
21 / أخبار قبائل الخزرج
(أخبار قبائل الخزرج) هو كتاب موسوعي يتناول تاريخ قبيلة الخزرج الأنصارية وتراجم رجالها ونسائها من الصحابة والتابعين ومن بعدهم حتى القرن السابع الهجري وفروعهم في الديار المصرية وهو من تأليف الإمام المحدث والنسابة الكبير والفقيه الشافعي شرف الدين عبد المؤمن بن خلف الدمياطي ، ولد في تونة بالقرب من دمياط عام 613 هـ / 1217 م وتوفي في القاهرة عام 705 هـ / 1306 م في غدوة بوم الأحد الخامس عشر لذى القعدة ودفن من الغد بظاهر باب النصر وصلّى عليه القاضى بدر الدين بن جماعة.
ويقول محقق الكتاب الدكتور عبد العزيز بن عمر البيتي عن هذا الكتاب القيم : ” يتناول كتاب (أخبار قبائل الخزرج) لعبد المؤمن الدمياطي ذكر أنساب قبائل الخزرج بن حارثة وتراجم كل قبيلة وما فيها من البطون الذين نصروا رجالا ونساء وذرياتهم وحلفائهم ومواليهم ، واشتمل على ذكر الصحابة والصحابيات رضي الله عنهم والتابعين ومن بعدهم.
ووصل بتراجم وأنساب بعضهم إلى عصره في القرن السابع الهجري مبرزا كذلك جملا من سيرهم وأخبارهم ورواة الحديث منهم عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، مبينا مواضع هذه الأحاديث والأخبار في الكتب المختلفة التي ينقل أو يروي عنها ، وهذا الكتاب – فيما أحسب – هو أول كتاب مفرد عن أخبار وتراجم وأنساب قبائل الخزرج بن حارثة أخي الأوس بن حارثة ويعد أصلا في تخصصه وفنه “.
وقال في نهاية التحقيق : ” يعتبر كتاب (أخبار قبائل الخزرج) لعبد المؤمن الدمياطي هو الأول في مكتبتنا العربية من حيث فنه وتصنيفه، فلا أعلم أحدا افرد كتابا في قبيلة الخزرج بن حارثة غير الدمياطي حتى وقتنا الحاضر ، ويعتبر هذا الكتاب ثالث مؤلف يصل إلينا يختص في قبائل الأنصار عامة إذ سبقه إلى ذلك الإمام موفق الدين ابن قدامة المقدسي (ت 620 هـ) في كتاب (الاستبصار في نسب الصحابة من الأنصار) والقاضي أبو بكر عتيق بن أحمد بن محمد الغساني الغرناطي (ولد سنة 635 هـ) في كتابه (نزهة الأبصار في فضائل الأنصار).
ومع ظهور الكتابين قبل كتاب مؤلفنا إلا أن كتاب الدمياطي يبرز بغزارة معلوماته وأخباره ولاحتوائه على تراجم الصحابة والتابعين ومن بعدهم ويصل بتراجم بعضهم حتى عصر المؤلف في القرن السابع والثامن الهجريين كما إن إلحاقه في كتابه تراجم حلفاء وموالي كل قبيلة بعد ذكر أفرادها زاد من حجم وقيمة الكتاب.
وسأذكر مثالا يعطينا دلالة على ميزة الكتاب يقول علي نويهض محقق كتاب الاستبصار لابن قدامة أن تراجم كتابه بلغت أكثر من مائتي ترجمة وهذا في الأنصار عامة الأوس والخزرج في حين أن الحافظ عبد المؤمن الدمياطي جمع في كتابه عن الخزرج فقط أكثر من تسعمائة وأربعة تراجم بلغ الصحابة منهم (574) ترجمة سوى ما سقط من النسخة التي وصلت إلينا فتأمل هذا المثال يظهر لك الفرق بين الكتابين ! “.
ويقول في إحصائيات الكتاب : ” بلغ عدد تراجم مخطوطة كتاب (أخبار قبائل الخزرج) تسعمائة وأربعة تراجم عدا ما سقط من أوراق النسخة ، وكان من هذه التراجم ثمان وثمانون وثلاثمائة ترجمة للصحابة ذكورا وست وثمانون ومائة ترجمة للصحابيات ، وثلاثون وثلاثمائة ترجمة للتابعين ومن بعدهم حتى عصر المؤلف في القرن الثامن الهجري.
وقد أضاف كذلك الدمياطي على طبقات ابن سعد ثماني وثمانين ومائتي ترجمة من العدد الكلي ، وكذلك هناك خمسا وسبعون ترجمة أخرى لم أجدها في طبقات ابن سعد ويحتمل سقوطها من النسخ المطبوعة عنده وتصرح المصادر الأخرى أن ابن سعد ذكرها في كتابه السابق الذكر ، وكذلك هناك أربع وستون ترجمة من العدد الكلي لم أجدها في المصادر المطبوعة التي اعتمدت عليها في بيان قبائل الخزرج والمتقدمة على عصر الحافظ الدمياطي، وينفرد بذكرها وهذه قيمة علمية وتاريخية كبيرة “.
ويبين بعد ذلك تفرد الكتاب وأهميته فقال : ” إن لكتاب (أخبار قبائل الخزرج) للحافظ الدمياطي أهمية تاريخية كبرى لاحتوائه على هؤلاء الصحابة والصحابيات من الخزرج وأبنائهم وبناتهم وذرياتهم وحلفائهم ومواليهم وقد ساقهم ورتبهم على الطريقة النسبية ، وهو ما يؤكد أن هذا الترتيب على النسب في سياق التراجم ما زال قائما حتى القرن السابع الهجري وظهر حينئذ بصورة أدق وأشمل من نشأته الأولى التي ظهرت على يد ابن سعد وخليفة بن خياط في طبقاتهما بعد أن ذكر أن تلك الطريقة النسبية قد اختفت من بعدهما لدقتها وصعوبتها.
وكان الدمياطي قد تتبع طرقا شتى في الاستقصاء وجمع الأخبار فنجده يتتبع أنساب التراجم صعودا لفترات جاهلية سحيقة ونزولا حتى يصل ببعضهم لشيوخ عصره من أبناء وذرية قبائل الخزرج بن حارثة ، وهو ما يوضح ما وصل إليه علماء المسلمين من اهتمام بالغ حتى تلك العصور بعلم الأنساب ويعطينا هذا الكتاب أيضا أنموذجا فريدا لكيفية ترتيب وتنظيم ديوان العطاء وديوان الجند الذي أنشأهما أمير المؤمنين الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه “.
وقد أثنى المؤرخون والعلماء على الدمياطي ومؤلفاته والتي شملت مختلف العلوم الإسلامية ، وقد ورد حصر بمؤلفاته في كتاب ذيل وفيات الأعيان المسمى (درّة الحجال في أسماء الرّجال) حيث يقول أبو العبّاس أحمد بن محمّد المكناسى : ” وله تآليف جمّة منها : معجم شيوخه – الذين لقيهم ، وأخذ عنهم بالحجاز والشام والجزيرة والعراق وديار مصر وغيرها وهى في سفرين يزيد عددهم على ألف شيخ وثلاثمائة شيخ ، وكتاب الأربعين المتباينة الإسناد المخرجة على الصحيح من حديث بغداد وكتاب الأعيان الجياد من شيوخ بغداد وكتاب الأربعين الموافقات العوالى وكتاب الأربعين السباعية الأبدال وكتاب المائة التّساعية الأبدال وكتاب التّساعية المطلقة وكتاب فضل الخيل وفضل قبائل الخزرج بن حارثة.
وكتاب أخبار بنى المطلب بن عبد مناف وكتاب أخبار بنى نوفل بن عبد مناف وكتاب أخبار بنى جمح بن عمرو بن هصيص وكتاب أخبار بنى سهم بن عمرو بن هصيص وكتاب كشف المغطّى فى تبيين الصلاة الوسطى ذكر فيه ستة عشر قولا ، وكتاب ستة الأيام من شوال وكتاب الذكر والتسبيح أعقاب الصلوات وكتاب لعقد المثمن فيمن تسمى بعبد المؤمن والمجالس البغدادية التى أملاها ببغداد والمجالس الشمسية والمجالس القطبية وكتاب التسلّى والاغتباط لمن تقدم من الإفراط وكتاب المصافحات ، وله نظم “.
وقال عنه السبكي في طبقات الشافعية : ” كَانَ الْحَافِظ زَمَانه وأستاذ الأستاذين فِي معرفَة الْأَنْسَاب وَإِمَام أهل الحَدِيث الْمجمع على جلالته الْجَامِع بَين الدِّرَايَة وَالرِّوَايَة بالسند العالي للقدر الْكثير وَله الْمعرفَة بالفقه ، وَكَانَ يلقب شرف الدّين وَله كنيتان أَبُو مُحَمَّد وَأَبُو أَحْمد ، تفقه بدمياط على الْأَخَوَيْنِ الْإِمَامَيْنِ أبي المكارم عبد الله وَأبي عبد الله الْحُسَيْن ابْني الْحسن بن مَنْصُور السَّعْدِيّ وَسمع بهَا مِنْهُمَا وَمن الشَّيْخ أبي عبد الله مُحَمَّد بن مُوسَى بن النُّعْمَان وَهُوَ الَّذِي أرشده لطلب الحَدِيث بعد أَن كَانَ مُقْتَصرا على الْفِقْه وأصوله .
وقال عنه تلميذه القاسم التجيبي في كتابه مستفاد الرحلة : ” الشيخ الفقيه الإمام جمال الإسلام بقية الحفاظ الأعلام الجهبذ الأثير المحدث الكبير .. وعمدة الأمصار خاتمة المسندين .. أحد أئمة الحفاظ المشهورين بالثقة والضبط والإتقان ذاكرا للأسانيد والمتون بصير بتعديل الرجال وتجريحهم ومواضعهم من البلدان وغيرها .. وهو آخر المجتهدين من الرحالين في هذا الشأن إلى أقاصي البلدان ، وقد سمع منه الفضلاء ورحل إليه الناس من الأمصار وقصدوه من كل جانب وعامة المحدثين في الديار المصرية والشامية تلاميذه وأشياخه “.
وذكره ابن شاكر الكتبي في فوات الوفيات فقال : ” شرف الدين الدمياطي .. عبد المؤمن بن خلف بن أبي الحسن بن شرف الشيخ الإمام البارع الحافظ النسابة المجود الحجة علم المحدثين عمدة النقاد شرف الدين الدمياطي الشافعي صاحب التصانيف ؛ مولده بتونة قرية من عمل تنيس ولد عام ثلاثة عشر وستمائة ووفاته في خامس عشر ذي القعدة سنة خمس وسبعمائة ودفن بمقبرة باب النصر خارج القاهرة.
وكان منشؤه بدمياط وتميز في المذهب وقرأ القرآن وطلب الحديث وقد صار له ثلاث وعشرون سنة فسمع بالإسكندرية في سنة ست وثلاثين من أصحاب السلفي ثم قدم القاهرة وعني بهذا الشأن رواية ودراية ولازم الحافظ زكي الدين حتى صار معيده ، وحج سنة ثلاث وأربعين وسمع بالحرمين وارتحل إلى الشام سنة خمس وأربعين وارتحل إلى الجزيرة والعراق مرتين ، وكتب العالي والنازل وصنف وحدث وأملى في حياة كبار مشايخه ، وكان مليح الهيئة حسن الأخلاق بساماً فصيحاً نحوياً لغوياً مقرئاً سريع القراءة جيد العبارة كثير التفنن جيد الكتب مكثراً مفيداً حسن المذاكرة حسن العقيدة كافاً عن الدخول في الكلام.
سمع من ابن المقير ويوسف بن عبد المعطي المخيلي والعلم ابن الصابوني وابن العليق وابني قميرة وموهوب ابن الجواليقي وهبة الله بن محمد بن مفرج الواعظ وشعيب ابن الزعفراني وابن رواج وابن رواحة وابن الجميزي والرشيد ابن سلمة ومكي بن علان ، وسمع من أصحاب السلفي وشهدة وابن عساكر وخلق من أصحاب ابن شاتيل والقزاز وابن بري النحوي وابن كليب وأصحاب ابن طبرزد وحنبل والبوصيري والخشوعي.
وكتب عنه طائفة منهم الصاحب كمال الدين ابن العديم وأبو الحسين اليونيني والقاضي علم الدين الاخنائي والشيخ علاء الدين القونوي والشيخ أثير الدين أبو حيان وفتح الدين ابن سيد الناس والمزي وقاضي القضاة تقي الدين السبكي وفخر الدين النويري وخلق كثير من الرحالين ، وطال عمره وتفرد بأشياء وحمل عن الصغاني عشرين مجلداً من تصانيفه في الحديث واللغة ، وسكن دمشق مدة وأفاد أهلها وتحول إلى مصر ونشر بها علمه وكان موسعاً عليه في الرزق وله حرمة وجلالة وولي مشيخة الظاهرية بين القصرين.
ومن تصانيفه : كتاب الصلاة الوسطى مجلد لطيف ، كتاب الخيل مجلد ، قبائل الخزرج مجلد ، العقد المثمن فيمن اسمه عبد المؤمن مجلد ، الأربعون المتباينة ، الإسناد في حديث أهل بغداد مجلد ، مشيخة تشهد له بالحفظ والعلم ، مختصر السيرة النبوية ، وما زال يسمع الحديث إلى أن مات فجأة في ذي القعدة وصلي عليه بدمشق غائباً رحمه الله تعالى “.
وترجم له ابن حجر العسقلاني في الدرر الكامنة فقال : ” عبد الْمُؤمن بن خلف بن أبي الْحسن بن شرف الدمياطي أَبُو أَحْمد وَأَبُو مُحَمَّد شرف الدّين ولد بتونة من تبريز من عمل تنييس فِي آخر سنة 13 وَنَشَأ بدمياط وَكَانَ يعرف بِابْن الجامد وَكَانَ جميل الصُّورَة جدا حَتَّى كَانَ أهل دمياط إِذا بالغوا فِي وصف الْعَرُوس قَالُوا كَأَنَّهَا ابْن الجامد.
وتشاغل أَولا بالفقه ثمَّ طلب الحَدِيث بعد أَن دخل الْعشْرين وجاوزها فَسمع بالإسكندرية فِي سنة 36 من أَصْحَاب السلفى وبالقاهرة مِنْهُم وَمن ابْن المقير والطبقة ولازم الْمُنْذِرِيّ وَحج سنة 43 فَسمع بالحرمين وَدخل الشَّام سنة 45 ثمَّ دخل الجزيرة وَالْعراق وَكتب الْكثير وَبَالغ وَجمع مُعْجم شُيُوخه فِي أَربع مجلدات وَحدث وأملى ي حَيَاة مشايخه وَكتب عَنهُ جمَاعَة من رفقائه وَبلغ عدد مشايخه ألف شيخ ومائتى شيخ وَخمسين شَيخا.
وَله إجَازَة من ابْن اللتى وأبى نصر ابْن الشيرازى قَالَ المزى مَا رَأَيْت احفظ مِنْهُ وصنف كتابا فِي الصَّلَاة الْوُسْطَى وَآخر فى الْخَيل وقبائل الْخَزْرَج وقبائل الْأَوْس وَالْعقد الْمُثمن فى من اسْمه عبد الْمُؤمن والمتباينة والسيرة النَّبَوِيَّة وَغير ذَلِك قَالَ الذَّهَبِيّ كَانَ مليح الْهَيْئَة حسن الْخلق بساماً فصيحاً لغوياً مقرئاً جيد الْعبارَة كَبِير النَّفس صَحِيح الْكتب مُفِيدا جيد المذاكرة.
وَقَالَ ابْن سيد النَّاس سمعته يَقُول دخلت على جمَاعَة يقرؤن الحَدِيث فَمر عبد الله ابْن سَلام فشددوا لأمه فَقلت سَلام عَلَيْكُم سَلام سَلام وَكَانَ لَهُ نظم متوسط وَحدث بِالْإِجَازَةِ الْعَامَّة عَن الْمُؤَيد الطوسي وَغَيره وَحدث عَنهُ كَمَال الدّين ابْن العديم وَمَات قبله بدهر وَأَبُو الْحُسَيْن اليونيني وَهُوَ من أقرانه والأخنائيان القاضيان والقونوي وَأَبُو حَيَّان والمزي وخلائق من مصر والقاهرة والرحالين.
وَطَالَ عمره وَتفرد بأَشْيَاء فانه كَانَ قد أَكثر عَن يُوسُف بن خَلِيل وَكَانَ تَلا بالسبع على الْكَمَال العباسي وأجازاته فِي مُجَلد وَحمل عَن الصغاني عشْرين كتابا من تصانيفه فِي اللُّغَة والْحَدِيث وأربي فِي علم النّسَب على الْمُتَقَدِّمين وَرَأَيْت بِخَط أبي حَيَّان نَا حَافظ الْمشرق وَالْمغْرب فَذكره قَالَ الذَّهَبِيّ كَانَ موسعاً عَلَيْهِ فِي الرزق وَله حُرْمَة وجلالة مَاتَ فِي خَامِس عشر ذِي الْقعدَة سنة 705 أرخه البرزالى وَكَانَ قد قرىء عَلَيْهِ ميعاد من الحَدِيث وَصعد إِلَى بَيته فَغشيَ عَلَيْهِ فِي السّلم واصعد مَيتا رَحمَه الله تَعَالَى “.

22 / ديوان القوصي
شاعر الصعيد في العصر المملوكي هو محمد بن محمد بن عيسى الشيباني القوصي المتوفي في مدينة قوص عام 707 هـ / 1307 م ويرجع في نسبه إلى قبيلة بني شيبان البكرية العربية التي سكنت جنوب الصعيد في القرن الثالث الهجري ، وكان معروفا بخفة الظل وسرعة البديهة وله في ذلك حكايات كثيرة مع أعيان عصره من العلماء والأمراء وله ديوان شعر كبير في مختلف الأغراض الشعرية وعلى رأسها المديح النبوي.
ذكره ابن حجر العسقلاني في الدرر الكامنة فقال : ” محمَّد بن مُحَمَّد بن عِيسَى بن نحام بن نجدة بن معتوق الشَّيْبَانِيّ النصيبي ثمَّ القوصي الشَّاعِر سمع الْعِزّ الْحَرَّانِي وَابْن الخليلي وَإِسْمَاعِيل المليحي وَحدث وشارك فِي الأدبيات وفنونها وَكَانَ ظريفاً لطيفاً خَفِيفا لَهُ قدرَة على ارتجال الْحِكَايَة المطولة وَالشعر والنادرة قَالَ الْكَمَال الأدفوي شعره يدْخل فِي ثَلَاث مجلدات وَكَانَ رزقه مِنْهُ يمدح الْأَعْيَان وَكَانَ يَقُول لما دخلت إِلَى قوص قَالَ لي ابْن دَقِيق الْعِيد أَنْت رجل فَاضل والسعيد من تَمُوت سيئاته مَعَه فَلَا تهج أحدا فَلم أهج أحدا مَاتَ بقوص سنة 707 “.
وترجم له الإدفوي في كتابه الطالع السعيد الجامع أسماء نجباء الصعيد فقال : ” محمد بن محمد بن عيسى النّصيبينىّ القوصىّ .. محمد بن محمد بن عيسى بن نحام بن نجدة بن معتوق الشّيبانىّ النّصيبينىّ ثمّ القوصىّ ، الأديب الشاعر الفاضل المحدّث سمع الحديث من العزّ الحرّانىّ وأبى عبد الله محمد بن الحسين الحنبلىّ ومن أبى الطّاهر إسماعيل بن هبة الله بن على بن المليجىّ وغيرهم وحدّث بقوص بكتاب البخارىّ سمع منه قاضيها زين الدّين أبو الطّاهر إسماعيل السّفطىّ والشّيخ سراج الدّين محمد بن عثمان الدّندرىّ وجماعة.
وكان له مشاركة فى النّحو واللغة والتاريخ ومعرفة بالبديع والعروض والقوافي ، وكان كبير المروّة كثير الفتوّة ظريفا لطيفا خفيف الرّوح له قدرة على ارتجال الحكاية المطوّلة والشعر سريع البادرة فيه ، وله ديوان شعر فى ثلاث مجلّدات وكان رزقه منه يمتدح القضاة والأمراء والكبار والتّجار وكان ما يحصل له ينفقه على نفسه وعلى شخص كان يخدمه وعلى أولاد ذلك الشخص وكان مقيما بمسجد جوارنا بالمدرسة الشمسيّة بمدينة قوص.
أنشدنى لنفسه قوله : رضاك هو الدّنيا إذا صحّ والدّين .. ومن لم ينل منك الرّضا فهو مغبون .. فتنت ومالى غير حبّك فتنة .. وأعظم فخرى أنّنى بك مفتون .. وحبّك مفروض على السّخط والرّضا .. علىّ فأمّا ما عداه فمسنون .. وقد ذكروا مجنون ليلى وأكثروا .. وكلّ زمان فيه ليلى ومجنون ..
ورد إلى قوص بعد التّسعين وستّمائة وأقام بها إلى آخر عمره وقرأ البخارىّ بها مرّات وسمع عليه ، وكان يحكى أنّه لمّا جاء إلى قوص وجد بها الشّيخ تقىّ الدّين والشّيخ جلال الدّين الدّشناوىّ وتردّد إليهما قال : فقال لى كلّ منهما كلاما انتفعت به ، فأمّا الشّيخ تقىّ الدّين فقال لى : أنت رجل فاضل والسّعيد من تموت سيئاته بموته لا تهج أحدا ، فما هجوت أحدا، وأما الشّيخ جلال الدّين فقال لى : أنت رجل فاضل ومن أهل الحديث ومع ذلك أشاهد عليك شيئا ما هو بعيد أن يكون فى عقيدتك شئ ، وكنت متشيّعا فتبت من ذلك.
وكان ظريفا ، حكى لى أنّه حضر يوما عند الشّيخ تقىّ الدّين وقد جاء إليه من أرمنت مروحتان فى غاية الحسن فقال : اشتهيت أن آخذ منهما واحدة فرأيت وزغة فى الحائط فأخذت واحدة منهما وقفزت وضربت الحائط ورميت بها فقال الشّيخ : ضربت الوزغة بأيّهما ؟ فقلت : جهلت الحال، فقال : خذهما ، فأخذتهما.
وحضر مرّة عند عزّ الدّين ابن البصراوىّ الحاجب بقوص وكان له مجلس يجتمع فيه الرؤساء والفضلاء والخطباء ، فحضر الشّيخ علىّ الحريرىّ وحكى أنّه رأى درّة تقرأ سورة يس فقال النّصيبينىّ : وكان غراب يقرأ سورة السّجدة فإذا جاء عند آية السّجدة سجد ويقول : سجد لك سوادى واطمأنّ بك فؤادى.
وحضر مرّة الشّيخ بهاء الدّين القفطىّ من أسنا فتوجّه النّصيبينىّ إليه وعرّفوا الشّيخ عنه أنّه فاضل فصار يسأله عن لغة فيذكر شيئا من عنده ويستشهد عليه بشعره فيكتب الشّيخ ما يقوله إلى أن اجتمعت عنده كراريس ، فلمّا قصد الشّيخ التوجّه جاء إليه وقال : يا سيّدنا لا تعتمد على هذه الكراريس فإنّى ارتجلتها ، فشقّ على الشّيخ وغسلها ، وحكاياته وأشعاره كثيرة صحبته مدّة وتوفّى بقوص مستهلّ صفر يوم الثلاثاء فى سنة سبع وسبعمائة “.
وقصيدته في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم مشهورة ومعروفة حيث يقول في مطلعها : تذكّر بالسّفح بانا وظلّا … فأجرى المدامع وبلا وطلّا .. يرجّى زمانا تولّى يعود .. وليس يعود زمان تولّى .. كئيب تحمّل ما لا يطيق .. له الصخر من ألم البين حملا .. يبيت يكابد آلامه .. وأسقامه وكما بات ظلّا ، ومنها قوله في معالم المدينة المنورة : فحيّا الحيا أحدا والبقيع .. وحيّا القرين ومن فيه حلّا .. وسقى المدرّج ثمّ العقيق .. وسلعا وأرض قبا والمصلّى .. منازل ما أطيب العيش فى .. رباها على كلّ حال وأحلى .. إذا سرت عنها أرى السّهل وعرا .. وإن زرتها أرى الوعر سهلا.
وختمها بقوله : لعلّى فى حوضه فى غد .. إذا جئته ظاميا لا أخلّى .. محمد نحن كما قد علمت .. ضيوفك والضّيف يحتاج نزلا .. وما ذكروا عنك لا فى الحياة .. ولا فى الممات وحاشاك بخلا .. هلمّوا القرى وقرانا النّجاة .. بذا العرض إذ يرجع العزّ ذلّا .. وقفنا ببابك نشكو إليك .. من الكرب والكرب قد عمّ كلّا .. وأنّى نظرت لنا نظرة .. تلاشى بها كربنا واضمحلّا .. فلا تتخلّ عن المذنبين .. إذا المرء عن والديه تخلّى .. وصلّى عليك الغفور الرّحيم .. وسلّم ما صام عبد وصلّى.
وله قصيدة رائعة في رثاء الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد يقول فيها : سيطول بعدك فى الطّلول وقوفى .. أروى الثّرى من مدمعى المذروف .. أبكى على فقد العلوم بأسرها .. والمكرمات بناظر مطروف .. أمحمد بن علىّ بن وهب دعوة .. من قلب محزون الفؤاد أسيف .. لو كان يقبل فيك حتفك فدية .. لفديت من علمائنا بألوف .. أو كان من حمر المنايا مانع .. منعتك سمر قنا وبيض سيوف .. ما كنت فى الدّنيا على الدّنيا إذا .. ولّت بمحزون ولا مأسوف .. سلمت عداتك لا عداتك كلّها .. مذ كنت من مطل ومن تسويف.
ومن مشهور شعره مرثيّة المجد معالى الكارمىّ وكان يحسن إليه ومنها : فتى كان يغنينا عن النّيل نيله .. دواما وعن زهر الرّبيع جلاله .. فتى لا يردّ الدّهر قولا يقوله .. ولا يمكن الأيام إلّا امتثاله ، وله مرثيّة فى ابن أخى المجد معالى الصّفىّ يقول منها : أقول وقد جاء النّعىّ وخاطرى .. يصدّق والآمال تجعله كذبا .. ومات المعالى والصّفىّ وأقفرت .. مغانى المعالى يا له يا له خطبا.
وكان فى وقت شنّع النّاس بأنّ النّيل فى تلك السنة ما يطلع وقد حصل للنّاس يأس وامتنعوا عن العطاء له وحصل له ضيق فنظم قصيدة لقاضى قوص السّفطىّ وكتب بها إليه أوّلها : نعم هى دار من تهوى يقينا .. وما نخشاه ساكنها يقينا .. أنيخوا فى معالمها المطايا .. فديتكم لنشكو ما لقينا .. فإنّ وقوفنا فيهنّ فرض .. علينا ما بقين وما بقينا .. ذكرنا حلو عيش مرّ غضّا .. وما كنّا له يوما نسينا .. وكاسات المسرّة دائرات .. تحيّينا شمالا أو يمينا .. وقد أضحى الشباب لنا على ما .. نحاول من مقاصدنا معينا.
وله قصيدة يتحسر فيها على أيامه الماضية وشبابه الذي ولى فقال : إذا ابتسمت من الغور البروق .. تأوّه مغرم وبكى مشوق .. يذكّرنى العقيق وأىّ صبّ .. له صبر إذا ذكر العقيق .. ويسعدها على الخفقان قلبى .. ويسكن وهو مضطرم خفوق .. أفق يا قلب من سكر التّصابى .. وأقسم إنّ مثلك لا يفيق ، وله قصيدة مدح بها محمود بن الكويك الكارمىّ وهو آخر شعر صنّفه وتوفّى بعدها بأيام أوّلها : تالله يا أيّامنا بزرود .. إن كان يمكن أن تعودى عودى .. ما كان أسرع ما ذهبت حميدة .. والعيش منذ ذهبت غير حميد.

23 / لطائف المنن
(لطائف المنن) هو الاسم الشهير المختصر لكتاب عنوانه (لطائف المنن في مناقب الشيخ أبي العباس وشيخه أبي الحسن) والذي كتبه الفقيه والمتصوف والأديب ابن عطاء الله السكندري ليروي فيه جانبا من سيرة اثنين من شيوخه وهما السيد أبو الحسن الشاذلي والسيد أبو العباس المرسي ، وجاء الكتاب حافلا بالكثير من الأشعار والحكم والأقوال المأثورة بالإضافة إلى قصص عديدة حول رجال الطريقة الشاذلية حضرها المؤلف أو سمعها منهم.
والمؤلف هو تاج الدين أبو الفضل أحمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد بن عيسى بن الحسين بن عطاء الله الجذامي نسباً ، وفد أجداده المنسوبون إلى قبيلة جذام إلى مصر بعد الفتح الإسلامي واستوطنوا الإسكندرية حيث ولد ابن عطاء الله ونشأ كجده لوالده الشيخ أبي محمد عبد الكريم بن عطاء الله فَقيهاً يَشتغل بالعلوم الشَرعية حيث تلقي منذ صباه العلوم الدينية والشرعية واللغوية.
ولد بالإسكندرية عام 658 هـ / 1260 م وتوفي بالقاهرة عام 709 هـ / 1309 م أثناء عمله بالتدريس في المدرسة المنصورية وهو بعمر الخمسين ودفن بمقبرة المقطم بسفح الجبل بزاويته التي كان يتعبد فيها ولا يزال قَبره مَوجوداً إلى الآن بجبانة سيدي على أبو الوفاء تحت جبل المُقطمِ من الجهةِ الْشرقية لجبَانة الإمام الليث وبني عليه مسجد حديثا ، ومن أهم تلاميذه الشيخ تقي الدين السبكي إمام الشافعية في زمنه.
وهو فقيه مالكي وأحد أركان الطريقة الطريقة الشاذلية الصوفية والناطق باسمها على الحقيقة ، لقب بعدة ألقاب منها قطب العارفين وترجمان الواصلين ومرشد السالكين ، كان رجلاً صالحاً عالماً يتكلم على كرسي ويحضر ميعاده خلق كثير وكان لوعظه تأثير في القلوب ، وكان له معرفة تامة بكلام أهل الحقائق وأرباب الطريق وله ذوق ومعرفة بكلام الصوفية وآثار السلف وكان ينتفع الناس بإشاراته وله موقع في النفس وجلالة.
وكان الشيخ ابن عطاء الله في أول حاله منكراً على أهل التصوف فما أن صحب شيخه أبا العباس المرسي واستمع إليه بالإسكندرية حتى أعجب به إعجاباً شديداً وأخذ عنه طريق الصوفية وأصبح من أوائل مريديه ثم تدرج ابن عطاء في منازل العلم والمعرفة حتى تنبأ له الشيخ أبو العبَاس يوماً فقال له : (الزم فوالله لئن لزمت لتكونن مفتياً في المذهبين) يقصد مذهب أهل الشريعة ومذهب أهل الحقيقة.
من مؤلفاته الأخرى الطريق الجادة في نيل السعادة وعنوان التوفيق في آداب الطريق وتاج العروس الحاوي لتهذيب النفوس ومفتاح الفلاح ومصباح الأرواح في ذكر الله الكريم الفتاح ، إلا أن شهرته الكبرى كانت بسبب كتابه الحكم العطائية على لسان أهل الطريقة ، قال عنه الذهبي (كانت له جلالة عظيمة ووقع في النفوس ومشاركة في الفضائل وكان يتكلم بالجامع الأزهر فوق كرسي بكلام يروّح النفوس).
وفي مقدمة كتابه يشرح ابن عطاء الله سبب تأليفه له فيقول : ” أما بعد ، فإني قصدت في هذا الكتاب أن أذكر جملا من فضائل سيدنا ومولانا الإمام قطب العارفين علم المهتدين حجة الصوفية مرشد السالكين منقذ الهالكين الجامع بين علم الأسماء والحروف والدوائر المتكلم بنور بصيرته الكاملة على السرائر كهف الموقنين ونخبة الواصلين مظهر شموس المعارف بعد غروبها ومبدي أسرار اللطائف بعد عزوبها الواصل إلى الله والموصل إليه شهاب الدين أبي العباس بن عمر الأنصاري المرسي أسكنه الله حظيرة قدسه ومتعه على ممر الساعات بموارد أنسه.
وأذكر شيخه الذي أخذ عنه ومنازلاته التي نقلت عنه أو سمعها منه وكراماته وعلومه وأسراره ومعاملاته مع الله سبحانه وتعالى وما قاله من تفسير آية من كتاب الله عز وجل أو إظهار لمعنى خبر نقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو كلام على حقيقة ـ نقلت عن أحد من أهل الطريق ـ أشكل معناها ولم يفهم مغزاها وما نقله عن شيخه الشيخ أبي الحسن الشاذلي رضي الله عنه وما قاله هو من الشعر أو قيل بحضرته أو قيل فيه مما يتضمن ذكر الطريق وأهلها وأنقل ما يمكن إثباته من أخياره كثيرها وقليلها.
وكان أصحاب الشيخ الإمام القطب أبي الحسن قدس الله روحه قد أثبتوا جملا من كلامه وإن كان هو رضي الله عنه لم يضع كتابا وقد بلغني عنه أنه قيل له : يا سيدي لم لا تضع الكتب في الدلالة على الله تعالى وعلوم القوم ؟ ، فقال رضي الله عنه : كتبي أصحابي ! ، كذلك شيخنا أبو العباس رضي الله عنه لم يضع في هذا الشأن كتابا والسبب في ذلك : أن علوم هذه الطائفة علوم التحقيق وهي لا تتحملها عقول الخلق.
ولقد سمعت شيخنا أبا العباس رضي الله عنه يقول : جميع ما في كتب القوم عبرات دموع من سواحل بحر التحقيق ! ، ولا أعلم أن أحدا من أصحاب شيخنا أبي العباس رضي الله عنه تصدى إلى جمع كلامه وذكر مناقبه وأسرار علومه وغرائبه ، فحداني ذلك إلى وضع هذا الكتاب بعد أن استخرت الله تعالى وطلبت منه المعونة وهو خير معين وسألته أن يهديني إلى الصراط المستبين “.
وفي ثنايا الكتاب يحكي ابن عطاء الله كيف التحق بالسادة الشاذلية وتتلمذ على يد أبي العباس المرسي وصار من أصحابه فيقول : ” وكنت أنا لأمره من المنكرين وعليه من المعترضين لا لشيء سمعته منه ولا لشيء صح نقله عنه ، حتى جرت بيني وبين بعض أصحابه مقاولة وذلك قبل صحبتي إساه وقلت لذلك الرجل : ليس إلا أهل العلم الظاهر وهؤلاء القوم يدعون أمورا عظاما وظاهر الشرع يأباها.
فقال ذلك الرجل بعد أن صحبت الشيخ : تدري ما قال لي الشيخ يوم تخاصمنا ؟ ، قلت : لا ، قال : دخلت عليه فأول ما قال لي : هؤلاء كالحجر ما أخطأك منه خير مما أصابك ، فعلمت أن الشيخ كوشف بأمرنا ، ولعمري لقد صحبت الشيخ اثني عشر عاما فما سمعت منه شيئا ينكره ظاهر العلم من الذي كان يتقله عنه من يقصد بالأذى.
وكان سبب اجتماعي به أن قلت في نفسي بعد أن جرت المخاصمة بيني وبين ذلك الرجل : دعني أذهب أرى هذا الرجل فصاحب الحق له أمارات لا يخفى شأنه ، فأتيت إلى مجلسه فوجدته يتكلم في الأنفاس التي أمر الشارع بها فقال : الأول إسلام والثاني إيمان والثالث إحسان وإن شئت قلت الأول عبادة والثاني عبودية والثالث عبودة وإن شئت قلت الأول شريعة والثاني حقية والثالث تحقق أو نحو هذا.
فما زال يقول (وإن شئت قلت .. وإن شئت قلت) إلى أن بهر عقلي وعلمت أن الرجل إنما يغترف من فيض بحر إلهي ومدد رباني فأذهب الله ما كان عندي ، ثم أتيت تلك الليلة إلى المنزل فلم أجد في شيئا يقبل الاجتماع بالأهل على عادتي ووجدت معنى غريبا لا أدري ما هو فانفردت في مكان أنظر إلى السماء وإلى كواكبها وما خلق الله فيها من عجائب قدرته.
فحملني ذلك على العودة إليه مرة أخرى فأتيت إليه فاستؤذن عليَ فلما دخلت عليه قام قائما وتلقاني ببشاشة وإقبال حتى دهشت خجلا واستصغرت نفسي أن أكون أهلا لذلك ، فكان أول ما قلت له : يا سيدي أنا والله أحبك ، فقال : أحبك الله كما أحببتني ، ثم شكوت إليه ما أجده من هموم وأحزان فقال رضي الله عنه :
أحوال العبد أربعة لا خامس لها النعمة والبلية والطاعة والمعصية فإن كنت بالنعمة فمقتضى الحق منك الشكر وإن كنت بالبلية فمقتضى الحق منك الصبر وإن كنت بالطاعة فمقتضى الحق منك شهود منته عليك وإن كنت بالمعصية فمقتضى الحق منك وجود الاستغفار.
فقمت من عنده وكأنما كانت الهموم والأحزان ثوبا نزعته ، ثم سألني بعد ذلك بمدة كيف حالك ؟ ، فقلت : أفتش على الهم فلا أجده ، فقال رضي الله عنه : ليلي بوجهك مقمر وظلامه في الناس سار .. والناس في سدف الظلام ونحن في ضوء النهار ، الزم فوالله لئن لزمت لتكونن مفتيا في المذهبين ، يريد مذهب أهل الشريعة أهل العلم الظاهر ومذهب أهل الحقيقة أهل العلم الباطن “.
وقد جاءت تراجم المؤلف وشيوخه في كتاب طبقات الأولياء حيث يقول ابن الملقن : ” أبو الحسن الشاذلي (591 ـ 656 للهجرة) .. على بن عبد الله بن عبد الجبار بن يوسف أبو الحسن الهذلي الشاذلي بالشين والذال المعجمتين وبينهما ألف وفي أخرها لام نسبة إلى شاذلة قرية بأفريقيا الضرير الزاهد نزيل الأسكندرية وشيخ الطائفة الشاذلية.
وقد انتسب – في بعض مصنفاته – إلى الحسن بن علي بن أبي طالب فقال – بعد يوسف المذكور – ابن يوشع بن برد بن بطال بن احمد بن محمد ابن عيسى بن محمد بن الحسن بن علي بن أبي طالب وتوقف فيه ، كان كبير المقدار عالي المقام له نظم ونثر ومتشابهات وعبارات فيها رموز. صحب الشيخ نجم الدين بن الأصفهاني نزيل الحرم ومن أصحابه الشيخ أبو العباس المرسي ، حج مرات ومات بصحراء عيذاب فدفن هناك في أول ذي القعدة سنة ست وخمسين وستمائة ، وتكلم فيه القباري وقد أنتصب بعض الحنابلة إلى حربه فرد عليه وما هو من حزبه.
أبو العباس المرسي (616 ـ 686 للهجرة) .. أبو العباس أحمد بن عمر بن محمد الأندلسي المرسي الأنصاري الشيخ العارف الكبير نزيل الأسكندرية صحب الشاذلي وصحبه تاج الدين بن عطاء الله والشيخ ياقوت ، مات سنة ست وثمانين وستمائة وقبره بالأسكندرية يزار وكان كثيراً ما أنشد من كلامه: إن كان المُحاسِبِىُّ في أصبعه عِرْق إذا أمد يده إلى طعام فيه شبهة تحرك عليه فأنا في يدي سبعون عرقاً تتحرك على إذا كان مثل ذلك.
وكان ينشد لبعض العارفين : قالوا غدُ العيدٌ ماذا أنت لابسه .. فقلت خِلُعةٌ سلقٍ حبه جرعا .. فقر وصبر هما ثوبان يلبسها .. فلن ترى الفه الاعياد والجمعا .. العيد لي مأتم إن غبت يا أملي .. والعيد ما كنت لي مراى ومستمعا .. أحرى الملابس ان تلقي الحبيب به .. يوم التزاور بالثوب الذي خلعا.
ابن عطاء الله الاسكندري (709 للهجرة) .. تاج الدين أحمد بن محمد بن عطاء الله الإسكندراني الزاهد المذكور تلميذ الشيخ أبي العباس المرسي ، كان ينتفع الناس بإشاراته وله موقع في النفس وجلالة ومشاركة في الفضائل ، مات كهلا سنة تسع وسبعمائة وكانت جنازته مشهودة ، اجتمعت بأخيه العلامة شرف الدين بالإسكندرية وسمعت منه ولبست منه الطاقية كما ستعلمه “.

24 / ديوان العزازي
هو الأديب والشاعر شهاب الدين أحمد بن عبد الملك العزازي الهاشمي القرشي ، ولد في بلدة إعزاز بجوار حلب عام 634 هـ / 1226 م وتوفي في القاهرة عام 710 هـ / 1310 م ، وكان من كبار التجار حيث كان يمتلك محلا تجاريا في القيسارية التي أسسها واحد من أمراء الدولة الأيوبية وهو الأمير فخر الدين جهاركس الصلاحي (والقيسارية تعني السوق المسقوف) وكان يتنقل بينها وبين بلاد الشام لأعمال التجارة خاصة مدينة حماة حيث كانت تربطه علاقة وثيقة بحكامها من سلالة الأيوبيين.
وقد مدحهم في شعره ومدح أيضا حكام المماليك في زمنه وهم كل من السلطان بيبرس وابنه الملك السعيد والسلطان قلاوون والملك الأشرف خليل والناصر محمد بن قلاوون وبيبرس الجاشنكير ، واشتهر بقصائده في المديح النبوي حيث كتب قصيدة يعارض فيه بردة كعب بن زهير المشهورة (بانت سعاد) كما عرف بالبراعة في نظم الموشحات المصرية التي عنيت بوصف مجالس الحب والطرب والشراب ومفاكهة الخلان ، وقد تنقلت أسرته في مصر ما بين العريش وقنا وكفر العزازي بالشرقية.
وله ديوان قيم يتجاوز أربعمائة صفحة وهو الذي جمعه بنفسه وبوبه ورتبه حسب الموضوعات وكتب له مقدمة قصيرة قال فيها : ” بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين .. الحمد لله رب العالمين والصلاة والتسليم على أشرف المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين ، فيقول مؤلفه رحمه الله تعالى : وقد جعلت ديواني هذا خمسة فصول :
الفصل الأول يشتمل على مدائح رسول الله صلى الله عليه وسلم وآل بيته الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين ومدائح الملوك وذكر غزواتهم وفتوحاتهم ووقائعهم وأخبارهم ، الفصل الثاني يشتمل على مدائح الوزراء والأمراء والقضاة والولاة والأعيان والصدور والكتاب ، الفصل الثالث يشتمل على نكت وملح من تهان وتعاز وأغزال وألغاز وأهاج وعتاب وإخوانيات وغيرها.
الفصل الرابع يشتمل على ما وقع بيني وبين أدباء عصري وشعراء زماني من مكاتبة ومجاوبة ومعارضة ومناقضة وغيرها ، الفصل الخامس من آخر الديوان يشتمل على غرائب الأوزان من المخمسات والموشحات التي اخترعها شعراء الأندلس وفضلاء المغرب ، وقدمت مديح سيد المرسلين وآل بيته الطيبين الطاهرين رجاء شفاعتهم يوم الدين والله حسبي وبه أستعين “.
ومن قصائده في المديح النبوي قوله معرضا بردة كعب بن زهير : محمد المصطفى الهادي ومن شهدت .. بصدق ما قال توراة وإنجيل .. أوفى النبيين برهانا ومعجزة .. وخير من جاءه بالوحي جبريل .. كانت رسالته للرسل خاتمة وللنبوات تتميم وتكميل .. فضائل لرسول الله واضحة .. وفي الفضائل معلوم ومجهول .. وكم له آية كالشمس قد نسخت .. بحقها من أعاديه الأباطيل .. هل نبتغي بالقوافي رفع رتبته .. وفيه لله قرآن وتنزيل.
وقال في مدح السلطان قلاوون بمناسبة تحرير طرابلس من الفرنجة : أمضيت ما خطه من نصرك القلم .. فيا لها نعمة من دونها النعم .. نهضت لله تقضي حق طاعته .. وأنت لله من أعداه منتقم .. فلم يخب لك قصد رحت طالبه .. ولم يضع لك أجر راح يغتنم .. لولا اهتمامك يا أسخى الملوك يدا .. كادت تزل بهذي الملة القدم .. لولاك أصبح شمل الدين مفترقا .. وأوشكت عروة الإسلام تنفصم .. فوجه دولتك الغراء مبتهج .. بما فعلت وثغر الدين مبتسم.
وقال في مدح الأشرف خليل بعد فتح عكا وإنهاء الوجود الصليبي في المشرق : سافرت منصورا وعدت مظفرا .. وبلغت حظا للجهاد موفرا .. أعطيت في الله النصيحة حقها .. وهززت للدين الوشيج الأسمرا .. ورميت عباد الصليب بعزمة .. تعيي الهرقل وتعجز الإسكندرا .. يا يوم عكة لا برحت مؤرخا .. وبقيت ما بقي الزمان مسطرا .. قد كنت أسمع بالفتوح ولم أزل .. حتى رأيت به الفتوح الأكبرا .. فتح صلاحي تأرج عرفه .. فسرى كفجري النسيم إذا سرى.
ذكره الإدفوي في البدر السائر فقال : ” أحمد بن عبد الملك بن عبد المنعم بن عبد العزيز العزازي المنعوت شهاب الدين المكنى بأبي العباس البزّار ، كان شاعرًا جيّد الشعر مكثرًا من النظم وله ديوان شعر حدث بشيء منه ، سمع منه الفضلاء وكتب عنه العلماء والأدباء ومدح الأعيان والوزراء .. ولد العزازي سنة ثلاث وثلاثين وست مئة وتوفي بالقاهرة في سابع عشرين شهر المحرّم سنة عشرة وسبع مئة “.
وذكره ابن شاكر الكتبي في فوات الوفيات فقال : ” الشهاب العزازي أحمد بن عبد الملك العزازي التاجر بقيسارية جركس الشاعر المشهور كان كيساً ظريفاً جيد النظم في الشعر والموشحات .. ووقفت على ديوان الإعزازي وهو في مجلدين شعر وموشح فمن موشحاته : يا ليلة الوصل وكاس العقار .. دون استتار .. علمتماني كيف خلع العذار .. اغتنم اللذات قبل الذهاب .. وجر أذيال الصبا والشباب .. واشرب فقد طابت كؤوس الشراب “.
وذكره صلاح الدين الصفدي في كتابه أعيان العصر وأعوان النصر فقال : ” أحمد بن عبد الملك بن عبد المنعم ابن عبد العزيز بن جامع شهاب الدين العزَّازي التاجر بقيساريةِ جَهاركس بالقاهرة ، كان شاعراً جيد المقاصد لطيف الاقتناص للمعاني خفيَّ المراصد لتراكيبه حلاوة وعلى ألفاظه طلاوة وله شيء كثير من الموشحات وكلها بالصناعة البديعية مُوشَّعات.
وكان قد أتقن فنّي القريض والتوشيح وغني اشتهاره في ذلك عن التلويح بالتصريح وكان تاجراً فهو ينشر البَّزين من نظمه وقماشه ويجعل النظم لأدبه والمتجرَ لمعاشه ، ولم يزل على حاله إلى أن طُوِيت من الحياة شُقَّتُه وعُدِمَ ما بين معاشريه لطفه ورقته ، وتوفي رحمه الله تعالى في يوم الأحد تاسع عشري شهر الله المحرم سنة عشر وسبع مئة ومولده سنة ثلاث وثلاثين وست مئة “.
وذكره ابن تغري بردي في المنهل الصافي : ” الأديب شهاب الدين العزازي .. أحمد بن عبد الملك بن عبد المنعم بن عبد العزيز بن جامع بن راضي بن جامع الأديب الشاعر شهاب الدين أبو العباس العزازي التاجر بقيسارية جهاركس بالقاهرة ، كان أديباً بارعاً مطبوعاً ظريفاً له النظم الرائق الفائق لا سيما نظمه للموشحات فإنه غاية في ذلك.
وله ديوان شعر موجود ، نذكر هنا قطعة جيدة من نظمه أنشدني المسند عبد الرحيم بن الفرات إجازة أنشدني الصلاح الصفدي إجازة قال أنشدني من لفظه الحافظ فتح الدين بن سيد الناس قال : أنشدني شهاب الدين العزازي من لفظه لنفسه يمدح سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم :
دمي بأطلال ذات الخال مطلول .. وجيش صبري مهزوم ومفلول .. ومن يلاق العيون الفاتكات بلا … صبر يدافع عنه فهو مخذول .. قتلت في الحب حب الغانيات وما .. قارفت ذنباً وكم في الحب مقتول .. لم يدر من سلب العشاق أنفسهم .. بأنه عن دم العشاق مسؤول.
ومنها : منازل لأكف الغيث توشية .. بها وللنور توشيح وتكليل .. كأنما طيب رياها ونفحتها .. بطيب ترب رسول الله مجبول .. أوفى النبيين برهانا ومعجزة .. وخير من جاءه الوحي جبريل .. له يد وله باع يزينهما .. في السلم طول وفي يوم الوغى طول
ومنها : سل الإله به سيفاً لملته .. وذلك السيف حتى الحشر مسلول .. وشاد ركناً أثيلاً من نبوته .. والكفر واه وعرش الشرك مثلول .. ويل لمن جحدوا برهانه وثنى .. عنان رشدهم غي وتضليل ، توفى بالقاهرة في سنة عشر وسبعمائة عن ست وسبعين سنة رحمه الله تعالى وعفا عنه “.
وذكره ابن حجر العسقلاني في الدرر الكامنة فقال : ” أَحْمد بن عبد الْملك بن عبد الْمُنعم بن عبد الْعَزِيز بن جَامع العزازي الْبَزَّاز الشَّاعِر الْمَشْهُور اشْتغل فِي الْأَدَب وَمهر وفَاق أقرانه سمع مِنْهُ من نظمه أَبُو حَيَّان والحافظ أَبُو الْفَتْح الْيَعْمرِي وَحدث عَنهُ غير وَاحِد وَله فِي الموشحات يَد طولى وَمَات بِالْقَاهِرَةِ فِي ٢٩ من الْمحرم سنة ٧١٠ وَله ثَلَاث وَثَمَانُونَ سنة.
وَمن نظمه مَا طارح بِهِ ابْن النَّقِيب فِي الشبابة : وَمَا صفراء شاحبة وَلَكِن .. تزينها النضارة والشباب .. مكتبة وَلَيْسَ لَهَا بنان .. منقبة وَلَيْسَ لَهَا نقاب .. تصيخ لَهَا إِذا قبلت فاها .. أحاديثا تلذ وتستطاب .. ويحلو الْمَدْح والتشبيب فِيهَا .. وَمَا هِيَ لَا سعاد وَلَا ربَاب.
وَله فِي الْقوس ملغزا : مَا عَجُوز كَبِيرَة بلغت عمرا .. طَويلا ويبتغيها الرِّجَال .. قد علا جسمها صفار وَلم تشك … سقاماً وَكم عراها هزال .. وَلها فِي الْبَنِينَ قهر وَسَهْم .. وبنوها كبار قدر نبال .. وَإِن أَنْتُم لم تشتهوها فَفِي اللَّام .. اعوجاج فِي النَّفس هزال.
قَالَ الْكَمَال جَعْفَر كَانَ مكثراً من النّظم وَحدث بِشَيْء من شعره وَسمع مِنْهُ الْفُضَلَاء وَكتب عَنهُ الكبراء ومدح الْأَعْيَان والوزراء وَله فِي كريم الدّين الْكَبِير مدائح فائقة “.

25 / كفاية النبيه في شرح التنبيه
يعد كتاب التنبيه في الفقه من أهم خمسة مراجع كبرى للمذهب الشافعي وهو من تصنيف الفقيه العلامة أبي إسحاق إبراهيم بن علي الشيرازي المدرس بالمدرسة النظامية في بغداد والمتوفي عام 476 هـ ولذا حظي باهتمام العلماء والفقهاء في كل عصر ومصر ، ومن أهم شروح الكتاب في الديار المصرية كتاب (كفاية النبيه في شرح التنبيه) الذي كتبه محتسب مصر الفقيه أبو العباس نجم الدين أحمد بن محمد بن علي الأنصاري المعروف بلقب (ابن الرفعة).
ولد ابن الرفعة في الفسطاط عام 645 هـ وتتلمذ على شيوخ عصره وعمل في سلك القضاء ودرس بالمدرسة المعزية وتوفي بالقاهرة عام 710 هـ ودفن بالقرافة واشتهر في زمنه بلقب (الفقيه) حيث صار اللقب قاصرا عليه دون غيره ، ويتناول الكتاب أبواب الفقه التقليدية في العبادات بالإضافة إلى أبواب المعاملات التجارية والجنايات والعقوبات والأحوال الشخصية وختمها بفصل خاص بشروط تولي القضاء وبيان من تقبل شهادته ومن لا تقبل.
وأهمها فصل بعنوان (كتاب البيوع) وفيه موضوعات بيع الأصول والثمار وبيع المرابحة والنجش وبيع الحاضر للبادين واختلاف المتبايعين والقرض والرهن والتفليس والحجر والصلح والضمان والشركة والوكالة والوديعة والشفعة والإجارة والمزارعة والوقف والهبة والوصية والغصب وإحياء الأرض الموات ومشكلات الاختلاف حول قدر رأس المال بين الشركاء والشروط التي تضمن سلامة عملية البيع وتوثيقها وضمان حقوق الطرفين.
وغلب على مؤلفاته الطابع العملي التطبيقي الذي يفيد القضاة والمحتسبين في عملهم ويتضح ذلك من عناوين أعماله الأخرى وهي كتاب المطلب العالي في شرح الوسيط للغزالي وكتاب الإيضاح والتبيان في معرفة الكيل والميزان وكتاب الرتبة في طلب الحسبة وكتاب بذل النصائح الشرعية فيما على السلطان وولاة الأمور وسائر الرعية ، وله كتابان في أحكام أهل الذمة وبناء الكنائس وترميمها وهما كتاب النفائس في هدم الكنائس وكتاب رسالة الكنائس والبيع.
وقد كتب المؤلف في مقدمته شرحا يوضح هدفه من تأليف الكتاب فقال : ” وبعد ، فإن العلم من أشرف ما يطلب وأجل ما يستدر به رزق الله ويجلب وحسبك ما ورد في أهله من التعظيم ، قال الله تعالى في كتابه الكريم : (شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم) ، والفقه من أهم علوم الديانات والاشتغال به متنوع إلى فروض الأعيان والكفايات ، قال الله وهو أصدق القائلين : (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين) ، وقال سيد المرسلين : (من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين).
أما كتاب التنبيه للشيخ الإمام علم الأعلام جمال الإسلام أبي إسحاق إبراهيم بن علي الفيروزآبادي المعروف بالشيرازي كتابا زكا أصله ونما فرعه واشتهر فضله قعم نفعه لصلاح سريرة مؤلفه وجميل قصده وتوفير نيته وورعه وزهده ، استخرت الله تعالى وعلقت عليه شيئا ينتفع به الطلاب وأرجو به جزيل الأجر والثواب وتوسطت فيه طرفي التقليل والإسهاب لينحل به مشكله ويفهم معناه ويظهر ما أراده بمنطوقه وفحواه ويتحقق به المتعنت السائل صدق قوله وإذا قرأه المبتدىء تنبه على أكثر المسائل.
وسميته لذلك : (كفاية التنبيه) وهو في الحقيقة بداية الفقيه وحقيق لمن صدق هذا القول أو ينفيه ألا يعجل وينعم فيطالع ما فيه فظني أنه مستودع لأكثر ما في الكتب المنثورة من المنقول والفوائد والمأثور ، وقد اعتمدت في المنقول أن أشير إذا كان مذكورا في مظنته في كتاب مشهور وأن أعزيه إلى قائله أو محله إن نقل ذلك لكيلا يتمادى إنكاره الجاهل المغرور وتارة أعزيه إلى كتاب كبير مع أنه في كتاب صغير لتعلم بظافر النقل عليه فينتفي تطرق الاحتمال إليه.
وقد اعتمدت في تجريد الفوائد وترتيب القواعد أن أذكرها في معرض السؤال بعد كلام الشيخ عن تلك المقاصد ، وكثيرا ما أذكر قولا أو وجها في مسألة ثم أقول : ويتجه أو ينبغي طرد ذلك في كذا مما هو شبيه بالمسألة ولست أروم بذلك تخريج وجه ولكن أقوله تقوية للجمع بين المسألتين وطلبا للفرق بين المأخذين ، فقد قيل : ينبغي لمن حاول الخوض فيما سبق إليه أن يعتمد خمسة أمور : جمع مفترق وإيضاح متعلق وإيجاز مطول واختراع مستجد ، وبالجملة فكل مأخوذ من قوله ومتروك إلا من عصمه الله فنسأل الله التواب أن يهدينا للصواب ويسامحنا يوم الحساب إنه على كل شيء قدير وبالإجابة جدير “.
وذكره الشيخ صلاح الدين الصفدي في كتابه أعيان العصر وأعوان النصر فقال : ” أحمد بن محمد بن الرفعة .. الشيخ الإمام العلاّمة نجم الدين بن الرِّفعَةِ الشافعي شيخ المذهب ونسيج وحده في طرازه المُذهَّب لو عاصره المُزَنيّ لعُدَّ قَطْرةً من بحره أو ابن سُريج لما عَلا في الذكر صهوة ظهره.
ولي حسبة مصر والوجه القبلي مُدّة وناب في الحكم وعَزَل نفسه لِما عالجَهُ من الشدة ، وكان حَسَنَ الشكل بهيّاً فصيح الألفاظ ذكياً كثير الإحسان إلى الطلبة قائماً في قضاء حوائجهم بالتلطّف والغلبة يجود لهم بعلمه ومالِه ولا يبخل عليهم بجاهه وإضفاء ظِلاله.
شرح التنبيه في خمسة عشر مجلداً وشرح الوسيط ولن يكمله وهما شرحان يشهدان له بالرفعة في هذا الشأن وعلوّ الرتبة التي يسفل عن مكانها كيونا ، ورأيت شيخنا شيخ الإسلام قاضي القضاة تقي الدين السبكي يكثر الثناء عليه ويصفه بمعرفة فروع المذهب وإتقانها وإجرائها على قواعدها الأصلية في مكانها ، ويكفيك أنه في زماننا لا يُطلق اسم الفقيه إلا عليه ولا يشيرون بذلك في الدروس إلاّ إليه.
أخذ الفقه عن الظهير التَّزْمَنْتي والضياء جعفر بن الشيخ عبد الرحيم القنائي وغيرهما وسمع من محيي الدين الدَّميري ودرّس بالمُعزيّة وحدّث بشيء من تصانيفه وله مصنف سماه النفائس في هدم الكنائس ، ولم يزل في اشتغال وتصنيف إلى أن عَطَلَ من كفه قلمه وفقد الناس ذلك الدر الذي يخرجه فمه وتوفي رحمه الله تعالى في شهر رجب الفرد سنة عشر وسبع مئة وقد شاخ “.
وذكره ابن تغري بردي في كتابه المنهل الصافي والمستوفي بعد الوافي فقال : ” ابن الرفعة .. أحمد بن محمد بن علي بن الشيخ الرفعة مرتفع بن حازم بن إبراهيم بن العباس الأنصاري النجاري المعروف بابن الرفعة الإمام العلامة شيخ الإسلام شيخ الشافعية في عصره ، مولده سنة خمس وأربعين وستمائة طلب العلم وسمع من محيي الدين الدميري وحدث بشيء من تصانيفه وبرع في الفقه وأصوله والعربية وغير ذَلِكَ.
ودرس وأفتى وانتفع به عامة الطلبة الشافعية انتهت إِلَيْهِ رئاسة مذهبه في عصره وكان ذكياً بارعاً متبحراً في المذهب وفروعه وصنف وشغل عدة سنين وشرح التنبيه في خمس عشرة مجلداً وشرح الوسيط ولم يكمله ، ودرس بالمعزية وغيرها وولي حسبة مصر ولم يزل مواظباً عَلَى الاشتغال والأشغال إلى أن توفي ليلة الجمعة ثامن عشر شهر رجب سنة عشرة وسبعمائة ولم يخلف بعده مثله رحمه الله تعالى “.
وقد ترجم له ابن حجر العسقلاني في كتابه الدرر الكامنة بأعيان المئة الثامنة فقال : ” أَحْمد بن مُحَمَّد بن عَليّ بن مُرْتَفع بن حَازِم بن إِبْرَاهِيم بن الْعَبَّاس الْمصْرِيّ الشَّافِعِي الشَّيْخ نجم الدّين ابْن الرّفْعَة ولد سنة 645 وَأخذ الْفِقْه عَن الضياء جَعْفَر ابْن الشَّيْخ عبد الرَّحِيم القنائي والسديد الأرمنتي والظهير التزمنتي وَابْن رزين وَابْن بنت الْأَعَز وَابْن دَقِيق الْعِيد وَغَيرهم وَسمع من عبد الرَّحِيم الدَّمِيرِيّ وَعلي بن مُحَمَّد الصَّواف وَغَيرهمَا.
واشتهر بالفقه إِلَى أَن صَار يضْرب بِهِ الْمثل وَإِذا أطلق الْفَقِيه انْصَرف إِلَيْهِ من غير مشارك مَعَ مشاركته فِي الْعَرَبيَّة وَالْأُصُول ودرس بالمعزية وَأفْتى وَعمل الْكِفَايَة فِي شرع التَّنْبِيه ففاق الشُّرُوح ثمَّ شرع فِي شرح الْوَسِيط فَعمل من أول الرّبع الثَّانِي إِلَى آخر الْكتاب شرع فِي الرّبع الأول إِلَى أثْنَاء الصَّلَاة وَمَات فأكمله غَيره وَله تصانيف لطاف وَغير ذَلِك مثل النفائس فِي هدم الْكَنَائِس وَحكم الْمِكْيَال وَالْمِيزَان.
وَولي حسبَة مصر مُدَّة وناب فِي الحكم مُدَّة ثمَّ عزل نَفسه وَكَانَت وَفَاته فِي لَيْلَة الْجُمُعَة ثامن عشر شهر رَجَب سنة 710 وَحج مَعَ الرحبية سنة 707 وَكَانَ حسن الشكل فصيحاً ذكياً محسناً إِلَى الطّلبَة كثير السَّعْي فِي قَضَاء حوائجهم وَكَانَ قد ندب لمناظرة ابْن تَيْمِية فَسئلَ ابْن تَيْمِية عَنهُ بعد ذَلِك فَقَالَ رَأَيْت شَيخنَا تتقاطر فروع الشَّافِعِيَّة من لحيته.
وَأثْنى عَلَيْهِ ابْن دَقِيق الْعِيد وَقَالَ السُّبْكِيّ كَانَ أفقه من الرَّوْيَانِيّ صَاحب الْبَحْر وَقَالَ الأسنوي مَا أخرجت مصر بعد ابْن الْحداد أفقه مِنْهُ وَكَانَ متمولاً وَله مطبخ سكر فِيمَا بَلغنِي ، وَله وقف على سَبِيل مَاء بالسويس إِحْدَى منَازِل الْحَاج قَالَ الْكَمَال جَعْفَر برع فِي الْفِقْه وانتهت إِلَيْهِ رئاسة الشَّافِعِيَّة فِي عصره وَكَانَ ذكياً حسن الشكل جميل الصُّورَة فصيحاً مفوهاً كثير الْإِحْسَان إِلَى الطّلبَة بِمَالِه وجاهه مساعدا لَهُم بِمَا اتَّصل إِلَيْهِ قدرته.
حكى لي القَاضِي أَبُو طَاهِر السفطي قَالَ كَانَت لي حَاجَة عِنْد القَاضِي لتولية الْعُقُود فَتوجه معي إِلَى الْقَاهِرَة فحضرنا درس القَاضِي فبحث فِيهِ معي فَجعل يَقُول يَا سيدنَا زين الدّين ترفق بِي ثمَّ عرف القَاضِي بِي فَقضى حَاجَتي وَلما تولى ابْن دَقِيق الْعِيد توجه معي إِلَيْهِ وَلم تكن لَهُ بِي معرفَة فَقَالَ لَهُ مَا يذكر سيدنَا لما درس العَبْد بالمعزية وشرفهم بالحضور وَأورد سَيّده الْبَحْث الفلابي وَأجَاب فَقِيه بِالْمَجْلِسِ بِكَذَا فَاسْتحْسن سيدنَا جَوَابه هُوَ هَذَا ففوض إِلَيْهِ أَن يوليني فولاني عَنهُ.
وحكاياته فِي ذَلِك كَثِيرَة قَالَ وَكَانَ أَولا فَقِيرا مضيقاً عَلَيْهِ فباشر فِي جِهَة سنكلوم فلامه الشَّيْخ تَقِيّ الدّين الصَّائِغ فَاعْتَذر بِالضَّرُورَةِ فَتكلم لَهُ مَعَ القَاضِي وأحضره درسه فبحث وَأورد نَظَائِر وفوائد فأعجب بِهِ القَاضِي وَقَالَ لَهُ الزم الدَّرْس فَفعل ثمَّ ولاه قَضَاء الواحات فحسنت حَاله ثمَّ ولي أَمَانَة الحكم بِمصْر.
ثمَّ وَقع بَينه وَبَين بعض الْفُقَهَاء شَيْء فَشَهِدُوا عَلَيْهِ أَنه نزل فسقية الْمدرسَة عُريَانا فأسقط الْعلم السمنودي نَائِب الحكم عَدَالَته فتعصب لَهُ جمَاعَة وَرفعُوا أمره للْقَاضِي فَقَالَ أَنه لم يَأْذَن لنائبه فِي الْإِسْقَاط فَعَاد لحاله وَكَانَ يُقَال أَنه كثير النَّقْل غير قوي الْبَحْث وَكَانَ الَّذِي ينْسبهُ إِلَى ذَلِك من يحسده كالسراج الأرمنتي والوجيه البهنسي.
قَالَ وَلَعَلَّ هَذَا كَانَ فِي أَوَائِل أمره فإنني حضرت درسه فَسمِعت مباحثه فائقة وَقد شرح التَّنْبِيه وَسَماهُ الْكِفَايَة فأجاد فِيهِ وَشرح بعده الْوَسِيط شرحاً حافلاً مُشْتَمِلًا على نقُول كَثِيرَة وتخريجات واعتراضات وإلزامات تشهد بغزارة مواده وسعة علمه وَقُوَّة فهمه وَكَانَ ترك تدريس الطيبرسية للشَّيْخ نجم الدّين البالسي مجَّانا على سَبِيل الْبركَة.
وَلما ولي ابْن دَقِيق الْعِيد اسْتمرّ على نِيَابَة الحكم حَتَّى حصل لَهُ أَمر عزل فِيهِ نَفسه فَلم يعده ابْن دَقِيق الْعِيد وَسُئِلَ عَن ذَلِك فَقَالَ أَنا مَا صرفته ثمَّ تولي الْحِسْبَة بِمصْر إِلَى أَن مَاتَ وَكَانَ كثير الصَّدَقَة مكباً على الِاشْتِغَال حَتَّى عرض لَهُ وجع المفاصل بِحَيْثُ كَانَ الثَّوْب إِذا لمس جِسْمه آلمه وَمَعَ ذَلِك مَعَه كتاب ينظر إِلَيْهِ وَرُبمَا انكب على وَجهه وَهُوَ يطالع “.
وذكره تاج الدين السبكي في طبقات الشافعية فقال : ” أَحْمد بن مُحَمَّد بن عَليّ بن مُرْتَفع بن صارم بن الرّفْعَة الشَّيْخ الإِمَام شيخ الْإِسْلَام نجم الدّين أَبُو الْعَبَّاس شَافِعِيّ الزَّمَان وَمن أَلْقَت إِلَيْهِ الْأَئِمَّة مقاليد السّلم والأمان مَا هُوَ إِن عدت الشَّافِعِيَّة إِلَّا أَبُو الْعَبَّاس وَلَا أَخْمص قدمه إِلَّا فَوق هامات النَّاس ابْن الرّفْعَة إِلَّا أَن جِنْسهَا انحصر بأنواعه فِي شخصه وَذُو السمعة الَّتِي ولجت الآذان وتعدد مناديها فَلم يحصره الْعَاد وَلم يحصه مَا أخرجت مصر بعد ابْن الْحداد نَظِيره وَلَا سكن ربعهَا وَهُوَ خُلَاصَة الرّبع العامر أروج مِنْهُ وَإِن لم يحضر الحاسب لجين ذَلِك الرّبع ونضيره.
وَلَقَد كَانَ عصره محتوشا بالأئمة إِلَّا أَنَّهَا سلمت وأذعنت وتطأطأ الْبَدْر وتضاءل السها إِذْ عنت قدر قدره الله لَهُ من قبل أَن يكون مُضْغَة وَفقه لَو رَآهُ ابْن الصّباغ لقَالَ هَذَا الَّذِي صبغ من النشأة عَالما {وَمن أحسن من الله صبغة} سَار اسْمه فِي مَشَارِق الأَرْض وَمَغَارِبهَا وطار ذكره فَكَانَ ملْء حواضرها وبواديها وقفارها وسباسبها ذُو ذهن لَا يدْرك فِي صرعة الْإِدْرَاك وَمِقْدَار تَقول لَهُ الزهرة مَا أزهرك والسماك مَا أسماك لَا يُقَاوم فِي مجْلِس مناظرة وَلَا يقاوى وَلَا يساوم إِذا ابْتَاعَ الْجَوَاهِر الثمينة وَلَا يساوى.
أقسم بِاللَّه يَمِينا برة لَو رَآهُ الشَّافِعِي لتبجح بمكانه وترجح عِنْده على أقرانه وترشح لِأَن يكون فِي طبقَة من عاصره وَكَانَ فِي زَمَانه وَلَو شَاهده الْمُزنِيّ لشهد لَهُ بِمَا هُوَ أَهله ولقال ابْن الْبَدْر من دون مَحَله مَحَله وَإِن النّيل مَا أنيل مثله وَلَا سكن إِلَى جَانِبه مثله وَلَو اجْتمع بِهِ البويطيء لقَالَ مَا أخرجت بَعدنَا مثله الصَّعِيد وَلَا وفى النّيل قطّ بِمثل هَذَا الْوَفَاء السعيد وَلَا أَتَى بأصابع لَكِن بأياد فِي أَيَّام عيد وَلَو عاينه الرّبيع لقَالَ هَذَا فَوق قدر الزهر فَمَا قدر الزهر وَأحسن من الرَّوْض باكره الندى أَوْقَات الْبكر وألطف من شمائل النشوان لعبت بِهِ الشُّمُول أَو أعطاف الأغصان حركها نسيم السحر.
تفقه على السديد والظهير التزمنتيين والشريف العباسي ولقب بالفقيه لغَلَبَة الْفِقْه عَلَيْهِ وَسمع الحَدِيث من محيي الدّين الدَّمِيرِيّ أَخذ عَنهُ الْفِقْه الْوَالِد رَحمَه الله وسمعته يَقُول إِنَّه عِنْد أفقه من الرَّوْيَانِيّ صَاحب الْبَحْر وَقد بَاشر حسبَة مصر ودرس بِالْمَدْرَسَةِ المعزية بهَا وَلم يل شَيْئا من مناصب الْقَاهِرَة وَمن تصانيفه الْمطلب فِي شرح الْوَسِيط والكفاية فِي شرح التَّنْبِيه وَكتاب مُخْتَصر فِي هدم الْكَنَائِس توفّي بِمصْر سنة عشر وَسَبْعمائة وَلَا مطمع فِي استعياب مباحثه وغرائبه لِأَن ذَلِك بَحر زاخر ومهيع لَا يعرف لَهُ أول من آخر “.

26 / طيف الخيال
(خيال الظل) هو فن يشبه مسرح العرائس وقد عرف أول الأمر في العصر الفاطمي حيث كان مقصورا على الأعيان داخل قصورهم ثم بعد ذلك انتشر بين العامة في العصر المملوكي وصار له متخصصون في التأليف والتمثيل والغناء ، وأطلق على مسرحيات خيال الظل وقتها اسم (بابات) وهي جمع بابة وتعني مشهد تمثيلي (سكتش) ومن أشهرها بابة (طيف الخيال) التي ألفها الشاعر الفكاهي ابن دانيال الخزاعي الموصلي المعروف بلقب (الكحال) لاشتغاله بطب العيون.
ولد في الموصل عام 647 هـ / 1249 م لأسرة تنتمي إلى قبيلة خزاعة العربية ورحل إلى مصر عام 665 هـ / 1267 م وتوفي في القاهرة عام 710 هـ / 1310 م وله قصيدة مشهورة يسرد فيها حكام مصر بعنوان (عقود النظام فيمن ولي مصر من الحكام) ، ذكره ابن شاكر الكتبي فقال : ” شمس الدين ابن دانيال الحكيم .. محمد بن دانيال بن يوسف الموصلي الحكيم الفاضل الأديب شمس الدين صاحب النظم الحلو والنثر العذب والطباع الداخلة والنكت الغريبة والنوادر العجيبة .. وكانت وفاته بالديار المصرية في شهور سنة عشر وسبعمائة “.
وقد كتب ابن دانيال عددا من بابات خيال الظل منها ثلاثة مخطوطات محفوظة في دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة وهي : طيف الخيال ، عجيب وغريب ، المتيم والضائع اليتيم ، وهي مزيج من الشعر والنثر صور فيها حياة الصناع والعمال واللهجات الخاصة بهم وكذلك لهجات الجاليات الأجنبية التي كانت تستوطن مصر وقتذاك ، وقد اخترع ابن دانيال شخصيات ذات أسماء طريفة مثل عجيب الدين الواعظ وعسلية المعاجيني وعواد الشرماط ومبارك الفيال وأبو القطط وزغبر الكلبي وناتو السوداني وأبو العجب صاحب الجدي.
وقد ذكره ابن حجر العسقلاني في كتابه الدرر الكامنة بأعيان المئة الثامنة فقال : ” محَمَّد بن دانيال بن يُوسُف المراغي الْموصِلِي الْحَكِيم شمس الدّين الكحال الْفَاضِل الأديب تعانى الْآدَاب ففاق فِي النّظم وسلك طَرِيق ابْن حجاج ومزجها بطريقة متأخري المصريين يَأْتِي بأَشْيَاء مخترعة وصنف طيف الخيال الشَّاهِد لَهُ بالمهارة فِي الْفَنّ وَله أرجوزة سَمَّاهَا عُقُود النظام فِيمَن ولي مصر من الْحُكَّام.
وَكَانَ كثير النَّوَادِر وَالرِّوَايَة توجه مرّة صُحْبَة الْأَمِير سلار إِلَى قوص فاتفق أَن بعض الخصيان الَّذين فِي خدمَة الْأَمِير توجه إِلَى النزهة فِي بُسْتَان مَعَ شخص من أَتبَاع الْأَمِير يُقَال لَهُ الحليق فبحث الْأَمِير عَنْهُمَا إِلَى أَن وجدهما فَأَرَادَ معاقبتهما فَنَهَضَ ابْن دانيال فَقَالَ يَا خوند احْلق ذقن هَذَا القواد وَأَشَارَ إِلَى الحليق واخص هَذَا الْخَادِم وَأَشَارَ إِلَى الْخصي فَضَحِك الْأَمِير سلار وَسكن غَضَبه ..
وقرأت بِخَط الْكَمَال جَعْفَر اجتاز الْوراق والجزار بِابْن دانيال وَهُوَ شَاب يكحل النَّاس فَقَالَ لَهُ أَحدهمَا خُذ هَذِه الرزمة العكاكير عنْدك فَقَالَ لَا بل قودوا أَنْتُم ، وَله ديوَان شعر فَمِنْهُ القصيدة الَّتِي أَولهَا : قد تجاسرت إِذْ كتبت كتابي .. طَمَعا فِي مَكَارِم الْأَصْحَاب ، وَهِي طَوِيلَة ، وَالْقَصِيدَة الَّتِي أَولهَا لما أبطلت الْمُنْكَرَات : رَأَيْت فِي النّوم أَبَا مره .. وَهُوَ حَزِين الْقلب فِي مره ، وَهِي طَوِيلَة أَيْضا.
وَمن مقاطيعه الرائعة قَوْله : قد عقلنا وَالْعقل أَي وثاق .. وصبرنا وَالصَّبْر مر المذاق .. كل من كَانَ فَاضلا كَانَ مثلي .. فَاضلا عِنْد قسْمَة الأرزاق ، لَهُ : يَا سائلي عَن صنعتي فِي الورى .. وضيعتي فيهم وإفلاسي .. مَا حَال من دِرْهَم إِنْفَاقه .. يَأْخُذهُ من أعين النَّاس.
وَله : كم قيل لي إِذْ دعيت شمسا .. لَا بُد للشمس من طُلُوع فَكَانَ ذَاك الطُّلُوع دَاء يرقى إِلَى السَّطْح من ضلوعي ، لَهُ : لقد منع الإِمَام الْخمر فِينَا .. وصير حَدهَا حد الثماني .. فَمَا طمعت مُلُوك الْجِنّ خوفًا .. لأجل السَّيْف تدخل فِي القناني ، مَاتَ فِي 12 جُمَادَى الْآخِرَة سنة 710 “.
وذكره ابن تغري بردي في النجوم الزاهرة وذلك في أحداث سنة 710 هـ فقال : ” وتوفّى الحكيم الأديب البارع شمس الدين محمد بن دانيال بن يوسف الموصلى صاحب النّكت الغريبة والنوادر العجيبة ، وهو مصنّف كتاب طيف الخيال ، وكان كثير المجون والدّعابة وكانت دكّانه داخل باب الفتوح من القاهرة ومولده بالموصل سنة ستّ وأربعين وستمائة ومات فى الثامن والعشرين من جمادى الآخرة.
ومن شعره فى صنعته : ما عاينت عيناى فى عطلتى .. أقلّ من حظّى ولا بختى .. قد بعت عبدى وحصانى وقد .. أصبحت لا فوقى ولا تحتى ، وله فى المعنى أيضا : يا سائلى عن حرفتى فى الورى .. وضيعتى فيهم وإفلاسى .. ما حال من درهم إنفاقه .. يأخذه من أعين الناس “.
وذكره الصفدي في الوافي بالوفيات فقال : ” ابْن دانيال .. مُحَمَّد بن دانيال بن يُوسُف الْخُزَاعِيّ الْموصِلِي الْحَكِيم الْفَاضِل الأديب شمس الدّين صَاحب النّظم الحلو والنشر العذب الطباع الدَّاخِلَة والنكت الغربية والنوادر العجيبة هُوَ ابْن حجاج عصره وَابْن سكرة مصره وضع كتاب طيف الخيال فأبدع طَرِيقه وَأغْرب فِيهِ فَكَانَ هُوَ المطرب والمرقص على الْحَقِيقَة وَله أَيْضا ارجوزة سَمَّاهَا عُقُود النظام فِي من ولي مصر من الْحُكَّام.
أَخْبرنِي الشَّيْخ فتح الدّين ابْن سيد النَّاس قَالَ كَانَ الْحَكِيم شمس الدّين الْمَذْكُور لَهُ دكان كحل دَاخل بَاب الْفتُوح فاجتزت بِهِ أَنا وَجَمَاعَة من أَصْحَابه فَرَأَيْنَا عَلَيْهِ زحمة مِمَّن يكحله فَقَالُوا تَعَالَوْا نخايل على الْحَكِيم فَقلت لَهُم لَا تشاكلوه تخسروا مَعَه فَلم يوافقوني وَقَالُوا لَهُ يَا حَكِيم أتحتاج إِلَيّ عصيات يعنون بذلك أَن هَؤُلَاءِ الَّذين يكحلهم يعمون ويحتاجون إِلَى عصي فَقَالَ لَهُم سَرِيعا لَا إِلَّا إِن كَانَ فِيكُم أحد يَقُود لله تَعَالَى فَمروا خجلين.
وَكَانَ لَهُ راتب على الدِّيوَان السلطاني من لحم وعليق وَغير ذَلِك فَعمل فِي وَقت استيمار وَقطع راتبه من اللَّحْم فَدخل على الْأَمِير سيف الدّين سلار وَهُوَ يعرج فَقَالَ لَهُ مَا بك يَا حَكِيم فَقَالَ بِي قطع لحم فَضَحِك مِنْهُ وَأمر بِإِعَادَة مرتبه ، وَيُقَال أَن الْملك الْأَشْرَف قبل أَن يَلِي السلطنة أعطَاهُ فرسا وَقَالَ هَذَا اركبه إِذا طلعت القلعة أَو سَافَرت مَعنا لِأَنَّهُ كَانَ فِي خدمته فَأَخذه مِنْهُ فَلَمَّا كَانَ بعد أَيَّام رَآهُ وَهُوَ على حمَار مكسح فَقَالَ يَا حَكِيم مَا أعطيناك فرسا لتركبه فَقَالَ نعم بِعته وزدت عَلَيْهِ واشتريت هَذَا الْحمار فَضَحِك مِنْهُ ، وَله من هَذَا النَّوْع غرايب ينقلها المصريون عَنهُ “.
وأفرد له ابن فضل الله العمري فصلا كاملا في الجزء التاسع عشر من كتابه مسالك الأبصار في ممالك الأمصار ذكر فيها جانبا من طرائفه العديدة وكذلك مقطوعات من بابات خيال الظل حيث يقول : ” وحكى لي أن (حنّا) أخا سلار كان قد حصل له رمد شديد فطلب سلّار ابن دانيال وأمره بملازمته ومعالجته فلازمه حتّى أفاق وركب ومشى ولم يعط ابن دانيال شيئا ، فأتى ابن دانيال إلى مجلس سلّار ودخل على سبيل الاتّفاق فنظر سلّار إلى ابن دانيال وقال له : أين الخلعة ؟ قال : أيّ خلعة ، فقال : أيّ شيء أعطاك الأمير وأشار إلى أخيه (حنّا) فقال ابن دانيال : (وافر) إذا كان الأمير أخا (ضنينا) .. فكيف تكون أحوال الحكيم ، فضحك سلّار ومن حضره ولام أخاه وقال له : مثل هذا ما يعامل هذه المعاملة ، وأمر له بألف درهم أعطيت لابن دانيال.
وحكي أنّ ابن دانيال دخل مجلس الوزير ابن الخليليّ فجلس إلى جانب ابن المجبي البغداديّ ثمّ أخرج من كمّه منديلا فيه قرعة فقدّمها لابن البغداديّ فأخذها وشمّها ثمّ التفت إلى ابن دانيال وقال : عثّرك الله ما جيتها حتّى صلحت بها عميرة ، فضحك من حضر واستحيا ابن دانيال.
وحكي أنّه حضر مرّة عند بعض الولاة وقد أحضر لصّ سرق فلمّا قدّم إلى الوالي أخرج يديه فإذا هما مقطوعتان وجعل يقول : من لا له يد كيف يسرق ؟! ، فقال ابن دانيال : (وقوله مجزوء الرجز) وأقطع قلت له .. هل أنت لصّ أوحد .. فقال هذي صنعة .. لم يبق لي فيها يد.
وحكي أنّ السّراج الورّاق شكا رمدا ثمّ شفي ثمّ عاوده حتى كاد يذهب نور السّراج وينطفئ فعاوده الشّريف القدسيّ وقد شكا مثله رمدة كادت تذهب بعينيه فأعطاه ابن دانيال كحلا جلا سيف بصره وقوّى صحّة نظره فوصفه للسّراج ليستهدي منه نورا ويحدث به لإنسان عينه سرورا ، فبعث إلى ابن دانيال في طلبه فجهّز إليه به فلمّا جلا أكثر رمده ودنا بجفنه أن ينتضي مهنده كتب إليه : (وقوله مجزوء الكامل) يا واحدا في الجود لا يثنيه قول ثاني .. قد جدت لي باللّؤلؤيّ ثنّه بالأصفهاني “.
أما بابة (طيف الخيال) فهي مسرحية من عدة فصول تدور في إطار شعبي ماجن يضم تعبيرات مبتذلة ومعاني رقيعة حول أمير يدعى وصال يبحث عن عروس ليتزوجها وبدلا من استعانته بالخاطبة لجأ إلى قوادة خدعته وقدمت له عجوزا على وشك الموت كانت غانية في الماضي وحضرت العرس ومعها حفيدها ، وتدور الأحداث في إطار ساخر يجمع بين الشعر والنثر وتنتهي الأحداث بتوبة وصال بعد سلسلة من المواقف الطريفة.
وتبدأ أحداثها من شخص يدعى طيف الخيال قرر أن يسافر من الموصل بالعراق إلى القاهرة بمصر ليلتقي مرة أخرى بصديقه المحبوب الأمير المملوكي وصال الجندي ويلبي دعوته لحضور ذلك الحفل الذي عزم على إقامته ، ولا أحد يعرف ما هي طبيعة طيف الخيال ، هل هو إنسي أم جني ؟ ، هل هو ذكر أم أنثى ؟ ، هل هو حقيقة أو وهم ؟ ، هل هو شرير أو خير ؟
ومن نص البابة قول طيف الخيال : وعند رجوعي من الموصل الحدباء إلى الديار المصرية في الدولة الظاهرية سقى الله عهدها وأعذب في الجنان وردها وجدت تلك الرسوم دارسة ومواطن أنسها غير آنسة عافية الآثار ساقطة الجد بالعشار وقد هزم أمر السلطان جيش الشيطان فانكفأت خمور الجرات وتابت البغايا والخاطيات وشاعت الأخبار وقوي الإنكار وانزوى المسطول في الزوايا الغبراء وصارت كل يابسة بين يديه خضراء ، فدعاني بعض الأخلاء إلى محله وأنزلني بين قومه وأهله واعتذر إلي عن تقصيره في إكرامي ولاختصاره في الضيافة إذ لم يأت بمرامي وقال غلب على ظني أن الشيطان قد مات وعد من جملة الرفات قم بنا نبكيه ونصف هذه الحالة ونرثيه فابتديت وقلت مات يا قوم شيخنا إبليس وخلا منه ربعه المأنوس.
ومن أقوال وصال : سلام على من حضر مقامي وسمع كلامي من عرفني فقد تمتع بأنسي ومن جهلني فأنا أعرفه بنفسي أنا أبو الخصال المعروف بأمير وصال صاحب الدبوس والناموس والكابوس والسالوس أنا ملاكم الحيطان ومحظ الشيطان أنا أنطح من كبش وأنتن من وحش أنا عيبة عيوب وذنوب وذنوب أنا قبضة من كف وقاد وغمزة من عين قواد آكل من نار وأشرب من رمل أحل العقد وإن كانت من المد وأسامر وأقامر فأنا هماز عياب معربد فاتك فلا تجهلوا مقداري وقد كشفت لكم عن أسراري.
أين تلك الأيام التي كانت مواهب وكانت بإشراق الأحبة حبايب وأين أوقات المعشوق والاجتماعات بباب اللوق وأين جلوسنا في بستان الخشاب وشربنا في دار أم شهاب ، ولقد كنت كثير الحنين إلى تلك الدمن وما فات من طيب ذلك الزمن ، وكانت أيامي أيام الوفا وإخواني إخوان الصفا وكنت أشربها سلسبيلا وكانت الهموم لا تجد إلى قلبي سبيلا.
ومن نص إعلان ولاية الأمير قوله : ولما كان الأمير الأوحد عين الدين فخر البله والمجانين وصال الأحبة أطال الله قفاه وبارك في خصاه وأعطاه من الصفع أوفره وأوفاه ممن يتحمل بطلعة المجالس ويحن إلى صفع كل قاعد وجالس كان جديرا بأن تمد له الأكف والسواعد ويكون كالبحر الذي ساحله المصادر والموارد فوضنا إليه أمور القبور وجعلناه أميرا على مساخرة الجمهور وأضفنا إليه من الولايات ما يأتي ذكره من خرائب هذه الجهات وهي ولاية مصر القديمة مع ما دثر من الجدران والخراب وسد عماير الأهرام وما يجاورها من التلال والآجام ، ولا يدع من البدع المضحكة بابا مقفلا ولا عملا من أعمال المساخر معطلا ولينظر في باب الممازحة والملاعبة والممازجة والمداعبة.
ومن كلام المأذون : الزوجة المباركة هي الحافظة للعيال الجامعة للمال والمعدة لحسن المآل والمولدة للطعام والممهدة للمنام وهي مشتكى الحزن ومستودعة السر والعلن والمساعدة على الأغراض والمعللة في الأمراض الخليلة الصاحبة النائحة النادبة المسامرة الضجيعة المطية المطيعة ، وهذا الأمير وصال مكور الخصال قد عزم على الاتصال بالست المصونة والدرة المكنونة ضبة بنت مفتاح على ما أصدقها في هذا النكاح وهي مائة معجلة وأربعة وأربعون مؤجلة قل قبلت هذا النكاح بهذا الصداق عصمك الله من الفراق والطلاق.
ومن وصف الطبيب لزمن الوباء قوله : ولم يعد هذا في أيام الوباء والطواعين والمرضى مطرحين على مصاطب الدكاكين وعلى أبوابنا الزحام والفوانيس بأيدي الخدام والجنايز في الجوامع والحلل النفايس تجلى على الصفوف كالعرايس والناس لا ينشف لهم دمعة والمقربون لا يخرجون إلا بالقرعة والمغسل لا يستر في الغسل والحمال متبرم بثقل الحمل والحفار لا يوقر قبرا ولا يتحامى ثيبا ولا بكرا ، وقد شمل الإقليم ذلك الوباء وعادت الأرواح والقوى كالهباء فذكر الله بالخير تلك الأيام فما كانت إلا كالأحلام.
ومن أقوال طيف الخيال في النهاية : أستغفر الله من هذه الخصال وأعوذ بعفو الغفار ذي الجلال من تحمل الأوزار والعمل بعمل أهل النار فالإنابة أجمل ونحن نقول ما لا نفعل كل حي إلى الممات يصير ما له ساعة النزاع نصير وزمان العمر الطويل إذا ما اختلف الليل والنهار قصير والسعيد الذي يرى طرق الرشد بعين اليقين وهو بصير ، وقول وصال : يا أخي يا طيف الخيال ما بقي إلا الارتحال وقد عزمت على الحجاز وخرجت بالحقيقة عن المجاز وقصدت غسل هذه الآثام بماء زمزم والمقام ونويت زيارة سيد الأنام فاجعلني نصب عينك وهذا فراق بيني وبينك.

27 / لسان العرب
كتاب (لسان العرب) هو أكبر معجم في اللغة العربية حيث يتكون من عشرين مجلدا ويحوي أكثر من ثمانين ألف مادة لغوية فصار من أهم وأكبر المعاجم واهتم فيه مؤلفه ابن منظور بغريب اللغة والأحاديث والآثار وتفسير القرآن ومسائل النحو والصرف والعروض ، وقد جمعه من كتابات السابقين وأضاف إليه من عنده شروحات مستفيضة ، قال عنه الزركلي : جَمَعَ فِيهِ أمهات كتب اللغة فكاد يغني عنها جميعا.
ومؤلفه هو أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم بن علي الخزرجي الأنصاري المعروف بلقب ابن منظور ، ولد في طرابلس الغرب عام 630 هـ / 1232 م. في أسرة ترجع في نسبها إلى الصحابي الجليل رويفع بن ثابت الأنصاري وتوفي في القاهرة عام 711 هـ / 1311 م. ، التحق بالعمل في ديوان الإنشاء بالقاهرة ثم تولى القضاء في طرابلس فترة من الزمن ، تتلمذ على شيوخ عصره وبرع في النحو والصرف وعلوم اللغة والأدب.
ويعد لسان العرب معجمًا موسوعيًّا يتسم بغزارة المادة من الناحية الأدبية أيضا حيث يستشهد فيه مؤلفه بكثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة وأبيات الشعر، وقد بلغ الشعر الذي استشهد به ابن منظور قرابة اثنين وثلاثين ألف بيت موزعة بين عصور الرواية الشعرية من جاهلي ومخضرم وإسلامي وأموي وعباسي وذلك إضافة إلى روايته لآلاف من آراء اللغويين والنحويين في المسائل المختلفة.
وقد صدّر ابن منظور معجمه بمقدمة ذكر فيها شرف اللغة العربية وارتباطها بالقرآن الكريم ثم عرّج بعد ذلك على نقد التهذيب والمحكم والصحاح (وهي المعاجم السابقة له) ثم ذكر السبب الدافع إلى تأليف معجمه والذي يتمثل في أنه وجد أن الذين سبقوه إما أحسنوا الجمع وأساؤوا الوضع والترتيب وإما أحسنوا الوضع ولكنهم أساؤوا الجمع ، لكنه التزم قواعد وأصول من سبقه ثم بنى عليها حيث يقول :” بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم .. قَالَ عبد الله مُحَمَّد بن المكرم بن أبي الْحسن بن أَحْمد الْأنْصَارِيّ الخزرجي عَفا الله عَنهُ بكرمه :
الْحَمد لله رب الْعَالمين تبركا بِفَاتِحَة الْكتاب الْعَزِيز واستغراقا لأجناس الْحَمد بِهَذَا الْكَلَام الْوَجِيز إِذْ كل مُجْتَهد فِي حَمده مقصر عَن هَذِه الْمُبَالغَة وَإِن تَعَالَى وَلَو كَانَ للحمد لفظ أبلغ من هَذَا لحمد بِهِ نَفسه تقدّس وَتَعَالَى ، نحمده على نعمه الَّتِي يواليها فِي كل وَقت ويجدّدها وَلها الْأَوْلَوِيَّة بِأَن يُقَال فِيهَا نعدّ مِنْهَا وَلَا نعدّدها وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على سيدنَا مُحَمَّد المشرَّف بالشفاعة الْمَخْصُوص بِبَقَاء شَرِيعَته إِلَى يَوْم السَّاعَة وعَلى آله الْأَطْهَار وَأَصْحَابه الْأَبْرَار وأتباعهم الأخيار صَلَاة بَاقِيَة بَقَاء اللَّيْل وَالنَّهَار.
أما بعد فَإِن الله سُبْحَانَهُ قد كرَّم الْإِنْسَان وفضله بالنطق على سَائِر الْحَيَوَان وشرَّف هَذَا اللِّسَان العربيَّ بِالْبَيَانِ على كل لِسَان وَكَفاهُ شرفا أَنه بِهِ نزل الْقُرْآن وَأَنه لُغَة أهل الْجنان ، رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنهُ مَا قَالَ : قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (َحبُّوا الْعَرَب لثلاث لِأَنِّي عربيّ وَالْقُرْآن عربيّ وَكَلَام أهل الْجنَّة عربيّ).
وَإِنِّي لم أزل مشغوفا بمطالعات كتب اللُّغَات والاطلاع على تصانيفها وَعلل تصاريفها وَرَأَيْت علماءها بَين رجلَيْنِ : أما من أحسن جمعه فَإِنَّهُ لم يحسن وَضعه وَأما من أَجَاد وَضعه فَإِنَّهُ لم يُجد جمعه فَلم يُفد حسنُ الْجمع مَعَ إساءة الْوَضع وَلَا نَفَعت إجادةُ الْوَضع مَعَ رداءة الْجمع ، وَلم أجد فِي كتب اللُّغَة أجمل من تَهْذِيب اللُّغَة لأبي مَنْصُور مُحَمَّد بن أَحْمد الْأَزْهَرِي وَلَا أكمل من الْمُحكم لأبي الْحسن عَليّ بن إِسْمَاعِيل بن سَيّده الأندلسي رحمهمَا الله وهما من أمّهات كتب اللُّغَة على التَّحْقِيق وَمَا عداهما بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِمَا ثنيَّات للطريق.
غير أَن كُلًّا مِنْهُمَا مطلب عسر المهلك ومنهل وعر المسلك وكأنَّ وَاضعه شرع للنَّاس موردا عذبا وجلاهم عَنهُ وارتاد لَهُم مرعًى مربعًا ومنعهم مِنْهُ قد أخّر وقدّم وَقصد أَن يُعرب فأعجم ، فرّق الذِّهْن بَين الثنائي والمضاعف والمقلوب وبدّد الْفِكر باللفيف والمعتل والرباعي والخماسي فَضَاعَ الْمَطْلُوب ، فأهمل النَّاس أَمرهمَا وَانْصَرفُوا عَنْهُمَا وكادت الْبِلَاد لعدم الإقبال عَلَيْهِمَا أَن تَخْلُو مِنْهُمَا وَلَيْسَ لذَلِك سَبَب إِلَّا سوء التَّرْتِيب وتخليط التَّفْصِيل والتبويب.
وَرَأَيْت أَبَا نصر إِسْمَاعِيل بن حَمَّاد الْجَوْهَرِي قد أحسن تَرْتِيب مُخْتَصره وشهره بسهولة وَضعه شهرة أبي دُلف بَين باديه ومحتضره فخف على النَّاس أمره فتناولوه وَقرب عَلَيْهِم مأخذه فتداولوه وتناقلوه ، غير أَنه فِي جو اللُّغَة كالذرّة وَفِي بحرها كالقطرة وَإِن كَانَ فِي نحرها كالدرّة ؛ وَهُوَ مَعَ ذَلِك قد صحّف وحرّف وجزف فِيمَا صرّف فأُتيح لَهُ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد بن بري فتتبع مَا فِيهِ وأملى عَلَيْهِ أَمَالِيهِ مخرِّجًا لسقطاته مؤرِّخًا لغلطاته.
فاستخرت الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي جمع هَذَا الْكتاب الْمُبَارك الَّذِي لَا يُساهَم فِي سَعَة فَضله وَلَا يُشارَك وَلم أخرج فِيهِ عَمَّا فِي هَذِه الْأُصُول ورتبته تَرْتِيب الصِّحَاح فِي الْأَبْوَاب والفصول وقصدت توشيحه بجليل الْأَخْبَار وَجَمِيل الْآثَار ، مُضَافا إِلَى مَا فِيهِ من آيَات الْقُرْآن الْكَرِيم وَالْكَلَام على معجزات الذّكر الْحَكِيم ليتحلى بترصيع دررها عقده وَيكون على مدَار الْآيَات وَالْأَخْبَار والْآثَار والأمثال والأشعار حلّه وعقده ؛ فَرَأَيْت أَبَا السعادات الْمُبَارك بن مُحَمَّد بن الْأَثِير الْجَزرِي قد جَاءَ فِي ذَلِك بالنهاية وَجَاوَزَ فِي الْجَوْدَة حد الْغَايَة غير أَنه لم يضع الْكَلِمَات فِي محلهَا وَلَا رَاعى زَائِد حروفها من أَصْلهَا فَوضعت كُلًّا مِنْهَا فِي مَكَانَهُ وأظهرته مَعَ برهانه.
فجَاء هَذَا الْكتاب بِحَمْد الله وَاضح الْمنْهَج سهل السلوك آمنا بمنة الله من أَن يصبح مثل غَيره وَهُوَ مطروح مَتْرُوك ، عظُم نفعُه بِمَ اشْتَمَل من الْعُلُوم عَلَيْهِ وغني بِمَا فِيهِ عَن غَيره وافتقر غيرُه إِلَيْهِ ، وَجمع من اللُّغَات والشواهد والأدلة مَا لم يجمع مثلُه مثلَه لِأَن كل وَاحِد من هَؤُلَاءِ الْعلمَاء انْفَرد بِرِوَايَة رَوَاهَا وبكلمة سَمعهَا من الْعَرَب شفاهًا وَلم يَأْتِ فِي كِتَابه بِكُل مَا فِي كتاب أَخِيه وَلَا أَقُول تعاظم عَن نقل مَا نَقله بل أَقُول اسْتغنى بِمَا فِيهِ فَصَارَت الْفَوَائِد فِي كتبهمْ مفرقة وسارت أنجم الْفَضَائِل فِي أفلاكها هَذِه مغرّبة وَهَذِه مشرّقة ؛ فَجمعت مِنْهَا فِي هَذَا الْكتاب مَا تفرّق وقرنت بَين مَا غرّب مِنْهَا وَبَين مَا شرّق.
فانتظم شَمل تِلْكَ الْأُصُول كلهَا فِي هَذَا الْمَجْمُوع وَصَارَ هَذَا بِمَنْزِلَة الأَصْل وَأُولَئِكَ بِمَنْزِلَة الْفُرُوع فجَاء بِحَمْد الله وفْق البُغية وَفَوق المُنية، بديع الإتقان صَحِيح الْأَركان سليما من لَفْظَة لَو كَانَ ، حللت بِوَضْعِهِ ذرْوَة الْحفاظ وحللت بجمعه عقدَة الْأَلْفَاظ وَأَنا مَعَ ذَلِك لَا أدّعي فِيهِ دَعْوَى فَأَقُول شافهتُ أَو سمعتُ أَو فعلتُ أَو صنعتُ أَو شددتُ أَو رحلتُ أَو نقلتُ عَن الْعَرَب العَرْباء أَو حملتُ ؛ فَكل هَذِه الدَّعَاوَى لم يتْرك فِيهَا الْأَزْهَرِي وَابْن سَيّده لقائلٍ مقَالا وَلم يُخليا فِيهِ لأحدٍ مجالا فَإِنَّهُمَا عيَّنا فِي كِتَابَيْهِمَا عَمَّن رويا وبرهنا عَمَّا حويا ونشرا فِي خطيهما مَا طويا ولعمري لقد جمعا فأوعيا وَأَتيا بالمقاصد ووفيا.
وَلَيْسَ لي فِي هَذَا الْكتاب فَضِيلَة أمتُّ بهَا وَلَا وَسِيلَة أتمسك بِسَبَبِهَا سوى أَنِّي جمعت فِيهِ مَا تفرَّق فِي تِلْكَ الْكتب من الْعُلُوم وَبسطت القَوْل فِيهِ وَلم أشْبع باليسير وطالِبُ الْعلم منهوم ، فَمن وقف فِيهِ على صَوَاب أَو زلل أَو صِحَة أَو خلل فعهدته على المصنِّف الأوّل وحمده وذمه لأصله الَّذِي عَلَيْهِ الْمعول ، لأنني نقلت من كل أصل مضمونه وَلم أبدل مِنْهُ شَيْئا فَيُقَال فَإِنَّمَا إثمه على الَّذين يبدلونه بل أديتُ الْأَمَانَة فِي نقل الْأُصُول بالفص وَمَا تصرفت فِيهِ بِكَلَام غير مَا فِيهَا من النَّص فليعتدّ منْ ينْقل عَن كتابي هَذَا أَنه ينْقل عَن هَذِه الْأُصُول الْخَمْسَة ولْيَغْنَ عَن الاهتداء بنجومها فقد غَابَتْ لما أطلعتُ شمسَه.
والناقل عَنهُ يمد بَاعه وَيُطلق لِسَانه ويتنوع فِي نَقله عَنهُ لِأَنَّهُ ينْقل عَن خزانَة ، وَالله تَعَالَى يشْكر مَا لَهُ بإلهام جمعه من منَّة وَيجْعَل بَينه وَبَين محرِّفي كَلِمِه عَن موَاضعه واقيةً وجُنَّةً وَهُوَ المسؤول أَن يعاملني فِيهِ بِالنِّيَّةِ الَّتِي جمعتُه لأَجلهَا فإنني لم أقصد سوى حفظ أصُول هَذِه اللُّغَة النَّبَوِيَّة وَضبط فَضلهَا إِذْ عَلَيْهَا مدَار أَحْكَام الْكتاب الْعَزِيز وَالسّنة النَّبَوِيَّة وَلِأَن العالِمَ بغوامضها يعلم مَا توَافق فِيهِ النيةُ اللسانَ وَيُخَالف فِيهِ اللسانُ النيةَ وَذَلِكَ لِما رأيتُه قد غلب، فِي هَذَا الأوان من اخْتِلَاف الْأَلْسِنَة والألوان حَتَّى لقد أصبح اللّحن فِي الْكَلَام يعد لحنًا مردودًا وَصَارَ النطقُ بِالْعَرَبِيَّةِ من المعايب معدودًا.
وتنافس الناسُ فِي تصانيف الترجمانات فِي اللُّغَة الأعجمية وتفاصحوا فِي غير اللُّغَة الْعَرَبيَّة ، فَجمعت هَذَا الْكتاب فِي زمنٍ أهلُهُ بِغَيْر لغته يفخرون وصنعته كَمَا صنع نوحٌ الفلكَ وقومُه مِنْهُ يسخرون وسميته (لسانَ الْعَرَب).
وَأَرْجُو من كرم الله تَعَالَى أَن يرفع قدر هَذَا الْكتاب وينفعَ بِعُلُومِهِ الزاخرة ويصلَ النَّفْع بِهِ بتناقل الْعلمَاء لَهُ فِي الدُّنْيَا وبنطق أهل الْجنَّة بِهِ فِي الْآخِرَة وَأَن يكون من الثَّلَاث الَّتِي يَنْقَطِع عمل ابْن آدم إِذا مَاتَ إِلَّا مِنْهَا وَأَن أنال بِهِ الدَّرَجَات بعد الْوَفَاة بانتفاع كل من عمل بِعُلُومِهِ أَو نقل عَنْهَا وَأَن يَجْعَل تأليفه خَالِصا لوجهه الْجَلِيل وحسبنا الله وَنعم الْوَكِيل “.
وقد ترجم له الصفدي في الوافي بالوفيات فقال : ” جمال الدّين ابْن مكرم .. مُحَمَّد بن مكرم بتَشْديد الرَّاء بن عَليّ بن أَحْمد الْأنْصَارِيّ الرويفعي الإفْرِيقِي ثمَّ الْمصْرِيّ القَاضِي جمال الدّين أَبُو الْفضل من ولد رويفع بن ثَابت الصَّحَابِيّ ولد أول سنة ثَلَاث وَسمع من يُوسُف بن المخيلي وَعبد الرَّحْمَن بن الطُّفَيْل ومرتضى بن حَاتِم وَابْن المقير وَطَائِفَة.
وَتفرد وَعمر وَكبر وَأَكْثرُوا عَنهُ وَكَانَ فَاضلا وَعِنْده تشيع بِلَا رفض مَاتَ فِي شعْبَان سنة إِحْدَى عشرَة وَسبع مائَة خدم فِي الْإِنْشَاء بِمصْر ثمَّ ولي نظر طرابلس كتب عَنهُ الشَّيْخ شمس الدّين أَخْبرنِي الشَّيْخ أثير الدّين من لَفظه قَالَ ولد الْمَذْكُور يَوْم الِاثْنَيْنِ الثَّانِي وَالْعِشْرين من الْمحرم سنة ثَلَاثِينَ وست مائَة وَهُوَ كَاتب الْإِنْشَاء الشريف وَاخْتصرَ كتبا وَكَانَ كثير النّسخ ذَا خطّ حسن وَله أدب ونظم ونثر.
وأنشدني الْمَذْكُور لنَفسِهِ سادس ذِي الْحجَّة سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وست مائَة : ضع كتابي إِذا أَتَاك إِلَى الأرض وَقَلبه فِي يَديك لماما .. فعلى خَتمه وَفِي جانبيه قبل قد وضعتهن تؤاما .. كَانَ قصدي بهَا مُبَاشرَة الأرض وكفيك بالتثامي إِذا مَا ، وأنشدني الْمَذْكُور لِأَبِيهِ المكرم : النَّاس قد أثموا فِينَا بظنهم .. وَصَدقُوا بِالَّذِي أَدْرِي وتدرينا .. مَاذَا يَضرك فِي تَصْدِيق قَوْلهم .. بِأَن نحقق مَا فِينَا يظنونا .. حملي وحملك ذَنبا وَاحِدًا ثِقَة .. بِالْعَفو أجمل من إِثْم الورى فِينَا.
قلت : مَا أعرف فِي كتب الْأَدَب شَيْئا إِلَّا وَقد اخْتَصَرَهُ جمال الدّين بن المكرم فمما اخْتَصَرَهُ كتاب الأغاني ورتبه على الْحُرُوف وزهر الْآدَاب وَكتاب الْحَيَوَان فِيمَا أَظن واليتيمة والذخيرة ونشوار المحاضرة وَغير ذَلِك حَتَّى مُفْرَدَات ابْن البيطار وَكَانَ يختصر وَيكْتب فِي ديوَان الْإِنْشَاء وَاخْتصرَ تَارِيخ ابْن عَسَاكِر وتاريخ الْخَطِيب وذيل ابْن النجار وَجمع بَين كتاب الصِّحَاح للجوهري والمحكم لِابْنِ سَيّده وَكتاب الْأَزْهَرِي فجَاء ذَلِك فِي سَبْعَة وَعشْرين مجلداً وَرَأَيْت أَولهَا وَقد كتب عَلَيْهِ أهل ذَلِك الْعَصْر يقرظونه ويصفونه بالْحسنِ كالشيخ بهاء الدّين ابْن النّحاس وشهاب الدّين مَحْمُود وَغَيره ومحيي الدّين بن عبد الظَّاهِر فِيمَا أَظن وَأَخْبرنِي من لَفظه وَلَده قطب الدّين بقلعة الْجَبَل فِي ديوَان الْإِنْشَاء أَن وَالِده مَاتَ وَترك بِخَطِّهِ خمس مائَة مُجَلد “.
وذكره الإدفوي في البدر السافر فقال : ” محمد بن مكرَّم بن علي بن أحمد الخزرجي الإفريقي المحتد، القاهري المولد المنعوت بالجمال المكنى بأبي الفضل الأديب الكاتب أحد كتاب الإنشاء السلطاني بالديار المصرية ، روى عن أبي الحسن ابن المقير وابن المَخِيلي وابن الصابوني وابن الطفيل وابن الجميزي ومرتضى بن العفيف والجلال الدمياطي ، وتفرَّد بأشياء وحدث بالقاهرة وصنف تصانيف منها اختصار تاريخ دمشق واختصر الأغاني وكتاب في اللغة جمع فيه بين الصحاح والمحكم وكتاب الأزهري وكتاب ابن الأثير.
ومدحه شيخنا أثير الدين فقال قوله (شعر) : أجَلْت لحاظي في الرياض الدمائث .. ونزَّهت فكري في فنون المباحث .. وشاهدت مجموعًا حوى العلم كله .. بأوَّل مكتوب وثان وثالث .. فيا حسنه من جامع لفضائلٍ .. جليل على نيل المعارف باعث .. لحارَ لسان العرب أجمع فاغتدى .. نهايةَ مرتادٍ ومطلب باحث .. به أزهرت للأزهري رياضه .. فأنوارها تجلو دياجي الحوادث .. وصحت به للجوهري صحاحه .. فلا كسر يعروها ولا نقد عابث.
وأورد له أبو بكر ابن عمر الأنصاري في كتابه (نسيم البان) له قوله (شعر) : وفاتر الطَّرف ممشوق القوام .. له فعل الأسنة والهندية القضب .. في حسنه الفرد أوصاف مركبةٌ .. الخلق للترك والأخلاق للعرب ، ولد بالقاهرة في يوم الاثنين، ثاني عشرين شهر المحرم سنة ثلاثين وست مئة وتوفي بها يوم الخميس حادي عشر شعبان سنة إحدى عشرة وسبع مئة وأبوه أديبٌ له شعر “.

28 / ديوان الحمامي
في المرحلة الفاصلة بين الشعر العامي والفصيح يقف واحد من أهم شعراء العصر المملوكي وهو نصير الدين الحمامي الذي برع في فنون الشعر والزجل والموشحات والألغاز والمقطوعات القصيرة ، وقد ساعده على ذلك مهنته التي نسب إليها وهي إدارة الحمامات العمومية حيث كان قريبا من عامة الناس عارفا بأحوالهم وكلامهم ، ولد في المنيا بصعيد مصر عام 669 هـ / 1270 م وتوفي في القاهرة عام 712 هـ / 1313 م.
ذكره السيوطي في حسن المحاضرة فقال : نصير الحمامي كان حجة في الأدب ماهرًا في الشعر له تصانيف عديدة في فن الآداب المفيدة وله معرفة كبيرة وفضائل كثيرة ، ومن أبياته المشهورة في الحكمة قوله : إني لأكره في الأنام ثلاثة .. ما إن لهم في عدها من زائد .. قرب البخيل وجاهلاً متعاقلاً .. لا يستحي وتودّداً من حاسد .. ومن البلية والرزية أن ترى .. هذي الثلاثة جمّعت في واحد.
وذكره الإدفوي في البدر السافر عن أنس المسافر فقال : ” نَصِير بن أحمد بن علي المناوي المعروف بالحمَّامي أديبٌ ينظم الشعر والموشح والزجل كتب عنه أشياخنا وأصحابنا ، أنشدنا شيخنا أثير الدين أبو حيان أنشدني نصيرٌ لنفسه قوله : لا تفُهْ ما حييتَ إلا بخيرٍ .. ليكون الجواب خيرًا لديكا .. قد سمعت الصَّدى وذاك جمادٌ .. كل شيء تقول ردٌّ عليكا.
وله أيضًا قال : ما زال يسقيني زُلالَ رُضَابه .. لما خفيتُ ضنًا وذبتُ توقُّدا .. ويظنني حيًا رويتُ بريقه .. فإذا دعا قلبي يجاوبُه الصَّدى ، وله : ماذا يضرُّكَ لو سمحت بزورةٍ .. وشفعتها بمكارم الأخلاق .. وردعتَ نفسكَ حين تمنعك اللِّقا .. وتقول هذا آخرُ العُشَّاق ، ولد بمنية بني خصيب سنة تسع وست مئة في ما رأيت بخط بعض أصحابنا وتوفي بمصر سنة أربع وسبع مئة ظنًا “.
وروى الإدفوي قصة طريفة عن شعر أرسله الحمامي إلى الشيخ ابن دقيق العيد فقال : ” وكتب إلى قاضي القضاة تقي الدين القشيري يطلبُ منه كنافةً فبلغني أنه أرسل إليه عشرين درهمًا وجعل الأبيات التي نظمها لغزًا وهي هذه شعر :
يا واحدًا في عصره بمصره .. ومن له حسنُ السَّناء والسَّنا .. تعرف لي اسمًا حاز ذوقًا وذكا .. حلو المحيَّا والجنان والجنا .. والحلُّ والعقد له في دسته .. ويحبسُ الصَّدر وفي الصدر المنى .. إن قيل يومًا هل لذاك كنيةٌ .. فقل لهم لم يخلُ ذلك من كنى .. أين لعيني لا لسمعي حلُّ ما .. ألغزته لازلتَ محمود الثنا “.
وترجم له ابن حجر العسقلاني في الدرر الكامنة بأعيان المئة الثامنة فقال : ” نصير بن أَحْمد بن عَليّ الْمَنَاوِيّ الْمصْرِيّ الحمامي ولد سنة 669 وتعانى نظم الشّعْر ففاق فِيهِ مَعَ عاميته وَكَانَ يرتزق بِضَمَان الحمامات قَالَ أَبُو حَيَّان كَانَ أديباً كيس الْأَخْلَاق أَنْشدني لنَفسِهِ : إِن الغزال الَّذِي هام الْفُؤَاد بِهِ .. استأنس الْيَوْم عِنْدِي بَعْدَمَا نَفرا .. أظهرتها ظاهريات وَقد ربضت .. بهَا الْأسود رَآهَا الظبي فانكسرا.
قَالَ وأنشدني لنَفسِهِ : لي منزل مَعْرُوفَة .. ينهل غيثاً كالسحب .. أقبل ذَا الْعذر بِهِ .. وَأكْرم الْجَار الْجنب ، قَالَ وأنشدني لنَفسِهِ : ومذ لَزِمت الْحمام صرت فِي .. خلا يُدَارِي من لَا يداريه .. أعرف حر الْأَشْيَاء وباردها .. وآخذ المَاء من مجاريه.
وَكَانَت بَينه وَبَين السراج الْوراق وَابْن النَّقِيب وَابْن دانيال وَغَيرهم من المصريين مداعبات ومكاتبات يطول ذكرهَا وَمِنْهَا مَا كتب إِلَى الْوراق : رب راو عَن النَّبِي حَدِيثا .. مُسْندًا ثَابتا كلَاما فصيحا .. قَالَ قَالَ النَّبِي قولا صَحِيحا .. قلت قَالَ النَّبِي قولا صَحِيحا .. ففهمت الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ .. وَسمعت الَّذِي رَوَاهُ صَرِيحًا .. قَالَ لي يَا أديب أَنْت فَقِيه .. قلت لَا قَالَ حزت ذهنا مليحا.
فَأَجَابَهُ الْوراق : إِن فعلا جعلته أَنْت قولا لَيْسَ فِيهِ يحْتَاج مِنْك وضوحا .. فَابْن مِنْهُ مضارعاً يظْهر الخافِي ويبدو الَّذِي كتبت صَرِيحًا .. وتراه يَبْدُو لعينك مقبلَا وَقد قلت فِيهِ قولا صَحِيحا .. وَهُوَ فعل لم تأته أَنْت يَا شيطان فَافْهَم مَقَالَتي تَلْوِيحًا.
وَكتب إِلَى سراج الْوراق : من الرَّأْي عِنْدِي أَن تواصل خلْوَة .. لَهَا كبد حرى وفيض عُيُون .. تراعي نجوماً فِيك من حر قَلبهَا .. وتبكي بدمع قارح وحزين .. غَدا قَلبهَا صبا عَلَيْك وَأَنت إِن .. تَأَخَّرت أضحى فِي حِيَاض منون ، مَاتَ فِي الْمحرم سنة ثَمَان وَسَبْعمائة “.
وذكره ابن شاكر الكتبي في فوات الوفيات فقال : ” النصير الحمامي .. النّصير – بفتح النون – ابن احمد بن علي المناوي الحمّامي ؛ قال الحافظ العلامة أثر الدين أبو حيان : كان المذكور أديباً بمصر كيّس الأخلاق يتحرّف باكتراء الحمامات ، وأسنّ وضعف عن ذلك وكان يستجدي بالشّعر ، توفي سنة اثنتي عشرة وسبعمائة رحمه الله “.
وكتب عنه الصفدي في أعيان العصر فقال : ” نصير بن أحمد بن علي المناوي الحمّامي ، كان عامياً إلا في النظم الذي يأتي بسحره ويدير على الألباب كؤوس خمره ، وكان في تلك الحلبة في جيادها المعدودة وسوابقها التي تذر الرياح الهوج وأنفاسها مكدوده.
قعدت معه التورية وجادت ورأست على كلام غيره وسادت ، معانيه بليغة وألفاظه فصيحة وأبكاره برزت حاسرة ولم تخش فضيحة ، وتراكيب كلماته في كل ما يأتي به في غاية الانسجام ومقاصده مليحة تطوف على النفوس منها بالأنس جام.
جاراه فحول عصره وجاراهم وكتبوا إليه فأجابهم وباراهم وما ماراهم وربما أربى في اللطف على مجاريه ولو لم يكن حمامياً لما عرف حرّ الأشياء وباردها وأخذ الماء من مجاريه ، كم ألغز فألغى ذكر من تقدم وأوجز فأوجب أن الذي أداره على الأسماع كأس السلاف المقدم وأعجز من أعجب السامعين فقالوا ما غادر هذا الشاعر بعده من متردم.
يقول من يسمع مقاطيعه الرائعة أو يفكر في مقاصده اللائقة : أحروف لفظٍ أم كؤوس مدامة وافت ونشوة سامع أو شاربِ .. مما يضم السلك في جيد المهاة الرود، لا ما ضم حبل الحاطب .. تحلو شمائل حسنها مجلوة كالروض تحت شمائل وجنائب.
وكان في مصر يرتزق بضمان الحمامات، ويقيم بلاغة من فضالة تلك القمامات، عادة جرى الدهر على قاعدتها مع الأدباء، وغادة لم تغن الأيام من كان كفؤها من الألبّاء ، ولم يزل على حاله حتى أصبح للأعداء رحمة، وبكته معانيه الجمة ، وتوفي رحمه الله تعالى في سنة أربع وسبع مئة. ومولده بمنية بني خصيب سنة تسع وست مئة “.
وروى الصفدي قصة طريفة حدثت بين الحمامي والوراق فقال : ” وقال النصير للسراج الورّاق: قد عملت قصيدة في الصاحب تاج الدين، وأشتهي أنك إذا قرئت عليه تزهزه لها وتشكرها، وسيّرها الى الصاحب، فلما أنشدت بين يديه بحضرة السراج، قال الوراق بعدما فرغ من إنشادها:
شاقني للنصير شعرٌ بديع … ولمثلي في الشعر نقد بصير .. ثم لما سمعت باسمك فيه … قلت: نعم المولى ونعم المصير ، فأمر له الصاحب بدراهم وسيّرها إليه. وقال: قل له: هذه مئتا درهم صنجة، فلما أدى الرسول الرسالة، قال: قبل الأرض بين يدي مولانا الصاحب، وقل نسأل صدقاتك أن تكون عادة، فلما سمع الصاحب بذلك أعجبه، وقال: يكون ذلك عادة.
وكتب النصير الى السراج يتشوق: وكدّرت حمامي بغيبتك التي … تكدّر من لذاتها صفو مشربي .. فما كان صدر الحوض منشرحاً بها … ولا كان قلب الماء فيها بطيّب ، قلت: وهذان مثلان أيضاً يتعلّقان بالحمّام “.
وله مساجلة مشهورة بينه وبين أبي الحسين الجزار حيث قال الحمامي : أقبلُ عذرًا من كلِّ معتذرٍ .. وأطلبُ الرِّزق عند باريه .. ومذ لزمت الحمام صرت فتى .. خلاً يداري من لا يداريه .. أعرف حرّ الأشيا وباردها … وآخذ الماء من مجاريه ، وذلك ردا على الجزار الذي أرسل له قائلا : حسن التأني مما يعين على .. رزق الفتى والحظوظ تختلف .. والعبد مذ كان في جزارته .. يعرف من أين تؤكل الكتف.
وعلق عليها الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد قائلا : زاد المناوي على الجزار قال الجزار أتى بشيء واحد، فقال يعرف من أين تؤكل الكتف والمناوي أتى باثنين فقال أعرف حر الأشياء وباردها وآخذ الماء البيت ، وقال الصفدي : ” وقد أربى النصير على أبي الحسين لأن الجزار أتى بمثل واحد والحمّامي أتى بمثلين “.
ومن أزجاله العامية ما رواه عنه الشيخ عماد الدين محمد بن حِرْمي الدمياطي حيث يقول : ما لهذا اللائم .. كم يلُمني مالو .. كأنَّني أعشقْ حبُّوا .. وأزين من مالو
المليح معشُوقي .. والقطع من مالي .. والذي يعمل بي .. في الهوى يَحْلا لي .. وأيش تريد لوَّامي .. وأيش تريد عذَّالي .. يعذلوا من يسمع .. من كلام عذَّالو
أنا شيطان عشقي .. في المحبَّة مارد .. وعذولي يضرب في .. حديدٍ بارد .. وأيش يُرِدْني زاهدْ .. وأيش يُرِدْني عابدْ .. خلقَ الله الإنسان .. وخلق أعمالو
من عَذُول ليس نسمع .. من عذول ليس نقبل .. وعذولي المسكين .. في المحبَّة يجهلْ .. قام في بالو أني .. من بكلامه نعملْ .. وأنا ليس نعمل .. ما يقوم في بالُو
إنَّ من لا يهوى .. إنَّ من لا يعشق .. الجمل حين يسكت .. والحمار حين ينطق .. والله إني صادق .. وقد قلت الحقّ .. وكثير من قبلي .. مثل قولي قالوا.

29 / بهجة الأسرار
(بهجة الأسرار ومعدن الأنوار) هو عنوان كتاب يتناول مناقب القطب الرباني محيي الدين أبي محمد عبد القادر الجيلاني وكتبه أحد شيوخ الطريقة الصوفية القادرية في مصر وهو العارف بالله نور الدين أبو الحسن علي بن يوسف اللخمي الشطنوفي الذي ولد في مصر عام 644 هـ / 1246 م وتوفي فيها عام 713 هـ / 1314 م ، ويرجع في نسبه إلى فرع من قبيلة لخم العربية المعروفة التي غادرت بادية الشام بعد الحروب الصليبية إلى الديار المصرية وسكنت قرية شطنوف بالمنوفية.
وعرف الشطنوفي بلقب شيخ الديار المصرية وكان فقيها شافعيا وعالما باللغة والقراءات وله مؤلفات أخرى من أهمها شرح الشاطبية ، ويعد كتابه (بهجة الأسرار) من أوائل الكتب التي تناولت سيرة الولي الأشهر السيد عبد القادر الجيلاني المتوفي في العراق عام 561 هـ والذي يعد أحد الأقطاب الأربعة الكبار في عالم الصوفية وهو أول من نظم المريدين في تجمع لهم عرف باسم (الطريقة) والتي انتقلت بعد ذلك إلى العالم الإسلامي كله ، وقد حقق الكتاب وطبعه الأستاذ أحمد فريد المزيدي.
وفي مقدمة الكتاب يشرح الشطنوفي الأسباب التي دعته لكتابته فقال : ” وبعد ، فإني كنت سئلت أن أجمع ما وقع لي في قول شيخنا شيخ الإسلام مقتدى الأولياء علم الهدى محيي الدين أبي محمد عبد القادر بن أبي صالح الجيلي قدس الله روحه ونور ضريحه القائل : قدمي هذه على رقبة كل ولي لله إذ هي يتيمة عقد الزمان وفريدة سلك البيان وحلة مجد حاى فيها قائلها ومنزلة عز انفرد بها نازلها.
فاستخرت الله تعالى وأجبت السائل ابتغاء النفع العاجل والأجر الآجل ولخصته كتابا مفردا مرفوع الأسانيد معتمدا فيها على الصحة دون الشذوذ وفصلته بذكر أعيان المشايخ الذين بلغنا بعض أقوالهم وأفعالهم في ذلك مقرين بقدره الرفيع ، وصدرته بما نقل إلينا من بعض أخبار المشايخ أنه سيقول ذلك مصرحين بفضله الوافي وأتبعت ذاك بدرر من كلمات قالها مسفرة عن وجه مقام لم ينل بالمكاسب ولم يحز بالرغائب.
بل هيأت المواهب أسبابه وفتحت السعادة أبوابه ومدت الزيادة أطنابه وقد ضمت الرعاية أطرافها وهزت العناية أعطافها وقاد التوفيق زمامها وكشف التحقيق لثامها وجاء الأمر بقولها أمامها وفتق البيان من جناب القرب أنوارها وروى الجنان عن جنان القدس أخبارها ، لتكون مهداة على الكلمة التي من أجلها جمع ومن جرائرها نصب فرفع كي لا يظن أنها شاردة إبل أو واردة نهل بلا علل.
وأردفته بفضول من جليل كلامه وعقود من نفيس نظامه قد كشف بها براقع اللبس عن وجوه المعارف ورفع أغطية الغين عن عين شرائف اللطائف وبث فيها ذخائر علوم التوحيد وأودعها خزائن حكم التفريد بنظم كالرياض والحدق المراض ومعنى كالمدام وصوب كالغمام ، فمع كل فصل قلب يحن إلى الوصل ومع كل نفس للنفس من الأنوار قبس ومع كل شطر من الحقائق سطر يرى معانيها من معانيها درا وياقوتا ويجد من درها دواء ومن ياقوتها قوتا.
ورصعتها بطرف من خارقات أفعاله وظرف من بداياته وأحواله ترصيعا كست ديباجته أزاهير الربيع رونقا وأعارت بهجته أرانيج الزهر يافعا مورقا وأهدت لطافته إلى نسيم السحر رقة وملكت محاسنه من تنضيد عقد الجواهر دقة لتكون بنية تثبت ما قبلها وعقدا في عقائدها يحيل حلها ويشد سلطانها أزر الأقوال ويسد برهانها على المعترض سبيل المجال ، وألحقته بشواهد على فضل أتباعه ومريديه وشوارد في نشر مبشرات لأصحابه ومحبيه ليعلم مشتري ولائه بأي صفة باء وبأي غنيمة من فضل الله فاء.
وأتبعته بلوامع أنوار نسبه وخَلقه وخُلقه وعلمه ووعظه وطرقه وتعظيم الأولياء له اعترافا بحقه وجوامع أخباره عن وفاته ووصاياه حين مماته ، وأعقبته بأشياء من هذا المعنى تزيد في نظر المهتدي حسنا وختمته ببعض مناقب أكابر أصحابه وفضائل أعيان من انتمى إلى جنابه فإن علو قدر الأتباع من شرف المتبوع ومزيد فيض الأنهار من عظيم الينبوع.
وعزلت ذلك كله عن الإطالة خوف السآمة والملالة فإنه من أطال بعد الكفاية أمل ومن اقتصر على الإبانة أخدج وأضل وخير الأمور ما انحط عن الإفراط وارتقى عن التقصيروفي ذلك حجة وعمدة لمحتج وعبرة لمستبصر وسميته (بهجة الأسرار ومعدن الأنوار) ، جعل الله ما تقدم إليه أو تأخر عنه فيه وله وإياه أسأل العصمة من الزلل والتوفيق إلى صالح القول والعمل “.
ذكره الصفدي في كتابه أعيان العصر وأعوان النصر فقال : ” علي بن يوسف بن حريز بالحاء المهملة والراء والياء آخر الحروف الساكنة والزاي ، الشيخ نور الدين أبو الحسن الشطنوفي شيخ القراء قرأ القراءات على تقي الدين الجرائدي، وعلى ابن القلال وقرأ النحو على صالح إمام جامع الحاكم.
وسمع من النجيب الحراني وتولى التفسير بجامع ابن طولون وتصدر للإقراء بجامع الحاك ، وكان القضاة يكرمونه والعلماء يعظمونه ويعتقد الناس صلاحه، ويرون انه ممن جعل الدعاء سلاحه ، وقرأ عليه جماعة وخلائق وصفت منه له البواطن والخلائق.
ولم يزل على حاله إلى أن شط المزار من الشطنوفي وبطل ما كان يسنده منه إلى البصري والكوفي وتوفي رحمه الله تعالى بالقاهرة تاسع عشر ذي الحجة سنة ثلاث عشرة وسبع مئة ، وصنف كرامات الشيخ عبد القادر الجيلي وذكر فيها عجائب وغرائب وطعن الناس عليه في أسانيدها وفيما حكاه “.
وذكره الإدفوي في كتابه البدر السافر عن أنس المسافر فقال : ” علي بن يوسف بن حريز بالحاء والراء والياء والزاي الشطنوفي، ينعت بالنور المقرئ النحوي ، قرأ القراءات على التقي الجرائدي وعلى ابن القلال وقرأ النحو على الإمام صالح إمام جامع الحاكم وسمع من النجيب الحراني وتولى درس التفسير بجامع ابن طولون وتصدر للإقراء بالجامع الحاكمي.
وكان كثير من الناس يعتقد فيه وكان القضاة تكرمه وصنّف (كرامات الشيخ عبد القادر الجيلي) قدّس الله سرَّه وذكر فيه عجائب وغرائب وطُعِن عليه في أسانيده وفي ما حكاه ، توفي بالقاهرة يوم السبت تاسع عشر ذي الحجة سنة ثلاث عشرة وسبع مئة رضي الله عنه “.
وذكره ابن حجر العسقلاني في كتابه الدرر الكامنة بأعيان المئة الثامنة فقال : ” عَليّ بن يُوسُف بن حريز بن معضاد بن مُحَمَّد بن أَحْمد القارىء الْمَشْهُور بالشيخ نور الدّين الشطنوفي اللَّخْمِيّ الشَّافِعِي كَانَ أَصله من الشَّام من البلقاء وَولد بِالْقَاهِرَةِ فِي أَوَاخِر شَوَّال سنة 647 وَأخذ القراآت عَن تَقِيّ الدّين ابْن الجرائدي وزين الدّين ابْن الجزائرى وَغَيرهمَا والعربية عَن صَالح ابْن إِبْرَاهِيم بن أَحْمد الاسعردي إِمَام جَامع الْحَاكِم وَسمع من النجيب والصفي الْخَلِيل وَغَيرهمَا.
وَولي تدريس التَّفْسِير بالجامع الطولوني والإقراء بِجَامِع الْحَاكِم وَكَانَ النَّاس يكرمونه ويعظمونه وينسبونه إِلَى الصّلاح وانتفع بِهِ جمَاعَة فِي القراآت وَجمع هُوَ مَنَاقِب الشَّيْخ عبد الْقَادِر وسمى الْكتاب الْبَهْجَة قَالَ الْكَمَال جَعْفَر وَذكر فِيهَا غرائب وعجائب وَطعن النَّاس فِي كثير من حكاياته وَمن أسانيده فِيهَا وَكَانَ عَالما تقيا مشكور السِّيرَة وَمَات بِالْقَاهِرَةِ فى تَاسِع عشر ذِي الْحجَّة سنة 713 رَحمَه الله “.
وذكره السيوطي في كتابه بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة فقال : ” عَليّ بن يُوسُف بن حزيز بن معضاد بن فضل اللَّخْمِيّ الشطنوفي نور الدّين أَبُو الْحسن الْمُقْرِئ النَّحْوِيّ. كَذَا ذكره الأدفوي وَقَالَ : قَرَأَ الْقرَاءَات على التقي يَعْقُوب بن بدران الجرايدي والنحو على الضياء صَالح بن إِبْرَاهِيم الفارقي إِمَام جَامع الْحَاكِم وَسمع من النجيبوَتَوَلَّى تدريس التَّفْسِير بالجامع الطولوني.
وتصدر للإقراء بِجَامِع الْحَاكِم وَكَانَ كثير من النَّاس يَعْتَقِدهُ والقضاة تكرمه ، مَاتَ بِالْقَاهِرَةِ يَوْم السبت تَاسِع عشر ذِي الْحجَّة سنة ثَلَاث عشرَة وَسَبْعمائة ، وَقَالَ ابْن مَكْتُوم : كَانَ رَئِيس المقرئين بالديار المصرية ومعدودا فِي الْمَشَايِخ من النُّحَاة وَله الْيَد الطُّولى فِي علم التَّفْسِير وعلق فِيهِ تَعْلِيقا وَله كتاب فِي مَنَاقِب الشَّيْخ عبد الْقَادِر الكيلاني ، مولده فِي شَوَّال سنة سبع وَأَرْبَعين وسِتمِائَة “.

30 / كتاب على التوراة
(كتاب على التوراة) هو عنوان الكتاب الذي ألفه الإمام علاء الدين علي بن محمد بن عبد الرحمن بن خطاب الباجي ويتناول فيه بالنقد والتحليل دراسة الأسفار الخمسة الأولى من العهد القديم وهي التكوين والخروج واللاويين والعدد والتثنية وعرف الكتاب في وقته باسم (الرد على اليهود) ، والمخطوط الأصلي للكتاب محفوظ بدار الكتب المصرية تحت رمز علم الكلام رقم 1923 بخط سنة تسع وسبعين وثمانمائة ومصورة تحت رقم ميكروفيلم (39371) وحققه الباحث الأستاذ السيد يوسف أحمد.
ويعد هذا الكتاب من بواكير مؤلفات علم مقارنة الأديان ودراسة النصوص الدينية ، والمؤلف هو إمام المذهب الأشعري في مصر في العهد المملوكي وواحد من أستاذة علم المنطق والحساب ومن كبار علماء الأصول والعقيدة ومن أشهر أهل زمانه في المناظرات ، ولد في عام 631 هـ / 1233 م وتوفي عام 714 هـ / 1314 م وله عدة مؤلفات أخرى منها كتاب الفرائض وكتاب الحساب وكتاب كشف الحقائق في علم المنطق وكتاب غاية السول في علم الأصول وقيل عنه : ما من علم إلا وله فيه مختصر.
ذكره ابن شاكر الكتبي في كتابه فوات الوفيات فقال : ” علاء الدين الباجي .. علي بن محمد بن خطاب الشيخ علاء الدين الباجي المغربي الأصولي المصري ولد سنة إحدى وثلاثين وستمائة وتوفي سنة أربع عشرة وسبعمائة ؛ اختصر كتاب المحرر وعلوم الحديث والمحصول في أصول الفقه والأربعين.
وكان عمدة في الفتوى وتخرج به الأصحاب وممن أخذ عنه العلامتان قاضي القضاة تقي الدين السبكي وأثير الدين أبو حيان وكان ديناً صيناً وقوراً ، ومن شعره : رثى لي عذلي إذ عاينوني .. وسحب مدامعي مثل العيون .. وراموا كحل عيني قلت كفوا .. فأصل بليتي كحل العيون ، وقال ذوبيت : بلبل والهزار والشحرور .. يسبي طرباً قلب الجشي المغرور .. فانهض عجلاً وانهب من اللذة ما .. جادت كرماً به يد المقدور “.
وذكره ابن حجر في الدرر الكامنة فقال : “عليّ بن مُحَمَّد بن خطاب الْبَاجِيّ عَلَاء الدّين الشَّافِعِي ولد سنة 31 وَدخل الشَّام فَسمع بهَا من أبي الْعَبَّاس التلمساني وَحدث عَنهُ بِجُزْء ابْن جوصا وَمهر فِي الْفُنُون وفَاق فِي الْأُصُول وَأفْتى ودرس وَحضر درس ابْن دَقِيق الْعِيد فَعَظمهُ جدا فَإِنَّهُ مر فِي الدَّرْس شَيْء من كَلَام الْغَزالِيّ فِي الْوَسِيط فَقَالَ الْبَاجِيّ يرد على هَذِه الْعبارَة خَمْسَة عشر سؤالا ثمَّ سردها فَقَالَ لَهُ الْمدرس كم سنك قَالَ كَذَا قَالَ وَهَذَا الْعلم كُله حصل لَك فِي هَذَا السن.
وَقَالَ الشَّيْخ نجم الدّين الاصفوني كُنَّا عِنْد ابْن دَقِيق الْعِيد فَقَالَ يَا فُقَهَاء حضر شخص يَهُودِيّ يطْلب المناظرة قَالَ فسكتنا فبادر الْبَاجِيّ فَقَالَ احضروه فَنحْن بِحَمْد الله ندفع الشُّبْهَة وَكَانَ يَحْكِي عَن نَفسه أَن ابْن تَيْمِية لما دخل الْقَاهِرَة حضرت فِي الْمجْلس الَّذِي عقدوه لَهُ فَلَمَّا رَآنِي قَالَ هَذَا شيخ الْبِلَاد فَقلت لَا تطرئنى مَا هُنَا إِلَّا الْحق وحاققته على أَرْبَعَة عشر موضعا فَغير مَا كَانَ كتب بِهِ خطه.
وَكَانَ الْبَاجِيّ قد ولي وكَالَة بَيت المَال بالكرك ودرس بالسيفية بِالْقَاهِرَةِ وَأعَاد بالمنصورية وَكَانَ السُّبْكِيّ يطريه ويعظمه ، وَقد وَقعت لَهُ كائنة وَنسب إِلَيْهِ مقَالَة واختفى بِسَبَبِهَا مُدَّة وَكَانَ نَاب فِي الحكم بالشارع ، وَله اخْتِصَار الْمُحَرر فِي الْفِقْه وكشف الْحَقَائِق فِي الْمنطق وَالرَّدّ على الْيَهُود وصنف فِي الْفَرَائِض والحساب ثمَّ تقشف وَلبس فرجية مَفْتُوحَة وعمامته مَفْتُوحَة إِلَى الْغَايَة وَكَانَ ابْن دَقِيق الْعِيد يَقُول عَلَاء الدّين الْبَاجِيّ يُطلق عَلَيْهِ عَالم .. مَاتَ الْبَاجِيّ فِي ذِي الْقعدَة سنة 714 “.
وذكره تاج الدين السبكي في طبقات الشافعية فقال : ” عَليّ بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن خطاب الشَّيْخ الإِمَام عَلَاء الدّين الْبَاجِيّ إِمَام الْأُصُولِيِّينَ فِي زَمَانه وَفَارِس ميدانه وَله الباع الْوَاسِع فِي المناظرة والذيل الشاسع فِي المشاجرة وَكَانَ أسدا لَا يغالب وبحرا تتدفق أمواجه بالعجائب ومحققا يلوح بِهِ الْحق ويستبين ومدققا يظْهر من خفايا الْأُمُور كل كمين وَكَانَ من الْأَوَّابِينَ الْمُتَّقِينَ ذَوي التَّقْوَى والورع وَالدّين المتين
وَعنهُ أَخذ الشَّيْخ الإِمَام الْوَالِد الْأَصْلَيْنِ وَبِه تخرج فِي المناظرة وَفِيه يَقُول عِنْد مَوته من قصيدة رثاه بهَا : فَلَا تعذلنه أَن يبوح بوجده .. على عَالم أوري بلحد مقدس .. تعطل مِنْهُ كل درس وَمجمع .. وأقفر مِنْهُ كل نَاد ومجلس .. وَمَات بِهِ إِذا مَاتَ كل فَضِيلَة .. وَبحث وَتَحْقِيق وتصفيد مُفلس .. وإعلاء دين الله إِن يبد زائغ .. فيخزيه أَو يهدي بِعلم مؤسس.
قلت مَاذَا عَسى الواصف أَن يَقُول فِي الشَّيْخ الْبَاجِيّ بعد مقَالَة الشَّيْخ الإِمَام الَّذِي كَانَ لَا يحابي أحدا فِي لَفْظَة فِي حَقه هَذِه الْمقَالة ، وَكَانَ شيخ الْإِسْلَام تَقِيّ الدّين بن دَقِيق الْعِيد كثير التَّعْظِيم للشَّيْخ الْبَاجِيّ وَيَقُول لَهُ إِذا ناداه يَا إِمَام ، سَمِعت الشَّيْخ الإِمَام رَحمَه الله يَقُول كَانَ ابْن دَقِيق الْعِيد لَا يُخَاطب أحدا السُّلْطَان أَو غَيره إِلَّا بقوله يَا إِنْسَان غير اثْنَيْنِ الْبَاجِيّ وَابْن الرّفْعَة يَقُول للباجي يَا إِمَام وَلابْن الرّفْعَة يَا فَقِيه.
وَكَانَ الْبَاجِيّ أعلم أهل الأَرْض بِمذهب الْأَشْعَرِيّ فِي علم الْكَلَام وَكَانَ هُوَ بِالْقَاهِرَةِ والهندي بِالشَّام القائمين بنصرة مَذْهَب الْأَشْعَرِيّ والباجي أذكى قريحة وأقدر على المناظرة وَكَانَ فَقِيها متقنا سَمِعت بعض أَصْحَابه يَقُول كَانَ الْبَاجِيّ لَا يُفْتِي بِمَسْأَلَة حَتَّى يقوم عِنْده الدَّلِيل عَلَيْهَا فَإِن لم ينْهض عِنْده قَالَ مَذْهَب الشَّافِعِي كَذَا أَو الْأَصَح عِنْد الْأَصْحَاب كَذَا وَلَا يجْزم.
وَمَعَ اتساع بَاعه فِي المباحث لم يُوجد لَهُ كتاب أَطَالَ فِيهِ النَّفس غير كتاب الرَّد على الْيَهُود وَالنَّصَارَى بل لَهُ مختصرات لَيست على مِقْدَاره مِنْهَا كتاب التَّحْرِير مُخْتَصر الْمُحَرر فِي الْفِقْه ومختصر فِي الْأُصُول ومختصر فِي الْمنطق قيل مَا من علم إِلَّا وَله فِيهِ مُخْتَصر تفقه على شيخ الْإِسْلَام عز الدّين بن عبد السَّلَام بِالشَّام فَإِن الشَّيْخ عَلَاء الدّين مبدأ اشْتِغَاله فِيهَا.
وَكَانَت بَينه وَبَين الشَّيْخ محيي الدّين النَّوَوِيّ صداقة وصحبة أكيدة ومرافقة فِي الِاشْتِغَال حكى لي نَاصِر الدّين بن مَحْمُود صَاحب الْبَاجِيّ قَالَ حكى لي الْبَاجِيّ قَالَ ابتدأت أَنا وَالنَّوَوِيّ فِي حفظ التَّنْبِيه فَسَبَقَنِي إِلَى النّصْف الأول وسبقته إِلَى خَتمه قَالَ وَكَانَ النَّوَوِيّ يحب طَعَام الكشك فَكَانَ إِذا طبخه يُرْسل إِلَيّ يطلبني لآكل مَعَه فَلَا أجد إِلَّا كشكا وَمَاء مَائِعا فتعافه نَفسِي فرحت إِلَيْهِ مرّة بعد مرّة للصحبة الَّتِي بَيْننَا فَلَمَّا كَانَت الْمرة الْأَخِيرَة امْتنعت فجَاء بِنَفسِهِ إِلَيّ وَقَالَ وَالله يَا شيخ عَلَاء الدّين أَنا أحبك وَأحب الكشك وَمَا أشهى أَن أطبخه إِلَّا وآكل أَنا وَأَنت فإمَّا تَجِيء إِلَيّ وَإِمَّا آخذه وأجيء إِلَيْك قَالَ فَقلت لَهُ وَالله يَا شيخ محيي الدّين أَنا أحبك إِلَّا وَالله مَا أحب كشكك.
وَسمع جُزْء ابْن جوصا من أبي الْعَبَّاس بن زيري ، مولده سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة ، وَولي قَضَاء الكرك قَدِيما ثمَّ اسْتَقر بِالْقَاهِرَةِ ، وَكَانَ إِلَيْهِ مرجع المشكلات ومجالس المناظرات وَلما رَآهُ ابْن تَيْمِية عظمه وَلم يجر بَين يَدَيْهِ بِلَفْظَة فَأخذ الشَّيْخ عَلَاء الدّين يَقُول تكلم نبحث مَعَك وَابْن تَيْمِية يَقُول مثلي لا يتكلم بَين يَديك أَنا وظيفتي الاستفادة مِنْك ، وَتُوفِّي بهَا فِي سادس ذِي الْقعدَة سنة أَربع عشرَة وَسَبْعمائة ..
وَمن شعره أنشدنا الشَّيْخ الإِمَام الْوَالِد رَحمَه الله من لَفظه قَالَ أنشدنا شَيخنَا عَلَاء الدّين لنَفسِهِ من لَفظه فِي الصِّفَات الَّتِي أثبتها شيخ السّنة أَبُو الْحسن الْأَشْعَرِيّ رَضِي الله عَنهُ : حَيَاة وَعلم قدرَة وَإِرَادَة .. وَسمع وإبصار كَلَام مَعَ البقا .. صِفَات لذات الله جلّ قديمَة … لَدَى الْأَشْعَرِيّ الحبر ذِي الْعلم والتقى ، قلت أرشق من هَذَا قَول الشاطبي فِي الرائية : حَيّ عليم قدير وَالْكَلَام لَهُ .. فَرد سميع بَصِير مَا أَرَادَ جرى ، قلت أَنا أبدل قَوْله فَرد بباق لتتم الصِّفَات فِي نسق وَاحِد “.
وقد كتب الباجي منظومة في علم العقيدة بغرض جمع عناصره الأساسية تسهيلا على الطلاب ، وقد نقلها السبكي في طبقاته بعد ترجمة صاحبها فقال : ” أنشدنا الشَّيْخ نَاصِر الدّين مُحَمَّد بن مَحْمُود البساسي المنجد وَهُوَ من أخصاء الشَّيْخ الْبَاجِيّ بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ بِالْقَاهِرَةِ قَالَ أنشدنا شَيخنَا عَلَاء الدّين من لَفظه لنَفسِهِ : يَقُول أَضْعَف العبيد الراجي .. مغْفرَة عَليّ بن الْبَاجِيّ .. الْحَمد لله على التَّوْفِيق .. لفهم مَا ألهم من تَحْقِيق .. وَكم لَهُ من نعْمَة وجود .. أَوله إفَاضَة الْوُجُود .. ثمَّ الصَّلَاة وَالسَّلَام الأبدي .. على النَّبِي الْمُصْطَفى مُحَمَّد .. وَآله وَصَحبه وعترته .. وَالتَّابِعِينَ بعدهمْ لسنته “.
ومن أبياتها قوله : اعْلَم فدتك النَّفس يَا حبيب .. أَن السعيد الْعَالم الأديب .. وَهُوَ الَّذِي حوى الْعُلُوم كلهَا .. وَفك مشكلاتها وحلها .. كالفقه والأصلين والتوريث .. والنحو والتصريف والْحَدِيث .. وَالْعلم بالتفسير والمعاني .. ومنطق الْأمين وَالْبَيَان .. والبحث واللغات والإخبار .. عَن قصَص الماضين فِي الْأَعْصَار .. والطب للأبدان والقلوب .. وكل علم نَافِع مَطْلُوب .. واستثبت الْمَنْقُول مِنْهَا ضابطا .. وحقق الْبُرْهَان والمغالطا .. وَسَار فِي مسالك الْعُقُول .. على الطَّرِيق الْوَاضِح الْمَعْقُول .. فحقق الْأُصُول والفروعا .. مقيسا الْعقلِيّ والمسموعا.
وذكر السبكي أن بعض المبتدعة كتبوا عدة أبيات تشكك في العقيدة وانتشرت بين الناس فرد عليه الباجي ، يقول : ” وَكَانَ مقصد هَذَا السَّائِل الطعْن على الشَّرِيعَة فَانْتدبَ أكبر عُلَمَاء مصر وَالشَّام لجوابه نظما مِنْهُم الشَّيْخ عَلَاء الدّين فَقَالَ فِيمَا أنشدنا عَنهُ الشَّيْخ نَاصِر الدّين البساسي من لَفظه قَالَ أنشدنا الشَّيْخ عَلَاء الدّين الْبَاجِيّ لنَفسِهِ من لَفظه : أيا عَالما أبدى دَلَائِل حيرة .. يروم اهتداء من أهيل فَضِيلَة .. لقد سرني أَن كنت للحق طَالبا .. عَسى نفحة للحق من سحب رَحْمَة .. فبالحق نيل الْحق فالجأ لبابه .. كَأَهل النهى واترك حبائل حيلتي “. وفي هذه المنظومة قام الباجي بتفنيد هذه الادعاءات بصورة واضحة وتفصيلية خاصة قضايا القضاء والقدر ومسئولية الإنسان عن أفعاله ومسألة الجبر والاختيار ومبدأ السببية وغيرها من موضوعات العقيدة ، وقد أعجب علماء عصره بهذا النظم وراحوا يتنافسون في تقليده بمنظومات شبيهة ومنهم تقي الدين بن تيمية والشيخ شمس الدين بن اللبان