المماليك البرجية الجزء الأول

1 / العبر وديوان المبتدأ والخبر

في عام 784 هـ وفد إلى الديار المصرية واحد من اشهر فلاسفة العصور الوسطى ورائد علم الاجتماع وهو ولي الدين أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن خلدون الحضرمي الإشبيلي ، وقد ولد في تونس عام 732 هـ / 1332 م حيث ينتمي إلى عرب اليمن الأندلسيين الذين هاجروا اليها بعد سقوط قرطبة (جده الأعلى الصحابي وائل بن حجر) ، ويظن الكثيرون أنه واحد من فقهاء ذلك الزمن الذين قضوا حياتهم في قراءة الحواشي وشرح المتون ثم ألف كتابا اشتهر به وهو الأمر المخالف للحقيقة لان كتابات الرجل لم تكن نابعة من غزارة علمه وسعة اطلاعه فقط وانما شملت نتاج تجربة حياتية ثرية في عالم السياسة قلما تتاح لأحد.

في بداية حياته تتلمذ على يد والده ثم بعد تخرجه من جامعة الزيتونة تولى أعمال الكتابة لملوك الدولة الحفصية في تونس ثم رحل إلى المغرب الأقصى حيث ضمه حاكم فاس أبو عنان المريني إلى مجلس حكمه ثم تولى بعد ذلك الوزارة لدى حاكم بجاية أبي عبد الله الحفصي ثم استعان به حاكم تلمسان أبو حمود الزياني في تدبير أموره ، وبعدها رحل إلى غرناطة (آخر إمارة عربية متبقية في الأندلس) فلقي حفاوة بالغة عند الوزير الأديب لسان الدين بن الخطيب وعينه الغالب بالله محمد بن الأحمر حاكم غرناطة سفيرا خاصا له لدى حاكم قشتالة لعقد صلح بين الدولتين.

بعد كل هذه المناصب قرر اعتزال العمل السياسي وتفرغ للكتابة أربع سنوات في قلعة ابن سلامة (في الجزائر حاليا) حيث وضع كتابه الأشهر كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر وأهداه إلى حاكم تونس أبي العباس الحفصي ثم قرر الرحيل للحج فلما وصل إلى مصر احتفى به السلطان برقوق وأحسن استقباله وأكرم وفادته وولاه قضاء المالكية في سلطنة مصر والشام الى جانب التدريس في الجامع الأزهر ، ثم استعان به أهالي دمشق ليكون وسيطا بينهم وبين سلطان المغول تيمورلنك الذي كان يحاصر المدينة فأنزلوه بالحبال من فوق السور وتمت المقابلة بينه وبين الرجل الذي أعجب به وطلب منه أن يعمل مستشارا عنده.

وقد سجل ابن خلدون تجربته في رفقة ذلك الطاغية الجبار في رسالة بليغة أرسلها إلى ملوك المغرب احتوت على الكثير من العبر والفوائد ، بعد ذلك عاد ابن خلدون إلى القاهرة حيث استقر به المقام وشرع في وضع مقدمة لكتابه (والتي جاءت كتابا متكاملا في حد ذاته لأنها حوت فلسفته في العمران وخلاصة تجربته العلمية والعملية) وقد أهداها إلى طلبة العلم بجامع القرويين في فاس ، وكانت عبقرية المقدمة بسبب فهمه لعالم السياسية ورؤيته لعوامل قيام وانهيار الدول ، وبعد حياة حافلة بالعطاء وافته المنية عام 808 هـ / 1406 م عن عمر السادسة والسبعين ودفن في تربة الصوفية عند باب النصر خارج سور القاهرة الشمالي.

ولا يخفي ابن خلدون انبهاره بمصر والقاهرة عندما دخلها وذكر ما ناله من الحظة عند سلطانها فقال : ” الرحلة الى المشرق وولاية القضاء بمصر .. ولما رحلت من تونس منتصف شعبان من سنة أربع وثمانين وسبعمائة أقمنا في البحر نحوا من أربعين ليلة ثم وافينا مرسى الإسكندرية يوم الفطر ولعشر ليال من جلوس الملك الظاهر على التخت واقتعاد كرسي الملك دون أهله بني قلاوون وكنا على ترقّب ذلك لما كان يؤثر بقاصية البلاد من سمّوه لذلك وتمهيده له.

وأقمت بالإسكندرية شهرا لتهيئة أسباب الحج ولم يقدّر عامئذ ، فانتقلت إلى القاهرة أوّل ذي العقدة فرأيت حاضرة الدنيا وبستان العالم ومحشر الأمم ومدرج الذر من البشر وإيوان الإسلام وكرسي الملك ، تلوح القصور والأواوين في جوّه وتزهر الخوانق والمدارس والكواكب بآفاقه وتضيء البدور والكواكب من علمائه ، قد مثل بشاطئ النيل نهر الجنّة ومدفع مياه السماء يسقيهم العلل والنّهل سيحه ويجني إليهم الثمرات والخيرات ثجّه ومررت في سكك المدينة تغصّ بزحام المارة وأسواقها تزخر بالنعم.

وما زلنا نتحدّث بهذا البلد وبعد مداه في العمران واتساع الأحوال ولقد اختلفت عبارات من لقيناه من شيوخنا وأصحابنا حاجّهم وتاجرهم في الحديث عنه ، سألت صاحبنا كبير الجماعة بفاس وكبير العلماء بالمغرب أبا عبد الله المقري مقدمه من الحج سنة أربعين وسبعمائة فقلت له : كيف هذه القاهرة ؟ فقال : من لم يرها لم يعرف عزّ الإسلام ، وسألت شيخنا أبا العباس بن إدريس كبير العلماء ببجاية مثل ذلك فقال : كأنما انطلق أهله من السحاب يشير إلى كثرة أممه وأمنهم العواقب.

وحضر صاحبنا قاضي العسكر بفاس الفقيه الكاتب أبو القاسم البرجي بمجلس السلطان أبي عنان منصرفه من السفارة عنه إلى ملوك مصر وتأدية رسالته النبويّة إلى الضريح الكريم سنة ست وخمسين وسبعمائة فسألته عن القاهرة فقال : أقول في العبارة عنها على سبيل الاختصار إنّ الّذي يتخيّله الإنسان فإنّما يراه دون الصورة التي تخيّلها لاتساع الخيال عن كل محسوس إلا القاهرة فإنّها أوسع من كل ما يتخيّل فيها ، فأعجب السلطان والحاضرون لذلك.

ولما دخلتها أقمت أياما وانثال عليّ طلبة العلم بها يلتمسون الإفادة مع قلّة البضاعة ولم يوسعوني عذرا فجلست للتدريس بالجامع الأزهر منها ، ثم كان الاتصال بالسلطان فأبرّ مقامي وآنس الغربة ووفّر الجراية من صدقاته شأنه مع أهل العلم وانتظرت لحاق أهلي وولدي من تونس وقد صدّهم السلطان هنالك عن السفر اغتباطا بعودي إليه فطلبت من السلطان صاحب مصر الشفاعة إليه لتخلية سبيلهم فخاطبه في ذلك “.

ونقل ابن خلدون نص رسالة السلطان برقوق إلى سلطان تونس وجاء فيها وصف ابن خلدون وألقابه على طريقة كتاب الإنشاء في الدولة المملوكية حيث جاء فيها : ” المجلس السامي الشّيخي الأجلّي الكبيري العالمي الفاضلي الأثيلي الأثيري الإمامي العلّامي القدوة المقتدي الفريدي المحقّقي الأصيلي الأوحدي الماجدي الولوي جمال الإسلام والمسلمين جمال العلماء في العالمين أوحد الفضلاء قدوة البلغاء علامة الأمّة إمام الأئمّة مفيد الطالبين خالصة الملوك والسلاطين عبد الرحمن بن خلدون المالكي أدام الله نعمته “.

ويحكي بعد ذلك عن تقلده القضاء في مصر فيقول : ” ثم هلك بعض المدرّسين بمدرسة القمحية بمصر من وقف صلاح الدّين بن أيّوب فولّاني تدريسها مكانه ، وبينا أنا في ذلك إذ سخط السلطان قاضي المالكية في دولته لبعض النّزعات فعزله وهو رابع أربعة بعدد المذاهب يدعى كلّ منهم قاضي القضاة تمييزا عن الحكّام بالنّيابة عنهم لاتّساع خطّة هذا المعمور وكثرة عوالمه وما يرتفع من الخصومات في جوانبه ، وكبير جماعتهم قاضي الشّافعية لعموم ولايته في الأعمال شرقا وغربا وبالصّعيد والفيوم واستقلاله بالنّظر في أموال اليتامى والوصايا ولقد يقال بأنّ مباشرة السلطان قديما بالولاية إنّما كانت تكون له.

فلما عزل هذا القاضي المالكيّ سنة ست وثمانين وسبعمائة اختصّني السلطان بهذه الولاية تأهيلا لمكاني وتنويها بذكري وشافهته بالتفادي من ذلك فأبى إلّا إمضاءه وخلع عليّ بإيوانه وبعث من كبار الخاصّة من أقعدني بمجلس الحكم بالمدرسة الصالحية بين القصرين ، فقمت بما دفع إليّ من ذلك المقام المحمود ووفّيت جهدي بما آمنني عليه من أحكام الله لا تأخذني في الله لومة ولا يرغبني عنه جاه ولا سطوة مسوّيا بين الخصمين آخذا بحقّ الضعيف من الحكمين معرضا عن الشفاعات والوسائل من الجانبين جانحا إلى التثبّت في سماع البينات والنظر في عدالة المنتصبين لتحمّل الشهادات “.

وفي كتابه (رحلة ابن خلدون) يذكر المؤلف توليه نظارة خانقاه بيبرس الجاشنكير فقال : ” لما رجعت من قضاء الفرض سنة تسعين ومضيت على حالي من التدريس والتأليف وتعاهد السلطان باللقاء والتحية والدعاء وهو ينظر إلي بعين الشفقة ويحسن المواعيد ، وكانت بالقاهرة خانقاه شيدها السلطان بيبرس ثامن ملوك الترك أيام سلطانه داخل باب النصر ، من أعظم المصانع وأحفلها وأوفرها ريعاً وأكثرها أوقافاً وعين مشيختها ونظرها لمن يستعد له بشرطه في وقفه فكان رزق النظر فيها والمشيخة واسعاً لمن يتولاه وكان ناظرها يومئذ شرف الدين الأشقر إمام السلطان الظاهر فتوفي عند منصرفي من قضاء الفرض فولاني السلطان مكانه توسعة علي وإحساناً إلي وأقمت على ذلك إلى أن وقعت فتنة الناصري “.

ويتناول ابن خلدون بالتفصيل الأحداث السياسية التي عاشها وشارك فيها في مصر ومن أهمها فتنة الناصري ومنطاش والتي عزل فيها السلطان برقوق ونفي إلى الكرك ثم عاد مرة أخرى بعد صراعات دموية مع الأمراء المماليك ، وقد غضب عليه برقوق لأنه طاوع منطاش في كتابة فتاوى تؤيده في تولي الحكم ثم عفا عنه بعد مدة ومنحه إقطاعا في الفيوم وكلفه بمهمة مراسلة ملوك المغرب وتحسين العلاقات السياسية معهم وتبادل الهدايا القيمة فيما بينه وبينهم.

وفي ذلك يقول المؤلف : ” وولى سودون على نيابته وكان ناظراً بالخانقاه التي كنت فيها وكان ينقم علي أحوالاً من معاصاته فيما يريد من الأحكام في القضاء أزمان كنت عليه ومن تصرفات دواداره بالخانقاه وكان يستنيبه عليها فوغر صدره من ذلك ، وكان الظاهر ينقم علينا معشر الفقهاء فتاوى استدعاها منا منطاش وأكرهنا على كتابها فكتبناها وورينا فيها بما قدرنا عليه ولم يقبل السلطان ذلك وعتب عليهم وخصوصاً علي.

فصادف سودون منه إجابة في إخراج الخانقاه عني فولى فيها غيري وعزلني عنها ، وكتبت إلى الجوباني بأبيات أعتذر عن ذلك ليطالعه بها فتغافل عنها وأعرض عني مدة ثم عاد إلى ما أعرف من رضاه وإحسانه ، ونص الأبيات : سيدي والظنون فيك جميلة وأياديك بالأماني كفيله .. لا تحل عن جميل رأيك إني ما لي اليوم غير رأيك حيله .. واصطنعني كما اصطنعت بإسداء يد من شفاعة أو وسيله .. لا تضعني فلست منك مضيعاً ذمة الحب والأيادي الجميله “.

وتنقسم حياة ابن خلدون إلى قسمين ، الأول نصف قرن قضاه في المغرب وسط تقلبات سياسية عاتية وتذبذب في حياته الشخصية والنصف الثاني يشمل ربع قرن قضاه في مصر (ثلث عمره) وفيها تحسنت أحواله واستقرت معيشته وحظي بعدد كبير من المريدين والتلاميذ ، ولا شك أن الرجل قد أثر في الحياة العلمية في مصر وقتها حيث كرس لمدرسة جديدة في قراءة التاريخ تتجاوز السرد التقليدي وتعنى بالتحليل والنقد حيث مهد لظهور جيل من كتاب التاريخ في  القرن التاسع الهجري الذي يمكن أن نطلق عليه بلا مبالغة اسم (عصر المؤرخين العظماء).

ويوضح ابن خلدون منهجه في كتابة التاريخ في مقدمته الشهيرة والتي يقول فيها : ” أمّا بعد فإنّ فنّ التّاريخ من الفنون الّتي تتداوله الأمم والأجيال وتشدّ إليه الرّكائب والرّحال وتسمو إلى معرفته السّوقة والأغفال وتتنافس فيه الملوك والأقيال وتتساوى في فهمه العلماء والجهّال ، إذ هو في ظاهره لا يزيد على أخبار عن الأيّام والدّول والسّوابق من القرون الأول تنمو فيها الأقوال وتضرب فيها الأمثال وتطرف بها الأندية إذا غصّها الاحتفال وتؤدّي لنا شأن الخليقة كيف تقلّبت بها الأحوال واتّسع للدّول فيها النّطاق والمجال وعمّروا الأرض حتّى نادى بهم الارتحال وحان منهم الزّوال ، وفي باطنه نظر وتحقيق وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق وعلم بكيفيّات الوقائع وأسبابها عميق فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق وجدير بأن يعدّ في علومها وخليق.

وإنّ فحول المؤرخين في الإسلام قد استوعبوا أخبار الأيّام وجمعوها وسطّروها في صفحات الدّفاتر وأودعوها وخلطها المتطفّلون بدسائس من الباطل وهموا فيها وابتدعوها وزخارف من الرّوايات المضعفة لفّقوها ووضعوها واقتفى تلك الآثار الكثير ممّن بعدهم واتّبعوها وأدّوها إلينا كما سمعوها ، ولم يلاحظوا أسباب الوقائع والأحوال ولم يراعوها ولا رفضوا ترّهات الأحاديث ولا دفعوها فالتّحقيق قليل وطرف التّنقيح في الغالب كليل والغلط والوهم نسيب للأخبار وخليل والتّقليد عريق في الآدميّين وسليل والتّطفّل على الفنون عريض طويل ومرعى الجهل بين الأنام وخيم وبيل ، والحقّ لا يقاوم سلطانه والباطل يقذف بشهاب النّظر شيطانه والنّاقل إنّما هو يملي وينقل والبصيرة تنقد الصّحيح إذا تمقّل والعلم يجلو لها صفحات القلوب ويصقل.

هذا وقد دوّن النّاس في الأخبار وأكثروا وجمعوا تواريخ الأمم والدّول في العالم وسطّروا ، والّذين ذهبوا بفضل الشّهرة والإمامة المعتبرة واستفرغوا دواوين من قبلهم في صحفهم المتأخّرة هم قليلون لا يكادون يجاوزون عدد الأنامل ولا حركات العوامل مثل ابن إسحاق والطّبريّ وابن الكلبيّ ومحمّد بن عمر الواقديّ وسيف بن عمر الأسديّ وغيرهم من المشاهير المتميّزين عن الجماهير ، وإن كان في كتب المسعوديّ والواقديّ من المطعن والمغمز ما هو معروف عند الأثبات ومشهور بين الحفظة الثّقات إلّا أنّ الكافّة اختصّتهم بقبول أخبارهم واقتفاء سننهم في التّصنيف واتّباع آثارهم ، والنّاقد البصير قسطاس نفسه في تزييفهم فيما ينقلون أو اعتبارهم فللعمران طبائع في أحواله ترجع إليها الأخبار وتحمل عليها الرّوايات والآثار.

ثمّ إنّ أكثر التّواريخ لهؤلاء عامّة المناهج والمسالك لعموم الدّولتين صدر الإسلام في الآفاق والممالك وتناولها البعيد من الغايات في المآخذ والمتارك ومن هؤلاء من استوعب ما قبل الملّة من الدّول والأمم والأمر العمم كالمسعوديّ ومن نحا منحاه وجاء من بعدهم من عدل عن الإطلاق إلى التّقييد ووقف في العموم والإحاطة عن الشّأو البعيد فقيّد شوارد عصره واستوعب أخبار أفقه وقطره واقتصر على تاريخ دولته ومصره كما فعل أبو حيّان مؤرّخ الأندلس والدّولة الأمويّة بها وابن الرّفيق مؤرّخ إفريقية والدّولة الّتي كانت بالقيروان.

ثمّ لم يأت من بعد هؤلاء إلّا مقلّد وبليد الطّبع والعقل أو متبلد ينسج على ذلك المنوال ويحتذي منه بالمثال ويذهل عمّا أحالته الأيّام من الأحوال واستبدلت به من عوائد الأمم والأجيال فيجلبون الأخبار عن الدّول وحكايات الوقائع في العصور الأول صورا قد تجرّدت عن موادّها وصفاحا انتضيت من أغمادها ومعارف تستنكر للجهل بطارفها وتلادها ، إنّما هي حوادث لم تعلم أصولها وأنواع لم تعتبر أجناسها ولا تحقّقت فصولها يكرّرون في موضوعاتها الأخبار المتداولة بأعيانها اتّباعا لمن عني من المتقدّمين بشأنها ويغفلون أمر الأجيال النّاشئة في ديوانها بما أعوز عليهم من ترجمانها فتستعجم  صحفهم عن بيانها.

ثمّ إذا تعرّضوا لذكر الدّولة نسقوا أخبارها نسقا محافظين على نقلها وهما أو صدقا لا يتعرّضون لبدايتها ولا يذكرون السّبب الّذي رفع من رايتها وأظهر من آيتها ولا علّة الوقوف عند غايتها فيبقى النّاظر متطلعا بعد إلى افتقاد أحوال مبادئ الدّول ومراتبها مفتّشا عن أسباب تزاحمها أو تعاقبها باحثا عن المقنع في تباينها أو تناسبها حسبما نذكر ذلك كلّه في مقدّمة الكتاب ، ثمّ جاء آخرون بإفراط الاختصار وذهبوا إلى الاكتفاء بأسماء الملوك والأمصار مقطوعة عن الأنساب والأخبار موضوعة عليها أعداد أيّامهم بحروف الغبار كما فعله ابن رشيق في ميزان العمل ومن اقتفى هذا الأثر من الهمل ، وليس يعتبر لهؤلاء مقال ولا يعدّ لهم ثبوت ولا انتقال لما أذهبوا من الفوائد وأخلّوا بالمذاهب المعروفة للمؤرّخين والعوائد.

ولمّا طالعت كتب القوم وسبرت غور الأمس واليوم نبّهت عين القريحة من سنة الغفلة والنّوم وسمت التّصنيف من نفسي وأنا المفلس أحسن السّوم ، فأنشأت في التّاريخ كتابا رفعت به عن أحوال النّاشئة من الأجيال حجابا وفصّلته في الأخبار والاعتبار بابا بابا وأبديت فيه لأوّليّة الدّول والعمران عللا وأسبابا وبنيته على أخبار الأمم الّذين عمّروا المغرب في هذه الأعصار وملئوا أكناف الضّواحي منه والأمصار وما كان لهم من الدّول الطّوال أو القصار ومن سلف لهم من الملوك والأنصار وهما العرب والبربر إذ هما الجيلان اللّذان عرف بالمغرب مأواهما وطال فيه على الأحقاب مثواهما حتّى لا يكاد يتصوّر فيه ما عداهما ولا يعرف أهله من أجيال الآدميّين سواهما.

فهذّبت مناحيه تهذيبا وقرّبته لأفهام العلماء والخاصّة تقريبا وسلكت في ترتيبه وتبويبه مسلكا غريبا واخترعته من بين المناحي مذهبا عجيبا وطريقة مبتدعة وأسلوبا ، وشرحت فيه من أحوال العمران والتّمدّن وما يعرض في الاجتماع الإنسانيّ من العوارض الذّاتيّة ما يمتّعك بعلل الكوائن وأسبابها ويعرّفك كيف دخل أهل الدّول من أبوابها حتّى تنزع من التّقليد يدك وتقف على أحوال ما قبلك من الأيّام والأجيال وما بعدك.

ورتّبته على مقدّمة وثلاثة كتب : المقدّمة في فضل علم التّاريخ وتحقيق مذاهبه والإلماع بمغالط المؤرّخين ، الكتاب الأوّل في العمران وذكر ما يعرض فيه من العوارض الذّاتيّة من الملك والسّلطان والكسب والمعاش والصّنائع والعلوم وما لذلك من العلل والأسباب ، الكتاب الثّاني في أخبار العرب وأجيالهم ودولهم منذ مبدإ الخليقة إلى هذا العهد وفيه من الإلماع ببعض من عاصرهم من الأمم المشاهير ودولهم مثل النّبط والسّريانيّين والفرس وبني إسرائيل والقبط واليونان والرّوم والتّرك والإفرنجة ، الكتاب الثّالث في أخبار البربر ومواليهم من زناتة وذكر أوّليّتهم وأحيالهم وما كان بديار المغرب خاصّة من الملك والدّول.

ثمّ كانت الرّحلة إلى المشرق لاجتناء أنواره وقضاء الفرض والسّنّة في مطافه ومزاره والوقوف على آثاره في دواوينه وأسفاره فزدت ما نقص من أخبار ملوك العجم بتلك الدّيار ودول التّرك فيما ملكوه من الأقطار ، وأتبعت بها ما كتبته في تلك الأسطار وأدرجتها في ذكر المعاصرين لتلك الأجيال من أمم النّواحي وملوك الأمصار والضّواحي سالكا سبيل الاختصار والتّلخيص مفتديا بالمرام السّهل من العويص داخلا من باب الأسباب على العموم إلى الإخبار على الخصوص فاستوعب أخبار الخليقة استيعابا وذلّل من الحكم النّافرة صعابا وأعطى لحوادث الدّول عللا وأسبابا فأصبح للحكمة صوانا وللتّاريخ جرابا.

ولمّا كان مشتملا على أخبار العرب والبربر من أهل المدن والوبر والإلماع بمن عاصرهم من الدّول الكبر وأفصح بالذّكرى والعبر في مبتدإ الأحوال ومما بعدها من الخبر ، سمّيته : (كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيّام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السّلطان الأكبر).

ولم أترك شيئا في أوّليّة الأجيال والدّول وتعاصر الأمم الأول وأسباب التّصرّف والحول في القرون الخالية والملل وما يعرض في العمران من دولة وملّة ومدينة وحلّة وعزّة وذلّة وكثرة وقلّة وعلم وصناعة وكسب وإضاعة وأحوال متقلّبة مشاعة وبدو وحضر وواقع ومنتظر إلّا واستوعبت جمله وأوضحت براهينه وعلله فجاء هذا الكتاب فذّا بما ضمّنته من العلوم الغريبة والحكم المحجوبة القريبة.

وأنا من بعدها موقن بالقصور بين أهل العصور معترف بالعجز عن المضاء في مثل هذا القضاء راغب من أهل اليد البيضاء والمعارف المتّسعة الفضاء في النّظر بعين الانتقاد لا بعين الارتضاء والتّغمّد لما يعثرون عليه بالإصلاح والإغضاء ، فالبضاعة بين أهل العلم مزجاة والاعتراف من اللّوم منجاة والحسنى من الإخوان مرتجاة والله اسأل أن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم وهو حسبي ونعم الوكيل “.

وقد ترجم له السخاوي في كتابه الضوء اللامع لأهل القرن التاسع فقال : ” عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن محمد بن الحسن بن محمد بن جابر بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن عبد الرحيم ولي الدين أبو زيد الحضرمي ، من ولد وائل بن حجر الأشبيلي الأصل التونسي ثم القاهري المالكي ويعرف بابن خلدون بفتح المعجمة وآخره نون.

ولد في أول رمضان سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة بتونس وحفظ القرآن والشاطبتين ومختصر ابن الحاجب الفرعي والتسهيل في النحو وتفقه بأبي عبد الله محمد بن عبد الله الجياني وأبي القسم محمد بن القصيّر وقرأ عليه التهذيب لأبي سعيد البرادعي وعليه تفقه وانتاب مجلس قاضي الجماعة أبي عبد الله محمد بن عبد السلام واستفاد منه وعليه وعلى أبي عبد الله الوادياشي سمع الحديث وكتب بخطه أنه سمع صحيح البخاري على أبي البركات البلقيني وبعضه بالإجازة والموطأ على ابن عبد السلام وصحيح مسلم على الواديشي ، انتهى.

وأخذ القراءات السبع إفرادا وجمعا بل قرأ ختمة أيضا ليعقوب عن المكتّب أبي عبد الله محمد بن سعيد بن برال الأنصاري وعرض عليه الشاطبتين والتقصّي والعربية عن والده وأبي عبد الله محمد بن العربي الحصايري وأبي عبد الله بن بحر والمقرئ أبي عبد الله محمد بن الشاوش الزواوي وأبي عبد الله بن القصّار ، ولازم العلاء أبا عبد الله الاشبيلي وانتفع به وكذا أخذ عن أبي محمد عبد المهيمن الحضرمي وأبي عبد الله محمد بن إبراهيم الآبلي شيخ المعقول بالمغرب وآخرين.

واعتنى بالأدب وأمور الكتابة والخط وأخذ ذلك عن أبيه وغيره ومهر في جميعه وحفظ المعلقات وحماسة الأعلم وشعر حبيب بن أوس وقطعة من شعر المتنبّي وسقط الزند للمعرّي ، وتعلّق بالخدم السلطانيّة ووُلِّيَ كتابة العلامة عن صاحب تونس ثم توجه في سنة ثلاث وخمسين إلى فاس فوقع بين يدي سلطانها أبي عنان ثم امتحن واعتقل نحو عامين ، ثم وُلّي كتابة السرّ لأبي سالم أخي أبي عنان وكذا النظر في المظالم.

ثم دخل الأندلس فقدم غرناطة في أوائل ربيع الأوّل سنة أربع وستين وتلقاه سلطانها ابن الأحمر عند قدومه ونظمه في أهل مجلسه وكان رسوله إلى عظيم الفرنج باشبيلية فعظمه وأكرمه وحمله وقام بالأمر الذي ندب إليه ، ثم توجه في سنة ست وستين إلى بجاية ففوّض إليه صاحبها تدبير مملكته مدة ثم نزح إلى تلمسان باستدعاء صاحبها وأقام بوادي العرب مدة ثم توجه من بسكرة إلى فاس فنُهِب في الطريق ومات صاحبها قبل قدومه ومع ذلك فأقام بها قدر سنتين ثم توجه إلى الأندلس ثم رجع إلى تلمسان فأقام بها أربعة أعوام.

ثم ارتحل في رجب سنة ثمانين إلى تونس فأقام بها من شعبانها إلى أن استأذن في الحج فأذن له فاجتاز البحر إلى الإسكندرية ، ثم قدم الديار المصريّة في ذي القعدة سنة أربع وثمانين فحجّ ثم عاد إليها وتلقّاه أهلها وأكرموه وأكثروا ملازمته والتردّد إليه بل تصدّر للإقراء بجامع الأزهر مدّة ، ولازم هو الطنبغا الجوباني فاعتنى به إلى أن قرّره الظاهر برقوق في تدريس القمحيّة بمصر ثم في قضاء المالكيّة بالديار المصريّة في جمادى الآخرة سنة ست وثمانين “.

أما حياته في مصر بالتفصيل فقد ذكرها تلميذه المؤرخ تقي الدين المقريزي وذلك في كتابه درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة فقال : ” فوصل ثغر الإسكندرية يوم عيد الفطر ودخل إلى القاهرة ذي القعدة سنة أربع وثمانين وسبع مائة فانثال عليه طلاّب العلم وكان عددهم حينئذ موفورا وبصدورهم من إجلاله وتعظيمه شيئا كبيرا فالتمسوا منه الإفادة فأجابهم إلى ذلك وانتصب للتدريس بالجامع الأزهر وأقرأ كتاب ابن الحاجب في الأصول فاغتبط الناس به وسرّهم قدومه وراقهم ما لديه من المعارف والعلوم.

ثم اتصلوا بالأمير ألطونبغا الجوباني فأُعجب به إعجابا كثيرا وتخصّص بصحبته فجمع بينه وبين السلطان الملك الظاهر برقوق فأبرّ لقاءه وآنسه ووفّر جرايته وإقطاعه وولاّه تدريس المدرسة القمحيّة بجوار جامع عمرو بن العاص من مدينة مصر وهي أجلّ مدارس الفقهاء المالكيّة بديار مصر ، وأقبل الناس على اختلاف طبقاتهم يهرعون إلى بابه ويترامون على صحبته ويتنافسون في الاجتماع به إلى أن قلّده السلطان قضاء القضاة المالكيّة بديار مصر في يوم الاثنين تاسع عشر جمادى الآخرة سنة ست وثمانين ، فقام بذلك قياما محمودا ودفع رسائل الأمراء وردّ شفاعات الأكابر وأمضى أحكامه كما يريد.

وتثبّت في سماع البيّنات وفحص عن عدالة المنتصبين لتحمّل الشهادات ، وعاقب طائفة منهم على تزوير ظهر له وأوجع في عقابهم ونكّل بهم وشهرهم ومنع عِدّةٌ من تحمّل الشهادة  ، فكثر الحمل عليه وامتلأت صدور الكثير من الحقد والغيظ فنالوا من عِرضِه وقبّحوا القول فيه بسوء الأحدوثة عنه واختلقوا الإفك وقول الزور يبثّونه في الناس ويدسّون إلى السلطان التظلّم منه والشكوى في خُلُوِّهِ من حسن التأتّي وقلّة المعرفة بمصطلح الناس وعوائد مصر وكثرة العسف وشدّة البطش والوقوف على رأي نفسه وعدم الانقياد وكثرة الإباء عن الرجوع إلى المُداراة.

وأشدّهم في ذلك رفقاؤه من القضاة وشيعتهم فأصبح الجميع عليه ألباٌ ونصبوا بأسرهم له عداوة وحربا وصاروا لمن ينادي بالتأفّف منه والنكير عليه عونا وغدوا في الشناعة والجهر بالسوء من القول فيه أمة ، فانطلقت الألسنة وارتفع الصّخب وثارت الخصوم من الشهود الممنوعين ومن جرت عليهم أحكامه يغرون أرباب الدولة ويتنادون بالتظلّم وتبشيع القول وتشنيع الحكايات حتى وصل إلى السلطان طرف من ذلك فصرفه السلطان يوم السبت سابع جمادى الأولى سنة سبع وثمانين وسبع مئة.

فأقام في منزله على حال رفعة وعزٍّ من ترداد وجوه البلد إليه وتطارحهم عليه إلى أن توجّه إلى الحجِّ في عام تسعة وثمانين فقضى النُّسك وعاد إلى القاهرة ، فما زال في داره على الغاية من محبّة الناس والوفور من العزّ إلى أن عنّ للسلطان أن يعيده إلى منصب القضاء من غير أن يعينه أحد ، وكان قد سار إلى الحنبوشيّة وقْفَ المدرسة القمحيّة فسرّح البريد لإحضاره فلمّا قدِم قلّده قضاء القضاة يوم الخميس النصف من شهر رمضان سنة إحدى وثماني مئة.

واتفق موت السلطان في النصف من شوّال فأقرّه الأمير الكبير أيتَمُش ، فلمّا سار الملك الناصر فرج لمحاربة الأمير تَنَم نائب الشام سافر ودخل دمشق وحكم بها ثم عاد مع السلطان وما زال إلى أن صُرِفَ يوم الخميس ثاني عشر المحرّم سنة ثلاث وثماني مئة ، فلزم داره إلى أن خرجت العساكر مع السلطان الملك الناصر لمحاربة الأمير تيمورلنك فالتمس منه الأمير يشبُك أن يسير مع العسكر فأجابه وسار معهم إلى دمشق.

فقدّر الله انهزام السلطان والأمراء من تيمور إلى القاهرة ، فتأخّر بدمشق وعندما أحاط تيمورلنك بها بادر إلى لقائه وتدلّى من السور بحبل وخالط العساكر وطلب منهم أن يوصلوه بالأمير تيمور فساروا به واستأذنوا عليه فأذن له وأمر بإحضاره ، فأعجبه حُسْنُ هيئته وجمال صورته وخلبه بعذوبة منطقه ودهاه بكثرة مغالاته في إطرائه فأجلسه واستدناه وشكر له سعيه وأخذ في تأنيسه ومؤانسته ومؤاكلته وأكثر من سؤاله عن أحواله وعن ولده.

ثم ذاكره بأخبار الملوك الماضية والقرون الخالية فدُهِشَ لكثرة استحضاره وخامر عقله ما راقه من مسامرته فأمر بإنزاله معه في الخِيَمِ وكلّفه إملاء كتاب يتضمن أحوال البلاد والأماكن التي بين مصر وبلاد الغرب وما هنالك من المفاوز والمياه وقبائل العرب ومقدار المسافات فلم يكن بأسرع من أن كتب له ديوانا في ذلك بديع مثاله بعيد مناله فزاد إعجابه به وحلّ منه مجلاّ لم يحله من تيمور أحد بحيث أنه أجلسه فوق ابنه وقال له مرّة في الملأ : أنت عيني.

فلما استولى تيمور على مدينة دمشق أذِن له في المسير إلى القاهرة وزوّده وأطلق من الأسْرِ جماعة من وجوه كتّاب مصر وأعيانها على أنهم خدمه فقدم إلى القاهرة وتلقّاه أهل الدولة بالكرامة وأقام بداره ، إلى أن استُدعيَ وأُعيد إلى القضاء مرّة ثالثة يوم السبت ثالث عشري شهر رمضان سنة ثلاث وثماني مئة ثم صُرِفَ في رابع عشري شهر رجب سنة أربع وثماني مئة ثم أعيد يوم الخميس لأربع بقين من ذي الحجة هذه السنة، ثم صُرِفَ يوم الاثنين سابع شهر ربيع الأوّل سنة ستّ وثماني مئة.

ثم أعيد في شعبان سنة سبع وثماني مئة صُرف في سادس عشري ذي القعدة منها ثم أعيد في شعبان سنة ثمان وثماني مئة فلم تطُل مدته ومات وهو قاضٍ موتا وحِيٌّا من غير تقدم مرض سوى أنه ثار به ما كان يعتريه من وجع الأعصاب في يوم الأربعاء لأربع بقين من شهر رمضان سنة ثمان وثماني مئة أحوج ما كان إلى الموت ، ودفن بمقابر الصوفيّة خارج باب النصر وله من العمر ست وسبعون سنة وخمسة وعشرون يوما رحمه الله.

فماذا نفعني الله به ، شعره : قال في الإحاطة : وأما نثره وسلطانيته السجعيّة ومرسله فخلج بلاغة ورياض فنون ومعادن إبداع يفرغ عنها يراعه الحُرُّ في شبيهة البداءات بالخواتم في نداوة الحروف وقُرْبَ العهد بجرية المِداد ونفوذ أمر القريحة واسترسال الطبع ، وأما نظمه فنهض بهذا العهد قُدُما في ميدان الشعر ونقده باعتبار أساليبه فانثال عليه جوّه وهان عليه صعبه فأتى منه بكلّ غريبة منها قوله يخاطب به السلطان ملك الغرب ليلة الميلاد الكريم من عام اثنين وستين وسبع مئة من قصيدة طويلة : أسرفنَ في هَجْري وفي تعذيبي .. وأطَلْنَ موْقِفَ عَبْرَتي ونَحِيبي .. وأبينَ يوم البَيْنِ وَقْفَة ساعة .. لوداع مشغوف الفؤاد كئيب.

وقال يخاطب السلطان أبا عنان وهو في اعتقاله يستعطفه من قصيدة نحو مئتي مائتي بيت منها : على أيّ حال لليالي أعاتب .. وأيّ صروف للزمان أغالب .. كفى حُزْنا أني على القرب نازح .. وأني على دعوى شهودي غائب ، وقال في يوم الفطر سنة ثلاث وستين يخاطب الوزير مسعود ماساي وزير صاحب فاس لما طلب منه الإذن بالرحيل فأبى عنه:  هنيئاً بصوم لا عداه قبول .. وبشرى بعيد أنت فيه منيل .. وهنئتها من عزة وسعادة .. تتابع أعوام بها وفصول.

وقال يمدح ابن الأحمر صاحب الأندلس من قصيدة طويلة جدا:  حيّ المعاهد كانت قبل تحييني .. بواكف الدّمع يُرْويها ويظْميني  .. إن الأُلى نزحت داري ودارهم .. تحمّلوا القلب في آثارهم دوني ، وشعره كثير إلاّ أنه ضاع نهبا وغرقا ولقد شاهدته غير مرّة يأنف من إنشاد شعره إذا استنشد فسألته عن ذلك فقال : لي بحمد الله معرفة بنقد الشعراء ولست أرضى شِعري ، وما رأيته قطّ أنشد له شعرا ولا تكثّر به رحمه الله.

تواليفه : قال في الإحاطة : شرح القصيدة المسمّاة بالبردة شرحًا بديعًا دلّ على انفساح ذرعه وتفنّن إدراكه وغزارة حفظه ولخّص كثيرًا من كتب ابن رشد ، وعلّق للسلطان أيام نظره في العلوم العقليّة تقييداُ مفيدًا في المنطق ولخّص (محصّل) الإمام فخر الدين بن الخطيب وألف كتابًا في الحساب وشرع في شرح الرّجز الصادر عنّي في أصول الفقه بشيء لا غاية فوقه في الكمال.

قال كاتبه : وألّف الكتاب البديع الصّفة المسمّى (عنوان العبر وديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر) وهو لعمري نادرة عجيبة ودرّة بديعة غريبة سيما مقدمته التي لم يُعمل عليها مثالها وإنه لعزيز أن ينال مجتهد مَنَالها إذ هي زُبدة المعارف والعلوم ونتيجة العقول السليمة والفُهوم توقفك عَلَى كُنه الأشياء وتعرّفك حقيقة الحوادث والأنباء كأنّما تعبّر عن حال الوجود وتنبئ عن أصل كل موجود بلفظ أبهى من الدُّر النَّظيم وأعذب من الماء مَرَّ بِهِ النسيم “.

2 / الفوائد الجسام

(الفوائد الجسام على قواعد ابن عبد السلام) هو عنوان الكتاب الذي صنفه مجدد القرن التاسع الهجري الإمام سراج الدين أبو حفص عمر بن رسلان بن نصير بن صالح بن عبد الخالق بن عبد الحق الكناني ، ولد في قرية بلقينة مركز المحلة عام 724 هـ / 1324 م لأسرة تنتمي إلى عرب بني كنانة عرفت بالفضل والكرم والرياسة والعلم ، تلقى تعليمه بالمحلة ثم رحل إلى القاهرة ودرس على شيوخها ونبغ في الفقه الشافعي وحاز درجة الاجتهاد وجلس في حلقة بالأزهر.

وقد أسس البلقيني مدرسة نسبت إليه في منطقة بين السيارج في باب الشعرية خرجت آلاف العلماء وجمع فيها كل مريديه ومحبيه من نوابغ الطلاب وأوقف عليها الأوقاف الكثيرة وتعلم فيها أولاده وأحفاده من عائلة البلقيني بالإضافة إلى عدد من نوابغ الطلاب مثل الحافظ ابن ناصر وبرهان الدين المحدث والجلال المحلي وابن حجر العسقلاني وجلال الدين السيوطي وابن تغري بردي وغيرهم.

وعمل بالقضاء فترة طويلة ثم تولى منصب إفتاء دار العدل (يعادل مفتي الديار المصرية) في عهد السلطان برقوق وعظم شأنه وصار يجلس في مجلس السلطان بجواره وفوق قاضي القضاة وعكف على التدريس والتصنيف وانتفع به عامة الطلبة حتى وافته المنية عام 805 هـ / 1403 م ، ومن أهم أعماله تحويل الأحكام الشرعية إلى قوانين تطبيقية بناء على الفتاوى والأحكام السابقة وذلك على نحو ما تفعله المحاكم الآن.

وتزوج من ابنة الإمام ابن عقيل الهاشمي صاحب شرح الألفية ، ومن أولاده بدر الدين البلقيني قاضي العسكر والذي توفي في حياة أبيه عام 791 هـ والإمام جلال الدين البلقيني قاضي القضاة بالديار المصرية المتوفي عام 827 هـ والذي تزوج من ابنة نائب السلطنة الأمير تغري بردي ، والفقيه علم الدين البلقيني صاحب المؤلفات المعروفة والمتوفي عام 868 هـ والذي تتلمذ السيوطي على يده.

والكتاب هو عبارة عن أمالي (إملاءات) للبلقيني في التعليق على كتاب قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام ودونها تلاميذه ولذلك جاء في مقدمته : ” بسم الله الرحمن الرحيم .. ربِّ يسِّر وأعِن

قال شيخنا الشيخ الإمام العلامة الحبر الخير الفهّامة خاتم المجتهدين مفسّر كلام رب العالمين مبيّن أسرار حديث سيد الأولين والآخِرين أبو محمد شيخ الإسلام مرشد الأنام بركة الأيام سراج الملّة والحق والدين عمر البلقيني أمتع الله الإسلام وأهله بوجوده :

الحمد لله الذي ثَبَّت قواعد الشريعة وشيَّد فوائدها الرفيعة وسدَّد حصون فرائدها المنيعة وأنار شُرُفات أسرارها بلمحات البروق السريعة وجَعَل في ساقَة حفاظها من ينظر نظر رجال الطليعة وأبان بها جَلْب المصالح المطلوبة ودَرْء المفاسد الشنيعة وفَتَح طرق الخيور النجيعة وسَدَّ أبواب الشرور بسدّ الذريعة وأقام في كل عصرٍ لهذه الأمة من يجدّد لها أمر الدين جميعَه كما جاء في الخبر الحسن عن الذي فَتَح الله به في كل مَضيقٍ وَسِيعَه وأقامه في كل كربٍ شفيعَه سيدَنا محمدًا الذي خصّه بالشرع العام ومَنَحه خِصْبَ المقام وربيعَه صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه ومَنْ غَدَا إلى آخر الزمان تَبِيعَه.

أما بعد ، فهذه (فوائد جسام) أمليتُها على (قواعد الشيخ الإمام عبد العزيز بن عبد السلام) لمّا قُرئت عليّ من أوّلها إلى آخرها وأَبَنْتُ فيها التحقيق في مواردها ومصادرها ، وسمّيتُها : الفوائد الجسام على قواعد ابن عبد السلام “.

وفي مقدمة كتابه التدريب في الفقه الشافعي يقول : ” بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وبه نستعين اللهمَّ لكَ الحَمدُ على ما مَنَحْتَ من (تدريب المبتدي وتهذيب المنتهي) ولك الشُّكرُ على ما فَتحْتَ مِن تَقْريبِ المَسَالِكِ وتَلْخِيصِ المَدَارِكِ ولكَ الفَضلُ على ما أَظهَرْتَ مِن نَشْرِ الفَتوى والتمسُّكِ بالأقوَى وصَلَّى اللَّهُ على أفضلِ الخَلْقِ سيِّدِنَا محمَّدٍ صلَّى اللَّهُ علَيه وسلَّمَ وعَلى اَلِهِ وصَحْبهِ وشرَّفَ وكرَّمَ.

أمَّا بَعْدُ ، فهذا تَدْريبٌ لِلْمُبْتَدِي يَجرِي به فِي كثيرٍ مِنَ الفِقْهِ مع المنتَهِي ، فيهِ نُبَدٌ مِنَ الدَّلائِلِ وجُملةٌ مِنَ المَسائِلِ وقِطعةٌ مِنَ الضَّوابطِ والأصُولِ وقَواعدُ واسْتِثناءاتٌ تَنفعُ فِي النقُولِ نفعَ اللَّهُ بهذا التدريبِ إنَّه قَريبٌ مُجيبٌ “.

وفي مقدمة كتابه (مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح) يبين منهجه في علم الحديث فيقول : ” هذا وإن علم الحديث من أفضل العلوم الفاضلة وأنفع الفنون النافعة يحبه ذكور الرجال وفحولتهم ويعنى به محققو العلماء وكَمَلتهم ولا يكرهه من الناس إلا رُذَالتهم وسفلتهم وهو من أكثر العلوم تولُّجًا في فنونها لا سيما الفقه الذي هو إنسان عيونها ولذلك كثر غلط العاطلين منه من مصنفي الفقهاء وظهر الخلل في كلام المُخِلِّين به من العلماء.

ولقد كان شأن الحديث فيما مضى عظيمًا عظيمة جموعُ طلبته رفيعة مقاديرُ حُفاظِه وحَمَلتِه وكانت علومه بحياتهم حَيَّة وأفنان فنونه ببقائهم غضة ومغانيه بأهله آهلة فلم يزالوا في انقراض ولم يزل في اندراس حتى آضت به الحال إلى أن صار أهله إنما وهم شِرْذِمة قليلة العَدد ضعيفة العُدد لا تُعنَى على الأغلب في تحمله بأكثر من سماعه غُفْلاً ولا تتعنى في تقييده بأكثر من كتابته عُطْلاً مُطَّرحين علومَه التي بها جلَّ قدرُه مباعدين معارفه التي بها فخم أمره.

فحين كاد الباحث عن مشكله لا يُلفى له كاشفًا والسائل عن علمه لا يلقى به عارفًا مَنَّ الله الكريم تبارك وتعالى وله الحمدُ أجمع بكتاب معرفة أنواع علم الحديث هذا الذي أباح بأسراره الخفية وكشف عن مشكلاته الأبِيَّة وأحكم معاقده وقَعد قواعده وأثار معالمه وبيَّن أحكامه وفصَّل أقسامه وأوضح أصوله وشرح فروعَه وفصوله، وجمع شتاتَ علومه وفوائده وقنص شوارد نُكَتِه وفرائده.

فالله العظيمَ – الذي بيده الضر والنفع والإِعطاء والمنع – أسأل وإليه أضرع وأبتهل متوسلا إليه بكل وسيلة متشفعًا إليه بكل شفيع أن يجعله مَلِيًّا بذلك وأملى وافيًا بكل ذلك وأوفى ، وأن يعظم الأجر والنفع به في الدارين إنه قريب مجيب وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب “.

وله عدة مؤلفات أخرى منها كتاب تصحيح المنهاج ستة مجلدات في الفقه وكتاب الملمات برد المهمات في الفقه وكتاب محاسن الاصطلاح في الحديث وكتاب حواش على الروضة في مجلدين وكتاب الأجوبة المرضية عن المسائل المكية وكتاب مناسبات تراجم أبواب البخاري بالإضافة إلى مجموعة الفتاوى الكبرى وتفسير الكشاف على الكشاف وعدة مباحث متفرقة في الفقه الشافعي وعلوم الحديث.  

وقد روى ابن حجر لقاءه به وتوقعه له بالنبوغ وذلك في كتابه إنباء الغمر بأبناء العمر فقال : ” وقد عمل له ولده جلال الدين ترجمة جمع فيها أَسامى تصانيفه وأَشياءَ من اختياراته أجادها وقد سمعتها كلها منه ، وخرَّجْتُ أَنا له أَربعين حديثا عن أَربعين شيخا حدّث بها مرارًا وقرأْت عليه دلائل النبوة للبيهقى فشهد لي بالحفظ في المجلس العام وقرأت عليه دروسًا من (الروضة) وأَذن لي بخطه وكتب لي خطه على جزء من (تعليق التعليق) الذي وصلت فيه تعاليق البخاري.

وكنت رأيت في هذه السنة أَننى دخلت مدرسته وهو يصلى الظهر فأَحس بي داخلًا فتمادى في الركوع فأَدركت معه صلاة الظهر فعبرتها عليه فقال لي : يحصل لك ظهور كبير ، قلت : وبقية المنام أَنك تأَخرت لي حتى أَدركتك فأَخذت عنك وأَذنت لي ، فأَقر ذلك وكان الأمر كذلك .. مات في عاشر ذي القعدة وكثر أَسف الناس عليه بلغتني وفاته وأَنا مع الحجيج بعرفة فعملت فيه مرثية تزيد على مائة بيت وهى مشهورة وعاش إحدى وثمانين سنة وربع سنة رحمه الله تعالى “.

وقد ترجم له السخاوي في كتابه الضوء اللامع لأهل القرن التاسع فقال : ” عمر بن رسْلَان بن نصير بن صلح بن شهَاب بن عبد الْخَالِق بن عبد الْحق السراج أَبُو حَفْص الْكِنَانِي البُلْقِينِيّ ثمَّ القاهري الشَّافِعِي ، ولد فِي لَيْلَة الْجُمُعَة ثَانِي عشر شعْبَان سنة أَربع وَعشْرين وَسَبْعمائة ببلقينة من الغربية وَأول من قطنها من آبَائِهِ صلح وَحفظ بهَا الْقُرْآن وَصلى بِهِ وَهُوَ ابْن سبع والشاطبية وَالْمُحَرر والكافية وَالشَّافِعِيَّة فِي النَّحْو لِابْنِ مَالك والمختصر الْأَصْلِيّ.

وأقدمه أَبوهُ الْقَاهِرَة وَهُوَ ابْن اثْنَتَيْ عشرَة سنة فَعرض محافيظه على جمَاعَة كالتقي السُّبْكِيّ والجلال الْقزْوِينِي وبهرهم بذكائه وَكَثْرَة محفوظه وَسُرْعَة فهمه ثمَّ رَجَعَ بِهِ ثمَّ عَاد مَعَه سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَقد ناهز الِاحْتِلَام فاستوطن الْقَاهِرَة وَحضر الدُّرُوس ، وَمن شُيُوخه فِي الْفِقْه التقي السُّبْكِيّ وَلَكِن جلّ انتفاعه فِيهِ إِنَّمَا هُوَ بالشمسين ابْن عَدْلَانِ وَابْن القماح والنجم ابْن الأسواني والزين الْكِنَانِي والعز بن جمَاعَة وَفِي الْأُصُول الشَّمْس الْأَصْبَهَانِيّ صَاحب التَّفْسِير وَعنهُ أَخذ كثيرا من العقليات وَفِي الْعَرَبيَّة وَالصرْف وَالْأَدب الْأُسْتَاذ أَبُو حَيَّان.

ولازم الْبَهَاء بن عقيل وانتفع بِهِ كثيرا وَتزَوج ابْنَته وَسمع الحَدِيث على ابْن القماح وَابْن غالي والشهاب بن كشتغدي وَأبي الْفرج بن عبد الْهَادِي وَالْحسن بن السديد وَإِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم التفليسي وَعبد الرَّحِيم بن شَاهد الْجَيْش وَالْحسن بن السديد وَإِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم التفليسي وَعبد الرَّحِيم بن شَاهد الْجَيْش والميدومي وَأبي إِسْحَق إِبْرَاهِيم القطبي وَأبي الْعَبَّاس أَحْمد بن مُحَمَّد بن عمر الْحلَبِي خَاتِمَة أَصْحَاب الْكَمَال الضَّرِير وَآخَرين كالجمال أبي إِسْحَق التزمنتي وَأبي الْحرم القلانسي.

وَأَجَازَ لَهُ الحافظان الْمزي والذهبي والشهاب أَحْمد بن عَليّ بن الْجَزرِي وَابْن نباتة وَخلق ، وَخرج لَهُ شَيخنَا أَرْبَعِينَ حَدِيثا شطرها عَن شُيُوخ السماع وباقيها بِالْإِجَازَةِ وَكَذَا خرج لَهُ الْوَلِيّ الْعِرَاقِيّ جُزْءا من حَدِيثه ، وَحج مَعَ وَالِده سنة أَرْبَعِينَ ثمَّ بمفرده بعْدهَا وزار بَيت الْمُقَدّس وَاجْتمعَ بالعلائي وعظمه وَسكن الكاملية مُدَّة وَكَانَ يَحْكِي أَنه أول مَا دَخلهَا طلب من ناظرها بَيْتا فَامْتنعَ وَاتفقَ مَجِيء شَاعِر بقصيدة امتدحه بهَا وأنشده إِيَّاهَا بِحَضْرَتِهِ فَقَالَ لَهُ : قد حَفظتهَا فَقَالَ لَهُ النَّاظر : إِن كَانَ كَذَلِك أَعطيتك بَيْتا قَالَ : فأوردتها لَهُ سردا فَأَعْطَانِي بَيْتا.

وَأذن لَهُ الْأَئِمَّة بالإفتاء والتدريس وعظمه أجلاء شُيُوخه كَأبي حَيَّان والأصبهاني جدا وناب فِي الحكم عَن صهره ابْن عقيل ، وَبَلغنِي أَنه جلس بالجورة بعده وَاسْتقر فِي تدريس الخشابية بِجَامِع عَمْرو ، وَكَذَا درس بالبديرية والحجازية والخروبية البدرية والملكية وَالتَّفْسِير بِجَامِع طولون وبالبرقوقية ، وَولي إِفْتَاء دَار الْعدْل رَفِيقًا للبهاء السُّبْكِيّ ثمَّ قَضَاء الشَّام فِي سنة تسع وَسِتِّينَ عوضا عَن التَّاج السُّبْكِيّ فباشره دون السّنة وَجَرت لَهُ مَعَه أُمُور مَشْهُورَة وتعصبوا عَلَيْهِ مَعَ قَول الْعِمَاد بن كثير لَهُ حِينَئِذٍ أذكرتنا سمت ابْن تَيْمِية وَنَحْوه قَول ابْن شيخ الْجَبَل مَا رَأَيْت بعد ابْن تَيْمِية أحفظ مِنْك.

وَدخل حلب فِي سنة ثَلَاث وَتِسْعين صُحْبَة الظَّاهِر برقوق وَمرَّة أُخْرَى بعْدهَا واشتغل بهَا وَعين لقضاء مصر غير مرّة وَلكنه لم يتم مَعَ ارتقائه لأعظم مِنْهُ حَتَّى صَار يجلس فَوق كبار الْقُضَاة بل ولي ابْنه فِي حَيَاته وشاع ذكره فِي الممالك قَدِيما وحديثا وعظمه الأكابر فَمن دونهم ، وَمِمَّا كتبه لَهُ أَبُو حَيَّان أَنه صَار إِمَامًا ينْتَفع بِهِ فِي الْفَنّ الْعَرَبِيّ مَعَ مَا منحه الله من علمه بالشريعة المحمدية بِحَيْثُ نَالَ من الْفِقْه وأصوله الرُّتْبَة الْعليا وتأهل للتدريس وَالْقَضَاء والفتيا.

وَقَالَ صهره ابْن عقيل : هُوَ أَحَق النَّاس بالفتيا فِي زَمَانه ، وَقَالَ الشَّمْس مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن العثماني قَاضِي صفد فِي طبقاته : هُوَ شيخ الْوَقْت وإمامه وحجته انْتَهَت إِلَيْهِ مشيخة الْفِقْه فِي وقته وَعلمه كالبحر الزاخر وَلسَانه أفحم الْأَوَائِل والأواخر ، وَقَالَ ابْن الحجي : كَانَ أحفظ النَّاس لمَذْهَب الشَّافِعِي واشتهر بذلك وطبقة شُيُوخه موجودون قدم علينا دمشق قَاضِيا وَهُوَ كهل فبهر بحفظه وَحسن عِبَارَته وجودة مَعْرفَته وخضع لَهُ الشُّيُوخ فِي ذَلِك الْوَقْت واعترفوا بفضله ثمَّ رَجَعَ وتصدى للفتيا فَكَانَ معول النَّاس عَلَيْهِ فِي ذَلِك وَكَثُرت طلبته فنفعوا وأفتوا ودرسوا وصاروا شُيُوخ بِلَادهمْ وَهُوَ حَيّ.

قَالَ : وَله اختيارات فِي بَعْضهَا نظر كثير وَله نظم وسط وتصانيف كَثِيرَة لم تتمّ يَبْتَدِئ كتابا فيصنف مِنْهُ قِطْعَة ثمَّ يتْركهُ وقلمه لَا يشبه لِسَانه ، وَقَالَ الْأَذْرَعِيّ : لم أر أحفظ لنصوص الشَّافِعِي مِنْهُ بل قَالَ الْبُرْهَان الْحلَبِي : رَأَيْته رجلا فريد دهره لم تَرَ عَيْنَايَ أحفظ للفقه وَأَحَادِيث الْأَحْكَام مِنْهُ وَقد حضرت دروسه مرَارًا وَهُوَ يقرئ فِي مُخْتَصر مُسلم للقرطبي يَقْرَؤُهُ عَلَيْهِ شخص مالكي ويحضر عِنْده فُقَهَاء الْمذَاهب الْأَرْبَعَة فيتكلم على الحَدِيث الْوَاحِد من بكرَة إِلَى قريب الظّهْر وَرُبمَا أذن الظّهْر وَهُوَ لم يفرغ من الحَدِيث.

قَالَ: وَلم أر أحدا من الْعلمَاء الَّذين أدركتهم بِجَمِيعِ الْبِلَاد وَاجْتمعت بهم إِلَّا وهم يعترفون بفضله وَكَثْرَة استحضاره وَأَنه طبقَة وَحده فَوق جَمِيع الْمَوْجُودين حَتَّى أَن بعض النَّاس يقدمهُ على بعض الْمُتَقَدِّمين ، وَنَحْوه قَول شَيخنَا فِي مشيخة الْبُرْهَان أَنه اسْتمرّ مُقبلا على الِاشْتِغَال متفرغا للتدريس وَالْفَتْوَى إِلَى أَن عمر وَتفرد وَلم يبْق من يزاحمه وَكَانَ كل من اجْتمع بِهِ يخضع لَهُ لِكَثْرَة استحضاره حَتَّى يكَاد يقطع بِأَنَّهُ يحفظ الْفِقْه سردا من أول الْأَبْوَاب إِلَى آخرهَا لَا يخفى عَلَيْهِ مِنْهُ كَبِير أَمر وَكَانَ مَعَ ذَلِك لَا يحب أَن يدرس إِلَّا بعد المطالعة.

وَقَالَ فِي مُعْجَمه : وَذكر لي وَلَده الْجلَال أَنه كَانَ يلقى الْحَاوِي دروسا فِي أَيَّام يسيرَة من أغربها أَنه أَلْقَاهُ فِي ثَمَانِيَة أَيَّام ، وَذكر لي الْبُرْهَان أَن الشَّيْخ قَالَ لَهُ أَنه كَانَ يحفظ من الْمُحَرر صفحة من وَقت ابْتِدَاء فلَان الْأَعْمَى صَلَاة الْعَصْر إِلَى انتهائه قَالَ : وَلم يكن يطول فِي صلَاته وَأَنه كَانَ يسْرد مُنَاسبَة أَبْوَاب الْفِقْه فِي نَحْو كراسة ويطرز ذَلِك بفوائد وشواهد بِحَيْثُ يقْضِي سامعه بِأَنَّهُ يستحضر فروع الْمَذْهَب كلهَا.

ثمَّ قَالَ شَيخنَا : وَذكر الْكَمَال الدَّمِيرِيّ أَن بعض الْأَوْلِيَاء قَالَ لَهُ أَنه رأى قَائِلا يَقُول أَن الله يبْعَث على رَأس كل مائَة سنة لهَذِهِ الْأمة من يجدد لَهَا دينهَا بدئت بعمر وختمت بعمر ، قَالَ شَيخنَا : واشتهر اسْمه فِي الْآفَاق وَبعد صيته إِلَى أَن صَار يضْرب بِهِ الْمثل فِي الْعلم وَلَا تركن النَّفس إِلَّا إِلَى فتواه وَكَانَ موفقا فِي الْفَتْوَى يجلس لَهَا من بعد صَلَاة الْعَصْر إِلَى الْغُرُوب وَيكْتب عَلَيْهَا من رَأس الْقَلَم غَالِبا وَلَا يأنف إِذا أشكل عَلَيْهِ شَيْء من مُرَاجعَة الْكتب وَلَا من تَأْخِير الْفَتْوَى عِنْده إِلَى أَن يُحَقّق أمرهَا وَكَانَ ينقم عَلَيْهِ تَفْسِير رَأْيه فِي الْفَتْوَى وَمَا كَانَ ذَلِك إِلَّا لسعة دائرته فِي الْعلم.

وَكَانَ فِيهِ من الْقُوَّة الحافظة وَشدَّة الذكاء مَا لم يُشَاهد فِيهِ مثله ، وَفِي شرح ذَلِك طول قَالَ : وَكَانَ وقورا حَلِيمًا مهيبا سريع البادرة سريع الرُّجُوع ذَا همة عالية فِي مساعدة أَصْحَابه وَأَتْبَاعه قَالَ : وَكَانَ مَعَ توسعه فِي الْعُلُوم يتعانى النّظم فَيَأْتِي مِنْهُ بِمَا يستحي من نسبته إِلَيْهِ وَرُبمَا لم يقم وَزنه ، وَصَارَ يتعانى عمل المواعيد وَيقْرَأ عَلَيْهِ وَيتَكَلَّم فِي التَّفْسِير بِكَلَام فائق وينشد من شعره الْحسن المعني الركيك اللَّفْظ العاري عَن البديع مَا كَانَ الأول أَن يصان الْمجْلس عَنهُ زَاد فِي إنبائه وَيحصل لَهُ فِيهَا خشوع وخضوع.

وَقَالَ فِيهِ أَنه أفتى ودرس وَهُوَ شَاب وناظر الأكابر وَظَهَرت فضائله وبهرت فَوَائده وطار فِي الْآفَاق صيته من قبل الطَّاعُون وانتهت إِلَيْهِ الرياسة فِي الْفِقْه والمشاركة فِي غَيره حَتَّى كَانَ لَا يجْتَمع بِهِ أحد من الْعلمَاء إِلَّا ويعترف بفضله ووفور علمه وحدة ذهنه ، وَكَانَ مُعظما عِنْد الأكابر عَظِيم السمعة عِنْد الْعَوام إِذا ذكر خضعت لَهُ الرّقاب حَتَّى كَانَ الأسنوي يتوقى الْإِفْتَاء مهابة لَهُ لِكَثْرَة مَا كَانَ ينقب عَلَيْهِ فِي ذَلِك ، قَالَ : وَكَانَت آلَة الِاجْتِهَاد فِي الشَّيْخ كَامِلَة إِلَّا أَن غَيره فِي معرفَة الحَدِيث أشهر وَفِي تَحْرِير الْأَدِلَّة أمهر وَكَانَ عَظِيم الْمُرُوءَة جميل الْمَوَدَّة كثير الِاحْتِمَال مهيبا مَعَ كَثْرَة المباسطة لأَصْحَابه والشفقة عَلَيْهِم والتنويه بذكرهم.

قَالَ : وَلم يكمل من مصنفاته إِلَّا الْقَلِيل لِأَنَّهُ كَانَ يشرع فِي الشَّيْء فلسعة علمه يطول عَلَيْهِ الْأَمر حَتَّى أَنه كتب من شرح البُخَارِيّ على نَحْو عشْرين حَدِيثا مجلدين وعَلى الرَّوْضَة عدَّة مجلدات تعقبات وعلق الْبَدْر الزَّرْكَشِيّ من خطه فِي حَوَاشِي نُسْخَة من الرَّوْضَة خَاصّا مجلدا ضخما ثمَّ جمعهَا الْوَلِيّ الْعِرَاقِيّ بعد مُدَّة فِي مجلدين وَقد أفرد لَهُ وَلَده الْجلَال تَرْجَمَة سرد فِيهَا من تصانيفه واختياراته جملَة ، قلت وَكَذَا فعل وَلَده شَيخنَا الْعلم البُلْقِينِيّ وقرأتها عَلَيْهِ ، وَلذَا اختصرت تَرْجَمته خُصُوصا وَقد سرد شَيخنَا من تصانيفه فِي مُعْجَمه عدَّة مِمَّا كمل مِنْهَا محَاسِن الْإِصْلَاح.

وَقَالَ الصّلاح الأقفهسي فِي مُعْجم ابْن ظهيرة : كَانَ أحفظ النَّاس لمَذْهَب الشَّافِعِي لَا سِيمَا لنصوصه مَعَ معرفَة تَامَّة بالتفسير والْحَدِيث والأصلين والعربية مَعَ الذِّهْن السَّلِيم والذكاء الَّذِي على كبر السن لَا يريم يفزع إِلَيْهِ فِي حل المشكلات فيحلها ويقصد لكشف المعضلات فيكشفها وَلَا يملها وَلَوْلَا أَن نوع الْإِنْسَان مجبول على النسْيَان لَكَانَ مَعْدُوما فِيهِ فَلم يكن فِي عصره فِي الْحِفْظ وَقلة النسْيَان من يماثله بل وَلَا يدانيه ، ولي قَضَاء دمشق وَهِي إِذْ ذَاك غاصة بالفضلاء فأقروا لَهُ بالتقدم فِي الْعُلُوم وَلم ينازعه وَاحِد مِنْهُم فِي مَنْطُوق وَلَا مَفْهُوم.

وَقَالَ التقي الفاسي فِي ذيل التَّقْيِيد: كَانَ وَاسع الْمعرفَة بالفقه والْحَدِيث وَغَيرهمَا مَوْصُوفا بِالِاجْتِهَادِ لم يخلف بعده مثله ، وَمِمَّنْ تَرْجمهُ ابْن خطيب الناصرية وَابْن قَاضِي شُهْبَة والمقريزي وَحكى الْعَلَاء البُخَارِيّ فِيمَا سَمعه مِنْهُ الْعِزّ السنباطي قَالَ : قدم علينا من أَخذ عَن البُلْقِينِيّ فَسَأَلْنَاهُ عَنهُ فَقَالَ : هُوَ فِي الْفِقْه وَكَذَا فِي الحَدِيث بَحر وَفِي التَّفْسِير أَيْضا على طَريقَة الْبَغَوِيّ وسألناه عَنهُ فِي العقليات فَقَالَ : يقرئ الْبَيْضَاوِيّ للمبتدئ والمتوسط وَلَا يخرج عَن عهدته للمنتهى.

وَنَحْوه مَا حَكَاهُ الْبِسَاطِيّ عَن شَيْخه قنبر أَنه قَالَ : مَا جَلَست بِمصْر للإقراء حَتَّى درت على حلق مشايخها كلهم حَتَّى الْخَولَانِيّ يَعْنِي الَّذِي كَانَ نَظِير التلواني فَلم أر فيهم مثل البُلْقِينِيّ فِي الْحِفْظ قَالَ : لكنه لم يكن عِنْده تَحْقِيق ، وَهَذَا مَحْمُول على أَنه كَانَ يستروح وَإِلَّا فَهُوَ إِذا توجه للتحقيق كَانَ من أجل الْمُحَقِّقين وَقد بَلغنِي أَن الْعِزّ بن جمَاعَة الْمُتَأَخر التمس مِنْهُ قِرَاءَة الْحَاوِي نظرا وتحقيقا ملاحظا اسْتِعْمَال الْآلَات فَأَقْرَأهُ فِيهِ دروسا ثمَّ طلع لَهُ الشَّيْخ بعْدهَا وعَلى يَدَيْهِ حرارة فَأرَاهُ إِيَّاهَا قَائِلا لَهُ : انْظُر يَا ابْني يَا مُحَمَّد فقد أتعبتني أَو كَمَا قَالَ.

وَمِمَّا بَلغنِي من وفور همته قِيَامه هُوَ والأبناسي فِي زَوَال مَا حل بِابْن الملقن من المحنة وَكَذَا فِي كفهما الْوَلِيّ الْعِرَاقِيّ عَن ابْن الملقن كَمَا سأشير لذَلِك فِي تَرْجَمته ، وَكَذَا مِمَّا بلغنَا قَول الْبَدْر البشتكي أَن الشَّيْطَان وجد طرقه عَن البُلْقِينِيّ مسدودة فَحسن لَهُ نظم الشّعْر بل كَانَ الْبَدْر سَببا لتحويل تَسْمِيَة مُصَنفه بالفوائد المنتهضة على الرَّافِعِيّ وَالرَّوْضَة إِلَى الْفَوَائِد الْمَحْضَة حَيْثُ صَار يَقُول على الرَّافِعِيّ وَالرَّوْضَة بِفَتْح الْوَاو حَتَّى تتمّ الموازنة مَعَ عدم لُزُوم ذَلِك فِي الشّعْر فضلا عَن غَيره.

وَفِي كَلَام الْوَلِيّ الْعِرَاقِيّ فِي أَوَاخِر شَرحه لجوامع مَا يُشِير لِأَنَّهُ مُجْتَهد أَو كَونه هُوَ والتقي السُّبْكِيّ طبقَة وَاحِدَة ، وَكَانَ فِي صفاء الخاطر وسلامة الصَّدْر بمَكَان بِحَيْثُ يحْكى عَنهُ مَا يفوق الْوَصْف واعتقاده فِي الصَّالِحين وَرَاء الْعقل وتنفيره عَن ابْن عَرَبِيّ ومطالعة كتبه أشهر من أَن أصفه وقيامه فِي إِزَالَة الْمُنكر من إبِطَال المكوس والخانات وَنَحْوهَا شهير وردعه لمن يَخُوض فِيمَا لَا يَلِيق مستفيض بِحَيْثُ أَنه أرسل خلف من بلغه عَنهُ أَنه يُفَسر الْقُرْآن بالتقطيع فزبره بِحَيْثُ خَافَ وَمَا وَسعه إِلَّا الْإِنْكَار وَبَالغ فِي زجر بعض الحلقية لما بلغه عَنهُ أَنه يحاكي الْفُقَهَاء فِي عمائمهم وَكَلَامهم مِمَّا لَو بسطته كُله لطال.

وَكَانَ يَقُول : مَا أحد يقرئ الْفَرَائِض إِلَّا وَهُوَ تلميذي أَو تلميذ تلميذي لكَون الشَّيْخ مُحَمَّد الكلائي صَاحب الْمَجْمُوع سَأَلَ مَسْأَلَة ، وَقد أَخذ عَنهُ النَّاس طبقَة بعد طبقَة بل وَأخذت عَنهُ طبقَة ثَالِثَة فَمن الأولى الْبَدْر الزَّرْكَشِيّ وَابْن الْعِمَاد والعز بن جمَاعَة ثمَّ الْبرمَاوِيّ وَالْوَلِيّ الْعِرَاقِيّ والبرهان الْحلَبِي وَالْجمال بن ظهيرة والزين الفاسكوري والمحب بن نصر الله والسراج قاري الْهِدَايَة ثمَّ شَيخنَا وَابْن عمار والأقفهسي والتقي الفاسي ، ولقينا خلقا مِمَّن تفقه بِهِ خاتمتهم الشَّمْس الشنشي وثنا عَلَيْهِ جمَاعَة كَثِيرُونَ وَلست أتوقف فِي ولَايَته.

وَهُوَ فِي عُقُود المقريزي ، مَاتَ قبيل عصر يَوْم الْجُمُعَة حادي عشر ذِي الْقعدَة سنة خمس وَثَمَانمِائَة بِالْقَاهِرَةِ وَصلى عَلَيْهِ وَلَده الْجلَال صَبِيحَة الْغَد بِجَامِع الْحَاكِم وَدفن بمدرسته الَّتِي أَنْشَأَهَا بِالْقربِ من منزله فِي حارة بهاء الدّين عِنْد وَلَده الْبَدْر مُحَمَّد ورثاه جمَاعَة وأبدع مرثية فِيهِ لشَيْخِنَا أَولهَا : يَا عين جودي لفقد الْبَحْر بالمطر .. واذري الدُّمُوع وَلَا تبقي وَلَا تذري ، وَهِي تزيد على مائَة بَيت مَشْهُورَة وَكثر أَسف النَّاس عَلَيْهِ ، قَالَ شَيخنَا : وبلغتني وَفَاته وَأَنا مَعَ الحجيج رَحمَه الله وإيانا “.

3 / عقود الجمان

(عقود الجمان وتذييل وفيات الأعيان) هو عنوان الكتاب الذي صنفه الإمام العلامة بدر الدين محمد بن بهادر بن عبد الله التركي المصري المعروف بلقب الزركشي ، وهو فقيه شافعي من أبناء المماليك ولد في مصر عام 745 هـ / 1344 م وتوفي فيها عام 794 هـ / 1392 م وقضى حياته كلها متفرغا للتأليف والكتابة والتصنيف حيث عرف بالزهد والورع والقناعة والتواضع فأنتج قرابة ثلاثين كتابا في مجالات متعددة ، وقد تتلمذ على يد إمام الشافعية في زمنه جمال الدين الإسنوي ومن تلاميذه الشيخ شمس الدين البرماوي.

وقد صنف المؤلف كتابه عقود الجمان ليكون تكملة للكتاب الشهير وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان للقاضي ابن خلكان حيث تناول فيه السير الذاتية والتراجم لعدد من الشخصيات من العلماء والشعراء يبلغ أربعمائة وخمسة وتسعين شخصا مع التوسع في معلومات لم يذكرها ابن خلكان وذكر ضمن الكتاب عددا من القصائد الشعرية حتى صار الكتاب مدونة أدبية رفيعة ، ويتكون الكتاب من أربعة وثلاثين كراسة صغيرة يتجاوز مجموعها سبعمائة وسبعين صفحة والمخطوطة الأصلية محفوظة في مكتبة عارف حكمت بالمدينة المنورة وقد نشرت حديثا.

ويشرح في مقدمة كتابه أسباب تأليفه فيقول : ” فلمَّا رأيت رائدَ الهم قد قفل ونجمَ الشبيبة قد غرب وأفل اقتضى حالي أن أجمع ما وقع لي في ذلك الزمان من المذاكرات المرضية والمراجعات السنية والمفاخرات الجوهرية وما حفظته عن مشايخي والتقطه من ديوان استيفاء مجالِسي وما اخترته من تواريخ مجانِسي ليكون ذلك لهمِّي مسلِّياً ومن غمِّي منجِّياً .. فاخترت من مختار كلِّ مختار ومن بديع كلِّ بديع ، كلَّ بديع فاخر من ألفاظ الأوائل والأواخر من محاسن الأخبار وفنون الآثار وبديع الأشعار أشرفَهم جوهراً ونظماً وأعذبَهم رونقاً وألطفَهم معنىً “.

ومن مؤلفاته الأخرى المشهورة كتاب البرهان في علوم القرآن وكتاب إعلام الساجد بأحكام المساجد وكتاب البحر المحيط في أصول الفقه وكتاب الإجابة على إيراد ما استدركته عائشة على الصحابة وكتاب تشنيف المسامع بجمع الجوامع وكتاب اللآلئ المنثورة في الأحاديث المشهورة وكتاب المنثور في القواعد الفقهية وكتاب النكت على مقدمة ابن الصلاح وكتاب سلاسل الذهب وكتاب معنى لا إله إلا الله وكتاب خبايا الزوايا وكتاب خلاصة الفنون الأربعة وكتاب  الغرر السوافر فيما يحتاج إليه المسافر وكتاب فتاوى الزركشي.

وقد تولي الزركشي مشيخة خانقاه كريم الدين بالقرافة الصغرى وتعرف بالخانقاه الكريمية والتي  أنشأها القاضي كريم الدين عبد الكريم بن السديد المتوفي عام 724هـ ، فدرس فيها وأفتى وعرف  وسط العلماء بلقب المنهاجي لأنه حفظ مبكرا كتاب المنهاج في الفروع للإمام النووي وبرع في علوم اللغة والتفسير والحديث والفقه ، واشتهر بلقب الزّركشيّ نسبة لصناعة الزّركش وهي كلمة فارسية مركبة من زر أي الذهب وكش أي ذو والمقصود بها نسج الحرير ولقّب بذلك لأنه كان يشتغل بها قبل طلبه العلم.   

وفي كتابه (البرهان في علوم القرآن) تظهر براعته في علوم اللغة العربية حيث يتناول فيه الإعجاز اللغوي والبلاغي في القرآن الكريم وما فيه من الحقيقة والمجاز وبيان لغة أهل الحجاز وسائر لهجات العرب وتأثير ذلك في القراءات والأحكام ، ويشرح ذلك في مقدمة كتابه فيقول : ” أَمَّا بعد ، فإن أول مَا أُعْمِلَتْ فِيهِ الْقَرَائِحُ وَعَلِقَتْ بِهِ الْأَفْكَارُ اللواقح فحص عَنْ أَسْرَارِ التَّنْزِيلِ وَالْكَشْفُ عَنْ حَقَائِقِ التَّأْوِيلِ الَّذِي تَقُومُ بِهِ الْمَعَالِمُ وَتَثْبُتُ الدَّعَائِمُ فَهُوَ الْعِصْمَةُ الْوَاقِيَةُ وَالنِّعْمَةُ الْبَاقِيَةُ وَالْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ وَالدَّلَالَةُ الدَّامِغَةُ وَهُوَ شِفَاءُ الصُّدُورِ وَالْحَكَمُ الْعَدْلُ عِنْدَ مشتبهات الأمور.

وهو الكلام الجزل والفصل الذي ليس بحزن سِرَاجٌ لَا يَخْبُو ضِيَاؤُهُ وَشِهَابٌ لَا يَخْمَدُ نوره وثناؤه وَبَحْرٌ لَا يُدْرَكُ غَوْرُهُ بَهَرَتْ بَلَاغَتُهُ الْعُقُولَ وَظَهَرَتْ فَصَاحَتُهُ عَلَى كُلِّ مَقُولٍ وَتَظَافَرَ إِيجَازُهُ وَإِعْجَازُهُ وَتَظَاهَرَتْ حَقِيقَتُهُ وَمَجَازُهُ وَتَقَارَنَ فِي الْحُسْنِ مَطَالِعُهُ وَمَقَاطِعُهُ وَحَوَتْ كُلَّ الْبَيَانِ جَوَامِعُهُ وَبَدَائِعُهُ قَدْ أَحْكَمَ الْحَكِيمُ صِيغَتَهُ ومعناه وَقَسَّمَ لَفْظَهُ وَمَعْنَاهُ إِلَى مَا يُنَشِّطُ السَّامِعَ وَيُقَرِّطُ الْمَسَامِعَ مِنْ تَجْنِيسٍ أَنِيسٍ وَتَطْبِيقٍ لَبِيقٍ وَتَشْبِيهٍ نَبِيهٍ وَتَقْسِيمٍ وَسِيمٍ وَتَفْصِيلٍ أَصِيلٍ وَتَبْلِيغٍ بليغ وتصدير بالحسن جدير وترديد ماله مزيد إلى غير ذلك مما أجرى الصِّيَاغَةِ الْبَدِيعَةِ وَالصِّنَاعَةِ الرَّفِيعَةِ “.

وفي كتابه إعلام الساجد بأحكام المساجد يتناول الأحكام الخاصة بالمسجد الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى ، وكتب في مقدمته كلمات بليغة تفيض رقة وعذوبة وشوقا إلى منازل الوحي وديار المصطفى صلى الله عليه وسلم فقال : ” بسم الله الرحمن الرحيم صلى الله على سيدنا محمد وآله صحبه وسلم رب أسألك الإعانة ، قال الشيخ العلامة المحقق فريد عصره بدر الدين أبو عبدالله محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي المنهاجي المصري رحمه الله تعالى بكرمه وفضله ومنته :   

الحمد لله الذي جدد برفع قواعد البيت العتيق شعائر الإسلام وأعذب الشرائع الزمزمية التي شهدت بصفوها شرائع الأحكام وشرف الكعبة ذات الحجر والحجر والستر الذي يود زائره لو زاد فيه سواد القلب والبصر والأركان التي شيد أركان الحج عالي بنيانها والميزاب الذي هطل بمياه الرحمة شاذروانها والمقام الذي من حل به أحلفي دار المقامة والمعالم التي من وفق لدقيق العمل فيها لم يحتج في القبول إلى علامة.

وأشهد أن لا إله الا الله وحده لا شريك له شهادة من سالت محاجر عيونه على العقيق وزادت حلاوة ذوقه بها على الرحيق ، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الذي شرف قبلة الحجر بالقبلة وارتقى من حجر التكريم إلى مقام لم يحله أحد قبله صلى الله عليه أكمل الصلوات ما أقيمت الصلوات ورفعت الدعوات وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذريته نجوم الاهتداء وأقمار الاقتداء ما طاف بالكعبة طائف ووقف بعرفة واقف وسلم تسليما كثيرا ومجد وعظم.

أما بعد ، فهذا كتاب ينزل من القلوب منزلة الجنان ومن العيون منزلة الإنسان ، لم ينسج له على منوال ولم تسمح له قريحة بمثال قدحه زناد الأشواق من حراق القلب التواق وأملاه باعث الحب المكي عند فوات العيش الهي ، فاستملا حديث من سكن الحي .. ولا تكتباه إلا بدمعي .. فاتني أن أرى الديار بطرفى .. فلعل أرى الديار بسمعى.

يشتمل على الأحكام والفضائل المختصه بالمسجد الحرام وبمسجد النبي عليه أفضل الصلاة والسلام ومسجد الأقصى وغيرها من مساجد الإسلام ، قد أتى في هذا الباب بالعجب وحاز قصب السبق ما اكتسب الطرب وصار لقصاد الحرم ميقاتا ولورود حياض الفضائل ماء فراتا ، جمعته رجاء ثواب الله وأهديته لخير بلاد الله حين لم يقتض الحال إهداء نعم ولا مال ولله در من قال : لا خيل عندك تهديها ولا مال .. فليسعد النطق إن لم تسعد الحال.

والله أسأل أن يحرم شعرى وبشرى ولحمى ودمى على النار وأن يغفرلي ماقدمت وما أخرت من الأوزار إنه الرحيم الغفار ، وسميته إعلام الساجد بحكام المساجد ورتبته على فاتحة وأربعة أبواب : الباب الأول فيما يتعلق بالمسجد الحرام ، الباب الثاني فيما يتعلق بمسجد المدينة ، الباب الثالث فيما يتعلق بالمسجد الأقصى ، الباب الرابع فيما يتعلق بسائر المساجد “.

ذكره ابن حجر العسقلاني في كتابه الدرر الكامنة بأعيان المئة الثامنة فقال : ” مُحَمَّد بن بهادر بن عبد الله التركي الأَصْل الْمصْرِيّ الشَّيْخ بدر الدّين الزَّرْكَشِيّ ولد سنة ٧٤٥ وعني بالاشتغال من صغره فحفظ كتبا وَأخذ عَن الشَّيْخ جمال الدّين الاسنوي وَالشَّيْخ سراج الدّين البُلْقِينِيّ ولازمه.

وَلما ولي قَضَاء الشَّام اسْتعَار مِنْهُ نسخته من الرَّوْضَة مجلدا بعد مُجَلد فعلقها على الهوامش من الْفَوَائِد فَهُوَ أول من جمع حَوَاشِي الرَّوْضَة للبلقيني وَذَلِكَ فِي سنة ٦٩ وملكتها بِخَطِّهِ ثمَّ جمعهَا القَاضِي ولي الدّين ابْن شَيخنَا الْعِرَاقِيّ قبل أَن يقف على الزركشية فَلَمَّا أعرتها لَهُ انْتفع بهَا فِيمَا كَانَ قد خَفِي من أَطْرَاف الهوامش فِي نُسْخَة الشَّيْخ وَجعل لكل مَا زَاد على نُسْخَة الزَّرْكَشِيّ زايا.

وعني الزَّرْكَشِيّ بالفقه وَالْأُصُول والْحَدِيث فأكمل شرح الْمِنْهَاج واستمد فِيهِ من الاذرعي كثيرا وَكَانَ رَحل إِلَى دمشق فَأخذ عَن ابْن كثير فِي الحَدِيث وَقَرَأَ عَلَيْهِ مُخْتَصره ومدحه ببيتين ثمَّ توجه إِلَى حلب فَأخذ عَن الاذرعي ثمَّ جمع الْخَادِم على طَرِيق الْمُهِمَّات فاستمد من التَّوَسُّط للاذرعي كثيرا لكنه شحنه بالفوائد الزَّوَائِد من الْمطلب وَغَيره.

وَجمع فِي الْأُصُول كتابا سَمَّاهُ الْبَحْر فِي ثَلَاثَة أسفار وَشرح عُلُوم الحَدِيث لِابْنِ الصّلاح وَجمع الْجَوَامِع للسبكي وَشرع فِي شرح البُخَارِيّ فَتَركه مسودة وقفت على بَعْضهَا ولخص مِنْهُ التَّنْقِيح فِي مُجَلد وَشرح الْأَرْبَعين للنووي وَولي مشيخة كريم الدّين.

وَكَانَ مُنْقَطِعًا فِي منزله لَا يتَرَدَّد إِلَى أحد إِلَّا إِلَى سوق الْكتب وَإِذا حَضَره لَا يَشْتَرِي شَيْئا وَإِنَّمَا يطالع فِي حَانُوت الكتبي طول نَهَاره وَمَعَهُ ظُهُور أوراق يعلق فِيهَا مَا يُعجبهُ ثمَّ يرجع فينقله إِلَى تصانيفه وَخرج أَحَادِيث الرَّافِعِيّ وَمَشى فِيهِ على جمع ابْن الملقن لكنه سلك طَرِيق الزَّيْلَعِيّ فِي سوق الْأَحَادِيث بأسانيد خرجها فطال الْكتاب بذلك وَمَات فِي ثَالِث رَجَب سنة ٧٩٤ بِالْقَاهِرَةِ “.

وذكره ابن العماد الحنبلي في كتابه شذرات الذهب وذلك في وفيات سنة 794 هـ فقال : ” وفيها بدر الدّين أبو عبد الله محمد بن بهادر بن عبد الله المصري الزّركشي الشافعي الإمام العلّامة المصنّف المحرّر ، ولد سنة خمس وأربعين وسبعمائة وأخذ عن الشيخين جمال الدّين الإسنوي وسراج الدّين البلقيني ورحل إلى حلب إلى الشيخ شهاب الدّين الأذرعي وسمع الحديث بدمشق وغيرها ، وكان فقيها أصوليا أديبا فاضلا في جميع ذلك ودرّس وأفتى وولي مشيخة خانقاه كريم الدّين بالقرافة الصّغرى.

قال البرماوي : كان منقطعا إلى الاشتغال لا يشتغل عنه بشيء وله أقارب يكفونه أمر دنياه ، ومن تصانيفه : تكملة شرح المنهاج للإسنوي، ثم أكمله لنفسه ، وخادم الشرح ، والروضة وهو كتاب كبير فيه فوائد جليلة ، والنكت على البخاري ، والبحر في الأصول في ثلاثة أجزاء جمع فيه جمعا كثيرا لم يسبق إليه ، وشرح جمع الجوامع للسبكي في مجلدين ، ولقطة العجلان وبلّة الظمآن وله غير ذلك ، وكان خطّه ضعيفا جدا قلّ من يحسن استخراجه ، توفي بمصر في رجب ودفن بالقرافة الصّغرى بالقرب من تربة بكتمر السّاقي “.

4 / طبقات الأولياء

في العصر المملوكي الثاني حظيت الطرق الصوفية بالانتشار الواسع في الديار المصرية وانتظم المريدون في سلك شيوخهم وأقطابهم الذين اشتهر أمرهم وذاع صيتهم ، وقد عني كثير من المؤرخين بالكتابة عن أعلام التصوف وأحوال الزهاد والعباد وأولهم الشيخ سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأَنْصَارِي الشافعيّ ابن النحويّ المعروف بلقب (ابن المُلَقِّن) وذلك في كتابه الشهير (طبقات الأولياء) والذي سار على نهجه بعد ذلك كل من المناوي والشعراني وغيرهم في طبقاتهم.

وقد بدأ المؤلف بالزاهد العابد إبراهيم بن أدهم في القرن الثاني الهجري وانتهى بالشيخ شهاب الدين القونوي من رجال القرن الثامن الهجري وبينهما ترجم لكل أعلام التصوف المعروفين وكبار الزهاد والعباد الذين عرفت قصصهم وكراماتهم وذكر جانبا منها وضمنها بعض الأشعار والأقوال المأثورة ، وبلغ الكتاب قرابة ستمائة صفحة تناول فيها مائتين وثلاثين شخصية باختصار وقد رتبهم ترتيبا زمنيا بحيث صار الكتاب مثل الفهرس لمن يريد البحث عن واحد منهم ومعرفة تاريخه.

ويقول في مقدمته : ” بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله على رفع الأعلام لمن شاء من الأعيان الأعلام وعلى بيان الطريق لأهل التحقيق ، وأشهد أن لا اله الا الله وحده لا شريك له شهادة نافعة على الدوام وأشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله مصباح الظلام صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه الكرام ، وبعد فهذه جملة من طبقات الأعلام الأعيان وأوتاد الأقطاب فى كل قطر وأوان جمعتهم لأهتدى بمآثرهم وأقتفى بآثارهم رجاء أن أنظم في سلكهم فالمرء مع من أحب وأحيا بذكرهم ويزول عني النصب ، وعلى الله وإليه التفويض والاستناد “.

ولد ابن الملقن في القاهرة عام 723 هـ / 1322 م وتوفي فيها عام 804 هـ / 1401 م حيث نزحت أسرته من وادي آش بالأندلس إلى بلاد التكرور في أفريقيا ومنها إلى مصر حيث كان والده علي التكروري نحويا فعرف بابن النحوي ، وقد توفى عنه والده وهو ابن عام فنشأ في كفالة الشيخ عيسى المغربى أحد أصدقاء والده وكان رجلًا صالحًا يقرئ الناس القرآن في جامع ابن طولون فتزوج بأمه وعاش سراج الدين في رعايته حتى صار كأنه ابنه فلذا كان يدعى بلقب (ابن الملقن) وكان سراج الدين يدعوه بالوالد.

تلقى العلم عن شيوخ عصره وبرع في علوم كثيرة واشتهر بتأليف الكتب حتى وصلت إلى ثلاثمائة كتاب ، قال عنه السيوطى : الإمام الفقيه الحافظ ذو التصانيف الكثيرة ، وقال عنه ابن حجر : وهؤلاء الثلاثة العراقى والبلقينى وابن الملقن كانوا أعجوبة هذا العصر الأول في معرفة الحديث وفنونه والثانى في التوسيع في معرفة مذهب الشافعى والثالث في كثرة التصانيف ، وقال عنه الحسينى في طبقات الشافعية : هو البحر الكامل كان من أفقه أهل زمانه وأفضل أقرانه.

وقال عنه الحافظ العلائى : الشيخ الفقيه الإمام العالم المحدث ، وقال عنه العلامة ابن فهد : الإمام العلامة الحافظ شيخ الإسلام وعلم الأئمة الأعلام عمدة المحدثين ، وقال الحافظ العراقى : الشيخ الإمام الحافظ ، قال عنه البرهان الحلبى الشهير بسبط ابن العجمى : حفاظ مصر أربعة أشخاص وهم البلقينى وهو أحفظهم لأحاديث الأحكام والعراقى وهو أعلمهم بالصنيعة والهيثمى وهو أحفظهم للأحاديث وابن الملقن وهو أكثرهم فوائد في الكتابة على الحديث ، وقال عنه : وشكالته حسنة وكذلك خلقه مع التواضع والإحسان وقال : كان منقطعًا عن الناس لا يركب إلا إلى درس أو نزهة.

ومن مؤلفاته الأخرى كتاب طبقات القراء وكتاب طبقات المحدثين وكتاب العقد المذهب في طبقات حملة المذهب وكتاب الأشباه والنظائر وكتاب الإعلام بفوائد الأحكام وكتاب البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبير وكتاب التذكرة في الفقه الشافعي وكتاب التذكرة في علوم الحديث وكتاب التوضيح لشرح الجامع الصحيح وكتاب المعين على تفهم الأربعين وكتاب المقنع في علوم الحديث وكتاب غاية السول في خصائص الرسول وكتاب مختصر تلخيص الذهبي لمستدرك الحاكم وكتاب تصحيح الحاوي.  

وله أيضا كتاب عجالة المحتاج إلى توجيه المنهاج وكتاب تحفة المحتاج إلى أدلة المنهاج (على ترتيب المنهاج للنووي) وكتاب تذكرة المحتاج إلى أحاديث المنهاج (تخريج منهاج الأصول للبيضاوي) وكتاب حدائق الأولياء ( ويضم مائة وأربعة وثلاثين مجلسًا في شتى فروع المعرفة من الفقه والتفسير والأحوال والمقامات ومكارم الأخلاق وغيرها) وكتاب إيضاح الارتياب في معرفة ما يشتبه ويتصحف من الأسماء والأنساب وكتاب خلاصة الفتاوى في تسهيل أسرار الحاوي وكتاب إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال (تراجم).

وجاء في مقدمة كتابه حدائق الأولياء : ” قال الشيخ الإمام العلامة وحيد دهره وفريد عصره شيخ الإسلام ومفتي الأنام سراج الدين عمر بن الملقن الشافعي : رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا ، أحمد اللَّه على ما أنعم وأشكره على ما ألهم وأشهد أن لا إله إلا اللَّه الملك الأعظم وأن محمدًا عبده ورسوله المبجل المكرم وبعد ، فهذا كتاب الحدائق يشتمل على نحو ألفي حديث ومن حكايات الصالحين نحو ستمائة خلا الآثار والأشعار والنوادر ، جعله اللَّه خالصًا لوجهه بمنه وكرمه موجبًا للفوز لديه ونفع به مؤلفه وكاتبه وقارئه ومن نظر فيه وجميع المسلمين آمين “.

وذكر الإمام السخاوى في كتابه الضوء اللامع أن السلطان الظاهر برقوق صمم على ولاية ابن الملقن منصب قضاء القضاة الشافعية فعلم بعض الناس بذلك فزور ورقة على لسان ابن الملقن بدفع أربعة آلاف دينار إلى أحد الأمراء حتى يتم الأمر ووصلت إلى برقوق فجمع العلماء وسأل الشيخ ابن الملقن هذا خطك ؟ فأنكر وصدق في إنكاره ، فغضب الملك وأهانه وسجنه ثم خلصه اللَّه تعالى بعد مدة يسيرة بشفاعة البلقينى وطائفة من العلماء وكانت هذه المحنة سنة ثمانين وسبعمائة.

ويقول الإمام السخاوى في كتابه الضوء اللامع أنه ولى قضاء الشرقية ثم تخلى عنه لولده على وتولى الميعاد بجامع الحاكم سنة ثلاث وستين وسبعمائة وتولى أمر دار الحديث الكاملية خلفا للزين العراقى ورشح لقضاء القضاة الشافعية فما تم ذلك ، وكان جمَّاعة للكتب فكان عنده الكثير من الكتب والأجزاء وابتلى في أواخر عمره باحتراق مكتبته واحترق معها الكثير من مسوداته ومصنفاته فحزن عليها ابن الملقق أشدَّ الحزن وتأسف عليها غاية التأسف وتغيرت حاله بعد هذا الحريق فأصيب بالذهول ولم يلبث إلَّا قليلا حتى مات.

ذكره ابن حجر العسقلاني في كتابه إنباء الغمر بأبناء العمر وذلك في وفيات سنة 804 هـ فقال : ” عمر بن علي بن أحمد بن محمد بن عبد الله الأنصاري الأندلسي ثم المصري سراج الدين ابن أبي الحسن المعروف بابن الملقن ولد سنة ثلاث وعشرين في رابع عشري ربيع الأول منها ، وكان الملقن واسمه عيسى زوج أمه فنسب إليه ومات أبوه أبو الحسن وهو صغير وكان عالما بالنحو وأصله من الأندلس رحل أبوه منها إلى التكرور وأقرأ أهليها القرآن فحصل له مال.

ثم قدم القاهرة فولد له هذا فمات وله سنة وأوصى به إلى الشيخ عيسى المغربي وكان يلقن القرآن في الجامع الطولوني فتزوج بأمه فعرف به ، وحفظ القرآن والعمدة وشغله في مذهب مالك ، ثم أشار عليه بعض أصحاب والده أن يقرئه المنهاج فحفظه وأنشأ له وصيه ربعا فكان يكتفي بأجرته ويوفر له بقية ماله وكان يقتني الكتب.

بلغني أنه حضر في الطاعون العام بيع كتب شخص من المحدثين فكان وصيه لا يبيع إلا بالنقد الحاضر ، قال : فتوجهت إلى منزلي فأخذت كيسا من الدراهم ودخلت الحلقة فصببته فصرت لا أزيد في الكتاب شيئا إلا قال : بع له ، فكان فيما اشتريت مسند الإمام أحمد بثلاثين درهما ، وكان ربما عرف بابن النحوي وربما كتب بخطه كذلك فلذلك اشتهر بها ببلاد اليمن.

عني في صغره بالتحصيل فسمع من ابن سيد الناس والقطب الحلبي وأكثر عن أصحاب النجيب وابن عبد الدائم وتخرج بزين الدين الرحبي ومغلطاي وكتب عنهما الكثير وتفقه بشيوخ عصره ومهر في الفنون ، واعتنى بالتصنيف قديما فشرح كثيرا من الكتب المشهورة كالمنهاج والتنبيه والحاوي على كل واحد منها عدة تصانيف وخرج أحاديث الرافعي وشرح البخاري ثم شرح زوائد مسلم عليه ثم زوائد أبي داود عليهما ثم زوائد الترمذي على الثلاثة ثم النسائي كذلك ثم ابن ماجه كذلك.

واشتهر بكثرة التصانيف حتى كان يقول إنها بلغت ثلاثمائة تصنيفا واشتهر اسمه وطار صيته ، وكانت كتابته أكثر من استحضاره فلهذا كثر القول فيه من علماء الشام ومصر حتى قرأت بخط ابن حجي كان ينسب إلى سرقة التصانيف فإنه ما كان يستحضر شيئا ولا يحقق علما ويؤلف المؤلفات الكثيرة على معنى النسخ من كتب الناس ، ولما قدم دمشق نوه بقدرة تاج الدين السبكي سنة سبعين وكتب له تقريظا على كتابه تخريج أحاديث الرافعي وألزم عماد الدين ابن كثير فكتب له أيضا.

وقد كان المتقدمون يعظمونه كالعلائي وأبي البقاء ونحوهما فلعله كان في أول أمره حاذقا ، وأما الذين قرؤا عليه ورأوه من سنة سبعين فما بعدها فقالوا : لم يكن بالماهر في الفتوى ولا التدريس وإنما كان يقرأ عليه مصنفاته غالبا فيقرر على ما فيها ، وجرت له محنة بسبب القضاء تقدمت في الحوادث وكان ينوب في الحكم فترك ، وكان موسعا عليه في الدنيا وكان مديد القامة حسن الصورة يحب المزاح والمداعبة مع ملازمة الاشتغال والكتابة وكان حسن المحاضرة جميل الأخلاق كثير الإنصاف شديد القيام مع أصحابه.

واشتهر بكثرة التصانيف حتى كان يقال إنها بلغت ثلاثمائة مجلدة ما بين كبير وصغير ، وعنده من الكتب ما لا يدخل تحت الحصر منها ما هو ملكه ومنها ما هو من أوقاف المدارس لا سيما الفاضلية ثم إنها احترقت مع أكثر مسوداته في أواخر عمره ففقد أكثرها وتغير حاله بعدها فحجبه ولده نور الدين إلى أن مات في سادس عشري ربيع الأول وقد جاوز الثمانين بسنة وكان حسن المحاضرة ويحب المداعبة مع جميل الأخلاق وكثرة الإنصاف وجمال الصورة والقيام مع أصحابه “.

5 / تثقيف التعريف

في النصف الأول من القرن الثامن الهجري كتب العلامة شهاب الدين أحمد بن فضل الله العمري كتابه الشهير (التعريف بالمصطلح الشريف) والذي يتناول بالتفصيل المكاتبات الرسمية في الدولة المملوكية وذلك من واقع عمله كاتبا للسر في عهد السلطان الناصر محمد بن قلاوون ، وفي النصف الثاني من نفس القرن يقوم كاتب آخر بتصنيف كتاب على منواله ليرصد فيها التغيرات الحادثة بين العهدين ويضيف إليه ما استجد من وثائق ومكاتبات وأطلق عليه اسم (تثقيف التعريف بالمصطلح الشريف).

وهذا الكاتب هو الشيخ تقي الدين عبد الرحمن بن محب الدين محمد التميمي الحلبي المعروف بلقب (ابن ناظر الجيش) نسبة إلى مهنة أبيه الشيخ محمد بن يوسف بن أحمد بن عبد الدائم التميمي النحوي اللغوي الذي تولى نظارة الجيش في السلطنة المصرية والمتوفي عام 778 هـ ، وقد ولد عبد الرحمن في عام 726 هـ / 1326 م ونشأ في كنف والده وتعلم منه وخلفه في منصبه حتى تعرض لحادث بشع أودى بحياته في عام 786 هـ 1384 م وذلك على يد السلطان برقوق بسبب تقلبات السياسة ووشاية الواشين.

ويشرح المؤلف في مقدمة كتابه سبب تأليفه له حيث كان دافعه الأول تعليم ولده أحمد أساسيات الكتابة الديوانية لمعاونته في عمله بديوان الدولة فيقول : ” بسم الله الرحمن الرحيم وبه الإعانة رب يسر يا كريم ، أما بعد حمدا لله على مزيد إنعامه ونواله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله فهذه ورقات وضعتها لولدي أحمد كاتب الدرج الشريف بالأبواب الشريفة أنشأه الله تعالى نشأة صالحة ووفقه وهداه لما يحبه من الأقوال والأفعال ويرضاه.

تشتمل على المكاتبات الصادرة عن المواقف الشريفة السلطانية خلد الله تعالى ملك مالكها إلى الخلفاء وولاة عهودهم وملوك الإسلام والكفر وغيرهم من العظماء والأكابر من الحكام بجميع الأقطار من سائر الطوائف وجميع النواب والولاة والعربان والتركمان والأكراد بالممالك الإسلامية المحروسة وعلى نسخ المطلقات والملطفات والبطائق وأوراق الطريق ونسخ الأيمان والأمانات والهدن ورسم ما يكتب في العهود والتقاليد والمراسيم والتواقيع والمناشير الشريفة وغير ذلك مما يلتحق به وينتظم في سلكه.

ورتبت ذلك على سبعة أقسام تشتمل على أبواب وفصول وسميته تثقيف التعريف بالمصطلح الشريف ومنه أسأل الإعانة والتوفيق في حسن التوقيف وألحقت بهذه الأقسام بابا مفردا في المكاتبات الإخوانية ما يجري مجراها وذلك على حكم ما كان في الأيام الشريفة الشهيدية الناصرية محمد بن قلاوون وما بعدها إلى آخر أيام الدولة الشريفة الناصرية الأشرفية وهو آخر سنة ثمان وسبعين وسبعمائة.

ونبهت في كل مكاتبة على ما استقر عليه الحال فيها إلى آخر الدولة الأشرفية المذكورة وهل هي مستمرة إلى الآن أم لا وما كان في الأيام الشهيدية واستمر أو تغير وما استجد بعد ذلك وقتا فوقتا مع أني استوعبت جميع الأسماء من الملوك والحكام والأكابر وغيرهم ممن كتب إليه عن المواقف الشريفة ومن هو في مظنة أن يكتب إليه سواء كان حيا والمكاتبة إليه مستمرة باقية أم لا ، ولكني أنبه في كل مكاتبة على من هو مستمر المكاتبة له أو لمن قام مقامه ومن بطلت مكاتبته بحكم وفاته أو غير ذلك وها أنا ذاكر أقسامه ناشر من رايات فوائد أعلامه وبه الاستعانة لا إله إلا هو سبحانه “.

وبعد ذلك يفصل المؤلف أقسام الكتاب على النحو التالي : القسم الأول في مكاتبات الخلفاء والملوك والحكام والأكابر بتلك البلاد من الشرق والغرب وغيرهما ، القسم الثاني في مكاتبات ولاة عهود السلطنة والنواب مصرا وشاما والولاة ومن يجري مجراهم من أرباب السيوف خاصة بالممالك الإسلامية المحروسة ويشتمل هذا القسم أيضا على نسخ المطلقات والملطفات والبطائق وأوراق الطريق ، القسم الثالث في مكاتبات العربان بالبلاد الشامية والديار المصرية والتركمان والأكراد وغيرهم بالممالك الإسلامية المحروسة.

القسم الرابع في مكاتبات من جرت العادة بالكتابة إليه من الوزراء المتعممين وقضاة القضاة ومشايخ الصوفية وغيرهم بالممالك الإسلامية ، القسم الخامس في رسم العهود والتقاليد والمراسيم والتواقيع والمناشير الشريفة ، القسم السادس في نسخ الإيمان والأمانات والهدن والدفن والمواصفات والمفاسخات ، القسم السابع في ذكر ألقاب جماعة من الأكابر ممن لم تجر له عادة بمكاتبة مما تدعو الضرورة إليه عند كتابة توقيع شريف أو منشور شريف له أو مثال شريف بسببه ، باب مفرد في المكاتبات الإخوانية.

وقد اعتمد القلقشندي في موسوعته صبح الأعشى في صناعة الإنشا على هذا الكتاب وبنى عليه ونوه به في مقدمته فقال : ” وكان الدّستور الموسوم بالتعريف بالمصطلح الشريف صنعة الفاضل الألمعيّ والمصقع اللوذعيّ ملك الكتابة وإمامها وسلطان البلاغة ومالك زمامها المقرّ الشهابيّ أحمد بن فضل الله العدويّ العمري سقى الله تعالى عهده العهاد وألبسه سوابغ الرحمة والرّضوان يوم المعاد هو أنفس الكتب المصنّفة في هذا الباب عقدا وأعدلها طريقا وأعذبها وردا.

قد أحاط من المحاسن بجوانبها وأعقمت الأفكار عن مثله ففاز من الصنعة بأحمد مذاهبها فكان حقيقا بقوله في خطبته : يا طالب الإنشاء خذ علمه عنّي فعلمي غير منكور .. ولا تقف في باب غيري فما تدخله إلا بدستوري ، إلا أنه قد أهمل من مقاصد المصطلح أمورا لا يسوغ تركها ولا ينجبر بالفدية لدى الفوات نسكها كالبطائق والملطفات والمطلقات المكبرة في جملة كثيرة من المكاتبات فلم يقع الغنى به عما سواه ولا الاكتفاء بالنظر فيه عما عداه.

ثم تلاه المقرّ التقوي ابن ناظر الجيش رحمه الله بوضع دستوره المسمّى بتثقيف التعريف مقتفيا أثره في الوضع وجاريا على سننه في التأليف مع إيراد ما أهمله في تعريفه وذكر ما فاته من مصطلح ما يكتب أو حدث بعد تأليفه فاشتهر ذكره وعز وجوده ووقع الضنّ به حتّى بخل بإعارته من عرف كرمه وجوده.

وكان مع ذلك قد ترك مما تضمنه التعريف مقاصد لا غنى بالكاتب عنها ولا بد للمتلبس بهذه الصناعة منها كالوصايا والأوصاف التي هي عمدة الكاتب ومراكز البريد وأبراج الحمام وغير ذلك من متممات الواجب وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب فصار كلّ من الدّستورين منفردا عن الآخر بقدر زائد ولم تقع الغنية بأحدهما عن الآخر وإن كانا في معنى واحد “.

وقد ذكره ابن تغري بردي في كتابه النجوم الزاهرة وذلك في وفيات سنة 786 هـ فقال : ” وتوفّى القاضى تقىّ الدين عبد الرحمن ابن القاضى محب الدين محمد بن يوسف ابن أحمد بن عبد الدائم التّميمىّ الحلبى الأصل المصرى الشافعى ناظر الجيوش المنصورة في ليلة الخميس سادس عشر جمادى الأولى ، وسبب موته أن الملك الظاهر برقوقا غضب عليه بسبب إقطاع زامل أمير العرب وضربه بالدواة ثم مدّه وضربه نحو ثلاثمائة عصاة فحمل إلى داره في محفّة ومات بعد ثلاثة أيام أو أكثر “.

وفصل ذلك في كتابه المنهل الصافي والمستوفي بعد الوافي فقال : ” تقي الدين ناظر الجيش عبد الرحمن بن محمد بن يوسف بن أحمد بن عبد الدائم القاضي تقي الدين ابن القاضي محب الدين التيمي الشافعي ناظر الجيوش المنصورة وابن ناظرها.

هو من بيت رئاسة وفضل باشر نظر الجيش بتجمل وحشمة إلى أن غضب عليه الملك الظاهر برقوق بسبب إقطاع زامل أمير آل فضل وضربه بالدواة ثم أمر به فضرب بين يديه نحو ثلاثمائة عصاة ، وكان ترفاً فحمل في محفة إلى داره بالقاهرة فلزم الفراش حتى مات في ليلة الخميس سادس عشر جمادى الأولى ، قاله المقريزي.

وقال قاضي القضاة بدر الدين محمود العيني رحمه الله : في يوم الاثنين ثالث عشر جمادى الأولى غضب السلطان علي القاضي تقي الدين عبد الرحمن بن محب الدين ناظر الجيش وضربه بالعصي تحت رجليه وعلى سائر بدنه تقدير مائة وخمسين عصاة فأقام في بيته يومين ومات يوم الأربعاء خامس عشر الشهر المذكور ، انتهى كلام العيني.

قلت : اختلفا في عدة الضرب واتفقا على الوقعة ، وبالجملة مات صاحب الترجمة قتيلاً رحمه الله تعالى وذلك في سنة ست وثمانين وسبعمائة ، وولي من بعده نظر الجيش موفق الدين أبو الفرج مضافاً على ما بيده من نظر الخاص واستيفاء الصحبة ، انتهى “.             

أما والده القاضي محب الدين التميمي المعروف بلقب ناظر الجيش فقد صنف أيضا عدة مؤلفات في النحو منها كتاب تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد وعمل فترة بالتدريس ، وقد ترجم له ابن حجر العسقلاني في كتابه الدرر الكامنة بأعيان المئة الثامنة فقال : ” محمد بن يوسف بن أحمد بن عبد الدائم الحلي الأصل المصري محب الدين ولد بالقاهرة سنة ٦٩٧ وسمع من الرشيد ابن المعلم والشريف موسى بن علي الموسوي والشريف الزينبى وابن هارون وست الوزراء وابن الشحنة وحسن الكردي وموسى بن عطوف في آخرين.

واشتغل وحصل فنونا من العلم وقرأ بالسبع على التقى الصائغ وتخرج بالبرهان الرشيدي وأخذ العربية عن ابن حيان والتلخيص عن الجلال مصنفه وأخذ عن التقى السبكي والقطب السنباطي والتاج التبريزي وشرح التسهيل شرحا حسنا وترقى إلى أن ولى نظر الجيش بالديار المصرية ففاق من قبله من الأكابر فضلا عن أقرانه في المروءة والعصبية لجميع الناس ممن يقصده خصوصا طلبة العلم فكان لهم في أيامه من المكارم والأفضال ما لا يعبر عنه ولا يحصى كثرة حتى أني لم أدرك أحدا من المشايخ إلا ويحكي عنه في هذا الباب ما لا يحكيه الآخر.

ولم يزل في عزه وجاهه ومهابته إلى أن مات ، وكان مع تفرط إحسانه ومكارمه بخيلا على الطعام جدا حتى حكى لي حموي كريم الدين بن عبد العزيز وكان ممن يلازمه أنه كان يسمعه يقول إذا رأيت شخصا أمعن في طعامي أظن أنه يضرب بطني بسكين ، وقد ذكره الذهبي في أصحاب التقى الصائغ بمصر سنة ٢٧ وعاش بعد ذلك أكثر من خمسين سنة وبلغني أنه أعاد القراءة على بعض أصحاب الصائغ لبعد عهده بالفن ولم يزل في عزه وجاهه إلى أن مات في ١٢ ذي الحجة سنة ٧٧٨ وكان تخلف عن الأشرف لما خرج للحج بسبب ضعفه فسلم من الفتنة لكنه استمر في ضعفه حتى مات “.

6 / أزجال الغباري

في العصر المملوكي الثاني ازدهر فن الزجل في مصر على حساب الشعر التقليدي وذلك بسبب نظم الزجالين لأشعارهم باللهجة العامية الدارجة لأهل القاهرة والتي نشأت عن اختلاط أبناء الجراكسة الأعاجم بأبناء العرب والمغاربة ، وساعد على ذلك اقتراب الحكام من هذه اللهجة لفهمهم لها بسهولة على العكس من اللغة العربية الفصحى التي كانت صعبة عليهم وتحتاج منهم جهدا في التعلم والدراسة ولذلك اهتموا بالزجالين وقربوهم وتغنوا مع العامة بأزجالهم التي تنوعت في أغراضها وعبرت عن حياتهم.

ورائد فن الزجل في ذلك العصر هو الشاعر أبو عبد الله خلف بن محمد الغباري وهو في الأصل شاعر فصيح لكنه برع في نظم الأزجال العامية وذلك في مختلف الأغراض الشعرية مثل الغزل والوصف والمدح والتهنئة والرثاء وأدخل على الزجل سمات الشعر الفصيح في التصوير والتعبير حتى عرف بلقب (قيم الزجل) ، وقد حظي أول الأمر برعاية السلطان الأشرف شعبان ثم اتصل بالسلطان برقوق عندما كان لا يزال في منصب الأتابك وظل معه طوال فترة حكمه حتى توفي في عهد ابنه الناصر فرج بن برقوق.

وتبلغ زجلياته أحياناً ثمانين بيتاً أو تزيد ، وقد نظم الغباري زجلية طويلة في الغزل قال في مطلعها على سبيل التورية : جار حبيبي فقلت دا الحجاج حايجور أو يزيد .. لو عدلت عشت بو مسرور ويكون الرشيد ، كنا لعبت أزجاله دورا كبيرا في تسجيل الحوادث التاريخية مثل تهنئة برقوق بالانتصار على عدوه الأمير بركة وانتصار المماليك على عربان البحيرة عند دمنهور حيث نظم فيها زجلية شهيرة تبلغ قرابة سبعين بيتا بدأها بقوله : باسم رب السما ابتدى .. فارج الهم والكرب .. ويفيد للذي حضر .. قصة الترك والعرب.

وتتميز زجليات الغباري أن (المذهب) وهو مطلع الزجلية ينظمه في موضوعها فليس تقديما ولا غرضا إضافيا ، ومثال ذلك لما قتل السلطان الأشرف رثاه الغباري رثاء حارا طويلا بقصيدة بليغة ومن أبياتها قوله في أحد أدوارها : ضم الأشرف قبر يا ليت شعري .. هو لقنديل نور ضياء جامع .. أو صدف فيه خالص الجوهر .. أو ذلك فيه غاب قمر طالع .. أو نقول غاب فيه أسد ضاري .. أو حفير جواه حسام قاطع .. أو كناس فيه أحسن الغزلان .. أو حمى فيه أفرس الفرسان .. أو جسد فيه روح من الأرواح .. أو سواد مقلة وفيه إنسان.

وله عدة زجليات جرت على ألسنة العامة حتى صارت مثل الأمثال ومنها قوله : من آمنك قد لا تخونه .. وكل من يعرف الأمانة .. محمول على الرأس والعين مكرم .. أعزه الصدق واليانة .. يرقى إلى أفخر المراتب .. وكل منسوب إلى الخيانة .. لا أرض طول الزمان تشيله .. ولا سما باجده تظله .. ولو يكون أكبر العشيرة .. يبقى أصغر الخلق يستقله.

ومنها أيضا قوله : ومن أساء لك كن أنت محسن .. واستعمل الصبر فهو أقنع .. وانظر لجذ النخيل في روضه .. بحمل ثمرة أزهر وأينع .. إذا رجمته بحجر نجود لك .. بالثمر حتى تأكل وتشبع .. قمنا ضربنا مثل وقلنا .. كان ليه بتحمل دا الذل كله .. تجود بتمرك لمن أساء لك .. قال كل منهمو يعمل بأصله.  

وقد نقل شمس الدين النواجي عددا كبيرا من أزجاله في كتابه عقود اللآل في الموشحات والأزجال ومنها قوله يصف مجالس الأنس واللذة في صورة تعبيرية بليغة : مروى فؤادي غير صفا مشروبي .. لون العقيق بيه طاف غزال الوادي .. طعم العذيب لو في الأباريق بارق .. صار من ضلال السكر نورو هادي .. وسايق الراح حين يسوق الكاسات .. يحدي لها في الحان بحال الحادي .. والعود لما نجر في ركن حجر العواد .. صار منحنا والحي لو بيه ملزم .. وزمزم الساقي لنا واطربنا .. يا سعد ما أحلا في المقام ما زمزم.

ونقل النواجي عنه أيضا قوله متحدثا عن نفسه ومتأملا تقلب الزمان عليه : ونا الغباري جار عليا دهري .. وبانقلابو رد قلبي مجروح .. نرفع لسلطان السلاطين قصة .. بالسر فيها شرح حالي مشروح .. عسى عليها بالرضا يكتب لي .. توقيع ومعطى بالشهادة مسموح .. لأن الأجل مثل الكتاب المنشور .. إذا فرغ يطوى وسروا يكتم .. ونا نريد نشر الكتاب حين يطوى .. بالمسك من نشر الشهادة يختم.

وقد تناوله الدكتور شوقي ضيف بالنقد واتحليل في كتابه تاريخ الأدب العربي فقال : ” الغبارى .. هو خلف بن محمد الغبارى عاش فى القرن الثامن الهجرى وكان فقيها وعالما وأديبا وشاعرا ينظم الشعر الفصيح ولكنه اشتهر بنظم الزجل.

ونرى السلاطين منذ الناصر بن قلاوون يقربونه منهم كما نراه ينظم أزجالا مختلفة فى أحداث مصر ولا يعرف تاريخ وفاته ويقال إن مئذنة المسجد بقلعة الجبل سقطت عليه فمات ودفن تحت أنقاضها ، وهو يعد أستاذ فن الزجل لزمنه فعنه تلقاه كثير من المصريين ويبدو أنه نظمه فى موضوعات كثيرة فى المديح والرثاء والأحداث السياسية.

ومن زجل له فى مديح السلطان شعبان (٧٦٤ – ٧٧٨ هـ‍) وكان محبوبا من رعيته : حبّ قلبى شعبان موفّق رشيد .. وجمالو أشرق ومالو حدود .. وأبوه الحسن وعمه الحسين .. وارث الملك من جدود لجدود .. زعق السعد بين يديك شاويش .. فرح القلب بعد ما كان حزين .. ونصب لك كرسى على المملكه .. وظهر لك نصره بفتحو المبين .. والعصايب من حولك اشتالت .. خفقت فى الركوب عليك البنود .. فاحكم احكم فى مصر يا سلطان .. فجميع الجنود لحسنك جنود.

والشاويش : رتبة عسكرية ، ويريد الغبارى أن السعد مثل بين يدى السلطان شعبان مؤتمرا بأمره ويقول إن العصابات أو جماعات الفرسان والرجالة اشتالت أى رفعت البنود والأعلام كناية عن أنه أصبح فى مصر صاحب الأمر والنهى والسلطان.

ونراه متصلا بابنه السلطان على (٧٧٨ – ٧٨٣ هـ‍) ناظما الأزجال فى الأحداث الكبرى لأيامه من ذلك زجل طويل نظمه فى وقعة العربان بالبحيرة القريبة من الإسكندرية وفى مطالعه يقول : جا الخبر يوم الأربعا .. بأنو فى ليلة الأحد .. جا دمنهور عرب خدوا .. سوقها وأخربوا البلد .. وابن سلام أميرهم .. هو الذى للجميع حشد .. فبرز أيتمش سريع .. بمماليك وجند نوب .. وعدد مالها عدد .. ويطلبوا لهم طلب .. حضروا ما التقوا أحد .. من جميع العرب حضر.

وله وراء ذلك أزجال كثيرة فى النصائح والوصايا والحكم ولعلها أروع مما أنشدناه إذ كانت تفصل من روحه ومن خبرته بالحياة وكأنما يريد بها إلى حسن التربية وإحكام السلوك والانتفاع بخبرة الآباء والأسلاف وتجاربهم فى الحياة من مثل قوله فى زجل طويل :

فى الناس رأينا للخير معادن .. والدرّ يوجد فى كنز مثله .. وان رمت جوهر فى الشخص مكنون .. فجوهر الشخص حسن فعله .. وان كان تريد صحة المعانى .. وشترح ما فى البيان محرّر .. خد فرع بإيدك من أصل حنظل .. وازرع جذوره فى أرض عنبر .. واسقيه بماء بان وورد ممزوج .. وعقد جلاّب وحلّ سكّر .. وحين تشوفه عقد ثماره .. وآن أوانه وحلّ فصله .. ذوقه تراه مرّ والسبب فيه .. ما يرجع الفرع إلا لأصله.

ولغة هذا الزجل تختلف عن لغة الزجلين السابقين فهى أكثر خفة وقربا من اللغة العامية المصرية وليس ذلك فحسب فهى تكتظ بالصور والاخيلة البديعة وكأننا بازاء شاعر بارع يحسن تأليف الصور وايرادها فى موضع البراهين الساطعة.

ومن طريف حكمه ووصاياه فى هذا الزجل نفسه قوله ناصحا صادقا : لا تحتقر أىّ ابن آدم .. فى طول حياتك ولا تذمّه .. كم حى خامل تقول عليه .. ما يعرف اسم البهيم من اسمه .. وان جيت صاحبته فى يوم بيان لك .. تظهر معارفه وينجلى علمه .. ويشبه الروض حين يبدو شوكه .. والورد مستور من تحت سلّه .. والبحر تلقى الرّمم تعوم به .. والدرّ غايص مخلوط برمله.

وهى وصية نفيسة أن لا يبادر الإنسان إلى الحكم حكما سريعا على شخص دون تبين حقيقته ومعرفة جوهره ، والسّلّ فى العامية : الشوك ، وبمثل هذا الزجل كان الغبارى إمام فنه فى زمنه غير مدافع “.

7 / محاورة بين أهل الحرف

(محاورة بين أهل الحرف) هو عنوان كتاب لطيف من إبداعات الشاعر والأديب فخر الدين ابن مكانس المصري تخيل فيه حوارا نثريا وشعريا بين أربعة وخمسين شخصا من أهل المهن المختلفة يتحدث كل منهم بعبارات نابعة من طبيعة المهنة التي يعمل فيها ، ويحمل الكتاب قيمة أدبية حيث يمكن اعتباره من المحاولات الأولى للكتابة القصصية كما يحمل قيمة تاريخية حيث يرسم لنا أحوال الصناع والعمال في العصر المملوكي كما أنه يعطينا فكرة جيدة عن أسلوب الكتابة في ذلك العصر خاصة وقد حفل بالكثير من الألفاظ العامية الدارجة.

والمؤلف هو الكاتب والوزير فخر الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن عبد الرزاق بن إبراهيم القبطي المصري الحنفي المذهب المعروف بلقب (ابن مكانس) والذي ولد في مصر عام 745 هـ / 1345 م وتوفي فيها عام 794 هـ / 1392 م ، وينحدر من عائلة مسلمة ذات أصول قبطية حيث كان والده من كتاب الدواوين فعمل معه في ديوان يعرف باسم (قلم الديونة) وهو الديوان المختص بمحاسبة أرباب الحرف وأصحاب الصنائع وكان يوكل وقتها إلى المسلمانيين (الداخلين في الإسلام من القبط وغيرهم).

وقد تدرج ابن مكانس في المناصب بالقاهرة وكان أخوه كريم الدين وزيرا بالديار المصرية كما كان أخوه زين الدين من كبار موظفي الدولة المملوكية وكان إذا قبض على أحدهم يتم القبض على الآخرين معه ومصادرة أموالهم جميعا ، وقد تولى ابن مكانس النظر في ديوان الدولة مدة أربعة عشر عاما من سنة 780 هـ وحتى سنة 794 هـ حيث أقام بدمشق مدة ثم صحب السلطان برقوق إلى حلب والتقى أدباء الشام في المدينتين ثم طلب ليتولى الوزارة بالديار المصرية لكنه مات في الطريق مسموما فحمل إلى بيته ثم دفن بمصر.

ويرجع الفضل في ترتيب أعماله لولده الشاعر مجد الدين فضل الله ابن مكانس المتوفي عام 822 هـ والذي جمعها في مجلد واحد ضم هذا الكتاب ومعه أيضا كل من : ديوانه الشعري وأرجوزة عمدة الحرفاء وقدوة الظرفاء (قرابة مائة وستين بيتا في أدب الحكمة والنديم) وأرجوزة اللطائم والأشناف (قرابة خمسمائة وسبعين بيتا) ومجموعة الكتابات النثرية والرسائل الإخوانية التي تبادلها مع أدباء عصره ، وفي هذا يقول ولده : ” فوجدت أيدي الضياع قد غالت غالب تلك القراطيس وأذهبت أكثر جوهرها النفيس فتكلفت لاسترجاع بعض درها وجهدت ولم أحصل مقدار عشرها “.

ويقول ابن مكانس في مقدمة كتابه : ” بسم الله الرحمن الرحيم ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ، قال الفقير إلى الله تعالى الأديب الملسان المعروف بحب رمان كان لي صديقا مغرما بصحبة اللطفا وجمع الظرفا يألف أرباب الفنون من ذي الجد والمجون فأنشأت ذات يوم صحبة جمع فيها صحبه واستدعاني فحضرت غير أني رأيت كثرتهم فانحصرت فضبطتهم بالنظر فإذا هم أربعة وخمسون نفر فشرط كل منهم أن لا يكلم رفيقه إلا بعبارة تناسب حرفته وكلما فرغ من نثره أتبعه ببيتين من شعره “.

ومن أمثلة ذلك ما جاء في ثنايا الكتاب على لسان واحد من أصحاب المهن وهو الطبيب حيث يقول : ” فقال الطبيب : كل من هو بنيته والله الشافي برحمته أرى مرضكم عجيب ومزاجكم متغير ولا بيأتيني منكم هنا ولا ضعيف إلا أنا أخاف عليكم من الهوى وما بالتقى لعلتكم دوا ، ولي أعالج فيكم سنين وأيام ولا بتيجوا يوم لقدام ما ألتقي منكم إلا الجفا والمخالفة وألاطفكم ما أجد منكم ملاطفة أشخاصكم عندنا مصورة وأخباركم علينا مزورة كل ساعة تجوني بعلة وأجسكم ما بالتقي فيكم عرق يعشق ستر الله واسقينا يا ساقي من هذا الدوا ولا تخلينا نروح إلا سوى ، وأنشد : أعالجكم في كل وقت وساعة .. وأضحت دموعي تخبر الناس ما جرى .. ولاطفتكم ما عشت جهدي وطاقتي .. وأنتم تولوا كل يوم إلى الورا “.

وقد نقل القلقشندي في كتابه صبح الأعشى جانبا من رسائله النثرية ومنها رسالة كتبها في عام 784 هـ إلى بدر الدين البشتكي يصف له زيادة النيل في مصر حيث قال : ” ربّنا اجعلنا فى هذا الطوفان من الآمنين وسلام على نوح فى العالمين ما تأخير مولانا بحر العلم وشيخه عن رؤية هذا الماء فإنه قارب النيل أن يمتزج بنهر المجرّة بل وصل وامتزج ، وأرانا من عجائبه ما حقق أنه المعنىّ بقول القائل : حدّث عن البحر ولا حرج ، وسقى الناس من ماء حياته المعهودة كما شربوا من الموت أصعب كاس وسئل ابن أبى الرّدّاد عن قياس الزيادة فقال : زاد بلا قياس امتلأ اليباب وهال العباب كال فطفّف وزار فما خفّف … إلخ “.

وفي كتابه تاريخ الأدب العربي يروي الدكتور شوقي ضيف قصة إحدى رسائله المسجوعة فيقول : ” ووشى شخص قيروانى ضرير إلى أبى بكر بن العجمى أحد الكتاب النابهين فى ديوان الإنشاء بأن صديقه ابن مكانس يقول عنه إنه يستعين بكلام غيره فتأذى ابن العجمى من ذلك  وتأذى ابن مكانس من كذب الناقل فكتب إليه من رسالة : ” ليس على الأعمى حرج ، بلغنى ما بلغ سيدنا ومولانا الإمام العالم العلامة الأديب الشاعر الناظم الناثر المحقق الأمة الكاتب الحجة زين الدنيا والدين قرة عين الكرام الكاتبين لا زال زينة يحلى به العاطل ويظلّ تحت جناح أدبه القائل ، من غيبة ذلك الضرير ما لا خشى الله فيه بظهر الغيب ونقل إلى المسامع الكريمة ما لا يحتاج للاعتذار عنه لما فيه من الرّيب ولكن لا غناء لسيف ذهن المملوك الكليل من التنصل ولا بد من نهلة اعتذار على سبيل التعلل … إلخ “.

وقد ذكره ابن حجر العسقلاني في كتابه الدرر الكامنة بأعيان المئة الثامنة فقال : ” عبد الرحمن بن عبد الرزاق بن إبراهيم بن مكانس القبطى المصرى فخر الدين ولد فى سلخ ذى الحجة سنة ٤٥ وكان أبوه من الكتاب فى الدواوين فنشأ فى ذلك وكان ذكيا فتولع بالأدب فأخذ عن القيراطى وغيره وصحب الشيخ بدر الدين البشتكى ونظم الطريقة النباتية فأجاد مع قصور بين فى العربية لكنه كان قوى الذهن حسن الذوق حاد النادرة يتوقد ذكاء وولى نظر الدولة وغيرها من المناصب بالقاهرة.

وصودر مرة مع الصاحب كريم الدين أخيه ثم ولى وزارة الشام فأقام بها مدة ودخل إلى حلب صحبة الظاهر برقوق وطارح فضلاء الشام فى البلدين ثم طلب من دمشق ليلى الوزارة بالديار المصرية فيقال إنه اغتيل بالسم وهو راجع فوصل إلى بيته ميتا وذلك فى ثانى عشر ذى الحجة سنة ٧٩٤ ولم يكمل خمسين سنة اجتمعت به غير مرة وسمعت منه شيئا من الشعر وهو القائل :  علقتها معشوقة خالها .. قد عمها بالحسن بل خصصا .. يا وصلى الغالى ويا جسمها .. له ما أغلى وما أرخصا “.

وذكره ابن تغري بردي في كتابه النجوم الزاهرة وذلك في وفيات سنة 794 هـ فقال : ” وتوفى الأديب الوزير فخر الدين أبو الفرج عبد الرحمن وقيل عبد الوهاب ابن عبد الرزاق بن إبراهيم القبطى الحنفى الشهير بابن مكانس وزير دمشق وناظر الدولة بالديار المصرية والشاعر المشهور بالقاهرة فى خامس ذى الحجة.

وكان أديبا فاضلا شاعرا فصيحا بليغا لا يعرف فى أبناء جنسه الأقباط من يقاربه ولا يدانيه وهو أحد فحول الشعراء بالديار المصرية فى عصره وشعره فى غاية الحسن والرّقة والانسجام ، وديوان شعره مشهور كثير الوقوع بأيدى الناس وقد استوعبنا من شعره أشياء كثيرة فى كتابنا (المنهل الصافى) ، إذ هو كتاب تراجم نذكر هنا بعضها.

ومن شعره وقد صادره الملك الظاهر برقوق فقال (الرمل) : ربّ خذ بالعدل قوما .. أهل ظلم متوالي .. كلّفونى بيع خيلى .. برخيص وبغالي ، ولما علّقه الملك الظاهر برقوق فى مصادرته منكسا على رأسه قال (البسيط) : وما تعلقت بالسّرياق منتكسا .. لجرمة أوجبت تعذيب ناسوتى .. لكننى مذ نفثت السّحر من أدبى .. علّقت تعليق هاروت وماروت.

وله ـ عفا الله عنه ـ (الكامل) : زارت معطرة الشذا ملفوفة .. كى تختفى فأبى شذا العطر .. يا معشر الأدباء هذا وقتكم .. فتناظموا فى اللّفّ والنّشر ، وله ـ سامحه الله تعالى ـ (الوافر) : يقول معذّبى إذ همت وجدا .. بخدّ خلت فيه الشّعر نملا .. أتعرف خدّه للعشق أهلا .. فقلت لهم نعم أهلا وسهلا “.

أما ولده وكاتب أعماله فضل الله ابن مكانس فقد ترجم له السخاوي في كتابه الضوء اللامع لأهل القرن التاسع فقال : ” فضل الله بن عبد الرَّحْمَن بن عبد الرَّزَّاق بن إِبْرَاهِيم بن مكانس الْمجد بن الْفَخر الْمصْرِيّ القبطي الْحَنَفِيّ وَيعرف بِابْن مكانس ، ولد فِي شعْبَان سنة تسع وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة وَنَشَأ فِي عز ونعمة فِي كنف أَبِيه فَتخرج وتأدب وَمهر ونظم الشّعْر وَهُوَ صَغِير جدا فَإِن أَبَاهُ كَانَ يصحب الْبَدْر البشتكي فانتدبه لتأديبه فخرجه فِي أسْرع مُدَّة ونظم الشّعْر الْفَائِق وباشر فِي حَيَاة أَبِيه توقيع الدست بِدِمَشْق وَكَانَ أَبوهُ وزيرا بِهِ.

ثمَّ قدم الْقَاهِرَة فَلَمَّا مَاتَ أَبوهُ ساءت حَاله ثمَّ خدم فِي ديوَان الْإِنْشَاء وتنقلت رتبته فِيهِ إِلَى أَن جَاءَت الدولة المؤيدية فامتدحه بقصائد فَأحْسن القَاضِي نَاصِر الدّين بن الْبَارِزِيّ لاعتنائه بِهِ وإحسانه إِلَيْهِ السفارة لَهُ عِنْده بِحَيْثُ أثابه ثَوابًا حسنا ، ذكره شَيخنَا فِي أنبائه قَالَ : وَكَانَت بَيْننَا مَوَدَّة أكيدة اتَّصَلت نَحوا من ثَلَاثِينَ سنة وبيننا مطارحات وألغاز وَسمعت من لَفظه أَكثر منظومه ومنثوره وشعره فِي الذرْوَة الْعليا وَكَذَلِكَ نثره لَكِن نظمه أحسن مَعَ أَنه قَلِيل البضاعة من الْعَرَبيَّة وَلذَا رُبمَا وَقع لَهُ اللّحن الظَّاهِر وَأما الْخَفي فكثير جدا وَقد جمع ديوَان أَبِيه ورتبه.

وَقَالَ فِي مُعْجَمه : الْفَاضِل ابْن الْفَاضِل تعانى الأدبيات فمهر فِي النّظم والنثر وباشر فِي الدَّوَاوِين السُّلْطَانِيَّة ، وَكَانَ غَالب عمره فِي إملاق وبيننا صُحْبَة ومودة ومطارحات كَثِيرَة مدونة ودامت مودتنا ثَلَاثِينَ سنة إِلَى أَن فجئه الْحمام فَمَاتَ بالطاعون فِي يَوْم الْأَحَد خَامِس عشري ربيع الآخر سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين رَحمَه الله ، وَقَالَ غَيره أَنه تفقه وَقَرَأَ النَّحْو واللغة وبرع فِي الْأَدَب ولأبيه فِيهِ : أرى وَلَدي قد زَاده الله بهجة .. وكمله فِي الْخلق والخلق مذ نشا .. سأشكر رَبِّي حَيْثُ أُوتيت مثله .. وَذَلِكَ فضل الله يؤتيه من يشا.

وَمن نظم الْمجد يهنئ وَالِده بعوده من السّفر : هنئت يَا أبتي بعودك سالما .. وَبقيت مَا طرد الظلام نَهَار .. ملئت بطُون الْكتب فِيك مدائحا .. حَقًا لقد عظمت بك الْأَسْفَار ، وَمن زهدياته : جزى الله شيبي كل خير فَإِنَّهُ .. دَعَاني لما يرضى الْإِلَه وحرضا .. فأقلعت عَن ذَنبي وأخلصت تَائِبًا .. وَأَمْسَكت لما لَاحَ فِي الْخَيط أبيضا .. وَمِنْه : قَالُوا وَقد عشقت قاماتهم والأعينا .. إِن رمت تلقانا فلج بَين السيوف والقنا.

وَقَوله : بِحَق الله دع ظلم الْمَعْنى .. ومتعه كَمَا يهوى بأنسك ..  وكف الصَّدْر يَا مولَايَ عَمَّن .. بيومك رحت تهجره وَأمْسك ، وَقَوله : تساومنا شذا أزهار روض .. تحير ناظري فِيهِ وفكري .. فَقلت نبيعك الْأَرْوَاح حَقًا .. بعرف طيب مِنْهُ وَنشر ، وَقَوله لما صودر : رب خُذ بِالْعَدْلِ قوماأهل ظلم متوال .. كلفوني بيع خيلي برخيص وبغالي ، وشعره كثير سَائِر وَهُوَ فِي عُقُود المقريزي وبيض لشعره “.

8 / الوفيات  

(الوفيات) هو عنوان الكتاب الذي صنفه الإمام أبو الفضل زين الدين عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن العراقي الذي ولد في منشأة المهراني بمصر (منطقة قصر العيني الحالية) عام 725 هـ / 1324 م وتوفي في القاهرة عام 806 هـ / 1403 م ، ولقب المؤلف بلقب العراقي بسبب جذور عائلته الكردية التي كانت تسكن بجوار مدينة أربيل وحضر والده وهو شاب إلى مصر فسكن بها ودخل في خدمة الشيخ تقي الدين القنائي شيخ خانقاه رسلان وهو الذي سماه على اسم جده الأكبر الشيخ عبد الرحيم القنائي إمام الصعيد تيمنا به.

وهو كتاب متخصص في تناول السير الذاتية والتراجم لأكثر من ثمانمائة شخصية عاشت في الفترة من عام 691 هـ وحتى عام 764 هـ وضم فيها العلماء والأعيان والفقهاء والمحدثين ومنهم مائة من النساء الفضليات من أهل الصلاح والتقوى وممن عملن برواية الحديث الشريف ، ومنهجه في الكتابة هو يبدأ بذكر اسم المترجم له كاملًا يتبعه بتاريخ مولده إن وجد ثم بشيوخه وما سمعه عليهم ثم بتلامذته وما سمعوه منه ثم بتاريخ وفاته وقد يورد في بعض الأحيان ما تقلَّده المُترجَم له من وظائف إدارية أو علميَّة.

وقد بدأ العراقي تصنيف كتابه أولا ليكون تكملة لكتاب العبر لشيخه الحافظ شمس الدين الذهبي محدث الديار الشامية وذلك على عادة كتاب التراجم في زمنهم من إكمال بعضهم كتابات بعض وأطلق عليه اسم (ذيل العبر) والذي بلغ مائتي صفحة مرتبة على السنوات ثم توسع فيه حتى صار كتابا مستقلا يتجاوز أربعمائة صفحة وأطلق عليه اسم الوفيات ورتبه أبجديا ، أما كتابه الأول ذيل العبر فقد أكمله من بعده ولده الحافظ المحدث أبو زرعة أحمد بن عبد الرحيم المتوفي عام 826 هـ وأطلق عليه اسم (الذيل على الذيل). 

ولذلك يقول المؤلف في مقدمة كتابه (ذيل العبر) : ” الحمد لله الذي أوجد وأفنى وأفقر وأغنى وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له فله الأسماء الحسنى وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الذي فتح أعينًا عميًا وآذانًا صُمًّا وألسنة لكنًا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم صلاة لا تنفد، وسلامًا لا يفنى ، وبعد فإني أذكر في هذه الأوراق ذيلًا على العبر للحافظ أبي عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي يلي ذيله الذي ذيَّله عليها فإنه انتهى في (العبر) إلى سنة سبع مئة.

وقد كنت قبل هذا بزمن طويل ذيَّلت من هنا ثم رأيته ذيَّل عليها إلى سنة أربعين وسبع مئة وقع لي بخطِّه وفي عقبه ذيل لصاحبنا الحافظ أبي المحاسن محمد بن علي بن محمد بن حمزة الحسيني ، وكان في ملكي فقدته من سنين فلم أظفر به إلى الآن وهو بخط مذيِّله وما أظنه نقل منه شيئًا فإني ابتعته من تركته ، فرأيت أن أقتصر على ما ذيَّله الذهبي من سنة إحدى وأربعين وسبع مئة إلى زماننا مستمدًّا من الله حسن المعونة إنه حسبنا ونعم الوكيل “.

وقد ساعده على تصنيف الكتاب اشتغاله الأساسي بعلوم الحديث الشريف والتي تعنى بالتثبت من عدالة الرواة والجرح والتعديل حيث عمل بتدريس الحديث في كل من دار الحديث الكاملية والمدرسة الفاضلية والمدرسة القراسنقرية والمدرسة الظاهرية القديمة وجامع ابن طولون كما تولى القضاء في المدينة المنورة لمدة ثلاث سنوات.

ومن مؤلفاته الأخرى ألفية السيرة النبوية (نظم الدرر السنية الزكية) وهي منظومة شعرية بدأها بقوله : يقولُ رَاجي مَن إليهِ المَهرَبُ .. عبدُ الرحيمِ بنُ الحسينِ المُذنبُ .. أحمدُ ربّي بأتمّ الحَمدِ .. وللصّلاة والسّلام أُهدِي .. إلى نبيّهِ وأَرجو الله .. في نُجْحِ ما سئلتُهُ شِفَاها .. مِنْ نظمِ سيرةِ النَبيّ الأمْجَدِ .. ألفيةً حاويةً للمَقصِدِ.

وصنف أيضا ألفية التبصرة والتذكرة في علوم الحديث وبدأها بقوله : يَقُوْلُ رَاجِي رَبّهِ المُقْتَدِرِ .. عَبْدُ الرَّحيمِ بنُ الحُسيْنِ الأَثَريْ .. مِنْ بَعْدِ حَمْدِ اللهِ ذي الآلاءِ .. على امْتِنَانٍ جَلَّ عَنْ إحْصَاءِ .. ثُمَّ صَلاَةٍ وسَلامٍ دَائِمِ .. على نَبِيِّ الخَيْرِ ذِي المَرَاحِمِ .. فَهَذِهِ المَقَاصِدُ المُهِمَّهْ .. تُوْضِحُ مِنْ عِلْمِ الحدِيْثِ رَسْمَهْ .. نَظَمْتُهَا تَبْصِرَةً لِلمُبتَدِيْ .. تَذْكِرَةً لِلْمُنْتَهِي والْمُسْنِدِ.

ومن مؤلفاته كل من : كتاب التقييد والإيضاح شرخ مقدمة ابن الصلاح وكتاب المستخرج على المستدرك للحاكم (أمالي العراقي) وتخريج أحاديث الإحياء (المغني عن حمل الأسفار) وكتاب تقريب الأسانيد وترتيب المسانيد وكتاب ذيل ميزان الاعتدال (في تراجم رواة الحديث) وكتاب شرح التبصرة والتذكرة وكتاب طرح التثريب في شرح التقريب وغيرها.   

ذكره تلميذه ابن حجر العسقلاني في كتابه إنباء الغمر بأبناء العمر وذلك في وفيات سنة 806 هـ فقال : ” عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن إبراهيم المهرانيّ المولد العراقي الأصل الكرديّ الشيخ زين الدين العراقي حافظ العصر ، ولد في جمادى الأولى سنة خمس وعشرين وحفظ التنبيه في الفقه واشتغل بالفقه والقرآآت ولازم المشايخ في الرواية وسمع في غضون ذلك من عبد الرحيم بن شاهد الجيش وابن عبد الهادي وعلاء الدين التركماني وقرأ بنفسه على الشيخ شهاب الدين ابن البابا.

وتشاغل بالتخريج ثم تنبه للطلب بعد أن فاته السماع من مثل يحيى بن المصري آخر من روى حديث السلفي عالياً بالإجازة ومن الكثير من أصحاب ابن عبد الدائم والنجيب وابن علاق ولكنه أدرك أبا الفتح الميدومي فأكثر عنه وهو من أعلى مشايخه إسناداً وسمع أيضاً من ابن الملوك وابن القطرواني ثم رحل إلى دمشق فسمع من ابن الخبّازومن أبي العباس المرداوي ونحوهما وعني بهذا الشأن ورحل فيه مرّاتٍ إلى دمشق وحلب والحجاز ، وأراد الدخول إلى العراق ففترت همّته من خوف الطريق ورحل إلى الإسكندرية ثم عزم على التوجّه إلى تونس فلم يتم له ذلك.

وصنّف تخريج أحاديث الإحياء وأكمل مسودته الكبرى قديماً ثم بيّضه في نحو نصفه ولم يكمل تبييضه ثم اختصره في مجلد واحد ولم يبيِّضه وكتبت منه النسخ الكثيرة ، وشرع في إكمال شرح الترمذيّ لابن سيد الناس ونظم علوم الحديث لابن الصلاح ألفيّة وشرحها وعمل عليه نكتاً وصنّف أشياء أخر كباراً وصغاراً ، وصار المنظور إليه في هذا الفن من زمن الشيخ جمال الدين الأسناي وهلمّ جرّا.

ولم نر في هذا الفن أتقن منه وعليه تخرّج غالب أهل عصره ومن أخصهم به صهره شيخنا نور الدين الهيثمي وهو الذي درّبه وعلًمه كيفية التخريج والتصنيف وهو الذي يعمل له خطب كتبه ويسميها له ، وصار الهيثمي لشدّة ممارسته أكثر استحضاراً للمتون من شيخه حتى يظن من لا خبرة له أنه أحفظ منه وليس كذلك لأن الحفظ المعرفة.

وولي شيخنا قضاء المدينة سنة ثمان وثمانين فأقام بها نحو ثلاث سنين ثم سكن القاهرة وأنجب ولده قاضي القضاة ولي الدين ، لازمت شيخنا عشر سنين تخلّل في أثنائها رحلاتي إلى الشام وغيرها قرأت عليه كثيراً من المسانيد والأجزاء وبحثت عليه شرحه على منظومته وغير ذلك وشهد لي بالحفظ في كثير من المواطن وكتب لي خطه بذلك مراراً وسئل عند موته عمّن بقي بعده من الحفّاظ فبدأ بي وثنّى بولده وثلّث بالشيخ نور الدين.

وكان سبب ذلك ما أشرت إليه من أكثريّة الممارسة لأن ولده تشاغل بفنون غير الحديث والشيخ نور الدين كان يدري منه فنّاً واحداً ، وكان السائل للشيخ عن ذلك القاضي كمال الدين ابن العديم ثم سأله الشيخ نور الدين الرشيدي على ما أخبرني بذلك بعد ذلك فقال : في فلان كفاية ، وذكر أنه عناني وصرّح بذلك ، مات الشيخ عقب خروجه من الحمّام في ثامن شعبان وله إحدى وثمانون سنة وربع سنة نظير عمر شيخنا شيخ الإسلام سراج الدين.

وفي ذلك أقول في المرثيّة : لا ينقضي عجبي من وفق عمرهما .. العام كالعام حتى الشهر كالشهر ..عاشا ثمانين عاماً بعده سنة .. وربع عام سوى نقص لمعتبر ، والإشارة بذلك إلى أنهما لم يكملا الربع بل ينقص أيّاماً ، وقد ألممت برثائه في الرائية التي رثيت بها شيخ الإسلام البلقيني وخصصته بمرثية قافيّة وهي : مصاب لم ينفس للخناق .. أصار الدّمع جاراً للمآقي .. فروض العلم بعد الزهو ذاوٍ .. وروح الفضل قد بلغ التراقي .. وبحر الدّمع يجري في اندفاق .. وبدر الصبر يسري في المحاق .. وللأحزان بالقلب اجتماع .. ينادي الصبر حي على الفراق “.

وذكره السيوطي في كتابه طبقات الحفاظ فقال : ” الْعِرَاقِيّ .. الْحَافِظ الإِمَام الْكَبِير الشهير أَبُو الْفضل زين الدّين عبد الرَّحِيم بن الْحُسَيْن ابْن عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر بن إِبْرَاهِيم الْعِرَاقِيّ حَافظ الْعَصْر ، ولد فِي جُمَادَى الأولى سنة خمس وَعشْرين وَسَبْعمائة بمنشأة المهراني بَين مصر والقاهرة وَكَانَ أصل أَبِيه من بَلْدَة يُقَال لَهَا رازيان من عمل أربل وَقدم الْقَاهِرَة وَهُوَ صَغِير فَنَشَأَ فِي خدمَة الصَّالِحين وَمن جُمْلَتهمْ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين القنائي وَيُقَال إِنَّه بشره بالشيخ وَقَالَ سمه عبد الرَّحِيم يَعْنِي باسم جده الْأَعْلَى الشَّيْخ عبد الرَّحِيم القنائي أحد المعتقدين بصعيد مصر فَكَانَ كَذَلِك.

وَأول مَا أسمع الحَدِيث على سنجر الجاولي والتقي الإخنائي ثمَّ أسْمَع على ابْن شَاهد الْجَيْش وَابْن عبد الْهَادِي والتقي السُّبْكِيّ واشتغل بالعلوم وَأحب الحَدِيث فَأكْثر من السماع وَتقدم فِي فن الحَدِيث بِحَيْثُ كَانَ شُيُوخ عصره يبالغون فِي الثَّنَاء عَلَيْهِ بالمعرفة كالسبكي والعلائي والعز بن جمَاعَة والعماد بن كثير وَغَيرهم وَنقل عَنهُ الشَّيْخ جمال الدّين الْإِسْنَوِيّ فِي الْمُهِمَّات وَوَصفه بحافظ الْعَصْر وَكَذَلِكَ وَصفه فِي الطَّبَقَات فِي تَرْجَمَة ابْن سيد النَّاس فَقَالَ وَشرح يَعْنِي ابْن سيد النَّاس قِطْعَة من التِّرْمِذِيّ نَحْو مجلدين وَشرع فِي إكماله حَافظ الْوَقْت زين الدّين الْعِرَاقِيّ إكمالا مناسبا لأصله ، انْتهى.

وَله من المؤلفات فِي الْفَنّ الألفية الَّتِي اشتهرت فِي الْآفَاق وَشَرحهَا ونكت ابْن الصّلاح والمراسيل ونظم الاقتراح وَتَخْرِيج أَحَادِيث الْإِحْيَاء فِي خمس مجلدات ومختصره سَمَّاهُ الْمُغنِي فِي مجلدة وبيض من تَكْمِلَة شرح التِّرْمِذِيّ كثيرا وَكَانَ أكمله فِي مسودة أو كاد ونظم منهاج الْبَيْضَاوِيّ فِي الْأُصُول ونظم غَرِيب الْقُرْآن ونظم السِّيرَة النَّبَوِيَّة فِي ألف بَيت وَولي قَضَاء الْمَدِينَة الشَّرِيفَة.

قَالَ الْحَافِظ ابْن حجر وَشرع فِي إملاء الحَدِيث من سنة سِتّ وَتِسْعين فأحيا الله بِهِ سنة الْإِمْلَاء بعد أن كَانَت دَائِرَة فأملى أَكثر من أَرْبَعمِائَة مجْلِس قَالَ الْحَافِظ وَكَانَت أَمَالِيهِ يُمْلِيهَا من حفظه متقنة مهذبة محررة كَثِيرَة الْفَوَائِد الحديثية ، قَالَ وَكَانَ الشَّيْخ منور الشيبة جميل الصُّورَة كثير الْوَقار نزر الْكَلَام طارحا للتكلف لطيف المزاح سليم الصَّدْر كثير الْحيَاء قل أَن يواجه أحدا بِمَا يكرههُ وَلَو أَذَاهُ متواضعاً حسن النادرة والفكاهة وَكَانَ لَا يتْرك قيام اللَّيْل بل صَار لَهُ كالمألوف وَكَانَ كثير التِّلَاوَة إِذا ركب وَكَانَ عيشه ضيقا.

قَالَ رَفِيقه الشَّيْخ نور الدّين الهيثمي رَأَيْت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي النّوم وَعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام عَن يَمِينه وَالشَّيْخ زين الدّين الْعِرَاقِيّ عَن يسَاره ، مَاتَ فِي ثامن شعْبَان سنة سِتّ وَثَمَانمِائَة “.

وذكر السخاوي قصة ارتحال والده إلى مصر وتسميته تيمنا بالشيخ عبد الرحيم القنائي وذلك في كتابه الضوء اللامع فقال : ” عبد الرَّحِيم بن الْحُسَيْن بن عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر بن إِبْرَاهِيم الزين أَبُو الْفضل الْكرْدِي الرازناني الأَصْل المهراني الْمصْرِيّ الشَّافِعِي وَالِد الْوَلِيّ أَحْمد وَجُوَيْرِية وَزَيْنَب وَيعرف بالعراقي.

قَالَ وَلَده انتسابا لعراق الْعَرَب وَهُوَ الْقطر الْأَعَمّ وإلا فهو كردِي الأَصْل أَقَامَ سلفه ببلدة من أَعمال اربل يُقَال لَهَا رازنان وَلَهُم هُنَاكَ مآثر ومناقب إِلَى أَن تحول وَالِده لمصر وَهُوَ صَغِير مَعَ بعض أقربائه فاختص بالشيخ الشريف تَقِيّ الدّين مُحَمَّد بن جَعْفَر بن مُحَمَّد بن الشَّيْخ عبد الرَّحِيم بن أَحْمد بن حجون القناوي الشَّافِعِي شيخ خانقاه رسْلَان بمنشية المهراني على شاطىء النّيل بَين مصر والقاهرة ولازم خدمته.

ورزقه الله قرينَة صَالِحَة عابدة صابرة قانعة مجتهدة فِي أَنْوَاع القربات فَولدت لَهُ صَاحب التَّرْجَمَة بعد أَن بشره الْمشَار إِلَيْهِ بِهِ وَأمره بتسميته باسم جده الْأَعْلَى أحد المعتقدين بِمصْر وَذَلِكَ فِي حادي عشري جُمَادَى الأولى سنة خمس وَعشْرين وَسَبْعمائة بالمنشية الْمَذْكُورَة ، وتكرر إِحْضَار أَبِيه بِهِ إِلَى التقي فَكَانَ يلاطفه ويكرمه وعادت بركته عَلَيْهِ “.

9 / تاريخ ابن الفرات

(تاريخ ابن الفرات) هو اسم الشهرة لواحد من كتب التاريخ الكبرى وهو كتاب (الطريق الواضح المسلوك إلى معرفة تراجم الخلفاء والملوك) ويعرف أيضا باسم (تاريخ الدول والملوك) والذي صنفه المؤرخ ناصر الدين محمد بن عبد الرحيم بن علي الحنفي المصري المعروف بلقب (ابن الفرات) ، ويتكون الكتاب من عدة أجزاء تتناول تاريخ السلطنة المصرية في عهد الأيوبيين والمماليك مرتبة على السنوات ومرفق بها سجلات الوفيات الخاصة بالأعيان والمشاهير والعلماء خاصة الفترة التي عاشها المؤرخ وكان شاهد عيان على أحداثها.

ولد المؤلف في القاهرة عام 735 هـ / 1335 م وتوفي فيها عام 807 هـ / 1405 م وهو ابن شيخ المذهب الحنفي في مصر في القرن الثامن الهجري الفقيه عز الدين عبد الرحيم بن علي المتوفي عام 741 هـ ، وهو أيضا والد الإمام عز الدين عبد الرحيم بن محمد محدث الديار المصرية في القرن التاسع الهجري والمتوفي عام 851 هـ ومؤلف كتاب نخبة الفوائد المستنتجة في فقه الحنفية وكتاب تذكرة الأنام في النهي عن القيام وعدة مجاميع ومختصرات ، وعرف الثلاثة عند المؤرخين بلقب عائلتهم وهو (ابن الفرات).

وقد نشأ المؤلف في بيت علم حيث تعهده والده بالعلم والفقه وألزمه عددا من علماء عصره وتلقى العلم عنهم ثم رحل إلى دمشق فأقام فيها مدَّة ثم استقر به المقام في القاهرة واشتغل وتكسَّب بحوانيت الشهود وعقود الأنكحة بحانوت عند قنطرة قديدار في ظاهر القاهرة ، وولي خطابة المدرسة المعزية بالقاهرة واشتغل بعلم الفقه والحديث ونبغ في الكتابة التاريخية وبدأ تسجيل حوادث القرن الثامن الهجري منذ سنة 803 هـ ثم أخذ يعود بالحوادث إلى الوراء حتى وصل إلى القرن الرابع الهجري واستعان فيه بمن سبقه من المؤرخين.

ذكره ابن حجر العسقلاني في كتابه إنباء الغمر بأبناء العمر فقال : ” محمد بن عبد الرحيم بن علي بن الحسن بن محمد بن عبد العزيز بن محمد الحنفي ناصر الدين المعروف بابن الفرات المصري ، سمع من أبي بكر ابن الصناج راوي دلائل النبوّة وتفرّد بالسماع منه وسمع الشفاء للقاضي عيّاض من الدلاصي والثواب لآدم من ابن عبد الهادي وأجاز له أبو الحسن البندنيجي وتفرد بإجازته في آخرين.

وكان لهجاً بالتاريخ فكتب تاريخاً كبيراً جدّاً بيّض بعضه فأكمل منه المائة الثامنة ثم السابعة ثم السادسة ثم هكذا صنع في نحو من عشرين مجلّداً ثم شرع في الخامسة وشرع في تبييض المائة الرابعة فأدركته الوفاة وكتب شيئاً يسيراً من أوّل القرن التاسع ، وتاريخه في هذا كثير الفائدة إلاّ أنه بعبارة عامّية جدّاً ، وكان يتولّى عقود الأنكحة ويشهد في الحوانيت ظاهر القاهرة مع الخير والدين والسلامة ، مات ليلة عيد الفطر سنة سبع وله اثنتان وسبعون سنة “.

وذكره السخاوي في كتابه الضوء اللامع لأهل القرن التاسع فقال : ” محَمَّد بن عبد الرَّحِيم بن عَليّ بن الْحسن بن مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد نَاصِر الدّين الْمصْرِيّ الْحَنَفِيّ وَالِد عبد الرَّحِيم الْمَاضِي وَيعرف كسلفه بِابْن الْفُرَات.

ولد سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة، وأسمع وَهُوَ صَغِير على أبي الْفرج بن عبد الْهَادِي وَأبي الْفتُوح الدلاصي وَأبي بكر بن الصناج فِي آخَرين ، وَأَجَازَ لَهُ من دمشق الحافظان الْمزي والذهبي وَأَبُو الْحسن البدنيجي وَجَمَاعَة ، وَحدث بالشفا وَغَيره وَتفرد بِالسَّمَاعِ من ابْن الصناج وبإجازة الْبَنْدَنِيجِيّ ، روى لنا عَنهُ خلق أَجلهم شَيخنَا.

وَقَالَ فِي مُعْجَمه إِنَّه اشْتغل وتكسب بحوانيت الشُّهُود وَولي خطابة الْمدرسَة المعزية بِمصْر وَكَانَ لهجا بالتاريخ لَا يزَال مكبا على كِتَابَته بِحَيْثُ كتب فِيهِ كتابا كَبِيرا جدا بيض مِنْهُ المئين الثَّلَاثَة الْأَخِيرَة فِي نَحْو عشْرين مجلدا وأظن لَو أكمله لَكَانَ سِتِّينَ ، وَلكنه لم يكن يحسن الْإِعْرَاب وَلذَا يَقع فِيهِ اللّحن الْفَاحِش إِلَّا أَن كِتَابَته كَثِيرَة الْفَائِدَة من حَيْثُ الْفَنّ الَّذِي هُوَ بصدده ، وَآخر مَا كتب إِلَى انْتِهَاء سنة ثَلَاث وَثَمَانمِائَة وَقد بيع مسودة لعدم اشْتِغَال وَلَده بذلك.

وَقَالَ فِي إنبائه : وتاريخه كثير الْفَائِدَة إِلَّا أَنه بِعِبَارَة عامية جدا ، وَكَانَ يتَوَلَّى عُقُود الْأَنْكِحَة وَيشْهد فِي الحوانيت ظَاهر الْقَاهِرَة مَعَ الْخَيْر وَالدّين والسلامة ، مَاتَ لَيْلَة عيد الْفطر سنة سبع ، وَهُوَ فِي عُقُود المقريزي وَقَالَ إِنَّه تفقه وَكتب فِي التَّارِيخ مسودة تبلغ مائَة مُجَلد بيض مِنْهَا نَحْو الْعشْرين وقفت عَلَيْهَا واستفدت مِنْهَا، إِلَى أَن قَالَ وَترك ولدا يَنُوب فِي الحكم وتشكر سيرته رَحمَه الله “.

وذكره تلميذه أبو الطيب تقي الدين الفاسي في كتابه ذيل التقييد في رواة السنن والأسانيد وذكر لقاءه به في القاهرة فقال :  ” محمد بن عبد الرحيم بن علي بن الحسن بن محمد عبد العزيز بن محمد بن الفرات المصري ناصر الدين ابن الإمام عز الدين الحنفي.

حضر في الثالثة على أبي بكر بن يوسف بن عبد العظيم بن الصباح المنذري المصري المجلد العاشر من كتاب دلائل النبوة للبيهقي وأوله جماع أبواب أسئلة اليهود وغيرهم واستبرائهم عن أحوال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وصفاته وإسلام من هدى للإسلام منهم وينتهي إلى باب ما جاء في أخباره بظهور الروافض والقدرية أن صح الحديث فيه فظهروا وهو أول المجلد الحادي عشر.

وكان سماعه عليه إياه حضورا في مجلسين آخرهما يوم الثلاثاء خامس جمادى الأولى سنة 773 بجامع الأقمر بالقاهرة قرأت عليه المجلدة العاشرة وغيره من مروياته ، وسمع على عبد الرحمن بن محمد بن عبد الحميد بن عبد الهادي بالقاهرة صحيح مسلم ومن أبي الفتوح يوسف بن محمد بن محمد الدلاصي كتاب الشفا لعياض.

وأجاز له من دمشق فيما أخبرنا به صاحبنا المحدث خليل بن محمد الأفقهسي علي بن محمد البندنيجي وأجاز له باستدعاء مؤرخ برجب سنة 741 من دمشق جماعة كثيرون منهم أحمد بن علي الجزري وأحمد بن رضوان بن الزنهار وأحمد بن السيف محمد المقدسي ومحمد بن أبي بكر بن أحمد بن عبد الدائم وعبد الرحمن بن عبد الهادي وعبد الرحمن بن تيمية وعبد الرحمن بن مناع التكريتي وعبد الرحمن بن أحمد المرداوي وعلي بن عيسى الشيرجي وعلي ابن العز عمر المقدسي وحبيبة بنت العز وصفية بنت أحمد المقدسيون ونفسية بنت إبراهيم الخباز والسدي والحافظان المزي والذهبي.

وكان من عقاد الأنكحة ويجلس للشهادة بحانوت عند قنطرة قديدار وله اشتغال بالعلم وعناية كثيرة بالتاريخ وجمع في ذلك كتابا كبيرا في مجلدات كثيرة ، مات في ليلة عيد الفطر سنة سبع وثمان مائة ومولده سنة خمس وثلاثين وسبع مائة ، أجاز لشيخنا أبي الفتح بن أبي بكر بن الحسين المراغي “..

وأما والده عز الدين عبد الرحيم بن علي فقد ذكره تقي الدين التميمي في كتابه الطبقات السنية في تراجم الحنفية فقال : ” عبد الرحيم بن علىّ بن الحسين ابن الفرات الإمام عزّ الدين ولد سنة ثلاث وسبعمائة واشتغل بالفقه فمهر فيه ، وتفقّه على محيى الدين الدّمشقىّ وشمس الدين الحريرىّ وغيرهما وسمع من بدر الدين ابن جماعة وغيره.

ودرّس بالحساميّة وأعاد بالمنصوريّة وناب فى الحكم فأجاد ومهر فى الشّروط ودرّس وأفتى وأعاد ، ومات فى ذى الحجّة سنة إحدى وأربعين وسبعمائة ، قال ابن حجر : وهو والد شيخنا ناصر الدين محمد المؤرّخ.

وذكره الصّفدىّ فى (أعيان العصر) وقال : اجتهد فى مذهبه واشتغل ودخل فى مضايقه ووغل وبرع فى الفقه وأفتى وسلك طريقا لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً ، وانتهت إليه رئاسة الإفتاء والاشتغال ودرّس وأعاد وأتى بكلّ نفيس غال ، إلى أن قال : وبطل ذلك إلى أن أصبح ابن الفرات رفاتا فأمسى شخصه تحت الأرض كفاتا ، ثم أرّخ وفاته كما ذكرنا رحمه الله تعالى “.

أما ولده عز الدين عبد الرحيم فقد ذكره ابن العماد الحنبلي في كتابه شذرات الذهب في أخبار من ذهب وذلك في وفيات سنة 851 هـ فقال : ” وفيها القاضي عزّ الدّين عبد الرحيم بن القاضي ناصر الدّين محمد بن عبد الرحيم علي بن الحسين الحنفي الإمام المسند المعمّر المحدّث الرّحلة المؤرّخ المعروف بابن الفرات.

ولد سنة تسع وخمسين وسبعمائة بالقاهرة وسمع بها من والده والحسين بن عبد الرحمن بن سباع التّكريتي وغيرهما وأجاز له العزّ بن جماعة والصّلاح الصّفدي وابن قاضي الجبل وغيرهم ، تجمعهم (مشيخة) تخريج الإمام المحدّث سراج الدّين عمر بن فهد.

وحدّث سنين وتفرّد بأشياء عوال وسمع منه الأعيان والفضلاء وصار رحلة زمانه ، قال ابن تغري بردي : وأجاز لي بجميع مسموعاته ومروياته ، وكانت له معرفة تامة بالفقه والأحكام وناب في الحكم بالقاهرة سنين إلى أن توفي بها في أواخر ذي الحجّة “.

10 / ديوان علي بن وفا

شاعر الصوفية الأكبر في العصر المملوكي الثاني هو أبو الحسن علي بن محمد بن وفا القرشي الذي ولد بالقاهرة عام 759 هـ / 1357 م وتوفي فيها عام 807 هـ / 1404 م وقد خلف أباه في رئاسة الطريقة الوفائية الشاذلية ، وأبوه هو المتصوف الشيخ محمد وفا بن محمد الأوسط بن محمد النجم الهاشمي القرشي المتوفي عام 765 هـ وهو جد السادات الوفائية أصحاب المقابر المشهورة في سفح جبل المقطم (زاوية السادات أهل الوفا) وحفيد ملك الأدارسة بالمغرب إدريس بن إدريس بن عبد الله ومؤلف كتاب العروش الإنسانية في معرفة التجليات الرحمانية.

وقد عرف ابن وفا بغزارة الإنتاج في مجال التصوف شعرا ونثرا ، ومن مؤلفاته النثرية كتاب الباعث على الاخلاص في احوال الخواص وكتاب الكوثر المترع من الأبحر الأربع وكتاب الوصايا وكتاب المسامع الربانية وكتاب لباس الفتوة وكتاب حزب السادات وكتاب خصوصية الاصطفا لأهل الوفا وكتاب الدرجة العليا في معارج الأنبيا وكتاب مفاتيح الخزائن العلية ، واشتهر بديوانه الشعري والذي يضم ألوانا مختلفة من الأبيات تضم قصائد تقليدية طويلة وقصيرة وأزجال ورباعيات وموشحات.

ويبلغ ديوانه الشعري قرابة مائتين وخمسين صفحة ونظمت فيه قصائده الصوفية البديعة مرتبة على أحرف الهجاء ، واستهلها بالهمزية التي تعبر عن منهجه ورؤيته الفلسفية ويقول فيها : حققت عهد محبتي وولائي .. بشهود توحيدي وحكم وفائي .. وشهدت فيك حبيب قلبي راحتي .. وحياة أرضي وابتهاج سمائي .. وحلا لقلبي فيك منك منيتي .. وتروحني وعنايتي وعنائي .. يا من إرادته إرادة عبده .. أرضى بما ترضاه يا مولائي .. حققتني بجمال طلعتك التي .. محقت شهود الغير عن عينائي.

ومن ديوانه قوله في الغزل التخيلي والفناء في الحب : أبدا غرامي كالملاحة باق .. مع أنني الفاني من الأشواق .. سلت لي الأحداق من لحظاتها .. سيفا أراق دمي من الآماق .. يا للغزال من العيون فإنها .. سبب الفتون وآفة الإشفاق .. قد جردت سيف الدلال وقد حمت .. روض الجمال بسطوة الأحداق .. وحما حمى الأرواح من وجناته .. واق العذار فيا له من واق .. لم أختبىء من لسع عقرب صدغه .. لولا تمنع ريقه الدرياق .. يا هل لسكران الهوى من صحوة .. أو للأسير الصب من إطلاق.

وقال في السادة الوفائية : إن شئت علما أو شهود عياني .. فبروح كشفي أو بنور بياني .. قال الحبيب على لسان محبه .. القول قواي واللسان لساني .. أنا حضرتي عين الغيوب بأسرها .. فانظر ترى الأسرار حين تراني .. سابق إلى رأس الحقائق تلتحق .. بعصابة هم أمة الرحمن .. قوم أفيد قلوبهم روح الوفا .. فلهم يد الإحسان بالعرفان .. جردتهم بالحب عن أغياره .. فتحققوا بجماله الوحداني .. هم سادة الأحرار فتيان الوفا .. تلميذهم أستاذ كل زمان .. شمس الحقيقة أشرقت بوجودهم .. في العالم الغسقي والنوراني.

وقد وصفه الشعراني في الطبقات بقوله : ” كان في غاية الظرف والجمال لم ير في مصر أجمل منه وجهاً ولا ثياباً وله نظم شائع وموشحات ظريفة سبك فيها أسرار أهل الطريق وسكرة الخلاع رضي الله عنه وله عدة مؤلفات شريفة وأعطى لسان الفرق والتفصيل زيادة على الجمع وقليل من الأولياء من أعطى ذلك ، وله كلام عال في الأدب ووصايا نفيسة نحو مجلدات وردت عليه فأملاها في ثلاثة أيام رضي الله عنه فأحببت أن ألخصها لك في هذه الأوراق بذكر عيوبها الواضحة وحذف الأشياء العميقة عن غير أهل الكشف لأن الكتاب يقع في يد أهله وغير أهله فأقول وبالله التوفيق.

كان رضي الله عنه يقول مولدي سحر ليلة الأحد حادي عشر محرم سنة إحدى وستين وسبعمائة كما رأيته بخطه وتوفي عام أحد وثمانمائة كما قيل ، وكان رضي الله عنه يقول في قوله تعالى (والله متم نوره ولو كره الكافرون) فيا صاحب الحق لا تهتم بإظهار شأنك اهتماماً يحملك على الاستعانة بالخلق فإنك إن كنت على نور حق فهو يظهر بالله (وكفى بالله ولياً وكفى بالله نصيراً) وإن كنت على ظلمة باطل فلا تتسبب في إظهار ذلك وإشاعته فإنك لا تتمتع بذلك إن متعت به إلا قليلا ثم الله أشد بأساً وأشد تنكيلا أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه فافهم “.

وقد ترجم له السخاوي في كتابه الضوء اللامع لأهل القرن التاسع ونقل آراء ابن حجر والمقريزي فيه فقال : ” عَليّ بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن وفا أَبُو الْحسن الْقرشِي الْأنْصَارِيّ كَذَا رَأَيْته بِخَط بَعضهم السكندري الأَصْل الْمصْرِيّ الشاذلي الْمَالِكِي الصُّوفِي أَخُو أَحْمد الْمَاضِي وَيعرف كسلفه بِابْن وفا وَمن ذكر فِي آبَائِهِ مُحَمَّدًا ثَالِثا فقد وهم.

ولد سنة تسع وَخمسين وَسَبْعمائة بِالْقَاهِرَةِ وَمَات أَبوهُ وَهُوَ صَغِير فَنَشَأَ هُوَ وَأَخُوهُ فِي كَفَالَة وصيهما الشَّيْخ مُحَمَّد الزلعي فأدبهما وفقههما ، وَكَانَ هَذَا على أحسن حَال وأجمل طَريقَة فَلَمَّا بلغ سبع عشرَة سنة جلس مَكَان أَبِيه وَعمل الميعاد وشاع ذكره وَبعد صيته وانتشر أَتْبَاعه وَذكر بمزيد الْيَقَظَة وجودة الذِّهْن والترقي فِي الْأَدَب والوعظ.

قَالَ شَيخنَا فِي إنبائه : كَانَت أَكثر إِقَامَته فِي الرَّوْضَة قريب المشتهى وَكَانَ يقظا حاد الذِّهْن ، اشْتغل بالأدب والوعظ وَحصل لَهُ أَتبَاع وأحدث ذكرا بألحان وأوزان يجمع النَّاس عَلَيْهِ ، وَله نظم كثير واقتدار على جلب الْخلق مَعَ خفَّة ظَاهِرَة اجْتمعت بِهِ مرّة فِي دَعْوَة فأنكرت على أَصْحَابه إيماءهم إِلَى جِهَته بِالسُّجُود فَتلا هُوَ وَهُوَ يَدُور فِي وسط السماع فأينما توَلّوا فثم وَجه الله فَنَادَى من كَانَ حَاضرا من الطّلبَة كفرت كفرت فَترك الْمجْلس وَخرج هُوَ وَأَصْحَابه.

قَالَ : وَكَانَ أَبوهُ معجبا بِهِ وَأذن لَهُ فِي الْكَلَام على النَّاس وَهُوَ دون الْعشْرين انْتهى ، وَهَذَا غير مُسْتَقِيم مَعَ كَونه فِي الدُّرَر أرخ موت وَالِده فِي سنة خمس وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة فَالله أعلم ، ثمَّ قَالَ شَيخنَا : وَله من التصانيف الْبَاعِث على الْخَلَاص فِي أَحْوَال الْخَواص والكوثر المترع من الأبحر الْأَرْبَع يَعْنِي فِي الْفِقْه وديوان شعر وموشحات وفصول مواعظ وشعره ينعق بالاتحاد المفضي إِلَى الْإِلْحَاد وَكَذَا نظم أَبِيه فِي أَوَاخِر أمره.

نصب فِي دَاره منبرا وَصَارَ يُصَلِّي الْجُمُعَة هُوَ وَمن يصاحبه مَعَ أَنه مالكي الْمَذْهَب يرى أَن الْجُمُعَة لَا تصح فِي الْبَلَد وَلَو كبر إِلَّا فِي الْمَسْجِد الْعَتِيق من الْبَلَد ، قَالَ وَمن شعره : أَنا مكسور وَأَنْتُم أهل جبر .. فارحموني فَعَسَى يجْبر كسري .. يَا كرام الْحَيّ يَا أهل العطايا .. انْظُرُوا لي واسمعوا قصَّة فقري.

وَقَالَ فِي مُعْجَمه أَنه اشْتغل بالأدب والعلوم وتجرد مُدَّة وَانْقطع ثمَّ تكلم على النَّاس ورتب لأَصْحَابه أذكارا بتلاحين مطبوعة استمال بهَا قُلُوب الْعَوام ونظم ونثر وَكَانَ أَصْحَابه يتغالون فِي محبته وَفِي تَعْظِيمه ويفرطون فِي ذَلِك ، لَقيته مرّة أَو مرَّتَيْنِ وَسمعت كَلَامه ، وَقَالَ فِي تَرْجَمَة أَبِيه : من درره أَنه أنشأ قصائد على طَرِيق ابْن الفارض وَغَيره من الاتحادية وَنَشَأ ابْنه على طَرِيقَته فاشتهر فِي عصرنا كاشتهار أَبِيه ثمَّ أَخُوهُ أَحْمد من بعده ثمَّ ذُرِّيتهمْ ولأتباعهم فيهم غلو مفرط.

وَقَالَ المقريزي أَنه كَانَ جميل الطلعة مهابا منظما صَاحب كَلَام بديع ونظم جيد وتعددت أَتْبَاعه وَأَصْحَابه ودانوا بحبه واعتقدوا رُؤْيَته عبَادَة واتبعوه فِي أَقْوَاله وأفعاله وبالغوا فِي ذَلِك مُبَالغَة زَائِدَة وَسموا ميعاده المشهد وبذلوا لَهُ رغائب أَمْوَالهم هَذَا مَعَ تحجبه وتحجب أَخِيه التحجب الْكثير إِلَّا عِنْد عمل الميعاد أَو البروز لقبر أَبِيهِم أَو تنقلهم إِلَى الْأَمَاكِن بِحَيْثُ نالا من الْحَظ مَا لم يرتق إِلَيْهِ من هُوَ فِي طريقهم حَتَّى مَاتَ يَعْنِي بمنزله فِي الرَّوْضَة فِي يَوْم الثُّلَاثَاء ثَانِي عشري ذِي الْحجَّة سنة سبع وَدفن عِنْد أَبِيه بالقرافة.

قَالَ: وَلم أر قطّ جَنَازَة من الخفر مَا رَأَيْت على جنَازَته وَأَصْحَابه أَمَامه يذكرُونَ الله بطريقة تلين لَهَا قُلُوب الجفاة ، وَقَالَ غَيره : كَانَ فَقِيها عَارِفًا بفنون من الْعلم بارعا فِي التصوف حسن الْكَلَام فِيهِ يعجب الصُّوفِيَّة غالبه مستحضرا للتفسير بل لَهُ تَفْسِير ونظم جيد وديوانه متداول بِالْأَيْدِي وجيد شعره أَكثر من رديئه وَأما نظمه فِي التلاحين والخفائف وتركيزه للأنغام فغاية لَا تدْرك وتلامذته يتغالون فِيهِ إِلَى حد يفوق الْوَصْف انْتهى.

وللحافظ الزين الْعِرَاقِيّ الْبَاعِث على الْخَلَاص من حوادث الْقصاص قرأته على من سَمعه مِنْهُ أَشَارَ فِيهِ للرَّدّ على صَاحب التَّرْجَمَة وَقَالَ لي شَيخنَا التقي الشمني إِن مُصَنفه الْمَاضِي عمله لرده، وَهُوَ فِي عُقُود المقريزي “.