
1 / رسائل القائد العام
في يوم 17 رجب عام 19 هـ الموافق 15 يوليو عام 640 م انتصر جيش الفتح الإسلامي لمصر على الجيوش البيزنطية انتصارا ساحقا في معركة عين شمس ، ومهد ذلك لنجاح المهمة التي قادها القائد العام عمرو بن العاص السهمي وأسفرت عن دخول مصر في حوزة الدولة الإسلامية الناشئة ، ومن ثم تأسيس العاصمة الجديدة للبلاد وهي الفسطاط والتي كانت شاهدة على تحولات ضخمة في تاريخ مصر الديني واللغوي والسكاني والثقافي والأدبي ورسمت معالم هوية مصر حتى يومنا هذا.
والقائد العام ليس رجلا عسكريا فقط وإنما هو سياسي عتيد إذ هو أحد دهاة العرب الأربعة ومن كبار أصحاب الأموال وأعيان التجارة ، وفوق ذلك فهو من أرباب الفصاحة وأعلام البلاغة حيث يتضح ذلك من خلال خطبته الشهيرة في الجامع العتيق وكذلك من خلال رسائله المكتوبة التي سجلتها مراجع التاريخ وتشهد له بذلك ، وقد ضرب به المثل في حسن البيان وقوة الإلقاء حتى إن عمر بن الخطاب كان إذا رأى رجلا يتلجلج في كلامه يقول : خالق هذا وخالق عمرو بن العاص واحد !
وقد أورد ابن عبد الحكم في كتابه فتوح مصر وأخبارها نص الخطبة فقال : ” خطبة عمرو بن العاص .. حدثنا سعيد بن ميسرة عن إسحاق بن الفرات عن ابن لهيعة عن الأسود بن مالك الحميرى عن بحير بن ذاخر المعافرى ، قال : رحت أنا ووالدى إلى صلاة الجمعة تهجيرا وذلك آخر الشتاء أظنّه بعد حميم النّصارى بأيام يسيرة فأطلنا الركوع إذ أقبل رجال بأيديهم السياط يزجّرون الناس فذعرت ، فقلت : يا أبت من هؤلاء ؟ ، قال : يا بنىّ هؤلاء الشرط.
فأقام المؤذّنون الصلاة فقام عمرو بن العاص على المنبر ، فرأيت رجلا ربعة قصد القامة وافر الهامة أدعج أبلج عليه ثياب موشيّة كأنّ به العقيان تأتلق عليه حلّة وعمامة وجبّة فحمد الله وأثنى عليه حمدا موجزا وصلّى على النبي صلّى الله عليه وسلم ووعظ الناس وأمرهم ونهاهم فسمعته يحضّ على الزكاة وصلّة الأرحام ويأمر بالاقتصاد وينهى عن الفضول وكثرة العيال.
وقال فى ذلك : يا معشر الناس إيّاى وخلالا أربعا فإنها تدعو إلى النصب بعد الراحة وإلى الضيق بعد السعة وإلى المذلّة بعد العزّة ، إيّاى وكثرة العيال وإخفاض الحال وتضييع المال والقيل بعد القال فى غير درك ولا نوال ، ثم إنه لا بدّ من فراغ يؤول إليه المرء فى توديع جسمه والتدبير لشأنه وتخليته بين نفسه وبين شهواتها ، ومن صار إلى ذلك فليأخذ بالقصد والنصيب الأقلّ ولا يضيع المرء فى فراغه نصيب العلم من نفسه فيحور من الخير عاطلا وعن حلال الله وحرامه غافلا.
يا معشر الناس إنه قد تدلّت الجوزاء وذكت الشعرى وأقلعت السّماء وارتفع الوباء وقلّ الندى وطاب المرعى ووضعت الحوامل ودرّجت السخائل وعلى الراعى بحسن رعيّته حسن النظر ، فحىّ لكم على بركة الله إلى ريفكم فنالوا من خيره ولبنهوخرافه وصيده وأربعوا خيلكم وأسمنوها وصونوها وأكرموها فإنّها جنّتكم من عدوّكم وبها مغانمكم وأثقالكم ، واستوصوا بمن جاورتموه من القبط خيرا وإيّاى والمشمومات والمعسولات فإنهنّ يفسدن الدّين ويقصّرن الهمم.
حدثنى عمر أمير المؤمنين أنه سمع رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول : إن الله سيفتح عليكم بعدى مصر فاستوصوا بقبطها خيرا فإن لكم منهم صهرا وذمّة ، فعفّوا أيديكم وفروجكم وغضّوا أبصاركم ولا أعلمنّ ما أتى رجل قد أسمن جسمه وأهزل فرسه واعلموا أنى معترض الخيل كاعتراض الرجال فمن أهزل فرسه من غير علّة حططتّه من فريضته قدر ذلك ، واعلموا أنكم فى رباط إلى يوم القيامة لكثرة الأعداء حوالكم وتشوّق قلوبهم إليكم وإلى داركم معدن الزرع والمال والخير الواسع والبركة النامية.
وحدثنى عمر أمير المؤمنين أنه سمع رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول: (إذا فتح الله عليكم مصر فاتخذوا فيها جندا كثيفا فذلك الجند خير أجناد الأرض) فقال له أبو بكر : ولم يا رسول الله ؟ ، قال : (لأنهم وأزواجهم فى رباط إلى يوم القيامة).
فاحمدوا الله معشر الناس على ما أولاكم ، فتمتّعوا فى ريفكم ما طاب لكم فإذا يبس العود، وسخن العمود وكثر الذباب وحمض اللبن وصوّح البقل وانقطع الورد من الشجر فحىّ على فسطاطكم على بركة الله ، ولا يقدمنّ أحد منكم ذو عيال على عياله إلا ومعه تحفة لعياله على ما أطاق من سعيه أو عسرته ، أقول قولى هذا وأستحفظ الله عليكم.
قال : فحفظت ذلك عنه فقال والدى بعد انصرافنا إلى المنزل لمّا حكيت له خطبته : إنه يا بنىّ يحدو الناس إذا انصرفوا إليه على الرباط كما حداهم على الريف والدّعة “.
وقد ذكر ابن عبد ربه في كتابه العقد الفريد نص إحدى الرسائل المتبادلة بين الخليفة والقائد العام ومنها قوله : ” بين عمر بن الخطاب وابن العاص .. وكتب عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاص وكان عامله على مصر : من عبد الله عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاص سلام عليك ، أما بعد فإنه بلغني أنه فشت لك فاشية من خيل وإبل وغنم وبقر وعبيد وعهدي بك قبل ذلك أن لا مال لك فاكتب إليّ من أين أصل هذا المال ولا تكتمه.
فكتب إليه : من عمرو بن العاص إلى عبد الله عمر بن الخطاب أمير المؤمنين سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو ، أما بعد فإنه أتاني كتاب أمير المؤمنين يذكر فيه ما فشا لي وأنه يعرفني قبل ذلك لا مال لي وإني أعلم أمير المؤمنين أني بأرض السّعر فيه رخيص وأني أعالج من الحرفة والزراعة ما يعالج أهله وفي رزق أمير المؤمنين سعة ، والله لو رأيت خيانتك حلالا ما خنتك فأقصر أيها الرجل فإن لنا أحسابا هي خير من العمل لك إن رجعنا إليها عشنا بها ، ولعمري إن عندك من لا يذم معيشته ولا تذم له وذكرت أن عندك من المهاجرين الأولين من هو خير مني فأنّى كان ذلك ولم يفتح قفلك ولم نشركك في عملك ؟
فكتب إليه عمر : أما بعد فإني والله ما أنا من أساطيرك التي تسطر ونسقك الكلام في غير مرجع وما يغني عنك أن تزكّي نفسك وقد بعثت إليك محمد بن مسلمة فشاطره مالك فإنكم أيها الرّهط الأمراء جلستم على عيران المال لم يعوزكم عذر تجمعون لأبنائكم، وتمهّدون لأنفسكم أما إنكم تجمعون العار وتورّثون النار والسلام “.
وذكر ابن عبد الحكم في كتابه فتوح مصر مراسلات حوا مسألة الخراج جاء فيها : ” فكتب إليه عمر بن الخطاب كما وجدت فى كتاب أعطانيه يحيى بن عبد الله بن بكير عن عبيد الله بن أبى جعفر عن أبى مرزوق التجيبى عن أبى قيس مولى عمرو بن العاص :
من عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاص سلام عليك فإنى أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو ، أما بعد فقد عجبت من كثرة كتبى إليك فى إبطائك بالخراج وكتابك إلىّ ببنيّات الطرق وقد علمت أنى لست أرضى منك إلا بالحقّ البيّن ولم أقدمك إلى مصر أجعلها لك طعمة ولا لقومك ولكنى وجّهتك لما رجوت من توفيرك الخراج وحسن سياستك فإذا أتاك كتابى هذا فاحمل الخراج فإنما هو فئ المسلمين وعندى من قد تعلم قوم محصورون والسلام.
فكتب إليه عمرو بن العاص : بسم الله الرحمن الرحيم لعمر بن الخطاب من عمرو بن العاص سلام عليك فإنى أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو ، أما بعد فقد أتانى كتاب أمير المؤمنين يستبطئنى فى الخراج ويزعم أنى أعند عن الحقّ وأنكب عن الطريق وإنى والله ما أرغب عن صالح ما تعلم ولكنّ أهل الأرض استنظرونى إلى أن تدرك غلّتهم فنظرت للمسلمين فكان الرفق بهم خيرا من أن يخرق بهم فيصيروا إلى بيع ما لا غنى بهم عنه والسلام “.
ومن الرسائل التي اشتهرت هي وصف عمرو بن العاص للبحر وذلك في عام 28 هـ عندما ألح معاوية على الخليفة أن يأذن له بغزو جزيرة قبرص قائلا : إن قرية من قرى حمص ليسمع أهلها نباح كلابهم وصياح دجاجهم ، لكن الخليفة قرر أولا أن يستطلع رأي عمرو بن العاص وأن يعمل بمشورته ، ويروي السيوطي ذلك في تاريخ الخلفاء فيقول :
” كان معاوية يلح على عمر بن الخطاب في غزو قبرص وركوب البحر لها فكتب عمر إلى عمرو بن العاص : أن صف لي البحر وراكبه ، فكتب إليه : إني رأيت خلقًا كبيرًا يركبه خلق صغير إن ركد خرق القلوب وإن تحرك أراع العقول تزداد فيه العقول قلة والسيئات كثرة وهم فيه كدود على عود إن مال غرق وإن نجا فرق ، فلما قرأ عمر الكتاب كتب إلى معاوية : والله لا أحمل فيه مسلمًا أبدًا “.
واشتهرت عند المؤرخين رسالة وصف مصر والتي جاءت في كتاب النجوم الزاهرة لابن تغري بردي وجاء فيها : ” وقال بعض المؤرخين : إنه لما استقر عمرو بن العاص رضي الله عنه على ولاية مصر كتب إليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن صف لي مصر ، فكتب إليه :
ورد كتاب أمير المؤمنين أطال الله بقاءه يسألني عن مصر : اعلم يا أمير المؤمنين أن مصر قرية غبراء وشجرة خضراء طولها شهر وعرضها عشر يكنفها جبل أغبر ورمل أعفر يخطّ وسطها نيل مبارك الغدوات ميمون الروحات تجري فيه الزيادة والنقصان كجري الشمس والقمر له أوان يدرّ حلابه ويكثر فيه دبابه تمده عيون الأرض وينابيعها.
حتى إذا ما اصلخم عجاجه وتعظمت أمواجه فاض على جانبيه فلم يمكن التخلص من القرى بعضها إلى بعض إلا في صغار المراكب وخفاف القوارب وزوارق كأنهن في المخايل ورق الأصائل ، فإذا تكامل في زيادته نكص على عقبيه كأول ما بدأ في جريته وطما في درته فعند ذلك تخرج أهل ملة محقورة وذمة مخفورة يحرثون بطون الأرض ويبذرون بها الحب يرجون بذلك النماء من الرب لغيرهم ما سعوا من كدهم فناله منهم بغير جدهم فإذا أحدق الزرع وأشرق سقاه الندى وغذاه من تحته الثرى.
فبينما مصر يا أمير المؤمنين لؤلؤة بيضاء إذا هي عنبرة سوداء فإذا هي زمردة خضراء فإذا هى ديباجة رقشاء فتبارك الله الخالق لما يشاء ، الذي يصلح هذه البلاد وينميها ويقر قاطنيها فيها، ألّا يقبل قول خسيسها في رئيسها وألا يستأدى خراج ثمرة إلا في أوانها وأن يصرف ثلث ارتفاعها في عمل جسورها وترعها فإذا تقرر الحال مع العمال في هذه الأحوال تضاعف ارتفاع المال والله تعالى يوفق في المبدأ والمآل.
فلما ورد الكتاب على عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : لله درك يا بن العاص ! لقد وصفت لي خبراً كأني أشاهده “.
وقد بقي من آثار القائد العام في مصر مسجده الجامع الذي عرف باسم (الجامع العتيق) حيث كان بناؤه من أهم الأحداث التي رصدها الشعراء لأنه كان يشكل الرمز الأهم في العاصمة الجديدة خاصة موقف قيسبة بن كلثوم التجيبي الذي استجاب لرغبة القائد العام وتبرع بأرض المسجد فمدحه على ذلك أبو قبان بن نعيم بن بدر التجيبي وتفاخر على الناس بصنيعه وكذلك فعل الشاعر أبو مصعب قيس بن سلمة البلوي عندما مدح أبناءه متفاخرا بما صنعه والدهم.
جاء في الخطط المقريزية : وقال أبو عمر محمد بن يوسف بن يعقوب بن حفص الكنديّ في كتاب أخبار مسجد أهل الراية الأعظم : وأوّل أمره وبنائه وزيادة الأمراء فيه وغيرهم ومجالس الحكام والفقهاء منه وغير ذلك قال هبيرة بن أبيض عن شيخه تجيب : أن قيسبة بن كلثوم التجيبيّ أحد بني سوم سار من الشام إلى مصر مع عمرو بن العاص فدخلها في مائة راحلة وخمسين عبدا وثلاثين فرسا.
فلما أجمع المسلمون وعمرو بن العاص على حصار الحصن نظر قيسبة بن كلثوم فرأى جنانا تقرب من الحصن فعرّج إليها في أهله وعبيده فنزل وضرب فيها فسطاطه وأقام فيها طول حصارهم الحصن حتى فتحه الله عليهم ، ثم خرج قيسبة مع عمرو إلى الإسكندرية وخلف أهله فيها ثم فتح الله عليهم الإسكندرية وعاد قيسبة إلى منزله هذا فنزله واختط عمرو بن العاص داره مقابل تلك الجنان التي نزلها قيسبة.
وتشاور المسلمون أين يكون المسجد الجامع فرأوا أن يكون منزل قيسبة فسأله عمرو فيه وقال : أنا أختط لك يا أبا عبد الرحمن حيث أحببت ، فقال قيسبة : لقد علمتم يا معاشر المسلمين أني حزت هذا المنزل وملكته وإني أتصدّق به على المسلمين ، وارتحل فنزل مع قومه بني سوم واختط فيهم فبني مسجدا في سنة إحدى وعشرين من الهجرة.
وفي ذلك يقول أبو قبان بن نعيم بن بدر التجيبي : وبابليون قد سعدنا بفتحها .. وحزنا لعمر الله فيأ ومغنما .. وقيسبة الخير بن كلثوم داره .. أباح حماها للصلاة وسلّما .. فكلّ مصلّ في فنانا صلاته .. تعارف أهل المصر ما قلت فاعلما ، وقال أبو مصعب قيس بن سلمة الشاعر في قصيدته التي امتدح فيها عبد الرحمن بن قيسبة: وأبوك سلّم داره وأباحها .. لجباه قوم ركّع وسجود.

2 / الصحيفة الصادقة
أول كتاب باللغة العربية دخل إلى مصر هو (الصحيفة الصادقة) التي تضم مجموعة الأحاديث النبوية التي كتبها الصحابي الجليل عبد الله بن عمرو بن العاص مباشرة عن النبي (صلى الله عليه وسلم) ، وكان يحرص عليها ويحملها معه دائما وظلت عند أبنائه وأحفاده من بعده ونقلها عنه المحدثون وعلى رأسهم الإمام أحمد بن حنبل في مسنده.
وقد تناولها الباحث الأستاذ هاني فقيه في كتابه المدخل في تاريخ السنة حيث قال : ” صحيفة عبد الله بن عمرو بن العاص (ت : 65 هـ) رضي الله عنه : فقد ثبت في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال : (ما مِنْ أصحاب النبي ﷺ أحدٌ أكثر حديثاً عنه منّي إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتبُ ولا أكتب) ، وكان عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قد استأذن النبي ﷺ في كتابة ما يسمعه منه فأذن له وقال : (اكتبْ فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق).
وهذه الصحيفة التي كتبها عبد الله بن عمرو كان يسمّيها (الصحيفة الصادقة) ، وكان يضعها تحت وسادته ويحافظ عليها بشدّة ويعتزّ بها حتى إنه جاء عنه أنه قال : (ما يرغّبني في الحياة إلا الصادقة والوَهْط فأمَّا الصادقة فصحيفة كَتَبْتُها من رسول الله ﷺ ، وأما الوَهْط فأرض تصدّق بها عمرو بن العاص كان يقوم عليها).
ولا يُعرف على وجه التحديد عدد أحاديث هذه الصحيفة لكن رجَّح بعضُ الباحثين أنها في حدود الأربعمائة بناء على إحصائية عدد الأحاديث التي رواها عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مما هو مروي في مسند أحمد والسُّنَن الأربعة ، وقد أُتيح لمجاهد بن جبر (ت : 104 هـ) رضي الله عنه رؤية هذه الصحيفة عند صاحبها فقد ورد عنه أنه قال : (رأيتُ عند عبد الله بن عمرو صحيفة فذهبتُ أتناولها ، فقال : مَهْ يا غلامَ بني مخزوم ، قلتُ : ما كنتَ تمنعني شيئاً ، قال : هذه الصادقة فيها ما سمعتُهُ من رسول الله ﷺ ليس بيني وبينه فيها أحد).
وإذ لم تصلنا هذه الصحيفة كما كتبها عبد الله بن عمرو بخطه فقد ضمّ مسند الإمام أحمد وبقيّة كتب السُّنَن أحاديث كثيرة منها وربما معظمها ، مرويّة من طريق حفيده عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص الله عنهما ، ويبدو أن هذه الصحيفة قد حافظ عليها أهل بيت عبد الله بن عمرو حتى آلتْ بالوراثة إلى حفيده عمرو بن شعيب رضي الله عنه فكان يروي منها.
وقد نزلتْ درجةُ أحاديث (عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه) إلى ما دون الصحيح بسبب اختلاف العلماء في عَوْدِ الضمير في قوله (عن أبيه عن جدّه) هل هو عائدٌ إلى جدّ عمرو الأقرب وهو محمد فيكون الخبر مرسلاً أو إنه عائدٌ إلى جدّه الأعلى عبد الله بن عمرو فيكون متصلاً ؟ ، وأكثرُ العلماء على عَوْد الضمير إلى جدّه الأعلى وعليه فالإسناد متصلٌ ليس بمرسل ولا منقطع بل هو في أعلى درجات الحَسَنِ كما قرره غيرُ واحد من العلماء كالحافظ الذهبي وغيره.
ولعل هذه الصحيفة تُعَدُّ من أوائل السجلات التي دُوِّنَتْ فيها مجموعة من أحاديث النبي ﷺ على يد أحد أصحابه الملازمين له وسمعها منه مباشرة ، وقد نقل الحافظ الذهبي عن بعض أهل العلم أنه قال : ينبغي أن تكون تلك الصحيفة أصحَّ من كلّ شيء لأنها مما كتبه عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ والكتابة أضبط من حفظ الرجال “.
وصاحب هذه الصحيفة هو واحد من قادة فتح مصر قدمها بصحبة أبيه ثم تولى قيادة عدد من المعارك مع البيزنطيين أبرزها في الكريون (بالقرب من كفر الدوار الحالية) حيث انتصر عليهم انتصارا ساحقا في معركة برية ونهرية استمرت عشرة أيام وفتحت الطريق بعدها إلى الإسكندرية ، وقد ذكر ذلك ابن عبد الحكم في كتاب فتوح مصر فقال : ” واستعدت الروم واستجاشت وقدم عليهم من أرض الروم جمع عظيم بالعدة والسلاح .. ثم التقوا بسلطيس فاقتتلوا بها قتالًا شديدًا ثم هزمهم الله ، ثم التقوا بالكريون فاقتتلوا بها بضعة عشر يوما.
وكان عبد الله بن عمرو على المقدمة وحامل اللواء يومئذ وردان مولى عمرو فأصابت عبد الله بن عمرو جراحات كثيرة فقال : ياوردان لو تقهقرنا قليلا نصيب الروح ، فقال وردان : الروح تريد الروح أمامك وليس خلفك ، فتقدم عبد الله فجاءه رسول أبيه يسأل عن جراحه فقال : (أقول لها إذا جشأت وجاشت .. رويدك تحمدي أو تستريحي) ، فرجع الرسول إلى عمرو فأخبره بما قال ، فقال عمرو : هو ابنى حقا ، وصلى عمرو يومئذ صلاة الخوف ثم فتح الله للمسلمين وقتل منهم المسلمون مقتلة عظيمة واتبعوهم حتى بلغوا الإسكندرية “.
ولد عبد الله بن عمرو في مكة في عام 7 قبل الهجرة / 614 م وتوفي في الفسطاط بمصر عام 65 هـ / 684 م ودفن في بيته المجاور للجامع العتيق ولم تخرج جنازته بسبب الاضطرابات الحادثة وقتها بين مروان بن محمد وأتباع عبد الله بن الزبير ، ويعد من أوائل المصريين وأعلامهم حيث عاش في مصر قرابة أربعين عاما من عمره وأثر عنه قوله : ” أهل مصر أكرم الأعاجم كلها وأسمحهم يداً وأفضلهم عنصراً وأقربهم رحماً بالعرب عامة وبقريش خاصة “.
وقد عرف بالزهد والورع وأسلم قبل أبيه في العام السابع للهجرة وعرف بملازمة سنة النبي (صلى الله عليه وسلم) ، فعن عمرو بن شعيب عن أبيه قال : انطلقت مع عبد الله بن عمرو بن العاص إلى البيت فلما جئنا دبر الكعبة قلت له : ألا تتعوذ ؟ قال : أعوذ بالله من النار ، ثم مضى حتى اذا استلم الحجر قام بين الركن والباب فوضع صدره ووجهه، وبسط ذراعيه ثم قال : هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلّم فعل.
وعن أبي عبد الرحمن الحبليّ قال : سمعت عبد الله بن عمرو يقول : لأن أكون عاشر عشرة مساكين يوم القيامة أحبّ إليّ من أن أكون عاشر عشرة أغنياء فإن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة إلا من قال هكذا وهكذا ، يقول : يتصدق يمينا وشمالا ، وعن يعلى بن عطاء عن أم عبد الله أنها كانت تصنع الكحل لعبد الله بن عمرو وكان يكثر من البكاء يغلق عليه بابه ويبكي حتى رمصت عيناه.
وقد ترجم له ابن الأثير في كتابه أسد الغابة في معرفة الصحابة فقال : ” عبد الله بن عمرو بن العاص .. عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن العاص بْن وائل بْن هاشم بْن سَعِيد بْن سهم بْن عَمْرو بْن هصيص بْن كعب بْن لؤي الْقُرَشِيّ السهمي يكني أبا مُحَمَّد وقيل أَبُو عَبْد الرَّحْمَن ، أُمه ريطة بِنْت منبه بْن الحجاج السهمي وكان أصغر من أَبِيهِ باثنتي عشرة سنة.
أسلم قبل أَبِيهِ وكان فاضلًا عالمًا قَرَأَ القرآن والكتب المتقدمة ، واستأذن النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أن يكتب عَنْهُ فأذن لَهُ فَقَالَ : يا رَسُول اللَّه أكتب ما أسمع فِي الرضا والغضب ؟ قَالَ : (نعم فإني لا أقول إلا حقًا (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : ما كَانَ أحد أحفظ لحديث رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مني إلا عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن العاص فإنه كَانَ يكتب ولا أكتب وقَالَ عَبْد اللَّه : حفظة عَنِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ألف مثل.
أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَلِيٍّ وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادِهِمْ إِلَى أَبِي عِيسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ أَسْبَاطِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْقُرَشِيُّ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي كَمْ أَقْرَأُ الْقُرْآنَ ؟ قَالَ : (اخْتِمْهُ فِي شَهْرٍ) ، قُلْتُ : إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ ؟ قَالَ : (اخْتِمْهُ فِي عِشْرِينَ) ، قُلْتُ : إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ ، قَالَ : (اخْتِمْهُ فِي خَمْسَ عَشْرَةَ) ، قُلْتُ : إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِك َ؟ قَالَ : (اخْتِمْهُ فِي عَشْرٍ) ، قُلْتُ : إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ ؟ قَالَ : (اخْتِمْهُ فِي خَمْسٍ) ، قُلْتُ : إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ ؟ قَالَ : فَمَا رَخَّصَ لِي.
قَالَ مجاهد : أتيت عَبْد اللَّه بْن عَمْرو فتناولت صحيفة تحت مفرشه فمنعني قلت : ما كنت تمنعني شيئًا ، قَالَ : هَذِهِ الصادقة فيها ما سَمِعْتُ من رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليس بيني وبينه أحد إِذَا سلمت لي هَذِهِ وكتابُ اللَّه والوهط فلا أبالي علام كانت عَلَيْهِ الدنيا ؟ ، والوهط أرض كانت لَهُ يزرعها.
وقَالَ عَبْد اللَّه : لخير أعمله اليوم أحب إِلَى من مثليه مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأنا كُنَّا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تهمنا الآخرة ولا تهمنا الدنيا وَإِنا اليوم مالت بنا الدنيا “.

3 / البرديات العربية
قام العرب باستعمال أوراق البردي منذ اليوم الأول لوجودهم في مصر حيث ترجع أقدم البرديات المكتوبة باللغة العربية إلى زمن الفتح الإسلامي وذلك أثناء حملة الصعيد الكبرى التي قادها الصحابي الجليل خارجة بن حذافة العدوي ، واستمرت كتابة البرديات بعد ذلك في العصور التالية حيث تم الكشف عن قرابة ستة عشر ألف بردية عربية في كل من البهنسا وأهناسيا والفيوم والأشمونين وطحا وأخميم ودندرة وأسوان وإدفو وكوم أشقاو (بالقرب من طما).
ومنها ثمانية آلاف بردية في المكتبة الوطنية بمدينة فيينا عاصمة النمسا وهي المعروفة باسم (مجموعة الأرشيدوق راينر) والتي حققها ونشرها أدولف جروهمان ، ومنها أربعة آلاف بردية محفوظة في دار الكتب المصرية والتي جمعها بي موريتز في أوائل القرن العشرين وأعيد نشرها في العصر الحديث ، والباقي موزع بين متاحف العالم المختلفة في كل من بريطانيا وألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية وإيطاليا وروسيا والتشيك وسويسرا وتركيا.
وتتنوع البرديات من حيث موضوعاتها حيث تشمل مكاتبات رسمية بين الفسطاط وولاة الأقاليم وسجلات مالية خاصة بالضرائب وأعمال الخراج وعقود بيع وشراء وأحكام قضائية وتوثيق مواريث وغيرها ، وتضم أيضا عدة كتب مثل كتاب موطأ الإمام مالك ومؤلفات عبد الله بن وهب الفهري بالإضافة إلى مجموعة رسائل الوالي قرة بن شريك ، وتضم معظم البرديات كتابات عربية فقط وبعضها بالعربية واليونانية معا وبعضها أضيف إليه القبطية أيضا.
وقد سجل الدكتور عبد العزيز الدالي في كتابه (البرديات العربية) نص أقدم هذه البرديات والمؤرخة بتاريخ جمادى الأولى عام 22 هـ / 643 م وهو إيصال استلام وتسلم لعدد من الأغنام لزوم إطعام الجنود كتبها القائد أبو عامر عبد الله بن جابر الحجري المعافري والذي كان مكلفا بمهام الإمداد والتموين وكتبت بكل من اليونانية والعربية وجاء فيها :
” الله بسم الله (أنا الأمير عبد الله) أكتب إليكما خريسطقورس وتيودوراكيوس عاملي هيراكليوبوليس لإمداد المسلمين الذين معي أخذت 65 (خمسة وستين) شاة فقط في هيراكليوبوليس بلا زيادة ولإيضاح ذلك حررت هذا الإقرار وكتبته أنا (حنا العمدة والشماس) في 30 برمودة من السنة الأولى من البريديوس الأول ..
بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أخذه عبد الله بن جابر وجنوده من الشياه المخصصة للذبح في هيراكليوبوليس أخذنا من هذه الشياه خمسين من نائب تيودوراكيوس الابن الثاني للانبا كيروس ومن وكيل خريسطفورس أكبر أولاد الانبا كيروس ثم خمس عشرة شاه أخرى أعطاها لتذبح لحاشيته في مراكبه وخيالته والراجلين المدرعين تحرر في شهر جمادى الأولى من سنة اثنتين وعشرين كتبه ابن حديدة “.
وفاتح الصعيد وأول حاكم له هو فارس بني عدي المغوار خارجة بن حذافة بن غانم بن عامر بن عبد الله بن عبيد بن عويج بن عدي بن كعب بن لؤي العدوي القرشي .. وأمه هي فاطمة بنت عمرو بن بجرة بن خلف بن صداد العدوية .. وأخوه حفص بن حذافة العدوي أحد شعراء قريش المعروفين .. من قادة الفتح الإسلامي لمصر حيث عاش ومات بها .. ورد اسمه في البرديات اليونانية والقبطية باسم (القائد أريجاتوس) ..
أسلم قديما وهاجر في العام السابع للهجرة .. روى عن النبي (ص) حديثا واحدا ورد في صحيح البخاري وهو حديث (صلاة الوتر) .. وصل إلى مصر على رأس المدد الذي طلبه عمرو بن العاص من الخليفة عمر بن الخطاب والذي أرسل قائلا : ” وقد أرسلت إليك أربعة آلاف على رأس كل ألف منهم رجل بألف الزبير بن العوام والمقداد بن عمرو وعبادة بن الصامت وخارجة بن حذافة ” ..
كان له دور بارز في تحقيق الانتصار على الجيوش الرومانية في معركة عين شمس عندما قاد الكمين المرابط في الجبل الأحمر .. ثم تولى قيادة حامية حصن بابليون أثناء تحرك عمرو بن العاص إلى الإسكندرية .. وبعد عودة عمرو خرج على رأس الحملة التي أتمت فتح الصعيد بنجاح ثم قام بفتح قلعة تنيس بالدلتا فأرسل الخليفة إلى عمرو ليفرض لخارجة من العطاء للشرف في الشجاعة ..
شارك في تأسيس مدينة الفسطاط حيث كان له منزل يسمى (دار القند) على رأس خطة (حارة) بني عدي في منطقة أهل الراية المجاورة لمسجد عمرو .. وله قصة مشهورة عندما بنى دورا علويا وأرسل إليه الخليفة عمر يأمره بهدمه إذا اطلع على جيرانه .. بعد ذلك تولى خارجة منصب صاحب الشرطة في مصر ثم كان على ميمنة عمرو أثناء الفتح الثاني للإسكندرية بعد نقض الرومان للمعاهدة ..
تزوج من امرأتين إحداهما عربية من قبيلة كنده وأنجب منها عبد الرحمن وأبان والثانية قبطية من قرية سلطيس (سنطيس الحالية مركز دمنهور) وأنجب منها عبد الله وعون .. ومن أحفاده الربيع بن عون من وجهاء مصر في العصر الأموي .. وقد شارك خارجة في قيادة معركة ذات الصواري البحرية وحملة النوبة وفتح طرابلس مع جيش العبادلة تحت إمرة عبد الله بن أبي السرح ..
انحاز خارجة إلى معاوية غضبا لمقتل عثمان وكان من قادة حملته العسكرية الناجحة إلى الفسطاط ثم تولى إمرة مصر نيابة عن عمرو بن العاص عندما خرج إلى التحكيم .. استشهد على يد أحد الخوارج عندما ذهب ليصلي بالناس الفجر بدلا من عمرو بن العاص بسبب مرضه والذي قال قولته المشهورة عندما أمسك بالقاتل : ” أردتني وأراد الله خارجة ” .. وقبره معروف في قرافة الفسطاط ..
وكانت حملة فتح الصعيد قد بدأت مبكرا بعد أن اطمأن القائد العام عمرو بن العاص إلى بدء التفاوض حول الإسكندرية فقام على الفور بتكليف خارجة بن حذافة بتجهيز حملة عسكرية قوامها ستة آلاف جندي وذلك للقيام بذلك في أواخر أكتوبر 641 م. حيث سارت القوات الإسلامية في غرب النيل باتجاه الجنوب وهي تهدف إلى القضاء على أية قوة رومانية في طريقها ومن ثم السيطرة التامة على أقاليم الصعيد كلها وهي أركاديا وطيبة والسفلى والوسطى والعليا طبقا للتقسيم الإداري الروماني.
استغرقت هذه الحملة ما يقارب ستة أشهر بدأت أولا بإكمال فتح إقليم أركاديا حيث دخل خارجة إلى أهناسيا ومنها إلى الفيوم فأحكم السيطرة عليها بالكامل بعد أن فر منها قادة الرومان ثم سيطر على ريف أبويط ودلاص والتي تم فتحهما في وقت سابق لكن هذه المرة كان التواجد بغرض إعلام جميع السكان من أقباط ويونانيين بزوال سلطة الرومان عن الحكم ثم سار خارجة إلى البهنسا (أوكسرنيخوس) وهي عاصمة الإقليم ففتحها بسهولة بعد مقاومة محدودة وحضر معه ذلك الفتح عدد من الصحابة.
بعد ذلك سار خارجة حتى منطقة الأشمونين قاصدا عاصمة إقليم طيبة السفلى وهي مدينة أنطنويه (أنصنا الحالية الواقعة في زمام قرية الشيخ عبادة مركز ملوي بالمنيا) ليجد أن حاكمها الروماني حنا رفض مواجهة العرب حتى لا يحدث له مثل ما حدث للمقاومين في الفيوم والبهنسا وهرب بالأموال العامة عبر الصحراء تاركا السكان دون حماية فلم يجد خارجة مشقة في دخول المدينة وسط ترحيب من الأهالي الذين صدمهم فرار القادة الرومان.
بعد ذلك توجه خارجة إلى إقليم طيبة الوسطى حيث استولى بسهولة على عاصمته بيتوليمايس (المنشأة مركز سوهاج حاليا) وعبرت قواته إلى شرق النيل عند أخميم والتي خلت من أي مقاومة وطلب أهلها الصلح ومنها إلى إسنا قبل أن يتحرك إلى أسوان (إقليم طيبة العليا) حيث تأكد له خلوها بالكامل من الرومان فوضع فيها حامية بقيادة نافع بن عبد القيس الفهري.
وعندما أتم خارجة مهمته على أكمل وجه بدأ رحلة العودة بعد أن نشر الحاميات العربية في كل بلاد الصعيد لكنه مكث بعض الوقت لينظم شئون الأقاليم الأربعة حيث قام بتعيين عدد من الحكام المحليين من الموالين له بدلا من الحكام الموالين للرومان الذين فروا وكانت سياسته هي الاستعانة بالموظفين الأقباط واليونانيين والإبقاء عليهم في نفس مواقعهم السابقة وترك جميع الأراضي في أيدي أبنائها مع إعطاء إذن للحكام المحليين بجمع الضرائب وفق النظام السائد حتى تصل تعليمات من القيادة العامة في بابليون.
وتذكر إحدى البرديات المؤرخة في شهر صفر 21 هـ / فبراير 642 م إحدى تنظيمات خارجة في الصعيد حيث جاء في نص البردية ذكر التاريخ وأسماء الأشخاص وكمية الضريبة المفروضة : ” … أعطيت من قبل منطقة شمال هراقليوس التي تخص الحاكم أبا قيروس البريبيستاتوس الكبير للباجارخ في بابليون في شهر أمشير من الدورة الضريبية الخامسة عشر ما يلي : الأمير أريجاتوس (خارجة) لكوني فيلوكسينوس دوق إيبارخية أركاديا لزاما علي تقديم كمية معينة من قمح أركاديا تقدر بثلاثة آلاف أردب ومائة وأربع وستين … إلخ ”.
وفي بردية أخرى كتبت باليونانية نجد رسالة من القائد العام بالفسطاط إلى باجارخ (حاكم) أهناسيا (هيراكليوبوليس) يأمره فيها بإعطاء أحد القادة تموينا مقابل ثمن يدفع وختمها بخاتمه وجاء فيها : ” بسم الله عمرو بن العاص الحاكم إلى باجارخ هيراكليوبوليس أعطي لعمير بن عسلة أربعة حزم من الشعير بسعر 2 سوليدس تأخذ منه وهي لاستعمال رجل واحد كتب في الثالث عشر من طوبة من العام الثاني ” ، ويقصد العام الثاني من فتح مصر وهو 22 هجري والسوليدس هي عملة رومانية ذهبية كانت متداولة وقتها.

4 / مسند عقبة بن عامر
مسجد سيدي عقبة الموجود في قرافة الفسطاط عند سفح جبل المقطم يرجع إلى صاحب رسول الله (ص) وحامل رايته سيدنا عقبة بن عامر بن عبس بن مالك الجهني حليف الأنصار ، ولد بالحجاز عام 608 م. وتوفي في مصر في عام 678 م. ، أسلم وهو شاب يافع عندما لقي النبي (ص) وهو في طريق الهجرة حيث كان يرعى الغنم في البادية على مشارف المدينة وبايعه على الإسلام والهجرة.
وبعد غزوة أحد ترك عقبة البادية ولحق بخدمة النبي (ص) يقود راحلته ويحمل رايته وكان من جملة أهل الصفة فحفظ القرآن وروى الحديث وشهد سائر المشاهد ، خرج في فتوح الشام وحمل البريد إلى المدينة ببشارة فتح دمشق ثم ندبه الخليفة عمر بن الخطاب ليحمل كتابا عاجلا إلى عمرو بن العاص يأمره فيه بإتمام المسير إلى مصر إذا كان قد دخلها فوافاه عقبة في العريش وسلمه الكتاب.
تولى عقبة قيادة ميسرة جيش الفتح ثم قوات غرب النيل ثم شارك في حملة الصعيد الكبرى ثم تولى قيادة حامية غرب الدلتا وساهم في تأسيس مدينة الفسطاط واستخلفه عبد الله بن أبي السرح على مصر عندما خرج لفتح أفريقية ، انحاز عقبة إلى المطالبين بثأر عثمان وكان وقتها واليا بالإنابة فغادر الفسطاط بعد هجوم الثوار عليها وشهد صفين مع معاوية ثم تولى ولاية مصر لمدة ثلاث سنوات.
أنشأ عقبة قرية جديدة في غرب النيل وعمرها بالمساكن والبساتين وأطلق عليها منية عقبة (ميت عقبة الحالية بمحافظة الجيزة) ثم قام بفصل قبيلة جهينة عن خطة أهل الراية وجعل لهم ديوانا خاصا بهم فزادت أعدادهم في مصر ، تولى بعد ذلك قيادة الحملة البحرية لغزو رودس حيث يروى أنه أول من نشر الأعلام والرايات على السفن وبسبب شعبيته المتزايدة عزله معاوية بعد المعركة.
تفرغ عقبة بعد ذلك قرابة عشر سنوات للتدريس والإفتاء في جامع عمرو وتتلمذ على يديه عدد كبير من التابعين ، قال عنه ابن يونس : (كان عقبة قارئًا عالِمًا بالفرائض والفقه صحيحَ اللسان شاعرًا كاتبًا وهو آخِرُ مَن جمع القرآن) ، وقال ابن عبد الحكم : (وليس في الجبَّانة قبرُ صحابي مقطوعٌ به إلا قبر عقبة فإنه زاره الخلف عن السلف ولأهل مصر فيه اعتقاد عظيم ولهم عنه نحو مائة حديث).
وقد عرفت مجموعة مرويات عقبة بن عامر من الحديث النبوي الشريف باسم مسند عقبة بن عامر وظلت متداولة لدى التابعين والمحدثين ومدونة في كتاباتهم ثم جمعها ابن قطلوبغا في العصر المملوكي وكتب في ذلك عند تقديمه للمسند :
” بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَبِهِ نَسْتَعِينُ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ وَبَعْدُ ، فَلَمَّا دَفَنْتُ وَالِدِي وَأَوْلادِي بِجِوَارِ الضَّرِيحِ الْمَنْسُوبِ إِلَى سَيِّدِي عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَحْبَبْتُ أَنْ أَجْمَعَ مَا تَيَسَّرَ لِي مِنْ أَحَادِيثِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِتُقْرَأَ عِنْدَ ضَرِيحِهِ كَمَا يُصْنَعُ عِنْدَ ضَرِيحِ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِمَا رَوَاهُ أَوْ صَنَّفَهُ وَأُقَدِّمُ تَرْجَمَةَ التَّعْرِيفِ بِشَأْنِهِ.
فَأَقُولُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقِ : قَالَ شَيْخُنَا حَافِظُ الْعَصْرِ أَبُو الْفَضْلِ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حُجْرٍ فِي كِتَابِ الإِصَابَةِ بِتَمْيِيزِ الصَّحَابَةِ : عُقْبَةُ بْنُ عَامِرِ بْنِ عِيسَى بْنِ عَمْرِو بْنِ عَدِيِّ بْنِ عَمْرِو بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ مَوْدُوعَةَ بْنِ عَدِيِّ بْنِ عَمْرِو بْنِ الرّبعَةِ بْنِ رَشْدَانَ بْنِ قَيْسِ بْنِ جُهَيْنَةَ الْجُهَنِيُّ الصَّحَابِيُّ الْمَشْهُورُ وَقَالَ غَيْرُهُ أَبُو حَمَّادٍ وَيُقَالُ أَبُو سُعَادٍ وَيُقَالُ أَبُو عَامِرٍ وَيُقَالُ أَبُو عَمْرٍو وَيُقَالُ أَبُو عَبْسٍ وَيُقَالُ أَبُو زَيْدٍ وَيُقَالُ أَبُو الأَسْوَدِ أَسْلَمَ قَدِيمًا وَسَكَنَ دِمَشْقَ وَكَانَ لَهُ بِهَا دَارٌ عِنْدَ بَابِ ثومَا.
قَالَ شَيْخُنَا : رَوَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَثِيرًا رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ مِنْهُمُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو أُمَامَةَ وَجُبَيْرُ بْنُ نُفَيْرٍ وَبَعْجَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْجُهَنِيُّ وَأَبُو إِدْرِيسَ الَخْوَلانِيُّ وَخَلْقٌ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ ، قَالَ أَبُو سَعِيدِ بْنُ يُونُسَ : كَانَ قَارِئًا عَالِمًا بِالْفَرَائِضِ وَالْفِقْهِ فَصِيحَ اللِّسَانِ كَاتِبًا وَهُوَ أَحَدُ مَنْ جَمَعَ الْقُرْآنَ ، قَالَ وَرَأَيْتُ مُصْحَفَهُ بِمِصْرَ عَلَى غَيْرِ تَأْلِيفِ مُصْحَفِ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَفِي آخِرِهِ كَتَبَهُ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ بِيَدِهِ.
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ فِي طَرِيقِ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ وَكَانَ مِنْ رُفَعَاءِ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَنْ أَبِي عُشَانَةَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ : قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ وَأَنَا فِي غَنَمٍ لِي أَرْعَاهَا فَتَرَكْتُهَا ثُمَّ ذَهَبْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ : بَايِعْنِي ، فَبَايَعَنِي عَلَى الْهِجْرَةِ ، الْحَدِيثَ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.
وَشَهِدَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ مِنَ الْفُتُوحِ وَكَانَ هُوَ الْبَرِيدُ إِلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِفَتْحِ دِمَشْقَ وَشَهِدَ صِفِّينَ مَعَ مُعَاوِيَةَ وَأَمَّرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى مِصْرَ وَكَانَتْ وِلايَتُهُ بِمِصْرَ ثَلاثَ سِنِينَ وَقَالَ أَبُو عُمَرَ الْكِنْدِيُّ : جَمَعَ لَهُ مُعَاوِيَةُ فِي إِمْرَةِ مِصْرَ بَيْنَ الصَّلاةِ وَالْخَرَاجِ فَلَمَّا أَرَادَ عَزْلَهُ كَتَبَ إِلَيْهِ أَنْ يَغْزُوَ رُودِسَ فَلَمَّا تَوَجَّهَ سَائِرًا اسْتَوْلَى مَسْلَمَةُ فَلَمَّا بَلَغَ عُقْبَةَ فَقَالَ : أَغُرْبَةً وَعَزْلا ، وَذَلِكَ فِي سَنَةِ سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمَاتَ فِي خِلافَةِ مُعَاوِيَةَ عَلَى الصَّحِيحِ “.

5 / في مدح مسلمة بن مخلد
في حي مصر القديمة وفي الناحية الشمالية الغربية من جامع عمرو يوجد مسجد مسلمة في تقاطع شارع حسن الأنور مع شارع مسلمة وهي المنطقة التي عرفت قديما باسم سوق مسلمة ، وقد جاء وصف المسجد بدقة في كتاب تحفة الأحباب وبغية الطلاب للسخاوى في القرن التاسع الهجري حيث كانت المنطقة تعرف باسم مذبح الجمل ، وقد بني المسجد فوق الضريح في العصر الأيوبي.
وينسب المسجد إلى الصحابي مسلمة بن مخلد بن صامت بن نيار الأنصاري من قبيلة بني ساعدة وهي فرع من الخزرج ، ولد في المدينة المنورة في العام الرابع قبل الهجرة الموافق 618 م. وتوفي في مصر عام 62 هـ / 682 م. حيث كان من قادة الفتح الإسلامي ثم عينه الخليفة معاوية واليا على مصر والمغرب معا طيلة خمس عشرة سنة متصلة شهدت توسعا كبير في العمران بمدينة الفسطاط والإسكندرية والمحلة.
وهو أول من أدخل بناء المآذن في المساجد وزاد في جامع عمرو بعمل الصحن المكشوف وزاد فيه من الناحية الشرقية والشمالية وبنيت في عهده أول كنيسة داخل مدينة الفسطاط في حارة الروم ، وكان مسلمة قد تولى الإشراف على الزراعة وأعمال الطواحين ومقياس النيل في عهد عمرو بن العاص فلما تولى الولاية برزت مهارته في الإدارة وأنشأ مقياس النيل في قرية أنصنا بالصعيد .
وزاد مسلمة في أعداد الجيش البري والقوات البحرية وانتظمت دورياته في البحر المتوسط حيث قام بصد حملة الروم الكبرى على البرلس واشتبك معهم برا وبحرا ودعم حملة يزيد بن معاوية على القسطنطينية وبنى دارا لصناعة السفن الحربية والتجارية في جزيرة الروضة وطور في ديوان البريد وفي صناعة المنسوجات وواصل التوسع في المغرب بواسطة مولاه أبي المهاجر دينار.
وهو الذي استقبل سيدات آل البيت بعد معركة كربلاء حيث أبدى ترحيبا بهن وأكرمهن وخصص لهن دارا كبيرة بمنطقة الحمراء القصوى صارت بعد ذلك نواة منطقة درب الأشراف ، وقد عرف عنه الشجاعة والبأس في الحرب خاصة في حصار الإسكندرية كما اشتهر بصواب الرأي واختيار الأكفاء من معاونيه في الشرطة والقضاء إلى جانب التقوى والورع وحسن قراءة القرآن.
ومن الأحداث المرتبطة بالمسجد ما قام به الوالي مسلمة بن مخلد من توسعة كبيرة ضمت لأول مرة مآذن مرتفعة مدحها الشاعر عابد بن هشام السلاماني الأزدي في قصيدة له يقول فيها : لقد مدت لمسلمة الليالي على رغم العداة من الأمان ، وذكر فيها المآذن ووصفها بأنها صوامع وهو اللفظ الذي استعمل بعد ذلك لوصف المآذن في المغرب ، وتعد هذه القصيدة من أوائل ما دون من أشعار العرب في الفسطاط.
جاء في الخطط المقريزية : وأوّل من زاد في هذا الجامع مسلمة بن مخلد الأنصاريّ سنة ثلاث وخمسين وهو يومئذ أمير مصر من قبل معاوية ، قال الكنديّ في كتاب أخبار مسجد أهل الراية : ولما ضاق المسجد بأهله شكى ذلك إلى مسلمة بن مخلد وهو الأمير يومئذ فكتب فيه إلى معاوية بن أبي سفيان فكتب إليه يأمره بالزيادة فيه ، فزاد فيه من شرقيه مما يلي دار عمرو بن العاص وزاد فيه من بحريه ولم يحدث فيه حدثا من القبليّ ولا من الغربيّ وذلك في سنة ثلاث وخمسين.
وجعل له رحبة في البحريّ منه كان الناس يصيفون فيها ولاطه بالنورة وزخرف جدرانه وسقوفه ولم يكن المسجد الذي لعمر وجعل فيه نورة ولا زخرف وأمر بابتناء منار المسجد الذي في الفسطاط وأمر أن يؤذنوا في وقت واحد وأمر مؤذني الجامع أن يؤذنوا للفجر إذا مضى نصف الليل فإذا فرغوا من أذانهم أذن كلّ مؤذن في الفسطاط في وقت واحد ، قال ابن لهيعة فكان لأذانهم دويّ شديد.
فقال عابد بن هشام الأزديّ ثم السلامانيّ لمسلمة بن مخلد: لقد مدّت لمسلمة الليالي .. على رغم العداة من الأمان .. وساعده الزمان بكلّ سعد .. وبلغه البعيد من الأمان .. أمسلم فارتقي لا زلت تعلو .. على الأيام مسلم والزمان .. لقد أحكمت مسجدنا فأضحى .. كأحسن ما يكون من المباني .. فتاه به البلاد وساكنوها .. كما تاهت بزينتها الغواني .. وكم لك من مناقب صالحات .. وأجدل بالصوامع للأذان .. كأنّ تجاوب الأصوات فيها .. إذا ما الليل ألقى بالجران .. كصوت الرعد خالطه دويّ .. وأرعب كلّ مختطف الجنان.
وقد جاء في طبقات ابن سعد تفاصيل عن أسرة مسلمة حيث رزق بخمسة بنات تزوجن جميعا من وجهاء القوم في زمنهم فقال : ” مسلمة بن مخلد بن الصامت بن نيار بن لوذان بن عبد ود بن زيد بن ثعلبة بن الخزرج ابن ساعدة بن كعب بن الخزرج ويكنى أبا معن وأمه مندوس بنت عمرو بن خنيس بن لوذان بن عبد ود بن زيد بن ثعلبة بن الخزرج بن ساعدة.
فولد مسلمة بن مخلد : مندوس تزوجها عبد الله بن يزيد بن معاوية ابن أبي سفيان بن حرب بن أمية ، وحمادة بنت مسلمة تزوجها يحيى بن سعيد بن سعد بن عباده بن دليم ، وأم سهل بنت مسلمة تزوجها سليمان بن خالد بن أبي دجانة سماك ابن خرشة ثم خلف عليها أبو بكر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم ابن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي ، وأم جميل بنت مسلمة تزوجها عبد الله بن خالد بن أبي دجانة سماك بن خرشة ، وأم حسن وأمهم أم كلثوم بنت سهل بن عمرو بن سهل “.

6 / شعراء الحرب والسياسة
يقول أبو فراس الحمداني : ” الشعر ديوان العرب وعنوان الأدب ” ، وهي عبارة صادقة بل تكاد تنطبق على الشعر العربي في مصر الإسلامية حيث لعب الشعراء دورا كبيرا في رصد الأحداث السياسية ومواقف الأمراء ووصف مدينة الفسطاط وذكر القبائل العربية التي استقرت في مصر في أعقاب الفتح الإسلامي.
ويذكر ابن عبد الحكم في كتاب فتوح مصر وأخبارها قصيدة شهيرة للشاعر أبي مصعب البلوي في هجاء عدد من سادات الفسطاط بسبب رفضهم إعطائه المال مثلما يحدث مع الشعراء فوصفهم بالكبر وأنهم حضرميون ليس لهم شرف ولا مجد ، وكانت هذه القصيدة موضع اهتمام من الخليفة معاوية بن أبي سفيان حيث كان يلاعب بها زعماء الفسطاط وشيوخ القبائل فيها إذا بدرت منهم بادرة لا ترضيه.
يقول أبو المصعب البلوىّ فى قصيدته تلك : وظلت أنادى اللّكعاء قيسا .. لتدخلنى وقد حضر الغداء .. وليس بماجد الجدّات قيس .. ولكن حضرميّات قماء .. وأعرض نفحة ليربوع عنّى .. يزيد بعد ما رفع اللواء .. أشار بكفّه اليمنى وكانت .. شمالا لا يجوز لها عطاء .. أكلّم عائذا ويصدّ عنّى .. ويمنعه السّلام الكبرياء .. وجرف قد تهدّم جانباه .. كريب ذاكم البرم العياء .. وأمّا القحزمىّ فذاك بغل .. أضرّ به مع الدبر الحفاء .. وهذاك القصيّر من تجيب .. ولو يسطيع ما نفض الخلاء.
قال وكان معاوية إذا قدم عليه أحد من أهل مصر سأله : هل تروى قصيد أبى المصعب ؟ وهذه الأبيات فى قصيدة له ، يريد بيزيد يزيد بن شرحبيل بن حسنة وقيس قيس بن كليب الحاجب ، وعائذ بن ثعلبة البلوىّ وقتل عائذ بالبرلّس فى سنة ثلاث وخمسين مع وردان مولى عمرو بن العاص وأبى رقيّة اللخمى ، والقحزمىّ عمرو بن قحزم وكريب كريب بن أبرهة والقصيّر من تجيب زياد بن حناطة التجيبى ثم الخلاوىّ وهو صاحب قصر ابن حناطة الذي بتجيب.
وفي عام 65 هـ قاد مروان بن الحكم جيوشه من الشام إلى مصر التي كانت في ولاية عبد الرحمن بن جحدم الفهري من قبل الخليفة عبد الله بن الزبير وانتهت المعارك بانتصار مروان وضم مصر إلى حكم الأمويين مرة ثانية ، وخلال هذه المعارك لعب الشعر دورا لا يقل أهمية عن السيف على عادة العرب وقتها وسجل المؤرخون قصائد قيلت في ذلك لكل من زرعة بن سعد بن أبي زمزمة الحشني وزهير بن قيس البلوي وزياد بن قائد اللخمي وعبد الرحمن بن الحكم بن أبي العاص الأموي.
يقول الكندي في كتاب الولاة القضاة : وسار مَرْوان إلى مِصر ومعه خَالِد بْن يزيد بْن مُعاوية وعمرو بْن سَعِيد وعبد الرَّحْمَن بْن الحكَم وزُفَر بْن الحارث، وحسَّان بْن بَحْدَل ومالك بْن هُبَيرة السَّكونيّ فِي أشراف كثير ، وبعث ابنه عَبْد العزيز فِي جيش إلى أيلة ورجا ان يدخل مصر من تلك الناحية وأجمع ابن جَحْدَم عَلَى حربه ومنعه فأشار عَلَيْهِ الجُند بحفر خَنْدَق يخندق بِهِ عَلَى الفُسطاط فأَمر بحفره، فحُفر فِي شهر واحد.
قَالَ ابن أَبي زَمزَمة الحشنيّ : وما الجِدُّ إِلَّا مِثْلُ جِدِّ ابْنِ جَحْدَمٍ .. وَمَا العَزْمُ إِلَّا عَزْمُهُ يَوْمَ خَنْدَقِ .. ثَلَاثُونَ أَلْفًا هُمْ أثَارُوا تُرَابَهُ .. وَخَدُّوهُ فِي شَهْرٍ حَدِيثُ مُصَدَّقِ ، وهو الخَندق الَّذِي فِي مقْبُرة الفُسطاط اليوم ، وأمَّا زُهَير بْن قيس فلقي عَبْد العزيز بْن مَرْوَان ببُصاق وهي سطح عقَبة أَيْلة فقاتله فانهزم زُهَير ومن معه قَالَ زُهَير لعبد العزيز : مَنَعْتَ بُصَاقًا والبِطَاحَ فَلَمْ تُرَمْ .. بِطَاحُكَ لَمَّا أَنْ حَميتَ ذِمَارَكا .. قَسَرتَ الأُلَى وَلَّوا عَن الأَمرِ بَعْدَما .. أرادوا عَلَيْهِ فَاعْلَمَنَّ اقْتِسَارَكَ.
وسار مروان حتى نزل عين شمس فخرج ابن جَحْدَم فِي أهل مِصر فتحاربوا يومًا أو يومين ثمَّ رجعوا إلى خَندَقهم فصُفُّوا عَلَيْهِ فكانت تِلْكَ الأيَّام تُسمَّى أيَّام الخَنْدَق والتراويح لأن أهل مِصر كانوا يُقاتلون نُوَبًا يخرج هَؤُلّاءِ ثمَّ يرجِعون ثمَّ يخرج غيرهم ، واستحرّ القتل فِي المعَافر فقُتِل جمع منهم وقُتل كثير من أهل القبائل من أهل مصر وقُتِل من أهل الشام أيضًا جمع كثير.
قَالَ عبد الرحمن بْن الحَكَم : أَلَا هَلْ أَتَاهَا عَلَى نَأْيِهَا .. نِبَاءُ التَّرَاوِيحِ وَالْخَنْدَقِ .. بَلَغْنَا بِفَيْلَق يَغْشَى الظِّرَابَ .. بَعِيدَ السُّمُوّ لِمَنْ يَرْتَقي .. وَجَاشَتْ لنا الأرضُ منْ نحْوِهِمْ .. بِحَي تُجِيبَ وَمِنْ غَافِقِ .. وأَحْيَاءِ مَذْحِجَ والأَشْعَريِنَ .. وَحميَرَ كاللهب المحْرِقِ .. وسَدَّت مَعَافِرُ أفْقَ البِلَادِ .. بِمرْعِدِ جَيْشٍ لها مُبْرِقِ .. وَنَادَى الكُفاةُ أَلا فَابْرِزُوا .. فَحَتَّامَ حَتَّى وَلا نَلْتَقي .. فَلَوْ كُنْتِ رَمْلَةُ شَاهَدْتِهِ .. تَمنَّيْتِ أَنَّكِ لَمْ تُخْلَقي.
فحَدَّثَنِي يحيى بْن أَبِي مُعاوية التُّجيبيّ قَالَ : حَدَّثَنِي خَلَف بْن ربيعة الحَضْرَميّ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبي ربيعةُ بْن الوليد عَنْ مُوسَى بْن عَلِيّ بْن ربَاح عَنْ أبيه قَالَ : كنت واقفًا بباب مَرْوان حِين أُتِيَ بالأَكدر لَيْسَ معه أحدٌ من قومه فأُدخل عَلَى مَروان فلم يكنْ شيء أَسرع من قتله وتنادى الجُند : قتل الأكدر فلم يبقَ أحد حتى لبِس سِلاحه فحضر باب مَروان منهم زيادة عَلَى ثلاثين ألفًا وخشيّ مَروان وأغلق بابه.
ومضت طائفة منهم إلى كُريب بْن أَبْرَهة فلقُوه وقد توفيّت امرأَته بَسيسة بِنْت حَمْزَة بْن يشرح بن عَبْد كُلال فهو مشغول بجنازتها فقالوا : يا أبا رِشْدين أَيُقتَل الأكدر اركَب معنا ، إلى قَالَ : انتظروني حتّى أغيّب هذه الجنازة.
فغيَّبها ثُمَّ أَقبل معهم فدخل عَلَى مَروان فقال : إليَّ يا أَبَا رشدِين ، فقال : بل إليَّ يا أمير المؤمنين ، فأتاه مروان فألقى عَلَيْهِ كُرَيب رِداءَه وقال للجُند : انصرفوا أَنَا لَهُ جار ، فوالله ما عطف أحد منهم وانصرفوا إلى منازلهم وكان قتل الأكدر للنصف من جمادى الآخرة سنة خمس وستّين ، ويومئذٍ توفّي عبد الله بْن عمرو بْن العاصِ فلم يُستطع أن يُخرَج بجنازته إلى المقبرة لتشغُّب الجُند عَلَى مَروان فدُفن فِي داره.
قَالَ زياد بْن قائد اللَخْمي : كَمَا لَقِيَتْ لَخْمُ مَا سَاءَهَا .. بأكْدَرَ لَا يَبْعَدَنْ أَكْدَرُ .. هُوَ السَّيْف أَجْرَدَ مِنْ غِمْدِهِ .. فَلَاقى المنَايَا وَمَا يَشْعُرُ .. فَلَهْفَي عَلَيْكَ غَدَاةَ الرَّدَى .. وقَدْ ضَاقَ ورْدُكَ والمَصْدَرُ .. وَأَنْتَ الأَسِيرُ بِلَا مَنْعَةٍ .. وَمَا كانَ مِثلُك يُسْتَأْسَرُ ، وجعل مَرْوان صلاة مِصر وخَراجها إلى ابنه عَبْد العزيز بْن مَرْوان “.

7 / مدائح ومراثي حلوان
في عام 70 هـ انتشر الوباء في مدينة الفسطاط فقرر والي مصر عبد العزيز بن مروان الأموي إنشاء عاصمة بديلة بصورة مؤقتة ووقع اختياره على مساحة خالية من الأرض في حافة الصحراء الشرقية بعد وادي حوف وأطلق عليها اسم حلوان وانتقل إليها حتى وافته المنية فيها بعد خمس عشرة سنة في عام 86 هـ / 705 م ، وكانت تقع على نهر النيل باتجاه الجنوب في موضع كان عمرو بن العاص قد أنشأ مقياسا للنيل فيه.
وعهد الوالي بحماية المدينة الجديدة إلى القائد جناب بن مرثد بن زيد بن هانىء الرعيني ، وقد فصل الكندي ذلك في كتابه الولاة القضاة فقال : ” ووقع الطاعون بمصر في سنة سبعين فخرج عبد العزيز منها إلى الشرقية متبديا فنزل حلوان فأعجبته فاتخذها وسكنها وجعل بها الحرس والأعوان والشرط فكان عليهم جناب بن مرثد بحلوان ، وبني عبد العزيز بحلوان الدور والمساجد وعمرها أحسن عمارة وأحكمها وغرس كرمها ونخلها “.
ويبدو أن الأمير عبد العزيز قد استسحسن مغادرة الفسطاط إلى ضاحيته الجديدة ليكون في مأمن وحماية بعيدا عن التناحر القبلي ، ولم تكن مصر وقتها ولاية عادية وإنما كانت تشكل نصف الدولة الأموية حيث يخضع لها المغرب العربي ويحكمها أخو الخليفة وولي عهده طوال عشرين عاما متصلة ويتمتع بسلطة مستقلة نسبيا ، وقد قام ابنه ونائبه الأصبغ بن عبد العزيز ببناء ضاحية أخرى في الشمال عرفت باسم منية الأصبغ أو قرية الخندق.
وكان عبد العزيز بن مروان من محبي الأدب والشعر فجعل بلاطه في حلوان ملتقى أدبيا وساحة للبلاغة ومقصدا للشعراء من كل فج فأغدق عليهم وأولاهم بالرعاية فكانوا صوته الناطق في عالم السياسة ، ومن أهمهم جميل بن معمر العذري وكثير بن عبد الرحمن الخزاعي ونصيب بن رباح الكناني والذين سكنوا مصر وارتبطوا بها وكذلك كل من أيمن بن خريم الأسدي وابن قيس الرقيات العامري القرشي وعبد الله بن الحجاج الباهلي ومحمد بن عمرو الأموي وسليمان بن أبان الأنصاري والذين وفدوا على البلاد ومدحوا الأمير بأشعارهم.
وممن ذكر حلوان وبابليون في قصائده الشاعر عبيد الله بن قيس بن شريح المعروف بلقب ابن قيس الرقيات (وذلك بسبب عشقه لثلاث نساء كل منهم اسمها رقية) وهو من شعراء الحجاز ومن أبناء بني عامر بن لؤي من قريش ، يقول واصفا مائدة الأمير وكرمه : تكُونُ جِفَانُهُ رُذُمًا فَمَصبُوحٌ وَمُغْتَبَقُ .. إِذَا مَا أَزْحَفَتْ رُفَقٌ جَنَتْ مِنْ دُونِهِم رُفَقُ ، وقال : أَعْنِي ابْنَ لَيْلَى عَبْدَ العَزِيزِ بِبَابِ .. اليُونَ تَغْدُو جِفَانُهُ رُذُمَا ، وكان عبد العزيز يفخر بوالدته ليلى بنت زبان بن الأصبغ بن عمرو بن ثعلبة الكلبية لشرفها وعزها ومنعة قبيلتها.
ويقول في نفس المعنى : كل يوم كأنه يوم أضحى .. عند عبد العزيز أو يوم فطر .. وله ألف جفنة مترعات .. كل يوم تمدها ألف قدر ، ويقول في وصف مدينة حلوان : سَقْيًا لحلْوَانَ ذِي الكُرُومِ .. وَمَا صَنَّفَ منْ تِينهِ وَمِن عِنَبِهْ .. نَخْلٌ مَوَاقِيرُ بِالقَنَاء مِن .. البَرْنيِّ يهتزُ ثم فِي سُرَبِهْ .. أَسْودُ سُكَّانُهُ الحَمَامُ فمَا .. يَنْفَكُّ غِربَانُهُ عَلَى رُطَبِهْ ، ووصف الأمير بالشجاعة والقوة مستعملا لفظ الدرفس وهو تعريب كلمة (درفش كاويان) الفارسية والتي كانت تطلق على راية الفرس العظمى فقال في ذلك : تكنّه خرقة الدّرفس من الشّمس كليث يفرّج الأجما.
وعندما رجع موسى بن نصير منتصرا من فتوح المغرب استقبله عبد العزيز بالإسكندرية فوصف ابن قيس الرقيات ذلك اليوم وذكر الكريون وحلوان ومسير السفن بينهما فقال : غَدَوا مِنْ دَوْرَجِ الْكِرْيَوْنِ حَيْثُ سَفِينُهُمْ حُزُقُ .. فَلَمَّا أَنْ عَلَوْنَ النّيلَ والراياتُ تختَفقُ .. رأيْتُ الجوْهَرَ الحكَميَّ وَالدِّيبَاجَ يَأْتَلِقُ .. سَفَائِنُ غَيْرُ مُقْرِفَةٍ إلى حُلْوَانَ تَسْتَبِقُ .. مَحَلٌّ مَنْ يَحِلُّ بِهِ لَذِيذٌ عَيْشُهُ غَدَقُ .. يَحِلُّ بِهِ ابْنُ لَيْلَى والنَّدَى والحِلمُ والصُّدُقُ.
ومدحه أيمن بن خريم بقوله : لَا يَرْهَبُ النَّاسُ أَنْ يَعْدِلُوا .. بِعَبْدِ العَزِيزِ بْنِ لَيْلَى أَمِيرَا .. تَرَى قِدْرَهُ مُعْلنًا بِالفِنَاءِ .. يَلْقَمُ بَعْدَ الجَزُورَ الحَزُورا ، ثم رحل عنه لما فضل عليه نصيب الكناني والتحق بأخيه بشر بن مروان بالعراق ، ومدحه عبد الله بن الحجاج بعد أن عاد إليه معتذرا بسبب خروجه من مصر إلى العراق دون إذنه فقال : تركت ابن ليلى ضلة وجريمة .. وعند ابن ليلى معقل ومعول .. سأحكم أمري إذا بدا لي رشده .. وأختار أهل الخير إن كنت أعقل .. وأترك أوطاري وألحق بامرىء .. تحلب كفاه النجى حين يسأل.
وعندما توفي عبد العزيز وولده الأصبغ رثاه الشعراء بجميل قصائدهم ، ومنها ما قاله ذو الشامة محمد بْن عمرو بْن الوليد بْن عُقْبة بْن أَبي مُعَيط : نَقُولُ غَدَاةَ قَطَعْنَا الجْفَارَ وَالعَيْنُ بِالدَّمْعِ مُغْرَوْرِقَهْ .. مَقَالَ امْرِئ كَارِهٍ للِفِراقِ تَاعَ البِلَادَ وبَاعَ الرِّقَهْ .. وَفَارَقَ إِخْوانَهُ كَارِهًا وَأَهْلُ الصَّفَاء وَأَهْلَ الثّقَهْ .. أَبَعْدَ الخَلِيفَةِ عَبْدِ العَزِيزِ وَبَعْدَ الأَمِيرِ كَذا وَابِقَهْ .. فَمَا مِصرُ لِي بَعْدَ عَبْد العَزِيزِ والأَصْبَغِ الخْيرِ بِالمُؤْنقَهْ .. إِمَامَي هَدًى وَهَديَّيْ تُقى وأَهْلِ الوَفَاء وَأَهْلِ الثِّقَهْ .. سَقَى اللَّه قَبْرَيهِمَا وَالصَّدَى وَمَا جاورا دِيمةً مُغْدِقهْ .. فَإِنْ تَكُ مِصرًا أَشَارَتْ بِهَا إِلَى الشَّرّ يَوْمًا يدٌ مُوبِقَهْ .. فَقدْمًا تَقِرُّ بِمِصرَ العُيُونُ فِي لَذَّةِ العَيْشِ مُحْدَوْدِقَهْ
وقال سُلَيْمَان بْن أَبان بْن أَبي حدير الأَنصاري يرثي عَبْد العزيز والأصبغ : أَبَعْدَكَ يَا عَبْدَ العَزِيزِ لَحَادِثٌ .. وَبَعْدَ أَبي زَبَّانَ يَنْشَعِبُ الدَّهْرُ .. وَلَا زَالَ مَجْرَاهُ مِنَ الأَرْض يَابِسًا .. يَموتُ بِهِ العُصْفُورُ وانْجَدَبَ القَطْرُ .. فَمَنْ ذَا الَّذِي يَبْني المكَارِمَ والعُلَى .. وَمَنْ ذا الَّذِي يَهْدِي لَهُ بَعْدَكَ السَّفْرُ .. فكُنْتَ حَلِيفَ العُرْفِ والخيرِ والنَّدَى .. فمِتْنَ جَميعًا حِينَ غَيَّبَكَ القَبْرُ .. فَبَعْدَكَ لَا يُرْجَى وَلِيدٌ لِنَفْعَةٍ .. وَبَعْدَكَ لَا يُرجى عَوَانٌ وَلَا بِكْرُ.
وقال نُصَيب يرثي عَبْد العزيز والأَصْبَغ ابنه : بَكَيْتُ ابْنَ لَيْلَى وابْنَهُ ورأَيتُني .. أَحَقَّ الأُلَى أَمْسَوا نَعى بِبُكاهُمَا .. هُمَا أَخَوَايَ الصَّالِحَانِ تَوَالَيَا .. بِحَمْدٍ فَهَذَّا للِفْرَاقِ إِخاهُمَا .. فَإِنْ نُزِعَا مِصرًا فَبِالجدِّ فارَقا .. أحل وخلا فسطها وقراهُما .. بِحُسْنِ الثَّنَا وَالحَمْدِ فِي النَّاسِ فَارقا .. أَلَا بِأَبِي حقًّا وَأُمِي ثَنَاهُمَا .. فَمَا طَائِعًا إِنْ فَارَقَا العَيْشَ فَارَقَا .. نُصَيْبًا وَلَا والله مَا إِنْ قَلاهُمَا .. جَزَى خَيْرُ مولًى مَوْلَيَيَّ وَلَا جَزَى .. مِنَ النَّاسِ خَيْرًا مَنْ أَحَبَّ رَدَاهُمَا.
وهو والد خامس الخلفاء الراشدين عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه ، وقد ترجم له الحافظ الذهبي في كتابه سير أعلام النبلاء فقال : ” عبد العزيز بن مروان بن الحكم أَمِيْرُ مِصْرَ أبي الأَصْبَغِ المَدَنِيُّ وَلِيَ العَهْدَ بَعْدَ عَبْدِ المَلِكِ عَقَدَ لَهُ بِذَلِكَ أبيهُ واستقل بملك مصر عشرين سنة وزيادة.
يَرْوِي عَنْ أَبِيْهِ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَعُقْبَةَ بنِ عَامِرٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَلَهُ بِدِمَشْقَ دَارٌ إِلَى جَانِبِ الجَامِعِ هِيَ السُّمَيْسَاطِيَّةُ ، رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ عُمَرُ بنُ عَبْدِ العَزِيْزِ وَالزُّهْرِيُّ وَكَثِيْرُ بنُ مرة وعلي بن رباح وابن أبي ملكية وَبَحِيْرُ بنُ ذَاخِرٍ.
وَثَّقَهُ ابْنُ سَعْدٍ وَالنَّسَائِيُّ وَلَهُ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ حَدِيْثٌ ، قَالَ سُوَيْدُ بنُ قَيْسٍ : بَعَثَنِي عَبْدُ العَزِيْزِ بنُ مَرْوَانَ بِأَلْفِ دِيْنَارٍ إِلَى ابْنِ عُمَرَ فَجِئْتُهُ بِهَا فَفَرَّقَهَا ، قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ : شَهِدْتُ عَبْدَ العَزِيْزِ عِنْدَ المَوْتِ يَقُوْل : يَا لَيْتَنِي لَمْ أَكُنْ شَيْئاً يَا لَيْتَنِي كَهَذَا المَاءِ الجَارِي ، وَقِيْلَ : قَالَ : هَاتُوا كَفَنِي أُفٍّ لَكِ مَا أَقْصَرَ طَوِيْلَكِ وَأَقَلَّ كَثِيْرَكِ.
وَعَنْ حَمَّادِ بنِ مُوْسَى قَالَ : لَمَّا احْتُضِرَ عَبْدُ العَزِيْزِ أَتَاهُ البَشِيْرُ يُبَشِّرُهُ بِمَالِهِ الوَاصِلِ فِي العَامِ فقال : مالك ؟ قَالَ : هَذِهِ ثَلاَثُ مائَةِ مُدْيٍ مِنْ ذَهَبٍ ، قال : مالي وَلَهُ لَوَدِدْتُ أَنَّهُ كَانَ بَعْراً حَائِلاً بِنَجْدٍ ، قُلْتُ : هَذَا قَوْلُ كُلِّ مَلِكٍ كَثِيْرِ الأَمْوَالِ فهلا يبادر ببذله.
قَالَ ابْنُ سَعْدٍ وَسَعِيْدُ بنُ عُفَيْرٍ وَالزِّيَادِيُّ وغيرهم مات سنة خمس ثمانين ، وَقَالَ ابْنُ يُوْنُسَ : قَالَ اللَّيْثُ مَاتَ فِي جُمَادَى الآخِرَةِ سَنَةَ ستٍّ وَثَمَانِيْنَ ، قُلْتُ : الأَوَّلُ أَصَحُّ ، وَقَدْ كَانَ مَاتَ قَبْلَهُ ابْنُهُ أَصْبَغُ بِسِتَّةَ عَشَرَ يَوْماً فَحَزِنَ عَلَيْهِ وَمَرِضَ وَمَاتَ بِحُلْوَانَ مَدِيْنَةٍ صَغِيْرَةٍ أَنْشَأَهَا عَلَى بَرِيْدٍ فَوْقَ مِصْرَ وَعَاشَ أَخُوْهُ عَبْدُ المَلِكِ بَعْدَهُ فَلَمَّا جَاءهُ نَعْيُهُ عَقَدَ بِوِلاَيَةِ العَهْدِ لابْنَيْهِ الوَلِيْدِ ثم سليمان “.

8 / ديوان جميل بثينة
من أهم شعراء القرن الأول الهجري جميل بن عبد الله بن معمر العذري القضاعي والمعروف بلقب (جميل بثينة) بسبب قصة الحب المشهورة بينه وبين حبيبته بثينة بنت حيان بن ثعلبة العذرية والتي دارت حولها معظم قصائده الشعرية ، ولد في وادي القرى بشمال الحجاز حيث منازل قضاعة عام 659 م. حيث عاش حياته الأولى التي شهدت قصة حبه ثم وفد على حاكم مصر عبد العزيز بن مروان فأكرمه وأعطاه منزلا في الفسطاط حيث قضى بقية حياته وتوفي فيها في عام 82 هـ / 701 م.
ومن أشهر قصائده تلك التي تستهل بقوله : ألا ليت ريعان الشباب جديد .. ودهرا تولى يا بثين يعود ، والتي ذكر فيها كلا من وطنه القديم والجديد وذلك في قوله : وما أنس من الأشياء لا أنس قولها .. وقد قربت نضوى أمصر تريد ، وكذا في قوله : ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة .. بوادي القرى إني إذا لسعيد ، وكذا حوت أشهر أبياته المعروفة في الغزل والتي يقول فيها : يقولون جاهد يا جميل بغزوة .. وأي جهاد غيرهن أريد .. لكل حديث بينهن بشاشة .. وكل قتيل عندهن شهيد.
وبسبب قصائده في الغزل نسب إلى بني عذرة مصطلح الحب العذري حيث اشتهرت القبيلة بالجمال والعشق حتى قيل لأعرابي من العذريين : ” ما بال قلوبكم كأنها قلوب طير تنماث ـأي تذوب ـ كما ينماث الملح في الماء ؟ ألا تجلدون ؟ قال : إنا لننظر إلى محاجر أعين لا تنظرون إليها ، وقيل لآخر : فمن أنت ؟ فقال : من قوم إذا أحبوا ماتوا ، فقالت جارية سمعته : عُذريٌّ ورب الكعبة ، وقد عرفت قبية عذرة في كتابات الرومان باسم عذرات وكانت تدين باليهودية قبل الإسلام.
ويعد جميل واحدا من سلسلة شعراء القرن الأول الهجري حيث كان في أول أمره يعمل راوية للشاعر الحجازي أبي سليمان هدبة بن الخشرم القضاعي صاحب شعر الأمثال والذي كان بدوره راوية لشاعر الهجاء المخضرم أبي مليكة جرول بن أوس العبسي المعروف بلقب (الحطيئة) ، وتتلمذ على يد جميل وروى عنه شاعر آخر مشهور هو كثير بن عبد الرحمن بن الأسود الخزاعي المعروف بلقب (كثير عزة) والذي سار على خطى أستاذه ورحل إلى مصر وعاش في الفسطاط .
وقال يمدح عبدالعزيز بن مروان حين وفد عليه في مصر : إِلى القَرَمِ الَّذي كانَت يَداهُ .. لِفِعلِ الخَيرِ سَطوَةَ مَن يُنيلُ .. إِذا ما غالِيَ الحَمدِ اِشتَراهُ .. فَما إِن يَستَقيلَ وَلا يُقيلُ .. أَمينُ الصَدرِ يَحفَظُ ما تَوَلّى .. بِما يَكفي القَوِيُّ بِهِ النَبيلُ .. أَبا مَروانَ أَنتَ فَتى قُرَيشٍ .. وَكَهلُهُم إِذا عُدَّ الكُهولُ .. تَوَلّيهِ العَشيرَةُ ما عَناها .. فَلا ضَيقُ الذِراعِ وَلا بَخيلُ .. إِلَيكَ تُشيرُ أَيديهِم إِذا ما .. رُموا أَو غالَهُم أَمرٌ جَليلُ .. كِلا يَومَيهِ بِالمَعروفِ طَلقٌ .. وَكُلُّ بِلائِهِ حَسَنٌ جَميلُ .. تَمايَلَ في الذُؤابَةِ مِن قُرَيشٍ .. ثَناهُ المَجدُ وَالعِزُّ الأَثيلُ .. أُرومٌ ثابِتٌ يَهتَزُّ فيهِ .. بِأَكرَمِ مَنبِتٍ فَرعٌ طَويلُ.
وذكر ابن قتيبة في كتابه الشعر والشعراء قصة ارتحال جميل إلى مصر ووداعه بثينة حيث قال : ” وذكر ابن عيّاش قال : خرجت من تيماء فرأيت عجوزا على أتان فقلت : ممّن أنت ؟ قالت : من عذرة ، قلت : هل تروين عن بثينة وجميل شيئا ؟ قالت : نعم والله إنّا لعلى ماء من الجناب وقد اتّقينا الطريق واعتزلنا مخافة جيوش تجىء من الشأم إلى الحجاز وقد خرج رجالنا فى سفر وخلّفوا عندنا غلمانا أحداثا وقد انحدر الغلمان عشيّة إلى صرم لهم قريب منّا ينظرون إليهم ويتحدّثون عند جوار منهم.
فبقيت أنا وبثينة نسترمّ غزلا لنا إذ انحدر عليها منحدر من هضبة حذاءنا فسلّم ونحن مستوحشون، فرددت السلام ونظرت فإذا أنا برجل واقف شبّهته بجميل فدنا فأثبتّه فقلت : أجميل ؟ قال : إى والله ، فقلت : والله لقد عرّضتنا ونفسك شرا ! فما جاء بك ؟ قال : هذه الغول التى وراءك ! وأشار إلى بثينة وإذا هو لا يتماسك فقمت إلى قعب فيه أقط مطحون وتمر وإلى عكّة فيها شىء من سمن فعصرته على الأقط وأدنيته منه فقلت : أصب من هذا ، ففعل وقمت إلى سقاء لبن فصببت له فى قدح وشننت عليه ماء باردا وناولته فشرب فتراجع.
فقلت : لقد جهدت فما أمرك ؟ قال : أردت مصر فجئت أودّعكم وأسلّم عليكم وأنا والله فى هذه الهضبة التى ترين منذ ثلاث أنتظر أن أجد فرجة حتّى رأيت منحدر فتيانكم العشيّة فجئت لأحدث بكم عهدا ، فحدّثنا ساعة ثم ودّعنا وانطلق فلم نلبث إلّا يسيرا حتّى أتانا نعيّه من مصر ، قال ابن عيّاش : فظننت قوله : فمن كان فى حبّى بثينة يمترى .. فبرقاء ذى ضال علىّ شهيد ، أنّه أراد هذه الهضبة التى أقام فيها أيّاما ما أكل وما شرب “.
ونقل ابن خلكان في وفيات الأعيان عن إبي الفرج الأصفهاني قصة موت جميل في الفسطاط وإرسال نعيه إلى بثينة فقال : ” وذكر في الأغاني عن الأصمعي قال : حدثني رجل شهد جميلاً لما حضرته الوفاة بمصر أنه دعا به فقال له : هل لك أن أعطك كل ما أخلفه على أن تفعل شيئاً أعهده إليك ، قال : فقلت : اللهم نعم.
فقال : إذا أنا مت فخذ حلتي هذه واعزلها جانباً وكل شيء سواها لك وارحل إلى رهط بثينة فإذا صرت إليهم فارتحل ناقتي هذه وركبها ثم ألبس حلتي هذه واشققها ثم اعل على شرف وصح بهذه الأبيات وخلاك ذم : صرخ النعي وما كنى بجميل .. وثوى بمصر ثواء غير قفول .. ولقد أجر البرد في وادي القرى .. نشوان بين مزارع وتخيل .. قومي بثينة فاندبي بعويل … وابكي خليلك دون كل خليل.
قال : ففعلت ما أمرني به جميل فما استتمت الأبيات حتى برزت بثينة كأنها بدر قد بدا في دجنة وهي تتثنى في مرطها حتى أتتني وقالت : يا هذا والله إن كنت صادقا لقد قتلتني وإن كنت كاذبا لقد فضحتني ، قلت : والله ما أنا إلا صادق ، وأخرجت حلته فلما رأتها صاحت بأعلى صوتها وصكت وجهها واجتمع نساء الحي يبكين معها ويندبنه حتى صعقت.
فمكثت مغشيا عليها ساعة ثم قامت وهي تقول : وإن سلوي عن جميل لساعة .. من الدهر ما حانت ولا حان حينها .. سواء علينا يا جميل بن معمر .. إذا مت بأساء الحياة ولينها ، قال الرجل : فما رأيت أكثر باكياً ولا باكية من يومئذ “.

9 / ديوان كثير عزة
شاعر مصر والحجاز في القرن الأول الهجري هو كثير بن عبد الرحمن بن الأسود بن مليح من خزاعة وأمه جمعة بنت الأشيم الخزاعية والمعروف بلقب كثير عزة (40 – 105 هـ / 660 – 723 م) ، وهو شاعر متيم مشهور من أهل المدينة وأكثر إقامته بمصر ، ولد في آخر خلافة يزيد بن عبد الملك وتوفي والده وهو صغير السن وكان منذ صغره سليط اللسان وكفله عمه بعد موت أبيه وكلفه رعي قطيع له من الإبل حتى يحميه من طيشه وملازمته سفهاء المدينة.
واشتهر بحبه لعزة فعرف بها وعرفت به وهي عزة بنت جميل بن حفص من بني حاجب بن غفار كنانية النسب كناها كثير في شعره بأم عمرو ويسميها تارة الضميريّة وابنة الضمري نسبة إلى بني ضمرة ، وسافر إلى مصر حيث دار عزة بعد زواجها وفيها صديقه عبد العزيز بن مروان الذي وجد عنده المكانة ويسر العيش ، وتوفي في الحجاز هو وعكرمة مولى ابن عباس في نفس اليوم فقيل : مات اليوم أفقه الناس وأشعر الناس.
ومن أشهر غزلياته في عزة قوله : وَلَقَد لَقيتَ عَلى الدُريجَةِ لَيلَةً .. كانَت عَليكَ أَيامِنًا وَسُعودا .. لا تَغدرَنَّ بِوَصلِ عَزَّةَ بَعدَما .. أَخَذَت عَلَيكَ مواثِقًا وَعُهودا .. إِنَّ المُحِبَّ إِذا أَحَبَّ حَبيبَهُ .. صَدَقَ الصَفاءَ وَأَنجَزَ الموعودا .. الله يَعلَمُ لو أَرَدتُ زِيادَةً .. في حُبِّ عَزَّةَ ما وَجَدتُ مَزيدا .. رُهبانُ مَديَنَ وَالَّذينَ عَهِدتُهُم .. يَبكونَ مِن حَذَرِ العَذابِ قُعودا .. لو يَسمَعونَ كَما سَمِعتُ كَلامَها .. خَرُّوا لِعَزَّةَ رُكَّعًا وَسُجودا .. وَالمَيتُ يُنشَرُ أَن تَمَسَّ عِظامَهُ .. مَسًّا وَيَخلُدُ أَن يِرَاكِ خُلودا.
وجاء في وفيات الأعيان قصة عن حسن بلاغة كثير وهو في حضرة الأمير حيث يقول ابن خلكان : ودخل كثير على عبد العزيز بن مروان والد عمر يعوده في مرضه وأهله يتمنون أن يضحك وكان يومئذ أمير مصر ، فلما وقف عليه قال : لولا أن سرورك لا يتم بأن تسلم وأسقم لدعوت الله ربي أن يصرف ما بك إلي ولكني أسأل الله تعالى لك العافية ولي في كنفك النعمة ، فضحك عبد العزيز وأنشد كثير : ونعود سيدنا وسيد غيرنا .. ليت التشكي كان بالعواد .. لو كان يقبل فدية لفديته .. بالمصطفى من طارفي وتلادي.
وقد ذكر ابن قتيبة في كتابه الشعر والشعراء عدة مواقف حدثت بين كثير وعزة في الطريق بين مصر والحجاز فقال : ” قال السائب رواية كثيّر : خرجت مع كثيّر وهو يريد عبد العزيز بن مروان فمررنا بالماء الذى عليه عزّة فسلّمنا جميعا على أهل الخباء فقالت عزّة : عليك يا سائب السلام ، ثم أقبلت على كثيّر فقالت : ألا تتّقى الله أرأيت قولك : بآية ما أتيتك أمّ عمرو .. فقمت بحاجتى والبيت خالي ، ويحك خلوت معك فى بيت قطّ !!
فقال : لم أقله ولكنّى الذى يقول : فأقسم لو أتيت البحر يوما .. لأشرب ما سقتنى من بلال .. وأقسم أنّ حبّك أمّ عمرو .. لدى جنبى ومنقطع السّعال ، قالت : أمّا هذا فعسى ، قال السائب : فأتينا عبد العزيز بن مروان فانصرفنا ومررنا بهم ، فقال كثير : السلام عليك يا عزّة ، فقالت : عليك السلام يا جمل ، فقال كثيّر : حيّتك عزّة بعد الوصل وانصرفت .. فحىّ ويحك من حيّاك يا جمل .. لو كنت حيّيتها ما زلت ذا مقة .. عندى وما مسّك الإدلاج والعمل .. ليت التّحيّة كانت لى فأجعلها .. مكان يا جملا حيّيت يا رجل.
وخرج كثيّر إلى مصر وعزّة بالمدينة فاشتاق إليها فقام إلى بغلة له فأسرجها وتوجّه نحو المدينة لم يعلم به أحد ، فبينا هو يسير فى التّيه بمكان يقال له فيفاء خريم إذا هو بعير قد أقبلت من ناحية المدينة فى أوائلها محامل فيها نسوة وكثيّر متلثّم بعمامة له وفى النسوة عزّة ، فلمّا نظرت إليه عرفته وأنكرها فقالت لقائد قطارها : إذا دنا منك الراكب فاحبس ، فلمّا دنا كثيّر حبس القائد القطار فابتدرته عزّة فقالت : من الرجل ؟ قال : من الناس ، قالت : أقسمت ، قال : كثيّر ، قالت : فأين تريد فى هذه المفازة ؟
قال : ذكرت عزّة وأنا بمصر فلم أصبر أن خرجت نحوها على الحال التى ترين ، قالت : فلو أنّ عزّة لقيتك فأمرتك بالبكاء أكنت تبكى ؟ قال : نعم ، فنزعت عزّة اللثام عن وجهها وقالت : أنا عزّة فإنّ كنت صادقا فافعل ما قلت ، فأفحم فقالت للقائد : قد قطارك ، فقاده وبقى كثيّر مكانه لا يحير ولا ينطق حتّى توارت فلمّا فقدها سالت دموعه وأنشأ يقول :
وقضّين ما قضّين ثم تركننى .. بفيفا خريم قائما أتلدّد .. تأطّرن حتّى قلت لسن بوارحا .. وذبن كما ذاب السّديف المسرهد .. أقول لماء العين أمعن لعلّه .. لما لا يرى من غائب الوجد يشهد .. فلم أر مثل العين ضنّت بمائها .. علىّ ولا مثلى على الدّمع يحسد .. وبين التّراقى واللهاة حرارة .. مكان الشّجى ما إن تبوح فتبرد ، وعادت عزّة إلى مصر وخرج كثيّر يريد مصر فوافاها والناس ينصرفون عن جنازتها “.
وبلغ كثيرا أن عزة مريضة وانها تشتاقه فخرج يريدها فلما صار ببعض الطريق لقيه أعرابي من نهد فقال : يا أبا صخر أين تريد ، قال : أريد عزة ، قال : فهل رأيت في وجهك شيئا قال : لا إلا اني رأيت غرابا ساقطا فوق بانة ينتف ريشه ، قال : توافي مصر وقد ماتت عزة ، فانتهره كثير ثم مضى.
وعاد كثير إلى مصر فوافاها والناس منصرفون من جنازة عزة فقال : رأيت غرابا ساقطا فوق بانة .. ينتف أعلى ريشه ويطايره .. فقلت ولو أني أشاء زجرته .. بنفسي للنهدي هل أنت زاجره .. فقال غراب لاغتراب وفرقة .. وبان فبين من حبيب تعاشره .. فما أعيف النهدي لا در دره .. وازجره للطير لا عز ناصره.
ثم أتى قبر عزة فأناخ به ساعة ثم رحل وهو يقول : أقول ونضوى واقف عند رأسها .. عليك سلام الله والعين تسفح .. فهذا فراق الحق لا أن تزيرني .. بلادك فتلاء الذراعين صيدح .. وقد كنت أبكى من فراقك حيّة .. وأنت لعمرى اليوم أنأى وأنزح.
وذكر السيوطي في كتابه حسن المحاضرة أن كثير قد توقف عن الشعر بعد موت حبيبته فقال : ” عزة بنت جميل بن حفص أم عمرو الضمرية صاحبة كثير كانت أبرع الخلق أدبًا وأحلاهم حديثًا وقد أمر عبد الملك بن مروان بإدخالها على حرمه ليتعلمن من أدبها ، قال ابن كثير : ماتت بمصر في أيام عبد العزيز بن مروان وقد زار كثير قبرها ورثاها وتغير شعره بعدها فقال له قائل : ما بال شعرك قد قصرت فيه ! ، فقال : ماتت عزة فلا أطرب وذهب الشباب فلا أعجب ومات عبد العزيز بن مروان فلا أرغب وإنما الشعر عن هذه الخلال “.

10 / ديوان نصيب بن رباح الكناني
نصيب بن رباح الكناني هو الشاعر الأثير والمفضل لدى الأمير عبد العزيز بن مروان واشتهر ذلك حتى عرف باسم (نصيب مولى عبد العزيز) وقد لازمه معظم فترة ولايته في مصر ، وكان في الأصل عبدا لراشد بن عبد العزّى من كنانة من سكان البادية وأنشد أبياتا بين يدي عبد العزيز بن مروان فاشتراه وأعتقه ، وكان يتغزل بأم بكر زينب بنت صفوان الكنانية ، وحظي بالقبول والرضا عند الخلفاء الأمويين حتى توفي عام 108 هـ / 726 م.
ومن مدائحه في عبد العزيز بن مروان قوله : لِعَبد العَزيز عَلى قَومِهِ وَغَيرِهِم نِعم ظاهِره .. فَبابُك ألين أبوابِهِم وَدارُكَ مأهولةَ عامره .. وَكَلبُكَ أرأف بِالزائِرينَ من الأم بِاِبنَتِها الزائِرَه .. وَكفك حينَ تَرى السائِلينَ أندى من اللَيلَةِ الماطِره .. فَمِنكَ العَطاءُ وَمنا الثَناء بِكُل مُحَبَّرَة سائِرَه ، ومدحه في حضرة ابنه الخليفة عمر بن عبد العزيز فقال : الحَمُدُ لِلَّهِ أما بَعد يا عمر .. فَقَد أتَتنا بِكَ الحاجاتِ وَالقَدَر .. فَأَنتَ رَأس قُرَيش وَاِبن سَيدها .. وَالرَأس فيهِ يَكونُ السَمع وَالبَصَر.
وأورد القارىء البغدادي في كتابه (مصارع العشاق) إحدى محاورات نصيب مع عبد العزيز فقال : ” دخل نصيب على عبد العزيز بن مروان فقال له : هل عشقت يا نصيب ؟ ، قال : نعم جعلني الله فداءك ومن العشق أفلتتني إليك البادية ، قال : ومَن عشقت ؟ ، قال : جارية لبني مدلج فأحدق بها الواشون فكنت لا أقدر على كلامها إلا بعين أو إشارة فأجلس على الطريق حتى تمر بي فأراها ففي ذلك أقول : جلست لها كيما تمر لعلني أخالسها التسليم إن لم تسلمِ .. فلما رأتني والوشاة تحدرت مدامعها خوفًا ولم تتكلمِ .. مساكين أهل العشق ما كنت أشتري حياة جميع العاشقين بدرهمِ “.
وكان أسود البشرة ورويت في في ذلك قصص كما ذكر الزركلي في كتابه الأعلام فقال : ” وكان له بنات من لونه امتنع عن تزويجهن للموالي ولم يتزوجهن العرب ، فقيل له : ما حال بناتك ؟ ، فقال : صببت عليهنّ من جلدي (بكسر الجيم) فكسدن عليّ ! ، قال الثعالبي : وصرن مثلا للبنت يضن بها أبوها فلا يرضى من يخطبها ولا يرغب فيها من يرضاه لها.
وعناهنّ أبو تمام بقوله : أما القوافي فقد حصنت عذرتها .. فما يصاب دم منها ولا سلب ، إلى أن يقول : كانت بنات نصيب حين ضنّ بها .. عن الموالي ولم تحفل بها العرب ، قال التبريزي في شرح ديوان أبي تمام : وينشد في هذا المعنى بيت لم أجده منسوبا إلى نصيب وهو : كسدن من الفقر في بيتهن .. وقد زادهن سوادي كسودا “.
ويحكي ابن دريد الأزدي في كتابه الأمالي قصة ارتحال نصيب ودخوله في خدمة عبد العزيز بن مروان فقال : ” وعن إسحاق بن إبراهيم الموصلي قال : كانَ نُصَيْب من اهل وَدّان وكان عبداً لرجل من بني كِنانة هو وأهل بيته ، وكان مقدماً عند الملوك يجيد مدحهم ومراثيهم ، قال إسحاق حدثني رجل من أهل كلية من خزاعة وكلية قرية كان يسكن بها نصيب وكثير.
قال بلغني أن نصيباً قال : قلت الشعر وانا شاب فأعجبني قولي ثم اتهمت رأيي ونفسي فجعلت آتي أشياخاً من خزاعة وأَنشَدَهم القصيدة من شعري ثم أنسبها إلى بعض شعرائهم فيقولون : احسن والله هذا الكلام وهكذا الشعر ، فلمّا سمعت ذلك منهم علمت أني محسن فأزمعت الخروج إلى عبد العزيز بن مروان وهو يومئذ بمصر فقلت لأختي أ مامة وكانت عاقلة : أي أخت إني قلت شعراً وانا أريد عبد العزيز بن مروان فأرجوا أن يعتقك الله به وكل من رق من قرابتي.
قالت : إنا لله وإنا اليه راجعون يا بن أم أتجمع عليك الخصلتين السواد وأن تكون ضحكة للناس ؟ ، قال : قلت : فاسمعي ، فأَنشَدَتها فقالت : بأبي أنت أحسنت والله في هذا والله رجاء عظيم فاخرج على بركة الله ، فخرجت على قعود لي فأتيت المدينة فوجدت بها الفرزدق في مسجد النبي صلى الله وسلم فهويت إليه فقلت أَنشَدَه واستنشده وأعرض عليه شعري فأَنشَدَته فقال لي : ويلك هذا شعرك الذي تطلب به الملك ؟ ، قلت : نعم ، قال : لست في شئ إن استطعت أن تكتم هذا على نفسك فأفعل.
قال : فانفضخت عرقاً وحصبني رجل من قريش كان قريباً من الفرزدق سمع إنشادي وسمع ما قال الفرزدق فأوما الي فقمت إليه فقال : ويحك هذا شعرك الذي أَنشَدَته الفرزدق ؟ ، قلت : نعم ، قال : فقد احسنت والله والله أن كان الفرزدق لشاعراً إنك لتعرف محاسن الشعر وقد والله حسدك فامض لوجهك ولا يكسرك ما قال ، فسرني قوله وعلمت أنه قد صدقني ، قال : فاعتزمت المضي إلى عبد العزيز فحضرت بابه مع الناس فنحيت عن مجلس الوجوه فكنت وراهم.
فرأيت رجلاً على بغلة حسن الهيئة يؤذن له إذا جاء فلمّا انصرف إلى منزله انصرفت معه أماشي دابته فلمّا رآني قال : ألك حاجة ؟ ، قلت : نعم أنا رجل من أهل الحجاز شاعر وقد مدحت الامير وخرجت إليه راجياً لمعروفه وقد أخرت عن الباب ونحيت ، قال : فأَنشَدَني ، فأَنشَدَته فأعجبه شعري فقال : ويحك ! هذا شعرك ؟ اياك أن تنحل فإن الأمير راوية عالم بالشعر وعنده رواة فلا تفضحن نفسك ، فقلت : والله ما هو إلا شعري ، قال : فقل أبياتاً تذكر فيها حوف مصر وتفضلها على غيرها والقني بها غداً.
فغدوت عليه وأَنشَدَته : سرى الهم تثنيني إليك طلائعه .. بمصر وبالحوف اعترتني روائعه .. وبات وسادي ساعد قل لحمه .. عن العظم حتى كاد تبدو واشاجعه ، قال : وذكرت فيها الغيث فقلت : وكم دون ذاك العارض البارق الذي .. له اشتقت من وجه أسيل مدامعه .. يمشي به افناء بكر ومذحج .. وأفناء عمرو وهو خصب مرابعه .. بكل مسيل من تهامة طيب .. دميث الربا تسقى البحار دوافعه.
قال : أنت والله شاعر احضر الباب فإني ذاكرك ، فجلست على الباب ودخل فما ظننت انه أمكنه أن يذكرني حتى دعي بي فدخلت فسملت على عبد العزيز فصعد في بصره وصوب ثم قال : أشاعر ؟ ويلك ! ، قلت : نعم أيها الامير ، قال : فأَنشَدَني ، فأَنشَدَته فاعجبه شعري وجاءه الحاجب فقال : أيها الامير هذا أيمن بن خريم الأَسَدِيُّ بالباب ، قال : فأذن له ، فدخل فاطمأن فقال له : يا ايمن كم ترى ثمن هذا العبد ؟ ، فنظر إلي فقال : إنه لنعم الغادي إثر المخاض ثمنه مئة دينار قال : فإن له شعرا وفصاحة ، قال لي أيمن : اتقول الشعر ؟ ، قلت : نعم ، قال : فثمنه ثلاثون دينارا.
قال : يا أيمن أرفعه وتخفضه ؟ ، قال : لأنه أحمق ما لهذا وللشعر؟ مثل هذا يقول الشعر ويحسنه ؟ ، قال : أَنشَدَه يا نصيب ، فأَنشَدَته فقال له عبد العزيز : كيف تسمع ؟ ، قال : شعر أسود وهو أشعر أهل جلدته ، قال : هو والله أشعر منك ، قال : أمني ايها الامير ؟ ، قال : أي والله منك ، قال : إنك أيها الأمير لمل طرف ، قال : كذبت والله ما أنا كذلك ولو كنت كذلك ما صبرت عليك تنازعني التحية وتؤاكلني الطعام وتتكئ على وسائدي وفرشي وبك الذي بك – يعني وضحا كان بأيمن – قال : فأذن لي أخرج إلى بشر بالعراق واحملني على البريد ، ففعل.
وعن إسحاق بن ابراهيم قال : بلغني أن نصيبا كان لما قدم على هشام أخلى له مجلسا واستنشده مراثى أبيه وبكى معه فأَنشَدَه يوما مديحا له في قصيدة طويلة يقول فيها : إذا استبق الناس العلا سبقتهم .. يمينك عفوا ثم صلت شمالكا ، فقال له هشام : بلغت غاية المدح فسلني أعطك ، قال : يدك بالعطية أجود وأبسط من لساني بالمسألة ، فأمر له بخمسين ألفا وما أجاز هشام بها أحدا قط “.
وقد ترجم له الحافظ الذهبي في كتابه (تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام) فقال : ” نُصَيْب بْن رَبَاح الأسود أَبُو مِحْجَن مولى عَبْد العزيز بْن مروان ، شاعر مشهور مدح عَبْد الملك بْن مروان وأولاده وكان مِنْ فحول الشعراء يُعدّ مَعَ جرير وكُثير عَزَّة.
تنسّك فِي أواخر عمره وقد قَالَ لَهُ عُمَر : أنت الَّذِي تَقُولُ فِي النساء ؟ قَالَ : قد تركت ذَلِكَ ، وأثنى عَلَيْهِ الحاضرون فكتب بناته فِي الديوان ، ومن شعره : مساكين أهل العشق ما كنت أشتري .. حياة جميع العاشقين بدِرْهمِ .. وذلك أن النَّاسَ فازوا من الهوى .. بسهمٍ وفي كفَّيَّ تِسعةَ أَسْهُمِ.
وَعَنِ الضَّحَّاك بْن عثمان الحزامي قَالَ : نزلت خيمة بالأبواء عَلَى امْرَأَة اعجبني حسنها فتمثّلت بقول نُصَيْب : بزينبَ أَلْمِمْ قبل أن يرحلَ الرَّكْبُ .. وَقُلْ إنْ تَمَلِّينَا فما ملك القلبُ .. وقل فِي تجنّيها لك الذنب إنما .. عتابك أن عَاتبتِ فيما لَهُ عُتْبُ .. خليليَّ مِنْ كعبٍ أَلَمَّا هُدِيتُما .. بزيْنَبَ لا تَفْقُدكُما أبدًا كَعْبُ .. وقولا لَهَا ما فِي البعاد لِذِي الْهَوَى .. بعاد وما فيه لصدْع الْهَوَى شُعْبُ.
فقالت المرأة لي : تعرف زينب صاحبة نصيب ؟ قُلْتُ : لا ، قالت : أَنَا هِيَ واليوم وعدني أن يأتيني ، فلم أبرح حتى جاء نصيب فنزل وسلّم ثم ناجاها ثم أنشدها شعرًا ، وأخبار نصيب مستوفاة فِي تاريخ ابن عساكر “.