
21 / أحكام العمري
أول وثيقة للأوقاف في مصر الإسلامية دونها واحد من أعلام العمريين من بني عدي بن كعب الذين سكنوا الفسطاط في نهاية القرن الثاني الهجري وهو قاضي مصر عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن المجبر بن عبد الرحمن الأصغر بن عمر بن الخطاب أبو عبد الله القرشي العدوي العمري والمعروف بلقب (القاضي العمري) حيث ذكره ابن عبد الحكم في فتوح مصر والمغرب ووكيع في أخبار القضاة .. ولد بالمدينة المنورة وتعلم بها وكان مالكي المذهب وكان عمه عبد الرحمن بن المجبر من أهل العلم ورواة الحديث سمع من سالم بن عبد الله وروى عنه الإمام مالك ..
وقد أسند إليه هارون الرشيد قضاء مصر في صفر سنة 185 هـ وعزله الأمين بن هارون الرشيد في جمادى الأولى سنة 194 هـ. فكانت ولايته تسعة سنوات وشهرين .. جاء في مناقبه فيما ذكر صاحب (المدارك في معرفة أصحاب مالك) في ترجمة سعيد بن هشام بن صالح المخزومي المصري نزيل الفيوم عن الحارث بن مسكين قال : ” قدم مصر القاضي العمري وكان شعلة نار وكان يجلس للناس من الغداة إلى الليل وكان حسن الطريقة مستقيم الأمر ” .. وكان ابن وهب وأشهب وغيرهما يحضرون مجلسه وكان يقول لهم : ” أعينوني ودلوني على أقوام من أهل البلد أستعين بهم “.
وقد أثار القاضي العمري بعض الشبهات لدى المصريين بسبب جملة من الأفعال التي ابتدرها في عمل القضاة ولم تكن معروفة من قبل مثل استكثاره من الشهود وتدوين أسمائهم في كتاب وهو أول من فعل ذلك واستكتب أبا داود النحاس وزكريا بن يحيى الحرسي ولذلك كان يقال له كاتب العمري وخالد بن نجيح وإسحاق بن محمد بن نجيح .. وفي كتاب (رفع الإصر عن قضاة مصر) يقول سعيد بن عفير : ” كان من أشد الناس في عمارة الأحباس كان يقف عليها بنفسه ويجلس مع البنائين أكثر نهاره .. وهو أول من اتخذ لأموال الأيتام تابوتا توضع فيه ويوضع فيه مال من لا وارث له فكان هو مودع قضاة مصر.
وذكر أبو عمر بن يوسف بن يعقوب الكندي المصري (المتوفي عام 355 هـ) صاحب كتابي الولاة والقضاة : قال محمد بن يوسف قال حدثني ابن قديد قال حدثنا عبيد الله بن سعيد عن أبيه قال : ” قدم العمري فعزل إسحاق بن الفرات وركب طريق محمد بن مسروق باتخاذ الشهود وجعل أسماءهم في كتاب وهو أول من فعل ذلك ودونهم وأسقط سائر الناس ثم فعلت ذلك القضاة من بعده حتى اليوم “.
ويروي ابن حجر العسقلاني (المتوفي سنة 852 هـ) فيقول : ” وجرت في ولاية العمري قصة أهل الحرس وهم قوم من أهل مصر كان رؤساء المصريين يؤذونهم كأبي رحب الخولاني وهاشم بن حديج وغيرهما من العرب .. فاجتمع الحرسيون إلى كاتب العمري زكريا بن يحيى الحرسي فقالوا له : حتى متى نؤذى ويطعن في آبائنا ؟ فأشار عليهم أن ليأذن لهم في كتاب سجل بأن لهم أصلا في العرب .. فجمعوا له ستة آلاف دينار فلما وصل المال إلى العمري لم يجسر أن يسجل لهم فقال اركبوا إلى الخليفة.
فخرج عبد الرحمن بن زياد الحرسي إلى العراق وأنفق مالا عظيما هناك وادعى أن المفضل بن فضالة كان حكم لهم بإثبات أنسابهم إلى الحوتكة بن أسلم بن الحاف بن قضاعة .. قال ابن وزير : فحضر عبد الرحمن بن زياد بكتاب الأمين بن الرشيد إلى العمري يأمره أن يسجل للحرسيين فدعاهم العمري بالبينة .. أحضروا أهل الحوف من الشرقية وجماعة من بادية الشام فشهدوا أنهم عرب فسجل لهم العمري بذلك ” .. وكان قوم قد تظلموا منه ووقعوا فيه إلى الرشيد فقال : انظروا في الديوان كم ولي من آل عمر بن الخطاب القضاء في أيامي ؟ فنظروا فلم يجدوا غيره فقال : ” والله لا أعزله أبدا “.
والقضية التي حفظت سجلاتها حتى اليوم متعلقة بإعادة بناء مسجد عبد الله وقد رواها الكندي في كتابه الولاة والقضاة فقال : أخبرنا أَبُو محمد عبد الرحمن بْن عُمَر بْن محمد بْن سَعِيد البزَّار المعروف بابن النحَّاس قِراءَةً عَلَيْهِ قَالَ : أخبرنا محمد بْن يوسف قَالَ: حَدَّثَنِي ابن قُدَيد عَنْ عُبَيْد اللَّه عَنْ أبيه قَالَ : كَانَ موضِع مسجِد عبد الله يجلِس فِيهِ أهل المدينة يتحدَّثون فِيهِ فمرَّ بهم عبد الله بْن عَبْد الملك بْن مَرْوان وهو أميرهم بِمصر فسأَلوه أن يبني لهم فِيهِ مسجِدًا وشكَوْا إِلَيْهِ ما يلقَون من الشمس فبناه لهم فكانوا يجتمعون فِيهِ.
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف قَالَ : وأخبرني ابن قُدَيد قَالَ: لمَّا صار الأمر إلى بني هاشم مرَّ صالح بْن عليّ فِي موكِبه عَلَى مسجِد عبد الله فنظر إِلَيْهِ فاستحسنه وأعجبه وسأَل عَنْهُ فقيل بناه عبد الله بْن عَبْد الملك ، فقال : أَوَ بقِيَ لهم أَثَر حسَن مِثل هذا لا أرجِع من ركوبي ، فأمر بهدمه ثم رمَّمه بعض الجيران ، حَدَّثَنَا محمد قَالَ : حَدَّثَنِي محمد بْن طاهر بْن أيُّوب عَنْ أبيه قَالَ : لمَّا صُرف صالح بْن عليّ عَنْ مِصر بناه بعض جِيرته بُنيانًا غير طائل حتى كَانَ العُمَريّ عَلَى قضاء مِصر فهدمه وبناه هذا البِنَاء.
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف قَالَ : حَدَّثَنِي مُوسَى بْن حسن بْن مُوسَى قَالَ : سَمِعْتُ سَعِيد بْن الهَيثَم الأَيْليّ قَالَ : كنت جالسًا عند العُمَريّ وهو عَلَى القضاء فدخل إِلَيْهِ رجُلان من جِيرة مسجِد عبد الله فشهِدا عنده أن مسجِد عبد الله لعبد اللَّه بْن عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، أَنَّهُ قد رثّ واستُهدِم فأمر العُمَرِيّ ببُنيانه ، قَالَ سَعِيد : فعجِبت من قطعهما الشهادة أَنَّهُ لعبد اللَّه بْن عُمر وإنَّما هُوَ لعبد اللَّه بْن عَبْد الملك.
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف قَالَ : حَدَّثَنِي ابن قُدَيد قَالَ : فقال العُمَريّ : خذوا ألف دينار من وصيّة أَبِي نَمِر عمّ محفوظ بْن سُلَيْمَان ، وكان توفّي ذَلكَ الوقت فبنوه بها فبُني هذاالبِناء وجُعلت لَهُ حوانيت غَلَّةً لَهُ وكتب قضيَّةً بذلك : ” بسم اللَّه الرَّحْمَن الرحيم ، هذا كتاب أمر بِهِ القاضي عبد الرحمن بْن عبد الله وهو يومئذٍ يلي القضاء بين أهل مِصر فِي صفر سنة ثمان وثمانين ومائة.
بما يثبت عنده فِي المسجِد الَّذِي يقال لَهُ : مسجِد عبد اللَّه الَّذِي بالظاهر قِبْليه الطريق الأعظم إلى المسجِد الجامع وبحريّه الطريق الَّذِي يُسلَك إلى سوق بَربَر وشرقيّه السُّويقة التي يقال لها سُويقة مسجد عبد الله عَلَى طريق الموقِف وغربيّه الطريق الَّذِي يُسلَك منه عَلَى الجُبّ الَّذِي يُقال لَهُ جُبّ عبد الله ، حين رفع إلى القاضي عبد الرحمن بْن عبد الله نفَر من جِيرة هذا المسجِد أن هذا المسجد قد رثّ وخيف عَلَيْهِ لانكسار خشَبه وسقفه واحتاج إلى العِمارة والمرمَّة وأنهم قد وجدوا من احتسب فِي إِصلاحه وبِنائه وتصير حوانيت تحته فِي حقوقه لتكون غَلَّتها فِي مرمَّة ما استُهدم منه وفي زيته وحُصُره وأَجر مُؤَذِّنه وشأنه كلّه فسأَلوا القاضي عبد الرحمن بن عبد الله أن يأْذَن لهم فِي ذلك.
فدعاهم بالبيّنة عَلَى ما ذكروا ، فأقاموا بينة عُدّلوا عنده وقبِل شهادتهم فشهِدوا عند القاضي عبد الرحمن بْن عبد الله أن هذا المسجِد الموصوف فِي صدر هذا الكتاب خيف عَلَى سقفه من قِبَل خشَبه واحتاج إلى العِمارة والمرمّة فِي جُدُره وأن أجنحته التي حوله وما تحت هذا المسجِد لَيْسَ لأحدٍ فهي حقّ ، وأن الَّذِي طُلب من عِمارته وبِنائه وإِصلاحه وتصيير حوانيت تحته فِي حقوقه ومرمّة ما استَرَمّ منه وفي زيته وحُصُره وأَجر مؤذِّنه وغير ذَلكَ من نوائبه منفعة للمسلمين ممَّن صلَّى فِيهِ وأن ذَلكَ لَيْسَ بضرَر عَلَى أحد ، وبعث القاضي عبد الرحمن بْن عبد الله نفرًا ممَّن يثق بهم فنظروا إلى المسجِد الموصوف فِي هذا الكتاب فرفعوا إِلَيْهِ مثل الَّذِي شهِد بِهِ الشهود فِي هذا الكتاب.
فلمَّا ثبت عند القاضي ذَلكَ ، رأَى أن يأْذَن فِي عِمارة هذا المسجِد الَّذِي وُصف فِي هذا الكتاب وبُنيانه وإِصلاحه وتصيير الحوانيت التي أرادوها تحته فِي حقوقه لتكون غلّتها فِي مرمّته إن احتاج إليها ولما يُصلحه فِي زيته وحُصُره وأجر مُؤذّنه وغير ذَلكَ من شأنه ويكون فضلًا إن فضِل من غلَّتها فِي وجوه الخير.
ورُفع إلى القاضي عبد الرحمن بْن عبد الله ، أن هذا المسجِد الموصوف فِي هذا الكتاب قد أُصلِح وفُرغ من بُنيانه وحوانيته وأتوا بشهود يُقال لهم عَبْد الصمَد بْن سَعِيد وعمرو بْن إسماعيل بْن عُمَر الأَيْليّ ومحمد بْن سُلَيْمَان بْن محمد فشهِدوا عند القاضي عبد الرحمن بْن عبد الله أن هذا المسجِد الموصوف فِي هذا الكتاب كَانَ يُخاف عَلَى سقفه من قِبَل خشَبه واحتاج إلى العِمارة والمرّمة فِي جُدُره وأن كل ما كَانَ تحت هذا المسجِد وما فوقه والثلاثة الأَجنحة التي حوله مُلصَقة بِهِ إنَّ ذَلكَ كله من حقّ المسجِد.
وحدوده لَيْسَ لأحدٍ فِيهِ حقّ ولا دعوى ولا طِلبة بوجهٍ من الوجوه وأن المجالس التي كانت حول المسجِد خارجةً منه كَانَ يؤدّي من يجلِس فيها الكِراء إلى من يقوم بأمر هذا المسجِد أنها عَلَى حالها لم تدخُل فِي المسجِد ولا فِي حوانيته ، وعدل الشهود عند القاضي عبد الرحمن بْن عبد الله فقبِل شهادتهم وسأَل القاضي عبد الرحمن بْن عبد الله من حضره من جيرة هذا المسجِد الموصوف فِي هذا الكتاب أن يكتب لهم ما ثبت عنده فِي كُتُبًا يضَعها عند من يرى ليكون ذَلكَ حُجَّةً وقُوَّةً وأن يولّي القيام بِهِ رجُلًا من أهل الثِّقة.
فولَّى القاضي عبد الرحمن بْن عبد الله السَّكَن بْن أَبِي السَّكَن القُرَشيّ القِيام بأمر هذا المسجِد الموصوف فِي هذا الكتاب وإِكراء حوانيته وأن يُنفق من كِرائها ما رأَى فِي زينه وحُصُره وأجْر مُؤذِّنه ما يحتاج إِلَيْهِ فِي أمره كله ويُنفق بقيّةً إن بقِيَت من كِرائه حيث رأَى من وجوه الخير ، وجعله فِي ذَلكَ أمينًا وأمره بتقوى اللَّه وطاعته والعمَل فِي ذَلكَ بحقّ اللَّه عَلَيْهِ وأنفذ القاضي عبد الرحمن بْن عبد الله أن يُكْتَب هذا الكتاب نُسَخًا تكون وثيقةً فِي هذا المسجِد الموصوف فِي هذا الكتاب.
فكُتبت ، ودفع منها كِتابًا إلى عبد الله بْن وَهب بْن مُسلم القُرَشيّ وكتابًا إلى حجَّاج بْن سُلَيْمَان الحِمْيَريّ وكتابًا إلى رَبيعة بْن الوَليد الحَضْرَميّ وكتابًا إلى شُعيب بن الليث بْن سعد الفَهمِيّ وكتابًا إلى أَبِي زُرارة الليث بْن عاصم القِتْبَانيّ وكتابا إلى عَبْد الصمد بْن سَعِيد الأنصاريّ وكتابًا إلى محمد بْن سُلَيْمَان بْن فُلَيح وكتابًا إلى الأشقر عَبْد الملك بْن سالم وكتابًا إلى السكَن بن أَبِي السكن المُقيم بهذا المسجد وكتابًا إلى محمد بْن سُلَيْمَان بْن محمد بن عُبيد وكتابًا فِي ديوان القاضي عبد الرحمن بْن عبد الله.
وأشهد القاضي عبد الرحمن بْن عبد الله الشهود المسمّين فِي هذا الكتاب أَنَّهُ ثبت عنده ما فِي هذا الكتاب وأمر بِهِ وأنفذه عَلَى ما سُمّي وفُسِّر فِيهِ ، وذلك فِي صفر سنة ثمان وثمانين ومائة “.

22 / هجائيات الخولاني
عندما أحدث القاضي العمري إصلاحاته المعروفة في الفسطاط ومنها اتخاذ الأحباس أي الأوقاف وتعيين الشهود العدول وغيرها من القضايا ، تعرض بسبب ذلك لهجوم من أصحاب المصالح والذين وجدوا ضالتهم في شاعر يدعى يحيى الخولاني ، وهذا الشاعر لا يعرف له ترجمة ولم يظهر إلا في هذا الغرض ، وقد تم استغلال قضية الحرسيين للطعن على القاضي العمري وهم مجموعة من سكان الحوف الشرقي ناطقين باللغة العربية وكانوا قبل الإسلام يدينون بالمسيحية على مذهب الأقباط وأثبت القاضي العمري نسبهم إلى قبيلة قضاعة.
وقد قام الشاعر يحيى الخولاني بتصيد القاضي العمري حتى إن كل قصائده المروية عنه جاءت في هجائه في مواقف عديدة مما يدل على أنه كان مدفوعا في ذلك ، وأول هذه المواقف عندما اتّخذ القاضي من أهل المدينة من موالي قُريش والأنصار وغيرهم نحوًا من مائة كانوا يشهَدون ورئيسهم المُطْرَفيّ ، فقَالَ يحيى الخَولانيّ : كَمْ فَقِير كَانَ قَدْ مَوَّلَهُ .. بِالمَوَارِيثِ الَّتِي كَانَ مَنَحْ .. زَكَرِيَّا وَكبيشٌ مِنْهُمُ .. وَالمَدِينيُّونَ أَصحَابُ البَلَحْ .. فَأَفَادُوا الدُّورَ فَضْلًا بَعْدَ مَا .. كَلِبَ الفَقْرُ عَلَيْهِمْ وَأَلَحْ .. كَمْ يَتِيمٍ حَوَوْا أَمْوالَهُ .. وَشَهِيدٍ عَادِلٍ كَانَ جَرَحْ.
وقال يحيى الخَوْلاني يهجو العُمَريّ ويذكر أصحابه : تُصَيَّرُ أَمْوَالُ اليَتَامَى جَوائِزًا .. لِأَصْحَابِهِ حَتَّى استَقَلُّوا وَأَتْرَبُوا .. كبيشٌ وَطَلْقٌ وَالقُرَيْرِيُّ مَنْهُمُ .. وَخَالِدُ والجَعْدِيُّ ذُو الفِقْهِ أَشْهَبُ .. وَمَا ابْنُ بُكَيْرٍ دُونَهُمْ وَسُرَاقَةٌ .. وَسَابِقُ لَا تَنْسَاهُ ذَاكَ المُعَذَّبُ .. وَفِي حَكَمِ وَالمُطْرَفِيّ عَجِيبَةٌ .. وَمَا إِنْ أَبُو يَعْقُوبَ عَنْهَا مُغَيُّبُ .. وَفَي زَكَرِيَا آيَةٌ فَاعْجَبُوا لَهَا .. فَقَدْ صَارَ بَعْدَ الذُّلّ للْجَوْرِ يُرْهَبُ .. وَبَعْد قِرَانِ العُرْيِ أَصْبَحَ فَاكْتَسى .. وَبَعْدَ الخَفى والمَشْي قَدْ صَارَ يَرْكَبُ .. وَغَيْرُ الأُلى عَدَّدْتُ مِمَّنْ نَسِيتُهُ .. رِجَالٌ كَثِيرٌ مِنْهُمُ يُتَعَجَّبُ.
وعندما شهد حوي بن حوي بن معاذ العذري على صحة نسب الحرسيين بقضاعة هاجمه قائلا : يَا لَيْتَ أُمَّ حُوَيٍّ لَمْ تَلِدْ ذَكَرًا .. أَوْ لَيْتَ أَنَّ حُوَيًا كَانَ ذَا خَرَسِ .. كَسَا قُضَاعَةَ عَارًا فِي شَهَادَتِهِ .. لله درُّ حُوَيّ شَاهِدِ الحَرَسِ .. شَهَادَةٌ رَجَعَتْ لَوْ أَنَّهَا قُبِلَتْ .. لَأَلْحَق الزُّورُ مِنْهَا الْعَيْرَ بِالفَرَسِ ، وقال بعدها : وَمِنْ أَعْجَبِ الْأَشْيَاءِ أَنَّ عِصَابَةً .. مِنَ القِبْطِ فِينَا أَصْبَحُوا قَدْ تَعَرَّبُوا .. وَقالُوا أَبُونَا حَوْتَكٌ وَأَبُوهُمُ .. مِنَ القِبْطِ عِلْجٌ حَبْلُهُ مُتَذَبْذِبُ .. وَجَاءُوا بِأَجْلَافٍ مِنَ الحَوْفِ فادَّعَوْا .. بِأَنَّهُمُ مِنْهُمْ سِفَاهًا وَأَجْلَبُوا .. أَلَا لَعَنَ الرَّحمنُ مَنْ كَانَ رَاضِيًا .. بِهِمْ رَغمًا مَا دَامَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ.
وكان القاضي العمري من محبي الغناء والاستماع للمغاني فهاجمه الشاعر قائلا : مَرَّ بِنَا رَاكبٌ عَلَى فَرَسٍ .. يَا مَنْ رَأَى هِرْبَذًا عَلَى فَرَسِ .. قَدْ كَشَفَ الخُفَّ مِنْ ضَلَالَتِهِ .. فِي عُصْبَةٍ مِنْ مَسَالمِ الحَرَسِ .. يَقْدُمُهُ خَالِدٌ وَيَتْبَعُهُ لُوطٌ .. قران الْكَلْبَيْنِ فِي مَرَسِ .. فَقُلْتُ مَنْ ذَا اللَّعِين قِيلَ أَبُو .. النَّدَى غَدَا مُسْرعًا إِلَى عُرُسِ .. كيما يَرَى قَيْنَةً ذَكَرَتْ .. تَشْدُو بِصَوْتٍ يحال كالْجَرَسِ .. أَصْبَحَ فِي المُخْزِيَاتِ مُنْغَمِسًا .. وَلَيْسَ فِي غَيْرِهَا بِمُنْغَمِسِ (وقد وصفه بلقب قلطع طريق معروف وقتها يدعى أبو الندى).
ورغم انتشار الغناء والسماع بين أهل الفسطاط إلا أن الشاعر صب جام غضبه على القاضي واتثار حمية العروبة والإسلام متهما الرجل بتضيعهما فقال : أَلَا قُمْ فَانْدُبِ الْعَرَبَا .. وَبكِّ الدِّينَ وَالحَسَبَا .. وَلَا تَنْفَكَّ تَنْعَى الْعَدْل .. لَمَّا بَانَ فَاغْتَرَبَا .. لَقَدْ أَحْدَثَ قَاضِي السُّوء .. فِي فُسْطَاطِنَا عَجَبَا .. يَظَلُّ نَهَارَهُ يَقْضِي .. بِعَينِ العَدْلِ مُنْتَصِبَا .. وَيَسْهَرُ لَيْلَهُ لِسَمَاعِهِ .. القَيْنَاتِ والطَّرَبَا .. وَيَشْرَبُهَا مُعَتَّقَةً .. عُقَارًا تُشْبِهُ الذَّهبَا .. وَيُعْجِبُهُ سَمَاعُ الْعُودِ .. وَالْمِزْمَارِ يَا عَجَبَا .. فَيَا لِلنَّاسِ مِنْ قاضِي .. يُحِبُّ اللَّهْوَ وَالْلَعِبَا.
وهاجمه في إحدى أحكامه القضائية المتعلقة بمشكلة حدثت أثناء سباق للخيل بين قبيلتي مراد ويحصب عند بركة الحبش فقال : إِنْ كَانَ مُهْرُ أَخِي زَوْفٍ أَفَاتَ بِهِ .. رَيْبُ الزَّمَانِ عَلَيْهِ جَوْرُ زِندِيقِ .. فكَمْ يَدٍ لِبَني زَوْفٍ وَإِخْوَتِهِمْ .. فِي آلِ فِهْرٍ تُغِصُّ الشَّيْخَ بِالرِّيقِ .. إِنْ حاكِمٌ عُمَريٌّ جَارَ فِي فَرَس .. فَسَوْف يُرْجِعُهُ عَدْلُ ابْنِ صِدِيق (ويقصد بالعمري القاضي عبد الرحمن ويقصد بابن صديق القاضي هاشم بن أبي بكر البكري الذي تولى بعده ونقض حكمه السابق).
وقال عبد الله بْن يحربه بن فيره بن عبد الرحمن بْن مُعاوية بْن حُدَيج ليحيى مدافعا عن القاضي : طَلَبْتَ فَلَمْ تَأْلُ حُسْنَ الطَّلَبْ .. وَرُمْتَ عَظِيمًا وَلَمَّا تُصِبْ .. وَعَوَّلْتَ مَوْتًا عَلَى رَمْيِهِمْ .. بِقَوْسِ الضَّلَالِ وَنَبْلِ الكَذِبْ .. فَإِنْ كَانَ فِي فَرَسٍ عَتْبُكُمْ .. فَعِندِي لَكُمْ فَرَسٌ مِنْ قَصَبْ .. وَإِلَّا فَمُهْرٌ كَرِيمُ النِّجَارِ .. قَلِيلُ الْعِظَامِ كَثِيرُ الْعَصَبْ ، فأجابه يحيى : أَلَا أَيُّهَا الشَّاعِرُ الْمُنْتَدِبْ .. يُحَامِي عَنِ العُمَرِيِّ الْعَطَبْ .. وَرَامِي مُرَادٍ وَخَوْلَانَهَا .. بِنَيْلٍ مِنَ الجهلِ غَيْرِ الصيُّبْ .. لَعَمْرُكَ مَا أَنْقَصَ العُمَرِي بِامْرِئٍ .. مِنَ النَّاسِ إِلَّا كَرِيمَ الحَسَبْ .. مَلَا الأَرْضَ جَوْرًا بِأَحكَامِهِ .. وَأظْهَرَ فِيهَا جَمِيعَ الرِّيَبْ.
وعندما عزل القاضي العمري أشيع بين الناس أنه قد هرب فقال الشاعر متشفيا فيه : هَرَبَ الخَائِنُ لَيْلًا فَجَنَحْ .. وَأَتَى أَمْرًا قَبِيحًا فَافْتَضَحْ .. هَارِبٌ تَحْمِلُهُ نَاجِيَةٌ .. يَصِلُ الْإِدْلَاجَ عَدْوًا بِالرَّوَحْ ، ثم أشيع أنه وقع بيد الأعراب عند مدين فقال أيضا : إِنْ يَكُنْ أَفْلَتَ مِنَّا سَالِمًا .. يَوْمَ وَلَّى مُسْرِعًا حِينَ هَرَبْ .. فَلَقَدْ وَافَى بِفَيْدٍ عُصْبَةً .. يُسْعِرُونَ الْحَرْبَ حَتَّى تَلْتَهبْ.
وعندما أبطل القاضي البكري حكم القاضي العمري في قضية الحرسيين وقال لهم إن العرب لا يحتاجون إلى إثبات نسب ، قام الشاعر بنظم قصيدة تحمل كل معاني العنصرية والاستعلاء العرقي فقال : أُشْكُرُوا اللَّه عَلَى إِحْسَانِهِ .. فَلَهُ الْحَمْدُ كَثِيرًا والرُّغَبْ .. رَجَع الْقِبْطُ إلى أَصْلِهِمِ .. بَعْدَ خِزْيٍ طَوَّقُوهُ وَتَعَبْ .. وَدَنَانِيرَ رَشَوْهَا قَاضِيًا .. جَائِزًا قَدْ كَانَ فِينَا يَغْتَصِب .. أَخَذَ الأَمْوَالَ مِنْهُمْ خُدْعَةً .. وَتَوَلَّى عَنْهُمُ ثُمَّ هَرَبْ ..
أَبْلِغِ الْبَكْرِيَّ عَنِّي أَنَّهُ .. عَادِلٌ فِي الحُكْمِ فَرَّاجُ الْكُرَبْ .. قَدْ أَمَاتَ الْجَوْرَ فِينَا وَالرُّشَا .. وَأَشَاعَ الْعَدْلَ فِينَا فَرَتَبْ .. إِنَّهُ قَدْ كَانَ يَقْضِي بِالْهَوَى .. وَيبِيعُ الحُكْمَ جَوْرًا وَيهَبْ .. وَإِذَا يَخْلُوا حَسَاهَا مُزَّةً .. مِثْلَ عَيْنِ الدِّيكِ مِنْ مَاءِ الْعنَبْ .. لَمْ يُعَنْ عَاصِرُهَا فِي كَرْمِهَا .. بِسِوَى القَطْفِ وَغَمْزًا بِالرُّكَبْ .. فَأَتَتْ كالشَّمْسِ إِلَّا أَنَّهَا .. كُسِيَتْ فِي دَنِهَا لَوْنَ ذَهَبْ .. مَا كَفَتْهُ رَشْوَةٌ ظَاهِرَةٌ .. وَقَضَايَا جَوْرِكُمْ فِيهَا عَجَبْ .. أَنْ أَتَى أَعْظَمَ مَا يَأْتِي بِهِ .. أَحَدٌ أَنْ صَيَّرَا الْقِبْطَ عَرَبْ.

23 / ديوان سعيد بن عفير
عندما زار الإمام المحدث يحيى بن معين مصر قال : ” رأيت بمصر ثلاث عجائب النيل والأهرام وسعيد بن عفير ” ، ولم يكن ذلك من المبالغات وإنما نطق عن صدق لأن الشخص الذي وصفه كان أعجوبة عصره فهو فقيه ومحدث ومؤرخ وشاعر وكاتب وعالم بالأنساب وخطيب مفوه ، ولد في الفسطاط عام 146 هـ / 763 م وتوفي فيها عام 226 هـ / 840 م وتتلمذ على كل من الإمام مالك والليث بن سعد وابن لهيعة وعبد الله بن وهب ، وفوق ذلك كان أحد وجهاء مصر في زمنه حيث كان وثيق الصلة بالخلفاء والأمراء والقضاة والأعيان.
أخرج له المحدثون مرويات في الحديث النبوي الشريف وألف في تاريخ مصر وديار الإسلام في زمنه كتابا يسمى (الأخبار) نقل منه ابن عبد الحكم وابن يونس الصدفي والكندي وابن زولاق وأفرد فيه فصلا خاصا بمدينة الفسطاط وتأسيسها وتخطيطها ومعالمها وشخصياتها من الصحابة والتابعين ، وله ديوان شعر يضم عددا من القصائد الصغيرة ذات الطابع السياسي التي نظمها في الأحداث التي عاصرها وذلك لأغراض متعددة منها الوصف ومنها إعلان رأيه وموقفه ومنها نقد أو مدح لبعض رجال عصره.
وقد نبغ من أولاده وأحفاده عدد من الفقهاء والمحدثين الذين نشأوا نشأة علمية وكانوا من أعلام مصر المعروفين في زمنهم ، منهم ابنه محمد بن سعيد المتوفي عام 247 هـ وابنه أبو الحارث أسد بن سعيد المتوفي عام 260 هـ وابنه عبيد الله بن سعيد المتوفي عام 273 هـ ، ومن أحفاده أبو إسحاق إبراهيم بن عبيد الله بن سعيد المصري الصيرفي المتوفي عام 295 هـ وأبو محمد القاسم بن عبيد الله بن سعيد المتوفي عام 307 هـ وأبو عبد الله الحسين بن يزيد بن أسد بن سعيد المتوفي عام 328 هـ.
وقد حكى الحسن بن زولاق في كتابه فضائل مصر وأخبارها وخواصها قصة لقائه مع الخليفة المأمون وما دار بينهما فقال : ” قال سعيد بن عُفَير : كنت بحضرة المأمون بمصر حين قال وهو في قبة الهواء : لعن الله فرعون حين يقول { أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي } فلو رأى العراق ! فقلت : يا أمير المؤمنين لا تقل هذا فإن الله عز وجل يقول : { وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ } فما ظنك يا أمير المؤمنين بشيء دمره الله هذا بقيته ؟ ، فقال : ما قَصَّرت يا سعيد.
فقلت : يا أمير المؤمنين لقد بلغنا أن أرضاً لم تكن أعظم من أرض مصر وجميع أهل الأرض يحتاجون إليها ، وكانت الأنهار بقناطر وجسور بتقدير حتى إن الماء يجرى تحت منازلها وأفنيتها فيحبسونه كيف شاءوا ويرسلونه كيف شاءوا ، وكانت البساتين بحافتي النيل من أوله إلى آخره في الجانبين جميعا ما بين أسوان إلى رشيد إلى الشام لا تنقطع ، وكانت المرأة تخرج غير مختمرة لا تحتاج إلى خمار لكثرة الشجر ولقد كانت الأمة تضع المكتل على رأسها فيمتلئ مما يسقط من الشجر “.
وحكى القاضي عياض في كتابه ترتيب المدارك وتقريب المسالك تكملة لهذا الموقف يدل على سرعة بديهة سعيد بن عفير وجرأته في مخاطبة الخليفة فقال : ” فقال المأمون : من المتكلم ؟ ، فقيل له : سعيد بن عفير صاحب مالك ، فقال : يا سعيد ! ما تقول فيمن قال : على المشيء إلى مكة ؟ ، قال : عليه المشي ، فقال له المأمون : لقد تيس مالك في هذه المسألة.
فقال سعيد : أتيس من التيس من سمع من التيس ، يريد أن أباه الرشيد لما حلف بذلك أفتاه مالك بالمشى فمشى ، فوجم لها المأمون ، فهم كذلك إذ تشكي بعاملين ، فقال : يا سعيد ! ما تقول فيهما ؟ ، قال : غشومين ظلومين ، قال : هل غصباك شيئا أو ظلماك ؟ ، قال : لا ، قال : فكيف تشهد عليهما ؟ ، قال : كما شهدت أنك أمير المؤمنين قبل أن أراك “.
ذكره ابن يونس الصدفي في كتابه تاريخ المصريين فقال : ” سعيد بن كثير بن عفير بن مسلم بن يزيد بن الأسود (الأنصارى مولاهم المصرى) يكنى أبا عثمان دعوتهم فى موالى بنى سلمة من الأنصار ، وكان سعيد يقول : إنه من صليبة بنى تميم من بنى حنظلة بن يربوع جرى عليهم سبى فى الجاهلية فأعتقتهم بنو سلمة ذكر ذلك ابن قديد عن عبيد الله بن سعيد.
وسمعت ابن قديد يقول : كان يحيى بن عثمان بن صالح يقول : إنه مولى بنى هاشم وإنه أقرّ له بذلك ، قال ابن قديد : وأرى ذلك لأن أم سعيد بن كثير بنت الحسن بن راشد مولى بنى هاشم ، أنكر عليه أحاديث منها حديثان ما رواهما عن ابن لهيعة غيره.
وكان سعيد بن كثير من أعلم الناس بالأنساب والأخبار الماضية وأيام العرب ومآثرها ودقائقها والتواريخ والمناقب والمثالب وكان فى ذلك كله شيئا عجبا ، وكان – مع ذلك – أديبا فصيح اللسان حسن البيان حاضر الحجة لا تملّ مجالسته ولا ينزف علمه وكان شاعرا مليح الشّعر.
وكان عبد الله بن طاهر لما قدم مصر أحضر سعيدا مجلسه فأعجب به عبد الله واستحسن ما يأتى به ، وكان ممن يلى نقابة الأنصار والقسم عليهم وله أخبار مشهورة تركتها لشهرتها ، وكان غير ظنين فى جميع ذلك ولد سنة ست وأربعين ومائة توفى سنة ست وعشرين ومائتين “.
وذكره الحافظ الذهبي في كتابه سير أعلام النبلاء فقال : ” سعيد بن كثير بن عفير بن مسلم بن يزيد الإمام الحافظ العلامة الأخباري الثقة أبو عثمان المصري ، مولده سنة ست وأربعين ومائة وهو من موالي الأنصار .
سمع مالكا والليث ويحيى بن أيوب وسليمان بن بلال وعبد الله بن لهيعة ويعقوب بن عبد الرحمن وعدة ، حدث عنه البخاري وابن معين وعبد الله بن حماد الآملي ويحيى بن عثمان بن صالح وأحمد بن حماد زغبة وأبو الزنباع روح بن الفرج وأحمد بن محمد الرشديني وآخرون ، وأخرج له مسلم والنسائي بواسطة ، وكان ثقة إماما من بحور العلم.
قال ابن عدي : هو عند الناس ثقة .. وقال أبو حاتم : كان يقرأ من كتب الناس وهو صدوق ، وقال يحيى بن معين : رأيت بمصر ثلاث عجائب : النيل والأهرام وسعيد بن عفير ، قلت : حسبك أن يحيى إمام المحدثين انبهر لابن عفير “.
أما قصائده الشعرية فهي سجل تاريخي بالأحداث التي عاشها الشاعر ، وكان أولهاعام 168 هـ عندما قتل الوالي موسى بن مصعب الخثعمي بعد هزيمته أمام الثائر الأموي دِحْية بْن مصعَب بْن الأصبغ بْن عَبْد العزيز بْن مَرْوان بالصعيد فقال ابن عفير يذكر أهل الحوف بخذلانهم للوالي : أَلَمْ تَرَهُمْ أَلْوَتْ بِمُوسَى سُيُوفُهُم .. وَكَانَتْ سُيُوفٌ لَا تَدِينُ لِمُتْرَفِ .. فَمَا بَرِحَتْ فِيهِ تَعُودُ وَتَبْتَدِي .. إِلَى أَنْ تَرَوى مِنْ حمام مدنّفِ .. فَأَصْبَحَ مِنْ مِصْرٍ وَمَا كَانَ قَدْ حَوَى .. بِمِصْر مِنَ الدُّنْيَا سَلِيبًا بِنَفْنَفِ .. وَلكِنَّ أَهْلَ الحَوْفِ لِلهِ فِيهِمِ .. ذَخَائِرُ إِنْ لَا يُنْفِدِ الدَّهْرُ تُعْرَفِ.
وفي عام 190 هـ ينتقد الشاعر والي مصر من قبل هارون الرشيد وهو الحسين بن جميل حيث عرض به وبرجال شرطته كامل الهُنائيّ ومُعاوية بْن صُرَد فقال : مَا كُنْتُ أَحْسَبُ أَنَّ الحِين يَجْمَعُ مَا .. أَمْسَى بِمِصْرَ مِنَ الأَنْذَالِ فِي الإِمَرِ .. أَمَّا الأَميرُ فَحَنَّاجٌ وَصَاحِبُهُ .. عَلَى الخَرَاجِ سَوَادِيٌّ مِنَ الأُكَرِ .. هذا الهْنَائِي مِنَ الفُسْطَاطِ يَخْلُفُهُ .. والْعَامِليُّ عَلَى أَعْمَالِهِ الْأُخَرِ .. كُلٌّ لِصَاحِبِهِ شِكْلٌ يُلَايِمُهُ .. فَهُمْ سَوَاسِيَةٌ فِي اللُّؤْمِ كالحُمُرِ .. وَمَا هُنَاءَةُ إِلَّا ظَلْفُ ذِي يَمن .. وَالْبَاهِليُّونَ مَأْوَى اللُّؤْمِ مِنْ مُضَرِ .. فَمَا يَسُوغُ لَنَا عَيْشٌ فَيَنْفَعَنَا .. مَعْ مَا نَرَى لَهُمُ مِنْ رِقَّةِ الخَطَرِ.
وفي عام 196 هـ ، قام عرب الحوف الشرقي بمناصرة الأمين ضد والي مصر عباد بن محمد بن حيان المعين من قبل المأمون وقام زعيمهم يزيد بن الخطاب بن طلاب الكلبي بمهاجمة حاكم المحلة في الدلتا وهو إبراهيم بْن حُوَيّ بْن مُعاذ العُذْريّ وقتله ، فاستنكر الشاعر ذلك لأنهم جميعا من عرب اليمن فقال مخاطبا يزيد : قَتَلُوا ابنَ سَيِّدِهِمْ وَفَارِسَ حِزْبِهِمْ .. عَنْ غَيْرِ نائِرَةٍ وَلَا أَجْرَامِ .. أَضْحَتْ قُضَاعَةُ قَدْ عَلَتْهَا كَأْبةٌ .. وَبَنُو الحرس سَوَافِرَ الإِظْلَامِ .. فَلَئِنْ قُضَاعَةُ لَمْ تُطَالِبْ ثَأْرَةً .. بِكَتِيبَةٍ خَشْنَاءَ ذَا غَرَامِ .. مَا فِي قُضَاعَةَ بَعْدَهَا ما يُرْتَجَى .. لِلنَّائِبَاتِ وَمَا هُمُ بِكِرامِ.
وفي عام 198 هـ قام هبيرة بن هاشم بن حديج زعيم قبيلة تجيب بإخفاء إبراهيم بن نافع الطائي الذي كان من معارضي الوالي المطلب بن عبد الله الخزاعي ثم قام بتهريبه إلى الصعيد رغم خطورة ذلك ، فمدحه الشاعر بقوله : لَعَمْرِي لَقَدْ أَوْفَى وَفَاقَ وَفَاؤُهُ .. هُبَيْرَةُ فِي الطَّائي وَفَاءَ السَّمَوأَلِ .. وَقَاهُ المَنَايَا إِذْ أَتَاهُ بِنَفْسِهِ .. وَقَدْ بَرَقَتْ فِي عَارِضٍ مُتَهَلِّلِ .. فَمَا انْفَكَّ مَحْبُوسًا وَمُطَّلِبٌ لَهُ .. عَلَيْهِ قَصِيفٌ بِالْوَعِيدِ المُهَوِّلِ .. فَمَا زَادَهُ إِلَّا بِعَادًا تَوَقُرًا .. وَصَبْرًا وَلَمْ يَخْشَعْ وَلَمْ يَتَفَكَّلِ .. إِلى أنْ تَجَلَّتْ عَنْهُ أَبْيَضَ مَاجِدٍ .. كَرِيمِ النَّثا فِي المَشْهَدِ المُتَدَخَّلِ.
وفي عام 199 هـ قتل أَبُو بِشْر الْحَسَن بْن عُبيد بْن لُوط بن عُبيد بْن عارب الأنصاريّ على يد الجند بتحريض من الوالي المطلب بن عبد الله الخزاعي لخوفه من قيامه بالانقلاب عليه فقال الشاعر يذمّ مُطّلِبًا فيما فعل : أَرَى كُلَّ جَارٍ قَدْ رَمَى بِجِوَارِهِ .. وَخَانَ أَبَا بِشْرٍ جِوَارُ ابن مَالِكِ .. أمُطّلِبٌ هَلَّا مَنَعْتَ ابْنَ غَادِرٍ .. وأَذَّيتَهُ قبْل انْسِدَادِ المسَالِكِ .. فَيَأْخُذَ حَبْلًا منْ سِوَاكَ بِعِزَّةٍ .. وَيمنَعُهُ مِنْ كُلِّ طبْلٍ ومالِكِ .. كَحَبْلِ نُوَيّ أَوْ كَحَبْلِ ابْنِ قَحْزَمٍ .. وَثِيقَ العُرَى لِلْمِعْصَمِ المُتَمَاسِكِ ، وقال أيضًا : أَخْبِرْ بَنِي قَحْطَانَ فِي مِصْرَ أَنَّني .. رأَيْتُهُمُ لَا يَحْفَظُونَ لَهُمْ إِصْرا.
وفي عام 200 هـ تحالف السري بن الحكم زعيم الجند الخراسانية وعبد العزيز بن وزير الجروي زعيم عرب الحوف ضد الوالي المطلب الخزاعي فأرسل لهم جيشا بقيادة هبيرة بن هاشم بن حديج لكنه هزم وقتل ، وقد حزن عليه الطرفان لسابق إحسانه في الجميع فقال الشاعر في ذلك : لَعَمْري لَقَدْ لَاقى هُبَيْرَةُ حَتْفَهُ .. بِأَفْضَلَ مَا تُلْقَى الحُتُوفُ السَّوَارِعُ .. بِأَنْفٍ حَمِيٍّ لَمْ تُخَالِطْهُ ذِلَّةٌ .. وَعِرْضٍ نَقيٍّ لَمْ تَشِنْهُ المَطَامِعُ .. عَشيَّةَ يَسْتَكْفِيهِ مُطَّلِبُ الَّذي .. بِهِ ضَاقَ ذَرْعًا والْمَنَايَا كَوَارِعُ.
فَمَا انْفَكَّ يَحْمِيهِ وَيَجْعَلُ نَفْسَهُ .. لَهُ جَنَّةً حَتَّى احْتَوَتْهُ المَصَارِعُ .. فَلَاقَى الْمَنَايَا فَوْقَ أَجْرَدَ سَابحٍ .. وَفِي الكَفِّ مَأْثُورٌ مِنَ الهِنْدِ قَاطِعُ .. فَبَيْنَا يخُوضُ الهَوْلَ مِنْ غَمَرَاتِهِ .. أَعْدَاؤُهُ مِنْ حَوْلِهِ قَدْ تَجاشعُوا .. تَقَطَّرَ فِي أُهْوِيَّةٍ عَنْ جَوَادِهِ .. فَصَادَفَهُ حَيْنٌ مِنَ المَوْتِ وَاقِعُ .. فَلَمْ أَرَ مَقْتُولًا أَجَلَّ مُصَابُهُ .. عَلَى مَنْ يُعَادِي وَالَّذِينَ يُجَامِعُ .. مِنَ ابْنِ حُدَيْجٍ يَوْمَ أَعْلَنَ نَعْيَهُ .. وَقَامَ بِهِ فِي النَّاسِ رَاءٍ وَسَامِعُ .. فَوَلَّوْا فُلُولًا قَدْ عَلَتْهُمْ كآبَةٌ .. وَكلُّهُمُ بَادِي التَّلَهُّفِ جَازِعُ.
وفي نفس العام ثار الأندلسيون وقبيلة لخم بالإسكندرية وقتلوا واليها عُمَر بْن عَبْد الملك بْن محمد بْن عبد الرحمن بن مُعاوية بْن حُدَيج والمعروف بلقب ابن هلال فقال الشاعر يرثيه ويثني على شجاعته : لَا يَبْعَدَنَّ ابْنُ هَلَّالٍ فَقَدْ ذَهَبَتْ .. مِنْهُ المَنُونُ بِعِلْمٍ طَيِبِ النَّسَمِ .. لَا يَرْأَمُ الضَّيْمَ مِنْ حُبِّ الحَيَاةِ وَلَا .. يَقْبَلُ دُونَ فِعَالِ الخَيْرِ بِالقِسَمِ .. وَلَا يَزَالُ لَهُ مِنْ مَجْدِهِ طَرَفٌ .. يَسْنُدُ مَا حَازَ عَنْ آبَائِهِ القَدَمِ .. مَا انْفَكَّ يَحْمِي ذِمَارَ اسكنْدَرِيَّةَ فِي .. هَدْءٍ حَمِيدٍ وَعِزٍّ غَيْرِ مُهْتَضَمِ .. حَتَّى إِذَا جَاءَهُ مَنْ كَانَ يَأْمَنُهُ .. وَصَرَحَ الموْتُ جَهْرًا غَيْرَ مُكْتَتِمِ .. خَاضَ الأَسِنَّةَ واهتدى مُحْتَسِبًا .. حَتَّى تَجَرَّعَ كَأْسَ الموْتِ مِنْ أَمَمِ.
وفي عام 201 هـ فشل حاكم الدلتا عبد العزيز الجروي في استعادة الإسكندرية من الأندلسيين الذين تقاطروا عليها من البحر ، فقال الشاعر معاتبا الجروي : أَلَا مَنْ مُبْلِغُ الجَرَويِّ عَنِّي .. مُغَلْغَلَةً يُعَاتِبُ أَوْ يَلُومُ .. أَقَمْتَ تُنَازِلُ الْأَبطَالَ حَتَّى .. تَمَيَّزَ ذُو الْحَفِيظَةِ وَالسَّئُومُ .. وَصُلْتَ بِهِمْ فَمَا وَهَنَتْ قُوَاهُمْ .. وَطَيْرُ الْمَوْتِ دَائِرَةٌ تَحُومُ .. ولَوْ هَجَمَتْ جُموعُكَ حِينَ حَلُّوا .. عَلَيْهِمْ بَادَ جَمْعُهُمُ المُقِيمُ .. وَكَيْفَ رَأَيتَ دَائِرَةَ التَّوَانِي .. أَتَتْكَ بِصَحْوِ نَحْسٍ لَا يُقِيمُ .. أَتَاكَ وَقَدْ أَمِنْتَ وَنَمْتَ كَيْدًا .. لِصِلٍّ لَا يَنَامُ وَلَا يُنِيمُ.
وفي عام 205 هـ تدور الحرب بين علي بن عبد العزيز الجروي الذي خلف أباه في حكم الدلتا ضد أبي نصر بن السري بن الحكم الذي خلف أباه في حكم الصعيد والفسطاط ، وكانت البلاد مقسمة بينهما كأمر واقع حيث كان كلاهما من أنصار المأمون فأقرهما على ذلك مضطرا ، لكن ابن الجروي يفشل في مطاردة خصمه والظفر به وفي ذلك يقول الشاعر : أَلَا مَنْ مُبْلِغٌ عَنِّي عَليًّا … رِسَالَةَ مَنْ يَلُومُ عَلَى الرُّكُوكِ .. عَلَامَ حَبَسْتَ جَمْعَكَ مُسْتَكِفًّا .. بِشَطّ يَنُوفَ فِي ضَنْكٍ ضَنيكِ .. وَقَدْ سَنَحَتْ لَكَ الغُفْرَانُ مِمَّنْ .. رَمَالكَ بِجَيْشِهِ الْوَهْنِ الرَّكِيكِ أَمِنْ بُقْيَا لِمَنْ لَا يَرَاهَا .. عِنْدَ فُرْصَتِهِ عَلِيكِ.
وفي عام 206 هـ أرسل المأمون جيشا من قبيلة ربيعة بقيادة خالد بن يزيد بن مزيد الشيباني لإنهاء هذه الفوضى حيث نزل عند دَمَنْهُور وشبرا ودارت المراسلات بينه وبين عبيد الله بن السري الذي احتج بأنه يملك كتابا من المأمون بولايته ، ورأى سعيد بن عفير أن يتم تجنب القتال حتى تتم مراسلة الخليفة في بغداد وقال في ذلك : يَا أَيُّهَا المُتحَارِبَان وَإِنَّمَا .. دَعْوَاهُمَا الْمَأْمُونُ فِي الصَّدَقَاتِ .. هَلْ تَرْجِعَانِ إِلَى التَّقِيَّةِ والتُّقَى .. وَتُتَارِكَانِ تَغَاوُرَ الْغَارَاتِ .. حَتَّى يَجِيءَ مِنَ الخَلِيفَةِ أَمْرُهُ .. فَيَمِيزَ بَيْنَ الحَقِّ والشُّبُهَاتِ.
وفي عام 208 هـ يتجدد الصراع بين الوالي عبيد الله بن السري وحاكم الدلتا علي بن الجروي ويهزم فيها الأخير ويرحل إلى الفرما فقال الشاعر معرضا به : أَلَا يَا عَلِيَّ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ .. إِلَى أَيْنَ صِرْتَ تُرِيدُ الفِرَارَا .. فَلَسْتَ بِأَوَّلِ مَنْ كَادَهُ .. عَدُوٌّ فَكَرَّ عَلَيْهِ اعْتِكَارَا .. وأَجْرُ مَصِيرِكَ أَنْ يَسْحَبُوا .. إِلَيْكَ فُتُوحًا عِظَامًا كِبَارَا .. فَتُدْرِكُ ثَأْرَكَ مِنْ أَهْلِهِ .. وَتَلْبَسُ بَعْدَ الكُبُوِّ القَسَارَا.
وفي عام 214 هـ يقتل الوالي عمير بن الوليد على أيدي عرب الحوف والذين ثاروا بقيادة عَبْد السلام بْن أَبِي الماضي الجذامي زعيم اليمانية وعبد الله بن حُلَيس الهِلاليّ زعيم القيسية ، ورثاه الشاعر بقوله : سَاقَتْ عُمَيْرَ إِلَى مَصر مَنِيَّتُهُ .. بِإِمْرَةٍ لَمْ يَكُنْ فِيهَا بِمَسْعُودِ .. حَتَّى أَتَتْهُ المَنَايَا وَهْوَ مُلْتَحِفٌ .. ثَوْبَيْنِ مِنْ حِبَرَاتِ البَأْسِ وَالجُودِ .. فَاذْهَبْ حَمِيدًا فَلَا تَبْعَدْ فكُلُّ فَتًى .. يَوْمًا وإِنْ كُرِيَتْ أَفْعَالُهُ يُودِي.

24 / ديوان المعلي الطائي
المعلي بن العلي الطائي هو شاعر مصري من أبناء قبيلة طيء العربية القحطانية عاصر كلا من أبي نواس عندما جاء إلى مصر وأبي تمام عندما كان مقيما في الفسطاط ، وهو متقلب المزاج حاد في شعره الذي غلب عليه العصبية القبلية عندما يمدح الولاة ويؤجج بشعره المعارك ويستثير الهمم ، وفي نفس الوقت هو رقيق المشاعر في رثائه جاريته وصف التي عشقها واشتهرت قصته معها ، ثم بعد ذلك يعتزل الشعر ويتفرغ للعبادة حتى وفاته.
وقد ذكره ابن عبد ربه في كتابه العقد الفريد فقال : ” من رثى جاريته .. كان لمعلى الطائي جارية يقال لها وصف وكانت أديبة شاعرة ، فأخبرني محمد بن وضّاح قال : أدركت معلّى الطائي بمصر وأعطي بجاريته وصف أربعة آلاف دينار فباعها ، فلما دخل عليها قالت له : بعتني يا معلّى ! قال : نعم ، قالت : والله لو ملكت منك مثل ما تملك مني ما بعتك بالدنيا وما فيها ! فردّ الدنانير واستقال صاحبه ، فأصيب بها إلى ثمانية أيام فقال يرثيها :
يا موت كيف سلبتني وصفا .. قدّمتها وتركتني خلفا .. هلّا ذهبت بنا معا فلقد .. ظفرت يداك فسمتني خسفا .. وأخذت شقّ النفس من بدني .. فقبرته وتركت لي النّصفا .. فعليك بالباقي بلا أجل .. فالموت بعد وفاتها أعفى .. يا موت ما أبقيت لي أحدا .. لمّا رفعت إلي البلى وصفا .. هلّا رحمت شباب غانية .. ريّا العظام وشعرها الوحفا.
ورحمت عيني ظبية جعلت .. بين الرّياض تناظر الخشفا .. تغفي إذا انتصبت فرائصه .. وتظل ترعاه إذا أغفى .. فإذا مشى اختلفت قوائمه .. وقت الرضاع فينطوي ضعفّا .. متحيرا في المشي مرتعشا .. يخطو فيضرب ظلفه الظّلفا .. فكأنها وصف إذا جعلت .. نحوي تحير محاجرا وطفا .. يا موت أنت كذا لكلّ أخي .. إلف يصون ببرّه الإلفا .. خلّيتني فردا وبنت بها .. ما كنت قبلك حاملا وكفا.
فتركتها بالرغم في جدث .. للرّيح تنسف تربه نسفا .. دون المقطّم لا ألبّسها .. من زينة قرطا ولا شنفا .. أسكنتها في قعر مظلمة .. بيتا يصافح تربه السّقفا .. بيتا إذا ما زاره أحد .. عصفت به أيدي البلى عصفا .. لا نلتقي أبدا معاينة .. حتى نقوم لربّنا صفّا .. لبست ثياب الحتف جارية .. قد كنت ألبس دونها الحتفا .. فكأنها والنفس زاهقة .. غصن من الرّيحان قد جفّا .. يا قبر أبق على محاسنها .. فلقد حويت البر والظّرفا “.
وذكره ابن المعتز في كتابه طبقات الشعراء فقال : ” أخبار المعلى الطائي .. حدثني ابن أبي فنن قال : كان المعلى الطائي يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة وكان من أقنع الناس ، وقال يوماً : يكفيني في كل سنة خمسون درهماً فضة ، فتعجب من ذلك بنوه.
وكان لا يغتاب أحداً ولا يتكلم فيه وكان أعف الناس فرجا وأصدقهم لساناً ، وكان من قبل هذه الحال يتعاطى الفتوة والشطارة ويطلب ويعبث ويفسد ويقطع ويشرب الخمر ثم تاب وصار بالصفة التي وصفناها ، ومما رويناه له قبل التوبة ولكن كان كف عن الفساد الفاحش قوله في مدح المطلب بن عبد الله الخزاعي :
يا شاهر السيف إلى فتنه .. يؤوب مسعاها إلى فوتِ .. اخطُبْ إلى مطلبٍ ضربةً .. إن كنت مشتاقاً إلى الموتِ .. ترى فتى يروي القنا من دمٍ .. يكسوك منها خلعة الفوت .. إذا انتضى أسيافه سخطة .. عجّلن عن سوف وعن ليت.
وله أيضاً : لقد سعدت عيني بوجه كريمةٍ .. وإن كان في غب السرور بها حتفي .. فإن مت من شوق إلى عودِ نظرة .. فحسبي من دنياي ما ناله طرفي .. إذا سمعت أذناي منطق عودها .. وأفصحت الأوتار عنها بما تخفي .. وغنت كصوت الصنج تحت لهاتها .. تجاوبه النايات في نغم الأنف .. فيجمع بين الرجز والشج حذقها .. وتسكت من غنجٍ على مقطع الحرف .. موردة الخدين مهضومة الحشى .. معقربة الصدغين فاترة الطرف .. تقمَّص أثواب الرجال تمرداً .. وتأنف من لبس القلادة والشنف.
وهو حسن الشعر مليحه ولما تاب ترك الشعر ، وكان يقال له : لم لا تقوله وأنت نسيج وحدك ؟ فيقول : قد أبدلني الله تلاوة كتابه ، وما قال بعد ذلك شعراً حتى مات “.
أما أشعاره في السياسة والحرب فقد كانت خير تعبير عن رأيه الشخصي في الأحوال المضطربة في تلك الفترة وتدل على أن الشاعر كان مشاركا في الأحداث ولم يكن يطلب العطاء من الولاة الذي مدحهم وإنما يقول الشعر فيهم واصفا أفعالهم وما تمليه ضرورات اللحظة من كلمات ، وتعد قصائده سجلا تاريخيا لما عاصره من أحداث طوال عشرين عاما (عهد الأمين والمأمون).
وعندما نجح الوالي المطلب الخزاعي في قمع ثورة القبائل قال في مدحه : كَفَاهُمْ مِنَ الْعَبَّاسِ مَا لَوْ عنوا بِهِ .. لا حيا لهم بْن حور فرعول .. فَمَنْ مُبْلغُ الْمأْمُونِ عَنِّي نَصِيحَةً .. وَمَا عَالِمٌ شَيْئًا سَوَاءٌ وَمَنْ جَهِلْ .. بِأَنَّ ابْنَ عَبْدِ اللَّه لَولَا مكانُهُ .. فَعُرِفْتَ لِلْعَبَّاسِ دَاهِيَةً جَلَلْ.
وقال في مدح سليمان بن غالب البجلي عندما انتصر على السري بن الحكم : إذَا شَنَّ فِي أَرْضٍ سُلَيْمَان غارةً .. أَثَارَ بِهَا نَقْعًا كَثِيرَ المَصَائِبِ .. أَلَمْ تَرَ مِصرًا كَيْفَ دَاوَى سَقِيمَهَا .. عَلَى حِينِ دَانَتْ لِلْعَدُوِّ المُنَاصِبِ .. حَماهَا وَلَوْلَا مَا تَقَلَّدَ أَصْبَحَتْ حَبِيسًا .. عَلَى حُكْمِ القَنَا والْمقانِبِ.
وعندما هزم ميمون بن السري أمام جيش الجروي وقتل قال فيه : لَوْ رد غَرْبَ مَنِيَّةٍ بِشَجَاعَةٍ .. أَحَدٌ لَدَافَعَ رُكْنَهَا مَيْمُونُ .. لَوْ كَانَ تَجْرِيدُ السُّيُوفِ يَرُدُّهَا .. لَحَمَاهُ مِنْهَا مُنْصُلٌ وَثَمِينُ .. مَا زِلْتُ أَطْمَعُ فِي رُجُوعِكَ سَالِمًا .. وَيَرُوعُنِي شَفَقًا عَلَيْكَ ظُنُونِي .. فَليُفْجَعَنَّ غَدًا بِقَتْلِكَ طَاهِرٌ .. وَلْيفْجَعَنَّ بِقَتْلكَ الْمَأْمُونُ.
وعندما تحالفت قبيلة بني مدلج مع أقباط سخا ضد حاكم الدلتا عبد العزيز الجروي وانتصر عليهم قال في ذلك : فَقُلْ لِأَمِيرِ المُؤْمِنيِنَ نَصِيحَةً .. وَمَا حَاضِرٌ شَيْئًا كَآخَرَ غَائِبِ .. لَقَدْ حَاطَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بِسَيْفِهِ .. وَلَوْلَاهُ كُنَّا بَيْنَ قِتْلٍ وَنَاهِبِ.
وعندما انتصر الوالي السري بن الحكم على الثائر سلامة بن الملك الطحاوي قال في ذلك : أَرَادَ الطَّحَاوِيُّ الَّتي لَا شَوَى لَهَا .. فَأَوْقَدَ نَارًا كَانَ بِالنَّارِ صالِيَا .. ودَبَّ لِأَقْطَارِ البِلَادِ بِفِتْنَةٍ .. فَجَاشَتْ بِسُقْمٍ لَا يُجِيبُ المُدَاوِيَا .. وَرَاسَلَهُ مَنْ كَانَ يَحْفَى بِفَاقَةٍ .. وَأَصْبَحَ ذا مَيْلٍ إِلَيْهِ مُمَاليَا .. جَنَتْ مَا اسْتَحَقَّ القَتْلَ يا صَاحِ كَفُّهُ .. وَكُلُّ امْرِئٍ يُجْزَى بِمَا كَانَ جَانِيَا
وعندما انتصر الوالي خالد بن يزيد بن مزيد الشيباني على عبيد الله بن السري عند شبرا دمنهور بالقرب من القاهرة ، قال : فَيَا مَنْ رَأَى جَيْشًا مَلَا الأَرْضَ فَيْضُهُ .. أَطَلَّ عَلَيْهِمْ بِالْهَزِيمةِ وَاحِدُ .. تَبَوَّأ دَمَنْهُورًا فَدَمَّرَ جَيْشَهُ .. وَعَرَّدَ جَيْشُ اللَّيْلِ وَاللَّيْلُ رَاكِدُ.
وعندما انسحب علي بن الجروي عند ناهيا بالجيزة وترك الوالي خالد بن يزيد وحده في المعارك قال أيضا : سَلَا خَالِدًا لَمَّا انْجَلَى عَنْهُ شَكُّهُ .. وَأَسْلَمَهُ فِي عُدْوَةِ البَحْرِ خَاذِلُهُ .. فَزَالَتْ أَمَانِيهِ غَدَاةَ سَمَا لَنَا .. بِعَارِضِ جَيْشٍ يَمْطُرُ المَوْتَ وَابِلُهُ ..
وعندما انتصر عبيد الله بن السري على خالد بن يزيد وأسره قال : أَلَا لَا أَرَى خَيْلًا أَضَرَّ لَهُ الْوَغَى .. وَأَجْبَنَ فِي الهَيْجَاء مِنْ خَيْل خَالِدِ .. وَقُوَّادُهُ أَشْرَارُ كُلِّ قَبِيلَةٍ .. تَمَالَوْا عَلَى إِسْلَامِهِ فِي الشَّدَائِدِ .. فَمَا أَسَرُوا مِنْه جَبَانًا مُعَضِّدًا .. وَلَكِنْ أَبَا شِبْلَيْنِ عَبْلَ السَّوَاعِدِ .. فَإِنْ يَقْتُلُوهُ يَقْتُلُوا مِنْهُ سَيدًا .. شُجَاعًا جَوَادًا مَاجِدًا وابْنَ مَاجِدِ .. وإِنْ كَفَفُوا عَنْ قَتْلِهِ فَهْيَ مِنَّةٌ .. لِآلِ سَرِيٍ فِي مَنَاطِ الْقَلَائِدِ.
وعندما دارت الحرب بين علي بن الجروي وعبيد الله بن السري بين المحلة الكبرى وقرية بلقينة وفر الجروي من المعركة قال يعاير ابن الجروي : أَلَا هَلْ أَتَى أَهْلَ الْعِرَاقَيْنِ وَقْعَةٌ .. لَنَا بِحِمَى بُلْقِينَ شَيَّبَتِ الوُلْدَا .. وَمَا كَانَ مِنَّا قَتْلُهُمْ عَنْ جَهَالَةٍ .. خَطَاءً وَلكِنَّا قَتَلْنَاهُمُ عَمْدَا .. وَلَمَّا تَبَيَّنْتَ الْمَنِيةَ فِي الْقَنَا .. نَكَصْتَ تُنَادِي حِينَ ضَلَّ النِّدَا سَعْدَا .. فَوَلَّيْتَ عَنْ رَبْعِ الْمَحَلَّةَ هَارِبًا .. عَلَى أَبْلَهٍ مَا تَرْكَبُ الْجَوْرَ والقَصْدَا .. فكَيْفَ رَأَيْتَ اللَّه أَنْزَلَ نُصْرَةً .. عَليْنَا وَوَلَّاكَ المَذَلَّةَ وَالطَّرْدَا .. سَنُهْدِي إِلَى المأْمُونِ مِنَّا نَصَائِحًا .. نُضَمِّنُهَا طَيَّ الصَّحَائِفِ وَالْبُرْدَا .. بِفِعْلِ عَلِيّ وَالَّذِي كَانَ مُجْمِعًا .. عَلَيْهِ بِإِظْهَارِ الخِلَافَ الَّذِي أَبْدَا.
وعندما انتصر ابن السري مرة أخرى على ابن الجروي عند شطنوف قال : أَلَمْ تَرَ خَيْلَهُ صَبَحَتْ عَلِيًّا .. تُدِفُّ عَلَى مَنَاسِجِهَا النِّسَاعَا .. فَوَلَّى عَنْ عَسَاكِرِهِ وَخَلَّى .. عَلَى الأَسَلِ المَدَائِنَ وَالرِّبَاعَا .. وَلكِنْ فَاتَ فَوْقَ أَقَبَّ نَهْدٍ .. كَرَجْعِ الطَّرْفِ لا تَخْشَى اصْطِلَاعَا .. فَحَسْبُكَ أَنَّ قَوْمَكَ مِنْ جَذَامٍ .. وَسَعْدٍ لَا لَهُمُ اجْتِمَاعَا .. دَعَتْهُمْ طَاعَةٌ لَكَ فَاسْتَجَابُوا .. وَمِنْ عَجَبٍ لِمِثْلِكَ أَنْ يُطَاعَا.
وفي عام 214 هـ قام القائد أبو إسحق بن هارون بقمع ثورة القبائل في الحوف الشرقي وقبض على زعيم العرب القيسية عبد الله بْن حُلَيس الهلالي وزعيم العرب اليمانية عبد السلام بْن أَبِي الماضي الجروي الجذامي وقتلهما وصلبهما في الفسطاط ، ونتج عن ذلك انتفاض القبائل العربية مع القبط بعد سنتين فيما عرف باسم ثورة البشموريين الكبرى ، وقد ذكر المعلي في شعره مقتل الرجلين ثم كان آخر عهده بالشعر.
قال : إِنَّ الحُلَيْسِيَّ غَدَا سَابِقًا .. فِي حَلْبَةِ الْجِسْرَيْنِ قَدْ قصَّبَا .. عَلَى طِمِرٍ مَا لَهُ أَرْجُلٌ .. مِنْ صَنْعَةِ النَّجَّارِ قَدْ شُذِّبَا .. وَلَيْسَ يَدْرِي عِنْدَ إِلْجَامِهِ .. مَنْ أَثْفَرَ الطِّرْفَ وَمَنْ لَبَّبَا .. مُسَمَّرُ الخَلْقِ أَمُونُ الشَّوَى .. يَأْنَفُ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَشْرَبَا .. وَلَوْ سَرَى لَيْلَتَهُ كُلَّهَا .. مَا جَاوَزَ الْجِسْرَ وَلَا قَربَا .. لَوْ كانَ مِنْ بَعْضِ نَخيل القُرَى .. كَانَ أَبُو القَاسِمِ قَدْ أَرْطَبَا .. كَسَا أَبُوا إِسْحَاقَ أَوْدَاجَهُ .. أَبْيَضَ لَا يَعْتِبُ مَنْ أَغْضَبَا .. وَقَدْ سَقى عَبْدَ السَّلَامِ الرَّدَى .. فَكَيْفَ بِاللهِ إِذَا جَرَّبَا.
ومن سوءاته في الشعر تلك الأبيات التي قالها في قضية انتساب الحرسيين إلى قضاعة وتنم عن العنصرية الشديدة وفحش القول عنده حيث قال : يابَنِي الْبَظْرَاءِ مُوتُوا كَمَدًا .. وَاسْخَنُوا عَيْنًا بِتَخْرِيقِ السِّجِلْ .. لَوْ أَرَادَ اللَّه أَنْ يَجْعَلَكُمْ .. مِنْ بَني الْعَبَّاسِ طُرًّا لَفَعلْ .. لكِنِ الرَّحمنُ قَدْ صَيَّرَكُمْ .. قِبْطَ مِصرٍ وَمِنَ الْقِبْطِ سِفَلْ .. كَيْفَ يَا قِبْطُ تَكُونُوا عَرَبًا .. وَمَرِيسٌ أَصْلُكُمْ شَرٌّ الْجِيَلْ.
وذكره الخطيب البغدادي في كتابه تاريخ بغداد وذلك في ترجمة القائد عبد الله بن طاهر حيث كان له موقف شهير بينه وبين الشاعر فقال : ” أَخْبَرَنَا أبو الفرج أَحْمَد بن عمر الغضاري أخبرنا جعفر بن محمد بن نصير الخلدي حدّثنا أحمد بن محمّد بن مسروق حدّثني عبيد الله بن فرقد أَخْبَرَنِي مُحَمَّد بن الفضل بن مُحَمَّد بن منصور قَالَ :
لما افتتح عبد اللَّه بن طاهر مصر ونحن معه سوغه المأمون خراجها سنة فصعد المنبر فلم ينزل حتى أجاز بها كلها ثلاثة آلاف ألف دينار أو نحوها ، فقبل أن ينزل أتاه معلى الطائي وقد أعلموه ما صنع عبد اللَّه بن طاهر بالناس في الجوائز وكان عليه واجدًا فوقف بين يديه تحت المنبر فَقَالَ : أصلح اللَّه الأمير أنا معلى الطائي ما كان مني من جفاء وغلظة فلا يغلظ عليَّ قلبك ولا يستخفنك ما قد بلغك ، أنا الذي أقول:
يا أعظم الناس عفوًا عند مقدرة .. وأظلم الناس عند الجود للمال .. لو يصبح النيل يجري ماؤه ذَهبًا .. لَما أشرت إلى خزن بمثقال .. تعني بما فِيهِ رق الحمد تملكه .. وليس شيء أعاض الحمد بالغالي .. تَفُك باليسر كُفَّ الْعُسْر من زمن .. إذا استطالَ عَلَى قوم بإقلال .. لَمْ تُخْلِ كفَّكَ من جود لمختبط .. أو مرهف قاتل فِي رأس قتَّال .. وما بثثت رَعيل الخيل فِي بلد .. إلا عصفن بأرزاق وآجال .. هَلْ من سبيل إلى إذن فقد ظمئت .. نفسي إليك فما تروى إلى حال .. إن كنت منك عَلَى بال مننت بِهِ .. فإن شكرك من حمدي عَلَى بال .. ما زلتُ مُقتضيًا لولا مجاهرة .. من ألسن خُضْنَ فِي صبري بأقوال.
قَالَ : فضحك عبد اللَّه وسر بِما كان منه وقَالَ : يا أبا السمراء باللَّه أقرضني عشرة آلاف دينار فما أمسيت أملكها فأقرضه فدفعها إليه “.

25 / ديوان الإمام الشافعي
في قلب قرافة الفسطاط ضريح الإمام الشافعي الذي بناه الملك الكامل الأيوبي تزامنا مع إعلان المذهب الشافعي مذهبا رسميا للدولة المصرية وهو الأمر الذي استمر طوال عصري الأيوبيين والمماليك ، والشافعي أشهر من نار على علم فهو واحد من أئمة الإسلام الأربعة ومؤسس علم أصول الفقه ورائد من رواد التفسير والحديث ، ومن أشهر مؤلفاته كتاب الأم وكتاب الرسالة.
هو أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب من قبيلة بني المطلب بن عبد مناف القرشية يلتقي مع النبي (ص) من ناحية النسب في عبد مناف بن قصي ، ولد في غزة عام 150 هـ / 767 م وتوفي بالفسطاط عام 204 هـ / 820 م ، رحل إلى مكة والمدينة واليمن وبغداد والتقى شيوخ عصره كما قضى فترة في البادية لدى قبيلة هذيل ليتعلم لغة العرب من منابعها الصافية.
وفي ذلك يقول الشافعي : ” إني خرجت عن مكة فلازمت هذيلاً بالبادية أتعلم كلامها وآخذ طبعها وكانت أفصح العرب أرحل برحيلهم وأنزل بنزولهم فلما رجعت إلى مكة جعلت أنشد الأشعار وأذكر الآداب والأخبار ” ، ولقد بلغ من حفظه لأشعار الهذليين وأخبارهم أن الأصمعي الذي له مكانة عالية في اللغة قال : ” صححت أشعار هذيل على فتى من قريش يقال له محمد بن إدريس”.
وعندما علم أن أهل مصر منقسمون بين مذهب أبي حنيفة ومالك قال : ” أرجو أن أقدم مصر إن شاء الله وآتيهم بشيء أشغلهم به عن القولين جميعاً ” فكان ما قال ، وقال هارون بن سعد الأيلي : ” ما رأيت مثل الشافعي قدم علينا مصر فقالوا : (قدم رجلٌ من قريش) فجئناه وهو يصلي فما رأيت أحسنَ صلاةً منه ولا أحسنَ وجهاً منه فلما قضى صلاته تكلم فما رأيت أحسنَ كلاماً منه فافتتنَّا به “.
رحل إلى مصر بعد دعوة من واليها العباس بن عبد الله القرشي ونزل في ديار أخواله من قبيلة الأزد تيمنا بما فعله النبي (ص) في المدينة لما نزل عند أخواله من بني النجار وقال في ذلك : لقد أصبحتْ نفسي تتوق إلى مصرِ .. ومن دونها قطعُ المهامةِ والفقرِ .. فواللـه ما أدري الفوزُ والغنى .. أُساق إليها أم أُساق إلى القبرِ ، قال فيه الإمام أحمد : ” كان الشافعي كالشمس للدنيا وكالعافية للناس “.
ومن أشهر قصائده الشعرية الهمزية التي أبدع فيها وقال : دَعِ الأَيّامَ تَفعَلُ ما تَشاءُ .. وَطِب نَفساً إِذا حَكَمَ القَضاءُ .. وَلا تَجزَع لِحادِثَةِ اللَيالي .. فَما لِحَوادِثِ الدُنيا بَقاءُ .. وَكُن رَجُلاً عَلى الأَهوالِ جَلداً .. وَشيمَتُكَ السَماحَةُ وَالوَفاءُ .. وَإِن كَثُرَت عُيوبُكَ في البَرايا .. وَسَرَّكَ أَن يَكونَ لَها غِطاءُ .. تَسَتَّر بِالسَخاءِ فَكُلُّ عَيبٍ .. يُغَطّيهِ كَما قيلَ السَخاءُ .. وَلا تُرِ لِلأَعادي قَطُّ ذُلّاً .. فَإِنَّ شَماتَةَ الأَعدا بَلاءُ.
وَلا تَرجُ السَماحَةَ مِن بَخيلٍ .. فَما في النارِ لِلظَمآنِ ماءُ .. وَرِزقُكَ لَيسَ يُنقِصُهُ التَأَنّي .. وَلَيسَ يَزيدُ في الرِزقِ العَناءُ .. وَلا حُزنٌ يَدومُ وَلا سُرورٌ .. وَلا بُؤسٌ عَلَيكَ وَلا رَخاءُ .. إِذا ما كُنتَ ذا قَلبٍ قَنوعٍ .. فَأَنتَ وَمالِكُ الدُنيا سَواءُ .. وَمَن نَزَلَت بِساحَتِهِ المَنايا .. فَلا أَرضٌ تَقيهِ وَلا سَماءُ .. وَأَرضُ اللَهِ واسِعَةٌ وَلَكِن .. إِذا نَزَلَ القَضا ضاقَ الفَضاءُ .. دَعِ الأَيّامَ تَغدِرُ كُلَّ حِينٍ .. فَما يُغني عَنِ المَوتِ الدَواءُ.
واشتهرت له القصيدة الميمية التي يقول فيها : وَلَمّا قَسا قَلبي وَضاقَت مَذاهِبي .. جَعَلتُ الرَجا مِنّي لِعَفوِكَ سُلَّما .. تَعاظَمَني ذَنبي فَلَمّا قَرَنتُهُ .. بِعَفوِكَ رَبّي كانَ عَفوُكَ أَعظَما .. فَما زِلتَ ذا عَفوٍ عَنِ الذَنبِ لَم تَزَل .. تَجودُ وَتَعفو مِنَّةً وَتَكَرُّما .. فَلَولاكَ لَم يَصمُد لِإِبليسَ عابِدٌ .. فَكَيفَ وَقَد أَغوى صَفِيَّكَ آدَما .. فَلِلَّهِ دَرُّ العارِفِ النَدبِ إِنَّهُ .. تَفيضُ لِفَرطِ الوَجدِ أَجفانُهُ دَما .. يُقيمُ إِذا ما اللَيلُ مَدَّ ظَلامَهُ .. عَلى نَفسِهِ مَن شِدَّةِ الخَوفِ مَأتَما.
فَصيحاً إِذا ما كانَ في ذِكرِ رَبِّهِ .. وَفي ما سِواهُ في الوَرى كانَ أَعجَما .. وَيَذكُرُ أَيّاماً مَضَت مِن شَبابِهِ .. وَما كانَ فيها بِالجَهالَةِ أَجرَما .. فَصارَ قَرينَ الهَمِّ طولَ نَهارِهِ .. أَخا الشُهدِ وَالنَجوى إِذا اللَيلُ أَظلَما .. يَقولُ حَبيبي أَنتَ سُؤلي وَبُغيَتي .. كَفى بِكَ لِلراجينَ سُؤلاً وَمَغنَما .. أَلَستَ الَّذي غَذَّيتَني وَهَدَيتَني .. وَلا زِلتَ مَنّاناً عَلَيَّ وَمُنعِما .. عَسى مَن لَهُ الإِحسانُ يَغفِرُ زَلَّتي .. وَيَستُرُ أَوزاري وَما قَد تَقَدَّما.
ومن مقطعاته الشعرية القصيرة قوله في النصح وحسن الخلق : إِذا رُمتَ أَن تَحيا سَليماً مِنَ الرَدى .. وَدينُكَ مَوفورٌ وَعِرضُكَ صَيِّنُ .. فَلا يَنطِقَن مِنكَ اللِسانُ بِسَوأَةٍ .. فَكُلُّكَ سَوءاتٌ وَلِلناسِ أَلسُنُ .. وَعَيناكَ إِن أَبدَت إِلَيكَ مَعائِباً .. فَدَعها وَقُل يا عَينُ لِلناسِ أَعيُنُ .. وَعاشِر بِمَعروفٍ وَسامِح مَنِ اِعتَدى .. وَدافِع وَلَكِن بِالَّتي هِيَ أَحسَنُ.
ومنها قوله في الحكمة وتجربته في تقلبات الأيام : اِرحَل بِنَفسِكَ مِن أَرضٍ تُضامُ بِها .. وَلا تَكُن مِن فِراقِ الأَهلِ في حُرَقِ .. فَالعَنبَرُ الخامُ رَوثٌ في مَواطِنِهِ .. وَفي التَغَرُّبِ مَحمولٌ عَلى العُنُقِ .. وَالكُحلُ نَوعٌ مِنَ الأَحجارِ تَنظُرُهُ .. في أَرضِهِ وَهوَ مُرميٌّ عَلى الطُرُقِ .. لَمّا تَغَرَّبَ حازَ الفَضلَ أَجمَعَهُ .. فَصارَ يُحمَلُ بَينَ الجَفنِ وَالحَدَقِ.
ومن أقواله في السفر والترحال : تَغَرَّب عَنِ الأَوطانِ في طَلَبِ العُلا .. وَسافِر فَفي الأَسفارِ خَمسُ فَوائِدِ .. تَفَرُّجُ هَمٍّ وَاِكتِسابُ مَعيشَةٍ .. وَعِلمٌ وَآدابٌ وَصُحبَةُ ماجِدِ .. وَإِن قيلَ في الأَسفارِ ذُلٌّ وَمِحنَةٌ .. وَقَطعُ الفَيافي وَاِكتِسابُ الشَدائِدِ .. فَمَوتُ الفَتى خَيرٌ لَهُ مِن حَياتِهِ .. بِدارِ هَوانٍ بَينَ واشٍ وَحاسِدِ.
وقال في فضل العلم والتعلم والحث على الصبر في ذلك : اصْبِرْ عَلَى مُرِّ الْجَفَا مِنْ مُعَلِّمٍ .. فَإِنَّ رُسُوبَ الْعِلْمِ فِي نَفَرَاتِهِ .. وَمَنْ لَمْ يَذُقْ مُرَّ التَّعَلُّمِ سَاعَةً .. تَجَرَّعَ ذُلَّ الْجَهْلِ طُولَ حَيَاتِهِ .. وَمَنْ فَاتَهُ التَّعْلِيمُ وَقْتَ شَبَابِهِ .. فَكَبِّرْ عَلَيْهِ أَرْبَعًا لِوَفَاتِهِ .. وَذَاتُ الْفَتَى وَاللهِ بِالْعِلْمِ وَالتُّقَى .. إِذَا لَمْ يَكُونَا لَا اعْتِبَارَ لِذَاتِهِ.
ومن أشعاره التي صارت مثلا سائرا قوله : نَعيبُ زَمانَنا وَالعَيبُ فينا .. وَما لِزَمانِنا عَيبٌ سِوانا .. وَنَهجو ذا الزَمانِ بِغَيرِ ذَنبٍ .. وَلَو نَطَقَ الزَمانُ لَنا هَجانا .. وَلَيسَ الذِئبُ يَأكُلُ لَحمَ ذِئبٍ .. وَيَأكُلُ بَعضُنا بَعضاً عَيانا ، وقوله : تَموتُ الأُسدُ في الغاباتِ جوعاً .. وَلَحمُ الضَأنِ تَأكُلُهُ الكِلابُ .. وَعَبدٌ قَد يَنامُ عَلى حَريرٍ .. وَذو نَسَبٍ مَفارِشُهُ التُرابُ.
وقد ترجم له كل المؤرخين ترجمات وافية ، وننقل هنا ما كتبه ابن خلكان في كتابه وفيات الأعيان حيث قال : ” الإمام الشافعي .. الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب ابن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف القرشي المطلبي الشافعي يجتمع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في عبد مناف المذكور ، وباقي النسب إلى عدنان معروف لقي جده شافع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مترعرع وكان أبوه السائب صاحب راية بني هاشم يوم بدر فأسر وفدى نفسه ثم أسلم فقيل له : لم لم تسلم قبل أن تفدي نفسك فقال : ما كنت أحرم المؤمنين مطمعا لهم في.
وكان الشافعي كثير المناقب جم المفاخر منقطع القرين اجتمعت فيه من العلوم بكتاب الله وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم وكلام الصحابة رضي الله عنهم وآثارهم واختلاف أقاويل العلماء وغير ذلك من معرفة كلام العرب واللغة والعربية والشعر حتى إن الأصمعي مع جلالة قدره في هذا الشأن قرأ عليه أشعار الهذليين ما لم يجتمع في غيره حتى قال أحمد بن حنبل رضي الله عنه : ما عرفت ناسخ الحديث ومنسوخه حتى جالست الشافعي ، وقال أبو عبيد القاسم بن سلام : ما رأيت رجلا قط أكمل من الشافعي.
وقال عبد الله بن أحمد ابن حنبل : قلت لأبي : أي رجل كان الشافعي فإني سمعتك تكثر من الدعاء له ، فقال: يا بني كان الشافعي كالشمس للدنيا وكالعافية للبدن هل لهذين من خلف أو عنهما من عوض ، وقال أحمد : ما بت منذ ثلاثين سنة إلا وأنا أدعو للشافعي وأستغفر له ، وقال يحيى بن معين : كان أحمد بن حنبل ينهانا عن الشافعي ثم استقبلته يوما والشافعي راكب بغلة وهو يمشي خلفه فقلت : يا أبا عبد الله تنهانا عنه وتمشي خلفه ، فقال : اسكت لو لزمت البغلة انتفعت.
وحكى الخطيب في تاريخ بغداد عن ابن عبد الحكم قال : لما حملت أم الشافعي به رأت كأن المشتري خرج من فرجها حتى انقض بمصر ثم وقع في كل بلد منه شظية فتأول أصحاب الرؤيا أنه يخرج منها عالم يخص علمه أهل مصر ثم يتفرق في سائر البلدان ، وقال الشافعي : قدمت على مالك بن أنس وقد حفظت الموطأ فقال لي : أحضر من يقرأ لك ، فقلت : أنا قارئ ، فقرأت عليه الموطأ حفظا ، فقال : إن يك أحد يفلح فهذا الغلام ، وكان سفيان بن عيينة إذا جاءه شيء من التفسير أو الفتيا التفت إلى الشافعي فقال : سلوا هذا الغلام.
وقال الحميدي : سمعت زنجي بن خالد – يعني مسلما – يقول للشافعي : أفت يا أبا عبد الله فقد والله آن لك أن تفتي ، وهو ابن خمس عشرة سنة ، وقال محفوظ بن أبي توبة البغدادي : رأيت أحمد بن حنبل عند الشافعي في المسجد الحرام فقلت : يا أبا عبد الله هذا سفيان بن عيينة في ناحية المسجد يحدث ، فقال : إن هذا يفوت وذاك لا يفوت ، وقال أبو حسان الزيادي : ما رأيت محمد بن الحسن يعظم أحدا من أهل العلم تعظيمه للشافعي ولقد جاءه يوما فلقيه وقد ركب محمد بن الحسن فرجع محمد إلى منزله وخلا به يومه إلى الليل ولم يأذن لأحد عليه.
والشافعي أول من تكلم في أصول الفقه وهو الذي استنبطه ، وقال أبو ثور : من زعم انه رأى مثل محمد بن إدريس في علمه وفصاحته ومعرفته وثباته وتمكنه فقد كذب كان منقطع القرين في حياته فلما مضى لسبيله لم يعتض منه ، وقال أحمد بن حنبل : ما أحد ممن بيده محبرة أو ورق إلا وللشافعي في رقبته منة ، وكان الزعفراني يقول : كان أصحاب الحديث رقودا حتى جاء الشافعي فأيقظهم فتيقظوا ، ومن دعائه : اللهم يا لطيف أسألك اللطف فيما جرت به المقادير ، وهو مشهور بين العلماء بالإجابة وأنه مجرب ، وفضائله أكثر من أن تعدد.
وموله سنة خمسين ومائة وقد قيل إنه ولد في اليوم الذي توفي فيه الإمام أبو حنيفة ، وكانت ولادته بمدينة غزة وقيل بعسقلان وقيل باليمن والأول أصح ، وحمل من غزة إلى مكة وهو ابن سنتين فنشأ بها وقرأ القرآن الكريم وحديث رحلته إلى مالك بن أنس مشهور فلا حاجة إلى التطويل فيه ، وقدم بغداد سنة خمس وتسعين ومائة فأقام بها سنتين ثم خرج إلى مكة، ثم عاد إلى بغداد سنة ثمان وتسعين ومائة فأقام بها شهرا ثم خرج إلى مصر، وكان وصوله إليها في سنة تسع وتسعين ومائة وقيل سنة إحدى ومائتين ولم يزل بها إلى أن توفي يوم الجمعة آخر يوم من رجب سنة أربع ومائتين ودفن بعد العصر من يومه بالقرافة الصغرى وقبره يزار بها بالقرب من المقطم رضي الله عنه.
قال الربيع بن سليمان المرادي : رأيت هلال شعبان وأنا راجع من جنازته ، وقال: رأيته في المنام بعد وفاته فقلت : يا أبا عبد الله ما صنع الله بك ، فقال : أجلسني على كرسي من ذهب ونثر علي اللؤلؤ الرطب ، وذكر الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في كتاب طبقات الفقهاء ما مثاله وحكى الزعفراني عن أبي عثمان ابن الشافعي قال : مات أبي وهو ابن ثمان وخمسين سنة . ، وقد اتفق العلماء قاطبة من أهل الحديث والفقه والأصول واللغة والنحو وغير ذلك على ثقته وأمانته وعدالته وزهده وورعه ونزاهة عرضه وعفة نفسه وحسن سيرته وعلو قدره وسخائه.
وللإمام الشافعي أشعار كثيرة فمن ذلك ما نقلته من خط الحافظ أبي طاهر السلفي رحمه الله تعالى : إن الذي رزق اليسار ولم يصب .. حمدا ولا أجرا لغير موفق .. الجد يدني كل أمر شاسع .. والجد يفتح كل باب مغلق .. وإذا سمعت بأن مجدودا حوى .. عودا فأثمر في يديه فصدق .. وإذا سمعت بأن محروما اتى .. ماء ليشربه فغاض فحقق .. لو كان بالحيل الغنى لوجدتني .. بنجوم أقطار السماء تعلقي .. لكن من رزق الحجا حرم الغنى … ضدان مفترقان أي تفرق .. ومن الدليل على القضاء وكونه .. بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمد.
ومن المنسوب إليه أيضا : ماذا يخبر ضيف بيتك أهله .. إن سيل كيف معاده ومعاجه أيقول جاوزت الفرات ولم أنل .. ريا لديه وقد طغت أمواجه .. ورقيت في درج العلا فتضايقت .. عما أريد شعابه وفجاجه .. ولتخبرن خصاصتي بتملقي .. والماء يخبر عن قذاه زجاجه .. عندي يواقيت القريض ودره .. وعلي إكليل الكلام وتاجه .. تربي على روض الربا أزهاره .. ويرف في نادي الندى ديباجه .. والشاعر المنطيق أسود سالخ .. والشعر منه لعابه ومجاجه .. وعداوة الشعراء داء معضل .. ولقد يهون على الكريم علاجه.
ومن المنسوب إليه أيضا : رام نفعا فضر من غير قصد .. ومن البر ما يكون عقوقا ، ومن المنسوب إلى الشافعي : كلما أدبني الدهر أراني نقص عقلي .. وإذا ما ازددت علما زادني علما بجهلي ، وهو القائل : ولولا الشعر بالعلماء يزري .. لكنت اليوم أشعر من لبيد ، وقال الشافعي رضي الله عنه : تزوجت امرأة من قريش بمكة وكنت أمازحها فأقول : ومن البلية أن تحب فلا يحبك من تحبه ، فتقول هي : ويصد عنك بوجهه وتلج أنت فلا تغبه ، وأخبرني أحد المشايخ الأفاضل أنه عمل في مناقب الشافعي ثلاثة عشر تصنيفا “.
وقد كان الشافعي موفقا إذ حظي بعدد كبير من تلاميذه الذين نقلوا عنه من أمثال البويطي والمزني ومحمد بن عبد الحكم ويونس بن عبد الأعلى والربيع الجيزي ، لكن الشخص الأهم الذي لعب دورا كبيرا في حفظ تراث الشافعي هو تلميذه وراويته الربيع بن سليمان المرادي مؤذن جامع عمرو بن العاص والذي امتد به العمر حتى عصر الطولونيين ونقل للناس مرويات الشافعي في الفقه والحديث والشعر والوعظ.
وقد ترجم له السبكي في طبقات الشافعية فقال : ” الرّبيع بن سُلَيْمَان بن عبد الْجَبَّار بن كَامِل المرادى مَوْلَاهُم الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد الْمُؤَذّن صَاحب الشافعى وراوية كتبه والثقة الثبت فِيمَا يرويهِ ، ولد الرّبيع سنة أَربع وَسبعين وَمِائَة واتصل بِخِدْمَة الشافعى وَحمل عَنهُ الْكثير وَحدث عَنهُ بِهِ وَعَن عبد الله بن وهب وَعبد الله بن يُوسُف التنيسى وَأَيوب بن سُوَيْد الرملى وَيحيى بن حسان وَأسد بن مُوسَى وَجَمَاعَة.
روى عَنهُ أَبُو دَاوُد والنسائى وَابْن ماجة وَأَبُو زرْعَة الرازى وَأَبُو حَاتِم وَابْنه عبد الرَّحْمَن وزَكَرِيا الساجى وَأَبُو جَعْفَر الطحاوى وَأَبُو بكر عبد الله بن مُحَمَّد ابْن زِيَاد النيسابورى وَالْحسن بن حبيب الحصائرى وَابْن صاعد وَأَبُو الْعَبَّاس الْأَصَم وَآخَرُونَ آخِرهم أَبُو الفوارس السندى وروى عَنهُ الترمذى بِالْإِجَازَةِ ، وَكَانَ مُؤذنًا بِالْمَسْجِدِ الْجَامِع بفسطاط مصر الْمَعْرُوف الْيَوْم بِجَامِع عَمْرو بن الْعَاصِ وَكَانَ يقْرَأ بالألحان وَكَانَ الشافعى يُحِبهُ وَقَالَ لَهُ يَوْمًا مَا أحبك إِلَى وَقَالَ مَا خدمنى أحد قطّ مَا خدمنى الرّبيع بن سُلَيْمَان.
وَقَالَ لَهُ يَوْمًا يَا ربيع لَو أمكننى أَن أطعمك الْعلم لأطعمتك ، وَقَالَ الْقفال فى فَتَاوِيهِ كَانَ الرّبيع بطئ الْفَهم فكرر الشافعى عَلَيْهِ مَسْأَلَة وَاحِدَة أَرْبَعِينَ مرّة فَلم يفهم وَقَامَ من الْمجْلس حَيَاء فَدَعَاهُ الشافعى فى خلْوَة وَكرر عَلَيْهِ حَتَّى فهم ، وَكَانَت الرحلة فى كتب الشافعى إِلَيْهِ من الْآفَاق نَحْو مائتى رجل وَقد كاشفه الشافعى بذلك حَيْثُ يَقُول لَهُ فِيمَا روى عَنهُ أَنْت راوية كتبي.
وَمن شعر الرّبيع : صبرا جميلا مَا أسْرع الفرجا .. من صدق الله فى الْأُمُور نجا .. من خشى الله لم ينله أَذَى .. وَمن رجا الله كَانَ حَيْثُ رجا ، وَقيل كَانَت فِيهِ سَلامَة صدر وغفلة ، قلت إِلَّا أَنَّهَا باتفاقهم لم تَنْتَهِ بِهِ إِلَى التَّوَقُّف فى قبُول رِوَايَته بل هُوَ ثِقَة ثَبت خرج إِمَام الْأَئِمَّة ابْن خُزَيْمَة حَدِيثه فى صَحِيحه وَكَذَلِكَ ابْن حبَان وَالْحَاكِم ، قَالَ ابْن أَبى حَاتِم سمعنَا مِنْهُ وَهُوَ صَدُوق وَسُئِلَ أَبى عَنهُ فَقَالَ صَدُوق انْتهى
وَقَالَ الْخَلِيل فى الْإِرْشَاد ثِقَة مُتَّفق عَلَيْهِ ، قَالَ الطحاوى مَاتَ الرّبيع بن سُلَيْمَان مُؤذن جَامع الْفسْطَاط يَوْم الِاثْنَيْنِ وَدفن يَوْم الثُّلَاثَاء لإحدى وَعشْرين لَيْلَة خلت من شَوَّال سنة سبعين وَمِائَتَيْنِ وَصلى عَلَيْهِ الْأَمِير خمارويه بن أَحْمد بن طولون “.

26 / فتوح مصر وأخبارها
بجوار قبة الإمام الشافعي مباشرة توجد مقابر أسرة آل ابن عبد الحكم والتي دفن الإمام الشافعي في مقابرهم لصلته الوثيقة بهم ، وهي عائلة لعبت دورا كبيرا في الحياة السياسية والعلمية خلال العصر العباسي وكانت لهم الصدارة في الفسطاط زمنا طويلا ، وترجع أصولهم إلى مدينة أيلة بساحل العقبة حيث كان جدهم عبد الحكم بن أعين بن ليث بن رافع من موالي أمير المؤمنين عثمان بن عفان ..
نبغ من الأسرة الوالد وأربعة من أبنائه .. أما الوالد فهو عبد الله بن عبد الحكم شيخ المالكية بالفسطاط في زمنه والمتوفي عام 214 هـ ، وكان وجيها غنيا يتمتع باحترام الخلفاء والولاة ، ومن مؤلفاته المختصر الكبير والمختصر الصغير والمختصر الأوسط ورسالة القضاء وكتاب المناسك والقضاء في البنيان ، تتلمذ علي يد الإمام مالك والليث بن سعد وابن عيينة وابن وهب وابن القاسم وأشهب وعاصر الشافعي ..
وابنه الأكبر عبد الحكم بن عبد الله المتوفي عام 239 هـ كان فقيها خيرا فاضلا وكان من أكابر تلاميذ ابن وهب المالكي وعرف بالتقوى والورع وهو من الذين امتحنوا في فتنة خلق القرآن حيث حبس وعذب ، والابن الثاني هو عبد الرحمن بن عبد الله المؤرخ المعروف صاحب كتاب (فتوح مصر وأخبارها) والمتوفي عام 257 هـ والذي دون الفتوحات الإسلامية وأحوال مصر الإدارية وأخبار ولاتها وقضاتها ..
وأما الثالث فهو الإمام محمد بن عبد الله مفتي الديار المصرية وفقيه عصره والذي انتهت إليه رياسة العلم والمتوفي عام 268 هـ ، قال عنه أبو بكر بن خزيمة : “ كان محمد بن عبد الله بن عبد الحكم أعلم من رأيت على أديم الأرض بمذهب مالك وأحفظهم له ” ، من مؤلفاته أحكام القرآن والرد على الشافعي والرد على أهل العراق والدعوى والبيّنات والسّبق والرمي والكفالة والوثائق والشروط والرجوع عن الشهادة ..
وأما الرابع فهو المحدث سعد بن عبد الله والمتوفي عام 268 هـ وقد روي عن أبيه وعن وهب بن راشد ويحيى بن حسان التنيسي وابن نافع وعبد الملك بن الماجشون وعلي بن جعفر بن محمد وآدم بن أبي إياس العسقلاني ، قال القاضي عياض في كتابه ترتيب المدارك : “ ذكر بني عبد الله بن عبد الحكم وهم أربعة : عبد الحكم وعبد الرحمن وسعد ومحمد ، قال ابن حارث : وكانوا بمصر أربعة إخوة فقهاء علماء ” ..
وقد ترجم لهم ابن خلكان في وفيات الأعيان فقال : ” عبد الله بن عبد الحكم .. أبو محمد عبد الله بن عبد الحكم بن أعين بن ليث بن رافع الفقيه المالكي المصري كان أعلم أصحاب مالك بمختلف قوله وأفضت إليه رياسة الطائفة المالكية بعد أشهب وروى عن مالك الموطأ سماعاً وكان من ذوي الأموال والرباع له جاه عظيم وقدر كبير وكان يزكي الشهود ويجرحهم ومع هذا لم يشهد ولا أحد من ولده لدعوة سبقت فيه.
ذكر ذلك القضاعي في كتاب (خطط مصر) ، ويقال إنه دفع للإمام الشافعي رضي الله عنه عند قدومه إلى مصر ألف دينار من ماله وأخذ له من ابن عسامة التاجر ألف دينار ومن رجلين آخرين ألف دينار ، وهو والد أبي عبد الله محمد صاحب الإمام الشافعي ، وروى بشر بن بكر قال : رأيت مالك بن أنس في النوم بعدما مات بأيام فقال : إن ببلدكم رجلاً يقال له ابن عبد الحكم فخذوا عنه فإنه ثقة.
وكان لأبي محمد المذكور ولد آخر يسمى عبد الرحمن من أهل الحديث والتواريخ صنف كتاب فتوح وغيره ، وكانت ولادة أبي محمد المذكور في سنة خمسين ومائة وقيل سنة خمس وخمسين ومائة وتوفي في شهر رمضان سنة أربع عشرة ومائتين بمصر وقبره إلى جانب قبر الإمام الشافعي رضي الله عنهما مما يلي القبلة وهو الأوسط من القبور الثلاثة.
وتوفي ولده عبد الرحمن المذكور في سنة سبع وخمسين ومائتين وقبره إلى جانب قبر أبيه من جهة القبلة ، وأعين : بفتح الهمزة وسكون العين المهملة وفتح الياء المثناة من تحتها وبعدها نون ، وعسامة : بضم العين المهملة وفتح السين المهملة وبعد الألف ميم ثم هاء.
وكان يكرم للشافعي ويلزم لمجلسه وأمر ابنه محمداً بلزوم الشافعي والأخذ عنه وكان ذلك سبب تمييزه على نظرائه وله مصنفات في الفقه معروفة وكان محدثاً ، غير قبره وقبر ولديه عبد الرحمن ومحمد وكانا من أهل العلم والتصانيف وفضلهما مشهور وجعل قبورهم لاطئة بالأرض محقورة في العين تعصباً على مذهب مالك وأصحابه ، وهم ينهون عنه وينأون عنه وأن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون ، ولو رأى الشافعي ذلك لساءه إذ الأرض أرضهم والتربة ملك لهم وإنما دفنوا الشافعي عندهم إيثاراً له ومعرفة بفضله رضي الله عنهم أجمعين “.
وقد قسم ابن عبد الحكم كتابه إلى سبعة أجزاء : الأول فى فضائل مصر وتاريخها قبل الإسلام والثانى يتناول الفتح الإسلامى والثالث يشرح الخطط ونزول العرب فى مصر والرابع الإدارة المصرية على عهد عمرو بن العاص والخامس فتح إفريقيا والأندلس ، وقصر ابن عبد الحكم الجزء السادس على قضاة مصر حتى عصره وجعل السابع عن الصحابة الذين وفدوا إلى مصر والأحاديث التى رويت عنهم.
والكتاب أقدم كتاب مصرى يعالج الأمور التى عالجها ولا مثيل له فيما وصل إلينا من كتب التاريخ الإسلامى فاضطر جميع من أتى بعده إلى الاعتماد عليه ، تقول دائرة المعارف الإسلامية : وقد استفاد المؤرخون المتقدمون إلى حد بعيد من كتاب ابن عبد الحكم واعتمدت عليه المؤلفات المتأخرة كذلك فأكثر كتاب حسن المحاضرة للسيوطى مأخوذ من كتاب ابن عبد الحكم،كما أخذ عنه المقريزى كثيرا من فصول كتابه ونقل ياقوت كذلك معظم ما كتبه عن وصف مصر نقلا حرفيا عن هذا الكتاب.
وجاء في مقدمة تحقيق الكتاب : ” والحق أن ابن عبد الحكم رسم الطريق لمن أتى بعده من المؤرخين للتأليف فى النواحى المختلفة من التاريخ المصرى فقد شغل كل جزء من أجزائه كتبا تاريخية مستقلة ومفصلة بعد.
فالفضل الخاص بفضائل مصر صار كتابا كاملا عند ابن الكندى وابن زولاق والفصل الخاص بالخطط صار كتابا مستقلا عند القضاعى والمقريزى والفصل الخاص بالقضاة أفرد له الكندى وابن حجر كتابين والفصل الخاص بالصحابة صار كتابا عند محمد بن الربيع الجيزى والسيوطى.
وكان المنهج الذي اتبعه ابن عبد الحكم فى تأليفه هو نفس المنهج الذي كان متبعا لدى مدرسة مصر فى القرن الثالث الهجرى وهو المعروف بطريقة الإسناد التى جرى عليها رواة الحديث ومع ذلك ظلت نظرية نقد الرواية التاريخية نفسها أمرا لا يعرفه ابن عبد الحكم كما لم يعرفه معاصروه من مؤرخى القرن الثالث الهجرى مما ترتب عليه تسرب بعض الأساطير فى بعض فصول كتابه وخاصة ما يتعلق منها بتاريخ مصر القديم “.
وقد تحدث المؤلف بالتفصيل عن منازل القبائل في كل من الفسطاط والجيزة وذكر منطقة مركز الفسطاط التي تعرف باسم (خطة أهل الراية) وسبب تسميتها فقال : ” وبنى عمرو بن العاص المسجد كما حدثنا عبد الملك بن مسلمة عن الليث بن سعد وكان ما حوله حدائق وأعنابا فنصبوا الحبال حتى استقام لهم ووضعوا أيديهم فلم يزل عمرو قائما حتى وضعوا القبلة وإن عمرا وأصحاب رسول لله صلّى الله عليه وسلم الذين وضعوها.
فاختطّ عمرو بن العاص داره التى هى له اليوم عند باب المسجد بينهما الطريق وداره الأخرى اللاصقة إلى جنبها وفيها دفن عبد الله بن عمرو بن العاص فيما زعم بعض مشايخ البلد لحدث كان يومئذ فى البلد .. واختطّ عبد الله ابنه هذه الدار الكبيرة التى عند المسجد الجامع وهو الذي بناها هذا البناء وبنى فيها قصرا على تربيع الكعبة الأولى.
واختطّ حول عمرو والمسجد قريش والأنصار وأسلم وغفار وجهينة ومن كان فى الراية ممّن لم يكن لعشيرته فى الفتح عدد مع عمرو .. وكان أوّل القبائل أهل الراية مما يلى بلىّ بن عمرو والراية قريش ومن معها ، وإنما سمّيت الراية لراية عمرو بن العاص.
حدثنا عبد الملك بن مسلمة حدثنا ابن لهيعة قال : الراية قريش كانت معهم راية عمرو بن العاص ويقال إنما سمّيت الراية أن قوما من أفناء القبائل من العرب كانوا قد شهدوا مع عمرو بن العاص الفتح ولم يكن من قومهم عدد فيقفوا مع قومهم تحت رايتهم وكرهوا أن يقفوا تحت راية غيرهم ، فقال لهم عمرو : أنا أجعل راية لا أنسبها إلى أحد أكثر من الراية تقفون تحتها ، فرضوا بذلك فكان كلّ من لم يكن لقومه عدد وقف تحتها فقيل الراية من أجل ذلك والله أعلم “.
وتحدث عن قسم من خطط القبائل اليمنية فقال : ” ثم اختطّت تجيب، فأخذت بنو عامر شرقىّ الحصن قبلىّ منزل عبد الله بن سعد بن أبى سرح ثم مضوا بخطّتهم حتى لقوا مهرة والصدف من مهبّ الشمال ولقوا سلهما عما يلى الشرق ولقوا وعلان من مراد وطرفا من خولان من مهبّ الجنوب ثم لقوا بنى غطيف وقبائل من مراد وحالت سلهم بينهم وبين الصحراء.
واختطّت خولان الشرق قبلىّ الحصن ومهبّ الجنوب ثم مضوا بخطّتهم حتى لقوا بنى وائل والفارسييّن فى السهل ولقوا تجيب ورعينا فى الجبل ولقوا بنى غطيف وبنى وعلان من مراد فى الشرق وتجيب من مهبّ الشمال فجاوزهم غطيف فتحوّل بينهم وبين خطّتهم.
واختطّت مذحج بين خولان وتجيب.واختطّت وعلان مما يلى القصر ثم مضوا ينازلون خولان وتجيب هم وبنو غطيف ، ثم مضت مراد بخطّتها حتى لقوا قبائل نافع ورعين وفيهم بنو عبس بن زوف ، ثم مضوا بخطّتهم حتى لقوا بنى موهب من المعافر ولقوا السلف وسبأ وحالوا بينهم وبين الصحراء.
واختطّت القبائل المنسوبة إلى سبإ منهم ابن ذى هجران ومعهم السلف شرقىّ جنب مما يلى مراد ثم مضوا بخطّتهم بين المعافر وحضر موت حتى أصحروا ، واختطّت حمير قبلىّ خولان وشرقيّها وشرقى بديعة من مذحج فكانت يحصب قبلىّ المعافر حتى قطعوا الجبال، واختطّت يافع ورعين شرقى خولان ثم لقوا قبائل الكلاع ثم مضوا بين قبائل سبإ والمعافر وبين اصطبل قرّة بن شريك حتى أصحروا.
واختطّت المعافر وفيهم الأشعريّون والسّكاسك شرقى الكلاع فوليهم من ذلك الأكنوع وهم من الأشعريّين وبنو موهب ثم السكاسك ثم المعافر وهم مختلطون ثم مضوا بخطّتهم حتى أصحروا ينازلون حمير وطائفة من خولان ، وحمير والمعافر على الجبل موفون على قبائل مضر وليس فى هذا الجبل إلا هذه القبائل غير أن جهينة قد كانت نزلت بجرف ينّة.
واختطّت بنو وائل فى مهبّ الشمال ثم مضوا بخطّتهم شارعين على النيل حتى لقيت راشدة من لخم مما يلى الاصطبل وبين طائفة منهم وبين يحصب وهم فى الجبل الفارسيّون وهم قليل ، ثم انحطّت طائفة من لخم خلف بنى وائل وشرعوا فى النيل ثم مضوا ينازعون يحصب وهم فى جبل حتى برزوا إلى أرض الحرث والزرع ، وكان بين القبائل فضاء من القبيل إلى القبيل فلما مدّت الأمداد فى زمان عثمان بن عفّان وما بعد ذلك وكثر الناس وسّع كلّ قوم لبنى أبيهم حتى كثر البنيان والتأم “.
وتحدث عن الجيزة بالتفصيل فقال : ” خطط الجيزة .. حدثنا عثمان بن صالح حدثنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبى حبيب وابن هبيرة يزيد أحدهما على صاحبه قال : فاستحبّت همدان ومن والاها الجيزة، فكتب عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب يعلمه بما صنع الله للمسلمين وما فتح عليهم وما فعلوا فى خططهم وما استحبّت همدان ومن والاها من النزول بالجيزة.
فكتب إليه عمر يحمد الله على ما كان من ذلك ويقول له : كيف رضيت أن تفرقّ عنكّ أصحابك لم يكن ينبغى لك أن ترضى لأحد من أصحابك أن يكون بينهم وبينك بحر لا تدرى ما يفجؤهم فلعلّك لا تقدر على غياثهم حتى ينزل بهم ما تكره فاجمعهم إليك فإن أبوا عليك وأعجبهم موضعهم فابن عليهم من فىء المسلمين حصنا.
فعرض عمرو ذلك عليهم فأبوا وأعجبهم موضعهم بالجيزة ومن والاهم على ذلك من رهطهم يافع وغيرها واحبّوا ما هنالك ، فبنى لهم عمرو بن العاص الحصن الذي بالجيزة فى سنة إحدى وعشرين وفرغ من بنائه فى سنة اثنتين وعشرين.
قال غير ابن لهيعة من مشايخ أهل مصر : إن عمرو بن العاص لّما سأل أهل الجيزة أن ينضمّوا إلى الفسطاط قالوا : متقدّما قدّمناه فى سبيل الله ما كنّا لنرحل منه إلى غيره ، فنزلت يافع الجيزة فيها مبرّح بن شهاب وهمدان وذو أصبح فيهم أبو شمر بن أبرهة وطائفة من الحجر منهم علقمة بن جنادة أحد بنى مالك بن الحجر “.

27 / سيرة ابن هشام
أشهر كتاب في السيرة النبوية هو كتاب (سيرة ابن هشام) والمنسوب إلى مؤلفه عبد الملك بن هشام بن أيوب المعافري الحميري المتوفي في الفسطاط عام 218 هـ / 833 م وهو أقدم وأول كتاب في هذا المجال ، وقد روى فيه المؤلف عن ابن إسحاق صاحب السير والمغازي المتوفي عام 151 هـ في بغداد حيث دون أحداث السيرة ورتبها وهذبها وتجاوز عن الكثير من الأشعار ثم قام بشرحها وتحقيقها أبو القاسم السهيلي الأندلسي المتوفي عام 581 هـ في مراكش.
وفي مصر ألف ابن هشام عدة كتب أخرى منها كتاب شرح ما وقع في أشعار السير من الغريب وكتاب القصائد الحميرية في أخبار اليمن وملوكها في الجاهلية وكتاب التيجان في ملوك حمير ، وقد لاقت كتبه رواجا بين أهل الفسطاط والجيزة والذين كانت غالبيتهم من عرب اليمن حيث كانت القبائل المؤسسة للمدينتين تضم كلا من المعافر وخولان وتجيب ومراد وهمدان ويافع وذي أصبح والأزد وجميعهم يعتز بالانتساب إلى ملوك سبأ وحمير وكندة الأقدمين.
ذكره ابن يونس الصدفي في كتابه تاريخ المصريين وذكر نسبته إلى بني ذهل وربما نسب إلى منازلهم بالبصرة وليس للقبيلة نفسها فقال : ” عبد الملك بن هشام بن أيوب الذّهلىّ يكنى أبا محمد ، بصرى قدم مصر وحدّث بها بالمغازى وغيرها روى المغازى عن زياد البكائى عن ابن إسحاق وكان ثقة ، توفى لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الآخر سنة ثمانى عشرة ومائتين بمصر “.
وذكره ابن خلكان في وفيات الاعيان فقال : ” ابن هشام صاحب السيرة أبو محمد عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري المعافري ، قال أبو القاسم السهيلي عنه في كتاب الروض الأنف شرح سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنه مشهور بحمل العلم متقدم في علم النسب والنحو وهو من مصر وأصله من البصرة ، وله كتاب في أنساب حمير وملوكها وكتاب في شرح ما وقع في أشعار السير من الغريب فيما ذكر لي.
وتوفي بمصر في سنة ثلاث عشرة ومائتين رحمه الله تعالى ، قلت وهذا ابن هشام هو الذي جمع سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم من (المغازي والسير) لابن إسحاق وهذبها لخصها وشرحها السهيلي المذكور ، وهي الموجودة بأيدي الناس المعروفة بسيرة ابن هشام.
وقال أبو سعيد عبد الرحمن بن أحمد ين يونس صاحب تاريخ مصر المقدم ذكره في تاريخه الذي جعله للغرباء القادمين على مصر : إن عبد الملك المذكور توفي لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الآخر سنة ثماني عشرة ومائتين بمصر والله أعلم بالصواب ، وقال إنه ذهلي ، والمعافري : بفتح الميم والعين المهملة وبعد الألف فاء مكسورة ثم راء هذه النسبة إلى المعافر بن يعفر قبيل كبير ينسب إليه بشر كثير عامتهم بمصر “.
وذكره الحافظ الذهبي في كتابه سير أعلام النبلاء فقال : ” عبد الملك بن هشام بن أيوب العلامة النحوي الأخباري أبو محمد الذهلي السدوسي وقيل الحميري المعافري البصري نزيل مصر ، هذب السيرة النبوية وسمعها من زياد البكائي صاحب ابن إسحاق وخفف من أشعارها وروى فيها مواضع عن عبد الوارث بن سعيد وأبي عبيدة رواها عنه محمد بن حسن القطان وعبد الرحيم بن عبد الله بن البرقي وأخوه أحمد بن البرقي وله مصنف في أنساب حمير وملوكها .
والأصح أنه ذهلي كما ذكره أبو سعيد بن يونس وأرخ وفاته في ثالث عشر ربيع الآخر سنة ثمان عشرة ومائتين ، قال الدارقطني : حدثني عبيد الله بن محمد المطلبي بالرملة حدثنا زكريا بن يحيى بن حيويه سمعت المزني يقول : قدم علينا الشافعي وكان بمصر عبد الملك بن هشام صاحب المغازي وكان علامة أهل مصر بالعربية والشعر فقيل له في المصير إلى الشافعي فتثاقل ثم ذهب إليه فقال : ما ظننت أن الله يخلق مثل الشافعي ، وفي الروض الأنف أن ابن هشام مات سنة ثلاث عشرة ومائتين فهذا وهم فيه أبو القاسم السهيلي بل الصواب ما تقدم “.
ويروي ابن عساكر في كتابه تاريخ دمشق رواية عن الربيع بن سليمان بن عبدالجبار بن كامل المرادي أنه قال : سمعت عبدالملك بن هشام النحوي صاحب المغازي وكان بصيرًا بالنحو والعربية ، وقال أيضًا كما في المناقب : وكان ابن هشام بمصر كالأصمعي بالعراق ، وفي كتابه تهذيب الأسماء واللغات يقول عنه الإمام الحافظ محيي الدين أبو زكريا يحيى بن شرف النووي : إمام أهل مصر في عصره في اللغة والنحو ، وقال أيضًا : كان علَّامة أهل عصره في العربية والشعر.
وفي كتابه التيجان يتناول ابن هشام حادثة استقبال الملك سيف بن ذي يزن لوجهاء الحجاز وعلى رأسهم عبد المطلب جد النبي صلى الله عليه وسلم وهي الحادثة التي قصد أن يجعلها ختام تاريخ ملوك اليمن وبدء السيرة النبوية وكأنه يكتب تاريخا عربيا متصلا يربط فيه الماضي الجاهلي بالحاضر الإسلامي وقتها ، وفي ذلك يقول :
” قيل : لما ظفر سيف بن ذي يزن الحميري بالحبشة وذلك بعد مولد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بسنين أتته وفود العرب وأشرافا وشعراؤها لتهنئة وتمدحه وتذكر ما كان من آلائه وطلبه بثار قومه ، فوفد عليه عبد المطلب بن هاشم وأمية بن أبي الصلت وأمية بن عبد شمس وخويلد بن أسد في جماعة من أهل بيته وإذا الملك جالساً في رأس غمدان.
ثم استأذن وهو على سريره وتاجه على رأسه ووميض المسك في مفرقه وسيفه بين يديه وعن يمينه وشماله الملوك والمقاول وأبناء الملوك فسلم عبد المطلب ودنا وأستأذنه في الكلام ، فقال له سيف : إن كنت ممن يتكلم بين أيدي الملوك فقد أذنا لك.
فقال عبد المطلب : أيها الملك إن الله جل اسمه قد أحلك محلاً رفيعاً صعباً منيعاً شامخاً باذخاً وأنبتك منبتاً طابت أرومته وعزت جرثومته وثبت أصله وبسق فرعه في أكرم معدن وأطيب موطن ، وأنت أيها الملك رأس العرب وربيعها الذي به تخصب وأنت عمودها الذي عليه عمادها ومعقلها الذي تلجأ إليه العباد سلفك لنا خير سلف وأنت لنا منهم خير خلف ولم يخمد ذكر من أنت سلفه ولن يهلك من أنت خلفه ، نحن أيها الملك أهل حرم الله وسدنة بيته أشخصنا الذي أبهجنا إليك لكشف الكرب فنحن وفد التهنئة لا وفد الرزية.
فقال سيف : أيهم المتكلم ؟ قال : أنا عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف ، قال : ابن أختنا ؟ قال : نعم أصلح الله الملك ، قال : مرحباً وأهلاً وناقة ورحلا وملكاً ربحلا يعطي عطاء جزلاً قد سمع الملك مقالتكم وعرف قرابتكم وقبل وسيلتكم فأهل الليل والنهار ما أقمتم ولكم الحباء إذا ظعنتم ثم انهضوا إلى دار الضيافة ، وأجرى عليهم الإنزال وأقاموا لا يصلون إليه ولا بأذن لهم شهراً ثم انتبه لهم انتباهة فأرسل إلى عبد المطلب فأحضره وأدنى مجلسه ورفع قدره.
ثم قال له : يا عبد المطلب إني مفوض إليك أمراً لو كان غيرك لم أبح له به وجدتك معدنه فأطلعتك عليه ، إني أجد في الكتاب المكنون والعلم المخزون خيراً عظيماً وخطراً جسماً فيه شرف الحياة وفضيلة للناس عامة ولرهطك كافة ولك خاصة ، فقال عبد المطلب : أيها الملك عز جدك وطال عمرك ودام ملكك فهل الملك مخبري بإيضاح فقد وضح لي بعض الإيضاح.
فقال سيف : هذا حبه الذي يولد فيه أو قد ولد يموت أبوه وأمه ويكفله جده وعمه وقد وجدناه مراراً والله باعثه جهاراً وجاعل له منا أنصاراً بعز بهم أولياءه ويذل بهم أعداءه ويضرب الناس عن عرض ويستبيح بهم كرام الأرض بعبد لرحمن ويكسر الأوثان قوله فصل ووجهه سهل وأمره عدل يأمر بالمعروف ويفعله وينهى عن المنكر ويبطله غضيض الطرف عفيف للفرج مبارك الطلعة ميمون الغرة صادق اللهجة تظله الغمام ويهتدي به الأنام.
قال : فخر عبد المطلب ساجداً لله ، فقال سيف : ارفع رأسك ثلج صدرك وعلا كعبك فهل أحسست من أمره شيئاً ؟ قال : نعم أصلح الله الملك كان لي ولد وكنت به معجباً وعليه شفيقاً فزوجته بكريمة من كرائم قومي آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة فجاءت بغلام سميته محمد مات أبوه قبل أمه وكفلته أنا وعمه.
فقال سيف : والبيت ذي الحجب والعلامات على النصب إنك يا عبد المطلب لجده غير الكذب فاحفظ ابنك واحذر عليه من اليهود فإنهم له عدى ولن يجعل الله لهم عليه سبيلاً واطو ما ذكرت لك دون هؤلاء الذين معك فلست آمن أن تدخل النفاسة بأن تكون لك الرياسة فيبتغون لك الغوائل وينصبون لك الحبائل وهم غافلون عن ذلك وآباؤهم ولولا أن الموت محتاجي قبل مبعثه لسرت بخيلي ورجلي حتى أصير بيثرب دار مملكته فإني أجد في الكتاب المكنون والعلم المخزون أن بيثرب استحكام أمره ودار هجرته وأهل نصرته وموضع حفرته ولولا أني أخشى عليه الآفات وأحذر عليه العاهات لأوطأت رقاب العرب كعبه وأعليت على حداثة سنه ذكره ولكني سأصرف ذلك إليك من غير تقصير مني.
ثم أمر لكل واحد منهم بثمان من الإبل وعشرة من الخيل وعشرة ن البقر وعشرة من الغنم وعشرة من العبيد وعشرة أرطال ذهب وعشرة أرطال من الفضة وبكرش مملوءة عنبر أو بكرش كلؤلؤة مسكاً ، وأمر لعبد المطلب بعشرة أضعاف ذلك وقال : يا عبد المطلب إذا رأس الحول فأتني بخبر ابنك وما يكون من أمره ، فمات سيف قبل رأس الحول فكان عبد المطلب يقول : لا يغبطني أحد بجزيل عطاء الملك ولكن يغبطني بما سيبقى لي شرفه وذكره إلى يوم القيامة ، والله أعلم “.

28 / ديوان الحماسة
ربما لا يعلم الكثيرون أن واحدا من فحول الشعر العربي قد بدأ حياته بالعمل سقاءا يحمل الماء للمصلين في جامع عمرو بن العاص بالفسطاط وهو لا يزال في مطلع صباه ، ذلك هو الشاعر الكبير أبو تمام حبيب بن أوس الطائي صاحب (ديوان الحماسة) والذي يتجاوز ستمائة صفحة جمع فيه مرويات من عيون الشعر العربي في موضوعات متعددة بدأها بقصائد الحماسة والقتال ثم قصائد المراثي والمديح والهجاء وغيرها ، وقد ساعده على ذلك جلوسه في الجامع العتيق يستمع إلى إنشاد الشعر ومساجلات الشعراء.
ولد أبو تمام في حوران ببلاد الشام ثم انتقل إلى مصر وهو صغير حيث نشأ في الفسطاط وقضى فيها معظم حياته وعرف أول الأمر بعد قصائد تناولت الأحداث السياسية التي عاصرها ثم ذاع صيته واشتهر أمره وسمع به الخليفة المعتصم فطلبه ليكون من شعراء بلاطه في سامراء ، وله ديوان كبير يحوي قصائد في مختلف الأغراض الشعرية ومنا أشهر بيت له وهو : نَقِّلْ فُؤادَكَ حيثُ شِئْتَ مِن الهَوَى .. ما الحبُّ إلاّ للحبيبِ الأَولِ .. كم مَنْزلٍ في الأرضِ يألَفُهُ الفَتَى .. وحَنينُهُ أبداً لأوَّلِ مَنْزِلِ.
وقد شهد أبو تمام مع المعتصم معركة عمورية التي انتصر فيها المسلمون على البيزنطيين وارتبطت في التراث الإسلامي بصيحة (وامعتصماه) حيث نظم الشاعر قصيدته البائية المشهورة التي يقول فيها :
السَيفُ أَصدَقُ أَنباءً مِنَ الكُتُبِ .. في حَدِّهِ الحَدُّ بَينَ الجِدِّ وَاللَعِبِ .. بيضُ الصَفائِحِ لا سودُ الصَحائِفِ في .. مُتونِهِنَّ جَلاءُ الشَكِّ وَالرِيَبِ .. وَالعِلمُ في شُهُبِ الأَرماحِ لامِعَةً .. بَينَ الخَميسَينِ لا في السَبعَةِ الشُهُبِ .. أَينَ الرِوايَةُ بَل أَينَ النُجومُ وَما .. صاغوهُ مِن زُخرُفٍ فيها وَمِن كَذِبِ.
فَتحُ الفُتوحِ تَعالى أَن يُحيطَ بِهِ .. نَظمٌ مِنَ الشِعرِ أَو نَثرٌ مِنَ الخُطَبِ .. فَتحٌ تَفَتَّحُ أَبوابُ السَماءِ لَهُ .. وَتَبرُزُ الأَرضُ في أَثوابِها القُشُبِ .. يا يَومَ وَقعَةِ عَمّورِيَّةَ اِنصَرَفَت .. مِنكَ المُنى حُفَّلاً مَعسولَةَ الحَلَبِ .. أَبقَيتَ جَدَّ بَني الإِسلامِ في صَعَدٍ .. وَالمُشرِكينَ وَدارَ الشِركِ في صَبَبِ.
لَقَد تَرَكتَ أَميرَ المُؤمِنينَ بِها .. لِلنارِ يَوماً ذَليلَ الصَخرِ وَالخَشَبِ .. غادَرتَ فيها بَهيمَ اللَيلِ وَهوَ ضُحىً .. يَشُلُّهُ وَسطَها صُبحٌ مِنَ اللَهَبِ .. حَتّى كَأَنَّ جَلابيبَ الدُجى رَغِبَت .. عَن لَونِها وَكَأَنَّ الشَمسَ لَم تَغِبِ .. ضَوءٌ مِنَ النارِ وَالظَلماءِ عاكِفَةٌ .. وَظُلمَةٌ مِن دُخانٍ في ضُحىً شَحِبِ.
تَدبيرُ مُعتَصِمٍ بِاللَهِ مُنتَقِمٍ .. لِلَّهِ مُرتَقِبٍ في اللَهِ مُرتَغِبِ .. خَليفَةَ اللَهِ جازى اللَهُ سَعيَكَ عَن .. جُرثومَةِ الدِينِ وَالإِسلامِ وَالحَسَبِ .. فَبَينَ أَيّامِكَ اللاتي نُصِرتَ بِها .. وَبَينَ أَيّامِ بَدرٍ أَقرَبُ النَسَبِ .. أَبقَت بَني الأَصفَرِ المِمراضِ كَاِسمِهِمُ .. صُفرَ الوُجوهِ وَجَلَّت أَوجُهَ العَرَبِ.
ذكره أبو البركات عبد الرحمن بن محمد الأنصاري الأنباري في كتابه نزهة الألباء في طبقات الأدباء فقال : ” أبو تمام .. وأما أبو تمام حبيب بن أوس الطائي الشاعر فإنه شامي الأصل ، وكان بمصر في حداثته يسقي الماء في المسجد الجامع ثم جالس الأدباء فأخذ عنهم وتعلم وكان فطناً فهماً وكان يحب الشعر فلم يزل يعانيه حتى قال الشعر وأجاده ، وسار شعره، وشاع ذكره وبلغ المعتصم خبره، فحمل إليه وهو بسر من رأى فعمل فيه أبو تمام قصائد عدة وأجازه المعتصم وقدمه على شعراء وقته.
وقدم إلى بغداد فجالس بها الأدباء وعاشر العلماء وكان موصوفاً بالظرف وحسن الأخلاق وكرم النفس وقد روى عنه أحمد بن أبي طاهر وغيره أخباراً مسندة ، وهو حبيب بن أوس بن الحارث بن القيس ، وقال إدريس بن يزيد : قال لي تمام بن أبي تمام الطائي : ولد أبي سنة ثمان وثمانين ومائة ومات سنة إحدى وثلاثين ومائتين ، وقال محمد بن موسى : عنى الحسن وهب بأبي تمام وولاه بريد الموصل فأقام بها أقل من سنتين ومات سنة إحدى وثلاثين ومائتين في خلافة الواثق وقيل سنة اثنتين وثلاثين ومائتين.
وقال الحسن بن وهب يرثيه : فجع القريض بخاتم الشعراء .. وغدير روضتها حبيب الطائي .. ماتا معاً وتجاورا في حفرة .. وكذاك كانا قبل في الأحياء ، ورثاه محمد بن عبد الملك وهو حينئذٍ وزير فقال : نبأ أتى من أعظم الأنباء .. لما ألم مقلقل الأحشاء .. قالوا حبيب قد ثوى فأجبتهم .. ناشدتكم لا تجعلوه الطائي ! “.
وذكره ابن المعتز في كتابه طبقات الشعراء فقال : ” ومما يستملح من شعره – وشعره كله حسن – داليته في المأمون التي أولها : (كشف الغطاء فأوقدي أو أخمدي) وهي أشهر من الفرس الأبلق ، وكذلك كل ما نذكر من قصائد ها هنا فإنا نقتصر على ذكر أوائلها نحو قوله : وأبي المنازل إنها لشجون ، وقوله : سرت تستجير الدمع خوف نوى غد ، وقوله : متى أنت عن ذهلية القوم ذاهل ، وقوله : أصغى إلى البين معتزاً فلا جرما ، وقوله : دمن ألم بها فقال سلام.
وقوله : بدلت عبرة من الإيماض ، وقوله : الحق أبلج والسيوف عواري ، وقوله : السيف أصدق أنباء من الكتب ، وقوله : نسج المشيب له قناعاً مغدفا ، وقوله : خشنت عليه أخت بني خشين ، وقوله : خذي عبرات عينك من زماعي ، وقوله : يوم الفراق لقد خلقت طويلاً ، لو استقصينا ذكر أوائل قصائد الجياد التي هي عيون شعره لشغلنا قطعة من كتابنا هذا بذلك وإن لم نذكر منها إلا مصراعاً لأن الرجل كثير الشعر جداً ويقال إن له ستمائة قصيدة وثمانمائة مقطوعة.
وأكثر ماله جيد، والرديء الذي له إنما هو شيء يستغلق لفظه فقط فأما أن يكون في شعره شيء يخلو من المعاني اللطيفة والمحاسن والبدع الكثيرة فلا ، وقد أنصف البحتري لما سئل عنه وعن نفسه فقال : جيد خير من جيدي ورديي خير من رديه ، وذلك أن البحتري لا يكاد يغلظ لفظه إنما ألفاظه كالعسل حلاوة فأما أن يشق غبار الطائي في الحذق بالمعاني والمحاسن فهيهات بل يغرق في بحره ، على أن للبحتري المعاني الغزيرة ولكن أكثرها مأخوذ من أبي تمام ومسروق من شعره “.
وذكره ابن خلكان في كتابه وفيات الأعيان فقال : ” أبو تمام .. أبو تمام حبيب بن أوس بن الحارث بن قيس بن الأشج بن يحيى بن مروان بن مر بن سعد بن كاهل بن عمرو بن عدي بن عمرو بن الغوث بن طيىء – واسمه جلهمه – بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن يشجب ابن يعرب بن قحطان الشاعر المشهور.
كان أوحد عصره في ديباجة لفظه ونصاعة شعره وحسن أسلوبه وله كتاب الحماسة التي دلت على غزارة فضله وإتقان معرفته بحسن اختياره ، وله مجموع آخر مسماه (فحول الشعراء) جمع فيه بين طائفة كبيرة من شعراء الجاهلية والمخضرمين والإسلاميين وله كتاب (الاختيارات من شعر الشعراء) ، وكان له من المحفوظ ما لا يلحقه فيه غيره قيل إنه كان يحفظ أربع عشرة ألف أرجوزة للعرب غير القصائد والمقاطيع ومدح الخلفاء وأخذ جوائزهم وجاب البلاد.
وقال العلماء : خرج من قبيلة طيىء ثلاثة كل واحد مجدي في بابه : حاتم الطائي في جوده وداود بن نصير الطائي في زهده وأبو تمام حبيب بن أوس في شعره ، وأخباره كثيرة ورأيت الناس مطبقين على أنه مدح الخليفة بقصيدته السينية فلما انتهى فيها إلى قوله : إقدام عمرو في سماحة حاتم .. في حلم أحنف في ذكاء إياس ، قال له الوزير : أتشبه أمير المؤمنين بأجلاف العرب فأطرق ساعة ثم رفع رأسه وأنشد : لا تنكروا ضربي له من دونه .. مثلاً شروداً في الندى والباس .. فالله قد ضرب الأقل لنوره .. مثلاً من المشكاة والنبراس ، فقال الوزير للخليفة : أي شيء طلبه فأعطه.
وقد ذكر أبو بكر الصولي في كتاب (أخبار أبي تمام) أنه لما أنشد هذه القصيدة لأحمد بن المعتصم وانتهى إلى قوله : إقدام عمرو – البيت المذكور – قال له أبو يوسف يعقوب بن الصباح الكندي الفيلسوف وكان حاضراً : الأمير فوق من وصفت ، فأطرق قليلاً ثم زاد البيتين الآخرين ولما أخذت القصيدة من يده لم يجدوا فيها هذين البيتين فعجبوا من سرعته وفطنته ، ولم يزل شعره غير مرتب حتى جمعه أبو بكر الصولي ورتبه على الحروف ثم جمعه علي بن حمزة الأصبهاني ولم يرتبه على الحروف بل على الأنواع.
وكانت ولادة أبي تمام سنة تسعين ومائة وقيل سنة ثمان وثمانين ومائة وقيل سنة اثنتين وسبعين ومائة بجاسم وهي قوية من بلد الجيدور من أعمال دمشق بين دمشق وطبرية ، ونشأ بمصر قيل إنه كان يسقي الناس ماء بالجرة في جامع مصر وقيل كان يخدم حائكاً ويعمل عنده بدمشق وكان أبوه خماراً بها ، وكان أبو تمام أسمر طويلاً فصيحاً حلو الكلام فيه تمتمة يسيرة ثم اشتغل وتنقل إلى أن صار منه ما صار.
وتوفي بالموصل في سنة إحدى وثلاثين ومائتين وقيل إنه توفي في ذي القعدة وقيل في جمادى الأولى سنة ثمان وعشرين وقيل تسع وعشرين ومائتين وقيل في المحرم سنة اثنتين وثلاثين ومائتين رحمه الله تعالى “.
ووصفه أبوبكرالصولي في كتابه (أخبار أبي تمام) فقال : ” حدثني عون بن محمد قال : كان أبو تمام طوالاً وكانت فيه تمتمة يسيرة وكان حلو الكلام فصيحاً كأن لفظه لفظ الأعراب ، حدثني علي بن الحسن الكاتب قال : رأيت أبا تمامٍ وأنا صبي صغير فكان أسمر طوالاً ، حدثني أحمد بن يزيد المهلبي قال : كنت جالساً مع ابن عتاب فمر بنا رجل من الكتاب فجلس إلينا وكان فصيحاً مليح الحديث فأطال معنا ثم قام فقال لي ابن عتاب : ما رأيت رجلاً أشبه لفظاً بأبي تمامٍ من هذا إلا حبسة قليلةً كانت في لسان أبي تمام “.
وتعد قصائده في الفسطاط سجلا تاريخيا دون به أحداث عصره ، ومنها تخليد انتصار القائد عبد الله بن طاهر على عبيد الله بن السري وإنهاء فوضى الولاة وذلك في عام 211 هـ فقال : لَعَمْرِي لَقَدْ كَانَتْ بِمِصْرَ وقْعَةٌ .. أَقَامَتْ عَلَى قَصْدِ الهُدَى كُلَّ مَائِل .. عَلَى الخَنْدَقِ الأَقْصَى وَمَا كَانَ حَوْلَهُ .. وَمَا قَدْ يَلِيهِ مِنْ فَضَاءٍ وَسَاحِلِ .. رَأَى ابْنُ السَّرِيِ النَّصْرَ أَوَّلَ يَوْمِهِ .. وَأَوْدَى بِلَيْثٍ مِنْ أَبِي السَّروِ بَاسِلِ .. لَوَيْنَ جُموعٌ ابنِ السَّرِيِّ وَخَيْلُهُ .. شَمَاطِيطَ تَتْرَى كَالنَّعَامِ الحَوَافِلِ .. فَلَمَّا رَأَوْا أَنْ لَا مَحِيصَ وَأَنَّهُ .. كِفَاحُ الرَّدَى فِي كُلِّ حَقٍّ وَبَاطِلِ .. تَوَخَّوا أَمَانَ الأَرْيَجِيِّ ابْنِ طَاهِرٍ .. فَمِنْ فَارِسٍ يَأْتِيهِ طَوْعًا وَرَاجِلِ.
وعندما تم إقرار الصلح واستسلام عبيد الله بن السري تقرر ترحيله إلى العراق بأمر الخليفة فوصف أبو تمام ذلك بقوله : فَأَوْرَدَهُ بَغْدَادَ يَهْوِي بِرِجْلِهِ .. ذَمُولٌ تَرَامَى فِي قلَاصٍ ذَوَامِلِ .. فَأَصْبَحَ قَدْ زَالَتْ ظِلَالُ نَعِيمهِ .. وأَيُّ نَعِيمٍ لَيْسَ يَوْمًا بِزَائِلِ.
وفي عام 214 هـ انتصر زعماء القبائل في الحوف الشرقي على الوالي عمير بن الوليد وقتلوه في يوم الثلاثاء ثلاث عشر من ربيع الآخر فقال أبو تمام في رثائه : أَلَا رُزِئَتْ خُرَاسَانٌ فَتَاهَا .. غَدَاةَ ثَوَى عُمَيْرُ بْنُ الوَليدِ .. فَيَا يَوْمَ الثَّلَاثَا كَمْ كَئِيبٍ .. رَمَاهُ الحزْنُ فِيكَ وَكَمْ عَمِيدِ .. فَكَمْ سَخَّنْتَ فِينَا مِنْ عُيُونٍ .. وَكَمْ أَعْبَرْتَ فِينَا مِنْ خُدُودِ .. فَمَا زُجِرَتْ طُيُورُكَ عَنْ سَنِيحٍ .. وَلَا طَلَعَتْ نُجُومُكَ بِالسُّعُودِ ، وقال أيضًا : أَنْمَى عُمَيْرُ بْنُ الْوَلِيدِ لغَارَةٍ .. بِكْرٍ مِنَ الغَارَاتِ أَوْ لِعَوَانِ .. أَنْعَى فَتَى الفِتْيَانِ غَيْرَ مُكَذَّبٍ .. قَوْلِي وَأَنْعَى فَارِسَ الفُرْسَانِ.
وفي نفس العام يتعرض الوالي الجديد عيسى بن يزيد الجلودي لهزيمة أخرى أمام عرب الحوف وانسحب من أمامهم إلى الفسطاط فقال يهجوه : اللَّه أَرْهَقَكَ الْهَزِيمَةَ إِذْ .. جَذَبَتْكَ أَحْبَالُ الرَّدَى جَذْبَا .. وَأَتَتْكَ خَيْلٌ لَوْ صَبَرَت لَهَا .. أَنْهَبْنَ رَوحَكَ فِي الْوَغَى نَهْبَا .. مِنْ حَيِّ عَدْنَانَ وَإِخْوَتِهِمْ .. قَحْطَانَ لَا مِيلًا وَلَا نُكْبَا .. أَعْصَمْتَ بِاللَّيْلِ البَهِيمِ وَقَدْ .. أَلْقَى عَلَيْكَ ظَلَامَهُ حُجْبَا .. وتَرَكْتَ جُنْدَكَ لِلُقَنَا جُزُرًا .. وَالْبِيضُ تَخْدُبُ هَامَهُمْ خَدْبَا .. فَاشْكُرْ أَيَادِي لَيْلَةٍ سَنَحَتْ .. لَكَ بِالْبَقَا فَركِبْتَهَا رَكْبَا.
ومع اجتهاد أبي تمام في مصر إلا أنه لم ينل فيها ما كان يأمله حيث يقول : لقد طلعت في وجه مصر بوجهة .. بلا طالع سعد ولا طائر سهل .. وساوس آمال ومذهب همة .. مخيمة بين المطية والرجل .. نأيت فلا مال حويت ولم أقم .. فأمتع إذ فجعت بالمال والأهل .. لئام طغام أو كرام بزعمهم .. سواسية ما أشبه الحول بالقبل ، لكنه ظل يحن إلى تلك الأيام وذكر ذلك فقال : بالشام أهلي وبغداد الهوى وأنا .. بالرقمتين وبالفسطاط إخواني .. وما أظن النوى ترضى بما صنعت .. حتى تشافه بي أقصى خراسان .. خلفت بالأفق الغربي لي سكنا .. قد عيشي به حلوا بحلوان.

29 / مختصر البويطي
(مختصر البويطي) هو كتاب في الفقه الشافعي صنفه الإمام أبو يعقوب يوسف بن يحيى القرشي المصرى البويطي تلميذ الإمام الشافعي وخليفته على أصحابه من بعده والمتوفي عام 231 هـ / 846 م ، وقد لقب بلقب البويطي نسبة إلى محل مولده في قرية أبويط من الصعيد الأدنى وهي تقع في محافظة بني سويف حاليا ، وهو من العلماء الأعلام الثقات ومن أهل الثبات والحزم حيث جهر برأيه في شجاعة في قضية خلق القرآن وتحمل في ذلك الابتلاء والمحنة.
ويضم الكتاب فصول الفقه التقليدية من أول العبادات ثم فقه الأحوال الشخصية (الزواج والطلاق والمهور) ثم فصلا خاصا بالمعاملات التجارية (البيع والرهن والسلف والوديعة والشفعة والإفلاس والتصالح وغيرها) ، وأفرد فيه فصلا يتناول فيه اختلاف مذهب المصريين عن العراقيين في المسائل التجارية وأورد رد الإمام الشافعي على بعض المسائل المتعلقة بذلك مثل الوكالة والكفالة والضمان).
ذكره ابن يونس الصدفي في كتابه تاريخ المصريين فقال : ” يوسف بن يحيى القرشى البويطىّ المصرى يكنى أبا يعقوب ، كان من أصحاب الشافعى وكان متقشفا ، حمل من مصر أيام المحنة والفتنة بالقرآن إلى العراق فأرادوه على الفتنة فامتنع فسجن ببغداد وقيّد وأقام مسجونا إلى أن توفى فى السجن والقيد ببغداد سنة اثنتين وثلاثين ومائتين وقد كتب عنه شىء يسير “.
وذكره ابن خلكان في كتابه وفيات الأعيان فقال : ” أبو يعقوب البويطي .. أبو يعقوب يوسف بن يحيى المصري البويطي صاحب الشافعي رضي الله عنه كان واسطة عقد جماعته وأظهرهم نجابةً اختص به في حياته وقام مقامه في الدرس والفتوى بعد وفاته.
سمع الأحاديث النبوية من عبد الله بن وهب الفقيه المالكي ومن الإمام الشافعي ، وروى عنه أبو إسماعيل الترمذي وإبراهيم بن إسحاق الحربي والقاسم بن المغيرة الجوهري وأحمد بن منصور الرمادي وغيرهم ، وكان قد حمل في أيام الواثق بالله من مصر إلى بغداد في مدة المحنة وأريد على القول بخلق القرآن الكريم فامتنع من الإجابة إلى ذلك فحبس ببغداد ولم يزل في السجن والقيد حتى مات ، وكان صالحاً متنسكاً عابداً زاهداً.
قال الربيع بن سليمان : رأيت البويطي على بغل، في عنقه غل وفي رجليه قيد وبين الغل والقيد سلسلة من حديد فيها طوبة وزنها أربعون رطلاً وهو يقول : إنما خلق الله سبحانه الخلق بِكُنْ فإذا كانت كن مخلوقة فكأن مخلوقاً خلق مخلوقاً فوالله لأموتن في حديدي حتى يأتي من بعدي قوم يعلمون أنه مات في هذا الشأن قوم في حديدهم ولئن أدخلت عليه لأصدقنه ، يعني الواثق.
وقال أبو عمر ابن عبد البر الحافظ في كتاب (الانتقاء في فضائل الثلاثة الفقهاء) : إن ابن أبي الليث الحنيفي قاضي مصر كان يحسده ويعاديه فأخرجه في وقت المحنة في القرآن العظيم فيمن أخرج من مصر إلى بغداد ولم يُخرج من أصحاب الشافعي غيره وحمل إلى بغداد وحبس فلم يجب إلى ما دعي إليه في القرآن وقال : هو كلام الله غير مخلوق وحبس ومات في السجن.
وقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في كتاب (طبقات الفقهاء) : كان أبو يعقوب البويطي إذا سمع المؤذن وهو في السجن يوم الجمعة اغتسل ولبس ثيابه ومشى حتى يبلغ باب السجن فيقول له السجان : أين تريد فيقول : أجيب داعي الله ، فيقول : ارجع عافاك الله ، فيقول أبو يعقوب : اللهم إنك تعلم أني قد أجبت داعيك فمنعوني ، وقال أبو الوليد ابن أبي الجارود : كان البويطي جاري فما كنت أنتبه ساعة من الليل إلا سمعته يقرأ ويصلي.
وقال الربيع : كان أبو يعقوب أبداً يحرك شفتيه بذكر الله تعالى ومارأيت أحداً أنزع بحجة من كتاب الله تعالى من أبي يعقوب البويطي ، وقال الربيع أيضاً: كان لأبي يعقوب منزلة من الشافعي وكان الرجل ربما يسأله عن المسألة فيقول له : سل أبا يعقوب ، فإذا أجابه أخبره فيقول : هو كما قال ، وقال أيضاً : ربما جاء رسول صاحب الشرطة إلى الشافعي فيوجه أبا يعقوب البويطي ويقول : هذا لساني.
وقال الخطيب البغدادي في تاريخه : لما مرض الشافعي مرضه الذي مات فيه جاء محمد بن عبد الحكم ينازع البويطي في مجلس الشافعي فقال البويطي : أنا أحق به منك ، وقال ابن عبد الحكم : أنا أحق بمجلسه منك ، فجاء أبو بكر الحميدي وكان في تلك الأيام بمصر فقال : قال الشافعي : ليس أحد أحق بمجلسي من يوسف بن يحيى وليس أحد من أصحابي أعلم منه ، فقال له ابن عبد الحكم: كذبت ، فقال الحميدي : كذبت أنت وكذب أبوك وكذبت أمك ، وغضب ابن عبد الحكم فترك مجلس الشافعي وتقدم فجلس في الطاق وترك طاقاً بين مجلس الشافعي ومجلسه وجلس البويطي في مجلس الشافعي في الطاق الذي كان يجلس فيه.
وقال أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم : رأيت أبي في المنام فقال لي : يا بني عليك بكتاب البويطي فليس في الكتب أقل خطأ منه ، وقال الربيع بن سليمان : كنت عند الشافعي أنا والمزني وأبو يعقوب البويطي فنظر إلينا فقال لي : أنت تموت في الحديث ، وقال للمزني : هذا لو ناظره الشيطان قطعه أو جدّله ، وقال للبويطي : أنت تموت في الحديد ، قال الربيع : فدخلت على البويطي أيم المحنة فرأيته مقيداً إلى أنصاف ساقيه مغلولة يداه إلى عنقه.
وقال الربيع أيضاً : كتب إليّ أبو يعقوب من السجن : إنه ليأتي علي أوقات لا أحس بالحديد أنه على بدني حتى تمسه يدي فإذا قرأت كتابي هذا فأحسن خلقك مع أهل حلقتك واستوص بالغرباء خاصة خيراً فكثيراً ما كنت أسمع الشافعي رضي الله عنه يتمثل بهذا البيت : أهين لهم نفسي لأكرمها بهم .. ولن تكرم النفس التي لا تهينها ، وأخباره كثيرة.
وتوفي يوم الجمعة قبل الصلاة في رجب سنة إحدى وثلاثين ومائتين، في القيد والسجن ببغداد وقيل إنه توفي سنة اثنتين وثلاثين والأول أصح رحمه الله تعالى وقال ابن القرّاب في تاريخه : توفي يوم الثلاثاء في رجب والله أعلم ، والبويطي بضم الباء الموحدة وفتح الواو وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها طاء مهملة هذه النسبة إلى بويط وهي قرية من أعمال الصعيد الأدنى من ديار مصر “.
وذكره السبكي في طبقات الشافعية الكبرى فقال : ” يُوسُف بن يحيى الإِمَام الْجَلِيل أَبُو يَعْقُوب البويطى المصرى ، وبويط من صَعِيد مصر وَهُوَ أكبر أَصْحَاب الشافعى المصريين ، كَانَ إِمَامًا جَلِيلًا عابدا زاهدا فَقِيها عَظِيما مناظرا جبلا من جبال الْعلم وَالدّين غَالب أوقاته الذّكر والتشاغل بِالْعلمِ غَالب ليله التَّهَجُّد والتلاوة سريع الدمعة ، تفقه على الشافعى واختص بِصُحْبَتِهِ وَحدث عَنهُ وَعَن عبد الله بن وهب وَغَيرهمَا ، روى عَنهُ الرّبيع المرادى وَهُوَ رَفِيقه وَإِبْرَاهِيم الحربى وَمُحَمّد بن إِسْمَاعِيل الترمذى وَأَبُو حَاتِم وَقَالَ صَدُوق وَأحمد بن إِبْرَاهِيم بن فيل وَالقَاسِم بن هِشَام السمسار وَآخَرُونَ.
وَله الْمُخْتَصر الْمَشْهُور والذى اخْتَصَرَهُ من كَلَام الشافعى رضى الله عَنهُ قَالَ أَبُو عَاصِم هُوَ فى غَايَة الْحسن على نظم أَبْوَاب الْمَبْسُوط ، قلت وقفت عَلَيْهِ وَهُوَ مَشْهُور ، قَالَ أَبُو عَاصِم كَانَ الشافعى رضى الله عَنهُ يعْتَمد البويطى فى الْفتيا ويحيل عَلَيْهِ إِذا جَاءَتْهُ مَسْأَلَة قَالَ واستخلفه على أَصْحَابه بعد مَوته فتخرجت على يَدَيْهِ أَئِمَّة تفَرقُوا فى الْبِلَاد ونشروا علم الشافعى فى الْآفَاق ، وَقَالَ الرّبيع كَانَ أَبُو يَعْقُوب من الشافعى بمَكَان مكين “.

30 / شرح السنة
(شرح السنة) هو عنوان الكتاب الذي صنفه واحد من كبار تلاميذ الإمام الشافعي وهو الفقيه الإمام إسماعيل بن يحيى المزني الذي ولد في مصر عام 175 هـ / 791 م وتوفي فيها عام 264 هـ / 878 م ويرجع في نسبه إلى قبيلة مزينة العربية التي دخلت مصر مع الفتح الإسلامي ، وهو من أهم المؤلفين في مذهب الشافعية حيث قامت كتبه ومصنفاته بدور كبير في نشر المذهب وتثبيت أركانه في مصر على مدار القرن الثالث الهجري وتتلمذ على يده عدد كبير من الفقهاء والمحدثين.
قال عنه الإمام الشافعي : المزني ناصر مذهبي ، وقال في قوة حجته : لو ناظر الشيطان لغلبه ! ، ومن مؤلفاته كتاب مختصر المزني في الفقه وكتاب الأمر والنهي على معنى الشافعي وكتاب الجامع الكبير وكتاب الجامع الصغير وكتاب الترغيب في العلم ، ثم صنف كتاب (شرح السنة) بطلب من تلاميذه ليشرح لهم فيها باختصار مسائل العقيدة من واقع السنة النبوية حيث صار الكتاب بعد ذلك هو المرجع الأهم لفقهاء الشافعهية في أصول الدين.
وفي مقدمة الكتاب يحكي تلميذه عَليّ بن عبد الله الْحلْوانِي سبب طلب التلاميذ تأليف الكتاب من شيخهم ومناسبة ذلك فيقول : ” كنت بطرابلس الْمغرب فَذكرت أَنا وَأَصْحَاب لنا السّنة إِلَى أَن ذكرنَا أَبَا إِبْرَاهِيم الْمُزنِيّ رَحمَه الله فَقَالَ بعض أَصْحَابنَا بَلغنِي أَنه كَانَ يتَكَلَّم فِي الْقُرْآن وَيقف عِنْده وَذكر آخر أَنه يَقُوله إِلَى ان اجْتمع مَعنا قوم آخَرُونَ فغم النَّاس ذَلِك غما شَدِيدا فكتبنا إِلَيْهِ كتابا نُرِيد أَن نستعلم مِنْهُ يكْتب إِلَيْنَا شرح السّنة فِي الْقدر والإرجاء وَالْقُرْآن والبعث والنشور والموازين وَفِي النّظر فَكتب إِلَيْنَا :
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم ، عصمنا الله وَإِيَّاكُم بالتقوى ووفقنا وَإِيَّاكُم لموافقة الْهدى أما بعد فَإنَّك أصلحك الله سَأَلتنِي أَن أوضح لَك من السّنة أمرا تصبر نَفسك على التَّمَسُّك بِهِ وتدرأ بِهِ عَنْك شبه الْأَقَاوِيل وزيغ محدثات الضَّالّين وَقد شرحت لَك منهاجا موضحا منيرا لم آل نَفسِي وَإِيَّاك فِيهِ نصحا بدأت فِيهِ بِحَمْد الله ذِي الرشد والتسديد ، الْحَمد لله أَحَق من ذكر وَأولى من شكر وَعَلِيهِ أثني الْوَاحِد الصَّمد الَّذِي لَيْسَ لَهُ صَاحِبَة وَلَا ولد جلّ عَن المثيل فَلَا شَبيه لَهُ وَلَا عديل السَّمِيع الْبَصِير الْعَلِيم الْخَبِير المنيع الرفيع … إلخ “.
ومن عباراته التي نص عليها الكتاب وحددت معالم المذهب في العلاقة بين الإيمان والعمل قوله : ” وَالْإِيمَان قَول وَعمل مَعَ اعْتِقَاده بالجنان قَول بِاللِّسَانِ وَعمل بالجوارح والأركان وهما سيان ونظامان وقرينان لَا نفرق بَينهمَا لَا إِيمَان إِلَّا بِعَمَل وَلَا عمل إِلَّا بِإِيمَان ، والمؤمنون فِي الْإِيمَان يتفاضلون وبصالح الْأَعْمَال هم متزايدون وَلَا يخرجُون بِالذنُوبِ من الْإِيمَان وَلَا يكفرون بركوب كَبِيرَة وَلَا عصيان وَلَا نوجب لمحسنهم الْجنان بعد من أوجب لَهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَا نشْهد على مسيئهم بالنَّار “.
وقد ذكره ابن يونس الصدفي في كتابه تاريخ المصريين فقال : ” إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل بن عمرو بن مسلم المزنىّ المصرى يكنى أبا إبراهيم وهو صاحب الشافعى ، توفى يوم الأربعاء لستّ بقين من شهر رمضان سنة أربع وستين ومائتين بمصر ودفن بالقرب من تربة الإمام الشافعى (رضى الله عنه) بالقرافة الصغرى بسفح المقطّم رحمه الله تعالى وزرت قبره هناك .
وكانت له عبادة وفضل ثقة فى الحديث لا يختلف فيه حاذق فى الفقه يلزم الرباط وكان أحد الزهّاد فى الدنيا ، وكان من خيار خلق الله تعالى ومناقبه كثيرة ، حدثنى إبراهيم بن محمد الضحّاك قال : سمعت المزنى يقول : عانيت غسل الموتى ليرق قلبى فصار ذلك لى عادة “.
وذكره ابن خلكان في كتابه وفيات الأعيان فقال : ” المزني صاحب الشافعي .. أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل بن عمرو بن إسحاق المزني صاحب الإمام الشافعي رضي الله عنه ؛ هو من أهل مصر وكان زاهداً عالماً مجتهداً محجاجاً غواصا على المعاني الدقيقة وهو غمام الشافعيين وأعرفهم بطرقه وفتاويه وما ينقله عنه ، صنف كتباً كثيرة في مذهب الإمام الشافعي منها الجامع الصغير ومختصر المختصر والمنثور والمسائل المعتبرة والترغيب في العلم وكتاب الوثائق وغير ذلك.
وقال الشافعي رضي الله عنه في حقه : المزني ناصر مذهبي ، وكان إذا فرغ من مسألة وأودعها مختصره قام إلى المحراب وصلى ركعتين شكرا لله تعالى ، وقال أبو العباس أحمد بن سريج : يخرج مختصر المزني من الدنيا عذراء لم تفض وهو أصل الكتب المصنفة في مذهب الشافعي رضي الله عنه وعلى مثاله رتبوا ولكلامه فسروا وشرحوا.
ولما ولي القاضي بكار بن قتيبة القضاء بمصروجاءها من بغداد وكان حنفي المذهب توقع الاجتماع بالمزني مدة فلم يتفق له ، فاجتمعا يوماً في صلاة جنازة فاقل القاضي بكار لأحد أصحابه : سل المزني شيئاً حتى أسمع كلامه ، فقال له ذلك الشخص : يا أبا إبراهيم قد جاء في الأحاديث تحريم النبيذ وجاء تحليله أيضاً فلم قدمتم التحريم على التحليل ، فقال المزني : لم يذهب أحد من العلماء إلى ان النبيذ كان حراما في الجاهلية ثم حلل ووقع الاتفاق على انه كان حلالاً فهذا يعضد صحة الأحاديث بالتحريم ، فاستحسن ذلك منه وهذا من الدلة القاطعة.
وكان في غاية الورع وبلغ من احتياطه أنه كان يشرب في جميع فصول السنة من كوز نحاس فقيل له في ذلك فقال : بلغني أنهم يستعملون السرجين في الكيزان والنار لا تطهرها ، وقيل إنه كان إذا فاتته الصلاة في جماعة صلى منفرداً خمساً وعشرين صلاة استراكا لفضيلة الجماعة مستنداً في ذلك إلى قوله صلى الله عليه وسلم صلاة الجماعة أفضل من صلاة أحدكم وحده بخمس وعشرين درجة.
وكان من الزهد على طريقة صعبة شديدة وكان مجاب الدعوة، ولم يكن أحد من أصحاب الشافعي يحدث نفسه في شيء من الأشياء بالتقديم عليه وهوالذي تولى غسل الإمام الشافعي وقيل : كان معه أيضاً حينئذ الربيع .. وذكر ابن زولاق في تاريخه الصغير أنه عاش تسعاً وثمانين سنة وصلى عليه الربيع بن سليمان المؤذن المرادي ، والمزني – بضم الميم وفتح الزاي وبعدها نون – هذه النسبة إلى مزينة بنت كلب وهي قبيلة كبيرة مشهورة “.
وذكره الحافظ الذهبي في كتابه سير أعلام النبلاء فقال : ” المزني .. الإمام العلامة فقيه الملة علم الزهاد أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل بن عمرو بن مسلم المزني المصري تلميذ الشافعي ، مولده في سنة موت الليث بن سعد سنة خمس وسبعين ومائة ، حدث عن الشافعي وعن علي بن معبد بن شداد ونعيم بن حماد وغيرهم ، وهو قليل الرواية ولكنه كان رأسا في الفقه .
حدث عنه إمام الأئمة أبو بكر بن خزيمة وأبو الحسن بن جوصا وأبو بكر بن زياد النيسابوري وأبو جعفر الطحاوي وأبونعيم بن عدي وعبد الرحمن بن أبي حاتم وأبو الفوارس بن الصابوني وخلق كثير من المشارقة والمغاربة ، وامتلأت البلاد بمختصره في الفقه وشرحه عدة من الكبار بحيث يقال : كانت البكر يكون في جهازها نسخة بمختصر المزني .
أخبرنا عمر بن القواس أخبرنا زيد بن الحسن كتابة أخبرنا أبو الحسن بن عبد السلام حدثنا الفقيه أبو إسحاق قال : فأما الشافعي رحمه الله فقد انتقل فقهه إلى أصحابه فمنهم أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل بن عمرو بن إسحاق المزني مات بمصر في سنة أربع وستين ومائتين ، قال : وكان زاهدا عالما مناظرا محجاجا غواصا على المعاني الدقيقة صنف كتبا كثيرة : الجامع الكبير و الجامع الصغير والمنثور والمسائل المعتبرة والترغيب في العلم وكتاب الوثائق “.