
31 / مباهج الفكر ومناهج العبر
(مباهج الفكر ومناهج العبر) هو عنوان الكتاب الذي ألفه الأديب جمال الدين محمد بن إبراهيم بن يحيى بن علي الأنصاري الكتبي المعروف بلقب (الوطواط) ووضع فيه خلاصة تأملاته ومشاهداته في الطبيعة والبشر والحيوان والطيور والحشرات وسائر الكائنات ووصف كل ذلك من وجهة نظر أدبية ، وله كتاب موسوعي آخر هو (غرر الخصائص الواضحة وعرر النقائص الفاضحة) يتناول فيه تأملاته في الأخلاق وطبائع النفوس البشرية.
ولد الوطواط في القاهرة عام 632 هـ / 1235 م وتوفي فيها عام 718 هـ / 1318 م وعمل في صناعة الورق وبيع الكتب واشتهر في العصر المملوكي وعاش في المحلة الكبرى والقاهرة ، وهو شاعر وكاتب ولغوي وكيميائي وعالم في الحيوان والنبات واشتغل بنسخ الكتب فاكتسب جملة كبيرة من المعارف والثقافة.
كتب عنه الدكتور محمود سالم في الموسوعة العربية قائلا : ” جمال الدين محمد بن إبراهيم بن يحيى بن علي المروي الأنصاري الوراق الكتبي المشهور بالوطواط ، ولد في القاهرة وتلقى فيها مبادئ العلوم واستهواه الأدب، فاتجه إلى علوم اللغة والأدب وحصل بنفسه مطالعة الكتب واحترف الوراقة فكان ينسخ الكتب ويجلدها ويتجر بها حتى صار خبيراً بالكتب بصيراً بقيمتها ، وقد أمده عمله في الوراقة بثقافة واسعة وجعله يطلع على علوم كثيرة وفنون مختلفة أفاد منها في إنشائه وتصنيفه وظل يشتغل بالكتب نسخاً وتصنيفاً واتجاراً إلى أن توفي.
كان جمال الدين الوطواط رجلاً فاضلاً صاحب عقل وذوق تخرج به كثير من طلاب العلم ، ومع ذلك كان موضع عبث الشاعر ابن دانيال الموصلي والكاتب محيي الدين بن عبد الظاهر بسبب لقبه فنظم ابن دانيال مقطوعات كثيرة في هجائه والسخرية منه والتعريض به ، وكتب ابن عبد الظاهر تقليداً ساخراً لرجل يعرف بابن عرّام يملّكه فيه على الطير ويذكر الوطواط مستعرضاً صفاته القبيحة تعريضاً بجمال الدين.
وكانت له صداقات كثيرة مع العلماء والأدباء ومنهم قاضي القضاة الخويّي الذي تنكر له بعد أن أصبح قاضي القضاة ولم يقض له حاجته ، فاستفتى في موقف صديقه العلماء والأدباء فكتبوا له رأيهم بتغير موقف قاضي القضاة منه وكان رأيهم بين العاذر والمستنكر ، وقد جمع ردودهم في كتاب سماه (فتوى الفتوة مرآة المروة).
كان الوطواط أديباً ناثراً أتقن فن الإنشاء، لكنه كان عاجزاً عن نظم الشعر ولم يذكر له شيء منه إلا أنه كان صاحب ذوق حسن في اختياراته وعقل راجح في مناقشاته وتنسيق مواد كتبه فقد ألّف وجمع وصنف في فنون مختلفة مستفيداً من عمله في الوراقة ونسخه لأمهات الكتب العربية في العلوم المتباينة.
وقد اشتهر من مؤلفاته كتاب (غرر الخصائص الواضحة وعرر النقائص الفاضحة) ضمنه طائفة من الأقوال والأخبار والحكايات والأشعار في الأخلاق والطبائع وجعله في ستة عشر قسماً منها ثمانية في الفضائل ومثلها في الرذائل ، وله أيضاً كتاب (مناهج الفكر ومباهج العبر) وهو كتاب موسوعي يحوي بعض المعارف في الطبيعة والفلك والجغرافيا والنبات والحيوان والكيمياء ومزج فصوله بالأدب ، وله مجموعة رسائل أدبية.
وعلى الرغم من أن الوطواط تابع سابقيه وجارى معاصريه في تصنيع النثر بالإشارات الثقافية والتراثية فإن نثره ظل واضحاً يتسم برشاقة التعبير وخفته ولم يبلغ في تعقيد الصنعة ما بلغه معاصروه ولم يحشد فيه معارفه حشداً يثقله، وحرص على توازن العبارات وتسجيعها ، فجاء مقبولاً يظهر قدرة صاحبه على الإنشاء المطبوع والاسترسال والتعبير عن الأفكار المختلفة ومسائل العلوم بوضوح مع المتانة والسلامة “.
وفي مقدمة كتابه مناهج الفكر يشرح الوطواط سبب تأليفه للكتاب فيقول : ” بسم الله الرحمن الرحيم رب يسر وأعن وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت ، الحمد لله الذي أرسل جود جوده على الأنام فهمي وخلق الإنسان وكلفه ليكون بكمالات نفسه الناطقة قيماً وأبدع إذ أطلع في سماء ذاته من شرائف صفاته أنجما ، وغاير بين حركات الحيوانات فمكبوب ومنساب وسابح وطائر بالجناح سما ومنح كلاً منها الهاما يقرطس غرض المرام سهمه متى رمى وأقامه فيها مقام العقل الغريزي الذي نبل به قدر المرء ونمى ، والصلاة على سيدنا محمد أشرف خلق ولج القول سمعه وشق له اللسان فما وعلى آله وصحبه ما أضاف الخالق في تركيب البدن إلى اللحم دماً.
وبعد ، فهذا الفن الثالث من الفنون التي دعت النفس إلى جمعها أحاديث أمانيها ولجأت إلى الانقياد بوضعها من وساوس أغراض تعانيها قصرته على ذكر الحيوان بجملة أنواعه وما اشتمل عليه كل ذي روح من أخلاقه وطباعه ولم التفت إلى ما تحدث عن استعمال شيء منها من النفع والضر ولا إلى ما ذكرته الأطباء من تشريح أعضاء الصور وذلك موضوع لهم في كتب مروية عدت باختلاف الأسماء والنعوت معنونة فمتى أرادت الافهام إستفصاحاً عن أسراره واستصباحاً من أشعة أنواره فسبيلها إلى تعرف مقصودها منه.
مقسوم إلى تسعة أبواب جعلتها معربة عنه : الباب الأول في ذكر خصائص نوع الإنسان ، الباب الثاني في ذكر طبائع ذي الناب والظفر ، الباب الثالث في ذكر طبائع الحيوان المتوحش ، الباب الرابع في ذكر طبائع الحيوان الأهلي ، الباب الخامس في ذكر طبائع الحشرات والهوام ، الباب السادس في ذكر طبائع سباع الطير ، الباب السابع في ذكر بغاث خشاش الطير ، الباب الثامن في ذكر طبائع الطير الليلي والهمج ، الباب التاسع في ذكر طبائع البحر والمشترك ، وهنا أنا ابتدي قاصداً إن شاء الله تعالى سواء السبيل مستعيناً بالله تعالى فهو حسبي ونعم الوكيل “.
وفي كتاب غرر الخصائص الواضحة يتناول بالبحث ثمانية صفات طيبة وما يضادها وهي الكرم واللؤم والعقل والحمق والفصاحة والعي والذكاء والتغفل والسخاء والبخل والشجاعة والجبن والعفو والانتقام والأخوة والعزلة ، ويشرح ذلك في مقدمته فيقول :
” بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي جعل اللسان عنوان عقل الانسان وآلة تظهر سر الجنان بفصيح العبارة وصريح البيان وصلاته وسلامه على سيدنا محمد المجتي من سرة عدنان المبعوث بجوامع الكلم الشاملة لأنواع البيان الباهرة بفصاحتها عقول ذوي الفطن والأذهان والمخصوص بمحاسن الشيم المتممة لمكارم الأخلاق ومزايا الاحسان والحائز في حلبات الاصطفاء قصبات الرهان وعلى آله وصحبه فروع شجرته الباسقة الأفنان وفراقد سماء رسالته أعيان السادات وسادات الأعيان صلاة وسلاماً دائمين ما دام طرف القلم مقاداً بعنان البنان.
وبعد ، فإني لما رأيت تغير معاني الأخلاق دالاً على تباين مباني الأعراق والنفوس تتفاوت في ميلها إلى أغراضها على حسب اختلاف جواهرها وأعراضها حداني غرض اختلج في سري وأمل اعتلج في صدري على أن أجمع كلاماً في المحامد والمذام المتخلقة بها نفوس الخواص والعوام وأجعله كتاباً يغني اللبيب عن الخليل والنديم ويخبر بالحديث والقديم فشمرت عن ساق الجد وحسرت عن ساعد الكد وعمدت إلى حسان الكتب المجموعة في ضروب الأدب فتصفحت مضمونها وتلمحت فنونها واستفتحت عيونها واستبحت أبكارها وعونها.
وجمعت في هذا الكتاب من زواهر أسدافها وجواهر أصدافها ملح فكاهات جلت عرائس المعاني في حلل موشاة وأظهرت نفائس المحاسن في أنواع من البراعة مغشاة وأزاهر بيان يغدو المتلفظ بها غايات ويروح المتحفظ بها صاحب آيات وجعلته شاملاً لمصايد شواردها ناهلاً من الفضائل أعذب مواردها محتوياً من إحراز الألفاظ على درر منظومة تستفتح النواظر بلمحات سلكها ومن أسرار المعاني على سرر مختومة تستروح الخواطر بنفحات مسكها.
أحاديث لو صيغت لألهت بحسنها عن الدر أو شمت لأغنت عن المسك وكسوته من الأخبار بزة رفيعة وأبدعت فيما أودعت فيه من الفكاهات الرائقة البديعة من نوادر مطربات وأبيات مهذبات هي للأوراق شموس مشرقات ولألئ أنوارها بارقات ألفاظها أرق من النسيم وأروق من التسنيم مفرد كما أزهرت روضات حسن وأثمرت فأضحت وعجم الطير فيها تغرّد.
وجنبته خرافات الأخبار ومطوّلات الأسمار لئلا تسأمه عند المطالعة النفوس ولئلا يكون ذكرها وضحاً في غرر الطروس وجعلته ستة عشر باباً تسفر عن وجه الابداع نقاباً وجعلتها متضادة لتضاد الأخلاق والشيم وتباين الأقدار والهمم “.
وقد ذكره ابن حجر العسقلاني في كتابه الدرر الكامنة بأعين المئة الثامنة فقال : ” مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن يحيى بن عَليّ الْأنْصَارِيّ جمال الدّين الكتبي الأديب الْمَشْهُور الْمَعْرُوف بالوطواط ولد فِي ذِي الْحجَّة سنة 632 وَكَانَ أديبا ماهرا عَارِفًا بالكتب وَجمع مجامع أدبية وَهُوَ صَاحب الرسائل الْمَشْهُورَة الْمَعْرُوفَة بِعَين الفتوة ومرآة الْمُرُوءَة كتب لَهُ عَلَيْهَا ابْن النّحاس وَابْن عبد الظَّاهِر وَابْن النَّقِيب والسراج الْوراق والنصير الحمامي وَالْعلم الْعِرَاقِيّ وَابْن الْعَفِيف وَابْن دانيال وَغَيرهم.
وَله كتاب مناهج الْفِكر ومباهج العبر وَكتاب الدُّرَر وَالْغرر وَله حواش على الْكَامِل لِابْنِ الْأَثِير فِي التَّارِيخ مفيدة وَله يَقُول ابْن دانيال وَقد رمد : وَلم اقْطَعْ الوطواط بخلا بكحله .. وَلَا أَنا من يعييه يَوْمًا تردد .. وَلكنه ينبو عَن الشَّمْس طرفه .. وَكَيف بِهِ لي قدرَة وَهُوَ أرمد ، وَفِيه عمل ابْن عبد الظَّاهِر التَّقْلِيد الْمَشْهُور الَّذِي كتبه لِابْنِ غراب بإمرة الطُّيُور أَوله أَنه من سُلَيْمَان وَأَنه بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم فتلعب فِيهِ بالوطواط تلعبا عجيبا وَهُوَ مَشْهُور وَمَات فِي الْعشْر الْأَخير من رَمَضَان سنة 718 وَله سِتّ وَسَبْعُونَ سنة ذكره السرُوجِي فِي مَشَايِخ الْعِزّ ابْن جمَاعَة “.
وذكره الصفدي في الوافي بالوفيات فقال : ” الوطواط الكتبي .. مُحَمَّد بن ابرهيم بن يحيى بن عَليّ الْأنْصَارِيّ الْمَرْوِيّ الأَصْل الْمصْرِيّ المولد جمال الدّين الكتبي الْمَعْرُوف بالوطواط ، مولده بِمصْر سنة اثْنَتَيْنِ وثلثين وست ماية.
أخبرني الشَّيْخ أثير الدّين أَبُو حَيَّان من لَفظه قَالَ الْمَذْكُور لَهُ معرفَة بالكتب وقيمها وَله نثر حسن ومجاميع أدبية وَكَانَ بَينه وَبَين ابْن الخوتي قَاضِي الْقُضَاة مَوَدَّة لما كَانَ بالمحلة فَلَمَّا تولى قَضَاء الديار المصرية توهم جمال الدّين أَنه يحسن إِلَيْهِ ويبره فَسَأَلَهُ فَلم يجبهُ إِلَى شَيْء من مَقْصُوده فاستفتى عَلَيْهِ فضلاء الديار المصرية فَكَتَبُوا لَهُ على فتياه بأجوبة مُخْتَلفَة وصير ذَلِك كتابا وَقد راحت بِهِ نُسْخَة إِلَى بِلَاد الْمغرب وَكَانَ قد سَأَلَني أَن أُجِيب على ذَلِك فامتنعت لِأَن الأجابة أقتضت ذمّ المستفتى عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ أجَاب جَمِيع من كتب عَلَيْهَا انْتهى.
قلت هَذَا الْمَذْكُور كَانَ لَهُ فَضِيلَة وَعِنْده ذوق وَفهم يدل على ذَلِك مجاميعه وَلم يكن يقدر على النّظم وَأما النثر فَإِنَّهُ كَانَ فِيهِ مجيدا وَأما هَذِه الْفتيا الْمَذْكُورَة فقد رَأَيْتهَا ونقلتها بخطى وسماها فَتْوَى الفتوة ومرآة الْمَرْوَة وَكتب لَهُ فِيهَا الشَّيْخ بهاء الدّين ابْن النّحاس وناصر الدّين حسن ابْن النَّقِيب ومحيي الدّين ابْن عبد الظَّاهِر كتب لَهُ جوابين أَحدهمَا لَهُ وَالْآخر عَلَيْهِ وَشرف الدّين ابْن فضل الله والسراج الْوراق وناصر الدّين شَافِع وَشرف الدّين الْقُدسِي وشهاب الدّين ابْن قَاضِي إخميم ومكين الدّين الْجَزرِي كتب جوابين والنصير الحمامي وَكَمَال الدّين ابْن القليوبي وَعلم الدّين ابْن بنت الْعِرَاقِيّ وشمس الدّين الْخَطِيب الْجَزرِي وَعلم الدّين القمني وَبدر الدّين الْحلَبِي الْموقع وعماد الدّين ابْن الْعَفِيف الْكَاتِب وشمس الدّين ابْن مهنا وَبدر الدّين المنبجي وَأمين الدّين ابْن الفارغ وشمس الدّين ابْن دانيال والفقيه شُعَيْب وناصر الدّين ابْن الاسكاف وَنور الدّين الْمَكِّيّ وَآخر لم يذكر اسْمه لِأَنَّهُ عاهده على ذَلِك.
وَمن تصانيف جمال الدّين الوطواط كتاب مباهج الْفِكر ومناهج العبر أَربع مجلدات تَعب عَلَيْهِ وَمَا قصر فِيهِ وَكتاب الدُّرَر وَالْغرر والدرر والعرر وملكت بِخَطِّهِ تَارِيخ ابْن الْأَثِير الْمُسَمّى بالكامل وَقد ناقش المُصَنّف فِي حَوَاشِيه وغلطه وواخذه ، وَكَانَ جمال الدّين الْمَذْكُور لَا يزَال القَاضِي محيي الدّين ابْن عبد الظَّاهِر يكرههُ ويغض مِنْهُ والتقليد السُّلَيْمَانِي الَّذِي أنشأه بِالْولَايَةِ لِابْنِ غراب على أَجنَاس الطير عرض فِيهِ بالوطواط قَالَ فِي أَوله بعد أَن عمل خَاتمًا على هَذِه الصُّورَة أَنه من سليمن وَأَنه بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم.
وَفِيه يَقُول الْحَكِيم شمس الدّين ابْن دانيال وَهُوَ ارمد : وَلم اقْطَعْ الوطواط بخلا بكحله .. وَلَا أَنا من يعييه يَوْمًا تردد .. وَلكنه ينبو عَن الشَّمْس طرفه .. وَكَيف بِهِ لي قدرَة وَهُوَ آرمد ، وأنشدني فِيهِ لنَفسِهِ أجازة نَاصِر الدّين شَافِع : كم على دِرْهَم يلوح حَرَامًا يَا لئيم الطباع سرا تواطى .. دايماً فِي الظلام تمشي مَعَ الناس وهذي عوايد الوطواط ، وأنشدني لَهُ أَيْضا : قَالُوا نرى الوطواط فِي شدَّة .. من تَعب الكد وَفِي ويل .. فَقلت هَذَا دأبه دايماً .. يسْعَى من اللَّيْل إِلَى اللَّيْل “.

32 / زبدة الفكرة في تاريخ الهجرة
في عام 659 هـ / 1261 م حضر إلى مصر مملوك عمره أربعة عشر عاما يدعى بيبرس الخطائي في صحبة الطواشي مجاهد الدين قايماز الموصلي خادم حاكم الموصل بدر الدين لؤلؤ وانضم إلى مماليك الأمير قلاوون ، وقامت برعايته زوجة قلاوون (الدة الأشرف خليل) ضمن فرقة تسمى (الصبيان الصغار) حيث عاش في حي البندقانيين بالقاهرة ودخل المدرسة فحفظ القرآن وتعلم أمور الدين وجمع بين الجندية وحب الكتابة والأدب واشتهر بلقب بيبرس الدوادار.
وفي سنة 666 هـ اشترك في فتح أنطاكية تحت قيادة السلطان بيبرس البندقداري ثم قام قلاوون بترقيته من مملوك يتقاضى جامكية (راتب نقدي) إلى مملوك صاحب إقطاع ، وفي سنة 668 هـ شارك في غزو أرمينيا وترقي في المناصب حتى وصل في عام 680 هـ إلى منصب (حامل الخزانة السلطانية) أثناء معركة حمص الثانية ، وبعدها بعام رقي إلى أمير عشرة (الطبقة الأولى من الإمارة) وبعدها بعام إلى أمير طبلخانة (الطبقة الثانية من الإمارة وتدق له الطبول).
وفي عام 685 هـ أرسله السلطان قلاوون إلى الكرك لإحضار أبناء السلطان المتوفي الظاهر بيبرس إلى القاهرة ثم عينه في نفس العام نائباً على الكرك ، وفي عهد الأشرف خليل بن قلاوون كان له دور كبير في اقتحام مدينة عكا عام 689 هـ وهي آخر معاقل الصليبيين في الشرق ثم عين داوادارا (أي حامل دواة السلطان) وفي فترة حكم الناصر محمد بن قلاوون الأولى رقي بيبرس الدوادار إلى أمير مائة ومقدم ألف (الطبقة الثالثة والأعلى من الإمارة).
ثم عين ناظرا على ديوان الإنشاء وصدر له منشور سلطاني جاء فيه : ” المجلس العالي الأميري الاجلي العالمي العادلي العضدي النصيري الذخري الظهيري الركني عز الإسلام والمسلمين شرف الأمراء في العالمين ذخر الغزاة لسان الدولة سفير المملكة عضد الملوك والسلاطين بيبرس الدوادار الملكي المنصوري الناصري ضاعف الله نعمته وسعادته ” ، وجاء ضمن المنشور إشارة إلى مهارته الأدبية في قوله : ” إن ذكرت البلاغة فهو امامها والكتابة فبيده زمامها وان امتطت انامله جواد القلم فهو به المجيد “.
وفي عام 699 هـ قام السلطان الناصر محمد بتعيينه نائبا عنه في القاهرة أثناء خروجه لمحاربة التتار في معركة وادي الخزندار وفي عام 702 هـ شهد الانتصار الكبير على التتار في مرج الصفر ، ولعب الداوادار دورا هاما في الأحداث عندما نصح بيبرس الجاشنكير بعد أن اضطربت اموره بإعادة عرش البلاد إلى الملك الناصر بعد أن انقلب عليه وقام بالتفاوض بينهما ، وبعد فرار الجاشنكير بأموال الخزانة السلطانية لحق به الدوادار في أخميم وتسلم منه ما نهبه وأعاده للقاهرة فولاه الناصر ناظرا على البيمارستان المنصوري.
وفي عام 711 هـ عين بيبرس الداوادار في منصب نائب السلطنة بالديار المصرية ، لكنه تعرض مع عدد من الأمراء للعزل والحبس في عام 712 هـ بتهمة التمرد ثم أفرج عنه في عام 718 هـ وأعيد إلى البلاط السلطاني ، وتفرغ بعدها للكتابة حيث صنف كتابه الأشهر (زبدة الفكرة في تاريخ الهجرة) والذي يتناول تاريخ دولة المماليك بوصفه شاهدا على عصرها وعاونه في ذلك عدد من الكتاب عللى رأسهم كاتبه القس القبطي الشمس بن الأكبر هبة الله.
وصنف عدة كتب أخرى هي تاب التحفة المملوكية في الدولة التركية وكتاب مختار الأخبار وكتاب اللطائف في أخبار الخلائف وكتاب مواعظ الأبرار (في التصوف) كما أسس المدرسة الدوادارية للمذهب الحنفي وكانت بخط سويقة العزي خارج باب زويلة ، وتوفي بعد أن بلغ ثمانين عاما في عام 725 هـ / 1325 م ، وقال عنه ابن إياس : ” كان الأمير بيبرس الدوادار سعيد الحركات وكان عالماً فاضلاً فقيهاً نحوياً ينظم الشعر وله شعر جيد وألف له تاريخاً سماه زبدة الفكرة في تاريخ الهجرة وجمع فيه جملة محاسن وفوائد “.
ويشرح الداوادار في كتابه كيفية دخول المماليك إلى مصر وتأسيس دولتهم فيها فقال : ” ذكر الدولة القاهرة التركية وابتدائها بالديار المصرية وانتشارها في البلاد الشامية واستيلائها على الثغور الساحلية وامتدادها إلى الممالك الحلبية والفراتية وقيامها بنصر الملة الإسلامية وإقامة الدولة العباسية من لدن الخلافة المستعصمية وذلك من استقبال سنة خمسين وستمائة.
قال العبد الفقير إلى عفو العفو الغفار بيبرس المنصوري الناصري الدوادار قد استمددت العون من ذي الجلال والاقتدار واستوفيت ما اخترته من صحيح الأخبار في كتابي هذا الذي عنيت بجمعه وكلفت بوضعه وسميته (زبدة الفكرة في تاريخ الهجرة) وسقته بتوالي سني الملة المحمدية حتى انتهى إلى بداية الدولة النيرة التركية القائمة الآن بالممالك الإسلامية.
أعز الله أنصارها وأعلى منارها وزوى إليها آفاق البلاد وأقطارها وأرجاء الأقاليم وأمصارها حتى يحوي سلطانها الأداني والأقاصي وينقاد لطاعتها الجانح والعاصي وتأخذ الأعداء بالنواصي وتستنزل المعاند من القلل والصياصي ، فإنها دولة تداركت رمقة الإسلام وأنارت وجوه الليالي والأيام وجردت للاعتزام كل حسام ورتقت كل فتق قصر دونه الاهتمام : على حين أعيى الراتقين التئامه .. فكفوا وقالوا ليس بالمتلائم.
فسمت هذه الدولة على سالف الدول وبرزت ملوكها الأواخر على ملوك الأعصر الأول واستحكمت أراخي تدبيرها بعون قدرها ومجرى مقاديرها فسلمت من الخطأ والخلل : يا دولة أجدت من الإسلام بالي رسومه الأدراس .. فبها الدين ثابت الآساس وأقامت ذكرى بني العباس .. ولى الله نصرها فلله المنة على جميع الناس.
فلما انتهيت في التاريخ إليها وأظللت في السباقة عليها ، أحببت لعظم قدرها واستفحال أمرها وتدبير ملوكها وانتظام سلوكها أن أذكر مبدأ أحوال هذه الطائفة الذين قلدهم الله بسياستها وأنهضهم بتدبير رياستها وأجلاهم من بلادهم الشاسعة وأقطارهم الواسعة وساقها إليهم بحكمته وقاد إليهم أمرها بأزمته بأسباب مشتملة على حكم لا تدرك العقول أغوارها ولا تبلغ الخواطر أسرارها.
حتى حقن بهم الدماء وسكن الدهماء وصير صغارهم كبارا لقوم آخرين ومقهورين لعزة قاهرين ومن على المستضعفين منهم بتوريثهم ممالك الإسلام وذبهم عن حوزة أهل بيت نبيه عليه السلام تصديقا لأخباره وتحقيقا لآثاره المنيفات المدونة عن الثقات أنه لا تزال فئة تقاتل عن هذا الدين ظاهرة إلى يوم القيامة.
فأقول وبالله التوفيق : إن مملكة الديار المصرية انتهت بعد انقضاء الدولة العبيدية من الملوك المسمين بالعلوية إلى الذرية الأيوبية كما ذكر مساقا وأوردناه اتساقا ، فلما شاء الله عز وجل انقراضها وقضى بانتقاضها وسبق في علمه أن صلاح الناس في تولية أولي النجدة والباس وأن الأتراك أوفر الأجناس عقلا وحزما وأن في هدايتهم إلى الإيمان صلاحا خاصا وعاما فشاءت قدرته أن يتقل طائفة منهم من أطلالهم بل من ضلالهم ويرشدها إلى مصالح ليشيد بها أركان دينه القويم ويخرجها إلى نور الإيمان من ظلم الكفر البهيم.
فاتفق من هذا ظهور التتار واستيلاؤهم على البلاد المشرقية والشمالية وتعديهم إلى الأتراك القفجاقية فأوقعوا بهم ما قدمنا ذكره من الوقايع وأوردوهم من القتل والسبي والأسر أمر الشرايع فبيعت ذراري الترك القفجاق وجلبهم التجار إلى الآفاق ، فسيق منهم إلى الديار المصرية والبلاد الشامية في آخر الدولة الأيوبية جموع من الشبان وأواسط الفتيان.
فاشتراهم ملوك بني أيوب بأنفس الأثمان ليتجملوا بهم في المواكب ويعتضدوا بهم في الكتايب واتخذوهم عدة في النوايب لما فيهم من الشجاعة والإقدام وثبات الأقدام ورمي السهام ودربتهم برياضة الخيول وصبرهم على الخطب المهول واعتيادهم بشظف الحروب وممارستهم منذ طفولتهم الخطوب وصيروا منهم الأمرا الأكابر والمقدمين على العساكر ورفعوا منازلهم وحصلوا بهم معاقلهم ..
فهذا مبدأ إحضارهم إلى هذه الديار فمكن الله لهم الأسباب وفتح أمامهم الأبواب وعوضهم من المذلة والهوان وفراق الأقارب والإخوان دخولهم في الإيمان وتخويلهم مزيد الإحسان فسبحان اللطيف المنان ، وإذا ذكرنا مبدأ المقتضى لجلبهم إلى هذه الديار فلنعد إلى ما نحن بصدد سياقته من الأخبار ، وبالله التوفيق”.
وقد ترجم له ابن حجر العسقلاني في كتابه الدرر الكامنة بأعيان المئة الثامنة فقال : ” بيبرس المنصوري الخطائي الدوادار صَاحب التَّارِيخ الْمَشْهُورَة فِي خَمْسَة وَعشْرين مجلداً ، كَانَ من مماليك الْمَنْصُور وتنقل فِي الخدم إِلَى أَن تَأمر وولاه الْمَنْصُور نِيَابَة الكرك ثمَّ صرفه الْأَشْرَف خَلِيل ثمَّ قَرَّرَهُ دواداراً كَبِيرا فاستمر بَقِيَّة دولة الْأَشْرَف وَفِي دولة كتبغا ولاجين حَتَّى عَاد النَّاصِر فَلَمَّا كَانَ فِي سنة 704 شكاه شرف الدّين ابْن فضل الله كَاتب السِّرّ لسلار وَأَنه أهانه وَشَتمه فَغَضب سلار وعزله من الْوَظِيفَة.
وَاسْتقر فِي إمرته إِلَى أَن عَاد النَّاصِر من الكرك فَأَعَادَهُ إِلَى وظيفته وأضاف إِلَيْهِ نظر الأحباس ونيابة دَار الْعدْل ثمَّ اسْتَقر فِي نِيَابَة السلطنة سنة 711 ، ثمَّ قبض عَلَيْهِ بعد سنة وسجن بالإسكندرية نَحْو الْخمس سِنِين ثمَّ شفع فِيهِ أرغون النَّائِب فأحضر فِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة 717 فَخلع عَلَيْهِ وَأعْطِي تقدمة وَكَانَ يجلس رَأس الميسرة وَكَانَ فَاضلا فِي أَبنَاء جنسه قَالَ الصَّفَدِي وأعانه على عمل التَّارِيخ كَاتب لَهُ نَصْرَانِيّ يُقَال لَهُ ابْن كبر.
وَكَانَ السُّلْطَان يقوم لَهُ ويجلسه وَكَانَ قد حج سنة 723 ، قَالَ الذَّهَبِيّ كَانَ عَاقِلا وافر الهيبة كَبِير الْمنزلَة وَمَات فِي شهر رَمَضَان سنة 725 وَهُوَ فِي عشر الثَّمَانِينَ ، وَقَالَ غَيره كَانَ كثير الْأَدَب حَنَفِيّ الْمَذْهَب عَاقِلا قد أُجِيز بالإفتاء والتدريس وَله بر ومعروف كثير الصَّدَقَة سرا ويلازم الصَّلَاة فِي الْجَمَاعَة وغالب نَهَاره فِي سَماع الحَدِيث والبحث فِي الْعُلُوم وليله فِي الْقُرْآن والتهجد مَعَ طلاقة الْوَجْه ودوام الْبشر رَحمَه الله تَعَالَى “.
وذكره الصفدي في أعيان العصر فقال : ” بيبرس .. الأمير ركن الدين الدوادار المنصوري الخطائي .. كان رأس الميسرة وكبير الدولة عمل نيابة السلطنة ، ثم إنه سجن مدة وأفرج عنه وأعيد إلى منزلته وكان فاضلاً في أبناء جنسه عاقلاً لا يستشير في أمره غير نفسه وافر الهيبة واضح الشيبة له منزلته مكنية عند السلطان ومحلة لا يشركه فيها غيره في النزوح والاستيطان يقوم له إذا أقبل ويقول له اجلس فإنك أكبر من هؤلاء وأنبل ، ولم يزل على حاله إلى أن أمسكه الحين فما أفلته وسل عليه حسامه وأصلته.
ومات وهو في عشر الثمانين بمصر سنة خمس وعشرين وسبع مئة وعمل تاريخاً كبيراً بإعانة كاتبه ابن كبر النصراني وغيره خمسةً وعشرين مجلداً ، وتولى نيابة مصر في شهر ربيع الآخر سنة إحدى عشرة وسبع مئة بعد بكتمر الجوكندار ودفن بمدرسته التي أنشأها تحت قلعة الجبل وحضر جنازته نائب السلطان والأمراء وأعتق مماليكه وجواريه وفرق خيله ، وكان يجلس رأس الميسرة وكان قد أمسك هو والأمير جمال الدين آقوش نائب الكرك والأمير سيف الدين سنقر الكمالي وحبسوا في برج بالقلعة ومعهم خمسة أمراء غيرهم “.
وذكره ابن تغري بردي في المنهل الصافي والمستوفي بعد الوافي فقال : ” الخطائي الدوادار .. بيبرس بن عبد الله المنصوري الخطائي الدوادار الأمير ركن الدين ، أصله من مماليك الملك المنصور قلاوون ، اشتراه ورباه مع أولاده ثم ترقى من بعده إلى أن ولى الدوادارية ثم صار رأس الميسرة وكبير الدولة ثم ولى نيابة السلطنة بالديار المصرية إلى أن قبض عليه وحبس مدة ثم أطلق وأعيد إلى رتبته.
وكان عاقلاً فاضلاً بارعاً عارفاً سيوساً ذا مشاركة وفضل ، وصنف تاريخاً كبيراً أجاد فيه وأبدع ويقال إنه صنفه بإعانة كاتبه ابن كبر النصراني وغيره وسمى تاريخه بزبدة الفكرة في تاريخ الهجرة في أحد عشر مجلداً ، ومما يدل على فضله ما أورده في تاريخه من الكلام المسجع وانتهى تاريخه إلى سنة أربع وعشرين وسبعمائة.
وكانت وفاته بالقاهرة في ليلة الخميس خامس عشرين شهر رمضان سنة خمس وعشرين وسبعمائة وهو من أبناء الثمانين ، وكان فاضلاً وافر الحرمة مهاباً وكان الملك الناصر محمد بن قلاوون يجله ويقوم له لما يدخل عليه ويأذن له بالجلوس ، قلت : كان يستحق هذا وأكثر لما احتوى عليه من العلم والفضل والعقل والكرم والسياسة فهؤلاء كانوا هم الأمراء لا مثل أمراء عصرنا هذا البقر العاجزة ، انتهى “.

33 / الأجوبة المصرية
” ما يصنع أعدائي بي ؟ أنا جنتي وبستاني في صدري إن رحت فهي معي لا تفارقني إن حبسي خلوة وقتلي شهادة وإخراجي من بلدي سياحة ” ، هذه العبارة من أشهر مقولات شيخ الإسلام وإمام المذهب الحنبلي تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني الدمشقي قدس الله روحه ، وهو أشهر من نار على علم ولد عام 661 هـ / 1262 م وتوفي عام 728 هـ / 1327 م ويعد المؤسس الفعلي للمذهب السلفي في العقيدة والفقه.
وقد شهدت مصر في مطالع القرن الثامن الهجري وقائع محاكمة ابن تيمية والتي اختلطت فيها الأمور الدينية بالظروف السياسية وانتهت بالحكم عليه بالسجن في مصر وذلك من قبل قضاة مدعومين من السلطان بيبرس الجاشنكير فلما عاد السلطان محمد بن قلاوون للحكم أطلقه وقربه منه ، وقد قضى ابن تيمية هذه الفترة في تأليف كتابه (الأجوبة المصرية) وهي تشمل تفنيده لاعتراضات علماء مصر على آرائه في العقيدة.
ويعرف الكتاب أيضا باسم (جواب الاعتراضات المصرية على الفتيا الحموية) ، ويحكي ابن تيمية عن بداية هذا الأمر فيقول : ” كنتُ سئلتُ من مدة طويلةٍ بُعيدَ سنة تسعين وستمئة عن الآيات والأحاديث الواردة في صفات الله في فتيا قدمتْ من حماة ، فأحلتُ السائلَ على غيري فذكر أنهم يريدون الجواب مني لابدَّ فكتبتُ الجوابَ في قعدةٍ بين الظهر والعصر وذكرتُ فيه مذهب السلف والأئمة المبني على الكتاب والسنة “.
وانبرى العلماء في مصر والشام لمهاجمة الفتوى الحموية وعلى رأسهم القاضي شمس الدين أحمد بن إبراهيم بن عبد الغني السَّرُوجي المصري الحنفي المتوفي عام 710 هـ وقد أشار إليه ابن تيمية في كتابه بيان تلبيس الجهمية ووصفه بأنه من أفضل القضاة المعارضين له ، وكان هذا الهجوم هو الدافع عند الشيخ لتأليف هذا الكتاب ليقدم فيها جوابه على الاعتراضات المصرية واستطرد فيه حتى صار كتابًا كبيرًا في أربعة مجلدات.
وقد سجن ابن تيمية سبع مرات ، وهذه السجنة الثانية كانت في القاهرة وكانت مدتها سنة ونصف من يوم الجمعة 26/9 رمضان 705 هـ إلى يوم الجمعة 23/3 ربيع أول 707 هـ ؛ كانت بدايتها في سجن (برج) ثم نقل إلى الجب بقلعة الجبل ، وكان معه في هذه المرة أخواه عبد الله وعبد الرحمن وتلميذه إبراهيم الغياني حيث كانوا ملازمين له في سفره إلى القاهرة ، وسببها كما ذكره الحافظ ابن كثير في تاريخه البداية والنهاية في حوادث 705 هـ كان مسألة العرش ومسألة الكلام ومسألة النزول.
وصنف الشيخ في مختلف علوم الدين كتبا لا يمكن حصرها من أشهرها كتاب مجموع الفتاوى وكتاب درء تعارض العقل والنقل وكتاب رفع الملام عن الأئمة الأعلام وكتاب اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم وكتاب العقيدة الواسطية وكتاب الاستقامة وكتاب السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية وكتاب الصارم المسلول على شاتم الرسول وكتاب منهاج السنة النبوية وكتاب نقد مراتب الإجماع وكتاب تخريج الكلم الطيب.
ويتميز أسلوب ابن تيمية في الكتابة بالبساطة والسهولة والابتعاد عن السجع والمحسنات البديعية حيث يدخل في موضوع النقاش مباشرة دون مقدمات ولذا يمكن فهم محتواها بسهولة في كل العصور حيث امتد تأثير مؤلفاته حتى يومنا هذا ، وسار على نهجه عدد كبير من تلاميذه مثل ابن القيم وابن كثير والذهبي وابن رجب الحنبلي وتأثر الصفدي وابن فضل الله بمسيرة حياته ومواقفه الشجاعة وجهره بالحق وتحديه للحكام والولاة.
وقد كان ابن فضل الله متأثرا للغاية بأستاذه شيخ الإسلام ابن تيمية حيث نلمح ذلك في ترجمته له في كتاب المسالك إذ يقول في عبارات بديعة : ” هو نادرة العصر هو البحر من أي النواحي جئته والبدر من أي الضواحي رأيته .. رضع ثدي العلم منذ فطم وطلع فجر الصباح ليحاكيه فلطم وقطع الليل والنهار دائبين واتخذ العلم والعمل صاحبين إلى أن آس السلف بهداه ونأى الخلف عن بلوغ مداه ..
جاء في عصر مأهول بالعلماء مشحون بنجوم السماء تموج في جوانبه بحور خضارم وتطير بين خافقيه نسور قشاعم وتشرق في أنديته بدور دجنة وتبرق في ألويته صدور أسنة وتثأر جنود رعيل وتزأر أسود غيل إلا أن شمسه طمست تلك النجوم وبحره غرق تلك العلوم ثم عبيت له الكتائب فحطم صفوفها وخطم أنوفها وابتلع غديره المطمئن جداولها واقتلع طوده المرجحن جنادلها وأخمدت أنفاسهم ريحه وأكمدت شرارتهم مصابيحه تقدم راكبا فيهم إماما ولولاه لما ركبوا وراءه ..
ترد إليه الفتاوى فلا يردها وتفد عليه من كل وجه فيجيب عنها بأجوبة كأنه كان قاعدا لها يعدها .. هذا مع ما له من جهاد في الله لم تفزعه فيه ظلل الوشيج ولم تجزعه فيه ارتفاع النشيج مواقف حروب باشرها وطرائف ضروب عاشرها وبوارق صفاح كاشرها ومضايق رماح حاشرها وأصناف خصوم لد اقتحم معها الغمرات وواكلها مختلف الثمرات فقطع جدالها قوي لسانه وجلادها سنا سنانه قام بها وصابرها وبلى بأصاغرها وقاسى أكابرها وأهل بدع قام بدفاعها وجهد في حط يفاعها ومخالفة ملل بين لها خطأ التأويل وسقم التعليل ..
وإلا فقد اجتمع عليه عصب الفقهاء والقضاة بمصر والشام وحشدوا عليه بخيلهم ورجلهم فقطع الجميع وألزمهم بالحجج الواضحات أي إلزام فلما أفلسوا أخذوه بالجاه والحكام وقد مضى ومضوا إلى الملك العلام “.
وحكى ابن حجر العسقلاني في الدرر الكامنة ملخص السنوات السبع التي قضاها ابن تيمية في مصر فقال : ” ثمَّ وصل بريدي فِي خَامِس رَمَضَان بِطَلَب القَاضِي وَالشَّيْخ وَأَن يرسلوا بِصُورَة مَا جرى للشَّيْخ فِي سنة 698 ثمَّ وصل مَمْلُوك النَّائِب وَأخْبر أَن الجاشنكير وَالْقَاضِي الْمَالِكِي قد قاما فِي الْإِنْكَار على الشَّيْخ وَأَن الْأَمر اشْتَدَّ بِمصْر على الْحَنَابِلَة حَتَّى صفع بَعضهم.
ثمَّ توجه القَاضِي وَالشَّيْخ إِلَى الْقَاهِرَة ومعهما جمَاعَة فوصلا فِي الْعشْر الْأَخير من رَمَضَان وَعقد مجْلِس فِي ثَالِث عشر مِنْهُ بعد صَلَاة الْجُمُعَة فَادّعى على ابْن تَيْمِية عِنْد الْمَالِكِي فَقَالَ هَذَا عدوي وَلم يجب عَن الدَّعْوَى فكرر عَلَيْهِ فأصر فَحكم الْمَالِكِي بحبسه فأقيم من الْمجْلس وَحبس فِي برج ثمَّ بلغ الْمَالِكِي أَن النَّاس يَتَرَدَّدُونَ إِلَيْهِ فَقَالَ يجب التَّضْيِيق عَلَيْهِ أَن لم يقتل وَإِلَّا فقد ثَبت كفره فنقلوه لَيْلَة عيد الْفطر إِلَى الْجب.
وَعَاد القَاضِي الشَّافِعِي إِلَى ولَايَته وَنُودِيَ بِدِمَشْق من اعْتقد عقيدة ابْن تَيْمِية حل دَمه وَمَاله خُصُوصا الْحَنَابِلَة فَنُوديَ بذلك وقرىء المرسوم وَقرأَهَا ابْن الشهَاب مَحْمُود فِي الْجَامِع ثمَّ جمعُوا الْحَنَابِلَة من الصالحية وَغَيرهَا واشهدوا على أنفسهم أَنهم على مُعْتَقد الإِمَام الشَّافِعِي وَذكر ولد الشَّيْخ جمال الدّين ابْن الظَّاهِرِيّ فِي كتاب كتبه لبَعض معارفه بِدِمَشْق أَن جَمِيع من بِمصْر من الْقُضَاة والشيوخ والفقراء وَالْعُلَمَاء والعوام يحطون على ابْن تَيْمِية إِلَّا الْحَنَفِيّ فَإِنَّهُ يتعصب لَهُ وَإِلَّا الشَّافِعِي فَإِنَّهُ سَاكِت عَنهُ.
وَكَانَ من أعظم القائمين عَلَيْهِ الشَّيْخ نصر المنبجي لِأَنَّهُ كَانَ بلغ ابْن تَيْمِية أَنه يتعصب لِابْنِ الْعَرَبِيّ فَكتب إِلَيْهِ كتابا يعاتبه على ذَلِك فَمَا أعجبه لكَونه بَالغ فِي الْحَط على ابْن الْعَرَبِيّ وتكفيره فَصَارَ هُوَ يحط على ابْن تَيْمِية ويغري بِهِ بيبرس الجاشنكير وَكَانَ بيبرس يفرط فِي محبَّة نصر ويعظمه وَقَامَ القَاضِي زين الدّين ابْن مخلوف قَاضِي الْمَالِكِيَّة مَعَ الشَّيْخ نصر وَبَالغ فِي أذية الْحَنَابِلَة ..
وتعصب سلار لِابْنِ تَيْمِية وأحضر الْقُضَاة الثَّلَاثَة الشَّافِعِي والمالكي والحنفي وَتكلم مَعَهم فِي إِخْرَاجه فاتفقوا على أَنهم يشترطون فِيهِ شُرُوطًا وَأَن يرجع عَن بعض العقيدة فأرسلوا إِلَيْهِ مَرَّات فَامْتنعَ من الْحُضُور إِلَيْهِم وَاسْتمرّ وَلم يزل ابْن تَيْمِية فِي الْجب إِلَى أَن شفع فِيهِ مهنا أَمِير آل فضل فَأخْرج فِي ربيع الأول فِي الثَّالِث وَعشْرين مِنْهُ.
وأحضر إِلَى القلعة وَوَقع الْبَحْث مَعَ بعض الْفُقَهَاء فَكتب عَلَيْهِ محْضر بِأَنَّهُ قَالَ أَنا أشعري ثمَّ وجد خطه بِمَا نَصه الَّذِي اعْتقد أَن الْقُرْآن معنى قَائِم بِذَات الله وَهُوَ صفة من صِفَات ذَاته الْقَدِيمَة وَهُوَ غير مَخْلُوق وَلَيْسَ بِحرف وَلَا صَوت وَأَن قَوْله {الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى} لَيْسَ على ظَاهره وَلَا أعلم كنه المُرَاد بِهِ بل لَا يُعلمهُ إِلَّا الله وَالْقَوْل فِي النُّزُول كالقول فِي الاسْتوَاء وَكتبه أَحْمد بن تَيْمِية ثمَّ أشهدوا عَلَيْهِ أَنه تَابَ مِمَّا يُنَافِي ذَلِك مُخْتَارًا وَذَلِكَ فِي خَامِس عشرى ربيع الأول سنة 707 وَشهد عَلَيْهِ بذلك جمع جم من الْعلمَاء وَغَيرهم.
وَسكن الْحَال وَأَفْرج عَنهُ وَسكن الْقَاهِرَة ثمَّ اجْتمع جمع من الصُّوفِيَّة عِنْد تَاج الدّين إِبْنِ عَطاء فطلعوا فِي الْعشْر الْأَوْسَط من شَوَّال إِلَى القلعة وَشَكوا من ابْن تَيْمِية أَنه يتَكَلَّم فِي حق مَشَايِخ الطَّرِيق وَأَنه قَالَ لَا يستغاث بِالنَّبِيِّ صلّى الله عَلَيْهِ وسلّم فَاقْتضى الْحَال أَن أَمر بتسييره إِلَى الشَّام فَتوجه على خيل الْبَرِيد ..
وكل ذَلِك وَالْقَاضِي زين الدّين ابْن مخلوف مشتغل بِنَفسِهِ بِالْمرضِ وَقد أشرف على الْمَوْت وبلغه سفر ابْن تَيْمِية فراسل النَّائِب فَرده من بلبيس وَادّعى عَلَيْهِ عِنْد ابْن جمَاعَة وَشهد عَلَيْهِ شرف الدّين ابْن الصَّابُونِي وَقيل أَن عَلَاء الدّين القونوي أَيْضا شهد عَلَيْهِ فاعتقل بسجن بحارة الديلم فِي ثامن عشر شَوَّال إِلَى سلخ صفر سنة 709 فَنقل عَنهُ أَن جمَاعَة يَتَرَدَّدُونَ إِلَيْهِ وَأَنه يتَكَلَّم عَلَيْهِم فِي نَحْو مَا تقدم.
فَأمر بنقله إِلَى الاسكندرية فَنقل إِلَيْهَا فِي سلخ صفر وَكَانَ سَفَره صُحْبَة أَمِير مقدم وَلم يُمكن أحدا من جِهَته من السّفر مَعَه وَحبس ببرج شَرْقي ثمَّ توجه إِلَيْهِ بعض أَصْحَابه فَلم يمنعوا مِنْهُ فتوجهت طَائِفَة مِنْهُم بعد طَائِفَة وَكَانَ مَوْضِعه فسيحاً فَصَارَ النَّاس يدْخلُونَ إِلَيْهِ ويقرؤون عَلَيْهِ ويبحثون مَعَه قَرَأت ذَلِك فِي تَارِيخ البرزالي.
فَلم يزل إِلَى أَن عَاد النَّاصِر إِلَى السلطنة فشفع فِيهِ عِنْده فَأمر بإحضاره فَاجْتمع بِهِ فِي ثامن عشر شَوَّال سنة 9 فَأكْرمه وَجمع الْقُضَاة وَأصْلح بَينه وَبَين القَاضِي الْمَالِكِي فَاشْترط الْمَالِكِي أَن لَا يعود فَقَالَ لَهُ السُّلْطَان قد تَابَ وَسكن الْقَاهِرَة وَتردد النَّاس إِلَيْهِ إِلَى أَن توجه صُحْبَة النَّاصِر إِلَى الشَّام بنية الْغُزَاة فِي سنة 712 وَذَلِكَ فِي شَوَّال فوصل دمشق فِي مستهل ذِي الْقعدَة فَكَانَت مُدَّة غيبته عَنْهَا أَكثر من سبع سِنِين وتلقاه جمع عَظِيم فَرحا بمقدمه وَكَانَت والدته إِذْ ذَاك فِي قيد الْحَيَاة “.
وذكر الصفدي في كتابه أعيان العصر وأعوان النصر أن كتاب الأجوبة تمت كتابته في الجب فقال وهو يسرد مؤلفات الشيخ : ” الاعتراضات المصرية على الفُتيا الحموية أربع مجلدات أملاه في الجب ” ، وترجم له ترجمة مفصلة فقال : ” أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم ، الشيخ الأمام العلامة المفسر المحدّث المجتهد الحافظ شيخ الإسلام نادرة العصر فريد الدهر تقي الدين أبو العباس بن الشيخ شهاب الدين بن الإمام مجد الدين أبي البركات بن تيمية.
سمع من ابن عبد الدائم وابن أبي اليُسر والكمال بن عبد وابن أبي الخبر وابن الصيرفي والشيخ شمس الدين والقاسم الإربلي وابن علاّن وخلقٍ كثير ، وبالغ وأكثر وقرأ بنفسه على جماعة وانتخب ونسخ عدة أجزاء وسنن أبي داود ونظر في الرجال والعلل وصار من أئمة النقد ومن علماء الأثر مع التدين والتأله ثم أقبل على الفقه ودقائقه وغاص على مباحثه ، تحول به أبوه من حران إلى دمشق سنة سبع وستين وست مائة ، وتيمية لقبٌ لجده الأعلى.
تمذهب للإمام أحمد بن حنبل فلم يكن أحد في مذهبه أنبه ولا أنبل وجادل وجالد شجعان أقرانه وجدّل خصومهُ في وسط ميانه وفرّج مضائق البحث بأداةٍ قاطعة ونصر أقوالهُ في ظلمات الشكوك بالبراهين الساطعة كأن السُّنة على رأس لسانه وعلوم الأثر مساقة في حواصل جنابه وأقوال العلماء مجلوةٌ نُصب عيانه ، لم أر أنا ولا غيري مثل استحضاره ولا مثل سبقه إلى الشواهد وسرعة إحضاره ولا مثل عزوه الحديث إلى أصله الذي فيه نقطةُ مداره.
وأما علم الأصلين فقهاً وكلاماً وفهماً فكان عجباً لمن يسمعه ومُعجزاً لمن يُعد ما يأتي به أو يجمعه ، يُنزل الفروع منازِلها من أصولها ويرد القياسات إلى مآخذها من محصولها ، وأما الملل والنحل ومقالات أرباب البدع الأُول ومعرفةُ أرباب المذاهب وما خصوا به من الفتوحات والمواهب فكان بحراً يتموج وسهماً ينفذ على السواء لا يتعوج.
وأما المذاهب الأربعة فإليه في ذاك الإشارة وعلى ما ينقله الإحاطة والإدارة ، وأما نقل مذاهب السَّلف وما حدث بعدهم من الخلف فذاك فنُّه وهو في وقت الحرب مجنُّه قل أن قطعة خصُمه الذي تصدى له وانتصب أو خلص منه مناظرهُ إلا وهو يشكو من الأين والنَّصب.
وأما التفسير فيدُه فيه طولى وسردُه فيه يجعل العيون إليه حُولاً إلا أنه انفرد بمسائل غريبة ورجَّح فيها أقوالاً ضعيفة عند الجمهورُ معيبة كاد منها يقع في هُوَّة ويسلم منها لما عنده من النيّة المرجوة والله يعلم قصده وما يترجّح من الأدلة عنده ، وما دمر عليه شيء كمسألة الزيارة ولا شنّ عليه مثلها إغارة دخل منها إلى القلعة مُعتقلا وجفاه صاحبه وقلا وما خرج منها إلا على الآلة الحدبا ولا درج منها إلا إلى البقعة الحدبا والتحق باللطيف الخبير وولّى والثناء عليه كنشر العبير.
وكان ذا قلم يسابقُ البرق إذا لمع والودق إذا همع ، يُملي على المسألة الواحدة ما شاء من رأس القلم ويكتب الكرَّاسين والثلاثة في قعدة وجدُّ ذهنه ما كل ولا انثلم قد تحلى بالمُحلى وتولّى من تقليده ما تولى فلو شاء أورده عن ظهر قلب وأتى بجملة ما فيه من الشناع والثَّلب ، وضيع الزمان في ردّه على النصارى والرافضة ومن عائد الدين أو ناقضه ولو تصدى لشرح البخاري أو لتفسير القرآن العظيم.
وكان من صغره حريصاً على الطلب مجدّاً على التحصيل والدأب لا يؤثرُ على الاشتغال لذة ولا يرى أن تضيع لحظةٌ منه في البطالة فذّة يذهلُ عن نفسه ويغيب في لذّة العلم عن حسه لا يطلب أكلاً إلا إذا أحضر لديه ولا يرتاحُ إلى طعام ولا شراب في أبرديه.
قيل : إن أباه وأخاه وأهله وآخرين ممن يلوذون بظله سألوه أن يروح معهم يوم سبت ليتفرج فهرب منهم وما ألوى عليهم ولا عرج فلما عادوا آخر النهار لاموه على تخلُّفه وتركه لاتباعهم وما انفرده من تكلُّفه فقال : أنتم ما نزيد لكم شيئاً ولا تجدد وأنا حفظت في غيبتكم هذا المجلد وكان ذلك كتاب (جنة الناظر وجنّة المناظر) وهو مجلد صغير وأمره شهير.
لا جرم أنه كان في أرض العلوم حارثاً وهو همام وعلومُه كما يقول الناس تدخل معه الحّمام ، هذا إلى كرم يضحك البرقُ منه على غمائمه وجودٍ ما يصلحُ حاتمٌ أن يكون في فضِّ خاتمه وشجاعة يفرّ منها قشورة وإقدام يتأخر عنه عنترة ، دخل على محمود غازان وكلمه كلاماً غيظاً بقوه وأسمعه مقالاً لا تحملّه الأبوةُ من البنوّة.
وكان في ربيع الأول سنة ثمان وتسعين وست مائة قد قام عليه جماعة من الشافعية وأنكروا عليه كلاماً في الصفات وأخذوا فُتياه الحموية وردوا عليه فيها وعملوا له مجلساً فدافع الأفرم عنه ولم يُبلّغهم فيه أرباً ونودي في دمشق بإبطال العقيدة الحموية فانتصر له جاغان المشدّ ، وكان قد مُنع من الكلام ثم إنه جلس على عادته يوم الجمعة وتكلم ثم حضر عنده قاضي القضاة إمام الدين وبحثوا معه وطال الأمر بينهم ثم رجع القاضي إمام الدين وأخوه جلال الدين وقالا : من قال عن الشيخ تقي الدين شيئاً عزّرناه.
ثم إنه كُلب إلى مصر هو والقاضي نجم الدين صَصرَى وتوجها إلى مصر في ثاني عشر شهر رمضان سنة خمس وسبع مائة فانتصر له الأمير سيف الدين سلاّر وحطّ الجاشنكير عليه وعقدوا له مجلساً انفصل على حبسه فحُبس في خزانة البنود ثم نقل إلى الإسكندرية في صفر سنة تسع وسبع مائة ولم يمكن أحد من أصحابه من التوجه معه ثم أفرج عنه وأقام بالقاهرة مُدة ثم اعتقل أيضاً ثم أُفرج عنه في ثامن شوال سنة تسع وسبع مائة أخرجه الناصر لمّا ورد من الكرك.
وحضر إلى دمشق ، فلما كان في يوم الثلاثاء تاسع عشر شهر رمضان سنة تسع عشرة وسبع مائة جمع الفقهاء والقضاة عند الأمير سيف الدين تنكز وقرأ عليهم كتاب السلطان وفيه فصل يتعلق بالشيخ تقي الدين بسبب فُتياه في مسألة الطلاق وعُوتب على فُتياه بعد المنع وانفصل المجلس على توكيد المنع.
ثم إنه في يوم الخميس ثاني عشري شهر رجب الفرد سنة عشرين وسبع مائة عُقد له مجلس بدار السعادة وعاودوه في فتيا الطلاق وحاققوه عليها وعاتبوه لأجلها ثم إنه حُبس بقلعة دمشق فأقام بها إلى يوم الاثنين يوم عاشوراء سنة إحدى وعشرين وسبع مائة فأخرج من القلعة بعد العصر بمرسوم السلطان وتوجه إلى منزله وكانت مدة سجنه خمسة أشهر وثمانية عشر يوماً.
ولما كان في يوم الاثنين بعد العصر سادس شعبان سنة ست وعشرين وسبع مائة في أيام قاضي القضاة جلال الدين القزويني تكلموا معه في مسألة الزيارة وكُتب في ذلك إلى مصر فورد مرسومُ السلطان باعتقاله في القلعة فلم يزل بها إلى أن مات رحمه الله تعالى في ليلة الاثنين عشري ذي القعدة سنة ثمان وعشرين وسبع مائة بقلعة دمشق في القاعة التي كان بها محبوساً.
ومولده بحرّان سنة إحدى وستين وست مائة ، وأول ما اجتمعت أنا به كان في سنة ثماني عشرة وهو بمدرسته في القصاعين بدمشق المحروسة وسألته مسألة مشكلةً في التفسير في الإعراب ومسألة مشكلة في الممكن والواجب وقد ذكرت ذلك في ترجمته في تاريخي الكبير ، ثم اجتمعت به بعد ذلك مرّات وحضرت دروسه في الحنبلية فكنت أرى منه عجباً من عجائب البرّ والبحر ونوعاً فرداً وشكلاً غريباً.
وكان كثيراً ما ينشد قول ابن صردر : تموتُ النفوسُ بأوصابها .. ولم تشكُ عُوّادها ما بها .. وما أنصفت مُهجةٌ تشتكي .. أذاها إلى غير أحبابها ، وينشد أيضا ً: من لم يُقد ويُدسٌ في خيشومه .. رهجُ الخميس فلن يقود خميساً ، رأيته في المنام بعد موته رحمه الله تعالى كأنه في جامع بني أمية وأنا في يدي صورةُ عقيدة ابن حزم الظاهري التي ذكرها في أول كتاب المُحلَّى وقد كتبها بخطي وكتبت في آخرها : وهذا نصُّ ديني واعتقادي .. وغيري ما يرى هذا يجوزُ .. وقد أوقفته على ذلك فتأملها ورآها وما تكلم بشيء.
وعلى الجملة فكان الشيخ تقي الدين بن تيمية أحد الثلاثة الذين عاصرتهم ولم يكن في الزمان مثلهم بل ولا قبلهم من مئة سنة وهم الشيخ تقيُّ الدين بن تيمية والشيخ تقيُّ الدين بنُ دقيق العيد وشيخنا العلاّمة تقيُّ السبكي ، وقلت في ذلك : ثلاثةٌ ليس لهم رابعُ .. فلا تكنْ من ذاك في شكِّ .. وكُّلهم مُنتسبٌ للتُّقى .. يقصًر عنهم وصفٌ من يحكي .. فإن تَشَا قلت ابن تيمية .. وابن دقيق العيد والسبكي “.

34 / الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور
في عام 680 هـ / 1281 م دارت بالقرب من حمص معركة شرسة انتصر فيها المماليك على المغول ، وكان كاتب الإنشاء ناصر الدين شافع بن علي بن عبد الظاهر حاضرا المعركة وأصيب فيها بسهم أفقده بصره فتفرغ إجباريا للكتابة والبحث والتصنيف وأبدع ما يزيد عن عشرين كتابا في الأدب والتاريخ والنقد والشعر وسائر المعارف ومنها كتابه الأشهر (الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور) ، وقد ولد في القاهرة عام 649 هـ / 1251 م وتوفي فيها عام 730 هـ / 1330 م لأسرة من الأدباء والأعيان ويمت بقرابة للقاضي محيي الدين بن عبد الظاهر.
وقد حقق الكتاب الأستاذ عمر عبد السلام تدمري وأبرز أهميته التاريخية والأدبية حيث يقول في مقدمة تحقيقه : ” يكتسب هذا الكتاب أهمّيّته من كونه مصدرا أساسيا لحقبة من أهمّ الحقب التاريخية في صراع الشرق والغرب إذ تؤرّخ لفترة من الحروب الصليبية ولصفحة من العلائق بين المماليك وكلّ من الفرنج والتتار والأرمن وغيرهم وذلك من خلال التأريخ لسيرة السلطان المنصور قلاوون ، ولكون مؤلّفه مؤرّخا معاصرا ومشاركا في مجريات بعض الأمور التي نطالعها بين طيّات كتابه ، يضاف إلى هذا وذاك أنه يؤرّخ لسيرة السلطان قلاوون مؤسّس الأسرة التي حكمت دولة المماليك أكثر من مائة عام ..
وفي الكتاب مجموعة من نصوص المعاهدات والمراسلات السلطانية والمكاتبات التي تعتبر من وثائق عصر الحروب الصليبية بعضها انفرد به المؤلّف ولا توجد في أيّ مصدر آخر ، وبذلك تتوفّر لدى المهتمّين بدراسة الوثائق مادّة جديدة كما يجد المعتنون بالآداب نثرا ونظما وشعرا كميّة تضاف إلى المتوفّر من أدبيّات عصر المماليك ومن ذلك ما كتب المؤلّف من إنشائه يبشّر بالنصر على التتار في وقعة حمص سنة 680 هـ / 1281 م وما أنشده ممتدحا السلطان قلاوون بنصره في الوقعة رغم إصابته هو بسهم نشّاب جرح جسمه وقلبه بقصيدة مطلعها : نجحت مساعي سيفك البتّار .. بالحدّ في دم أرمن وتتار “.
ويقول المؤلف في مقدمة كتابه بعد ديباجة منمقة : ” مولانا السلطان الملك المنصور السيّد الأجلّ العالم العادل المؤيّد المظفّر سيف الدنيا والدين سلطان الإسلام والمسلمين قامع الخوارج والمتمرّدين محّيي العدل في العالمين أبي الفتح قلاون الصالحي ، خلّد الله ملكه فإنه أتمّ الملوك خلقا وخلقا وأحسنهم وجاهة ووجها طلقا وأطوعهم باعا وأجلّهم أوضاعا وأكثرهم إقداما وأثبتهم أقداما وأشرفهم أياما وأوفرهم من العدل والإحسان أقساما.
وقد تدارك الله به الأمّة وأوضح به سداد أحوالهم وقد كان أمرهم عليهم غمّة فكان نصر الله فجاء هو والفتح المبين وسببه إلاّ أنه السبب المتين ، ملك أغاث الله إذ وافا .. به بعد ما كادت تزيغ قلوب .. وأتى ونيران الضغائن تصطلى .. وبها قلوب المخلصين تذوب .. فيه وقد أمّ الرعيّة أخمدت .. ولقد لها لولا سطاه لهيب.
وكنت قد باشرت خدمته كاتب إنشاء سفرا وحضرا ووردا وصدرا ومعاني وصورا وآيات وسورا وخبرا وخبرا وتأثيرا وأثرا وكتبت عنه سرّا وجهرا وشهدت وقائعه برّا وبحرا واطلعت على ما لم يطّلع عليه غيري بمشافهته وعلمت من أحواله ما لم يعلمه إلاّ كاتب سرّه بوساطة مشاركته وحضرت مهادنته وموادعته ، وكتبت بما استقرّ منها وحرّرت نسخ الأيمان له وعليه وأوضحت من شكوكها مبهمه فأوجب على ذلك أن أسطّره عند المثول بين يديه محاسن أيامه الزاهرة وأن أثبّتها لتغدو على ألسنة الأقلام على الدوام والاستمرار سائره ، وأنا أشرع وبالله التوفيق “.
ذكره ابن تغري بردي في المنهل الصافي فقال : ناصر الدين بن عبد الظاهر .. شافع بن علي بن عباس بن إسماعيل بن عساكر الإمام الأديب الفقيه ناصر الدين الكناني العسقلاني ثم المصري سبط الإمام محي الدين بن عبد الظاهر ، مولده سنة تسع وأربعين وستمائة ، كان يباشر الإنشاء بمصر ودام على ذلك سنين إلى أن أصابه سهم في نوبة حمص الكبرى في سنة ثمانين وستمائة في صدغه فعمي بعد ذلك وبقي مدة ملازماً بيته إلى أن توفي سنة ثلاثين وسبعمائة.
وروى عن الشيخ جمال الدين بن مالك وغيره وروى عن الشيخ أثير الدين أبي حيان وعن الحافظ علم الدين البرزالي وجمال الدين إبراهيم الغانمي وغيرهم ، وكان إماما ديناً فاضلاً ناظماً، ناثراً جماعة للكتب خلف ثمانية عشر خزانة كتباً نفائس أدبية وغيرها ، ومن شعره بعد عماه : أضحى وجودي برغمي في الورى عدماً .. إذ ليس لي فيهم ورد ولا صدر .. عدمت عيني ومالي فيهم أثر .. فهل وجود ولا عين ولا أثر “.
وذكره ابن حجر العسقلاني في كتابه الدرر الكامنة بأعيان المئة الثامنة فقال : ” شَافِع بن عَليّ بن عَبَّاس بن إِسْمَاعِيل بن عَسَاكِر بن شَافِع بن إِسْمَاعِيل ابْن رَافع بن شَافِع بن عبد الله بن فَارس الْكِنَانِي الْعَسْقَلَانِي ثمَّ الْمصْرِيّ نَاصِر الدّين سبط الشَّيْخ عبد الظَّاهِر ، ولد فِي ذِي الْحجَّة سنة 649 واشتغل وَسمع الحَدِيث واخذ عَن الشَّيْخ جمال الدّين ابْن مَالك وتعانى الآداب وأتقن الْخط وَالنّظم والإنشاء وَكتب فِي الدِّيوَان زَمَانا ثمَّ أَصَابَهُ سهم فِي وقْعَة حمص فِي صُدْغه سنة 680 فَكَانَ سَبَب عماه فَلَزِمَ بَيته.
وَكَانَ يحب جمع الْكتب حَتَّى إنه لما مَاتَ ترك نَحْو الْعشْرين خزانَة ملأى من الْكتب النفيسة وَمَات فِي شعْبَان سنة 730 ، وَكَانَ من شدَّة حبه للكتب إِذا لمس الْكتاب يَقُول هَذَا الْكتاب الْفُلَانِيّ ملكته فِي الْوَقْت الْفُلَانِيّ واذا طلب مِنْهُ اى مُجَلد كَانَ قَامَ إِلَى الخزانة فتناوله كانه كَمَا وَضعه فِيهَا ، وَله من التصانيف ديوَان شعره وشنف الآذان فِي مماثلة تراجم قلائد العقيان وسيرة النَّاصِر وسيرة الْمَنْصُور وسيرة الْأَشْرَف وقلائد الفرائد فِيمَا للعصر من الْفَوَائِد والدر المنتظم فِي مفاخرة السَّيْف والقلم وافاضل الْحلَل على جَامع قلعة الْجَبَل وَمُخَالفَة الرسوم فِي الوشى المرقوم.
وَمن نظمه : قَالُوا أَلا تنظر مَا قد جرى .. من حنبلي زَاد فِي لغوه .. فَقلت هَذَا خشكنان أنا .. وَالله مَا ادخل فِي حشوه ، وله : قَالَ لي من رأى صباح مشيبي .. عَن شمال من لمتى وَيَمِين .. أَي شَيْء هَذَا فَقلت مجيباً .. ليل شكّ محاه صبح يَقِين ، وَله : سلبتنا شَبابَة بهواها .. كل مَا ينْسب اللبيب إِلَيْهِ .. كَيفَ لَا والمحسن القَوْل فِيهَا .. آخذ أمرهَا بكلتا يَدَيْهِ ، وَله : كم رأينا من أبي دلف .. خَبره يُربي على خَبره .. ثمَّ ولي بالممات وَمَا .. ولت الدُّنْيَا على اثره.
وَذكره ابْن رَافع فِي مُعْجَمه وَقَالَ عَنهُ أنه نقل النّسَب الْمَذْكُور من خطّ أَبِيه إِلَّا عبد الله فَإِنَّهُ بِخَط شَافِع بن فَارس قَالَ وَفَارِس هُوَ ابْن بكر ابْن شَدَّاد ابْن عَامر بن الملوح بن يعمر السراج بن عَوْف بن كَعْب بن عَامر ابْن لَيْث بن بكر بن عبد مَنَاة بن كنَانَة ، كَذَا قَالَ قَالَ وَكَانَ أبي سماني باسمه عليا وَرَأَيْت بِخَطِّهِ عَليّ بن عَليّ وَذكر ابْن رَافع فِيمَا قَرَأت بِخَطِّهِ انه سبط القَاضِي محيي الدّين عبد الله بن عبد الظَّاهِر ويلقب نَاصِر الدّين.
قَالَ وَسمع من جده لِأَبِيهِ وَمن خطيب المزة وَعبد الرَّحِيم الدَّمِيرِيّ وَأَجَازَ لَهُ جمال الدّين ابْن مَالك قَالَ وَرَأَيْت خطه لَهُ بِالْإِجَازَةِ قَالَ وَقَرَأَ النَّحْو على ابْن النّحاس وَذكره البرزالي فَقَالَ كَانَ مَشْهُورا بالفضيلة وَفِي الْأَدَب كثير الحكايات والنوادر وتصدر لإقراء النَّحْو بالجامع الصَّالِحِي قلت وَهُوَ ابْن اخت محيي الدّين لَا سبطه وَمَات فِي لَيْلَة رَابِع عشرى شعْبَان سنة 730 “.
وزاره المؤرّخ شمس الدين محمد بن عبد الله الجزري في داره بالقاهرة سنة 713 هـ وكتب عن لقائه هذا في كتابه تاريخ حوادث الزمان فقال : ” طلعت إلى عنده إلى داره فلما دخلت عليه قام قائما وهو يومئذ ضرير وكان تحته طرّاحة صغيرة لا تقع لأحد غيره فشالها من تحته وقال : لا بدّ أن تضعها تحتك ، فحلفت بالله تعالى أني ما أفعل ، وقال لي : عندي خبر مجيئك القاهرة ولي مدّة أشتهي مجيئك إلى عندي وقد وقعت على رخيص.
وأخرج دراهم وزعق لعبده حتى يشتري شيئا فحلفت أنه ما يشتري شيئا فأذوقه وقلت له : ما قصدي إلاّ رؤيتك وفوائدك ، فقال : كان تاريخك الذي عند الأمير نجم الدين ابن المحفدار له عندي مدّة ، فقلت : ونحن نستفيد من فوائدك ، وكنت أخذت معي كرّاسة بيضاء حتى أكتب من نظمه شيئا فحلف أنه ما يكتب إلاّ في ورق من عنده حتى أكون أذكره بذلك ، فقمت وجئت إليه بعد أيام فوجدته قد خلّى ابن حماه قد كتب لي كرّاسة فيها نسبه ومولده وشيء من نظمه ونظم غيره وحلّفني أنّ مدّة مقامي بالقاهرة لا أنقطع عنه أكثر من يومين والثالث أكون عنده.
فسألته عن سبب عماه فقال : في وقعة حمص سنة ثمانين دخلت أنا وشمس الدين ابن قريش رفيقي أحد كتّاب الإنشا إلى بستان وجمعة كبيرة فما كان إلاّ ساعة والتتر قد دخلوا إلينا فوقع في رأسي سهم نشّاب فاختلط دماغي ووقعت بين القتلى وقتل كل من كان في البستان ، فلما كان في الليل قمت ومشيت ووقع لي من أوصلني إلى العسكر ومرضت وعميت وأبقى عليّ السلطان الشهيد الملك المنصور جامكيّتي التي كانت لي في الديوان والراتب فأنا أتناوله إلى الآن “.
وفي كتابه الوافي بالوفيات يتناول الصفدي ترجمة مفصلة للمؤلف وحكى قصة لقائه به في بيته بالقاهرة وإجازته له في مؤلفاته ومروياته وذكرها جميعا فيقول : ” نَاصِر الدّين ابْن عبد الظَّاهِر .. شَافِع بن عَليّ بن عَبَّاس بن إِسْمَاعِيل بن عَسَاكِر الْكِنَانِي الْعَسْقَلَانِي ثمَّ الْمصْرِيّ الإِمَام الأديب نَاصِر الدّين سبط الشَّيْخ عبد الظَّاهِر بن نشوان ولد سنة تسع وَأَرْبَعين وَتُوفِّي سنة ثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة.
كَانَ يُبَاشر الْإِنْشَاء بِمصْر زَمَانا إِلَى أَن أضرّ لِأَنَّهُ أَصَابَهُ سهم فِي نوبَة حمص الْكُبْرَى سنة ثَمَانِينَ وسِتمِائَة فِي صُدْغه فَعميَ بعد ذَلِك وَبَقِي مُدَّة ملازم بَيته إِلَى أَن توفّي روى عَن الشَّيْخ جمال الدّين ابْن مَالك وَغَيره وروى عَنهُ الشَّيْخ أثير الدّين أَبُو حَيَّان وَالشَّيْخ علم الدّين البرزالي وجمال الدّين إِبْرَاهِيم الغانمي وَغَيره من الطّلبَة.
لَهُ النّظم الْكثير والنثر الْكثير وَكتب الْمَنْسُوب فَأحْسن وَكَانَ جمَاعَة للكتب خلف على مَا أَخْبرنِي بِهِ شهَاب الدّين البوتيجي الكتبي بِالْقَاهِرَةِ ثَمَانِيَة عشر خزانَة كتبا نفائس أدبية وَكَانَت زَوجته تعرف ثمن كل كتاب وَبقيت تبيع مِنْهَا إِلَى أَن خرجت من الْقَاهِرَة سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة وَأَخْبرنِي البوتيجي أَنه كَانَ إِذا لمس الْكتاب وجسه قَالَ هَذَا الْكتاب الْفُلَانِيّ وَهُوَ لي ملكته فِي الْوَقْت الْفُلَانِيّ وَكَانَ إِذا أَرَادَ أَي مُجَلد كَانَ قَامَ إِلَى خزانَة وتناوله مِنْهَا كَأَنَّهُ الْآن وَضعه هُنَاكَ بِيَدِهِ.
اجْتمعت بِهِ فِي دَاره وكتبت لَهُ وَأَنا بِالْقَاهِرَةِ سنة ثَمَان وَعشْرين وَسَبْعمائة استدعاء ونسخته المسؤول من إِحْسَان سيدنَا الشَّيْخ الإِمَام الْعَالم الْمُفِيد الْقدْوَة جَامع شَمل الْأَدَب قبْلَة أهل السَّعْي فِي تَحْصِيله والدأب ، أخي المعجزات اللائي أبدت طروسه .. كأفق بِهِ للنيرات ظُهُور .. وَمَا ثمَّ إِلَّا الشَّمْس والبدر فِي السما .. وَذَاكَ شموس كُله وبدور.
البليغ الَّذِي أثار أوابد الْكَلم من مظان البلاغة وأبرز عقائل الْمعَانِي تتهادى فِي تيجان أَلْفَاظه فَجمع بَين صناعَة السحر والصياغة وأبدع فِي طَرِيقَته المثلى فَجلت عَن الْمثل وَأنْبت فِي رياض الْأَدَب غروس فضل لَا يُقَاس بدوحات البان والأثل وَأظْهر نظامه عقوداً حلت من الزَّمَان كل مَا عطل وَقَالَ لِسَان الْحَال فِيمَا يتعاطاه مكره أَخُوك لَا بَطل وجلا عِنْد نثاره حور كَلِمَات مقصورات فِي خيامه وذر على كافور قرطاسه من أنفاسه مسك ختامه نَاصِر الدّين شَافِع بن عَليّ ، لَا زَالَ فِي هَذَا الورى فَضله .. يسير سير الْقَمَر الطالع .. حَتَّى يَقُول النَّاس إِذْ جمعُوا .. مَا مَالك الإنشا سوى شَافِع
إجَازَة كَاتب هَذِه الأحرف مَا يجوز لَهُ رِوَايَته من كتب الحَدِيث وأصنافها ومصنفات الْعُلُوم على اختلافها إِلَى غير ذَلِك كَيفَ مَا تأدى إِلَيْهِ من مشايخه الَّذين أَخذ عَنْهُم من قِرَاءَة أَو سَماع أَو إجَازَة أَو مناولة أَو وَصِيَّة وإجازة مَا لَهُ فسح الله فِي مدَّته من تأليف وَوضع وتصنيف وَجمع ونظم ونثر وَالنَّص على ذكر مصنفاته وتعيينها فِي هَذِه الْإِجَازَة إجَازَة عَامَّة على أحد الْقَوْلَيْنِ فِي مثل ذَلِك وَالله يمتع بفوائده وينظم على جيد الزَّمن العاطل دُرَر قلائده وَكتب خَلِيل بن أيبك فِي مستهل جُمَادَى الأولى سنة ثَمَان وَعشْرين وَسَبْعمائة.
فأملى الْجَواب عَن ذَلِك على من كتبه ونسخته أما بعد فَالْحَمْد لله الَّذِي أمتع من الْفُضَلَاء بِكُل مجيز ومستجيز وَأشْهد من معاصري ذَوي الدِّرَايَة وَالرِّوَايَة من جمع بَين الْبَسِيط من علو الْإِسْنَاد وَالْوَجِيز نحمده على نعْمَة يجب لَهُ عَلَيْهَا الإحماد ونشكره على تهيئة فَضلهَا المخول شرف الْإِسْعَاف والإسعاد وَنُصَلِّي على سيدنَا مُحَمَّد المعظمة رُوَاة أَحَادِيثه وَحقّ لَهُم التَّعْظِيم الْعَالِيَة قدرا وسنداً من شَأْنه التبجيل والتفخيم صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وعَلى آله وَصَحبه وَمَا أحقهم بِالصَّلَاةِ وَالتَّسْلِيم.
وَبعد فَإِنِّي وقفت على مَا التمسه الإِمَام الْفَاضِل الصَّدْر الْكَامِل الْمُحدث الصَّادِق العالي الْإِسْنَاد الراقي إِلَى دَرَجَة عُلَمَاء الحَدِيث النَّبَوِيّ بعلو رِوَايَته السائرة على رُؤُوس الأشهاد وَهُوَ غرس الدّين خَلِيل بن أَبِيك ، وحسبي بِهِ غرساً تسامى أَصَالَة .. إِلَى أَن سما نَحْو السَّمَاء علاؤها .. حوى من بديع النّظم والنثر مَا رقى … إِلَى دَرَجَات لَا يرام انتهاؤها.
استجاز أعزه الله فَأتى ببديع النّظم والنثر فِي استجازته وَقَالَ فأبدع فِي إبدائه وإعادته وتنوع فِي مقالهما فَأَسْمع مَا شنف الأسماع وَأَبَان عَمَّا انْعَقَد على إبداعه الْإِجْمَاع وَقَالَ فَمَا استقال ورتل آي مُحكم كِتَابه فتميز وَحقّ لَهُ التَّمْيِيز على كل حَال وَقد أَجَبْته إِلَى مَا بِهِ رسم جملَة وتفصيلاً وأصلاً وفرعا وأبديت بِهِ وَجها من وُجُوه الْإِجَابَة جميلاً مَا تجوز لي رِوَايَته من كتب الحَدِيث وأصنافها ومصنفات الْعُلُوم حسب إجَازَة ألافها.
حَسْبَمَا أجزت بِهِ من الْمَشَايِخ الَّذين أخذت عَنْهُم وَسَأَلت الْإِجَازَة مِنْهُم بِقِرَاءَة أَو سَماع أَو مناولة أَو وَصِيَّة وَمَا لي من تأليف وَوضع ونظم ونثر وَجمع كشعري المتضمنه الدِّيوَان الْمُثبت فِيهِ ومناظرة الْفَتْح بن خاقَان الْمُسَمّى شنف الآذان فِي مماثلة تراجم قلائد العقيان وسيرة مَوْلَانَا السُّلْطَان الْملك النَّاصِر المتضمنة أَجزَاء مُتعَدِّدَة وسيرة وَالِده السُّلْطَان الشَّهِيد الْملك الْمَنْصُور المتضمنة جُزْءا الَّتِي حسنتها على أَلْسِنَة الرعايا مترددة وسيرة وَلَده الْملك الْأَشْرَف.
ونظم الْجَوَاهِر فِي سيرة مَوْلَانَا السُّلْطَان الْملك النَّاصِر أَيْضا نظماً وَمَا يشْرَح الصُّدُور من أَخْبَار عكا وصور وَالْإِعْرَاب عَمَّا اشْتَمَل عَلَيْهِ الْبناء الملكي الناصري بسر يَا قَوس من الإغراب وإفاضة أبهى الْحلَل على جَامع قلعة الْجَبَل وقلائد الفرائد وفرائد القلائد فِيمَا لشعراء العصريين الأماجد ومناظرة ابْن زيدون فِي رسَالَته وقراضات الذَّهَب المصرية فِي تقريظات الحماسة البصرية والمقامات الناصرية.
ومماثلة سَائِر مَا حل من الشّعْر وتضمين الْآي الشَّرِيفَة وَالْأَحَادِيث النَّبَوِيَّة فِي الْمثل السائر والمساعي المرضية فِي الْغَزْوَة الحمصية وَمَا ظهر من الدَّلَائِل فِي الْحَوَادِث والزلازل والمناقب السّريَّة المنتزعة من السِّيرَة الظَّاهِرِيَّة والدر المنتظم فِي مفاخرة السَّيْف والقلم وَالْأَحْكَام العادلة فِيمَا جرى بَين المنظوم والمنثور من المفاضلة والرأي الصائب فِي إِثْبَات مَا لَا بُد مِنْهُ لِلْكَاتِبِ والإشعار بِمَا للمتنبي من الْأَشْعَار.
وتجربة الخاطر المخاطر فِي مماثلة فصوص الْفُصُول وعقود الْعُقُول مِمَّا كتب بِهِ القَاضِي الْفَاضِل السعيد ابْن سناء الْملك وعدة الْكَاتِب وعمدة الْمُخَاطب وشوارد المصائد فِيمَا لحل الشّعْر من الْفَوَائِد وَمُخَالفَة المرسوم فِي الوشي المرقوم وَمَا لي غير ذَلِك من حل نظم ونظم حل ورسائل فِيمَا قل أَو جلّ وَمَا يتَّفق لي بعد ذَلِك من نظم ونثر وتأليف وَجمع حسب مَا التمسه مني بِمُقْتَضى إِجَازَته وإبدائه وإعادته وَكتب فِي يَوْم الْأَحَد خَامِس عشر صفر سنة تسع وَعشْرين وَسَبْعمائة وَكتب بِخَط يَده بعد ذَلِك أجزت لَهُ جَمِيع ذَلِك بِشَرْطِهِ وَكتب شَافِع بن عَليّ بن عَبَّاس “.

35 / الفرائد العرفانية
(الفرائد العرفانية) هو الاسم الذي أطلقه الشيخ أحمد حجاب المتصوف الأحمدي على مجموعة الوصايا والأوراد والحكم والمواعظ التي نقلها السيد عبد العال الأنصاري عن شيخه السيد أحمد البدوي والتي نقلها عنه جملة من كتاب الصوفية في كل عصر ، ويضاف إلى ذلك القصص الواردة حول حياة البدوي وكراماته والترتيبات التي أسسها عبد العال لخدمة الطريقة الأحمدية البدوية الصوفية وبناء مسجده في طنطا وإعمار المقام وعمل الموالد وضم المريدين.
وكاتب هذه الوصايا والفرائد هو الخليفة الأول للولي الأشهر السيد أحمد البدوي رضى الله عنهما وهو سيدى عبد العال بن الفقيه شمس الدين محمد الأنصارى الجمجمونى نسبة لجمجمون بلدة بقرب دسوق كما ذكر الإمام الحلبى فى النصيحة العلوية ، وقد لازم القطب البدوى من وقت قدومه إلى طنطا وحتى وفاته عام 675 هـ وعاش بعده قرابة نصف قرن وتوفي يوم السبت عشر من ذى الحجة سنة 732 هـ وأدرك تسعة من السلاطين المماليك البحرية أولهم الظاهر بيبرس وأخرهم الناصر محمد بن قلاوون.
وقد جمعت تلك الفرائد في كتاب الجواهر السنية والكرامات الأحمدية للشيخ عبد الصمد الأحمدي وفيها : ” يا عبد العال إن الفقراء كالزيتون فيهم الكبير والصغير ومن لم يكن فيه زيت فأنا زيته .. يا عبد العال إياك وحب الدنيا فإنه يفسد العمل الصالح كما يفسد الخل العسل ، واعلم يا عبد العال بأن الله تعالى قال في كتابه المكنون : إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ، يا عبد العال أشفق على اليتيم واكس العريان وأطعم الجيعان وأكرم الغريب والضيفان عسى أن تكون عند الله تعالى من المقبولين.
يا عبد العال عليك بكثرة الذكر وإياك أن تكون من الغافلين عن الله تعالى واعلم أن كل ركعة بالليل أفضل من ألف ركعة بالنهار ولا تكن منكرا على فقراء المسلمين جميعهم ، يا عبد العال أحسنكم خلقا أكثركم إيمانا بالله تعالى والخلق السيء يفسد العمل الصالح كما يفسد الخل العسل ، يا عبد العال هذه طريقتنا مبنية على الكتاب والسنة والصدق والصفاء وحسن الوفا وحمل الأذى وحفظ العهود ، يا عبد العال تأدب مع المشايخ واعلم أن الشيخ في قومه كالنبي في أمته.
قال سيدي عبد العال رضي الله تعالى عنه فقلت له يا سيدي قد فهمت ذلك فما حقيقة التوبة النصوح ، قال سيدي أحمد البدوي رضي الله عنه : حقيقتها الندامة على ما مضى والإقلاع عن المعصية والاستغفار باللسان والعزم على أن لا يعود إلى المعصية والصفاء بالقلب فهذه التوبة النصوح التي أمر الله تعالى بها وذكرها في كتابه العزيز فقال : يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا.
قال فقلت له يا سيدي قد فهمت ذلك فما حقيقة الذكر ، قال : هو أن يمون بالقلب ولا يكون باللسان فقط فإن الذكر باللسان دون القلب شقشقة يا عبد العال اذكر الله تعاى بقلب حاضر وإياك والغفلة عن الله تعالى فإنها تورث القسوة في القلب ، قال فقلت له يا سيدي قد فهمت ذلك فما حقيقة الصبر ، قال : الرضى بحكم الله تعالى والتسليم لأمر الله تعالى وأن يفرح بالمصيبة كما يفرح بالنعمة قال الله تعالى : وبشر الصابرين.
قال فقلت له يا سيدي قد فهمت ذلك فما حقيقة الزهد في الدنيا ، قال : مخالفة النفس بترك الشهوات الدنيوية وأن يترك سبعين بابا من الحلال مخافة أن يقع في الحرام ، قال فقلت له يا سيدي قد فهمت ذلم فما حقيقة الوجد ، قال : يا عبد العال الوجد أن يكثر ذكر الحق لا إله إلا هو وأن يقذف نور في قلب الذاكر من قبل الله تعالى فيقشعر منه جلده فيشتلق إلى المحبوب لا إله إلا هو ويلحقه من قبل الله تعالى الوجد.
قال فقلت له يا سيدي قد فهمت ذلك فما حقيقة التفكر ، قال : تفكر في خلق الله تعالى وفي مصنوعات الله تعالى ولا تتفكر في ذات الله تعالى وأوصيك يا عبد العال لا تشمت بمصيبة أحد من خلق الله تعالى ولا تنطق بغيبة ولا نميمة ولا تؤذ من يؤذيك واعف عمن ظلمك وأحسن لمن أساءك وأعط من حرمك ، يا عبد العال أتدري من هو الفقير الصادق ، قلت منك تحصل الإفادة ، قال : هو الذي لا يسأل أحدا إن أعطي شكر وإن منع صبر صابر لأحكام الله تعالى عامل بالكتاب والسنة.
يا عبد العال اعلم أني اخترت هذه الراية الحمراء لنفسي في حياتي وبعد مماتي وهي علامة لمن يمشي على طريقتنا من بعدي ، قال فقلت له : يا سيدي فما شروط من حملها ، قال : من شروطه أن لا يكذب ولا يأتي بفاحشة وأن يكون غاض البصر عن محارم الله تعالى طاهر الذيل عفوف النفس خائفا من الله تعالى عاملا بكتاب الله تعالى ملازما للذكر دائم الفكر “.
وأول ذكر في مراجع التاريخ للسيد البدوي جاءت في القرن الثامن الهجري وذلك في كتاب طبقات الأولياء حيث ذكره ابن الملقن فقال : ” الشيخ احمد البدوي المعروف بالسطوحي ، أصله من بني برى قبيلة من عرب الشام تسلك بالشيخ برى أحد تلامذة الشيخ أبي نعيم أحد مشايخ العراق وأحد أصحاب سيدي أحمد بن الرفاعي ” ، أما عبد العال فقد ذكره السيوطي في حسن المحاضرة فقال : ” عبد العال خليفة سيدي أحمد البدوي كان له شهرة بالصلاح يُقصد للزيارة والتبرك مات بطندتا في ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة “.
وذكرهما ابن تغري بردي في النجوم الزاهرة وذلك موضعين أولهما في وفيات سنة 675 هـ حيث يقول : ” وفيها توفّى الشيخ المعتقد الصالح أبو الفتيان أحمد بن علىّ بن إبراهيم بن محمد ابن أبى بكر المقدسىّ الأصل البدوىّ المعروف بأبى اللّثامين السطوحىّ ، مولده سنة ستّ وتسعين وخمسمائة وتوفّى فى سنة خمس وسبعين فى شهر ربيع الأوّل ودفن بطندتا وقبره يقصد للزيارة هناك ، وكان من الأولياء المشهورين وسمّى بأبى اللّثامين لملازمته اللّثامين صيفا وشتاء وكان له كرامات ومناقب جمة رحمه الله تعالى ونفعنا ببركاته “.
وفي الموضع الثاني قال في وفيات سنة 732 هـ : ” وتوفّى الشيخ الصالح عبد العال خليفة الشيخ أحمد البدوىّ وخادمه بقرية طنتتا بالغربية من أعمال القاهرة فى ذى الحجة فكان له شهرة بالصلاح ويقصد للزيارة والتبرك به ؛ ودفن بالقرب من الشيخ أحمد البدوىّ الجميع فى موضع واحد غير أن كلّ مدفن فى محلّ واحد على حدته ، وخلفاء مقام الشيخ أحمد البدوىّ من ذريّة أخيه لم يبلغنا من كراماته شىء “.
وجاءت ترجمة البدوي مفصلة في حسن المحاضرة حيث يقول جلال الدين السيوطي : ” سيدي أحمد البدوي .. هو أبو الفتيان أحمد بن علي بن إبراهيم بن محمد بن أبي بكر القدسي الأصل الملثم ، ولد سنة ست وتسعين وخمسمائة مع أبيه وأهله وأقام بمكة إلى أن مات أبوه سنة سبع وعشرين ، وعرف بالبدوي لملازمته اللثام ولبس لثامين لا يفارقهما وعرض على التزويج فأبى لإقباله على العبادة.
وكان حفظ القرآن وقرأ شيئا من الفقه على مذهب الشافعي واشتهر بالعطاب لكثرة ما يقع بمن يؤذيه من الناس ثم لازم الصمت حتى كان لا يتكلم إلا بالإشارة واعتزل الناس جملة وظهر عليه الوله ، فلما كان في المحرم سنة ثلاث وثلاثين ذكر أنه رأى في النوم من بشره بأنه ستكون له حالة حسنة ثم إن أخاه حسن بن علي دخل العراق وهو صحبته ولازم أحمد الصيام وأدمن عليه حتى كان يطوي أربعين يوما لا يتناول طعاما ولا شرابا، ولا ينام وهو في أكثر حاله شاخص البصر إلى السماء وعيناه كالجمرتين.
ثم صار إلى مصر سنة أربع وثلاثين فأقام بطندتا من الغربية على سطح دار لا يفارقه وإذا عرض له الحال يصيح صياحا متصلا وكان طوالا غليظ الساقين عبل الذراعين كبير الوجه ولونه بين البياض والسمرة ، وتُؤثر عنه كرامات وخوارق من أشهرها قصة المرأة التي أسر الفرنج ولدها فلاذت به فأحضره إليها في قيوده ومر به رجل يحمل قربة لبن فأومأ إليها بأصبعه فانقدت فانسكب اللبن فخرجت منه حية قد انتفخت ، توفي يوم الثلاثاء ثاني عشر ربيع الأول سنة خمس وسبعين وستمائة “.
وجاءت ترجمة عبد العال وإخوته مفصلة في الطبقات الوسطى الشعراني حيث قال : ” سيدي الشيخ عبد العال خليفة سيدي أحمد البدوي رضي الله عنهما .. كان من أجل أصحاب سيدي أحمد وهو صاحب البشت الأحمر الذي يلبسه الخليفة في المولد كل سنة ، وهو الذي بنى مقام سيدي أحمد والمئذنة ورتب السماط وأصغر الخبز ، وهو من أكبر أصحاب السطح الذين صحبوا سيدي أحمد وهو مقيم فوق سطح دار ابن شحيطة شيخ طندتا فإنه رضي الله عنه أقام فوق السطح اثني عشر سنة وقيل عشر سنين ولذلك سمي السطوحي وسمي أكابر أصحابه السطوحية.
وكانت صورة صحبتهم له كما أخبرني به شيخنا الشيخ محمد الشناوي الأحمدي رضي الله عنه : أن سيدي عبد العال كان يأتي إلى سيدي أحمد بالبدوي الذي يبول في ثيابه فينادي سيدي أحمد من فوق السطح فيأتي فينظر إلى ذلك الشخص نظرة واحدة فيملؤه مددا ثم يقول لسيدي عبد العال : أرسله إلى البلد الفلانية فيكون فيها مقامه إلى أن يموت ..
ورأيت بخط الشيخ جمال الدين سبط الحافظ ابن حجر رضي الله عنه ما نصه : لما مات سيدي أحمد أحمد البدوي رضي الله عنه في يوم الثلاثاء ثاني عشر ربيع الأول سنة خمس وسبعين وست مئة .. تخلف بعده الشيخ الصالح المعمر عبد العال فشيد أركان البيت ورتب الأشائر وقصده الناس للزيارة من سائر الأقطار حتى توفي يوم السبت العشرين من ذي الحجة سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة.
فتخلف من بعده أخوه شقيقه الشيخ الصالح زين الدين عبد الرحمن فعمر البيت وقصده الناس من كل ناحية للزيارة والتبرك بدعائه الصالح والنذور والشفاعات عند الحكام حتى توفي في الرابع والعشرين من شعبان سنة أربع وخمسين وسبع مئة ، فتخلف من بعده الشيخ الصالح نور الدين أبو محمد علي شقيق الشيخ عبد العال أيضا فلم يزل قائما بشعائر المقام حتى توفي في ليلة الأحد سابع عشرين رجب سنة تسع وثمانين وسبع مئة.
فتخلف من بعده ولده المعمر محمد شمس الدين فجاد وساد وخضعت له رقاب الولاة حتى توفي يوم الأربعاء سادس عشرين شعبان سنة اثنين وأربعين وثمان مئة ودفن بالمقام ، فتخلف من بعده ولده أحمد فسار سيرة حسنة في المقام حتى توفي يوم الثلاثاء الثاني والعشرين من ذي الحجة سنة ست وأربعين وثمان مئة ، فتخلف من بعده ولد أخيه عبد الكريم بن علي بن محمد فلم يزل خادما للمقام حتى توفي مقتولا يوم الأربعاء في صفر سنة اثنين وستين وثمان مئة ، انتهى ما رأيته بخط الشيخ جمال الدين سبط الحافظ ابن حجر رضي الله عنه “.
ويقول حسن قاسم فى طبقات الشاذلية : سيدى عبد العال الأحمدى أجل أصحاب سيدى أحمد البدوي كان رضى الله عنه من صدور المقربين ومن أكابر العارفين وقد أشرقت عليه أنوار شيخه وسرى مدده فيه كسريان الماء فى العود الأخضر فهابته الناس وأجلته العيون وخافته الأمراء وعملوا له حسابا كان واعظا مرشدا مسلكا تخرج على يديه من السادات الأحمدية ما يفتخر بهم الزمان ولد قدس الله سره ببلدة فيشا المنارة بالغربية ودفن بجوار شيخه بالمقام الأحمدى.
وعبد العال هو الذي بنى قبة فوق ضريح البدوي وبدأ يدعو إلى طريقته التي نشط فيها مجموعة من التلاميذ المخلصين أشهرهم الجوهري والبريدي والمعلوف وقمر الدولة والبراق والإنبابي والراعي والأشعث والشناوي والقليني والبرلسي والشيشيني والأباريقي وأبو طرطور والمتبولي والمجذوب والعريان والوراق وأبو العلا وتتوزع أضرحتهم الآن في طول البلاد وعرضها مما أكسب الطريقة قوة لا بأس بها في مواجهة المماليك الذين عجز أقواهم وهو السلطان جقمق عن إلغاء مولد البدوي بل صارت الطريقة ملاذا آمنا للأتباع من بطش العثمانيين بعد ذلك.
وعبد العال هو الذي وضع قواعد التنظيم الصارم للطريقة التي اعتمدت على وجود درجات إدارية في هرم تنظيمي واضح من أول النقيب الذي يتولى رعاية أفراد قلائل إلى النائب الذي يتولى مسئولية الدعوة في ناحية جغرافية ثم الخادم وهو الذي يقوم برعاية المسجد والمقام ثم في النهاية شيخ السجادة والذي يمثل السلطة العليا يعاونه في ذلك مجلس يجمع شيوخ البيوت الأربعة الكبيرة في الطريقة وهم السادة الكناسية والمنايفة والشناوية والإنبابية في ترتيب بروتوكولي في المجالس والمواكب ، هذه التقاليد انتقلت تدريجيا إلى كل الطرق الصوفية الأخرى داخل مصر وخارجها وصبغت الفكر الديني الشعبي حتى وقتنا هذا.

36 / تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم
(تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم) هو عنوان الكتاب الذي كتبه الفقيه الشافعي قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة الكناني ليكون بمثابة منهاج عملي لتلاميذه من طلبة العلم يضع لهم فيه الآداب اللازمة تجاه شيوخهم وأنفسهم وفي سكن المدارس وتعاملهم مع الكتب ، ولد ابن جماعة في حماة عام 639 هـ / 1241 م وتوفي في القاهرة عام 733 هـ / 1332 م وتولى منصب قاضي القضاة بالديار المصرية أكثر من مرة وحظي باحترام الحكام والأعيان والعلماء وتتلمذ على يده الكثيرون.
ويرجع في نسبه إلى أسرة اشتهرت بالعلم والعلماء تنتمي إلى قبيلة بني كنانة العربية العدنانية المعروفة ، وقد تولى الخطابة بكل من المسجد الأقصى والجامع الأموي والجامع الأزهر وقام بالتدريس في كل من المدرسة الكاملية والمدرسة الصالحية والمدرسة الناصرية بمصر وصنف عددا كبيرا من الكتب في مختلف العلوم الإسلامية ، وكتب له الشاعر ابن دانيال الكحال رجزاً في ذكر من ولي القضاء بمصر بدءاً من فتحها حتى المائة الثامنة وهو الرجز الذي شرحه ابن حجر العسقلاني في كتابه رفع الإصر عن قضاة مصر.
ونبغ من أسرته عدد كبير من الشيوخ والقضاة منهم ابنه قاضي القضاة عزّ الدين عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة الكنانيّ الشافعي المتوفي عام 767 هـ ، وابنه الشيخ الإمام بدر الدين إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة الكنانيّ الشافعيّ قاضي مصر والشّام المتوفي عام 790 هـ ، وحفيده الشّيخ الإمام العلاّمة مفتي المسلمين محمد بن أبي بكر بن عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة المتوفي عام 819 هـ وهو مؤلف كتاب الغرر والدرر في سيرة خير البشر.
ويشرح ابن جماعة في مقدمة الكتاب الأسباب التي دعته إلى تأليفه فقال : ” بسم الله الرحمن الرحيم وبه توفيقي ، الحمد لله البر الرحيم الواسع العليم ذي الفضل العظيم وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد النبي الكريم المنزل عليه في الذكر الحكيم : وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ، وعلى آله وأصحابه الكرام جواره في دار النعيم.
أما بعد ، فإن من أهم ما يبادر به اللبيب شرخ شبابه ويدئب نفسه في تحصيله واكتسابه حسن الأدب الذي شهد الشرع والعقل بفضله واتفقت الآراء والألسنة على شكر أهله ، وإن أحق الناس بهذه الخصلة الجميلة وأولاهم بحيازة هذه المرتبة الجليلة أهل العلم الذين جلوا به ذروة المجد والسناء وأحرزوا به قصبات السبق إلى وراثة الأنبياء لِعِلْمهم بمكارم أخلاق النبي – صلى الله عليه وسلم – وآدابه وحسن سيرة الأئمة الأطهار من أهل بيته وأصحابه وبما كان عليه أئمة علماء السلف واقتدى بهديهم فيه مشايخ الخلف.
قال ابن سيرين : كانوا يتعلمون الهدى كما يتعلمون العلم ، وقال الحسن : إن كان الرجل ليخرج في أدب نفسه السنتين ثم السنتين ، وقال سفيان بن عيينة : أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – هو الميزان الأكبر وعليه تعرض الأشياء على خلقه وسيرته وهديه فما وافقها فهو الحق وما خالفها فهو الباطل ، وقال حبيب بن الشهيد لابنه : يا بني اصحب الفقهاء والعلماء وتعلم منهم وخذ من أدبهم فإن ذلك أحب إليّ من كثير من الحديث.
وقال بعضهم لابنه : يا بني لأن تتعلم بابًا من الأدب أحب إليّ من أن تتعلم سبعين بابًا من أبواب العلم ، وقال مخلد بن الحسين لابن المبارك : نحن إلى كثير من الأدب أحوج منا إلى كثير من الحديث ، وقيل للشافعي رضي الله عنه : كيف شهوتك للأدب ؟ فقال : أسمع بالحرف منه مما لم أسمعه فتود أعضائي أن لها أسماعًا فتنعم به ، قيل : وكيف طلبك له ؟ قال : طلب المرأة المضلة ولدها وليس لها غيره.
ولما بلغت رتبة الأدب هذه المزية وكانت مدارك مفضلاته خفية دعاني ما رأيته من احتياج الطلبة إليه وعسر تكرار توقفهم عليه ، أما الحياء فيمنعهم الحضور أو الجفاء فيورثهم النفور ، إلى جمع هذا المختصر مذكرًا للعالم ما جُعِل إليه ومنبهًا للطالب على ما يتعين عليه وما يشتركان فيه من الأدب وما ينبغي سلوكه في مصاحبة الكتب ثم أدب من سكن المدارس منتهيًا أو طالبًا لأنها مساكن طلبة العلم في هذه الأزمنة غالبًا.
وجمعت ذلك مما اتفق في المسموعات أو سمعته من المشايخ السادات أو مررت به في المطالعات أو استفدته في المذاكرات وذكرته محذوف الأسانيد والأدلة كيلا يطول على مطالعه أو يمله ، وقد جمعت فيه بحمد الله تعالى من تفاريق آداب هذه الأبواب ما لم أره مجموعًا في كتاب وقدمت على ذلك بابًا مختصرًا في فضل العلم والعلماء على وجه التبرك والاقتداء.
وقد رتبته على خمسة أبواب تحيط بمقصود الكتاب : الباب الأول في فضل العلم وأهله وشرف العالم ونسله ، الباب الثاني في آداب العالم في نفسه ومع طلبته ودرسه ، الباب الثالث في أدب المتعلم في نفسه ومع شيخه ورفقته ودرسه ، الباب الرابع في مصاحبة الكتب وما يتعلق بها من الأدب ، الباب الخامس في آداب سكنى المدارس وما يتعلق به من النفائس.
وقد سميته (تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم) والله تعالى يوفقنا للعلم والعمل ويبلغنا من رضوانه نهاية الأمل “.
وقد ترجم له ابن شاكر الكتبي في فوات الوفيات فقال : ” البدر ابن جماعة محمد بن إبراهيم بن سعد بن جماعة بن علي بن جماعة بن حازم بن صخر قاضي القضاة بدر الدين أبو عبد الله الكناني الحموي الشافعي ؛ ولد بحماة سنة تسع وثلاثين وستمائة وسمع سنة خمسين من شيخ الشيوخ الأنصاري وبمصر من الرضي ابن البرهان والرشيد العطار وإسماعيل ابن عزون وغيره وبدمشق من الواني بن أبي اليسر وابن عبد الله وطائفة.
وحدث بالشاطبية عن ابن عبد الوارث صاحب الشاطبي وحدث بالكثير وتفرد في وقته وكان قوي المشاركة في علم الحديث والفقه والأصول والتفسير خطيباً تام الشكل ذا تعبد وأوراد وحج وله تصانيف درس وأفتى وأشغل ؛ ولي خطابة القدس ثم طلبه الوزير ابن السلعوس فولاه قضاء مصر ورفع شأنه ثم حضر إلى الشام قاضياً وولي خطابة الجامع الأموي مع القضاء.
ثم طلب لقضاء مصر بعد ابن دقيق العيد وامتدت أيامه إلى أن شاخ وأضر وثقل سمعه فعزل بقاضي القضاة جلال الدين القزويني سنة سبع وعشرين وسبعمائة وكثرت أمواله وباشر آخراً بلا معلوم على القضاء ، ولما رجع السلطان من الكرك صرفه وولى جمال الدين الزرعي فاستتم نحو السنة ثم أعيد بدر الدين ابن جماعة وولي مناصب كباراً وكان يخطب من إنشائه وصنف في علوم الحديث وفي الأحكام وله (رسالة في الكلام على الاسطرلاب) وتوفي سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة رحمه الله “.
وترجم له ابن حجر العسقلاني في الدرر الكامنة فقال : ” مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن سعد الله بن جمَاعَة بن عَليّ بن حَازِم بن صَخْر بن حجر الْكِنَانِي الْحَمَوِيّ الْبَيَانِي الشَّافِعِي ولد بحماة سنة 639 وَأَجَازَهُ فِي سنة 46 الرشيد ابْن الْمسلمَة ومكي بن عَلان وَإِسْمَاعِيل الْعِرَاقِيّ والصفي البراذعي وَغَيرهم وَسمع فِي سنة خمسين من شيخ الشُّيُوخ بحماة وَمن ابْن أبي الْيُسْر وَابْن عبد وَابْن الْأَزْرَق والنجيب وَابْن علاق والمعين الدِّمَشْقِي والرشيد الْعَطَّار وَابْن أبي عمر والتاج الْقُسْطَلَانِيّ وَابْن مَالك وَالْمجد ابْن دَقِيق الْعِيد وتفقه وَمهر فِي الْفُنُون ودرس بالقيمرية بِدِمَشْق.
ثمَّ ولي قَضَاء الْقُدس فِي سنة 87 ثمَّ نقل إِلَى قَضَاء الديار المصرية فوليها فِي رَمَضَان سنة تسعين عَن ابْن بنت الْأَعَز فَأحْسن السِّيرَة إِلَى أَن قتل الْأَشْرَف فأعيد ابْن بنت الْأَعَز وَصرف هُوَ وَبَقِي مَعَه بعض التداريس نقل إِلَى قَضَاء الشَّام بعد الخوتي فِي سنة 93 فباشرها مَعَ الخطابة أضيفت إِلَيْهِ بعد موت شرف الدّين الْمَقْدِسِي وَكَانَ مَاتَ فِي أَوَاخِر رَمَضَان سنة 94 ثمَّ ولي مشيخة الشُّيُوخ مَعَ التدريس والإنظار.
ثمَّ ولي قَضَاء الديار المصرية ثَانِي مرّة بعد ابْن دَقِيق الْعِيد فَطلب من أهل الدولة فسافر من دمشق فِي تَاسِع عشر صفر ووصوله فِي مستهل شهر ربيع الأول وخلع عَلَيْهِ فِي الرَّابِع مِنْهُ بِقَضَاء الشَّافِعِيَّة بالديار المصرية فباشرها إِلَى أَن حضر النَّاصِر من الكرك فَصَرفهُ سنة 709 واقام عوضه نَائِبه جمال الدّين الذرعي فباشر سنة وشهرا ثمَّ أُعِيد ابْن جمَاعَة فِي صفر سنة عشر ودرس بالصالحية والناصرية وجامع ابْن طولون والكاملية والزاوية المنسوبة للشَّافِعِيّ وأضر بِأخرَة.
ثمَّ استعفي فصرف فِي جُمَادَى الأولى سنة 727 وَقيل إِنَّه أَقَامَ مُدَّة بعد أَن عمي يُبَاشر الْقَضَاء وَهُوَ مُنْقَطع فِي منزله فِي صُورَة أرمد وَلما صرف اسْتمرّ مَعَه تدريس الخشابية وَأقَام فِي منزله يسمع عَلَيْهِ وَكَانَ يخْطب من إنشائه ويؤديها بفصاحة وَيقْرَأ فِي الْمِحْرَاب طيبا وَاجْتمعَ لَهُ من الوجاهة وَطول الْعُمر ودوام الْعِزّ مَا لم يتَّفق لغيره وصنف كثيرا فِي عدَّة فنون.
قَالَ الذَّهَبِيّ كَانَ قوي الْمُشَاركَة فِي الحَدِيث عَارِفًا بالفقه وأصوله ذكيا فطنا مناظرا متفننا ورعا صيتًا تَامّ الشكل وافر الْعقل حسن الْهَدْي متين الدّيانَة ذَا تعبد وأوراد وَكَانَ فِي ولَايَته الثَّانِيَة قد كثرت أَمْوَاله فَترك الْأَخْذ على الْقَضَاء عفة ثمَّ ثقل سَمعه ثمَّ أضرّ فصرف نَفسه وَكَانَ صَاحب معارف يضْرب فِي كل فن بِسَهْم وَله وَقع فِي النُّفُوس وجلالة فِي الصُّدُور.
قَالَ وَكَانَ مليح الْهَيْئَة أَبيض مسمتا مستدير اللِّحْيَة نقي الشيبة جميل البزة دَقِيق الصَّوْت سَاكِنا وقورا وَحج مرَارًا وَكَانَ عَارِفًا بطرائق الصُّوفِيَّة وَقصد بالفتوى وَكَانَ مسعودا فِيهَا وَيُقَال إِن النَّوَوِيّ وقف على فتيا بِخَطِّهِ فاستجادها وهجاه النصير الحمامي بمقطوعة وناوله إِيَّاهَا فحلم عَنهُ وَأحسن إِلَيْهِ وَهِي : قَاضِي الْقُضَاة الْمَقْدِسِي .. صحب الْأُمُور المطاعه .. سَأَلته عَن أَبِيه .. فَقَالَ لي ابْن جمَاعه .. وَقَالَ القطب من بَيت علم وزهادة.
وَكَانَت فِيهِ رئاسة وتودد ولين جَانب وَحسن أَخْلَاق ومحاضرة حَسَنَة وَقُوَّة نفس فِي الْحق قَرَأت بِخَط الْبَدْر النابلسي كَانَ علاقَة وقته ولي الْقَضَاء والخطابة والتصادير الْكِبَار ورزق الْحَظ فِي ذَلِك وَبعد صيته وطالت مدَّته وَحسنت سيرته وَكَانَ متقشفا مقتصدا فِي مآكله وملبسه ومركبه ومسكنه حسن التربية من غير عنف وَلَا تخجيل.
وَمن ورعه أَنه لما ولي تدريس الكاملية رأى فِي كتاب الْوَقْف فِي شَرط الطّلبَة الْمبيت فَجمع مَا كَانَ أَخذه وَهُوَ طَالب وعاده للْوَقْف لِأَنَّهُ كَانَ لَا يبيت وَلما عزل وَاسْتقر جلال الدّين الْقزْوِينِي مَكَانَهُ ركب من منزله من مصر وَجَاء إِلَى الصالحية حَتَّى سلم عَلَيْهِ فعد ذَلِك من تواضعه وَلما مَاتَ كَانَ الْجمع فِي جنَازَته متكاثرا وَدفن بالقرافة بِالْقربِ من الشَّافِعِي وَانْقطع فِي منزله قَرِيبا من سِتّ سِنِين إِلَى أَن مَاتَ فِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة 733 وَقد جَاوز التسعين بِأَرْبَع سِنِين وَأشهر “.

37 / نهاية الأرب في فنون الأدب
(نهاية الأرب في فنون الأدب) هو عنوان الموسوعة الكبيرة التي ألفها شهاب الدين أحمد بن عبد الوهاب بن محمد بن عبد الدائم التيمي البكري ، وهو عالم وباحث موسوعي غزير الاطلاع ولد في إخميم بالصعيد في عام 677 هـ / 1278 م. ونشأ في قوص وتوفي في عام 733 هـ / 1333 م. وهو من أسرة قرشية سكنت قرية النويرة شمال الصعيد (مركز بني سويف حاليا) ومنها اشتق لقبه ، ويرجع في نسبه إلى جده الأعلى الخليفة أبي بكر الصديق رضي الله عنه كما ذكر في ثنايا كتابه.
اتصل بخدمة السلطان الناصر محمد بن قلاوون حيث وكله في بعض أعماله فتولى نظارة الجيش في طرابلس وكذلك الإشراف على نظر الديوان في الدقهلية والمرتاحية (في شمال شرق الدلتا) ، تلقى العلم عن شيوخ عصره وعلى رأسهم قاضي القضاة بدر الدين ابن جماعة الكناني واشتهر بسبب كتابه هذا الذي يعد أول دائرة معارف في العصور الوسطى والذي يضم ثلاثين مجلدًا.
وقد يُفهم من عنوانه أنه يعالج موضوعًا واحدًا وهو الجانب الأدبي ولكنه يحتوي على موسوعة ضخمة تجمع بين الأدب والتاريخ والجغرافيا والاقتصاد والاجتماع والعلوم الدينية ونظم الحكم والتراجم والفنون والعلوم وغير ذلك من ضروب المعرفة خاصة وقد تناول بالبحث تأثير الاقتصاد في نشأة وقيام الدول واختلاف الأقاليم وتنوعها في الثروات وتأثير ذلك على الاقتصاد.
قال عنه الإدفوي : كان ذكي الفطرة حسن الشكل فيه مكرمة وأريحية وودّ لأصحابه ، وقال ابن تغري بردي : كان فقيهًا فاضلًا مؤرخًا بارعًا وله مشاركة جيدة في علوم كثيرة ، وقال ابن حبيب وقد جود في صفته : أديب تضاعف أدبه وظهر سعيه ودأبه وارتفعت منازله ورُتَبه واشتهرت مؤلفاته وكتبه كان لطيف الذات حسن الصفاء والصفات جميل المحاضرة بديع المذاكرة حصّل وجمع وأفاد ونفع.
وقال النويري في كتابه عن والده ومعلمه : ” هو تاج الدين أبو محمد عبد الوهاب بن أبى عبد الله محمد بن عبد الدائم بن منجى البكرى ، تيميّ قرشىّ يلقب بالنويرى وقد تكلمت على هذه النسبة ، عند تكلمى على ولادتى فى سنة سبع وسبعين وستمائة ، مات قبل صلاة المغرب يوم الخميس لاثنتين وعشرين من شهر الحجة سنة تسع وتسعين فى المدرسة الصالحية النجمية فى قاعة تدريس المالكية.
وكان ابتداء مرضه يوم الأربعاء رابع عشر الشهر ، وولادته بالفسطاط بمدرسة منازل العز سنة ثمان عشرة وستمائة ، وإلى مفارقة روحه لم يترك الصلاة وفى يوم وفاته توضأ أربع مرات لصلاة العصر وكان بالإسهال ثم صلى العصر قاعدا وقبل موته دعا لى ونطق الشهادتين وقد دفن فى تربة قاضى القضاة زين الدين المالكى بالقرافة رحمه الله “.
ويحكي النويري عن سبب تأليف الكتاب فيقول في مقدمته : ” وبعد ، فمن أولى ما تدبّجت به الطروس والدفاتر ونطقت به ألسنة الأقلام عن أفواه المحابر وأصدرته ذوو الأذهان السليمة وانتسبت إليه ذوو الأنساب الكريمة وجعله الكاتب ذريعة يتوصّل بها إلى بلوغ مقاصده ومحجّة لا يضلّ سالكها فى مصادره وموارده : فنّ الأدب الذى ما حلّ الكاتب بواديه إلّا وعمرت بواديه ولا ورد مشارعه إلّا واستعذب شرائعه ولا نزل بساحته إلّا واتّسعت له رحابها ولا تأمّل مشكلاته إلّا وتبيّنت له أسبابها.
وكنت ممن عدل فى مباديه عن الإلمام بناديه وجعل صناعة الكتابة فننه الذى يستظلّ بوارفه وفنّه الذى جمع له فيه بين تليده وطارفه فعرفت جليّها وكشفت خفيّها وبسطت الخرائد ونظمت منها الارتفاع وكنت فيها كموقد نار على يفاع ، واسترفعت القوانين ووضعت الموازين وعانيت المقترحات واعتمدت على المقايسات وفذلكت على الأصل وما أضيف إليه وحررت ما بعد الفذلكة فكان العمل على ما استقرّت الجملة عليه.
واستخرجت وحصّلت وجمّلت من عرضه وخصّلت وسقت الحواصل وأوردت المحاسيب وفذلكت على الواصل وطردت ما انساق إلى الباقى والموقوف ونضّدت شواهد المصروف وشطبت شواهد الارتفاع وقرنت أعمال المبيع بالمبتاع ، واستوفيت أعمال الاعتصار وتوالى الغلّات وتأمّلت سياق الأصناف والآلات ونظرت فى سياقات العلوفات والعوامل وأجبت عن المخرج والمردود فأعجزت المناظر والمناضل وأتقنت موادّ هذه الصناعة وتاجرت فيها بأنفس بضاعة.
ثمّ نبذتها وراء ظهرى وعزمت على تركها فى سرّى دون جهرى وسألت الله تعالى الغنية عنها وتضرّعت إليه فيما هو خير منها ورغبت فى صناعة الآداب وتعلّقت بأهدابها وانتظمت فى سلك أربابها فرأيت غرضى لا يتمّ بتلقّيها من أفواه الفضلاء شفاها وموردى منها لا يصفو ما لم أجرّد العزم سفاها ، فامتطيت جواد المطالعه وركضت فى ميدان المراجعه وحيث ذلّ لى مركبها وصفا لى مشربها آثرت أن أجرّد منها كتابا أستأنس به وأرجع إليه وأعوّل فيما يعرض لى من المهمّات عليه فاستخرت الله سبحانه وتعالى وأثبتّ منها خمسة فنون حسنة الترتيب بيّنة التقسيم والتبويب “.
وهذه الأقسام الخمسة تتكون من الجغرافيا والإنسان والحيوان والنبات والتاريخ ، وفيها فصول نادرة مثل الفصل الذي جمع فيه أمثال العرب نقلا عن كتاب (الأمثال) للميدانىّ وهو أبو الفضل أحمد بن محمد بن إبراهيم الميدانىّ النيشابورىّ المتوفى سنة تسع وثلاثين وخمسمائة ووضعه على حروف المعجم ، وأضاف فصلا آخر عن الأمثال الواردة في قصائد كبار الشعراء وفصلا يتناول أخبار الكهنة وما يتصل به الزجر والفأل والطّيرة والفراسة والذكاء الكنايات والتعريض وفصلا في الألغاز والأحاجي.
وأفرد فصلا خاصا في الطرائف يقول فيه : ” الباب الثالث من القسم الثالث من الفن الثانى (فى المجون والنوادر والفكاهات والملح) .. وهذا الباب مما تنجذب النفوس اليه وتشتمل الخواطر عليه فإن فيه راحة للنفوس إذا تعبت وكلّت ونشاطا للخواطر إذا سئمت وملّت لأن النفوس لا تستطيع ملازمة الأعمال بل ترتاح إلى تنقل الأحوال فإذا عاهدتها بالنوادر فى بعض الأحيان ولا طفتها بالفكاهات في أحد الأزمان عادت إلى العمل الجدّ بنشطة جديدة وراحة في طلب العلوم مديدة ، وقد روى عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم أنه قال : روّحوا القلوب ساعة بعد ساعة فإن القلوب إذا كلّت عميت “.
وصنف فصلا خاصا بالموسيقى وموقف الفقه منها فقال : ” قد تكلم الناس في الغناء في التحريم والإباحة واختلفت أقوالهم وتباعدت مذاهبهم وتباينت استدلالاتهم فمنهم من رأى كراهته وأنكر استماعه واستدلّ على تحريمه ومنهم من رأى خلاف ذلك مطلقا وأباحه وصمّم على إباحته ؛ ومنهم من فرّق بين أن يكون الغناء مجرّدا أو أضيف اليه آلة كالعود والطنبور وغيرهما من الالات ذوات الأوتار والدفوف والمعازف والقصب، فأباحه على انفراده وكرهه إذا انضاف إلى غيره وحرّم سماع الالات مطلقا ، ولكل طائفة من أرباب هذه المقالات أدلّة استدلّت بها وقد رأينا أن نثبت في هذا الموضع نبذة من أقوالهم على سبيل الاختصار وحذف النظائر المطوّلة “.
وكتب في سياسة الحكم فصلا بدأه بقوله : ” الباب الرابع من القسم الخامس من الفن الثانى فى وصايا الملوك .. كتب أرسطا طاليس إلى الإسكندر : أن املك الرعيّة بالإحسان إليها تظفر بالمحبّة منها فإنّ طلبك الناس بإحسانك هو أدوم بقاء منه باعتسافك واعلم أنك إنما تملك الأبدان فاجمع لها القلوب واعلم أن الرعيّة إذا قدرت أن تقول قدرت أن تفعل ، وهذا مخالف لما حكى عن معاوية أن رجلا أغلظ عليه فحلم عنه قيل له : أتحلم عن مثل هذا ؟ فقال : إنا لا نحول بين الناس وبين ألسنتهم ما لم يحولوا بيننا وبين سلطاننا ، وكتب إلى الإسكندر : اعلم أنك غير مستصلح رعيّتك وأنت مفسد ولا مرشدهم وأنت غاو ولا هاديهم وأنت ضالّ وكيف يقدر الأعمى على الهدى والفقير على الغنى والذليل على العزّ ! “.
وقد ترجم له الإدفوي في الطالع السعيد فقال : ” أحمد بن عبد الوهاب النّويرىّ القوصىّ .. أحمد بن عبد الوهاب بن عبد الكريم البكرىّ ينعت بالشّهاب النّويرىّ المحتد القوصىّ المولد والمنشأ ، سمع الحديث على الشريف موسى بن علىّ بن أبى طالب وعلى يعقوب بن أحمد بن الصابونىّ وأحمد الحجّار وزينب بنت يحيى وقاضى القضاة أبى عبد الله محمد بن إبراهيم بن جماعة وغيرهم.
وكتب كثيرا ، كتب (البخارىّ) مرّات وجمع تاريخا كبيرا فى ثلاثين مجلدا ، وحصل له قرب من السّلطان الملك النّاصر ووكّله فى بعض أموره وعمل عليه حتى رافع ابن عبادة وهو الذى قرّبه من السّلطان فضربه بالمقارع ثمّ عفا عنه ابن عبادة.
وتقلّب فى الخدم الدّيوانية وباشر نظر الجيش بطرابلس وتولّى نظر الدّيوان بالدّقهليّة والمرتاحيّة ، وكان ذكىّ الفطرة حسن الشّكل وفيه مكرمة وأريحيّة وفيه ودّ لأصحابه ، وصام رمضان سنة وفاته وحصل له أنّه واظب على القراءة فكان كلّ يوم بعد العصر يستفتح قراءة القرآن إلى قريب المغرب ثمّ حصل له وجع فى أطراف أصابع يديه وكان ذلك سبب وفاته.
توفّى يوم الحادى والعشرين من شهر رمضان سنة ثلاثة وثلاثين وسبعمائة ، وله نظم يسير ونثر لا بأس به ، وكان صاحبنا رحمه الله “.
وذكره ابن حجر العسقلاني في كتابه الدرر الكامنة فقال : ” أَحْمد بن عبد الْوَهَّاب بن مُحَمَّد بن عبد الدَّائِم النويري شهَاب الدّين سمع الشريف مُوسَى بن عَليّ بن أبي طَالب وَيَعْقُوب الهذباني وَبنت المنجا وَغَيرهم ، وَنسخ من البُخَارِيّ ثَمَانِي نسخ وَكَانَ يكْتب النُّسْخَة ويقابلها وينقل الطباق وَالرِّوَايَات عَلَيْهَا ويبيعها بِأَلف ، وَجمع تَارِيخا حافلاً بَاعه بِخَطِّهِ بألفي دِرْهَم وَهُوَ فِي ثَلَاثِينَ مجلدة وَحصل لَهُ عِنْد الْملك النَّاصِر حظوة ووكله فِي بعض أُمُوره وباشر نظر الْجَيْش بطرابلس وَكَانَ حسن الشكل ظريفاً متودداً مَاتَ فِي 21 شهر رَمَضَان سنة 733 “.
وذكره ابن تغري بردي في النجوم الزاهرة وذلك في أحداث سنة 733 هـ فقال : ” وتوفّى الشيخ الإمام المؤرّخ الفقيه شهاب الدين أبو العبّاس أحمد بن عبد الوهّاب ابن أحمد بن عبد الوهاب بن عبادة البكرىّ النّويرىّ الشافعىّ صاحب التاريخ المعروف بتاريخ النّويرى فى يوم الحادى والعشرين من شهر رمضان ، كان فقيها فاضلا مؤرّخا بارعا وله مشاركة جيّدة فى علوم كثيرة وكتب الخطّ المنسوب قيل إنه كتب صحيح البخارى ثمانى مرّات وكان يبيع كلّ نسخة من البخارى بخطّه بألف درهم وكان يكتب فى كل يوم ثلاث كراريس ، وتاريخه سمّاه (منتهى الأرب فى علم الأدب) فى ثلاثين مجلدا رأيته وانتقيته ونقلت منه بعض شىء فى هذا التاريخ وغيره ، ومات وهو من أبناء الخمسين رحمه الله “.

38 / عيون الأثر
في قرافة الفسطاط ضريح واحد من أهم أدباء العصور الوسطى وهو أبو الفتح محمد بن محمد بن محمد اليعمري الأشبيلي المعروف بلقب (ابن سيد الناس) نسبة إلى جده سيد الناس بن أبي الوليد بن منذر اليعمري ، غادرت أسرته الأندلس في القرن السابع الهجري بعد سقوط دولة الموحدين ونزحت إلى مصر ، وهو من بيت رياسة بأشبيلية حضر أبوه منها مصطحبا معه أمهات الكتب فنشأ ابنه في بيت علم وشرف ورفعة.
وكان والده على جانب كبير من العلم الشرعي والأدبي وولي مشيخة الكاملية بعد ابن دقيق العيد كما كان جده يلقب بخطيب تونس وعالم المغرب ، ولد بالقاهرة في عام 1272 م. وتوفي فيها عام 1334 م. ، وقد حرص والده على إلحاقه بمجالس شيوخ عصره منذ الصغر ثم رحل إلى الحجاز والشام والإسكندرية فتلقى عن علمائها ومن أهمهم ابن دقيق العيد وابن قدامة ، واشتهر بكتابة السير والتراجم ومن تلاميذه الذهبي والصفدي.
من مؤلفاته عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير ونور العيون في تلخيص سيرة الأمين والمأمون والمقامات العلية في كرامات الصحابة الجلية والنفح الشذي في شرح جامع الترمذي ومنح المدح وبشرى اللبيب بذكرى الحبيب وتحصيل الإصابة في تفضيل الصحابة ، قال عنه معاصره الإدفوي : (ولم يخلف بعده في القاهرة ومصر من يقوم بفنونه مقامه ولا من يبلغ في ذلك مرامه أعقبه الله السلامة في دار الإقامة).
وقال البرزالي : (كان أحدَ الأعيان إتقانًا وحِفظًا للحديث وتفهمًا في عِلَله وأسانيده عالمًا بصحيحه وسقيمه مستحضرًا للسيرة له الشعرُ الرائق والنثرُ الفائق وكان مُحِبًا لطلبة الحديث) ، وقَالَ الذهبي : (وَلَعَلَّ مشيخته يقاربون الْألف وَنسخ بِخَطِّهِ وانتقى ولازم الشَّهَادَة مُدَّة وَكَانَ طيب الْأَخْلَاق بساما صَاحب دعابة وَلعب صَدُوقًا حجَّة فِيمَا يَنْقُلهُ لَهُ بصر ناقد بالفن وخبرة بِالرِّجَالِ وَمَعْرِفَة الِاخْتِلَاف وَيَد طولى فِي علم اللِّسَان ومحاسنه جمة) .
وقَالَ عنه ابْن فضل الله : (أحد أَعْلَام الْحفاظ وَإِمَّام أهل الحَدِيث الواقفين فِيهِ بعكاظ الْبَحْر المكثار والحبر فِي نقل الْآثَار وَله أدب أسلس قيادا من الْغَمَام بأيدي الرِّيَاح وَأسلم مرَادا من الشَّمْس فِي ضمير الصَّباح) ، وَقَالَ عنه الصَّفَدِي : (كَانَ حَافِظًا بارعا متوعلا هضبات الْأَدَب عَارِفًا متفننا بليغا فِي إنشائه ناظما ناثرا مترسلا لم يضم الزَّمَان مثله فِي أحشائه خطه أبهج من حدائق الأزهار وآنق من صفحات الخدود الْمُطَرز وردهَا بآس العذار).
وقد ذكر في مقدمته الأسباب التي دعته إلى الكتابة في السيرة النبوية فقال : ” وبعد ، فلما وقفت على ما جمعه الناس قديما وحديثا من المجاميع في سير النبي صلّى الله عليه وسلّم ومغازيه وأيامه إلى غير ذلك مما يتصل به ، لم أر إلا مطيلا مملا أو مقصرا بأكثر المقاصد مخلا والمطيل إما معتن بالأسماء والأنساب والأشعار والآداب أو آخر يأخذ كل مأخذ في جمع الطرق والروايات ويصرف إلى ذلك ما تصل إليه القدرة من العنايات والمقصر لا يعدو المنهج الواحدومع ذلك فلا بد وأن يترك كثيرا مما فيه من الفوائد.
وإن كانوا رحمهم الله هم القدوة في ذلك ومما جمعوه يستمد من أراد ما هنالك فليس لي في هذه المجموع إلا حسن الإختيار من كلامهم والتبرك بالدخول في نظامهم ، غير أن التصنيف يكون في عشرة أنواع كما ذكره بعض العلماء فأحدها جمع المتفرقات وهو ما نحن فيه فإني أرجو أن الناظر في كتابي هذا لا يجد ما ضمنته إياه في مكان ولا مكانين ولا ثلاثة ولا أكثر من ذلك إلا بزيادة كثيرة تتعب القاصد وتتعذر بها على أكثر الناس المقاصد.
فاقتضى ذلك أن جمعت هذه الأوراق وضمنتها كثيرا مما انتهى إليّ من نسب سَيِّدُنَا وَنَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم ومولده ورضاعه وفصاله وإقامته في بني سعد وما عرض له هنالك من شق الصدر وغيره ومنشأه، وكفالة عبد المطلب جده إياه إلى أن مات ، وانتقاله إلى كفالة عمه أبي طالب بعد ذلك وسفره إلى الشام ورجوعه منه وما وقع له في ذلك السفر من إظلال الغمامة إياه وأخبار الكهان والرهبان عن نبوته وتزويجه خديجة عليها السلام ومبدأ البعث والنبوة ونزول الوحي وذكر قوم من السابقين الأولين في الدخول في الإسلام.
وما كان من الهجرتين إلى أرض الحبشة وانشقاق القمر وما عرض له بمكة من الحصار بالشعب وأمر الصحيفة وخروجه إلى الطائف ورجوعه بعد ذلك إلى مكة وذكر العقبة وبدء إسلام الأنصار والإسراء والمعراج وفرض الصلاة ، وأخبار الهجرة إلى المدينة ودخوله عليه السلام المدينة ونزوله حيث نزل وبناء المسجد واتخاذ المنبر وحنين الجذع ومغازيه وسيره وبعوثه وما نزل من الوحي في ذلك وعمره وكتبه إلى الملوك وإسلام الوفود وحجة الوداع ووفاته صلّى الله عليه وسلّم وغير ذلك.
ثم أتبعت ذلك بذكر أعمامه وعماته وأزواجه وأولاده وحليته وشمائله وعبيده وإمائه ومواليه وخيله وسلاحه وما يتصل بذلك مما ذكره العلماء في ذلك على سبيل الاختصار والإيجاز سالكا في ذلك ما اقتضاه التاريخ من إيراد واقعة بعد أخرى لا ما اقتضاه الترتيب من ضم الشيء إلى شكله ومثله ، حاشا ذكر أزواجه وأولاده عليه السلام فإني لم أسق ذكرهم على ما اقتضاه التاريخ بل دخل ذلك كله فيما اتبعت به باب المغازي والسير من باب الحلي والشمائل ولم أستثن من ذلك إلا ذكر تزويجه عليه السلام خديجة عليها السلام بما وقع في أمرها من أعلام النبوة.
وقد أتحفت الناظر في هذا الكتاب من طرف الأشعار بما يقف الإختيار عنده ومن نتف الأنساب بما لا يعدو التعريف حده ومن عوالي الأسانيد بما يستعذب الناهل ورده ويستنجح الناقل قصده ، وأرحته من الإطالة بتكرار ما يتكرر منها وذلك أني عمدت إلى ما يتكرر النقل منه من كتب الأحاديث والسنن والمصنفات على الأبواب والمسانيد وكتب المغازي والسير وغير ذلك مما يتكرر ذكره فأذكر ما أذكره من ذلك بأسانيدهم إلى منتهى ما في مواضعه وأذكر أسانيدي إلى مصنفي تلك الكتب في مكان واحد عند انتهاء الغرض من هذا المجموع ، وأما ما لا يتكرر النقل منه إلا قليلا أو ما لا يتكرر منه نقل فما حصل من الفوائد الملتقطة والأجزاء المتفرقة فإني أذكر تلك الأسانيد عند ذكر ما أورده بها ليحصل بذلك الغرض من الاختصار وذكر الأسانيد مع عدم التكرار.
فأما الأنساب فمن ذكرته استوعبت نسبه إلى أن يصل إلى فخذه أو بطنه المشهور أو أبعد من ذلك من شعبه أو قبيلته بحسب ما يقتضيه الحال إن وجدته فإن تكرر ذكره لم أرفع في نسبه واكتفيت بما سلف من ذلك ، غير أني أنبه على المكان الذي سبق فيه نسبه مرفوعا بعلامة أرسمها بالحمرة فمن ذكر في السابقين الأولين أعلمت له (٣) وللمهاجرين الأولين إلى أرض الحبشة (ها) وللثانية (هب) ولمهاجرة المدينة (هـ) ولأهل العقبة الأولى (عا) والثانية (عب) وللمذكورين في النقباء (ق) ولأهل العقبة الثالثة (عج) وللبدريين (ب) ولأهل أحد (أ).
وعمدتنا فيما نورده من ذلك على محمد بن إسحق إذ هو العمدة في هذا الباب لنا ولغيرنا غير أني قد أجد الخبر عنده مرسلا وهو عند غيره مسندا فأذكره من حيث هو مسند ترجيحا لمحل الإسناد وإن كانت في مرسل ابن إسحق زيادة أتبعته بها ولم أتتبع إسناد مراسيله وإنما كتبت ذلك بحسب ما وقع لي ، وكثيرا ما أنقل عن الواقدي من طريق محمد بن سعد وغيره أخبارا ولعل كثيرا منها لا يوجد عند غيره فإلى محمد بن عمر انتهى علم ذلك أيضا في زمانه ، وإن كان وقع لأهل العلم كلام في محمد بن إسحق وكلام في محمد بن عمر الواقدي أشد منه فسنذكر نبذة مما انتهى إليّ من الكلام فيهما جرحا وتعديلا فإذا انتهى ما أنقله من ذلك أخذت في الأجوبة عن الجرح فصلا فصلا بحسب ما يقتضيه النظر ويؤدي إليه الاجتهاد ، والله الموفق.
وربما حصل إعلام في بعض الأحيان بغريبة توجد في الخبر وتنبيه على مشكل يقع فيه متنا أو إسنادا على وجه الإيماء والإشارة لا على سبيل التقصي وبسط العبارة ، وسميته بعيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير ، والله المسؤول أن يجعل ذلك لوجهه الكريم خالصا وأن يؤوينا إلى ظله إذا الظل أضحى في القيامة قالصا بمنه وكرمه إن شاء الله تعالى “.
وقد ترجم له ابن شاكر الكتبي في فوات الوفيات فقال : ” فتح الدين ابن سيد الناس .. محمد بن محمد بن أحمد بن سيد الناس الشيخ الإمام العالم الحافظ المحدث فتح الدين أبو الفتح ابن الفقيه أبي عمرو ابن الحافظ أبي بكر اليعمري ؛ كان حافظاً بارعاً أديباً بليغاً مترسلاً حسن المحاورة لطيف العبارة فصيح الألفاظ كامل الأدوات لا تمل محاضرته كريم الأخلاق زائد الحياء حسن الشكل والعمة وهو من بيت رياسة وعل، سمع وقرأ وارتحل وكتب وحدث وأجاز.
أجاز له عبد اللطيف وكناه بأبي الفتح وسمع حضوراً سنة خمس وسبعين من القاضي شمس الدين ابن القسطلاني وقرأ على أصحاب ابن طبرزد وأصحاب الكندي وأصحاب الحرستاني وارتحل إلى دمشق سنة تسعين فكاد يدرك الفخر بن البخاري ففاته بليلتين ، قال الشيخ شمس الدين : ولعل مشيخته تقارب الألف ونسخ بخطه واختار وانتقى شيئاً كثيراً ولازم الشهادة مدة ؛ وكان عنده كتب كبار وأمهات جيدة منها مصنف ابن أبي شيبة ومسنده والمحلى والتمهيد وجامع عبد الرزاق وتاريخ أبي خيثمة والاستيعاب والاستذكار وتاريخ الخطيب والمعاجم الثلاثة للطبراني وطبقات ابن سعد وتاريخ المظفري وغير ذلك.
وصنف عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير ، والنفخ الشذي في شرح الترمذي ولم يكمل ، وكتاب بشرى اللبيب بذكر الحبيب ، ومنح المدح ، وشعره رقيق سهل التركيب منسجم الألفاظ عذب النظم بلا كلفة وكتب بالمغربي طبقة كما كتب بالمشرقي.
فمن شعره قوله : عهدي به والبين ليس يروعه .. صباً براه نحوله ودموعه .. لا تطلبوا في الحب ثأر متيم .. فالموت من شرع الغرام وشروعه .. عن ساكن الوادي سقته مدامعي .. حدث حديثاً طاب لي مسموعه .. أفدي الذي عنت البدور لوجهه .. إذ حل معنى الحسن فيه جميعه .. البدر من كلف به كلف به .. والغصن من عطف عليه خضوعه .. لله معسول المراشف واللمى .. حلو الحديث ظريفه مطبوعه .. دارت رحيق لحاظه فلنا بها .. سكر يجل عن المدام صنيعه.
وقال أيضاً : قضى ولم يقض من أحبابه أربا .. صب إذا مر خفاق النسيم صلبا .. راض بما صنعت أيدي الغرام به .. فحبسه الحب ما أعطى وما سلبا .. لا تحسبن قتيل الحب مات ففي .. شرع الهوى عاش للإخلاص منتسبا .. في جنة من معاني حسن قاتله .. لا يشتكي نصبا فيها ولا وصب ، وكانت وفاة الشيخ فتح الدين ابن سيد الناس حادي عشر شعبان سنة أربع وثلاثين وسبعمائة ومولده رابع عشر ذي القعدة سنة إحدى وستين وستمائة رحمه الله “.

39 / كنز الدرر وجامع الغرر
(كنز الدرر وجامع الغرر) هو عنوان الكتاب الذي كتبه المؤرخ المملوكي ابن أيبك الداواداري المتوفي في حارة الباطنية بالقاهرة عام 736 هـ / 1335 م وتناول فيه التاريخ الإسلامي حيث قسمه إلى تسعة أقسام ، وأهم هذه الأقسام هي الثلاثة الأخيرة الخاصة بالدولة الأيوبية والمملوكية وعصر الناصر محمد بن قلاوون حيث كان المؤلف وووالده وجده من شهود العيان على تلك الحقبة الزمنية ومن المشاركين في أحداثها الجسام حيث بدأ تصنيف الكتاب عام 709 هـ واستغرق منه سبعة وعشرين عاما.
وقد تضمن الكتاب وقائع السيرة الذاتية لأسرة المؤلف متداخلة مع الصراعات والحروب والمؤامرات والتي انتهت بهم للاستقرار في مصر ، وقد حرص المؤلف على إثبات نسبه في مقدمة كتابه فقال : ” كنز الدّرر وجامع الغرر تأليف أضعف عباد الله وأفقرهم إلى الله أبو بكر ابن عبد الله بن أيبك صاحب صرخد ، كان عرف والده رحمه الله بالدواه دارى انتسابا لخدمة الأمير المرحوم سيف الدين بلبان الرومى الدوادار الظاهرى تغمّده الله برحمته وأسكنهم فسيح جنّته بمحمّد وآله “.
وكان جده عز الدين أيبك المعظمي في الأصل مملوكا للملك المعظم عيسى بن الملك العادل الأيوبي حيث عمل أولا في منصب الاستادار (المشرف على البيوت السلطانية) ثم ولاه إمارة صرخد والتي ظل فيها حتى دخل في صراع مع الملك الصالح نجم الدين أيوب فعزله عنها ثم أعاده مؤقتا حتى وفاته عام 645 هـ حيث استولى على أمواله ، ويحكي المؤلف عن المؤامرات المتبادلة بينهما وكيف دس كل منهما السم للآخر ليقتله.
أما والده فهو جمال الدين عبد الله بن أيبك الدواداري والذي دخل مبكرا في خدمة السلطان بيبرس البندقداري وتدرج في المناصب وصار من كبار الموظفين المقربين من السلطان الأشرف خليل ثم السلطان الناصر محمد بن قلاوون الذي منحه الإمارة ونصبه والياً على الشرقية وأميراً على العربان ثم عين مهمنداراً بالشام حيث توفي سنة 713هـ بعد أن وقع من فوق فرسه أثناء قيامه بجولة تفتيشية على القلاع (المهمندار هو المشرف على القبائل العربية).
ويحكي المؤلف ذلك كله في كتابه فيقول عن الصراع بين أسرته والصالح أيوب : ” ثم إن السلطان الملك الصالح أيوب توجه إلى بعلبك ورتب أحوالها ورجع إلى نحو صرخد ومشى الأمير ناصر الدين القيمرى فى الصلح وكذلك جمال الدين ابن مطروح بين السلطان وبين الأمير عز الدين صاحب صرخد بوساطة شمس الدين بن العميد أيضا ، وخرج الأمير عز الدين عن صرخد ونزل فى ميدانها وتسلمها السلطان ورجع عز الدين فى خدمته إلى دمشق ونزل النيرب وكتب له منشورا بقرقيسيا والمجدل وضياعها فى الخابور فلم يحصل له منها شئ “.
ويحكي عن سبب وفاة الصالح أيوب وجده فقال : ” وكان سبب موته السقية التى صنعها له الأمير عز الدين أيبك صاحب صرخد ، وذلك أن السلطان الملك الصالح لما أخذ صرخد من الأمير عز الدين – رحمه الله – وأعطاه تلك البلاد المقدم ذكرها لم يتحصّل له منها شئ وخشى السلطان عاقبة أمره لما كان يعلمه منه من التدبير وحسن السياسة فأعاده إلى صرخد وأنعم عليه وأفكر فى قتله.
وكان الأمير عز الدين سليم الصدر حسن اليقين فظن أن باطن السلطان صفى له ، ثم إن السلطان يتحقق من الأمير عز الدين الدين المتين وحبه لتلاوة القرآن وكان يختم فى كل يوم وليلة ختمة فصنع له السلطان ختمة عظيمة بخطّ منسوب مكتوبة بالذهب وسمّ جميع أوراقها وأهداها للأمير عز الدين فى جملة تحف أخر ، فلما وصلت إليه افتتن بها وعاد لا يفارقها غمضة عين وعاد يقرأ فيها ليلا ونهارا ، ثم إنه كان كل ما تصفح أوراقها وضع يده فى فيه وعلى لسانه فعمل فيه السم.
وتحقق أن ذلك من السلطان وعلم أنه ميّت لا محالة فأخفى أمره وطلب الصنّاع وعمل سرج ما رأت الناس مثله نفّد عليه عشرة آلاف دينار وسمّ الميّترة التى للسرج وتركه فى خزانته وتوفى إلى رحمة الله تعالى ، فلما بلغ السلطان ذلك ركب من فوره وتسلم صرخد، وأخذ سائر أمواله وذخائره وأباع مماليكه وجواريه بأقل الأثمان وأباع فى الجملة أم الوالد وهى حامل به من الأمير عز الدين، فاشتراها رجل من أهل صرخد من كبارها يقال له عمر بن الأسعد، وكان دينا واستبرأها فوجدها حاملا وكانت تسمى كمش خاتون خطائية الجنس.
فولدت الوالد عند ذلك الرجل ورباه كالولد إلى هذه السنة التى أخذ السلطان الملك الظاهر فيها صفد وهى سنة أربع وستين وستمائة ، وكان الأمير حسام لاجين الدرفيل مملوكا للأمير عز الدين أيبك وهو طفل صغير وكانت هذه كمش خاتون قد ربّته عندها مثل الولد فأبيع أيضا الأمير حسام الدين الدرفيل مع من أبيع،وتنقل به الحال إلى أن عاد دوادار السلطان الملك الظاهر ، فلما كان سنة فتح صفد والسلطان بدمشق حضرت الصراخدة بتقادم للأمير حسام الدين الدرفيل وأحضروا له الوالد وهو يومئذ ابن سبعة عشر سنة فعرف له حقّه وربّاه كالولد.
ثم ارتجع الوالد من عند الأمير حسام الدين إلى بيت السلطان الملك الظاهر فى حديث طويل ثم إن السلطان أنعم عليه بإقطاع عبرة ألفي وأربع مائة دينار وسلمه للأمير سيف الدين بلبان الرومى الدوادار وقال له : (علمه وخليه يمشى معك) فعرف الوالد بالدوادارى ثم إن السلطان الشهيد الملك الأشرف خليل بن قلاوون أعطاه تقدمة ، ثم إن مولانا وسيدنا السلطان الأعظم الملك الناصر أمّره وولاه بلبيس والعربان وذلك فى سنة ثلاث وسبعمائة فأقام إلى سنة عشر وسبعمائة نقله إلى الشام بسؤاله وجعله مهمندارا ثم ألزم بشاد الدواوين بدمشق فأقام سنة ثم تخلص إلى أن توفى رحمه الله فى شهر رجب سنة ثلاث عشرة وسبعمائة.
وخرج بنا تلاوة الكلام بعضه ببعض عن الغرض المقصود من ذكر وفاة السلطان الملك الصالح رحمه الله تعالى ، قال والدى رحمه الله : حدثنى هذا الرجل الذى شرى أمى وكان رجلا فقيها صوفيّا فاضلا محققا له عندى كتاب تأليفه بخطه فى التصوف سماه (لباب اللباب فى علم التصوّف والآداب) ولقد أحسن فيه كل الإحسان ، قال : لما أعرض السلطان الملك الصّالح ذخائر الأمير عز الدين أيبك رأى ذلك السرج فركب فيه من يومه ولعب الأكرة فى ميدان صرخد فرحا بموت عز الدين فعلقت فيه السقية من تلك الساعة ولم تزل تعمل فيه حتى مات فكان عز الدين قاتل قاتله “.
وقد حضر المؤلف مع والده جملة من الأحداث والمواقف ذكرها في ثنايا الكتاب ومنها مصاحبته له أثناء مطاردة السلطان المعزول بيبرس الجاشنكير في صحراء سيناء وإلقاء القبض عليه وترحيله للقاهرة ، وشهد أيضا إلقاء القبض على نائب السلطنة بدمشق الأمير كراي بعد تآمره مع حكام صفد وغزة ضد الناصر محمد بن قلاوون ، وشهد إبطال مؤامرة الأمير الزردكاش للانقلاب في الشام كما حضر محاولة المغول الفاشلة لاحتلال مدينة الرحبة وغزو الشام منها حيث كان المؤلف ضمن كتيبة الاستطلاع المكلفة بمراقبة العدو.
وقد كتب المؤلف عدة كتب أخرى منها كتاب درر التيجان وغرر تواريخ الزمان وهو تاريخ موجز من مجلد واحد مضاف فيه تراجم الملوك والوزراء والعلماء والأدباء والشعراء والأطباء ، وكتاب أعيان الأمثال وأمثال الأعيان وكتاب حدائق الأحداق ودقائق الحذاق وهما في الأدب والحكمة وكتاب عادات السادات وسادات العادات في مناقب الشيخ أبي السعادات وكتاب اللقط الباهرة في خطط القاهرة في الجغرافيا ، وقد استهل المؤلف كتابه الأهم كنز الدرر وجامع الغرر بمقدمة بليغة جاء فيها :
” وبعد ، فإنّ العبد لما اشتغل بفنّ الأدب السامى للقدر المالى للرتب وعهدى بعهد الصبى مخيم ما استقلّ والوجه بالنبت موسم همّ وما بقل والخطّان المتواردان من يمينه ويساره لم يتصافحا والضدّان المتناقضان من ليله ونهاره لم يتصالحا ، ولم يثن غنائى عن ما غنائى من الإيضاع مقلة ينبوع ولا زمّنى عمّا أهمّنى من الإسراع بيانه أسروع فعلى هنالك قدرى جدّ فى طلب العلم جدّه وما رأى فى عسجد أستفيده ولكنّى فى مفخر أستعدّه وكفى بالعلم مفخرا يقدع منه أنوف المفاخرين وبالثناء الجميل مدخرا وهو لسان الصدق فى الآخرين.
والموفّق من إذا همّ ألقى بين عينيه عزمه ونكب عن ذكر العواقب ومدّ أطناب خيامه على النجوم الثواقب فلذلك استأنست بالخلاء عن الملاء وولّيت وجهى شطر الأئمة الفضلاء وبسطت حجرى لالتقاط درر الشفاه وجعلت ذلك دواء لقلبى وشفاءه ، وتركت اليراعة التى هى سنان رمح البراعة بطول انتظامها إلى أناملى سادسة لخامسها والمداد الذى هو مستقى أرشه الأقلام منهلا لخوامسها لإجرء أحمدت مسراى عند الصباح ونادى مناد الخير حى على الفلاح وهيّأ الله لى من أمرى رشدا وثمر لى طول معاناة المخض زبدا ومحقّق لى كلّ ظنّ ممّا تجمع لى من كلّ فنّ.
فكأنّ الأرض حللت لى على اتّساع جوانبها ورويت عن الفضلاء من مشارقها ومغاربها فغدت كأنّى فى تخليد أخبارهم وتجديد الدارس من آثارهم قبلى من اللواقح السواحب ذيولها على الأرض الخاشعة إحياء لمواتها وربعى من النوافخ فى صور رعدها على الروضة الفائحة إنشارا لنباتها ، ولم ينشر إلىّ الوصول إليها والفراغ منها إلاّ وقد وخط القتير وطلع النذير وانضمّ الخيط الأبيض من الفجر إلى الخيط الأسود من الشعر فحلى الفود مشتعلا وأضاف الدود إلى الدود فصارت إبلا.
ثم اخترت الله تعالى بعد ما أخلصت النيّة وسألته سرّا وعلانية أن يلهمنى رشدى ولا يخيّب سؤالى وقصدى فدلّتنى هناك الإرادة وحرّكتنى لذلك السعادة فوضعت هذا التأريخ اللطيف مشرفا بالاسم السلطانى الناصرى الشريف ، وشمّرت عن ساق التشمير وهجرت كلّ جليس وسمير ما خلا سمير الكتب وشهير الأدب وقدحت زناد الفكرة فأورا وأضا وأحيت ما دثر من الأفاضل ممّن انقضا ومضا الذين بأسنّة يراعتهم يضرب المثل وبألسنة براعتهم ملكوا قلوب تلك الملوك الأول إذا كان الوقت للفاضل فيه مقال ويقال فيه الجاهل وفى الفاضل يقال.
فلمّا أقفرت تلك البقاع وخلت الرّخاخ من الرقاع وتفرزنت بيادق الحراشى ودثر ونسى الناثر والفاضل الناشئ وكسد سوق اليراعة وفسد زمان البداعة قصدت أن أتتبع آثار الداثر وأتشبّثّ بشئ من الدارس فى دا الزمان الفاتر لعلّى أبلغ الأسباب وأضاف إلى جملة عبيد السادة الكتّاب ، وإن كنت لست من أهل هذه الصناعة ولا تجّار هذه البضاعة وأين وقع الضباب من قطر السحاب وهفيف الغراب من هوى المقاب لكنّنى تشبّتّ بفصلهم منهم إليهم وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم.
وكان الابتداء فى الاشتغال بمسوّداته وجمع نوادره ومستطرفاته وتحصيل أخباره وحكاياته فى سنة تسع وسبعمائة العربيّة للهجرة النبويّة على صاحبها أفضل الصلوات وأزكى التحيات ، وذلك مما انتخبته وانتقيته وغربلته ونقيته من تواريخ رئيسة وكتب نفيسة وزبد عجيبة ونبذ غريبة يشتمل على درر يتيمة وغرر كريمة وبدع مؤنقة ولمع مخرقة ، فعاد كالحديقة المشرقة ذات أشجار مورقة بأثمار باسقة وأطيار ناطقة وأنهار دامقة وأزهار شائقة وحدائق مزهرة ودقائق مبهرة ونوادر ملهية ومضاحك هزليّة وملح شهيّة ورقائق مبكية وأهاجى منكية ومدائح زكيّة وحكايات مليحة بروايات صحيحة بألفاظ فصيحة تصل إلى العقول الرجيحة.
فلما كمّلت مسودّاته ونجزت آياته ألّفت كلّ واقعة فى زمانها وما جرية فى أوانها وأقمته تأريخا غريب المنال كثير الحكم والأمثال ولخصت من تواريخ الجمع ما ينزّه الناظر ويشنّف السمع ، يتضمّن من فوائد الجدّ ونوادر الهزل وفرائد النثر وقلائد النظم ما يملأ البصر نورا والقلب سرورا مع عيون تواريخ العرب والعجم ومن سلف من ملوك الأمم إلى نتف الأئمة الخلفاء وفقس الملوك والوزراء ونكث الزهّاد والحكماء ولمع المحدّثين والعلماء وحكم الفلاسفة والأطبّاء وغرر البلغاء والشعراء وملح المجان والظرفاء وطرف السّوال والغوغاء وما يختصّ به كلّ زمان ويفترد به كلّ طائفة بأوان ..
ثم ابتدأت من أوّل عام الهجرة سياقة النيل من بعد سياقة التاريخ بعام الفيل وقدّمت قبل كل حادثة من حوادث ذلك العام ما يليق من الكلام وذلك ما استقرّ عليه القاع من الماء القديمة وما انتهت إليه الزيادة على القانون المستقيم وأثبتّ ذلك لفوائد عدّة يأتى شرحها ويظهر للمتأمّل الحاذق ربحها.
ثم أتبعت هذا الكلام فى حوادث كلّ عام ومن كان فيه من الحكّام من خلفاء الإسلام وملوك الأنام، السادة الأعلام فى مشارقها ومغاربها ومسالمها ومحاربها ، وذلك ممّا اتّصل إلينا من أخبارهم فقصصناه من آثارهم وما عدا ذلك فعلمهم عند خالقهم ومنشئهم ورازقهم وذكرنا ما حدث فى كلّ عام من حوادث وأمور وما تغيّر فيه من أمر كان أو مأمور واعتمدت فى ذلك كلّه الغاية فى الاختصار إذ التواريخ وجمعها لا يقع عليها إحصار.
ولقد اعتنيت بحصر ما جمعت فيه من ملح تواريخ الإسلام وما اخترت من نوادر جواهر الكلام فكان نيف وخمسين مجيدين محسنين حسبما ذكرت من أسمائهم وبيّنت من أنبائهم بحكم أنّنى لم أترك فى هذا المجموع المطبوع تقصيرا مخلّ ولا أسهبت وأطنيت تطويلا مملّ ، وليس الاعتماد فى هذا كلّه إلاّ على حسن فطرة القارئ الذى ذهنه أرقّ من الماء الجارى فإذا حسن من القارئ البراعة وأصغى السامع وأخلى قلبه لسماعه لذّت هنالك المحاضرة وعلم هنالك أنّه كتاب لا يقاس بالمناظرة.
ثم إنّ العبد قد اقترح فى تأليفه اقتراحا أظن أننى لم أسبق إليه يظهر صحّة الدعوى لكل واقف عليه وذلك أننى خصصت كلّ جزء من أجزائه التسع بدولة من الدول وما فى ضمنها من الدول المنقطعة وملوكها أرباب الخول ، وجعلت أجزاءه مقسومة على هذه الأفلاك التسع لعلوّ قدرها ولما خصّوا به من النفع ، وأسماءهم :
الأول نزهة البشر من قسمة فلك القمر المسمّى بالدرّة العليا فى أخبار بدء الدنيا ، الثانى علّة الوارد من نسمة عطارد المسمّى الدرة اليتيمة فى أخبار الأمم القديمة ، الثالث المشرف بالقدرة من قسمة فلك الزهرة المسمّى الدر الثمين فى أخبار سيّد المرسلين والخلفاء الراشدين ، الرابع بغية النفس من قسمة فلك الشمس المسمّى الدرّة السميّة فى أخبار الدولة الأمويّة ، الخامس الذى كلّ سمع له نسيخ من قسمة فلك المرّيخ المسمّى الدرّة السنيّة فى أخبار الدولة العبّاسيّة.
السادس الفائق صحاح الجوهرى من قسمة فلك المشترى المسمّى الدرّة المضيّة فى أخبار الدولة الفاطميّة ، السابع شهد النحل من قسمة فلك زحل المسمّى الدرّ المطلوب فى أخبار دولة ملوك بنى أيّوب ، الثامن زهر المروج من قسمة فلك البروج المسمّى الدرّة الزكيّة فى أخبار دولة الملوك التركيّة ، التاسع الجوهر الأنفس من قسمة الفلك الأطلس المسمّى بالدرّ الفاخر فى سيرة الملك الناصر.
فلمّا اجتمعت هذه الدرر النفيسة والغرر الرئيسة سمّيت مجموع التأريخ : كنز الدرر وجامع الغرر ، وانتهيت فى سياقة التاريخ آخر الجزء التاسع بذكر سنة خمس وثلاثين وسبعمائة ، فإن جلّى بإصابة سمع فعن قوس فكرى كانت الرماية ولولا خوفى من التغالى والانتصار لتألّفى ومقالى لقلت كما قال أبو الفرج الإصفهانى صاحب كتاب الأغانى : وهو كتاب ينتفع به الأديب المتقدّم كما ينتفع به الشادى المتعلّم ويأنس به الخليع المتهتّك ويحتاج إليه الملك فى ممالكه كما يحتاج إليه المملوك فى خدمة مالكه وهو نعم الأنيس وخير جليس.
قلت : فإن حسن لعين الناظر فيه والدارس وأحلاه بحلّ القادح لدى القابس هنالك أقول (من الخفيف) : يا كتابى قبّل يديه إذا ما .. نلت حضّا وقل له يا كتابى .. أنت بحر العلوم فاغفر إذا ما .. قد أعادوا إليك قطر السحاب.
وإن قذفه وقلاه ونبذه من بعد ما استملاه فأنا أسأله أن يسامحنى بالغلط فمن ذا الذى ما ساء قطّ ومن له الحسنى فقط وإن جهل معانيه وما فيه من الزبد والنبذ أو علم ذلك ثم داخله أوّل ذنب عصى الله به وهو الحسد فهنالك أيضا أقول (من البسيط) : لمن أبوح بشعرى حين أذكره .. أم من أخصّ بما فيه من الزبد .. إمّا جهولا فلا يدرى مواقعه .. أو عالما فهو لا يخلو من الحسد ، وأقول : هذا جهد المجتهد وعلى الله أعتمد “.

40 / الأمثال العربية
(الأمثال العربية) هو أول كتاب في تاريخ مصر يحوي مجموعة من الأمثال الشعبية المصرية الدارجة التي تم جمعها من أفواه الناس وقتها بواسطة الشاعر الشعبي شرف الدين بن أسد حيث دون قرابة سبعمائة واثنين وثمانين مثلا مرتبة على الأحرف الهجائية ، والمؤلف هو واحد من شعراء القرن الثامن الهجري حيث ولد في القاهرة عام 670 هـ / 1271 م وتوفي فيها عام 738 هـ / 1337 م واشتهر بالمزج بين العامية والفصحى وله كتابات شعرية ونثرية متداولة.
وقد كتبها ابن أسد في تسع كراسات ونسخها النساخون وتداولتها الأيدي من بعده حتى القرن التاسع عشر الميلادي عندما عثر المستشرق السويسري بوركهارت على نسخة منها في مكتبة أحد أصدقائه من الشيوخ المصريين بالقاهرة فأخذها وترجمها إلى الألمانية ونشرها تحت عنوان طويل هو (الأمثال العربية أو العادات والتقاليد عند المصريين المحدثين مسجلة من أمثالهم السائرة في القاهرة) لكنه استثنى منها العبارات الشعبية المتدنية الخادشة للحياء.
وقد تم إيداع المخطوط الأصلي في مكتبة جامعة كمبردج ، وحديثا قام الأستاذ الدكتور إبراهيم أحمد شعلان بتحقيق النسخة الموجودة في دار الكتب المصرية حيث تم طبعها تحت عنوان (العادات والتقاليد المصرية من الأمثال الشعبية في عهد محمد علي) من إصدارات الهيئة المصرية العامة للكتاب ، ويضم الكتاب الأمثال التي كتبها ابن أسد ومعها إضافات وشروح بوركهارت الذي درس تأثير هذه الأمثلة في زمن وجوده في مصر ومخالطته للمصريين.
ويتحدث ابن حجر العسقلاني في كتابه الدرر الكامنة بأعيان المئة الثامنة عن مؤلف الكتاب وما اشتهر به من كتابات وأشعار وأزجال فقال : ” شرف بن أَسد الْمصْرِيّ ولد سنة 670 تَقْرِيبًا وتعاني النّظم بالطبع لَا بِالْعلمِ وسلك فِي المجون مسالك لم يسْبق إِلَيْهَا وَعمل على طَريقَة ابْن مَوْلَاهُم فِي الصَّنَائِع فَكَانَ كِتَابه أَضْعَاف كتاب الأول وَفِيه مِائَتَا صَنْعَة للنِّسَاء خَاصَّة وَله من البلاليق والمشاشاة والزوائد مَا هُوَ مَشْهُور عِنْد لطفاء المصريين وَمَات فِي سنة 738 “.
ويضم الكتاب عددا من الأمثلة المستعملة إلى اليوم ومنها : إذا جاء الماء طوفان اجعل ابنك تحت رجليك ، الجنازة حامية والميت كلب ، أنت مغسل وضامن جنة ، ضربتين في الرأس توجع ، على عينك يا تاجر ، نواية تسند الجرة ، الحيطان لها أودان ، تكون نار تصبح رماد ، طلع نقبه على شونة ، من خلف ما مات ، ذا شغل المعلم لابنه ، الاسم لطوبة والفعل لأمشير ، الداخل بين البصلة وقشرتها ما يخرج إلا بصنتها ، أطعم الفم تستحي العين ، تمسكنوا حتى تمكنوا ، ضربني وبكى وسبقني وشكا ، لا صلح إلا بعد عداوة ، وداه البحر وجابه عطشان.
كما يضم أمثلة مستخرجة من الثقافة الإسلامية مثل : إذا حضرت الملايكة غابت الشياطين ، إذا حضر الماء بطل التيمم ، خير البر عاجله ، لا تؤخر عمل اليوم إلى الغد ، أكذب من مسيلمة ، تاج المروءة التواضع ، جهلك أشد من كفرك ، حلو اللسان بعيد الإحسان ، خير الزاد ما حصل في الفؤاد ، خير المال ما وجهته وجهه ، ذل من لا سفيه له ، رحم الله امرأ عرف قدره وكفى الناس شره ، زامر الحي ما يطرب ، ضع الأمور موضعها تضعك موضعك ، أضيق من سم الخياط ، طاعة اللسان ندامة ، كلام الليل يمحوه النهار ، ليس الخبر كالعيان.
وأمثلة كانت مستعملة في وقتها ولم تستمر إلى الآن مثل : إذا أراد الله هلاك نملة أنبت لها أجنحة ، الحجامة بالفاس ولا الحاجة للناس ، الفراش الشاطر ما يحتاج مهماز ، الغندرة المخفية التكة والطاقية ، جور القط ولا عدل الفأر ، جندي ما قبل شيع طرطوره ، حبيبي مليح ويتعمم بنخ ، دسوتهم عالية وبطونهم خالية ، ركوب الخنافس ولا المشي على الطنافس ، شيل إيدك من المرق لا تحترق ، على بخت زفافي قصر الليل وتابت المغاني ، فر من المطر قعد تحت المزراب ، من كلم الزطي على نفسه يخطي ، وقعت منارة إسكندرية قال الله يسلمنا من غبارها.
وأمثلة لم تعد مستعملة بلفظها ولكن بألفاظ بديلة مثل : إذا كان زوجي راض إيش فضول القاضي ، الخنفسة في عين أمها مليحة ، ارميه البحر يطلع وفي فمه سمكة ، تموت الحداية وعينها في الخطف ، خطبوها تمنعت تركوها تطلعت ، خذ الكتاب من عنوانه ، ديار الظالم خراب ولو بعد حين ، رزق الكلاب على المجانين ، ريح في قفص ، سلموا مفاتيح البرج للقط ، اسجد لقرد السوء في زمانه ، صام سنة وفطر على بصلة ، الكلام لك يا جارة إلا أنتي حمارة ، طار طيرك وأخذه غيرك ، من استحى من بنت عمه ما جاب منها غلام ، الدبان يعرف وجه اللبان.
وقد ترجم له الصفدي ترجمة وافية في كتابه أعيان العصر وأعوان النصر وذكر جانبا من شعره ونثره فقال : ” شرف بن أسد المصري .. شيخ ماجن ، ماجن كما جن ولا غسل ما حمل في ردنه من السخف ماء النيل ولا الأردن ، خليع أربى على الجديد والخليع وأنسى الناس ذكر صريع الدلاء بما له من الصنيع ومتهتك ليس بعار من العار ولا بمبال أي ثوبيه لبس أنقي من التقوى أو إزار من الأوزار؟
ظريف يصحب الكتاب ويعاشر الشعراء وأهل الآداب ويشبب في المجالس على القينات ويسبب الفتيان للفتيات ، لو رآه ابن حجاج ما حجه أو ابن الهبارية لكان هباءً في تلك المحجه ، وكان يمدح الأكابر والأصاغر ولا يزال ذا كيس فارغ وفم فاغر ، وله عدة مصنفات مملوءة بالخرافات والترهات من مشاشاة الخليج وزوائد المصريين التي كالروض البهيج وهي موجودة بالديار المصرية بين عوامهم وخواصهم وفي رفوف ذخائرهم ومناصهم.
ولم يزل على حاله إلى أن مجه المجون وابتلعته الحفره ولقي من الله تعالى عفوه وغفره ، وتوفي رحمه الله تعالى بعد مرض مزمن في سنة ثمان وثلاثين أو سبع وثلاثين وسبع مئة وكان في عشر السبعين ، ورأيته غير مرة وأنشدني شيئاً كثيراً من أشعاره ومن بلاليقه وأزجاله وموشحاته.
ووضع كتاباً في مادة كتاب ابن مولاهم في الصنائع إلا أن الذي لابن مولاهم في خمسين صنعة والذي لابن أسد في ألف ومئتي صنعة ومنها مئتا صنعة تختص بالنساء وهذا عمل كثير واستقراء عتيد ، وكان عامي العلم فاضلي الطباع يقع في شعره الجناس والتورية والاستخدام وسائر أنواع البديع وإن لم يكن ذلك في بعض المواضع قاعداً من حيث العلم.
وأنشدني من لفظه لنفسه قطعةً من تغزل شذت عني ولم أحفظ منها إلا قوله : الظبي يسلح في أرجاء لحيته .. والغصن يصفعه إن ماس بالقدم ، وأنشدني من لفظه لنفسه بالقاهرة في سنة ثمان وعشرين وسبع مئة بليقة وهي : رمضان كلّك فتوّه .. وصحيح دينك عليّه .. وأنا في ذا الوقت معسر .. واشتهي الإرفاق بيّه .. حتّى تروى الأرض بالنيل .. ويباع القرط بدري .. واعطك الدرهم ثلاثه … وأصوم شهرين وما أدري.
وإن طلبتني في ذا الوقت .. فأنا أثبتّ عسري .. فامتهل واربح ثوابي .. لا تربحني خطيّه .. وتخلّيني أسقّف .. طول نهاري لا عشيّه .. لك ثلاثين يوم عندي .. اصبر اعطي المثل مثلين .. ون عسّفتني ذا الأيام .. ما اعترف لك قطّ بالدّين .. وانكرك واحلف وقل لك .. أنت من اين وانا من اين .. واهرب اقعد في قمامه .. أو قلالي بولشيّه .. وآجي في عيد شوّال .. واستريح من ذي القضيّه .. ولاّ خذ منّي نقيده .. في المعجّل نصف رحلك.
صومي من بكره إلى الظهر .. وأقاسي الموت لآجلك .. واصوم لك شهر طوبه .. ويكون من بعض فضلك .. إيش أنا في رحمة الله .. من أنا بين البريّه .. أنا إلاّ عبد مقهور .. تحت أحكام المشيّه .. من زبونٍ نحس مثلي .. رمضان خذ ما تيسّر .. أنت جيت في وقت لو كان .. الجنيد في مثلو أفطر.
هوّن الأمور ومشّي .. بعلي ولا تعسّر .. وخذ ايش ما سهّل الله .. ما الزبونات بالسويّه .. الملي خذ منّو عاجل .. وامهل المعسر شويّه .. ذي حرور تذوّب القلب .. ونهار أطول من العام .. وانا عندي أيّ من صام .. رمضان في هذي الأيام .. ذا يكون الله في عونو .. ويكفّر عنّو الآثام .. وجميع كلامي هذا .. بطريق المضحكيّة .. والله يعلم ما بقلبي .. والذي لي في الطويّه.
ووضع فيما وضع حكايةً حكاها لي وهي : اجتاز بعض النحاة ببعض الأساكفة فقال له : أبيت اللعن واللعن يأباك ورحم الله أمك وأباك وهذه تحية العرب في الجاهلية قبل الإسلام لكن عليك أفضل السلام والسلم والسلام ومثلك من يعز ويحترم ويكرم ويحتشم.
قرأت القرآن والتيسير والعنوان والمقامات الحريريه والدرة الألفية، وكشفا الزمخشري وتاريخ الطبري وشرحت اللغة مع العربية على سيبويه ونفطويه والحسين بن خالويه والقاسم بن كميل والنضر بن شميل وقد دعتني الضرورة إليك وتمثلت بين يديك، لعلك تتحفني من بعض صنعتك وحسن حكمتك بنعل يقيني الحر ويدفع عني الشر.
وأعرب لك عن اسمه حقيقا لأتخذك بذلك رفيقا ففيه لغات مؤتلفه على لسان الجمهور مختلفه ففي الناس من كناه بالمداس وفي عامة المم من لقبه بالقدم وأهل شهرنوزه سموه بالسارموزة وإني أخاطبك بلغات هؤلاء القوم ولا إثم علي في ذلك ولا لوم.
والثالثة بك أولى وأسألك أيها المولى أن تتحفني بسارموزة أنعم من الموزة أقوى من الصوان وأطول عمراً من الزمان خالية البواشي مطبقة الحواشي لا يتغير علي وشيها ولا يروعني مشيها لا تنقلب إن وطئت بها جروفا ولا تنفلت إن طحت بها مكاناً مخسوفا لا تلتوق من أجلي ولا يؤلمها ثقلي ولا تمترق من رجلي ولا تتعوج ولا تتلقوج ولا تنبعج ولا تنفلج ولا تقب تحت الرجل ولا تلصق بخبز الفجل.
ظاهرها كالزعفران وباطنها كشقائق النعمان أخف من ريش الطير شديدة البأس على السير طويلة الكعاب عالية الأجناب لا يلحق بها التراب ولا يغرقها ماء السحاب تصر صرير الباب وتلمع كالسراب وأديمها من غير جراب جلدها من خالص جلود المعز ما لبسها ذليل إلا افتخر بها وعز مخروزة كخرز الخردفوش وهي أخف من المنفوش مسمرة بالحديد ممنطقه ثابتة في الأرض الزلقه نعلها من جلد الأفيلة الخمير لا الفطير وتكون بالنزر الحقير.
فلما أمسك النحوي من كلامه وثب الإسكافي على أقدامه وتمشى وتبختر وأطرق ساعةً وتفكر وتشدد وتشمر وتحرج وتنمر ودخل حانوته وخرج وقد داخله الحنق والحرج ، فقال له النحوي : جئت بما طلبته ؟ ، قال : بل بجواب ما قلته ، فقال : قل وأوجز وسجع ورجز.
فقال : أخبرك أيها النحوي أن الشرسا بجزوى شطبطاب المتقرقل والمتقبعقب لما قرب من قرى قرق القرنقنقف طرق زرنات شراسيف قصر القشتنبع من جانب الشرسنكل ، والديوك تصهل كنهيق زقازقيق الصولجانات والحرفرف الفرتاح ببيض القرقنطق والزعر برجوا حلبنبوا يا حيز من الطيز بحيح بحمندل بشمرد نوخاط الركبنبو شاع الخبربر بجفر الترتاح بن بسوشاخ على لؤي بن شمندح بلسان القرواق ، ماز كلوخ أنك أكيت إرس برام المستنطح بالشمرلند مخلوط والزيبق بجبال الشمس مربوط علعل بشعلعل مات الكركندوس أدعوك في الوليمة يا تيس تش يا حمار بهيمة أعيذك بالزحواح وأبخرك بحصى لبان المستراح وأوقيك وأرقيك وأرقيك برقوات مرقات قرقران البطون لتخلص من داء السرسام والجنون.
ونزل من دكانه مستغيثاً بجيرانه وقبض لحية النحوي بكفيه وخنقه بإصبعيه حتى خر مغشياً عليه وبربر في وجهه وزمجر وناء بجانبه واستكبر وشخر ونخر وتقدم وتأخر ، فقال النحوي : الله أكبر الله أكبر ويحك أأنت تجننت !؟ ، فقال له : بل أنت تخرفت ، والسلام.
قلت : في غالب ألفاظ كلامه الذي عزاه إلى النحوي نظر وأغلاط كثيرة والمقطع الذي ختم به الحكاية بارد ما ملح فيه ولا ظرف وكان ينبغي أن يكون حاراً هزازاً نادراً حلواً حالياً خاليا كما المعهود في مثل هذه الحكايات الموضوعة كما لو قال له النحوي : ويلك ما هذا العفان ، قال : من ذلك الهذيان أو ما أشبه ذلك “.