
11 / ديوان الشاب الظريف
(الشاب الظريف) هو اللقب الذي عرف به الشاعر شمس الدين محمد بن سليمان بن علي بن عبد الله التلمساني الذي ولد في القاهرة عام 661 هـ / 1263 م وتوفي في دمشق عام 688 هـ / 1289 م وهو في ريعان الشباب ، وهو ابن الشاعر المتصوف المعروف أبي الربيع عفيف الدين التلمساني المتوفي عام 690 هـ / 1291 م والذي رحل من المغرب إلى مصر فقضى فيها فترة في خانقاه سعيد السعداء حيث ولد ابنه ثم رحل به إلى الأناضول (سلاجقة الروم) ثم استقر في الشام وعمل مشرفا على الخزانة في دمشق في عهد السلطان قلاوون.
ولد ديوان شعر مشهور ومنها قصيدته التي يذكر فيها مرتع صباه في مصر ويتشوق لأيامه فيها ويذكر غرامياته وقتها فيقول : يا ساكِني مِصْر شَمْلُ الشّوْقِ مُجْتَمِعٌ .. بَعْدَ الفِراقِ وَشَمْلُ الوَصْلِ أَجْزاءُ .. كأنّ عَصْرَ الصِّبا مِنْ بَعْدِ فُرْقَتِكُمْ .. عَصْرُ التّصابي بِهِ لِلّهْوِ إِبْطاءُ ، ويقول في مطلعها : يا رَاقِدَ الطَرْفِ ما لِلطَّرْفِ إغفاءُ .. حَدّثْ بِذاكَ فما في الحُبِّ إخْفاءُ .. إنَّ اللَّياليَ وَالأيَّامَ مِنْ غَزَلي .. في الحُسْنِ والحُبّ أَبْناءٌ وأَنباءُ .. إذْ كلّ نافرةٍ في الحُبّ آنِسةٌ .. وَكُلّ مَائِسَةٍ في الحَيِّ خَضْراءُ .. وَصَفْوَةُ الدَّهْرِ بَحْرٌ والصّبا سُفُنٌ .. وَللِخلاعَةِ إرْساءٌ وإسْراءُ.
ويقول في الغزل : لا تخف ما فعلت بك الأشواق .. واشرح هواك فكلّنا عشّاق .. فعسى يعينك من شكوت له الهوى .. فى حمله فالعاشقون رفاق .. لا تجزعنّ فلست أول مغرم .. فتكت به الوجنات والأحداق .. واصبر على هجر الحبيب فربما .. عاد الوصال وللهوى أخلاق .. يا ربّ قد بعد الذين أحبّهم .. عنى وقد ألف الفراق فراق ، ويقول : أعزّ الله أنصار العيون .. وخلّد ملك هاتيك الجفون .. وضاعف بالفتور لها اقتدارا .. وإن تك أضعفت عقلى ودينى .. وأبقى دولة الأعطاف فينا .. وإن جارت على قلبى الطّعين .. وأسبغ ظلّ ذاك الشّعر منه .. على قدّ به هيف الغصون.
وله في الغزل : بعينيك هذي الفاترات التي تسبي … يهون علي اليوم يا حبي .. إذا ما رأت عيني جمالك مقبلاً … وحقك يا روحي سكرت بلا شرب .. وإن هز عطفيك الصبا متمايلاً … أضاع الهوى نسكي وغيبت عن لبي .. فدعني وهذا الخد أعصر في فمي … عناقيد صدغيه وحسبي به حسبي .. لو أن تجار اللؤلؤ الرطب شاهدوا … ثناياك ما عنوا على اللؤلؤ الرطب ، وله : وبي ساحر باللحظ للخد حارس .. وذابل أعطاف لدمعي نازل .. وشعر كليلي كان طولاً فما له .. قصير كحظي هل لذاك دلائل .. نعم قد تناهى في الغرام تطاولاً .. وعند التناهي يقصر المتطاول.
ويقول في نفس المعنى : بلا غيبة للبدر وجهك أجمل .. وما أنا فيما قلته متجمل .. ولا عيب عندي فيك لولا صيانة .. لديك بها كل امرئ يتبذل .. لحاظك أسياف ذكور فما لها .. كما زعموا مثل الأرامل تغزل .. وما بال برهان العذار مسلماً .. ويلزمه دور وفيه تسلسل .. وعهدي أن الشمس بالصحو آذنت .. فما بال سكري من محياك يقبل .. كأنك لم تخلق لغير نواظر .. تسهدها وجداً وقلباً تعلل .. حبيبي ليهن الحسن أنك حزته .. ويهن فؤادي أنه لك منزل .. إذا كنت ذا ود صحيح فلم يكن .. يضرني العذال حيث تقولوا .. رأوا منك حظي في المحبة آخراً .. لذا حرفوا عني الحديث وأولوا.
ذكره ابن شاكر الكتبي في فوات الوفيات ونقل وصف ابن فضل الله له فقال : ” شمس الدين ابن العفيف التلمساني .. محمد بن سليمان بن علي شمس الدين ابن الشيخ عفيف الدين التلمساني ؛ قال القاضي شهاب الدين ابن فضل الله في حقه : نسيم سرى ونعيم جرى وطيف لا بل أخف موقعاً منه في الكرى لم يأت إلا بما خف على القلوب وبرئ من العيوب ، رق شعره فكاد أن يشرب ودق فلا غرو للقضب أن ترقص والحمام أن يطرب ولزم طريقة دخل فيها لا استئذان وولج القلوب ولم يقرع باب الآذان.
وكان لأهل عصره ومن جاء على آثارهم افتتان بشعره وخاصة أهل دمشق فإنه بين غمائم حياضهم ربي وفي كمائم رياضهم حبي حتى تدفق نهره وأينع زهره ، وقد أدركت جماعة من خلطائه لا يرون عليه تفضيل شاعر لا يروون له شعراً إلا وهم يعظمونه كالمشاعر ، لا ينظرون له بيتاً إلا كالبيت ولا يقدمون عليه سابقاً حتى لو قلت ولا امرأ القيس لما باليت ومرت له ولهم بالحمى أوقات لم يبق من زمانها إلا تذكره ولا من إحسانها إلا تشكره.
وأكثر شعره لا بل كله رشيق الألفاظ سهل على الحفاظ لا يخلو من الألفاظ العامية وما تحلو به المذاهب الكلامية فلهذا علق بكل خاطر وولع به كل ذاكر وعاجله أجله فاخترم وحرم أحباه لذة الحياة وحرم “.
وذكر والده أيضا فقال : ” العفيف التلمساني .. سليمان بن علي بن عبد الله بن علي الشيخ الأديب البارع عفيف الدين التلمساني كان كومي الأصل وكان يدعى العرفان ويتكلم على اصطلاح القوم ، قال قطب الدين اليونيني: رأيت جماعة ينسبونه إلى رقة الدين والميل إلى مذهب النصيرية ، وكان حسن العشرة كريم الأخلاق له حرمة ووجاهة وخدم في عدة جهات.
وقال الجزري في تاريخه : إنه عمل ببلاد الروم أربعين خلوة يخرج من واحدة ويدخل في أخرى وله في كل عام تصنيف وشرح الأسماء الحسني وشرح منازل السائرين وشرح مواقف النفري ، وحكى بعضهم قال : طلعت يوم قبض فقلت له : كيف حالك ؟ قال : بخير من عرف الله كيف يخافه ؟ والله منذ عرفته ما خفته وأنا فرحان بلقائه.
قال الشيخ صلاح الدين الصفدي : وحكى لي الشيخ ابن طي الحافي قال : كان عفيف الدين يباشر استيفاء الخزانة بدمشق فحضر الأسعد بن السديد الماعز إلى دمشق صحبة السلطان الملك المنصور ، قال له يوماً يا عفيف الدين أريد منك أن تعمل لي أوراقاً بمصروف الخزانة وحاصلها ، قال : نعم ، وطلبها منه مرة أخرى ومرة وهو يقول : نعم ، فقال له في الآخر : أراك كلما اطلب منك الأوراق تقول لي نعم ، وأغلظ له في القول.
فغضب الشيخ عفيف الدين وقال له : والك لمن تقول هذا الكلام ؟ يا كلب يا ابن الكلب يا خنزير وهذا من عجز المسلمين وإلا لو بصقوا عليك بصقة لأغرقوك ، ثم شق ثيابه وقام يهم بالدخول على السلطان ، فقام الناس إليه وقالوا : هذا ما هو كاتب وهذا الشيخ عفيف الدين التلمساني وهو معروف بالجلالة والإكرام بين الناس ومتى دخل إلى السلطان آذاك ، فسألهم دره وقال له : يا مولانا ما بقيت أطلب منك لا أوراقاً ولا غيرها.
وقال الشيخ أثير الدين : المذكور أديب ماهر جيد النظم تارة يكون شيخ صوفية وتارة كاتب وتارة مجرد ، قدم علينا بالقاهرة ونزل بخانقاه سعيد السعداء عند صاحبه شيخها الشيخ شمس الدين الأيكي وكان متنجلاً في أقواله وأفعاله طريقة ابن العربي ؛ انتهى قول أثير الدين ، وتوفي الشيخ عفيف الدين بدمشق في شهور سنة تسعين وستمائة ودفن بمقابر الصوفية “.
وذكره الصفدي في الوافي بالوفيات وعلق على أفكار والده الصوفية فقال : ” شمس الدّين ابْن الْعَفِيف التلمساني مُحَمَّد بن سُلَيْمَان بن عَليّ شمس الدّين ابْن عفيف الدّين التلمساني شَاعِر مجيد ابْن شَاعِر مجيد تعانى الْكِتَابَة وَولى عمالة الخزانى بِدِمَشْق وَمَات شَابًّا سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وست ماية وَكَانَ فِيهِ لعب وَعشرَة وانخلاع ومجون ولد بِالْقَاهِرَةِ فِيمَا أَخْبرنِي بِهِ الشَّيْخ أثير الدّين أَبُو حَيَّان قَالَ ولد فِي عَاشر جُمَادَى الْآخِرَة سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وست ماية لما كَانَ وَالِده صوفيا يخانقاه سعيد السُّعَدَاء وَأَخْبرنِي أَن وَالِده كَانَ مَعَه على حَال نسْأَل الله السَّلامَة مِنْهَا وَمن كل شَرّ.
وَلم يتَعَرَّض شمس الدّين الْمَذْكُور إِلَى مَا تعرض وَالِده فِي شعره من الِاتِّحَاد المشئوم وَكتب شمس الدّين الْمَذْكُور طبقَة رَأَيْت ديوانه بِخَطِّهِ وَهُوَ فِي غَايَة الْقُوَّة والقلم الْجَارِي واخترت ديوانه وَرَأَيْت خطّ الشَّيْخ محيي الدّين النَّوَوِيّ رَحمَه الله تَعَالَى على كتاب الْمِنْهَاج لَهُ وَقد قَرَأَهُ عفيف الدّين التلمساني وَولده شمس الدّين مُحَمَّد الْمَذْكُور وَقد أجازهما رِوَايَته عَنهُ سنة سبعين وست ماية وَفِي أول هَذِه النُّسْخَة بِخَط شمس الدّين الْمَذْكُور ملكه فلَان وَحفظه “.
وذكره ابن تغري بردي في النجوم الزاهرة في وفيات سنة 688 هـ فقال : ” وفيها توفّى الشيخ الأديب البارع المفتّن شمس الدين محمد بن عفيف الدين سليمان ابن على التّلمسانىّ الشاعر المشهور ، كان شابّا فاضلا ظريفا وشعره فى غاية الحسن والجودة وديوان شعره مشهور بأيدى الناس ومن شعره : يا ساكنّا قلبى المعنّى .. وليس فيه سواك ثانى .. لأىّ معنى كسرت قلبى .. وما التقى فيه ساكنان ، وله فى ذمّ الحشيش : ما للحشيشة فضل عند آكلها .. لكنه غير مصروف إلى رشده .. صفراء فى وجهه خضراء فى فمه .. حمراء فى عينه سوداء فى كبده “.
وذكر والده في وفيات سنة 690 هـ فقال : ” وفيها توفّى الشيخ عفيف الدين أبو الربيع سليمان بن علىّ بن عبد الله بن علىّ ابن يس العابدى ثم الكوفىّ ثم التّلمسانىّ المعروف بالعفيف التّلمسانىّ الصوفىّ الشاعر المشهور ، كان فاضلا ويدّعى العرفان ويتكلّم فى ذلك على اصطلاح القوم قال الشيخ قطب الدين : ورأيت جماعة ينسبونه إلى رقّة الدّين ، وتوفّى وقد جاوز الثمانين سنة من العمر وكان حسن العشرة كريم الأخلاق له حرمة ووجاهة وخدم فى عدّة جهات “.

12 / الروض الزاهر في سيرة الملك الظاهر
احتل السلطان بيبرس البندقداري مكانة رفيعة في تاريخ مصر الرسمي وفي تراثها الشعبي معا وذلك بسبب أعماله البطولية وانتصاراته الكبيرة ، وأول من كتب عن الظاهر بيبرس بالتفصيل هو كاتبه المقرب ورئيس ديوان الإنشاء في عهده القاضي محيي الدين ابن عبد الظاهر من خلال كتابه القيم (الروض الزاهر في سيرة الملك الظاهر) ، وهذا الكتاب بمثابة يوميات تؤرخ لأهم أحداث عصره مع لمحة بطولية أضفاها الكاتب في ثنايا الكتاب والذي كان يعرض على السلطان بيبرس أولا فأول ونقل عنه الكثير من التفاصيل والتوضيحات.
وصار الكتاب بعد ذلك مصدرا لكل ما كتب عن بيبرس كما صار النواة الأولى التي ينيت عليها السيرة الشعبية التي عرفت باسم (السيرة الظاهرية) ، والمؤلف هو القاضي محيي الدين أبو الفضل عبد الله بن رشيد الدين عبد الظاهر بن نشوان بن عبد الظاهر السعدي الجذامي المصري ، ولد في القاهرة عام 620 هـ / 1223 م وتوفي فيها عام 692 هـ / 1292 م وهو ابن القاضي رشيد الدين ابن عبد الظاهر ووالد القاضي فتح الدين ابن عبد الظاهر الذي خلفه في الديوان ومنح لأول مرة منصب (كاتب السر) الذي أحدثه السلطان قلاوون.
عمل محيي الدين كاتبا في ديوان الإنشاء منذ بداية العصر المملوكي تحت رئاسة فخر الدين إبراهيم بن لقمان وخرج مع المظفر قطز وشهد معركة عين جالوت ، وفي عودته حظي بثقة السلطان الجديد بيبرس بعد توليه الحكم حيث كلفه بأول عمل هام وهو كتابة رسالة على لسانه إلى الملك المغولي المسلم بركة خان زعيم القبيلة الذهبية ونتج عنها تحالفهما معا ضد هولاكو ، كما قام بعمل شجرة النسب للخليفة العباسي الثاني بالقاهرة الحاكم بأمر الله وكتب التقليد الخاص به وأبدع فيه كما فعل ابن لقمان مع الخليفة الأول المستنصر.
واستمر محيي الدين في عمله طوال حكم بيبرس وولديه والمنصور قلاوون والأشرف خليل بن قلاوون ثم اعتزل وتفرغ للكتابة حتى وفاته ، ومن كتبه الأخرى : كتاب الروضة البهية الزاهرة في خطط المعزية القاهرة ويضم وصفا جغرافيا للقاهرة الفاطمية ، وكتاب تشريف الأيام والعصور في سيرة الملك المنصور ويتناول أعمال السلطان قلاوون ، وكتاب الألطاف الخفية من السيرة الشريفة السلطانية الأشرفية ويتناول أعمال السلطان خليل بن قلاوون ، وكتاب تمائم الحمائم وقد كتبه من واقع إشرافه على مراسلات حمام البريد.
ذكره الصفدي في الوافي بالوفيات فقال : ” محيي الدّين بن عبد الظَّاهِر عبد الله بن عبد الظَّاهِر بن نشوان بن عبد الظَّاهِر بن نجدة الجذامي الْمصْرِيّ الْمولى القَاضِي محيي الدّين ابْن القَاضِي رشيد الدّين الْكَاتِب النَّاظِم الناثر شيخ أهل الترسل وَمن سلك الطَّرِيق الْفَاضِلِيَّةِ فِي إنشائه وَهُوَ وَالِد القَاضِي فتح الدّين مُحَمَّد صَاحب ديوَان الْإِنْشَاء.
سمع من جَعْفَر الْهَمدَانِي وَعبد الله ابْن إِسْمَاعِيل بن رَمَضَان ويوسف بن المخيلي وجماعةٍ وَكتب عَنهُ البرزالي وَابْن سيد النَّاس وأثير الدّين وَالْجَمَاعَة وَكَانَ بارع الْكِتَابَة فِي قلم الرّقاع ظريفاً ذَا عَرَبِيَّة حلوة وَكَانَ ذَا مُرُوءَة وعصبية ولد فِي الْمحرم سنة عشْرين وَتُوفِّي بِالْقَاهِرَةِ سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وسِتمِائَة “.
وذكره السيوطي في حسن المحاضرة وذكر ولده فتح الدين فقال : ” محيي الدين عبد الله بن عبد الظاهر بن نشوان المصري الأديب كاتب الإنشاء بالديار المصرية وأحد البلغاء المذكورين ، له النظم الفائق والنثر الرائق ومصنفات منها سيرة الملك الظاهر ، ولد سنة عشرين وستمائة ومات بمصر في رجب سنة اثنتين وتسعين ودفن بالقرافة.
ولده فتح الدين محمد صاحب ديوان الإنشاء وأول من سمي بكاتب السر ، ولد بالقاهرة سنة ثمان وثلاثين وستمائة وسمع الحديث من ابن الجميزي وتفقه ومهر في الإنشاء وساد وتقدم على والده ، مات في رمضان سنة إحدى عشرة وستمائة قبل والده “.
وذكره ابن تغري بردي في النجوم الزاهرة وذلك في أحداث سنة 692 هـ فقال : ” وفيها توفّى الصاحب محيى الدين عبد الله بن رشيد الدين عبد الظاهر بن نشوان ابن عبد الظاهر السّعدىّ الموقّع كاتب الإنشاء بالديار المصريّة .. كان محيى الدين هذا من سادات الكتاب ورؤسائهم وفضلائهم ومولده فى سنة عشرين وستمائة بالقاهرة ومات يوم الأربعاء ثالث شهر رجب ودفن بالقرافة بتربته التى أنشأها.
وهو صاحب النظم الرائق والنثر الفائق ومن شعره قوله : يا قاتلى بجفون .. قتيلها ليس يقبر .. إن صبّروا عنك قلبى .. فهو القتيل المصبّر ، وله وأجاد إلى الغاية : نسب الناس للحمامة حزنا وأراها فى الشّجو ليست هنالك .. خضبت كفّها وطوّقت الجيد وغنّت وما الحزين كذلك ، وله مضمّنا : لقد قال كعب فى النّبيّ قصيدة .. وقلنا عسى فى مدحه نتشارك .. فإن شملتنا بالجوائز رحمة .. كرحمة كعب فهو كعب مبارك ، وله : سلّفتنا على العقول السّلافه فتقاضت ديونها بلطافه .. ضيّفتنا بالنّشر والبشر واليسر ألا هكذا تكون الضّيافه “.
وذكر ولده فتح الدين في أحداث سنة 691 هـ فقال : ” وفيها توفى القاضى فتح الدين محمد ابن القاضى محيى الدين عبد الله بن عبد الظاهر ابن نشوان بن عبد الظاهر الجذامىّ الرّوحىّ المصرىّ المعروف بابن عبد الظاهر صاحب ديوان الإنشاء ومؤتمن المملكة بالديار المصريّة ، مولده بالقاهرة فى سنة ثمان وثلاثين وستمائة وسمع الحديث وتفقّه ومهر فى الإنشاء وساد فى الدولة المنصوريّة قلاوون برأيه وعقله وحسن سياسته وتقدّم على والده فكان والده من جملة الجماعة الذين يصرفهم أمره ونهيه.
ومن شعر فتح الدين المذكور لمّا توجّه إلى دمشق صحبة السلطان وحصل له توعّك فكتب إلى والده يقول : إن شئت تبصرنى وتبصر حالتى .. قابل إذا هبّ النسيم قبولا .. تلقاه مثلى رقّة ونحافة .. ولأجل قلبك لا أقول عليلا .. فهو الرسول إليك منى ليتنى .. كنت اتّخذت مع الرسول سبيلا ، وله : ذو قوام يحور منه اعتدال .. كم طعين به من العشّاق .. سلب القضب لينها فهى غيظا .. واقفات تشكوه بالأوراق ، قلت : وأجاد شمس الدين محمد بن العفيف فى هذا المعنى حيث قال : قدّه حاز اعتدالا .. فله فتك ونسك .. سلب الأغصان لينا .. فهى بالأوراق تشكو “.
وفي الكتاب يحكي ابن عبد الظاهر عن بيعة الخليفة العباسي الثاني ودوره فيها فيقول : ” ذكر البيعة للإمام الحاكم بأمر الله أبي العباس أحمد أمير المؤمنين صلوات الله عليه ورضوانه .. كان قد وصل هذا الإمام إلى الديار المصرية فأكرمه السلطان والتقاه وخدمه وأنزله بقلعته وأدر عليه النفقات وكذلك جميع من معه.
ولما كان يوم الخميس ثانتي محرم سنة إحدى وستين وستمائة جلس السلطان مجلسا عاما فيه جميع الناس وجماعة التتار الوافدين ورسل السلطان المتوجهون إلى الملك بركة ، وحضر الإمام الحاكم سلام الله عليه راكبا إلى الإيوان الكبير بقلعة الجبل المحروس وبسط له إلى جانب السلطان وذلك بعد ثبوت نسبه الشريف.
وأمر السلطان بعمل شجرة نسب له فعملتها وقرأتها بين يديه على الناس ، وبعد ذلك أقبل مولانا السلطان عليه وبايعه على كتاب الله وسنة رسول الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجهاد أعداء الله وأخذ أموال الله بحقها وصرفها في مستحقها والوفاء بالعهود وإقامة الحدود وما يجب على الأئمة فعله من أمور الدين وحراسة المسلمين.
وعند ذلك أقبل على السلطان وقلده أمور البلاد والعباد ووكل إليه تدبير الخلق وجعله قسيمه في القيام بالحق وفوض إليه سائر الأمور وعذق به صلاح الجمهور ، ثم أخذ الناس على اختلاف طبقاتهم في مبايعته فلم يبق ملك ولا أمير ولا وزير ولا قاض ولا مشير ولا جندي ولا فقيه إلا وبايعه ، وتمت هذه البيعة المباركة وحصل الحديث معه في إنفاذ الرسل إلى الملك بركة فوافق على ذلك وانفصل المجلس “.
وكان محيي الدين أديبا وشاعرا حيث نقل عنه الصفدي مقطوعة نثرية مكتوبة على طريقة المقامات فيقول : ” وَمن إنشائه إيضاً صُورَة مقامةٍ وَهُوَ مِمَّا كتب بِهِ إِلَى محيي الدّين ابْن القرناص الْحَمَوِيّ حكى مُسَافر بن سيار قَالَ لما ألفت النَّوَى عَن الإخوان وتساوت عِنْدِي الرحلة إِلَى الْبَين تَسَاوِي الرحلة إِلَى الأوطان وتمادت الغربة تحبوني أهوالها فتزلزل بِي الأَرْض زِلْزَالهَا وَتخرج مني وَسن أمثالي اثقالها وَلَا إِنْسَان يرى أراجي نَفسِي وآمالها فَيَقُول مَا لَهَا وَلَا يُشَاهد مَا هُوَ أوحى لَهَا الدجة بالغذوة والإعتمام بالإسفار.
وغرني مَعَ إيماني تقلبي فِي الْبِلَاد وتطلبي لتقويم عيشي المنآد وتحنني إِلَى الْحُصُول بإرم ذَات الْعِمَاد الَّتِي لم يخلق مثلهَا فِي الْبِلَاد فَلَبثت فِيهَا أَيَّامًا وشهوراً وودت لَو كَانَت سنين ودهوراً وَمَا بلد الْإِنْسَان إِلَّا الْمُوَافق فيينا أَنا مِنْهَا لَو ثلةٍ من الولين وَمن الوافدين عَلَيْهَا فِي قَلِيل من الآخرين وَبَين سَادَات من كتابها وَأَصْحَاب الْيمن من أَصْحَاب الْيَمين وَنحن فِي نعمةٍ بالإيواء من ظلها إِلَى ربوةٍ ذَات قرارٍ ومعين وَإِذا بداعي النفير قد أعلن مناديه وارتجل مَا ارتجز حاديه فَقلت الْمسير إِلَى أَيْن قَالُوا إِلَى الأين وَالسّفر مَتى فَقيل أَتَى “.
ويتحدث الصفدي عن شعره فيقول : ” وَأما شعره فأحسنه المقاطيع وَأما القصائد فَرُبمَا قصر فِيهَا وَمن ذَلِك مَا نقلته من خطه من كتاب فلتة اليراعة ولفتة البراعة ، قَالَ فِي دواةٍ منزلَة (من مجزوء الرجز) : دَوَاة مَوْلَانَا بَدَت .. أوصافها مكلمة .. بحسنها قد شهِدت .. أقلامها المعدله .. قد أعجزت آياتها .. لِأَنَّهَا منزَّله .. أمُّ الْكتاب قد غَدَتْ .. لِأَنَّهَا مفصَّلة.
وَقَالَ من الوافر : ذُبَاب السَّيْف من لحظٍ إِلَيْهِ .. لأخضر صُدْغه بعض انتساب .. وَلَا عجبٌ إِذا مَا قيل هَذَا .. لَهُ صدغٌ زمرده ذبابي ، وَقَالَ من الدوبيت : لله ليالٍ أَقبلت بِالنعَم .. فِي ظلّ بناءٍ شاهقٍ كَالْعلمِ .. بالجيزة والنيل بدا أَوله .. فِي مقتبل الشَّبَاب عِنْد الْهَرم ، وَقَالَ من الْخَفِيف : بِي غزالٌ يَغْزُو الورى بجفون .. كل يومٍ سيوفها مشهورة .. عجبا من لحاظها كَيفَ حَتَّى .. هزمتنا مَعَ أَنَّهَا مكسورة.
وَقَالَ من الْخَفِيف : نيل مصر لمن تَأمل مرأى .. حسنه معجزٌ من الْحسن معجب .. كم بِهِ شَاب فودها وعجيبٌ .. كَيفَ شابت بالنيل والنيل يخضب ، وَقَالَ من المديد : أَيهَا الصَّائِد باللحظ وَمن .. هُوَ من بَين الورى مقتنص .. لَا تسم طَائِر قلبِي هرباً .. إِنَّه من أضلعي فِي قفص ، وَقَالَ من المنسرح : كم قطع الطّرق نيل مصرٍ .. حَتَّى لقد خافه السَّبِيل .. بِالسَّيْفِ وَالرمْح فِي غديرٍ .. وَمن قناةٍ لَهَا نصول “.
ونقل عنه ابن شاكر الكتبي في فوات الوفيات إحدى مكاتباته الرسمية حيث يقول : ” ومن إنشائه كتاب كتبه إلى الأمير شمس الدين آقسنقر جواباً عن كتاب كتبه بفتح بلاد النوبة : وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة أدام الله نعمة المجلس ولا زالت عزائمه مرهوبة وغنائمه مجلوبة ومجنوبة وسطاه وخطاه هذه تكف النوب وهذه تكفي النوبة ولا برحت وطأته على الكفار مشتدة وآماله لإهلاك الأعداء كرماحه ممتدة ولا عدمت الدولة بيض سيوفه التي يرى بها الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة.
صدرت هذه المكاتبة إلى المجلس تثني على عزائمه التي واتت على كل أمرٍ رشيد وأتت على كل جبار عنيد وحكمت بعدل السيف في كل عبد سوء وما ربك بظلام للعبيد ، فصلت حيث شكرت الضمر الجرد وحمدت العيس واشتبه يوم النصر بأمسه بقيام حروف العلة مقام بعض فأصبح غزو كنيسة سوس كغزو سيس.
ونفهمه أنا علمنا أن الله بفضله طهر البلاد من رجسها وأزاح العناد وحسم مادة معظمها الكافر وقد كاد وكاد وعجل عيد النحر بالأضحية بكل كبش حرب يبرك في سواد وينظر في سواد ويمشي في سواد ، وتحققنا النصر الذي شفى النفوس وأزال البوس ومحا آية الليل بخير الشموس، وخرب دنقلة بجريمة سوس وكيف لا يخرب شيء يكون فيه سوس فالحمد لله الذي صبحتهم عزائم المجلس بالويل وعلى أن أولج النهار من السيف منهم في الليل وعلى أن رد حرب حرابهم إلى نحورهم وجعل تدبيرهم في تدميرهم وبين خيط السيف الأبيض من الخيط الأسود من فجر فجورهم “.
ونقل ابن شاكر بعضا من شعره ومن ذلك قوله : كم قلت لما بت أرشف ريقه .. وأرى نقي الثغر دراً منتقى .. بالله يا ذاك اللمى متروياً .. كرر علي حديث جيران النقا ، وقال في الشبابة : وناطقةٍ بالروح عن أمر ربها .. تعبر عما عندنا وتترجم .. سكتنا وقالت للنفوس فأطربت .. فنحن سكوت والهوى يتكلم ، وقال في الغزل : يا للرجال نصيحةً من عاشقٍ .. بين النفوس وبينكم أن تعشقوا .. لو لم تكن كالرمح قامته لما .. أمسى عليه لواء قلبي يخفق .. قمر له الوجه الذي هو جنة .. أمسى بها يتنعم المتعشق .. فعذاره من سندس ورضابه .. من كوثرٍ وخدوده إستبرق.

13 / تقليد ابن لقمان
هو أبو إسحق فخر الدين إبراهيم بن لقمان بن أحمد بن محمد البناني الشيباني (نسبة إلى قبيلة بني شيبان النجدية المعروفة) ، ولد بالعراق عام 1215 م. وتوفي بالقاهرة عام 1293 م. ، وكان والده قاضيا في مدينة داريا من أعمال الشام ثم انتقل إلى مدينة آمد في أعالي الفرات حيث ظهر نبوغه في الأدب والكتابة مما لفت انتباه ناظر آمد فعينه كاتبا عنده مما مكنه من صقل موهبته وزيادة معرفته وخبرته ، وبعد أن أتقن عمله صار يتولى النيابة عن ناظر آمد في كتابة الرسائل والرد عليها.
وكانت رسائله إلى القاهرة عاصمة السلطنة قد لفتت انتباه رئيس ديوان الإنشاء البهاء زهير فاستدعاه للعمل معه وضاعف له أجره وظل يترقى حتى صار نائبا لرئيس الديوان ، ثم انتقل بعدها للعمل في وظيفة القاضي في مدينة المنصورة حيث جاءت شهرته في التاريخ بسبب داره التي كانت موضع سجن لويس التاسع ملك فرنسا بعد هزيمته في معركة فارسكور وأسره حيث قضي فيها بضعة شهور حتى تمت المفاوضات وجلاء الفرنجة عن دمياط وفشل الحملة الصليبية السابعة.
وفي عصر المماليك تولى ابن لقمان منصب رئيس ديوان الإنشاء زمنا طويلا وعاصر أحداثا هامة منها إعادة الخلافة العباسية في القاهرة حيث تولى هو صياغة التقليد (المنشور) الممنوح من الخليفة للسلطان بيبرس وقرأه بنفسه على المنبر ، بعد ذلك تولى ابن لقمان منصب وزارة دمشق ثم ترقى إلى منصب وزارة القاهرة وهو أكبر منصب مدني في الدولة بعد نائب السلطنة حيث قام بالمهمات الموكولة له خير قيام ونال استحسان الحكام والرعية معا بما بذله من جهد وتفان في العمل.
وصفه المؤرخون بأنه كان رئيسا جليلا كثير العدل والإحسان في الرعية محمود السيرة مليح الخط متواضعا وقورا وكان معروفا بين أقرانه بالعلم والفضل حيث عرف بالزهد والورع والاكتفاء براتب الكاتب وهو في الوزارة ، وفي آخر حياته اكتفى بالعمل في كتابة الإنشاء واستمر في ذلك حتى وافته المنية ، وبعد وفاته أقيمت له صلاتان في دمشق والقاهرة وهذا يدل على شهرته ومحبة الناس له لحسن سيرته وعدله بينهم ، ودفن في القرافة عن عمر واحد وثمانين عاما.
جاء في كتاب السلوك المقريزي ضمن أحداث سنة 659 هـ : ” وَفِي يَوْم الِاثْنَيْنِ رَابِع شعْبَان : ركب السُّلْطَان إِلَى خيمة ضربت لَهُ فِي الْبُسْتَان الْكَبِير خَارج الْقَاهِرَة وَمَعَهُ أهل الدولة. وحملت الْخلْع صُحْبَة الْأَمِير مظهر الدّين وشاح الخفاجي وخادم الْخَلِيفَة الْمُسْتَنْصر بِاللَّه. فَدخل السُّلْطَان إِلَى خيمة أُخْرَى. وأفيضت عَلَيْهِ الْخلْع الخليفتية وَخرج بهَا وَهِي: عِمَامَة سَوْدَاء مذهبَة مزركشة ودراعة بنفسجية اللَّوْن وطوق ذهب وَقيد من ذهب عمل فِي رجلَيْهِ وعدة سيوف تقلد مِنْهَا وَاحِدًا وحملت الْبَقِيَّة خَلفه ولواءان منشوران على رَأسه وسهمان كبيران وترس. فَقدم لَهُ فرس أَشهب فِي عُنُقه مشدة سَوْدَاء وَعَلِيهِ كنبوش أسود.
وَطلب الْأُمَرَاء وَاحِدًا بعد وَاحِد وخلع عَلَيْهِم وخلع على قَاضِي الْقُضَاة تَاج الدّين وعَلى الصاحب بهاء الدّين وَعلي فَخر الدّين بن لُقْمَان صَاحب ديوَان الْإِنْشَاء ، وَنصب مُنِبر فَصَعدَ عَلَيْهِ ابْن لُقْمَان بَعْدَمَا جلل بِثَوْب حَرِير أطلس أصفر وَقَرَأَ تَقْلِيد الْخَلِيفَة للسُّلْطَان وَهُوَ من إنشائه وَنَصه بعد الْبَسْمَلَة : الْحَمد لله الَّذِي اصْطفى الْإِسْلَام بملابس الشّرف وَأظْهر بهجة درره وَكَانَت خافية بِمَا استحكم عَلَيْهَا من الصدف وشيدها وَهِي من غلائه حَتَّى أنسى ذكر مَا سلف وَقيد لنصره ملوكاً اتّفق على طاعتهم من اخْتلف.
أَحْمَده على نعمه الَّتِي رتعت الْأَعْين مِنْهَا فِي الرَّوْض الْأنف وألطافه الَّتِي وقف الشُّكْر عَلَيْهَا فَلَيْسَ عَنْهَا منصرف. وَأشْهد أَن لَا اله إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ شَهَادَة توجب من المخاوف أمنا وتسهل من الْأُمُور مَا كَانَ حزنا. وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده الَّذِي جبر من الدّين وَهنا وَرَسُوله الَّذِي أظهر من المكارم فنوناً لَا فَنًّا صلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله الَّذين أضحت مناقبهم بَاقِيَة لَا تفنى وَأَصْحَابه الَّذين أَحْسنُوا فِي الدُّنْيَا فاستحقوا الزِّيَادَة من الْحسنى.
وَبعد فَإِن أولي الْأَوْلِيَاء بِتَقْدِيم ذكره وأحقهم أَن يصبح الْقَلَم رَاكِعا وساجداً فِي تسطير مناقبه وبره من سعى فأضحى بسعيه الحميد مُتَقَدما ودعا إِلَى طَاعَته فَأجَاب من كَانَ منجداً ومتهماً وَمَا بَدَت يَد من المكرمات إِلَّا كَانَ لَهَا زنداً ومعصماً وَلَا استباح بِسَيْفِهِ حمى وغي إِلَّا أضرمه نَارا وأجراه دَمًا. وَلما كَانَت هَذِه المناقب الشَّرِيفَة مُخْتَصَّة بالْمقَام العالي المولوي السلطاني الملكي الظَّاهِرِيّ الركني شرفه الله وَأَعلاهُ ذكره الدِّيوَان الْعَزِيز النَّبَوِيّ الإمامي المستنصري أعز الله سُلْطَانه تنويهاً بشريف قدره واعترافاً بصنعه الَّذِي تنفد الْعبارَة المسهبة وَلَا تقوم بشكره.
وَكَيف لَا وَقد أَقَامَ الدولة العباسية بعد أَن أقعدتها زمانة الزَّمَان وأذهبت مَا كَانَ من محَاسِن وإحسان وأعتب دهرها الْمُسِيء لَهَا فأعتب وأرضي عَنْهَا زَمَنهَا وَقد كَانَ صال عَلَيْهَا صولة مغضب ، فَأَعَادَهُ لَهَا سلما بعد أَن كَانَ عَلَيْهَا حَربًا وَصرف إِلَيْهَا اهتمامه فَرجع كل متضايق من أمورها وَاسِعًا رحباً ومنح أَمِير الْمُؤمنِينَ عِنْد الْقدوم عَلَيْهِ حنواً وعطفاً وَأظْهر من الْوَلَاء رَغْبَة فِي ثَوَاب الله مَا لَا يخفى وَأبْدى من الاهتمام بِأَمْر الشَّرِيعَة والبيعة أَمر لَو رامه غَيره لامتنع عَلَيْهِنَّ وَلَو تمسك بحبله متمسك لانقطع بِهِ قبل الْوُصُول إِلَيْهِ ، لَكِن الله تَعَالَى ادخر هَذِه الْحَسَنَة ليثقل بهَا ميزَان ثَوَابه ويخفف بهَا يَوْم الْقِيَامَة حسابه والسعيد من خفف من حسابه فَهَذِهِ منقبة أَبى الله إِلَّا أَن يخلدها فِي صحيفَة صنعه ومكرمة قَضَت لهَذَا الْبَيْت الشريف بجمعه بعد أَن حصل الْإِيَاس من جمعه.
وأمير الْمُؤمنِينَ يشْكر لَك هَذِه الصَّنَائِع ويعترف أَنه لَوْلَا اهتمامك لاتسع الْخرق على الْوَاقِع. وَقد قلدك الديار المصرية والبلاد الشامية والديار البكرية والحجازية واليمنية والفراتية وَمَا يَتَجَدَّد من الفتوحات غوراً ونجماً وفوض أَمر جندها ورعاياها إِلَيْك حِين أَصبَحت بالمكارم فَردا وَلَا جعل مِنْهَا بَلَدا من الْبِلَاد وَلَا حصناً من الْحُصُون يسْتَثْنى وَلَا جِهَة من الْجِهَات تعد فِي الْأَعْلَى فلاحظ أُمُور الْأمة فقد أَصبَحت لَهَا حَامِلا وخلص نَفسك من التَّبعَات الْيَوْم فَفِي غَد تكون مسئولاً لَا سَائِلًا ودع الاغترار بِأَمْر الدُّنْيَا فَمَا نَالَ أحد مِنْهَا طائلاً وَمَا رَآهَا أحد بِعَين الْحق إِلَّا رَآهَا خيالاً زائلاً فالسعيد من قطع مِنْهَا آماله الموصولة وَقدم لنَفسِهِ زَاد التَّقْوَى فتقدمة غير التَّقْوَى مَرْدُودَة لَا مَقْبُولَة.
وابسط يدك بِالْإِحْسَانِ وَالْعدْل فقد أَمر الله بِالْعَدْلِ وحث على الْإِحْسَان وَكرر ذكره فِي مَوَاضِع من الْقُرْآن وَكفر بِهِ عَن الْمَرْء ذنوباً كتبت عَلَيْهِ وآثاماً وَجعل يَوْمًا وَاحِدًا مِنْهَا كعبادة العابد سِتِّينَ عَاما. وَمَا سلك أحد سَبِيل الْعدْل إِلَّا واجتنبت ثماره من أفنان وَرجح الْأَمر بِهِ بعد بعد تداعى أَرْكَانه وَهُوَ مشيد الْأَركان وتحصن بِهِ من حوادث زَمَانه والسعيد من تحصن من حوادث الزَّمَان وَكَانَت أَيَّامه فِي الْأَيَّام أبهى من الأعياد وَأحسن فِي الْعُيُون من الْغرَر فِي أوجه الْجِيَاد وَأحلى من الْعُقُود إِذا حلى بهَا عاطل الأجياد.
وَهَذِه الأقاليم المنوطة بك مُحْتَاج إِلَى نواب وحكام. وَأَصْحَاب رَأْي من أَصْحَاب السيوف والأقلام فَإِذا استعنت بِأحد مِنْهُم فِي أمورك فَنقبَ عَلَيْهِ تنقيباً وَاجعَل عَلَيْهِ فِي تَصَرُّفَاته رقيباً. وسل عَن أَحْوَاله فَفِي يَوْم الْقِيَامَة تكون عَنهُ مسئولاً وَبِمَا أجرم مَطْلُوبا وَلَا تول إِلَّا من تكون مساعيه حَسَنَات لَك لَا ذنوباً. وَأمرهمْ بالأناة. الْأُمُور والرفق وَمُخَالفَة الْهوى إِذا ظَهرت أَدِلَّة الْحق وَأَن يقابلوا الضُّعَفَاء فِي حوائجهم بالثغر الباسم وَالْوَجْه الطلق وَألا يعاملوا أحدا على الْإِحْسَان والإساءة إِلَّا بِمَا يسْتَحق وَأَن يَكُونُوا لمن تَحت أَيْديهم من الرعايا إخْوَانًا وَأَن يوسعوهم برا وإحساناً وَألا يستحلوا حرماتهم إِذا اسْتحلَّ الزَّمَان لَهُم حرماناً فالمسلم أَخُو الْمُسلم وَلَو كَانَ أَمِيرا عَلَيْهِ وسلطاناً.
والسعيد من نسج ولاته فِي الْخَيْر على منواله واستنوا بسنته فِي تَصَرُّفَاته وأحواله وتحملوا عَنهُ مَا تعجز قدرته عَن حمل أثقاله ، وَمِمَّا تؤمرون بِهِ أَن يمحى مَا أحدث من سيئ السّنَن وجدد من الْمَظَالِم الَّتِي هِيَ من أعظم المحن وَأَن يشترى بإبطالها المحامد فَإِن المحامد رخيصة بأغلى ثمن. رمهما جبي مِنْهَا من الْأَمْوَال فَإِنَّمَا هِيَ بَاقِيَة فِي الذمم حَاصِلَة وأجياد الخزائن وَإِن أضحت بهَا حَالية فَإِنَّمَا هِيَ على الْحَقِيقَة مِنْهَا عاطلة وَهل أشق مِمَّن احتقب إِثْمًا واكتسب بالمساعي الذميمة ذماً وَجعل السوَاد الْأَعْظَم لَهُ يَوْم الْقِيَامَة خصما وَتحمل ظلم النَّاس فِيمَا صدر عَنهُ من أَعماله وَقد خَابَ من حمل ظلما.
وحقيق بالْمقَام الشريف المولوي السلطاني الملكي الظَّاهِرِيّ الركني أَن تكون ظلامات الْأَنَام مَرْدُودَة بِعَمَلِهِ وعزائمه تخفف ثقلاً لَا طَاقَة لَهُم بِحمْلِهِ فقد أضحى على الْإِحْسَان قَادِرًا وصنعت لَهُ الْأَيَّام مَا لم تصنع لغيره مِمَّن تقدم للملوك وَإِن جَاءَ آخرا ، فَأَحْمَد الله على أَن وصل إِلَى جَانِبك أَمَام هدي أوجب لَك مزية التَّعْظِيم وَنبهَ الْخَلَائق على مَا خصك الله بِهِ من هَذَا الْفضل الْعَظِيم ، وَهَذِه أُمُور يجب أَن تلاحظ وترعى وَأَن توالي عَلَيْهَا حمد الله فَإِن الْحَمد يجب عَلَيْهِ عقلا وَشرعا وَقد تبين أَنَّك صرت فِي الْأُمُور أصلا وَصَارَ غَيْرك فرعا.
وَمِمَّا يجب أَيْضا تَقْدِيم ذكره أَمر الْجِهَاد الَّذِي أضحى على الْأمة فرضا وَهُوَ الْعَمَل الَّذِي يرجع بِهِ مسود الصحائف مبيضاً. وَقد وعد الله الْمُجَاهدين بِالْأَجْرِ الْعَظِيم وَأعد لَهُم عِنْده الْمقَام الْكَرِيم وخصهم بِالْجنَّةِ الَّتِي لَا لَغْو فِيهَا وَلَا تأثيم. وَقد تقدّمت لَك فِي الْجِهَاد بَيْضَاء أسرعت فِي سَواد الحساد وَعرفت مِنْك عَزمَة هِيَ أمضى مِمَّا تجنه ضمائر الأغماد وأشهى إِلَى الْقُلُوب من الأعياد. وَبِك صان الله حمى الْإِسْلَام من أَن يتبدل وبعزك حفظ على الْمُسلمين نظام هَذِه الدول وسيفك أثر فِي قُلُوب الْكَافرين قروحا لَا تندمل وَبِك يُرْجَى أَن يرجع مقرّ الْخلَافَة إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ فِي الْأَيَّام الأول. فأيقظ لنصرة الْإِسْلَام جفناً مَا كَانَ غافياً وَلَا هاجعاً وَكن فِي مجاهدة أَعدَاء الله إِمَامًا متبوعاً لَا تَابعا وأيد كلمة التَّوْحِيد فَمَا تَجِد فِي تأييدها إِلَّا مُطيعًا سَامِعًا.
وَلَا تخل الثغور من اهتمام بأمرها تَبَسم لَهُ الثغور واحتفال يُبدل مَا دجى من ظلماتها بِالنورِ. وَاجعَل أمرهَا على الْأُمُور مقدما وشيد مِنْهَا كل مَا غَادَرَهُ الْعَدو مِنْهُمَا فَهَذِهِ حصون بهَا يحصل الِانْتِفَاع وَهِي على الْعَدو دَاعِيَة افْتِرَاق لَا اجْتِمَاع. وأولاها بالاهتمام مَا كَانَ الْبَحْر لَهُ مجاوراً والعدو لَهُ ملتفتاً نَاظرا لاسيما الديار المصرية فَإِن الْعَدو وصل إِلَيْهَا رابحاً وَرَاح خاسراً واستأصلهم الله فِيهَا مَا أقَال مِنْهُم عاثراً.
وَكَذَلِكَ أَمر الأسطول الَّذِي تزجي خيله كالأهلة وركائبه سَابِقَة بِغَيْر سائق مُسْتَقلَّة. وَهُوَ أَخُو الْجَيْش السُّلَيْمَانِي فَإِن ذَاك غَدَتْ الرِّيَاح لَهُ حاملة وَهَذَا تكلفت بِحمْلِهِ الْمِيَاه السائلة. وَإِذا لحظها جَارِيَة فِي الْبَحْر كَانَت كالأعلام وَإِذا شبهها قَالَ هَذِه لَيَال تقلع بِالْأَيَّامِ. وَقد سني الله لَك من السَّعَادَة كل مطلب وأتاك من أَصَالَة الرَّأْي الَّذِي يُرِيك الْمَعِيب وَبسط بعد الْقَبْض مِنْك الأمل ونشط بالسعادة مَا كَانَ من كسل وهداك إِلَى مناهج الْحق وَمَا زلت مهتدياً إِلَيْهَا وألزمك المراشد وَلَا تحْتَاج إِلَى تَنْبِيه عَلَيْهَا. وَالله يمدك بِأَسْبَاب نَصره ويوزعك شكر نعمه فَإِن النِّعْمَة ستتم بشكره.
وَلما فرغ من قِرَاءَته ركب السُّلْطَان بالخلعة والطوق الذَّهَب والقيد الذَّهَب وَكَانَ الطالع برج السنبلة. وَحمل التَّقْلِيد الْأَمِير جمال الدّين التجِيبِي أستادار السُّلْطَان ثمَّ حمله الصاحب بهاء الدّين وَسَار بِهِ بَين يَدي السُّلْطَان وَسَائِر الْأُمَرَاء وَمن دونهم مشَاة سوي الْوَزير. وَدخل السُّلْطَان من بَاب النَّصْر وشق الْقَاهِرَة وَقد زينت وَبسط أَكثر الطَّرِيق بِثِيَاب فاخرة مَشى عَلَيْهَا فرس السُّلْطَان. وضج الْخلق بِالدُّعَاءِ. بإعزاز أَيَّامه وإعزاز نَصره وَأَن يخلعها خلع الرضى إِلَى أَن خرج من بَاب زويلة وَسَار إِلَى القلعة فَكَانَ يَوْمًا مشهوداً تقصر الْأَلْسِنَة عَن وَصفه “.
وقد ترجم له ابن شاكر الكتبي في وفات الوفيات فقال : ” فخر الدين ابن لقمان .. إبراهيم بن لقمان بن أحمد بن محمد الوزير الكاتب فخر الدين الشيباني ؛ قال الشيخ شمس الدين : رأيته بعمامة صغيرة وقد حدث عن ابن رواج وكتب عنه البرزالي والطلبة ، وتوفي بمصر سنة ثلاث وتسعين وستمائة وصلي عليه بدمشق ؛ ولي وزارة الصحبة للملك السعيد ثم وزر مرتين للملك المنصور قلاوون وأصله من إسعرد.
وكان قليل الظلم فيه إحسان إلى الرعية وكان إذا عزل من الوزارة يأخذ غلامه الحرمدان خلفه، ويبكر من الغد إلى ديوان الإنشاء ، ولما فتح الكامل آمد كان ابن لقمان شاباً يكتب على عرصة القمح وينوب عن الناظر وكان البهاء زهير كاتب الإنشاء للملك الكامل فاستدعى من ناظر آمد حوائج فكانت الرسالة ترد إليه بخط ابن لقمان فأعجب البها زهير خطه وعبارته فاستحضره ونوه به وناب عنه في ديوان الإنشاء، ثم إنه خدم في ديوان الإنشاء في الدولة الصالحية وهلم جرا إلى أوائل الدولة الناصرية.
قال الشيخ فتح الدين ابن سيد الناس : كان فخر الدين ابن لقمان وتاج الدين ابن الأثير صحبة السلطان على تل العجول ولفخر الدين مملوك اسمه الطنبا ، فاتفق أنه دعا بمملوكه المذكور يا الطنبا فقال نعم ولم يأته فتكرر طلبه له وهو يقول نعم ولا يأتيه ، وكانت ليلة مظلمة فأخرج فخر الدين رأسه إلى الخيمة وقال : تقول نعم وما أراك ؟ فقال تاج الدين : في ليلةٍ من جمادى ذات أنديةٍ لا يبصر الكلب من ظلمائها الطنبا ، قلت : وهذا من جملة أبيات في الحماسة لمرة بن محكان وما استشهد أحد في واقعة بأحسن من هذا أبداً.
ومن شعر فخر الدين ابن لقمان في غلامه غلمش : لو وشى فيه من وشى .. ما تسلّيت غلمشا .. أنا قد بحت باسمه .. يفعل الله ما يشا ، وله أيضاً : كن كيف شئت فإنني بك مغرم .. راضٍ بما فعل الهوى المتحكم .. ولئن كتمت عن الوشاة صبابتي .. بك فالجوانح بالهوى تتكلم .. أشتاق من أهوى وأعلم أنّني .. أشتاق من هو في الفؤاد مخيّم .. يا من يصدّ عن المحبّ تدلّلاً .. وإذا بكى وجداً غدا يتبسّم .. أسكنتك القلب الذي أحرقته .. فحذار من نارٍ به تتضرّم “.

14 / دالية ابن بنت الأعز
من أجمل قصائد المديح النبوي القصيدة الدالية التي أنشدها ابن بنت الأعز في الروضة النبوية الشريفة عندما قصد زيارة النبي (صلى الله عليه وسلم) والتي يقول في مطلعها : الناس بين مرجزٍ ومقصد .. ومطول في مدحه ومجود .. ومخبر عمن روى ومعبر .. عما رآه من العلا والسؤدد ، وهو قاضي القضاة تقي الدين عبد الرحمن بن عبد الوهاب بن خلف بن بدر العلامي اللخمي الشافعي المتوفي في القاهرة عام 695 هـ / 1295 م في القاهرة ووالده هو قاضي القضاة تاج الدين عبد الوهاب بن خلف المتوفي في القاهرة عام 665 هـ / 1266 م.
وهو أخو القَاضِي الْكَبِير صدر الدّين عمر بن عبد الوهاب قَاضِي الديار المصرية والقَاضِي الْعَلامَة عَلَاء الدّين أَحْمد بن عبد الوهاب الَّذِي دخل الْيمن وَالشَّام واشتهر والدهم بلقب (ابن بنت الأعز) نسبة إلى جده لأمه القاضي الأعز وزير الملك الكامل ، وَكَانَ تاج الدين إِمَامًا فَاضلا متبحراً ولي المناصب الجليلة كنظر الدَّوَاوِين والوزارة وَالْقَضَاء ودرس بالصالحية وبمدرسة الشَّافِعِي وَتقدم فِي الدولة وَكَانَت لَهُ الْحُرْمَة الوافرة عِنْد الظَّاهِر بيبرس وهو الذي أثبت نسب أول الخلفاء العباسيين في القاهرة في الحادثة المعروفة.
وكان القاضي تقي الدين قد تعرض لمؤامرة من ابن السلعوس وزير السلطان الأشرف خليل بن قلاوون فعزل وأهين ثم عزم على الخروج للحج وزار المسجد النبوي حيث كشف رأسه ودعا على من ظلمه واستغاث بِالنَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأقسم عَلَيْهِ أن يرفع عنه بلاءه فجاءه الخبر بمقتل السلطان والوزير وعودته لمنصبه وهو لا يزال في المدينة ، وأثر عنه قوله : وَمن رام فِي الدُّنْيَا حَيَاة خلية .. من الْهم والأكدار رام محالا .. وهاتيك دَعْوَى قد تركت دليلها .. على كل أَبنَاء الزَّمَان محالا.
ومن أبيات القصيدة قوله : ومحبة المولى هي الأصل الذي لم يثن عزمك فيه رأي مفند .. ومن الذي يجلى عليه جهرة ذاك الجمال فلم يخر ويسجد .. صلوات ربك والسلام عليك ما حييت من متوجه متعبد ، وقوله : وجرى ذكرك لفظه في وقفة لخطابه أو جلسة المتشهد .. وإذا مررت على القلوب فكنت كالأرج الذكي يرد روح المكمد .. وعلى صحابتك الكرام وآلك البرءا من قول الجهول المفسد .. وعلى ضجيعيك اللذين تشرفا بالقرب منك بمقعدٍ وبمرقد.
ويقول في الإسراء : لم ترتفع لله عن خفضٍ ولم تقرب إليه من مكان مبعد .. لكن أرى محبوبه ملكوته حتى يشاهد فيه ما لم يشهد .. وأراه كيف تفاضل الأملاك والرسل الكرام وكان غير مقلد .. ورأت له الأملاك في ملكوته جاهاً وقدراً مثله لم يوجد ، وقوله : فإذا البصائر فيه تنفذ أدركت منه معاني حسنها لم ينفد .. ورأتك في مرآتها شمس الضحى طلعت بكل تنوفة وبفدفد .. فأفادت البصر الصحيح إنارة تقوى على البصر الضعيف الأرمد .. وأخو الهوى في طرفه وفؤاده مرض يصد عن الطريق الأرشد.
ترجم له الصفدي في الوافي بالوفيات فقال : ” قَاضِي الْقُضَاة ابْن بنت الْأَعَز .. عبد الرَّحْمَن بن عبد الْوَهَّاب بن خَليفَة بن بدر قَاضِي الْقُضَاة تَقِيّ الدّين أَبُو الْقَاسِم ابْن قَاضِي الْقُضَاة تَاج الدّين العلامي الْمصْرِيّ الشَّافِعِي الْمَعْرُوف بِابْن بنت الْأَعَز كَانَ جده لأمه يعرف بِالْقَاضِي الْأَعَز وَزِير الْملك الْكَامِل بن أبي بكر بن أَيُّوب وعلامة بِالْفَتْح وَالتَّخْفِيف قَبيلَة من لخم.
سمع من الرشيد الْعَطَّار وَغَيره وتفقه على ابْن عبد السَّلَام وعَلى وَالِده وَكَانَ فَقِيها إِمَامًا مناظراً بَصيرًا بِالْأَحْكَامِ جيد الْعَرَبيَّة ذكياً كَامِلا نبيلاً رَئِيسا شَاعِرًا محسناً فصيحاً مفوهاً وافر الْعقل كَامِل السؤدد روى عَنهُ الدمياطي فِي مُعْجَمه شَيْئا من نظمه توفّي كهلاً سنة خمس وَتِسْعين وست مائَة ودرس فِي أَمَاكِن كبار وَولي الوزارة مَعَ الْقَضَاء ثمَّ استعفى من الوزارة.
أَخْبرنِي الْحَافِظ فتح الدّين مُحَمَّد بن سيد النَّاس قَالَ كَانَ يجلس وَكتاب الحكم بَين يَدَيْهِ والموقعون وتعمل محاسبات الضَّمَان من خاطره أَو كَمَا قَالَ وَتَوَلَّى الْقَضَاء بعده الشَّيْخ تَقِيّ الدّين ابْن دَقِيق الْعِيد وَأَخْبرنِي من لَفظه الْعَلامَة أثير الدّين أَبُو حَيَّان قَالَ كَانَ نَاظر الخزانة السُّلْطَانِيَّة ودرس بالصالحية وَفِي قبَّة الشَّافِعِي وبالشريفية وبالمشهد وَتَوَلَّى مشيخة الشُّيُوخ بخانقاه سعيد السُّعَدَاء وَتَوَلَّى الخطابة بالجامع الْأَزْهَر وَله خطب ونثر ونظم وَكَانَ فصيحاً جزلاً فِي أَحْكَامه يقظاً مهيباً كثير التَّحَرُّز وَالِاجْتِهَاد فِي من يَنُوب عَنهُ وَكَانَ من بقايا الْعلمَاء الفصحاء وَمن أحد رجال الْكَمَال بالديار المصرية.
وامتحن فِي الدولة الأشرفية على يَد الصاحب شمس الدّين ابْن السلعوس ثمَّ نجاه الله تَعَالَى مِنْهُ .. وَيُقَال أَنه لما حكم بتعزيره نهره ابْن السلعوس وأقامه فَقَالُوا لَهُ هَذَا تَعْزِير مثل هَذَا فَقَالَ لَا بُد من زِيَادَة فَقَالُوا ينزل من القلعة إِلَى بَاب زويلة مَاشِيا وَلم ينله مِنْهُ مَكْرُوه بعد عَزله من الْقَضَاء أَكثر من ذَلِك وَسكن القرافة وَتَوَلَّى التدريس بِالْمَدْرَسَةِ الْمُجَاورَة لضريح الشَّافِعِي ثمَّ سَافر إِلَى الْحَج فقضي الْفَرِيضَة وزار النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأنْشد بهَا القصيدة البليغة من نظمه .. قلت شعر جيد جزل يدل على تمكن من الْعُلُوم “.
وحكى تاج الدين السبكي في طبقات الشافعية قصة القصيدة وزيارة تقي الدين للمدينة وذلك ضمن ترجمته فقال : ” وَآخر الْأَمر أَنه نزل مَاشِيا من القلعة إِلَى الْحَبْس وعزل وَخيف عَلَيْهِ أَن يُجهز الْوَزير من يقْتله فَنَامَ عِنْده تِلْكَ اللَّيْلَة شَيخنَا أَبُو حَيَّان ثمَّ أخرج من الْحَبْس.
أَقَامَ بالقرافة مُدَّة ثمَّ توجه إِلَى الْحجاز ومدح سيدنَا رَسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بقصيدة دالية مِنْهَا : النَّاس بَين مرجز ومقصد ومطول فِي مدحه ومجود .. ومخبر عَمَّن روى ومعبر عَمَّا رَآهُ من العلى والسؤدد ، وَمِنْهَا : مَا فِي قوى الأذهان حصر صفاتك الْعليا وَمَالك من كريم المحتد .. وتفاوت المداح فِيك بِقدر مَا بصروا بِهِ من نورك المتوقد.
وَسمعت من يَقُول إِن هَذَا القَاضِي كشف رَأسه ووقف بَين يَدي الْحُجْرَة الشَّرِيفَة النَّبَوِيَّة على ساكنها أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام واستغاث بِالنَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأقسم عَلَيْهِ أَن لَا يصل إِلَى موطنه إِلَّا وَقد عَاد إِلَى منصبه فَلم يصل إِلَى الْقَاهِرَة إِلَّا وَالسُّلْطَان الْأَشْرَف قد قتل وَكَذَلِكَ وزيره فأعيد إِلَى الْقَضَاء وَوصل إِلَيْهِ الْخَبَر بِالْعودِ قبل وُصُوله إِلَى الْقَاهِرَة “.
وذكره ابن تغري بردي في النجوم الزاهرة في وفيات سنة 695 هـ فقال : ” وفيها توفّى قاضى القضاة بالديار المصريّة ورئيسها تقىّ الدين أبو القاسم عبد الرحمن ابن قاضى القضاه تاج الدين أبى محمد عبد الوهاب ابن القاضى الأعز أبى القاسم خلف بن محمود بن بدر العلامىّ الشافعى المصرىّ المعروف بابن بنت الأعز ، مات يوم الخميس سادس عشر جمادى الأولى ودفن عند والده بالقرافة فى تربتهم وهو فى الكهولية.
وكان فقيها بارعا شاعرا خيّرا ديّنا متواضعا كريما تفقّه على والده وعلى ابن عبد السلام وتولّى الوزارة والقضاء ومشيخة الشيوخ وأضيف اليه تدريس الصلاحيّة والشريفية بالقاهرة والمشهد الحسينى وخطابة الجامع الأزهر ، وامتحن محنة شديدة فى أوّل الدولة الأشرفية وعمل على إتلافه بالكلّية وذلك بسعاية الوزير ابن السّلعوس الدّمشقىّ ثم أعيد إلى القضاء بعد وفاة الأشرف فلم تطل أيامه ومات.
ولمّا حج القاضى تقىّ الدين هذا وزار قبر النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنشد عند الحجرة النبويّة قصيدته التى مطلعها : الناس بين مرجّز ومقصّد .. ومطوّل فى مدحه ومجوّد .. ومخبّر عمّن روى ومعبّر .. عمّا رآه من العلا والسّودد “.
أما أخوه علاء الدين فكان شاعرا مجيدا وله ديوان صغير ، وقد ترجم له الصفدي في كتابه الوافي بالوفيات وسماه عليا فقال : ابن بنت الأعز علي بن عبد الوهاب بن علي بن خلف بن بكر علاء الدين ابن القاضي تاج الدين ابن بنت الأعز الشافعي ، كان بمصر ونزح منها هارباً من الشجاعي إلى أن وصل حلب وبلادها وأقام بحماة ثم حضر إلى دمشق وسعى أخوه القاضي تقي الدين في ترتيبه ناظراً بديوان الأمير حسام الدين طرنطاي بدمشق رفيق بدر الدين المسعودي.
وحكى بدر الدين المسعودي قال : لما باشر علاء الدين عندنا في الديوان لم يكن له من الملبوس إلا ما هو عليه وقد أخلق ولم يكن معه شيء فأرسلت إليه جملة دراهم وقماشاً غير مفصل من مالي ، وبحث فلم يجدني تعرضت إلى درهمٍ واحدٍ من مال مخدومي قال : وذكرني بكل سوء ، ولما تولى الشجاعي نيابة دمشق حضر عنده وتوصل إليه بما يلائمه وولاه نظر ديوانه وبعد ذلك توجه إلى مصر وولي الحسبة وكان فيه قلق وثلب للناس توفي رحمه الله بمصر سنة تسع وتسعين وست مائة.
وَمن شعره (من الوافر) : حماة غزالة الْبلدَانِ أضحت .. لَهَا من نهر عاصيها عُيُون .. وقلعتها لَهَا جبل بديع .. وَمن سود التلول لَهَا قُرُون ، وَله فِي دمشق (من الْكَامِل) : إِنِّي أدل على دمشق وطيبها .. من حسن وصفي بِالدَّلِيلِ الْقَاطِع .. جمعت جَمِيع محَاسِن فِي غَيرهَا .. وَالْفرق بَينهمَا بِنَفس الْجَامِع “.
وذكره بدر الدين العيني في كتابه قلائد الجمان وذلك في وفيات سنة 699 هـ فقال : ” القاضي علاء الدين أحمد بن عبد الوهاب بن خلف بن محمود بن بدر العلامي المعروف بابن بنت الأعزّ ، كان فصيح العبارة جميل الصورة لطيف المزاح فيه مكارم أخلاق وإحسان تولى الحسبة بالقاهرة والأحباس ودرس بالمدرسة الكهارية والقطبية وحج ودخل اليمن.
وقدم دمشق متولياً نظر ديوان الأمير حسام الدين طرنطاي الخزندار المنصوري ودرس بالظاهرية والقيمرية ولما تولى علم الدين الشجاعي نيابة السلطنة بدمشق باشر عنده مدة يسيرة ثم أنه طلب منه دستوراً للسفر إلى مصر خوفاً منه فأذن له فسافر وأقام بالقاهرة إلى أن مات في ربيع الآخر منها ، وله نظم حسن فمن ذلك قوله :
إن أومض البرق فـي ليل بذي سلم .. فـإنه ثغـر سـلمي لاح في الظلم .. وإن سـرت نـسـمة في الكون عابقة .. فــإنـهـا نـسـمـة مـن ربـة الخيم .. تـنام عـين التـي أهوى وما علمت .. بـأن عـيني طـول الليـل لم تنم .. إذا هدى الليـل يطويني وينشرني .. شـوق أبـيـت بـه في غـاية الالم .. وتـرسل الدمع أجفـاني مـحاكية .. لفـيض وبل مـن الوسـمي مـنسـجـم .. لله عـيـش مـضى فـي سـفـح كـاظـمة .. قد مر حلواً مرور الطيف في الحلم .. أيـام لا نكـد فـيها نـشـاهـده .. ولت بغـيـر الرضـى مـني ولم تدم “.

15 / لمع السراج
(لمع السراج) هو عنوان أطلقه المؤرخ الشيخ صلاح الدين الصفدي على مجموعة قصائد مختارة من ديوان الشاعر سراج الدين الوراق كما ذكر في كتابه أعيان العصر وأعوان النصر (مخطوطة بدار الكتب المصرية ومصورة بخط الصفدى فى مكتبة الجامعة فى مائة وثمانين ورقة) ، والوراق شاعر مجيد ولد في مصر عام 615 هـ / 1219 م وذاع صيته في العصر المملوكي وعرف بهذا اللقب لاشتغاله في تجارة الورق وتوفي في القاهرة عام 695 هـ / 1296 م.
وقد اشتهرت له قصيدة قالها في مدح الظاهر بيبرس بمناسبة افتتاح المدرسة الظاهرية حيث وصفها بأنها أعظم من المدرسة النظامية المشهورة ببغداد ، وذكرها المقريزي في الخطط وهي قوله : ” مليك له في العلم حبّ وأهله .. فلله حبّ ليس فيه ملام .. فشيّدها للعلم مدرسة غدا .. عراق إليها شيّق وشآم .. ولا تذكرن يوما نظّاميّة لها .. فليس يضاهي ذا النظّام نظّام .. ولا تذكرن ملكا فبيبرس مالك .. وكلّ مليك في يديه غلام .. ولما بناها زعزعت كلّ بيعة .. متى لاح صبح فاستقرّ ظلام .. وقد برزت كالروض في الحسن أنبأت .. بأنّ يديه في النوال غمام .. ألم تر محرابا كأنّ أزاهرا .. تفتّح عنهنّ الغداة كمام “.
ذكره ابن تغري بردي في كتابه النجوم الزاهرة وذلك في أحداث سنة 695 هـ فقال : ” وفيها توفّى الشيخ الإمام الأديب البارع المفتنّ سراج الدين أبو حفص عمر بن محمد ابن الحسين المصرىّ المعروف بالسّراج الورّاق الشاعر المشهور ، مولده فى العشر الأخير من شوّال سنة خمس عشرة وستمائة ومات فى جمادى الأولى من هذه السنة ودفن بالقرافة ، وكان إماما فاضلا أديبا مكثرا متصرّفا فى فنون البلاغة وهو شاعر مصر فى زمانه بلا مدافعة.
ومن شعره : فى خدّه ضلّ علم الناس واختلفوا .. أللشقائق أم للورد نسبته .. فذاك بالخال يقضى للشقيق وذا .. دليله أنّ ماء الورد ريقته ، وله : كم قطع الجود من لسان .. قلّد من نظمه النّحورا .. فهأنا شاعر سراج .. فاقطع لسانى أزدك نورا.
وله : لا تحجب الطّيف إنّى عنه محجوب .. لم يبق منى لفرط السّقم مطلوب .. ولا تثق بأنينى إنّ موعده .. بأن أعيش للقيا الطّيف مكذوب .. هذا وخدّك مخضوب يشاكله .. دمع يفيض على خدىّ مخضوب .. وليس للورد فى التشبيه رتبته .. وإنّما ذاك من معناه تقريب .. وما عذارك ريحانا كما زعموا .. فات الرياحين ذاك الحسن والطّيب .. تأوّد الغصن مهتزّا فأنبأنا .. أنّ الذي فيك خلق فيه مكسوب .. يا قاسى القلب لو أعداه رقّته .. جسم من الماء بالألحاظ مشروب .. أرحت سمعى وفى حبّيك من عذلى .. إذ أنت حب إلى العذّال محبوب “.
وترجم له ابن شاكر الكتبي في كتابه فوات الوفيات وذكر جانبا من ديوانه الشعري فقال : ” السراج الوراق .. عمر بن محمد بن حسن سراج الدين الوراق الشاعر المشهور والأديب المذكور ؛ ملكت ديوان شعره وهو في سبعة أجزاء كبار ضخمة بخطه إلى الغاية هذا الذي اختاره لنفسه وأثبته فلعل الأصل كان من حساب خمسة عشر مجلداً وكل مجلد يكون مجلدين فهذا الرجل أقل ما يكون ديوانه لو ترك جيده ورديه في ثلاثين مجلداً ، وخطه في غاية الحسن والقوة والأصالة.
وكان حسن التخيل جيد المقاصد صحيح المعاني عذب التركيب قاعد التورية والاستخدام عارف بالبديع وأنواعه ، وكان أشقر أزرق العين وفي ذلك يقول : ومن رآني والحمار مركبي .. وزرقتي للروم عرق قد ضرب .. قال وقد أبصر وجهي مقبلاً .. لا فارس الخيل ولا وجه العرب ، وكان يكتب الدرج للأمير سيف الدين أبي بكر ابن أسباسلار والي مصر وتوفي في جمادى الأولى سنة خمس وتسعين وستمائة رحمه الله تعالى وقد قارب التسعين أو جاوزها بقليل.
وأكثر شعره في اسمه فمن ذلك: وكنت حبيباً إلى الغانيات .. فألبسني الشيب بغض الرقيب .. وكنت سراجاً بليل الشباب .. فأطفأ نوري نهار المشيب ، وقال: بني اقتدى بالكتاب العزيز .. وراح لبري سعياً وراجا .. فما قال لي أف مذ كان لي .. لكوني أباً ولكوني سراجا.
وقال : وقالت يا سراج علاك شيب .. فدع لجديده خلع الغذار .. فقلت لها نهار بعد ليل .. فما يدعوك أنت إلى النفار .. فقالت قد صدقت وما علمنا .. بأضيع من سراج في نهار ، وقال : إلهي قد جاوزت تسعين حجة .. فشكراً لنعماك التي ليس تكفر .. وعمرت في الإسلام فازددت بهجة .. ونوراً كذا يبدو السراج المعمر .. وعمم نور الشيب رأسي فسرني .. وما ساءني أن السراج منور.
وقال : طوت الزيارة إذ رأت عصر المشيب طوى الزياره .. ثم انثنت لما انثنت بعد الصلابة كالحجاره .. وبقيت أهرب وهي تسأل جارة من بعد جاره .. وتقول يا ستي استرحنا لا سراج ولا مناره ، وقال : كم قطع الجود من لسان .. قلد من نظمه النحورا .. فها أنا شاعر سراج .. فاقطع لساني أزدك نورا.
وقال أيضاً : أثنى علي الأنام أني .. لم أهج خلقاً ولو هجاني .. فقلت لا خير في سراج .. إن لم يكن دافئ اللسان ، وقال : رب سامح أبا الحسين وسامحني فشأني وشأنه في الإسلام .. فذنوب الوراق كل جريح وذنوب الجزار كل عظام ، وقال : واخجلتي وصحائفي قد سودت .. وصحائف الأبرار في إشراق .. وفضيحتي لمعنف لي قائل .. أكذا تكون صحائف الوراق “.
وذكره ابن حجة الحموي في فصل التورية بكتابه خزانة الأدب فقال : ” ويعجبني من تغزلات السراج الوراق قوله : أقول لهم شبهت بالغصن قدها .. فقالوا رأينا قدها منه أرشقا .. فقلت وبالرمان شبهت نهدها .. فقالوا إذن شبهت شيئًا محققا ، ومنه قوله : وقفت بأطلال الأحبة سائلًا .. ودمعي يسقى ثم عهدًا ومعهدا .. ومن عجب أني أروي ديارهم .. وحظي منها حين أسألها الصدا.
ومنه قوله : وبي من البدو كحلاء الجفون بدت .. في قومها كمهاة بين آساد .. بنت عليها المعالي من ذوائبها .. بيتًا من الشعر لم يمدد بأوتاد .. وأوفدت وجناتها النار لا لقرى .. لكن لأفئدة من وأكباد .. فلو بدت لحسان الخصر قُمْنَ لها .. على الرءوس وقلن الفضل للبادي.
قلت ديوان الشيخ سراج الدين الوراق سبعة مجلدات من القطع الكامل ولكن الذي جنيته وفكهت المتأمل به هنا هو ثمرات تلك الأوراق ، وجمع الشيخ صلاح الدين الصفدي من ديوانه كتابًا لطيفًا وسماه : (لمع السراج) ولكن رأيت نور السراج فيه قليلًا “.
ووصفه ابن فضل الله في مسالك الأبصار بأوصاف بديعة ولغة بليغة وذكر جملة من أشعاره ونثره تبلغ قرابة مائة وثمانين صفحة شغلت النصف الأول من المجلد التاسع عشر بالكامل مما يدل على إعجابه به وبإنتاجه الأدبي ، وخص بالذكر علاقة الوراق بشعراء عصره وصداقته للشاعر ابن الجزار وتنافسهما في مضمار الشعر وما جرى بينهما من معارضات وطرائف فقال : ” السراج الوراق .. سراج ما برح لسانه يلهج وإحسانه في تجلية الظّلم ينهج طارت أجنحة ضرمه بالسّمعه وتوقّد منه السّراج وقد شرقت بالبكاء الشّمعه.
وكان في شعراء ذلك العصر على توقّد جمهرتهم وتوقّي نيران أسرتهم هو المغشىّ ناره دون القبيله والمشكور بما يعاب به غيره من طول الفتيله ، ولم نطمع تلك الرّياح الهوابّ في إمالة شعلته ولا في إماتة مصباحه ظمآن بغلّته ، وكان لو قدح به زند الفجر لأنار أو استصبح به اللّيل لما ميّزت ساعاته من النهار أو شبّت بناره الرّياض لعمّمت كلّ منابتها بالنّوّار أو قذفت بها الحياض لتممّت للقرى بها مواقد النار وكم له من بيت يؤسّسه ومشكاة يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار.
لو استضاء بسراجه ابن المعتز لما سمح بعاريته للصباح أو التّنوخيّ لما لبريق الصّفاح أو الإسكندريّ لما عدل عن البحر إلى الخلج ولا وجد غنى عنه من قال (الرمل) : إنّ بيتا أنت ساكنه .. غير محتاج إلى السّرج ، بل لو عنّ ذكراه لابن أبي الخصال لعلم أنّه ما أخصب أو الجزريّ لما لقي الكباش بقرن أعضب بل لو لم يخيّم على معاصره ابن الخيمىّ لما عاج معاجا ولا ظنّ أنّ برق الجزع وإن أوفى إمداده ولا يقال إنّه راق إلّا وفي الورّاق ما فيه وزياده.
وكان هو والجزّار فرسي رهان وقبسي نار لا يسكت لهما لسان يتناقضان تناقض الفرزدق وجرير ويتعارضان تعارض ابن القيسرانيّ وابن منير يطلعان طلوع الشّمس والقمر المنير ويقولان قول الانصار منّا أمير ومنكم أمير.
وكان شعراء ذلك الصّدر معهما في المطارحة على حسب الاتّفاق وما يقدّر لكلّ واحد منهم من الاتّفاق إلّا أنّ الحلبة كانت تخلى لهذين الفحلين وهما لا يبقيان والأرض لا تسعهما ومرج البحرين يلتقيان ، إلّا أنّ أبا الحسين الجزّار ممن ذبح معه بسكينه وعرف قدر مسكينه وأصبح به لا يعرف شحمه من ورمه ولا يرى معه إلّا قطعة لحم ممّا علق على وضمه لا تضيء مع سراجه شمسه ولا يمتدّ مع جوده نفسه.
وكتب الورّاق لوالي مصر الدّرج وقطف من ثمر الإنشاء إلّا أنّه ما تعلّق إذا سلك سبيله إلّا بفج ، فأمّا نظمه فهو السّلوك ورقمه لم يزل لكبراء الوزراء والملوك وجمع شعره بنفسه وجاء يزيد على ألف ورقة “.

16 / بردة البوصيري
تعد قصيدة البردة للبوصيري درة المدائح النبوية والتي اشتهرت عند جمهور المتصوفة ومحبي الإنشاد الديني بالبيت المعروف : مولاي صل وسلم دائما أبدا .. على حبيبك خير الخلق كلهم ؛ ولا يعرف قصيدة نالت من الحفظ والحضور حتى يومنا هذا مثل ما حققت قصيدة البردة ومطلعها الذي يقول : أمن تذكر جيران بذي سلم .. مزجت دمعا جرى من مقلة بدم .. أم هبت الريح من تلقاء كاظمة .. وأومض البرق في الظلماء من إضم.
واسم القصيدة الرسمي (الكواكب الدرية في مدح خير البرية) وهي من نظم وتأليف الشاعر والفقيه والمتصوف الإمام شرف الدين أبي عبد الله محمد بن سعيد بن حماد الصنهاجي البوصيري ، ولد عام 609 هـ / 1212 م في قرية النويرة بالقرب من دلاص مركز بني سويف لأسرة تنحدر من قبيلة صنهاجة البربرية وعاش في قرية بوصير المجاورة فنسب إليها ثم انتقل إلى القاهرة للدراسة وتوفي عام 696 هـ / 1295 م بالإسكندرية.
اشتغل البوصيري بدراسة السيرة النبوية وتتلمذ على يده أثير الدين أبي حيان الغرناطي وفتح الدين اليعمري الأشبيلي المعروف بلقب ابن سيد الناس وكتب عددا من المؤلفات منها كتاب تهذيب الألفاظ العامية وغيره لكنه اشتهر بقصائد المديح النبوي ، وتوفي في الاسكندرية عن سبعة وثمانين عاما ودفن بجوار شيخه في الطريقة الصوفية الشاذلية السيد أبي العباس المرسي وله مسجد ومشهد معروف.
ويروي المتصوفة أن البوصيري كان مريضا لا يتحرك فأراد أن يكتب قصيدة في مدح النبي سماها البرأة طلبا للشفاء ، فلما وصل في نظمه إلى قوله : (فمبلغ العلم فيه أنه بشر) أرتج عليه ولم يتمكن من إكمال الشطر الثاني ثم نام ورأى في منامه أنه يلقي القصيدة بين يدي النبي فلما سكت عن البيت السابق أكمل له النبي الشطر الثاني وهو : (وأنه خير خلق الله كلهم) ثم خلع بردته وألقاها عليه فقام من نومه وقد شفي من مرضه.
وقال بعدها : وكل آي أتى الرسل الكرام بها .. فإنما اتصلت من نوره بهم .. وأنه شمس فضل هم كواكبها .. يظهرن نورها للناس في الظلم ، فعرفت القصيدة لذلك باسم البردة وذلك تيمنا بالشاعر كعب بن زهير صاحب قصيدة بانت سعاد عندما خلع النبي صلى الله عليه وسلم بردته وأعطاها له مكافأة على المديح ، وتبلغ أبياتها مائة وستين بيتا وهي مصدر إلهام للشعراء على مر التاريخ ومن أبرز معارضاتها نهج البردة لأمير الشعراء أحمد شوقي ولامية عبد المولى البغدادي.
وذكر علي باشا مبارك قرية بوصير وقال أن منها صاحب قصيدة البردة إمام الشعراء وملجأ الفقراء المحقق الأديب المدقق اللبيب العارف بالله تعالى شرف الدين أبو عبد الله محمد بن سعيد البوصيرى نسبة إلى بوصير قرية بالصعيد وينسب أيضا إلى دلاص قرية بالصعيد أيضا فإن أحد أبويه من إحدى القريتين والآخر من الأخرى ، ويقال له الصنهاجى نسبة إلى قبيلة صنهاجة البربرية المغاربية وكان الناظم وابن عطاء الله السكندرى تلميذين لأبى العباس المرسى فخلع على البوصيرى لسان الشعر وعلى ابن عطاء الله صاحب الحكم لسان النثر.
وقد ترجم له ابن شاكر الكتبي في فوات الوفيات فقال : ” شرف الدين البوصيري .. محمد بن سعيد بن حماد بن محسن بن عبد الله بن صهناج بن ملال الصهناجي ؛ كان أحد أبويه من أبو صير والآخر من دلاص فركبت له نسبة منهما وقيل الدلاصيري لكنه اشتهر بالبوصيري.
كان يعاني صناعة الكتابة والتصرف وباشر الشرقية ببلبيس وله تلك القصيدة المشهورة التي نظمها في مباشري الشرقية التي أولها :فقدت طوائف المستخدمينا .. فلم أر فيهم رجلاً أمينا .. فقد عاشرتهم ولبثت فيهم .. مع التجريب من عمري سنينا .. فكتاب الشمال هم جميعاً .. فلا صحبت شمالهم اليمينا .. فكم سرقوا الغلال وما عرفنا .. بهم فكأنما سرقوا العيونا.
وقال فيه من قصيدة أولها :أهوى والمشيب قد حال دونه .. والتصابي بعد المشيب رعونه .. أبت النفس أن تطيع وقالت .. إن جني لا يدخل القنينه .. كيف أعصي الهوى وطينة قلبي .. بالهوى قبل آدم معجونه .. سلبته الرقاد بيضة خدر .. ذات حسن كالدرة المكنونه
وقال من قصيدة أولها : يا أيها المولى الوزير الذي .. أيامه طائعة أمره .. ومن له منزلة في العلا .. تكل عن أوصافها الفكره .. إليك نشكو حالنا إننا .. حاشاك من قوم أولي عسره في قلة نحن ولكن لنا .. عائلة في غاية الكثره.
وقال وقد كتب بها إلى بعض الأصحاب : قل لعلي الذي صداقته .. على حقوق الإخوان مؤتمنه .. أخوك قد عودت طبيعته .. بشربة في الربيع كل سنه .. والآن قد عفنت عليه وقد .. هدت قواه وجففت بدنه .. وعاودت يومها زيارته .. وما اعتراها من قبل ذاك سنه.
قال الشيخ فتح الدين ابن سيد الناس : كانت له حمارة استعارها منه ناظر الشرقية فأعجبته فأخذها وجهز له ثمنها مائتي درهم فكتب على لسانها إلى الناظر : المملوكة حمارة البوصيري تنشد : يا أيها السيد الذي شهدت .. ألفاظه لي بأنه فاضل .. ما كان ظني يبيعني أحد .. قط ولكن سيدي جاهل .. لو جرسوه علي من سفه .. لقلت غيظاً عليه يستاهل .. أقصى مرادي لو كنت في بلدي .. أرعى بها في جوانب الساحل .. وبعد هذا فما يحل لكم .. أخذي لأني من سيدي حامل ، فردها الناظر إليه ولم يأخذ الدراهم منه.
وقال في الشيخ زين الدين ابن الرعاد : لقد عاب شعري في البرية شاعر .. ومن عاب أشعاري فلا بد أن يهجى .. وشعري بحر لا يوافيه ضفدع .. ولا يقطع الرعاد يوماً له لجا.
وللبوصيري في مديح النبي صلى الله عليه وسلم قصائد طنانة منها قصيدة مهموزة أولها : كيف ترقى رقيك الأنبياء ، وقصيدة على وزن بانت سعاد وأولها : إلى متى أنت باللذات مشغول .. وأنت على كل ما قدمت مسؤول ، وقصيدته المشهورة بالبردة التي أولها :أمن تذكر جيران بذي سلم .. مزجت دمعاً جرى من مقلة بدم.
قال البوصيري : كنت قد نظمت قصائد في مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم منها ما كان اقترحه علي الصاحب زين الدين يعقوب بن الزبير ثم اتفق أن أصابني فالج أبطل نصفي ففكرت في عمل قصيدتي هذه البردة فعملتها واستشفعت به إلى الله تعالى في أن يعافيني ، وكررت إنشادها وبكيت ودعوت وتوسلت ونمت فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم فمسح على وجهي بيده المباركة وألقى علي بردة فانتبهت ووجدت في نهضة فقمت وخرجت من بيتي ولم أكن أعلمت بذلك أحد.
فلقيني بعض الفقراء فقال لي : أريد أن تعطيني القصيدة التي مدحت بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلت : أيها ؟ ، فقال : التي أنشأتها في مرضك ، وذكر أولها وقال : والله لقد سمعتها البارحة وهي تنشد بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتمايل وأعجبته وألقى على من أنشدها بردة ، فأعطيته إياها وذكر الفقير ذلك وشاع المنام إلى أن اتصل بالصاحب بهاء الدين ابن حنا فبعث إلي وأخذها وحلف أن لا يسمعها إلا قائماً حافياً مكشوف الرأس وكان يحب سماعها هو وأهل بيته.
ثم إنه بعد ذلك أدرك سعد الدين الفارقي الموقع رمد أشرف منه على العمى فرأى في المنام قائلاً يقول له : اذهب إلى الصاحب وخذ البردة واجعلها على عينيك فتعافى بإذن الله عز وجل ، فأتى إلى الصاحب وذكر منامه فقال : ما أعرف عندي من أثر النبي صلى الله عليه وسلم بردة ، ثم فكر ساعة وقال : لعل المراد قصيدة البردة التي للبوصيري يا ياقوت افتح الصندوق الذي فيه الآثار وأخرج القصيدة للبوصيري وأت بها ، فأتى بها فأخذها سعد الدين ووضعها على عينيه فعوفي ومن ثم سميت البردة ، والله أعلم “.
وترجم له أبو الحسن علي بن محمد الفاسي المغربي في كتابه طبقات الشاذلية فقال : ” الإمام البوصيري .. الإمام الرباني والعارف الصمداني الأستاذ الفاضل والملاذُ الكامل شمس الملة وبرهان الأمة شيخ المحققين وملاذ أهل التمكين ذو المعارف الربانية والمواهب الصمدانية أبو عبد الله شرف الدين محمد بن سعيد بن حماد الدَّلاصي الصُّنهاجي الشاذلي البُوصيري قدّس سره.
ولد رضى الله عنه بدَلاص أول شهر شوال سنة ثمانٍ وست مئة وكان أبواه قدما من المغرب فاستوطنا هذه البلدة فنشأ رضى الله عنه في حِجر أبيه حتى ترعرع ومال إلى العلم فحفظَ القرآن وبعض المتون ، وقدمَ الأزهر وحضر على مشايخ العصر حتى كملت معالمه فأجازوه فأتى ودرس وصارت له هيبةٌ عظيمة وبرع في النظم حتى فاق أهلَ عصره وكانت له همَّةٌ عالية.
وكان في بدايته من مقربات السلاطين وله عندهم الحظوة التامّة مقبولًا فيما بينهم وكان يمدحهم بالشعر الرقيق ويهجو أعداءهم ، وانقطع على التصوف ومال إليه فسلك على يد المربي سيدي أبي العباس المرسي قدّس سره وأخذ عنه علمَ الحقائق والأسرار حتى لوحظَ بالأنوار والأسرار وبدت عليه إشارات الولاية وألوية الهداية فعظمت هيبته وأجلته العيون والأنظار وشدَّت إليه الرِّحالُ من جميع الأمصار.
وعمل القصائد البديعة والموشحات الغريبة في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم ، ويكفي في فضله بردته الميمية المشهورة وهي قصيدةٌ لم يأتِ بمثلها أحدٌ لا من قبله ولا من بعده وهي من الأسرار اعتنتْ بشأنها مشايخُ الطرق وذكروا لها فضائل وخواص وأسرار ، وقد ذكرنا ما لها من الخواص والأسرار في كتابٍ مستقلٍّ سميناه (تحفة الراغبين ونزهة الطالبين في خواص قصيدة الأستاذ شرف الدين) فمن أراده فليطلبه حيث يوجد.
بلغ رضى الله عنه مقامَ الغوثية الكبرى ودام له الاجتماع بالنبي صلى الله عليه وسلم في اليقظة والمنام ، وكان إذا مشى رضى الله عنه في الأزقة تندلقُ الناسُ عليه يقبّلون يديه حتى الصغار وكانت تشم رائحة جسده روائح طيبة ، وكان رضى الله عنه يرتدي الملابس الحسناء منوّر الشيبة بسّام الثغر طلق الوجه جميل اللقاء متواضعًا زاهدًا ذا عفَّة ووقار أخذ عنه جماعةٌ من أفاضل العصر.
توفى رضي الله عنه وأرضاه بإسكندرية سنة أربع وتسعين وست مئة وله مقامٌ يُزار ومسجد تُقام فيه شعائر أمة المختار وتتساقط على ضريحه أنوار وأسرار تبدو للزائرين والمتوسِّلُ به إلى الله لا شكَّ من الناجين ، اللهم نتوسَّلُ إليك أن تعطفَ علينا قلبَ مولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم آمين “.

17 / الجوهرة المضيئة
(الجوهرة المضيئة) هو عنوان الكتاب الذي كتبه ولي الله تعالى برهان الدين إبراهيم بن أبي المجد عبد العزيز بن قريش بن محمد المختار والمتوفي عام 676 هـ / 1277 م ويرجع في نسبه إلى السيد أبي القاسم جعفر الزكي بن علي الهادي الحسيني الهاشمي ، وجده لوالدته مؤسس الطريقة الرفاعية في مصر السيد أبو الفتح الواسطي (نسبة إلى واسط بالعراق) وله ضريح معروف بالإسكندرية يضم أيضا ابنه علي وابنته رقية ، وقد ذاع صيت الدسوقي في حياته وكان مقربا من السلطان الظاهر بيبرس.
ويعد الدسوقي رابع الأقطاب الأربعة في التصوف وثاني أشهر ولي في مصر بعد البدوي وعرف بألقاب عدة منها أبو العينين برهان الملة والدين شيخ الإسلام إمام الدين قطب الأقطاب القطب الأمجد الإمام الأوحد سيد السادات رافع المهمات صاحب الولاء والكشف والإطلاعات بحر الورود والبركات لسان الحضرات كعبة الحقيقة سلطان أهل العون والصون الحسيب النسيب الشريف قاضي العشاق صاحب السيفين صاحب الرمحين عريس المملكة ، وضريحه معروف بمسجده بمدينة دسوق التي نسب إليها.
وقد ترجم له ابن العماد الحنبلي في كتابه شذرات الذهب في أخبار من ذهب وذلك في وفيات سنة 676 هـ فقال : ” وفيها إبراهيم بن أبي المجد الدّسوقي الهاشمي الشّافعي القرشي شيخ الخرقة البرهامية وصاحب المحاضرات القدسية والعلوم اللّدنية والأسرار العرفانية ، أحد الأئمة الذين أظهر الله لهم المغيّبات وخرق لهم العادات ذو الباع الطويل في التصرف النافذ واليد البيضاء في أحكام الولاية والقدم الرّاسخ في درجات النهاية ، انتهت إليه رئاسة الكلام على خواطر الأنام وكان يتكلم بجميع اللّغات من عجمي وسرياني وغيرهما.
وذكر عنه أنه كان يعرف لغات الوحش والطّير وأنه صام في المهد وأنه رأى في اللّوح المحفوظ وهو ابن سبع سنين وأنه فكّ طلسم السبع المثاني وأن قدمه لم تسعه الدنيا وأنه ينقل اسم مريده من الشقاوة إلى السعادة وأن الدّنيا جعلت في يده كخاتم ، وقال : توليت القطبانية فرأيت المشرقين والمغربين وما تحت التخوم وصافحت جبريل ، ومن كلامه : لا تكليف على من غاب بقلبه في حضرة ربّه ما دام فيها فإذا ردّ له عقله صار مكلّفا ، وقال : عليك بالعمل بالشرع وإيّاك وشقشقة اللّسان بالكلام في الطريق دون التخلق بأخلاق أهلها ، قاله الشيخ عبد الرؤوف المناوي في طبقاته “.
وذكره أبو علي الحسن بن محمد الفاسي في كتابه جامع الكرامات العلية في طبقات الشاذلية فقال : ” سيدي إبراهيم الدسوقي (676 هـ) .. القرشي الحسيني الهاشمي الشاذلي ابن سيدي أبي المجد ، أُلِّفتْ في مناقبه مؤلفات بلغت حدَّ التواتر ، ذكرت من فضائله ما لا تحصره العقول والحقُّ أن ما ذُكر فهو نقطةٌ في بحر زاخرٍ تلاطمت أمواجه وتكفينا شهرتُه في العالم الإسلامي بأسره .. كان قدّس سره لم يغفل قط عن المجاهدة وكان إذا مرّ في الأسواق له هيبةٌ عظيمةٌ لكل من رآه وكانت الناس تهاب أباه سيدي أبا المجد القرشي وذلك لما في ظهره وبشَّرته الأولياء قبل مولده وقيل له : سيولدُ لك ولدٌ يكون له شأنٌ عظيم.
توفي رحمه الله سنة ست وسبعين وست مئة ، وله الشهرةُ التَّامة عند أهل مصر من مشرقها لمغربها وتظهرُ كراماتٌ كثيرة لزائريه ، ومن أرادَ الوقوف على حقيقته فعليه بالجوهرة المصونة له فقد تكلّم فيها قدّس سره بأسرار لم تخطر على بال وأباحَ فيها مشاهداته في حضرة الجلال وحضرة الكمال ما يبهر عقول الرجال أمدنا الله بمدده وأماتنا على حبِّه ومتّعنا بأنواره والنزول بأعتابه آمين “.
وترجم له الشعراني في طبقاته وذكر فقرات مطولة من كتابه فقال : ” الشيخ العارف بالله تعالى سيدي إبراهيم القرشي الدسوقي رضي الله عنه .. هو من أجلاء مشايخ الفقراء أصحاب الخرق وكان من صدور المقربين ، وكان صاحب كراماتٍ ظاهرة ومقامات فاخرة وسرائر ظاهرة وبصائر باهرة وأحوالٍ خارقة وأنفاسٍ صادقة وهممٍ عالية ورتبٍ سنية وإشاراتٍ نورانية ومحاضرات قدسية.
له المعراج الأعلى في المعارف والمنهاج الأسنى في الحقائق والطور الأرفع في المعالي والقدم الراسخ في أحوال النهايات واليد البيضاء في علوم الموارد والباع الطويل في التصريف النافذ والكشف الخارق عن حقائق الآيات والفتح المضاعف في معنى المشاهدات.
وهو أحد من أظهره الله عز وجل إلى الوجود وأبرزه رحمة للخلق وأوقع له القبول التام عند الخاص والعام وصرفه في العالم ومكنه من أحكام الولاية وقلب له الأعيان وخرق له العادات وأنطقه بالغيبات وأظهر على يديه العجائب وصومه في المهد رضي الله عنه ، وله كلام كثير عال على لسان أهل الطريق “.
ويضم كتاب الجوهرة المضيئة خلاصة أفكار ومواعظ السيد إبراهيم الدسوقي بالإضافة إلى بعض تعبيراته الأدبية النثرية وقصائده الشعرية وجميعها بغرض تبصرة المريدين بمعالم الطريقة وإرشادهم إلى سبل الحقيقة ، وقد حقق الأستاذ الباحث أحمد الرفاعي مخطوطة الكتاب وتم طبعه حديثا كما أن أجزاء كاملة منها نقلها كل من الشعراني والمناوي والفاسي وغيرهم في ثنايا كتبهم وتداولها المتصوفة من زمنه حتى يومنا هذا.
ويشرح الدسوقي هدف الكتاب في مقدمته فيقول بعد الديباجة : ” أما بعد ، فإن العبد الفقير إلى الله تعالى إبراهيم القرشي الدسوقي استخار الله تعالى في أن الولد يسلك طريق النسك على كتاب الله العزيز وسنة نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والحج إلى بيت الله الحرام والقيام بالفرائض المفروضة والسنن المسنونة والشرائع المشروعة والحقائق الحقيقية والأدب وسلوك النسك وما يجب على المريد والمبتدىء والمتحري والمقتدي والمسترشد والمنهي وسأذكر ذلك “.
ومن وصاياه ومواعظه في ثنايا الكتاب قوله : ” من لم يكن مجتهدا في بدايته لا يفلح له مريد فإنه إن نام نام مريده وإن قام قام مريده وإن أمر الناس بالعبادة وهو بطال أو توبتهم عن الباطل وهو يفعله ضحكوا عليه ولم يسمعوا منه ” ، وقوله : ” يجب على المريد ألا يتكلم قط إلا بدستور شيخه إن كان جسمه حاضرا ، وإن كان غائبا يستأذنه بالقلب وذلك حتى يترقى إلى الوصول إلى هذا المقام في حق ربع عز وجل ، فإن الشيخ إذا رأى المريد يراعيه هذه المراعاة رباه بلطيف الشراب وأشقاه من ماء التربية ولاحظه باسر المعنوي الإلهي ، فيا سعادة من أحسن الأدب مع مربيه ويا شقاوة من أساء “.
ومنها قوله : ” من لم يكن متشرعا متحققا نظيفا عفيفا شريفا فليس من أولادي ولو كان ابني لصلبي ، وكل من كان من المريدين ملازما للشريعة والحقيقة والطريقة والديانة والصيانة والزهد والورع وقلة الطمع فهو ولدي وإن كان من أقصى البلاد ” ، وقوله : ” لا يكمل الفقير حتى يكون محبا لجميع الناس مشفقا عليهم ساترا لعوراتهم فإن ادعى الكمال وهو على خلاف ما ذكرناه فهو كاذب ” ، وقوله : ” الشريعة أصل والحقيقة فرع فالشريعة جامعة لكل علم مشروع والحقيقة جامعة لكل علم خفي وجميع المقامات مندرجة فيهما “.
ومن تعاليمه للمريدين قوله لهم : ” يا مريدي اجمع همة العزم وقو شدة الحزم لتعرف الطريق بالإدراك لا بالوصف فأي مقام وقفت فيه كان حجابا لك بل ارفض كل ما يحجبك عن مولاك فإن كل ما دون الله تعالى باطل ” ، ومنها قوله : ” إن الله عز وجل يحب من عباده أخوفهم منه وأطهرهم قلبا وفرجا ولسانا وعينا ويدا وأعفهم وأعفاهم وأكرمهم وأكثرهم ذكرا وأوسعهم صدرا ” ، ومنها قوله : ” عليك بالعمل وإياك وشقشقة اللسان بالكلام في الطريق دون التخلق بأخلاق أهلها “.
ومنها قوله : ” رأس مال المريد المحبة والتسليم وإلقاء عصا المعاندة والمخالفة والسكون تحت مراد شيخه وأمره ، فإذا كان لمريد كل يوم في زيادة محبة وتسليم سلم من القطع فإن عوارض الطريق وعقبات الالتفاتات والإرادات هي التي تقطع عن الإمداد وتحجب عن الوصول ” ، وقوله : ” من قام في الأسحار ولزم فيها الاستغفار كشف الله له عن الأنوار وأسقى من دن الدنو من خمار الخمار وأطلعت في قلبه شموس المعاني والأقمار فيا ولد قلبي اعمل بما قلته لك تكن من المفلحين “.
ومن شعره قوله : ” سقاني محبوبي بكأس المحبة .. فتهت عن العشاق سكرا بخلوتي .. ولاح لنا نور الجلالة لو أضا .. لصم الجبال الراسيات لدكت .. وكنت أنا الساقي لمن كان حاضرا .. أطوف عليهم كرة بعد كرة .. ونادمني سراً بسر وحكمة .. وإن رسول الله شيخي وقدوتي .. وعاهدني عهداً حفظت لعهده .. وعشت وثيقاً صادقاً بمحبتي .. وحكمي في سائر الأرض كلها .. وفي الجن والأشباح والمردية .. وفي أرض صين الصين والشرق كلها .. لأقصى بلاد الله صحت ولايتي .. أنا الحرف لا أقرأ لكل مناظر .. وكل الورى من أمر ربي رعيتي .. وكم عالم قد جاءنا وهو منكر .. فصار بفضل الله من أهل خرقتي .. وما قلت هذا القول فخراً وإنما .. أتى الإذن كي لا يجهلون طريقتي “.

18 / التعليقة على المقرب
في القرن السابع الهجري قام بهاء الدين ابن النحاس النحوي بإملاء تلاميذه ما تيسر له من تعليقات على كتاب شهير في النحو وهو كتاب المقرب لابن عصفور الأشبيلي الأندلسي ، وعرفت هذه الأمالي باسم (شرح العلامة ابن النحاس على مقرب ابن عصفور في علم النحو) واشتهرت باسم آخر وهو (التعليقة على المقرب) ، وقد طبع في العصر الحديث تحت إشراف وزارة الثقافة بالأردن سنة 1424 هـ / 2004 م بتحقيق الدكتور جميل عبد الله عويضة.
ولد ابن النحاس في حلب عام 627 هـ / 1230 م ودرس النحو على مذهب البصريين ثم غادرها بعد الغزو المغولي حيث توجه إلى مصر وسكن بالمدرسة القطبية ونبغ في علوم اللغة العربية وتولى تدريس التفسير بجامع ابن طولون ثم عينه السلطان المنصور قلاوون في تدريس المدرسة المنصورية التي أنشأها وتوفي عام 698 هـ / 1299 م ودفن في القرافة بجوار تربة السلطان لاجين ، ومن أهم تلاميذه في مصر ابن رشيد السبتي وأبو حيان الغرناطي.
وقد ذكره تلميذه ابن رشيد السبتي في في كتاب الرحلة فقال : ” ولقيت بعد صلاة العصر من يوم الأحد المذكور يوم وصولنا إلى مصر الشيخ الإمام أبا عبد الله محمد بن إبراهيم بن محمد ابن أبي نصر الحلبي المشهور بابن النحاس ويلقب بهاء الدين ، أحد أعلام علماء الديار المصرية إمام في العربية والآداب والخلاف وله نظم رائق ونثر فائق، وكرم ذات وفضل أدوات ومروءة ظاهرة وخلق طاهرة، ورواء وبهاء.
سمع الحديث عن أبي المنجّى ابن اللتّي وقرأ كتاب سيبويه جميعه على علم الدين أبي محمد اللورقي ، وكنت قد سمعت بهذا الإمام فلما وافيت مصر استصحبت معي إلى مسجدها الأعظم في ذلك اليوم أحد الفقراء السفّارة من أصحابنا يدلني الطريق فبينا أنا إثر صلاة العصر أتطوّف في المسجد الجامع رأيت فيه حِلقاً بعضها لإقراء القرآن وبعضها للعلم.
فقال لي ذلك الفقير : أدن من هذه الحلقة فإني أرى أهلها ذوي احتشام ، فدنوت منها فرأيتهم قد أحدقوا بهذا الإمام فسلمت ودخلت الحلقة وجلست وأنا لا أعرف الشيخ فوجدته يتكلم في علم العربية فأخذت معهم بطرف مما كانوا يتكلمون فيه.
فالتفت إلي الشيخ فقال : من أين قدومك ، قلت : من المغرب ، قال : أمن الإسكندرية ؟ ، قلت : من أبعد ، قال : أمن تونس ؟ ، قلت : من أبعد ، فقال لي : فقل إذن من جُوِّ المغرب يعني من داخله! ، قلت : نعم ، فقال : من أي بلاده ؟ ، قلت : من سبتة ، فكان أول ما فاتحني به أن قال : أيعيش سيدنا أبو الحسين ابن أبي الربيع ؟ ، قلت : نعم.
فقال : ذاك شيخنا إفادة بوصول كتابه إلينا أو بوفادته علينا أو معنى هذا ، يعني شرحه لكتاب إيضاح الفارسي المسمى بالكافي في الإفصاح ، ثم قال لي : أقرأت عليه ؟ ، قلت : نعم ، قال : وما قرأت عليه ؟ ، فقلت : ما يقرأ طلاب العلم والعربية ، فاستفسرني فقلت : قرأت الجمل والإيضاح والكتاب.
فلما ذكرت له الكتاب قال : اعبر إلى جانبي ، فامتنعت فعزم علي وأقعدني إلى جانبه فجلست منضما حياء منه فقال : اجلس متسعا ، فجلست وتمادى على الإقراء فاختلست الكلام أثناء إقباله على من بين يديه من التلاميذ للإلقاء عليهم مع الذي كان عن يميني اختلاسا وقلت : مَن الشيخ ؟ فقال : بهاء الدين ابن النحاس.
فالتفت الشيخ وقد وثبتُ بين يديه فقال : لمَ ؟ ارجع إلى موضعك ، فقلت له : يا مولانا لم يعرف المملوك بين يديْ مَن هو ولو علم ما جلس هذا المجلس ولا تكلم ، فعزم عليّ في العود إلى مجلسي فعدت وأشار بالاطمئنان فاطمأننت.
فتقدم شاب ليقرأ دولته عليه فقال له الشيخ : دع دولتك اليوم فإني لم أنظر فيها ، فقال له الشاب : ومثلك يا مولانا يحتاج إلى نظر في مثل دولتي ! أو نحو هذا من الكلام ، فقال الشيخ : هب أن الأمر كذلك فدولة منظورة خير من دولة غير منظورة ، فقضيت العجب إذ مثل هذا في بلادنا المغربية يعد من النقص الكبير لما جبلوا عليه من الجهل الكثير.
فلما انفصل المجلس وقد دنت الشمس للغروب قام الشيخ فشيعته إلى باب المسجد ووقفت ليستوي على مركوبه فقال موعدنا في غد إن شاء الله بالقاهرة في مسجد الأقمر فهناك مجلس إقرائي ، وكان الشيخ له أيام يأتي فيها إلى مصر ليُدرس أهلها أظنها يومين في كل جمعة.
فبكّرت في يوم الاثنين إلى المجلس المذكور الذي تقدم الوعد إليه فألفيت جمعا من صدور أهل العلم قد اجتمعوا بين يديه من شيوخ وكهول وشبان وسمعت مآخذ ومذاكرة ومناظرة أقوى مما سمعت بالأمس ، فطال المجلس وأردت الانصراف فأشار بالجلوس إلى أن يتم المجلس ، فلما أراد القيام قام التلاميذ معه وأحدقوا به يقرؤون عليه في الطريق إلى منزله ما بقي من دولهم فدرّسهم طول الطريق إلى أن وافى منزله فدخل معه فريق وانفض فريق.
فأشار بالدخول وقدّم ما حضر من الطعام ثم لمّا فرغنا منه أقبل بالتأنيس وعرض علي جميع كتبه أو أكثرها كتابا كتابا حتى مللت وقال : حكمك فيها ماض وهي مباحة لك ، فشكرته أتم الشكر وعرفت أني لقيت جليل القدر فلا أزال أذكره أطيب الذكر “.
وترجم له الصفدي في الوافي بالوفيات فقال : ” بهاء الدّين ابْن النّحاس مُحَمَّد بن ابرهيم بن مُحَمَّد بن أبي نصر .. الشَّيْخ الْأَمَام الْعَلامَة حجَّة الْعَرَب بهاء الدّين أَبُو عبد الله ابْن النّحاس النَّحْوِيّ شيخ الْعَرَبيَّة بالديار المصرية ، سمع من ابْن اللتي والموفق بن يعِيش النَّحْوِيّ وَأبي الْقسم ابْن رَوَاحَة وَابْن خَلِيل ووالده وَقَرَأَ الْقُرْآن على أبي عبد الله الفاسي وَأخذ الْعَرَبيَّة عَن الشَّيْخ جمال الدّين مُحَمَّد بن عمرون.
وَدخل مصر لما خربَتْ حلب وَقَرَأَ الْقُرْآن على الْكَمَال الضَّرِير وَأخذ عَن بقايا شيوخها ثمَّ جلس للإفادة ، كَانَ حسن الْأَخْلَاق منبسطا على الْإِطْلَاق متسع النَّفس فِي حالتي الْغَنِيّ والإملاق ذكي الْفطر زكي المخالطة وَالْعشرَة مطرح التَّكَلُّف مَعَ أَصْحَابه عديم التَّخَلُّف عَن أشكاله وإضرابه وَمَعَ ذَلِك فَلم يرْزق أحد وجاهته فِي صُدُور الصُّدُور وَلَا فَرح أحد بسيادته الَّتِي آربت على تَمام البدور وَكَانَ مَعْرُوفا بِحل المشكلات مَوْصُوفا بإيضاح المعضلات كثير التِّلَاوَة والأذكار كثير الصَّلَاة فِي نوافل الأسحار موثوقا بديانته مَقْطُوعًا بأمانته.
وَأما علمه بِالْعَرَبِيَّةِ فإليه الرحلة من الأقطار وَمن فوايده تدْرك الْأَمَانِي وتنال الأمطار قد أتقن النَّحْو وتصريفه وَعلم حد ذَلِك ورسمه وتعريفه مَا أَظن ابْن يعِيش مَاتَ إِلَّا من حسده وَلَا ابْن عُصْفُور لأَجله طَار ذكره إِلَّا فِي بَلَده وَلَا المرسي رست لَهُ مَعَه قَوَاعِد وَلَا لأبي الْبَقَاء العكبري مَعَه ذكر خَالِد بذهن نحي النّحاس الْقَدِيم عَن مَكَانَهُ وَجعل ابْن بري برياً من فصاحة لِسَانه وَتَحْقِيق مَا اهْتَدَى ابْن جني إِلَى إِظْهَار خباياه وَلَا نسبت إِلَى السخاوي هباته وَلَا عطاياه.
تخرج بِهِ الأفاضل وتحرج مِنْهُ كل مناظر ومناضل وانتفع النَّاس بِهِ وبتعليمه وصاروا فضلاء من توقيفه وتفهيمه وَكتب خطا آزري بالوشى إِذا حبك وَالذَّهَب إِذا سبك وَلم يزل على حَاله إِلَى أَن بلغ من الْحَيَاة أمدها وأهدى الزَّمَان إِلَى عينه بفقده رمدها ، وَتُوفِّي رَحمَه الله تَعَالَى يَوْم الثلاثاء سَابِع جمدى الْآخِرَة سنة سبع وَعشْرين وست ماية وَكَانَ من الْعلمَاء الأذكياء الشُّعَرَاء لَهُ خبْرَة بالْمَنْطق وحظ من اقليدس وَكَانَ على مَا قيل يحفظ ثلث صِحَاح الْجَوْهَرِي.
وَكَانَ مطرحا صَغِير الْعِمَامَة يمشى فِي اللَّيْل بَين القصرين بقميص وطاقية فَقَط وَرُبمَا ضجر من الأشغال فَأخذ الطّلبَة وَمَشى بهم بَين القصرين والقى لَهُم الدُّرُوس وَكَانَ متين الدّيانَة وَله أبهة وجلالة فِي صُدُور النَّاس وَكَانَ بعض الْقُضَاة إِذا انْفَرد بِشَهَادَة حكمه فِيهَا وثوقا بديانته ، واقتنى كتبا نفيسة اخبرني الشَّيْخ نجم الدّين الصَّفَدِي وَكَانَ مِمَّن قَرَأَ عَلَيْهِ قَالَ قَالَ الشَّيْخ بهاء الدّين مَا يزَال عِنْدِي كتب بآلف دِينَار وأحضر سوق الْكتب دايما ولابد أَن يَتَجَدَّد لي علم بأتم كتاب مَا سَمِعت بِهِ انْتهى.
وَلم يتَزَوَّج قطّ وَكَانَت لَهُ أوراد من الْعِبَادَة وَكَانَ يسْعَى فِي حوايج النَّاس ويقضيهم وأخبرني القَاضِي الرئيس عماد الدّين ابْن القيسراني أَنه لم يكن يَأْكُل الْعِنَب قَالَ لِأَنَّهُ كَانَ يُحِبهُ فآثر أَن يكون نصِيبه فِي الْجنَّة ، وأخبرني الْحَافِظ ابْن سيد النَّاس فِي زكي بعض الْفُقَهَاء تَزْكِيَة عِنْد بعض الْقُضَاة مَا زكاها أحد قطّ لِأَنَّهُ أمسك بيد الَّذِي زَكَّاهُ وَقَالَ للْقَاضِي يَا مَوْلَانَا النَّاس مَا يَقُولُونَ مَا يُؤمن على الذَّهَب وَالْفِضَّة إِلَّا حمَار قَالَ نعم قَالَ وَهَذَا حمَار وَانْصَرف فَحكم القَاضِي بعدالة ذَلِك الْفَقِيه.
واخبرني أَيْضا أَن الْأَمِير علم الدّين الشجاعي لما فرغت الْمدرسَة المنصورية بَين القصرين فِي أَيَّام السُّلْطَان الْملك الْمَنْصُور قلاون طلبه الْأَمِير الْمَذْكُور فَتوجه إِلَيْهِ وعمامته صَغِيرَة بكراتة على مصطلح أهل حلب فَلَمَّا جلس عِنْده وَلم يكن رَآهُ أَخذ الْأَمِير يتحدث بالتركي مَعَ بعض مماليكه قَالَ يَا أَمِير الْمَمْلُوك يعرف بالتركي فأعجب الْأَمِير هَذِه الْحَرَكَة مِنْهُ وَقَالَ لَهُ السُّلْطَان قد فوض إِلَيْك تدريس التَّفْسِير بالقبة ونهار غَد يحضر السُّلْطَان والأمراء والقضاة وَالنَّاس فغداً تحضر وتكبر عمامتك هَذِه قَلِيلا.
فَانْصَرف وَلما كَانَ من الْغَد رَآهُ الْأَمِير علم الدّين من بعيد وَهُوَ جايز إِلَى الْمدرسَة بِتِلْكَ الْعِمَامَة فَجهز إِلَيْهِ يَقُول مَا قلت لَك تكبر عمامتك قَلِيلا ، فَقَالَ يَا مَوْلَانَا تعلموني مسخرة وأراد أَن يرجع فَقَالَ الْأَمِير علم الدّين دَعوه يدْخل فَلَمَّا جلس مَعَ النَّاس نظر الْملك الْمَنْصُور إِلَى الَّذين هُنَاكَ فَقَالَ هَذَا مَا هُوَ الشَّيْخ بهاء الدّين ابْن النّحاس قَالُوا نعم فَقَالَ هَذَا أعرفه لما كنت سَاكن فِي الْمَدِينَة وَالنَّاس يقرأون عَلَيْهِ وشكر الشجاعي على إِحْضَاره قَالَ الشَّيْخ فتح الدّين فَلم يعرف السُّلْطَان غَيره وَلَا اثْنَي الا عَلَيْهِ.
واخبرني عَنهُ غير وَاحِد أَنه لم يزل عِنْده فِي بَيته من أَصْحَابه وَمن الطّلبَة من يَأْكُل على مَايدته لَا يدّخر شَيْئا وَلَا يخبأه عَنْهُم وَهنا أنَاس يَلْعَبُونَ الشطرنج وَهنا أنَاس يطالعون وكل وَاحِد فِي شَأْنه لَا يُنكر على أحد شَيْئا ، وَلم تزل أخلاقه مرتاضة حَتَّى يكون وَقت الِاشْتِغَال يتنكر وَكَانَ لَا يتَكَلَّم فِي حل النَّحْو للطلبة إِلَّا بلغَة الْعَوام لَا يُرَاعى الْأَعْرَاب.
واخبرني الْأَمَام أثير الدّين وَعَلِيهِ قَرَأَ بالديار المصرية قَالَ كَانَ الشَّيْخ بهاء الدّين وَالشَّيْخ محيي الدّين مُحَمَّد ابْن عبد الْعَزِيز المازوني الْمُقِيم بالإسكندرية شيخى الديار المصرية وَلم ألق أحدا أَكثر سَمَاعا مِنْهُ لكتب الْأَدَب وَانْفَرَدَ بِسَمَاع صِحَاح الْجَوْهَرِي وَكَانَ كثير الْعِبَادَة والمروءة والترحم على من يعرفهُ من أَصْحَابه لَا يكَاد يَأْكُل شَيْئا وَحده ينْهَى عَن الْخَوْض فِي العقايد وَله ترداد إِلَى من ينتمي إِلَى الْخَيْر.
ولي التَّفْسِير بِجَامِع ابْن طولون وبالقبة المنصورية وَله تصدير فِي الْجَامِع الْأَقْمَر وتصادير بِمصْر وَلم يصنف شَيْئا إِلَّا مَا وَجَدْنَاهُ من إملايه على الْأَمِير سِنَان الدّين الرُّومِي شرحا لكتاب المقرب لِابْنِ عُصْفُور وَذَلِكَ من أول الْكتاب إِلَى بَاب الْوَقْف أَو نَحوه “.

19 / ديوان ابن الرعاد المحلي
يعد الأديب ابن الرعاد المحلي من أشهر شعراء المحلة الكبرى في العصر المملوكي ، وهو زين الدين محمد بن رضوان بن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري والمعروف بلقب الخياط ولقب ابن الرعاد ، عاش في المحلة الكبرى في القرن السابع الهجري وكان يعمل في مهنة الخياطة وبرع فيها حتى اغتنى فبنى لنفسه دارا كبيرة واقتنى مكتبة عامرة واشتغل بالتأليف في علوم اللغة العربية ونظم الشعر اللطيف واشتهر بين أدباء عصره.
ولد في القاهرة عام 658 هـ / 1260 م وتوفي بالمحلة الكبرى علم 700 هـ / 1301 م وينتسب إلى قبيلة عذرة القضاعية التي نبغ منها شاعر الحجاز والفسطاط جميل بن معمر المعروف بلقب جميل بثينة ، وقد اشتهرت قبيلتهم بأشعار العشق حتى نسب إليهم فيقال : الحب العذري ، ذكر ابن تغري بردي أشهر أبياته الشعرية في كتابه حلية الصفات في الأسماء والصناعات ووصفه بقوله : (محمد بن رضوان الخياط بالمحلة المعروف بابن الرعاد).
وذكره المؤرخ صلاح الدين الصفدي في أعيان العصر والوافي بالوفيات وقال عنه أنه كان في غاية الصيانة والعفة واقتنى من صناعة الخياطة كتبا نفيسة واستحسن شعره فقال : ” ابن الرعاد : محمد بن رضوان بن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري المعروف بابن الرعاد بالراء والعين المشددة وبعد الألف دال مهملة يدعى زين الدين ، أخبرني الشيخ أثير الدين قال : كان المذكور خياطا بالمحلة من الغربية وله مشاركة في العربية وأدب لا بأس به وكان في غاية الصيانة والترفع عن أهل الدنيا والتودد إليهم واقتنى من صناعة الخياطة من الكتب وابتنى دارا حسنة بالمحلة.
وتوفي بالمحلة رأيته بها مرارا وأنشدني لنفسه قال أنشدها الشيخ بهاء الدين ابن النحاس : سلم على المولى البهاء وصف له .. شوقي إليه وأنني مملوكه .. أبدا يحركني إليه تشوق .. جسمي به مشطوره منهوكه .. لكن نحلت لبعده فكأنني .. ألف وليس بممكن تحريكه ، وأنشدني لنفسه : رأيت حبيبي في المنام معانقي .. وذلك للمهجور مرتبة عليا .. وقد رق لي من بعد هجر وقسوة .. وما ضر إبراهيم لو صدق الرؤيا.
وأنشدني لنَفسِهِ : نَار قلبِي لَا تقري لهباً .. وامنعي أجفان عَيْني أَن تناما .. فَإِذا نَحن اعتنقنا فارجعي .. نَار إِبْرَاهِيم بردا وَسلَامًا ، وأنشدني لنَفسِهِ : قَالُوا وَقد شاهدوا نحولي .. إِلَى ما فِي ذَا الغرام تشقى .. فنيت أَو كدت فِيهِ تفنى .. وَأَنت لَا تستفيق عشقا .. فَقلت لَا تعجبوا لهَذَا .. مَا كَانَ لله فَهُوَ يبْقى ، قلت شعر جيد منسجم “.
وذكره ابن حجر العسقلاني في كتابه الدرر الكامنة بأعيان المئة الثامنة فقال : ” مُحَمَّد بن رضوَان بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن العذرى الْمحلى زين الدّين بن الرعاد كَانَ أديبا فَاضلا يكْتَسب بالخياطة ويتعفف ويتفف وَكَانَ قد لقى أَبَا عَمْرو بن الْحَاجِب وَقَرَأَ عَلَيْهِ فِي الْعَرَبيَّة ومدح بهاء الدّين ابْن النّحاس بِأَبْيَات.
ولقيه أَبُو حَيَّان وَأنْشد لَهُ فِي مجاني الْعَصْر عدَّة مقاطيع حسان فَمِنْهَا : نَار قلبِي لَا تقري لهباً .. وامنعي أجفان عينى أَن تناما .. فَإِذا نَحن اعتنقنا فارجعي .. نَار إِبْرَاهِيم بردا وَسلَامًا ، وَله : اشكو إِلَى الله قصاصا يجرعنى .. بالصد والهجر أنواعا من الْغصَص .. أَن تحسن القص يمناه فمقلته أَيْضا تقص علينا أحسن الْقَصَص ، وَله : رَأَيْت حَبِيبِي فِي الْمَنَام معانقى .. وَذَلِكَ للمهجور مرتبَة عليا .. وَقد جاد لي من بعد هجر وقسوة .. وَمَا ضرّ إِبْرَاهِيم لَو صدق الرُّؤْيَا.
قَالَ أَبُو حَيَّان أَخْبرنِي ابْن الرعاد قَالَ : لما كَانَ الخوئي قَاضِي الْمحلة أرسل إِلَيّ يَقُول أعد إِلَيّ الْكتاب الَّذِي استعرته مني فَقلت لَهُ لم أستعر من اُحْدُ كتابا قطّ فَأَعَادَ السُّؤَال فَكتبت إِلَيْهِ : غنيتم فأطغاكم غناكم فأغنتنا .. قناعتنا عَنْكُم وَمن قنع استغني .. إِلَّا مَا لكم سدتم فَسَاءَتْ ظنونكم .. وَمن عَادَة الساداة أَن يحسنوا الظنا .. عَسى سفرة شرقية حلبية .. تروح بكم منا وتغدو بكم عَنَّا ، قَالَ فَمَا استتم قرَاءَتهَا إِلَّا وَقد وصل البريدي يَطْلُبهُ أَن يتَوَجَّه إِلَى حلب قَاضِيا ، مَاتَ على رَأس السبعمائة “.
وذكره الإدفوي في كتابه البدر السافر عن أنس المسافر فقال : ” محمد بن رضوان بن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري المحلى، ينعت بالزين، ويعرف بابن الرعَّاد ، كان نحويًا أديبًا شاعرًا أخذ النحو عن العلامة أبي عمرو ابن الحاجب وكان خياطًا بالمحلة صيِّنًا مترفِّعًا عن أبناء الدنيا لا يتردد إليهم .. توفي بالمحلَّة مدينة الغربية في سنة سبع مئة ” ، وذكر جملة من أشعاره منها قوله : أعد نظرًا فما في الخد نبتٌ .. حماه الله من ريب المنون .. ولكن رقَّ ماء الوجه حتى أراك مثال أهداب الجفون.
وذكر السيوطي في كتابه بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة أن مولده بِالْقَاهِرَةِ سنة ثَمَان وَخمسين وسِتمِائَة وَأنه مَات بالمحلة سنة سَبْعمِائة وذكر من أشعاره قوله : إِنِّي إِذا مَا كَانَ لي صاحبٌ .. أرعاه فِي الْغَائِب وَالشَّاهِد .. أصدقه الود فَإِن ذمني .. لم أكُ غير الشاكر الحامد .. وَلست أرْضى أَن أكون امْرأ .. يُقَابل الْفَاسِد بالفاسد.
وَفِيه يَقُول الشَّيْخ شرف الدّين البوصيري صَاحب الْبردَة : لقد عَابَ شعري فِي الْبَريَّة شاعرٌ .. وَمن عَابَ أشعاري فَلَا بُد أَن يهجى .. فشعري بحرٌ لَا يرى فِيهِ ضفدعٌ .. وَلَا يسْلك الرعاد يَوْمًا لَهُ لجَّا ، وذلك ردا على أبيات لابن الرعاد نقد فيها بعض أشعار البوصيري.

20 / الإلمام بأحاديث الأحكام
في سفح جبل المقطم ضريح واحد من أعلام القضاء والفتوى في مصر الإسلامية ألا وهو قاضي القضاة شيخ الإسلام الحافظ الفقيه المحدث الإمام أبو الفتح تقي الدين محمد بن علي بن وهب بن مطيع بن أبي الطاعة القشيري القوصي المعروف بلقب (ابن دقيق العيد) ، وهو تلميذ الشيخ العز بن عبد السلام واعتبره تاج الدين السبكي في طبقاته أنه مجدد الإسلام على رأس المائة الهجرية السابعة.
وهو نجل الشيخ مجد الدين أبي الحسن علي بن وهب القشيري شيخ أهل الصعيد في القرن السابع الهجري ، وترجع أصولهم إلى فرع من قبيلة بني قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة الهوازنية القيسية والتي سكنت منفلوط ثم قوص ، ولد في ينبع أثناء خروج الأسرة لأداء مناسك الحج في عام 625 هـ / 1228 م وتوفي في الفسطاط عام 702 هـ / 1302 م وحضر جنازته نائب السلطنة والأمراء.
واكتسب لقب (ابن دقيق العيد) من جده الأعلى الذي عرف بعمامته البيضاء الكبيرة ، تعلم على يد شيوخ عصره وجمع بين مذهبي مالك والشافعي وانتهت إليه رياسة الفقه وقام بالتدريس بالمدرسة الفاضلية والكاملية والصالحية والناصرية وهي أكبر مدارس عصره وتولى منصب قاضي القضاة ، وحظي باحترام الحكام وروي أن السلطان حسام الدين لاجين كان يقبل يده ويقف له إجلالا.
من مؤلفاته كتاب الإلمام بأحاديث الأحكام وشرحه وكتاب إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام وشرح لكتاب التبريزي في الفقه وشرح مقدمة المطرزي في أصول الفقه ، كما شرح مختصر ابن الحاجب في الفقه ووضع في علوم الحديث كتاب الاقتراح في معرفة الاصطلاح وله تصانيف في أصول الدين وديوان شعر ، قال عنه الصلاح الكتبي : (كان إمامًا متفننًا محدِّثًا مجوِّدًا فقيهًا مدققًا أصوليًا أديبًا شاعرًا).
والده هو إمام الصعيد الشيخ مجد الدين القشيري صاحب الضريح المعروف بمدينة قوص وناظر المدرسة النجيبية فيها والمتوفي عام 667 هـ والذي جمع بين العلم والعمل والعبادة والورع والتّقوى والزّهادة ، وأخوه هو سراج الدين موسى كان فقيها نظارا شاعرا تصدر بقوص لنشر العلوم والفتوى وصنف (المغنى فى الفقه) وتوفي 685 هـ ، وابنه هو محب الدين علىّ ولد بقوص وكان فاضلا ذكيا شرح (التعجيز) شرحا جيدا وولى تدريس الهكارية والسيفية وهو زوج ابنة أمير المؤمنين الحاكم بأمر الله العباسي وتوفي 706 هـ.
وقد اشتهر كتابه (الإلمام بأحاديث الأحكام) وأثنى عليه معاصروه ومن بعدهم حيث جمع فيه من الأحاديث النبوية المتعلقة بأحكام الفقه العملية اللازمة لشئون التقاضي خاصة في مسائل البيوع والقروض والديون وبيع الأصول والرهن والتفليس والشركة والإيجار والشفعة وكذلك الأحوال الشخصية مثل الزواج والصداق والطلاق والحضانة وفي مجال الجنايات مثل الديات والعقوبات ، ثم قام بشرح الجزء الأول منه شرحا مستفيضا استعرض فيه مهاراته اللغوية وثقافته الواسعة.
وفي مقدمة هذا الشرح يقول محمد خلوف العبد الله محقق الكتاب : ” كتاب (الإمام في معرفة أحاديث الأحكام) للإمام المجتهد المجدِّد ابن دقيق العيد – رحمه الله – لا نظير له في الكتب المصنَّفة في الأحكام الجامعة بين الحلال والحرام حتى قال عنه : أنا جازم أنه ما وُضِعَ في هذا الفنِّ مثلُه ، وهو القائل أيضاً : ما وقفتُ على كتاب من كتب الحديث وعلومه المتعلقة به، سُبِقْتُ بتأليفه وانتهى إليَّ إلَّا وأودعتُ منه فائدةً في هذا الكتاب ، ولذا قال عنه شيخُ الإسلام ابنُ تيمية : هو كتاب الإسلام ، وقال : ما عَمِلَ أحدٌ مثلَه ولا الحافظُ الضِّياءُ ولا جدِّي أبو البركات.
ثم إنَّه – رحمه الله – قد اختصرَ كتابَه هذا، لَمَّا رأى استخشانَ بعضِ أهل عصره لإطالته ، فصنف (الإلمام بأحاديث الأحكام) وهو من أجلِّ كتابٍ وُضِع في أحاديث الأحكام يحفظُه المبتدئ المستفيدُ ويناظِرُ فيه الفقيهُ المفيدُ ، ومن فَهِمَ مغزاه شدَّ عليه يدَ الضِّنانة وأنزله من قلبه وتعظيمهِ الأعزَّين مكاناً ومكانة ، وقد شرطَ فيه مؤلِّفُه أن لا يوردَ إلا حديثَ من وثَّقه إمام من مزكِّي رواة الأخبار وكان صحيحاً على طريقة بعض أهل الحديث الحفَّاظ أو أئمة الفقه النظَّار.
ثم إنه – رحمه الله – قد شرح هذا الكتاب أعني (الإلمام) شرحاً عظيماً وصل فيه إلى نهاية باب صفة الوضوء أتى فيه بالعجائب الدالة على سَعَة دائرته في العلوم خصوصاً في الاستنباط كما قال الحافظُ ابنُ حجر ، وقيمة هذا الكتاب (شرح الإلمام بأحاديث الأحكام) تتجلَّى لمُطالعه حالما ينظر فيه فقد أسفر فيه المؤلف عن نكت وفوائد بديعة وأورد فيه من النوادر والمباحث الدقيقة ما يأخذ بالألباب وأوضح فيه منهجاً سليماً قوياً في كيفية الاستدلال والاستنباط من السنة والكتاب ، وأبرز فيه من التقريرات والتوجيهات الأصولية ما انفرد به عن نظرائه وفاق كثيراً من قرنائه وأفصح فيه عن كثير من العلوم الخادمة لفهم النصوص الشرعية كعلوم العربية والمباحث المنطقية والأصولية والقواعد العقلية “.
ويقول ابن دقيق العيد في مقدمة كتابه شارحا سبب التأليف : ” بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم رب يسر وأعن بِخَير .. قَالَ الشَّيْخ الْفَقِيه الإِمَام الْعَالم الْعَامِل المحدِّث الْحَافِظ تَقِيّ الدَّين أَبُو الْفَتْح مُحَمَّد بن الشَّيْخ الْفَقِيه الْأمة الإِمَام الْعَالم الْعَامِل الْوَرع الزَّاهِد مجد الدَّين أَبُو الْحسن عَلّي بن وهب بن مُطِيع الْقشيرِي رَحِمَهُ اللَّهُ الْمَعْرُوف بِابْن دَقِيق الْعِيد عَفا الله عَنهُ آمين :
الْحَمد لله منزل الشَّرَائِع وَالْأَحْكَام ومفصل الْحَلَال وَالْحرَام وَالْهَادِي من اتبع رضوانه سبل السَّلَام وَأشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ توحيداً هُوَ فِي التَّقْرِير مُحكم النظام وَفِي الْإِخْلَاص وافر الْأَقْسَام ، وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله الَّذِي أرْسلهُ رَحْمَة للأنام فَعَلَيهِ مِنْهُ أفضل صلاةٍ وأكمل سَلام ثمَّ عَلَى آله الطيبين الْكِرَام وَأَصْحَابه نُجُوم الْهدى الْأَعْلَام.
وَبعد ؛ فَهَذَا مُخْتَصر فِي علم الحَدِيث تَأَمَّلت مَقْصُوده تأملاً وَلم أدعُ الْأَحَادِيث إِلَيْهِ الجَفَلا وَلَا ألَوْتُ فِي وَضعه محرراً وَلَا أبرزته كَيفَ اتّفق تهوراً ، فَمن فهم مغزاه شدّ عَلَيْهِ يَد الضِّنانة وأنزله من قلبه وتعظيمه الأعزين مَكَانا ومكانة وسميته بِكِتَاب الْإِلْمَام بِأَحَادِيث الْأَحْكَام.
وشرطي فِيهِ أَن لَا أورد إِلَّا حَدِيث من وثَّقه إِمَام من مزكي رُوَاة الْأَخْبَار وَكَانَ صَحِيحا عَلَى طَريقَة بعض أهل الحَدِيث الْحفاظ أَو أَئِمَّة الْفِقْه النظار ، فَإِن لكل مِنْهُم مغزىً قَصده وسلكه وطريقاً أعرض عَنهُ وَتَركه ، وَفِي كل خير ، وَالله تَعَالَى ينفع بِهِ دينا ودُنيا ويجعله نورا يسْعَى بَين أَيْدِينَا وَيفتح فِيهِ لدارسيه فِيهِ حفظا ويبلغنا ببركته منزلَة من كرامته عظمى إِنَّه الفتاح الْعَلِيم الْغَنِيّ الْكَرِيم “.
ويقول في مقدمة الشرح : ” وبعد ، فإنَّ التفقُّهَ في الدين منزلةٌ لا يخفى شرفُها وعلاها ولا تَحتجِبُ عن العقل طوالعُها وأضواها وأرفعُها بعدَ فهم كتابِ الله المنزَّلِ البحثُ عن معاني حديثِ نبيِّهِ المرسلِ إذ بذلك تثبتُ القواعدُ ويستقر الأساس وعنه يصدر الإجماعُ ويقوم القياس ، وما تقدَّم شرعًا تعيَّنَ تقديمُهُ شروعًا وما كان محمولاً على الرأس لا يَحسُن أن يجعلَ موضوعًا لكنَّ شرطَ ذلك عندنا أن يحفظَ هذا النظامُ ويُجعلَ الرأيُّ هو المؤتمُّ والنصُّ هو الإِمام وتُردُّ المذاهبُ إليه وتضمُّ الآراء المنتشرةُ حتى تقفَ بين يديه.
وأما أن يُجعلَ الفرعُ أصلًا بردِّ النص إليه بالتكلُّف والتحيُّل ويُحملَ على أبعدَ المحاملِ بلطافة الوهم وسَعَةِ التخيُّل ويُركبَ في تقرير الآراء الصعبُ والذَّلولُ ويعملَ من التأويلات ما تنفرُ عنه النفوسُ وتستنكره العقولُ فذلك عندنا من أردأ مذهبٍ وأسوأ طريقة ولا يُعتقَدُ أنه تَحصُلُ معه النصيحةُ للدين على الحقيقة وكيف يقع أمرٌ مع رجحان مُنافيه وأنَّى يصحُّ الوزن بميزانٍ مَالَ أحدُ الجانبين فيه ؟ ومتى يُنصف حاكمٌ مَلَكَتْهُ عصبيةٌ العصبيةَ ؟ وأين يقع الحقُّ من خاطر أخذته العزَّةُ بالحميَّة ؟ وأنَّى يُحكَمُ بالعدلْ عند تعادل الطرفين ؟ ويظهرُ الجَور عند تَقايُل المُتحرِّفَين ؟!
هذا ولما خرج ما أخرجته من كتاب (الإمام في معرفة أحاديث الأحكام) وكان وضعُه مقتضيًا للاتساع ومقصودُه موجبًا لامتداد الباع عَدَل قومٌ عن استحسان إطابته إلى استخشان إطالته ونظروا إلى المعنى الحامل عليه فلم يُفضوا بمناسبته ولا إخالته، فأخذتُ في الإعراض عنهم بالرأي الأحزم وقلتُ عند سماع قولهم : شِنْشِنة أعرفُها مِنْ أَخْزَمِ ، ولم يكن ذلك مانعًا لي من وصل ماضيه بالمستقبل ولا موجبًا لأَنْ أقطعَ ما أمر الله به أنْ يُوصل : فَمَا الكَرَجُ الدُّنيا ولا النَّاسُ قَاسِمُ.
والأرضُ لا تخلو من قائم لله بالحجة والأمةُ الشريفة لابدَّ فيها من سالك إلى الحق على واضح المحَجَّة إلى أن يأتيَ أمرُ الله في أشراط الساعة الكُبرى ويتتابع بعدَه ما لا يبقى معه إلا قدومُ الأخرى غير أنَّ ذلك الكتابَ كتابُ مطالعة ومراجعة عند الحاجة إليه لا كتابَ حفظ ودرس يُعتكف في التكرار عليه ، فصنفت مختصراً لتحفـيــظِ الدارسين وجمعت رأس مال لإنفاق المدرسين وسميته بالإلمام بأحاديث الأحكام ، وهذا التعليق الذي نشرعُ فيه الآن بعون الله فنشرح ما فيه من السنن على وجوهٍ نقصدها ومقاصدَ نعتمدها “.
وقد وصفه الإدفوي في الطالع السعيد بقوله : ” محمد بن علىّ بن وهب بن مطيع ابن أبى الطّاعة القشيرىّ أبو الفتح تقىّ الدّين التقىّ ذاتا ونعتا والسّالك الطريق التى لا عوج فيها ولا أمتا والمحرز من صفات الفضل فنونا مختلفة وأنواعا شتّى والمتحلّى بالحالتين الحسنيين صمتا وسمتا الشّيخ الإمام علّامة العلماء الأعلام وراوية فنون الجاهليّة وعلوم الإسلام.
ذو العلوم الشرعيّة والفضائل العقليّة والفنون الأدبيّة والمعارف الصوفيّة والباع الواسع فى استنباط المسائل والأجوبة الشافية لكلّ سائل والاعتراضات الصحيحة التى يجعلها الباحث لتقرير الإشكالات وسائل والخطب الصّادعة الفصيحة البليغة التى تستفاد منها الرّسائل ، إن عرضت الشّبهات أذهب جوهر ذهنه ما عرض أو اعترضت المشكلات أصاب شاكلتها بسهم فهمه فأصاب الغرض إن خطب أسهب فى البلاغة وأطنب فى البراعة أو كتب فوحى الكلام ينزل على اليراعة.
فلّله درّه إذ ارتفع بنفسه وإن كان له من أبويه ما يقتضى الارتفاع وعلا على أبناء جنسه فكان من رفعة المنزلة فى المكان اليفاع إن ذكر التّفسير فمحمد فيه محمود المذهب أو الحديث فالقشيرىّ فيه صاحب الرقم المعلم والطّراز المذهب أو الفقه فأبو الفتح العزيز الإمام الذى إليه الاجتهاد ينسب أو الأصول فأين ابن الخطيب من الخطيب ؟ ، وهل يقرن المخطئ بالمصيب ؟ ، أو الآداب فإن اقتصرت قلت نابغة زمانه وإن اختصرت قلت حبيب ، لم يشغله عن النّظر فى العلوم كثرة المناصب ولا ألهاه علوّ المراتب ولا صرفه عن التصرّف فيه لذّة المطاعم وعذوبة المشارب ، طال ما لازم السّهر حتّى أسفر وجه الإصباح مشتغلا بالذّكر والفكر لا بذوات الألفاظ الفصاح والوجوه الصّباح “.
وقال تلميذه ابن سيد الناس في عبارة بليغة : ” لم أر مثله فيمن رأيت ، ولا حملت عن أجلَّ منه فيما رأيت ورويت ، وكان للعلوم جامعاً ، وفي فنونها بارعاً ، مُقدَّماً في معرفة علل الحديث على أقرانه ، منفرداً بهذا الفن النفيس في زمانه ، بصيراً بذلك ، سديدَ النظر في تلك المسالك ، بأذكى ألمعيَّة ، وأزكى لوذعيَّة ، لا يُشَق له غبار ، ولا يجري معه سواه في مِضْمار ، وكان حسنَ الاستنباط للأحكام والمعاني من السنة والكتاب ، وفكر يفتح له ما يستغلق على غيره من الأبواب ، مستعينا على ذلك بما رواه من العلوم ، مستبيناً ما هنالك بما حواه من مدارك الفهوم ، مُبَرِّزاً في العلوم النقلية والعقلية ، والمسالك الأثرية ، والمدارك النظرية “.
وأثنى عليه العلماء حيث قال ابن الزملكاني : إمام الأئمة في فنه ، وعلامة العلماء في عصره ، بل ولم يكن من قبله من سنين مثله في العلم والدين والزهد والورع ، تفرد في علوم كثيرة ، وكان يعرف التفسير والحديث ، وكان يحقق المذهبين تحقيقاً عظيماً ، ويعرف الأصلين والنحو واللغة ، وإليه النهاية في التحقيق والتدقيق والغوص على المعاني ، أقرَّ له الموافق والمخالف ، وعظَّمته الملوك ، وكان صحيحَ الاعتقاد ، قوياً في ذات الله ، وليس الخبر كالعِيَان.
وقال قطب الدين الحلبي : كان ممن فاق بالعلم والزهد ، عارفاً بالمذهبين ، إماماً في الأصلين ، حافظاً في الحديث وعلومه ، يُضْرب به المثل في ذلك ، وكان آية في الإتقان والتحري ، شديدَ الخوف ، دائمَ الذِّكر ، وقال تاج الدين السبكي : الشيخ الإمام ، شيخ الإسلام ، الحافظ الزاهد الورع النَّاسك ، المجتهد المُطْلَق ، ذو الخبرة التامة بعلوم الشريعة ، الجامع بين العلم والدين ، وقال ابن كثير : الشيخ الإمام العالم العلامة الحافظ ، قاضي القضاة ، انتهت إليه رياسة العلم في زمانه ، وفاق أقرانه ، ورحل إليه الطلبة.
وقال الصَّفَدِي : الشيخ الإمام العلامة ، شيخ الإسلام ، أحد الأعلام ، قاضي القضاة كان إماماً متفنناً محدثاً مجوداً ، فقيهاً مدققاً أصولياً ، أديباً نحوياً شاعراً ناثراً ، ذكياً ، غوَّاصاً على المعاني ، مجتهداً ، قل أن ترى العيونُ مثلَه ، قال ابن ناصر الدين الدمشقي : الحافظ العلامة الإمام ، أحد شيوخ الإسلام ، كان إماماً حافظاً فقيها مالكياً شافعياً ، ليس له نظير ، وكان آية في الإتقان والتحري والتحرير ، قال السيوطي : الإمام الفقيه الحافظ ، المحدث العلامة ، المجتهد ، شيخ الإسلام “.
وترجم له ابن حجر العسقلاني في الدرر الكامنة فقال : ” محَمَّد بن عَليّ بن وهب بن مُطِيع بن أبي الطَّاعَة المنفلوطي الأَصْل الْمصْرِيّ القوصي المنشأ الْمَالِكِي ثمَّ الشَّافِعِي نزيل الْقَاهِرَة ولد فِي شعْبَان بِنَاحِيَة يَنْبع فِي الْبَحْر سنة 625 وَسمع بِمصْر من أبي الْحسن بن المقير وَابْن رواج والسبط ورحل إِلَى دمشق فَسمع عَن أَحْمد بن عبد الدَّائِم والزين خَالِد وَغَيرهمَا وَخرج لنَفسِهِ أَرْبَعِينَ تساعية حدث فِيهَا عَن ابْن الجميزي وَنَحْوه وَأخذ أَيْضا عَن الرشيد الْعَطَّار والزكي الْمُنْذِرِيّ وَابْن عبد السَّلَام.
وصنف الْإِلْمَام فِي أَحَادِيث الْأَحْكَام وَشرع فِي شَرحه فَخرج مِنْهُ أَحَادِيث يسيرَة فِي مجلدين أَتَى فيهمَا بالعجائب الدَّالَّة على سَعَة دائرته فِي الْعُلُوم خُصُوصا فِي الاستنباط وَجمع كتاب الإِمَام فِي عشْرين مجلدة عدم أَكْثَره بعده وصنف الاقتراح فِي عُلُوم الحَدِيث وَشرح مُقَدّمَة المطرزى فِي أصُول الْفِقْه وَشرح بعض مُخْتَصر ابْن الْحَاجِب فِي الْفِقْه.
قَالَ الذَّهَبِيّ كَانَ إِمَامًا متفنناً مجوداً محرراً فَقِيها مدققاً أصولياً مدْركا اديبا ذكياً غواصاً على الْمعَانِي وافر الْعقل كثير السكينَة تَامّ الْوَرع مديم السّنَن مكباً على المطالعة وَالْجمع سَمحا جواداً زكي النَّفس نزر الْكَلَام عديم الدَّعْوَى لَهُ الْيَد الطُّولى فِي الْفُرُوع وَالْأُصُول وبصير بِعلم الْمَنْقُول والمعقول وَغلب عَلَيْهِ الوسواس فِي الْمِيَاه والنجاسة وَله فِي ذَلِك أَخْبَار وَيُقَال أَن جده لأمه الشَّيْخ تَقِيّ الدّين المفرج الأصولي الْمَشْهُور كَانَ يشدد ويبالغ فِي الطَّهَارَة.
تفقه بِأَبِيهِ وَابْن عبد السَّلَام وَغَيرهمَا واشتهر اسْمه فِي حَيَاة مشايخه وشاع ذكره وَتخرج بِهِ أَئِمَّة وَكَانَ لَا يسْلك المراء فِي بَحثه بل يتَكَلَّم كَلِمَات يسيرَة بسكينة وَلَا يُرَاجع قَالَ تَقِيّ الدّين بن رَافع حَدثنَا عبد الْكَافِي بن عَليّ بن تَمام السُّبْكِيّ قَالَ حكى لي الشَّيْخ قطب الدّين السنباطي قَالَ قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين لكاتب الشمَال سِنِين لم يكْتب عَليّ شَيْئا وَقَالَ قطب الدّين الْحلَبِي كَانَ مِمَّن فاق بِالْعلمِ والزهد عَارِفًا بالمذهبين إِمَامًا فِي الْأَصْلَيْنِ حَافِظًا فِي الحَدِيث وعلومه يضْرب بِهِ الْمثل فِي ذَلِك.
وَكَانَ آيَة فِي الإتقان والتحري شَدِيد الْخَوْف دَائِم الذّكر لَا ينَام من اللَّيْل إِلَّا قَلِيلا يقطعهُ مطالعة وذكراً وتهجداً وَكَانَت أوقاته كلهَا معمورة قَالَ وَكَانَ شفوقاً على المشتغلين كثير الْبر لَهُم قَالَ أَتَيْته بِجُزْء سَمعه من ابْن رواج والطبقة بِخَطِّهِ فَقَالَ حَتَّى انْظُر فِيهِ ثمَّ عدت إِلَيْهِ فَقَالَ هُوَ خطي وَلَكِن مَا أحقق سَمَاعه وَلَا أذكرهُ وَلم يحدث بِهِ وَكَذَلِكَ لم يحدث عَن ابْن المقير مَعَ صِحَة سَمَاعه مِنْهُ لَكِن شكّ هَل نعس حَال السماع أم لَا.
قَالَ الذَّهَبِيّ بَلغنِي أَن السُّلْطَان لاجين لما طلع إِلَيْهِ الشَّيْخ قَامَ لَهُ وخطا من مرتبته وَقَالَ البرزالي مجمع على غزارة علمه وجودة ذهنه وتفننه فِي الْعُلُوم واشتغاله بِنَفسِهِ وَقلة مخالطته مَعَ الدّين المتين وَالْعقل الرصين قَرَأَ مَذْهَب مَالك ثمَّ مَذْهَب الشَّافِعِي ودرس بالفاضلية فيهمَا وَهُوَ خَبِير بصناعة الحَدِيث عَالم بالأسماء والمتون واللغات وَالرِّجَال وَله الْيَد الطُّولى فِي الْأَصْلَيْنِ والعربية وَالْأَدب.
نَشأ بقوص وَتردد إِلَى الْقَاهِرَة وَكَانَ شيخ الْبِلَاد وعالم الْعَصْر فِي آخر عمره وَيذكرأَنه من ذُرِّيَّة بهز بن حَكِيم الْقشيرِي وَكَانَ لَا يُجِيز إِلَّا بِمَا حدث بِهِ وَقَالَ ابْن الزملكاني إِمَام الْأَئِمَّة فِي فنه وعلامة الْعلمَاء فِي عصره بل وَلم يكن من قبله من سِنِين مثله فِي الْعلم وَالدّين والزهد والورع تفرد فِي عُلُوم كَثِيرَة وَكَانَ يعرف التَّفْسِير والْحَدِيث وَكَانَ يُحَقّق المذهبين تَحْقِيقا عَظِيما وَيعرف الْأَصْلَيْنِ والنحو واللغة وَإِلَيْهِ النِّهَايَة فِي التَّحْقِيق والتدقيق والغوص على الْمعَانِي أقرّ لَهُ الْمُوَافق والمخالف وعظمته الْمُلُوك.
وَكَانَ السُّلْطَان لاجين ينزل لَهُ عَن سَرِيره وَيقبل يَده وَكَانَ صَحِيح الِاعْتِقَاد قَوِيا فِي ذَات الله وَلَيْسَ الْخَبَر كالعيان وَقَالَ ابْن سيد النَّاس لم أر مثله فِيمَن رَأَيْت وَلَا حملت عَن أجل مِنْهُ فِيمَن رويت قَرَأت عَلَيْهِ جملَة من الْمَحْصُول وَكنت مستملي تصانيفه والمتصدر لافادته طلبته بدار الحَدِيث من جِهَته وَكَانَ للعلوم جَامعا وَفِي فنونها بارعاً وَلم يزل حَافِظًا لِلِسَانِهِ مُقبلا على شَأْنه ونفع نَفسه على الْعلم وقصرها وَلَو شَاءَ الْعَاد أَن يحصر كَلِمَاته لحصرها.
وَله تخلق وبكرامات الصَّالِحين تحقق وعلامات العارفين تعلق .. وَله فِي الْأَدَب بَاعَ وشاع وكرم طباع وَحسن انطباع حَتَّى لقد كَانَ الشهَاب مَحْمُود يَقُول لم تراذ عَيْني آدب مِنْهُ وَلَو لم يدْخل فِي الْقَضَاء لَكَانَ ثوري زَمَانه وأوزاعي أَوَانه انْتهى كَلَام الْيَعْمرِي.
قَالَ البرزالي فِي تَارِيخه وَفِي يَوْم السبت الثَّامِن عشر من جُمَادَى الأولى سنة 695 ولي الْقَضَاء بالديار المصرية الشَّيْخ الإِمَام مفتي الْفرق بَقِيَّة السّلف تَقِيّ الدّين أَبُو الْفَتْح الْقشيرِي الْمَعْرُوف بِابْن دَقِيق الْعِيد عوضا عَن تَقِيّ الدّين ابْن بنت الْأَعَز قلت فاستمر فِيهِ إِلَى أَن مَاتَ فِي صفر سنة 702 “.