل فيها : والنجم تستصغر الأبصار رؤيته .. والذنب للطرف لا للنجم في الصغر.

وأورد له العماد الكاتب في الجزيرة أيضاً قوله في الكامل بن شاور : إذا ما نبت بالحر دار يودها .. ولم يرتحل عنها فليس بذي حزم .. وهب بها صباً ألم يدر أنه .. سيزعجه منها الحمام على رغم ، وقال العماد : أنشدني محمد بن عيسى اليمني ببغداد سنة إحدى وخمسين قال : أنشدني القاضي الرشيد باليمن لنفسه في رجل : لئن خاب ظني في رجائك بعد ما .. ظننت بأني قد ظفرت بمنصف .. فإنك قد قلدتني كل منةٍ .. ملكت بها شكري لدى كل موقف .. لأنك قد حذرتني كل صاحبٍ .. وأعلمتني أن ليس في الأرض من يفي.

وكان الرشيد أسود اللون وفيه يقول أبو الفتح محمود بن قادوس الكاتب الشاعر يهجوه : يا شبه لقمان بلا حكمةٍ .. وخاسراً في العلم لا راسخاً .. سلخت أشعار الورى كلها .. فصرت تدعى الأسود السالخا ، وفيه أيضاً كما يغلب على ظني هذا : إن قلت من نار خلقت وفقت كل الناس فهما .. قلنا صدقت فما الذي أضناك حتى صرت فحما.

وكان الرشيد سافر إلى اليمن رسولاً ومدح جماعة من ملوكها وممن مدحه منهم علي بن حاتم الهمداني قال فيه : لئن أجدبت أرض الصعيد وأقحطوا .. فلست أنال القحط في أرض قحطان .. ومذ كفلت لي مأرب بمآربي .. فلست على أسوان يوماً بأسوان .. وإن جهلت حقي زعانف خندفٍ .. فقد عرفت فضلي غطارف همدان ، فحسده الداعي في عدن على ذلك فكتب بالأبيات إلى صاحب مصر فكانت سبب الغضب عليه فأمسكه وأنفذه إليه مقيداً مجرداً وأخذ جميع موجوده ، فأقام باليمن مدة ثم رجع إلى مصر فقتله شاور كما ذكرناه.

وكتب إليه الجليس بن الحباب : ثروة المكرمات بعدك فقر .. ومحل العلا ببعدك قفر .. بك تجلى إذا حللت الدياجي .. وتمر الأيام حيث تمر .. أذنب الدهر في مسيرك ذنباً .. ليس منه سوى إيابك عذر.

والغساني ـ بفتح الغين المعجمة والسين المهملة وبعد الألف نون – هذه النسبة إلى غسان وهي قبيلة كبيرة من الأزد شربوا من ماء غسان وهو باليمن فسموا به ، والأسواني – بضم الهمزة وسكون السين المهملة وفتح الواو وبعد الألف نون – هذه النسبة إلى أسوان وهي بلدة بصعيد مصر ، قال السمعاني : هي بفتح الهمزة والصحيح الضم هكذا قال لي الشيخ الحافظ زكي الدين أبو محمد عبد العظيم المنذري حافظ مصر نفعنا الله به آمين “.

50 / هزليات ابن مقدام المحلي

(كتم الغرام ولم يدعه لسانه .. فوشت بسر جنانه أجفانه .. رشأ أعانق من رشاقة قده .. رمحا وسود المقلتين سنانه) ، هذه الأبيات للشاعر ابن مقدام المحلي الذي ولد وعاش في المحلة الكبرى في القرن السادس الهجري في عصر الفاطميين ، وهو في الأصل فارس وجندي لكن جذبه شيطان الشعر فترك حياة الفروسية وهام على وجهه يبدع في كل أغراض الشعر من أول الوصف والتغني بالأطلال إلى الغزل العفيف والصريح إلى المدح والهجاء إلى التعبير عن الذات وما نزل به من نكبات.

هو رضي الدولة أبو سليمان داوود بن مقدام بن ظفر المحلي المتوفي تقريبا عام 580 هـ / 1184 م ، وهو شاعر جمع بين خفة الظل وسرعة البديهة مع ذكاء نادر ، تقلبت به الأيام والأحوال فنطق بالحكمة في قالب هزلي ساخر ، ذكره عماد الدين الأصفهاني في كتابه خريدة القصر وجريدة العصر وجمع أقوال الأدباء والشعراء فيه مثل القاضي الفاضل وابن الزبير حيث يقول     :

” من بلد المحلة من الديار المصرية بأسفل الأرض ، ذكره القاضي الفاضل وقال : شاعر ملء فكيه توفي في عصرنا هذا ، له : لئن لذ لي طول المقام ببلدة .. لذي ملك يثني عليه المهاجر .. ففي الناس من يقضي من الحج فرضه .. وآخر من طيب المقام يجاور ، وله : إذا كنت في الليل تخشى الرقيب .. إذ أنت كالقمر المشرق .. وكان النهار لنا فاضحا .. فبالله قل لي متى نلتقي.

ثم طالعت كتاب جنان الجنان الذي صنفه ابن الزبير سنة ثمان وخمسين وخمسمائة وذكر فيه هذا داوود وقال : هو من أبناء الجند بأسفل مصر إلا أن همته سمت به من الأدب إلى دوحة يقصر عنها أمثاله ولا يطمع فيها أضرابه وأشكاله وعضده على ذلك جودة الطبع ونفاذ القريحة حتى أدرك بعفو خاطره وسرعة بديهته ما لم يبلغ إليه كثرة من أبناء عصره في الدأب على اقتناء الأدب.

وذكر ما معناه أنه كسدت سوقه وجحدت حقوقه وهو منحوس الحظ غير مبخوت منكوب الجاه بحرفة الأدب منكوت ، قال ابن الزبير : ومما أنشدني لنفسه قصيدة مضمنة شرح حاله وهي : وقد بكرت تلوم على خمولي .. كأن الرزق يجلبه احتيالي .. تقدر أنني بالحرص أحوي .. الثراء وذاكم عين المحال .. تقول إذا رأت إرشاد قولي .. هبلت ألا تهب إلى المعالي .. ومن لم يعشق الدنيا قديما .. ولكن لا سبيل إلى الوصال “.

وكان الشاعر وثيق الصلة بالقاضي الجليس حيث يقول في قصيدته التي رواها ابن الزبير : فلو أَدليتَ دَلْوَك في دلاءٍ .. مَتَحْتَ به من الماء الزُّلال .. وكم أدليتُ من دَلْوٍ ولكن .. بلا بَلَلٍ يُرَدُّ على قَذَالي .. وكم عَلَّقْتُ أطماعي رَجاءً .. بخُلَّبِ بارقٍ وَوَميض آلِ .. فلا أنا بالكفاف النَّزْرِ راضٍ .. ولا أنا عن طِلاب الكُثْرِ سال .. ولكنْ ذاكَ من قَبْلِ اعتمادي .. على عبد العزيز أَبي المعالي.

ويهجو بعض كتاب الدواوين منتقدا سلوكهم المشين في طلب الرشوة بينما هو لا يملك إلا أبياته الشعرية فيقول : وكُتّابٌ لهمْ أبداً حُمَاتٌ .. تُعَدُّ لها الرُّقَى مثل الصِّلالِ .. وكلهمُ يجرُّ إليه نفعاً .. فعادتُهُ احتجابي واعتزِالي .. بأيدٍ تبتدرْن إلى الرَّشاوي .. كأيدي الخيل أَبْصرَتِ المَخَالي .. ولستُ أزُورهمْ إلا بشعرِ .. أُنَمِّقُهُ وذلك جُلُّ مالي .. فأَغْشَى بالمِحَال الصِّرْفِ منه .. مجالسَهُمْ فأرجعُ بالمُحَالِ.

 ويصف حاله معهم ومذلته إليهم فيقول : وكم قبَّلْتُ من كفٍ ولكن .. يهونُ على مُقَبَّلها سِبَالي .. وأحضرُ من ركابٍ في ركابٍ .. إلى أن خَفَّ من ثِقْلٍ طحالي .. وأثَّرَتِ السنابكُ فوق رجلي .. بوَطْءِ نعالِها مثلَ الهلال .. وهذا يَسْتَطِيل عليَّ زَهْواً .. وذاك يُعِلُّني كأسَ المِطال .. وقد علموا وإن لم يصرفوني .. ببأسٍ أنْ سيصرفني مَلالي .. وحالي كلَّ يوم في انتقاص .. ومن باب التمحُّلِ قولُ حالي.

وفي قصيدة أخرى يستجدي من شخص أن يهديه فرسا فيقول : وأعِنْ على سفَري إليك بأَجْرَدٍ .. طاوٍ يضيق بجرْيهِ مَيْدَانُهُ .. جذلانَ ينفض مِذْرَوَيْهِ كما مشى .. للسكر طافحُ سلْسَلٍ نَشْوَانُهُ .. يعدو على مَهَلٍ فتحسب أنه .. بازٍ طَوَى بُعْدَ المَدَى طَيَرَانُهُ .. ويروحُ يوم السَّبْق مُجْريهِ على .. ثِقَةٍ بأنَّ له يُحازُ رِهانُهُ .. والنفسُ توقنُ أنني سأعود عن .. هذا المقامِ وفي يديَّ عنانُهُ.

وفي قصيدة أخرى يطلب من صديق له أن يعطيه بعض الشعير مقابل شعر يمدحه فيه فيقول : إليك ابْنَ إبراهيم راحةَ مُشْتَكٍ .. لِنَفْثَةِ مَصْدورٍ شكا حَرَّ صدرِهِ .. تكنَّفَهُ الحرمانُ حتى لو أنه .. سَرَى يستميح الغيثَ ضَنَّ بقطره .. وأصعبُ ما يُمْنَى به في مقامهِ .. شِرَاهُ شعيراً في تقلُّص سِعره .. ويقصُرُ عن تكليف ذلك وَجْدُه .. وأنَّى له ذكرٌ يَفوهُ بذكرهِ .. فجُدْ لي بهِ وارحمْ فديتُك شاعراً .. قُصَارَاهُ أن يُجْزَى شَعيراً بشِعره.

وكان الشاعر يتولى وظيفة في المحلة ثم عزل منها بأمر الأمير ابن كازوك والي المشارفة بالغربية فقال في هجائه : رجلٌ صِيغَ من حَماً شِيب بالشِّرَّةِ خَلْطاً والشؤمِ والخذلان .. والزِّنَا والبِغاء والجهلِ والإفْكِ وسوء الطباع والبُهْتان .. ما ظنَنَّا من قبله أننا نلقى جميعَ السَّوْءَاتِ في إنسان .. يتلقَّاك كالحاً عابسَ الوجه بقلبٍ خالٍ منَ الإيمان .. وله إخوةٌ وأفعالهم في المال فعلُ الذئاب بالحُمْلانِ .. حَرَّ قلبي على مثوليَ بالبابِ وقَوْلي لصاحب الديوان .. أيها الألمعيُّ أعوزك الرُّعْيَانُ حتى استُرْعِيتَ بالذّؤبان .. أي شيء غالَ الكفاةَ من الكُتَّابِ لولا عوائقُ الحرمان.

ومن قوله في الهجاء أيضا : من كان ذا نِحْلَةٍ يُعَجَّلُهَا .. فالشعر حَظِّي من سائر النِّحَلِ إن لم يُنِلْنِي حَظّاً بحرفتهِ .. فكم شَفَى غُلَّتي من السِّفَلِ ، وله أيضا : طالَ ليلي فيك يا بَدْرَ الدُّجَى .. أَرْتجي منك الذي لا يُرْتَجَى .. لا أرى أن أشتكي ما حلَّ بي .. يَأْمُرُ الشوقُ وَيَنْهَاني الحِجَى .. يا مُعِيرَ الغُصْنِ قَدّاً أَهْيَفا .. ومُعِيرَ الظّبْيِ طَرْفاً أَدْعَجَا ..علِمَتْ عيناك عذري فيهما .. فأقامتْ ليَ فيك الحُجَجَا ، وله أيضا : ألا هكذا فليسْعَ من كان ساعياً .. ويَرْقَ إلى العلياء من كان راقيا .. ويبذل محبوباً من النفس غَالياً .. ليُحْرِزَ مطلوباً من الحمد عَالِيا.

ونقل عنه الصفدي في كتابه الوافي بالوفيات إحدى هزلياته الرقيعة التي يهجو فيها بعض أصحاب الدواوين فقال : رضيّ الدولة المحلِّي دَاوُد بن مِقْدَام رضيّ الدولة الْمحلي من شعره من الوافر : وَمن بعد الْغناء حملتموني .. على بغّاء ذِي داءٍ عضال .. يكلفني مَعَ البرطيل نيكاً .. وَذَلِكَ بَيْننَا سَبَب التَّقالي .. فَمَالِي مَاله فِيهِ مجالٌ .. ونيكي لَيْسَ يفضل عَن عيالي.

51 / الزهر الباسم والعرف الناسم

خلال العصور الإسلامية ازدهر أدب الرحلات بسبب سهولة التنقل البري والبحري بين الأقاليم المختلفة ، ومن هذه المؤلفات كتاب (الزهر الباسم والعرف الناسم في مديح الأجل أبي القاسم) الذي كتبه الشاعر السكندري ابن قلاقس اللخمي ووصف فيه رحلته إلى جزيرة صقلية بدعوة من الأمير أبي القاسم بن حمود ، وقد قام الشاعر في حياته القصيرة بالسفر والترحال حيث ولد في الإسكندرية عام 532 هـ / 1137 م وتوفي في ثغر عيذاب عام 567 هـ / 1172 م ويرجع في نسبه إلى قبيلة لخم العربية وهو سني شافعي المذهب.

وقد جاءت زيارته إلى صقلية عام 1168 م في فترة هامة من تاريخها حيث كانت حديثة عهد بالاحتلال النورماندي فكانت آثار الثقافة العربية لا زالت موجودة بها وكذلك تواجد بها عدد من كبار الموظفين العرب في الدولة ، وقد قضى فيها عاما كاملا في ضيافة أبي القاسم وحظي بمقابلة الملك وليام الأول والملكة مارجريت وتجول في معظم مدن الجزيرة ، وفي عام 1170 م سافر إلى اليمن والتقى الوزير أبي بكر العيدي في عدن ونزل في عودته في ضيافة سلطان دهلك (أريتريا الحالية) ومنها عاد إلى عيذاب حيث توفي.

وله ديوان شعر تم جمعه وتحقيقه وفيها قصائد كثيرة في مدح الخلفاء الفاطميين ووزرائهم مثل ابن مصال وشاور واتصل بصلاح الدين الأيوبي أثناء وجوده في الإسكندرية عام 566 هـ ومدحه بقصيدتين وتعددت أغراضه الشعرية الأخرى بين الوصف والغزل والشكوى من كثرة الاغتراب ، وله كتاب يجمع الكتابات المتبادلة بينه وبين أدباء عصره عرف باسم (ديوان ترسل ابن قلاقس) وقد جمعها قبل وفاته وقدمها إلى صديقه الفقيه أبي الحسن علي بن عبد الوهاب بن خليف ويغلب على كتابته النثرية كثرة المحسنات البديعية واستعمال السجع.  

وقد نقل العماد الكاتب مقتطفات من كتاباته حيث يقول : ” ثم ظفرت بكتاب الزهر الباسم من أوصاف أبي القاسم وهو بعض القواد بجزيرة صقلية فاطلعت فيه وأطلعت في فلك الخريدة نجوم معانيه فأول ما بدأ فيه بوصف الكتاب ، كلامٌ أصفى ديمةً من در السحاب وأوفى قيمةً من در السخاب ، فمن ذلك : هذا كتابٌ نظمت فريده في عقد الكرم وجلوت فرنده في عضب الهمم واستخلصت بنار الطبع تبره وشحذت من لسن الذهن نبره وأنبت في روض الشرف أزاهره وأثبت في سماء العز زواهره ووسمت عواتق المجد بحمائله ورقمت دمائث الحمد بخمائله ناضرة مشرقة اللألاء بل مشرفة الآلاء ..

وإنما لقيت من وعثاء السفر ولقاء الخطر وابتغاء الظفر قبل حلولي بهذه الحضرة النضرة حضرة القائد أبي القاسم الأجل الذي إن ألبس قلمه المداد عري من الفصاحة قس إياد وأنطق طرسه الرسائل أخرس عن الخطابة سحبان وائل ، يلزم لديه ابن العميد سمت العبيد ويغدو عليه عبد الحميد غير حميد ويقول له الصاحب أنا عبد لا صاحب ونهاية الصابىء أنه بألفاظه صابىء حتى لو انقلب الديوان ديوان شعر والقرطي أقراط شذر لكان هو المقرط المعلى والمقرظ المحلى ما أوجب ذاك الشكو الذي دخل بهذا الشك وجاء بهذا الشكر ، فالحمد لله حمداً تقصر الألفاظ عن حصر معانيه ويعيي النية منتهاه عن قدر وسعها فتعانيه وصلى الله على محمد وآله ما خفق آل وحقق الآمال في هذا الحساب مال ومآل ..

ومنها في وصف البحر : إني لما تسنمت الأمواج في ذات الألواح وتنسمت الإزعاج من ذات الأرواح قلت السلامة إما ميلاد ومعاد أو يوم معاد وعجبت من حالي في حلي وترحالي فتشوقت الوطن والوطر وكلفت الخاطر وصف ذلك الخطر، فقال : (لو لم يحرَّم على الأيام إِنجادي .. ما واصلتْ بين إِتهامي وإِنجادي .. طوراً أسيرُ مع الحياتن في لجج .. وتارةً في الفيافي بين آساد .. إما بطائرةٍ في ذا ورازمةٍ .. أو في قتادٍ على هذا وأَقْتاد .. والناس كُثْرٌ ولكنْ لا يقدَّرُ لي .. إلا مرافقةُ الملاَّحِ والحادي).

ومن النثر في وصف المركب وأهله : ثم إن البحر تخبطه شيطان الموج من مسر الريح فلو رأيته وقد شاب في عنفوان شبابه وشابه فروع الأطواد بأصول هضابه والحنية تدوي بأهلها كالخلية بنحلها ونحن نصلي لمؤنس يونس وعلى لوح نوح لاسترشدت رأي من آثر الجبل في العصمة وما لحقت بأبيه لولا وحي الله عز وجل ولقلت الصخر يقي أنى حضر ، هل غنى لمجنوبته عليه إلا المنية ولم يزل يدنو كالمجنون ونداريه من الجنون حتى كسته الرخاء ثوب وقارها وأمسكت الزعزع عنه كاس عقارها فصح وصحا بعد جنونه وسكره ونطق منا بلسان المجاز بالحقيقة بعد المجاز فوصلنا طرف الجزيرة بمسين غرة شعبان سنة ثلاث وستين وخمسمائة “.

وقد ترجم له ابن خلكان في كتابه وفيات الأعيان فقال : ” ابن قلاقس .. أبو الفتح نصر الله بن عبد الله بن مخلوف بن علي بن عبد القوي بن قلاقس اللخمي الأزهري الإسكندري الملقب القاضي الأعز الشاعر المشهور ، كان شاعراً مجيداً وفاضلاً نبيلاً  ولم يكن له لحية بل كان سناطاً وقيل أشعار بسب ذلك فأضربت عن ذكرها لفحشها ، صحب الشيخ الحافظ أبا طاهر أحمد بن محمد السلفي وانتفع بصحبته وله فيه غرر المدائح وقد تضمنها ديوانه وكان الحافظ المذكور كثيراً ما يثني عليه ويتقاضاه بمديحه ، وقصد القاضي الفاضل عبد الرحيم بقصيدة موسومة أحسن فيها كل الإحسان ، وكان كثير الحركات والأسفار وفي ذلك يقول : (والناس كثرٌ ولكن لا يقدر لي .. إلا مرافقة الملاح والحادي).

 وفي آخر وقته دخل بلاد اليمن وامتدح بمدينة عدن أبا الفرج ياسر بن أبي الندى بلال بن جرير المحمدي وزير محمد وأبي السعود ولدي عمران بن محمد بن الداعي سبأ بن أبي السعود بن زريع بن العباس اليامي صاحب بلاد اليمن فأحسن إليه وأجزل صلته وفارقه وقد أثرى من جهته فركب البحر فانكسر المركب به وغرق جميع ما كان معه بجزيرة الناموس بالقرب من دهلك وذلك يوم الجمعة خامس ذي القعدة سنة ثلاث وستين وخمسمائة ، فعاد إليه وهو عريان فلما دخل عليه أنشده قصيدته التي أولها : (صدرنا وقد نادى السماح بنا ردوا .. فعدنا إلى مغناك والعود أحمد) وهذه القصيدة من القصائد المختارة ولو لم يكن فيها سوى هذا البيت لكفاه ، ثم أنشده بعد ذلك قصيدة يصف فيها غرقه وأولها : (سافر إذا حاولت قدرا .. سار الهلال فصار بدرا).

ومحاسن ابن قلاقس ونوادره كثيرة وكانت ولادته بثغر الإسكندرية يوم الأربعاء رابع شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة وتوفي ثالث شوال سنة سبع وستين وخمسمائة بعيذاب رحمه الله تعالى.

ودخل صقلية في شعبان سنة ثلاث وستين وكان وصوله إلى اليمين سنة خمس وستين وكان بصقلية بعض القواد يقال له القائد أبو القاسم ابن الحجر فاتصل به وأحسن إليه وصنف له كتاباً سماه (الزهر الباسم في أوصاف أبي القاسم) وأجاد فيه ، ولما فارق صقلية راجعاً إلى الديار المصرية وكان زمن الشتاء ردته الريح إلى صقلية فكتب إلى أبي القاسم المذكور : (منع الشتاء من الوصول مع الرسول إلى دياري .. فأعادني وعلى اختياري جاء من غير اختياري .. ولربما وقع الحمار وكان من غرض المكاري) ، وقلاقس : بقافين الأولى مفتوحة والثانية مكسورة وبينهما لام ألف وفي آخره سين مهملة وهو جمع قلقاس بضم القاف وهو معروف “.

52 / النكت العصرية في أخبار الوزراء المصرية

جزء هام من تاريخ مصر الإسلامية لم يكتبه المؤرخون وإنما جاء في ثنايا الشعر العربي حيث اعتاد الشعراء كتابة بعض أبيات في مناسبات مختلفة منها المدح والذم والاعتذار وغيرها من أغراض الشعر ، وقد رصد جزء كبير من تاريخ القاهرة والأقاليم في ثنايا شعراء العصور الوسطى ومنهم الشاعر عمارة اليمني الذي عاصر نهاية الدولة الفاطمية وبداية الدولة الأيوبية وكان مقربا من الوزراء الفاطميين ثم تقلبت به السياسة حتى أودت بحياته بعد أن تآمر على الناصر صلاح الدين الأيوبي.

وهو القاضي الفقيه الأرشد نجم الدين أبو محمد عمارة بن أبي الحسن علي بن زيدان الحكمي المذحجي اليمني من قبيلة سعد العشيرة ، وفد على مصر في عام 550 هـ مبعوثا من قبل شريف مكة القاسم بن هاشم واتصل بالوزير الصالح طلائع بن رزيك والخليفة الفائز ، وله كتاب هام بعنوان (النكت العصرية في أخبار الوزراء المصرية) جمع فيه بن النثر والشعر وجاء فيها بعض تلك المناسبات خاصة في الأمير ركن الإسلام نجم بن مجير السعدي زعيم عشائر بني سعد وأخي الوزير شاور بن مجير السعدي.

يقول الشاعر : ” تزايدت المعرفة عن الصحبة إلى المودة والمكاشفة فدفع لي إقطاعاً بمنية أبي اليسار من السمنودية وأطلق لي من خريطته في غرة كل شهر خمسة عشر ديناراً مدة ثلاث سنين فمن الشعر الذي قلته فيه على جهة الدعابة : أتيت إلى بابك المرتجى فألفيتهُ مغلقاً مرتجا .. فقلت لبوابه سائلاً أيغلقُ باب الندى والحجى ، ولما خرج إلى الغربية في أيام رزيك وعاد إلى القاهرة بعد إصلاح ما تشعث من الغربية وعربانها لقيته مهنئاً بقصيدة أولها : قدومك أفرحَ قلبَ الهدى .. وآنسَ وحشَ عراضِ الندى  “.

ويقول : ” وأما الأوحد صبح أخو شاور فجاءني رسوله من سندفا بكسوة وغلة يستدعي المدح مني فكتبت إليه قصيدة منها : لبيكَ تلبيةَ الحجيج إلى الصفا يا داعيَ الكرم المقيمَ بسندفا .. جودٌ تشوفَ ناظراه فزارني كرماً ولم أكُ نحوه متشوفاً ” ، وقال عن الأمير ابن الزبد : ” وولي المحلة فقلت أودعه : قل للمكرم والألقاب واقعةٌ على علاهُ وقوعَ النقش في الحجرِ .. يا كعبةً للندى لو كنت ذا أملٍ غداً إلى بها حجي ومعتمري .. إن كنت أزمعتَ مختاراً على سفرٍ فاللهُ يُحْمَدُ عقبى ذلك السفرِ .. أين المحلة من والٍ محلته من المعالي محلُّ النور في البصرِ “.

وقد ترجم له ابن خلكان في وفيات الأعيان فقال : ” الفقيه عمارة اليمني .. الفقيه أبو محمد عمارة بن أبي الحسن علي بن زيدان بن أحمد الحكمي اليمني الملقب نجم الدين الشاعر المشهور ؛ نقلت من بعض تواليفه أنه من قحطان ثم الحكم بن سعد العشيرة المذحجي وأن وطنه من تهامة باليمن مدينة يقال لها مرطان من وادي وساع وبعدها من مكة في مهب الجنوب أحد عشر يوماً وبها مولده ومرباه ، وأنه بلغ الحلم سنة تسع وعشرين وخمسمائة ورحل إلى زبيد سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة فأقام بها يشتغل بالفقه في بعض مدارسها مدة أربع سنين وأنه حج سنة تسع وأربعين وخمسمائة وسيره قاسم بن هاشم ابن فليتة صاحب مكة شرفها الله تعالى رسولاً إلى الديار المصرية فدخلها في شهر ربيع الأول سنة خمسين وخمسمائة وصاحبها يومئذ الفائز بن الظافر والوزير الصالح ابن رزيك وأنشدهما في تلك الدفعة قصيدته الميمية.

وأقام إلى شوال من سنة خمسين في أرغد عيش وأعز جانب ثم فارق مصر في هذا التاريخ وتوجه إلى مكة ومنها إلى زبيد في صفر سنة إحدى وخمسين ثم حج من عامه فأعاده قاسم صاحب مكة المذكور في رسالة إلى مصر مرة ثانية فاستوطنها ولم يفارقها بعد ذلك ، ورأيت في كتابه الذي جعله تاريخ اليمن أنه فارق بلاده في شعبان سنة اثنتين وخمسين ، وكان فقيهاً شافعي المذهب شديد التعصب للسنة أديباً ماهراً شاعراً مجيداً محادثاً ممتعاً ، فأحسن الصالح وبنوه وأهله إليه كل الإحسان وصحبوه مع اختلاف العقيدة لحسن صحبته وله في الصالح وولده مدائح كثيرة ، وقد تقدم طرفٌ من خبره في ترجمة شاور السعدي والصالح وما رثاه به ، وكانت بينه وبين الكامل بن شاور صحبة متأكدة قبل وزارة أبيه ..

 وزالت دولة المصريين وهو في البلاد ، ولما ملك السلطان صلاح الدين رحمه الله تعالى مدحه ومدح جماعة من أهل بيته يتضمن ديوانه جميع ذلك ، وكتب إلى صلاح الدين قصيدة متضمنة شرح حاله وضرورته وسماها (شكاية المتظلم ونكاية المتألم) وهي بديعة ، ورثى أصحاب القصر عند زوال ملكهم بقصيدة لامية طويلة أجاد فيها ، وغالب شعره جيد ، ثم إنه شرع في أمور وأسباب من الاتفاق مع جماعة من رؤساء البلد على التعصب للمصريين وإعادة لدولتهم فأحس بهم السلطان صلاح الدين وكانوا ثمانية من الأعيان ومن جملتهم الفقيه عمارة المذكور ، وشنقهم في يوم السبت ثاني شهر رمضان سنة تسع وستين وخمسمائة بالقاهرة رحمهم الله تعالى وكان قبضهم يوم الأحد السادس والعشرين من شعبان من السنة.

وله تواليف منها كتاب (أخبار اليمن) وفيه فوائد ، ومنها (النكت العصرية في أخبار الوزراء المصرية) وغير ذلك ، وقال العماد الأصبهاني في كتاب الخريدة : إنه صلب في جملة الجماعة الذين نسب إليهم التدبير عليه يعني السلطان صلاح الدين، ومكاتبة الفرنج واستدعاؤهم إليه حتى يجلسوا ولداً للعاضد ، وكانوا أدخلوا معهم رجلاً من الأجناد ليس من أهل مصر فحضر عند صلاح الدين وأخبره بما جرى فأحضرهم فلم ينكروا الأمر ولم يروه منكراً فقطع الطريق على عمر عمارة وأعيض بخرابه عن العمارة.

ووقعت اتفاقات عجيبة فمن جملتها أنه نسب إليه بيت من قصيدة ذكروا أنه يقول فيها : (قد كان أول هذا الدين من رجل .. سعى إلى أن دعوه سيد الأمم) ويجوز أن يكون البيت معمولاً عليه فأفتى فقهاء مصر بقتله وحرضوا السلطان على المثلة بمثله ، ومنها أنه كان في النوبة التي لا تقال عثرتها ولا يحترم الأديب فيها ولو أنه في سماء النظم والنثر نثرتها ، ومنها أنه كان قد هجا أميراً فعد ذلك من كبائره وجرى عليه الردى في جرائره ؛ ثم قال في آخر ترجمته : والعجب من عمارة أنه تأبى في ذلك المقام عن الانتماء إلى القوم وترك ، وغطى القدر على بصره حتى أراد أن يتعصب لهم ويعيد دولتهم فهلك ؛ وإنما قال العماد هذا لأجل الأبيات التي كتبها الصالح بن رزيك يرغبه في التشيع وهي في الورقة التي هي قربها .

والمذحجي : بفتح الميم وسكون الذال المعجمة وكسر الحاء المهملة وبعدها جيم هذه النسبة إلى مذحج واسمه مالك بن أدد بن زيد بن يشجب وإنما قيل له مذحج لأنه ولد على أكمة حمراء باليمن يقال لها مذحج فسمي بها وقيل غير ذلك والله أعلم “.