
11 / قوانين الدواوين
أهم من كتب في جغرافية مصر في العصور الوسطى الأسعد بن المهذب بن مينا بن زكريا بن مماتي الذي ولد في مصر عام 544 هـ / 1149 م وتوفي في حلب عام 606 هـ / 1209 م .. وتعود أصوله إلى أسرة مسيحية من أسيوط انتقلت إلى القاهرة للعمل في دواوين الدولة في العهد الفاطمي حيث ترقى جده (أبو المليح مينا) إلى منصب مستوفي الدواوين ونال حظوة عند الوزير بدر الجمالي ..
اما أبوه (المهذب) فقد تولى رئاسة ديوان الجيش وأسلم أثناء ذلك .. وكان يعقد مجالس الفقه والأدب في بيته مما وثق حب الأدب في نفس ابنه الأسعد والذي خلفه بعد وفاته في رئاسة ديوان الجيش بأمر صلاح الدين الأيوبي (وهو المنصب المسئول عن كافة احتياجات الجيش من الإمداد والتموين والأمور المالية) ..
وقد أظهر الرجل كفاية ممتازة في الإدارة فأضيفت إليه رئاسة ديوان المال (وهو منصب يعادل وزارة المالية والاقتصاد في عصرنا) مما يدل على الثقة المطلقة التي أولاها له صلاح الدين رغم انشغاله الدائم عن مصر في حروبه المتواصلة ..
وقد ظل الأسعد رئيساً لديواني الجيش والمال قرابة ربع قرن (في عهد صلاح الدين وعهدي ابنيه العزيز عثمان والمنصور محمد وفي الفترة الأولى من عهد الملك العادل أبي بكر بن أيّوب) ثم حدثت جفوة بينه وبين وزراء العادل فخرج من مصر إلى حلب حيث وفد على الملك الظّاهر غازي بن صلاح الدين الذي أكرمه وأجرى عليه معاشاً إلى أن تُوفِي ودُفِنَ بظاهر حلب.
وقد أتاحت له وظيفته الإلمام بكل تفاصيل البلاد في عهده فوضع كتابه الأشهر (قوانين الدواوين) في عهد الملك العزيز بن صلاح الدين والذي شرح فيه جغرافية مصر ونهر النيل والتقسيم الإداري للدولة وقتها ومعها قائمة بأسماء كافة القرى والكفور والنجوع والجسور والترع والخلجان بترتيب أبجدي (وهي أقدم قائمة من نوعها في تاريخ مصر) ..
ثم شرح المسائل الخاصة بأنظمة الحكم في عصره ووظائف الدولة الهامة واختصاص كل منه وموارد الدولة المالية وشئون البلاد الزراعية (أنواع الأراضي المختلفة وأنظمة الري وأنواع المزروعات وأصول مساحة الأرض وبعض القضايا الهندسية المتعلقة بها) ، وأضاف إلى الكتاب موضوعات متعلقة بالحسابات والتقاويم والخراج ونفقات الأرض ومقياس النيل.
ويشرح في مقدمة الكتاب تقسيمه إلى أبواب ومنها الباب الثالث الذي رتب فيه أسماء الأعمال والقرى فيقول : ” الباب الثالث في ذكر جملة أعمالها وتفصيل نواحيها وتحقيق أسماء ضياعها وكفورها وجزايرها ومناها وكل ما يقع عليه اسم الديوان منها والتنبيه على ما يرد مجموعا مع غيره لما جرت به العادة فيه ، وترتيب ذلك على حروف المعجم بحيث يؤتى بكل حرف ويورد تحته كل ما يجيء عليه من نواحي كل عمل “.
وفي مجال الأدب ألف كتابا شيقا يتندر فيه على الوزير بهاء الدين قراقوش بعنوان (الفاشوش في أحكام وحكايات قراقوش) ويعد من بواكير الكتابة الشعبية في مصر ، ونظم سيرة السلطان صلاح الدين ونظم كليلة ودمنة وله ديوان شعر ذكره ابن خلكان وقال عنه : ” وله ديوان شعر رأيته بخط ولده ونقلت منه مقاطيع فمن ذلك قوله : تعاتبني وتنهى عن أمرٍ .. سبيل الناس أن ينهوك عنها .. أتقدر أن تكون كمثل عيني .. وحقك ما علي أضر منها “.
وفي حلب ألف كتابه (لطائف الذخيرة وطرائف الجزيرة) استخلصه من كتاب الذخيرة لابن بسام الشنتريني الأندلسي ، وفي مقدمته يشرح قصة ترحاله إلى حلب وتكليفه بتصنيف هذا الكتاب فقال : ” وبعد ، فلما عضّني الدهر بنابه وأرغى بي كل غُمرٍ ليس بنابه رأيت أن الخلاص من أشراك مصائده فالتوقى من سهام مكائده لا يُنال إلاّ بالأسفار وهي بارتكاب الأخطار ، فخرجت من مصر خائفا أترقب هائما لا أدري أين أذهب حتى أدناني الهرب إلى مدينة الشَهبَاء حلب فلجأت إلى جانب سلطانها الملك الظاهر وتفيأت من ظلال دولته ما أذهب عنّي حرّ الهواجر.
وحين وجدته ملجأ للجاني ومأمنا للعاني وحرما لا تنفر أطياره وطودا لا تسهل أوعاره أنخت به مطايا الترحال واطلعت بواعث الآمال في المرور من خدمته ببال الإقبال وقطعت الأهوال في الوصول إليه مختفيا من الرقباء كطيف الخيال ، ولحظ خدمتي وحفظ حرمتي وأجمل وفادتي وأجزل إفادتي وأجراني في الإكرام والاحترام على أنفس عادة سعادتي وبسط أملي بلسان الإحسان وقبض وجلي بما أعطاني من الزمان الأمان.
تكفل بي الوزير الصاحب الأجل العالم الصدر الإمام الفاضل الكامل نظام الدين شمس الإسلام والمسلمين سيد الوزراء أوحد الفضلاء رئيس الرؤساء تاج الملة عضد الدولة كهف الأمة عمدة الأئمة خلاصة الخلافة شرف الإمامة ذو المآثر والمفاخر مصطنع أمير المؤمنين ذو البلاغتين محمد بن الحسين أدام الله نفاذ مراسمه واستحواذ مكارمه وأمضى عزمه في كف الدهر ورفع مظالمه ، فلا زالت أقلامه سود اللمم شواب الهمم جارية بأرزاق الأمم متحدثه ألسنها بما يبهج الموالي ويزعج المعادي من أخبار النعم والنقم ساعية على رؤوسها في الخدمة الظاهرية بما تظهر به أعلام فتوحها ظهور النار على العلم.
وتلقاني من عام إنعامه بما اقتضته هممه وتوخاني من إتمام اهتمامه بما أمضته شيمه وضاعف امتنانه لدي وملأ بكرمه عيني فضلاً عن يدي وعاملني بما سرّ القلب وجاملني بما سرّى الكرب وجمع لي فيما بين ماله وأدبه وأطلق خاطري بما أطلق يدي فيه من خزانة كتبه.
فكان من جملتها (كتاب الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة) تأليف أبي الحسن علي بن بسّام رحمه الله ، وهو كتاب جليل المقدار جميل الآثار منتظم من عقود عقول الفضلاء وفصوص فصول الأدباء ما تغص به الأقطاب والأقطار ويملأ ساحات ساعات الليل والنهار ، وأشار – أبقاه الله – إلى أن أختارَ منه الطائل الطائر ويُقتصَر فيه على النادّ النادر فبادرت إلى المرسوم وثابرت على العمل بالمفهوم “.
وقد ذكره العماد الكاتب في خريدة القصر وذكر عددا كبيرا من قصائده وجانبا من مكاتباته فقال : ” الأسعد أبو المكارم .. أسعد بن الخطير بن مهذب بن زكريا بن مماتي أحد الكتاب في الديوان الفاضلي ، ذو الفضل الجلي والشعر العلي والنظم السوي والخاطر القوي والسحر المانوي والروي الروي والقافية القافية أثر الحسن والقريحة المقترحة صورة اليمن والفكرة المستقيمة على جدد البراعة والفطنة المستمدة من مدد الصناعة ، شابٌ للأدب رابٌّ وعن الفضل ذابٌّ وهو من شملته العناية الفاضيلة وحسنت منه البديهة والروية.
اجتمعت به في القاهرة وسايرني في العسكر الناصري وأنشدني من نظمه المعنوي ما ثنيت به خنصر الاستحسان وأذنت لجواده في الإجراء في هذا الميدان وأثبت منه كل ما جلا وحلا وأشرق في منار الإحسان وعلا وراج في سوق القبول وغلا ، فمن قوله يصف الخليج يوم فتحه بالقاهرة : خليجٌ كالحسام له صِقَالٌ .. ولكن فيه للرائي مَسَرَّهْ .. رأيت به المِلاحَ تجيدُ عوماً .. كأنهمُ نجومٌ في المجرَّهْ.
ونظمتني وإياه سفرة في خدمة الملك الناصر إلى ثغري دمياط والإسكندرية فوصلنا إلى ترعٍ وخلجان ومخاضاتٍ وغدرانٍ فقال بديهاً : لو أطلق الدمعَ مشتاقٌ ومدَّكِرُ .. لمن يحب لأَشْفَيْنَا على الغرَقِ .. لكنما هذه الخلجانُ مُتْأَقَةٌ .. لأنها رَشْحُ ما يَعْصِي من الْحدَقِ ، ونزلنا ببركة الجب لقصد الجهاد وعرض الأجناد فكتب الأسعد ابن مماتي إلي أبياتاً في الملك الناصر وتعرض للشطرنج فإنه كان يشتغل به في ذي القعدة سنة اثنتين وسبعين :
يا كريمَ الخِيم في الخَيِمِ .. أهيفٌ كالرئم ذو شمم .. عَجَبي للشمس إذ طلعتْ .. منه في داجٍ من الظُّلَم .. كيف لا تُصْمي لواحظه .. ورماةُ الطرف في العجم .. لا تصدْ قلبَ المحب لكم .. ما يحلُّ الصيدُ في الحَرَم .. يا صلاحَ الدين يا ملكاً .. مذ براهُ الله للأُمَم .. أضحتِ الكفارُ في نِقِمٍ .. وغدا الإسلامُ في نِعَمِ .. إن يكُ الشِّطْرِنْج مشغلةً .. للعليِّ القدْرِ والهمم .. فهْيَ في ناديك تذكرةٌ .. لأمورِ الحرب والكرم .. فلكم ضاعفتَ عِدَّتَها .. بالعطاءِ الجمِّ لا القلم .. ونصبت الحرب نصبتها .. فانثنتْ كفّاك بالقمم .. فابقَ للإِسلام ترفَعُهُ .. وَأْمُرِ الأقدارَ كالخدم.
ومن نور نثره البديع ونور فجره الصديع وغرر درره النصيعة ودراري غرره الصنيعة ما تحذى له بهائم التمائم وتحدى به كرائم المكارم ويربع الحسن في روضه وتكرع الحسناء في حوضه وتغتبط الآداب بدابه وترتبط الألباب ببابه ، من مكاتبة : فصلت عنه في أخريات النهار وقد ظهر في أطراف الجدران لفرق فراق الشمس اصفرار فلما ذهب ذهب الأصيل بنار الشفق ولبست المشارق السواد لما تم في المغارب على الشمس من الغرق.
وأقبلت مواكب الكواكب في طلب الثأر كدراهم النثار وتشابهت زواهرها وإن اختلفت في الأشجان بالأزهار في الأشجار وتكلف القمر الموافقة فظهر على وجهه الكلف ومرت به طوالع النجوم فلم يستخبرها حسداً فأعرب عن غدر الخلف بالسلف وظهر الوجوم في وجوه النجوم وعيل صبر النسرين فواحد طائرٌ يحوم وآخر واقع لا يقوم ولم تزل متلاحقةً متسابقةً لتقفو الأثر وتسمع الخبر.
إلى أن بدا سوسن الفجر ولاح وابتسم ثغر الصباح عن الأقاح وكاد ثعلبه يأكل عنقود الثريا وبرزت الغزالة من أس الكناس طلقة المحيا وتراءت الوجوه وزال ما زال بغيبتها من المكروه وأخذت النجوم بالحظ من الطرب بمقدار ما قدمته من الحض في الطلب وانخرطت في سلوك شعاعها نظاماً وزاد خوفها منها على رجائها فيها فذابت إكباراً لها وإعظاماً “.
وذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء فقال : ” ابْنُ مَمَّاتِي أَبُو المَكَارِمِ أَسَعْدُ بنُ الخَطِيْرِ المِصْريُّ القَاضِي ، أَبُو المُكَارِمِ أَسَعْدُ ابْنُ الخَطيرِ مُهَذَّبِ بنِ مِينَا ابْنِ مَمَّاتِي المِصْريُّ، الكَاتِبُ نَاظرُ النُّظَّارِ بِمِصْرَ ، لَهُ مُصَنَّفَاتٌ عِدَّةٌ، وَنظمٌ رَائِقٌ، فَنظمَ كَلِيْلَةَ وَدِمْنَةَ وَنظمَ سِيرَةَ صَلاَحِ الدِّيْنِ ، خَاف مِنِ ابْنِ شُكُرٍ فَسَارَ إِلَى حَلَبَ وَلاَذَ بِمَلِكِهَا، فَتُوُفِّيَ سَنَةَ سِتٍّ وَسِتِّ مائَةٍ فِي جُمَادَى الأُوْلَى ، وَمَاتَ أَبُوْهُ فِي سَنَةِ سَبْعٍ وَسَبْعِيْنَ ، وَكَانَ نَاظرَ الجَيْشِ “.

12 / مقطعات النيل
(مقطعات النيل) هي مجموعة القصائد الغزلية والوصفية والتي كتبها في مصر الشاعر بهاء الدين أبو الحسن علي بن محمد بن رستم بن هردوز الدمشقي المعروف بابن الساعاتى ، نعته الذهبي بلقب عين الشعراء ، وفد والده من خراسان إلى دمشق وعمل في خدمة الملك العادل نور الدين زنكي ونبغ في صناعة الساعات وعلوم الفلك وهو الذي عمل الساعة المعلقة عند باب الجامع بدمشق وولد له في دمشق ولدان أحدهما بهاء الدين أبو الحسن الشاعر والثاني فخر الدين رضوان الطبيب والوزير الذي استوزره الملك الفائز ابن الملك العادل الأيوبي والملك المعظم عيسى بن الملك العادل.
ولد بهاء الدين في دمشق عام 553 هـ / 1158 م وانتقل إلى القاهرة وعمره اثنان وثلاثون عاما وخدم صلاح الدين وتوفي فيها عام 604 هـ / 1207 م ، وكل قصائده المؤرخة بعد 585 هـ نظمت في وادي النيل كما ذكر الأستاذ أنيس المقدسي محقق ديوانه حيث يقول : ويوجد من المدائح ما يرجع عهده الى سنة 583 هـ وقد ذكر أنه أنشدها في دمشق ومنها قصيدة في تهنئة صلاح الدين الايوبي بفتحه القدس ، تنقل في مصر بين القاهرة وأسيوط والمحلة الكبرى وغيرها وكان من الظرفاء يرتاد مجالس الطرب ويفضل نعيم الدنيا ورغيد العيش.
من أغراضه الشعرية المدح والفخر وبرع في شعر الوصف خاصة وصف الطبيعة واهتم بالمحسنات اللفظية والمعنوية في شعره ونثره وكان سريع البديهة حاضر الذهن قادرا على الارتجال والنظم في أي وقت ، ديوانه مجموع منذ أيامه ومحقق ومنشور في مجلدين ، وله قصائد مطولة في مدح الخليفة العباسي ببغداد والسلطان صلاح الدين الأيوبي وعدد كبير من الملوك والأمراء الأيوبيين ووزرائهم ومدح كذلك القاضي الفاضل والعماد الكاتب وتبادل معهم الرسائل الشعرية.
تعددت أبياته الشعرية في نهر النيل ووصفه للفيضان وما فيه من خير ومنها قصيدة يقول فيها : وأما لهذا النيل أيُّ عجيبةٍ .. بكرٍ بمثل حديثها لا يسمعُ .. منتقلٌ مثلَ الهلال فدهره .. أبداً يزيد كما يريد ويرجع .. يلقى الثرى في العام وهو مسلمٌ .. حتى إذا ما ملَّ عاد يودّع .. وكأنما هو والنجوم مواثلٌ .. فيهِ ونور البدر إذ يتشعشع .. بيضٌ تسلُّ على متون سوابغٍ .. خضرٍ بأمثال العقود ترصّع .. لولا تناولها وقرب مكانه .. خيلت بروقاً في سماء تلمع.
وهو صاحب الأبيات المشهورة في وصف المحلة الكبرى حيث كانت له دار يسكنها ويذكرها دوما في أشعاره ومن ذلك قوله : ولقد حللتُ من المحلَّة منزلاً ملك العيون وحاز رقَّ الأنفس .. وجمعت بين النيّرين تجمُّعاً أمنا المحاق فأصبحا في مجلس ، وقوله : سقى الله أطلال المحلة ما صبا إلى ربعها المأنوس قلب مشوق .. فطلت دموعا أو عيونا بتربها سيوف لحاظ أو سيوف بروق ، وقوله : سقى الله ليلا بالمحلة بارداً .. رقيق حواشي الوصل مجتمع الشملٍ .. بنينا لديها بالمدام فطالما .. زففنا عروساً ذاتَ عقدٍ إلى بعل.
وفي هذه القصائد يستعيد ذكرى الأيام الجميلة التي قضاها في المحلة ويصف فيها مشاعره وما تعلق قلبه بها من حب وسط الأجواء الطبيعية التي حفرت في ذاكرته ووجدانه ، وفي مواضع أخرى يتذكر أحداثا حزينة فيقول نادبا أولاده الصغار بعد وفاتهم : خليليَّ عوجاً بالمحلَّة إنها .. قرارةُ أشجاني ومثوى بلابلي .. قفا بين هاتيك المشاهدِ واندبا .. مصارعَ أبناء العلى والفضائلِ ، وقوله : دفنتهما فواكمدي وقولي .. دفنتهما مقال ليس يغني .. فألمم بالمحلة واشك بثي .. هناك لصاحب القبر المبن .. سلا عني ولما أسل عنه .. فواقلقي لثاو مطمئن.
وله في الإسكندرية وبحرها وفنارها وصف طيب حيث يقول : سقى الله بالإسكندرَّية منزلاً .. لبستُ به ثوبَ النَّوى معلمَ الرُّدنِ .. جلا صدأ الأذهان مرُّ نسيمها .. فلو وافقوا سمَّيته صيقل الذهن .. فباطنها خال من الشَّوب والأذى .. وظاهرها جالٍ بديباجةِ الحسن .. لها البحر تغضي دونهُ عينُ نونهِ .. وتعثر في آذايهِ أرجلُ السُّفن .. منارتها في العين من صنعةِ الورى .. ولكنها في الفكر من صنعة الجنّ.
ويبلغ حجم ديوانه قرابة سبعمائة صفحة في مجلدين وقد استهلها بقصيدة في مدح النبي صلى الله عليه وسلم يعارض فيها قصيدة كعب بن زهير الشهيرة (بانت سعاد) فيقول : جد الغرام وزاد القال والقيل .. وذو الصبابة معذور ومعذول .. يا دمية الحي ما حزني لفرقتكم .. دعوى ولا وجدي العذري منحول ، وله في الغزل قوله : وصل الأسى وعصا مقال العذل .. صب أطاع هوى الحبيب الأول .. واليأس أطبقه فليس بواقف .. في رسم دار أو معاهد منزل ، وله في فتح القدس قصيدة مطلعها : أعيا وقد عاينتم الآية العظمى .. لأية حال تذخر النثر والنظما.
وفي قصيدة له يمدح الأمير نصير الدين الخضر بن بهرام والي الغربية وحاكم المحلة والذي كانت تربطه به علاقة طيبة حيث أكرمه وأحسن إليه فقال : فإلي أنضاء الجيوب فإنني .. جار السحائب والغيوث الهمع .. في حيث خيط المزن ليس بخاذل .. وندى نصير الدين ليس بمقلع .. يشتاق زائره يريد فراقه .. شوق المحب إلى الخليط المزمع .. ومؤيد الرايات مقلة همه أبدا إلى الغايات ذات تطلع .. ولي البلاد فسار في سكانها .. بالعدل سيرة وازع متورع.
وقد ترجم له ابن خلكان في كتابه وفيات الأعيان فقال : ” ابن الساعاتي .. أبو الحسن علي بن رستم بن هردوز المعروف بابن الساعاتي الملقب بهاء الدين الشاعر المشهور ؛ شاعر مبرز في حلبة المتأخرين.
له ديوان شعر يدخل في مجلدين أجاد فيه كل الإجادة وديوان أخر لطيف سماه (مقطعات النيل) نقلت منه قوله : لله يومٌ في سيوط وليلةٌ .. صرف الزمان بأختها لا يغلط .. بتنا وعمر الليل في غلوائه .. وله بنور البدر فرعٌ أشمط .. والطل في سلك الغصون كلؤلؤ .. رطب يصافحه النسيم فبسقط .. والطير يقرأ والغدير صحيفة … والريح تكتب والغمامة تنقط ، وهذا تقسيم بديع.
ونقلت منه أيضاً : وقد نزلت بروضة حزنيةٍ رتعت نواظرها بها والأنفس .. فظللت أعجب حيث يحلف صاحبي والمسك من نفحاتها يتنفس .. ما الجو إلا عنبرٌ والدوح إلا جوهرٌ والروض إلا سندس .. سفرت شقائقها فهم الأقحوان بلثمها فرنا إليه النرجس .. فكأن ذا خد وذا ثغر يحاوله وذا أبداً عيون تحرس ، وله كل معنى مليح.
أخبرني ولده بالقاهرة المحروسة أن أباه توفي يوم الخميس الثالث والعشرين من شهر رمضان سنة أربع وستمائة بالقاهرة ، ودفن بسفح المقطم وعمره إحدى وخمسون سنة وستة أشهر وأثنا عشر يوماً ، ورأيت بخط بعض المشايخ وقد وافق في تاريخ الوفاة ولكنه قال : عاش ثمانياً وأربعين سنة وسبعة أشهر واثني عشر يوما وأنه ولد بدمشق رحمه الله تعالى والله أعلم بالصواب.
ورستم بضم الراء وسكون السين المهملة وضم التاء المثناة من فوقها ، وهردوز بفتح الهاء وسكون الراء وضم الدال وسكون الواو وبعدها زاي ، وسيوط بضم السين المهملة والياء المثناة من تحتها وسكون الواو وبعدها طاء مهملة وهي بلدة بصعيد مصر ومنهم من يقول أسيوط بزيادة همزة مضمومة وسكون السين “.
وذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء فقال : ” ابن الساعاتي أبو الحسن علي بن محمد الخراساني عين الشعراء .. أبو الحسن علي بن محمد بن رستم بهاء الدين الخراساني ثم الدمشقي ابن الساعاتي ، كان أبوه يعمل بالساعات فتجند بهاء الدين ومدح الملوك وسكن مصر وقال النظم الفائق وهو أخو الطبيب الأوحد فخر الدين رضوان ابن الساعاتي.
بلغ (ديوان البهاء) مجلدتين وانتخب منه ديوانا صغيرا ، وهو القائل : والطل في سلك الغصون كلؤلؤ .. رطب يصافحه النسيم فيسقط .. والطير تقرأ والغدير صحيفة .. والريح تكتب والغمام ينقط ، توفي في رمضان سنة أربع وستمائة وله نيف وخمسون سنة ، وأما أخوه فتقدم بالطب إلى أن وزر للملك المعظم وكان ينادمه بلعب العود “.
وذكره الدكتور شوقي ضيف في كتابه تاريخ الأدب العربي وصنفه ضمن شعراء المديح وقال : ” ابن الساعاتى .. هو بهاء الدين على بن محمد بن رستم الدمشقى خراسانى الأصل ، ولد لأبيه بدمشق سنة 553 وكان ماهرا فى صنع الساعات الفلكية وأنعم عليه نور الدين محمود إنعاما وافرا حين صنع الساعات التى وضعت على باب الجامع الأموى ، وأتاح له ذلك ثراء نعم به ابنه على إذ شغف بالفروسية وببعض ضروب اللهو مثل النرد والشطرنج.
ومثل لداته حفظ القرآن صبيّا واختلف إلى دروس العلماء والمؤدبين فى الجامع الأموى ، ويبدو أن ابن سعيد خلط بينه وبين أخيه فخر الدين إذ قال إنه حين شبّ أرسل به أبوه إلى البديع الأسطرلابى بآمد ليتقن صناعة الآلات الفلكية وكأنه لم يلاحظ أن البديع توفى قبل ميلاده بنحو عشرين عاما وربما أرسله إلى أحد أولاده.
ونراه بعد فتح صلاح الدين لآمد يمثل بين يديه مادحا له بقصيدة لامية سنة 579 يقول له فيها : لولا مساعى صلاح الدين ما صلحت .. شمّ الممالك بعد الزّيغ والميل .. فليعلم القدس أن الفتح منتظر .. حلوله وعلى الآفاق فليطل ، وتحققت سريعا نبوءته بفتح القدس ونراه بين من حفّوا بصلاح الدين فى موقعته الماحقة موقعة حطّين على حافة طبريّة وله يهنئه بهذا النصر العظيم وما أنزل بحملة الصليب من ضربة قاصمة لم يفيقوا بعدها أبدا إذ كبّت الكثرة منهم على وجوهها ووقع ملوكهم وصناديدهم فى أسر البطل العربى.
وله يقول : جلت عزماتك الفتح المبينا .. وقد قرّت عيون المؤمنينا .. قضيت فريضة الإسلام منه .. وصدّقت الأمانى والظنونا .. فألمم بالسواحل فهى صور .. إليك وألحق الهام المتونا.. وقلب القدس مسرور ولولا .. سطاك لكان مكتثبا حزينا .. أدرت على الفرنج وقد تلاقت .. جموعهم عليك رحى طحونا.
ويذكر انتصارات صلاح الدين المتلاحقة على حملة الصليب فى بيسان وغير بيسان وتتراءى له مدن الساحل الشامى وهى تنتظر مخلصها ومنقذها من الظلمة الأشرار وإن القدس ليكاد يطير فرحا فقد أصبح وشيك الخلاص ، وفعلا لم تمض شهور حتى فتحت أبوابه لصلاح الدين وعاد وعاد معه المسجد الأقصى إلى الإسلام والمسلمين.
وإنه ليصيح مبتهجا فرحا : لقد ساغ فتح القدس فى كلّ منطق .. وشاع إلى أن أسمع الأسل الصّمّا .. فليت فتى الخطّاب شاهد فتحها .. فيشهد أن السهم من يوسف أصمى .. حبا مكة الحسنى وثنّى بيثرب .. وأطرب ذيّاك الضريح وما ضمّا .. وأصبح ثغر الدين جذلان باسما .. وألسنة الأغماد توسعه لثما.
لقد فتح القدس عنوة وإن قعقعة السلاح لتكاد تسمع الصّمّ وقد عاد المسجد وعادت فيه الصلاة وتكبيرات المصلين وأذان المؤذنين ويقرن فتح صلاح الدين للقدس فتحا حربيّا بفتح عمر بن الخطاب لها من قبل سلما ، ويصور ابتهاج مواطن الوحى فى مكة ويثرب وابتهاج الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا الفتح المبين وكيف عمت البهجة والفرحة القدس ثغر الدين وكأنما ألسنة الأغماد تعانقه وتقبله تقبل كل ركن فيه.
وله وراء هذه القصائد فى صلاح الدين ست عشرة قصيدة ونراه بعد وفاته يلزم ابنه نور الدين صاحب دمشق فيمدحه بقصائد مختلفة ، غير أنه أخذ يتبرم بالشام وبمن حول نور الدين كما يتضح من قوله فى مدحة له : أبكتنى الأيام مذ ضحكت لى عن نيوب نوائب عصل .. أفسدن خلانى فمالى فى السّرّاء والضّراء من خلّ.
وكان هذا الشعور بأنه لم يعد له صديق وفىّ فى موطنه سببا فى أن يشدّ رحاله إلى القاهرة فينزل بها ويتخذها دار مقام له حتى وفاته سنة 604 وشعر فيها بأنه حياته أصبحت رغدة ناعمة وذكر ذلك مرارا فى شعره ، وكان قد وطد علاقاته بكثيرين من كبار رجال الدولة وفى مقدمتهم القاضى الفاضل وله فيه اثنتا عشرة قصيدة ، وبمجرد أن وضع قدمه فى القاهرة أصبح من ندماء العزيز عثمان بن صلاح الدين حتى وفاته سنة 595 وله فيه أكثر من ثلاثين مدحة.
وربما كانت أيام العزيز أسعد أيامه بمصر وهو يصور فى مديحه منادمته له ومجالس أنسه وله مدائح فى السلطان العادل أخى صلاح الدين ولكن تنقصها الحرارة ، وقد عاش بمصر يتملى بمشاهد الطبيعة وصوّر ذلك فى كثير من شعره ، وفى دار الكتب المصرية ديوان له خاص بمقطعات النيل يبدو أنه اختيارات من ديوانه ، وسنذكر بعضا من قصائده فى طبيعة دمشق وطبيعة مصر وأيضا بعضا من خمرياته “.
ونختم بما وصفه له ابن فضل الله في مسالك الأبصار فقال : ” ابن الساعاتي عليّ بن رستم بهاء الدين أبو الكرم الخراساني ، شاعر كلّ وصف حقيق وثائر كلّ ساعة منه بعمر الشقيق ولا يضاهي حسن ديباجته الحقائق ولا تعدّ نظير درجته الرقائق. بفطنة زائدة وفطرة لم تنفق ساعاته بغير فائدة ، مذ نشأ بذّ من أنشا ومن حين راهق ساير النجوم ورافق ومن أوّل ما نزع التمائم برع في أهل العمائم وشرع يفتّق الزهر من الكمائم ويهزّ الغصن تحت الحمائم وكان ذا شباب رقّ ماؤه وترف نعماؤه.
يجلو قمر السّماء ويعطو بجيد ظبية أدماء ترف عليه طرّة وسالف ولين أعطاف لا تخالف ، ولم يخل مذ كان من كآبة معشوق وصبابة مشوق حتى عدّ في الأعيان وقعد على ذروة البيان وقرّبته الملوك فحظي بالجميل وحبي بالجزيل وكانوا إذا أنشد لديهم الشعراء قدّم ابن الساعاتي، وأحسن إذا أساء العاتي لروائع لا يقدر الواصف يوقّنها وبدائع ما مضى قبلها فآتى ذلك الساعة التي أنت فيها “.

13 / دار الطراز في عمل الموشحات
عرفت الأندلس في عصور ازدهارها نمطا من الشعر الغنائي عرف باسم (الموشحات الأندلسية) وقد انتشرت في المغرب ومنه إلى مصر والمشرق حيث ظهرت مثيلات لها تعرف باسم (الموشحات المصرية) ، وأول من كتب في قواعدها وأصولها هو الشاعر والأديب هبة الله بن سناء الملك الذي ولد في القاهرة عام 550 هـ / 1155 م وتوفي فيها عام 608 هـ / 1211 م ، وقد نشأ في أسرة كانت تتولى أعمال القضاء في العصر الأيوبي.
وتتلمذ الشاعرعلى يد القاضي الفاضل الذي قربه وخصه بمراسلات متبادلة بينهما صارت من عيون الأدب العربي وضمنها في كتاب بعنوان (فصوص الفصول وعقود العقود) والذي يقارب خمسمائة صفحة من الرسائل والنثريات المختلفة ، وله كتاب (روح الحيوان) اختصر فيه كتاب الحيوان للجاحظ وله ديوان شعر رائق يقارب ستمائة صفحة ضمنه عددا من الموشحات من نظمه.
وقد استهل ديوانه بقصيدة شهيرة في مدح السلطان صلاح الدين الأيوبي يقول فيها : بدولة الترك عزت ملة العرب .. وبابن أيوب ذلت شيعة الصلب .. وفي زمان ابن أيوب غدت حلب .. من أرض مصر وعادت مصر من حلب .. ولابن أيوب دانت كل مملكة .. بالصفح والصلح أو بالحرب والحرَب .. مظفر النصر منعوت بهمته .. إلى العزائم مدلول على الغلب.
وفي مقدمة كتابه دار الطرز يشرح أسباب اهتمامه بفن الموشحات فقال : ” بسم الله الرحمن الرحيم رب أنعمت فزد ، الحمد لله استفتاحًا بحمده واستنجاحًا بذكره ورحمة الله وبركاته وسلامه وصلاته على سيدنا وسيد النبين والمرسلين والآخرين والأولين محمد وآله الأقربين الأطيبين وصحابته المنتخبين المنتجبين.
وبعد ؛ فإن الموشحات مما ترك الأول للآخر وسبق بها المتأخر المتقدم وأجلب بها أهل المغرب على أهل المشرق وغادر بها الشعراء من متردم ، مُلحةُ الدهر وبابل السحر وعنبر الشّحر وعود الهند وخمر القفص وتبر الغرب ومعيار الأفهام وميزان الأذهان ولباب الألباب ، تلهى وتطرب وتؤيس وتطمع وتخلب وتجلب وتفرغ وتَشغَل وتُؤنس وتُنفِر ، هزلٌ كله جِدّ وجِدّ كله هزل ونظم تشهد العين أنه نثر ونثر يشهد الذوق أنه نظم ، صار المغرب بها مشرقًا لشروقها بأفقه وإشراقها في جوه وصار أهله بها أغنى الناس لظفرهم بالكنز الذي ذخرته لهم الأيام وبالمعدن الذي نام عنه الأنام.
وكنت في طليعة العمر وفي رعيل السن قد هِمتُ بها عشقًا وشغفت بها حبًّا وصاحبتها سماعًا وعاشرتها حفظًا وأحطت بها علمًا واستخرجت خباياها واستطلعت خفاياها وقَلبتُ ظهورها وبطونها وعانقت أبكارها وعُونها وغصت على جواهرها المكنونة ، وتخطيت من أخبارها المعلومة إلى أسرارها المكتومة ولبثت فيها من عمري سنين إلى أن عرفت أن معرفتها تزكية للعقل وتعديل للفهم وجهلها تجريح للطبع وتفسيق الذهن وأنه لا أدل على أن الذهن لطيف والفهم شريف والطبع فايق والعقل راجح إلا معرفتها فإن العارف بها قد شهدت له معرفته بذكاء الحس وضياء النفس وإشراق نور الفهم ورقة حاشية العلم كما أنه لا أدل على أن الفهم فدم والعقل غفل والذهن عهن والطبع طَبِع والخلق خَلَق إلا جهلها ، فإن الجاهل بها بعد سماعها قد شهِد جهله بأنه كز الغريزة جاسي الطبيعة غليظ الحاشية فطير الفِطرة عاميُّ الفكرة بهيمي الهمة لم يخرج بعد إلى وجود الأدب ولا بينه وبين الفضل نسب ولم أعن بالجاهل بها من لم يصنعها بل من إذا سمعها فكأنه لم يسمعها.
ولما كانت الموشحات بهذه المثابة ولها في سوق الأدب هذه القيمة ولم أر أحدًا صنف في أصولها ما يكون للمتعلم مثالًا يحتذى وسبيلًا يقتفى ، جمعت في هذه الأوراق ما لا بد لمن يعاينها ويعنى بها من معرفته ولا غناء به عن تفصيله وجملته ليكون للمنتهي تذكرة وللمبتدي تبصرة ، وبالله التوفيق “.
وقد ذكره العماد الكاتب في خريدة القصر فقال : ” السعيد أبو القاسم هبة الله بن الرشيد جعفر بن سناء الملك ، كنت عند القاضي الفاضل في خيمته بمرج الدلهمية ثامن عشر ذي القعدة سنة سبعين فأطلعني على قصيدة له كتبها إليه من مصر وذكر أن سنه لم تبلغ إلى عشرين سنة فأعجبت بنظمه.
والقصيدة هذه نسختها من خطه : فراقٌ قضى للهمِّ والقلبِ بالجَمْعِ .. وهَجْرٌ تولَّى صُلْحَ عيني مع الدمع .. ووصلٌ سعى في قطْعه من أُحِبُّهُ .. ولا عجباً قد يهلك النجم بالقَطْعِ .. ورَبْعٌ لذات الخال خالٍ وربما .. شُغِلْتُ بهمِّي من مُساءَلَةِ الرَّبْعِ .. فسبحان ربي قد سَمَت هِمَّةُ النَّوَى .. وطالت إلى أن فَرَّقَت ساكني جمْعِ ..
ثم وصل إلى الشام في شهر رمضان سنة إحدى وسبعين في الخدمة الفاضلية فوجدته في الذكاء آية أحرز في صناعة النثر والنظم غاية ، يتلقى عرابة العربية له باليمين راية قد ألحفه الإقبال الفاضلي في الفضل قبولاً وجعل طين خاطره على الفطنة مجبولاً ، وأنا أرجو أن تترقى في الصناعة رتبته وتعزر عند تمادي أيامه في العلم نغبته وتصفو من الصبا منقبته، وتروى بماء الدربة رويته وستكثر فوائده وتؤثر قلائده.
ومن جملة ما كتبه لي بخطه وأملعنيه بنقطه وأبرزه لي من سمطه قصيدٌ يمدح بها الأجل الفاضل أبا علي عبد الرحيم بن علي البيساني ويذكر مسيره صحبته للكتابة بين يديه ويهنئه بعيد الفطر : إِن كنتَ ترغبُ أَنْ ترانا فالْقَنا .. يومَ الهياجِ إِذا تشاجرتِ القَنَا .. تلقَ الأُلى يُجنيهمُ ثمرَ العلا .. قُضُبٌ يلذُّ بها الجنى ممن جنى .. لا يشربون سوى الدماءِ مُدامةً .. إذ ينشقونَ من الأسنة سوسنا .. وإِذا الحسامُ بمعركٍ غنَّى لهمْ .. خلعوا نفوسهمُ على ذاك الغِنَا ..
وقال يمدح أباه ويودعه عند مسيره مع الأجل الفاضل إلى الشام : أَناخَ بها البارقُ الممطرُ .. ومرَّ النسيمُ بها يخطرُ .. وأحيا مسيحُ الحيا نشرَها .. فأصبحَ مَيِّتُها يُنْشَرُ .. وأُضْرِمَتِ النارُ من فوقها .. ففاح لها النَّدُ والعنبر .. ونبَّهَ فيها صهيلُ الرعودِ .. لواحظ ما خلتُها تسهر ..
وقال موشحاً يمدح به أباه : أَخْمَلَ ياقوتَ الشفقْ .. دُرُّ الدراري .. وساح في أُفْقِ الغَسَقْ .. نَهْرُ النهارِ .. وفتَّ كافورُ الصباحْ .. مسكَ السماءِ .. وفاح من نشرِ الأَقاحْ .. نشرُ الكَبَاءِ .. وهبَّ من جسم الرياحْ .. مثلُ الهباءِ .. ولاح من زَهْرِ البطاحْ .. نَدُّ الهواءِ .. وسار في بَدْرِ الأُفُقْ .. سِرُّ السِّرارِ .. وقد وقى الشمسَ الغَرَقْ .. منه سماري ..
وقال موشحاً يرثي أمه : يا مَا عَرَا قلبي وما دهاهْ .. مضى نُهَاهْ .. لما نهاهُ الوجد مَعْ مَنْ نَهاهْ .. ما زال لي مذ دهاني الزمانْ .. أُنْسٌ شجاعٌ واصطبارٌ جَبَانٌ .. وعَبْرَةُ خالِعَةٌ للعِنَانْ .. لا تقبلُ الصونَ وترضى الهوانْ .. وناظري قد غاب عنه كراهْ .. تُرى سَرَاه .. أَو يُفْسِحُ الدهرُ له في شِرَاهْ .. صبراً جميلاً أين صبرٌ جميلْ .. ذاك سبيلٌ ما إليه سبيلْ .. وقتي قصيرٌ وحديثي طويلْ .. حسبكَ مَنْ راحتُهُ في العويلْ “.
وقد ترجم له ياقوت الحموي في معجم الأدباء فقال : ” هبة الله القاضي السعيد بن القاضي الرشيد جعفر بن سناء الملك محمد بن هبة الله بن محمد السعدي المصري المعروف بابن سناء الملك ، أحد أدباء العصر وشعرائه المجيدين ذاع صيته وسار ذكره ، أخذ عن الحافظ أبي طاهر أحمد بن سلفة واتصل بالقاضي الفاضل عبد الرحيم البيساني فكانت له منزلة عنده وكان في خدمته بدمشق سنة إحدى وسبعين وخمسمائة ثم عاد إلى القاهرة ، وكان بينه وبين الفاضل ترسل ومدحه بعدة قصائد.
وصنف كتاب روح الحيوان لخّص فيه كتاب الحيوان للجاحظ وله ديوان موشحات سماه دار الطراز وديوان شعر وديوان رسائل ، مات يوم الأربعاء رابع شهر رمضان سنة ثمان وستمائة بالقاهرة.
ومن شعره قوله يمدح الملك المعظم توران شاه وأجاد ما شاء : تقنعت لكن بالحبيب المعمّم .. وفارقت لكن كلّ عيش مذمّم .. وباتت يدي في طاعة الحبّ والهوى .. وشاحا لخصر أو سوارا لمعصم .. وأثريت من دينار خدّ ملكته .. فأحسن وجه بعده مثل درهم .. يزيد احمرارا كلما زدت صفرة .. كأنّ به ما كان بي زمن الدم .. توقد ذاك الخدّ واخضرّ نضرة .. فأبصرت منه جنة في جهنم “.
وذكره المنذري في كتاب التكملة على وفيات النقلة في وفيات سنة 608 هـ فقال : ” وفي العشر الأول من شهر رمضان توفي القاضي الأجل السعيد أبو القاسم هبة الله ابن القاضي الأجل الرشيد أبي الفضل جعفر ابن القاضي الأجل سناء الملك أبي عبد الله محمد ، بالقاهرة.
قرأ القرآن الكريم على الشريف الخطيب أبي الفتوح ناصر بن الحسن الزيدي وقرأ النحو على العلامة أبي محمد عبد الله بن بري النحوي وسمع بالاسكندرية من الحافظ أبي طاهر أحمد بن محمد بن أحمد الأصبهاني.
وله مصنفات في الأدب مشهورة وشعر فائق وكتب في ديوان الإنشاء مدة ، وهو أحد الفضلاء المذكورين والشعراء المشهورين رأيته غير مرة ، لم يتفق لي السماع منه وسمعت شيئا من شعره من أصحابه ، ومولده سنة خمس وأربعين وخمس مئة “.
وكتل عنه ابن خلكان في وفيات الأعيان فقال : ” ابن سناء الملك القاضي السعيد أبو القاسم هبة الله بن القاضي الرشيد أبي الفضل جعفر بن المعتمد سناء الملك أبي عبد الله محمد بن هبة الله بن محمد السعدي ، الشاعر المشهور المصري صاحب الديوان الشعر البديع والنظم الرائق ، أحد الفضلاء الرؤساء النبلاء وكان كثير التخصص والتنعم وافر السعادة محظوظاً من الدنيا.
أخذ الحديث عن الحافظ أبي الطاهر أحمد بن محمد ابن أحمد السلفي الأصبهاني رحمه الله تعالى ، واختصر كتاب الحيوان للجاحظ وسمى المختصر روح الحيوان وهي تسمية لطيفة ، وله كتاب مصايد الشوارد وله ديوان جميعه موشحات سماه دار الطراز وجمع شيئاً من الرسائل الدائرة بينه وبين القاضي الفاضل وفيه كل معنى مليح .
واتفق في عصره بمصر جماعة من الشعراء المجيدين وكان لهم مجالس يجري بينهم فيها مفاكهات ومحاورات يروق سماعها ، ودخل في ذلك الوقت إلى مصر شرف الدين بن عنين فاحتفلوا به وعملوا له وكانوا يجتمعون على أرغد عيش ، وكانوا يقولون هذا شاعر الشام ، وجرت لهم محافل سطرت عنهم ولولا خشية التطويل لذكرت بعضها.
ومن محاسن شعره بيتان من جملة قصيدة يمدح بها القاضي الفاضل رحمه الله تعالى وهما : ولو أبصر النظام جوهر ثغرها .. لما شك فيه أنه الجوهر الفرد .. ومن قال إن الخيزرانة قدها .. فقولوا له إياك أن يسمع القد ، ومن شعره أيضاً : لا الغصن يحكيك ولا الجؤذر .. حسنك مما كثروا أكثر .. يا باسماً أبدى لنا ثغره .. عقداً ولكن كله جوهر .. قال لي اللاحي أما تسمع … فقلت يا لاحي أما تبصر.
وله يتغزل بجارية عمياء : شمس بغير الشعر لم تحتجب .. وفي سوى العينين لم تكسف .. مغمدة المرهف لكنها .. تجرح بالجفن بلا مرهف .. رأيت منها الخلد في جؤذر .. ومقلتي يعقوب في يوسف .
ومن نثره في وصف النيل في سنة كان ناقصاً ولم يوف الزيادة التي جرت بها العادة ، يقال إنه كتبه من جملة رسالة إلى القاضي الفاضل وهو : (وأما أمر الماء فإنه نضبت مشارعه وتقطعت أصابعه وتيمم العمود لصلاة الاستسقاء وهم المقياس من الضعف بالاستلقاء) ، وهذا من أحسن ما يوصف به نقصان النيل ..
وتوفي والده جعفر في منتصف شهر رمضان سنة ثمانين وخمسمائة ثم رأيت بخط بعض أصحابنا ممن له عناية بهذا الفن أنه توفي يوم الثلاثاء خامس ذي الحجة سنة اثنتين وتسعين ، ومولده منتصف شوال سنة خمس وعشرين وخمسمائة والله أعلم “.
سير أعلام النبلاء ابن سناء الملك : ” القاضي الأثير البليغ المنشئ أبو القاسم هبة الله بن جعفر ابن القاضي سناء الملك محمد بن هبة الله المصري الشاعر المشهور ، قرأ القرآن على الشريف أبي الفتوح والنحو على ابن بري وسمع من السلفي وله ديوان مشهور ومصنفات أدبية وكتب في ديوان الترسل مدة .
وله :وملية بالحسن يسخر وجهها .. بالبدر يهزأ ريقها بالقرقف .. لا شيء أحسن من تلهب خدها بالماء إلا حسنها وتعففي .. والقلب يحلف أن سيسلو ثم لا .. يسلو ويحلف أنه لم يحلف ، توفي في رمضان سنة ثمان وستمائة عن بضع وستين سنة “.

14 / ديوان ابن الذروي
يعد ابن الذروي من أشهر شعراء العصر الأيوبي واشتهر بشطر بيت من الشعر تناقلته ألسن العامة في العصور اللاحقة وهو قوله : (وشبه الماء بعد الجهد بالماء) للدلالة على بذل التعب الشديد بلا نتيجة ، وذكره ابن شاكر الكتبي في كتابه وفات الوفيات فقال : ” ابن الذروي علي بن يحيى القاضي الوجيه المعروف بابن الذروي شاعر مجيد وكانت وفاته بالديار المصرية ” ، وذكره العماد الكاتب في خريدة القصر فقال : ” الوجيه ابن الذروي أبو الحسن علي بن يحيى شاب نشأ في هذا الزمان موصوف بالإجادة والإحسان “.
ووصفه ابن فضل الله العمري في صدر ترجمته له في كتاب مسالك الأبصار بقوله : ” علي بن الحسين بن الحسن بن أحمد أبو الحسن وجيه الدين عرف بابن الذروي .. شاعر لو عاصره التهامي لاتهم أو الخفاجي لأخفى سنى ضوئه وكتم ، أو بارعه مهيار لقيل له يا عجمي كيف تفاخر العرب ، أو الصنوبري لقيل يا رائد الروض هل لك من أربه ؟ ، أوصى إليه بمسار لعلم أنه ما له من شبيه أو بمحار لقيل أين مدى المقصر في السبق من الوجيه “.
وقد ذكره الدكتور شوقي ضيف في كتابه تاريخ الأدب العربي فقال : ” ابن الذّروىّ هو الوجيه على بن يحيى الذّروىّ أصله أو أصل آبائه من ذروة بلدة باليمن ، وفى ترجماته ما يدل على أنه نشأ بمصر إن لم يكن ولد بها ، وهو من شعراء الدولتين الفاطمية والأيوبية ، ويقول ابن سعيد : إنه رأى ديوانه وقرأ فيه مدائح فى الخليفة العاضد فى صباه وأخرى فى صلاح الدين وأخيه العادل والقاضى الفاضل وابن شكر وزير العادل.
ويذكر بعض المعاصرين أنه توفى سنة 577 وقد ذكره العماد فى الخريدة التى ألفها فى أوائل العقد الثامن من القرن السادس فقال إنه شاب نشأ فى هذا الزمان ، وفى كلام ابن سعيد المار أنه مدح الخليفة الفاطمى العاضد فى صباه وذكر أنه مدح ابن شكر وزير العادل منذ سنة 595 ولم يذكر السيوطى فى حسن المحاضرة تاريخ وفاته غير أنه ذكره بعد ابن سناء الملك المتوفى سنة 608 وكل ذلك يؤكد أنه لحق القرن السابع وعاش فيه فترة من الزمن.
وكان ابن الذروى شاعرا مجيدا نوّه به معاصروه فى المديح وأنشد له ابن شاكر فى الفوات مقطعات غزلية بديعة ، ويبدو أن ابن سعيد لم يكن يعجب به، إذ قال إنه اطلع على ديوانه فوجده دون ما كان يظن “.
وذكر ابن خلكان في وفيات الأعيان قصيدة لابن الذروي مدح فيها الأمير مبارك بن منقذ الكناني فقال : ” ولم يزل سيف الدولة المذكور مقدما في الدولة كبير القدر نبيه الذكر رئيسا عالي الهمة وكانت فيه فضيلة وكان يحب أربابها ومدحه جماعة من مشاهير الشعراء ، ومن جملة مداحه القاضي الوجيه رضي الدين أبو الحسن علي بن أبي الحسن يحيى بن الحسن بن أحمد المعروف بابن الذروي مدحه بقصيدته الذالية التي سارت مسير المثل وأولها : لك الخير عرج بي على ربعهم فذي .. ربوع يفوح المسك من عرفها الشذي .. وذا يا كليم الشوق واد مقدس .. لدى الحب فاخلع ليس يمشيه محتذي.
ومن جملتها :وبي ظبي إنس كمل الله حسنه .. وقال لأفواه الخلائق عوذي .. جلا تحت ياقوت اللمى ثغر جوهر .. رطيب وأبدى شاربا من زمرذ .. ولي عذل أبدي التشاغل عنهم .. إذا أخذوا في عذلهم كل مأخذ .. يقولون من هذا الذي مت في الهوى .. به كمدا يا رب لا عرفوا الذي .. ورب أديب لم يجد في ارتحاله .. جوادا إذا ما قال هات يقل خذ .. أقول له إذا قام يرحل مصعبا .. يكلفه طول السفار وقد حذي .. مبارك وفد العيس باب مبارك .. وهل منقذ القصاد إلا ابن منقذ ، ومن مديحها وفيه صناعة بديعة : وألين عند السلم من بطن حية .. وأخشن يوم الروع من ظهر قنفذ ، وهي قصيدة نفيسة اقتصرت منها على هذه الأبيات حذرا من التطويل ” .
وذكر العماد بعض أشعاره ومنها قوله في هجاء شاعر أحدب الشاعر هو ابن أبي حصينة فقال : لا تظنَّنَّ حَدْبَةَ الظهر عَيْباً .. فَهْي للحسْنِ من صفات الهلال .. وكذاك القسيُّ مُحْدَوْدِبَاتٌ .. وهْيَ أنكى من الظُّبَا والعوالي ، وله في المهذب جعفر المعروف بشلعلع : لا تَصْحَبَنَّ سوى المهذَّب جَعْفَرٍ .. فالشيخُ في كل الأمور مُهَذَّبُ .. طَوْرَا يُغَنِّي بالرَّبَاب وتارةً .. تأتي على يده الرَّبَابُ وزينبُ.
وشرح الدكتور شوقي ضيف قصة شطر البيت المشهور فيقول : ” وكان يعاصره فى شبابه شاعر يسمى هبة الله بن وزير دخل معه حماما فقال ابن وزير : لله يوم بحمّام نعمت به .. والماء ما بيننا من حوضه جارى .. كأنه فوق شفّاف الرّخام ضحّى .. ماء يسيل على أثواب قصّار ، والقصّار مبيض الثياب وغاسلها وكأن الشاعر غفل فشبه الماء بالماء.
وانتهز الصديق ابن الذروى الفرصة فقال على البديهة : وشاعر أوقد الطبع الذكاء له .. فكاد يحرقه من فرط إذكاء .. أقام يجهد أياما قريحته .. وشبّه الماء بعد الجهد بالماء ، وشاع الشطر الأخير على ألسنة المصريين إلى اليوم لكل من يصيبه مثل هذا العى فى الكلام عمدا أو غفلة “.
وذكر ابن شاكر الكتبي جانبا من أشعاره ومنها في الغزل : جن به العاذل لما رآه … وعاد يستعذر مما جناه .. أتاه كي يهدي إلى سلوة … عنه فضل العقل منه وتاه .. وهل يطيع القلب تقييده … وقد عصى لما نهته نهاه .. الحب بالكتمان عقل فإن … تجد به وشاه قول الوشاه .. وما على العاذل من مغرم … شفاؤه ما ضمنته الشفاه .. هويته كالروض في حسنه … إذا رضيت بالوصف مني حلاه .. ينور وجهاً وابتساماً، فما … نعرف منه الثغر لولا لماه.
وله أيضا في الغزل الصريح : تلك القدود مع الأرداف إن خطرت .. ما القضب قضب ولا الكثبان كثبان .. سقوا من الحسن ماء واحداً فبدا .. منهم لنا غير صنوان وصنوان .. يا يوم توديعهم ماذا به ظفرت .. عيني من الحسن لو والاه إحسان .. جئنا فولى بها الإعراض من حذر .. فكيف لم تتلفت وهي غزلان .. من كل قانية الخدين ناهدة .. لو كان للضم أو للثم إمكان .. يدل على وجنتيها الجلنار على .. أن الذي حاز منها الصدر رمان.
وقد تبقى من ديوانه الشعري مائة صفحة تحوي أربعا وثمانين قصيدة في أغراض الشعر المختلفة وقد حققه الباحث الدكتور مشهور الحبازي وطبع حديثا ، وتناول في دراسته مدائح الشاعر في صلاح الدين الأيوبي والملك العادل وعلاقة الشاعر بالأدباء في زمنه مثل القاضي الفاضل وأسامة بن منقذ وجعفر بن المفضل المعروف بشلعلع وعلي بن بدر العطاردي وابن ظافر الأزدي وابن سناء الملك وابن أبي حصينة وعلي بن مفرج ابن المنجم وهبة الله بن وزير بن مقلد المصري.
وذكر الباحث أن ابن الذروي تتلمذ على يد أستاذه الشاعر والأديب ابن قلاقس الإسكندري فقال في مقدمة تحقيقه للديوان : ” اتصل ابن الذروي بأستاذه الشاعر ابن قلاقس في الإسكندرية عندما كان في عنفوان شبابه فعمل ابن قلاقس على تعليم ابن الذروي علوم الأدب بعامة وعلم العروض بخاصة إذ قام بتنقيح أشعار ابن الذروي وتعليمه طرق النظم الجيدة التي تسمو بشعره ، قال ابن ظافر الأزدي : وابن قلاقس مغري به دائب في تهذيبه مبالغ في تقضيض شعره وتذهيبه.
ولم يكتف ابن قلاقس بتعليم تلميذه طرق النظم الجيدة بل كان يقرأ ما ينظمه وينقحه وكان في أحيان عديدة يخرج معه للتنزه ويطلب منه النظم في قضايا معينة ثم يبين رأيه فيما نظمه ، ففي أحد الأيام خرج الاثنان في نزهة إلى منارة الإسكندرية وطلب ابن قلاقس من تلميذه وصف المنارة وهما عليها فنظم ابن الذروي مقطعة أعجبت ابن قلاقس ما دفعه إلى تقريظها فقال (البحر البسيط) : ولم يدع حسنا فيه أبو حسن .. إلا تحكم فيه كيف يختار .. حلي المنارة لما حل ذروتها .. بجوهر الشعر بحر منه زخار .. وما زال يذكي بها نار الذكاء إلى .. أن أصبحت علما في رأسه نار “.
ومن ديوانه قصيدة في مدح القاضي الفاضل عند عودته من الحج سنة 574 هـ يقول فيها : زدت بالحج بعد غاية دين .. فسحبت الكمال كالبرد سحبا .. خشية لم تجد لتقواك تقصير .. أو ثوب لم يلف عندك ندبا .. هو حج لقد تعاظم قدرا .. وتلا مبتداه أحمد عقبى .. سرت في الله سير من كان بالصوم .. معنى وللصلاة محبا .. كاد أنلا يرى المياه فما .. منك ولا تلمس المضاجع جنبا .. علم البحر أنك الخلق وافاه .. فأمسى حشاه يخفق رعبا.
ومدح الحاجب حسم الدين لؤلؤ بعد انتصاره سنة 578 هـ على أرناط الإفرنجي في أيلة وعيذاب والحجاز فقال : يا حاجب المجد الذي ما له .. ليس عليه في الندى حجبة .. ومن دعوه لؤلؤا عندما صحت من البحر له نسبة .. ذدت الأعادي بمواضيك عن .. قبر رسول الله والكعبة .. داركتهم في البحر لما غدو .. بعزمة كانت على أهبة .. فكم قتيل خر من طعنة .. وكم أسير سيق من ضربة .. لله ما تعمل من صالح .. فيه وما تظهر من حسبة .. كفيت أهل الحرمين العدا .. وذدت عن أحمد والكعبة.

15 / تاريخ الكنائس والأديرة
في عام 570 هـ / 1174 م بدأ الشيخ المؤتمن أبو المكارم سعد الله جرجس بن مسعود في كتابة مؤلفه المتميز (تاريخ الكنائس والأديرة) واستغرق منه هذا الجهد خمسة وثلاثين عاما حتى وفاته في عام 606 هـ / 1209 م وذلك وفق ما صرح به حيث يقول : آخر تسطير هذه السيرة في سنة تسعماية وخمسة وعشرين للشهداء الأبرار ، وقد عاش أبو المكارم في بيته بحارة زويلة بالقاهرة والمجاور وقتها لكنيسة السيدة مريم التي كان يعمل بها قسيسا ثم رئيسا للقساوسة (قمص) ، وهو يتحدث في كتابه عن ذلك أثناء وصفه الكنيسة المذكورة حيث يقول بعدها :
” ناظم الكتاب .. ساحة الدار المعروفة كانت سكن الشيخ المؤتمن أبو المكارم سعد الله بن جرجس ابن مسعود ناظم هذا الكتاب مجاور الكنيسة المذكورة من الجانب البحري وابتاعها فضيل ابن أبي حبيب الأرشي بهذه البيعة وجعل عليها حائط وعمر بها إسطبل وبيوت ثم أباعها بيعة المذكورة ، النصف منها ابتاعه أنبا غبريال أسقف مصر في سنة 583 الموافق سنة تسعمائة وثلاثة للشهداء بثمن مبلغه سبعة عشر دينارا ونصف منها ما تسلمه ثمن كأس فضية للبيعة وما يقوم به الأسقف أنبا غبريال المذكور أربعة دنانير ونصف ، والنصف الثاني ابتاعه أبو جميل الكاتب لهذه بمثل ذلك بشرط أن يعمل طوفس لدفن الموتى كما قرره الأسقف المذكور ” ، والأرشي هو معلم الكنيسة التي تقوم بالإرشاد وطافوس تعني مقبرة.
وهو أول عمل من نوعه حيث يعد أول مرجع متكامل في مجال علم الآثار القبطية ، وقد شمل الجزء الأول من الكتاب الكنائس والأديرة في القاهرة المعزية والدلتا والإسكندرية ووادي النطرون ، وفي الجزء الثاني يتناول الوجه القبلي من أول الفسطاط والبساتين مرورا بحلوان وطرة وحتى بلاد النوبة وفق الترتيب الجغرافي ، وفي الجزء الثالث كلا من سيناء وفلسطين وبلاد الشام والعراق والقسطنطينية وروما ويختم الكتاب بذكر التقسيم الإداري للأبروشيات في مصر ، وأضيف للكتاب بعد ذلك جزء رابع للفهارس يضم ما كتب في نفس الموضوع عند بقية المؤرخين.
ومن أمثلة ما كتبه في الدلتا قوله : ” المحلة الكبرى من كرسي سخا وتعرف بمحلة ابن دقلا وفيها ثلاث كنائس داخل البلد المذكور إحدتهم بيعة السيدة الطاهرة وتعرف بكنيسة الجناح اهتم بإنشائها مقارة ابن مكراوة في بطريكية خرسطاذلوس السادس وستين في عدد البطاركة ويوحنا أسقف كرسي سخا المعروف بابن الكاتي قبل أسقفيته في سنة تسع وسبعين وسبعمائة للشهداء الأطهار على ما شهد به اللوح المضروب على عتبتها الفوقانية بالقبطي وذلك في الخلافة المستنصرية ووزارة اليازوري.
بيعة ميخائيل الملاك جدد عمارتها مرقورة ابن مقارة السخاوي في بطريركية أنبا سيونيو وهو شنودة الخامس وستين في عدد الآباء البطاركة وأنبا مقارة أسقف كرسي سخا في سنة أربعة وخمسين وسبعمائة للشهداء الأبرار على ما شهد به اللوح المضروب على عتبتها في خلافة الظاهر لإعزاز دين الله ، بيعة القديس جورجيوس عتيقة وكانت وهنت كثيرا وتشعثت فرممها الشيخ البار أبو السري بن ميخا في وزارة شاور الثانية.
صندفا من الغربية بيعة للشهيد تادرس وفيها جسد يؤنس المعترف بالمسيح الذي اختار الآخرة عن الدنيا الفانية وتدين بالأمانة الأرثوذكسية وكان معروف بابن أبو الرجاء وصار قسيسا في اسكنا بنيامين بدير القديس أبو مقار وهو المعروف بوضع كتاب يعرف بالواضح ، وهذا البار المنتخب مدفونا في مطمورة تحت القبة التي للاراديون (الهيكل) وصنف هذا يؤنس كتب كثيرة منها كتاب نوادر المفسرين ، والكنيسة المذكورة خارج البلد.
محلة البرج من الغربية بيعة على اسم السيدة الطاهرة وذكر أنها كانت على اسم القديس جرجيوس وقيل إنها كانت متسعة واصلة إلى بحر المحلة وكان بها كنائس وكان من جملتها هذه وهي الهيكل الواحد على اسم السيدة ولم يفصل من البيعة الكبيرة غيره فاهتم بترميم هذا الهيكل المذكور وهندسته كنيسة لطيفة الشيخ الرئيس أبو المكارم ابن عبد المسيح الكاتب المعروف بابن الغزلي في وزارة طلائع ، وللملكيين بيعة على اسم جرجيوس بظاهر المحلة قريبة من بهرمس “.
وقد تتبع الباحث الدكتور سمير بدر ما ورد في الكتاب من معلومات جغرافية واجتماعية وذلك في كتابه (مدن الصعيد وقراه في كتاب تاريخ أبو المكارم) حيث يقول : ” ومصادر أبو المكارم في هذا السجل الحافل قائمة على المشاهدة والمعاينة والمساءلة ومطالعة السجلات والمراسيم والوثائق والكتابات الأثرية التي كانت بين يديه بالإضافة إلى بعض المصادر النصرانية والإسلامية.
وهو ما يجعل مادة الكتاب مصدرا أوليا غنيا لمن يبحث في تاريخ مدن الصعيد وقراه في القرن السادس الهجري / الثاني عشر الميلادي فكثير مما ذكره أبو المكارم لا تجده في مصدر آخر ، وأبو المكارم كان شاهد عيان يسجل في كتابه كثيرا من نواحي الصعيد وولاياته ومدنه وقراه ووديانه ثم يبرز كثيرا الجانب العمراني من خلال تناوله للكنائس والأديرة وهو الموضوع الأصلي للكتاب باعتباره أحد رجال الدين المسيحي.
والبحث الذي نحن بصدده يتتبع ما ذكره أبو المكارم عن كثير من بلاد الصعيد في أثناء رصده للكنائس والأديرة حيث تناول نشأة بعض النواحي والقرى ويقدم وصفا أثريا وعمرانيا لعدد من المدن كأسوار مدينة قوص وأسيوط وثغر أسوان ، كما يشير إلى عدد من مظاهر النشاط الاقتصادي ويستعرض مقاييس النيل في الوجه القبلي ، أما في الجانب التناريخي والاجتماعي فينفرد مؤرخنا ببعض الحوادث التاريخية فيصفها بعين المعاصرة.
ويسجل بعض العادات والتقاليد والاحتفالات التي شارك فيها كما يقدم عددا من الإحصاءات المالية والإدارية التي تتعلق بأعمال الوجه القبلي ونواحيه ويبرز علاقة ولاة مصر وعمال الإدارة المحلية بأقباط الصعيد سلبا وإيجابا ، وتنتهي الدراسة بتقديم سجل بأسماء مدن الصعيد وقراه في تاريخ أبو المكارم وما يقابله عند معاصره ابن مماتي وتوزيع تلك النواحي في العصر الحديث وفقا للقاموس الجغرافي “.

16 / ديوان ابن الصباغ
شاعر الصعيد في العصر الأيوبي هو أبو الحسن علي بن حميد بن الصباغ القوصي الذي ولد في قوص وتوفي في قنا عام 612 هـ / 1216 م حيث رحل إليها وصحب الشيخ عبد الرحيم القنائي وتزوج ابنته وصار من أكابر مريديه ، وهو من أوائل من كتب النثر والشعر الصوفي وضمن فيهما جانبا كبيرا من التأملات الحياتية والحكم الصوفية مع ميل إلى الوجد والسماع الذي كان مقدمة للإنشاد الديني بعد ذلك.
ومن أشهر أبياته الشعرية قوله : تسرمد وقتي فيك فهو مسرمد .. وأفنيتني عني فعدت مجردا .. وكلي .. بكل الكل وصل محقق حقائق حق في دواماً تخلدا .. تفرد أمري، فانفردت بغربتي .. فصرت قريباً في البرية أوحدا ، وقوله : بقائي فناء في بقائي مع الهوى .. فياويح قلب في فناء بقاؤه .. وجودي فناء في فنائي فإني .. مع الأنس يأتيني هنياً بلاؤه .. فيا من دعا المحبوب سراً فسره .. أتاك المنى يوماً أتاك فناؤه.
ومن شعره بحضرة شيوخه قوله : خليلي من طول الملام دعاني .. لقد جل ما بي في الهوى وكفاني .. دعا الحب قلبي فاستجابت جوارحي .. وبلت دموعي بالذي ترياني .. فيا من تجنيه ليس بذلة .. فصرت وما أن في الورى لك ثاني .. كأن رقيبا منك يرعى خواطري .. وآخر يرعى ناظري ولساني .. أسر وأخفي ما بقلبي من الهوى .. على كل حال في يديك عناني .. وأنت على الحالات لا شك ناظر .. على القرب والبعد البعيد تداني .. فجد سيدي بالقرب منك فإنني .. أوصله يا من بذاك يداني.
وقد ذكر نور الدين الشطنوفي جانبا من أشعاره مع ذكر المواقف التي قيلت فيها هذه الأشعار وما يغمرها من أجواء الوجد والوله والبكاء والحنين وذلك في كتابه (بهجة الأسرار ومعدن الأنوار) حيث يقول : ” أخبرنا الشيخ أبو المعالي فضل الله ابن الشيخ أبي إسحاق إبراهيم بن أحمد الأنصاري قال : سمعت الشيخ أبا الحجاج الأقصري رضي الله عنه يقول :
كان الشيخ أبو الحسن الصباغ رضي الله عنه مارا في بعض السنين وقت الضحى بين بساتين قوص فرأى حمامة على شجرة تعدد بصوت شجي فوقف يسمعها ثم تواجد واستغرق في وجده وأنشد : حمام الأراك ألا فاخبرينا .. بمن تهتفين ومن تندبينا .. فقد سقت ويحك نوح القلوب .. فأجرين ويحك ماء معينا .. تعالى نقم مأتما للفراق .. ونندب أحبابنا الظاعنينا .. وأسعدك النوح كي تسعديني .. كذاك الحزين يواسي الحزينا.
ثم بكى طويلا وأنشد : أتبكي حمام الأيك فقد إلفها .. وأصبر عنه كيف ذاك يكون .. ولم أنا لا أبكي وأندب ما مضى .. وداء الهوى بين الضلوع دفين .. وقد كان قلبي قبل حبي قاسيا .. فإن دامت البلوى فسوف يلين .. ألا هل على الشوق المبرح مسعد .. وهل لي على الوجد الشديد معين .. سلام على قلب تعرض بالهوى .. سلام عليه أحرقته شجون .. وعذبه هم يهيج حزنه .. فللهم والأحزان فيه فنون.
ثم خر مغشيا عليه فلما أفاق أنشد : غن لي في الفراق صوتا حزينا إن بين الضلوع داءً دفينا .. ثم جد لي بدمع عينيك بالله وكن لي على البكاء معينا .. فسأبكي الدماء فضلا على الدمع ومثل الفراق أبكي العيونا .. كل أمر الدنيا حقير يسير غير أن يفقد القرين القرينا ، قال : فجرى الدمع من مقلتيه وسقطت الحمامة إلى الأرض بين يدي الشيخ وجعلت تصفق بجناحيها حتى ماتت فأنشد :
وردنا على أن الهوى مشرب عذب .. وحط به للسفر أشواقه الركب .. فلما وردنا ماءه ألهب الظما .. إلا من رأى ظمآن ألهبه الشرب .. أكب الهوى يذكي على زناده .. أيا قادحا أمسك فقد علق الحب .. ولو أنني أخليت قلبي لغيركم .. من الناس محبوبا لما وسع القلب .. ترى تسمح الأيام منكم بنظرة .. فتلقى على الأيدي الرسائل والكتب .. أعاتبكم لا عن ملال ولا قلى .. ولكن إذا صاح الهوى حسن العتب “.
وقد ذكره المنذري في التكملة في وفيات سنة 612 هـ فقال : ” وفي النصف من شعبان توفي الشيخ الأجل الزاهد العارف أبو الحسن علي بن حميد المعروف بابن الصباغ بقنا من صعيد مصر الأعلى ودفن برباطه بها ، صحب جماعة من الصالحين وانتفع به جماعة كبيرة.
واجتمعت به بقنا في سنة ست وست مئة وقدم أيضا الفسطاط وأقام به يسيرا وتوجه إلى موضعه وظهرت بركاته على الذين صحبوه وهدى الله تعالى به خلقا ، وكان حسن التربية للمريدين ينظر في مصالحهم الدينية وتكثيرها والثبات عليها كما ينظر محصل الدنيا لأربابها “.
وترجم له الإدفوي في الطالع السعيد وذكر جانبا من أشعاره فقال : ” علىّ بن حميد ابن الصبّاع القوصىّ .. علىّ بن حميد بن إسماعيل بن يوسف الشّيخ أبو الحسن ابن الصبّاغ القوصىّ ، شيخ الدّهر بلا منازع وواحد العصر بغير مدافع صاحب المعارف والعوارف واللطائف والظّرائف والمناقب المأثورة والكرامات المشهورة ذو علم وعمل وطريق لا خبل فيه ولا خلل سرّ الشّيخ عبد الرّحيم وهو أحد مشايخ الإقليم.
ولو لم يكن من أصحابه إلّا الشّيخ أبو يحيى ابن شافع لكان فى فضله قانع فكيف وله أصحاب كالبدور والاتّفاق على أنّه القطب الذى عليه المعارف فى زمنه تدور وأنّه له تصرّف وتمكّن وتضلّع فى المكارم وتيقّن والذى اختصّ فى زمنه بهذه الطرائق ودارت عليه الحقائق وانتفع ببركته الخلائق.
قرأ القراءات على الفقيه ناشى وسمع الحديث من الشّيخ أبى عبد الله محمد بن عمر القرطبىّ وقد ذكره الحافظ عبد العظيم المنذرىّ فقال : اجتمعت به فى قنا فى سنة ستّ وستمائة وظهرت بركاته على الذين صحبوه وهدى الله به خلقا كثيرا قال : وكان حسن التّربية للمريدين ينظر فى مصالحهم الدّينية وتكثيرها والثّبات عليها وانتفع به جماعة.
وذكره الشّيخ علم الدّين أبو الطّاهر إسماعيل المنفلوطىّ فى رسالته وذكر شيئا من أقواله وأحواله وقال : دخلت عليه فى مرضه فسألته عن حاله فسمعته يقول : سألت ما الذى بى ؟ فقيل لى : ابتليناك بالفقر فلم تشك وأفضنا عليك النّعم فلم تشغلك عنّا وما بقى إلّا مقام أهل الابتلاء لتكون حجّة على أهل البلاء.
قال : وسمعت زوجته عائشة ابنة الشّيخ عبد الرّحيم تقول : سمعته يردّد هاتين الكلمتين وحده مرارا فى مرضه : « السّلام عليكم والسّلام على من اتّبع الهدى » ، قال : وكان فى مرضه يحبّ الخلوة ويأنس بالوحدة ولمّا كان عند وفاته كرّر الشّهادتين ثمّ قبض.
قال: وسمعت فقيرا من أصحابنا يقول : حضر قوّال ودفّ وشبابة وعملوا والشّيخ فى ناحية فأنشد القوّال : أغضبت إذ زعم الخيال بأنّه .. إذ زار صادف جفن عينى مغمضا .. لا تغضبى إن زار طيفك فى الكرى .. ما كان إلّا مثل شخصك معرضا .. وافى كلمح البرق صادف نوره .. غسق الدّجنّة ثمّ للحال انقضى .. فكأنّه ما جاء إلّا زائرا .. للقلب يذكر من وصالك ما مضى .. وحياة حبّك لم أنم عن سلوة .. بل كان ذلك للخيال تعرّضا .. يا ضرّة القمرين من كنف الحمى .. وربيبة العلمين من وادى الغضى ، قال : فلمّا أنشد البيت الثالث : « وافى كلمح البرق » قام الإمام للسّماع وقام الفقراء لقيامه وخلع على القوّال رداء كان عليه ثمّ خلع الجماعة أثوابهم.
وله رحمه الله تعالى أصحاب انتشروا فى الآفاق وكرامات تضيق عنها بطون الأوراق وصحبه جماعة من العلماء كالشّيخ مجد الدّين علىّ بن وهب القشيرىّ والشّيخ أبى القاسم المراغىّ ورفاعة وابن عبيدس وله كلام فى التّوحيد والحكم.
أخبرنا الشّيخ الفاضل المقرئ المحدّث المسند أبو عبد الله محمد بن أحمد ابن عبد الرّحمن المراغىّ قال : سمعت سيّدى الشّيخ أبا الحسن ابن الصبّاغ يقول : العقل القامع قلّ من يؤتاه ، وسمعته يقول : يرزق العبد من اليقين بقدر ما رزق من العقل ، قال : وسئل عن التّوحيد فقال : «إثبات الذّات بنفى الجهة وإثبات الصّفات بنفى التّشبيه.
قال : وقال الشّيخ : كنّا ليلة المبيت بعرفة فى سنة من السّنين وكان ذلك بالمقام المالكىّ فغربت الشّمس ودخل الليل فقال بعض الحاضرين : نتيمّم ونصلّى فقلت : ما أتيمّم حتّى أجد الماء أتوضّأ ، فإذا برجل يسوق جملا فأشار إلىّ فأخذت ركوة وخرجت إليه فمسح الرجل بيده فنبعت عين ماء، فتوضأت وملأت الرّكوة ثمّ مسح الأرض فستر العين ومشى ولم يعرّفنى بنفسه.
وممّن ظهرت عليه بركاته الشّيخ أبو يحيى والشّيخ علم الدّين المنفلوطىّ والشّيخ المغاورىّ والشّيخ أبو إسحاق ابن عبيدس ورفاعة وخلق كثير يطول ذكرهم ويعسر حصرهم ، قال الشّيخ زكىّ الدّين المنذرىّ : توفّى منتصف شعبان سنة ثلاث عشرة وستّمائة ، زاد الشّيخ علم الدّين البرزاليّ : عند طلوع الفجر ، رحمه الله تعالى وأعاد علينا من بركاته ، ودفن بقنا تحت رجلى شيخه سيّدى عبد الرّحيم القناوىّ ، زرته مرّات كثيرة ودعوت عنده بدعوات وطلبت حاجات فقضيت والحمد لله على نعمه.
وذكره ابن سعيد فى « المغرب » وقال : أنشدنى له بعض من يحفظ الأدب من أهل الصّعيد قصيدة طويلة منها : باكرت والشّمس فى خدر السماء وقد .. نادى على الصّبح أصوات العصافير ، وأنشد له بيتا واحدا أيضا : تجرّدت من دنياى والسّيف لم يكن .. ليبلغ نجح القصد حتّى تجرّدا.
وأنشدنا المحدّث المسند المقرئ الفاضل أبو عبد الله محمد بن أحمد الفارقىّ أنشدنا الشّيخ العارف الكبير أبو القاسم ابن أحمد بن عبد الرّحمن المراغىّ أنشدنا الشّيخ الإمام العارف أبو الحسن علىّ ابن الصبّاغ لنفسه : عليك هذا بعلم الواحد الأحد .. تجنى ثمار جنان الخلد للأبد .. واجمع همومك فيه لا تفرّقها .. لعلّ أنّك تحظى منه بالرّشد “.

17 / شرح ديوان المتنبي
حظي المتنبي باهتمام النقاد والشعراء على مر التاريخ وتبارى عدد منهم في القيام بشرح ديوانه الشعري والتعليق عليه ومنهم الشاعر والأمير أبو الفوارس عضد الدولة مرهف بن أسامة بن منقذ الكناني أحد كبار الأمراء في مصر في العصر الأيوبي ، ولد في شيزر ببلاد الشام عام 520 هـ / 1126 م وتوفي في القاهرة عام 613 هـ / 1216 م ووالده هو الشاعر المعروف أسامة بن منقذ صاحب كتاب الاعتبار.
ويعرف هذا المؤلف باسم (شرح مرهف بن أسامة بن منقذ على ديوان المتنبي) وقد ذكره فؤاد سزكين في كتابه تاريخ التراث العربي وأن له نسخة محفوظة في المكتبة الوطنية بباريس تحت رقم (3106) ، وقد حققه نجم الدين حموش وطبعه تحت عنوان (شرح ديوان المتنبي للأمير أبي الفوارس عضد الدين مرهف بن أسامة بن منقذ الكلبي الشاميات – تحقيقا ودراسة).
وللشاعر ديوان شعري متعدد الأغراض وفيه مراسلاته مع والده ، له كتاب قيم يتناول الأحداث المعاصرة له يعرف باسم (تعليق في التاريخ) وقد نقل ابن العديم عنه في مواضع عدة في كتابه (بغية الطلب في تاريخ حلب) ، وقد نبغ من أولاده محمد بن مرهف المتوفي عام 653 هـ وهو من كبار المحدثين بالديار المصرية.
كما عرف الشاعر بامتلاكه مكتبة ضخمة ذكرها المؤرخون وأثنوا عليها حيث حوت مخطوطات نادرة منها كتاب الصناعة الصغيرة لجالينوس لأبي الفرج عبد الله بن الطيب وكتاب مجمل اللغة لأبي الحسين أحمد بن فارس القزويني وكتاب لباب الآداب لأسامة بن منقذ وكتاب جمل الفلسفة لمحمد بن علي بن عبد الله الهندي وكتاب حيلة البرء لجالينوس ترجممة حنين بن إسحاق وكتاب جوامع إصلاح المنطق لأبي الحسين زيد بن رفاعة.
وقد ذكره ابن فضل الله في كتابه مسالك الأبصار في ممالك الأمصار في قسم شعراء مصر فقال : ” أبو الفوارس مرهف بن أسامة بن مرشد بن عليّ بن مقلد بن نصر بن منقذ عضد الدّولة ، أسنّ وما خلع جلباب الشّباب ولا ودّع سلمى والرّباب بخلق زادته السنون صفاء وأفادته رقة يتخذ معها مواصلة الراح جفاء.
وكان كريما خرق البنان خلق للقلم والعنان اقتنى الكتب وجمعها واجتنى الآداب وأبدعها ومتّع بحواسّه فما فقدها ولا طلبها إلّا وجدها ، ما تغبّر له ذهن ولا عقل ولا غاب عنه بحث ولا نقل وكان إلى أن مات يقرأ الخطّ الرقيق قراءة الشّبّان ولا يتمادى عليه أوان “.
وترجم له ابن شاكر الكتبي في فوات الوفيات فقال : أبو الفوارس ابن منقذ مرهف بن أسامة بن منقذ، الإمام العالم مقدم الأمراء أبو الفوارس ابن الأمير الكبير الأديب مؤيد الدولة أسامة الكناني الشيزري أحد أمراء مصر ؛ ولد بشيزر وسمع من أبيه وغيره وكان مسناً معمراً شاعراً كوالده وجمع من الكتب شيئاً كثيراً وتوفي سنة ثلاث عشرة وستمائة “.
وذكره ياقوت الحموي في معجم الأدباء فقال : ” الأمير عضد الدين أبو الفوارس مرهف بن أسامة بن مرشد بن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ .. قال مؤلف الكتاب : فارقته في جمادى الأولى سنة اثنتي عشرة وستمائة بالقاهرة يحيا ولقيته بها وهو شيخ ظريف واسع الخلق شائع الكرم جمّاعة للكتب وحضرت داره واشترى مني كتبا وحدثني أنّ عنده من الكتب ما لا يعلم مقداره إلا أنه ذكر لي أنه باع منها أربعة آلاف مجلد في نكبة لحقته فلم يؤثر فيها.
وسألته عن مولده فقال : ولدت سنة عشرين وخمسمائة ، فيكون عمره إلى وقتنا هذا اثنتين وتسعين سنة وكان قد أقعد لا يقدر على الحركة إلا أنه صحيح العقل والذهن والفطنة والبصر يقرأ الخطّ الدقيق كقراءة الشبان إلا أن سمعه فيه ثقل وكان ذلك يمنعني من مكاثرته ومذاكرته.
وكان السلطان صلاح الدين رحمه الله قد أقطعه ضياعا بمصر فهو يصرّفها في مصالحه وأجراه الملك العادل أخو صلاح الدين على ذلك ، وكان الملك الكامل بن العادل يحترمه ويعرف له حقه وأنشدني شيئا من شعره وشعر أهله لم يحضرني منه في هذا الوقت ما أورده .. ومات الأمير عضد الدين مرهف في ثاني صفر سنة ثلاث عشرة وستمائة.
وذكر العماد الكاتب بعضا من أشعاره في كتابه خريدة القصر فقال : ” الأمير عضد الدولة أبو الفوارس مرهف بن اسامة بن منقذ ذو المجد الأثير والفخر الأثيل والبيت الأصيل ، أنشدني بدمشق سنة إحدى وسبعين لنفسه :
سَمَحْتُ بُروحي في رِضاكَ ولم تكُنْ … لتُعْجِزَني لولا رضاك المَذاهِبُ .. وهانَتْ لِجَرّاكَ العظائمُ كلُّها … عَلَيَّ، وقد جَلَّتْ لَدَيَّ النّوائب .. فكان ثَوابي عن وَلائي تَجَهُّمٌ … رَمَتْني به منك الظُّنُونُ الكَواذِبِ .. فَمَهْلاً فلي في الأَرض عن منزل القِلا … مَسارٍ إذا أَخْرَجْتَني ومَسارِبُ .. وإِن كنتَ ترجو طاعتي بإِهانتي … وقَسْري فإنَّ الرَّأْي عنك لَعازِب.
وأنشدني أيضاً لنفسه وهو حاضر عند والده وذكر أنه مما كتبه إلى والده : رَحَلْتُم وقلبي بالوَلاء مُشَرِّقٌ .. لديْكُمْ وجسمي لِلْفَناء مُغَرِّبُ .. فهذا سعيدٌ بالدُّنُوِّ مُنَعَّمٌ .. وهذا شَقِيٌّ بالبِعاد مُعَذَّب .. وما أَدَّعي شَوْقاً فَسُحْبُ مَدامعي .. تُتَرِجمُ عن شوقي إِليكم وتُعْرِب .. ووالله ما اخْتَرُت التَّأَخُّر عنكم .. ولكن قضاءُ اللهِ ما مِنه مَهْرَب.
وذكره الحافظ المنذري في كتابه التكملة لوفيات النقلة في وفيات سنة 613 هـ فقال : ” وفي الثاني من صفر توفي الأمير الأجل الفاضل أبو الفوارس مرهف ابن الأمير الأجل مؤيد الدولة أبي المظفر أسامة بن أبي سلامة مرشد بن علي بن مقلد بن نصر بن منقد الكناني الكلبي الشيزري المولد المصري الدار الشافعي المنعوت بالعضد ، بالقاهرة ودفن من الغد.
ومولده بقلعة شيزر في النصف من جمادى الأولى سنة عشرين وخمس مئة وقيل إن مولده في يوم الاثنين الثامن عشر من ذي الحجة من السنة ، سمع من والده وحدث سمعت منه وله شعر وجمع من الكتب كثيرا وكان شديد الشغف بها والاجتهاد في تحصيلها حسن المحاضرة وهو من بيت الإمارة والفضيلة “.

18 / رحلة ابن جبير
(رحلة ابن جبير) هو اسم الشهرة لكتاب (رسالة اعتبار الناسك في ذكر الآثار الكريمة والمناسك) والذي كتبه الرحالة أبو الحسن محمد بن أحمد بن جبير الكناني الأندلسي وبدأه بقوله : (تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار) ، ولد ابن جبير في مدينة بلنسية الأندلسية عام 540 هـ / 1145 م وخرج منها في ثلاث رحلات كبرى إلى المشرق بدأها في عام 578 هـ / 1183 م قاصدا الحج وطاف فيها في بلاد العالم الإسلامي حتى استقر أخيرا في مصر حيث توفي عام 614 هـ / 1217 م في الإسكندرية ودفن فيها.
ذكره الحافظ المنذري في كتابه التكملة لوفيات النقلة وذلك في وفيات سنة 614 هـ حيث قال : ” وفي السابع والعشرين من شعبان توفي الشيخ الأجل الصالح الفاضل أبو الحسين محمد ابن الشيخ الأجل أبي جعفر أحمد بن جبير بن محمد بن جبير الكناني الأندلسي البلنسي الأديب الكاتب بثغر الاسكندرية ودفن على كوم عمرو بن العاص رضي الله عنه.
حدثنا عن أبيه وعن الحافظ أبي الوليد يوسف بن عبد العزيز ابن الذباح بالإجازة له منهما وحدثنا عن غيرهما ، سمعت منه بمصر وبجزيرة فوة وسألته عن مولده فقال : ليلة السبت العاشر من شهر ربيع الأول سنة أربعين وخمس مئة ببلنسية من شرق الأندلس ، وكان من أهل العلم والديانة والفضل والصيانة وكان مقدما في بلاده فزهد في ذلك وانفرد منقطعا إلى الخير وأهله “.
وذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء فقال : ” ابن جبير .. العلامة أبو الحسين محمد بن أحمد بن جبير بن محمد بن جبير الكناني البلنسي ثم الشاطبي الكاتب البليغ ولد سنة أربعين ، وسمع من أبيه الإمام الرئيس أبي جعفر وأبي عبد الله الأصيلي وأبي الحسن علي بن أبي العيش المقرئ صاحب أبي داود وحمل عنه القراءات وله إجازة أبي الوليد بن الدباغ ومحمد بن عبد الله التميمي.
نزل غرناطة مدة ثم حج وروى بالثغر وبالقدس ، قال الأبار : عني بالآداب فبلغ فيها الغاية وبرع في النظم والنثر ودون شعره ونال دنيا عريضة وتقدم ثم زهد ، له ثلاث رحلات إلى المشرق مات بالإسكندرية في شعبان سنة أربع عشرة وستمائة .
قلت : روى عنه الزكي المنذري والكمال الضرير وأبو الطاهر إسماعيل الملنجي وعبد العزيز الخليلي وطائفة وقد سمع بمكة من الميانجي وببغداد من أبي أحمد بن سكينة ، ومن نظمه :تأن في الأمر لا تكن عجلا .. فمن تأنى أصاب أو كادا .. وكن بحبل الإله معتصما .. تأمن من بغي كيد من كادا .. فكم رجاه فنال بغيته .. عبد مسيء لنفسه كادا .. ومن تطل صحبة الزمان له .. يلق خطوبا به وأنكادا “.
وترجم له لسان الدين ابن الخطيب في كتابه الإحاطة في أخبار غرناطة حيث تحدث عن نسبه ورحلاته ومؤلفاته وذكر جانبا من شعره ونثره فقال : ” محمد بن أحمد بن جبير بن سعيد بن جبير بن محمد بن سعيد ابن جبير بن محمد بن مروان بن عبد السلام بن مروان ابن عبد السلام بن جبير الكناني الواصل إلى الأندلس.
أوّليّته : دخل جدّه عبد السلام بن جبير في طالعة بلج بن بشر بن عياض القشيري في محرم ثلاث وعشرين ومائة وكان نزوله بكورة شدونة ، وهو من ولد ضمرة بن كنانة بن بكر بن عبد مناف بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان ، بلنسي الأصل ثم غرناطي الاستيطان شرّق وغرّب وعاد إلى غرناطة.
حاله : كان أديبا بارعا شاعرا مجيدا سنيّا فاضلا نزيه المهمة سريّ النفس كريم الأخلاق أنيق الطريقة في الخط ، كتب بسبتة عن أبي سعيد عثمان بن عبد المؤمن وبغرناطة عن غيره من ذوي قرابته وله فيهم أمداح كثيرة ، ثم نزع عن ذلك وتوجّه إلى المشرق وجرت بينه وبين طائفة من أدباء عصره مخاطبات ظهرت فيها براعته وإجادته ، ونظمه فائق ونثره بديع وكلامه المرسل سهل حسن وأغراضه جليلة ومحاسنه ضخمة وذكره شهير ورحلته نسيجة وحدها طارت كل مطار رحمه الله.
رحلته : قال من عني بخبره : رحل ثلاثا من الأندلس إلى المشرق وحجّ في كل واحدة منها ، فصل عن غرناطة أول ساعة من يوم الخميس لثمان خلون من شوال ثمان وسبعين وخمسمائة صحبة أبي جعفر بن حسان ثم عاد إلى وطنه غرناطة لثمان بقين من محرم واحد وثمانين ولقي بها أعلاما يأتي التعريف بهم في مشيخته ، وصنّف الرحلة المشهورة وذكر مناقله فيها وما شاهده من عجايب البلدان وغرايب المشاهد وبدايع الصّنايع وهو كتاب مؤنس ممتع مثير سواكن النفوس إلى الرّفادة على تلك المعالم المكرمة والمشاهد العظيمة.
ولما شاع الخبر المبهج بفتح بيت المقدس على يد السلطان الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب بن شادي قوي عزمه على عمل الرحلة الثانية فتحرك إليها من غرناطة يوم الخميس لتسع خلون من ربيع الأول من سنة خمس وثمانين وخمسمائة ثم آب إلى غرناطة يوم الخميس لثلاث عشرة خلت من شعبان سبع وثمانين.
وسكن غرناطة ثم مالقة ثم سبتة ثم فاس منقطعا إلى إسماع الحديث والتصوّف وتروية ما عنده ، وفضله بديع وورعه يتحقق وأعماله الصالحة تزكو ، ثم رحل الثالثة من سبتة بعد موت زوجته عاتكة أم المجد بنت الوزير أبي جعفر الوقّشي وكان كلفا بها فعظم وجده عليها ، فوصل مكة وجاور بها طويلا ثم بيت المقدس ثم تجوّل بمصر والإسكندرية فأقام يحدّث ويؤخذ عنه إلى أن لحق بربه.
تصانيفه : منها نظمه ، قال ابن عبد الملك : وقفت منه على مجلد متوسط يكون على قدر ديوان أبي تمام حبيب بن أوس ومنه جزء سماه (نتيجة وجد الجوانح في تأبين القرين الصالح) في مراثي زوجه أم المجد ومنه جزء سماه (نظم الجمان في التشكي من إخوان الزمان) وله ترسيل بديع وحكم مستجادة وكتاب رحلته ، وكان أبو الحسن الشّادي يقول : إنها ليست من تصانيفه وإنما قيّد معاني ما تضمنته فتولى ترتيبها وتنضيد معانيها بعض الآخذين عنه على ما تلقاه منه ، والله أعلم.
شعره : من ذلك القصيدة الشهيرة التي نظمها وقد شارف المدينة المكرّمة طيبة على ساكنها من الله أفضل الصلوات وأزكى التسليم (المتقارب) : أقول وآنست بالليل نارا .. لعلّ سراج الهدى قد أنارا .. وإلّا فما بال أفق الدّجى .. كأنّ سنا البرق فيه استطارا .. ونحن من الليل في حندس .. فما باله قد تجلّى نهارا .. وهذا النّسيم شذا المسك قد .. أعير أم المسك منه استعارا.
مولده : ببلنسية سنة تسع وثلاثين وخمسمائة وقيل بشاطبة سنة أربعين وخمسمائة ، وفاته : توفي بالإسكندرية ليلة الأربعاء التاسع والعشرين لشعبان أربع عشرة وستمائة “.
ويتناول الكتاب وصفا جيدا للبلاد المصرية في عهد السلطان صلاح الدين الأيوبي حيث يتحدث ابن جبير في رحلته عن الإسكندرية فيقول : ” ومن مناقب هذا البلد ومفاخره العائدة في الحقيقة إلى سلطانه المدارس والمحارس الموضوعة فيه لأهل الطب والتعبد يفدون من الاقطار النائية فيلقى كل واحد منهم مسكنا يأوي اليه ومدرّسا يعلمه الفن الذي يريد تعلمه وإجراء يقوم به في جميع أحواله.
واتسع اعتناء السلطان بهؤلاء الغرباء الطارئين حتى أمر بتعيين حمّامات يستحمون فيها متى احتاجوا الى ذلك ونصب لهم مارستانا لعلاج من مرض منهم ووكل بهم أطباء يتفقدون احوالهم وتحت أيديهم خدام يأمرونهم بالنظر في مصالحهم التي يشيرون بها من علاج وغذاء ، وقد رتب أيضا فيه أقوام برسم الزيارة للمرضى الذين يتنزهون عن الوصول للمارستان المذكور من الغرباء خاصة وينهون الى الأطباء أحوالهم ليتكفلوا بمعالجتهم.
ومن أشرف هذه المقاصد أيضا أن السلطان عين لأبناء السبيل من المغاربة خبزتين لكل إنسان في كل يوم بالغا ما بلغوا ونصب لتفريق ذلك كل يوم انسانا أمينا من قبله فقد ينتهي في اليوم إلى ألفي خبزة أو أزيد بحسب القلة والكثرة وهكذا دائما ، ولهذا كله أوقاف من قبله حاشا ما عيّنه من زكاة العين لذلك وأكد على المتولين لذلك متى نقصهم من الوظائف المرسومة شيء أن يرجعوا إلى صلب ماله.
وأما أهل بلده ففي نهاية من الترفيه واتساع الأحوال لا يلزمهم وظيف البتة ولا فائد للسلطان بهذا البلد سوى الأوقاف المحبسة المعينة من قبله لهذه الوجوه وجزية اليهود والنصارى وما يطرأ من زكاة العين خاصة وليس له منها سوى ثلاثة أثمانها والخمسة الأثمان مضافة للوجوه المذكورة “.
ويحكي عن رحلته من الإسكندرية إلى القاهرة فيقول : ” ثم كان الانفصال عنها على بركة الله تعالى وحسن عونه صبيحة يوم الأحد الثامن لذي الحجة المذكور وهو الثالث لأبريل فكانت مرحلتنا منه الى موضع يعرف بدمنهور وهو بلد مسور في بسيط من الأرض أفيح متصل من الإسكندرية إليه إلى مصر والبسيط كله محرّث يعمه النيل بفيضه والقرى فيه يمينا وشمالا لا تحصى كثرة.
ثم في اليوم الثاني وهو يوم الإثنين أجزنا النيل بموضع يعرف بصا في مركب تعدية واتصل سيرنا إلى موضع يعرف ببرمة فكان مبيتنا بها وهي قرية كبيرة فيها السوق وجميع المرافق ، ثم بكرنا منها يوم الثلاثاء وهو يوم عيد النحر من سنة ثمان وسبعين وخمس مئة المؤرخة فشاهدنا الصلاة بموضع يعرف بطندتة وهي من القرى الفسيحة الآهلة فأبصرنا بها مجمعا حفيلا وخطب الخطيب بخطبة بليغة جامعة واتصل سيرنا إلى موضع يعرف بسبك وكان مبيتنا بها.
واجتزنا في ذلك اليوم على موضع حسن يعرف بمليج والعمارة متصلة والقرى منتظمة في طريقنا كلها ، ثم بكرنا منها يوم الأربعاء بعده فمن أحسن بلد مررنا عليه موضع يعرف بقليوب على ستة أميال من القاهرة فيه الأسواق الجميلة ومسجد جامع كبير حفيل البنيان ثم بعده المنية وهو موضع أيضا حفيل ثم منها الى القاهرة وهي مدينة السلطان الحفيلة المتسعة ثم منها الى مصر المحروسة.
وكان دخولنا فيها إثر صلاة العصر من يوم الأربعاء وهو الحادي عشر من ذي الحجة المذكور والسادس من أبريل عرّفنا الله فيها الخير والخبرة وتمّم علينا صنعه الجميل بالوصول الى الغرض المأمول ولا أخلانا من التيسير والتسهيل بعزّته وقدرته انه على ما يشاء قدير.
وفي يوم الأربعاء المذكور أجزنا القسم الثاني من النيل في مركب تعدية أيضا بموضع يعرف بدجوة وذلك وقت الغداة الصغرى ، وكان نزولنا في مصر بفندق أبي الثناء في زقاق القناديل بمقربة من جامع عمرو بن العاص رضي الله عنه في حجرة كبيرة على باب الفندق المذكور “.
ويحكي عن القاهرة ويقول : ” وشاهدنا أيضا بنيان القلعة وهو حصن يتصل بالقاهرة حصين المنعة يريد السلطان أن يتخذه موضع سكناه ويمد سوره حتى ينتظم بالمدينتين مصر والقاهرة ، والمسخّرون في هذا البنيان والمتولون لجميع امتهاناته ومؤونته العظيمة كنشر الرخام ونحت الصخور العظام وحفر الخندق المحدق بسور الحصن المذكور وهو خندق ينقر بالمعاول نقرا في الصخر عجبا من العجائب الباقية الآثار العلوج الاسارى من الروم وعددهم لا يحصى كثرة ولا سبيل أن يمتهن في ذلك البنيان أحد سواهم ، وللسلطان أيضا بمواضع أخر بنيان والأعلاج يخدمونه فيه ومن يمكن استخدامه من المسلمين في مثل هذه المنفعة العامة مرفه عن ذلك كله ولا وظيفة في شيء من ذلك على أحد.
ومما شاهدناه أيضا من مفاخر هذا السلطان المارستان الذي بمدينة القاهرة وهو قصر من القصور الرائقة حسنا واتساعا أبرزه لهذه الفضيلة تأجرا واحتسابا وعيّن قيّما من أهل المعرفة وضع لديه خزائن العقاقير ومكنه من استعمال الأشربة وإقامتها على اختلاف أنواعها ، ووضعت في مقاصير ذلك القصر أسرة يتخذها المرضى مضاجع كاملة الكسى وبين يدي ذلك القيم خدمة يتكفلون بتفقد أحوال المرضى بكرة وعشية فيقابلون من الأغذية والأشربة بما يليق بهم وبإزاء هذا الموضع موضع مقتطع للنساء المرضى ولهن أيضا من يكفلهن.
ويتصل بالموضعين المذكورين موضع آخر متسع الفناء فيه مقاصير عليها شبابيك الحديد اتخذت محابس للمجانين ولهم أيضا من يتفقد في كل يوم أحوالهم ويقابلها بما يصلح لها ، والسلطان يتطلع هذه الأحوال كلها بالبحث والسؤال ويؤكد في الاعتناء بها والمثابرة عليها غاية التأكيد ، وبمصر مارستان آخر على مثل ذلك الرسم بعينه.
وبين مصر والقاهرة المسجد الكبير المنسوب إلى أبي العباس أحمد بن طولون وهو من الجوامع العتيقة الأنيقة الصنعة الواسعة البنيان جعله السلطان مأوى للغرباء من المغاربة يسكنونه ويحلّقون فيه وأجرى عليهم الأرزاق في كل شهر ، ومن أعجب ما حدثنا به أحد المتخصّصين منهم أن السلطان جعل أحكامهم اليهم ولم يجعل يدا لأحد عليهم فقدموا من أنفسهم حاكما يمتثلون أمره ويتحاكمون في طوارىء أمورهم عنده واستصحبوا الدعة والعافية وتفرغوا لعبادة ربهم ووجدوا من فضل السلطان أفضل معين على الخير الذي هم بسبيله.
وما منها جامع من الجوامع ولا مسجد من المساجد ولا روضة من الروضات المبنية على القبور ولا محرس من المحارس ولا مدرسة من المدارس الا وفضل السلطان يعم جميع من يأوي اليها ويلزم السكنى فيها تهوّن عليه في ذلك نفقات بيوت الأموال ، ومن مآثره الكريمة المعربة عن اعتنائه بأمور المسلمين كافة أنه أمر بعمارة محاضر ألزمها معلمين لكتاب الله عز وجل يعلمون أبناء الفقراء والأيتام خاصة وتجرى عليهم الجراية الكافية لهم.
ومن مفاخر هذا السلطان وآثاره الباقية المنفعة للمسلمين القناطر التي شرع في بنائها بغربي مصر وعلى مقدار سبعة أميال منها بعد رصيف ابتدئ به من حيز النيل بإزاء مصر كأنه جبل ممدود على الارض تسير فيه مقدار ستة أميال حتى يتصل بالقنطرة المذكورة وهي نحو الأربعين قوسا من أكبر ما يكون من قسيّ القناطر.
والقنطرة متصلة بالصحراء التي يفضى منها الى الإسكندرية له في ذلك تدبير عجيب من تدابير الملوك الحزمة إعدادا لحادثة تطرأ من عدو يدهم جهة ثغر الإسكندرية عند فيض النيل وانغمار الارض به وامتناع سلوك العساكر بسببه فأعد ذلك مسلكا في كل وقت ان احتيج الى ذلك والله يدفع عن حوزة المسلمين كل متوقع ومحذور بمنه ، ولأهل مصر في شأن هذه القنطرة إنذار من الإنذارات الحدثانية يرون أن حدوثها إيذان باستيلاء الموحدين عليها وعلى الجهات الشرقية والله أعلم بغيبه لا إله سواه “.

19 / مرشد الزوار إلى قبور الأبرار
(مرشد الزوار إلى قبور الأبرار) هو اسم الشهرة لكتاب (الدر المنظم في زيارة الجبل المقطم) والذي كتبه الإمام العارف موفق الدين بن عثمان السعدي الأنصاري الشافعي المتوفي بالقاهرة عام 615 هـ / 1218 م والذي يتناول فيه بالتفصيل وصف منطقة القرافة وجبل المقطم وما فيها من مساجد وأودية ثم سرد القبور المعروفة للصحابة والتابعين والفقهاء والأعيان من أول الفتح الإسلامي وحتى بداية الدولة الأيوبية وضم الكتاب أول إحصاء من نوعه لمقابر المشاهير في تلك الجبانة حيث يعتبر أقدم مرجع تاريخي في الآثار الإسلامية.
وقد جاءت ترجمة المؤلف ونسبه وأسرته وموضع قبره المجاور لقبر القاضي الفاضل في كتاب (الكواكب السيارة في ترتيب الزيارة) من تأليف شمس الدين أبو عبد الله محمد بن ناصر الدين الأنصاري المتوفي عام 814 هـ حيث يقول : ” ثم تمشي وأنت مستقبل القبلة إلى حوش بني عثمان فبهذا الحوش جماعة من العلماء ذكرهم ابن الجباس وعلى هذا الحوش هيبة وجلالة والدعاء به مستجاب ، حكى ابن الجباس أنه توقف النيل في بعض السنين قال فحملت على قلبي هما عظيما وضاق صدري مما نزل بالناس فنمت فرأيت إنسانا لم أعرفه فقلت له والله ما الناس إلا في شدة من توقف النيل فقال لي عليك بتربة بني عثمان فادع الله عندهم يفرج الله على الناس.
قال الشيخ شرف الدين بن الجباس فلما كانت ليلة الجمعة أخبرت الناس بذلك وخرجنا ومعنا جمع من الرجال والنساء والصبيان فدعونا الله تعالى وتضرعنا إليه عند قبورهم فأصبح النيل وقد زاد زيادة جيدة ولطف الله بالناس في بقية تلك السنة ، ويقال أنه أبو الحرم وكان يعرف بالشافعي الصغير فقد ذكر ابن الجباس أن بتربتهم الفقيه الإمام أبو الحرم مكي وإلى جانبه قبر ولده عبد الرحمن الملقب بالموفق وله كرامات ومصنفات وإلى جانبه قبر أخيه الفقيه الإمام العالم العلامة أبي القاسم عبد المنعم ويقال أبو البركات وله نسب متصل بسعد بن عبادة الأنصاري.
ورأيت في تعاليق شيخنا نسبهم قال هو موفق الدين بن عثمان بن تاج الدين أبي العباس أحمد بن شرف الدين محمد بن جمال الدين عثمان بن أبي الحرم مكي ابن عثمان شافعي زمانه ، بذلك لقبه سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم واستفاض هذا واشتهر ، وهو ابن عماد الدين إسماعيل بن إبراهيم بن شبيب بن غنائم بن محمد بن عنان ويقال خاقان بن عبد الله بن عبيد الله بن إبراهيم بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سعيد بن سعد بن عبادة بن دليم الأنصاري رضي الله عنهم أجمعين ، وله ذرية باقية إلى الآن صلحاء علماء نفعنا الله بهم ..
ثم تمشي في الطريق بخطوات يسيرة تجد أمامك تربة الفاضل بها جماعة من العلماء منهم الفاصل عبد الرحيم بن الحسن بن أحمد البيساني رحمه الله تعالى وزير مصر والشام وغير ذلك ، مولده بثغر عسقلان سنة ثمان وعشرين وخمسمائة وتوفي ليلة الأربعاء سابع ربيع الآخر سنة ست وتسعين وخمسمائة وقبره ظاهر يزار ويتبرك به ، كان رحمه الله وزيرا صالحا مجتهدا عالما لم ينطق قلمه قد إلا بإيصال رزق أو سبب خير أو تجديد نعمة وأما فضائله وعلومه التي أعجزت من تقدمه وصدقاته فهي أشهر من أن تذكر “.
وذكره المنذري في كتابه التكملة لوفيات النقلة في وفيات سنة 615 هـ فقال : ” وفي الرابع والعشرين من رجب توفي الفقيه الأجل أبو القاسم عبد الرحمن ابن الشيخ الأجل الصالح أبي الحرم مكي ابن الفقيه الإمام أبي عمرو عثمان بن إسماعيل بن إبراهيم بن شبيب بن غنائم بن محمد بن خاقان السعدي الشافعي الشارعي المنعوت بالموفق بالشارع ، ودفن من الغد بتربتهم المعروفة بهم ، تفقه على مذهب الإمام الشافعي – رضي الله عنه – على الفقيه أبي عمرو عثمان بن عيسى الماراني.
وسمع بإفادة والده من أبي إبراهيم القاسم بن إبراهيم المقدسي وأبي طاهر إسماعيل بن صالح بن ياسين وأبي عبد الله محمد بن حمد بن حامد والزوجين أبي الحسن علي بن إبراهيم بن نجا الدمشقي وفاطمة بنت سعد الخير بن محمد الأوسي وجماعة سواهم ، وأجاز له جماعة كبيرة واشتغل بالوعظ والتفسير والتذكير وله شعر وجمع مجاميع ، اجتمعت معه غير مرة وجرت بيننا مذاكرة وكان له ميعاد بمسجد والده وميعاد عند قبر جده بسفح المقطم “.
وذكره الذهبي في تاريخ الإسلام في تراجم سنة 615 هـ فقال : ” عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي الحَرَم مكّيّ بْن عثمان بْن إسماعيل الفقيه مُوَفَّق الدِّين أَبُو الْقَاسِم السَّعْديّ، المَصْرِيّ الشَّارعيّ الشّافعيّ ، تَفَقَّه عَلَى الفقيه أَبِي عَمْرو عُثْمَان بن دِرْباس ، وَسَمِعَ من إسْمَاعِيل بن ياسين والقاسم بن إِبْرَاهِيم المَقْدِسِيّ والْأرتاحي وطبقتهم ، وأقبل عَلَى الوعظ والتّفسير وَلَهُ شِعر ومجاميع ، وَتُوُفِّي شابا قبل أن يتكهَّل في رجب “.
وقد قام الدكتور محمد فتحي أبو بكر بتحقيق الكتاب وطباعته في العصر الحديث ، وقدم له الدكتور حسن الباشا ولخص محتويات الكتاب وقال : ” أما صلب الكتاب فيتضمن ذكرا مفصلا لما تشتمل عليه القرافة من قبور الأبرار فيسرد أكثر من مائتي قبر يحدد موقع كل قبر منها ويصف ما به من نقوش ويسجل ما كتب على الشاهد ويصف الخط الذي كتبت به ويورد ما جاء من وصف للقبر فيما سبقه من مؤلفات ، ويقدم لذلك كله بترجمة لصاحب القبر ووصف لخلاله ومزاياه ويستقصي ما ورد عنه من حكايات وشعر وكرامات ، وهو في ذلك كله مؤرخ يتحرى الدقة فيما يورده من أخبار فيناقشها ويقارن بينها لكي يصل إلى الصحيح منها ويؤيدها بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة وروايات المؤرخين إن وجدت ..
والحق أن القارىء لهذا الكتاب يجد متعة تدفعه بشدة إلى الاستمرار في القراءة ، وهو مصدر ممتاز للدارسين على مختلف تخصصاتهم سواء في مجال التاريخ أو الآثار أو الخطط أو التصوف أو الأدب وفي علوم الدين وكرامات الأولياء وحكاياتهم ومكارم الأخلاق ، ولا يقف المؤلف عند ما بقي في عصره أو عهده من قبور بل يتطرق إلى ذكر ما اندثر من قبور الأبرار ومشاهدهم ومزاراتهم “.
ويشرح المؤلف موفق الدين بن عثمان في مقدمة كتابه سبب تأليفه للكتاب فقال : ” الحمد لله الذي شرّف الجبل المقطّم بكل مسجد شريف معظّم وجعل فى سفحه غراس الجنّة وهو بهم مكرم نوره لا يخفى ومسكه لا يتكتّم فهو كبستان أزهاره تتبسّم ونسيمه يحيى القلوب حين يتنسّم بل كان سفحه سماء وقبوره نجوما بينهما بدور لا تتغيّم تزيد نورا بقراءة القرآن عندها ويرحم من يرحم.
فقبور الصّالحين خيّم خواصّ السلطان إليها يشتكى ويتظلّم فترى أرباب الحوائج يطوفون فى معسكر القبور على من له جاه ومن بحرمه يتحرّم فيستغيثون عنده أن يشفع وألسنة الأحوال تجيب وتتكلم فلا تنظر إلى شعث ظواهرها فبواطنها روضات فيها أرواح الصالحين تتنعّم.
فسبحان من أوقف الملوك عندها تتشفع بها وجعلها ملاذ الخلق بما سبق لها وتقدّم إذا أجدبت الأرض خرج الخلائق يستسقون بها فإذا السماء تتغيّم والقطر ينزل ويتقسّم ، وتفد إليها وتقصدها الوحوش فتعفر وجوهها فى ترابها فسبحان من ألهمها وعلّم وإذا ركن إلى جانبها عاص وهبه الحقّ لها وجاد عليه وتكرّم.
هكذا هكذا .. وإلى تلالها أين من يتقدّم وغدا يركبون من قبورهم إلى قصورهم ويكشف لكل واحد منهم الحجاب ويكلّم فترى هذا وقد توّج وهذا قد زوّج وهذا قد أدناه ربه وعليه سلّم ، فقف على قبورهم بأدب وتحشّم وقل : يا أحياء ترحّموا على ميّت يا أغنياء جودوا على مفلس ، وابك على ضياع عمرك فى البطالة وتندّم وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم.
وبعد … فهذا الكتاب قد ذكرت فيه فضل زيارة القبور وآدابها وذكرت فيه فضل الجبل المقطّم وأوديته وقبور الصالحين التى فى سفحه – رضى الله عنهم – وذكرت بعض فضائلهم التى تشوّق القلوب إلى زيارتهم “.

20 / ديوان ابن الجراح
شهد ديوان الإنشاء في العصر الأيوبي عددا كبيرا من الكتاب من أهل البلاغة والترسل ممن ملكوا ناصية اللغة وبرعوا في البيان والبديع ، ومنهم الشاعر والكاتب ابن الجراح الذي ولد في القاهرة عام 541 هـ / 1147 م وتوفي في دمياط أثناء الجهاد ضد الصليبيين عام 616 هـ / 1220 م ، وقد وصفه الذهبي في سير أعلام النبلاء بقوله : ” ابْنُ الجَرَّاحِ تَاجُ الدِّيْنِ يَحْيَى بنُ مَنْصُوْرٍ المِصْرِيُّ الأَدِيْبُ، المُنْشِئُ تَاجُ الدِّيْنِ يَحْيَى بنُ مَنْصُوْر ابْن الجَرَّاحِ المِصْرِيُّ صَاحِبُ الخَطِّ الأَنِيقِ وَالتَّرسُّلِ البَدِيْعِ خدم مُدَّة وَرَوَى عَنِ السِّلَفِيّ .. تُوُفِّيَ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ وَسِتّ مائَةٍ وَلَهُ خَمْسٌ وَسَبْعُوْنَ سَنَةً “.
وذكره ابن الشعار في كتابه قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان وذكر جانبا من ديوانه الشعري فقال : ” يحيى بن منصور بن الجرّاح بن الحسين بن محمَّد بن داود بن الجراح القاضي أبو الحسين بن أبي عليٍّ الكاتب الخطَّاط المصريُّ ، كان مليح الخطّ جدًّا أعلى طبقة من الجويني وأقوى وكان له من الأدب وقول الشعر حظّ وافر وعناية بتحصيل الكتب ومعرفتها وسمع الحديث على الإمام الحافظ أبي طاهر السلفي.
وكانت ولادته في يوم الحادي عشر من شعبان سنة إحدى وأربعين وخمسمائة بالقاهرة وتوفي بدمياط وهي محاصرة بالفرنج قبل أن يملكوها بعشرين يومًا وكان تملكهم لها يوم الثلاثاء الخامس والعشرين من شعبان سنة ست عشرة وستمائة وكانت ولادة جِّده بدمشق.
أنشدني القاضي شهاب الدين أبو المحامد إسماعيل بن حامد القوصي الفقيه الشافعي بدمشق بمنزله في سنة أربعين وستمائة في محرَّمها ، قال : أنشدني القاضي أبو الحسين يحيى بن منصور بن الجرّاح الكاتب المصري لنفسه يمدح القاضي الفاضل أبا عليّ عبد الرحيم بن علي بن الحسن البيساني – رحمه الله تعالى – (من الكامل) :
إنَّ الوزراة آثرتك ولم تزل .. سكنًا لها تصبو إلى إيثاره .. ألقى إليك الملك فضل عنانها .. وزوى إليك الأمر من أقطاره .. ولقد حميت حماه بابن هزاهزٍ .. هو سهم غايته وقطب مداره .. طفلُ عذارى الفضل من داياته .. ومحجَّبات الغيب من أظاره .. بتحرُّك فيه سكون خطوبه .. وتصوَّب فيه علوُّ مناره .. ومنمنمٍ يصف الرَّبيع تعانقت .. أغصانه وافترَّ عن أزهاره.
وأنشدني أيضًا لنفسه فيه يمدحه ويصف القلم (من الوافر) : لك القلم الَّذي نجواه سحرٌ .. ومزج لعابه صابٌ وشهد .. إذا ارهفت سنِّيه لأمرٍ .. فأنياب النَّوائب عنه درد .. حسامٌ بالَّذي يمضى ولكن … حسام كلُّ صفحٍ منه حدُّ .. وإن راشت بنانك جانبيه .. فسهمٌ من قضاء لا يردُّ .. إذا نطق الَّذي توحي إليه .. تقاصر يعربٌ وجثًا معدُّ .. تسابق جريه فقرٌ المعاني .. فما يعفيه كيما يستمدُّ .. سطورٌ في سويدا كلِّ قلبٍ .. كأنَّ مدارها شغفٌ ووجد .. منمنمةٌ تخال بها عذارًا .. بديع الحسن والقرطاس خدُّ.
ومنها قوله : بلوت الدَّهر حتَّى قال: حسبي .. ولم تحكم تجاربي الأشدُّ .. ومارست الخطوب مراس فان .. ومن نسج الشباب عليَّ برد .. وليس العيش إلا في كفاف .. وعافية تروح بها وتغدو .. وأعلم ذاك ثم يصد علمي .. هوى يغري بأنَّ الغيَّ رشد.
وقال أيضًا (من الوافر) : عدوِّي منك مختقر هباء .. وقولي فيك مطرح هراء .. وليس شئت اصطلمتك من لساني .. بقاصمة ولكن لا أشاء .. فمت كمدًا بغيظك لست أهجو .. أخا نقصٍ فيرفعه الهجاء.
وقوله في الغزل (من المنسرح) : ومخطف جنده محاسنه .. من فات عينيه لم يفت ثغره .. ما جئته بالتُّقى أحاربه .. إلا وكانت لحسنه الكرَّه .. ظبي سويدا القلوب مرتعه .. لا جاسمًا يبتغي ولا وجره .. في خدِّه روضة لأعيننا .. تسقى ففي كلِّ نظرة نضره “.
وقد اشتهر ابن الجراح بعمل لغز لغوي منثور على سبيل التحدي لأهل اللغة والبلاغة ، وقد ذكره ابن خلكان في وفيات الأعيان وهو يترجم له واستفاض في شرح اللغز مستعرضا مهارته في ذلك فقال : تاج الدين ابن الجراح .. أبو الحسين يحيى بن أبي علي منصور بن الجراح بن الحسين بن محمد بن داود بن الجراح المصري.
وهذه الزيادة في نسبه وجدتها بخط بعض الأدباء ولا أتحققها والأول أصح ، الكاتب المنعوت تاج الدين كتب في ديوان الإنشاء بالديار المصرية مدة طويلة وكتب الكثير، وكان خطه في غاية الجودة ، وكان فاضلاً أديباً متقناً له فطرة حسنة وشعر فائق ورسائل أنيقة ، وسمع الحديث بثغر الإسكندرية المحروسة على الحافظ أبي طاهر السلفي وأبي الثناء حماد بن هبة الله الحراني وحدث وسمع الناس عليه.
وله لغز في الدملج الذي تلبسه النساء وهو بديع في بابه فأحببت ذكره وهو نثر : ما شيء قلبه حجر، ووجهه قمر إن نبذته صبر واعتزل البشر وإن أجعته رضي بالنوى وانطوى على الخوى وإن أشبعته قبل قدمك وصحب خدمك وإن غلفته ضاع وإن أدخلته السوق أبى أن يباع وإن أظهرته جمل المتاع وأحسن الإمتاع وإن شددت ثانيه وحذفت منه القافية كدر الحياة وأوجب التخفيف في الصلاة وأحدث في وقت العصر الضجر ووقت الفجر الخدر وجمع بين حسن العقبى وقبح الأثر هذا وإن فصلته دعا لك وأبقى ما إن ركبته هالك وربما بلغك آمالك وكثر مالك وأحسن بعون المساكين مآلك والسلام.
قلت : وهذا اللغز قد يقف عليه من لا يعرف طريق حله فيعسر عليه تفسيره فيحتاج إلى الإيضاح فأقول : أما قوله ما شيء قلبه حجر فمراده قلب حروف دمل، فإنا إذا قلبنا هذه الحروف يخرج منها جلمد وهو الحجر ، وقوله ووجهه قمر يريد أنه مستدير كالقمر ، وقوله إن نبذته صبر واعتزل البشر فالبشر جمع بشرة فالإنسان إذا ألقى الدملج عنه صبر واعتزل بشرته إذ ليس فيه أهلية المنع فهو يصبر ويعتزل المكان الذي كان فيه.
وقوله وإن أجعته رضي بالنوى فالنوى لفظ مشترك يقع على البعد وعلى نوى التمر وعادتهم في بلاد العراق أن يطحنوا نوى التمر والرطب والبسر ويعلفوا به البقر وقصد هاهنا هذه التورية ، فإن الدملج إذ أخرج من العضد أو من الساق فقد جاع لأنه يكون فارغ الجوف ويرضى بالنوى الذي هو البعد عن عضو صاحبه ، ويقولون : فلان يرضى بالنوى إذا كان فقيراً لا يجد ما يتبلغ به فهو يجتزئ بمص النوى وهذا يفعله أهل الحجاز والبلاد المجدية، لقلة الأقوات عندهم فقد استعمل صاحب هذا اللغز لفظة النوى في هذين المعنيين وهذه هي التورية.
وقوله وانطوى على الخوى فالخوى هو الخلو وإذا كان فارغ الجوف فهو خاوٍ ، وقوله وإن أشبعته قبل قدمك مراده بالإشباع هنا لبس الدملج فإن صاحبه إذا لبسه فقد ملأ جوفه ويكون فوق القدم فكأنه يقبله.
وقوله وصحب خدمك فيه تورية أيضاً فإن الخدم جمع خادم وهذا الجمع قليل الاستعمال لهذا الواحد فإنه لا يقال فاعل وجمعه فعل إلا في ألفاظ مسموعة مثل خادم وخدم وغائب وغيب وحارس وحرس وجامد وجمد وغير ذلك فهو موقوف على السماع ، وخدم جمع خدمة أيضاً وهو سير يشد في رسغ البعير تشد إليه سريحة النعل وبه سمي الخلخال خدمة لأنه ربما كان من سيور يركب فيه الذهب والفضة ويجمع على خدام أيضاً.
وقوله وإن غلفته ضاع هذا فيه تورية أيضاً فإن التغليف أن يجعل للشيء غلافاً والتغليف استعمال الطيب أيضاً ، وقوله ضاع فيه تورية أيضاً فإنه يقال ضاع الشيء من الضياع وضاع الطيب إذا عبقت رائحته ، وقوله وإن أدخلته السوق أبى أن يباع فالسوق جمع ساق وفيه التورية أيضاً لأن السوق موضع البيع والشراء والسوق كما ذكرناه.
وقوله أبى أن يباع لأن العادة أنه لا يباع إلا إذا أخرج من العضو الذي هو فيه ولا يباع قبل إخراجه فكأنه قبل الإخراج أبى البيع ، وقوله وإن أظهرته جمل المتاع وأحسن الإمتاع فهذا ظاهر لا حاجة له إلى تفسير.
وقوله وإن شددت ثانيه وهو الميم وحذفت منه القافية وهي الجيم فيبقى الدمل وهو يكدر الحياة بألمه ويوجب التخفيف في الصلاة للألم أيضاً ، وقوله وأحدث في وقت العصر الضجر فالعصر فيه التورية أيضاً لأنه اسم الصلاة وهو مصدر لفعل عصر وكذلك الفجر، لأنه اسم للصبح وهو مصدر لفعل فجر فالإنسان في وقت عصر الدمل يحصل له الضجر والقلق وإذا فجره وخلص منه حصل له الخدر والراحة ، وقوله وجمع بين حسن العقبى وقبح الأثر فقصد المقابلة بين الحسن والقبح ولا شك أن عقبى انفجار الدمل حسنة وإن كان الأثر الذي يبقى في المكان قبيحاً.
وقوله وإن فصلته دعا لك معناه أنك إذا فصلت أحد النصفين من لفظ الدملج من النصف الآخر فالنصف منه دُم وهو الدعاء للإنسان بالدوام وقوله وأبقى ما إن ركبته هالك فالباقي منه لج واللج هو لج البحر ، وإن كان النصف من الدملج مخففاً ولج البحر مشدداً لكنهم يغتفرون مثل هذا في الألغاز والتصاحيف والأحاجي ولا يبالون به ولا شك أن ركوب البحر أمر هائل فلهذا قال هالك وربما بلغك آمالك لأنه يوصل الإنسان إلى الموضع الذي يقصده.
وقوله وكثر مالك معناه إذا ركبه الإنسان للتجارة وقوله وأحسن بعون المساكين مآلك فعون المساكين هو السفينة كما قال الله تعالى ( أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر) الكهف ، فهي عون لهم على حاجتهم وسد خلتهم ومآل الشيء عاقبة أمره ، والله تعالى أعلم.
قلت : وفي اللغز ثماني لغات لغز بضم اللام وسكون الغين ولغز بضمهما ولغز بضم اللام وفتح الغين ولغز بفتح اللام وسكون الغين ولغز بفتحهما وألغوزة الهمزة وسكون اللام وضم الغين ولغيزي بضم اللام وتشديد الغين مع القصر ولغيزاء مثل الأول إلا أن الغين مخففة ومفتوحة والألف ممدودة ، والله أعلم.
وقد طال الكلام لكن الحاجة دعت إليه كي لا يبقى فيه التباس على سامعه ، ورأيت في مجموع بخط بعض الفضلاء بيتين منسوبين إليه وهما هذان : أمد كفي إلى البيضاء أقلعها .. من لحيتي فتفديها بسوداء .. هذي يدي وهي مني لا تطاوعني .. على مرادي فما ظني بأعدائي ، وكانت ولادة المذكور في ليلة السبت خامس عشر شعبان سنة إحدى وأربعين وخمسمائة وتوفي في خامس شعبان سنة ست عشرة وستمائة بدمياط والعدو المخذول محاصرها رحمه الله تعالى ، وجراح بفتح الجيم وتشديد الراء وبعد الألف حاء مهملة “.