المماليك البرجية الجزء الثاني

11 / أخبار نيل مصر

من أوائل الكتب التي تناولت نهر النيل في العصر المملوكي رسالـة (نيل مصر وأهرامها) للفقيه الشافعي شهاب الدين أبي العباس أحمد بن عماد بن يوسف بن عبد النبي المعروف بلقب (ابن العماد الأقفهسي) وقد فرغ من تأليفها سنة 780 هـ ، وقد نشرت حديثا بمركز تحقيق التراث بدار الكتب المصرية وحققها كل من الدكتورة لبيبة إبراهيم مصطفى والأستاذة نعمات عباس محمد وذلك تحت عنوان (كتاب أخبار نيل مصر) وذلك بالاعتماد على نسختين خطيتين من محفوظات دار الكتب المصرية.

ولد المؤلف في الصعيد الأدنى عام 750 هـ / 1349 م وتوفي بالقاهرة عام 808 هـ / 1406 م والأقفهسي نسبة إلى مسقط رأسه في قرية أقفهس من أعمال البهنسا ، تتلمذ على يد والده واشتغل في الفقه والعربية وغيرهما من العلوم وأخذ عن علماء مصر ومنهم الجمال الإسنوي ، وكان كثير الاطلاع والمعرفة وتقدَّم في الفقه ووليَ التدريس في بعض مدارس منية ابن خصيب في مصر وحجَّ عام 800 هـ ، وصنف كتبًا كثيرة مفيدة نظمًا ونثرًا ومتنًا وشرحًا منها نظم وشروح على مؤلفات الإمام النووي وغيره من العلماء.

وقد استهل ناسخ الكتاب مخطوطته بعنوان تعريفي عن محتواه يقول فيه : ” كتاب يذكر فيه نيل مصر من أين يخرج من الأرض وفي أي مكان يذهب وسبب تكدره وخضرته في وقت الزيادة ومن أين تمده الزيادة وفي أي مكان تذهب زيادته إذا نقص ، جمعه الشيخ شهاب الدين بن العماد الأقفهسي جمعنا الله وإياه في الجنة بمنه وكرمه والمسلمين أجمعين آمين آمين آمين ” ، وقد بدأ الكتاب على عادة القدماء بذكر فضائل نهر النيل الواردة في الكتاب والسنة مع التنويه ببركة الديار المصرية منذ القدم.

ويشرح المؤلف في مقدمته سبب تأليفه لهذا الكتاب فيقول : ” ولما كان إقليم مصر مشتملاً على فوائد وأمور عجيبة ، استخرتُ الله تعالى في أن أجمع فيه من نفيس الغرائب ما لا ينبغي لذوي العلم إهمالها ولا لساكن مصر إغفالها وكيف وكلُّهم أو أكثرهم  لو سُئل عن نهر النيل من أين يخرج من الأرض ؟ وفي أي مكان يذهب ؟ ولو سُئل عن طوله وعن سبب تكدّره وخضرته في وقت الزيادة ومن أين تمده الزيادة ؟ وفي أي مكان تذهب زيادته إذا نقص ؟ ، لما أجاب عن ذلك ، وأنا إن شاء الله مبين لجميع ذلك قاصدا فيه الاختصار “.

ويضم الكتاب الفصول التالية : فصل في بيان المكان الذي يخرج أصل النيل منه ، فصل في كُورَةِ أسيوط وجبل أبي فائدة الذي على النيل ، فصل في الأهرام ، فصل في الحائط الممتدة بالجانب الشرقي عن النيل (حائط العجوز) ، فصل في المقاييس الموضوعة بمصر لمعرفة زيادة النيل ونقصانه منه ، فصل في زيادة النيل ، فصل في المكان الذي يذهب فيه ماءُ النيل ، فصل في الكلام على الأنهار الثلاثة جيحون وسيحون والفرات ، فصل في الفرق بين النهر والبحر ، فصل في الماء الذي ينبع من الأرض ، ثم يختم ابن العماد رسالته ببحث فقهي في الماء الذي يجوز التطهّر به وما لا يجوز.

والمؤلف ليس جغرافيا ولا رحالة وإنما اكتفى بنقل ما كتبه السابقون وتجميعه وعرضه بأسلوب منظم واهتم فيه بالجوانب العملية خاصة مقياس النيل في زمنه ، وتكمن أهمية الكتاب في أنه فتح الطريق لمن بعده من المؤلفين لمزيد من البحث مثل كتاب الفيض المديد في أخبار النيل السعيد لشهاب الدين المنوفي وكتاب القول المفيد في النيل السعيد للإمام جلال الدين المحلي ، وقد صنف المؤلف أيضا في مجال الرياضيات مثل كتاب الجوهر المكنون في الحساب المصون وكتاب الأمثلة الظاهرة في حساب ربع الدائرة وكتاب رسالة في الإسطرلاب بالإضافة إلى كتابات غزيرة في الفقه والعلوم الإسلامية.

وقد ذكره ابن حجر العسقلاني في كتابه إنباء الغمر بأبناء العمر وذلك في وفيات سنة 808 هـ فقال : ” أَحمد بن عماد بن يوسف الأَقْفَهْسى الشافعي المعروف بابن العماد أَحدُ أَئمّة الفقهاء الشافعيّة في هذا العصر ، اشتغل قديمًا وصنَّف التصانيف المفيدة نظما وشرحًا وله أَحكام المساجد وأَحكام النكاح وحوادث الهجرة وغير ذلك ، وسمعْتُ من نظمه ومن لفظه وكَتب عنه الشيخ برهان الدين محدّث حلب من فوائده “.

وقد ترجم له الحافظ شمس الدين السخاوي في كتابه الضوء اللامع لأهل القرن التاسع فقال : ” أَحْمد بن عماد بن يُوسُف بن عبد النَّبِي الشهَاب أَبُو الْعَبَّاس الآقفهسي ثمَّ القاهري الشَّافِعِي وَالِد مُحَمَّد الْآتِي وَيعرف بِابْن الْعِمَاد ، نَشأ فَأخذ قَدِيما عَن الْجمال الأسنوي من أول الْمُهِمَّات إِلَى الْجِنَايَات وَأَحْكَام الخناثي بقرَاءَته والكوكب والتمهيد سَمَاعا وَكَانَ يحضر مجْلِس السراج البُلْقِينِيّ.

وَسمع على خَلِيل بن طرنطاي الدوادار الزيني كتبغا صَحِيح البُخَارِيّ أَنابه الحجار ووزيرة وصحيح مُسلم أنابه الْعِزّ أَبُو عمرَان الموسوي وعَلى ابْن الشَّهِيد نظم السِّيرَة لَهُ وعَلى الشَّمْس الرفاء صَحِيح ابْن حبَان بفوت قيل إِنَّه أُعِيد لَهُ وعَلى ابْن الصَّائِغ تخميس الْبردَة وعَلى الْجمال الْبَاجِيّ وَآخَرين وَكَذَا سمع على الزين أبي الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد بن عَليّ الأيوبي الْأَصْبَهَانِيّ المجلدين الْأَوَّلين من سنَن الْبَيْهَقِيّ بِسَمَاعِهِ لجَمِيع الْكتاب على الْعِزّ أبي الْفضل مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن عمر بن الْحَمَوِيّ بِسَمَاعِهِ لَهُ على الْفَخر بن البُخَارِيّ بِسَنَدِهِ

وَمهر وَتقدم فِي الْفِقْه وسعة نظره بِحَيْثُ كتب على الْمُهِمَّات لشيخه الأسنوي كتابا حافلا فِيهِ تعقبات نفيسة سَمَّاهَا التعقبات على الْمُهِمَّات اكثر فِيهِ من تخطئته وَرُبمَا أفذع فِي بعض ذَلِك وَنسبه لسوء الْفَهم وَفَسَاد التَّصَوُّر مَعَ قَوْله إِنَّه قَرَأَ الأَصْل على مُصَنفه وَلَكِن قد سَمِعت بعض الْفُضَلَاء يُقرر حسن مقْصده فِي ذَلِك لتَضَمّنه الْتِفَات النَّاس إِلَى سَماع مَا رأى أَن غَيره خطأ لِأَنَّهُ لَو أورد الْكَلَام ساذجا بِدُونِهِ لم يلتفتوا إِلَيْهِ لكَون الأسنوي أجل عِنْدهم وَأعلم ، وَأما شَيخنَا فَقَالَ إِن فِي ذَلِك أدل دَلِيل على بركَة الشَّيْخَيْنِ وَالْجَزَاء من جنس الْعَمَل.

وَكَذَا لَهُ على الْمِنْهَاج عدَّة شُرُوح وجد من أكبرها قِطْعَة إِلَى صَلَاة الْجَمَاعَة فِي ثَلَاث مجلدات أَطَالَ فِيهِ النَّفس يكثر الاستمداد فِيهِ من شرح الْمُهَذّب وأصغرها فِي مجلدين سَمَّاهُ التَّوْضِيح وَفِي أَحْكَام الْمَسَاجِد وَفِي أَحْكَام النِّكَاح وَسَماهُ تَوْقِيف الْحُكَّام على غوامض الْأَحْكَام وَفِي آدَاب الطَّعَام والأبريز فِيمَا يقدم على موت التَّجْهِيز وَالْقَوْل التَّام فِي أَحْكَام الْمَأْمُوم وَالْإِمَام وَهُوَ غير آخر فِي موقف الْمَأْمُوم وَالْإِمَام وَشرح الْعُمْدَة وَالْأَرْبَعِينَ النووية والبردة وَعمل كتابا فِي أَحْكَام الْحَيَوَان وَاخْتَصَرَهُ وَسَماهُ التِّبْيَان فِيمَا يحل وَيحرم من الْحَيَوَان ونظمه فِي أَرْبَعمِائَة بَيت.

وَله التِّبْيَان فِي آدَاب حَملَة الْقُرْآن وَرُبمَا يُسمى تحفى الإخوان فِي نظم التِّبْيَان للنووي يزِيد على سِتّمائَة بَيت نونية تعرض فِيهِ لمؤدب الْأَبْنَاء والاقتصاد فِي كِفَايَة العقاد تزيد على خَمْسمِائَة بَيت وَله عَلَيْهِ شرح مُخْتَصر وكشف الْأَسْرَار تسلط بِهِ الدوادار على الأسئلة لكثير من الْفُقَهَاء بعد الثَّمَانِينَ وَثَمَانمِائَة وَهُوَ مَسْبُوق بِهِ من النَّيْسَابُورِي والدرة الفاخرة يشْتَمل على أُمُور تتَعَلَّق بالعبادات وَالْآخِرَة وَفِيه الْكَلَام على قَوْله تَعَالَى : وَنَضَع الموازين بِالْقِسْطِ ونظم قصيدة فِي حوادث الْهِجْرَة سَمَّاهَا نظم الدُّرَر من هِجْرَة خير الْبشر وَشَرحهَا وَله آدَاب دُخُول الْحمام ونظم التَّذْكِرَة لِابْنِ الملقن فِي عُلُوم الحَدِيث وَشَرحهَا وَغير ذَلِك نظما ونثرا.

قَالَ شَيخنَا فِي إنبائه : أحد أَئِمَّة الْفُقَهَاء الشَّافِعِيَّة فِي هَذَا الْعَصْر سَمِعت من نظمه من لَفظه ، وَقَالَ فِي مُعْجَمه سَمِعت من لَفظه قصيدة مدح بهَا شَيخنَا البُلْقِينِيّ زَاد فِي مُعْجم الْبُرْهَان الْحلَبِي يَوْم ختمت عَلَيْهِ قِرَاءَة دَلَائِل النُّبُوَّة للبيهقي ومدحني فِيهَا وَهُوَ من نبهاء الشَّافِعِيَّة كثير الِاطِّلَاع والتصانيف قَالَ وَنعم الشَّيْخ كَانَ رَحمَه الله وَكَانَ أَخذ عَنهُ شَيخنَا الرَّشِيدِيّ أَحْكَام الْمَسَاجِد وَكتبه بِخَطِّهِ وقرأه عَلَيْهِ أَيْضا الْبُرْهَان الْحلَبِي مَعَ سَماع التِّبْيَان من تصانيفه وَكتب عَنهُ: ِمَام محب نَاشِئ متصدق .. مصل وَبَاكٍ خَائِف سطوة الباس .. يظلهم الرَّحْمَن فِي ظلّ عَرْشه .. إِذا كَانَ يَوْم الْحَشْر لَا ظلّ للنَّاس.

قَالَ وَهُوَ كثير الْفَوَائِد دمث الْأَخْلَاق وَفِي لِسَانه بعض حبسة ، مَاتَ فِي سنة ثَمَان وعينه المقريزي بِأحد الجمادين وَقَالَ أَنه أحد فضلاء الشَّافِعِيَّة وَرَأَيْت لَهُ جُزْءا سَمَّاهُ الْبَيَان التقريري فِي تخطئة الْكَمَال الدَّمِيرِيّ وَكتب عَلَيْهِ شَيخنَا ابْن خضر الْمُخطئ الْكَمَال هُوَ الْمُخطئ رَحِمهم الله ، وَكَذَا من مناظيمه المواطن الَّتِي تُبَاح فِيهَا الْغَيْبَة وَهِي عشرَة أَبْيَات وَبَلغهَا إِلَى نَحْو الْعشْرين والدماء المجبورة فِي نَحْو أَرْبَعِينَ بَيْتا وَبَلغهَا سِتَّة وَثَلَاثِينَ ظنا والأماكن الَّتِي تُؤخر فِيهَا الصَّلَاة عَن أول الْوَقْت وَبَلغهَا نَحْو أَرْبَعِينَ فِي اثْنَي عشر بَيْتا وَشَرحهَا والنجاسات المعفو عَنْهَا وَيُسمى الدّرّ النفيس وَهِي مِائَتَان وَسَبْعُونَ بَيْتا وقصيدة لامية نَحْو خَمْسمِائَة بَيت مُشْتَمِلَة على مسَائِل نثرية ومنظومة فِي الْعدَد الْكثير “.

12 / حياة الحيوان الكبرى 

(حياة الحيوان الكبرى) هو عنوان كتاب موسوعي شهير يجمع بين علم الأحياء والطب والفلسفة والأدب وتفسير الأحلام والأمثال والحكم ويغلب على أسلوب كتابته طابع التأمل والملاحظة ويضم دراسات عن ألف حيوان مرتبة على أحرف الهجاء ، وهو من تأليف الكاتب أبو البقاء كمال الدين محمد بن موسى بن عيسى الدميري الذي ولد في القاهرة عام 742 هـ / 1341 م وتوفي فيها عام 808 هـ / 1405 م وتنحدر أسرته من قرية دميرة في وسط الدلتا واشتغل أول أمره خياطا ثم تتلمذ على يد بهاء الدين السبكي ونبغ في الكتابة والتصنيف.

وقد برع الدميري في التفسير والحديث والفقه وأصوله والعربية والأدب وله تصانيف في العلوم المختلفة منها كتاب  الديباجة في شرح سنن ابن ماجه وهو في خمس مجلدات وكتاب النجم الوهّاج في شرح المنهاج للنووي وله ديوان شعر وأرجوزة في الفقه وكتاب التذكرة وكتاب مختصر شرح لامية العجم للصفدي ، وقام بالتدريس في القبة البيبرسية ومدرسة ابن البقري وجامع الظاهر بالحسينية وله حلقة أسبوعية بالجامع الأزهر كما جاور مدة بمكة المكرمة وروى الحديث في جوف الكعبة المشرفة.

وقد بين محقق الكتاب الأستاذ أحمد حسن منهج المؤلف فقال : ” وقد رتّب الدميري كتابه على حروف المعجم وضمنه من أسماء الحيوانات ما تنامى إلى سمعه ومن مصادر كثيرة ومختلفة تتراوح ما بين كتب يونانية وعربية قديمة أو ما كان قريبا لعهد المؤلف الذي اطلع على تلك الكتب المتخصصة في عالم الطب والحيوان ووعى ما فيها ونقّحها وطرح جانبا ما لم يقتنع به وأقرّ ما رأى عليه إجماعا لدى العلماء ، ومع حذره الشديد فإنه قد أبقى على معلومات كثيرة غريبة وعجيبة ولكنه نقلها على ذمة أصحابها وناقليها فأيّد كل مروياته بإسنادها إلى رواتها بالتسلسل المعروف وصولا إلى المنشإ الأساس ولم يفته أن يرد حيث يقتضي الأمر على الأغاليط.

أما طريقته في عرض المعلومات فإنه يبدأ بوصف الحيوان بعد أن يضبط اسمه ضبطا تاما بالشكل ويعرّف بالأصل اللغوي له ويقدم بعد ذلك عرضا لبعض الأخبار والمرويات التي تدل على طبائع ذلك الحيوان ، وفي هذا الإطار يستحضر طائفة من الأحاديث النبوية الشريفة والآيات القرآنية الكريمة التي لها علاقة بالموضوع فضلا عما جاء حوله من أشعار قديمة وأمثال وحكم ، ثم يورد ما قاله الفقهاء في شأن الحيوان المذكور من حيث الحكم الشرعي في أكله أو عدمه يؤيد ذلك بالأقوال المختلفة وبأحاديث نبوية وآيات كريمة، وينتهي إلى ذكر الخواص الطبية من المنافع والمضار من لحم ذلك الحيوان أو غيره “.

ويشرح الدميري في مقدمته سبب تأليفه للكتاب فيقول : ” بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله الذي شرف نوع الإنسان بالأصغرين القلب واللسان وفضله على سائر الحيوان بنعمتي المنطق والبيان ورجحه بالعقل الذي وزن به قضايا القياس في أحسن ميزان فأقام على وحدانيته البرهان ، أحمده حمدا يمدنا بمواد الإحسان وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الذي لا يدرك كنه ذاته بالحدود والرسوم ذوو الأذهان وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله المخصوص بالآيات البينات كل البيان صلّى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه صلاة وسلاما يدومان ما دام الملوان ويبقيان في كل زمان وأوان.

وبعد ، فهذا كتاب لم يسألني أحد تصنيفه ولا كلفت القريحة تأليفه وإنما دعاني إلى ذلك أنه وقع في بعض الدروس التي لا مخبأ فيها لعطر بعد عروس ذكر مالك الحزين والذيخ المنحوس فحصل في ذلك ما يشبه حرب البسوس ومزج الصحيح بالسقيم ولم يفرق بين نسر وظليم وتحككت العقرب بالأفعى واستنت الفصال حتى القرعى وصيروا الأروى مع النّعام ترعى وقضوا باجتماع الحوت والضب قطعا واتخذ كل أخلاق الضبع طبعا ولبس جلد النمر أهل الإمامة  وتقلدها الجميع طوق الحمامة ، والقوم إخوان وشتى في الشيم .. وقيل في شأنهم اشتدي زيم.

وظن الكبير أنه أصدق من القطا وأن الصغير كالفاختة غلطا وصار الشيخ الأفيق كذات التحيين والمعبد ذو التحقيق كالراجع بخفي حنين والمقيد كالأشقر تحيرا والطالب كالحباري تحسرا والمستمع يقول : كل الصيد في جوف الفرا والنقيب كصافر يكرر أطرق كرا ، فقلت عند ذلك في بيته يؤتى الحكم وبإعطاء القوس باريها تتبين الحكم وفي الرهان سابق الخيل يرى وعند الصباح يحمد القوم السّرى ، واستخرت الله تعالى وهو الكريم المنان في وضع كتاب في هذا الشأن وسميته حياة الحيوان جعله الله موجبا للفوز في دار الجنان ونفع به على ممر الأزمان إنه الرحيم الرحمن ورتبته على حروف المعجم ليسهل به من الأسماء ما استعجم “.

وقد ترجم له الحافظ السخاوي في كتابه الضوء اللامع لأهل القرن التاسع وذكر آراء ابن حجر والمقريزي فيه فقال : ” مُحَمَّد بن مُوسَى بن عِيسَى بن عَليّ الْكَمَال أَبُو الْبَقَاء الدَّمِيرِيّ الأَصْل القاهري الشَّافِعِي ، كَانَ اسْمه أَولا كمالا بِغَيْر إِضَافَة وَكَانَ يَكْتُبهُ كَذَلِك بِخَطِّهِ فِي كتبه ثمَّ تسمى مُحَمَّدًا وَصَارَ يكشط الأول وَكَأَنَّهُ لتَضَمّنه نوعا من التَّزْكِيَة مَعَ هجر اسْمه الْحَقِيقِيّ ، ولد فِي أَوَائِل سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة تَقْرِيبًا كَمَا بِخَطِّهِ بِالْقَاهِرَةِ وَنَشَأ بهَا فتكسب بالخياطة.

ثمَّ أقبل على الْعلم وَأَخذه عَن الْبَهَاء أَحْمد بن التقي السُّبْكِيّ ولازمه كثيرا وانتفع بِهِ وَكَذَا أَخذ عَن الْكَمَال أبي الْفضل النويري وتفقه أَيْضا بالجمال الأسنوي وَوصف ابْن الملقن فِي خطْبَة شَرحه بشيخنا وَكَذَا بَلغنِي أَخذه عَن البُلْقِينِيّ أَيْضا وَلَيْسَ بِبَعِيد وَأخذ الْأَدَب عَن الْبُرْهَان القيراطي والعربية وَغَيرهَا عَن الْبَهَاء بن عقيل.

وَسمع على مظفر الدّين الْعَطَّار والعرضي وَأبي الْفرج وَابْن الْقَارِي والحراوي وبمكة على الْجمال بن عبد الْمُعْطِي والكمال مُحَمَّد بن عمر بن حبيب فِي آخَرين كالعفيف المطري بِالْمَدِينَةِ وَمِمَّا سَمعه على الأول التِّرْمِذِيّ فِي سنة نَيف وَخمسين وَوَصفه الزَّيْلَعِيّ فِي الطَّبَقَة بالفاضل كَمَال الدّين كَمَال وعَلى ثَانِيهمَا فَقَط جلّ مُسْند أَحْمد أَو جَمِيعه وجزء الْأنْصَارِيّ.

وبرع فِي التَّفْسِير والْحَدِيث وَالْفِقْه وأصوله والعربية وَالْأَدب وَغَيرهَا وَأذن لَهُ بالإفتاء والتدريس ، وتصدى للإقراء فَانْتَفع بِهِ جمَاعَة وَكتب على ابْن ماجة شرحا فِي نَحْو خمس مجلدات سَمَّاهُ الديباجة مَاتَ قبل تحريره وتبييضه وَكَذَا شرح الْمِنْهَاج وَسَماهُ النَّجْم الْوَهَّاج لخصه من السُّبْكِيّ والأسنوي وَغَيرهمَا وَعظم الِانْتِفَاع بِهِ خُصُوصا بِمَا طرزه بِهِ من التتمات والخاتمات والنكت البديعة وَأول مَا ابْتَدَأَ من الْمُسَاقَاة بِنَاء على قِطْعَة شَيْخه الأسنوي فَانْتهى فِي ربيع الآخر سنة سِتّ وَثَمَانِينَ ثمَّ اسْتَأْنف.

ونظم فِي الْفِقْه أرجوزة طَوِيلَة فِيهَا فروع غَرِيبَة وفوائد حَسَنَة وَله تذكرة مفيدة وحياة الْحَيَوَان وَهُوَ نَفِيس أجاده وَأكْثر فَوَائده مَعَ كَثْرَة استطراده فِيهِ من شَيْء إِلَى شَيْء وَله فِيهِ زيادات لَا تُوجد فِي جَمِيع النّسخ وأتوهم أَن فِيهَا مَا هُوَ مَدْخُول لغيره إِن لم تكن جَمِيعهَا لما فِيهَا من الْمَنَاكِير وَقد جردها بَعضهم بل اختصر الأَصْل التقي الفاسي فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَنبهَ على أَشْيَاء مهمة يحْتَاج الأَصْل إِلَيْهَا وَاخْتصرَ شرح الصَّفَدِي للامية الْعَجم فأجاده وَرَأَيْت من غَرَائِبه فِيهِ قَوْله وَكَانَ بَعضهم يَقُول أَن المقامات وكليلة ودمنة رموز على الكيمياء وكل ذَلِك من شغفهم وحبهم لَهَا نسْأَل الله الْعَافِيَة بِلَا محنة وَكَانَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين بن دَقِيق الْعِيد رَحمَه الله مغرى بهَا وَأنْفق فِيهَا مَالا وعمرا. انْتهى.

وَإِنَّمَا استغربته بِالنِّسْبَةِ لما نسبه للتقي ، وَقد تَرْجمهُ التقي الفاسي فِي مَكَّة فَقَالَ أَنه كَانَ أحد صوفية سعيد السُّعَدَاء وَشَاهد وَقفهَا لَهُ نظم جيد وحظ وافر من الْعِبَادَة وَالْخَيْر حَتَّى كَانَ بِأخرَة يسْرد الصَّوْم ، حدث بِالْقَاهِرَةِ وبمكة وَسمع مِنْهُ الصّلاح الأقفهسي فِي جَوف الْكَعْبَة والفاسي بِالْقَاهِرَةِ وَأفْتى وَعَاد ودرس بأماكن بِالْقَاهِرَةِ مِنْهَا جَامع الْأَزْهَر وَكَانَت لَهُ فِيهِ حَلقَة يشغل فِيهَا الطّلبَة يَوْم السبت غَالِبا وَمِنْهَا الْقبَّة البيبرسية كَانَ يدرس فِيهَا الحَدِيث وَكنت أحضر عِنْده فِيهَا بل كَانَ يذكر النَّاس بمدرسة ابْن البقري دَاخل بَاب النَّصْر فِي يَوْم الْجُمُعَة غَالِبا ويفيد فِي مَجْلِسه هَذَا أَشْيَاء حَسَنَة من فنون الْعلم وبجامع الظَّاهِر فِي الحسينية بعد عصر الْجُمُعَة غَالِبا.

ودرس أَيْضا بِمَكَّة وَأفْتى وجاور فِيهَا مُدَّة سِنِين مفرقة وتأهل فِيهَا بِأم أَحْمد فَاطِمَة ابْنة يحيى بن عياد الصنهاجي المكية وَولدت لَهُ أم حَبِيبَة وَأم سَلمَة وَعبد الرَّحْمَن وَأول قدماته إِلَيْهَا على مَا أخْبرت عَنهُ فِي موسم سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة وجاور بهَا حَتَّى حج فِي الَّتِي بعْدهَا ثمَّ جاور بهَا أَيْضا فِي سنة ثَمَان وَسِتِّينَ قدمهَا مَعَ الرجبية فدام حَتَّى حد ثمَّ قدمهَا فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين فَأَقَامَ بهَا حَتَّى حج فِي الَّتِي بعْدهَا.

قلت وَحضر موت شَيْخه الْبَهَاء بن السُّبْكِيّ حِينَئِذٍ وَنقل الْكَمَال عَنهُ أَنه قَالَ لَهُ قبيل مَوته بِقَلِيل هَذَا جُمَادَى وَجَرت الْعَادة فِيهِ يَعْنِي لنَفسِهِ بحدوث أَمر مَا فَإِن جَاءَ الْخَبَر بِمَوْت أبي الْبَقَاء وَأَنا فِي قيد الْحَيَاة فَذَاك وَإِلَّا فاقرأ الْكتاب على قَبْرِي ، هَكَذَا سمعته من لفظ شَيخنَا فِيمَا قَرَأَهُ بِخَط الدَّمِيرِيّ وَأَنه قَالَ لَهُ يَا سَيِّدي وصل الْأَمر إِلَى هَذَا الْحَد أَو نَحْو هَذَا فَقَالَ أَنه غرمني مائَة ألف قَالَ فَقلت لَهُ دِرْهَم فَقَالَ بل دِينَار ، انْتهى.

قَالَ الفاسي : ثمَّ قدم مَكَّة فِي موسم سنة خمس وَسبعين فَأَقَامَ بهَا حَتَّى حج الَّتِي تَلِيهَا وفيهَا تأهل بِمَكَّة فِيمَا أَحسب ثمَّ قدمهَا فِي موسم سنة ثَمَانِينَ وَأقَام بهَا حَتَّى حج فِي الَّتِي بعْدهَا ثمَّ قدمهَا فِي سنة تسع وَتِسْعين وَأقَام حَتَّى حج فِي الَّتِي بعْدهَا وانفصل عَنْهَا فَأَقَامَ بِالْقَاهِرَةِ حَتَّى مَاتَ فِي ثَالِث جُمَادَى الأولى سنة ثَمَان وَصلي عَلَيْهِ ثمَّ دفن بمقابر الصُّوفِيَّة سعيد السُّعَدَاء.

وَقَالَ المقريزي فِي عقوده صحبته سِنِين وَحَضَرت مجْلِس وعظه مرَارًا لإعجابي بِهِ وأنشدني وأفادني وَكنت أحبه ويحبني فِي الله لسمته وَحسن هَدْيه وَجَمِيل طَرِيقَته ومداومته على الْعِبَادَة لَقِيَنِي مرّة فَقَالَ لي رَأَيْت فِي الْمَنَام أَنِّي أَقُول لشخص لقد بعد عهدي بِالْبَيْتِ الْعَتِيق وَكثر شوقي إِلَيْهِ فَقَالَ قل لَا إِلَيْهِ إِلَّا الله الفتاح الْعَلِيم الرَّقِيب المنان فَصَارَ يكثر ذَلِك فحج فِي تِلْكَ السّنة رَحمَه الله وإيانا ونفعنا بِهِ.

وَقد ذكره شَيخنَا فِي إنبائه فَقَالَ : مهر فِي الْفِقْه وَالْأَدب والْحَدِيث وشارك فِي الْفُنُون ودرس للمحدثين بقبة بيبرس وَفِي عدَّة أَمَاكِن وَوعظ فَأفَاد وخطب فأجاد وَكَانَ ذَا حَظّ من الْعِبَادَة تِلَاوَة وصياما ومجاورة بالحرمين وتذكر عَنهُ كرامات كَانَ يخفيها وَرُبمَا أظهرها وأحالها على غَيره وَقَالَ فِي مُعْجَمه كَانَ لَهُ حَظّ من الْعِبَادَة تِلَاوَة وصياما وقياما ومجاورة بِمَكَّة بِالْمَدِينَةِ واشتهر عَنهُ كرامات وأخبار بِأُمُور مغيبات يسندها إِلَى المنامات تَارَة وَإِلَى بعض الشُّيُوخ أُخْرَى وغالب النَّاس يعْتَقد أَنه يقْصد بذلك السّتْر.

سَمِعت من فَوَائده وَمن نظمه وَاجْتمعت بِهِ مرَارًا وَكنت أحب سمته وَيُقَال أَنه كَانَ فِي صباه أكولا نهما ثمَّ صَار بِحَيْثُ يُطيق سرد الصّيام زَاد غَيره وَله أذكار يواظب عَلَيْهَا وَعِنْده خشوع وخشية وبكاء عِنْد ذكر الله سُبْحَانَهُ ، وقد تزوج بابنتيه الْجمال مُحَمَّد والجلال عبد الْوَاحِد بن إِبْرَاهِيم بن أَحْمد بن أبي بكر المرشدي الْمَكِّيّ الْحَنَفِيّ واستولداهما الأول أَبَا الْفَضَائِل مُحَمَّدًا وَعبد الرَّحْمَن وَالثَّانِي عبد الْغَنِيّ وَغَيره.

وروى لنا عَنهُ جمَاعَة مِمَّن أَخذ عَنهُ دراية وَرِوَايَة وعرضا وَمِمَّا ينْسب إِلَيْهِ : بمكارم الْأَخْلَاق كن متخلقا .. ليفوح ند شذائك الْعطر الندي .. وَصدق صديقك إِن صدقت صداقة .. وادفع عَدوك بِالَّتِي فَإِذا الَّذِي “.

13 / الانتصار لواسطة عقد الأمصار

اهتم المؤرخون في العصر المملوكي الثاني بالكتابة عن جغرافية مصر بالتفصيل وذكروا الوصف الطبوغرافي للفسطاط والقاهرة وشوارعها وحاراتها ومبانيها من مساجد وقصور وسردوا أسماء القرى المصرية في الدلتا والصعيد وألحقوا بها ما أتيح من معلومات من واقع السجلات الرسمية للدولة ، ومن أوائل الكتب في ذلك كتاب (الانتصار لواسطة عقد الأمصار) الذي صنفه صارم الدين إبراهيم بن دقماق وتناول فيه تاريخ وجغرافية مصر التي وصفها في العنوان بأنها في منزلة درة العقد من البلدان.

ولد المؤلف في القاهرة عام 750 هـ / 1349 م وتوفي فيها عام 809 هـ / 1407 م وهو من أبناء المماليك (أولاد الناس) حيث كان جده من مماليك السلطان الناصر محمد بن قلاوون وهو الأمير عز الدين أيدمر العلائي نقيب العساكر المصرية المتوفي عام 734 هـ ووالده هو الأمير بدر الدين محمد بن أيدمر الداوادار المتوفي عام 761 هـ  ، وكلمة دقماق مشتقة من تقماق التركية وتعني المطرقة وهو لقب اشتهرت به أسرتهم حيث عرفوا جميعا بلقب (ابن دقماق) وقيل هو اسم جده الأعلى والد أيدمر.

وعرف ابن دقماق بغزارة إنتاجه وله من المؤلفات الأخرى كتاب الدرة المضية في فضل مصر والإسكندرية (وهو مختصر لكتاب الانتصار) وكتاب ترجمان الزمان في تراجم الأعيان وكتاب الجوهر الثمين في سير الملوك والسلاطين (ويتناول تاريخ مصر حتى عصر السلطان برقوق) وكتاب الكنوز المخفية في تراجم الصوفية وكتاب فرائد الفوائد (في تفسير الأحلام) وكتاب عقد الجواهر في سيرة الملك الظاهر (ويتناول عصر السلطان برقوق بالتفصيل) وكتاب  ينبوع المزاهر في سيرة الملك الظاهر (وهو مختصر عقد الجواهر).

وله كتاب يؤرخ فيه للمذهب الحنفي وهو نظم الجمان في طبقات أصحاب إمامنا النعمان (في ثلاثة أجزاء يتناول الأول منها مناقب الإمام أبي حنيفة والثاني والثالث أصحابه) وكتاب نزهة الأنام في تاريخ الإسلام (وهو تاريخ مرتب على السنين يتكون من اثني عشر مجلدا دون فيها الأحداث حتى عام 779 هـ) ، لكنه اشتهر بكتابه الانتصار بسبب غزارة المعلومات الواردة فيه عن مصر وجغرافيتها حيث توجد نسخة بخط مؤلفها تحتفظ بها دار الكتب المصرية تحت الرقم 1244 تاريخ.    

وقد أفرد المؤلف كامل الجزء الرابع والخامس من كتاب الانتصار لوصف البلاد المصرية بالتفصيل واتبع فيها التقسيم القضائي الذي يقسمها إلى قسمين أولهما الفسطاط ومعها الوجه القبلي والثاني القاهرة ومعها الوجه البحري ، وبدأها بمدينة الفسطاط والدور التاريخية المشهورة فيها منذ زمن الفتح الإسلامي ثم وصف الأزقة (جمع زقاق) والحارات (جمع حارة) والدروب (جمع درب) والخوخ (جمع خوخة) والرحاب (جمع رحبة أي ميدان) والأسواق والفنادق وبعض المعالم المشهورة.

ثم ذكر القياسر (جمع قيسارية وهي السوق المسقوف) والرباع (جمع ربع) ومطابخ السكر (مصانع صغيرة) والسقايف (جمع سقيفة أي مكان مظلل) والعقبات (جمع عقبة وهي تقاطع الأزقة الصغيرة مع الرحاب أو الحارات) والكيمان (جمع كوم وهي المرتفعات) والأقبيا (جمع قبو) والبرك (جمع بركة) ، ثم ذكر الجوامع والمدارس والربط (جمع رباط وهو مكان تعبد الصوفية) والمساجد والمارستانات (جمع مارستان وتعني المستشفى).

ثم انتقل بعدها إلى وصف الزوايا (جمع زاوية وهي مسجد صغير) والخوانق (جمع خانقاه وهي مكان كبير لسكن وعبادة المتصوفة) والحمامات العمومية والخاصة والضواحي والمتنزهات والأديرة والكنائس ، وسرد بعدها بلاد الوجه القبلي وقسمها وفق التقسيم المملوكي إلى عشرة أعمال هي الجيزة والأطفيحية والفيوم والبهنسائية والأشمونين ومنفلوط وأخميم وقوص وأسوان وثغر عيذاب.

بعد ذلك يتناول بالتفصيل مدينة القاهرة وخططها (جمع خطط وهي الأحياء) وأخطاطها (جمع خط ويعني الشارع الكبير) ومساجدها وقلعة الجبل ، ثم انتقل إلى الوجه البحري وفق نظام الأعمال وبدأه بضواحي القاهرة ثم كل من الأعمال القليوبية والأعمال الشرقية وأعمال الدقهلية والمرتاحية وأعمال تنيس ودمياط وأعمال الغربية وأعمال المنوفية وأعمال البحيرة وأعمال الإسكندرية وأعمال النستراوية وأعمال جزيرة بني نصر.

ومن أمثلة ما كتبه عن الأعمال الغربية التي كانت أكبر الأعمال وقتها من حيث عدد القرى التابعة قوله : ” الأعمال الغربية وصقعها زنار المحلة جزيرة قويسنا السخاوية الطمريسية الطندتاوية السمنودية الدنجاوية السنهورية وقصبتها مدينة المحلة ، قال الملك المؤيد عماد الدين إسماعيل صاحب حماه في كتابه تقويم البلدان قال هي من الإقليم الثالث وهي بين النيلين وهي بفتح الميم والحاء المهملة وتشديد اللام ثم هاء ساكنة.

وقال في المشترك لياقوت إنها تعرف بمحلة دقلا بفتح الدال المهملة والقاف والآن تعرف بمدينة المحلة وهي مدينة كبيرة ذات أسواق وهي قصبة إقليم الغربية من الديار المصرية وولايتها قديما تعرف بالوزارة الصغيرة ، قال وفي بلاد مصر نحو المائة قرية يعرف كل منها بالمحلة لكن تتميز بلقب تعرف به أو بنسبة تعرف بها وبهذه المدينة جوامع ومدارس وقياسر وبزازين وفنادق ومنازه وبساتين.

ويشقها نهر من النيل أيام جريته أوله من عند قرية تعرف بطنت فيمر من جهة الغرب نازلا حتى يحاذي شرمساح التي على خليج دمياط ومن فوهته إلى منية غزال في الشرق عشرون ميلا وهي فوهة جامعة لمحاسن شتى وهذا البحر هو الذي جعل الكامل فيه الشواني المنصورة وخرج خلف الفرنج في نوبة المنصورة فكانت الكسرة على الفرنج حتى ضرب المثل بذلك فقيل كل شيء حسبناه إلا بحر المحلة “.

ذكره ابن تغري بردي في كتابه المنهل الصافي والمستوفي بعد الوافي فقال : ” ابن دقماق المؤرخ .. إبراهيم بن محمد بن أيدمر بن دقماق صارم الدين جده دقماق أحد الأمراء في أيام الملك الناصر محمد بن قلاوون ، مولده بالديار المصرية في حدود الخمسين وسبعمائة وتزيا بزي الجند وطلب العلم وتفقه يسيرا بجماعة من فقهاء الحنفية ومال إلى الأدب ثم حبب إليه التاريخ فمال إليه بكليته وكتب الكثير وصنف.

قال الشيخ تقي الدين المقريزي : ومال إلى فن التاريخ فأكب عليه حتى كتب نحو المائتين سفر من تأليفه وغير ذلك وكتب تاريخا كبيراً على السنين وتاريخ آخر على الحروف وكتب أخبار الدولة التركية في مجلدين وأفرد سيرة الملك الظاهر برقوق وكتب طبقات الحنفية وامتحن بسببها انتهى كلام المقريزي ، قلت : وتصانيفه جيدة مفيدة واطلاعه كثيرة واعتقاده حسن ولم يكن عنده فحش في كلامه ولا في خطه.

قال المقريزي أيضا : وكان الصارم عارفا بأمور الدولة التركية مذاكرا بجملة أخبارها مستحضرا لتراجم أمرائها ويشارك في أخبار غيرها مشاركة جيدة ، وكان جميل العشرة فكه المحاضرة كثير التودد، حافظا للسانه من الوقيعة في الناس لاتراه يذم أحدا من معارفه بل يتجاوز عن ذكر ما هو مشهور عنهم مما يرمي به أحدهم ويعتذر عنهم بكل طريق ، صحبته مدة وجاورني سنين انتهى كلام المقريزي باختصار.

ثم ولي دمياط فلم ينتج أمره وعزل وعاد إلى القاهرة ومات بعد قليل في ليلة الثلاثاء لثمان بقين من ذي الحجة سنة تسع وثمانمائة عن نحو الستين سنة رحمه الله “.

وذكره الحافظ شمس الدين السخاوي في كتابه الضوء اللامع لأهل القرن التاسع وذكر رأي ابن حجر والمقريزي فيه فقال : ” إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن دقماق صارم الدّين القاهري الْحَنَفِيّ مؤرخ الديار المصرية فِي وقته ودقماق كَانَ أحد الْأُمَرَاء الناصرية مُحَمَّد بن قلاون وَهُوَ جد أَبِيه فَهُوَ مُحَمَّد بن ايدمر بن دقماق.

قَالَ شَيخنَا فِي مُعْجَمه ولد فِي حُدُود الْخمسين وَسَبْعمائة واعتنى بالتاريخ فَكتب مِنْهُ الْكثير بِخَطِّهِ وَعمل تَارِيخ الْإِسْلَام وتاريخ الْأَعْيَان وطبقات الْحَنَفِيَّة وَغير ذَلِك وامتحن فِي سنة أَربع وَثَمَانمِائَة بِسَبَب شَيْء قَالَه فِي تَرْجَمَة الشَّافِعِي وَكَانَ يحب الأدبيات مَعَ عدم مَعْرفَته بِالْعَرَبِيَّةِ وَلكنه كَانَ جميل الْعشْرَة كثير الفكاهة حسن الود قَلِيل الوقيعة فِي النَّاس.

وَزَاد فِي أنبائه عَامي الْعبارَة وَأَنه ولي فِي آخر الْأَمر إمرة دمياط فَلم تطل مدَّته فِيهَا وَرجع إِلَى الْقَاهِرَة فَمَاتَ بهَا فِي ذِي الْحجَّة سنة تسع وَقد جَاوز السِّتين ، قلت وَهُوَ أحد من اعْتَمدهُ شَيخنَا فِي أنبائه الْمَذْكُور قَالَ وغالب مَا أنقله من خطه وَمن خطّ ابْن الْفُرَات عَنهُ وَقد اجْتمعت بِهِ كثيرا ثمَّ ذكر أَنه بعد ابْن كثير عُمْدَة الْعَيْنِيّ حَتَّى يكَاد يكْتب مِنْهُ الورقة الْكَامِلَة مُتَوَالِيَة وَرُبمَا قَلّدهُ فِيمَا يهم فِيهِ حَتَّى فِي اللّحن الظَّاهِر.

والمحنة الْمشَار إِلَيْهَا قد ذكرهَا شَيخنَا فِي سنة خمس لَا أَربع وَعبارَته وفيهَا أثْنَاء السّنة كائنة ابْن دقماق وجد بِخَطِّهِ خطّ صَعب على الإِمَام الشَّافِعِي فطولب بذلك من مجْلِس القَاضِي الشَّافِعِي فَذكر أَنه نَقله من كتاب عِنْد أَوْلَاد الطرابلسي فعزره القَاضِي جلال الدّين بِالضَّرْبِ وَالْحَبْس قَالَ وَلم يكن الْمَذْكُور يستأهل ذَلِك ، وَقَالَ غَيره أَنه تزيا بزِي الْجند وَطلب الْعلم وتفقه يَسِيرا بِجَمَاعَة وَمَال إِلَى الْأَدَب ثمَّ حبب إِلَيْهِ التَّارِيخ وتصانيفه فِيهِ جَيِّدَة مفيدة واطلاعه كثير واعتقاده حسن وَلم يكن عِنْده فحش فِي كَلَامه وَلَا فِي خطه

وَقَالَ المقريزي أَنه أكب عَلَيْهِ حَتَّى كتب فِيهِ نَحْو مِائَتي سفر من تأليفه وَغير ذَلِك وَكتب تَارِيخا كَبِيرا على السنين وَآخر على الْحُرُوف وأخبار الدولة التركية فِي مجلدين وسيرة للظَّاهِر برقوق وطبقات للحنفية وامتحن بِسَبَبِهَا وَكَانَ عَارِفًا بِأُمُور الدولة التركية مذاكرا بجملة أَخْبَارهَا مستحضرا لتراجم أمرئها ويشارك فِي غَيرهَا مُشَاركَة جَيِّدَة وَقَالَ أَنه كَانَ حَافِظًا لِلِسَانِهِ من الوقيعة فِي النَّاس لَا ترَاهُ يذم أحد من معارفه بل يتَجَاوَز عَن ذكر مَا هُوَ مَشْهُور عَنْهُم مِمَّا يرْمى بِهِ أحدهم بل يعْتَذر عَنهُ بِكُل طَرِيق صحبته مُدَّة وجاورني سِنِين وَهُوَ عِنْده فِي عقوده أَيْضا “.

14 / صبح الأعشى في صناعة الإنشا

أعظم مؤلفي عصر الجراكسة هو أبو العباس شهاب الدين أحمد بن علي بن أحمد الفزاري ، ويرجع في نسبه إلى قبيلة فزارة المشهورة وهي فرع من قبيلة غطفان القيسية النجدية ، ولد في قرية قلقشندة من أعمال القليوبية عام 756 هـ / 1355 م وتوفي بالقاهرة عام 821 هـ / 1418 م ، درس في القاهرة والإسكندرية وبرع في الأدب والفقه الشافعي واشتهر بالبلاغة وحسن الكتابة فالتحق بالعمل في ديوان الإنشاء في عهد السلطان برقوق.

واشتهر القلقشندي بكتابه الموسوعي (صبح الأعشى في صناعة الإنشا) والذي يبلغ أربعة عشر مجلدا وتميز عن سائر الموسوعات في عصره بإضافة الكثير من الوثائق إلى متن الكتاب حيث قام المؤلف بنسخ محتويات عدد كبير جدا من المكاتبات والعقود والمناشير والرسائل وضمنها فصوله فجاء الكتاب جامعا لحجم كبير جدا من المعلومات المصحوبة بإثباتات لا تحتمل الشك نقلها عن سابقيه ممن تولوا كتابة الإنشاء.

وفي الكتاب يتناول القلقشندي صفات كاتب الإنشاء ومؤهلاته وأدوات الكتابة وتاريخ الدواوين وتطورها وكيفية إشرافها على الجهاز التنفيذي للدولة في زمنهم وأيضاً يتناول فنون الكتابة وأساليبها ، ويشتمل الكتاب على موضوعات متعددة منها أنظمة الحكم والإدارة والسياسة والاقتصاد والمكاتبات والولايات والعهود والعادات والتقاليد في تلك المرحلة الزمنية وما يسبقها وكيف تطورت بمرور الزمن.

وينقل الكتاب صورة حية عن أحوال السلطنة المملوكية من جوانبها الاجتماعية والثقافية ومظاهر الحياة المختلفة فيصف أشكال ملابس الجنود والأسلحة ومواكب تنصيب الخلفاء والسلاطين ومناسبات استطلاع هلال رمضان وموائد الإفطار وملاعب السباق والألعاب الرياضية ويصف أشكال العمائم والملابس ومراكب الدواب ومظاهر المجتمع العربي وتقاليده وأعرافه وظواهره الاجتماعية.

كما أفرد القلقشندي مساحة كبيرة للقبائل العربية وأنسابها ومنازلها في الديار المصرية وتاريخ هجراتها وتحركاتها وتأثيرها الثقافي والاجتماعي في محيطها الجغرافي وعلاقتها بالسلطة الحاكمة ، ويمكن من خلال تتبع ذلك معرفة التغيرات الديموغرافية التي حدثت في مصر والشام في العصر المملوكي المتأخر والذي شهد بداية الصدام بين القبائل العربية والمماليك الجراكسة وساهم في زوال دولتهم.

ومن مؤلفاته الأخرى كتاب حلية الفضل وزينة الكرم في المفاخرة بين السيف والقلم وكتاب قلائد الجمان في التعريف بقبائل عرب الزمان (ويتناول القبائل العربية في مصر ومنازلها) وكتاب ضوء الصبح المسفر (وهو مختصر صبح الأعشى) وكتاب نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب (ويتناول فهرسا لأنساب القبائل العربية جميعا مرتبة على حروف الهجاء) وكتاب الغرامية في مصطلح الحديث وكتاب مآثر الإنافة في معالم الخلافة.

وقد تحدث المؤلف عن نسبه وقبيلته وقريته في كتابه نهاية الأرب فقال : ” بنو بدر من فزارة من قيس عيلان وفزارة يأتي نسبه عند ذكره في حرف الفاء ، قال في العبر : وفيهم كانت رياسة بني فزارة في الجاهلية وكانوا يرأسون جميع غطفان وتدين لهم قيس وإخوانهم بنو ثعلبة بن عدي.

ومنهم كان حذيفة بن بدر بن عمر بن حربة بن لوذان بن ثعلبة بن عدي ابن فزارة وهو صاحب الفرس المعروفة بالغبراء التي أجريت مع الفرس المعروف بداحس وكان بسببها الحرب المعروف بحرب داحس بين عبس وغطفان على ما هو مذكور في كتب السير.

قلت : وبنو بدر هؤلاء قبيلتنا التي إليها نعتزي وفيها ننتسب ومنهم جل عرب بلاد القليوبية من الديار المصرية ويجاورهم فيها بنو عمهم من بني مازن من فزارة ولكل منها بلاد تخصه ولا زالت بينهما العداوة والشحناء ولبني بدر منهم الرئاسة والقوة والغلبة وأهل بلدتنا قلقشندة من القليوبية فرقتان فرقة من بني بدر وفرقة من بني مازن “.

ذكره ابن حجر العسقلاني في كتابه إنباء الغمر بأبناء العمر وذلك في وفيات سنة 821 هـ فقال : ” أَحمد بن علي بن أَحمد بن  عبد الله القلقشندي الشافعي نزيل القاهرة ، تفقَّه وتمهَّر وتعانى الكتب وكَتَبَ في الإِنشاء وناب في الحكم وكان يستحضر (الحاوى) وكتب شيئًا على (جامع المختصرات) وصنَّف كتابا حافلًا سّماه (صبح الأعشى في معرفة الإنشا) وكان يستحضر أَكثر ذلك ، مات في جمادى الآخرة عن خمس وستين سنة “.

وذكره ابن تغري بردي في كتابه النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة وذلك في وفيات سنة 821 هـ فقال : ” وتوفّى القاضى شهاب الدين أحمد بن عبد الله القلقشندي الشّافعي فى ليلة السّبت عاشر جمادى الآخرة عن خمس وستين سنة بعد أن كتب فى الإنشاء سنين وبرع فى العربيّة وشارك فى الفقه وناب فى الحكم بالقاهرة وعرف الفرائض ونظم ونثر ، وصنّف كتاب صبح الأعشى فى صناعة الإنشاء جمع فيه جمعا كبيرا مفيدا وكتب فى الفقه وغيره “.

وذكره السخاوي في كتابه الضوء اللامع لأهل القرن التاسع فقال : ” أَحْمد بن عَليّ بن أَحْمد بن عبد الله الشهَاب بن الْجمال أبي الْيمن الْفَزارِيّ القلقشندي ثمَّ القاهري الشَّافِعِي وَالِد النَّجْم مُحَمَّد الْآتِي ، ولد سنة سِتّ وَخمسين وَسَبْعمائة واشتغل بالفقه وَغَيره وَسمع على ابْن الشيخة وَمن فِي وقته وَكَانَ أحد الْفُضَلَاء مِمَّن برع فِي الْفِقْه وَالْأَدب وَكتب فِي الْإِنْشَاء وناب فِي الحكم وَشرح قطعا من جَامع المختصرات بل شرع فِي نظمه وَعمل صبح الْأَعْشَى فِي قوانين الإنشا فِي أَربع مجلدات جمع فِيهِ فأوعى.

وَكَانَ يستحضر أَكثر ذَلِك مَعَ جَامع المختصرات وَالْحَاوِي وكتابا فِي أَنْسَاب الْعَرَب ، وَهُوَ مِمَّن قرض سيرة الْمُؤَيد لِابْنِ ناهض مَعَ تواضع ومروءة وَخير ، مَاتَ فِي يَوْم السبت عَاشر جُمَادَى الْآخِرَة سنة إِحْدَى وَعشْرين وَله خمس وَسِتُّونَ سنة ، ذكره شَيخنَا فِي مُعْجَمه وأنبائه والمقريزي والعيني وَآخَرُونَ وسمى الْعَيْنِيّ والمقريزي وَالِده عبد الله وَهُوَ وهم وَقَالَ آخر أَنه برع فِي الْعَرَبيَّة وَعرف الْفَرَائِض وشارك فِي الْفِقْه وَسمع الحَدِيث ونظم ونثر وأرخ وَفَاته فِي لَيْلَة السبت عَاشر جُمَادَى الثَّانِيَة “.

وقد استهل القلقشندي كتابه الكبير بخطبة بليغة يوضح فيها الأساب التي حملته على تصنيفه حيث يقول : ” بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ خطبة الكتاب .. الحمد لله جاعل المرء بأصغريه قلبه ولسانه والمتكلم بأجمليه فصاحته وبيانه راقم حقائق المعاني بأقلام الإلهام على صفحات الأفكار جامع اللسان والقلم على ترجمة ما في الضمائر ذاك للأسماع وهذا للأبصار الذي حفظ برسوم الخطوط ما تكلّ الأذهان السليمة عن حفظه وتبلغ بوسائطها على البعد ما يعسر على المتحمل تأديته بصورة معناه ولفظه.

أحمده على أن وهب من بنات الأفكار ما يربو في الفخر على ذكور الصوارم ومنح من جواهر الخواطر ما يزكو مع الإنفاق ولا ينقص بالمكارم ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة يوقّع لصاحبها بالنجاة من النار ويكتب قائلها في ديوان الأبرار وأن محمدا عبده ورسوله الذي اهتزّت لهيبته الأسرّة وشرفت بذكره المنابر وضاقت عن درك وصفه الطروس ونفدت دون إحصاء فضله المحابر صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين قلّدوا أمور الدين فقاموا بواجبها وحمّلوا أعباء الشريعة فانتشرت بهم في مشارق الأرض ومغاربها صلاة تسطّر في الصحف وتفوق بهجتها الروض الأنف.

وبعد ، فلما كانت الكتابة من أشرف الصنائع وأرفعها وأربح البضائع وأنفعها وأفضل المآثر وأعلاها وآثر الفضائل وأغلاها لا سيما كتابة الإنشاء التي هي منها بمنزلة سلطانها وإنسان عينها بل عين إنسانها لا تلتفت الملوك إلا إليها ولا تعوّل في المهمات إلا عليها يعظّمون أصحابها ويقرّبون كتّابها فحليفها أبدا خليق بالتقديم جدير بالتبجيل والتكريم ، تسرّ مجانيها إذا ما جنى الظّما .. وتروي مجاريها إذا بخل القطر.

وكانت الديار المصرية والمملكة اليوسفية أعز الله تعالى حماها وضاعف علاها قد تعلقت من الثريّا بأقراطها ورجحت سائر الأقاليم بقيراطها بشّر بفتحها الصادق الأمين فكانت أعظم بشرى وأخبر سيد المرسلين أن لأهلها نسبا وصهرا فتوجهت إليها عزائم الصحابة زمن الفاروق فجاسوا خلال الديار وعرها وسهلها واقتطعتها أيدي المسلمين من الكفار وكانوا أحقّ بها وأهلها.

ثم لم يزل يعلو قدرها ويسمو ذكرها إلى أن صارت دار الخلافة العباسيّة وقرار المملكة الإسلامية وفخرت مملكتها بخدمة الحرمين وخدمها سائر الملوك والأمم لحيازة القبلتين ، تناهت علاء والشّباب رداؤها .. فما ظنّكم بالفضل والرّأس أشيب ، وحظيت من فضلاء الكتّاب بما لم تحظ مملكة من الممالك ولا مصر من الأمصار وحوت من أهل الفضل والأدب ما لم يحو قطر من الأقطار فما برحت متّوجة بأهل الأدب في الحديث والقديم مطرّزة من فضلاء الكتّاب بكل مكين أمين وحفيظ عليم ، نجوم سماء كلّما غاب كوكب .. بدا كوكب تأوي إليه كواكبه.

هذا ، والمؤلفون في هذه الصنعة قد اختلفت مقاصدهم في التصنيف وتباينت مواردهم في الجمع والتأليف ، ففرقة أخذت في بيان أصول الصنعة وذكر شواهدها وأخرى جنحت إلى ذكر المصطلحات وبيان مقاصدها ، وطائفة اهتمّت بتدوين الرسائل ليقتبس من معانيها ويتمسّك بأذيالها وتكون أنموذجا لمن بعدهم يسلك سبيلها من أراد أن ينسج على منوالها ولم يكن فيها تصنيف جامع لمقاصدها ولا تأليف كافل بمصادرها الجليلة ومواردها.

بل أكثر الكتب المصنّفة في بابها والتآليف الدائرة بين أربابها لا يخرج عن علم البلاغة المرجوع فيها إليه أو الألفاظ الرائقة مما وقع اختيار الكتّاب عليه أو طرف من اصطلاح قد رفض وتغير أنموذجه ونقض ، فلا يغني النظر فيه المقلّد من كتّاب الزمان ولا يكتفي به القاصر في أوان بعد أوان على أن معرفة المصطلح هي اللازم المحتّم والمهمّ المقدّم لعموم الحاجة إليه واقتصار القاصر عليه ، إن الصّنيعة لا تكون صنيعة .. حتّى يصاب بها طريق المصنع.

وكان الدّستور الموسوم بالتعريف بالمصطلح الشريف صنعة الفاضل الألمعيّ والمصقع اللوذعيّ ملك الكتابة وإمامها وسلطان البلاغة ومالك زمامها المقرّ الشهابيّ أحمد بن فضل الله العدويّ العمري سقى الله تعالى عهده العهاد وألبسه سوابغ الرحمة والرّضوان يوم المعاد هو أنفس الكتب المصنّفة في هذا الباب عقدا وأعدلها طريقا وأعذبها وردا قد أحاط من المحاسن بجوانبها وأعقمت الأفكار عن مثله ففاز من الصنعة بأحمد مذاهبها فكان حقيقا بقوله في خطبته : يا طالب الإنشاء خذ علمه عنّي فعلمي غير منكور .. ولا تقف في باب غيري فما تدخله إلا بدستوري.

إلا أنه قد أهمل من مقاصد المصطلح أمورا لا يسوغ تركها ولا ينجبر بالفدية لدى الفوات نسكها كالبطائق والملطفات والمطلقات المكبرة في جملة كثيرة من المكاتبات فلم يقع الغنى به عما سواه ولا الاكتفاء بالنظر فيه عما عداه.

ثم تلاه المقرّ التقوي ابن ناظر الجيش رحمه الله بوضع دستوره المسمّى بتثقيف التعريف مقتفيا أثره في الوضع وجاريا على سننه في التأليف مع إيراد ما أهمله في تعريفه وذكر ما فاته من مصطلح ما يكتب أو حدث بعد تأليفه فاشتهر ذكره وعز وجوده ووقع الضنّ به حتّى بخل بإعارته من عرف كرمه وجوده ، وكان مع ذلك قد ترك مما تضمنه التعريف مقاصد لا غنى بالكاتب عنها ولا بد للمتلبس بهذه الصناعة منها كالوصايا والأوصاف التي هي عمدة الكاتب ومراكز البريد وأبراج الحمام وغير ذلك من متممات الواجب وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب فصار كلّ من الدّستورين منفردا عن الآخر بقدر زائد ولم تقع الغنية بأحدهما عن الآخر وإن كانا في معنى واحد.

وكيفما كان فالاقتصار على معرفة المصطلح قصور والإضراب عن تعرّف أصول الصنعة ضعف همّة وفتور والمقلّد لا يوصف بالاجتهاد وشتّانين من يعرف الحكم عن دليل ومن جمد على التقليد مع جزم الاعتقاد ، ولم أر في عيوب الناس شيئا .. كنقص القادرين على التّمام ، وقد ثبت في العقول أن البناء لا يقوم على غير أساس والفرع لا ينبت إلا على أصل والثمر لا يجتنى من غير غراس.

وكنت في حدود سنة إحدى وتسعين وسبعمائة عند استقراري في كتابة الإنشاء بالأبواب الشريفة السلطانية عظم الله تعالى شأنها ورفع قدرها وأعز سلطانها ، أنشأت مقامة بنيتها على أنه لا بدّ للإنسان من حرفة يتعلق بها ومعيشة يتمسّك بسببها وأن الكتابة هي الصناعة التي لا يليق بطالب العلم من المكاسب سواها ولا يجوز له العدول عنها إلى ما عداها وجنحت فيها إلى تفضيل كتابة الإنشاء وترجيحها وتقديمها على كتابة الأموال وترشيحها.

ونبّهت فيها على ما يحتاج إليه كاتب الإنشاء من الموادّ وما ينبغي أن يسلكه من الجوادّ وضمنتها من أصول الصنعة ما أربت به على المطوّلات وزادت وأودعتها من قوانين الكتابة ما استولت به على جميع مقاصدها أو كادت ، وأشرت فيها إلى وجه تعلّقي بحبال هذه الصنعة وإن لم أكن بمطلوبها مليّا وانتسابي إلى أهلها وإن كنت في النسبة إليها دعيّا ، وليس دعيّ القوم في القوم كالّذي .. حوى نسبا في الأكرمين عريقا.

إلا أنها قد وقعت موقع الوحي والإشارة ومالت إلى الإيجاز فاكتفت بالتلويح عن واسع العبارة فعزّ بذلك مطلبها وفات على المجتني ببعد التناول أطيبها فأشار من رأيه مقرون بالصواب ومشورته عريّة عن الارتياب أن أتبعها بمصنّف مبسوط يشتمل على أصولها وقواعدها ويتكفّل بحلّ رموزها وذكر شواهدها ليكون كالشرح عليها والبيان لما أجملته والتّتمّة لما لم يسقه الفكر إليها.

فامتثلت أمره بالسمع والطاعة ولم أتلكّأ وإن لم أكن من أهل هذه الصناعة غير أن القريحة بذلك لم تسمح وصار المقتضي يضعف والمانع يترجّح لأعذار قد تشابه محكمها وضرورات إن لم يعلمها الخلق فالله يعلمها إلى أن لاحت لي بوارق الفتح وظهرت ولله الحمد آثار المنح ، فعند ذلك بلغت النفس أملها وأضفت مواهب الامتنان حللها وتلا لسان العناية على الغبيّ الحاسد ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها.

فشرعت في ذلك بعد أن استخرت الله تعالى وما خاب من استخار وراجعت أهل المشورة وما ندم من استشار ، مستوعبا من المصطلح ما اشتمل عليه التعريف والتثقيف موضحا لما أبهماه بتبيين الأمثلة مع قرب المأخذ وحسن التأليف ومتبرعا بأمور زائدة على المصطلح الشريف لا يسع الكاتب جهلها متنقّلا من توجيه المقاصد وتبيين الشواهد بما يعرف به فرع كل قضية وأصلها آتيا من معالم الكتابة بكل معنى غريب.

ناقلا الناظر في هذا المصنّف عن رتبة أن يسأل فلا يجاب إلى رتبة أن يسأل فيجيب منبهّا على ما يحتاج إليه الكاتب من الفنون التي يخرج بمعرفتها عن عهدة الكتابة ودركها ذاكرا من أحوال الممالك المكاتبة عن هذه المملكة ما يعرف به قدر كل مملكة وملكها مبينا جهة قاعدتها التي هي محل الملك شرقا أو غربا أو جنوبا أو شمالا معرفا الطريق الموصل إليها برّا وبحرا وانقطاعا واتصالا ذاكرا مع كل قاعدة مشاهير بلدانها إكمالا للتعريف ضابطا لأسمائها بالحروف كي لا يدخلها التبديل والتحريف.

وسمّيته (صبح الأعشى في كتابة الإنشا) راجيا من الله تعالى أن يكون بالمقصود وافيا وللغليل شافيا ، وليعذر الواقف عليه فنتائج الأفكار على اختلاف القرائح لا تتناهى وإنما ينفق كل أحد على قدر سعته لا يكلف الله نفسا إلّا ما آتاها ورحم الله من وقف فيه على سهو أو خطأ فأصلحه عاذرا لا عاذلا ومنيلا لا نائلا فليس المبرأ من الخطل إلا من وقى الله وعصم وقد قيل : الكتاب كالمكلف لا يسلم من المؤاخذة ولا يرتفع عنه القلم ، والله تعالى يقرنه بالتوفيق ويرشد فيه إلى أوضح طريق وما توفيقي إلّا بالله عليه توكّلت وإليه أنيب “.

15 / الخصائص النبوية

(الخصائص النبوية) هو الاسم المختصر لكتاب بعنوان (الإبريز الخالص عن الفضة في إبراز معاني خصائص المصطفى التي في الروضة) والذي صنفه قاضي القضاة بالديار المصرية الإمام أبو الفضل جلال الدين عبد الرحمن بن عمر بن رسلان بن نصير الكناني البلقيني الذي ولد في القاهرة عام 763 هـ / 1361 م وتوفي فيها عام 824 هـ / 1420 م ، والده هو شيخ الإسلام سراج الدين عمر البلقيني مجدد الإسلام على رأس المائة الثامنة والمتوفي عام 805 هـ وجده لوالدته هو بهاء الدين ابن عقيل شارح الألفية المتوفي عام 769 هـ وزوجته هي ابنة نائب السلطنة الأمير سيف الدين تغري بردي الأتابكي الرومي.

وقد كتب القاضي عدة مؤلفات في التفسير والفقه والحديث وعلوم القرآن منها كتاب حواش على الروضة وكتاب نهر الحياة وكتاب مناسبات أبواب تراجم البخاري وكتاب بيان الكبائر والصغائر وكتاب الإفهام لما في صحيح البخاري من الإبهام وكتاب مواقع العلوم من مواقع النجوم وكتاب تفسير القرآن الكريم وكتاب نكت على منهاج الطالبين وكتاب نكت على الحاوي الصغير وكتاب ترجمة والده سراج الدين البلقيني وكتاب بذل النصيحة في دفع الفضيحة (في الوعظ) وكتاب نظم منتهى السول والأمل وكتاب جواب الأسئلة المغربية وكتاب جواب الأسئلة المكية وكتاب جواب الأسئلة اليمنية.

ويتناول الكتاب مسألة أصولية وفقهية هامة تؤثر في الأحكام القضائية في وقتها خاصة في الأحوال الشخصية وهي المتعلقة بحجية السنة في الأمور المتعلقة بحياة النبي صلى الله عليه وسلم وما كان فيها من أحكام خاصة به وحده فلا تكون مجالا للتقليد وأحكام عامة له ولأمته من بعده فتكون مجالا للاقتداء والتأسي ، وهو شرح لتلخيص عمله لكتاب والده (الفوائد المحضة على الرافعي والروضة) وضمنه آراء من سبقه في هذا الموضوع فاستقى من كتاب الشفاء للقاضي عياض وكتاب توثيق عرى الإيمان للإمام شرف الدين البارزي. 

ويشرح ذلك في مقدمة كتابه فيقول : ” بسم الله الرحمن الرحيم وما توفيقي إلا بالله ، الحمد لله الذي خص خير العباد بعمومات دل عليها منطوق المنصوص وخصوصات أوضحها بين الخطاب وواضح النصوص فهي في وجه الدهر غرة في تاج الدين كأعلى الجواهر والفصوص فالسعيد من اشتغل بها ولم يزل على دررها في بحار الفكر يغوص ، أحمده على أن جعلنا من أمته الذين حصل لهم بالعمومات فضل بالخصوص وأشكره على أن أخلصنا لخدمة شريعته ففزنا بذلك الخلوص.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة نافعة يوم الفزع والشخوص وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الهادي إلى طريق الإيمان بعد إعراض الخلق عنه والنكوص صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين جاهدوا عن دينه صفا كأنهم لنيان مرصوص وعلى من تبعهم بإحسان فهو على الخير مقصور من الشر منقوص.

أما بعد ، فقد تكلم العلماء في خصائص خير البشر وأبدوا في ذلك الفوائد الغرر فحصل من ذلك الشفاء وتوثيق عرى الإيمان بتقريرها وتحريرها في الأذهان وقد وضعها الإمام الشافعي رضي الله عنه وأصحابه في باب النكاح لكثرة الخصائص فيه وجرى ذلك الإمامان المتأخران الرافعي والنووي تبعا للغزالي في الوجيز ، وقد تكلمت على الخصائص المذكورة في الكتابين المذكورين في ضمن تلخيص الفوائد المحضة.

ثم سألني بعض إخواني في الدين إفراد ذلك لتحصل الفرصة بهذه القربة فأجبته إلى سؤاله تعجيلا للنفع له ولأمثاله وسميته (الإبريز الخالص عن الفضة في إبراز معاني الخصائص التي في الروضة) ، والله تعالى أسأل أن ينفع به الطلاب وأن يجعله ذخيرا ليوم العرض والحساب ، آمين والحمد لله رب العالمين “.

وقد ذكره صهره المؤرخ جمال الدين أبو المحاسن يوسف بن تغري بردي في كتابه النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة وذلك في أحداث سنة 824 هـ فقال : ” وتوفّى قاضى القضاة شيخ الإسلام جلال الدين أبو الفضل عبد الرحمن ابن شيخ الإسلام سراج الدين عمر بن رسلان بن نصير بن صالح البلقينىّ الشافعى قاضى الديار المصريّة وعالمها فى ليلة الخميس حادى عشر شوّال عن ثلاث وستين سنة بعد مرض طويل تمادى به فى دمشق لمّا كان مسافرا صحبة السّلطان إلى مصر ، وصلّى عليه بالجامع الحاكمى وأعيد إلى حارة بهاء الدين ودفن على أبيه بمدرسته التى أنشأها تجاه داره.

وهو صهرى زوج كريمتى والذي تولّى تربيتى رحمه الله تعالى ، ومات ولم يخلف بعده مثله فى كثرة علومه وعفته عما يرمى به قضاة السّوء ، وكان مولده بالقاهرة فى جمادى الأولى سنة اثنتين وستين وسبعمائة هكذا سمعته من لفظه غير مرّة وأمّه بنت قاضى القضاة بهاء الدين بن عقيل الشافعى النحوى.

ونشأ بالقاهرة وحفظ القرآن العزيز وعدّة متون وتفقّه بوالده وبغيره إلى أن برع فى الفقه والأصول والعربيّة والتفسير وعلمى المعانى والبيان وأفتى ودرّس فى حياة والده ، وولى قضاء العسكر بالديار المصرية ثم ولى قضاء القضاة بها فى إحدى الجمادتين من سنة أربع وثمانمائة فى حياة والده عوضا عن قاضى القضاة ناصر الدين محمد الصّالحىّ وذلك أوّل ولايته وعزل ثم ولّى غير مرة ، حرّرنا ذلك فى تاريخنا المنهل الصافى والمستوفى بعد الوافى.

وكانت جنازته مشهورة إلى الغاية وحمل نعشه على رءوس الأصابع ، وكان ذكيّا مستحضرا عارفا بالفقه ودقائقه مستقيم الذّهن جيّد التصور حافظا فصيحا بليغا جهورىّ الصّوت مليح الشكل للطول أقرب أبيض مشربا بحمرة صغير اللحية مدوّرها منوّر الشّيبة جميلا وسيما ديّنا عفيفا مهابا جليلا معظّما عند الملوك والسلاطين حلو المحاضرة رقيق القلب سريع الدّمعة ، على أنّه كان فيه بادرة وحدّة مزاج غير أنها كانت تزول عنه بسرعة ويأتى يعد ذلك من محاسنه ما ينسى معه كل شيء.

وكان محبّبا للرّعية متجملا فى ملبسه ومركبه ، ومدحه خلائق من العلماء والشعراء أنشدنى قاضى القضاة جلال الدين أبو السعادات محمد بن ظهيرة قاضى مكة وعالمها من لفظه لنفسه بمكة المشرفة مديحا فى قاضى القضاة جلال الدين المذكور فى سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة قال رحمه الله (الطويل) : هنيئا لكم يا أهل مصر جلالكم .. عزيز فكم من شبهة قدّ جلالكم .. ولولا اتّقاء الله جلّ جلاله .. لقلت لفرط الحبّ جلّ جلالكم “.

وذكره ابن حجر العسقلاني في كتابه إنباء الغمر بأبناء العمر وذلك في وفيات سنة 824 هـ : ” عبد الرحمن ، القاضي جلال الدين بن شيخ الإِسلام سراج الدين عمر ابن رسلان بن نصير بن صالح بن عبد الخالق البلقيني ، وُلد في جمادى الأُولى سنة ثلاث وستين وسبعمائة وتفقَّه بأَبيه وكان ذكيًّا جيّد الحفظ فحفظ (التدريب) وبحث في (الحاوي) ودخل مع أبيه إلى دمشق لما ولى القضاء وهو صغير ، ولم نقف له في طول عمره على سماع شيء لا بمصر ولا بدمشق إلَّا على والده ومع ذلك فكان من عجائب الدنيا في سرعة الفهم وجودة الحفظ.

وأَوّل شيء ولى توقيع الدست ثم ولى قضاء العسكر بعد موت أخيه بدر الدين ، وكان شديد البأْو تياها ومن لم يقل له (قاضي القضاة) يغضب منه وله مع القضاة وغيرهم وقائع فلما تحقَّق موت صدر الدين المناوى ووثوب القاضي ناصر الدين الصالحي على المنصب شقَّ عليه وسعى إلى أن ولى في رابع جمادى الآخرة سنة أربع وثماني مائة كما تقدّم ثم سعى عليه الصالحي وعاد ثم مات فولى الإِخنائى ثم سعى على الإخنائي فعاد ثم تناوب معه مرارًا ، وفى أواخرها استقرّت قدمه من سنة ثمان وثمانى مائة إلى أَن صُرِف بالباعوني بعد قتْل الناصر سنة خمس عشرة ثم أُعيد عن قريب من شهر واحد واستمر إلى أَن صُرف بالهروى في سنة إحدى وعشرين ثم أُعيد بعد عشرة أَشهر فلم يزل إلى أَن مات وقد مضى بسط ذلك في الحوادث.

وكان قد اعتراه – وهو بالشام – قولنج فلازمه في العود وحصل له صرع فكتموه ، ولما دخل القاهرة عجز عن الركوب في الموكب فأَقام أَيامًا عند أَهله ثم عاوده الصرع في يوم الأحد سابع شوال ثم عاوده إلى أَن مات وقت أَذان العصر من يوم الأَربعاء عاشر شوال وصلى عليه ضحى يوم الخميس ودُفن عند أبيه ، وتقدّم في الصلاة عليه الشيخ شمس الدين بن الديري قَدَّمه أَولادُه ولم تكن جنازته حافلة.

وكان يذاكر الناس في التفسير كل يوم جمعة من حين وفاة أبيه إلى شوال سنة ثلاث وعشرين وكان ابتدأَ فيه من الموضع الذى انتهى إليه أبوه وقطع عند قوله ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ وكان أَقام مدّة طويلة لا يتناول من مال الحرمين معلومًا “.

وذكر السخاوي في الضوء اللامع مؤلفاته وآراء المعاصرين فيه فقال : ” وَقد تَرْجمهُ غير وَاحِد فَقَالَ التقي المقريزي فِي السلوك لَهُ انه لم يخلف بعده مثله فِي كَثْرَة علمه بالفقه وأصوله وَبِالْحَدِيثِ وَالتَّفْسِير والعربية مَعَ الْعِفَّة والنزاهة عَمَّا ترمي بِهِ قُضَاة السوء وجمال الصُّورَة وفصاحة الْعبارَة وَبِالْجُمْلَةِ فَلَقَد كَانَ مِمَّن يتجمل بِهِ الْوَقْت ، وَفِي الْعُقُود الفريدة : كَانَ ذكيا قوي الحافظة وَقد اشْتهر اسْمه وطار ذكره بعد موت أَبِيه وانتهت إِلَيْهِ رياسة الْفَتْوَى وَلم يخلف بعده مثله فِي الاستحضار وَسُرْعَة الْكِتَابَة الْكَثِيرَة على الفتاوي والعفة فِي قَضَائِهِ.

وَقَالَ الْعَلَاء بن خطيب الناصرية : نَشأ فِي الِاشْتِغَال بِالْعلمِ وَأخذ عَن وَالِده ودأب وَحصل حَتَّى صَار فَقِيها عَالما ودرس بِجَامِع حلب لما قدم صُحْبَة السُّلْطَان ، وَقَالَ التقي بن قَاضِي شُهْبَة : الامام الْعَلامَة شيخ الاسلام قَاضِي الْقُضَاة صرف همته إِلَى الْعلم فمهر فِي مُدَّة يسيرَة وَتقدم واشتهر بِالْفَضْلِ وَقُوَّة الْحِفْظ وَدخل مَعَ أَبِيه دمشق فِي سنة ثَلَاث وَتِسْعين والمشايخ اذ ذَاك كَثِيرُونَ فَظهر فَضله وَعلا صيته وَكَانَ أَبوهُ يعظمه ويصغي إِلَى أبحاثه ويصوب مَا يَقُول وَاسْتمرّ على الِاشْتِغَال وَالِاجْتِهَاد والافتاء والتدريس وشغل الطّلبَة إِلَى أَن ولي الْقَضَاء.

وتصانيفه كَثِيرَة فَمِنْهَا سوى مَا أُشير إِلَيْهِ فِيمَا تقدم تَفْسِير لم يكمل ونكت على الْمِنْهَاج لم تكمل أَيْضا وَأُخْرَى على الْحَاوِي الصَّغِير وَمَعْرِفَة الْكَبَائِر والصغائر والخصائص النَّبَوِيَّة وعلوم الْقُرْآن وترجمة أَبِيه وَكتاب فِي الْوَعْظ ونظم ابْن الْحَاجِب الْأَصْلِيّ وَكَانَ الْتزم لكل من حفظه بِخَمْسِمِائَة وخطب جمعيات وأجوبة عَن أسئلة يمنية وَعَن أسئلة مغربية وحواشي على الرَّوْضَة أفردها أَخُوهُ فِي مجلدين.

وَخرج لَهُ شَيخنَا عَن شُيُوخه بالاجازة فهرستا للكتب الْمَشْهُورَة فِي كراسة اجابة لسؤاله فِي ذَلِك فَكَانَ يحدث مِنْهَا عَنْهُم وافتتحه الْمخْرج بسيدنا ومولانا الامام الْعَلامَة تَاج الْفُقَهَاء عُمْدَة الْعلمَاء أوحد الاعلام مفخر أهل الْعَصْر منجع الْأمة قدرَة الْأَئِمَّة وَكَذَا خرج لَهُ مفيدنا الْحَافِظ أَبُو النَّعيم رضوَان أَرْبَعِينَ عشاريات وَغير ذَلِك ، وَحدث بالكثير سمع مِنْهُ الْأَئِمَّة الْحفاظ كَابْن مُوسَى وَابْن نَاصِر الدّين وروى عَنهُ فِي متبايناته الحَدِيث التَّاسِع عشر فِيمَا قَرَأَهُ عَلَيْهِ بروايته عَن أَبِيه “.

16 / الفاكهة البدرية 

(الفاكهة البدرية) هو عنوان كتاب أدبي لطيف يجمع بين قصائد شعرية ومقطوعات نثرية كتبها الشاعر والفقيه بدر الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن عمر المخزومي السكندري المعروف بلقب (ابن الدماميني) الذي ولد في الإسكندرية عام 763 هـ / 1361 م وتوفي في الهند عام 827 هـ / 1423 م أثناء رحلة طويلة قام بها في آخر حياته ، ويرجع في نسبه إلى قبيلة بني مخزوم القرشية المعروفة التي سكنت قرية دمامين في جنوب الصعيد (حاليا المفرجية مركز قوص بمحافظة قنا) ثم انتقلت منها إلى الإسكندرية.

وقد أطلق عليه اسم (الفاكهة البدرية) في تشبيه لمحتواه بالثمار الطيبة ونسبه إلى لقبه (بدر الدين) وضمن فيه مراسلاته مع أدباء وأعيان عصره وتنوعت أغراضه الشعرية ما بين المديح النبوي والوصف والغزل والمدح واللهو والشكوى والهجاء والحنين بالإضافة إلى غرض شعري انتشر في العصر المملوكي وهو (شعر الألغاز والأحاجي) ، وفي الجانب النثري ضمنه أنواعا من المكاتبات المختلفة ومنها الإجازات والتواقيع والرسائل والعهود والمراسيم والمنشورات والوصايا والتقاليد (جمع تقليد وهو قرار تولي الوظيفة).

ومن أهم من تبادل معهم ذلك كل من ناصر الدين التنيسي وشهاب الدين الحلبي الموقع وجمال الدين ابن خلاص وأبي الحسن الأندلسي البسطي وبرهان الدين المحلي وابن حجر العسقلاني وزين الدين طاهر بن حبيب وبدر الدين البشتكي وزين الدين أبي بكر بن العجمي ، وقد عمل الشاعر أول أمره في حياكة الملابس ثم تتلمذ على شيوخ عصره مثل ابن الملقن وابن خلدون وجلال الدين البلقيني وعدد من علماء أسرته وعمل بالتدريس في الإسكندرية والقاهرة ثم رحل إلى اليمن والهند وألف عددا كبيرا من الكتب في مجالات متعددة.

ففي مجال النحو له كتاب الاستدلال بالأحاديث الشريفة على إثبات القواعد النحوية وكتاب تحفة الغريب في الكلام على مغني اللبيب (اشتهر باسم شرح الدماميني) وكتاب تعليق الفرائد على تسهيل الفوائد وكتاب الفتح الرباني في الرد على البنباني وكتاب المزج المنصف من الكلام على مغني اللبيب وكتاب المصابيح في شرح الجامع الصحيح للبخاري وكتاب المنهل الصافي في شرح الوافي في النحو للبلخي وكتاب شرح شذور الذهب لابن هشام الأنصاري وكتاب حاشية على شرح شذور الذهب لابن هشام الأنصاري.

وفي مجال الأدب له ديوان شعري (مخطوطة في مكتبة لابندبرج بأمريكا برقم 594) وكتاب شمس المغرب في المرقص والمغرب وكتاب اللمحة البدرية في علم العربية وكتاب مقاطيع الشرب وكتاب رسالة أدبية وكتاب رسالة في محاسن دمشق ، وفي مجال العروض له كتاب جواهر البحور (ويعرف باسم معادن الجواهر أو بلوغ الأماني شرح قصيدة الدماميني) وكتاب العيون الفاخرة على خبايا الرامزة (شرح القصيدة الخزرجية للخزرجي) وكتاب القوافي ، وفي النقد له كتاب نزول الغيث الذي انسجم في شرح لامية العجم).

وله أيضا عدة كتب في موضوعات أخرى متنوعة مثل كتاب عين الحياة (وهو مختصر لكتاب حياة الحيوان الكبرى للمديري) وكتاب الدر النظيم في أحوال العلوم والتعليم (يتناول تعريفات العلوم) وله خطبة بديعية تضم أسماء السور القرآنية ، أما كتابه الأشهر الفاكهة البدرية فقد حققه الأستاذ حسن عبد الهادي نقلا عن نسخ مخطوطاته الأصلية الأربعة المحفوظة في كل من دار الكتب المصرية بالقاهرة ومكتبة بايزيد في إسطنبول (ولي الدين أفندي) ومكتبة راغب باشا بإسطنبول ومكتبة سان بطرسبرج بمعهد الاستشراق الروسي.

وقد استهل كتابه هذا بمقدمة يقول فيها : ” بسم الله الرحمن الرحيم وما توفيقي إلا بالله ، قال الشيخ الإمام العلامة فريد دهره ووحيد عصره بدر الدين محمد الدماميني المالكي أمتع الله بوجوده الأنام وجعله من الفائزين بدار السلام : أما بعد ، حمدا لله المنظومة آلاؤه كعقود الدرر المنثورة نعمه على سائر البشر والصلاة والسلام على سيدنا محمد أفضل من شعر فكره السري بمعروف وأجل من عمر بيت الفضل بمعنى مجده المعروف وعلى آله وصحبه وعترته وحزبه ، فإن جماعة من الأصحاب رغبوا أن أكتب لهم شيئا مما سنح للقريحة القريحة نظما ونثرا وسمح به الفكر الفاتر سجعا وشعرا.

ولا خفاء في أن إجابة الصاحب إلى مرغوبه متعينة وأن قاضي العقل يحكم بفضيحة مثلي فإنها بينة لكني آثرت الإجابة وإن كان فيها علي خطر وسمحت بالمرغوب بعد أن جال البخل به في الخاطر وخطر ، وأجبت إلى هذا المطلب وإن وجدت به من الفضيحة علي مهالك وجمعت لهم في هذه الأوراق ما تيسر جمعه من ذلك وسميته الفاكهة البدرية لاشتماله على زهر المنظوم والمنثور ولأن التورية تحسن بذلك اللقب المشهور ، والله تعالى يجعلنا ممن زين عقائل فكره بحلي البيان وفتح من الفتح ما يستقل عند ذخيرته قلائد العقيان بمنه وكرمه “.

وقد أثنى عليه أعيان عصره وغيرهم من الأدباء والعلماء ، ومنهم ابن حجة الحموي الذي ذكره في كتابه خزانة الأدب وقال فيه : ” سيدنا العلامة الذي صلت جماعة أهل العصر خلف إمامته وملك قيادة البلاغة ببراعته وعبارته بدر الدين رحلة الطالبين أبو عبد الله محمد بن الدماميني ” ، وذكره المقريزي في كتابه درر العقود الفريدة فقال عنه : ” خبر الناس منه سرعة إدراك وقوة حافظة ” ، وذكره الشوكاني في كتابه البدر الطالع وقال عنه : ” كان أحد الكملة في فنون الأدب أقر له الأدباء بالتقدم فيه وبإجادة النظم والنثر “.

وذكره السيوطي في كتابه بغية الوعاة وقال في حقه : ” ففاق في النحو والنظم والنثر والخط ومعرفة الشروط وشارك في الفقه وغيره وناب في الحكم ودرس بعدة مدارس وتقدم ومهر واشتهر ذكره ” ، وذكره ابن حجر العسقلاني في ذيل الدرر الكامنة فقال : ” إنه كان عارفا بالوثائق حسن الخط رائق النظم والنثر جالسته كثيرا أجاز لي ولأولادي ” ، ومدحه بقوله : أيا بدرا سما فضلا وأرضى .. رعيته وفي الظلماء ضاء .. ويا أقضى القضاة ومرتضاها .. وأحسنها لما يقضي أداء .. تهن العام أقبل في سرور .. وأبدى للهناء بكم هناء .. روى وأشار مقتبسا إليكم .. خيار الناس أحسنهم قضاء.

وقد ترجم له السخاوي في كتابه الضوء اللامع وذكر جانبا من أشعاره فقال : ” مُحَمَّد بن أبي بكر بن عمر بن أبي بكر بن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان بن جَعْفَر ابْن يحيى بن حُسَيْن بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن أبي بكر بن يُوسُف بن عَليّ بن صَالح ابْن إِبْرَاهِيم الْبَدْر الْقرشِي المَخْزُومِي السكندري الْمَالِكِي وَيعرف بِابْن الدماميني وَهُوَ حفيد أخي الْبَهَاء عبد الله بن أبي بكر شيخ شُيُوخنَا وأخيه مُحَمَّد شيخ الزين الْعِرَاقِيّ وسبط نَاصِر الدّين بن الْمُنِير مؤلف المقتفي والانتصاف من الْكَشَّاف، وَالثَّلَاثَة من الْمِائَة الثَّامِنَة.

ولد سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة باسكندرية وَسمع بهَا من الْبَهَاء بن الدماميني قَرِيبه الْمشَار إِلَه وَعبد الْوَهَّاب الْقَرَوِي فِي آخَرين وَكَذَا بِالْقَاهِرَةِ من السراج بن الملقن وَالْمجد إِسْمَاعِيل الْحَنَفِيّ وَغَيرهمَا وبمكة من القَاضِي أبي الْفضل النويري ، واشتغل بِبَلَدِهِ على فضلاء وقته فمهر فِي الْعَرَبيَّة وَالْأَدب وشارك فِي الْفِقْه وَغَيره لسرعة ادراكه وَقُوَّة حافظته ، ودرس باسكندرية فِي عدَّة مدارس وناب بهَا عَن ابْن التنسي فِي الحكم وَقدم مَعَه الْقَاهِرَة وناب بهَا أَيْضا بل تصدر بالأزهر لإقراء النَّحْو.

وَدخل دمشق مَعَ ابْن عَمه سنة ثَمَانمِائَة وَحج مِنْهَا ثمَّ رَجَعَ إِلَى بَلَده وَأقَام بهَا تَارِكًا النِّيَابَة بل ولى خطابة جَامعهَا مَعَ إقبال على الِاشْتِغَال وإدارة دولاب متسع للحياكة وَغير ذَلِك إِلَى أَن وقف عَلَيْهِ مَال كثير بل واحترقت دَاره ففر من غُرَمَائه إِلَى جِهَة الصَّعِيد فتبعوه أحضروه إِلَى الْقَاهِرَة مهانا فَقَامَ مَعَه التقي بن حجَّة وأعانه كَاتب السِّرّ نَاصِر الدّين بن الْبَارِزِيّ حَتَّى صلح حَاله وَحضر مجْلِس الْمُؤَيد ، وَعين لقَضَاء الْمَالِكِيَّة بِمصْر فَرمى بقوادح غير بعيدَة عَن الصِّحَّة.

وَاسْتمرّ مُقيما إِلَى شَوَّال سنة تسع عشرَة فحج وسافر لبلاد الْيمن فِي أول الَّتِي تَلِيهَا فدرس بِجَامِع زبيد نَحْو سنة وَلم يرج لَهُ بهَا أَمر فَركب الْبَحْر إِلَى الْهِنْد فاقبل عَلَيْهِ أَهلهَا كثيرا وَأخذُوا عَنهُ وعظموه وَحصل دنيا عريضة فَلم يلبث أَن مَاتَ ، وَكَانَ أحد الكملة فِي فنون الْأَدَب أقرّ لَهُ الأدباء بالتقدم فِيهِ وبإجادة القصائد والمقاطيع والنثر مَعْرُوفا باتقان الوثائق مَعَ حسن الْخط والمودة.

وصنف نزُول الْغَيْث انتقد فِيهِ أَمَاكِن من شرح لامية الْعَجم للصلاح الصَّفَدِي الْمُسَمّى بالغيث الَّذِي انسجم قرضه لَهُ أَئِمَّة عصره فأمعنوا وَكَذَا عمل تحفة الْغَرِيب فِي حَاشِيَة مغنى اللبيب وهما حاشيتان يمنية وهندية وَقد أَكثر من تعقبه فِيهَا شَيخنَا التقي الشمني وَكَانَ غير وَاحِد من فضلاء تلامذته ينتصر للبدر ، وَشرح البُخَارِيّ وَقد وقفت عَلَيْهِ فِي مُجَلد وَجلة فِي الْإِعْرَاب وَنَحْوه ، وَشرح أَيْضا التسهيل والخزرجية ، وَله جَوَاهِر البحور فِي الْعرُوض وَشَرحه والفواكه البدرية من نظمه ومقاطع الشّرْب وَعين الْحَيَاة مُخْتَصر حَيَاة الْحَيَوَان للدميري وَغير ذَلِك ، وَهُوَ أحد من قرض سيرة الْمُؤَيد لِابْنِ ناهض.

مَاتَ فِي شعْبَان سنة سبع وَعشْرين بكلبرجا من الْهِنْد وَيُقَال أَنه سم فِي عنبا وَلم يلبث من سمه بعد إِلَّا يَسِيرا ، ذكره ابْن فَهد فِي مُعْجَمه وَشَيخنَا لَكِن فِي السّنة الَّتِي تَلِيهَا من انبائه وَأما فِي مُعْجَمه فأرخ وَفَاته كَمَا هُنَا وَقَالَ إِنَّه كَانَ عَارِفًا بالوثائق حسن الْخط رائق النّظم والنثر جالسته كثيرا وطارحته بهَا وَكثر اجتماعنا فِي ذَلِك أجَاز لي ولأولادي مرَارًا ، وَذكره المقريزي فِي عقوده وَأَنه مِمَّن لَازم ابْن خلدون وَكَانَ يَقُول لي أَنه ابْن خَالَته وَأَشَارَ لِأَن مَا رمى بِهِ من القوادح غير بعيد عَن الصِّحَّة وأرخ وَفَاته فِي شعْبَان سنة سبع وَعشْرين.

قلت وَمِمَّنْ أَخذ عَنهُ الزين عبَادَة ورافقه إِلَى الْيمن حَتَّى أَخذ عَنهُ حَاشِيَة الْمُغنِي وفارقه لما توجه إِلَى الْهِنْد ، ونظمه منتشر وَمِنْه وَقد لزمَه فِي دين شخص يعرف بالحافظي فَقَالَ للمؤيد وَذَلِكَ فِي أَيَّام عصيان نوروز الحافظي نَائِب الشَّام : أيا ملك الْعَصْر وَمن جوده .. فرض على الصَّامِت واللافظ .. أَشْكُو إِلَيْك الْحَافِظ المعتدي .. بِكُل لفظ فِي الدجى غائظ .. وَمَا عَسى أَشْكُو وَأَنت الَّذِي .. صَحَّ لَك الْبَغي من الْحَافِظ.

وَمِنْه : رماني زماني بِمَا سَاءَنِي .. فَجَاءَت نحوس وَغَابَ سعود .. وأصبحت بَين الورى بالمشيب .. عليلا فليت الشَّبَاب يعود ، وَقَوله : قلت لَهُ والدجى مول .. وَنحن بالأنس فِي التلاقي .. قد عطس الصُّبْح يَا حَبِيبِي .. فَلَا تشمته بالفراق ، وَقَوله : يَا عذولي فِي مغن مطرب .. حرك الأوتار لما سفرا .. كم يهز الْعَطف مِنْهُ طَربا .. عِنْد مَا تسمع مِنْهُ وَترى ، وَقَوله : بدا وَكَانَ قد اختفى من مراقبه .. فَقلت هَذَا قاتلي بِعَيْنِه وحاجبه.

وَقَوله : لَا مَا عذاريك هما أوقعا .. قلب الْمُحب الصب فِي الْحِين .. فجد لَهُ بالوصل واسمح بِهِ .. ففيك قد هام بلامين ، وَقَوله : مذ تعانت صناعَة الْجُبْن خود .. قتلتنا عيونها الفتانة .. لَا تقل لي كم مَاتَ فِيهَا قَتِيل .. كم قَتِيل بِهَذِهِ الْجَبانَة ، وَقَوله : قُم بِنَا نركب طرفا للهو سبقا للمدام .. واثن ياصاح عنا نيلكم يت ولجام.

وَقَوله : الله أكبر يَا محراب طرته .. كم ذَا تصلى بِنَار الْحَرْب من صاب .. وَكم أَقمت باحشائي حروب هوى .. فمنك قلبِي مفتون بمحراب ، وَقَوله وَقد ولاه نَاصِر الدّين بن التنسي الْعُقُود : يَا حَاكما لَيْسَ يلفي .. نَظِيره فِي الْوُجُود .. قد زِدْت فِي الْفضل حَتَّى .. قلدتني بِالْعُقُودِ ، وَقَوله فِي الْبُرْهَان الْمحلي التَّاجِر : يَا سريا مَعْرُوفَة لَيْسَ يُحْصى .. ورئيسا زكا بفرع وأصل .. مذ علا فِي الورى محلك عزا .. قلت هَذَا هُوَ الْعَزِيز الْمحل.

وَقَوله فِي الشهَاب الفارقي : قل للَّذي أضحى يعظم حاتما .. وَيَقُول لَيْسَ جوده من لَاحق .. إِن قسته بسماح أهل زَمَاننَا .. أَخطَأ قياسك مَعَ وجود الْفَارِق ، وَله مَعَ شَيخنَا مطارحات كَثِيرَة كَانَ جلها فِي الْقرن قبله أودعت مِنْهَا فِي الْجَوَاهِر جملَة بل أورد الْبَدْر بَعْضهَا فِيمَا كتبه على البُخَارِيّ متبجحا بِهِ “.

17 / ألفية لسان العرب

(ألفية لسان العرب في علوم الأدب) هي منظومة شعرية تبلغ ألف بيت من نظم واحد من أشهر شعراء المدح والهجاء في عصر المماليك الجراكسة وهو زين الدين أبو سعيد شعبان بن محمد بن داود القرشي الآثاري المصري الشافعي ، ولد في مصر عام 765 هـ / 1364 م وتوفي فيها عام 828 هـ / 1425 م ويرجع في أصوله إلى مدينة الموصل العراقية واشتهر بلقب الآثاري لأنه جاور فترة في رباط الآثار النبوية بمصر فنسب إليها وفي ذلك يقول في قصيدته البديعية الكبرى : لأنني خادم الآثار لي نسب  .. أرجو به رحمة المخدوم للخدم.

ومن أشهر هجائياته الشعرية قصيدة قالها في حق بهاء الدين البرجي المشرف على عمارة جامع المؤيد شيخ وذلك عندما مالت المنارة التي بناها وتشاءم الناس من ذلك فقال معرضا به : عتبنا على ميل المنار زويلة .. وقلنا تركت الناس بالميل في هرج .. فقالت قريني برج نحس أمالي .. فلا بارك الله في ذلك البرج ، فقام البرجي على سبيل التحدي بهدم المنارة واستبدلها بالمأذنتين الكبيرتين فوق باب زويلة الملاصق للجامع فصارتا أعظم مآذن القاهرة حتى يومنا هذا.

وفي هذه الألفية قام الناظم بذكر كل علوم اللغة العربية وآدابها وهي الصرف والخط والنحو ومخارج الحروف والعروض والقوافي والضرائر الشعرية والمعاني والبيان والبديع وذلك على النحو التالي : تيسيرُ التعريفِ في علمِ التصْرِيفِ (200 بيت) ، سُمْرُ الخَطِّ في عِلْمِ الخَطِّ (50 بيت) ، الحلاوةُ السُّكَّريَّةُ في عِلمِ العَربيةِ (100 بيت) ، القَوْلُ بالمعروفِ في مَخَارِجِ الحُرُوفِ (50 بيت) ، مِيزانُ الوَزَّانِ في علمِ الأوزانِ (150 بيت) ، روضةُ العَوافي في علمِ القَوافي (49 بيت) ، اللِّسَانُ الشَّاكِرُ في ضَرُورَةِ الشَاعِرِ (100 بيت) ، السَبْعُ المَثَانِي في عِلمِ المَعَانِي (151 بيت) ، الجَواهرُ الحِسانُ في عِلْمِ البيانِ (50 بيت) ، السَّهلُ المنيعُ في عِلْمِ البَّديعِ (100 بيت).

وقد بدأها بقوله : بسم الله الرحمن الرحيم .. رب زدني علما يا كريم .. يقولُ أفقرُ الورى شعبانُ .. مَقالَ عبدٍ عمَّه الإحسانُ .. الحمدُ لله الذي في خلقه .. تصريفُه بِعَدلِه ورزقِه .. الكاملِ الأسماءِ والأفعالِ .. والمرتقي عن صفةِ الأمثالِ .. ثمَّ صلاتُه على المُجَرَّدِ .. من الهوى في نطقِه المؤيدِ .. محمدِ الممجَّدِ المزيدِ .. على الورى بفضلِه المجيدِ  .. وآله وصحبِه الزوائدِ .. بقربِه أئمةِ الفوائدِ .. ما دامَ فعلُ الله يبدو في الأنام .. جلَّ اسمُه الحيُّ العليُّ والسلام ..

وبعدُ فالتصريفُ للبناءِ .. مقدمٌ والخطُّ للهجاءِ .. والنحوُ بالأحوالِ للتعريفِ .. والوصفُ في مخارجِ الحروفِ .. والوزنُ بالعروضِ والقوافي .. للشعرِ في بحورِه يوافي .. وبعدَها ضرورةُ الأشعارِ .. لشاعرٍ يخشى ركوبَ العارِ .. ثم المعاني والبيانُ والبديع .. يدري الفصيحُ والبليغُ بالجميع .. وهذه أُرجوزةٌ ألفتُها .. عدًّا وللتدريبِ قد ألَّفتُها .. تُغني مُريدَ النفعِ في الأسفارِ .. بحفظِ ما فيها عن الأسفارِ.

فمن يكن منها على بصيره .. نالَ المنى في مُدةٍ يسيره .. قليلُها يُغني عن الكثيرِ .. ويُلحِقُ الصغيرَ بالكبيرِ .. أودعتُها من كلِّ شيءٍ أحسنَه .. لتكتسي جمالَ شكرِ الألسِنَه .. فصيحةٌ فيها لسانُ العَرَبِ .. للطالبين في علومِ الأدبِ .. فليثِق البادي أو المعلمُ .. بأنَّه بحفظِها المقدَّمُ .. فاسألُ الله ثوابَ المحسنين .. لي وله ولجميعِ المسلمين.

وقد عمل أول الأمر بمهنة الكتابة واشتغل بالعلم فلازم الشيخ بدر الدين الطنبذي والشيخ شمس الدين الغماري وغيرهما ثم تولى عدة مناصب في مصر منها نقابة الحكم والحسبة ورحل إلى كل من الحجاز واليمن والهند والشام ، وفي مكة ناب  في الحسبة قليلاً عن القاضي جمال الدين ابن ظهيرة فجار وعسف ومدحه كثيرًا وأخذ عنه في شرح الألفية الحديثية وقرأ عليه ديوان القيراطي والمقامات الحريرية وأخذ بها أيضًا عن الزين المراغي شيئًا من كتابه (العمد في شرح الزبد) وأمر له في الفتيا وذلك في سنة أربع عشرة.

وقد ذكره ابن حجر العسقلاني في كتابه إنباء الغمر بأبناء العمر فقال : ” شعبان بن محمد بن داود المصري ، وكان يقال له (المصري) ثم زعم أَن اسم أَبيه محمد بن داود ويقال إن داود كان ممَّنْ تشرَّف بالإِسلام فأحبّ أن يبعد عنه ثم صار يكتب (الآثاري) نسبةً إلى الآثار النبويّة لكوْنه أَقام بها مدة.

وكان قد تعانى الخطَّ المنسوب فجاد خطُّه بملازمته لشيخنا شمس الدين أَبى على الزفتاوى وصار رأس مَن كتب عليه وأجازه فصار يكتب للناس ثم اتفق أنه شرب البلاذر فحصل له طرف نشاف وأَقام مدةً عاريا من الثياب والعمامة ثم تماثل قليلًا وطلب العلم ولازم الشيخ نور الدين الطَّنْبدِي والشيخ شمس الدين الغُمارى ، وتعانى النظم فنظم نظمًا سافلًا أَوّلًا ثم أَكثر من ذلك حتى انصْقل قليلًا ونظم نظمًا وسطًا ثم أَقبل على ثَلْب الأَعراض وتمزيقها بالهجْو المقذع.

ومن نظمه لما عُزِل البلقيني بالهروى واتفقت الزينة للمحمل فعلق شخص يسمى الترجمان على باب بيته حمارًا بسرياقات على رؤس الناس بأَحسن هيئة والناس للفرجة عليه فقال : أَقَام التَّرْجُمَانُ لِسانَ حَالٍ .. عَنِ الدُّنْيا يَقُولُ لَنَا جَهَارًا .. زَمَانٌ فِيهِ قَدْ وَضَعُوا جَلَالًا .. عن العَلْيَا وقَدْ رَفَعُوا حِمَارًا.

ونظم أُرجوزةً في العربية وأُرجوزةً في العروض ، وعَلَّق على توقيع الحكم فقُرّر به ثم عمل نقيب الحكم بمصر ثم استقرَّ فى الحسبة بمالٍ وَعَد به ثم ركبه الدّيْن بسبب ذلك ففرّ من مصر في سنة إحدى وثمانمائة فدخل اليمن ومدح ملكها فأَعجبه وأَثابه ومدح أَعيانَها وتقرّب منهم ثم انقلب يهجوهم كعادته فأَمر السلطانُ الناصر أحمدُ بن الأَشرف إسماعيل بنفيه إلى الهند فأُركب في المراكب الواصلة من (تاته) وأَقام بها وأُكرم ثم عاد إلى طبعه فأُخرِج منها وقد استفاد مالًا فأُصيب بعضُه ورجع إلى اليمن فلم يُقِيم بها.

وتوجّه إلى مكة فأَقام بها مدةً طويلة وأَظهر بها من القبائح ما لا يجمل ذكره ونصب نفسه عرضةً للذَّم ، وتزوّج جاريةً من جوارى الأَشرف يقال لها (خود) فاتَّخذها ذريعةً إلى ما يريده من الذَّم والمجون وغير ذلك فصار يَنسب نفسه إلى القيادة والرضاء بذلك لعشقه فيها إلى غير ذلك ،  وكان فيه تناقضٌ فإنه يتماجَنُ إِلى أَن يصير أضحوكةً ويتعاظم إلى أَن يُظن أَنه في غاية التصون وكان شديدَ الإعجاب بنظمه لا يظن أَنَّ أحدا يقدر على نظيره مع أَنه ليس بالفائق بل ولا جميعه بالمتوسّط بل أَكثره سفساف كثير الحشو عرىٌّ عن المعنى البديع.

ثم قدم القاهرة فى سنة عشرين وهجا بهاء الدين بن البرجى الذي كان متولىّ الحسبة قديمًا ثم صادف أَن ولى الهروى القضاء فهجاه ومدح البلقيني فأثابه ولعلّه أَيضا هجا البلقيني ، ثم توجه إلى دمشق فقطنها إلى أَن قدم القاهرة سنة سبعٍ وعشرين ومدحنى بقصيدةٍ تائيّة مطوّلَة ولا أَشك أَنه هجانى كغيري ، ثم رجع إلى دمشق ثم قدم إلى القاهرة فمات يوم وصوله في سابع عشر جمادى الآخرة وخلَّف تركةً جيّدةً قيل بلغَتْ ما قيمتهُ خمسة آلاف دينار ، وكان مقترًا على نفسه فاستولى على ماله شخصٌ إدّعى أَنه أَخوه وأَعانه على ذلك بعض أَهل الدولة فتقاسما المال ووقَف كتبه وتصانيفه بالباسطية وعاش بضعا وستين سنة “.

ورصد ابن فهد مؤلفاته في كتابه الدر الكمين بذيل العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين فقال : ” شعبان بن محمد بن داود بن علي بن أبي المكارم القرشي الموصلي الأصل ثم المصري القادري الشافعي المعروف بالآثاري لإقامته برباط الآثار من مصر ، ويقال إنه مسلماني الأصل ثم أدعى أنه قرشي عثماني وصار يكتب شعبان بن محمد ، الإمام الأديب زين الدين ولد في ليلة نصف شعبان سنة خمس وستين وسبعمائة ..

ومن مصنفاته : (شرح الألفية) لم يكمل ، والألفية المسماة (كفاية الغلام في إعراب الكلام) ، وشرحها (الهداية في شرح الكفاية) ، وإعرابها (النهاية في إعراب الكفاية) ، وكتاب (صدقة المالك في تصحيح ألفية ابن مالك) ، وكتاب (مقرب البعيد ومدرب المريد) في النحو ، وكتاب (نعمة المعطي في تصحيح ألفية ابن معطي) ، وأرجوزة في العربية سماها (الحلاوة السكرية) وشرحها ، والألفية (الوجه الجليل في علم الخليل) ، والألفية (مجمع الأرب في علوم الأدب).

ومدح النبي صلى الله عليه وسلم بثلاث قصائد بديعيات كبرى ووسطى وصغرى ، فالكبرى سماها (العقد البليغ في مدح الشفيع) والصغرى سماها (بديع البديع في مدح الشفيع) ، ومن دواوينه : المنهل العذب البديع فى مدح المليح الشفيع ، والسراج المنير في مدح البشير النذير ، ، والهلال في السحر الحلال ، وحدث بمكة ببديعيتيه الكبرى والصغرى وبمنظومته فى الغريب وبغيرها “.

وذكر السخاوي في الضوء اللامع عودته إلى القاهرة فقال : ” ثمَّ دخل الشَّام فِي سنة عشْرين ثمَّ الْقَاهِرَة فِي الَّتِي تَلِيهَا بعد غيبته عَنْهَا دهرا فَأكْرمه جمَاعَة من الْأَيْمَان كالزيني عبد الباسط وَكَذَا وقف كتبه وتصانيفه بمدرسته ومدح كَاتب السِّرّ وَغَيره ثمَّ رَجَعَ إِلَى دمشق فاستوطنها وتكرر دُخُوله مِنْهَا إِلَى الْقَاهِرَة مرّة بعد أُخْرَى فَكَانَت منيته ثَانِي يَوْم قدومه وَذَلِكَ سَابِع عشر جُمَادَى الْآخِرَة سنة ثَمَان وَعشْرين.

ذكره شَيخنَا فِي مُعْجَمه وَقَالَ انه أجَاز لِابْنِهِ مُحَمَّد وَكتب بِخَطِّهِ أَن تصانيفه الأدبية تزيد على الثَّلَاثِينَ غالبها منظومات وَمِنْهَا مِمَّا حدث بِهِ فِي مَكَّة منظومته فِي الْعَرَبيَّة وَغَيرهَا وَرَأَيْت لَهُ قصيدة نونية هَنأ شَيخنَا فِيهَا برمضان كتب بِخَطِّهِ فِي طرتها : تهنئة شعْبَان برمضان ، أوردتها فِي الْجَوَاهِر ، وَقَالَ فِي إنبائه انه مدحه بقصيدة تائية وَكَأَنَّهَا الْمشَار إِلَيْهَا فِي مُعْجَمه بقوله ومدحني بقصيدة طَوِيلَة ، قَالَ وَسمعت من نظمه أَشْيَاء علقتها فِي التَّذْكِرَة وَوصف هُوَ شَيخنَا بقوله سيدنَا وَشَيخنَا وبركتنا.

وَمن نظمه : رَبِّي لَك الْحَمد كَمَا جدت لي .. بِنِعْمَة دائمة وافيه .. قد كَانَ ارى نَائِما وَحده .. فَصَارَ فِي خير وَفِي عافيه ، وَكتب بِخَطِّهِ أَنه اشْترى عبدا فَسَماهُ خير وَجَارِيَة فسماها عَافِيَة وَكتب تَحت الْبَيْتَيْنِ الْأَسْرَار عِنْد الْأَحْرَار ، وَمن نظمه وَقد ركب مَعَه بعض الرؤساء الْبَحْر : وَلما رَأينَا السفن تحمل عَالما .. عطاياه للعافين لَيْسَ لَهَا حصر .. عجبت لَهَا إِذْ تحمل الْبَحْر وَالَّذِي .. عهدناه أَن السفن يحملهَا الْبَحْر.

وسمى ألفيته فِي النَّحْو كِفَايَة الْغُلَام فِي إِعْرَاب الْكَلَام قرظها لَهُ البُلْقِينِيّ وَعمل أرجوزة فِي النَّحْو أَيْضا سَمَّاهَا الْحَلَاوَة السكرية وَأُخْرَى سَمَّاهَا عنان الْعَرَبيَّة وَأُخْرَى فِي الْعرُوض سَمَّاهَا الْوَجْه الْجَمِيل فِي علم الْخَلِيل وَأُخْرَى فِي علم الْكِتَابَة ولسان الْعَرَب فِي عُلُوم الْأَدَب وديوان فِي النبويات سَمَّاهُ المنهل العذب وكتابا سَمَّاهُ الرَّد على من تجَاوز الْحَد وَشرح الألفية فِي ثَلَاث مجلدات وَلكنه لم يكمل ، قَالَ ابْن قَاضِي شُهْبَة : وَكَانَ مِمَّن يَتَّقِي لِسَانه وَيخَاف شَره ، وَهُوَ عِنْد ابْن فَهد فِي ذيله لتاريخ مَكَّة ، وَقَالَ المقريزي فِي عقوده انه لم يكن مرضِي الطَّرِيقَة وَلَا رَضِي الاخلاق يرميه معارفه بقبائح عَفا الله عَنهُ وإيانا “.

18 / الفوائد السنية في شرح الألفية

(النُّبْذة الألفيَّة في الأُصول الفقهية) هي منظومة شعرية في علم أصول الفقه نظمها واحد من أعلام الفقهاء والأصوليين في القرن التاسع الهجري وهو العلامة الشيخ شمس الدين محمد بن عبد الدائم بن موسى البرماوى الشافعى الذي ولد في قرية برما من أعمال الغربية في عام 763 هـ / 1362 م وتوفي في بيت المقدس عام 831 هـ / 1428 م أثناء عمله هناك في المدرسة الصلاحية ، وقد جمع فيها أساسيات علم أصول الفقه في قالب شعري يبلغ ألف بيت من الشعر على عادة المصنفين في العصور الإسلامية.

ويقول في مطلعها : بِاسْمِ الحمِيدِ قال عَبدٌ يَحْمَدُ .. ذَا البِرْمَوِيُّ الشافِعِيْ مُحَمَّدُ .. الحمْدُ للهِ الذِي مَنْ وَفَّقَا .. لِلْفِقْهِ في الدِّينِ وأَصلِهِ ارْتَقَا .. ثُمَّ الصَّلَاةُ والسَّلَامُ الأَبَدِي .. عَلَى النَّبِيِّ الهاشِمِيْ مُحَمَّدِ .. وآلِهِ وصحْبِهِ والتُّبَّعِ .. عَلَى الهُدَى بِهَدْيِهِ المُتَّبَعِ .. وَبَعْدُ فَالقَصْدُ عَلَى رَوِيَّهْ .. نَظْمُ أُصُولِ الْفِقْهِ في أَلْفِيَّهْ..  مُعْرًى مِنَ الخِلَافِ وَالدَّلِيلِ .. وَنُبْذَتِي أَصْلٌ لِذَا التَّأْصِيلِ .. فَسَمَّهَا بالنُّبْذَةِ الألْفِيَّهْ .. مَعْ زَيْدِ في أُصُولِنَا الفِقْهِيَّهْ .. وَاللهَ رَبِّي أَسْأَلُ الْإعَانَهْ .. عَلَى الَّذِي قَصَدتُ في الْإبانَهْ.

ثم قام الشيخ بتأليف كتاب يشرح فيه هذه الألفية وسماه (الفوائد السنية في شرح الألفية) وقسمه إلى مقدمة وأربعة أبواب ، الباب الأول في أدلة الفقه وهي القرآن والسنة والإجماع والقياس والباب الثاني في ما يتوقف عليه الاستدلال بالأدلة والباب الثالث في تعارض الأدلة وحكمه والباب الرابع في المستفيد (وهو المجتهد) ومقلده ، ويقول في مقدمة شرحه لها : ” بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ .. قال الشيخ الإمام العلَّامة شمس الدين محمد بن عبد الدائم بن موسى البرماوي الشافعي تغمده الله بغفرانه وأسكنه بحبوحة جنانه :

الحمد لله الذي شرح الصدور بكتابه المبين وشَفَاها وبَيَّنَ ما نزَّل بِسُنة نَبِيِّه محمد المصطفى فِعْلًا وشِفاهًا وعَصَم أُمَّته من الخطأ فَمَن شذَّ عنهم ركب ضلالة وسِفَاها ومَن حاد عن سَنَن قياس شَرْعه بَذَّ السفهاء سِفَاها فأصبحت أحكام فِقهه بوضوح أَوْضاح أدلتها تتباهى وتراجيحُ سنَاها لا تتناهى وانفتح للمجتهدين بذلك صَوبُ صَواب فتواها ، فصلى الله على محمد المخصوص بعموم الرسالة فجَلَّاها ومَحَى دُجَى ليل الجهل مِن الأمم إذا يغشاها قد أفلح مَن زكاها وقد خاب مَن دساها وعلى آله وصحبه ما بَلغَ أُولو النُّهى البَهِي مُناها.

أمَّا بَعْد ، فهذا تعليق مبارك على أرجوزتي المُسَمَّاة بالنُّبْذة الألفيَّة في الأُصول الفقهية يوضحُ أسرارها ويكشف أستارها مع فوائد مَزِيدة ولطائف عديدة والتعرض للخلاف المشهور وبعض أدلة تُرَى كالصارم المشهور سمَّيتُه (الفوائد السَّنية في شرح الألفية) ضارِعًا إلى الله تعالى في أنْ ينفع بذلك ويفتح به إلى هذا الفن المسالك عليه توكلتُ وهو رب العرش العظيم ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم “.

ذكره ابن حجر العسقلاني في كتابه إنباء الغمر بأبناء العمر وذلك في وفيات سنة 831 هـ فقال : ” محمد بن عبد الدائم بن عيسى بن فارس البِرْماوى الشيخ شمس الدين ، وُلد في نصف ذي القعدة سنة ثلاثٍ وستين وكان اسم والده فارسًا فغيّره البِرْماوي ، وتفقَّه وهو شاب وسمع من إبراهيم بن إسحق الآمدى ومن عبد الرحمن بن علي بن القارئ وغيرهما وسمع معنا في جماعة من المشايخ.

ولازم الشيخ بدر الدين الزركشي وتمهّر به وحضر دروس الشيخ سراج الدين البلقيني وقرأ عليه غالبها ، وقد سمعْتُ بقراءته على الشيخ (مختصر المزنى) وأول ما تخرّج بقريبه الشيخ مجد الدين إسماعيل وقد عاش بعده ، وكان حسن الخطّ كثير المحفوظ قويّ الهمة في شغل الطلبة حسن التودّد لطيف الأخلاق ضيّق الحال كثير الهمّ بسبب ذلك ثم اتَّسع حاله بأخرة.

وله منظومات وتصانيف منها شرح العمدة ومنظومة في أسماء رجالها وشرحها وشرح البخاري في أربع مجلدات ، وكان غالب عمره خاملًا ثم ولى نيابة الحكم عن ابن أبي البقاء وصحب ولده جلال الدين ثم ناب عن الجلال البلقيني ثم عن الإخنائي ثم ترك ذلك وأقبل على الاشتغال ، وكان للطلبة به نفع وفى كل سنة يقسم كتابا من (المختصرات) فيأتي على آخره ويعمل لهم وليمة.

ثم استدعاه نجم الدين بن حجّى – وكان رافقه في الطلب عند الزركشي – فتوجه إلى دمشق فقرره في وظائف كثيرة واستنابه في الخطابة والحكم ونوّه به ، فلما مات ولده محمد – وكان ولدًا نجيبًا وحفظ عدة مختصرات – أسف عليه وكره الإقامة بدمشق فزوّده ابن حجّى وكتب له إلى معارفه  كتبًا أطراه فيها إلى الغاية فتلقاه أولئك بالقبول واعتقدوا فيه تلك الأوصاف فقاموا معه حق القيام حتى قرروه في مباشرة وظائف الشيخ ولى الدين العراقى نيابةً عن حفيده ، وكانت عند موته قُرّرت باسمه فباشر الجميع بعد أن كان العراقي قد أوصى أن ينوب عن حفيده في درس الحديث من عيَّنه وكذا في دروس الفقه وباشر بعض ذلك.

وقرر الناظر الشرعي على أوقاف المدرسة الجمالية الشيخ ناصر الدين البارِنْبَارى أحد المهرة في العلوم في نيابة المشيخة والتَّدريس وباشر ذلك مدة مع شدة استحقاقه من أوجهٍ فلم يلتفت البرماوى لذلك بل لبس للنيابة عن الصُّغَير تشريفًا وباشر الجميع ولم يرْع حقَّ البارنبارى مع ظهور استحقاقه ، فباشر البرماوى ذلك من أثناء سنة سبعٍ وعشرين إلى أن حجّ في سنة ثمانٍ وعشرين وجاور بمكة سنة تسع وعشرين.

فلما حضر أول سنة ثلاثين قُرِّر في تدريس الصلاحية ببيت المقدس عوضًا عن الهروى في آخر المحرم ثم سافر إلى القدس في رجب وناب في رجب من هذه السنة فباشرها نحو السنة مع ملازمة الضَّعْف له إلى أن مات وتفرّقت كتبه وتصانيفه شذَر مذر ، عفا الله تعالى عنه.

واستقرّ في تدريس الصلاحية بعده عزُّ الدين عبد السلام بن داود بن عثمان المقدسي بعناية القاضي بدر الدين بن مُزهِر كاتب السِّرِّ فتأخر سفره إلى ذي القعدة ، وكان نزل عن غالب وظائفه بمصر والقاهرة ببدل من المبذول كتدريس الحديث بالجمالية وتدريس الخرّوبية في الفقه بمصر.

واستقدمه ابن حجى إلى دمشق سنة إحدى وعشرين فأجلسه بالجامع يقرئ ويُفْتِي ثم رجع إلى مصر ، ثم استقدمه سنة ثلاث وعشرين فاستنابه في الحكم وولى إفتاء دار العدل عوضًا عن الشهاب الغزى ثم ولاه تدريس الرواحية وغيرها عوضًا عن برهان الدين بن خطيب عذراء ، وتدريس (الأمينية) عوضًا عن عز الدين بن الحسبانى ، وعَكَفَتْ عليه الطلبة فأقرأ في جمادى ورجب وشعبان ، الحاوي في سنة والتنبيه في سنة والمنهاج في سنة “.

ورصد السخاوي مؤلفاته في كتابه الضوء اللامع فقال : ” الشَّمْس أَبُو عبد الله بن أبي مُحَمَّد بن الشّرف أبي عمرَان النعيمي بِالضَّمِّ نِسْبَة لنعيم المجمر الْعَسْقَلَانِي الأَصْل الْبرمَاوِيّ ثمَّ القاهري الشَّافِعِي ، ولد فِي منتصف ذِي الْقعدَة سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة وَكَانَ أَبوهُ يُؤَدب الْأَطْفَال فَنَشَأَ ابْنه طَالب علم فحفظ الْقُرْآن وكتبا، واشتغل وَهُوَ شَاب ..

وَكَانَ إِمَامًا عَلامَة فِي الْفِقْه وأصوله والعربية وَغَيرهَا مَعَ حسن الْخط وَالنّظم والتودد ولطف الْأَخْلَاق وَكَثْرَة الْمَحْفُوظ والتلاوة وَالْوَقار والتواضع وَقلة الْكَلَام ذَا شيبَة نيرة وهمة علية فِي شغل الطّلبَة وتفريغ نَفسه لَهُم ، وَمن تصانيفه شرح البُخَارِيّ في أَربع مجلدات وَمن أُصُوله الَّتِي استمد مِنْهَا فِيهِ مُقَدّمَة فتح الْبَارِي لشَيْخِنَا وَلم يبيض إِلَّا بعد مَوته وتداوله الْفُضَلَاء مَعَ مَا فِيهِ من إعواز.

وَشرح الْعُمْدَة لخصه من شرحها لشيخه ابْن الملقن من غير إفصاح بذلك مَعَ زيادات يسيرَة وعابه شَيخنَا بذلك وَله أَيْضا منظومة فِي أَسمَاء رجالها وَشَرحهَا وألفية فِي أصُول الْفِقْه وَشَرحهَا استمد فِيهِ من الْبَحْر لشيخه الزَّرْكَشِيّ ومنظومة فِي الْفَرَائِض وَشرح لامية الْأَفْعَال لِابْنِ ملك والبهجة الوردية وزوائد الشذور وَعمل مُخْتَصرا فِي السِّيرَة النَّبَوِيَّة وَكتب عَلَيْهَا حَاشِيَة ولخص الْمُهِمَّات للأسنوي.

وَلم يزل قَائِما بنشر الْعلم تصنيفا وإقراء حَتَّى مَاتَ فِي يَوْم الْخَمِيس ثَانِي عشري جُمَادَى الثَّانِيَة سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ بِبَيْت الْمُقَدّس وَتَفَرَّقَتْ كتبه وتصانيفه شذر مذر ، وَهُوَ فِي عُقُود المقريزي رَحمَه الله ، وَقد ذكره التقي بن قَاضِي شُهْبَة وَقَالَ إِنَّه كَانَ فِي صغره فِي خدمَة الْبَدْر بن أبي الْبَقَاء وَفضل وتميز فِي الْفِقْه والْحَدِيث والنحو وَالْأُصُول وَكَانَت مَعْرفَته بِهَذِهِ الْعُلُوم الثَّلَاثَة أَكثر من مَعْرفَته بالفقه وَأقَام بِمصْر يشغل ويفتي فِي حَيَاة شَيْخه البُلْقِينِيّ وَبعده وَهُوَ فِي غَايَة مَا يكون من الْفقر.

قلت : وَقد انتشرت تلامذته فِي الْآفَاق وَمِنْهُم الْمحلي والمناوي والعبادي وطبقة قبلهم ثمَّ طبقَة تليهم وَحدث بِالْقَاهِرَةِ وَمَكَّة ودمشق وَبَيت الْمُقَدّس سمع مِنْهُ الْأَئِمَّة كالزين رضوَان بِالْقَاهِرَةِ والتقي ابْن فَهد بِمَكَّة وَابْن نَاصِر الدّين بِدِمَشْق وروى لنا عَنهُ خلق رَحمَه الله وإيانا “.

19 / سيرة المؤيد

في عام 815 هـ تولى سلطنة مصر الملك المؤيد أبو النصر سيف الدين شيخ بن عبد الله المحمودي الظاهري وذلك لمدة ثماني سنوات قضاها في حروب متصلة لقمع تمرد الأمراء في الشام والأناضول وترك جملة من الآثار أهمها مسجده المجاور لباب زويلة والذي عرف عند العامة باسم (جامع المتولي) والبيمارستان المؤيدي بالقرب من القلعة ، وكان جوادا مُحِبا لأهل العلم مُبجِّلا للشرع مُذعنا له وموسيقارا بارعا وخطيبا بسيط الملبس والمعيشة يختلط بالشعب كأنه منهم.

وقد حرص على أن يدعم وجوده في الحكم بتقريب الشيوخ والعلماء والمتصوفة والأدباء ولذلك صنف عدد منهم الكتب والمؤلفات في مدحه والثناء عليه ومنهم ابن خطيب الناصرية المتوفي عام 843 هـ وبدر الدين العيني المتوفي عام 855 هـ ، لكن أهم المؤلفات التي تناولت حياته جاءت على يد الأديب والشاعر وكاتب الإنشاء شمس الدين محمد بن ناهض الجهني الذي ولد في حلب عام 757 هـ / 1355 م وتوفي في القاهرة عام 841 هـ / 1437 هـ وهو عبارة عن مدائح بالنظم والنثر المسجوع عرفت باسم (سيرة المؤيد).

وقد ذكره شمس الدين السخاوي في كتابه الضوء اللامع لأهل القرن التاسع فقال : ”  مُحَمَّد بن ناهض بن مُحَمَّد بن حسن بن أبي الْحسن الشَّمْس الْجُهَنِيّ الْكرْدِي الأَصْل الْحلَبِي نزيل الْقَاهِرَة ، ولد تَقْرِيبًا بحلب فِي سنة سبع وَخمسين وَسَبْعمائة وتولع بالأدب فأبلغ نظما ونثرا وَسكن الْقَاهِرَة مُدَّة وتنزل فِي صوفية الجمالية ومدح أعيانها بل عمل سيرة الْمُؤَيد شيخ فأجاد مَا شَاءَ وقرضها لَهُ خلق فِي سنة تسع عشرَة وَمن نظمه : يَا رب إِنِّي ضَعِيف وفيك أَحْسَنت ظَنِّي فَلَا تخيب رجائي وَعَافنِي واعف عني.

وَقد ذكره ابْن فَهد فِي مُعْجَمه وبيض لَهُ وَكَذَا جرده البقاعي ، وَهُوَ فِي عُقُود المقريزي وَقَالَ أَنه سكن الْقَاهِرَة زَمَانا ومدح الْأَعْيَان وتعيش بِبيع الفقاع بِدِمَشْق ثمَّ ترك وَأقَام مُدَّة يستجدي بمدحه النَّاس حَتَّى مَاتَ بِالْقَاهِرَةِ فِي حادي عشر شعْبَان سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين ، وَكَانَ عِنْده فَوَائِد وكتبت عَنهُ من نظمه : كم دولة بفنون الظُّلم قد فنيت .. وَرَاح آثَارهم فِي عكسهم ومحوا .. وَجَاء من بعدهمْ من يفرحون بهَا .. وَقَالَ سُبْحَانَهُ حَتَّى إِذا فرحوا ، وَكَذَا كتب عَنهُ عَن الولوي عبد الله بن أبي الْبَقَاء القَاضِي شعرًا “.

وتوجد نسخة مصورة من المخطوطة الأصلية للكتاب محفوظة بمعهد المخطوطات العربية بالقاهرة تحت رقم 35 مم ميكروفيلم 9482 وهي منقولة عن الأصل الموجود بمكتبة رضا رامبور بالهند تحت رقم 3628 وتقع في خمسة وعشرين ورقة وقد سطرت سبعة وعشرين سطرا بمقاس 18 سم عرض ومقاس 30 سم طول ، وقد حققها ونشرها الأستاذ الدكتور محمد جمال حامد الشوربجي وكتب عنها بحثا قيما نشر في العدد رقم 102 من مجلة آفاق الثقافة والتراث ومنها نقلنا الاقتباسات الواردة من الكتاب.

ويحمل الكتاب أهمية تاريخية لأنه رصد أحداثا عايشها المؤلف بنفسه وكان شاهد عيان عليها كما يحمل قيمة أدبية حيث يعبر عن أسلوب الكتابة في ذلك العصر ، وقد بدأ المؤلف كتابه بمقدمة يقول فيها : ” والواجب على كل عالم امتداح من نصر المظلوم وقهر الظالم وعمر المساجد وأزال المفاسد ونشر لواء العدل والإنصاف واتصف بأحسن الأوصاف مولانا السلطان الملك المالك العالم العادل الغازي المجاهد المرابط الناصر المنصور المظفر المؤيد أبو النصر شيخ خلد الله ملكه وجعل الأرض كلها ملكه “.

ثم يذكر المؤلف المصادر التي اطلع عليها لوضع هذا المديح وذكر أسماءها مضمنة في سجعه فقال : ” فاقتديت بما نقل عن الرشيد وأنت بيت القصيد واهتديت إلى أقوال الظرفا في مدايح الخلفا وسمعت ما قاله أبو الطيب المتنبي في قديم الزمان وما ناله من سيف الدولة بن حمدان وبلغني ما بلغ ابن النبيه من المطلوب بمدحه الملك الأشرف شاهر بن أيوب وغربلت درر النحور في مدايح الملك المنصور وأتتني مراسلات ابن الأثير فاقتنصت شواردها في التقديم والتأخير والتقت البهاء بن زهير فالتحظت نورها لا غير.

وجنيت من جنان البديع ما يدهش النظام ويقصر عنه الفاضل وينقص أبو تمام وهب علي نسيم الصبا فصبوت إلى شيخ أذكرني نسيم الصبا وشممت نفايس ابن الوردي فبحت بما عندي وتصفحت أوراق شعراء المشرق والمغرب واقتنصت ثمرات المرقص والمطرب وتحليت بالقطر النباتي فتكررت بناتي واستحقيت الحقائق واسترقيت الرقايق ونثرت جواهر الفرايد ونظمت جواهر القلايد وأهديتها إلى مالك زمام المملكة الإسلامية وصاحب عقدها وحلها ووضعت الأشياء في محلها وزنت القوافي بمثلها فإنه أحق بها وأجل أهلها “.

ويشرح سبب تأليف الكتاب ومنهجه في تصنيفه وترتيب مادته فيقول : ” وبرزت الأوامر الشريفة بوضع هذه السيرة العجيبة الغريبة فلم يكن للمملوك بذلك استطاعة ولم يكم الجواب بغير السمع والطاعة فتأدبت مع أهل الأدب واستضأت بأنوار بدورها فأمدتني بوافر كمالها فانبسطت في نحورها وطفت بكعبتها وتمسكت بركنها التقي ..

ونمقتها مديحا أبدعت فيه غرايب التدبيج فاهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج وشاهدت ونطق به لساني وبينه بياني ووضعه بناني من أيام الملك الأشرف شعبان إلى الملك الأشرف أبو النصر شيخ سيج ملوك الزمان فما رأيت مثل هذا الممدوح فعملت عمل الروح للروح .. ورتبتها ترتيب الفرايد في العقود ومزجت المرقصات بالمطربات فيها مزج الحمرة بالبياض في الخدود ليرق على مائيتها ريحان القلوب ويغطيها الشمع بخط المحب إلى المحبوب “.

ويبدأ المؤلف بعد ذلك في سرد الأحداث التاريخية من عام 804 هـ عندما خرج المؤيد شيخ إلى الشام لأول مرة ليتولى منصب نائب السلطنة في طرابلس ثم دمشق في عهد الناصر فرج بن برقوق وراح يعدد أعماله العمرانية والجهادية وكذلك تنظيماته الإدارية ورعايته للمناسبات الدينية ، ويتحدث في الكتاب عن الخلاف بين الناصر فرج والمؤيد شيخ فيقول : ” واستدعيت الناصر لتدبير الممالك وجدت في نصيحته بنفسك ومالك فما عرف العدو من الصديق وحكم عليك بما حكم على يوسف الصديق فنجاك الله بحسن النية وخلصت سالما من الأذية ومضيت ومن معك سالمين ولسان القدر يناديك أقبل ولا تخف إنك من الآمنين “.

وقد سجن المؤيد وقتها في خزنة شمائل (وهي سجن كان ملاصقا لباب زويلة) وأقسم حينها إن نجاه الله ومكن له في البلاد أن يهدم هذا السجن ويقيم موضعه مسجدا ومدرسة وقد بر بقسمه بعد توليه الحكم (وموضعه اليوم جامعه المشهور) ، ويسرد المؤلف بعد ذلك قصة تحالف الأمراء شيخ ونوروز ضد الناصر فرج وقتله واقتسام المملكة بينهما حيث تولى شيخ السلطنة في القاهرة وتولى نوروز نيابة الشام ثم سعى نوروز للانقلاب ففشل في ذلك وانفرد المؤيد شيخ بالأمر ووصف المؤلف احتفال الناس في كل مكان بانتصاراته وأعماله.    

وقد انتهى المؤلف من تصنيف كتابه في شهر شوال سنة 818 هـ ثم طلب من رجال عصره كتابة تقريظ ومدح فيما كتبه فأجابه أكثر من ثلاثين من مشاهير الأدباء والعلماء والمؤرخين والشعراء وكتبوا له بذلك ، ومنهم كاتب الإنشاء بالديار المصرية وقتها ابن حجة الحموي والمؤرخ بدر الدين العيني والشيخ ناصر الدين ابن البارزي الحموي وقاضي القضاة جلال الدين عبد الرحمن البلقيني والشيخ ولي الدين أحمد بن عبد الرحيم بن الحسين والفقيه محمد بن أبي بكر المخزومي السكندري المعروف بابن الدماميني والأديب شهاب الدين أحمد بن يوسف الزعيفريني الدمشقي والشيخ أحمد بن محمود القيسري الحنفي المعروف بابن العجمي.

كما كتب له كل من الفقهاء شهاب الدين أحمد بن علي بن قرطاي الحنفي وشمس الدين محمد بن أحمد البساطي المالكي وعبد الملك بن أبي بكر الموصلي والمؤرخ تقي الدين أحمد بن علي المقريزي وشيخ الخطاطين عبد الرحمن بن يوسف الصائغ وشمس الدين محمد بن حسن القاهري الشاذلي الحنفي والإمام شهاب الدين أحمد بن حجر العسقلاني وأبو الفتح محمد بن أحمد بن وفا ويحيى بن أحمد الكركي الشافعي المعروف بابن العطار والأديب كمال الدين محمد بن ناصر الدين البارزي ، وقد اهتم بجمه هذه الكتابات الكاتب إبراهيم بن أحمد الباعوني المتوفي عام 870 هـ وأضافها للكتاب تحت عنوان (الذخيرة في تقريظ السيرة).

20 / خزانة الأدب

(خزانة الأدب وغاية الأرب) هو عنوان الكتاب الذي صنفه كاتب الإنشاء بالديار المصرية تقي الدين أبو بكر بن علي بن عبد الله الحموي الذي ولد في حماه بسوريا عام 767 هـ / 1366 م وتوفي فيها عام 837 هـ / 1433 م ، وقد عاش في القاهرة حيث التحق بخدمة السلطان المملوكي الملك المؤيد شيخ المحمودي فكان شاعره ونديمه وكاتبه طوال مدة حكمه وكتب في أثنائها عدة مؤلفات أدبية منها كتاب ثمرات الأوراق في المحاضرات وكتاب بلوغ الأمل في فن الزجل وصنف كتاب خزانة الأدب ليشرح فيه قصيدة له عرفباسم (القصيدة البديعية).

وكان ابن حجة قد نظم قصيدة في مدح النبي صلى الله عليه وسلم على غرار بردة البوصيري وطرز البردة لكنها ضمت في ثناياها أكثر من مائة وأربعين نوعا من فنون البلاغة وبدأها بقوله : لي في ابتدا مدحكم يا عُربَ ذي سلم .. براعة تستهل الدمع في العلم ،  وقد سمى ابن حِجة بديعيته تلك (تقديم أبي بكر) وحاول فيها أن ينسج على منوال عز الدين الموصلي في تضمين الأبيات ألفاظًا يشير بها إلى الأنواع البديعية محاولًا أيضًا أن يجاري بديعية الشاعر صفي الدين الحلي في رقة الشعر وجمال النظم والسلاسة ، ثم أشار عليه القاضي ابن البارزي أن يؤلف كتابا يشرح فيه قصيدته لما فيها من الفائدة البلاغية.

وفي ذلك يقول محقق الكتاب الأستاذ عصام شعيتو : ” ثم إنه أعني ابن حجة وضع هذا الشرح المطول لبديعيته وأسماه (خزانة الأدب وغاية الأرب) فكان أكثر أهمية وفائدة من البديعية ذاتها إذ جاء كما يدل عليه اسمه خزانة للأدب مليئة بدرر علومه وجواهر معارفه وغاية ما يحتاجه المتأدب ، وخزانة الأدب أشبه بالموسوعات الأدبية التي تجمع فنون الأدب المختلفة من اللغة والبلاغة والنقد والتاريخ والتراجم ومنثور الكلام ومنظومه حتى المواليا والأزجال لكثرة ما يورده صاحبه فيه من الشواهد والأمثلة والاستطرادات وأحيانا النكت والمساجلات الأدبية ، ولا نبالغ إذا قلنا إنه مرجع أدبي خاص للعصرين المملوكي والأيوبي بل هو مرجع أدبي عام “.

وقد ذكره ابن تغري بردي في النجوم الزاهرة وذلك في حوادث سنة 837 هـ فقال : ” وتوفى الشيخ الإمام الأديب الشاعر المفنن تقي الدين أبو بكر بن على بن حجّة بكسر الحاء المهملة الحموى الحنفى الشاعر المشهور صاحب القصيدة البديعية وشرحها وغيرها من المصنفات ، مات بحماه فى خامس عشرين شعبان ومولده سنة سبع وسبعين وسبعمائة.

وكان أحد ندماء الملك المؤيد وشعرائه وأخصائه وولى إمامة عدة وظائف دينية وعظم فى الدولة ثم خرج من مصر بعد موت الملك المؤيد إلى مدينة حماه واستوطنها إلى أن مات بها ، وكان بارعا فى الأدب ونظم القريض وغيره من ضروب الشعر مفننا لا يجحد فضله إلا حسود “.

وذكره ابن حجر العسقلاني في كتابه إنباء الغمر بأبناء العمر وذلك في وفيات سنة 837 هـ فقال : ” أبو بكر بن على بن جحَّة الحموى الحنفى الشيخ الأَديب الفاضل شاعر الشام تقى الدين الأزرارى ، كان فى ابتداء أمره يعقد الأزرار وكان يخضب بالحمرة ثم تعانى النظم فولَّع أولًا بالأزجال والمواليا ومهر فى ذلك وفاق أهل عصره.

ثم نظم نظم القصائد ومدح أعيان أهل بلده ودخل الشام فمدح برهان الدين بن جماعة قبل التسعين بقصيدةٍ كافيةٍ أعجبته فطاف بها على نبهاء عصره فقرظوها له ، ودخل بسبب ذلك إلى القاهرة فدُلَّ على القاضى فخر الدين بن مُكَانِس ومدحه وطارح ولده وكتَبا له على القصيدة واجتمعتُ به إذ ذاك ثم عاد مرة أخرى فتأَكَّدت الصحبة.

ولمّا رجع في الأوّل صادف الحريق الكائن بدمشق لمَّا كان الظَّاهر يحاصر دمشق بعد أن خرج من الكرك وكان أمرًا مهولا فعمل فيه رسالته وكاتبه بها ابن مكانس وهى طويلة وأقام بحماة يمدح أمراءها وقضاتها وله قصيدة في علاء الدين بن أبي البقاء قاضي دمشق ومدح أمين الدين الحمصي كاتب السر حينئذ وغيره.

ودخل القاهرة ثم نوه به القاضى ناصرُ الدين بنُ البارزى فى الدولة المؤيّدية فعظم أمره وشاع ذكره وكان نظم قصيدةً بديعية على طريقة شيخه العزّ الموصلى وشرحها في ثلاثة مجلدات وجمع مجاميع أخرى مخترعة ، وله فى المؤيد غُرر القصائد وقُرِّر فى ديوان الإنشاء منشىٍّ الدّيوان وعمل فى طول الدولة المؤيدية من إنشائه مجلَّدين فى الوقائع ودخل مع المؤيّد بلاد الروم ، فلما انقضت الدولة المؤيّدية رقَّ حاله فرجع إلى بلده حماة فأقام بها على خير إلى أن مات في الخامس والعشرين من شعبان.

سمعتُ من نظمه كثيرًا وسمعتُ عليه معظم شرحه على (بديعيّته) وجملةً من إنشائه ولقيتهُ بحماة سنة ستٍ وثلاثين ذهابًا وإيابًا وبيننا مودّة أكيدة والله تعالى المسئول أن يرحمه ونعم الرجل كان رحمه الله تعالى ، ومن نظمه : سرنا ولَيْلُ شَعْرِهِ مُنسدِلٌ .. وَقَدْ غدا جمالُه مُسفَّرا .. فَقَال صُبْحُ ثَغْرِهِ مُبْتَسِمًا .. عند الصَّباح يحمدُ القومُ السّرى ، ومنه : فى سويداء مُقلَةِ الحُبِّ نَادى .. جفنُه وهُوَ يَقْنَصُ الأُسد صَيْدَا .. لا تَقُولُوا ما فى السُّوَيْدَا رِجَالٌ .. فأنا اليَوم مِن رجال السُّويدَ “.

وترجم له السخاوي في الضوء اللامع وذكر مؤلفاته وآراء المعاصرين فيه فقال : ” أَبُو بكر بن عَليّ بن عبد الله التقي الْحَمَوِيّ الْحَنَفِيّ الأزراري وَيعرف بِابْن حجَّة بِالْكَسْرِ باسم الشَّهْر ولد تَقْرِيبًا سنة سبع وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة بحماة وَنَشَأ بهَا فحفظ الْقُرْآن وتعانى عمل الْحَرِير وَعقد الأزرار وقتا ثمَّ اشْتغل بِالْعلمِ وتعانى الْأَدَب وَتردد إِلَى الشَّمْس الهيتي والعز الْموصِلِي وَقَرَأَ عَلَيْهِمَا فِي الْأَدَب وَكتب عَنْهُمَا من نظمهما ونثرهما ولازم فِيهِ الْعَلَاء القضامي حَتَّى تقدم فِي عمل الأزجال والمواليا ثمَّ أقبل على نظم القصيد ومدح أَعْيَان بَلَده ثمَّ ارتحل مِنْهَا إِلَى الشَّام قبل التسعين فمدح قاضيها الْبُرْهَان بن جمَاعَة بقصيدة كَافِيَة طنانة بديعة قرضها لَهُ نبهاء عصره.

وَدخل الْقَاهِرَة وَهِي مَعَه فَوقف عَلَيْهَا الْفَخر بن مكانس وَابْنه الْمجد فقرضاها أَيْضا ومدح الْفَخر وطارح وَلَده ثمَّ عَاد إِلَى بِلَاده فَأَقَامَ بهَا ثمَّ دخل الْقَاهِرَة أَيْضا فِي الْأَيَّام المؤيدية فراج أمره وَعظم قدره ونوه بِهِ بلديه نَاصِر الدّين بن الْبَارِزِيّ وَاسْتقر بِهِ منشئ ديوَان الْإِنْشَاء فاشتهد وَبعد صيته وَصَارَ أحد الْأَعْيَان وباشر عدَّة أنظار وَدخل بِلَاد الرّوم مَعَ الْمُؤَيد إِلَى أَن كَانَت الْأَيَّام العلمية ابْن الكويز فَلم تمش أَحْوَاله كَمَا كَانَت فتقلق من إِقَامَته بِالْقَاهِرَةِ وَتوجه لبلده فِي سنة ثَلَاثِينَ فَأَقَامَ بهَا ملازما للاشتغال بالعلوم وَالْخَيْر إِلَى أَن مَاتَ.

ورام فِي الْأَيَّام الكمالية الرُّجُوع إِلَى الْقَاهِرَة فَمَا تهَيَّأ وَكَانَ إِمَامًا عَارِفًا بفنون الْأَدَب مُتَقَدما فِيهَا طَوِيل النَّفس فِي النّظم والنثر حسن الْأَخْلَاق والمروءة مَعَ بعض زهو وَإِعْجَاب ومداومة على خضب لحيته بالحمرة إِلَى أَن أسن حَتَّى هجاه بذلك الْبَدْر البشتكي بقوله : صبيغ دعاويه لَا تَنْتَهِي .. يخطى الصَّوَاب وَلَا يشْعر .. تفكرت فِيهِ وَفِي ذقنه .. فَلم أدر أَيهمَا أَحْمَر.

وَقد أَخذ عَنهُ الأكابر وَقَالَ شَيخنَا فِي أنبائه أَنه سمع من نظمه كثيرا بل وَسمع مِنْهُ مُعظم شَرحه على البديعية وَجُمْلَة من إنشائه قَالَ ولقيته بِبَلَدِهِ فِي سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ ذَهَابًا وإيابا وبيننا مَوَدَّة أكيدة وَقَالَ فِي مُعْجَمه سَمِعت مِنْهُ الْكثير من الشَّرْح وَكتب عني وكتبت عَنهُ ولقيته بحماة عِنْد التَّوَجُّه مَعَ الْعَسْكَر إِلَى حلب وَسمعت من نظمه بهَا وَذكره ابْن خطيب الناصرية فَقَالَ الإِمَام الأديب البليغ الْفَاضِل النَّاظِم الناثر إِمَام أهل الْأَدَب فِي زَمَنه ثمَّ قَالَ وَبَين وَبَينه صُحْبَة أكيدة ومحبة ومذاكرة فِي الْأَدَب والتاريخ ، انْتهى.

وَمن تصانيفه بُلُوغ المرام من سيرة ابْن هِشَام وَالرَّوْض الْأنف والأعلام وأمان الْخَائِفِينَ من أمة سيد الْمُرْسلين وبلوغ المُرَاد من الْحَيَوَان والنبات والجماد فِي مجلدين وبروق الْغَيْث على الْغَيْث الَّذِي انسجم من شرح لامية الْعَجم وكشف اللثام عَن وَجه التورية والاستخدام وحديقة زُهَيْر وناصح قلاقس وزاوية شيخ الشُّيُوخ وتحرير القيراط وقهوة فِي مجلدين وَهُوَ مِمَّا أنشأه بالديار المصرية عَن الْمُلُوك الْمُؤَيد وَالظَّاهِر والأشرف والزوائد المصرية نظم والثمرات الشهية من الْفَوَاكِه الحموية نظم أَيْضا وجني الجنتين وقطر النباتين وَثُبُوت الْحجَّة وَقبُول الْبَينَات وتأهيل الْغَرِيب فِي أَربع مجلدات وتفصيل الْبردَة وَثُبُوت الْعشْرَة.

وديوان شعر بديع قَالَ فِيهِ : ديوَان نظمي جَاءَ وَهُوَ مُحَرر .. برقيق نظم لَفظه مستعذب .. فَإِذا بدا لَا تستقلوا حجمه .. وحياتكم فِيهِ الْكثير الطّيب ، وَعمل البديعية مُتَابعًا للحلى على طَريقَة الْعِزّ الْموصِلِي من التورية باسم النَّوْع البديعي فِي الْبَيْت وسماها تَقْدِيم أبي بكر وَهِي تَسْمِيَة بديعة فِي مَعْنَاهَا للاتفاق فِي اسْمه وَاسم الصّديق رَضِي الله عَنهُ وَشَرحهَا فِي ثَلَاث مجلدات أبدع فِيهِ مَا شَاءَ.

 وقرضه لَهُ الْعلمَاء فَكَانَ مِمَّا كتبه شَيخنَا أشهد أَن أَبَا بكر مقدم على أنظاره وَلَا أعدل فِي هَذِه الشَّهَادَة من أَحْمد وأجزم برفعة قدره على من انتصب لهَذَا الْفَنّ وَلَا أبلغ من حَاكم يشْهد وَله رسائل ومقاطيع شهرية وَمن رسائله رِسَالَة أَنْشَأَهَا حِين كَانَ الظَّاهِر برقوق محاصرا دمشق فِي سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَحرقت دمشق كتب بهَا إِلَى الْفَخر بن مكانس بِالْقَاهِرَةِ سَمَّاهَا ياقوت الْكَلَام فِي أَيَّام الشَّام أودعها ابْن خطيب الناصرية تَرْجَمته من تَارِيخه.

وَهُوَ مِمَّن قرض السِّيرَة المؤيدية لِابْنِ ناهض وأوردت من تقاليده الَّتِي أَنْشَأَهَا لشَيْخِنَا فِي الْجَوَاهِر والدرر وَقد انحرف عَنهُ النواجي بعد مزِيد اختصاصهما وصنف الْحجَّة فِي سرقات ابْن حجَّة وَزَاد فِي التحامل عَلَيْهِ وهجاه كَثِيرُونَ من شعراء وقته بمقاطيع مقذعة وَكَأَنَّهُ وَالله أعلم لِأَنَّهُ كَانَ ضنينا بِنَفسِهِ وبشعره يرى غالبهم كآحاد تلامذته ، مَاتَ فِي الْعشْر الْأَخير من شعْبَان حَسْبَمَا أرخه ابْن خطيب الناصرية وَقيل فِي رَجَب سنة سبع وَثَلَاثِينَ بحماة بعد أَن قَالَ وَقد اجْتمعت الْبَارِدَة والحمى فِي مَرضه : بردية بردت عظمى وطابقتها .. سخونة ألفتهما قدرَة الْبَارِي .. فَامْنُنْ بتفرقة الضدين من جَسَدِي .. يَا ذَا الْمُؤلف بَين الثَّلج وَالنَّار.

وَوَصفه بعض الْمُحدثين بِالْإِمَامِ الْعَالم الأديب البارع رَأس أدباء الْعَصْر وأعرفهم بفنون الشّعْر وَمِمَّا كتبه عَنهُ شَيخنَا وَكَذَا ابْن خطيب الناصرية قصيدته الَّتِي امتدح بهَا الْعَلَاء بن أبي الْبَقَاء السُّبْكِيّ وعارض فِيهَا قصيدة للجمال بن نباتة أَولهَا : يَا ساهر اللحظ حَالي فِيك مَشْهُور .. وكاسر الجفن قلبِي مِنْك مكسور .. أمرت لحظك أَن يَسْطُو على كَبِدِي .. يَا صدق من قَالَ إِن السَّيْف مَأْمُور.

وَمِمَّا كتبه لقاض أخلف مَا وعده بِهِ من حبس غَرِيم لَهُ : أضعت حَقي وأخلفت الوعود وَمَا .. وفيت لي ونصرت الْيَوْم أخصامي .. فَلَا تلمني إِذا أنشدت من حرقي .. وَسُوء الْحَظ يُبْدِي نقض إبرامي .. إِن كَانَ منزلتي فِي الْحبّ عنْدكُمْ .. مَا قد رَأَيْت فقد ضيعت أيامي.

ونظمه ونثره يَفُوقَانِ الْوَصْف وَعِنْدِي مِنْهُمَا جملَة قَالَ شَيخنَا وَنعم الرجل كَانَ وَقَالَ المقريزي كَانَ فِيهِ زهو وَإِعْجَاب بِنَفسِهِ علمه الْأَدَب ونظمه كثير وَهُوَ عِنْده فِي عقوده وَأَنه لقِيه مرَارًا أَولهَا بِدِمَشْق فِي صفر سنة اثْنَتَيْ عشرَة وَأورد من نظمه أَشْيَاء قَالَ وَهُوَ أحد أدباء الْعَصْر المكثرين المجيدين وَله فِي الْأَدَب مصنفات وَمِمَّا أنْشدهُ : هويته عجميا فَوق وجنته .. لامية عوذتها أحرف الْقسم .. فِي وصفهَا ألسن الأقلام قد خرست .. وظل شرحي فِي لامية الْعَجم.

وَقَالَ ابْن قَاضِي شُهْبَة تقدم فِي صناعَة الْأَدَب وشاع فَضله قَدِيما فِي أَيَّام ابْن ايبك وَله النّظم البليغ والنثر البديع واتصل بالمؤيد وَتقدم عِنْده ثمَّ حصل لَهُ تخلف وَتقدم عَلَيْهِ الزين بن الْخَرَّاط والشرف بن الْعَطَّار فَعَاد إِلَى بَلَده رَحمَه الله وإيانا “.

وفي مقدمة كتابه يشرح ابن حجة سبب تأليفه فيقول : ” بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله البديع الرفيع الذي أحسن ابتداء خلقنا بصنعته وأولانا جميل الصنيع فاستهلت الأصوات ببراعة توحيده وهو البصير السميع أدّب نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم فأحسن تأديبه حتى أرشدنا جزاه الله عنا خيرًا إلى سلوك الأدب وأوضح لنا بديعه وغريبه.

نحمده حمدًا يحصن به التخلص من غزل الشهوة إلى حسن الختام ونشكره شكر من شعر ببديع صفاته فأحسن النظم وأعوذ بالله من قوم لا يشعرون بهذا النظام ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة شاعر بأنه الواحد وأن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، المبعوث من بيت عربي فصاحته على الأعراب والإعراب أعظم شاهد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين هم نظام هذا البيت الشريف ودوائر بحره وأنواع بديعه وديباج صدره وسلم تسليمًا كثيرًا.

وبعد ، فهذه البديعية التي نسجتها بمدحه صلى الله عليه وسلم على منوال طرز البردة ، وكان مولانا المقر الأشرف العالي المولوي القاضوي المخدومي الناصري سيدي محمد بن البارزي الجهني الشافعي صاحب ديوان الإنشاء الشريف بالممالك الإسلامية المحروسة جمل الله الوجود بوجوده هو الذي ثقف لي هذه الصعدة وحلب لي ضرعها الحافل لحصول هذه الزبدة وما ذاك إلا أنه وقف بدمشق المحروسة على قصيدة بديعية للشيخ عز الدين الموصلي رحمه الله تعالى التزم فيها بتسمية النوع البديعي.

وورى بها من جنس الغزل ليتميز بذلك على الشيخ صفي الدين الحلي تغمده الله تعالى برحمته لأنه ما التزم في بديعيته بحمل هذا العبء الثقيل غير أن الشيخ عز الدين ما أعرب عن بناء بيوت أذن الله أن ترفع ولا طالت يده لإبهام العقادة إلى شيء من إشارات ابن أبي الأصبع وربما رضي في الغالب، بتسمية النوع ولم يعرب عن المسمى ونثر شمل الألفاظ والمعاني لشدة ما عقده نظمًا ، فيا دارها بالخيف إن مزارها .. قريب ولكن دون ذلك أهوال.

فاستخار الله مولانا الناصري المشار إليه ورسم لي بنظم قصيدة أطرز حلتها ببديع هذا الالتزام وأجازي الحلي برق السحر الحلال الذي ينفث في عقد الأقلام فصرت أشيد البيت فيرسم لي بهدمه ، وخراب البيوت في هذا البناء صعب على الناس ويقول : بيت الصفي أصفى موردًا وأنور اقتباسًا ، فأسن كل ما حده الفكر وأراجعه ببيت له على المناظرة طاقة فيحكم لي بالسبق وينقلني إلى غيره وقد صار لي فكرة إلى الغايات سباقة.

فجاءت بديعية هدمت بها ما نخته الموصلي في بيوته من الجبال وجاريت الصفي مقيدًا بتسمية النوع، وهو من ذلك محلول العقال وسميتها : تقديم أبي بكر ، عالمًا أن لا يسمع من الحلي والموصلي في هذا التقديم مقال ، وكان المشار إليه عظم الله شأنه هو الذي مشى أمامي وأشار إلى هذا السلوك وأرشد فاقتديت برأيه وهل يقتدي أبو بكر بغير محمد ؟ “.

أما كتابه ثمرات الأوراق فقد جمع فيه طرائف القصص والحكايات والنوادر حيث يقول في مقدمته : ” بسم الله الرحمن الرحيم .. قال الشيخ الإمام حجة العرب وترجمان الأدب تقي الدين أبو بكر بن حجة الحنفي منشىء دواوين الإنشاء الشريف بالممالك الإسلامية تغمده الله برحمته. ، أما بعد حمداً لله الذي فكهنا بثمار أوراق العلماء والصلاة والسلام على نبيه شجرة العلم التي أصلها ثابت وفرعها في السماء وعلى آله وصحبه الذين هم فروع هذه الشجرة وأغصانها التي دنت لهذه الأمة قطوفها المثمرة فإني وريت بتسمية هذا الكتاب بثمار الأوراق علماً أن قطوفه لم تدن لغير ذوي الأذواق “.

وقد حوى الكتاب عددا من القصص التي دخلت بعد ذلك في التراث الشعبي المصري مثل قصة الصعيدي والإفرنجية والتي بدأ سردها بقوله : ” ومن غرائب المنقول وعجائبه عن الأمير بدر الدين أبي المحاسن يوسف المهمندار المعروف بمهمندار العرب أنه قال حكى الأمير شجاع الدين محمد الشيرازي متولي القاهرة في الأيام الكاملية سنة ثلاث وستمائة قال بتنا عند رجل ببعض بلاد الصعيد فأكرمنا وكان الرجل شديد السمرة وهو شيخ كبير فحضر له أولاد بيض الوجوه حسان الأشكال فقلنا له هؤلاء أولادك فقال نعم وكأني بكم وقد أنكرتم بياضهم فقلنا له نعم : قال هؤلاء أمهم إفرنجية أخذتها في أيام الملك الناصر صرح الدين وأنا شاب فقلنا وكيف أخذتها قال حديثي بها عجيب قلنا أتحفنا به … إلخ “

ومنها قصة حذاء الطنبوري الشهيرة التي بدأها بقوله : ” حكي أنه كان ببغداد شخص يعرف بأبي القاسم الطنبوري صاحب نوادر وحكايات وله مداس له مدة سنين كلما انقطع منه موضع جعل عليه رقعة إلى أن صار في غاية الثقل وصار يضرب به المثل فيقال أثقل من مداس أبي القاسم الطنبوري فاتفق أنه دخل سوق الزجاج فقال له سمسار: يا أبا القاسم قد وصل تاجر من حلب ومعه زجاج مذهب قد كسد فابتعه منه وأنا ابيعه لك بعد مدة بمكسب المثل مثلين فإبتاعه بستين ديناراً ثم دخل سوق العطارين فقال سمسار آخر قد ورد تاجر نصيبين بماء ورد في غاية الحسن والرخص ابتعه منه وأنا أبيعه لك بفائدة كثيرة فإبتاعه بستين ديناراً أخرى ثم جعله في الزجاج المذهب ووضعه على رفع في صدر البيت … إلخ “.