
1 / الفتاوى المصرية
” إذا طَرَقَ العدوُّ بلادَ الإسلام وجب على العالَم قتالُهم .. وجاز لكم أن تأخذوا من الرعية ما تستعينون به على جهادكم بشرط أن لا يبقى في بيت المال شيء من السلاح والسروج الذهبية والفضية والكبابيس المزركشة وأسْقاط السيوف والفضة وغير ذلك وأن تبيعوا مالكم من الحوائص الذهبية والآلات النفيسة ويقتصرَ كلُّ الجند على سلاحه ومركوبه ويتساووا هم والعامة .. وأما أخذ الأموال من العامة مع بقايا في أيدي الجند من الأموال والآلات الفاخرة فلا “.
بهذه العبارة القاطعة حسم الشيخ العز بن عبد السلام الجدل الذي دار في بلاط الملك المنصور بن أيبك حيث كان من المقرر وقتها فرض ضرائب على عامة الناس وحدهم دون الأمراء لمواجهة التتار الذين كانوا على أبواب مصر ، فأفتى الشيخ بهذه الفتوى وقبل بها السلطان الجديد المظفر سيف الدين قطز وبدأ بنفسه فباع كل ما يملك وأمر الوزراء والأمراء أن يفعلوا ذلك فانصاع الجميع وامتثلوا لأمره وجُمعت هذه الأموال فضُربت سكاً ونقداً وأنفقت في تجهيز الجيش لمحاربة التتار في معركة عين جالوت .
ولم تكن هذه أول مرة يصدح فيها هذا العالم الجليل بكلمة الحق ففي الشام واجه الملك الأشرف موسى الذي كان منحازا إلى المتشددين من الحنابلة ثم واجه الصالح إسماعيل الذي تحالف مع الفرنجة حيث أفتى بالخروج عليه فتم اعتقاله وبدأت معه مساومات حيث طلب منه أن يعتذر ويقبل يد الصالح فأجاب في قوة : يا مسكين ما أرضاه أن يُقبل يدي فضلاً أن أقبّل يده يا قوم أنتم في وادٍ وأنا في وادٍ والحمد لله الذي عافاني مما ابتلاكم به .
وفي مصر واجه سطوة المماليك وأصر على إبطال معاملاتهم حتى يقوم الصالح نجم الدين ايوب بعتقهم فاستجاب السلطان للأمر وواجه نائب السلطنة الأمير معين الدين بن شيخ الشيوخ عندما بنى قاعة للهو فوق سطح أحد المساجد .. وكان ينادي على السلطان باسمه مجردا : يا أيوب ، رغم أن الملك الصالح هو الذي أخرجه من السجن وولاه القضاء ، ولم يقبل تولي بيبرس السلطنة ويعترف بشرعيته إلا بعد أن أحضر ما يثبت عتقه.
إنه ذلك الرجل المهيب عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم بن حسن السلمي الدمشقي والذي جمع بين العلم والتصوف فكان شيخ المذهب الشافعي في زمنه وفي نفس الوقت تلميذا لواحد من أهم رجال التصوف وهو السيد أبو الحسن الشاذلي ، وقد شارك بنفسه في معركتي المنصورة وعين جالوت واستحق عن جدارة اللقب الذي أطلقه عليه تلميذه قاضي القضاة تقي الدين ابن دقيق العيد والذي اشتهر به وصار علما عليه وهو لقب (سلطان العلماء).
وكتابه (الفتاوى المصرية) يتضمن أجوبة على أسئلة في الفقه والتفسير وعلم الكلام وموضوعات أخرى وتوجد منها نسخة في دار الكتب المصرية برقم (14 مجاميع) وقد اشتملت على الفتاوى الموصلية أيضا ونسخة أخرى في مكتبة برلين برقم 4986 وفق ما ذكره الأستاذ عبد الرحمن عبد الفتاح محقق كتاب الفتاوى للإمام العز بن عبد السلام.
وقد نبغ من أولاده في مجال الفقه والوعظ : إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد السلام ويُكْنى بأبي إسحاق خطيب جامع العُقَيْبة بدمشق واعظ زاهد وُلد سنة 611 هـ وتُوفِّي سنة 686 هـ ، وعبد اللطيف بن عبد العزيز بن عبد السلام وُلد سنة 628 هـ وتُوفِّي بالقاهرة سنة 695 هـ وكان يَعرف تصانيف والده معرفة حسنة كما درس سيرته وكتب جانباً من ذلك.
وهو أشهر من نار على علم وترجم له المؤرخون وأثنوا عليه وعلى مواقفه ، ونكتفي هنا بقسم من ترجمته في كتاب طبقات الشافعية الكبرى والتي ضمت الكثير من مواقفه وما مر به من أحداث جسام حيث يقول تاج الدين السبكي : عبد الْعَزِيز بن عبد السَّلَام بن أبي الْقَاسِم بن حسن بن مُحَمَّد ابْن مهذب السّلمِيّ.
شيخ الْإِسْلَام وَالْمُسْلِمين وَأحد الْأَئِمَّة الْأَعْلَام سُلْطَان الْعلمَاء إِمَام عصره بِلَا مدافعة الْقَائِم بِالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر فِي زَمَانه المطلع على حقائق الشَّرِيعَة وغوامضها الْعَارِف بمقاصدها لم ير مثل نَفسه وَلَا رأى من رَآهُ مثله علما وورعا وقياما فِي الْحق وشجاعة وَقُوَّة جنان وسلاطة لِسَان ، ولد سنة سبع أَو سنة ثَمَان وَسبعين وَخَمْسمِائة.
تفقه على الشَّيْخ فَخر الدّين ابْن عَسَاكِر وَقَرَأَ الْأُصُول على الشَّيْخ سيف الدّين الْآمِدِيّ وَغَيره وَسمع الحَدِيث من الْحَافِظ أبي مُحَمَّد الْقَاسِم بن الْحَافِظ الْكَبِير أبي الْقَاسِم ابْن عَسَاكِر وَشَيخ الشُّيُوخ عبد اللَّطِيف بن إِسْمَاعِيل بن أبي سعد الْبَغْدَادِيّ وَعمر بن مُحَمَّد بن طبرزد وحنبل بن عبد الله الرصافي وَالْقَاضِي عبد الصَّمد بن مُحَمَّد الحرستاني وَغَيرهم وَحضر على بَرَكَات بن إِبْرَاهِيم الخشوعي.
روى عَنهُ تلامذته شيخ الْإِسْلَام ابْن دَقِيق الْعِيد وَهُوَ الَّذِي لقب الشَّيْخ عز الدّين سُلْطَان الْعلمَاء وَالْإِمَام عَلَاء الدّين أَبُو الْحسن الْبَاجِيّ وَالشَّيْخ تَاج الدّين ابْن الفركاح والحافظ أَبُو مُحَمَّد الدمياطي والحافظ أَبُو بكر مُحَمَّد بن يُوسُف بن مسدي والعلامة أَحْمد أَبُو الْعَبَّاس الدشناوي والعلامة أَبُو مُحَمَّد هبة الله القفطي وَغَيرهم ، روى لنا عَنهُ الختني.
درس بِدِمَشْق أَيَّام مقَامه بهَا بالزاوية الغزالية وَغَيرهَا وَولي الخطابة والإمامة بالجامع الْأمَوِي ، قَالَ الشَّيْخ شهَاب الدّين أَبُو شامة أحد تلامذة الشَّيْخ وَكَانَ أَحَق النَّاس بالخطابة والإمامة وأزال كثيرا من الْبدع الَّتِي كَانَ الخطباء يفعلونها من دق السَّيْف على المنبر وَغير ذَلِك وأبطل صَلَاتي الرغائب وَنصف شعْبَان وَمنع مِنْهُمَا.
قلت وَاسْتمرّ الشَّيْخ عز الدّين بِدِمَشْق إِلَى أثْنَاء أَيَّام الصَّالح إِسْمَاعِيل الْمَعْرُوف بِأبي الخيش فاستعان أَبُو الخيش بالفرنج وَأَعْطَاهُمْ مَدِينَة صيدا وقلعة الشقيف فَأنْكر عَلَيْهِ الشخ عز الدّين وَترك الدُّعَاء لَهُ فِي الْخطْبَة وساعده فِي ذَلِك الشَّيْخ أَبُو عَمْرو ابْن الْحَاجِب الْمَالِكِي فَغَضب السُّلْطَان مِنْهُمَا فَخَرَجَا إِلَى الديار المصرية فِي حُدُود سنة تسع وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة فَلَمَّا مر الشَّيْخ عز الدّين بالكرك تَلقاهُ صَاحبهَا وَسَأَلَهُ الْإِقَامَة عِنْده فَقَالَ لَهُ بلدك صَغِير على علمي.
ثمَّ توجه إِلَى الْقَاهِرَة فَتَلقاهُ سلطانها الْملك الصَّالح نجم الدّين أَيُّوب بن الْكَامِل وأكرمه وولاه خطابة جَامع عَمْرو ابْن الْعَاصِ بِمصْر وَالْقَضَاء بهَا وبالوجه القبلي مُدَّة فاتفق أَن أستاذ دَاره فَخر الدّين عُثْمَان بن شيخ الشُّيُوخ وَهُوَ الَّذِي كَانَ إِلَيْهِ أَمر المملكة عمد إِلَى مَسْجِد بِمصْر فَعمل على ظَهره بِنَاء لطبل خانات وَبقيت تضرب هُنَالك فَلَمَّا ثَبت هَذَا عِنْد الشَّيْخ عز الدّين حكم بهدم ذَلِك الْبناء وَأسْقط فَخر الدّين ابْن الشَّيْخ وعزل نَفسه من الْقَضَاء وَلم تسْقط بذلك منزلَة الشَّيْخ عِنْد السُّلْطَان وَلكنه لم يعده إِلَى الْولَايَة.
وَظن فَخر الدّين وَغَيره أَن هَذَا الحكم لَا يتأثر بِهِ فَخر الدّين فِي الْخَارِج فاتفق أَن جهز السُّلْطَان الْملك الصَّالح رَسُولا من عِنْده إِلَى الْخَلِيفَة المستعصم بِبَغْدَاد فَلَمَّا وصل الرَّسُول إِلَى الدِّيوَان ووقف بَين يَدي الْخَلِيفَة وَأدّى الرسَالَة خرج إِلَيْهِ وَسَأَلَهُ هَل سَمِعت هَذِه الرسَالَة من السُّلْطَان فَقَالَ لَا وَلَكِن حملنيها عَن السُّلْطَان فَخر الدّين ابْن شيخ الشُّيُوخ أستاذ دَاره فَقَالَ الْخَلِيفَة إِن الْمَذْكُور أسْقطه ابْن عبد السَّلَام فَنحْن لَا نقبل رِوَايَته فَرجع الرَّسُول إِلَى السُّلْطَان حَتَّى شافهه بالرسالة ثمَّ عَاد إِلَى بَغْدَاد وأداها.
ثمَّ بنى السُّلْطَان مدرسة الصالحية الْمَعْرُوفَة بَين القصرين بِالْقَاهِرَةِ وفوض تدريس الشَّافِعِيَّة بهَا إِلَى الشَّيْخ عز الدّين فباشره وتصدى لنفع النَّاس بِعُلُومِهِ وَلما اسْتَقر مقَامه بِمصْر أكْرمه حَافظ الديار المصرية وزاهدها عبد الْعَظِيم الْمُنْذِرِيّ وَامْتنع من الْفتيا وَقَالَ كُنَّا نفتي قبل حُضُور الشَّيْخ عز الدّين وَأما بعد حُضُوره فمنصب الْفتيا مُتَعَيّن فِيهِ.
سَمِعت الشَّيْخ الإِمَام رَحمَه الله يَقُول سَمِعت شَيخنَا الْبَاجِيّ يَقُول طلع شَيخنَا عز الدّين مرّة إِلَى السُّلْطَان فِي يَوْم عيد إِلَى القلعة فشاهد العساكر مصطفين بَين يَدَيْهِ ومجلس المملكة وَمَا السُّلْطَان فِيهِ يَوْم الْعِيد من الأبهة وَقد خرج على قومه فِي زينته على عَادَة سلاطين الديار المصرية وَأخذت الْأُمَرَاء تقبل الأَرْض بَين يَدي السُّلْطَان.
فَالْتَفت الشَّيْخ إِلَى السُّلْطَان وناداه يَا أَيُّوب مَا حجتك عِنْد الله إِذا قَالَ لَك ألم أبوئ لَك ملك مصر ثمَّ تبيح الْخُمُور فَقَالَ هَل جرى هَذَا فَقَالَ نعم الحانة الْفُلَانِيَّة يُبَاع فِيهَا الْخُمُور وَغَيرهَا من الْمُنْكَرَات وَأَنت تتقلب فِي نعْمَة هَذِه المملكة يُنَادِيه كَذَلِك بِأَعْلَى صَوته والعساكر واقفون فَقَالَ يَا سَيِّدي هَذَا أَنا مَا عملته هَذَا من زمَان أبي فَقَالَ أَنْت من الَّذين يَقُولُونَ {إِنَّا وجدنَا آبَاءَنَا على أمة} فرسم السُّلْطَان بِإِبْطَال تِلْكَ الحانة.
سَمِعت الشَّيْخ الإِمَام يَقُول سَمِعت الْبَاجِيّ يَقُول سَأَلت الشَّيْخ لما جَاءَ من عِنْد السُّلْطَان وَقد شاع هَذَا الْخَبَر يَا سَيِّدي كَيفَ الْحَال فَقَالَ يَا بني رَأَيْته فِي تِلْكَ العظمة فَأَرَدْت أَن أهينه لِئَلَّا تكبر نَفسه فتؤذيه فَقلت يَا سَيِّدي أما خفته فَقَالَ وَالله يَا بني استحضرت هَيْبَة الله تَعَالَى فَصَارَ السُّلْطَان قدامي كالقط ، وَرَأَيْت فِي بعض المجاميع أَن الَّذِي سَأَلَهُ هَذَا السُّؤَال تِلْمِيذه الشَّيْخ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن النُّعْمَان فَلَعَلَّ الْبَاجِيّ وَابْن النُّعْمَان سألاه.
سَمِعت الشَّيْخ الإِمَام يَقُول كَانَ الشَّيْخ عز الدّين فِي أول أمره فَقِيرا جدا وَلم يشْتَغل إِلَّا على كبر وَسبب ذَلِك أَنه كَانَ يبيت فِي الكلاسة من جَامع دمشق فَبَاتَ بهَا لَيْلَة ذَات برد شَدِيد فَاحْتَلَمَ فَقَامَ مسرعا وَنزل فِي بركَة الكلاسة فَحصل لَهُ ألم شَدِيد من الْبرد وَعَاد فَنَامَ فَاحْتَلَمَ ثَانِيًا فَعَاد إِلَى الْبركَة لِأَن أَبْوَاب الْجَامِع مغلقة وَهُوَ لَا يُمكنهُ الْخُرُوج فطلع فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ من شدَّة الْبرد أَنا أَشك هَل كَانَ الشَّيْخ الإِمَام يَحْكِي أَن هَذَا اتّفق لَهُ ثَلَاث مَرَّات تِلْكَ اللَّيْلَة أَو مرَّتَيْنِ فَقَط ثمَّ سمع النداء فِي الْمرة الْأَخِيرَة يَا ابْن عبد السَّلَام أَتُرِيدُ الْعلم أم الْعَمَل فَقَالَ الشَّيْخ عز الدّين الْعلم لِأَنَّهُ يهدي إِلَى الْعَمَل فَأصْبح وَأخذ التَّنْبِيه فحفظه فِي مُدَّة يسيرَة وَأَقْبل على الْعلم فَكَانَ أعلم أهل زَمَانه وَمن أعبد خلق الله تَعَالَى.
سَمِعت الشَّيْخ الإِمَام رَحمَه الله تَعَالَى يَقُول سَمِعت الشَّيْخ صدر الدّين أَبَا زَكَرِيَّا يحيى ابْن عَليّ السُّبْكِيّ يَقُول كَانَ فِي الرِّيف شخص يُقَال لَهُ عبد الله البلتاجي من أَوْلِيَاء الله تَعَالَى وَكَانَت بَينه وَبَين الشَّيْخ عز الدّين صداقة وَكَانَ يهدي لَهُ فِي كل عَام فَأرْسل إِلَيْهِ مرّة حمل جمل هَدِيَّة وَمن جملَته وعَاء فِيهِ جبن.
فَلَمَّا وصل الرَّسُول إِلَى بَاب الْقَاهِرَة انْكَسَرَ ذَلِك الْوِعَاء وتبدد مَا فِيهِ فتألم الرَّسُول لذَلِك فَرَآهُ شخص ذمِّي فَقَالَ لَهُ لم تتألم عِنْدِي مَا هُوَ خير مِنْهُ قَالَ الرَّسُول فاشتريت مِنْهُ بدله وَجئْت فَمَا كَانَ إِلَّا بِقدر أَن وصلت إِلَى بَاب الشَّيْخ وَلم يعلم بِي وَلَا بِمَا جرى لي غير الله تَعَالَى وَإِذا بشخص نزل من عِنْد الشَّيْخ وَقَالَ اصْعَدْ بِمَا جِئْت فناولته شَيْئا فَشَيْئًا إِلَى أَن سلمته ذَلِك الْجُبْن فطلع ثمَّ نزل فَقلت أَعْطيته للشَّيْخ فَقَالَ أَخذ الْجَمِيع إِلَّا الْجُبْن ووعاءه فَإِنَّهُ قَالَ لي ضَعْهُ على الْبَاب فَلَمَّا طلعت أَنا قَالَ لي يَا وَلَدي ليش تفعل هَذَا إِن الْمَرْأَة الَّتِي حلبت لبن هَذَا الْجُبْن كَانَت يَدهَا متنجسة بالخنزير ورده وَقَالَ سلم على أخي.
وَحكى قَاضِي الْقُضَاة بدر الدّين بن جمَاعَة رَحمَه الله أَن الشَّيْخ لما كَانَ بِدِمَشْق وَقع مرّة غلاء كَبِير حَتَّى صَارَت الْبَسَاتِين تبَاع بِالثّمن الْقَلِيل فَأَعْطَتْهُ زَوجته مصاغا لَهَا وَقَالَت اشْتَرِ لنا بِهِ بستانا نصيف بِهِ فَأخذ ذَلِك المصاغ وَبَاعه وَتصدق بِثمنِهِ فَقَالَت يَا سَيِّدي اشْتريت لنا قَالَ نعم بستانا فِي الْجنَّة إِنِّي وجدت النَّاس فِي شدَّة فتصدقت بِثمنِهِ فَقَالَت لَهُ جَزَاك الله خيرا.
وَحكى أَنه كَانَ مَعَ فقره كثير الصَّدقَات وَأَنه رُبمَا قطع من عمَامَته وَأعْطى فَقِيرا يسْأَله إِذا لم يجد مَعَه غير عمَامَته وَفِي هَذِه الْحِكَايَة مَا يدل على أَنه كَانَ يلبس الْعِمَامَة وَبَلغنِي أَنه كَانَ يلبس قبع لباد وَأَنه كَانَ يحضر المواكب السُّلْطَانِيَّة بِهِ فَكَأَنَّهُ كَانَ يلبس تَارَة هَذَا وَتارَة هَذَا على حسب مَا يتَّفق من غير تكلّف.
قَالَ شيخ الْإِسْلَام ابْن دَقِيق الْعِيد كَانَ ابْن عبد السَّلَام أحد سلاطين الْعلمَاء ، وَعَن الشَّيْخ جمال الدّين ابْن الْحَاجِب أَنه قَالَ ابْن عبد السَّلَام أفقه من الْغَزالِيّ ، وَحكى القَاضِي عز الدّين الهكاري ابْن خطيب الأشمونين فِي مُصَنف لَهُ ذكر فِيهِ سيرة الشَّيْخ عز الدّين أَن الشَّيْخ عز الدّين أفتى مرّة بِشَيْء ثمَّ ظهر لَهُ أَنه خطأ فَنَادَى فِي مصر والقاهرة على نَفسه من أفتى لَهُ فلَان بِكَذَا فَلَا يعْمل بِهِ فَإِنَّهُ خطأ.
وَذكر أَن الشَّيْخ عز الدّين لبس خرقَة التصوف من الشَّيْخ شهَاب الدّين السهروردي وَأخذ عَنهُ وَذكر أَنه كَانَ يقْرَأ بَين يَدَيْهِ رِسَالَة الْقشيرِي فحضره مرّة الشَّيْخ أَبُو الْعَبَّاس المرسي لما قدم من الْإسْكَنْدَريَّة إِلَى الْقَاهِرَة فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ عز الدّين تكلم على هَذَا الْفَصْل فَأخذ المرسي يتَكَلَّم وَالشَّيْخ عز الدّين يزحف فِي الْحلقَة وَيَقُول اسمعوا هَذَا الْكَلَام الَّذِي هُوَ حَدِيث عهد بربه ، وَقد كَانَت للشَّيْخ عز الدّين الْيَد الطُّولى فِي التصوف وتصانيفه قاضية بذلك.
ذكر وَاقعَة التتار وَمَا كَانَ من سُلْطَان الْعلمَاء فِيهَا : وحاصلها أَن التتار لما دهمت الْبِلَاد عقيب وَاقعَة بَغْدَاد .. وَجبن أهل مصر عَنْهُم وَضَاقَتْ بالسلطان وعساكره الأَرْض استشاروا الشَّيْخ عز الدّين رَحمَه الله فَقَالَ اخْرُجُوا وَأَنا أضمن لكم على الله النَّصْر فَقَالَ السُّلْطَان لَهُ إِن المَال فِي خزانتي قَلِيل وَأَنا أُرِيد أَن أقترض من أَمْوَال التُّجَّار فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ عز الدّين إِذا أحضرت مَا عنْدك وَعند حريمك وأحضر الْأُمَرَاء مَا عِنْدهم من الْحلِيّ الْحَرَام وضربته سكَّة ونقدا وفرقته فِي الْجَيْش وَلم يقم بكفايتهم ذَلِك الْوَقْت اطلب الْقَرْض وَأما قبل ذَلِك فَلَا فأحضر السُّلْطَان والعسكر كلهم مَا عِنْدهم من ذَلِك بَين يَدي الشَّيْخ وَكَانَ الشَّيْخ لَهُ عَظمَة عِنْدهم وهيبة بِحَيْثُ لَا يَسْتَطِيعُونَ مُخَالفَته فامتثلوا أمره فانتصروا.
وَمِمَّا يدل على مَنْزِلَته الرفيعة عِنْدهم أَن الْملك الظَّاهِر بيبرس لم يُبَايع وَاحِدًا من الْخَلِيفَة الْمُسْتَنْصر والخليفة الْحَاكِم إِلَّا بعد أَن تقدمه الشَّيْخ عز الدّين للمبايعة ثمَّ بعده السُّلْطَان ثمَّ الْقُضَاة وَلما مرت جَنَازَة الشَّيْخ عز الدّين تَحت القلعة وَشَاهد الْملك الظَّاهِر كَثْرَة الْخلق الَّذين مَعهَا قَالَ لبَعض خواصه الْيَوْم اسْتَقر أَمْرِي فِي الْملك لِأَن هَذَا الشَّيْخ لَو كَانَ يَقُول للنَّاس اخْرُجُوا عَلَيْهِ لانتزع الْملك مني.
ذكر وَاقعَة الفرنج على دمياط : وَكَانَت قبل ذَلِك وصلوا إِلَى المنصورة فِي المراكب واستظهروا على الْمُسلمين وَكَانَ الشَّيْخ مَعَ الْعَسْكَر وقويت الرّيح فَلَمَّا رأى الشَّيْخ حَال الْمُسلمين نَادَى بِأَعْلَى صَوته مُشِيرا بِيَدِهِ إِلَى الرّيح يَا ريح خُذِيهِمْ عدَّة مرار فَعَادَت الرّيح على مراكب الفرنج فكسرتها وَكَانَ الْفَتْح وغرق أَكثر الفرنج وصرخ من بَين يَدي الْمُسلمين صارخ الْحَمد لله الَّذِي أرانا فِي أمة مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رجلا سخر لَهُ الرّيح.
ذكر كائنة الشَّيْخ مَعَ أُمَرَاء الدولة من الأتراك : وهم جمَاعَة ذكر أَن الشَّيْخ لم يثبت عِنْده أَنهم أَحْرَار وَأَن حكم الرّقّ مستصحب عَلَيْهِم لبيت مَال الْمُسلمين فَبَلغهُمْ ذَلِك فَعظم الْخطب عِنْدهم فِيهِ وأضرم الْأَمر وَالشَّيْخ مصمم لَا يصحح لَهُم بيعا وَلَا شِرَاء وَلَا نِكَاحا وتعطلت مصالحهم بذلك وَكَانَ من جُمْلَتهمْ نَائِب السلطنة فاستشاط غَضبا فَاجْتمعُوا وَأَرْسلُوا إِلَيْهِ فَقَالَ نعقد لكم مَجْلِسا وينادى عَلَيْكُم لبيت مَال الْمُسلمين وَيحصل عتقكم بطرِيق شَرْعِي.
فَرفعُوا الْأَمر إِلَى السُّلْطَان فَبعث إِلَيْهِ فَلم يرجع فجرت من السُّلْطَان كلمة فِيهَا غلظة حاصلها الْإِنْكَار على الشَّيْخ فِي دُخُوله فِي هَذَا الْأَمر وَأَنه لَا يتَعَلَّق بِهِ فَغَضب الشَّيْخ وَحمل حَوَائِجه على حمَار وأركب عائلته على حمَار آخر وَمَشى خَلفهم خَارِجا من الْقَاهِرَة قَاصِدا نَحْو الشَّام فَلم يصل إِلَى نَحْو نصف بريد إِلَّا وَقد لحقه غَالب الْمُسلمين لم تكد امْرَأَة وَلَا صبي وَلَا رجل لَا يؤبه إِلَيْهِ يتَخَلَّف لَا سِيمَا الْعلمَاء والصلحاء والتجار وأنحاؤهم فَبلغ السُّلْطَان الْخَبَر وَقيل لَهُ مَتى رَاح ذهب ملكك.
فَركب السُّلْطَان بِنَفسِهِ ولحقه واسترضاه وَطيب قلبه فَرجع وَاتَّفَقُوا مَعَهم على أَنه يُنَادى على الْأُمَرَاء فَأرْسل إِلَيْهِ نَائِب السلطنة بالملاطفة فَلم يفد فِيهِ فانزعج النَّائِب وَقَالَ كَيفَ يُنَادي علينا هَذَا الشَّيْخ ويبيعنا وَنحن مُلُوك الأَرْض وَالله لأضربنه بسيفي هَذَا فَركب بِنَفسِهِ فِي جماعته وَجَاء إِلَى بَيت الشَّيْخ وَالسيف مسلول فِي يَده فطرق الْبَاب فَخرج ولد الشَّيْخ أَظُنهُ عبد اللَّطِيف فَرَأى من نَائِب السلطنة مَا رأى فَعَاد إِلَى أَبِيه وَشرح لَهُ الْحَال فَمَا اكترث لذَلِك وَلَا تغير وَقَالَ يَا وَلَدي أَبوك أقل من أَن يقتل فِي سَبِيل الله.
ثمَّ خرج كَأَنَّهُ قَضَاء الله قد نزل على نَائِب السلطنة فحين وَقع بَصَره على النَّائِب يَبِسَتْ يَد النَّائِب وَسقط السَّيْف مِنْهَا وأرعدت مفاصله فَبكى وَسَأَلَ الشَّيْخ أَن يَدْعُو لَهُ وَقَالَ يَا سَيِّدي خبر أيش تعْمل قَالَ أنادي عَلَيْكُم وأبيعكم قَالَ فَفِيمَ تصرف ثمننا قَالَ فِي مصَالح الْمُسلمين قَالَ من يقبضهُ قَالَ أَنا فتم لَهُ مَا أَرَادَ ونادى على الْأُمَرَاء وَاحِدًا وَاحِدًا وغالى فِي ثمنهم وَقَبضه وَصَرفه فِي وُجُوه الْخَيْر وَهَذَا مَا لم يسمع بِمثلِهِ عَن أحد رَحمَه الله تَعَالَى ورضى عَنهُ ..
ثمَّ سَارَتْ الدولة إِلَى الأتراك وكل مِنْهُم عَامل الشَّيْخ بِأَحْسَن مُعَاملَة وَلَا سِيمَا السُّلْطَان الْملك الظَّاهِر بيبرس ركن الدّين رَحمَه الله فَإِنَّهُ كَانَ يعظمه ويحترمه وَيعرف مِقْدَاره وَيقف عِنْد أَقْوَاله وفتاويه وَأقَام الْخَلِيفَة بِحَضْرَتِهِ وإشارته ، وَكَانَت وَفَاة الشَّيْخ فِي تَاسِع جُمَادَى الأولى فِي سنة سِتِّينَ وسِتمِائَة فَحزن عَلَيْهِ كثيرا حَتَّى قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله مَا اتّفقت وَفَاة الشَّيْخ إِلَّا فِي دَوْلَتِي وشيع أمراءه وخاصته وأجناده لتشييع جنَازَته وَحمل نعشه وَحضر دَفنه.
وَمن تصانيف الشَّيْخ عز الدّين الْقَوَاعِد الْكُبْرَى وَكتاب مجَاز الْقُرْآن وَهَذَانِ الكتابان شَاهِدَانِ بإمامته وعظيم مَنْزِلَته فِي عُلُوم الشَّرِيعَة وَاخْتصرَ الْقَوَاعِد الْكُبْرَى فِي قَوَاعِد صغرى وَالْمجَاز فِي آخر وَله كتاب شَجَرَة المعارف حسن جدا وَكتاب الدَّلَائِل الْمُتَعَلّقَة بِالْمَلَائِكَةِ والنبيين عَلَيْهِم السَّلَام والخلق أَجْمَعِينَ بديع جدا وَالتَّفْسِير مُجَلد مُخْتَصر والغاية فِي اخْتِصَار النِّهَايَة دلّت على قدره ومختصر صَحِيح مُسلم ومختصر رِعَايَة المحاسبي وَالْإِمَام فِي أَدِلَّة الْأَحْكَام وَبَيَان أَحْوَال النَّاس يَوْم الْقِيَامَة وبداية السول فِي تَفْضِيل الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْفرق بَين الْإِيمَان وَالْإِسْلَام فَوَائِد الْبلوى والمحن الْجمع بَين الْحَاوِي وَالنِّهَايَة وَمَا أَظُنهُ كمل الْفَتَاوَى الموصلية والفتاوى المصرية مَجْمُوع مُشْتَمل على فنون من الْمسَائِل الْفَوَائِد “.
وقد رثاه شاعر مصر أبو الحسين الجزار في قصيدة ذكرها السيوطي في المحاضرات والمحاورات حيث يقول : أمَّا الفتاوى فعليها السلام .. مذ فُقد الشيخ ابن عبد السلام .. مات فمن يُوضِح أشكالها .. ويعرفُ الحلَّ بها والحرام .. إنّا إلى الله لفقدِ امرئ .. قام بحقّ الله حقَّ القيام .. ما خصَّ فيه بالعزاء امرئ .. ورزؤه عمّ جميع الأنام .. كلُّ أخي علم بكى فقده .. لأنّه في كلّ علم إمام .. مَن للتفاسير وتحريرها .. مَن للأصولين وعلم الكلام .. كم دعوة منك غنينا بها .. عن ذابل يوم الوغى أوحسام .. من للذي يطمع في جوده .. بعدك إن ضنّ بغيث غمام .. ومن بقى ينصر إخوانه .. ويحفظ العهد ويرعى الذّمام .. كم مهجة كادت تفدّيك لو .. أمكن أن يرضى فداها الحمام .. لا تقدر الأملاك تثنيك عن .. حقّ وكم أغراك منهم ملام.
وذكره الصفدي في الوافي بالوفيات فقال : ” عز الدّين بن عبد السَّلَام .. عبد الْعَزِيز بن عبيد السَّلَام بن أبي الْقَاسِم بن الْحسن شيخ الْإِسْلَام وَبَقِيَّة الْأَعْلَام الشَّيْخ عز الدّين أَبُو مُحَمَّد السّلمِيّ الدِّمَشْقِي الشَّافِعِي ولد سنة سبع أَو ثَمَان وَسبعين وَخمْس مائَة وتوفِّي سنة سِتِّينَ وست مائَة حضر أَبَا الْحُسَيْن احْمَد بن الموازيني والخشوعي وَسمع عبد اللَّطِيف بن إِسْمَاعِيل الصُّوفِي وَالقَاسِم بن عَسَاكِر وَابْن طبرزد وحنبل المكبر وَابْن الحرستاني وَغَيرهم وَخرج لَهُ الدمياطي أَرْبَعِينَ حَدِيثا عوالي.
روى عَنهُ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين بن دَقِيق الْعِيد والدمياطي وَأَبُو الْحُسَيْن اليونيني وَغَيرهم وتفقه على الإِمَام فَخر الدّين ابْن عَسَاكِر وَقَرَأَ الْأُصُول والعربية ودرس وَأفْتى وصنف وبرع فِي الْمَذْهَب وَبلغ رُتْبَة الِاجْتِهَاد وقصده الطّلبَة من الْبِلَاد وَتخرج بِهِ أَئِمَّة وَله الْفَتَاوَى السديدة ، وَكَانَ ناسكاً ورعاً أماراً بِالْمَعْرُوفِ نهاء عَن الْمُنكر لَا يخَاف فِي الله لومة لائم ولي خطابة دمشق بعد الدولعي فَلَمَّا تملك الصَّالح إِسْمَاعِيل دمشق وَأعْطى الفرنج صفد والشقيف نَالَ ابْن عبد السَّلَام مِنْهُ على الْمِنْبَر وَترك الدُّعَاء لَهُ فَعَزله وحبسه ثمَّ أطلقهُ فنزح إِلَى مصرفَلَمَّا قدمهَا تَلقاهُ الصَّالح نجم الدّين أَيُّوب وَبَالغ فِي احترامه.
وَاتفقَ موت قَاضِي الْقُضَاة شرف الدّين ابْن عين الدولة فولي بدر الدّين السنجاري قَضَاء الْقَاهِرَة وَولي عز الدّين قَضَاء مصر وَالْوَجْه القبلي مَعَ خطابة جَامع مصر ثمَّ إِن بعض غلْمَان وَزِير الصَّالح وَهُوَ معِين الدّين ابْن الشَّيْخ بنى بنياناً على سطح مَسْجِد بِمصْر وَجعل فِيهِ طبلخاناه معِين الدّين فَأنْكر عز الدّين ذَلِك وَمضى بجماعته وَهدم الْبُنيان وَعلم أَن السُّلْطَان والوزير يغضبان فاشهد عَلَيْهِ بِإِسْقَاط عَدَالَة الْوَزير وعزل نَفسه عَن الْقَضَاء فَعظم ذَلِك على السُّلْطَان وَقيل لَهُ اعزله عَن الخطابة وَإِلَّا شنع عَلَيْك على الْمِنْبَر كَمَا فعل فِي دمشق فَعَزله فأقم ببيته يشغل النَّاس.
وَكَانَ مَعَ شدته فِيهِ حسن محاضرة بالنادرة وَالشعر وَكَانَ يحضر السماع ويرقص ويتواجد ، وَأرْسل إِلَيْهِ السُّلْطَان لما مرض وَقَالَ عين مناصبك لمن تُرِيدُ من أولادك فَقَالَ مَا فيهم من يصلح وَهَذِه الْمدرسَة الصالحية تصلح للْقَاضِي تَاج الدّين ففوضت إِلَيْهِ بعده وَلما مت شهد الْملك الظَّاهِر جنَازَته وَالْخَلَائِق.
وَاخْتصرَ نِهَايَة الْمطلب وَله الْقَوَاعِد الْكُبْرَى وَالْقَوَاعِد الصُّغْرَى ومقاصد الرِّعَايَة وَالنَّاس يَقُولُونَ فِي الْمثل مَا أَنْت إِلَّا من الْعَوام وَلَو كنت ابْن عبد السَّلَام وَيُقَال إِنَّه لما حضر بيعَة الْملك الظَّاهِر قَالَ لَهُ يَا ركن الدّين أَنا أعرفك مَمْلُوك البندقدار فَمَا بَايعه حَتَّى جَاءَ من شهد لَهُ بِالْخرُوجِ عَن رقّه إِلَى الصّلاح وعتقه رَحمَه الله تَعَالَى وَرَضي عَنهُ وملا كَانَ بِدِمَشْق سمع من الْحَنَابِلَة أَذَى كثيرا وَكَانَ الشَّيْخ عز الدّين يكْتب خطا حسنا قَوِيا.
وَفِيه يَقُول الشَّيْخ جمال الدّين أَبُو الْحُسَيْن الجزار الْخَفِيف : سَار عبد الْعَزِيز فِي الحكم سيراً .. لم يسره سوى ابْن عبد الْعَزِيز .. عمنَا حكمه بِعدْل بسيط .. شَامِل للورى وَلَفظ وجيز “.

2 / تفسير القرطبي
(تفسير القرطبي) هو اسم الشهرة لأحد أكبر المؤلفات في تفسير القرآن الكريم وهو كتاب (الْجَامِعِ لِأَحْكَامِ الْقُرْآنِ وَالْمُبَيِّنِ لِمَا تَضَمَّنَهُ مِنَ السُّنَّةِ وَآيِ الْفُرْقَانِ) للإمام محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي الأندلسي الأصل المتوفي في عام 671 هـ / 1273 بمدينة المنيا في صعيد مصر ، وهو من أعلام المفسرين وكبار المؤلفين ومن أهم كتبه الأخرى : كتاب التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة وكتاب الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام وكتاب قمع الحرص بالزهد والقناعة وكتاب التذكار في أفضل الأذكار وكتاب التقريب لكتاب التمهيد وكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى.
ذكره الصفدي في كتابه الوافي بالوفيات فقال : ” الْقُرْطُبِيّ صَاحب التَّفْسِير محمّد بن أَحْمد بن أبي بكر بن فَرح الْأَمَام الْعَلامَة أَبُو عبد الله الْأنْصَارِيّ الخزرجي الْقُرْطُبِيّ أَمَام متفنن متبحر فِي الْعلم لَهُ تصانيف مفيدة تدل على كَثْرَة أطلاعه ووفور فَضله توفّي أوايل سنة أحدى وَسبعين وست ماية بمنية بني خصيب من الصَّعِيد الْأَدْنَى بِمصْر وَقد سَارَتْ بتفسيره الركْبَان وَهُوَ تَفْسِير عَظِيم فِي بَابه وَله كتاب الْأَسْنَى فِي أَسمَاء الله الْحسنى وَكتاب التَّذْكِرَة وَأَشْيَاء تدل على أمامته وَكَثْرَة أطلاعه.
أَخْبرنِي من لَفظه الشَّيْخ فتح الدّين مُحَمَّد بن سيد النَّاس الْيَعْمرِي قَالَ ترافق الْقُرْطُبِيّ الْمُفَسّر وَالشَّيْخ شهَاب الدّين الْقَرَافِيّ فِي السّفر إِلَى الفيوم وكل مِنْهُمَا شيخ فنه فِي عصره الْقُرْطُبِيّ فِي التَّفْسِير والْحَدِيث والقرافي فِي المعقولات فَلَمَّا دخلاها أرتادا مَكَانا ينزلان فِيهِ فدلا على مَكَان فَلَمَّا أَتَيَاهُ قَالَ لَهما أنسان يَا مَوْلَانَا بِاللَّه لَا تدخلاه فَإِنَّهُ معمور بالجان فَقَالَ الشَّيْخ شهَاب الدّين للغلمان أدخلُوا ودعونا من هَذَا الهذيان ثمَّ أَنَّهُمَا توجها إِلَى جَامع الْبَلَد إِلَى أَن يفرش الغلمان الْمَكَان ثمَّ عادا.
فَلَمَّا استقرا بِالْمَكَانِ سمعا صَوت تَيْس من الْمعز يَصِيح من دَاخل الخرستان وَكرر ذَلِك الصياح فأمتقع لون الْقَرَافِيّ وخارت قواه وبهت ثمَّ أَن الْبَاب فتح وَخرج مِنْهُ رَأس تَيْس وَجعل يَصِيح فذاب الْقَرَافِيّ خوفًا وَأما الْقُرْطُبِيّ فَإِنَّهُ قَامَ إِلَى الرَّأْس وَأمْسك بقرنيه وَجعل يتَعَوَّذ ويبسمل وَيقْرَأ آالله أذن لكم أم على الله تفترون وَلم يزل كَذَلِك حَتَّى دخل الْغُلَام وَمَعَهُ حَبل وسكين وَقَالَ يَا سَيِّدي تَنَح عَنهُ وَجَاء إِلَيْهِ أخرجه وانكاه وذبحه فَقَالَا لَهُ مَا هَذَا فَقَالَ لما توجهتما رَأَيْته مَعَ وَاحِد فاسترخصته واشتريته لنذبحه ونأكله وأودعته فِي هَذَا الخرستان فأفاق الْقَرَافِيّ من حَاله وَقَالَ يَا أخي لَا جَزَاك الله خيرا مَا كنت قلت لنا وَإِلَّا طارت عقولنا أَو كَمَا قَالَ “.
وذكره برهان الدين ابن فرحون في كتابه الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب فقال : ” محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح .. بإسكان الراء والحاء المهملة الشيخ الإمام أبو عبد الله الأنصاري الأندلسي القرطبي المفسر كان من عباد الله الصالحين والعلماء العارفين الورعين الزاهدين في الدنيا المشغولين بما يعنيهم من أمور الآخرة أوقاته معمورة ما بين توجه وعبادة وتصنيف.
جمع في تفسير القرآن كتاباً كبيراً في اثني عشر مجلداً سماه كتاب جامع أحكام القرآن والمبين لما تضمن من السنة وآي القرآن وهو من أجل التفاسير وأعظمها نفعاً أسقط منه القصص والتواريخ وأثبت عوضها أحكام القرآن واستنباط الأدلة وذكر القراءات والإعراب والناسخ والمنسوخ.
وله شرح أسماء الله الحسنى في مجلدين سماه الكتاب الأسنى في أسماء الله الحسنى ، وكتاب التذكار في أفضل الأذكار وضعه على طريقة التبيان للنووي لكن هذا أتم منه وأكثر علماً ، وكتاب التذكرة بأمور الآخرة مجلدين ، وكتاب شرح التقصي وكتاب قمع الحرص بالزهد والقناعة ورد ذل السؤال بالكتب والشفاعة لم أقف على تأليف أحسن منه في بابه ، وله أرجوزة جمع فيها أسماء النبي صلى الله عليه وسلم وله تآليف وتعاليق مفيدة غير هذه.
وكان قد أطرح التكلف يمشي بثوب واحد وعلى رأسه طاقية سمع من الشيخ أبي العباس أحمد بن عمر القرطبي – مؤلف المفهم في شرح صحيح مسلم – بعض هذا الشرح وحدث عن أبي علي الحسن بن محمد بن محمد البكري وغيرهما وكان مستقراً بمنية بني خصيب وتوفي بها ودفن في شوال من سنة إحدى وسبعين وستمائة “.
وذكره المقري التلمساني في كتابه نفح الطيب فقال : ” أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر ابن فرح القرطبي ، قال الحافظ المقريزي : وفرح بسكون الراء وقال الحافظ عبد الكريم في حقه : إنه كان من عباد الله الصالحين والعلماء العارفين الورعين الزاهدين في الدنيا المشتغلين بما يعنيهم من أمور الآخرة فيما بين توجه وعبادة وتصنيف ، جمع في تفسير القرآن كتاباً خمسة عشر مجلداً وشرح أسماء الله الحسنى في مجلدين وله كتاب التذكرة في أمور الآخرة في مجلدين وشرح التقصي وله تآليف غير ذلك مفيدة وكان مطّرح التكلف يمشي بثوب واحد وعلى رأسه طاقية.
سمع من الشيخ أبي العباس أحمد بن عمر القرطبي صاحب المفهم في شرح مسلم بعض هذا الشرح وحدث عن أبي الحسن علي بن محمد بن علي بن حفص اليحصبي وعن الحافظ أبي علي الحسن بن محمد بن محمد البكري وغيرهما ، وتوفي بمنية ابن خصيب ليلة الاثنين التاسع من شوال سنة 671 ودفن بها رحمه الله تعالى ، وفي تاريخ الكتبي في حقه ما نصه : كان شيخاً فاضلاً وله تصانيف مفيدة تدل على كثرة اطلاعه ووفور علمه منها تفسير القرآن مليح إلى الغاية اثنا عشر مجلداً ، انتهى “.
وذكره الذهبي في كتابه تاريخ الاسلام فقال : ” محمد بْن أحمد بْن أَبِي بكر بن فرح الإِمَام العلّامة، أبو عَبْد الله الأَنْصَارِيّ الخَزْرجَيّ القُرْطُبيّ ، إمام متفنّن متبحِّر فِي العلم له تصانيف مفيدة تدلّ على كثرة اطّلاعه ووُفُور فضْله ، تُوُفِّيَ فِي أوائل هَذِهِ السّنة بمُنْية بني خصيب من الصّعيد الأدنى وقد سارت بتفسيره العظيم الشّأن الرُّكْبان وهو كامل فِي معناه ، وله كتاب الأسْنَى فِي الأسماء الحُسْنى وكتاب التّذكرة وأشياء تدلّ على إمامته وذكائه وكثْرة اطّلاعه “.
وذكره ابن العماد الحنبلي في كتابه شذرات الذهب بأخبار من ذهب وذلك في وفيات سنة 671 هـ فقال : ” وفيها الإمام أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي القرطبي صاحب كتاب التذكرة بأمور الآخرة والتفسير الجامع لأحكام القرآن الحاكي مذاهب السّلف كلّها وما أكثر فوائده ، وكان إماما علما من الغوّاصين على معاني الحديث حسن التصنيف جيد النقل ، توفي بمينة بني خصيب من صعيد مصر رحمه الله تعالى “.
ويشرح القرطبي في مقدمة كتابه دافعه لتصنيف هذا العمل فقال : ” وَبَعْدُ فلما كان كتاب الله هو الكفيل بجمع عُلُومِ الشَّرْعِ الَّذِي اسْتَقَلَّ بِالْسُّنَّةِ وَالْفَرْضِ وَنَزَلَ بِهِ أَمِينُ السَّمَاءِ إِلَى أَمِينِ الْأَرْضِ ، رَأَيْتُ أن أشتغل به مدى عمري وأستفرغ فيه منتي بأن أكتب تَعْلِيقًا وَجِيزًا يَتَضَمَّنُ نُكَتًا مِنَ التَّفْسِيرِ وَاللُّغَاتِ وَالْإِعْرَابِ وَالْقِرَاءَاتِ وَالرَّدِّ عَلَى أَهْلِ الزَّيْغِ وَالضَّلَالَاتِ وَأَحَادِيثَ كَثِيرَةً شَاهِدَةً لِمَا نَذْكُرُهُ مِنَ الْأَحْكَامِ وَنُزُولِ الْآيَاتِ جَامِعًا بَيْنَ مَعَانِيهِمَا وَمُبَيِّنًا مَا أَشْكَلَ مِنْهُمَا بِأَقَاوِيلِ السَّلَفِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنَ الْخَلَفِ.
وَعَمِلْتُهُ تَذْكِرَةً لِنَفْسِي وَذَخِيرَةً لِيَوْمِ رَمْسِي وَعَمَلًا صَالِحًا بَعْدَ مَوْتِي ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : (يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ) وَقَالَ تَعَالَى :(عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ) وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ).
وَشَرْطِي فِي هَذَا الْكِتَابِ : إِضَافَةُ الْأَقْوَالِ إِلَى قَائِلِيهَا وَالْأَحَادِيثِ إِلَى مُصَنِّفِيهَا فَإِنَّهُ يُقَالُ : مِنْ بَرَكَةِ الْعِلْمِ أَنْ يُضَافَ الْقَوْلُ إِلَى قَائِلِهِ ، وَكَثِيرًا مَا يجئ الْحَدِيثُ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ وَالتَّفْسِيرِ مُبْهَمًا لَا يَعْرِفُ مَنْ أَخْرَجَهُ إِلَّا مَنَ اطَّلَعَ عَلَى كتب الحديث فيبقى من لأخبره لَهُ بِذَلِكَ حَائِرًا لَا يَعْرِفُ الصَّحِيحَ مِنَ السَّقِيمِ وَمَعْرِفَةُ ذَلِكَ عِلْمٌ جَسِيمٌ فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ وَلَا الِاسْتِدْلَالُ حَتَّى يُضِيفَهُ إِلَى مَنْ خَرَّجَهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْأَعْلَامِ وَالثِّقَاتِ الْمَشَاهِيرِ مِنْ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ.
وَنَحْنُ نُشِيرُ إِلَى جُمَلٍ مِنْ ذَلِكَ فِي هَذَا الْكِتَابِ وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ ، وَأَضْرِبُ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ قَصَصِ المفسرين وأخبار المؤرخين إلا مالا بُدَّ مِنْهُ وَلَا غِنًى عَنْهُ لِلتَّبْيِينِ وَاعْتَضْتُ من ذلك تبيين آي الأحكام بمسائل تفسير عَنْ مَعْنَاهَا وَتُرْشِدُ الطَّالِبَ إِلَى مُقْتَضَاهَا فَضَمَّنْتُ كل آية لتضمن حُكْمًا أَوْ حُكْمَيْنِ فَمَا زَادَ مَسَائِلَ نُبَيِّنُ فِيهَا مَا تَحْتَوِي عَلَيْهِ مِنْ أَسْبَابِ النُّزُولِ وَالتَّفْسِيرِ الْغَرِيبِ وَالْحُكْمِ فَإِنْ لَمْ تَتَضَمَّنْ حُكْمًا ذَكَرْتُ مَا فِيهَا مِنَ التَّفْسِيرِ وَالتَّأْوِيلِ هَكَذَا إِلَى آخَرِ الْكِتَابِ.
وَسَمَّيْتُهُ بِالْجَامِعِ لِأَحْكَامِ الْقُرْآنِ وَالْمُبَيِّنِ لِمَا تَضَمَّنَهُ مِنَ السُّنَّةِ وَآيِ الْفُرْقَانِ ، جَعَلَهُ اللَّهُ خَالِصًا لِوَجْهِهِ وَأَنْ يَنْفَعَنِي بِهِ وَوَالِدَيَّ وَمَنْ أَرَادَهُ بِمَنِّهِ إِنَّهُ سَمِيعُ الدعاء قريب مجيب آمين “.

3 / العقود الدرية في الأمراء المصرية
(العقود الدرية في الأمراء المصرية) هو عنوان أرجوزة شعرية تبلغ قرابة مائة بيت نظمها الشاعر الجزار ليعدد فيها أمراء مصر وحكامها من أول عمرو بن العاص رضي الله عنه وحتى السلطان الظاهر بيبرس المملوكي ، وهو جمال الدين أبو الحسين يحيى بن عبد العظيم الأنصاري المصري المعروف بلقب الجزار نسبة إلى مهنة عائلته ، ولد في الفسطاط عام 601 هـ / 1205 م وتوفي في القاهرة عام 679 هـ / 1281 م ودفن في القرافة.
وقد ذكرها السيوطي في حسن المحاضرة فقال : ” أرجوزة الجزار في الأمراء المصرية .. وقد نظم الأديب جمال الدين المصري المعروف بالجزار الشاعر المشهور أرجوزة سماها (العقود الدرية في الأمراء المصرية) ضمنها أمراء مصر من عمرو بن العاص إلى الملك الظاهر هذا فقال :
الحمد لله العلي ذكره .. ومن يفوق كل أمر أمره .. أحمده وهو ولي الحمد .. على توالي بره والرفد .. ثم الصلاة بعد هذا كله .. على أجل خلقه ورسله .. محمد خير بني عدنان .. ومن أتاه الوحي بالتبيان .. دامت عليه صلوات ربه .. ثم على عترته وصحبه.
يا سائلي عن أمراء مصر .. منذ حباها عمر لعمرو .. خذ من جوابي ما يزيل اللبسا .. واحفظه حفظ ذاكر لا ينسى .. أول من كان إليه الأمر .. مفوضًا بعد الفتوح عمرو .. وابن أبي سرح تولى أمرها .. وقيس ساس نفعها وضرها .. ثم تولى النخعي الأشتر .. وأبن أبي بكر كما قد ذكروا.
ثم أعيدت بعده لعمرو .. ثانية وعتبة في الأثر .. وعقبة ثم الأمير مسلمه .. وابن يزيد وهو نجل علقمه .. ثم تولى الأمر عبد الرحمن .. وبعده تأمر ابن مروان .. إذ كان ولاها له أبوه .. وهو بمصر حوله ذووه .. ثم لعبد الله تعزى الإمره .. وبعده نجل شريك قره “.
واستعرض فيها جميع الولاة والأمراء والخلفاء ثم ختمها بمن تولى السلطنة فقال : ” ثم تولاها الصلاح يوسف .. ثم العزيز وابنه مستضعف .. ثم أتى الأفضل نور الدين .. وبعده العادل ذو التمكين .. ثم ابنه الكامل ثم العادل .. كلاهما بالحكم فيها عادل .. ثم أتى الصالح وهو الأعظم .. ثم تولاها ابنه المعظم.
وبعده أم خليل ملكت .. وطابت الأفعال فيها وزكت .. والملك الأشرف كان طفلًا .. فلم يدبر عقدها والحلَّا .. ثم استبد الملك المعز .. ثم ابنه ووافقته الغز .. ثم حواها الملك المظفر .. وحظه من نصره موفر .. ثم حوى الأمر المليك الظاهر .. لا زال للأعداء وهو قاهر ! “.
وقال عنه السيوطي في حسن المحاضرة : ” أبو الحسين الجزار الأديب جمال الدين يحيى بن عبد العظيم بن يحيى بن محمد المصري الشاعر المشهور ، مدح الملوك والأمراء والوزراء والكبراء مات في شوال سنة تسع وسبعين وستمائة وله ست وسبعون سنة .
ومن شعره : سقى الله أكتاف الكنافة بالقطر وجاد عليها سكر دائم الذر .. وتبا لأوقات المخلل إنها تمر بلا نفع وتحسب من عمري .. أهيم غرامًا كلما ذكر الحمى وليس الحمى إلا العطارة بالسعر .. وأشتاق أن هبت نسيم قطائف السحور سحيرًا وهي عاطرة النشر .. ولي زوجة إن تشتهي قاهرية أقول لها ما القاهرية في مصر “.
وله قصيدة أخرى مشهورة في مدح السلطان بيبرس بمنسبة اقتتاح المدرسة الظاهرية ، وقد ذكرها المقريزي في الخطط فقال : ” وقام الأديب أبو الحسين الجزار فأنشد : ألا هكذا يبني المدارس من بنى ومن يتغالى في الثواب وفي الثنا .. لقد ظهرت للظاهر الملك همة بها اليوم في الدارين قد بلغ المنا .. تجمّع فيها كلّ حسن مفرّق فراقت قلوبا للأنام وأعينا .. ومذ جاورت قبر الشهيد فنفسه النفيسة منها في سرور وفي هنا .. وما هي إلاّ جنة الخلد أزلفت له في غد فاختار تعجيلها هنا “.
وذكره ابن تغري بردي في النجوم الزاهرة وذلك في أحداث سنة 679 هـ فقال : ” وفيها توفّى الأديب الفاضل الشاعر المفتنّ جمال الدين أبو الحسين يحيى ابن عبد العظيم بن يحيى بن محمد بن علىّ المصرىّ المولد والوفاة المعروف بالجزّار ، الشاعر المشهور أحد فحول الشعراء فى زمانه مولده سنة إحدى وستمائة ومات يوم الثلاثاء ثانى عشر شوّال ودفن بالقرافة ، وكان من محاسن الدنيا وله نوادر مستظرفة ومداعبات ومفاوضات مع شعراء عصره وله ديوان شعر كبير.
قال الشيخ صلاح الدين الصّفدىّ : لم يكن فى عصره من يقاربه فى جودة النظم غير السّراج الورّاق وهو كان فارس تلك الحلبة ومنه أخذوا وعلى نمطه نسجوا ومن مادّته استمدّوا .. انتهى كلام الصّفدىّ ، قلت : ونذكر قطعة من شعره فمن ذلك قوله : أكلّف نفسى كلّ يوم وليلة .. هموما على من لا أفوز بخيره .. كما سوّد القصار بالشمس وجهه .. ليجهد فى تبييض أثواب غيره.
وقيل : إنه بات ليلة فى رمضان عند الصاحب بهاء الدين بن حنّا فصلّى عنده التراويح وقرأ الإمام فى تلك الليلة سورة الأنعام فى ركعة واحدة فقال أبو الحسين : ما لى على الأنعام من قدرة .. لا سيّما فى ركعة واحده .. فلا تسومونى حضورا سوى .. فى ليلة الأنفال والمائدة ، ومن شعره : طرف المحبّ فم يذاع به الجوى .. والدمع إن صمت اللسان لسان .. تبكى الجفون على الكرى فاعجب لمن .. تبكى عليه إذا نأى الأوطان “.
وترجم له ابن شاكر الكتبي في فوات الوفيات فقال : أبو الحسين الجزار .. يحيى بن عبد العظيم بن يحيى بن محمد بن علي الشيخ جمال الدين أبو الحسين الجزار الأديب المصري ؛ ولد سنة ثلاث وستمائة تقريباً وتوفي ثامن عشر شوال سنة تسع وسبعين وستمائة بالفالج ، وكان بديع المعاني جيد التورية عذب التركيب فصيح الألفاظ حلو النادرة صاحب مجون وزوايد يمدح الملوك والكبار وكان يتزيا بزي الكتاب عاش مرتزقا بالشعر.
وما هجي أحد من شعراء زمانه ما هجي هو ولا ثلب كما ثلب وكان يسمى (تعاشير) وفيه يقول مجاهد الخياط : ما لتعاشير غلا قيمة .. علي قامت في مواعينه .. فلا يلمني وليلم نفسه .. إذ هو مذبوح بسكينه .. والله ما أغضبها فعله .. إلا لتقطيع مصارينه ، وكان قليل الهجاء متحملا متوددا إلى الناس حسن التعريض واحتاج في آخر عمره إلى الاستجداء بغير شعر وكان كثير التبذير لا تكاد خلته تستد أبدا ولا يغفل طلبه ولكن بأحسن الصور وكان مسرفا على نفسه.
وله كتاب (فوائد الموائد) وعمل بعض الفضلاء عليه (علائم الولائم) وجمع قطعة من شعره سماها (تقاطيف الجزار) وهذه تسمية حسنة ، ولم يكن في عصره من يقاربه في جودة النظم غير السراج الوراق وهو كان فارس تلك الحلبة ومنه أخذوا وعلى نمطه نسجوا ومن مادته استمدوا وبينه وبين شعراء عصره مجاراة ومباراة أذكر منها شيئاً.
وقيل إنه لما كان صغيرا نظم أبياتا قلائل وكان أديب ذلك الزمان ابن أبي الإصبع فأخذه والده وتوجه به إليه وقال : يا سيدي قد عمل هذا الولد شعرا وأشتهي أن يعرضه عليك ، فقال : قل ، فلما أنشده قال له : أحسنت والله إنك عوام مليح ، فراح هو ووالده وبعد أيام عمل والده طعاما وحمله إلى ابن أبي الإصبع فقال : لأي شيء فعلت هذا ؟ قال : لشكرك لولدي ، فقال : أنا ما شكرته ، قال : ألم تقل له أحسنت إنك عوام مليح ؟ ، فقال : ما أردت بذلك إلا أنه خرج من بحر ودخل في بحر ، فاستحيا هو ووالده ثم لم يزل يتهذب حتى فاق أهل عصره وصار من فحول المتأخرين.
وقيل إنه اجتمع هو وأصحابه وأرادوا النزهة فأخرجوا من بينهم دراهم وأخذوا منها عشرة دراهم وجاءوا إلى جزار في باب زويلة فوقفوا عليه وقالوا له : أتدري من هذا الواقف عليك ؟ ، قال : لا ، قالوا : هذا الشيخ جمال الدين أبو الحسين الجزار أديب الديار المصرية وإمامها ، فباس الجزار السكين وقدمها لأبي الحسين وقال : يا سيدي والله ما يدخل يقطع هذا اللحم إلا أنت ، فلما دخل أبو الحسين شرع قطع لهم الرقبة والعرقوب والمراق والعظام والمطاميط وأصحابه ساكتون لا يكلمونه حتى فرغ وأخذوا اللحم وقالوا له : أما الرجل فإنه قد خلاه الذم وعداه اللوم لأنه مكنك من اللحم وأنت فعلت بنا هذا الفعل ؟! ، فقال : بالله اعذروني فإني لما رأيت نفسي وأنا خلف القرمية والساطور وبيدي السكين جاءتني لأمة الجزارين وما قدرت أفعل غير ما رأيتم ؛ فضحكوا منه “.
ولما مات رثاه السراج الوراق بقصيدة بديعة قال فيها : ” أغايتنا لهذا يا فلان .. تأمل ليس كالخير العيان .. أماني النفوس لها خداع .. وليس من المخوف لها أمان .. ومن بعد الحراك لها سكون .. وصمت بعدما مزح اللسان .. أيا من جد للآمال ركضا .. تأن ففي يد الأجل العنان .. تروقك زهرة الدنيا ومنها .. جنى ثمر الردى إنس وجان.
وتخدع لامسا منها بلين .. أيؤمن إذ يميس الأفعوان .. بلغت أبا الحسين مدى إليه .. لمستبق ومسبوق رهان .. وكنت وطالما قد كنت أيضا .. تقول عن الأولى سبقوك كانوا .. أقول لمن نعاك ولا امتناع .. لأحزاني عليك ولا امتنان .. إلا عز القوافي اليوم عن من .. بكته البكر منها والعوان “.

4 / ديوان مجاهد الخياط
مجاهد الخياط هو في الأصل رجل عامي ثم اشتغل بعلم النحو قليلا واشتغل بنظم الأشعار والقصائد القصيرة في الهجاء والمدح والغزل وعمل الألغاز وكان يسكن في القرافة وتوفي بها في عام 672 هـ / 1273 م ويرجع في نسبه إلى قبيلة بني تميم العربية ، وصفه ابن فضل الله في كتابه مسالك الأبصار بأنه واحد من أعلام أدباء مصر المشاهير وأفرد له فصلا تناول فيه عددا من قصائده المشهورة.
ومن أشهر أبياته لغز فى إبرة وكستبان يقول فيها : ثلاثة فى أمر خصمين .. إلفين لكن غير إلفين .. هما قريبان وإن فرّقت .. بينهما الأيام فرقين .. فواحد يعضده واحد .. ويعضد الآخر باثنين .. تراهما بينهما وقعة .. إذ تقع العين على العين ، ومن أبيته في الغزل قوله : وظبي تظلمت من خده .. لقلبي عليه حقوق ودم .. أخذت القصاص بتعضيضه .. ولم يجر بعد عليه القلم.
ذكره ابن تغري بردي في كتابه النجوم الزاهرة وذلك في أحداث سنة 672 هـ فقال : ” وفيها توفّى مجاهد بن سليمان بن مرهف بن أبى الفتح التّميمىّ المصرىّ الخياط الشاعر المشهور، وكان يعرف بابن أبى الربيع مات فى جمادى الآخرة بالقرافة الكبرى وكان بها سكنه وبها دفن وكان فاضلا أديبا “.
وذكره الإدفوي في كتابه البدر السافر عن أنس المسافر فقال : ” مُجَاهد بن سليمان بن مرهف ابن أبي الفتح المصري التميمي الخياط ويعرف بابن أبي الربيع ، وكان فيه فضل وله مشاركة في النحو والأدب وينظم النظم الجيد.
ومن شعره قوله : أعد يا برق ذكر أهيل نجد .. فإن لك اليد البيضاء عندي .. أشيمك بارقًا فيضِلّ عقلي .. فوا عجبًا تضلُّ وأنت تهدي .. ويبكيك السحاب وليس حقًا .. تحمل بعض أشواقي ووجدي .. بعثت مع النَّسيم لهم سلامًا .. فما جادوا عليَّ له برَدّ.
وقال يهجو الأديب أبا الحسين الجزار بقوله : إن تاه جزَّاركم علينا .. بفطنة في الورى وكيس .. فليس يرجوه غير كلبٍ .. وليس يخشاه غير تيس .. تعود السلخ من قديم .. كأنه من بني الفقيس.
وله في الهجو أيضًا : يجحدني ما لم يفد جحده .. دعه فما ينفعه مينه .. كذلك النَّرجس لما ذوى .. وكاد يقضي ودنا حينه .. ما إن سكبت الماء في قاعه .. وقام إلا قويت عينه ، وأيضا يهجو الجزار بقوله : لا تلمه إذا غسلت التعاشير كغسل الكروش مما جناه .. فسأشويه بالهجاء ولا أتركه باقيا بشحم كُلاه.
وله أيضًا يتغزَّل : فوق خدّ بنفسج وشقيقٍ .. كيف حمَّلتموه ما لا يطيق .. وفمٍ فيه ما يجلُّ عن الوصف وتحشوه قبلةً فيضيق .. وقوام تزيد فيه قلوبٌ .. كلما قام فيه للعشق سوق ، توفي بالقرافة ودفن بها يوم الثلاثاء الحادي والعشرين من جمادى الآخرة سنة اثنتين وسبعين وست مئة وقد قارب السبعين “.
وترجم له ابن شاكر الكتبي في فوات الوفيات فقال : ” مجاهد الخياط .. مجاهد بن سليمان بن مرهف بن أبي الفتح المصري التميمي الأديب المعروف بالخياط ويعرف بابن أبي الربيع ؛ كان من كبار أدباء العوام لكنه قرأ النحو وفهم وكان قد سلطه الله تعالى على أبي الحسين الجزار شاعر الديار المصرية وتوفي مجاهد سنة اثنتين وسبعين وستمائة ، ومن شعره :أبا الحسين تأدب .. ما الفخر بالشعر فخر .. وإن أتيت بيت .. وما لبيتك قدر .. ولم تأت بالبيت إلا .. عليه للناس حكر
وكان ناصر الدين ابن النقيب قد وعده بإردب قمح فجهز له ويبتين وتأخر له أربعة فكتب إلى ابن النقيب : ما ماجداً بالقمح قد جاد لي ماذا الذي ألجاك أن تمنعه .. وقد شكا لي نقصه فرقة الباقي عسى مولاي أن يجمعه .. أأبعث الثنتين من حاصلي إليك أو تبعث لي الأربعة ، فكتب إليه ابن النقيب الجواب : تا الله ما أخرتها مانعاً .. لها ولا في ذاك من مطمعه .. وإنما أخرتها خيفة .. من كفك المتلفة المضيعة .. وما عسى مقدارها عندكم .. والألف مع مثلك مستودعة .. وإنها أجود ما يقتنى .. وإنك الميشوم بالأربعه “.
وروى ابن فضل الله قصة طريفة دارت بينه وبين أبي الحسين الجزار وتدل في طياتها على سرعة بديهة الشاعر وذهنه الحاضر وتملكه من ناصية الشعر حيث قال : ” وقد حكي أن الجزار أراد سفرا فطلب فراشا وطباخا ليستخدمها فبلغ ذلك مجاهدا الخياط وكان إلى جانبه رجل كفيف فسأله : من هو المسافر ، فقال له : الجزار ، فقال : ما هذا الذي كان سلاخا ، فقال : كان هذا ، فقال الكفيف : ما تغير شيء.
فقال مجاهد قطعة منها (من السريع) : مر بنا ينصب أحبولة .. للرزق أو يدفن أفخاخا .. وهو إذا ما سار مع نجسه .. يحتاج فراشا وطباخا .. وواحد أعمى إلى جانبي .. ما زال للتاريخ نساخا .. يقول لي ويحك من ذا الفتى .. أراد طباخا ومراخا .. فقلت قالوا إنه شاعر .. يأكل بالأشعار أوساخا .. هذا هو الجزار قال الذي .. قد كان قبل اليوم سلاخا .. فقلت هذا في الصبا قال لي .. وهو بتلك العين قد شاخا “.

5 / ديوان ابن يغمور
شاعر مجيد من أرباب السيف والقلم جمع بين الشعر والإمارة حيث كان واليا على المحلة الكبرى ، وكان العمران الأكبر في تاريخ المدينة والذي نقلها إلى العصر الذهبي قد تم في عهد السلطان بيبرس والذي أثبت أنه رجل دولة من الطراز الأول حيث قام في أول عهده بمعاينة المدينة ميدانيا عندما مر بها وهو في طريقه إلى دمياط وقرر بناء دار الحكم وتأسيس المنشأة الأميرية على الضفة الشرقية للنيل ، وعهد بهذه المهمة إلى نائبه على المحلة الأمير والشاعر شهاب الدين أحمد بن جمال الدين أبي الفتح موسى بن يغمور بن جلدك بن بليمان بن سليمان بن عبد الله الياروقي المعروف بلقب اليغموري والذي تولى إمارة الغربية طوال عهد بيبرس.
وكان شجاعا مقداما فاتكا مثل بيبرس فأعاد الأمن إلى نواحي الإقليم وقضى على الفساد كما كان شاعرا وأديبا وراعيا للشعراء وتوفي عام 673 هـ في المحلة الكبرى ، والده هو جمال الدين الياروقي من أكابر أمراء الدولة الأيوبية حيث كانت أسرته تتولى ناحية قوص في صعيد مصر وكان له إقطاع أسسه بجوار سمهود يعرف باسم قرية ابن يغمور ، واستمر جمال الدين في العمل حتى أوائل الدولة الملوكية وترقى حتى وصل إلى منصب نائب السلطنة بالديار المصرية وأشرف على بناء المدرسة الظاهرية بالقاهرة وإعادة تنظيم الري في الدلتا.
قال عنه ابن تغري بردي في كتابه المنهل الصافي : ” أحمد بن موسى بن يغمور الأمير شهاب الدين بن الأمير جمال الدين كان أميراً جليلاً فاضلاً وله معرفة بالأدب وولي الأعمال الغربية فهذبها وأفرط في ذَلِكَ ” ، وقال عنه الكمال الإدفوي في كتابه الطالع السعيد الجامع أسماء نجباء الصعيد : ” أحمد بن موسى بن يغمور بن جلدك السّمهودىّ المحتد ينعت بالشّهاب أمير أديب وله شعر جيّد ، تولّى الغربيّة وكان عنده كرم وشهامة وحدّث بشئ من شعره ، توفّى بالمحلّة يوم الأربعاء رابع عشرين جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين وستّمائة “.
وذكره صلاح الدين خليل الصفدي في كتابه الوافي بالوفيات فقال : ” أحمد بن موسى بن يغمور الأمير شهاب الدين ابن الأمير جمال الدين أديب فاضل له شعر ، ولي الأعمال الغربية بالديار المصرية فهذبها وقطع وشنق ووسط وأفرط في ذلك وراح البريء بجريرة المفسد إلا أنه هذب تلك الناحية ، مات بالمحلة في سنة ثلاث وسبعين وستمائة أخبرني من لفظه العلامة الحافظ أثير الدين أبو حيان قال : ابن يغمور بن جلدك تولى المحلة نائبا عن السلطان الملك الظاهر وكان يوصف بكرم وكان الأدباء يقصدونه ويمدحونه فيثيبهم وكان له أدب.
وَمن شعره : وَإِذا حللت ديار قوم فاكسها .. حلُللاً من الْإِكْرَام وَالْإِحْسَان .. وأغضض وصن طرفا وفرجاً وَاخْتصرَ .. لفظا وزد فِي كَثْرَة الكتمان .. تكن السعيد مبجّلاً ومعظّماً .. متحليلاً بملابس الْإِيمَان ، وَله أَيْضا : خطبُ أَتَى مسرعاً فآذى .. أصبح جسمي بِهِ جذاذا.. خصّص قلبِي وعمّ غَيْرِي .. يَا لَيْتَني مت قبل هَذَا ، وَله أَيْضا : ومليحٍ تعلم النَّحْو يَحْكِي .. مشكلاتٍ لَهُ بلفظٍ وجيز .. مَا تميزت حسنه قطّ إِلَّا .. قَامَ أيري نصبا على التَّمْيِيز.
وَله يُخَاطب الْأَمِير علم الدّين الدواداري وَقد بَعثه الْملك الظَّاهِر كاشفاً إِلَى الْبِلَاد البحرية فاجتاز بالغربية وَكَانَ إِذا ذَاك واليها ثمَّ رَحل : إِن صدرتم عَن منزلي فلكم فِيهِ .. ثناءُ كنشر روضٍ بهيّ .. أَو وردتم فللمحبّ الَّذِي من .. آل مُوسَى فِي الجانب الغربي ، وَقَالَ : قَالَ العواذل إنّ من أحببته .. قد شانه كيّ ألّم بزنده .. فأجبت قلبِي فِي يَدَيْهِ وإنّما .. طارت عَلَيْهِ شرارة من وَقد “.
وذكره اليونيني في ذيل مراة الزمان فقال : ” أحمد بن موسى بن يغمور بن جلدك أبو العباس الأمير شهاب الدين بن الأمير جمال الدين ، كان معروفاً بالشهامة والصرامة ولاه الملك الظاهر رحمه الله تعالى المحلة وأعمالها من الغربية فهذبها ومهّد قواعدها وأباد من بها من المفسدين والدعار، وقطع من الأيدي والأرجل ما لا يحصى كثرة وشنق ووسط وأباد بحيث أفرط في ذلك فخافه البريء والسقيم وتمكنت مهابته في صدور أهل عمله ومن جاورهم.
توفي بالمحلة في رابع عشرين جمادى الأولى وحمل إلى القرافة فدفن بتربتهم في الثامن والعشرين منه ، وكان عنده كرم ورياسة وحشمة وسعة صدر وبر بمن يقصده وله نظم وعنده إلمام بالفضيلة رحمه الله وتجاوز عنه ، فمن شعره : وبي أهيف واف وفيه محاسن .. بدت وعليها للعيون تهافت .. ممشي في ضياء الدين كالبدر وجهه .. وبينهما للناظرين تفاوت .. وأعجب ما شاهدته فيه أنه .. يكلم قلبي لحظه وهو ساكت.
وقال في غلام عنبري من أبيات : تحكم في الألباب حتى رأيته .. ينظّم حبات القلوب قلائدا ، وقال في غلام يمد الشريط : وبي زيّنا كالبدر والظبي بهجة .. وجدّا بقلبي ناره وهو جنتي .. منعم خده كاللجين بياضه .. يمد نضاراً كاصفراري ودقتي.
وقال وكتب بها إلى الأمير بدر الدين بيليك الخزندار الظاهري وقد أهدى إليه شاهيناً بدرياً : يا سيد الأمراء يا من قد غدا .. وجه الزمان به جميلاً ضاحكا .. وافى لك الشاهين قبل أوانه .. ليفوز قبل الحائمات ببابكا .. حتى الجوارح قد غدت بدرية .. لما رأت كل الوجود لذالكا.
وله يخاطب صاحباً الملك الظاهر له ورد عليه من الاسكندرية إلى المحلة : إن صدرتم عن منزل فلكم .. فيه ثناء كنشر روض بهى .. أو وردتم فاللمحب الذي من .. آل موسى في الجانب الغربي “.

6 / كتاب المتواري
في القرن السابع الهجري كتب المحدث والفقيه المالكي أحمد بن محمد ابن المنير الجذامي السكندري كتابه (المتواري على أبواب البخاري) وقصد به متابعة تراجم رواة الحديث النبوي الشريف في أحاديث الإمام البخاري والتثبت من رواياتهم ، وقد ذكره الحافظ ابن حجر صاحب فتح الباري عند ذكره مناسبات البخاري فقال عنه : ” وقد جمع العلامة ناصر الدين أحمد بن المنير خطيب الإسكندرية من ذلك أربعمائة ترجمة وتكلم عليها ولخصها القاضي بدر الدين بن جماعة وزاد عليها أشياء “.
ولد ابن المنير في الإسكندرية عام 620 هـ / 1223 م وتوفي فيها عام 683 هـ / 1284 م ويرجع في نسبه إلى قبيلة بني جري الجذامية اليمنية ، والده هو القاضي الرئيس العدل الثقة الأمين وجيه الدين أبو المعالي بن الشيخ الصالح أبي علي منصور بن أبي القاسم بن المختار بن أبي بكر بن علي الجذامي الجروي وأخوه الأصغر هو المحدث زين الدين أبو الحسن علي بن محمد بن المنير وله شرح على البخاري.
ويذكر في مقدمة كتابه أهمية السنة النبوية والتثبت من رواياتها ورواتها فيقول : ” أما بعد ، فَالسنة هِيَ الْجنَّة الحصينة لمن تدرعها والشرعة المنيعة لمن تشرعها وردهَا صَاف وظلها ضاف وبيانها واف وبرهانها شاف وَهِي الكافلة بالاستقامة والكافية فِي السَّلامَة وَالسّلم إِلَى دَرَجَات دَار المقامة، والوسيلة إِلَى الموافاة بصنوف الْكَرَامَة قدوة المتنسك وَعُرْوَة المتمسك وبحر الْبَحْث وَعلم الْعلم ومعدن الْجَوَاهِر السّنيَّة ومنبع الْآدَاب الدُّنْيَوِيَّة حافظها مَحْفُوظ وملاحظها ملحوظ والمقتدى بهَا على صِرَاط مُسْتَقِيم والمهتدى بمعالمها صائر إِلَى مَحل النَّعيم الْمُقِيم أهل الله لخدمتها خَواص خلقه وَسَهل عَلَيْهِم فِي طلبَهَا متوعر طرقه فَمنهمْ من حملهَا وَاقْتصر وَمِنْهُم من هز أفنانها فاجتنى الثَّمر لما هصر.
فَمن ثمَّ كَانَ من الْحُقُوق الْوَاجِبَة نشرها على النَّاس قاطبة يحملهَا الْآخِذ إِلَى الْغَالِب ويبلغها الشَّاهِد إِلَى الْغَائِب ، وَقَالَ رَسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم : نضر الله امْرَءًا سمع مَقَالَتي فوعاها ثمَّ أَدَّاهَا كَمَا سَمعهَا فَرب مبلغ أوعى من سامع ، فوظيفة الْحَامِل الْجَاهِل فِي هَذِه الْأَمَانَة أَن يُؤَدِّيهَا إِلَى أَهلهَا بِالْوَفَاءِ وَالتَّسْلِيم ووظيفة الْحَامِل الحاذق أَيْضا أَن يُؤَدِّيهَا إِلَى من عساه أحذق مِنْهُ فِي الْفَهم والتفهيم وليحذر أَن يحجب عَن الْمَزِيد باعتقاد أَنه ذَلِك الْعَظِيم ففوق كل ذِي علم عليم.
وَمهما ظن أَنه لَيْسَ وَرَاء قدره مرمى فقد حرم بركَة قَوْله عز وَجل {وَقل رب زِدْنِي علما} وَقد كَانَ الْعلمَاء الربانيون من هَذِه الْأمة على مَا وهبوه من الْقُوَّة فِي غَايَة الخزع والهلع يتدرعون الْعَجز الَّذِي يأباه الْيَوْم لكع بن لكع حَتَّى كَانَ مَالك رَحمَه الله وَهُوَ الَّذِي لَا يقرى أحد كَمَا يقرى أَهْون مَا عَلَيْهِ أَن يَقُول فِيمَا لَا يدْرِي أَنه لَا يدْرِي وَيُشِير بهَا إِلَى الأفاضل والأمائل وَيَقُول : جنَّة الْعَالم لَا أَدْرِي فَإِذا أخطأها أُصِيبَت مِنْهُ الْمقَاتل “.
وقد ترجم له برهان الدين بن فرحون اليعمري في كتاب الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب فقال : ” أحمد بن محمد بن منصور بن أبي القاسم بن مختار بن أبي بكر بن علي أبوالعباس المنعوت بناصر الدين المعروف بابن المنير الجروي الجذامي الإسكندري.
كان إماماً بارعاً برع في الفقه ورسخ فيه وفي الأصلين والعربية وفنون شتى وله اليد الطولى في علم النظر وعلم البلاغة والإنشاء وكان متبحراً في العلوم مدققاً فيها له الباع الطويل في علم التفسير والقراءات كان علامة الإسكندرية وفاضلها وكان مدرساً وولي الأحباس والمساجد وديوان النظر.
ثم ولي القضاء نيابة عن القاضي بن التنسي في سنة إحدى وخمسين وستمائة ثم ولي القضاء استقلالاً وخطابتها في سنة اثنتين وخمسين ثم عزل عن ذاك ثم ولي ثم عزل ، وكان خطيباً مصقعاً سمع من أبيه ومن أبي بحر عبد الوهاب بن رواج بن أسلم الطوسي سماعه من السلفي. ، قال بن قرمس : وخرجت له مشيخته وقرأتها عليه وتفقه بجماعة اختص منهم بالإمام العلامة جمال الدين أبي عمرو بن الحاجب وتفنن به فيه.
ولأبي عمرو بن الحاجب فيه : لقد سئمت حياتي اليوم لولا .. مباحث ساكن الإسكندرية .. كأحمد سبط أحمد حين يأتي .. بكل غريبة كالعبقرية .. تذكرني مباحثه زماناً .. وإخواناً لقيتهم سرية .. زماناً كان الإبياري فيه .. مدرسنا وتغبطنا البرية .. مضوا فكأنهم إما منام .. وإما صبحة أضحت عشية.
وقوله : سبط أحمد أشار به إلى جده لأمه وهو كمال الدين الإمام أحمد بن فارس وذكر أن الشيخ الإمام عز الدين بن عبد السلام قال : الديار المصرية تفتخر برجلين في طرفيها ابن دقيق العيد بقوص وابن المنير بالإسكندرية ، وله تآليف حسنة مفيدة منها تفسير القرآن سماه البحر الكبير في نخب التفسير واعترض عليه في هذه التسمية بأن البحر الكبير مالح وأجيب عن ذلك بأنه محل العجائب والدرر.
ومنها كتاب الانتصاف من الكشاف ألفه في عنفوان الشبيبة وكتب له عليه الشيخ عز الدين بن عبد السلام بالثناء عليه وكذا الشيخ شمس الدين الخسر وشاهى شيخ الشيخ شهاب الدين القرافي وغيرهما من العلماء.
ومنها كتاب المقتفى في آيات الإسراء وهو كتاب نفيس فيه فوائد جليلة واستنباطات حسنة وله اختصار التهذيب من أحسن مختصراته وله على تراجم البخاري مناسبات وله ديوان خطب مشهور بديع وله مناقب الشيخ أبي القاسم الغباري وله شعر لطيف وذكر في ديباجة تفسيره أنه لم يجتمع بأبي عمرو بن الحاجب حتى حفظ مختصره في الفقه ومختصره في الأصول وأجازه بن الحاجب بالإفتاء.
والمنير بضم الميم وفتح النون وياء مثناة من تحت مشددة مكسورة توفي في أول ربيع الأول سنة ثلاث وثمانين وستمائة ودفن بتربة والده عند الجامع الغربي رحمه الله تعالى – ومولده سنة عشر وستمائة “.
وذكره ابن شاكر الكتبي في فوات الوفيات فقال : ” ابن المنير .. أحمد بن محمد بن منصور بن القاسم بن مختار القاضي ناصر الدين ابن المنير الجذامي الجروي الإسكندراني ولد سنة عشرين وستمائة ، وكان عالماً فاضلاً مفنناً وكان في علومه له اليد الطولى في الأدب وفنونه وله مصنفات مفيدة وتفسير نفيس وسمع الحديث من ابن رواج وغيره ، وله تأليف على تراجم صحيح البخاري وله كتاب الاقتفا عارض به الشفا للقاضي عياض.
وولي قضاء الإسكندرية وخطابتها مرتين ودرس بعدة مدراس ؛ وقيل إن الشيخ عز الدين ابن عبد السلام كان يقول : ديار مصر تفتخر برجلين في طرفيها ابن المنير بالإسكندرية وابن دقيق العيد بقوص ، وله ديوان خطب وتفسير حديث الإسراء في مجلد على طريقة المتكلمين ، وتوفي في مستهل ربيع الأول سنة ثلاث وثمانين وستمائة بالثغر.
وكتب إلى الفائزي يسأله رفع التصقيع عن الثغر : إذا اعتلّ الزمان فمنك يرجو .. بنو الأيّام عاقبة الشّفاء .. وإن ينزل بساحتهم قضاء .. فأنت اللطف في ذاك القضاء ، وقال فيمن نازعه الحكم : قل لمن يبتغي المناصب بالجهل تنحّى عنها لمن هو أعلم .. إن تكن في ربيع وليت يوماً فعليك القضاء أمسى محرم.
وكتب إلى قاضي القضاة شمس الدين ابن خلكان : ليس شمس الضحى كأوصاف شمس الدين قاضي القضاة حاشا وكلاّ .. تلك مهما علت محلاّ ثنت ظلا وهذا مهما علا زاد ظلاّ ، وفي ناصر الدين يقول أبو الحسين الجزار : قد اعتبرت البرايا .. فتوةً وفتاوي .. فمنهم من يساوي .. شيئاً ومن لا يساوي .. هم الدراهم فيها .. محاسنٌ ومساوي .. من لم يكن ناصرياً .. فإنّه عكّاوي.
وفيه يقول البرهان الغزولي : أقول لخلّ قد غدا متكبّراً .. عليّ ترفّق إنّني منك أكبر .. وإن كنت في شك فعندي دليله .. بأني غزولي وأنت منير ، وفيه يقول أيضاً وقد قطع جواري المتصدرين : ألا يا ابن المنيّر لا تداري .. فذنبك ليس يمحى باعتذار .. لبست ثياب لؤمٍ عنك شفت .. ومن يكسى ثياب العار عاري .. قوي حبّ العبيد عليك حتى .. أراك سعيت في قطع الجواري “.

7 / كتاب الإحكام
في القرن السابع الهجري كتب الفقيه المالكي شهاب الدين القرافي كتابَا بعنوان (كتاب الإِحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإِمام) بهدف التفريق في الفقه بين الحكم والفتوى وذلك لمعالجة مسألة طالما شغلت الفقهاء والقضاة في وقتها والمتعلقة بتغير الفتوى تبعا لتغير الظروف رغم ثبات الأحكام وما يلزم ذلك من مرونة في التشريع وسعة في التفكير ، وفي ذلك يقول محقق الكتاب الأستاذ عبد الفتاح أبو غدة :
” أما بعد فهذا كتابُ رفيعٌ فريدٌ في بابه ، أجاد فيه مؤلِّفه الِإمامُ القَرافي أيَّما إجادة وشرَحَ به حقائقَ من العلم كانت عَصِيَّة شاردةً تستعصي على فحولِ العلماء قبلَه فطوَّعها وجعَلَها سهلةَ مأنوسةَ منضبطة وألَّفها أحسنَ تأليف ويسَّرَ منالَها لطُلابها بأسلوبِ سَهْل جَزْل وجاء بالجديدِ الكثير من العلم الذي لم يكن مطروقاً من قبل في الفقهِ والأصولِ وتاريخ التَّشريع وملأ فراغاً لم يَقُم بمَلئِهِ سواه ولا ينهضُ للقيام به إلَّا الأئمة الأفذاذ الموهوبون أمثالُ الِإمام القرافي رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى “.
ويشرح المؤلف في مقدمة كتابه سبب تأليفه فيقول : ” أما بعد ، فإنَّه قد وَقَع بيني وبين الفُضَلاءِ مع تطاول الأيامِ مَباحثُ في أمر الفَرْقِ بين الفُتْيا التي تَبْقى معها فُتْيا المخالِف وبين الحُكم الذي لا يَنقضُه المخالِف وبين تصرُّفاتِ الحُكام وتصرُّفاتِ الأئمة.
ويُختلَفُ في إِثباتِ أهِلَّة رمضان بالشاهد الواحد هل يَلْزَمُ ذلك من لا يَرى إِثباتَه إِلَّا بالشاهدينِ أم لا ؟ ويُختَلفُ إِذا باع الحاكمُ مِن مالِ الأيتام شيئًا هل ذلك حُكمٌ بصحةِ ذلك البيع ؟ فلا يَنقضُه غيرُه أم لا ؟ وهل إِذا حَكَم بعدالةِ إِنسانٍ هل لغيره أن يُبطلها ؟ أم ذلك حكمٌ لا يُنقَض ؟ ونحوِ هذه المسائل ثم يقعُ السؤالُ عن حقيقة الحُكمِ المشارِ إِليه بعبارةِ تُوفي به فلا يُجابُ إِلَّا بأنَّ الحُكم إِلزام والفُتيا إِخبار.
فيقال : إِن أريدَ الِإلزام الحِسيُّ فقد يَعجِزُ الحاكمُ عن الإلزام الحسيُّ من الترسيم والحبسِ وغيرِ ذلك ، ومع ذلك فحُكمُه حُكم وإِلزامُه الحِسيُّ ليس حُكماً وإِن أُريد أنَّه يُخبِرُ عن حُكم الله أنَّه إِلزام فالفُتيا كذلك.
ثم إنَ الحُكمَ قد يكون بعدَمِ الإلزام كما أنَّ القولَ الذي حَكَم به عَدِمَ الإلزام وأن الواقعةَ الموافِقةَ يَتعيَّن فيها الإباحةُ وعدَمُ الحَجْر فتفسير الحُكم بالِإلزام غيرُ جامع ، ثم يقَعُ السؤالُ عن حُكم الحاكِم هل هو نَفْساني أو لِساني وهل هو إخبار أو إِنشاء ؟ فلا يُوجَدُ من يُجيبُ عن ذلك محزَراً ، ونظائرُ هذه الأسئلةِ كثير.
فأردتُ أن أضع هذا الكتابَ مشتملاً على تحريرِ هذه المطالب وأُوردُها أِسئلةً كما وقعَتْ بيني وبينهم ويكونُ جوابُ كل سؤالٍ عَقِيبَه وأُنبِّهُ على غوامض تلك المواضع وفروعها في الأحكام والفتاوى وتصرُّفات الأئمة ، وسمَّيتُ هذا الكتاب : كتابَ الإِحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإِمام ، وعدَدُ الأسئلة أربعون سؤالاً “.
ولد القرافي في البهنسا عام 626 هـ / 1229 م وتوفي في القاهرة عام 684 هـ / 1285 م وتحدث عن نسبه وقبيلته في كتابه (العِقد المنظوم في الخصوص والعموم) إذ قال فيه : والبابُ الثالثُ في صِيَغ العموم المستفادةِ من النقل العُرْفي دون الوضع الُّلغَوي ، وهذا البابُ يكون العموم فيه مستفاداً من النقل خاصة ، وذلك هو أسماء القبائل التي كان أصلُ تلك الأسماء فيها لأشخاصِ معينة من الآدميين، كتميم وهاشم أو لامرأةِ كالقَرَافة فإنَّه اسم لجَدَّةِ القَبِيلَة المسماة بالقَرَافَة.
ونزلَتْ هاته القَبِيلةُ بصُقْع من أصقاع مصر لما اختطها عَمْرو بن العاص ومن معه من الصحابة – رضي الله عنهم أجمعين – فعُرِف ذلك الصُقع بالقرافَة وهو الكائن بين مصر وبِركة الأشراف والمسمَّى بالقرافة الكبيرة ، واشتهاري بالقَرافي ليس لأني من سُلالة هذه القبيلة بل للسُّكنى بالبقعة الخاصة مُدَةَ يسيرة فاتفق الإشتهارُ بذلك ، وإنما أنا من صِنهاجة الكائنة في قُطر مُرَّاكش بأرض المغرب ونشأتي ومولدي بمصر “.
وتتلمذ على يد الشيخ العز بن عبد السلام وأثنى عليه في كتابه الفروق (2 : 197) بعد أن تحدَّثَ عن قاعدة من قواعد الشريعة ودفَعَ ما يَرِدُ عليها من إشكالات ، قال : “وهو من المواطن الجليلة التي يَحتاج إليها الفقهاء ولم أر أحداً حرَّرهُ هذا التحرير إلَّا الشيخ عز الدين بن عبد السلام – رَحِمَهُ اللهُ – وقدَّسَ روحَه فلقد كان شديدَ التحرير لمواضع كثيرة في الشريعة معقولها ومنقولِها وكان يُفتَحُ عليه بأشياء لا توجد لغيره رَحِمَهُ اللهُ رحمة واسعة”.
وقال في (4 : 251) : ” ولقد حضرتُ يومًا عند الشيخ عز الدين بن عبد السلام وكان من أعيان العلماء وأولي الجِدّ في الدين والقيام بمصالح المسلمين خاصَّةَ وعامَّة والثبات على الكتاب والسنة غير مكترث بالملوك فضلاً عن غيرهم لا تأخذه في الله لومة لائم”.
وكان – إلى جانب إمامته وتبحره في علوم الشريعة وفنونها – من الفلكيين الرياضيين النَّبَغَةِ البارعين النوادر في عمل التماثيل المتحركة في الآلاتِ الفلكية ، قال في كتابه (نفائس الأصول في شرح المحصول 1 : 108) من النسخة المخطوطة في ثلاثة أجزاء بدار الكتب المصرية وهو يبحث في فصل الكلام في اللغات عن الدلالة الصوتية : هل مجرَّدُ الصوت يَدُلُّ على صاحبه ؟ فبيَّن أنَّه لا يكفي أن نسمعَ الصوت فنقول : إنه لا بد من شخصٍ صاحبٍ لهذا الصوت لأنَّ الصوت يُصنعُ في غير الإنسان.
ثم قال : بلغني أنَّ الملِكَ الكامل وُضِع له شَمْعَدان – هو عَمُودٌ طويلٌ من نحاس له مراكز يوضع عليها الشمعُ للإِنارة – كلما مَضَى من الليل ساعةٌ انفتح بابٌ منه وخرج منه شخصٌ يقِفُ في خدمة الملِك فإذا انقضَتْ عشرُ ساعات طلع الشخص على أعلى الشمعدان وقال : صبَّح الله السلطان بالخيرِ والسعادة فيَعلمُ أن الفجر قد طلع.
قال : وقد عَمِلتُ أنا هذا الشَمْعَدَانَ وزِدتُ فيه أنَّ الشمعة يتغيَّرُ لونُها في كل ساعة وفيه أسَدٌ تتغيَّر عيناه من السَّوَادِ الشديد إلى البياض الشديد إلى الحُمرة الشديدة في كل ساعة لها لون ، وتَسقُطُ حَصَاتان من طائرين ويَدخل شخصٌ ويَخرج شخصٌ غيرُه ويُغلَقُ بابٌ ويُفتحُ باب ، فإذا طلع الفجر طلع الشخص على أعلى الشمعدان وإصبعُه على أُذُنِه يُشِيرُ إلى الأذان ولكني عَجَزْتُ عن صَنْعَةِ الكلام ثم صَنَعْتُ صُورةَ حيوانِ يمشي ويلتفِتُ يمينًا ويساراً ويُصَفِّرُ ولا يتكلَّم “.
وقد أثنى عليه تلميذه الِإمام ابن راشد محمد بن عبد الله بن راشد البكري التونسي وذلك كما جاء في (نيل الابتهاج) للتُّنبُكْتِي حَكَى عن نفسه سيرتَه في طلب العلم فقال : ” أدركتُ بتونس أجلَّة من النبلاء وصدوراً من النحاة والأدباء فأخذتُ عنهم ثم رحلتُ إلى الإسكندرية فلقيت بها صدوراً أكابر وبحُوراً زواخر كقاضي القضاة ناصر الدين ابن المنيِّر والكمال التَّنَسِي وناصر الدين ابن الأبياري وضياء الدين بن العلاق ومحيي الدين حسَّان رأسِه فأخذتُ عنهم.
ثم رحلتُ للقاهرة إلى شيخ المالكية في وقته فَقِيدِ الأشكال والأقران نَسيجِ وحده وثَمَر سَعْده ، ذي العقلِ الوافي والذهنِ الصافي الشهابِ القَرَافي ، كان مُبرِّزاً على النُّظَّار مُحرِزاً قَصَبَ السَّبْق جامعاً للفنون معتكفاً على التعليم على الدوام فأحلَّني محل السوادِ من العين والرُّوح من الجسد ، فهو إمامٌ رُحلة قُدوة أُجمِعَ على إمامته في عصره من المالكية وغيرهم “.
وقد ترجم له برهان الدين ابن فرحون اليعمري في كتاب الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب وذكر مؤلفاته العديدة فقال : ” أحمد بن إدريس القرافي .. وهو شهاب الدين أبو العباس أحمد بن أبي العلاء إدريس بن عبد الرحمن بن عبد الله بن يلين الصنهاجي البهفشيمي البهنسي المصري.
الإمام العلامة وحيد دهره وفريد عصره أحد الأعلام المشهورين انتهت إليه رئاسة الفقه على مذهب مالك رحمه الله تعالى وجد في طلب العلوم فبلغ الغاية القصوى فهو الإمام الحافظ والبحر اللافظ المفوه المنطيق والآخذ بأنواع الترصيع والتطبيق دلت مصنفاته على غزارة فوائده وأعربت عن حسن مقاصده جمع فأوعى وفاق أضرابه جنساً ونوعاً.
كان إماماً بارعاً في الفقه والأصول والعلوم العقلية وله معرفة بالتفسير وتخرج به جمع من الفضلاء وأخذ كثيراً من علومه عن الشيخ الإمام العلامة الملقب بسلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام الشافعي وأخذ عن الإمام العلامة شرف الدين محمد بن عمران الشهير بالشريف الكوكي وعن قاضي القضاة شمس الدين أبي بكر محمد بن إبراهيم بن عبد الواحد المقدسي سمع عليه مصنفه كتاب وصول ثواب القرآن.
كان أحسن من ألقى الدروس وحلي من بديع كلامه نحور الطروس إن عرضت حادثة فبحسن توضيحه تزول وبعزمته تحول فلفقده لسان الحال يقول : حلف الزمان ليأتين بمثله .. حنثت يمينك يا زمان فكفر ، سارت مصنفاته مسير الشمس ورزق فيها الحظ السامي عن اللمس مباحثه كالرياض المونقة والحدائق المعرفة تتنزه فيها الأسماع دون الأبصار ويجني الفكر ما بها من أزهار وأثمار كم حرر مناط الأشكال ؟ وفاق أضرابه النظراء والأشكال ؟
وألف كتباً مفيدة انعقد على كمالها لسان الإجماع وتشنفت بسماعها الأسماع منها : كتاب الذخيرة في الفقه من أجل كتب المالكية وكتاب القواعد الذي لم يسبق إلى مثله ولا أتى أحد بعده بشبهه وكتاب شرح التهذيب وكتاب شرح الجلاب وكتاب شرح محصول الإمام فخر الدين الرازي وكتاب التعليقات على المنتخب وكتاب التنقيح في أصول الفقه وهو مقدمة الذخيرة وشرحه كتاب مفيد وكتاب الأجوبة الفاخرة عن الأسئلة الفاجرة في الرد على أهل الكتاب وكتاب الأمنية في إدراك النية وكتاب الاستغناء في أحكام الاستثناء وكتاب الإحكام في الفرق بين الفتاوى والأحكام اشتمل على فوائد غزيرة وكتاب اليواقيت في أحكام المواقيت وكتاب شرح الأربعين لعز الدين الرازي في أصول الدين وكتاب الانتقاد في الاعتقاد وكتاب المنجيات والموبقات في الأدعية وما يجوز منها وما يكره وما يحرم وكتاب الإبصار في مدركات الأبصار وكتاب البيان في تعليق الأيمان وكتاب العموم ورفعه وكتاب الأجوبة عن الأسئلة الواردة على خطب بن نباتة وكتاب الاحتمالات المرجوحة وكتاب البارز للكفاح في الميدان وغير ذلك.
قال الشيخ شمس الدين بن عدلان الشافعي : أخبرني خالي الحافظ شيخ الشافعية بالديار المصرية أن شهاب الدين القرافي حرر أحد عشر علماً في ثمانية أشهر ، أو قال : ثمانية علوم في أحد عشر شهراً.
وذكر عن قاضي القضاة تقي الدين بن شكر قال : أجمع الشافعية والمالكية على أن أفضل أهل عصرنا بالديار المصرية ثلاثة : القرافي بمصر القديمة والشيخ ناصر الدين بن منير بالإسكندرية والشيخ تقي الدين بن دقيق العيد بالقاهرة المعزية وكلهم مالكية خلا الشيخ تقي الدين فإنه جمع بين المذهبين.
قال أبو عبد الله بن رشيد : وذكر لي بعض تلامذته أن سبب شهرته بالقرافي أنه لما أراد الكاتب أن يثبت اسمه في بيت الدرس كان حينئذ غائباً فلم يعرف اسمه وكان إذا جاء للدرس يقبل من جهة القرافة فكتب القرافي فجرت عليه هذه النسبة وذكر بعضهم أن أصله من البهنسا ، وتوفي رحمه الله بدير الطين في جمادى الآخرة عام أربعمائة وثمانين وستمائة ودفن بالقرافة.
ويلين بياء مثناة من تحت مفتوحة ولام مشددة مكسورة وياء ساكنة مثناة من تحت ونون ساكنة والبهفشيمي بالباء الموحدة المفتوحة والهاء المجزومة والفاء المفتوحة والشين المعجمة المكسورة والياء المثناة من تحت الساكنة ولم أقف على معنى هذه النسبة ولعلها قبيلة من قبائل صنهاجة.
وكان القرافي رحمه الله كثيراً ما يتمثل بهذين البيتين : وإذا جلست إلى الرجال وأشرقت .. في جو باطنك العلوم الشرد .. فاحذر مناظرة الحسود فإنما .. تغتاظ أنت ويستفيد ويحرد ، وكان كثيراً ما يتمثل بقول محي الدين المعروف بحافى رأسه : عتبت على الدنيا لتقديم جاهل .. وتأخير ذي علم فقالت خذ العذرا .. بنو الجهل أبنائي وكل فضيلة .. فأبناؤها أبناء ضرتي الأخرى “.

8 / بائية ابن الخيمي
الشاعر ابن الخيمي هو صاحب أشهر قضية في حقوق الملكية الفكرية حول قصيدة شعرية عرفت باسم (بائية ابن الخيمي) تنازع فيها هو والشاعر الصوفي نجم الدين ابن إسرائيل واشتهرت قصتهما في أوائل العصر المملوكي وراح الشعراء يدبجون القصائد المختلفة في معارضتها لإثبات البراعة والتمكن في الشعر ، وابن الخيمي هو لقب الشاعر الصوفي أبي عبد الله شهاب الدين محمد بن عبد المنعم بن محمد بن يوسف الأنصاري الذي ولد في القاهرة عام 602 هـ 1205 م وتوفي فيها عام 785 هـ / 1285 م.
وله ديوان شعري قيم نقل منه ابن فضل الله عددا كبيرا من قصائده وذلك في في كتابه مسالك الأبصار ومنها قصيدة يرثي بها الشاعر ابنته الصغيرة ويقول فيها : ويقول خالي القلب تلك صغيرة .. لا تستحق أسى على الفقدان .. يا صاح إن العين وهي صغيرة .. فضلت كبار جوارح الإنسان .. والقلب يا هذا على صغر به .. مأوى العلوم ومنزل الرحمن .. وأبيكِ إن أحق مفقود بأن .. تحنى الضلوع له على الأحزان.
ويعلق عليها ابن فضل الله بقوله : ” وهذا أسلوب غريب ومستقى قريب وكلام سهل يحرك الجماد ويفيض الشؤون ، وهكذا الشاعر المجيد لا يتعمق في معاني المراثي فإن تعمق قربها بسهولة اللفظ ووضوحه ليفهمها كل سامع ، ولا يحتجب عن النساء لأنهن أشد رقة وأكثر ندبا للميت وحزنا عليه ولا سيما صغار الأولاد وخصوصا البنات “.
وله قصيدة أخرى في الرثاء يقول فيها : ألا إن سهم الموت لن يخطىء امرءاً .. وليس إلى شيء من الموت مفزع .. وما الناس إلا راحل ومشيع .. ولكنه عما قليل يشيع .. وإني لأهوى الموت من حيث إنه .. سبيل إلى لقيا الأحبة مهيع .. يقولون صبرا إذ جزعت لبينه .. ولو لم أكن صبا به كنت أجزع.
ذكره السيوطي في حسن المحاضرة فقال : ” ابن الخيمي شهاب الدين أبو الفضل محمد بن عبد المنعم الأنصاري اليمني ثم المصري قال ابن فضل الله : قدوة في الطريقة وأسوة في علم الحقيقة إلا أن صناعة الأدب عليه أغلب وعلم الشعر فيه أرجح ، وقال في العبر : صوفي شاعر محسن حامل لواء النظم في وقته سمع الترمذي من علي بن البنا وأجاز له عبد الوهاب بن سكينة مات في رجب سنة خمس وثمانين وستمائة عن نيف وثمانين سنة “.
وذكره ابن تغري بردي في النجوم الزاهرة في أحداث سنة 685 هـ فقال : ” وفيها توفّى الشيخ شهاب الدين أبو عبد الله محمد بن عبد المنعم بن محمد الأنصارىّ الصوفى الفقيه الشافعى الشاعر المشهور المعروف بابن الخيمىّ ، كان إمام عصره فى الأدب ونظم الشعر مع مشاركة فى كثير من العلوم ومولده سنة اثنتين وستمائة وتوفى بمشهد الحسين بالقاهرة فى شهر رجب.
وقد أوضحنا أمره مع نجم الدين ابن إسرائيل لمّا تداعيا القصيدة التى أوّلها : يا مطلبا ليس لى فى غيره أرب .. إليك آل التّقصّى وانتهى الطّلب ، فى تاريخنا المنهل الصافى والمستوفى بعد الوافى وذكرنا أمرهما لمّا أمرهما ابن الفارض بنظم قصيدتين فى الرّوىّ والقافية وذكرنا القصيدتين أيضا بكمالهما ثم حكم ابن الفارض بالقصيدة لشهاب الدين هذا ، والقصيدة التى نظمها شهاب الدين ابن الخيمىّ هذا لمّا أمره ابن الفارض بالنظم أوّلها : لله قوم بجرعاء الحمى غيب .. جنوا علىّ ولمّا أن جنوا عتبوا ، والتى نظمها ابن إسرائيل “.
وترجم له الصفدي في الوافي بالوفيات وذكر قصة القصيدة البائية المشهورة فقال : ” شهَاب الدّين ابْن الخيمي مُحَمَّد بن عبد الْمُنعم بن مُحَمَّد شهَاب الدّين ابْن الخيمي الْأنْصَارِيّ اليمني الأَصْل الْمصْرِيّ الدَّار الشَّاعِر .. حدث بِجَامِع التِّرْمِذِيّ عَن عَليّ بن الْبناء الْمَكِّيّ وَأَجَازَ لَهُ ابْن سكينَة وَغَيره وعلت سنه وَحدث بِكَثِير من مروياته روى عَنهُ الدمياطي فِي مُعْجَمه وَسمع مِنْهُ قطب الدّين ابْن مُنِير وفخر الدّين ابْن الظَّاهِرِيّ وَكَانَ هُوَ الْمُقدم على شعراء عصره مَعَ الْمُشَاركَة فِي كثير من الْعُلُوم وَكَانَ يعاني الخدم الديوانية وباشر وقف مدرسة الشَّافِعِي ومشهد الْحُسَيْن وَفِيه أَمَانَة وَمَعْرِفَة وَكَانَ مَعْرُوفا بالأجوبة المسكتة وَلم يعرف مِنْهُ غضب عَاشَ اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ سنة أَو أَكثر وَتُوفِّي بِالْقَاهِرَةِ سنة خمس وَثَمَانِينَ وست مائَة.
وروى أَيْضا عَن عَتيق بن باقا وَابْن عبد الله بن الْبناء وَاتفقَ أَن نجم الدّين ابْن اسرائيل الشَّاعِر حج فَرَأى ورقة ملقاة فِيهَا القصيدة الَّتِي لِابْنِ الخيمي الْمَشْهُورَة البائية فادعاها قَالَ قطب الدّين فَحكى لنا صاحبنا الْمُوفق عبد الله بن عمر أَن ابْن اسرائيل وَابْن الخيمي اجْتمعَا بعد ذَلِك بِحَضْرَة جمَاعَة من الأدباء وَجرى الحَدِيث فتحاكما إِلَى شرف الدّين ابْن الفارض فَقَالَ يَنْبَغِي لكل وَاحِد مِنْكُمَا أَن ينظم أبياتاً على هَذَا الْوَزْن والروي فنظم ابْن الخيمي لله قومٌ بجرعاء الْحمى غيب القصيدة ونظم ابْن اسرائيل لم يقْض فِي حبكم بعض الَّذِي يجب القصيدة فَلَمَّا وقف عَلَيْهِمَا ابْن الفارض أنْشد لِابْنِ اسرائيل لقد حكيت وَلَكِن فاتك الشنب وَحكم بالقصيدة لِابْنِ الخيمي.
واستجاد بعض الْحَاضِرين أَبْيَات ابْن اسرائيل وَقَالَ من ينظم مثل هَذَا مَا الْحَامِل لَهُ على ادِّعَاء مَا لَيْسَ بهفابتدر ابْن الخيمي وَقَالَ هَذِه سَرقَة عَادَة لَا سَرقَة حَاجَة وانفصل الْمجْلس وسافر ابْن اسرائيل لوقته من الديار المصرية وَقد طلب ابْن خلكان وَهُوَ نَائِب الحكم بِالْقَاهِرَةِ الأبيات من ابْن الخيمي فكتبها وذيل لَهُ فِي آخرهَا أبياتاً وَسَأَلَهُ الحكم بَينه وَبَين من ادَّعَاهَا وَالْقَصِيدَة المدعاة أنشدنيها من لَفظه الشَّيْخ الإِمَام الْحَافِظ فتح الدّين مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن سيد النَّاس الْيَعْمرِي قَالَ أَنْشدني لنَفسِهِ إجَازَة الشَّيْخ شهَاب الدّين مُحَمَّد بن عبد الْمُنعم ابْن الخيمي وَفِي غَالب الظَّن أَنه سَماع :
يا مطلباً ليس لي في غيره أرب … إليك التقصي وانتهى الطلب .. وما طمحت لمرأى أو لمستمع … إلا المعنى إلى علياك ينتسب .. وما أراني أهلاً أن توصلني … حسبي علواً بأني فيك مكتئب .. لكن ينازع شوقي تارة أدبي … فأطلب الوصل لما يضعف الأدب .. ولست أبرح في الحالين ذا قلق … نام وشوق له في أضلعي لهب .. ومدمع كلما كفكفت صيبه … صوناً لذكراك يعصيني وينسكب .. ويدعي في الهوى دمعي مقاسمتي … وجدي وحزني ويجري وهو مختضب .. كالطرف يزعم توحيد الحبيب ولا … يزال في ليلة للنجم يرتقب
أخبرنَا الشَّيْخ الْعَلامَة شهَاب الدّين مَحْمُود قَالَ قلت لِابْنِ اسرائيل يَا شيخ نجم الدّين لأي شَيْء قصرت عَن ابْن الخيمي فِي هَذَا الْمَعْنى قَالَ وشاعر فَحل وَأخذ الْمَعْنى بكرا فجوده وَلم يدع فِيهِ فضلَة أَو كَمَا قَالَ وَالْقَصِيدَة الَّتِي نظمها ابْن الخيمي ثَانِيًا مَعَ ابْن اسرائيل هِيَ مَا أنشدنيه الشَّيْخ الإِمَام الْعَلامَة شهَاب الدّين أَبُو الثَّنَاء مَحْمُود قَالَ أَنْشدني شهَاب الدّين مُحَمَّد بن عبد الْمُنعم ابْن الخيمي لنَفسِهِ :
لله قومٌ بجرعاء الْحمى غيب … جنوا عَليّ وَلما أَن جنوا عتبوا .. يَا رب هم أخذُوا قلبِي فَلم سخطوا … وَإِنَّهُم غصبوا عيشي فَلم غضبوا .. هم العريب بنجدٍ مذ عرفتهم … لم يبْق لي مَعَهم مالٌ وَلَا نشب .. شاكون للحرب لَكِن من قدودهم … وفاترات اللحاظ السمر والقضب .. فَمَا ألموا بحيٍ أَو ألم بهم … إِلَّا أَغَارُوا على الأبيات وانتهبوا .. عهِدت فِي دمن الْبَطْحَاء عهد هوى … إِلَيْهِم وتمادت بَيْننَا حقب .. فَمَا أضااعوا قديم الْعَهْد بل حفظوا … لَكِن لغيري ذَاك الْعَهْد قد نسبوا .. من منصفي من لطيف مِنْهُم غنجٍ … لدن القوام لاسرائيل ينتسب “.
وذكر له ابن شاكر الكتبي عدة قصائد في أغراض متعددة في كتابه فوات الوفيات فقال : ” ومن شعر الشيخ شهاب الدين الخيمي :كلفت ببدر في مبادي الدجى بدا … فعاد لنا ضوء الصباح كما بدا .. وحجب عنا حسنه نور حسنه … فمن ذلك الحسن الضلالة والهدى .. فيا عاذلي دعني ونار صبابتي … عليه فإني قد وجدت بها هدى .. وهاك يدي إني على ترك حبه … مدى الدهر لا أعطيك يا عاذلي يدا .. فما العيش إلا أن أبيت مواصلاً … لبدري أو في حب بدري مسهدا .. فيا نار قلبي حبذا أنت مصطلى … ويا دمع عيني حبذا أنت موردا .. ويا سقمي في الحب أهلاً ومرحباً … ويا صحة السلوان شأنك والعدا.
وقال أيضاً : سلام على بعد المزار وقربه … سلام فتى ما زال عن عهد حبه .. يعلله إن فاته طيب وصلكم … لذيذ هواكم في سويداء قلبه .. ويلقى بخديه النسيم لأنه … بمغناكم قد جر ذيلاً بثوبه .. ويعترض الركبان على مبشراً … بقربكم يقضي بتفريج كربه.
وقال أيضاً : هل لي إلى برد الثنايا من سبيل .. لمشوق ذاب من حر الغليل .. أو إلى الوصل وصول خلسة … لمحب بين واش وعذول .. تعب الواشي ولو شاء اكتفى .. بوشاة من دموعي ونحولي .. وبواش من كثير الطيب إن … سمح المحبوب بالوصل القليل .. وعذول لج في عذلي إذ .. لم ير الخال على الخد الأسيل .. لو رأى وجه حبيبي عاذلي .. لتفارقنا على وجه جميل .. حبذا وجه حبيبي جنة … ذات ظل مد بالصدع ظليل .. لم يرق قلبي خليل غيره .. إنه خير حبيب وخليل .. خده الناظر برد ناره … وسلام إنها نار الخليل .. أنا مقتول كما شاء الهوى … بالقوام اللدن والطرف الكحيل .. مت بالحب شهيداً فعسى في … جنان الخلد أن يقضى دخولي “.

9 / الشامل في الصناعة الطبية
يعد كتاب الشامل في الصناعة الطبية من أكبر مراجع الطب الموسوعية في العصور الوسطى حيث يأتي في الترتيب الزمني بعد كل من كتاب الحاوي في الطب الذى ألَّفه أبو بكر الرازي المتوفي بالري من بلاد فارس عام 313 هـ وكتاب التصريف لمن عجز عن التأليف الذي ألفه أبو القاسم الزهراوي المتوفي بالأندلس عام 402 هـ وكتاب القانون في الطب الذي ألفه الشيخ الرئيس أبو علي ابن سينا المتوفي بهمذان من بلاد فارس عام 428 هـ فجاء الكتاب الرابع ليجمع علومهم ويضيف إليها خلاصة جهود وأبحاث مؤلفه العبقري.
ومؤلفه هو أبو الحسن علاء الدين علي بن أبي الحزم الخالدي المخزومي والمعروف بلقب ابن النفيس (الخالدي نسبة إلى جده الأعلى الصحابي الجليل خالد بن الوليد رضي الله عنه) ، ولد في دمشق عام 607 هـ / 1210 م وتوفي بالقاهرة عام 687 هـ / 1288 م ، وهو عالم موسوعي له إسهامات في مختلف العلوم كما هي عادة العصور الوسطى مثل الفقه والفلسفة واللغة والأدب والمنطق ، لكن شهرته الأكبر جاءت من تبحره في علوم الطب حيث تلقى تعليمه في البيمارستان النوري في دمشق (وهو المستشفى الذي أسسه نور الدين محمود).
انتقل إلى القاهرة عام 633 هـ / 1236 م وعمل في البيمارستان الناصري (الذي بناه الناصر صلاح الدين) ثم عينه السلطان بيبرس طبيبا خاصا له طوال سبعة عشر عاما ، وعندما تولى المنصور قلاوون قرر تحويل القصر الفاطمي الغربي إلى مستشفى ضخم (البيمارستان المنصوري) بهدف تقديم العلاج المجاني للجميع وتدريس الطب للطلاب وعهد بإدارته إلى ابن النفيس ومنحه كافة الصلاحيات والإمكانات وأعطاه لقب (رئيس الأطباء).
وفي عام 1242 م نشر ابن النفيس كتابه (شرح تشريح قانون ابن سينا) وتحدث فيه عن الدورة الدموية الصغرى والشريان التاجي وألحق به بحثا بعنوان (شرح الأدوية المركبة) والذي ترجم إلى اللاتينية في مدينة البندقية في القرن السادس عشر ، وفي عام 1244 م نشر ثلاثة وأربعين مجلدا من كتابه (الشامل في الصناعة الطبية) وهو أضخم موسوعة طبية كتبها شخص واحد في تاريخ الطب ، وقد قام الدكتور يوسف زيدان بتجميع مخطوطات الكتاب وتحقيقها.
ومن مؤلفاته الأخرى كتاب (شرح كتاب الأوبئة لأبوقراط) وكتاب (تفسير العلل وأسباب الأمراض) وكتاب (شرح تشريح جالينوس) ، وقد كان ابن النفيس محبا للعلم فكانت داره بالقاهرة ملتقى للأمراء والوجهاء والأطباء والطلاب ، وقبيل وفاته أوقف داره وكل أمواله وكتبه لصالح المستشفى المنصوري قائلا : إن شموع العلم يجب أن تضيء بعد وفاتي ، وقال عن مؤلفاته : لَوْ لَمْ أَعْلَمْ أَنَّ تَصَانِيفى تَبْقَى بَعْدِى عَشْرَةَ آلاَفِ سَنَةٍ مَا وَضَعْتُهَا.
وقد قام الدكتور يوسف زيدان بحصر مخطوطات الكتاب المتفرقة في مكتبات ومتاحف العالم المختلفة وذكر أن الكتاب يتكون من ثلاثة أقسام حيث يقول : ” الفن الأول من الشامل وهو يشتمل على قواعد الجزء النظرى من الطب ويقع فى أربعة أجزاء على النحو التالى :
الجزء الأول فى علم الأمور الطبيعية ويشتمل على مقدمةٍ وسبعة كتب وهى : كتاب الأركان ، كتاب الأمزجة ، كتاب الرطوبات ، كتاب الأعضاء ، كتاب الأرواح ، كتاب القوى ، كتاب الأفعال.
الجزء الثانى فى علم الأمراض ، الجزء الثالث فى علم الأسباب ، الجزء الرابع فى علم الدلائل ويشتمل على ثلاثة كتب : الكتاب الأول فى الوجع ، الكتاب الثانى فى النبض ويضم ثلاثة تعاليم : التعليم الأول فى ماهية النبض ، التعليم الثانى فى أجناس النبض ، التعليم الثالث فى أسباب النبض ، الكتاب الثالث فى البول.
الفن الثاني من الشامل وهو يشتمل على أربعة أجزاء ، الجزء الثانى منها يشتمل على نمطين ، النمط الأول منها يضم ثلاثة كتب ، الكتاب الثالث منها موضوعه (الجراحة) أو عمل اليد ويقع فى ثلاثة تعاليم : التعليم الأول فى الأصول الكلية ، التعليم الثانى فى الآلات ، التعليم الثالث فى أجناس العمل باليد ، وأغلب أجزاء هذا الفن (الثانى) مفقودة وإن كانت هناك إشارات فى ثنايا كلام العلاء تفيد أنه كتبها بالفعل.
الفن الثالث من الشامل وهو يشتمل على جزئين الأول منها مفقودٌ بالكامل والجزء الثانى موجودٌ كاملاً ! وهو الجزء الذى يقع فى ثمانية وعشرين كتاباً فى الأدوية المفردة “.
ويفصل المحقق في مقدمته ملاحظات قيمة على الكتاب فيقول : ” أولاً: تمثل الكتب الثمانية والعشرين المخصَّصة للأغذية والأدوية المفردة أضخم عمل صيدلانى فى تاريخ الإسلام والحضارات القديمة.
فهى تفوق من حيث استيفائها الكلام على كل غذاءٍ ودواء كافة الكتابات السابقة على العلاء فى هذا الموضوع بما فى ذلك الأعمال المشهورة مثل : كتاب الحشائش لديسقوريدس ، كتاب الجامع لابن البيطار ، وهما أهم مرجعين فى الصيدلة قبل العلاء .. كما تفوق : المعتمد للملك المظفر ، التذكرة لداود الأنطاكى ، وهما أهم مرجعين كُتبا بعد العلاء ، ناهيك عن التفوق الكمى والنوعى للكتب الثمانية والعشرين على الفصول التى خصَّصها الرازى وابن سينا للأغذية والأدوية فى كتابيهما : الحاوى ، القانون.
ثانياً : انطلق العلاءُ (ابن النفيس) فى تناوله التفصيلى للأغذية والأدوية من النظريات التى انطلقت منها بحوثه وكتاباته الطبية الأخرى كنظرية الطبائع والأُستقصات والعلاج بالضد والقوة الشافية الكامنة فى الجسم وحركة الدم بالطاقة ـ أو الأرواح ـ داخل الشرايين والأوردة.
كما انطلق العلاءُ من قاعدةٍ منهجية مفادها أن الطبيب يهتم من النباتات بأفعالها فى بدن الإنسان لا بخواصها من حيث هى نباتات – فهذا عملُ الطبيعيين – وهو ما كان أبو بكر الرازى قد حدَّده بوضوح فى الحاوى حين قال تحت عنوان (كتاب صيدلة الطب) ما نصُّه : المعرفةُ بالأدوية وتمييزُ جيدها ورديئها وخالصها ومغشوشها وإن كان ليس بلازمٍ للطبيب ضرورة – كما يحسبه جُهَّالُ الناس – فهو أحرى وأزين به .. ولايجوز أن يسمَّى أعرف الناس بأنواع الأدوية وأشكالها وألوانها وخالصها طبيباً بل إنما يسمى الطبيب مَنْ عرف أفاعيل هذه فى أبدان الناس .. لأن للأدوية أفاعيل باطنة وهى التى تسمَّى الخواص لا يبلغ الطبيب استخراجها .
وعلى هذا النهج سار العلاءُ، وأشار إليه غير مرة بعباراتٍ مثل قوله فى الفصل الثانى من المقالة الثانية والعشرين من كتاب الهمزة عند تناوله لطبيعة الأسل : ولما فى هذا النبات من الهوائية فإنها وإن كانت فى نفسها بالغة الرطوبة إلا أن هذه الرطوبة لا مدخل لها فى التأثير فى بدن الإنسان ، وكلامنا ها هنا فى أمزجة الأدوية إنما هو باعتبار فعلها فى بدن الإنسان.
وهو ما أكّده في الفصل الثاني من المقالة التالية – الثالثة والعشرين – بقوله أثناء في طبيعة الآس : إن كلامنا ها هنا في أمزجة الأدوية إنما هو في أمزجتها المعتبرة بحسب فعلها في بدن الإنسان لا التي هي في أنفسها والهوائية التى فى الآس وإن كانت تفيد الآس نفسه رطوبةً فإنها ليست بعللٍ تثبته لبدن الإنسان.
ويستفاد مما سبق أن العلاءَ (ابن النفيس) مع أنه وضع أوسع موسوعة صيدلانية بكتبه الثمانية والعشرين إلا أنه لم يقصد الصيدلة بذاتها وإنما كان يستكمل كافة التخصُّصات الداخلة فى الصناعة الطبية .. ليكون كتابه شاملاً.
ثالثاً: مع ضخامة الموسوعة التى نحن بصدد الدخول إلى نصها المحقَّق وبلوغ صفحاتها المئاتبل الألوف ؛ إلا أن مؤلِّفها ظل دوماً حيوىَّ الأسلوب .. دافقه .. ولم يغب عن باله القارئ ! ولذا فهو لايفتأ يتوجَّه لقارئه بالخطاب بعبارات مثل : إنك قد علمت .. وستعرف كيفية ذلك كله ، فيما بعد .. على ما تعرفه فى موضعه .. إلخ.
ومع تدفُّق قلم العلاء إلا أنه كان حريصاً كل الحرص على الوضوح والإبانة واستعمال الألفاظ السهلة والعبارات المنسابة والخروج من المزالق التى لاطائل تحتها متخلِّصاً منها بعبارات مثل : ولستُ بالذى يخوض فى ذلك .. ولا مشاحة فى الألفاظ .. ومن أراد تحقيق هذا الأمر فعليه بالمراجعة .. ولانريد التطويل .. إلخ.
غير أن اندفاق عبارات العلاء وكون كتابته غير منقوطة فى أغلب المواضع – وقد كان يكتب بيده – جعل النُّسَّاخ من بعده يخطئون فى رسم الكلمات وفى كتابه الضمائر والمفردات وقد اجتهدنا فى تصويب تلك الأخطاء عند التحقيق.
رابعاً: كان الشامل مرجعاً لكثير من الأطباء الذين جاءوا بعد العلاء وقد أشار إليه واقتبس منه كثيرون مثل الملك المظفر فى كتابه : المعتمد والقوصونى فى قاموس الأطباء وداود فى التذكرة والعبدلى فى رسالته : فيما ورد فى الثلج والجمد والبرد.
ومع ذلك ، فالشامل لم يلق ما يستحقه من عنايةٍ فى العصور اللاحقة على عصر مؤلِّفه فلم يتوسَّع فى مباحثه الأطباءُ والصيادلة ولم يعكف عليه واحدٌ منهم بالشرح والتحشية ولم يحظ بجهود النُّسَّاخ ، ومن هنا خفت صوت الشامل فى القرون السبعة الماضية وقلَّت نسخُهُ الخطية وندرت ولاشك فى أن ضخامة الشامل كانت السببُ وراء ذلك الإحجام عن التوسع والشرح والنَّسْخ.
خامساً : لاتزال بعض الطرق العلاجية التى وصفها العلاءُ فى موسوعته مستعملةً فى نواحٍ من بلادنا.. فمن ذلك – على سبيل المثال – الطريقة (الصعبة) لعلاج البهق بآطريلال ! كما سنرى فى المقالة الأولى من هذا الجزء الذى بين أيدينا وقد رأيتهم يستعملون هذه الطريقة بأطراف صعيد مصر.
أخيراً : التزم العلاءُ التزاماً صارماً بالمنهج الذى حدَّده فى مقدمة الجزء الثانى من الفن الثالث وسار فى الكتب الثمانية والعشرين – التى نحن بصدد الدخول إليها – على النهج الذى رسمه بدقةٍ متناهية.
تلك هى بعضُ النقاط التى لاحظناها أو لفتت أنظارنا فى بعضِ المواضع من الجزء (الأول) الذى بين أيدينا وهو بعضُ كتاب الشامل فى الصناعة الطبية ، وما من شكٍ فى أن أجزاء الكتاب كاملةً بحاجةٍ إلى عكوفٍ طويل يتجاوز تلك الملاحظات السريعة إلى التفحُّص الهادئ .. والدرس المنهجى .. والمقارنة .. والمقاربة .. والمصاحبة .. والعكوف ، من قبل الدارسين والمشتغلين بالطب وتاريخه “.
ويشرح ابن النفيس في مقدمة الجزء الخاص بالأدوية منهجه في البحث والترتيب فيقول : ” الجزءُ الثانى من الفَنِّ الثالث من الكتاب الشَّامل فى الصناعة الطبية ، وقصدُنا فيه أن نتكلم فى أحكام الأدوية المفردة كلاماً مفصَّلاً بحسب دواءٍ دواء سواءٌ كان ذلك الدواء دواءً مطلقاً أو دواءً غذائياً أو دواء سُمِّياً أو سُمّاً على الإطلاق حتى يكون كلامنا ها هنا شاملاً لجميع الأجسام التى يصدق عليها أنها أدوية.
وقد جرت عادةُ مَنْ سبقنا بالكلام فى هذا الفن ببسط الكتب بأمرين ، أحدهما كثرة أعداد الأدوية حتى يستقصوا جميع ما وصل إلى معرفتهم من هذه الأدوية ولو باسمه فقط وربما ترادفت أسماءٌ وكان الدواء فى ذاته واحداً فكثَّروه لأجل تكُّثر أسمائه ظانِّين أن مسمَّيات تلك الأسماء متغايرة ! ، وربما حكم بعضهم على ذلك بأحكامٍ مختلفة وكان المحكوم عليه فى نفس الأمر واحداً.
وثانيهما تكثُّر أسماء القائلين فى كل دواء إن كانت تلك الأقوال متوافقة وكثيراً ممن يُظنُّ فيه – منهم – زيادةُ العلم ، يزيد على ذلك الكتبَ المشتملة على تلك الأقوال وكذلك أسماء المقالات فى تلك الكتب ظانِّين أن العلم الكامل ليس إلا هذا ! ومع ذلك فإنهم يحتجُّون على جميع مطالبهم بأن هذا قاله فلان فإن أكَّدوا هذه قالوا فى كتاب كذا فى المقالة الفلانية ، ونحن نرجو من الله تعالى أن تكون طريقتنا مخالفة لهذه الطريقةً وأن يكون كلامنا فى هذا الفن شبيهاً بكلامنا السالف وعلى الوجه العملى المحقَّق.
وقد رأينا أن نقتصر على الأدوية المشهورة فقط فلا نطوِّل كتابنا هذا بذكر ما لا يوجد وما لا يعرفه الجمهورُ والأطباءُ من الأدوية فإن العمر يقصر عن ذلك ، وما كان من الأدوية المشهورة وقد تحقَّقنا معرفته تكلَّمنا فيه على الوجه الذى نرى أنه لائقٌ بالكلام العملىِّ فنحقِّق الكلام فى ماهيَّته وأفعاله على الإطلاق وفى كُلِّ عضوٍ عضو كل ذلك ببِّيناتٍ مهذَّبة وحُجَجٍ محقَّقة ، وما كان من آراء الذين يُعتدُّ بأرائهم فى هذا الفن نرى أنه مخالفٌ للحق بيَّنا وجه غلطه وبرهنَّا على بطلانه متوكِّلين فى ذلك كله على التوفيق من الله تعالى.
وما كان من الأدوية المشهورة لم تتحقَّق عندنا معرفته رأينا أن لانوليه الإهمال فيكون كتابنا هذا ناقصاً عن الكمال وقاصراً على المشهور ، فلذلك رأينا أن نتكلَّم فى ذلك على نمط كلام الأولين فنذكر ما قيل فى أحكامه شرحاً فمن شاء تحقيق شئ من ذلك فعليه بالفحص عنه ونسأل الله العصمة والتوفيق.
وقد رأينا أن نجعل لكل دواءٍ تحقَّقناه مقالةً على حدة وأن نرتِّب كل مقالةٍ على فصول مشتملة على فنون أحكام ذلك الدواء ، فيكون كلامنا فى ماهيته وجوهره والمختار منه كل ذلك فى فصلٍ واحد ، والكلام فى أفعاله فى أعضاء الصدر فى فصلٍ واحد ، والكلام فى أفعاله فى أعضاء الغذاء فى فصلٍ واحد ، والكلام فى أفعاله فى أعضاء التعفُّن فى فصلٍ واحد ، والكلام فى الأحوال التى لا اختصاص لها بعضوٍ عضو فى فصلٍ واحد ، والكلام فى أحوال ذلك الدواء فى الترياقية والسُّمِّيَّة ونحو ذلك وفى بدله وشئٍ من خواصه فى فصلٍ واحد.
فلذلك قد تشتمل بعض المقالات على ثمانية فصول وربما اشتمل بعضها على سبعة أو أقل من ذلك وذلك بحسب ما تحقَّقناه من أحكام كل دواء ، وربما جمعنا كثيراً من فنون هذه الأحكام فى فصلٍ واحد لقِصَرِ الكلام فى تلك الفنون فلذلك قد يُجعل بعض المقالات فى فصلين فقط وربما جمعنا أحكام بعض الأدوية كلها فى فصلٍ واحد.
وقد جمعنا جميع المقالات التى مُبتدأ أسماءُ أدويتها بحرفٍ معيَّن، كالهمزة مثلاً والباء فى كتابٍ على حدة فلذلك تعدَّدت هذه الكتب بعدد الحروف التى تبتدئ بها أسماء الأدوية وكانت هذه الكتب ثمانية وعشرين كتاباً بعدد الحروف.
بذلك يكون الكتاب الأول فى الأدوية التى أول أسمائها حرف الهمزة والكتاب الثانى فى الأدوية التى أول أسمائها حرف التاء والكتاب الثالث فى الأدوية التى أول أسمائها حرف الثاء .. وعلى هذا الترتيب إلى آخر الحروف.
ثم جعلنا لكل كتابٍ خاتمةً نذكر فيها أحكام الأدوية المشهورة التى لم نتحقَّق معرفتها على الوجه العلمى من الأدوية التى أول أسمائها الحرفُ الذى لذلك الكتاب “.
وقد ترجم له ابن فضل الله في كتابه مسالك الأبصار في ممالك الأمصار فقال : ” علي بن أبي الحزم علاء الدين ابن النفيس القرشي الدمشقي .. فرد الدهر وواحده وأخو كل علم ووالده إمام الفضائل وتمام الأوائل والجبل الذي لا يرقى علاه بالسلالم والحبل الذي لا يعلق به إلا الغريق السالم لم يبق إلا من اغترف منه غرفة بيده وأخذ منه حلية لمقلده.
حلّ مصر في محل ملكها ونسخت لياليها بإشراقه صبغة حلكها وقرأ عليه بها الأعيان وكلأ فضله وأعان ولم يكن على علم واحد بمقتصر ولا شبهه بالبحر إلا مختصر ، هذا إلى حسب غير مرءوس وحسب مثل جناح الطاووس وشرف قرشي لا يحل معه في بطحائه ولا يحث في البيد قلاص ، بطائه زكا محتدا وزها بيتا لم يضرب غير متوسط السماء وتدا وكمّل ذاته بكرم وخير ومجد في أول وأخير ومزايا استحقاق وسجايا كحواشي النسيم الرقاق ومحاسن كطوالع النجوم ما فيها شقاق.
قال ابن أبي أصيبعة : نشأ بدمشق واشتغل بها في الطب على المهذّب الدخوار منجبا ، تخرج عليه جماعة منهم : الرضي وابن قاضي بعلبك والشمس الكلي ، وكان علاء الدين إماما في علم الطب لا يضاهى في ذلك ولا يدانى استحضارا واستنباطا واشتغل على كبر وله فيه التصانيف الفائقة والتواليف الرائقة.
صنف كتاب الشامل في الطب ، تدل فهرسته على أنه يكون في ثلاث مائة سفر هكذا ذكر بعض أصحابه ، وبيّض منها ثمانين سفرا وهي الآن وقف بالبيمارستان المنصوري بالقاهرة، وكتاب المهذب في الكحل وشرح القانون لابن سينا في عدة أسفار وغير ذلك في الطب وهو كان الغالب عليه.
وأخبرني شيخنا أبو الثناء محمود أنه كان يكتب إذا صنف من صدره من غير مراجعة حال التصنيف ، وله معرفة بالمنطق وصنف فيه مختصرا وشرح الهداية لابن سينا في المنطق وكان لا يميل في هذا الفن إلا إلى طريقة المتقدمين كأبي نصر وابن سينا ويكره طريقة الأفضل الخونجي والأثير الأبهري.
وصنف في أصول الفقه والفقه والعربية والحديث وعلم البيان وغير ذلك ، ولم يكن في هذه العلوم بالمتقدم إنما كان له مشاركة ما وقد أحضر من تصنيفه في العربية كتابا في سفرين أبدى فيه عللا تخالف كلام أهل الفن ولم يكن قرأ في هذا الفن سوى الأنموذج للزمخشري قرأه على ابن النحاس وتجاسر به على أن صنف في هذا العلم ، وعليه وعلى العماد النابلسي تخرج الأطباء بمصر والقاهرة ، وكان شيخا طوالا أسيل الخدين نحيفا ذا مروءة.
وحكي أنه في علّته التي توفي فيها أشار عليه بعض أصحابه الأطباء بتناول شيء من الخمر ! إذ كان صالحا لعلته على ما زعموا فأبى أن يتناول شيئا منه وقال : لا ألقى الله تعالى وفي باطني شيء من الخمر.
وكان قد ابتنى دارا بالقاهرة وفرشها بالرخام حتى إيوانها ، وما رأيت إيوانا مرخما في غير هذه الدار ، ولم يكن مزوجا ، ووقف داره وكتبه على البيمارستان المنصوري ، وكان يغض من كلام جالينوس ويصفه بالعي والإسهاب الذي ليس تحته طائل وهذا بخلاف النابلسي فإنه كان يعظّمه ويحث على قراءة كلام جالينوس.
وكان علاء الدين قد نزل يدرس بالمسرورية بالقاهرة في الفقه وذكروا أنه شرح في أول التنبيه إلى باب السهو شرحا حسنا ، ومرض رحمه الله تعالى ستة أيام أولها يوم الأحد وتوفي سحر يوم الجمعة الحادي والعشرين من ذي القعدة سنة سبع وثمانين وستمائة بالقاهرة.
قال أبو الصفاء : أخبرني الإمام العلامة الشيخ برهان الدين الرشيدي خطيب جامع أمير حسين بالقاهرة قال : كان العلاء ابن النفيس إذا أراد التصنيف توضع له الأقلام مبرية ويدير وجهه إلى الحائط ويأخذ في التصنيف إملاء من خاطره ويكتب مثل السيل إذا تحدّر فإذا كلّ القلم وحفي رمى به وتناول غيره لئلا يضيع عليه الزمان في بري القلم.
قلت : وبهذا حدّثني شيخنا أبو الثناء محمود : قال أبو الصفاء : وأخبرني شيخنا نجم الدين الصفدي أن ابن النحاس كان يقول : لا أرضى بكلام أحد في القاهرة في النحو غير كلام ابن النفيس ، أو كما قال.
وقد رأيت له كتابا صغيرا عارض به رسالة حي بن يقظان لابن سينا ووسمه بكتاب : (فاضل بن ناطق) وانتصر فيه لمذهب أهل الإسلام وآرائهم في النبوات والشرائع والبعث الجسماني وخراب العالم ، ولعمري لقد أبدع فيها ودلّ ذلك على قدرته وصحة ذهنه وتمكنه من العلوم العقلية.
وأخبرني السديد الدمياطي الحكيم بالقاهرة وكان من تلاميذه قال : اجتمع ليلة هو وابن واصل وأنا نائم عندهما فلما فرغا من صلاة العشاء الآخرة شرعا في البحث وانتقلا من علم إلى علم والشيخ علاء الدين كل ذلك يبحث برياضة ولا انزعاج ، وأما القاضي جمال الدين فإنه ينزعج ويعلو صوته وتحمر عيناه وتنتفخ عروق رقبته ، ولم يزالا كذلك إلى أن أسفر الصبح فلما انفصل الحال قال القاضي جمال الدين : يا شيخ علاء الدين أما نحن فعندنا مسائل ونكت وقواعد وأما أنت فعندك خزائن علوم.
وقال أبو الصفاء : قال السديد أيضا : قلت يا سيدي لو شرحت الشفاء لابن سينا كان خيرا من شرح القانون لضرورة الناس إلى ذلك ، فقال : الشفا ليّ فيه مواضع تريد أيتها ؟ ، قلت : يريد أنه ما فهم تلك المواضع لأن عبارة الرئيس في الشفا غلقه.
قال: وأخبرني آخر قال : دخل الشيخ علاء الدين مرة إلى الحمام التي في باب الزهومة فلما كان في بعض تغسيله خرج إلى مسلخ الحمام واستدعى بدواة وقلم وورق وأخذ في تصنيف مقالة في النبض إلى أن أنهاها ثم عاد ودخل الحمام وكمل تغسيله !
وقيل: إنه قال : لو لم أعلم أن تصانيفي تبقى بعدي عشرة آلاف سنة ما وضعتها ، والعهدة في ذلك على من نقله عنه ، وعلى الجملة كان إماما عظيما وكبيرا من الأفاضل جسيما ، وكان يقال : هو ابن سينا الثاني.
قال : ونقلت من ترجمته في مكان لا أعرف من هو الذي وضعه ، قال : شرح القانون في عشرين مجلدا شرحا حلّ فيه المواضع الحكمية ورتّب فيه القياسات المنطقية وبين فيه الإشكالات الطبية ، ولم يسبق إلى هذا الشرح لأن قصارى كل من شرحه أن يقتصر على الكليات إلى نبض الحبالى ولا يجري فيه ذكر الطب إلا نادرا ، وشرح كتب بقراط كلها ولأكثرها شرحان مطوّل ومختصر وشرح الإشارات.
وكان يحفظ (كليات القانون) ويعظم كلام بقراط ولا يشير على مشتغل بغير القانون وهو الذي جسّر الناس على هذا الكتاب ، وكان لا يحجب نفسه عن الإفادة ليلا ولا نهارا وكان يحضر مجلسه في داره جماعة من الأمراء والمهذب ابن أبي حليقة رئيس الأطباء وشرف الدين ابن صغير،وأكابر الأطباء، ويجلس الناس في طبقاتهم ، ومن تلاميذه الأعيان : البدر حسن الرئيس وأمين الدولة ابن القف والسديد الدمياطي وأبو الفرج الإسكندري وأبو الفرج ابن صغير.
وحدثني عنه غير واحد منهم شيخنا أبو الفتح اليعمري قال : كان ابن النفيس على وفور علمه بالطب وإتقانه لفروعه وأصوله قليل البصر بالعلاج فإذا وصف لا يخرج بأحد عن مألوفه ولا يصف دواء ما أمكنه أن يصف غذاء ولا مركبا ما أمكنه الاستغناء بمفرد وكان ربما وصف القمحية لمن شكا القرحة والتطماج لمن شكا هواء والخروب والقضامة لمن شكا إسهالا ومن هذا ومثله ولكل بما يلائم مأكله ويشاكلها ، حتى قال له العطار الشرابي الذي كان يجلس عنده : إذا أردت أنك تصف مثل هذه الوصفات اقعد على دكان اللحام وأما إذا قعدت عندي فلا تصف إلا السكّر والشراب والأدوية.
وحكى لي شيخنا أبو الثناء الحلبي الكاتب قال : شكوت إلى ابن النفيس عقالا في يدي ، فقال لي : وأنا والله بي عقال ، فقلت له: فبأي شيء أداويه ؟ ، فقال لي : والله ما أعرف بأي شيء أداويه ! ، ثم لم يزدني على هذا “.

10 / منازل الأحباب ومنازه الألباب
(منازل الأحباب ومنازه الألباب) هو عنوان الديوان الشعري للشاعر الحسن بن شاور الكناني المعروف بلقب (ابن النقيب) الذي ولد في القاهرة عام 608 هـ / 1212 م وتوفي فيها عام 687 هـ / 1287 م ، التحق للعمل بدواوين الدولة الأيوبية ثم اشتهر وعرف في زمن الدولة المملوكية وجمع في هذا الكتاب القصائد المتبادلة بينه وبين شعراء عصره (في مجلدين) وله ديوان شعر آخر يتكون من مقطوعات شعرية قصيرة (في مجلدين).
وكان من رجال الثغور المرابطين وشهد وقعة الظاهر بيبرس مع التتار على شطّ الفرات سنة 671 هـ وخلد ذكرها في قصيدة صوّر فيها انتصاره تصويرا رائعا ، وقد ذكر ابن تغري بردي ذلك وهو يصف المعركة وقال بعدها : ” وقال الشيخ ناصر الدين حسن بن النّقيب الكنانىّ الشاعر – رحمه الله تعالى – قصيدة وكان حاضر الوقعة منها : ولمّا ترامينا الفرات بخيلنا .. سكرناه منا بالقوى والقوائم .. فأوقفت التيّار عن جريانه .. إلى حيث عدنا بالغنى والغنائم “.
وأفرد له ترجمة مفصلة في النجوم الزاهرة في حوادث سنة 687 هـ قال فيها : ” وفيها توفّى الشيخ ناصر الدين أبو محمد حسن بن شاور بن طرخان الكنانىّ ويعرف بابن الفقيسىّ وبابن النّقيب الشاعر المشهور ، كان من الفضلاء الأدباء ومات ليلة الأحد منتصف شهر ربيع الأوّل ودفن بسفح المقطّم وله تسع وسبعون سنة وكان بينه وبين العلّامة شهاب الدين محمود صحبة ومجالسة ومذاكرة فى القريض.
ومن شعره : نهيناه عن فعل القبيح فما انتهى .. ولا ردّه ردع وعاد وعادى .. وقلنا له دن بالصّلاح فقلّما .. رأينا فتى عانى الفساد فسادا ، وله : وجرّدت مع فقرى وشيخوختى التى .. تراها فنومى عن جفونى مشرّد .. فلا يدّعى غيرى مقامى فإنّنى .. أنا ذلك الشيخ الفقير المجرّد.
وله : حدّثت عن ثغره المحلّى .. فمل إلى خدّه المورّد .. خدّ وثغر فجلّ ربّ .. بمبدع الحسن قد تفرّد ، وله : يا من أدار سلافة من ريقه .. وحبابها الثّغر الشّنيب الأشنب .. تفّاح خدّك بالعذار ممسّك .. لكنّه بدم القلوب مخضّب ، وله : أنا العذرىّ فاعذرنى وسامح .. وجرّ علىّ بالإحسان ذيلا .. ولمّا صرت كالمجنون عشقا .. كتمت زيارتى وأتيت ليلا “.
وقد ذكر ابن سعيد المغربي في كتابه (المغرب في حلي المغرب) أنه التقاه أثناء رحلته إلى مصر ووصفه بقوله : ” ومن كتاب الياقوت في حلي ذوي البيوت ناصر الدين الحسن بن شاور .. ينسب إلى الوزير شاور الكناني وزير العاضد الخليفة بمصر ومنشؤه ومسكنه إلى الآن بالفسطاط وهو على ما في علمي حي يرزق اجتمعت به وهو يتولى لسلطان مصر معدن الزمرد فأبصرت شخصا مجسدا من الفضائل معنونا عن بيته بما يبدو عليه من كرم الشمائل وهو عندى من أفراد شعراء العصر المتغلغلين فى الغوص على المعانى الحائزين من غايات الإحسان ما يقصر فى إطرابه عنه المثالث والمثاني “.
وكتب إليه ابن سعيد أبياتا يمدحه منها قوله : أيا ساكنى مصر غدا النيل جاركم .. فأكسبكم تلك الحلاوة فى الشّعر .. وكان بتلك الأرض سحر وما بقى .. سوى أثر يبدو على النظم والنّثر ، فأجابه ابن النقيب من قطعة كتب بها إليه في تواضع : ولمّا حللت الثغر زاد حلاوةً .. وخليته أغلى من الشذر والدر .. فرحت وبي شوق وما كنت شيّقاً .. لملثم ذاك الثغر لولاك في الثغر .. ولا تطلبن سحر البيان بأرضنا .. فكم فيه موسى مبطل آية السّحر .. ولا رقّة الشعر الذى كان أولا .. وكيف رقيق الشّعر مع قسوة الدهر.
وترجم له الصفدي في الوافي بالوفيات فقال : ” ابْن النَّقِيب .. الْحسن بن شاور بن طرخان بن حسن هُوَ نَاصِر الدّين بن النَّقِيب الْكِنَانِي الْمَعْرُوف بِابْن الفقيسي ، أَخْبرنِي الشَّيْخ الإِمَام الْعَلامَة أثير الدّين أَبُو حَيَّان قَالَ جالسته بِالْقَاهِرَةِ مرَارًا وكتبت عَنهُ وَكَانَ نظمه حسنا ، قلت توفّي سنة سبع وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة وروى عَنهُ الدمياطي وَالشَّيْخ فتح الدّين وَغَيره.
وَله كتاب سَمَّاهُ منَازِل الأحباب ومنازه الْأَلْبَاب ذكر فِيهِ المجاراة الَّتِي دارت بَينه وَبَين أهل عصره من البداءات والمراجعات وَهُوَ فِي مجلدين انتخبت مِنْهُ أَشْيَاء فِيمَا علقته فِي التَّذْكِرَة ووقفت على مقاطيعه بِخَطِّهِ وَهِي فِي مُجَلد ضخم ونقلت مِنْهَا جانباً جيدا ، وشعره جيد عذب منسجم فِيهِ التورية الرائقة اللائقة المتمكنة وَهُوَ أحد فرسَان تِلْكَ الحلبة الَّذين كَانُوا فِي شعراء مصر فِي ذَلِك الْعَصْر ومقاطيعه جَيِّدَة إِلَى الْغَايَة خلاف قصائده.
أَنْشدني من لَفظه الْعَلامَة أثير الدّين قَالَ أَنْشدني الْمَذْكُور لنَفسِهِ من الطَّوِيل : وَمَا بَين كفي وَالدَّرَاهِم عامرٌ .. وَلست لَهَا دون الورى بخليل .. وَمَا استوطنتها قطّ يَوْمًا وَإِنَّمَا .. تمر عَلَيْهَا عابرات سَبِيل ، وأنشدني قَالَ أَنْشدني لنَفسِهِ من السَّرِيع : مَا كَانَ عَيْبا لَو تفقدتني .. وَقلت هَل أتهم أَو أنجدا .. فعادة السَّادة مثلك فِي .. مثلي أَن يفتقدوا الأعبدا .. هَذَا سُلَيْمَان على ملكه .. وَهُوَ بأخبارٍ لَهُ يقْتَدى .. تفقد الطير وأجناسها .. فَقَالَ مَا لي لَا أرى الهدهدا.
ونقلت أَنا من خطٍ لَهُ من الوافر : أَرَادَ الظبي أَن يَحْكِي التفاتك .. وجيدك قلت لَا يَا ظَبْي فاتك .. وفدى الْغُصْن قدك إِذْ تثنى .. وَقَالَ الله يبقي لي حياتك .. وَيَا آس العذار فدتك نَفسِي .. وَإِن لم أقتطف بفمي نباتك .. وَيَا ورد الخدود حمتك عني .. عقارب صُدْغه فأمن جناتك .. وَيَا قلبِي ثَبت على التجني .. وَلم يثبت لَهُ أحدٌ ثباتك “.
ونقل الصفدي جانبا من الأشعار المتبادلة بين ابن النقيب وشعراء عصره ومنها : ” وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْن الجزار لَهُ يَوْمًا أجز من الْخَفِيف لَا تسلني عَن المشيب إِذا حل وسل إِن جهلت شيبي عني فَقَالَ ابْن النَّقِيب مجيزاً لَهُ من الْخَفِيف خل شيبي وَمَا يَشَاء فَمَا يغلب جهلي حلمي وَمِنْه ومني وَمن شعره من الطَّوِيل : وَجَرت مَعَ فقري وشيخوختي الَّتِي .. بهَا عَاد نومي عَن جفوني يشرد .. فَلَا يَدعِي غَيْرِي مقَامي فإنني .. أَنا ذَلِك الشَّيْخ الْفَقِير الْمُجَرّد.
وَكتب إِلَى السراج الْوراق يصحف من المنسرح : مَا زلت مذ غبت عَنْك فِي بلدي .. حَتَّى إِذا مَا أزحت علتها .. َقمت أجرانها على عجلٍ .. وَبعد هَذَا خزنت غَلَّتهَا ، فَأجَاب السراج من المنسرح : قل لِابْنِ عِيسَى يَمِين مجتهدٍ .. بِاللَّه مُوسَى أبن خلقتها .. إِنِّي لأشتاق طلعة طلعت .. وخلفت فِي حشاي هيبتها.
فَكتب إِلَيْهِ ابْن النَّقِيب من الطَّوِيل : وأرضٍ عَلَيْهَا رَاح نصف خراجها .. وخست وَأَرْجُو أَنَّهَا سَوف تخلف .. وَقد اقطعوها لِابْنِ حجرٍ لِأَنَّهَا .. بوادٍ بِهِ تلفى هُنَاكَ وتعرف ، فَأجَاب السراج من الطَّوِيل : أتذكركم أرضٍ جريت بهَا وَكم .. جرى لي عَلَيْهَا مُنْذُ حِين تصرف .. وماسحها مُوسَى الدَّلِيل وَلَو أَبى .. مساحتها يَوْمًا لكَانَتْ تنتف “.
وذكر ابن شاكر الكتبي في فوات الوفيات جانبا من هذه المساجلات فقال : ” وكتب ابن النقيب إلى السراج الوراق : يا ساكن الروضة أنت المشتهى .. من هذه الدنيا وأنت المقتضى .. ويا سرور النفس بين الشعرا .. أنت الرضيّ فيهم والمرتضى .. ويا سراجاً لم تزل أنواره .. تعيد مسودّ الليالي أبيضا .. ما لي أراك قاطعاً لواصلٍ .. ومعرضاً عن مقبلٍ ما أعرضا.
فأجابه السراج : يا سهم عتبٍ جاء من كنانةٍ .. أصبت من سواد قلبي الغرضا .. لكن أسوت ما جرحته بما .. أعقبته من العتاب بالرضا .. يا ابن النقيب ما أرى منقبةً .. إلاّ وأولتك الثناء الأبيضا .. إنّ ولائي حسنٌ في حسن .. إذ ما أرى لعمرٍ أن يرفض “.
وأورد ابن شاكر أيضا قصيدة له في وصف إحدى المعارك ودور بعض الجند من المرابطين فيها حيث يقول : ورماحٍ لم تعتقل لطعانٍ وسيوفٍ ما جردت لجلاد .. صدئت في الجفون من كثرة اللبث وملت بها لطول الرقاد .. فهي لا فرق في يد الفارس الكشحان منّا أو في يد الحداد .. أترى من يكون في هذه الحال مطيقاً بيكار تلك البلاد .. ويخوض الفرات في شهر كانون وكانون مصعب في القياد .. ودعوني بمفردي وماذا لك إلاّ لوحدتي وانفرادي .. الرختي على قطارات بختٍ أم وشاقيتي لجرّ الجياد .. كيف أقوى على الجهاد وخبزي .. ما أراه يكفي لسفرة زادي.
وعندما مات ابن النقيب رثاه السراج الوراق بقصيدة يقول في مطلعها : شقَّتْ جُيُوب القوافي والقلوب مَعًا .. واستشعر الماضيان الْخَوْف والجزعا .. وأبحر الشّعْر غاضت عِنْدَمَا عدمت .. مِنْك الْخَلِيل ومجرى الشّعْر قد نبعا ، وفيها يقول : خلت كنَانَة من سهمٍ يبلغهَا .. أغراضها بصواب حَيْثُمَا وَقعا .. عز الْقَبَائِل لَا تخصص قبيلته .. بمدرهٍ جمع الْإِقْدَام والورعا .. مرابطٌ فِي ثغور الْمُسلمين فَلم … يهجع وَلَا سَيْفه فِي الله مَا هجعا ، وختمها بقوله : أَبَا عليٍّ ومدحي الْمُصْطَفى لَك من .. خير ادخار وَخير ذخر مَا نفعا .. فَاذْهَبْ حميدا فكم أبقيت منقبةً .. يَا ابْن النَّقِيب وَكم مهدت مضجعا.