
11 / برديات قرة بن شريك
في عام 90 هـ / 709 م أمر الخليفة الوليد بن عبد الملك بتعيين قرة بن شريك بن مرثد بن حازم العبسي واليا على مصر واستمر في مهمته تلك حتى وفاته في الفسطاط عام 96 هـ / 715 م ، وقد اشتهر بتنظيماته الإدارية وعرف بالحزم والشدة حتى اتهمه بعض المؤرخين بالقسوة خاصة بعد تعرضة لمحاولة اغتيال في الإسكندرية على يد الخوارج ، ومن أهم أعماله توسعة الجامع العتيق واستصلاح بركة الحبش جنوب الفسطاط وهو صاحب الديوان الثالث بعد كل من عمرو بن العاص وعبد العزيز بن مروان.
وقد ذكر الكندي في كتابه الولاة والقضاة فقال : ” قُرَّة بْن شَريك بْن مُرثد بْن الحارث بْن حبش بْن سُفيان بن عبد الله بْن ناشب بْن هدم بْن عوذ بْن غالب بْن قُطَيعة بْن عَبْس بْن بَغِيض بْن رَيث بْن غَطَفان بن سعد بْن قيس بْن عَيلان بْن مُضَر.
ثمَّ وِليَها قُرَّة بْن شَريك العَبْسيّ للوليد عَلَى صلاتها وخراجها فقدِمها يوم الإثنين لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول سنة تسعين فأقر عبد الأعلى بن خالد على الشرط ، وأخذ عبد الله بن عبد الملك بالخروج عن مصر فخرج عبد الله بكل ما يملك فلما بلغ الأردن تلقاه رسل الوليد فأخذوا كل ما كان معه ، ثم خرج قرة إلى رشيد واستخلف عبد الأعلى بن خالد على الفسطاط وتوفي عبد الأعلى بن خالد بالفرما وهو سائر إلى الوليد في ربيع الأول سنة إحدى وتسعين فجعل على الشرط عبد الملك بن رفاعة بن خالد بن ثابت الفهمي بن أخي عبد الأعلى.
وخرج قرة إلى الإسكندرية وأستخلف على الشرط عبد الرحمن بن معاوية بن حديج سنة إحدى وتسعين فتعاقدت الشراة بإسكندرية على الفتك بقرة وكان رئيسهم المهاجر بن أبي المثنى التجيبي وكانت عدتهم نحو من مائة فعقدوا لابن أبي المثنى عليهم عند منارة الإسكندرية ، وبالقرب منهم رجل يكنى أبا سليمان فبلغ قرة ما عزموا عليه فأتى بهم قبل أن يتفرقوا فأمر بحبسهم في أصل منارة إسكندرية وأحضر قرة وجوه الجند وأحضرهم فسألهم فأقروا فتلهم قرة ومضى رجل ممن يرى رأي الخوارج إلى أبي سليمان فقتله فكان يزيد بن أبي حبيب إذا أراد أن يتكلم بشيء فيه تقية من السلطان تلفت وقال : أحذروا أبا سليمان. ، ثم قال يوما من ذاك : الناس كلهم أبو سليمان.
وورد كتاب بالزيادة في المسجد الجامع فابتدأ في هدم ما كان عبد العزيز بناه لمستهل سنة اثنتين وتسعين ووفد قرة إلى أمير المؤمنين بوفد أهل مصر واستخلف عليها عبد الملك بن رفاعة الفهمي ، وابتدأ في بنيان المسجد في شعبان سنة اثنتين وتسعين وجعل على بنائه يحيى بن حنظلة من بني عامر بن لؤي وكانوا يجمعون الجمعة في قيسارية العسل حتى فرغ من بنيانه، وقدم قرة من وفادته في سنة ثلاث وتسعين فاستنبط الإصطبل لنفسه من الموات وأحياه وغرسه قصبا فكان يسمى إصطبل قرة ويسمى أيضا إصطبل القاس يعنون القصب كما يقولون قاس مروان ، ونصب النبر الجديد في الجامع في سنة أربعة وتسعين فيقال أنه لا يعلم اليوم في جند من الأجناد أقدم منه بعد منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ودون قرة الديوان في سنة خمس وتسعين وهو المدون الثالث ، ثم توفي قرة بن شريك بها وهو والٍ عليها ليلة الخميس لست بقين من شهر ربيع الأول سنة ست وتسعين ودفن في مقبرتها واستخلف على الجُند والخَراج عَبْد الملك بْن رِفاعة بْن خَالِد الفَهْميّ فكانت ولاية قُرَّة عليها ستّ سنين إِلَّا أيَّامًا “.
أما شهرته الأهم في التاريخ فقد كانت بسبب البرديات العربية التي كتب فيها رسائله إلى حكام الأقاليم في الصعيد والتي عرفت باسم (برديات قرة بن شريك) والتي تحتوي تعليمات مالية وقضائية وإدارية توضح منهجه في الحكم وتعبر عن طبيعة الحياة في تلك الفترة ، وقد قام الدكتور جاسر خليل أبو صفية بتجميع هذه البرديات المتفرقة وحققها ونشرت حديثا مع الإشارة لرقم كل بردية ومكان حفظها كما أضاف فصلا خاصا بالبرديات اليونانية التي كتبت في عهده وتناولت وذكرت فيها مدن مصر المختلفة.
وتناولت هذه البرديات تعليمات بالفصل بين المتخاصمين بالعدل وسرعة إخبار الوالي عن نتيجة ذلك وكذلك تعليمات خاصة بصناعة السفن وتموين الجيش المتجه إلى القيروان ، وقام الباحث بتوضيح بعض المفردات التي كانت مستعملة وقتها مثل الماروت وهو حاكم القرية والنبطيين وهم الفلاحين وكورة بمعنى إقليم والقسطال بمعنى وازن الذهب والنواتية وهم البحارة والقوادس هي السفن والنوبجيين والجلفاط وهي مهن تعمل في صناعة السفن ودهنها بالقار والجالي وهو مفرد الجوالي وهم الأفراد المنتقلين من منطقة لأخرى ، ومن هذه النصوص ما يلي :
1 ـ بردية رقم 337 محفوظة في دار الكتب المصرية وجاء فيها : ” بسم الله الرحمن الرحيم من قرة بن شريك إلى باسيل صاحب أشقوه فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو ، أما بعد فإن مرقس بن جريج أخبرني أنه كان يسأل نبطيا من أهل كورتك ثلاثة وعشرين دينارا وثلث دينار فيزعم أن النبطي مات وأنه أخذ ماله نبطي من أهل قريته وغلبه على حقه ، فإذا جاءك كتابي هذا فإن أقام البينة على ما أخبرني فانظر من أخذ ماله فعليه دينه ولا يُظلمن عندك إلا أن يكون شأنه غير ذلك فتكتب إلي به ولا تكتب إلا بحق والسلام على من اتبع الهدى ، وكتب مسلم بن لبنان ونسخ الصلت في صفر سنة إحدى وتسعين “.
2 ـ بردية رقم (B.M.Or. 6231) محفوظة في المتحف البريطاني وجاء فيها : ” من قرة بن شريك إلى باسيل صاحب أشقوه فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو ، أما بعد فإن مرقس بن جريج أخبرني أن له عشرة دنانير ونصف على نبطي من أهل كورتك فيزعم أنه غلبه على حقه ، فإذا جاءك كتابي هذا فإن أقام البينة على ما أخبرني فاستخرج له حقه ولا يُظلمن عندك وإن كان شأنه غير ذلك فتكتب إلي به والسلام على من اتبع الهدى ، وكتب مسلم بن لبنان ونسخ الصلت بن مسعود في صفر سنة إحدى وتسعين “.
3 ـ بردية رقم 337 محفوظة في دار الكتب المصرية وجاء فيها : ” بسم الله الرحمن الرحيم من قرة بن شريك إلى باسيل صاحب أشقوه فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو ، أما بعد فإن بقطر بن جمول أخبرني أن له أحد عشر دينارا على نبطي من أهل كورتك فيزعم أنه غلبه على حقه فإذا جاءك كتابي هذا فإن أقام البينة على ما أخبرني فاستخرج له حقه ولا يُظلمن عندك إلا أن يكون له شأن غير ذلك فاكتب إلي به والسلام على من اتبع الهدى ، وكتب مسلم بن لبنان ونسخ الصلت في صفر سنة إحدى وتسعين “.
4 ـ بردية رقم 13756 محفوظة في معهد الاستشراق بجامعة شيكاغو وجاء فيها : ” بسم الله الرحمن الرحيم من قرة بن شريك إلى باسيل صاحب أشقوه فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو ، فإن إبشادة بن أبنيلة قد أخبرني أن له علي أنباط من أهل كورتك إحدى عشر دينارا فيزعم أنهم غلبوه على حقه فإذا جاءك كتابي هذا وأقام البينة على ما أخبرني فاستخرج له حقه ولا يُظلمن عندك إلا أن شأنه غير ذلك فاكتب إلي به والسلام على من اتبع الهدى ، وكتب مسلم بن لبنان ونسخ الصلت في صفر سنة إحدى وتسعين “.
5 ـ بردية رقم (PSR 16. Inv) محفوظة في هايدلبرج وجاء فيها : ” بسم الله الرحمن الرحيم من قرة بن شريك إلى زكريا صاحب أشمون العليا فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو ، أما بعد فإن يُحنس بن شنودة أخبرني أن له ثمانية عشر دينارا على أنبا صلم من كورته وغلبه على حقه وأقام على ذلك البينة فاجمع بينه وبين صاحبه فما كان له من حق فاستخرجه له ولا يُظلمن عندك والسلام على من اتبع الهدى ، وكتب مسلم بن لبنان ونسخ سعيد في جمادى الأولى سنة إحدى وتسعين “.
6 ـ بردية رقم (B.M.Or. 6231) محفوظة في المتحف البريطاني جاء فيها : ” بسم الله الرحمن الرحيم من قرة بن شريك إلى باسيل صاحب أشقوه فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو ، أما بعد فإن داود بن بداس أخبرني أن مروت قريته دخل بيته بأسباب له ومتاع ظلما بغير حق فإذا جاءك كتابي هذا فاجمع بينهما فإن كان ما أخبرني حقا فاستخرج له حقه ولا يُظلمن عندك وادحر المروت عن بيوت الأنباط دحرا شديدا والسلام على من اتبع الهدى ، وكتب الصلت بن مسعود في رمضان سنة تسعين “.
7 ـ بردية رقم (PERF 392) من مجموعة برديات رينر المحفوظة في المكتبة الوطنية في فيينا وجاء فيها : ” بسم الله الرحمن الرحيم من قرة بن شريك إلى مينا صاحب أهناس فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو ، أما بعد فاستوص بقوستة القسطال وأعنه على استخراج حق إن كان له والسلام على محمد النبي ورحمة الله ، وكتب وادع في ذي الحجة تمام سنة تسعين “.
8 ـ بردية رقم (Inv. 2344) محفوظة في السوربون وجاء فيها : ” بسم الله الرحمن الرحيم من قرة بن شريك إلى باسيل صاحب أشقوه فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو ، أما بعد فإني قد أمرت بقسمة نواتية سفن مصر وسفن أهل الشام وبأرزاق من يركب فيها من المقاتلة فإذا جاءك كتابي هذا فمر أهل أرضك فليتقدموا في صنعة الخبز وليحسنوا صنعته فإنه لا يصلح الجيوش إلا الخبز الطيب واعلم أنك إن ترسل بخبز غير طيب لا يقبل منك ويصبك فيه ما تكره فابعث على صنعته هذا الخبز من يتعهده ويحسن صنعته فإني غير مرخص لك فيه إن شاء الله والسلام على من اتبع الهدى ، وكتب يزيد في شهر ربيع الأول “.
9 ـ بردية رقم (Inv. PSR 15 a) محفوظة في هايدلبرج جاء فيها : ” بسم الله الرحمن الرحيم من قرة بن شريك إلى أهل بلدة بديدة من كورة القيس فاقبضوا من ماروت كورتكم خمسين رطل حديد مربز من حديد الإمارة فاصنعوا منها ثلاثة وثلاثين رطل وثلث مسامير ثم ادفعوا ما صنعتم إلى عبد الأعلى بن حكيم لصناعة العين والقوادس سنة تسعين لجيش سنة إحدى وتسعين فإن أعطيتم الأجر فأعطوا دينار وثلث دينار ، وكتب مرثد في شوال من سنة تسعين “.
10 ـ بردية رقم (Inv. PSR 14) محفوظة في هايدلبرج وجاء فيها : ” بسم الله الرحمن الرحيم من قرة بن شريك إلى أهل مدينة أشقوه فأعطوا لصناعة العين والقوادس والسفن في جزيرة باب اليون قِبَل عبد الأعلى بن أبي حكيم سنة تسعين لجيش سنة إحدى وتسعين نبطيين نوبجين ونجارا وجلفاطا ومعيشتهم لثلاثة أشهر فإن أعطيتم الأجر فأعطوا في أجر كل نوبج دينارين وفي أجر كل رجل جلفاط دينار ونصف وفي أجر نبطي نجار دينار وثلث في كل شهر ، وكتب مرثد في ذي الحجة تمام سنة تسعين “.
11 ـ بردية رقم 352 محفوظة في متحف برلين جاء فيها : ” بسم الله الرحمن الرحيم من قرة بن شريك إلى أهل بلدة من مدينة أنصنا فأعطوا لبعث نواتية سفن أمير المؤمنين إلى أفريقية قِبَل عبد الله بن موسى بن نصير سنة أربع وتسعين لجيش سنة خمس وتسعين نوتيين ونصف نوتي فإن أعطيتم الأجر فأعطوا في أجر كل نوتي دينارا وسدس دينار وفي معيشتهم إلى أنطابلس أحد عشر دينارا وسدس دينار تدفع لهم من بيت المال ، وكتب الأثير عن عمبس بن كومناس من سنة أربع وتسعين “.
12 ـ بردية رقم (PSR 8-9) محفوظة في هايدلبرج جاء فيها : ” بسم الله الرحمن الرحيم من قرة بن شريك إلى باسي صاحب أشقوه فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو ، أما بعد فإن أهل أرضك قد باعوا طعامهم إلى التجار ليحبسوا ما اشتروا بأيديهم فلا يبيعون منه شيئا تربصا بالناس وانتظار غلا السعر ، وأيم الله لا أنبأن برجل حبس طعامه أن يبيعه إلا أنهبته فانظر من كان بأرضك من التجار الذين يشترون الأطعمة ويجمعونها فمرهم فليبيعوا طعامهم ومر كل تاجر فليحمل نصف ما عنده من الطعام إلى الفسطاط.
واكتب إلي مع كل تاجر يقدم من قبلك ما حمل حين يقبل ثم مرهم فليبيعوه بالفسطاط فإني قد أمرت صاحب المكس أن يعلم ما يقدمون به من ذلك فإن الطعام نافق بالفسطاط ليس يقدم أحد بطعام إلا أنفقه ، وانظر النصف الباقي فليبيعوه في أهل الأرض فإن لم ينفق في الأرض فليحمله إلى الفسطاط ولا تؤخرن ذلك ومر به حين يأتيك كتابي هذا وابعث على ذلك من ينفذه فإني قد أمرت العمال كلهم بذلك فاكفني ذلك ولا ألومنك فيه والسلام على من اتبع الهدى ، وكتب عبد الله بن نعمان في شهر ربيع الأول سنة إحدى وتسعين “.
13 ـ بردية رقم 328 محفوظة في دار الكتب المصرية وجاء فيها : ” بسم الله الرحمن الرحيم من قرة بن شريك إلى باسيل صاحب أشقوه فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو ، أما بعد فإن القاسم بن سيار صاحب البريد ذكر لي أنك أخذت قرا في أرضك بالذي عليهم من الجزية فإذا جاءك كتابي هذا فلا تعترض أحدا منهم بشيء حتى أحدث إليك فيهم إن شاء الله والسلام على من اتبع الهدى ، وكتب مسلم في شهر ربيع الأول سنة إحدى وتسعين “.
14 ـ بردية رقم (PERF 593) من مجموعة الأرشيدوق راينر محفوظة في المكتبة الوطنية في فيينا وجاء فيها : ” بسم الله الرحمن الرحيم من قرة بن شريك إلى بطرس جرجة القسطال قد قبضت منك المال الذي من مدينة أهناس عما بقا لك من الغرامة مما أدرك عليك من الجباية وهو من العين ستة دنانير ، وكتب في ذي القعدة من سنة إحدى وتسعين “.
15 ـ بردية رقم 330 محفوظة في دار الكتب المصرية جاء فيها : ” بسم الله الرحمن الرحيم من قرة بن شريك إلى باسيل صاحب أشقوه فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو ، أما بعد فإن هشام بن عمر كتب إلي يذكر جالية له بأرضك وقد تقدمت إلى العمال وكتبت إليهم ألا يؤو جاليا فإذا جاءك كتابي هذا فادفع إليه ما كان له بأرضك من جاليته ولا أعرفن ما رددت رسله أو كتب إلي يشتكيك والسلام على من اتبع الهدى ، وكتب يزيد في جمادى الآخرة سنة إحدى وتسعين “.
16 ـ بردية رقم (PSR 3-7) محفوظة في هايدلبرج وجاء فيها : ” بسم الله الرحمن الرحيم من قرة بن شريك إلى باسيل صحب أشقوة فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو ، أما بعد فإني قد كنت كتبت إليك في تعجيل حمل طعام الهري وفي كيله بما قد بلغك وإني لم أرك إلا قد أخذت ذلك ولا توخرن منه إردبا واحدا فإنما قد أمرنا للجند بأرزاقهم فليس نحبس أحدا من أهل الأرض قدم.
ثم قد بارك الله في غلة أهل الأرض العام فليس لأحد علة في شي إلا أن يعجز العامل أو يضيع ولعمري لمن كان عاجزا مضيعا لقد استحل مني ما يكره فمر أهل كل قرية من كورتك فليجعلوا حمل الذي عليهم وليختارو قبالا منهم يتمنونه ويرضونه ثم مر لكل قبال بخمسة أرادب في كل مئة إردب يكون منها أجره وشيء إن نقص من الطعام وضمنهم ما يستوفون من أهل الأرض حتى يدفعونه إلى أصحب الأهراء.
وليكتال القبالين من أهل الأرض بالكيل العدل فإني قد أمرت أصحب الأهراء أن يتوفوا من أهل الأرض كيل الرزق ولا يزيدوا عليه شيا وتقدمت إليهم ألا يكتالوا كيل الديموس وقطعت ذلك عن أهل الأرض فمر القبالين فليكتالوا بالقنقل ثم اجعل عندك قنقلاً عدلا تجربه ما يستوفي القبالين من أهل القرى وإن وجدت أحد من القبالين اعتدى على أهل الأرض في الكيل أو ازداد على الذي فرضت له شيئا فاجلده مئة جلدة واجزز لحيته ورأسه وغرمه ثلاثين دينارا بعد أن تغرمه ما ازداد على الذي أمرتك به.
واعلم أني إن أجد أحدا من القبالين اعتدى على أهل الأرض في الكيل أو أخذ منهم فوق الذي أمرت له به يبلغك مني ما يضيق عليك أرضك فاكفني أمر ما قبلك واتق الله فيما تلي فإنما هي أمانتك ودينك ثم احجز عمالك ونفسك عن ظلم أهل الأرض فإن الأرض لا صبر لها على الظلم ولا بقاء وإذا أتى أهل الأرض الظلم والإضاعة من قبل من يلي أمرهم فإن ذلك خرابهم.
وتعهد أمر ما قبلك ولا تكلن أمانتك وما تلي إلى أحد سوى نفسك فإن المحسن معان بأرضك في عمله ثم مر أهل أرضك فلا يحملوا إلى الهري إلا طعاما طيبا فإني قد أمرت أصحب الهري ألا يقبلوا من أهل الأرض إلا ذلك ثم عجل حمل ما على أرضك من الطعام ولا تلجني إلى أن أكتب إليك فيه بعد كتابي هذا فإني إذن أكتب إليك بالذي يخزيك والسلام على من اتبع الهدى ، وكتب الصلت في شوال من سنة إحدى وتسعين “.

12 / رسائل الفسطاط
في عام 87 هـ أصدر والي مصر عبد الله بن عبد الملك بن مروان قرارا بتعريب الدواوين وأمر أن تنسخ السجلات باللغة العربية بدلا من القبطية واليونانية وعزل عبد الله أشناس عن الديوان وولى عليه ابن يربوع الفزاري من أهل حمص ، وظلت المراسلات الداخلية تكتب باللغتين معا حتى يفهما سكان الأقاليم أما المكاتبات الخارجية فكانت تكتب باللغة العربية وحدها منذ زمن الفتح الإسلامي خاصة تلك المتبادلة مع الخلفاء والأمراء.
وتعد هذه الرسائل خير تعبير عن أسلوب الكتابة في ذلك الزمن والذي شهد بواكير النثر العربي في مصر كما أنها تحكي عن وقائع وأحداث تاريخية في العصر الأموي ، ومن نماذج ذلك الرسائل المتبادلة بين عبد الله بن عبد الملك وأمير المغرب موسى بن نصير والذي كان في الأصل قائد جند مصر في زمن عبد العزيز بن مروان ويتبعه إداريا فلما مات صار يتجاوز والي مصر ويخاطب الخليفة مباشرة.
وقد أورد الكندي في كتابه الولاة والقضاة نص الرسائل فقال : ” كانَ مُوسَى بْن نُصَير يكاتب عَبْد العزيز بن مَرْوان فلمَّا هلك عَبْد العزيز ولَّى عَبْدُ الملك عبد اللَّه بْن عَبْد الملك فلم يكاتبه مُوسَى وكاتب عَبْد الملك ، فكتب إِلَيْهِ عبد الله بْن عَبْد الملك : أمَّا بعد فإنَّك كنت من عَبْد العزيز وبِشر بين مِهَادَيْن تعلو عَن الحضيض مهودهما ويُدْفِئك دِثارهما حتى عَفا مَخبَرك وسمتْ بك نفسك فلا تحسبني كمَن كنتَ تخلبه وأعداء بيته وتقول اكفِياني أكفكما ولا كأضبع كنت تمينه بكهانتك وأَيم اللَّه لأَضعنَّ منك ما رفعا ولَأُقلّن منك ما كثَّرا فَضَحِّ رُوَيدًا فكأَن قد أصبحت سادمًا تَعضّ أناملك نادمًا والسلام.
فكتب إِلَيْهِ مُوسَى بْن نُصَير : أمَّا بعد فقد قرأت كتابك وفهِمت ما وصفت فِيهِ من إِركاني إلى أَبَويك وعمّك ولَعَمري إن كنت لذلك أهلًا ولو خبرتَ منّي ما خبَرا لَما صغّرت منّي ما عظَّما ولا جهِلت من أمرنا ما علِما فكيف أتاه اللَّه لك ، فأمَّا انتقاصك لهما فهما لك وأنت منهما ولهما منك ناصر لو قَالَ وجد عليك مقالًا وكفاك جَزاء العاقّ فأمَّا ما نِلتَ من عِرْضي فذلك موهوب لحقّ أمير المؤمنين لا لك وأمَّا تهدُّدك إيَّاي بأنَّك واضع مني ما رفعا فليس ذَلكَ بيدك فأرعُد وأَبرُق لغيري.
وأمَّا ما ذكرت ممَّا كنتُ آتي بِهِ عمَّك عَبْد العزيز فَلَعمري إِني ممَّا نسبتني إِلَيْهِ من الكهانة لبعيد وإنّي من غيرها من العِلم لقريب فعلى رِسلك فكأنَّك قد أظلَّك البدر الطالع والسيف القاطع والشِّهاب الساطع فقد تمَّ لها وتَّمت لَهُ ، ثمَّ بعث إليك الأعرابيّ الحِلف الجافي فلم تشعُر بِهِ حتَّى يحلّ بعقْوتك فيسلبك سُلطانك فلا يعود إليك ولا تعود إِلَيْهِ فيومئذٍ تعلَم أكاهن أمْ عالمٌ وتُوقن أيّنا النادم السادم والسلام.
فلمَّا قرأَ عبد الله الكتاب كتب إلى عَبْد الملك كتابًا وأدرج كتاب مُوسَى فِيهِ فلم يصل الكتاب إلى عَبْد الملك حتى قُبِض ، ووقع الكتاب فِي يد الوَليد بعد أن عزل عبد الله عَنْ مِصر وولَّى قُرَّة بْن شَريك فلمَّا قرأه الوَليد استضحك ثمّ قَالَ : لله دَرّه إن كَانَ عنده لآثره من علمٍ ولقد كَانَ عبد الله غنيًّا أن يتعرّضه “.
ومن نماذج الرسائل في تلك الفترة ما كتبه الخليفة عمر بن عبد العزيز إلى عامله على مصر أيوب بن شرحبيل الحميري (وهو من أحفاد ملوك اليمن) يأمره فيها بزيادة أعطيات الناس وإغلاق حانات الخمر وأن يمنع النساء من الحمامات العامة وحسن رعاية الجند خاصة الأسطول البحري العائد وقتها من غزو الروم بقيادة أبي عبيدة بن عقبة بن نافع الفهري وأن يعين حكاما من العرب على الكور بدلا من القبط وجاء في نص الرسالة : أَلصِقْ ذَلكَ بأهل البيُوتات الصالحة فإِنَّما الناس معادن وأقسِمْ للغارمين بخمسة وعشرين ألف دينار وقفل أهل القُسطنطينيَّة.
ومن هذه الرسائل أيضا رسالة شهيرة بين الخليفة عمر بن عبد العزيز وعامل الخراج في مصر حيان بن شريح حول الجزية حيث اعتاد بعض الولاة فرض الجزية على من أسلم من أهل البلاد وأراد حيان أن يفعل ذلك بحجة نقص الأموال وأن الأقباط يسلمون للهروب من دفعها ، فكتب الخليفة العادل في ذلك خطابا ينهاه فيه عن ذلك فلما ألح واحتج بكثرة النفقات أرسل له رسالة شديدة اللهجة يؤنبه فيها على ذلك وأوقع مع الرسالة عقوبة ينفذها مندوبه إليه.
وقد أورد المقريزي في كتابه المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار نص الرسالة المتبادلة بينهما وجاء فيها : ” وكتب عمر بن عبد العزيز إلى حيان بن شريح : أن تضع الجزية عمن أسلم من أهل الذمة فإن اللّه تبارك وتعالى قال : ﴿فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا اَلصَّلاةَ وَآتَوُا اَلزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اَللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وقال : ﴿قاتِلُوا اَلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلا بِالْيَوْمِ اَلْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اَللّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ اَلْحَقِّ مِنَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتابَ حَتّى يُعْطُوا اَلْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ﴾.
وكتب حيان بن شريح إلى عمر بن عبد العزيز : أما بعد فإن الإسلام قد أضر بالجزية حتى سلفت من الحارث بن ثابتة عشرين ألف دينارا تمت بها عطاء أهل الديوان فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمر بقضائها فعل ، فكتب إليه عمر : أما بعد فقد بلغني كتابك وقد وليتك جند مصر وأنا عارف بضعفك وقد أمرت رسولي بضربك على رأسك عشرين سوطا ، فضع الجزية عن من أسلم قبح اللّه رأيك فإن اللّه إنما بعث محمدا ﷺ هاديا ولم يبعثه جابيا ولعمري لعمر أشقى من أن يدخل الناس كلهم الإسلام على يديه “.
ومن هذه الرسائل أيضا رسالة طويلة كتبها عمر بن عبد العزيز ليرد بها على مسأئل قضائية رفعها إليه قاضي مصر عياض بن عبيد الله الأزدي وأوردها الكندي في كتابه الولاة والقضاة وتناولت الكثير من التفاصيل وتدل على اهتمام الخليفة العادل بتحري إقامة العدل وإحقاق الحقوق ، وفي ذلك يقول الكندي :
” حَدَّثَنِي ابن قُدَيد عَنْ عُبَيْد اللَّه عَنْ أبيه عَن الليث أن عُمَر بْن عَبْد العزيز كتب : بسم اللَّه الرَّحْمَن الرحيم من عبد الله عُمَر أمير المؤمنين إلى عِياض بْن عُبَيْد اللَّه سلام عليك فإنّي أَحْمَد إليك اللَّه الَّذِي لا إله إلَّا هُوَ ، أمَّا بعد فإنَّك كتبت تستأمرني فِي ثلاثة نَفَر بلغك من شأْنهم ما لم يكُن لك بُدّ من رفعهم إليَّ تذكر أنك قد كتبت إليَّ بقضيّتهم.
كتبت تذكر أن رجُلًا منهم تُوُفّي وترك عَلَيْهِ دَينًا كثيرًا ولم يترك لَهُ قضاء وله تسع ولائد وأنّ بيته وبعض تِلْكَ الديون أثمانهنَّ ، تَقُولُ : وكان أهل الديُون لا يرون أن حقوقهنَّ فِي رِقابهنَّ يسئلون الَّذِي لهم ويقول بعض غُرمائه : كَانَ دَينه قبل أن يبتاع تِلْكَ الولائد.
فأَقم أولئك الولائد قيمةَ عدل فأيّتهنَّ ما استقلَّت بثمَنها الَّذِي أقمتَ بِهِ فلتفتكّ بِهِ نفسها لِتُعْتَقَ فإنه لَيْسَ علهيا إلَّا ذَلكَ ومن لم تفتكّ نفسها بثمنها فهي أمة تُدفع إلى الغُرَماء والغُرَماء فِي ذَلكَ أُسوةُ ما بلغ إن كَانَ الَّذِي عَلَى الرجُل من الدَّين فهو أفضل ممَّا تبلغ قيمة أُولئك الولائد فإن قصُر عمَّا يُحيط بقيمتهنَّ كلّهنّ جُعل الغُرماء أسوةً فِي ذَلكَ ما بلغ يخص كلّ امرأَة منهن ما بلغت قيمتها.
وكتبتَ تذكر أن رجُلًا ابتاع رقيقًا فانطلق بِهِ عامدًا إلى البأْر فأُصيب رفيقه عَلَيْهِ دَين كثير ولم يبقَ لَهُ مال فجعلته فِي أيدي الغُرَماء حتى يأتيك أمري فِيهِ ، فمُر ذَلكَ الرجُل فليسعَ فِي دَينة وأْمُرْ غُرَماءه فليرفُقوا بِهِ حتى يقضي الَّذِي عَلَيْهِ ولا يُباع ، واجعَل الغُرماء أُسوةً فيما يسعى فِي من الدَّين لهم كلّ رجُل منهم يخُصّه الَّذِي لَهُ ما بلغ.
وتذكر أن منهم رجلًا يبتاع الولائد بالنَّظِرة بالمال المرتفع ويبيع بالنقد الَّذِي يشتري بثُلُث الثمن أو ببعضه وتقول : فلم يزَلْ ذَلكَ شأْنه حتَّى ترابى عَلَيْهِ من الدين ثلاثمائة دينار ، وتقول : جاءَني أصحابه يسأَلوني أن يُباع لهم وتذكر أنك جعلته فِي أيديهم حتى يأتيك أمري فمُر ذَلكَ الرجُل فلْيسْعَ فِي الَّذِي عَلَيْهِ ويسأَل حتَّى يقضي ولا يُمكَّن غُرَماؤه من بيعه ومُرْهم فليرفقوا بِهِ حتى يُؤَدّي اللَّه عَزّ وجلّ ما عَلَيْهِ ، والسلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته ، وكُتِبت لصباح يوم الخميس لأربع خلونَ من ذي الحجَّة تسع وتسعين “.
ومن هذه الرسائل ما كتبه عامل الخراج في مصر عبيد الله بن الحبحاب السلولي القيسي إلى الخليفة هشام بن عبد الملك يسأله أن يسمح بنقل فروع من القبائل القيسية من بادية الشام إلى الحوف الشرقي في مصر وهو الأمر الذي شكل منعطفا هاما في الصراعات بين القيسية واليمنية بعد ذلك ، وقد أَذِن لَهُ هِشام فِي إلحاق ثلاثة آلاف منهم وتحويل ديوانهم إلى مِصر عَلَى أن لا يُنزلهم الفُسطاط ففرض لهم ابن الحَبْحاب وقدِم بهم فأنزلهم الحَوف الشرقيّ وفرَّقهم فِيهِ.
وقد هدف ابن الحبحاب أن يتقوى بعصبته القبلية في مصر وتوافقت رغبة الخليفة معه حيث رأى أن وجود القيسية سوف يعدل ميزان القوى في مصر لصالح الأمويين ، وقد ذكر الكندي في كتابه الولاة والقضاة نص الرسالة حيث جاء فيه : ” فحَدَّثَنِي يحيى عَن ابن الوزير عَنْ أَبِي زيد عَن الهيثم بْن عديّ قَالَ : حَدَّثَنِي غير واحد أن عُبَيْد اللَّه بْن الحَبْحاب لمَّا ولَّاه هِشام مِصر قَالَ : ما أرى لقيس فيها حظًّا إلَّا لناس من جَدِيلة وهم فَهْم وعَدْوان.
فكتب إلى هِشام : إِنَّ أمير المؤمنين أطال اللَّه بقاءه قد شرَّف هذا الحيّ من قيس ونعَّشهم ورفع من ذكرهم وإني قدِمت مِصر فلم أَرَ لهم فيها حظًّا إِلَّا أبياتًا من فهم، وفيها كُوَر لَيْسَ فيها أحد وليس يضر بأهلها نزولهم معهم ولا يكسِر ذَلكَ خَراجًا وهي بُلْبَيس فإِن رأَى أمير المؤمنين أن يُنزِلها هذا الحيّ من قيس فلْيفعل ، فكتب إِلَيْهِ هِشام : أَنت وذلك.
فبعث إلى البادية فقدِم عَلَيْهِ مائة أهل بيت من بني مُضَر ومائة أهل بيت من بني عامر ومائة أهل بيت من أَفناء هوازِن ومائة أهل بيت من سُليم فأَنزلهم بُلْبَيس وأَمرهم بالزرع ونظر إلى الصَّدَقة من العُشور فصرفها إليهم فاشتروا إِبِلًا فكانوا يحمِلون الطَّعام إلى القُلْزُم ، وكان الرجُل يُصيب فِي الشهر العشرة دنانير وأكثر وأقلّ ثمَّ أمرهم باشتراء الخيول فجعل الرجُل يشتري المُهْر فلا يمكُث إلَّا شهرًا حتى يُركب وليس عليهم مَئُونة فِي إعلاف إِبِلهم ولا خَيْلهم لِجُودة مَرْعَاهم.
فلمَّا بلغ ذَلكَ عامَّة قومهم تحمَّل إليهم خمسمائة أهل بيت من البادية فكانوا عَلَى مثل ذَلكَ فأقاموا سنة فأتاهم نحو من خمسمائة أهل بيت فمات هِشام وببُلْبَيس ألف وخمسمائة أهل بيت من قَيس حتى إذا كَانَ فِي زَمن مَرْوان بْن محمد وولِيّ الحَوْثَرة بْن سُهيل الباهليّ مِصر مالت إِلَيْهِ قيس فمات مَرْوان وبها ثلاثة آلاف أهل بيت ثمَّ توالدوا وقدِم عليهم من البادية من قدِم ، قَالَ الهَيْثَم : فحَدَّثَنِي أَبُو عَبْد العزيز قَالَ : أحصيناهم فِي وِلاية محمد بن سَعِيد عَلَى مِصر فوجدناهم صغيرهم وكبيرهم وكلّ من جمعت الدار منهم خمسة آلاف إلَّا مائتين أو ومائتين “.

13 / أحاديث ابن أبي حبيب المصري
في عام 99 هـ أمر الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز أن توكل مسألة الفتوى في مصر إلى ثلاثة فقط من الشيوخ وهم جعفر بن ربيعة وهو عربي وعبد الله بن أبي جعفر ويزيد بن أبي حبيب وهما من الموالي ، وعندما أنف العرب أن تكون الفتيا إلى الموالي أجابهم الخليفة بقوله : ما ذنبي إن كانت الموالي تسمو بأنفسها صعدا وأنتم لا تسمون ” ، وقد عرف واحد منهم وهو يزيد بن أبي حبيب بلقب (مفتي الديار المصرية) فكان أول من تسمى به.
وهو صاحب كتاب من أهم الكتب التي عرفت في أوائل القرن الثاني الهجري في مصر والذي عرف باسم (كتاب أحاديث يزيد بن أبي حبيب المصري) والذي جمع فيه مروياته من الحديث النبوي الشريف ونقله عنه الإمام الليث بن سعد وتداوله المحدثون بعد ذلك في ثنايا كتبهم ، وقد تتلمذ عليه كل من جاء بعده من الفقهاء ورواة الحديث وأهل العلم كما نقل عنه المؤرخون من أمثال ابن عبد الحكم والكندي.
ذكره ابن يونس الصدفي في كتابه تاريخ المصريين فقال : ” زيد بن أبى حبيب المصرى .. اسم أبيه سويد مولى شريك بن الطّفيل العامرى يكنى أبا رجاء ، لقى عبد الله بن الحارث بن جزء روى عن سالم ونافع وعكرمة وعطاء ، روى عنه ابن لهيعة والليث وآخرون ، كان مفتى أهل مصر، وكان حليما عاقلا.
وهو أول من أظهر العلم بمصر والكلام فى الحلال والحرام ومسائلهما وقيل : إنهم كانوا – قبل ذلك – يتحدثون بالفتن والملاحم والترغيب فى الخير ، وهو أحد ثلاثة جعل إليهم عمر بن عبد العزيز الفتيا بمصر ، مات سنة ثمان وعشرين ومائة ، روى عنه الأكابر من أهل مصر وقال ابن لهيعة : إنه ولد سنة ثلاث وخمسين “.
وقد ترجم له الحافظ شمس الدين الذهبي في كتابه سير أعلام النبلاء فقال : ” يزيد بن أبي حبيب الإِمَامُ الحُجَّةُ مُفْتِي الدِّيَارِ المِصْرِيَّةِ أبي رجا الأَزْدِيُّ مَوْلاَهُم المِصْرِيُّ ، وَقِيْلَ كَانَ أبيهُ سُوَيْدٌ مَوْلَى امْرَأَةٍ مَوْلاَةٍ لِبَنِي حَسْلٍ وَأُمُّهُ مَوْلاَةٌ لِتُجِيْبٍ ، وُلِدَ بَعْدَ سَنَةِ خَمْسِيْنَ فِي دَوْلَةِ مُعَاوِيَةَ وَهُوَ مِنْ صِغَارِ التَّابِعِيْنَ.
حَدَّثَ عَن عَبْدِ اللهِ بنِ الحَارِثِ بنِ جَزْءٍ الزُّبَيْدِيِّ الصَّحَابِيِّ وَأَبِي الخَيْرِ مَرْثَدِ بنِ عَبْدِ اللهِ اليَزَنِيِّ وَأَبِي الطُّفَيْلِ اللَّيْثِيِّ إِنْ صَحَّ وَسَعِيْدِ بنِ أَبِي هِنْدٍ وَعِكْرِمَةَ وَعَطَاءٍ وَعُلَيِّ بنِ رَبَاحٍ وَعِرَاكِ بنِ مَالِكٍ وَعَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ وَنَافِعٍ وَأَبِي وَهْبٍ الجَيْشَانِيِّ وَإِبْرَاهِيْمَ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ حُنَيْنٍ وَأَسْلَمَ أَبِي عِمْرَانَ التُّجِيْبِيِّ وَالحَارِثِ بنِ يَعْقُوْبَ وَسُوَيْدِ بنِ قَيْسٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ شِمَاسَةَ وَعِيْسَى بنِ طَلْحَةَ بنِ عُبَيْدِ اللهِ وَلَهِيْعَةَ بنِ عُقْبَةَ وَالِدِ عَبْدِ اللهِ وَمُحَمَّدُ بنُ عَمْرِو بنِ حَلْحَلَةَ وَمُحَمَّدُ بنُ عَمْرِو بنِ عَطَاءٍ وَالهَيْثَمِ بنِ شُفَيٍّ وَخَلْقٍ وَيَنْزِلُ إِلَى أَنْ رَوَى عَنِ الزُّهْرِيِّ بِالإِجَازَةِ.
وَكَانَ مِنْ جِلَّةِ العُلَمَاءِ العَامِلِيْنَ ارْتَفَعَ بِالتَّقْوَى مَعَ كَوْنِه مَوْلَىً أَسْوَدَ ، حَدَّثَ عَنْهُ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ وَزَيْدُ بنُ أَبِي أُنَيْسَةَ وَمُحَمَّدُ بنُ إِسْحَاقَ وَعَبْدُ الحَمِيْدِ بنُ جَعْفَرٍ وَعَمْرُو بنُ الحَارِثِ وَعَبْدُ اللهِ بنُ عَيَّاشٍ القِتْبَانِيُّ وحيوة بن شُرَيْحٍ وَسَعِيْدُ بنُ أَبِي أَيُّوْبَ وَمُعَاوِيَةُ بنُ سَعِيْدٍ التُّجِيْبِيُّ وَيَحْيَى بنُ أَيُّوْبَ وَاللَّيْثُ وَابْنُ لَهِيْعَةَ وَرِشْدِيْنُ بنُ سَعْدٍ وَإِبْرَاهِيْمُ بنُ يَزِيْدَ الثَّاتِيُّ وَآخَرُوْنَ ، وَهُوَ مُجمَعٌ عَلَى الاحْتِجَاجِ بِهِ وَذَكَرَه أبي حَاتِمٍ البُسْتِيُّ فِي كِتَابِ (الثِّقَاتِ) لَهُ.
قَالَ أبي سَعِيْدٍ بنُ يُوْنُسَ : كَانَ مُفْتِي أَهْلِ مِصْرَ فِي أَيَّامِهِ وَكَانَ حَلِيْماً عَاقِلاً وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ أَظْهَرَ العِلْمَ بِمِصْرَ وَالكَلاَمَ فِي الحَلاَلِ وَالحَرَامِ وَمَسَائِلَ وَقِيْلَ إِنَّهُم كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ يَتَحَدَّثُوْنَ بِالفِتَنِ وَالمَلاَحِمِ وَالتَّرغِيبِ في الخير ، وَقَالَ اللَّيْثُ بنُ سَعْدٍ : يَزِيْدُ بنُ أَبِي حَبِيْبٍ سَيِّدُنَا وَعَالِمُنَا.
وَقَالَ ضَمْرَةَ بنِ رَبِيْعَةَ عَنْ إِبْرَاهِيْمَ بنِ عَبْدِ اللهِ الكِنَانِيِّ : اجْتَمَعَ نَاسٌ فِيْهِم يَزِيْدُ بنُ أَبِي حَبِيْبٍ وَهُم يُرِيْدُوْنَ أَنْ يَعُودُوا مَرِيْضاً فَتَدَافَعُوا الاسْتِئْذَانَ عَلَى المَرِيْضِ فَقَالَ يَزِيْدُ : قَدْ عَلِمتُ أَنَّ الضَّأنَ وَالمِعزَى إِذَا اجْتَمَعَتْ تَقَدَّمَتِ المِعزَى ، فَتَقَدَّمَ فَاسْتَأْذَنَ ، قَالَ مُحَمَّدُ بنُ سَعْدٍ : يَزِيْدُ بنُ حَبِيْبٍ مَوْلَىً لِبَنِي عَامِرِ بنِ لُؤَيٍّ مِنْ قُرَيْشٍ وَكَانَ ثِقَةً كَثِيْرَ الحَدِيْثِ مَاتَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَعِشْرِيْنَ وَمائَةٍ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : بَلَغ زِيَادَةً عَلَى خَمْسٍ وَسَبْعِيْنَ سَنَةً “.
وقد أعيد نسخ الكتاب في العصر الفاطمي وجاء في مقدمته سلسلة الرواية وهي : ” بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَخْبَرَنَا الشَّيْخَانِ الشَّيْخُ الأَمِينُ أَبُو مُحَمَّدٍ هِبَةُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الأَكْفَانِيُّ وَالشَّيْحُ أَبُو الْقَاسِمِ يَحْيَى بْنُ بَطْرِيقِ بْنِ بِشْرٍ الطَّرَسُوسِيُّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ الرَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ جُمَادَى الآخِرَةِ سَنَةَ عِشْرِينَ وَخَمْسِ مِائَةٍ وَأَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ حَمْزَةَ بْنِ الْخَضِرِ السُّلَمِيُّ.
قَالُوا : أَنْبَأَ أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ الْمِكْيَالِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الأَزْدِيُّ الْمِصْرِيُّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ بِدِمَشْقَ فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الأَوَّلِ مِنْ سَنَةِ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ وَأَرْبَعِ مِائَةٍ قَالَ : أَنَا الشَّرِيفُ أَبُو الْقَاسِمِ الْمَيْمُونُ بْنُ حَمْزَةَ بْنِ الْحُسَيْنِ الْعَلَوِيُّ الْحُسَيْنِيُّ الثِّقَةُ مِنْ كِتَابِهِ قِرَاءَةً عَلَيْهِ ، بِقِرَاءَةِ خَلَفِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْوَاسِطِيِّ الْحَافِظِ.
قَالَ : أَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ بْنِ جَرِيرٍ الْعَسَّالُ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ تِسْعَ عَشْرَةَ وَثَلاثِ مِائَةٍ قَالَ : أَنْبَأَ أَبُو مُوسَى عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ زُغْبَةُ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ قَالَ : أَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَكَمِ أَنَّهُ كَانَ فِيمَا خَلا لا يَذْكُرُ الإِمَامُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلا الْقُرْآنَ وَالذِّكْرَ فَلَمَّا اصْطَلَحَ النَّاسُ أِمِّرَ أَمِيرٌ عَلَى الْمَدِينَةِ فَجَعَلَ يَلْعَنُ رِجَالا لَعَلَّكَ إِنْ بَقِيتَ لَتَرْضَيَنَّ بِصَحَابَةِ مَنْ هُوَ شَرٌّ مِنْهُمْ … إلخ “.
وجاء في نهاية النسخة قوله : ” أَخْبَرَنَا الْمَيْمُونُ قَال َ: نا أَحْمَدُ ، قَالَ : نا عِيسَى ، قَالَ : أَنَا اللَّيْثُ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ : أَنَّ رَجُلا قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَوْصِنِي ، فَقَالَ: أُوصِيَك أَنْ تَسْتَحِيَ اللَّهَ كَمَا تَسْتَحِي رَجُلا صَالِحًا مِنْ قَوْمِكَ.
آخِرُ جُزْءِ حَدِيثِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَصَلَوَاتُهُ تَتْرَى عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيمًا ، كَتَبَهُ عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ عَبْدِ الْخَالِقِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي هِشَامٍ الْقُرَشِيُّ الشَّافِعِيُّ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ “.

14 / شعراء القبائل
لا يمكن الحديث عن العرب دون ذكر الشعر وما حظي به من دور في حياتهم حيث تصدق مقولة (الشعر ديوان العرب) وكذلك (الشعراء أمراء الكلام) وهو يشبه في عصرنا وسائل الإعلام فيرفع من قدر القبيلة ويحط من شأن أعدائها ويخلد ذكرها جيلا بعد جيل.
ويذكر الآلوسي في كتابه بلوغ الإرب أن القبيلة كانت إذا نبغ فيها شاعر احتفلت به وفرحت بنبوغه وأتت القبائل فهنأتها بذلك وصنعت الأطعمة واجتمعت النساء يلعبن بالمزاهر وتباشروا به لأنه حماية لهم ولسانهم الذاب عنهم المدافع عن أعراضهم وأحسابهم وشرفهم بين الناس وكانوا لا يهنأون إلا بغلام يولد أو فرس تنتج أو شاعر ينبغ.
ويفصل ذلك الأصفهاني في كتابه الأغاني فيقول عن الشعر : وكان أثره في الناس أثر السيف في الحروب بل استخدمه المحاربون أول سلاح في المعارك فيبدأ الفارس بالرجز ثم يعمد إلى السيف أو الرمح أو آلات القتال الأخرى.
ولم تكن القبائل العربية في الفسطاط ومصر بعيدة العهد عن ذلك حيث دبت الصراعات بينهم في أواخر حكم الأمويين وتسببت في مزيد من الغفلة عن الخطر القادم من أقصى الشرق والذي أطاح بهم جميعا ، وكان والي مصر في ذلك الوقت حفص بن الوليد الحضرمي والذي انحاز بقومه إلى الخليفة يزيد بن الوليد ولم يكن على وفاق مع الخليفة التالي مروان بن محمد وشكل جيشا خاصا من القبائل اليمنية في حركة شبه استقلالية.
ويحكي الكندي عن ذلك في كتابه الولاة والقضاة فيقول : ” وقُتل الوَليد بْن يزيد لسلخ جمادى الآخرة سنة ستّ وعشرين ومائة وحَفْص بالشام ثمَّ بُويع يزيد بْن الوليد فأمر حَفْص بن الوَليد باللَحاق بجُنْده وأمره بعرض ثلاثين ألفًا فدخلها ففرض الفروض.
وخرج ببيعة أهل مِصر إلى يزيد بْن الوَليد عُقْبة بْن نُعيْم الرُّعَينيّ والربيع بْن عَون بْن خارجة بْن حُذافة العَدَويّ وحوَّاش بْن حُميد الحِمْصيّ وهانئ بْن المُنذر الكُلاعيّ وعمرو بْن الحارث الفقيه مولى الأنصار.
وجعل حَفص بْن الوليد عَلَى فروضه قُوَّادًا وسمَّاهم أصحاب النُّدْبَة وفرض حَفْص لفروضه فِي عشرين وخمسة وعشرين فهم الذين يقال لهم الحفصيَّة من المقامصة والموالي وجعل حفص عَلَى الصعيد رَجاء بن الأَشْيم وعلى أسفل الأرض فهد بْن مَهديّ الحَضْرَميّ “.
وعندما بدأت الثورة الفعلية بزعامة حفص بن الوليد انقسم الشعراء بين مؤيد ومعارض ، ومنهم الشاعرَ الغِطْرِيف الحِميْريّ الذي هاجم الثوار وهجا زامل بن عمرو أحد قوادها قائلا : وَمِنْ زَامِلٍ لَا قَدَّسَ اللَّه زَامِلًا .. ومن أعبد الماملك المراغل .. وَمِنْ شَيْخِ سَوْءٍ خَرَّقَ اللهُ عَظْمَهُ .. حُفَيْصٍ وأَتْبَاعٍ لَهُ غَيْرِ طائِلِ.
وقال سَعِيد بْن شُريح مولى تُجِيب يهجو حَفْصًا وكان سَعِيد مُنقطِع إلى زبَّان بْن عَبْد العزيز بن مَرْوان : يَا بَاعِثَ الخَيْلَ تَرْدِي فِي ضَلَالَتِهَا .. مَن الْمُعَظِّمُ فِي الكِتافِ جَاوَانِ .. لَا زَالَ بُغْضي ينْمِي فِي صُدُورِكُمُ .. إذ كانَ ذلكَ مِنْ حُبّي لِزَبَّانِ.
وقد آثر حفص حقن الدماء فاستسلم في النهاية للوالي الجديد الحوثرة بن سهيل الباهلي والذي كان شاعرا أعرابيا فصيحا ، وفي ذلك يقول الكندي : حَدَّثَنِي ابن قُدَيد قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو نصر أحمد بْن عليّ بْن صالح قَالَ : حَدَّثَنَا يحيى بْن عثمان بْن صالح عَنْ أبيه قَالَ : سَمِعْتُ بَكْر بْن منصور يَقُولُ : (قدِم علينا كتاب أمير المؤمنين مَرْوان فِي حَوْثَرة بْن سُهَيل أن قد بعثتُ إليكم رجُلًا أعرابيًا بَدَوِيًّا فصيح اللسان من حاله ومن حاله كذا، فأجمعوا لَهُ رجُلًا فِيهِ مثل فِضاله يسدّده فِي القضاء ويصوّبه).
قَالَ بَكْر بْن منصور : فأَجمع الناس كلُّهم يومئذ عَلَى اللَّيث بْن سعد وفيهم مُعلِّماه يزيد بْن أَبِي حَبيب وعمرو بْن الحارث ، وجمع الجُند إلى المسجد فخطبهم الحَوْثَرة بشِعر بليغ : دَعَوْتُ أَبَا لَيْلَى إِلَى الصُّلْحِ كَيْ يَبُو .. بِرَأْيٍ أَصِيلٍ أَوْ يُرَدَّ إِلَى حِلْمِ .. دَعَانِي لِشَبِّ الْحَرْبِ بَيْني وَبَيْنَهُ .. فَقُلْتُ لَهُ مَهْلًا هَلُمَّ إِلَى السِّلْمِ ، وقال ابن ميَّادة المُرّيّ في انتصار الحوثرة : لَقَدْ سَرَّني إنْ كَانَ شَيْئًا يَسُرُّني .. مُغَارُ ابْنِ هَبَّارٍ عَلَى بَلْخَ والسَّفرُ .. وحَوْثَرَةُ المُهدِي بِمصْرَ جِيَادَهُ .. وأسْيَافَهُ حَتَّى استَقَامَتْ لَهُ مِصرُ.
وقال مرسل بْن حمير يبكي حفصًا وأصحابه : يَا عَيْنِ لَا تُبْقي مِنَ العَبَرَاتِ … جُودِي عَلَى الْأَحْيَاء وَالْأَمْوَاتِ .. يَا حَفْص يَا كَهْفَ العَشِيِرةِ كُلِّهَا .. يَا اخَا النَّوَالِ وَسَاتِرَ الْعَوْرَاتِ .. إِمَّا قُتِلْتَ فَأَنْتَ كُنْتَ عَمِيدَهُمُ .. والكَهْفَ لِلأَيْتَامِ والجَارَاتِ .. أَوْذَى رَجَاءٌ لَا كَمِثْلِ رَجَائِنَا رَجُلٌ .. وَعُقْبَةُ فَارِجُ الكُرُبَاتِ .. وَشَبَابُنَا عَمْرو وَفَهْدٌ ذُو النَّدَى .. وابْنُ السَّليطِ وعَامِرُ الْغَارَاتِ .. قُتِلُوا وَلَمْ أَسْمَعْ بِمِثْل مُصَابِهِمْ .. سَرَوَاتُ أَقْوامٍ بَنُوْ سَرَوَاتِ .. طُلَّتْ دِمَاؤُهُمُ فَلَمْ يُعْرَجْ لَهُمْ .. بَيْنٌ وَلَمْ يُطْلَبْ لَهُمْ بِجُنَاةِ.
وقد ترجم ابن يونس الصدفي في كتابه تاريخ المصريين لحفص بن الوليد فقال : “حفص بن الوليد بن سيف بن عبد الله بن الحارث بن حبل بن كليب بن عوف بن معاهر بن عمرو بن زيد بن مالك بن زيد بن الحارث بن عمرو بن حجر بن قيس بن كعب بن سهل بن زيد بن حضرموت الحضرمىّ ثم من بنى عوف بن معافر يكنى أبا بكر.
كان أشرف حضرمى بمصر فى أيامه ولم يكن خليفة من بعد الوليد إلا وقد استعمله ، وكان هشام بن عبد الملك قد شرّفه ونوّه بذكره، وولّاه مصر بعد (الحرّ بن يوسف بن يحيى بن الحكم) نحوا من شهر ثم عزله ، ووفد على هشام فألفاه فى التجهيز إلى الترك فولّاه الصائفة فغزا ثم رجع فولّى بحر مصر سنة تسع عشرة ومائة وسنة عشرين ومائة، وسنة إحدى وعشرين ومائة وسنة اثنتين وعشرين ومائة.
فلما قتل كلثوم بن عياض القشيرى (عامل هشام على إفريقيّة) وكان قتله فى ذى الحجة سنة ثلاث وعشرين ومائة كتب هشام إلى حنظلة بن صفوان الكلبى عامله على جند مصر بولايته على إفريقية فشخص إليها وكتب إلى حفص بن الوليد بولاية جند مصر وأرضها فولى حفص عليها بقية خلافة هشام وخلافة الوليد بن يزيد وخلافة يزيد بن الوليد وإبراهيم بن الوليد ومروان بن محمد إلى سنة ثمان وعشرين ومائة.
حدّث عنه يزيد بن أبى حبيب وعمرو بن الحارث والليث بن سعد وعبد الله بن لهيعة وغيرهم ، وكان ممن خلع مروان بن محمد مع رجاء بن الأشيم الحميرى وثابت ابن نعيم بن يزيد بن روح بن سلامة الجذامى وزامل بن عمرو الجذامى فى عدد من أهل مصر والشام ، قتله حوثرة بن سهيل الباهلى بمصر فى شوّال سنة ثمان وعشرين ومائة وخبر مقتله يطول.
وقال المسور الخولانىّ يحذّر ابن عم له من مروان ويذكر قتل مروان حفص بن الوليد ورجاء ابن الأشيم ومن قتل معهما من أشراف أهل مصر وحمص (الطويل) : وإن أمير المؤمنين مسلّط .. على قتل أشراف البلاد فأعلم .. فإياك لا تجنى من الشر غلطة .. فتودى كحفص أو رجاء بن أشيم .. فلا خير فى الدنيا ولا العيش بعدهم .. فكيف وقد أضحوا بسفح المقطّم “.

15 / عوالي الليث بن سعد
بجوار مقابر الصدفيين في القرافة الصغرى بالفسطاط مسجد وضريح إمام أهل مصر أبو الحارث الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي ، ولد في قرية قلقشندة من أعمال القليوبية في عام 94 هـ / 713 م وتوفي بالفسطاط في عام 175 هـ / 791 م ، وهو ينتمي إلى أسرة فارسية من أصبهان كانت من موالي خالد بن ثابت الفهمي والي مصر فنسبوا إلى عشيرة بني فهم القيسية التي كانت منازلها بالحوف الشرقي.
وهو واحد من أعلام الفقة الإسلامي وكان معاصرا للإمام مالك ، رحل في شبابه إلى الحجاز وتلقى العلم عن شيوخ التابعين ثم عاد إلى مصر فعلا قدره واستقل بالفتوى وصار له مذهب ينسب إليه إلا أن تلاميذه لم يدونوه ، لكن بقيت آثاره في المذاهب الأخرى التي تعتمد على الأثر مع التركيز على الجوانب الخلقية والروحية ، وكانت بينه وبين الإمام مالك وتلاميذ أبي حنيفة مراسلات لتبادل الرأي في الفقه.
حظي الإمام الليث بمنزلة رفيعة عند الولاة والقضاة فكانوا لا يبرمون أمرا دون مشورته وعرض عليه أبو جعفر المنصور ولاية مصر فاعتذر عنها ، ومن أهم أعماله شراء الأراضي من بيت المال في نواح من البلدان وحبّسها على وجوه البر فكان ذلك أساسًا لديوان الأحباس في مصر (نواة الأوقاف في العصور الإسلامية) ، وقد نبغ من نسله ابنه شعيب وحفيده عبد الملك بن شعيب وهما من رواة الحديث.
وكان له مجلس يعقده كل يوم ويقسمه إلى أربعة أقسام الأول للوالي يستشيره في حوائجه فكان الليث إن أنكر من القاضي أو الوالي أمرًا كتب إلى الخليفة فيأتي أمر العزل والثاني لأهل الحديث والثالث عام للمسائل الفقهية يُفتي السائلين والرابع للناس ممن يسألونه المال فلا يرد أحدًا مهما كبرت حاجته أو صغرت ، وقد عرف بالجود والسخاء وقيل عنه أنه لم تجب عليه زكاة قط لأنه كان كريماً طوال العام.
وكان الشافعي يقول : اللَّيْثُ أَفْقَهُ مِنْ مَالِكٍ إِلاَّ أَنَّ أَصْحَابَه لَمْ يَقُوْمُوا بِهِ ، وقال يحيى بن بكير : ما رأيت أحدا أكمل من الليث ، وقال : كان الليث فقيه البدن عربي اللسان يحسن القرآن والنحو ويحفظ الحديث والشعر حسن المذاكرة ، وقال أحمد بن حنبل : الليث ثقة ثبت ، وقال ابن حجر العسقلاني في كتابه (المرحمة الغيثية في الترجمة الليثية) : إن علم التابعين في مصر تناهى إلى الليث بن سعد.
وفي هذا الكتاب يترجم ابن حجر ترجمة وافية للإمام الليث ويقول في مقدمته : أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ جَمَاعَةً مِنَ الإِخْوَانِ الْتَمَسُوا أَفْرَادًا مُخْتَصَرَةً مِنْ أَخْبَارِ فَقِيهِ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ أَبِي الْحَارِثِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَشَيْئًا مِنْ عَوَالِي حَدِيثِهِ تَذْكِرَةً لِعَهْدِهِ وَتَبْصِرَةً لِمَنْ يَخْفَى عَلَيْهِ حَالُ مَنْ قَبْلَهُ إِذَا أَتَى مَنْ بَعْدَهُ ، فَأَجَبْتُ طِلْبَتَهُمْ وَصَوَّبْتُ رَغْبَتَهُمْ وَجَمَعْتُ فِي هَذِهِ الأَوْرَاقِ مَا تَيَسَّرَ مِنْ ذَلِكَ، لِمَا فِيهِ مِنْ نَشْرِ السُّنَّةِ وَرَتَّبْتُهَا عَلَى ثَمَانِيَةِ أَبْوَابٍ عَدَدَ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ :
الْبَابُ الأَوَّلُ فِي ذِكْرِ نَسَبِهِ وَنِسْبَتِهِ وَمَوْلِدِهِ وَبَلْدَتِهِ ، الْبَابُ الثَّانِي فِي ذِكْرِ طَلَبِهِ لِلْعِلْمِ وَرِحْلَتِهِ وَأَسْمَاءِ بَعْضِ شُيُوخِهِ وَصِفَةِ مَبْدَأِ أَمْرِهِ وَنَشْأَتِهِ ، الْبَابُ الثَّالِثُ فِي مَهَارَتِهِ فِي شَبَابِهِ وَتَحَرِّيهِ أَسْبَابَ الْمُرُوءَةِ،وَمَكَارِمَ الأَخْلاقِ فِي جَمِيعِ أَسْبَابِهِ ، الْبَابُ الرَّابِعُ فِي ثَنَاءِ الأَئِمَّةِ عَلَيْهِ بِالصِّفَاتِ الْجَمِيلَةِ وَبَيَانِ سَعَةِ حِفْظِهِ وَكَثْرَةِ عُلُومِهِ الْجَزِيلَةِ.
الْبَابُ الْخَامِسُ فِي عِظَمِ مِقْدَارِهِ عِنْدَ الْخُلَفَاءِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الأَحْرَارِ وَالْخُلَفَاءِ ، الْبَابُ السَّادِسُ فِي مَعْرِفَةِ بَعْضِ الآخِذِينَ لِلْحَدِيثِ عَنْهُ وَالإِشَارَةِ إِلَى بَعْضِ الْمُقْتَبِسِينَ لِلْفِقْهِ مِنْهُ ، الْبَابُ السَّابِعُ فِي بَيَانِ وَقْتِ وَفَاتِهِ وَمِقْدَارِ عُمْرِهِ عِنْدَ مَمَاتِهِ ، الْبَابُ الثَّامِنُ فِي سِيَاقِ عَوَالِي حَدِيثِهِ الدَّالِّ عَلَى رَفِيعِ قَدْرِهِ فِي قَدِيمِ أَمْرِهِ وَحَدِيثِهِ ، وَاللَّهَ أَسْأَلُ أَنْ لا يَجْعَلَ مَا عَلِمْنَا عَلَيْنَا وَبِالأَوَانِ يُسْبِلُ عَلَيْنَا سِتْرَ حِلْمِهِ وَكَرَمِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى “.
وقد دونت مرويات الليث بن سعد في الحديث وعرفت باسم (عوالي الليث بن سعد) وتناقلتها كتابات العلماء حتى جمعها قاسم بن قطلوبغا الْحَنَفِيّ برِوَايَة بدر الدّين حسن بن الطولوني وتضم ثلاثة وأربعين حديثا متصلة السند ، وكان الإمام مَالِكٍ يقول : حَدَّثَنِي مَنْ أَرْضَى مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، يُرِيدُ بِهِ اللَّيْثَ ، وكانت بينهما مراسلات قيمة في بحوث عديدة ومنها رسالة قيمة أوردها ابن القيم في كتابه (إعلام الموقعين) وجاء فيها :
” ﺳﻼم ٌﻋﻠﻴﻚ ﻓﺈﻧﻲ أﺣﻤﺪ ﷲ إﻟﻴﻚ اﻟﺬي ﻻ إﻟﻪ إﻻ ﻫﻮ ، أﻣﺎ ﺑﻌﺪُ ﻋﺎﻓﺎﻧﺎ ﷲ وإﻳﺎك وأﺣﺴﻦ ﻟﻨﺎ اﻟﻌﺎﻗﺒﺔ في اﻟﺪﻧﻴﺎ واﻵﺧﺮة ، ﻗﺪ ﺑﻠﻐﻨﻲ ﻛﺘﺎﺑﻚ ﺗﺬﻛﺮ ﻓﻴﻪ ﻣﻦ ﺻﻼح ﺣﺎﻟﻜﻢ اﻟﺬي ﻳسرﻧﻲ ﻓﺄدام ﷲ ذﻟﻚ ﺑﻜﻢ وأﺗﻤﱠﻪ ﺑﺎﻟﻌﻮن ﻋلى ﺷﻜﺮه واﻟﺰﻳﺎدة ﻣﻦ إﺣﺴﺎﻧﻪ ، وذﻛﺮت ﻧﻈﺮك في اﻟﻜﺘﺐ اﻟﺘﻲ ﺑﻌﺜﺖ ﺑﻬﺎ إﻟﻴﻚ وإﻗﺎﻣﺘﻚ إﻳﺎﻫﺎ وﺧﺘﻤﻚ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﺑﺨﺎﺗﻤﻚ.
وﻗﺪ أﺗﺘﻨﺎ ﻓﺠﺰاك ﷲ ﻋﻤﺎ ﻗﺪﻣﺖ ﻣﻨﻬﺎ خيرا ﻓﺈﻧﻬﺎ ﻛُﺘُﺐ ٌاﻧﺘﻬﺖ إﻟﻴﻨﺎ ﻋﻨﻚ ﻓﺄﺣﺒﺒﺖ أن أَﺑْﻠُﻎ ﺣﻘﻴﻘﺘﻬﺎ ﺑﻨﻈﺮك ﻓﻴﻬﺎ ، وذﻛﺮت أﻧﻪ ﻗﺪ أﻧﺸﻄﻚ ﻣﺎ ﻛﺘﺒﺖ إﻟﻴﻚ ﻓﻴﻪ ﻣﻦ ﺗﻘﻮﻳﻢ ﻣﺎ أﺗﺎﻧﻲ ﻋﻨﻚ إلى اﺑﺘﺪاﺋﻲ ﺑﺎﻟﻨﺼﻴﺤﺔ ورﺟﻮت أن ﻳﻜﻮن ﻟﻬﺎ ﻋﻨﺪي ﻣﻮﺿﻊ وأﻧﻪ ﻟﻢ ﻳﻤﻨﻌﻚ ﻣﻦ ذﻟﻚ ﻓﻴﻤﺎ ﺧﻼ إﻻ أن ﻳﻜﻮن رأﻳﻚ ﻓﻴﻨﺎ ﺟﻤﻴﻼً إﻻ أﻧﻲ ﻟﻢ أذاﻛﺮك ﻣﺜﻞ ﻫﺬا وأﻧﻪ ﺑﻠﻐﻚ أﻧﻲ أﻓﺘﻲ ﺑﺄﺷﻴﺎء ﻣﺨﺎﻟﻔﺔ لما ﻋﻠﻴﻪ ﺟﻤﺎﻋﺔ اﻟﻨﺎس ﻋﻨﺪﻛﻢ.
وأﻧﻲ ﻳﺤﻖ ﻋلي ﱠ اﻟﺨﻮف ﻋلى ﻧﻔسي ﻻﻋﺘﻤﺎد ﻣَﻦ ﻗﺒلي ﻋلى ﻣﺎ أﻓﺘﻴﺘﻬﻢ ﺑﻪ وأن اﻟﻨﺎس ﺗَﺒَﻊ ٌﻷﻫﻞ المدينة اﻟﺘﻲ إﻟﻴﻬﺎ ﻛﺎﻧﺖ اﻟﻬﺠﺮة وﺑﻬﺎ ﻧﺰل اﻟﻘﺮآن ، وﻗﺪ أﺻﺒﺖ ﺑﺎﻟﺬي ﻛﺘﺒﺖ ﺑﻪ ﻣﻦ ذﻟﻚ إن ﺷﺎء ﷲ ﺗﻌﺎلي ووﻗﻊ ﻣﻨﻲ بالموﻗﻊ اﻟﺬي ﺗﺤﺐ ، وﻣﺎ أﺟﺪ أﺣﺪًا ﻳُﻨﺴَﺐ إﻟﻴﻪ اﻟﻌﻠﻢ أﻛﺮه ﻟﺸﻮاذ اﻟﻔُﺘْﻴﺎ وﻻ أﺷﺪ ﺗﻔﻀﻴﻼ ًﻟﻌﻠﻤﺎء أﻫﻞ المدينة اﻟﺬﻳﻦ ﻣﻀﻮا وﻻ آﺧﺬ ﻟﻔﺘﻴﺎﻫﻢ ﻓﻴﻤﺎ اﺗﻔﻘﻮا ﻋﻠﻴﻪ ﻣﻨﻲ ، واﻟﺤﻤﺪ لله رب العالمين ﻻ شرﻳﻚ ﻟﻪ ..
وأﻧﺎ أﺣﺐ ﺗﻮﻓﻴﻖ ﷲ إﻳﺎك وﻃﻮل ﺑﻘﺎﺋﻚ لما أرﺟﻮ ﻟﻠﻨﺎس في ذﻟﻚ ﻣﻦ المنفعة ، وﻣﺎ أﺧﺎف ﻣﻦ اﻟﻀﻴﻌﺔ إذا ذﻫﺐ ﻣﺜﻠﻚ ﻣﻊ اﺳﺘﺌﻨﺎسي ﺑﻤﻜﺎﻧﻚ وإن ﻧﺄت اﻟﺪار ﻓﻬﺬه ﻣﻨﺰﻟﺘﻚ ﻋﻨﺪي ورأﻳﻲ ﻓﻴﻚ ﻓﺎﺳﺘَﻴْﻘِﻨﻪ ، وﻻ ﺗترك اﻟﻜﺘﺎب إلي ﱠ ﺑﺨبرك وﺣﺎﻟﻚ وﺣﺎل وﻟﺪك وأﻫﻠﻚ وﺣﺎﺟﺔ إن ﻛﺎﻧﺖ ﻟﻚ أو ﻷﺣﺪ ﻳﺼﻞ ﻟﻚ ﻓﺈﻧﻲ أُسر َﺑﺬﻟﻚ ، ﻛﺘﺒﺖ ُإﻟﻴﻚ وﻧﺤﻦ ﺻﺎﻟﺤﻮن ﻣﻌﺎﻓﻮن واﻟﺤﻤﺪ لله ﻧﺴﺄل ﷲ أن ﻳﺮزﻗﻨﺎ وإﻳﺎﻛﻢ ﺷﻜﺮ ﻣﺎ أوﻻﻧﺎ وﺗﻤﺎم ﻣﺎ أﻧﻌﻢ ﺑﻪ ﻋﻠﻴﻨﺎ واﻟﺴﻼم ﻋﻠﻴﻜﻢ ورﺣﻤﺔ ﷲ “.
وقد ترجم له ابن خلكان في كتابه وفيات الأعيان فقال : ” الليث بن سعد ..أبو الحارث الليث بن سعد بن عبد الرحمن إمام أهل مصر في الفقه والحديث كان مولى قيس بن رفاعة وهو مولى عبد الرحمن بن خالد بن مسافر الفهمي وأصله من أصبهان وكان ثقة سريا سخيا ، قال الليث : كتبت من علم محمد ابن شهاب الزهري علما كثيرا وطلبت ركوب البريد إليه إلى الرصافة فخفت أن لا يكون ذلك لله تعالى فتركته.
وقال الشافعي رضي الله عنه : الليث بن سعد أفقه من مالك إلا أن أصحابه لم يقوموا به ، وكان ابن وهب تقرأ عليه مسائل الليث فمرت به مسألة فقال رجل من الغرباء : أحسن والله الليث كأنه كان يسمع مالكا يجيب فيجيب هو ، فقال ابن وهب للرجل : بل كان مالك يسمع الليث يجيب فيجيب هو والله الذي لا إله إلا هو ما رأينا أحدا قط أفقه من الليث.
وكان من الكرماء الأجواد، ويقال إن دخله كان هو كل سنة خمسة آلاف دينار وكان يفرقها في الصلات وغيرها ، وقال منصور بن عمار : أتيت الليث فأعطاني ألف دينار وقال : صن بهذه الحكمة التي آتاك الله تعالى ، ورأيت في بعض المجاميع أن الليث كان حنفي المذهب وأنه ولي القضاء بمصر وأن الإمام مالكا أهدى إليه صينية فيها تمر فأعادها مملوءة ذهبا وكان يتخذ لأصحابه الفالوذج ويعمل فيه الدنانير ليحصل لكل من أكل كثيرا أكثر من صاحبه.
وكان قد حج سنة ثلاث عشرة ومائة وهو ابن عشرين سنة وسمع من نافع مولى ابن عمر رضي الله عنهما ، وكان الليث يقول قال لي بعض أهلي : ولدت سنة اثنتين وتسعين للهجرة والذي أوقن سنة أربع وتسعين في شعبان ، وتوفي يوم الخميس – وقيل الجمعة – منتصف شعبان سنة خمس وسبعين ومائة ومائة ودفن يوم الجمعة بمصر في القرافة الصغرى وقبره أحد المزارات رضي الله عنه ، وقال السمعاني : ولد في شعبان سنة أربع وعشرين ومائة والأول أصح ، وقال غيره : ولد سنة ثلاث وتسعين ، والله أعلم بالصواب.
وقال بعض أصحابه : لما دفنا الليث بن سعد سمعنا صوتا وهو يقول : ذهب الليث فلا ليث لكم .. ومضى العلم قريبا وقبر ، قال فالتفتنا فلم نر أحدا ، ويقال إنه من أهل قلقشندة وهي بفتح القاف وسكون اللام وفتح القاف الثانية والشين المعجمة وسكون النون وفتح الدال المهملة وبعدها هاء ساكنة وهي قرية من الوجه البحري من القاهرة بينها وبين القاهرة مقدار ثلاثة فراسخ ، والفهمي : بفتح الفاء وسكون الهاء وبعدها ميم هذه النسبة إلى فهم وهو بطن من قيس عيلان خرج منها جماعة كثيرة “.

16 / الخريطة
(الخريطة) هو عنوان الكتاب الذي كتبه محدث الديار المصرية في القرن الثاني الهجري أبو عبد الرحمن عبد الله بن لهيعة الحضرمي ، والخريطة هي مجموعة صحائف كان يعلقها في عنقه ويكتب فيها الحديث النبوي الشريف حيث كان يدور بها على شيوخ المصريين والوافدين إلى مصر ويسأل كلا منهم عن مروياته وشيوخه فيأخذ ما عندهم ويدونها فيها واشتهر بذلك حتى عرف بلقب (أبي خريطة).
ولد ابن لهيعة في الفسطاط عام 96 هـ / 715 م وتوفي فيها عام 174 هـ / 790 م لأسرة تنتمي إلى الحضارمة من عرب اليمن الذين دخلوا مصر مع الفتح الإسلامي ، والده هو لهيعة بن عقبة الحضرمي من كبار التابعين ومن رواة الحديث المعروفين ولذا نشأ ابنه عبد الله محبا للحديث حيث رحل في طلب العلم واجتهد فيه ، ونبغ من أسرتهم عدد كبير من القضاة والشيوخ منهم ابن أخيه لهيعة بن عيسى بن لهيعة قاضي مصر في أوائل القرن الثالث الهجري وحفيده أحمد بن عيسى بن لهيعة من رواة الحديث.
وقد تولى عبد الله بن لهيعة قضاء مصر عام 155 هـ بأمر الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور وذلك لمدة عشر سنوات وهو أول قاض يعين من الخليفة مباشرة وليس من والي مصر وهو أول من قرر استطلاع الهلال بنفسه وألا يكتفي بشهادة الشهود ، وكان من المقربين للإمام الليث بن سعد حيث ذكر الذهبي نقلا عن قتيبة بن سعيد أنه لما احترقت كتب ابن لهيعة بعث إليه الليث بن سعد من الغد بألف دينار ليستعين بها على ما حدث له.
وقد كان من المكثرين في رواية الحديث لكنه لم يدقق في رواياته فضعفها بعضهم واقتصروا على مروياته في الزهد والملاحم وليس في أصول الدين ، وقيل إن سبب ذلك هو احتراق كتبه في عام 169 هـ مما أثر فيه فضعف عقله وخلط في الروايات ، لكن تلاميذه نقلوا مؤلفاته ونسخوها وظلت متداولة في كتابات المحدثين والمؤرخين خاصة ابن عبد الحكم والكندي وابن يونس الصدفي وغيرهم.
ذكره ابن يونس الصدفي في كتابه تاريخ المصريين فقال : ” عبد الله بن لهيعة بن عقبة بن فرعان بن ربيعة الحضرمىّ ثم الأعدولىّ (من أنفسهم) قاضى مصر يكنى أبا عبد الرحمن ، روى عنه عمرو بن الحارث والليث بن سعد وعثمان بن الحكم الجذامىّ وابن المبارك ، توفى يوم الأحد منتصف ربيع الأول سنة أربع وسبعين ومائة وصلى عليه داود بن يزيد بن حاتم الأمير.
وكان مولده سنة سبع وتسعين ، حدثنا أحمد بن محمد بن سلامة قال : سمعت إبراهيم بن أبى داود قال : سمعت أبا الأسود النضر بن عبد الجبار يقول : سمعت ابن لهيعة يقول : كنت إذا أتيت يزيد بن أبى حبيب يقول لى : كأنى بك وقد قعدت على الوسادة ، يعنى وسادة القضاء ، فما مات ابن لهيعة حتى ولى القضاء “.
وذكر الكندي قصة توليه القضاء في كتابه الولاة والقضاة فقال : ” فولِيَها أَبُو خُزَيمة إلى أن مات وهو عَلَى قضائها فِي ذي القعدة سنة أربع وخمسين ومائة فكانت وِلايته عشر سنين ، ثمَّ ولِيَ القضاء بها عبد الله بْن لَهِيعة مستهلّ سنة خمس وخمسين ومائة من قِبَل أمير المؤمنين أَبِي جَعْفَر وهو أوَّل قاضٍ ولِيَ مِصر من قِبَل الخليفة.
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف قَالَ : حَدَّثَنَا يحيى بْن أَبِي مُعاوية قَالَ : حَدَّثَنِي خلَف بْن رَبيعة قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي وابن عُفَير وابن بُكير وعبد اللَّه بْن مُعاوية بْن حُدَيج وعيَّاش بْن عُقْبة بْن كُلَيب الحَضْرَميّ وغَوْث بْن سُلَيْمَان وهشام بْن حُمَيد وغيرهم ، فدخلوا عَلَى أَبِي جَعْفَر المنصور يومًا فقال لهم : أَعظم اللَّه أَجركم فِي قاضيكم أَبُو خُزَيمة.
ثمَّ التفت إلى ربيع فقال : انتخبنا لأهل مِصر قاضيًا ، قَالَ عبد الله بْن عبد الرحمن بْن حُدَيج : ماذا أردتَّ بنا يا أمير المؤمنين أردتَّ تُشهِّرنا فِي الأمصار بأنَّ بلَدنا لَيْسَ فِيهِ من يصلُح لقضائنا حتى تولِّي علينا من غيرنا ، قَالَ : فسمِّ رجُلًا ، قَالَ : فذكر لَهُ أَبَا مَعدان اليَحْصَبيّ ، فقال أَنَّهُ لَخِيار ولكنْ بِهِ صَمَم ، قَالَ : فعبد اللَّه ابن لَهِيعة ، قَالَ: فابنَ لَهِيعة.
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف قَالَ : حَدَّثَنِي ابن قُدَيد عَنْ يحيى بْن عثمان عَنْ أبيه قَالَ : ولِيَ ابن لَهِيعة القضاء وأُجرى عَلَيْهِ ثلاثون دينارًا فِي كل شهر .. حدثنا محمد بن يوسف قال : حدثني ابن قديد عن عبيد الله بن سعيد عن أبيه عن ابن لهيعة قال : كتب إلي أبو جعفر أمير المؤمنين أنه لا يجوز للحامل صدقة على وارث.
حدثنا محمد بن يوسف قال : حدثني محمد بن عبد الصمد الصدفي قال : حدثني علي بن عمرو بن خالد أبو خيثمة عن أبيه قال : (طلب الناس هلال شهر رمضان وابن لهيعة على القضاء فلم ير وأتى رجلان فزعما أنهما قد رأياه فبعث بهما الأمير موسى بن علي بن رباح إلى ابن لهيعة فسأله عن عدالتهما فلم يعرفا واختلف الناس وشكوا ، فلما كان في العام المقبل خرج عبد الله بن لهيعة في نفر من أهل المسجد تعرفوا بالصلاح فطلبوا الهلال فكانوا يطلبونه بالجيزة فهو أول القضاة حضر في طلب الهلال ثم تعدوا الجسر في زمن هاشم بن أبي بكر البكري وطلب الهلال في جنان بن أبي الحبشي).
قال أبو خيثمة : ثم كانت القضاة على ذلك حتى كان ابن أبي الليث فطلبه في أصل المقطم ، فوليها عبد الله بن لهيعة إلى أن صرف عنها في ربيع الآخر سنة أربع وستين ومائة ، وليها عشر سنين “.
وذكره الحافظ الذهبي في كتابه سير أعلام النبلاء ونقل أقوال العلماء فيه ومن ذلك قوله : عبد الله بن لهيعة بن عقبة بن فرعان بن ربيعة بن ثوبان القاضي الإمام العلامة محدث ديار مصر مع الليث أبو عبد الرحمن الحضرمي الأعدولي ويقال الغافقي المصري ، ولد سنة خمس أو ست وتسعين وطلب العلم في صباه ولقي الكبار بمصر والحرمين .. وكان من بحور العلم على لين في حديثه.
قال روح بن صلاح : لقي ابن لهيعة اثنين وسبعين تابعيا ، قلت : لقي جماعة من أصحاب أبي هريرة وعبد الله بن عمرو وعقبة بن عامر ، قال أحمد بن حنبل : من كان مثل ابن لهيعة بمصر في كثرة حديثه وضبطه وإتقانه.
حدثني إسحاق بن عيسى أنه لقيه في سنة أربع وستين وأن كتبه احترقت سنة تسع وستين ومائة ، وقال أبو داود : سمعت أحمد بن حنبل يقول : ما كان محدث مصر إلا ابن لهيعة ، وقال أحمد بن صالح : كان ابن لهيعة صحيح الكتاب طلابا للعلم .
وقال زيد بن الحباب : قال سفيان الثوري : عند ابن لهيعة الأصول وعندنا الفروع ، وقال عثمان بن صالح السهمي : احترقت دار ابن لهيعة وكتبه وسلمت أصوله كتبت كتاب عمارة بن غزية من أصله ، ولما مات ابن لهيعة قال الليث : ما خلف مثله .
لا ريب أن ابن لهيعة كان عالم الديار المصرية هو والليث معا كما كان الإمام مالك في ذلك العصر عالم المدينة والأوزاعي عالم الشام ومعمر عالم اليمن وشعبة والثوري عالما العراق وإبراهيم بن طهمان عالم خراسان ، ولكن ابن لهيعة تهاون بالإتقان وروى مناكير فانحط عن رتبة الاحتجاج به عندهم .
وبعض الحفاظ يروي حديثه ويذكره في الشواهد والاعتبارات والزهد والملاحم لا في الأصول وبعضهم يبالغ في وهنه ، ولا ينبغي إهداره وتتجنب تلك المناكير فإنه عدل في نفسه .
وعن أبي الوليد بن أبي الجارود عن يحيى بن معين قال : يكتب عن ابن لهيعة ما كان قبل احتراق كتبه ، قلت : عاش ثمانيا وسبعين سنة ومر أنه توفي سنة أربع وسبعين ومائة ، وكان من أوعية العلم ومن رؤساء أهل مصر ومحتشميهم أطلق المنصور بن عمار الواعظ أراضي له.
وذكره ابن تغري بردي في الكتابه النجوم الزاهرة وذلك في وفيات سنة 174 هـ فقال : ” وفيها توفي عبد الله بن لهيعة بن عقبة بن فرعان الإمام الحافظ عالم الديار المصرية وقاضيها ومحدثها أبو عبد الرحمن الحضرمىّ المصري ، مولده سنة سبع وتسعين وقيل سنة ست وتسعين ومات في يوم الأحد نصف شهر ربيع الأول من السنة وصلى عليه الأمير داود بن يزيد ودفن بالقرافة من جبّانة مصر وقبره معروف بها يقصد للزيارة.
قال الذهبي : وكان ابن لهيعة من الكتابين للحديث والجماعين للعلم والرحالين فيه ، ولقد حدثني شكر أخبرنا يوسف بن مسلم عن بشر بن المنذر قال : كان ابن لهيعة يكنى أبا خريطة وذاك أنه كانت له خريطة معلقة في عنقه فكان يدور بمصر فكلّما قدم قوم كان يدور عليهم فكان إذا رأى شيخا سأله : من لقيت وعمن كتبت “.

17 / مصحف ورش
في وسط القرافة الصغرى بالفسطاط قبر الإمام ورش صاحب القراءة المعروفة برواية ورش عن نافع وهي ثاني أكثر القراءات انتشارا في العالم الإسلامي بعد قراءة حفص عن عاصم وتتميز بالإمالة وطول المد وترقيق الراء وتخفيف همزة القطع وغيرها ، وصاحبها هو الإمام أبو سعيد عثمان بن سعيد بن عبد الله بن عمرو بن سليمان العوامي القفطي ولقبه الذي اشتهر به هو ورش والذي أطلقه عليه شيخه نافع المدني بسبب شدة بياض وجهه.
وتنحدر أسرته من القيروان بتونس وكانوا من موالي آل الزبير بن العوام الذين انتقلوا إلى قفط بصعيد مصر حيث ولد هناك عام 110 هـ ، رحل إلى الفسطاط أولا ليتعلم القراءة في جامع عمرو بن العاص ثم ارتحل إلى المدينة المنورة ليتتلمذ على يد الإمام نافع بن عبد الرحمن بن أبي نُعيم الليثي الكناني ثم عاد لتنتهي إليه رياسة الإقراء بالديار المصرية حتى توفي في الفسطاط في عام 197 هـ ، ومن أشهر تلاميذه يونس بن عبد الأعلى ..
ويحكي ورش عن رحلته إلى المدينة وطلبه من كبير الجعفريين التوسط له عند الشيخ بعد أن رأى الزحام الشديد من الطلاب فيقول : ” فقال لي نافع : أيمكنك أن تبيت في المسجد ؟ قلت : نعم ، فبتُّ في المسجد ، فلمَّا أن كان الفجر جاء نافع ، فقال : ما فعل الغريب ؟ فقلتُ : ها أنا رحمك الله ، قال : أنتَ أولى بالقراءة ، قال : وكنتُ مع ذلك حسنَ الصوت مَدَّاداً به ، فاستفتحتُ فملأ صوتي مسجدَ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأتُ ثلاثين آية ..
فأشار بيده أنِ اسكت فسكتُّ ، فقام إليه شاب من الحلقة فقال : يا معلم ـ أعزَّك الله ـ نحن معك ، وهذا رجل غريب وإنما رحل للقراءة عليك ، وقد جعلتُ له عشراً وأقتصرُ على عشرين ، فقال : نعم وكرامة ، فقرأتُ عشرًا ، فقام فتى آخر فقال كقول صاحبه ، فقرأتُ عشرًا وقعدتُّ ، حتى لم يبق له أحد ممن له قراءة ، فقال لي : اقرأ ، فأقرأني خمسين آية ، فما زلتُ أقرأ عليه خمسين في خمسين حتى قرأتُ عليه ختمات قبل أن أخرج من المدينة “.
قال ابن الجزري في النشر: ” وَتُوُفِّيَ وَرْشٌ بِمِصْرَ سَنَةَ سَبْعٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ عَشْرٍ وَمِائَةٍ، رَحَلَ إِلَى الْمَدِينَةِ لِيَقْرَأَ عَلَى نَافِعٍ فَقَرَأَ عَلَيْهِ أَرْبَعَ خَتَمَاتٍ فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ وَرَجَعَ إِلَى مِصْرَ فَانْتَهَتْ إِلَيْهِ رِيَاسَةُ الْإِقْرَاءِ بِهَا فَلَمْ يُنَازِعْهُ فِيهَا مُنَازِعٌ مَعَ بَرَاعَتِهِ فِي الْعَرَبِيَّةِ وَمَعْرِفَتِهِ فِي التَّجْوِيدِ وَكَانَ حَسَنَ الصَّوْتِ ، قَالَ يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى : كَانَ وَرْشٌ جَيِّدَ الْقِرَاءَةِ حَسَنَ الصَّوْتِ إِذْ يَهْمِزُ وَيَمُدُّ وَيُشَدِّدُ وَيُبَيِّنُ الْإِعْرَابَ لَا يَمَلُّهُ سَامِعُهُ “.
وذكره الذهبي في كتابه سير أعلام النبلاء فقال : ” ورش .. شَيْخُ الإِقْرَاءِ بِالدِّيَارِ المِصْرِيَّةِ أبي سَعِيْدٍ، وَأبي عَمْرٍو عُثْمَانُ بنُ سَعِيْدِ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو وَقِيْلَ اسْمُ جَدِّهِ عَدِيُّ بنُ غَزْوَانَ القِبْطِيُّ الإِفْرِيْقِيُّ مَوْلَى آلِ الزُّبَيْرِ ، قِيْلَ وُلِدَ سَنَةَ عَشْرٍ وَمائَةٍ.
جَوَّدَ خَتَمَاتٍ عَلَى نَافِعٍ وَلَقَّبَهُ نَافِعٌ بِوَرْشٍ لِشِدَّةِ بَيَاضِهِ ، وَالوَرْشُ لَبَنٌ يُصْنَعُ ، وَقِيْلَ لَقَّبَهُ بِطَائِرٍ اسْمُهُ وَرْشَانُ ثُمَّ خُفِّفَ فَكَانَ لاَ يَكرَهُهُ وَيَقُوْلُ : نَافِعٌ أستاذي سماني به ، وَكَانَ فِي شَبِيْبَتِهِ رَوَّاساً وَكَانَ أَشْقَرَ أَزْرَقَ رَبْعَةً سَمِيْناً قَصِيْرَ الثِّيَابِ مَاهِراً بِالعَرَبِيَّةِ انْتَهَتْ إِلَيْهِ رِئَاسَةُ الإِقْرَاءِ.
تَلاَ عَلَيْهِ أَحْمَدُ بنُ صَالِحٍ الحَافِظُ وَدَاوُدُ بنُ أَبِي طَيْبَةَ وَيُوْسُفُ الأَزْرَقُ وَعَبْدُ الصَّمَدِ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ القَاسِمِ وَيُوْنُسُ بنُ عَبْدِ الأَعْلَى وَعَدَدٌ كَثِيْرٌ ، وَكَانَ ثِقَةً فِي الحُرُوْفِ حُجَّةً وَأَمَّا الحَدِيْثُ فَمَا رَأَينَا لَهُ شَيْئاً ، وَقَدِ اسْتَوْفَيْتُ تَرْجَمَتَه فِي أَخْبَارِ القُرَّاءِ.
قَالَ يُوْنُسُ : كَانَ جَيِّدَ القِرَاءةِ حَسَنَ الصَّوتِ إِذَا قَرَأَ يَهْمِزُ وَيَمُدُّ وَيُشَدِّدُ وَيُبَيِّنُ الإِعْرَابَ لاَ يَمَلُّه سَامِعُهُ ، وَيُقَالُ : إِنَّهُ تَلاَ عَلَى نَافِعٍ أَرْبَعَ خَتَمَاتٍ فِي شَهْرٍ وَاحِدٍ ، مَاتَ بِمِصْرَ فِي سَنَةِ سَبْعٍ وتسعين ومائة “.
والراوي الأساسي له هو تلميذه يوسف بن عمرو الأزرق ، وقد ذكره ابن الجزري في كتابه غاية النهاية في طبقات القراء فقال : ” يوسف بن عمرو بن يسار ويقال سيار، قال الداني : والصواب يسار وأخطأ من قال بشار – بالموحدة والمعجمة – أبو يعقوب المدني ثم المصري المعروف بالأزرق.
ثقة محقق ضابط أخذ القراءة عرضا وسماعا عن ورش وهو الذي خلفه في القراءة والإقراء بمصر وعرض على سقلاب ومعلى بن دحية روى القراءة عنه عرضا إسماعيل بن عبد الله النحاس ومحمد بن سعيد الأنماطي وأبو بكر عبد الله بن مالك بن سيف وهو آخرهم موتًا ومواس بن سهل.
قال الذهبي : لزم ورشا مدة طويلة وأتقن عنه الأداء وجلس للإقراء وانفرد عن ورش بتغليظ اللامات وترقيق الراءات ، قلت : لم ينفرد بذلك عن ورش بل روى ذلك عن ورش يونس بن عبد الأعلى ، وقال أبو الفضل الخزاعي : أدركت أهل مصر والمغرب على رواية أبي يعقوب عن ورش لا يعرفون غيرها.
وقال أبو بكر بن سيف : سمعت الأزرق يقول : إن ورشا لما تعمق في النحو اتخذ لنفسه مقرأ يسمى مقرأ ورش فلما جئت لأقرأ عليه قلت له : يا أبا سعيد إني أحب أن تقرئني مقرأ نافع خالصا وتدعني مما استحسنت لنفسك قال : فقلدته مقرأ نافع وكنت نازلا مع ورش في الدار فقرأت عليه عشرين ختمة من حدر وتحقيق فأما التحقيق فكنت أقرأ عليه في الدار التي كنا نسكنها في مسجد عبد الله وأما الحدر فكنت أقرأ عليه إذا رابطت معه بالإسكندرية ، توفي في حدود الأربعين ومائتين “.

18 / الجامع في الحديث
في نهاية القرن التاسع عشر عثر الباحثون على كمية كبيرة من أوراق البردي العربية في مدينة إدفو بمحافظة أسوان ، ومنها الكتاب العربي الوحيد الكتوب بالكامل على أوراق البردي وهو كتاب (الجامع في الحديث) لأبي محمد عبد الله بن وهب بن مسلم الفهري القرشي وهو من شيوخ القرن الثاني الهجري ومن أئمة المذهب المالكي.
وقد نشر الكتاب ضمن مطبوعات المعهد الفرنسي للآثار الشرقية عام 1939 م (النصوص العربية رقم 3 بالقاهرة) حيث كان يضم سبعة وثمانين ورقة فيها مائة وست صفحات بمقاس طول 23 سم وعرض 23 سم وقد وجدت في حافظة من الجلد ، وهي حاليا من محفوظات دار الكتب المصرية تحت رقم 2201 فهرس حديث.
ولد عبد الله بن وهب في الفسطاط عام 125 هـ / 743 م وتوفي فيها عام 197 هـ / 813 م وقبره في مقابر بني مسكين بالقرافة ، ويرجع في نسبه إلى أسرة ذات جذور بربرية من موالي الصحابي أبي عبد الرحمن يزيد بن أنس بن عبد الرحمن الفهري فنسب إليه ، ونبغ في الفقه حيث رحل إلى المدينة وتتلمذ على يد الإمام مالك الذي كان يكتب إليه : ” إلى عبد الله بن وهب المفتي ” ولم يكن يفعل ذلك مع غيره.
ويعد ابن وهب من أوائل شيوخ المذهب المالكي في مصر وتميز عن غيره بغزارة الكتابة والتصنيف حيث كتب كلا من : كتاب القدر وما ورد فيه من الآثار ، كتاب موطأ عبد الله بن وهب ، كتاب القضاء في البيوع ، كتاب تفسير القرآن من الجامع ، كتاب المحاربة ، كتاب موطأ ابن وهب الصغير ، وغيرها.
ذكره ابن يونس الصدفي في كتابه تاريخ المصريين فقال : ” عبد الله بن وهب بن مسلم القرشى بالولاء المصرى مولى يزيد بن رمّانة القرشى مولى أبى عبد الرحمن يزيد بن أنيس الفهرىّ يكنى أبا محمد ، واختلف فى ولائه وقيل إن ابن رمّانة مولى لامرأة من الأنصار من بنى بياضة.
حدثنى أبى عن جدى قال : سمعت عبد الله بن وهب يقول : ولدت سنة خمس وعشرين ومائة وطلبت العلم وأنا ابن سبع عشرة سنة ودعوت يونس بن يزيد فى وليمة عرسى فسمعته يقول : سمعت ابن شهاب يقول فى عرس لصاحبه : بالجدّ الأسعد والطائر الأيمن ، قال : وهذه تهنئة أهل الحجاز.
توفى يوم الأحد لأربع بقين من شعبان سنة سبع وتسعين ومائة ، وكان قد جمع بين الفقه والرواية والعبادة وله تصانيف كثيرة وكانوا أرادوه على القضاء فتغيّب وكان له ابن اسمه حميد “.
وقد حكى الكندي في كتابه الولاة والقضاة قصة هروب عبد الله بن وهب من تولي القضاء فقال : ” ثمَّ ولِيَ القضاء بها لَهِيعة بْن عيسى الحَضْرَميّ من قِبَل عبَّاد بْن محمد وعبَّاد يومئذٍ يدعو للمأمون بِمصر ، ولِيهَا مستهلّ شعبان سنة ستّ وتسعين ومائة وذلك بعد أن اجتهد عبَّاد فِي ولاية عبد الله بْن وَهب بْن مُسلم فاستتر ابن وَهب من عبَّاد.
حَدَّثَنِي محمد بْن يوسف قَالَ : حَدَّثَنِي ابن قُدَيد عَن ابن عثمان قَالَ : حَدَّثَنِي أحمد بْن عبد الرحمن قَالَ : لمَّا طلب عبَّاد عمّي ليولّيه القضاء تغيّب فِي منزِل يحيى بْن حَرْمَلة فهدم عبَّاد بعض دارنا ، قَالَ العسلاني لعبَّاد : مَتَى طمع هذا الكيديّ هكذا فِي ولاية القضاء حتى يتغيّب ، فبلغ قوله ابن وَهب فدعا اللَّه عليه فعَمِي بعد جُمعة.
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْن إبراهيم القُرَشيّ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا يحيى الوَقَار قَالَ : لمَّا طُلب ابن وَهب للقضاء تغيّب فسُمِع وهو يَقُولُ : يارب يقدَم عليك إخواني غدًا عُلَماء حُلَماء فُقَهاء وأقدَم عليك قاضيًا لا يارب ولو قُرضت بالمقاريض.
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف قَالَ : حَدَّثَنِي ابن قُدَيد عَنْ يحيى بْن عثمان قَال : حَدَّثَنِي حجَّاج بْن مَذكور المُؤذّنِ قَالَ : لما طُلب ابن وَهب للقضاء جمع آخاءَه وأهله فشاورهم فقالوا لَهُ : لعلّ أن يَحْيا الحقّ عَلَى يديك أو نحو هذا ، فقال لهم : أكلة فِي بطونكم أردتم أن تأكلوا ديني.
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف قَالَ: حَدَّثَنَا الْعَبَّاس بْن محمد بْن الْعَبَّاس قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الربيع سُلَيْمَان ابْن أخي رِشْدين قَالَ : حَدَّثَنِي حجَّاج بْن رِشْدِين قَالَ : أشرفت عَلَى ابن وَهب من غُرفتي فسلَّمت عَلَيْهِ ، فقال لي : يا أَبَا الْحَسَن بينا أَنَا أرجو أن أُحشَر فِي زُمرة العُلماء أَأَرجو أن أُحشَر فِي زُمرة القُضاة ، وكان تغيّب “.
وأثنى عليه الحافظ الذهبي في كتابه سير أعلام النبلاء ونقل أقوال العلماء فيه ومنها : ” وَقَالَ أبي زُرْعَةَ : نَظَرْتُ فِي نَحْوٍ مِنْ ثَلاَثِيْنَ أَلْفَ حَدِيْثٍ لابْنِ وَهْبٍ وَلاَ أَعْلَمُ أَنِّي رَأَيْتُ لَهُ حَدِيْثاً لاَ أَصْلَ لَهُ وَهُوَ ثِقَةٌ وَقَدْ سَمِعْتُ يَحْيَى بنَ بُكَيْرٍ يَقُوْلُ : ابْنُ وَهْبٍ أَفْقَهُ مِنِ ابْنِ القَاسِمِ.
قُلْتُ : مُوَطَّأُ ابْنِ وَهْبٍ كَبِيْرٌ لَمْ أَرَهُ ، وَلَهُ كِتَابُ الجَامِعِ وَكِتَابُ البَيْعَةِ وَكِتَابُ المَنَاسِكِ وَكِتَابُ المَغَازِي وَكِتَابُ الرِّدَّةِ وَكِتَابُ تَفْسِيْرِ غَرِيْبِ المُوَطَّأِ وَغَيْرُ ذَلِكَ ، قَالَ أَحْمَدُ بنُ صَالِحٍ الحَافِظُ : حَدَّثَ ابْنُ وَهْبٍ بِمائَةِ أَلْفِ حَدِيْثٍ مَا رَأَيْتُ أَحَداً أَكْثَرَ حَدِيْثاً مِنْهُ وَقَعَ عِنْدَنَا سَبْعُوْنَ أَلْفَ حَدِيْثٍ عَنْهُ.
قُلْتُ : كَيْفَ لاَ يَكُوْنُ مِنْ بُحُوْرِ العِلْمِ وقد ضم إلى علمه علم مَالِكٍ وَاللَّيْثِ وَيَحْيَى بنِ أَيُّوْبَ وَعَمْرِو بنِ الحَارِثِ، وَغَيْرِهِم ، قَالَ عَلِيُّ بنُ الجُنَيْدِ الحَافِظُ : سَمِعْتُ أَبَا مُصْعَبٍ الزُّهْرِيَّ يُعَظِّمُ ابْنَ وَهْبٍ وَيَقُوْلُ : مَسَائِلُهُ عَنْ مَالِكٍ صَحِيْحَةٌ ، وَقَالَ أبي حَاتِمٍ الرَّازِيُّ : هُوَ صَدُوْقٌ صَالِحُ الحَدِيْثِ.
وَقَالَ أبي أَحْمَدَ بنُ عَدِيٍّ فِي كَامِلِهِ : هُوَ مِنَ الثِّقَاتِ لاَ أَعْلَمُ لَهُ حَدِيْثاً مُنْكَراً إِذَا حَدَّثَ عَنْهُ ثِقَةٌ ، وَرَوَى أبي طَالِبٍ عَنْ أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ قَالَ : ابْنُ وَهْبٍ يَفصِلُ السَّمَاعَ مِنَ العَرْضِ مَا أَصَحَّ حَدِيْثَهُ وَأَثْبَتَه ! وَقَدْ كَانَ يُسِيءُ الأَخْذَ لَكِنْ مَا رَوَاهُ أَوْ حَدَّثَ بِهِ وَجَدتُهُ صَحِيْحاً ، وَقَالَ يَحْيَى بنُ مَعِيْنٍ : ثِقَةٌ.
قَالَ خَالِدُ بنُ خِدَاشٍ : قُرِئَ عَلَى عَبْدِ اللهِ بنِ وَهْبٍ كِتَابُ أَهْوَالِ يَوْمِ القِيَامَةِ ـ تَأْلِيْفُهُ ـ فَخَرَّ مَغْشِيّاً عليه ، قَالَ : فَلَمْ يَتَكَلَّمْ بِكَلِمَةٍ حَتَّى مَاتَ بَعْدَ أَيَّامٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى ، وَعَنْ سُحْنُوْنَ الفَقِيْهِ قَالَ : كَانَ ابْنُ وَهْبٍ قَدْ قَسَمَ دَهْرَهُ أَثْلاَثاً ثُلُثاً فِي الرِّبَاطِ وَثُلُثاً يُعَلِّمُ النَّاسَ بِمِصْرَ وَثُلُثاً فِي الحَجِّ وَذُكِرَ أَنَّهُ حَجَّ ستًا وثلاثين حجة ، وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ وَهْبٍ قَالَ : دَعَوْتُ يُوْنُسَ بنَ يَزِيْدَ إِلَى وَلِيمَةِ عُرْسِي.
وَبَلَغَنَا أَنَّ مَالِكاً الإِمَامَ كَانَ يَكْتُبُ إِلَيْهِ : إِلَى عَبْدِ اللهِ بنِ وَهْبٍ مُفْتِي أَهْلِ مِصْرَ وَلَمْ يَفْعَلْ هَذَا مَعَ غَيْرِهِ ، وَقَدْ ذُكِرَ عِنْدَهُ ابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ القَاسِمِ فَقَالَ مَالِكٌ : ابْنُ وَهْبٍ عَالِمٌ وَابْنُ القَاسِمِ فَقِيْهٌ ، قَالَ أَحْمَدُ بنُ سَعِيْدٍ الهَمَذَانِيُّ : دَخَلَ ابْنُ وَهْبٍ الحَمَّامَ فَسَمِعَ قَارِئاً يَقْرَأُ : {وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّار} فَغُشِيَ عَلَيْهِ.
قَالَ أبي زَيْدٍ بنُ أَبِي الغَمْرِ : كُنَّا نُسَمِّي ابْنَ وَهْبٍ : دِيْوَانَ العِلْمِ ، قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ أَبِي حَاتِمٍ: سَمِعْتُ أَبَا زُرْعَةَ : نَظَرْتُ لابْنِ وَهْبٍ فِي نَحْوِ ثَمَانِيْنَ أَلْفَ حَدِيْثٍ ، قُلْتُ : هَذِهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى عَنْ أَبِي زُرْعَةَ ، قَالَ أبي عُمَرَ بنُ عَبْدِ البَرِّ: جَدُّ عَبْدِ اللهِ بنِ وَهْبٍ هُوَ مُسْلِمٌ مَوْلَى رَيْحَانَةَ مَوْلاَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ يَزِيْدَ بنِ أُنَيْسٍ الفِهْرِيِّ “.
وذكره برهان الدين ابن فرحون اليعمري في كتابه الديباج المذهب بأعيان المذهب فقال : ” تفقه بمالك والليث وابن دينار وابن أبي حازم وغيرهم .. وقال : أدركت من أصحاب بن شهاب أكثر من عشرين رجلاً وقال : صحبت مالكاً عشرين سنة ، وقالوا : لم يكتب مالك بالفقيه لأحد إلا إلى بن وهب وكان يكتب إليه : إلى عبد الله بن وهب فقيه مصر وإلى أبي محمد المفتي ولم يكن يفعل هذا لغيره.
وقال فيه : ابن وهب عالم ، ونظر إليه مرة فقال : أي فتى لولا الإكثار ، وقال أحمد بن حنبل : ابن وهب عالم صالح فقيه كثير العلم صحيح الحديث ثقة صدوق يفصل السماع من العرض والحديث من الحديث ما أصح حديثه ، وقال يوسف بن عدي : أدركت الناس : فقيهاً غير محدث ومحدثاً غير فقيه خلا عبد الله بن وهب فإني رأيته فقيهاً محدثاً زاهداً صاحب سنة وآثار.
وقال محمد بن عبد الحكم : هو أثبت الناس في مالك وهو أفقه من بن القاسم إلا أنه كان يمنعه الورع من الفتيا ، وقال أصبغ : ابن وهب أعلم أصحاب مالك بالسنن والآثار إلا أنه روى عن الضعفاء وكان يسمى ديوان العلم وما من أحد إلا زجره مالك إلا ابن وهب فإنه كان يعظمه ويحبه.
وقال ابن وهب : لولا أن الله أنقذني بمالك والليث لضللت ، فقيل له : كيف ذلك ؟ ، فقال : أكثرت من الحديث فحيرني فكنت أعرض ذلك على مالك والليث فيقولان : خذ هذا ودع هذا.
وألف تآليف كثيرة حسنة عظيمة المنفعة منها : سماعه من مالك ثلاثون كتاباً وموطؤه الكبير وجامعه الكبير وكتاب الأهوال وبعضهم يضيفه إلى الجامع وكتاب تفسير الموطأ وكتاب البيعة وكتاب لا هام ولا صفر وكتاب المناسك وكتاب المغازي وكتاب الردة “.

19 / المدونة الكبرى
(المدونة الكبرى) هو عنوان الكتاب الأشهر في الفقه المالكي ويتكون من مجموعة من الأسئلة والأجوبة عن مسائل الفقه والتي وردت للإمام مالك ورواها عنه تلميذه الإمام عبد الرحمن بن القاسم العتقي المصري الذي ولد في مصر عام 133 هـ / 750 م وتوفي فها عام 191 هـ / 806 م ودونها عنه تلميذه عبد السلام بن سعيد التنوخي المعروف بلقب سحنون والمتوفي في القيروان عام 240 هـ / 854 م.
وقد عرفت المدونة عند علماء المالكية بعد ذلك باسم (الكتاب الأم) وتأتي في المرتبة مباشرة بعد كتاب الموطأ حيث صارت أصل الفقه المالكي ، وتضم ستة آلاف ومائتي مسألة فقهية وقد رتبت على أبواب الفقه التقليدية وتحتوي في ثناياها على روايات الإمام مالك عن التابعين ، وقد كتب لها المقدمات والشروح وبيان الأحكام الفقيه المالكي أبو الوليد محمد بن رشد (الجد) المتوفي بالأندلس عام 520 هـ / 1126 م.
وقد ترجم ابن يونس الصدفي في كتابه تاريخ المصريين لصاحب هذه المدونة فقال : ” عبد الرحمن بن القاسم بن خالد بن جنادة العتقىّ المصرى يكنى أبا عبد الله ، مولى العتقيين ثم لزبيد بن الحارث العتقىّ وقيل إن زبيدا كان من حجر حمير ، والعتقاء ليسوا من قبيلة واحدة هم جمع من قبائل شتى فمنهم من حجر حمير ومنهم من كنانة مضر ومن سعد العشيرة،وغيرهم من القبائل.
ذكر أحمد بن شعيب النّسوىّ – يوما ونحن عنده – عبد الرحمن بن القاسم فأحسن الثناء عليه وأطنب فى الحديث وغيره ، ولد ابن القاسم سنة اثنتين وثلاثين ومائة وتوفى فى صفر سنة إحدى وتسعين ومائة “.
وذكره ابن خلكان في كتابه وفيات الاعيان فقال : ” ابن القاسم المالكي .. أبو عبد الله عبد الرحمن بن القاسم بن خالد بن جنادة العتقي بالولاء الفقيه المالكي ، جمع بين الزهد والعلم وتفقه بالإمام مالك رضي الله عنه ونظرائه وصحب مالكاً عشرين سنة وانتفع به أصحاب مالك بعد موت مالك، وهو صاحب (المدونة) في مذهبهم وهي من أجل كتبهم وعنه أخذها سحنون.
وكانت ولادته في سنة اثنتين وقيل ثلاث وثلاثين ومائة وقيل ثمان وعشرين وتوفي سنة إحدى وتسعين ومائة ليلة الجمعة لسبع ليال مضين من صفر بمصر ودفن خارج باب القرافة الصغرى قبالة قبر أشهب الفقيه المالكي ، وزرت قبريهما وهما بالقرب من السور رحمهما الله تعالى.
وجنادة : بضم الجيم وفتح النون وبعد الألف دال مهملة مفتوحة ثم هاء ساكنة ، والعتقي : بضم العين وفتح التاء المثناة من فوقها وبعدها قاف هذه النسبة إلى العتقاء وليسوا من قبيلة واحدة بل هم من قبائل شتى منهم حجر حمير ومن سعد العشيرة، ومن كنانة مضر وغيرهم وعامتهم بمصر.
وعبد الرحمن المذكور مولى زبيد بن الحارث العتقي وكان زبيد من حجر حمير ، وقال عبد الله القضاعي : وكانت القبائل التي نزلت الظاهر العُتقاء وهم جماع من القبائل كانوا يقطعون على من أراد النبي صلى الله عليه وسلم فبعث إليهم فأتى بهم أسرى فأعتقهم فقيل لهم العتقاء.
ولما فتح عمرو بن العاص مصر وكان ذلك يوم الجمعة مستهل المحرم سنة عشرين للهجرة كان العتقاء معه معدودين في أهل الراية ، وإنما قيل له أهل الراية لأن العرب كانوا يجعلون لكل بطن منهم راية يعرفون بها ولم يكن لكل بطن من بطون أهل الراية من العدد ما يجعلون لكل بطن راية فقال عمرو بن العاص : أنا أجعل راية لا أنسبها إلى أحد فتكون دعوتكم عليها ففعلوا فكان هذا الاسم كالنسب الجامع وعليها كان ديوانهم.
ولما فتحوا الإسكندرية ورجع عمرو إلى الفسطاط اختط الناس بها خططهم ، ثم جاء العتقاء بعدهم فلم يجدوا موضعاً يختطون فيه عند أهل الراية فشكوا ذلك إلى عمرو فقال معاوية ين حديج، وكان يتولى أمر الخطط : أرى لكم أن تظهروا على هذه القبائل فتتخذونه منزلاً وتسمونه الظاهر ، ففعلوا ذلك فقيل له (أهل الظاهر) لذلك ، ذكر هذا كله أبو عمرو محمد بن يوسف بن يعقوب التجيبي في كتاب (خطط مصر) وهي فائدة غريبة يحتاج إليها، فأحببت ذكرها “.
وأثنى عليه الحافظ الذهبي في كتابه سير أعلام النبلاء فقال : ” عبد الرحمن بن القاسم .. عَالِمُ الدِّيَّار المِصْرِيَّة وَمُفْتِيْهَا أبي عبد لله العُتَقِيُّ مَوْلاَهُمْ المِصْرِيُّ صَاحِبُ مَالِكٍ الإِمَامِ ، رَوَى عَنْ مَالِكٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ شُرَيْحٍ وَنَافِعِ بنِ أَبِي نُعَيْمٍ المُقْرِئِ وَبَكْرِ بنِ مُضَرَ وَطَائِفَةٍ قَلِيْلَةٍ.
وَعَنْهُ : أَصْبَغُ وَالحَارِثُ بنُ مِسْكِيْنٍ وسُحْنُون وَعِيْسَى بنُ مَثْرود وَمُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ عَبْدِ الحَكَمِ وآخرون ، وَكَانَ ذَا مَالٍ وَدُنْيَا فَأَنْفَقَهَا فِي العِلْمِ وَقِيْلَ : كَانَ يَمْتَنِعُ مِنْ جَوَائِزِ السُّلْطَانِ ، وَلَهُ قَدَمٌ فِي الوَرَعِ وَالتَّأَلُّهِ.
قَالَ النَّسَائِيُّ : ثِقَةٌ مَأْمُوْنٌ ، وَقَالَ الحَارِثُ بنُ مِسْكِيْنٍ: سَمِعْتُهُ يَقُوْلُ : اللَّهُمَّ امْنَعِ الدُّنْيَا مِنِّي وَامْنَعْنِي مِنْهَا ، وَعَنْ مَالِكٍ : أَنَّهُ ذُكِرَ عِنْدَهُ ابْنُ القَاسِم فَقَالَ : عَافَاهُ اللهُ مَثَلُهُ كَمَثَلِ جِرَابٍ مَمْلُوءٍ مِسْكاً ، وَقِيْل َ: إِنَّ مَالِكاً سُئِلَ عَنْهُ وَعَنِ ابْنِ وَهْبٍ فَقَالَ : ابْنُ وَهْبٍ رَجُلٌ عَالِمٌ وَابْنُ القَاسِمِ فَقِيْهٌ.
وَعَنْ أَسَدِ بنِ الفُرَاتِ قَالَ : كَانَ ابْنُ القَاسِمِ يَخْتِمُ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَتْمَتَيْنِ ، قَالَ: فَنَزَلَ بِي حِيْنَ جِئْتُ إِلَيْهِ عَنْ خَتْمَةٍ رَغْبَةً فِي إِحْيَاءِ العِلْمِ ، وَبَلَغَنَا عَنِ ابْنِ القَاسِمِ قَالَ : خَرَجْتُ إِلَى الحِجَازِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ مَرَّةً أَنْفَقْتُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ أَلْفَ دِيْنَارٍ ، وَعَنِ ابْنِ القَاسِمِ قَالَ : لَيْسَ فِي قُرْبِ الوُلاَةِ وَلاَ فِي الدُّنُوِّ مِنْهُم خَيْرٌ.
أَحْمَدُ ابْنُ أَخِي ابْنِ وَهْبٍ : حَدَّثَنَا عَمِّي قَالَ : خَرَجْتُ أَنَا وَابْنُ القَاسِمِ بِضْعَ عَشْرَةَ سَنَةً إِلَى مَالِكٍ فَسَنَةً أَسْأَلُ أَنَا مَالِكاً وَسَنَةً يَسْأَلُهُ ابْنُ القَاسِمِ ، وَرَوَى الحَارِثُ بنُ مِسْكِيْنٍ عَنْ أَبِيْهِ قَالَ : كَانَ ابْنُ القَاسِمِ وَهُوَ حَدَثٌ فِي العِبَادَةِ أَشَهْرَ مِنْهُ فِي العِلْمِ ، ثُمَّ قَالَ الحَارِثُ : كَانَ فِي ابْنِ القَاسِم العِبَادَةُ وَالسَّخَاءُ وَالشَّجَاعَةُ وَالعِلْمُ وَالوَرَعُ وَالزُّهْدُ.
قَالَ الطَّحَاوِيّ ُ: بَلَغَنِي عَنِ ابْنِ القَاسِمِ قَالَ : مَا أَعْلَمُ فِي فُلاَنٍ عَيْباً إِلاَّ دُخُوْلَهُ إِلَى الحُكَّامِ أَلاَ اشْتَغَلَ بِنَفْسِهِ ، قَالَ سَعِيْدُ بنُ الحَدَّادِ : سَمِعْتُ سُحْنُون يَقُوْلُ : كُنْتُ إِذَا سَأَلْتُ ابْنَ القَاسِمِ عَنِ المَسَائِلِ يَقُوْلُ لِي : يَا سُحْنُوْنُ ! أَنْتَ فَارِغٌ ، إِنِّيْ لأُحِسُّ فِي رَأْسِي دَوِيّاً كَدَوِيِّ الرَّحَا – يَعْنِي مَنْ قِيَامِ اللَّيْلِ ـ قَال َ: وَكَانَ قَلَّما يَعْرِضُ لَنَا إِلاَّ وَهُوَ يَقُوْلُ : اتَّقُوا اللهَ فَإِنَّ قَلِيْلَ هَذَا الأَمْرِ مَعَ تَقْوَى اللهِ كَثِيْرٌ وَكَثِيْرُهُ مَعَ غَيْرِ تَقْوَى اللهِ قَلِيْلٌ “.

20 / رحلة إلى مصر
(رحلة إلى مصر) هو عنوان القصيدة الرائية التي نظمها الشاعر المعروف أبو نواس ليمدح بها عامل الخراج وحاكم الصعيد في مصر الخصيب بن عبد الحميد العجمي المرادي وذلك بعد أن رحل إليه في عام 190 هـ يلتمس منه الاحتفاء والوصل ، وقد نظم معها أيضا عددا من القصائد التي ضمنها ديوانه في مدح الخصيب والثناء عليه عندما أكرمه وأعطاه المال ثم نظم قصائد أخرى في هجاء الخصيب عندما لم يحصل منه على ما كان يؤمله كما مدح وهجا عددا من أعيان المصريين في تلك المجموعة من القصائد.
والخصيب بن عبد الحميد هو مؤسس مدينة المنيا والتي عرفت وقتها باسم منية ابن خصيب حيث يقول المقريزي في الخطط : ” ذكر منية الخصيب هذه المدينة تنسب إلى الخصيب بن عبد الحميد صاحب خراج مصر من قبل أمير المؤمنين هارون الرشيد ” ، ويصفها ابن بطوطة قائلا : ” ثم سافرت منها إلى مدينة منية ابن خصيب وهي مدينة كبيرة الساحة متسعة المساحة مبنية على شاطئ النيل وحق حقيق لها على بلاد الصعيد التفضيل بها المدارس والمشاهد والزوايا والمساجد وكانت في القديم منية عامل مصر الخصيب “.
أما الشاعر فهو أبو علي الحسن بن هانئ بن عبد الأول بن الصباح المعروف بأبي نواس الحكمي الشاعر المشهور كان جده مولى الجراح بن عبد الله الحكمي والي خراسان ونسبته إليه ، ولد في عام 145 هـ / 762 م وتوفي في عام 196 هـ / 811 م وقضى حياته متنقلا بين الأهواز والبصرة والكوفة ودمشق ومصر وبغداد حيث تكسب بالشعر واشتهر بالمجون والتهتك في شعره وكان نديما للخلفاء والأمراء ، وحفل ديوانه الشعري بقصائد وصف الخمر والعشق ثم زهد في آخر أيامه وقال في ذلك أشعارا رقيقة.
ويحكي الأصفهاني في كتابه الأغاني عن رحلة أبي نواس إلى مصر فيقول : ” لما قدم أبو نواس على الخصيب بمصر أذن له وعنده جماعة من الشعراء فاستنشده فقال له ها هنا جماعة من الشعراء هم أقدم مني وأسن فأذن لهم في الإنشاد فإن كان شعر نظيري أشعارهم أنشدت وإلا أمسكت فاستنشدهم فأنشدوا مديحا في الخصيب فلم تكن أشعارهم مقاربة لشعر أبي نواس فتبسم ثم قال أنشدك أيها الأمير قصيدة هي بمنزلة عصا موسى تلقف ما يأفكون قال هات فأنشده : أجارة بيتينا أبوك غيور .. وميسور ما يرجى لديك عسير ، حتى أتى على آخرها فانفض الشعراء من حوله
ويقال إن أبا نواس كان خرج إلى مصر في زي الشطار وتقطيعهم بطرة قد صففها وكمين واسعين وذيل مجررة ونعل مطبقة وكان خروجه مع سليمان بن أبي سهل فلما دخل على الخصيب بهذه الصورة ازدراه واستخف به وكان أورد عليه كتب الجلة ممن بباب السلطان فقرأ كتبه ولم يستنشده فانصرف مهموما وجاء أهل الأدب فاستمعوا شعره وكتبوه وأنشدوه للخصيب فاستحضره فأنشده : أجارة بيتينا أبوك غيور .. وميسور ما يرجى لديك عسير.
فلما بلغ الى قوله : تقول التي من بيتها خف مركبي .. عزيز علينا أن نراك تسير .. أما دون مصر للغنى متطلب .. بلى إن أسباب الغنى لكثير .. فقلت لها واستعجلتها بوادر .. جرت فجرى في جريهن عبير .. ذريني أكثر حاسديك برحلة .. إلى بلد فيها الخصيب أمير ، فقال له الخصيب إذا يكثر حسادها وتبلغ أملها وأمر له بآلف دينار.
ومن هذه القصيدة : إذا لم تزر أرض الخصيب ركابنا .. فأي فتى بعد الخصيب نزور .. فما جازه جود ولا حل دونه .. ولكن يصير الجود حيث يصير .. فتى يشتري حسن الثناء بماله .. ويعلم أن الدائرات تدور .. ولم تر عيني سؤددا مثل سؤدد .. يحل أبو نصر به ويسير .. وإني جدير إذ بلغتك بالمنى .. وأنت بما أملت منك جدير .. فإن تولني منك الجميل فأهله .. وإلا فإني عاذر وشكور.
فلما كان من غد ذلك اليوم الذي دخل فيه أبو نواس دخل إليه أيضا واستنشده فأنشده : يا منة إمتنها السكر .. ما ينقضي مني لها الشكر .. أعطاك فوق مناك من قبل .. قد كان قبل مرامها وعر .. يثني إليك بها سوالفه .. رشأ صناعة عينه السحر .. ظلت حميا الكأس تبسطنا .. حتى تهتك بيننا الستر .. في مجلس ضحك السرور به .. عن ناجذيه وحلت الخمر.
قوله وحلت الخمر كان قد حلف ألا يشرب حتى يواصله الذي شبب به فواصله فقال وحلت الخمر إلى أن انتهى إلى قوله : أنت الخصيب وهذه مصر .. فتدفقا فكلاكما بحر .. لا تقعدا بي عن مدى أملي .. شيئا فما لكما به عذر .. ويحق لي إذ صرت بينكما .. ألا يحل بساحتي فقر ، فقال له الخصيب إذا لا يخيب أملك ولا ينقطع مرادك ثم أمر له بألف دينار أخرى فقبض الألفين.
ثم بكر عليه في اليوم الثالث فأنشده : محضتكم يا أهل مصر نصيحة .. فدونكم من ناصح بنصيب .. ولا تثبوا وثب السفاه فتحملوا .. على حد حامي الظهر غير ركوب .. فإن يك باقي إفك فرعون فيكم .. فإن عصا موسى بكف خصيب .. رماكم أمير المؤمنين بحية .. أكول لحيات البلاد شروب.
وكان أهل مصر قد شغبوا على الخصيب لزيادة في أسعارهم وكان على شربه وعنده أبو نواس فوثب أبو نواس وقال دعني أيها الأمير أكلمهم فقال ذاك إليك فخرج حتى وافى المسجد الجامع وقد تواعدوا أن يجتمعوا فيه فأنشد هذه الأبيات ويقال إنه ارتجلها على المنبر فلما سمعها من اجتمع تفرقوا فلم يبق أحد منهم وعاد إلى مجلس الخصيب فأمر له بألف دينار أخرى وقال له ارتحل فما لك عندنا مقام فزوده من طرائف ما بمصر ووهب له جارية حسناء ووصيفا نظيفا وقال له ارتحلهما في طريقك وتزود منهما في مقامك.
قال الرشيد يوما لأبي نواس أنشدني قولك في الخصيب : منحتكم يا أهل مصر مودتي ، فأنشده إياها فلما بلغ إلى قوله : فإن يك باقي إفك فرعون فيكم .. فإن عصا موسى بكف خصيب ، فقال له الرشيد ألا قلت : فباقي عصا موسى بكف خصيب ، فقال له هذا يا أمير المؤمنين أحسن ولكنه لم يقع لي القصيدة التي مدح بها الخصيب.
وقيل إن أبا نواس إنما كان امتدح الخصيب بقصيدته التي هي : لم تدر جارتنا ولا تدري .. أن الملامة ربما تغري .. هبت تلومك غير عاذرة .. ولقد ترى لك واضح العذر .. واستبعدت مصرا وما بعدت .. أرض يكون بها أبو نصر .. ولقد وصلت بك الرجاء ولي .. مندوحة لو شئت عن مصر .. فيما تنافسه الملوك من الحور .. الحسان وعاتق الخمر ..
ومحدث كثرت طرائفه .. عان لدي لقلة الوفر .. إني لآمل يا خصيب على .. يدك السعادة آخر الدهر .. وكذاك نعم السوق أنت لمن .. كسدت عليه تجارة الشعر .. أنت المبرز يوم سبقهم .. إن الجواد بعرقه يجري .. عرف الخليفة أن نعمته .. حلت بساحة طيب النشر .. كاف إذا عصب الأمور به .. ماضي العزيمة طيب الذكر .. فانقع بسيبك غلة نزحت .. بي عن بلادي وارتهن شكري.
فلما انشده إياها بكمالها أمره أن يقيم عنده فلم تطب نفسه بالمقام ، وقيل إنه سئل كم وهب لك الخصيب مع مدائحك فيه وقصدك من العراق إليه فقال لا والله لم يهب لي إلا مائة دينار والناس يكثرون في ذلك “.
وفي ديوان أبي نواس قصائد في هجاء الخصيب كتبها بعد أن فقد الأمل في كسب المزيد منه ، وقيل إن سبب الهجاء هو أن أبا نواس كان يكره شراب مصر وكان الخصيب يخص نفسه بشراب يحمل إليه فغضب أبو نواس وهجاه بقوله : يخص الخصيب بالشراب ويرتجي .. لديه أنوالا إن ذا لعجيب .. وليس خصيب بالخصيب لضيفه .. ولكنه وعر المحل جديب .. فمن كان ذا أهل بمصر وثروة .. فإني بها صفر اليدين غريب.
وهجاه مرة أخرى بقوله : نفس الخصيب جميعه كذب .. وحديثه لجليسه كرب .. تبكي الثياب عليه معولة .. أن قد يجر ذيولها كلب ، وقال مرة أخرى : خبز القصيد معلق بالكوكب .. يحمى بكل مثقف ومسطب .. جعل الطعام على بنيه محرما .. قوتا وحلله لمن لم يسغب .. فإذا هم رأوا الرغيف تطربوا .. طرب الصيام إلى أذان المغرب.
وهجا أعيان مصر ما عدا أحمد بن حوي العذري الذي كان يصله فقال : دم المكارم بالفسطاط مسفوح .. والجود قد ضاع فيها وهو مطروح .. يا أهل مصر لقد غبتم بأجمعكم .. لما حوى قصب السبق المساميح .. أموالكم جمة والبخل عارضها .. والنيل مع جوده فيه التماسيح .. لولا ندى ابن حوي أحمد نطقت .. مني المفاصل فيكم والجواريح.
وهجا هاشم بن حديج قائلا : ما منك سلمى ولا أطلالها الدرس .. ولا نواطق من طير ولا خرس .. يا هاشم بن حديج لو عددت أبا .. مثل القلمس لم يعلق بك الدنس .. إذا أصبح الملك النعمان وافده .. ومن قضاعة أسرى عنده حبس .. فابتاعهم بإخاء الدهر ما عمروا .. فلم ينل مثلها من مثله أنس .. أو رحت مثل حوي في مكارمه .. هيهات منك حوي حين يلتمس.
وقد ذكر الأنباري في كتابه طبقات الأدباء جانبا من أقوال الأدباء في أبي نواس فقال : ” أبو نواس .. قال عمرو بن بحر الجاحظ: ما رأيت رجلاً أعلم باللغة من أبي نواس ولا أفصح لهجةً مع حلاوة ومجانبة للاستكراه وقال الشعر وكان يستشهد بشعره ، وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى : كان أبو نواس للمحدثين كامرئ القيس للمتقدمين.
وقال إسحاق بن إسماعيل : قال أبو نواس : ما قلت الشعر حتى رويت لستين امرأة من العرب منهم الخنساء وليلى فما ظنك بالرجال ! ، وقال ميمون : سألت أبا يوسف يعقوب بن السكيت عما يختار لي روايته من الشعر فقال : إذا رويت من أشعار الجاهليين فلامرئ القيس والأعشى ومن الإسلاميين فلجرير والفرزدق ومن المحدثين فلأبي نواس، فحسبك.
وقال أبو العباس المبرد عن الجاحظ قال : سمعت إبراهيم النظام يقول وقد أنشد شعر أبي نواس في الخمر : هذا الذي جمع له الكلام فاختار أحسنه ، وقال في حقه سفيان بن عيينة : هذا أشعر الناس – يعني أبا نواس ، وقال الجاحظ : لا أعرف من كلام الشعراء أرفع من قول أبي نواس : أية نار قدح القادح .. وأي جد بلغ المازح ، وأنشد الأبيات.
قال الإمام محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله : دخلت على أبي نواس وهو يجود بنفسه فقلت : ما أعددت لهذا اليوم ؟ فقال : تعاظمني ذنبي فلما قرنته .. بعفوك ربي كان عفوك أعظما “.
وذكره ابن خلكان في وفيات الأعيان فقال : ” وروى أن الخصيب صاحب ديوان الخراج بمصر سأل أبا نواس عن نسبه فقال : أغناني أدبي عن نسبي ، فأمسك عنه ، وقال إسماعيل بن لوبخت : ما رأيت قط أوسع علماً من أبي نواس ولا أحفظ منه مع قلة كتبه ولقد فتشنا منزله بعد موته فما وجدنا له إلا قمطراً فيه جزاز مشتمل على غريب ونحو لا غير.
وهو في الطبقة الأولى من المولدين وشعره عشرة أنواع وهو مجيد في العشرة ، وقد اعتنى بجمع شعره جماعة من الفضلاء منهم أبو بكر الصولي وعلي بن حمزة وإبراهيم بن أحمد بن محمد الطبري المعروف بتوزون فلهذا يوجد ديوانه مختلفاً.
وكان بمصر رجل يعرف بالحسن بن عمر الأجهري يقول الشعر الضعيف وكان ناقص العقل فقيل له : إن أردت أن يعلو شأنك في الشعر فاهج أبا نواس فأتاه وهو جالس في المجلس والناس حوله فأنشده : ألا قل للنواسي الضعيف الحال والقدر .. خبرنا منك أحوالاً فلم نحمدك في الخبر .. وما روعت بالمنظر ولكن رعت بالكدر.
قال : وكان هذا الشاعر من أوحش الناس صورة فنظر إليه أبو نواس وقال : بم أهجوك وبأي شيء أصفك وقد سبقني الله تعالى إلى توحش منظرك وتقبيح مخبرك وهل أكون إن قلت شيئاً إلا سارقاً من ربي ومتكلفاً على ما قد كفاني فقال له بعض من معه : اهجه على حال لا نقول إنه أفحمك.
فقال من وزن شعره : بما أهجوك لا أدري لساني فيك لا يجري .. إذا فكرت في هجوك أبقيت على شعري ، قال : فقاموا على أبي نواس فقبلوا رأسه وصفقوا الأيدي جهرا “.