
31 / التذكرة البلقينية
اعتاد كبار المؤلفين في العصور الإسلامية على كتابة مؤلفات صغيرة يدونون فيها ما استحسنوه من قراءاتهم وما سمعوه من روايات نادرة وقصص غريبة ، ومن هذا النوع كتاب (التذكرة البلقينية في الفوائد والمسائل المنثورة) والذي صنفه قاضي القضاة بالديار المصرية الإمام علم الدين أبو التقى صالح بن عمر بن رسلان بن نصير البلقيني الذي ولد في القاهرة عام 791 هـ / 1388 م وتوفي فيها عام 868 هـ / 1463 م ، والده هو مجدد الإسلام على رأس المائة الثامنة شيخ الإسلام سراج الدين البلقيني وأخوه الأكبر قاضي القضاة جلال الدين البلقيني.
والكتاب خليط من قصص الوعظ والحكايات المتداولة وأقوال الحكماء وبليغ الأشعار ويحمل طابعا أدبيا واضحا ، وللمؤلف عدة كتب أخرى في العلوم إسلامية مثل كتاب المقال المقطر في مقام المنبر (مجموعة خطب) وكتاب النثر الرائق في الرقائق وكتاب تفسير القرآن وكتاب تتمة التدريب وكتاب القول المقبول فيما يدعى فيه بالمجهول وكتاب الغيث الجاري على صحيح البخاري وكتاب الجوهر الفرد فيما يخالف فيه الحر العبد وكتاب التجرد والاهتمام بجمع فتاوي الوالد شيخ الإسلام بالإضافة إلى كتب ترجمة والده وأخيه.
ذكره ابن تغري بردي في كتابه النجوم الزاهرة في أحداث سنة 868 هـ ونوه بصحبتهما وقرابتهما فقال : ” وتوفّى شيخ الإسلام قاضى القضاة علم الدين صالح ابن شيخ الإسلام سراج الدين عمر بن رسلان بن نصير البلقينى الكنانى الشافعى قاضى قضاة الديار المصرية وعالمها فى يوم الأربعاء وقت الزوال خامس شهر رجب بعد أن مرض نحو عشرة أيام.
ودفن من الغد بمدرسة والده تجاه داره بحارة بهاء الدين بعد أن صلى عليه بالجامع الحاكمى ، وتوجهوا بجنازته من طريق الجملون العتيق ودخلوا بها من باب الجامع الذي بالشارع عند باب النصر وعادوا بنعشه من الباب الذي بالقرب من باب الفتوح وأعيد إلى مدفنه وكانت جنازته مشهودة إلى الغاية.
ومات وسنه سبع وسبعون سنة لأن مولده بعد عشاء ليلة الاثنين ثالث عشر جمادى الأولى سنة إحدى وتسعين وسبعمائة ، وهو من جملة الفقهاء الذين قرأت عليهم القرآن في صغرى لأن أختى كانت تحت أخيه قاضى القضاة جلال الدين البلقينى فكنّا بهذا المقتضى كشيء واحد.
وكان إماما عالما فقيها درّس وأفتى سنين كثيرة وناب في الحكم عن أخيه جلال الدين المذكور ثم ولى القضاء بعد ذلك غير مرّة وطالت أيّامه في المنصب وانتهت إليه رئاسة مذهبه في زمانه ، وقد استوعبنا حاله في عدة مواضع من مصنفاتنا ليس لذكرها في هذا المختصر محل وفي شهرته ما يغنى عن الإطناب في ذكره هنا رحمه الله تعالى ورضى عنه “.
وترجم له السخاوي في الضوء اللامع فقال : ” صالح بن عمر بن رسلان بن نصير بن صالح القاضى علم الدين أبو التقى ابن شيخ الإسلام السراج أبى حفص الكنانى العسقلانى البلقينى الأصل القاهرى الشافعى وأول من سكن بلقينة من أصوله صالح الأعلى ، ولد فى ليلة الاثنين الثالث عشر من جمادى الأولى سنة إحدى تسعين وسبعمائة بالقاهرة ونشأ بها فى كنف والده فحفظ القرآن والعمدة وألفية النحو ومنهاج الأصول والتدريب لأبيه إلى النفقات.
وصلى بالناس التراويح بمدرسة أبيه وعرض بعض محافيظه عليه وعلى الزين العراقى وغيرهما ، وكان متقللا من الدنيا غاية فى الذكاء وسرعة الحفظ لازم الاشتغال فى الفقه وأصوله والنحو والحديث وانتفع فى ذلك كله بأخيه ، وأخذ عن المجد البرماوى والشمس العراقى والعز بن جماعة وعن الشمس الشطنوفى وحج سنة أربع عشرة ولقى الحافظ الجمال ابن ظهيرة وغيره ، ودخل دمياط فما دونها ولم يزل ملازما لأخيه حتى تقدم وأذن له فى الإفتاء والتدريس وخطب بالمشهد الحسينى وبغيره.
وقرأ البخارى عند الأمير إينال الصصلائى وألبسه يوم الختم خلعه وعاونه حتى استقر فى توقيع الدست كما وقع لأخويه ، وناب فى القضاء عن أخيه بدمنهور وأنشده بعض أهل الأدب عقب عمله ميعادا بالنحرارية : وعظ الأنام إمامنا الحبر الذى .. سكب العلوم كبحر فضل طافح .. فشفى القلوب بعلمه وبوعظه .. والوعظ لا يشفى سوى من صالح ، ودرس الفقه وهو شاب بالمدرسة الملكية ثم رغب له أخوه عن درسي التفسير والميعاد بالبرقوقية فى سنة إحدى وعشرين وعمل فيها إذ ذاك إجلاسا حافلا ارتفع ذكره به.
وكذا نوّه أخوه بذكره فى مناظرات الهروي وقدمه أخوه أيضا لخطبة العيد بالسلطان الظاهر ططر حين سافر معه وبرز صاحب الترجمة لتلقيه من قطيا فوجد أخاه متعنفا جدا وصادف إرسال السلطان يأمره أن يتجشم المشقة فى الخطبة لكونه أول عيد من سلطنته وإلا فليعين من يصلح فكان هو الصالح فخطب حينئذ بالسلطان والعسكر فأعجبهم جهورية صوته واستقر فى أنفسهم أنه عالم ولذلك لما مات أخوه استقر عوضه فى تدريس الخشابية والنظر عليها وحضر عنده الكبار من شيوخه وغيرهم واستمر فيها حتى مات.
ورام الظاهر إخراجهما عنه مرة بعد أخرى بل رام إخراجه من مصر جملة فما مكنه الله من ذلك كله ، ثم استقر بعد صرف شيخه الولى العراقى فى قضاء الشافعية بالديار المصرية فى سادس ذى الحجة سنة ست وعشرين فأقام سنة وأكثر من شهر ثم صرف ، وتكرر عوده لذلك وصرفه حتى كانت مدة ولايته فى مجموع المرار وهى سبعة : ثلاث عشرة سنة ونصف سنة ، وعقد الميعاد بمدرسة والده وتدريس الحديث بالقانبهية والميعاد والإفتاء بالحسينية والفقه بالشريفية بمصر مع نظرها ونظر الخانقاه البيبرسية وجامع الحاكم.
وكان إماما فقيها عالما قوى الحافظة سريع الإدراك طلق العبارة فصيحا يتحاشى عدم الإعراب فى مخاطباته بحيث لا يضبط عليه فى ذلك شاذة ولا فاذة ، وكان القاياتى يقول : إنه تخطى الناس بحفظ التدريب ، وصنف تفسيرا وشرحا على البخارى لم يكمله وأفرد فتاوى أبيه والمهم من فتاوى نفسه والتقط حواشى أخيه على الروضة بل جمع من حواشى أبيه وأخيه عليها وأفرد كلا من ترجمته وترجمة والده.
وله القول المفيد فى اشتراط الترتيب بين كلمتي التوحيد والخطب والتذكرة وغير ذلك واستمر على جلالته وعلو مكانته حتى مات بعد أن توعك قليلا فى يوم الأربعاء خامس رجب سنة ثمان وستين وثمانمائة ، وصلى عليه بجامع الحاكم في محضر جمّ تقدمهم ابن الشحنة القاضى الحنفى ودفن بجوار والده بمدرسته الشهيرة وأقاموا على قبره أياما يقرؤن “.
وفي مقدمة تحقيقه للكتاب يشرح الباحث محمد عايش طبيعة محتواه وارتباط ذلك بشخصية مؤلفاه فيقول : ” التذكرة البلقينية .. دأب أعلام الحضارة الإسلامية على تقييد نوادر قراءاتهم وما يستملحونه من مسموعاتهم ومشاهداتهم في كتب أطلقوا عليها أسماء مختلفة منها التذكرة والسفينة والكشكول والكناش وغيرها من الأسماء ، وهي تدل بمجموعها على شيء واحد وهو ذلك الكتاب الذي يجمع نصوصا متنوعة المصادر والموضوعات يلجأ كاتبها إلى تقييدها كي لا تغيب عن ذهنه فيعود إليها وقتما يريد.
وتنوعت مناهج المؤلفين في تأليف كتب التذاكر فمنهم من يقسمها إلى أبواب مثل التذكرة الحمدونية ومنهم ـ وهو الأغلب ـ أن لا يكون لها خطة أو منهج في تقييد النصوص فتارة تقرأ نظما وتارة شعرا ومرة تجد لطيفة أدبية وأخرى تجد مسألة فقهية ، فهي بمجموعها مختارات من المكتبة العربية لا تنتظم في موضوع واحد وهذا ما نجده مثلا في التذكرة الصفدية وتذكرة المقريزي وتذكرة النواجي وغيرها.
والتذكرة البلقينية واحدة من كتب التذاكر التي تعنى بتقييد أخبار العلماء والفقهاء ومآثر آرائهم وأقوالهم وغرائب كرامات الصالحين والأولياء ، وهي تشي بذوق من طراز رفيع في انتقائها ولعل الواقف عليها يجدها قريبة من شخصية مؤلفها وهو العلم البلقيني الذي ذكر عنه السخاوي أنه نشأ متصوفا وكان ذاكرا لكثير من المتون والفوائد الحديثية والرقائق والمواعظ والأشعار “.

32 / نزهة النفوس ومضحك العبوس
ذكر العاملي في كتابه الكشكول أن الشاعر ابن الوردي قال : وشاعر أوقَد الطبعُ الذكاءَ له .. فكاد يحرقه من فرطِ إذكاءِ .. أقام يُجهد أياماً قريحته .. وشبّه الماء بعد الجهد بالماء ، وقد كتب هذه الأبيات تعليقا على قصيدة هزلية شهيرة من نظم الشاعر الفكاهي ابن سودون الجركسي والتي يقول في أحد أبياتها : كأننا والماء من حولنا .. قوم جلوس حولهم ماء ، وهو البيت الذي قال عنه بعضهم أنه أسخف بيت شعر قالته العرب ، وهذه القصيدة من مطلعها تسير على نفس مستوى الهزل حيث قال :
الأرض أرض والسماء سماء .. والماء ماء والهواء هواء ..والبحر بحر والجبال رواسخ .. والنور نور والظلام عماء .. والحر ضد البرد قول صادق .. وجميع أشياء الوري أشياء ..والماء قيل بأنه يروي الظما .. والخبز واللحم السمين غذاء .. ويقال أن النـاس تنطق مثلنا .. أما الخراف فقولها مأماء .. كل الرجال على العموم مذكر ..أما النساء فكلهن نساء .. الميم غير الجيم جاء مصحفا .. وإذا كتبت الحاء فهي الحاء .. مالي أرى الثُقَلاء تُكرهُ دائماً ..لا شـك عندي أنهم ثقلاء.
والشاعر هو أبو الحسن علي بن سودون اليشبغاوي الجركسي القاهري الحنفي الذي ولد عام 810 هـ / 1407 م في القاهرة وتوفي عام 868 هـ / 1463 م في دمشق ، وهو من أبناء المماليك حيث كان والده قاضيا بمصر واهتم بتعليمه وفق المذهب الحنفي ليخلفه في عمل القضاء لكنه خالف ذلك وأحب الأدب والشعر ، ونبغ ابن سودون في الهزليات حيث وضع كتابه نزهة النفوس ومضحك العبوس) في عام 854 هـ وضمنه مجموعات نثرية وشعرية متنوعة مع كثير من الموشحات والأزجال والمقامات.
وقد ذكره السخاوي في كتابه الضوء اللامع لأهل القرن التاسع فقال : ” عَليّ بن سودون الْعَلَاء اليشبغاوي القاهري ثمَّ الدِّمَشْقِي الْحَنَفِيّ وَيعرف بِأَبِيهِ ، ولد فِي سنة عشر وَثَمَانمِائَة تَقْرِيبًا بِالْقَاهِرَةِ وَنَشَأ بهَا فَقَرَأَ الْقُرْآن بالشيخونية عِنْد الشهَاب النعماني وَحفظ الْكَنْز وَقَرَأَ فِيهِ على جمَاعَة مِنْهُم السعد بن الديري مَعَ شرح عقيدة النَّسَفِيّ وَفِي الْمِيقَات على ابْن المجدي وَغَيره وَفِي الْعرُوض على الْجلَال الحصني والشهابين الْخَواص والأبشيطي فِي آخَرين.
وَسمع على الوَاسِطِيّ المسلسل وَبَقِيَّة مسموعه وعَلى الزين الزَّرْكَشِيّ فِي مُسلم وَغَيره كل ذَلِك من لفظ الكلوتاتي بل سمع مِنْهُ أَشْيَاء ، وَفضل وشارك مُشَاركَة جَيِّدَة فِي فنون وَحج مرَارًا وسافر فِي بعض الْغَزَوَات وَأم بِبَعْض الْمَسَاجِد وتعانى الْأَدَب فبرع ، وكتبت عَنهُ من نظمه فِي سنة ثَلَاث وَخمسين مَا أثْبته فِي مَوضِع آخر وَلكنه سلك فِي أَكْثَره طَريقَة هِيَ غَايَة فِي المجون والهزل والخراع والخلاعة فراج أمره فِيهَا جدا وطار اسْمه بذلك وتنافس الظرفاء وَنَحْوهم فِي تَحْصِيل ديوانه.
وَدخل الْبِلَاد الشامية فَلَزِمَ طَرِيقَته وقدرت منيته فِي دمشق يَوْم الْجُمُعَة منتصف رَجَب سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَدفن بمقبرة الفراديس عَفا الله عَنهُ ورحمه ، وَمن نظمه : أقمار حسن من الأتراك لاذوا بِي .. إِن رمت يَا نفس تخليصا فَلَا ذوبي .. مَالَتْ قدودهم تغري لواحظهم .. واستأسروا كل مطعوم ومضروب .. شدوا مناطقهم أَرخُوا ذوائبهم .. فَلم نزل بَين مسلوب وملسوب ، فِي أَبْيَات “.
وذكره ابن العماد الحنبلي في كتابه شذرات الذهب في أخبار من ذهب وذلك في وفيات سنة 868 هـ فقال : ” وفيها أبو الحسن علي بن سودون اليشبغاوي القاهري الحنفي الإمام العلّامة ، أخذ عن علماء عصره وتفنّن في العلوم وكان مملقا فأخذ في رواج أمره بالمجون ويقال إنه أول من أحدث خيال الظلّ وألف كتابا حافلا صدّره (نظم فائق في مديح المصطفى صلى الله عليه وسلم) وغيره وعجزه خرافات.
ويقال إن والده كان قاضيا بمصر وأنه سمع بأن ولده تعاطى التمسخر مع الأراذل تحت قلعة دمشق فأتى إلى الشام ووقف على حلقة فيها ولده يتعاطى ذلك فلما رأى والده أنشد : قد كان يرجو والدي .. بأن أكن قاضي البلد .. ما تمّ إلّا ما يريد .. فليعتبر من له ولد ، وبالجملة فقد كان من أعاجيب الزمان وتوفي بدمشق في رجب عن ثمان وخمسين سنة “.
ويقول ابن سودون في مقدمة كتابه : ” أما بعد ، فإني لما كنت في حال الصغر ساكن القلب من تحريك هم العيال مطلقا من التقييد في كل حال صرفت في وزن القريض ونقده زمانا إلى أن صار في عز وامتنع منه سهلا مهانا وأكثرت من التغالي في الأشعار ثم وجدتها رخيصة الأسعار لا أجد لما أبديه طالبا ولا أرى فيه راغبا فتركت هذه الصناعة لما رأيتها كاسدة والتسديد في إصلاحها من الخيالات الفاسدة.
وأجريت الفكر في أمر الزواج إلى أن جرني ذلك إلى اقتحام العجاج وأوقعني في بحر من الهموم زاخر لا يعرف له أول من آخر وفتح علي من الأشغال ما سد عني أبواب الاشتغال فأخذت في كسب ما يقوم به الأود وما يصلح شأن الزوجة والولد فتارة بتعاطي الخياطة أحترف وتارة بالقم من المداد أغترف.
ومضى على ذلك كثير من الأزمنة وعادت القريحة قريحة مزمنة ولا تمنح من جواهر صفائها نظما ولا نثرا ولا تسمح أن تظهر شمسا ولا بدرا ، وكلما سمتها شيئا من ذلك تجزع وتراع حتى ثنيت عنانها إلى نوع من الخراع فغدت في ميادينه تجول وتلقى الناس منه ذلك بالقبول حتى صرت فيها أشهر من علم وإن كنت أعرى من قلم.
وكنت إذا جمعت من هذا النوع شيئا شتت الناس شمله فمنهم من يختلس بعضه ومنهم من يسرق جمله ثم جمعت ما استحضرته وصرت أكتبه كيف يكون وأخلط المدح والغزل فيه بالمجون وسميته (نزهة النفوس ومضحك العبوس).
ثم خطر لي أن أميز جده من هزله وأن ألحق كل نوع بمثله فبادرت عند ذلك وانتصبت لتمييزه راجيا ممن عثر فيه على خلل أن يسامحني بتجويزه فأنى ينجو من عثرات ما يهذي به ومتى يظفر بتنقيح الكلام وتهذيبه من تضيع منه الأوقات في تحصيل الأقوات ويمنعه الاكتساب من أن ينظر في كتاب لا ينال من تصنيف مددا ولا يذكر من الإخوان أحدا.
وقد قسمته شطرين فالشطر الأول يشتمل على المدح والغزل وغيرهما من الجديات والشطر الثاني يشتمل على أنواع من الأقاويل والهزليات وفيه خمسة أبواب ، الباب الأول في القصائد والتصاديق ، الباب الثاني في الحكايات الملافيق ، الباب الثالث في الموشحات الهبالية ، الباب الرابع في دوبيت وشيء من المواليا ، الباب الخامس في الظرف العجيبة والتحف الغريبة وسميته (قرة الناظر ونزهة الخاطر).
ولم يزل كذلك إلى سنة ست وخمسين وثمانمائة فورد القاهرة طائفة من الأعاجم ولحنوا أقوالا وطافوا يقولونها في الأسموق واستطلاها الناس منهم ، فسألني بعض الإخوان أن أنظم طرفا من هذا ففعلت فانتشر ذلك في الناس وانبسط فجعلت ذلك بالكتاب وصلا وأفردت له في آخره فصلا ، والله المسؤول وعنده المأمول وهو حسبي ونعم الوكيل “.
وقد عده الدكتور شوقي ضيف من أهم الشعراء الشعبيين وذلك في كتابه تاريخ الأدب العربي حيث يقول : ” ابن سودون .. هو على بن سودون أكبر شخصية شعبية فكهة فى القرن التاسع الهجرى عني فى بواكير حياته بحفظ القرآن الكريم وتحصيل العلوم والمعارف حتى أصبح شيخا فقيها وعيّن إماما بأحد المساجد فى القاهرة ، وكان فيه ميل متأصل إلى الفكاهة والهزل وقدرة على نظم الأشعار الهازلة الفكهة فشغف الناس به وتنافسوا فى رواية أشعاره ودعاباته.
ولم يلبث أن عنى بجمعها وأضاف إليها بعض حكايات فكهة مكونا من ذلك كتابه أو ديوانه : (نزهة النفوس ومضحك العبوس) وجعله فى خمسة أبواب : الباب الأول فى القصائد والتصاديق ويقصد بالتصاديق مقدماتها وهى قصائد نظمت بالفصحى ، والباب الثانى فى الحكايات الملافيق وواضح من اسمه أنه أقاصيص قصيرة ، والباب الثالث فى الموشحات الهبالية كما يقول وهى بالعامية ومثل هذا الباب باب الزجل والمواليا التالى فهو أيضا عامى اللغة.
أما الباب الخامس فجعله للطرف العجيبة والتحف الغريبة ، وكأن البابين الثالث والرابع هما الخاصان بالشعر الشعبى العامى وإن كانت العامية عنده تتسرب إلى الباب الأول باب القصائد ، ومن الطريف أن عاميته شعرا ونثرا تقترب جدا من عاميتنا الحديثة وقد يكون فى ذلك ما يشير إلى أن مصر بلد محافظ ، وبدون ريب يصور ابن سودون فى كتابه مزاج المصريين الفكه وفكاهته تقوم على ضروب من المفارقة المنطقية “.
ومن قصائده الهزلية في هذا الكتاب قوله : البحر بحر والنخيل نخيل .. والفيل فيل والزراف طويل .. والأرض أرض والسماء خلافها .. والطير فيما بين بين يجول .. وإذا تعاصفت الرياح بروضة .. فالأرض تثبت والغصون تميل .. والماء يمشي فوق رمل قاعد .. ويُرى له مهما مشى سيلول .. مَن ظنّ أن الماء يُشبع جوعه .. هذا لعمري ذاهل بهلول .. لكنّ مَن قد عام فيه بثوبه .. تلقاه بُلّ وثوبه مبلول.
أما الفصل الخاص المسمى بالحكايات الملافيق فهو يعد نواة لفن القصة القصيرة وفي نفس الوقت مدخلا للحكايات العامية التي صارت بعد ذلك متداولة في التراث الشعبي المصري ، وقد اخترع ابن سودون شخصيات وهمية لتكون أبطالا لها مثل ابن عراش الصيدلاني وابن أشعب المنسوتي ووهدان بن عواجد وحجرمة الهوادفي وابن غيدشة الزلابياني وأبو رخلة وعندبة بن أبي الحكم مؤلف كتاب زبد الحكم وابن دعوشة وشحبذة الحجرمي وابن شاوم القيرواني وابن دبدبة وابن الميرواز وابن دهدهة الغيداني وابن هافد الجهيلي وابن دهمشة المشرفي وابن سياج المدائني وابن سهلوبة وابن سفتجة وحبينقة بن قديد وحيربان بن جانح.
ومن أمثلة هذه القصص ما جاء على لسان واحد من أبطاله المتخيلين حيث يقول ابن سودون : ” قال هبالة بن واقد : ولدتني أمي قبل الطهور بمدة فلما مضى لي من العمر ما لا أعرفه إلا أنه كان قبل يومنا هذا قالت يا بني جرت العادة أن المولود إذا مضت له مدة من الزمان وأراد أهله حلاقة رأسه صنعوا له وليمة وقد نسينا أن نفعل بك ذلك ونحب اليوم أن نفعله ، قلت يا أماه دونك وما تحبين.
فأرسلتني مع أبي إلى الحمام ولم أعلم ما الذي أضمرت فغسلني وألبسني ثيابا لم أكن أعرفها ثم أركبني فرسا فأحدق الناس بي والسيوف بأيديهم مسلولة حتى إذا وصلنا إلى المنزل دخلت ودخل الناس ثن قدمت لهم المآكل فأكلوا وأنا أنظر إليهم ثم قدمت الأشربة فشربوا وأنا أنظر إليهم ، وكلما أردت أن أفعل مثلهم ينهاني أبي عن ذلك حتى كدت أموت غبنا.
ثم وضعت على وسادة فجلست عليها وأتى المزين فوضع بين يدي طشتا ثم شمر أذيالي فأنكر قلبي ذلك فقلت يا أماه زعمت أنك تريدين حلاقة رأسي فما هذا الطشت ؟ قال يا بني ليجتمع شعرك فيه عند الحلاقة فينثر الناس عليه الدراهم حلوانا للمزين ، قلت فأي معاملة بين رأسي وأذيالي حتى يشمرها ؟ قال يا بني لعله رأى في ثوبك برغوثا فخاف أن يقرصك عند الحلاقة فتتحرك أنت فتنجرح.
قال : ثم إن أبي قبض علي وقال يا بني ارفع رأسك وانظر العصفورة ، فرفعت رأسي لأنظر العصفورة فبادر المزين قطع رأس حمامتي فصحت عند ذلك وصرت أبكي والناس يضحكون وأغتم وهم يفرحون وعلمت أنها كانت من أمي حيلة فحلفت أن لا أكلمها فأتت إلي واستعطفت خاطري فلم ألتفت إليها حتى حلفت لي سبعة عشر يمينا بالطلاق من أبي أنها بعد هذا لا تطهرني أبدا “.

33 / زبدة كشف الممالك
اهتم عدد كبير من المؤرخين في العصور الإسلامية بدراسة الدولة المصرية خاصة في عصور ازدهارها وتوسعها ومنهم المؤرخ غرس الدين خليل بن شاهين الظاهري الذي كان من كبار موظفي دولة المماليك البرجية وصنف كتابه (كشف الممالك وبيان الطرق والمسالك) وتناول فيه الأقاليم التابعة للسلطنة داخل مصر وخارجها ، واستعمل في وصفه لفظ الممالك وقصد بها الأقاليم التي يحكمها من هو في مقام نائب السلطان وهي كل من المملكة الشامية والكركية (نسبة إلى الكرك شرق الأردن) والحلبية والطرابلسية والحماوية والسكندرية والصفدية والغزاوية.
والمؤلف هو مؤرخ وأديب من أبناء المماليك في مصر وعرف بالظاهري نسبة إلى الظاهر برقوق ، ولد في بيت المقدس عام 813 هـ / 1410 م حيث كان أبوه اميراً هناك ثم قدم إلى القاهرة فدرس الحديث والتحق بالجيش وتقلب في عدة وظائف هامة حيث تولى نظر الأسكندرية ثم نيابتها سنة 837 هـ وحمدت سيرته فنقل إلى الوزارة بالقاهرة سنة 839 هـ في سلطنة الأشرف برسباي ثم استعفى بعد مدة يسيرة وسافر سنة 840 هـ أميراً للحاج المصري ثم ولي نيابة الكرك ثم أتابكية صفد ثم نيابة ملطية ثم أتابكية حلب وتوفي في طرابلس عام 873 هـ / 1468 م.
وله أكثر من ثلاثين مؤلفا منها كتاب الإشارات إلى علم العبارات (مجلد في تفسير الأحلام) وكتاب الدرة المضية في السير المرضية والكوكب المنير في أصول التعبير وكتاب المنيف في الإنشاء الشريف وكتاب المواهب في اختلاف المذاهب وديوان شعر (عدة أجزاء) ، وقد قام المؤلف بعمل ملخص لكتابه كشف الممالك الكبير وأهداه إلى السلطان الملك الظاهر جقمق وأطلق عليه اسم (زبدة كشف الممالك وبيان الطرق والمسالك) وختمه بباب عن أخبار الدهر وبعض الفوائد الشرعية والطبية وغير ذلك فخرج في صورة دائرة معارف مصغرة.
ويشرح في مقدمة كتابه سبب الاختصار فيقول : ” وبعد ، فإن قلم القدر إذا جرى في القدم للعبد بالتوفيق والإرشاد وقضى له في حركاته بالتأييد والإسعاد فيكرمه الله تعالى بسجايا يمن بها عليه فينال مما يؤمله أقصى المراد ويقوي عزمه ويزكي فهمه فلم يزل من فضل الله كل يوم في ازدياد مما أنعم عليه من العقل الوافر والثناء العاطر والذكاء الوقاد حتى يرى من أقرانه ممن يروم مناظرته وإن كان إنسانا كالجماد فيستعبد بالإحسان رقاب الأحرار منحة يخصه بها رب العباد فيحوز من أحوال الملوك وسيرهم أكمال البراعات ويسلك من سبل الآداب في خدمهم أعلى المقامات.
فيخصوه بالمراتب العلية وينظرون إليه سرا وجهرا ويطالع أمور المملكة برا وبحرا فإذا امتحنوه في تصرفاتهم بالاختبار وتحققوا طويته فيصير عندهم من المصطفين الأخيار فحينئذ يعلم أحوال الممالك ووظائفها وما يتحصل من الأموال ومصارفها وما يحتاج إليه الملك والملوك وما يتم به المناصب من الخدم والسلوك من أعلى المراتب وأدناها وأظهرها لسائر الناس وأخفاها وما شأن كل أحد في السكون والحركات وما يحدث من النقلة والتصرفات فإن كثيرا من الناس يعجز عن إدراك نفسه ويقصر عن ضبط ما اتفق له في يومه وأمسه.
فلذلك يقول العبد الفقير إلى الله تعالى خليل بن شاهين الظاهري لطف الله به : إنني صنفت كتابا وسميته كشف الممالك وبيان الطرق والمسالك ويشتمل على مجلدين ضخمين يشتملان على أربعين بابا جملة ذلك ستين كراسا في قطع كامل معتمدا في ذلك ما شاهده العيان أو تحققته من نقل الثقاة الأعيان الذين يركن إليهم غاية الإركان اطلعت عليه من كتب المتقدمين وما وجدته منقولا عن المشائخ المعتبرين ، ثم رأيت ذلك الكتاب المصنف مطولا فانتخبت من ملخصه هذا المجلد وسميته زبدة كشف الممالك وبيان الطرق والمسالك وجعلته اثني عشر بابا واختصرت الكلام فيه لكون اشتغالي بغيره من المصنفات.
الباب الأول في تشريف ملك مصر على سائر الممالك وما فضل به على غيره بالمعابد والمزارات وما به من العجائب والعمارات وترتيب مدنه وقلاعه ومعاملاته وحدوده وما يحتوي عليه ، الباب الثاني في وصف السلطنة الشريفة وما يتحلى به السلطان من الصفات وما يعتمده لإقامة لوازمها الموظفات ووصف المواكب الشريفة والملبوس لكل من ينسب إلى الملك من الخاص والعام ، الباب الثالث في وصف أمير المؤمنين وبيان أحواله وكان حقه أن يقدم لكن مرادنا تفخيم الملك حيث صار بالمبايعة منه إلى السلطان ووصف قضاة القضاة أهل الحل والعقد والعلماء أئمة الدين والقضاة.
الباب الرابع في وصف الصاحب الوزير والدولة الشريفة والسادة المباشرين أركانها وما يتعلق بكل ديوان وكتابه مثل الإنشاء والجيش والمفرد والخاص وبقية الدواوين والموقعين على ما يأتي تفصيله ، الباب الخامس في وصف أولاد الملوك ونظام الملك الشريف ونائب السلطنة الشريفة وأتابك العساكر المنصورة والأمراء مقدمي الألوف والطبلخانات والعشرينات والعشروات والخمسوات بالديار المصرية ، الباب السادس في وصف أرباب وظائف مجملة ووظائف مفرة يأتي تفصيلها والأجناد القرانيص والخاصكية وأجناد الحلقة المنصورة ومراكزهم ومراكز البطائق والثلج والبرد.
الباب السابع في وصف الآدر الشريفة وزمامها والطواشية وخدام الستارة ووصف الخزانة والسلاح خاناه والحواصل الشريفة والشون والأهراء وجهات ذلك ومتحصله ومصروفه ، الباب الثامن في وصف البيوتات والمطبخ والاصطبلات الشريفة وما بها من الآلات على حسب الاختصار ووصف الشكارخاناه والسرحات والصيد والأحواش على ما يأتي تفصيل ذلك ، الباب التاسع في وصف كشاف الترب وعمارة الجسور والحفير والجرافة وما تحتاج إليه البلاد عند فيض النيل وهبوطه ووصف الولاة وأرباب الوظائف بإقليم الديار المصرية وما يتعلق بذلك من الترتيب.
الباب العاشر في وصف الممالك الشريفة الإسلامية وهي ثمان على ما يأتي تفصيله من الترتيب ووصف المدن بالبلاد الشمالية ومن بذلك من الكفال والنواب والسادة والقضاة والأمراء والمباشرون وأرباب الوظائف والجند ، الباب الحادي عشر في وصف أمراء العربان ومشايخهم وأمراء التركمان والأكراد ووصف التجاريد والمهمات الشريفة ونوادر اتفقت في ذلك بالمملكة اليمنية والديار البكرية والجزائر القبرصية التي فتحت في الأيام الأشرفية ، الباب الثاني عشر في حوادث الدهر التي من أهملها وقع في الضنك والقهر وما ورد في ذلك من الحكايات والنوادر ليكون كل ذي لب عليه محافظا وإليه مبادرا “.
وقد ترجم له السخاوي في الضوء اللامع فقال : ” خَلِيل بن شاهين غرس الدّين الشيخي شيخ الصفوي الظَّاهِرِيّ برقوق وَالِد عبد الباسط الْآتِي ، ولد فِي شعْبَان سنة ثَلَاث عشرَة وَثَمَانمِائَة بالحارة الخاتونية من بَيت الْمُقَدّس فَلَمَّا بلغ خمس عشرَة سنة تحول مَعَ أَبِيه إِلَى الْقَاهِرَة وَحفظ الْقُرْآن واشتغل ونظم فَأكْثر ، ولازم بعد أَبِيه خدمَة أزبك الدوادار قَلِيلا فِي جملَة مماليكه ثمَّ صَار بعد الْقَبْض عَلَيْهِ من جملَة مماليك الْأَشْرَف برسباي بسفارة صهره زوج أُخْته الخواجا إِبْرَاهِيم بن قرمش.
ثمَّ ولاه نظر اسكندرية ثمَّ حجوبيتها ثمَّ نظر بيع البهار الْمُتَعَلّق بالذخيرة ثمَّ فِي سنة سبع وَثَلَاثِينَ نيابتها وشكر فِي مباشراته ثمَّ تزوج بأصيل أُخْت خوند جلبان أم الْعَزِيز وحملت إِلَيْهِ إِلَى اسكندرية فَدخل بهَا وَصَارَ عديلا للأشرف ثمَّ استقدمه الْقَاهِرَة على إمرة طلبخاناه وَقرر فِي نظر دَار الضَّرْب ثمَّ نَقله إِلَى الوزارة وَلكنه استعفى مِنْهَا بعد مُدَّة يسيرَة وَأمره أَن يحضر الخدم مَعَ المقدمين ثمَّ سَافر فِي سنة أَرْبَعِينَ أَمِيرا على الْمحمل ثمَّ ولي نِيَابَة الكرك.
فَلَمَّا مَاتَ الْأَشْرَف صرفه الظَّاهِر عَن نيابتها وولاه اتابكية صفد طرخانا ثمَّ ظهر لَهُ نصيحته فولاه نِيَابَة ملطية فاستمر فِيهَا زِيَادَة على أَربع سِنِين تَقْرِيبًا ، قدم فِي غضونها الْقَاهِرَة مرَّتَيْنِ نقل فِي الثَّانِيَة مِنْهُمَا عَنْهَا إِلَى أتابكية حلب ثمَّ امتحن بهَا وسجن بقلعتها مُقَيّدا لشكوى نائبها مِنْهُ ثمَّ أطلق بعناية شَيخنَا وَأقَام بحرم الْخَلِيل طرخانا ، وأنعم عَلَيْهِ بِمَا يزِيد على كِفَايَته ثمَّ نقل إِلَى نِيَابَة الْقُدس ثمَّ أعفي مِنْهَا بعد مُدَّة وَتوجه إِلَى دمشق على تقدمة بهَا كَانَت مَعَه حِين النِّيَابَة ثمَّ أضيف إِلَيْهِ إمرة عشرَة زِيَادَة على التقدمة ثمَّ صرف عَنْهُمَا.
ثمَّ ولي إمرة الْحَاج الدِّمَشْقِي مرّة فِي آخر الْأَيَّام الظَّاهِرِيَّة وَأُخْرَى فِي أول الدولة الأشرفية إينال وَأعْطى إمرة عشْرين بطرابلس طرخانا فَتوجه إِلَيْهَا ثمَّ أُعِيد إِلَى دمشق على إمرة عشْرين طرخانا ورام الْمُؤَيد اعطاءه تقدمة بِالْقَاهِرَةِ فعوجل وَلَكِن أقره الظَّاهِر خشقدم على إمرته الْمشَار إِلَيْهَا بهَا معفيا عَن سَائِر الكلف السُّلْطَانِيَّة بل وَأذن لَهُ بالاقامة فِي الْقَاهِرَة وَأَن يحضر مَجْلِسه فِي الاسبوع مرَّتَيْنِ لمسامرته ومنادمته.
ثمَّ حقد عَلَيْهِ وَأخرج إمرته وَأمره بالتوجه لبيت الْمُقَدّس فالتمس مِنْهُ أَن يكون بِمَكَّة فَأذن لَهُ وَتوجه مِنْهَا مَعَ الْحَاج الْعِرَاقِيّ إِلَى الْعرَاق وَدخل الْحلَّة وبغداد وَغَيرهمَا ، فَلَمَّا مَاتَ الظَّاهِر رَجَعَ إِلَى حلب ثمَّ إِلَى طرابلس فتمرض حَتَّى كَانَت منيته بهَا فِي جُمَادَى الأولى سنة ثَلَاث وَسبعين وَدفن بهَا فِي تربة كَانَ أعدهَا لنَفسِهِ ، وَكَانَ يتعانى الْأَدَب مَعَ اشْتِغَال ومشاركة فِيهِ ومذاكرة حَسَنَة بالتاريخ وَالشعر وَفهم جيد وَقد خمس الْبردَة.
وكتبت عَنهُ مَا أَنْشدني لنَفسِهِ مِمَّا أودعته فِي الْجَوَاهِر وخاطب بِهِ شَيخنَا : وقائلة من فِي الْقُضَاة بأسرهم .. يلازم تقوى الله طرا بِلَا ضجر .. ويرأف فِي الْأَحْكَام بالخلق كلهم .. وَيَدْعُو لَهُم فِي كل ليل إِلَى السحر .. فَقلت لَهَا فَهُوَ الإِمَام أولو النهى .. وَذَاكَ شهَاب الْعَسْقَلَانِي بني الْحجر .. لَهُ كتب فِي كل فن لقارىء .. وَشرح عَجِيب للْبُخَارِيّ من الْخَبَر .. وَفِي النَّحْو والتصريف لم ير مثله .. كَذَا فِي الْمعَانِي وَالْبَيَان وَفِي الْأَثر.
فَأَجَابَهُ شَيخا بِمَا كتبته عَنهُ أَيْضا : أيا غرس فضل أثمر الْعلم والندى .. فَللَّه مَا أزكى وَمَا أطيب الثَّمر .. يجود وينشي بَالغا مَا أَرَادَهُ .. فمستطلع درا ومستنزل الدُّرَر .. لَك الْخَيْر قد حركت بالنظم خاطرا .. لَهُ مُدَّة فِي الْعُمر ولت وَمَا شعر .. وقلدت جيدي طوق نعماك جائدا .. فغالا ونطقا صَادِقا الْخَبَر وَالْخَبَر .. مُنَاسبَة اسمينا خَلِيل وَأحمد .. لرأس أولى النّظم الإِمَام الَّذِي غبر.
وَكَذَا عِنْدِي من مراسلاته مَعَ شَيخنَا غير ذَلِك ، وَقد كتب لي وَلَده تَرْجَمته بِخَطِّهِ وَقَالَ إِن شَيخنَا أجَازه بالفتيا والتدريس بعد أَن لَازمه رِوَايَة ودراية حَتَّى كَانَ مِمَّا سَمعه عَلَيْهِ مَنَاقِب الشَّافِعِي من تأليفه وَشهد لَهُ بِأَنَّهُ شَارك أهل الْعلم فِي فنونهم مُشَاركَة فطن إِلَى غير ذَلِك مِمَّا أوردهُ شَيخنَا فِي عدَّة سجعات.
قَالَ وَلَده وَله نَحْو ثَلَاثِينَ مصنفا فِي الْفِقْه وَالتَّفْسِير وَالتَّعْبِير والتاريخ والانشاء وَغَيرهَا سمى يُوسُف بن تغري بردى مِنْهَا الْمَوَاهِب فِي اخْتِلَاف الْمذَاهب مُرَتّب على أَبْوَاب الْفِقْه والمنيف فِي الانشاء الشريف والكوكب الْمُنِير فِي أصُول التَّعْبِير والاشارات فِي علم الْعبارَات والدرة المضية فِي السِّيرَة المرضية وديوان شعره وَهُوَ فِي عدَّة مجلدات وَقَالَ إِنَّه أنْشدهُ قصيدة قَالَهَا للْملك الظَّاهِر فِي شرح حَاله حِين عزل عَن أتابكية حلب قصد فِيهَا الْوَزْن والقافية وانه وجد لَهُ مذاكرة بالشعر والتاريخ بِحَسب الْحَال “.

34 / النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة
(النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة) هو عنوان الكتاب العظيم الذي كتبه المؤرخ الجليل جمال الدين أبو المحاسن يوسف بن الأمير الكبير سيف الدين تغري بردي الأتابكي اليشبغاوي الظاهري والمعروف اختصارا باسم (ابن تغري بردي) ، وقد عاش في القرن التاسع الهجري (الخامس عشر الميلادي) في عهد دولة المماليك الجراكسة حيث ولد في القاهرة عام 813 هـ / 1410 م وتوفي فيها عام 874 هـ / 1470 م.
وكان أبوه من جملة مماليك الظاهر برقوق الذين جلبهم من بلاد الروم (اليونان) ثم تدرج في المناصب حتى وصل إلى منصب (نائب السلطنة) كما ربطته علاقات النسب والمصاهرة مع عائلة السلطان برقوق فنشأ مؤرخنا نشأة مترفة في بيت من بيوت الحكم وصار من الطبقة التي أطلق عليها وقتها اسم (أولاد الناس) وهم أبناء المماليك الذين ولدوا لآبائهم بعد تحررهم من العبودية فلم يمسسهم الرق ..
وكان القائم على تربيته بعد وفاة والده هو زوج أخته شيخ الإسلام قاضي القضاة جلال الدين عبد الرحمن البلقيني الشافعي فاتجه إلى العلم والتحصيل والقراءة الغزيرة ثم تتلمذ على يد شيخ مؤرخي عصره تقي الدين المقريزي فنهل من علمه وتأثر بكتاباته كما ساعدته حياته المالية المستقرة على التفرغ للبحث والتأليف بالإضافة إلى قربه من دوائر الحكم حيث عاصر عشرة من سلاطين المماليك وكان صديقا للأمراء وكبار رجال الدولة ..
وقد جاءت مؤلفاته شديدة الدقة بالنسبة لعصر الأيوبيين والمماليك وهو في ذلك يشبه المؤرخين ابن الأثير والذين كانت تربطه بالبيت الأيوبي روابط وثيقة وأبو الفداء الذي كان أحد الأمراء الأيوبيين فجاءت كتاباتهم محكمة وحافلة بالكثير من التفصيلات كأنها رأي العين خاصة الأجزاء الثلاثة الأخيرة من كتاب (النجوم الزاهرة) لأنها كانت تسجيلا لما عاصره المؤرخ بنفسه ..
ولفرط إعجابي الشديد بهذا الكتاب وأسلوب المؤلف البليغ والذي أنار لي نقاطا مظلمة في تاريخ أرض الكنانة فإنني في إحدى زياراتي للقاهرة الإسلامية قصدت إلى ضريحه حيث قرأت الفاتحة ترحما على روحه الطاهرة وداعيا المولى عز وجل أن يجزل له المثوبة ويكتب له الحسنات على ما قدم وعلم حيث نفع الله به خلقا كثيرا بعد وفاته بمئات الأعوام.
والمدرسة والمسجد في شارع الصليبة بجوار جامع ابن طولون لا ترجع إلى المؤرخ المعروف ابن تغري بردي وإنما تنسب إلى الأمير تغري بردي البكلمشي الرومي المعروف بالمؤذي ، وسبب هذا الخلط الذي ورد في بعض كتابات المؤرخين والجغرافيين جاء من وجود ثلاثة مواقع أثرية متجاورة في القاهرة القديمة تحمل اسم تغري بردي وبعضها من تشابه الأسماء ..
أولها هذه المدرسة وتحمل رقم 209 بوزارة الآثار وترجع إلى عام 844 هـ والثاني مسجد ومدرسة في شارع درب المقاصيص بالصاغة يحمل رقم 42 وينسب إلى ابن تغري بردي ويرجع إلى عام 874 هـ وتم ترميمه وبناء مأذنة له في عام 974 هـ (وثيقة حجة أوقاف رقم 7/163) والثالث وكالة تجارية في شارع الخيامية تحمل رقم 188 وتنسب إلى محمد بك بن إبراهيم الدفتردار المعروف باسم ابن تغري بردي ومؤرخة بعام 1044 هـ..
وتشغل المدرسة قسما من امتداد القصر الغربي الذي بناه الخليفة العزيز بالله الفاطمي لابنته ست الملك في منطقة تعرف بتقسيم تيجران باشا ووصفت بأنها عبارة عن سبيل وكتاب ، وقد تعددت الآراء حول هذه المدرسة فنسبها بعضهم إلى تغري بردي الرومي أيضا ونسبها آخرون إلى مؤسس الوكالة بحكم قيامه بتجديدها مع إنشاء الفندق الملحق ، لكن المؤكد أن المؤرخ ابن تغري بردي كانت له أملاك واسعة ومتعددة في نواحي القاهرة خاصة في جنوبها.
وقد ذكر محمد حسن شمس الدين في كتابه عن مؤرخي المماليك أن جمال الدين أبو المحاسن يوسف وأخوه قاسم قد استعادا دار أبيهما التي صادرها السلطان فرج بن برقوق وهي الدار التي عرفت بدار ابن فضل الله نسبة إلى أسرة بني فضل الله العمري كتاب السر في عهد محمد بن قلاوون وأولاده ، وشملت أملاكه أيضا سبع دور متجاورة منها دار بيبرس الجاشنكير السلطان السابق وإسطبل الجميزة وتمتد بين حارة زويلة وحارة البندقانيين.
وجاء في وثائق الأوقاف التي حققها الدكتور عبد اللطيف إبراهيم أنه قد ابتنى تربة لنفسه بالقرب من تربة المرحوم الجمالي ناظر الجيوش المنصورة على يمين السالك إلى تربة السلطان أبي سعيد جقمق وتربة المرحوم الشيخ كهنفوش ، وذكر في الوثيقة جملة الأملاك التي تم وقفها للإنفاق على التربة وهي منازل في حارة برجوان وفندق معد لطبخ السكر بجوار مسجد الكويك وأرض ومباني عمرها بنفسه بخط بولاق بجوار جامع الخطيري.
وأوقف عليها كذلك قسما من أملاكه في ظاهر القاهرة وفي كل من قرية محلة صرد بالغربية وقليب بجزيرة بني نصر (كفر الزيات حاليا) ومساحة كبيرة من الأرض المزروعة في قرية الحداد بالغربية ، وأرخت الوثيقة بتاريخ يوم الإثنين 14 شعبان سنة 870 هـ وفيها تفصيلات بالتحصيل المالي والمستحقين من الورثة للوقف وتحديد أوجه الإنفاق على المسجد الملحق وتحديد من يتولى إدارة الوقف وصيانة سبيل الماء ومدرسة تعليم الأيتام.
كما أرفق بها وثيقة أخرى تحدد كافة أملاكه من غير هذا الوقف وكتبت بتاريخ الأربعاء 8 جمادى الأولى عام 868 هـ تم إيداعها لدى الشيخ أبي الحسن علي الصوفي الحنفي خليفة الحكم العزيز (يعني متولي القضاء والتسجيل) ، ومن متابعة سجلات الوقف يتبين لنا أن أسرة المؤرخ ابن تغري بردي ظلت فترة من الزمن تقوم على إدارة كافة الأملاك والأوقاف بوصفهم من أعيان المماليك والذين كان يطلق عليهم لقب : ” أولاد الناس “.
ويتضح منهج ابن تغري بردي في الكتابة التاريخية من خلال مقدمات كتبه حيث يقول في كتابه المنهل الصافي والمستوفي بعد الوافي : ” أما بعد ، فلما كان من في الأعصار الحالية والقرون الماضية وقع لهم وقائع وسير وحوادث لها أثر شاع بها التاريخ والسّمر ، تخاطب بذلك الأيام من تأخر عصره من الأقوام بأفواه المحابر وألسن الأقلام فيطالعها كأنه مجالسهم ويتأمل ما فيها كأنه مؤانسهم ليقتدي منهم بجميل الخصال ونبيل المآثر والنعال ويتجنب ما صدر منهم من قبيح الخلال.
وكنت قد اطلعت على نبذة من سيرهم وأخبارهم ووقعت في كتب التواريخ على الكثير من آثارهم ، فحملني ذلك على سلوك هذه المسالك وإثبات شئ من أخبار أمم الممالك غير مستدعى إلى ذلك من أحد من أعيان الزمان ولا مطالب به من الأصدقاء والإخوان ولا مكلف لتأليفه وترصيفه من أمير ولا سلطان ، بل اصطفيته لنفسي وجعلت حديقته مختصة بباسقات غرسي ليكون في الوحدة لي جليسا وبين الجلساء مسامراً وانيساً وسميته : المنهل الصافي والمستوفي بعد الوافي ، وابتدأت فيه من أوائل الدولة التركية من المعز أيبك إلى الدولة.
وإذا ذكرت فيه حكاية ماضية أو واقعة في القرون الحالية أسندت ذلك إلى ناقله وربطت جوادها في معاقله لأخرج عن العهدة في النقل على ما يقتضيه العقل ووضعته على الحروف وتواليها لتقرب ثمرات جناة من يد جانيها كما سبقني إلى ذلك جماعة من المتقدمين وإلى الآن من أرباب الحديث وطبقات الفقهاء والأعيان وأكتفي في ذكر الولاد بأسماء الآباء عن الأجداد ، وأستفتح في هذا الكتاب بترجمة المعز أيبك التركمانيّ ثم أعود إلى ترتيب الحروف على طريقة من تقدّمني وعداني ، وبالله المستعان وعليه التكلان “.
ويقول في مقدمة كتابه النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة : ” أما بعد ، فلما كان لمصر ميزة على كل بلد بخدمة الحرمين الشريفين أحببت أن أجعل تاريخا لملوكها مستوعبا من غير مين فحملني ذلك على تأليف هذا الكتاب وإنشائه وقمت بتصنيفه وأعبائه.
واستفتحته بفتح مصر وما وقع لهم فى المسالك ومن حضرها من الصحابة ومن كان المتولّى لذلك وعلى أي وجه فتحت صلح أم عنوة من أصحابها وأجمع فى ذلك أقوال من اختلف من المؤرّخين وأهل الأخبار وأربابها وذلك بعد اتصال سندى إلى من لي عنه منهم رواية ليجمع الواقف عليه بين صحة النقل والدراية وأطلق عنان القلم فيما جاء فى فضلها وذكرها من الكتاب العزيز وما ورد فى حقها من الأحاديث وما اختصت به من المحاسن فصار لها على غيرها بذلك التمييز.
ثم أذكر من وليها من يوم فتحت وما وقع فى دولته من العجب واحدا بعد واحد لا أقدّم أحدا منهم على أحد باسم ولا كنية ولا لقب ثم أذكر أيضا فى كل ترجمة ما أحدث صاحبها فى أيام ولايته من الأمور وما جدّده من القواعد والوظائف والولايات فى مدى الدهور ولا أقتصر على ذلك بل أستطرد الى ذكر ما بنى فيها من المبانى الزاهرة كالميادين والجوامع ومقياس النيل وعمارة القاهرة أوّلا بأوّل أذكره في يوم مبناه وفى زمان سلطانه مستوعبا لهذا المعنى ضابطا لشانه.
على أننى أذكر من توفى من الأعيان فى دولة كل خليفة وسلطان باقتصار بعد فراغ ترجمة المقصود من الملوك مع ذكر بعض الحوادث فى مدّة ولاية المذكور فى أيما قطر من الأقطار ، وأبدأ فيه بعد التعريف بأحوال مصر بولاية عمرو ابن العاص فى المملكة الإسلامية ثم ملك بعد ملك كل واحد على حدته وما وقع فى أيامه الى الدولة الأشرفية الإينالية وسميته : النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة ، والله الموفّق والمنّان وبالله المستعان “.
وفي مقدمة كتابه حوادث الدهور في مدى الأيام والشهور يقول : ” أما بعد فلما كان شيخنا الإمام الأستاذ العالم العلامة المتفنن رأس المحدثين وعمدة المؤرخين تقي الدين أحمد بن علي المقريزي الشافعي أيقن من حرر تاريخ الزمان وأضبط من ألف في هذا الشأن وأجل تحفة استفرعها وعمدة ابتدعها كتابه المسمى بالسلوك في معرفة دول الملوك قد انتهى فيه إلى أواخر سنة أربع وأربعين وثماني مائة وهي السنة التي توفي فيها ولم يكن من بعده من يعول عليه في هذا الفن ولا من يرجع إليه إلا الشيخ الإمام العالم العلامة قاضي القضاة بدر الدين محمود العيني الحنفي.
فأردت أن أعلم حقيقة أمره في هذا المعنى ونظرت فيما يعلقه في تلك الأيام فإذا به كثير الغلطات والأوهام وذلك لكبر سنة واختلاط عقله وذهنه بحيث أن الشخص لا تمكنه الفائدة من ذلك إلا بعد تعب كثير لاختلاف الضبط وعدم التحرير فلما رأيت ذلك أحببت أن أحيي هذه السنة بكتابة تاريخ يعقب موت الشيخ تقي الدين المقريزي وجعلته كالذيل على كتاب السلوك المذكور وسميته (حوادث الدهور في مدى الأيام والشهور) ورتبته على السنين والشهور والأيام وجعلت ابتدائي فيه من افتتاح سنة خمسة وأربعين وثماني مائة.
لكن لم أسلك فيه طريق الشيخ المقريزي في تطويل الحوادث في السنة وقصر التراجم في الوفيات بل أطنبتُ في الحوادث وأوسعت في التراجم لتكثر الفائدة من الطرفين ، وما وجدتَه مختصراً من التراجم راجع فيه كتابنا (المنهل الصافي) فإني هناك شفيت الغلة وأزحت العلة والله أسأل أن يوقفني لما يرضيه ويعينني على ما شرعت فيه إنه الميسر لكل عسير وهو على ما يشاء قدير وبالإجابة جدير وهو حسبي ونعم الوكيل “.
وفي مقدمة كتابه مورد اللطافة في من ولي السلطنة والخلافة يقول : ” أما بعد ، فقد ألفت هَذَا التأريخ الْمُخْتَصر الْمُفِيد واقتصرت فِيهِ على ذكر الْخُلَفَاء والسلاطين من غير مزِيد ، واستفحت فِيهِ بِذكر مولد سيدنَا مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَبَعض غَزَوَاته وَذكرت فِيهِ جمَاعَة من آله وأزواجه ووفاته.
ثمَّ ابتدأت فِيهِ من خلَافَة أبي بكر الصّديق ثمَّ من بعده خَليفَة بعد خَليفَة على التَّرْتِيب إِلَى أَن أختم تراجمهم بخليفة وقتنا (الْقَائِم بِأَمْر الله حَمْزَة) من غير أَن أذكر أمرا يريب مَا خلا الْخُلَفَاء العبيدية فَإِنِّي أذكرهم بعد ذَلِك وأسلك فِي تراجمهم طَرِيق من تقدمني من مؤرخي الممالك ، ثمَّ أذكر مُلُوك مصر من أول السلاطين الأيوبية إِلَى أَن أصل إِلَى الدولة الأشرفية ، وَهَذَا نَص هَذَا الْكتاب قد بَينته أحسن تَبْيِين ثمَّ أشرع فِي ذكر ذَلِك وَبِاللَّهِ أستعين “.
وقد ذكره ابن العماد الحنبلي في كتابه شذرات الذهب في أخبار من ذهب فقال : ” سنة أربع وسبعين وثمانمائة ، فيها توفي جمال الدّين أبو المحاسن يوسف بن الأمير الكبير سيف الدّين تغري بردي الحنفي الإمام العلّامة.
ولد بالقاهرة سنة اثنتي عشرة وثمانمائة وربّاه زوج أخته قاضي القضاة ناصر الدّين بن العديم الحنفي إلى أن مات فتزوج بأخته جلال الدّين البلقيني الشافعي فتولى تربيته ، وحفظ القرآن العزيز ولما كبر اشتغل بفقه الحنفية وحفظ (القدوري) وتفقه بشمس الدّين محمد الرّومي وبالعيني وغيرهما ، وأخذ النحو عن التّقي الشّمنّي ولازمه كثيرا وتفقه به أيضا ، وأخذ التصريف عن الشيخ علاء الدّين الرّومي وغيره ، وقرأ المقامات الحريرية على قوام الدّين الحنفي وأخذ عنه العربية أيضا وقطعة جيدة من علم الهيئة.
وأخذ البديع والأدبيات عن الشّهاب بن عربشاه الحنفي وغيره وحضر على ابن حجر العسقلاني وانتفع به وأخذ عن أبي السّعادات ابن ظهيرة وابن العليف وغيرهما ، ثم حبّب إليه علم التاريخ فلازم مؤرخي عصره مثل العيني والمقريزي واجتهد في ذلك إلى الغاية وساعدته جودة ذهنه وحسن تصوره وصحة فهمه ، ومهر وكتب وحصّل وصنّف وانتهت إليه رئاسة هذا الشأن في عصره ، وسمع شيئا كثيرا من كتب الحديث وأجازه جماعات لا تحصى مثل ابن حجر والمقريزي والعيني.
ومن مصنفاته كتاب المنهل الصّافي والمستوفي بعد الوافي في ستة مجلدات ، ومختصره المسمى بالذيل الشّافي على المنهل الصّافي ، ومختصر سمّاه مورد اللطافة في ذكر من ولي السلطنة والخلافة ، والنجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة ، وذيل على الإشارة للحافظ الذهبي سماه بالبشارة في تكملة الإشارة وكتاب حلية الصفات في الأسماء والصناعات مرتبا على الحروف ، وغير ذلك.
ومن شعره : تجارة الحبّ غدت .. في حبّ خود كاسده .. ورأس مالي هبة .. لفرحتي بفائدة ، ومنه مواليا في عدة ملوك التّرك : أيبك قطز يعقبو بيبرس ذو الإكمال .. بعدو قلاوون بعدو كتبغا المفضال .. لاجين بيبرس برقوق شيخ ذو الإفضال .. ططر برسباي جقمق ذو العلا إينال ، وتوفي في ذي الحجّة “.
وذكره السخاوي في الضوء اللامع فقال : ” يُوسُف بن تغرى بردى الْجمال أَبُو المحاسن بن الأتابكي بالديار المصرية ثمَّ نَائِب الشَّام البشبغاوي الظَّاهِرِيّ القاهري الْحَنَفِيّ الْمَاضِي أَبوهُ ، ولد فِي شَوَّال تَحْقِيقا سنة ثَلَاث عشرَة وَثَمَانمِائَة تَقْرِيبًا بدار منجك اليوسفي جوَار الْمدرسَة الحسنية وَمَات أَبوهُ بِدِمَشْق على نيابتها وَهُوَ صَغِير فَنَشَأَ فِي حجر أُخْته عِنْد زَوجهَا الناصري بن العديم الْحَنَفِيّ ثمَّ عِنْد الْجلَال البُلْقِينِيّ لكَونه كَانَ خَلفه عَلَيْهَا.
وَحفظ الْقُرْآن ثمَّ فِي كبره فِيمَا زعم مُخْتَصر الْقَدُورِيّ وألفية النَّحْو وإيساغوجي واشتغل يَسِيرا وَقَالَ أَنه قَرَأَ فِي الْفِقْه على الشَّمْس والْعَلَاء الروميين وَفِي الصّرْف على ثَانِيهمَا وَكَذَا اشْتغل فِي الْفِقْه على الْعَيْنِيّ وَأبي الْبَقَاء بن الضياء الْمَكِّيّ والشمني ولازمه أَكثر وَعَلِيهِ اشْتغل فِي شرح الألفية لِابْنِ عقيل والكافياجي وَعَلِيهِ حضر فِي الْكَشَّاف والزين قَاسم واختص بِهِ كثيرا وتدرب بِهِ.
وَقَرَأَ فِي الْعرُوض على النواجي والمقامات الحريرية على القوام الْحَنَفِيّ وَعَلِيهِ اشْتغل فِي النَّحْو أَيْضا بل أَخذ عَنهُ قِطْعَة جَيِّدَة من علم الْهَيْئَة وَقَرَأَ أقرابادين فِي الطِّبّ على سَلام الله وَفِي البديع وَبَعض الأدبيات على الشهَاب بن عربشاه وَكتب عَن شَيخنَا من شعره وَحضر دروسه وانتفع فِيمَا زعم بمجالسته وَكَذَا كتب بِمَكَّة عَن قاضيها أبي السعادات ابْن ظهيرة من شعره وَشعر غَيره وَعَن الْبَدْر بن العليف وَأبي الْخَيْر بن عبد الْقوي وَغَيرهم من شعراء الْقَاهِرَة.
وتدرب كَمَا ذكر فِي الْفَنّ بالمقريزي والعيني وَسمع عَلَيْهِمَا الحَدِيث وَكَذَا بالقلعة عِنْد نائبها تغرى برمش الْفَقِيه عَليّ بن الطَّحَّان وَابْن بردس وَابْن نَاظر الصُّحْبَة ، وَأَجَازَ لَهُ الزين الزَّرْكَشِيّ وَابْن الْفُرَات وَآخَرُونَ ، وَحج غير مرّة أَولهَا فِي سنة سِتّ وَعشْرين واعتنى بِكِتَابَة الْحَوَادِث من سنة أَرْبَعِينَ وَزعم أَنه أوقف شَيْخه المقريزي على شَيْء من تَعْلِيقه فِيهَا فَقَالَ دنا الْأَجَل إِشَارَة إِلَى وجود قَائِم بأعباء ذَلِك بعده وَأَنه كَانَ يرجع إِلَى قَوْله فِيمَا يذكرهُ لَهُ من الصَّوَاب بِحَيْثُ يصلح مَا كَانَ كتبه أَولا فِي تصانيفه.
بل سمعته يرجح نَفسه على من تقدمه من المؤرخين من ثلثمِائة سنة بِالنِّسْبَةِ لاختصاصه دونهم بِمَعْرِفَة التّرْك وأحوالهم ولغاتهم ورأته إِذْ أرخ وَفَاة الْعَيْنِيّ قَالَ فِي تَرْجَمته أَن الْبَدْر الْبَغْدَادِيّ الْحَنْبَلِيّ قَالَ لَهُ وهما فِي الْجِنَازَة : خلا الجو ، إشارة إِلَى أَنه تفرد وَمَا رَأَيْته ارتضى وَصفه لَهُ بذلك من حِينَئِذٍ فَقَط فَإِنَّهُ قَالَ إِنَّه رَجَعَ من الْجِنَازَة فَأرْسل لَهُ مَا يدل على أَن الْعَيْنِيّ كَانَ يَسْتَفِيد مِنْهُ.
بل سمعته يصف نَفسه بالبراعة فِي فنون الفروسية كلعب الرمْح وَرمي النشاب وسوق البرجاس وَلعب الكرة والمحمل وَنَحْو ذَلِك ، وَبِالْجُمْلَةِ فقد كَانَ حسن الْعشْرَة تَامّ الْعقل (إِلَّا فِي دَعْوَاهُ فَهُوَ حمق) والسكون لطيف المذاكرة حَافِظًا لِأَشْيَاء من النّظم وَنَحْوه بارعا حَسْبَمَا كنت أتوهمه فِي أَحْوَال التّرْك ومناصبهم وغالب أَحْوَالهم مُنْفَردا بذلك لَا عهد لَهُ بِمن عداهم ..
وَقد اجْتمعت بِهِ مرَارًا وَكَانَ يُبَالغ فِي إجلالي إِذا قدمت عَلَيْهِ ويخصني بتكرمة للجلوس وَالْتمس مني اخْتِصَار الخطط للمقريزي وكتبت عَنهُ مَا قَالَ إِنَّه من نظمه فِيمَن اسْمهَا فَائِدَة وَهُوَ : تِجَارَة الصب غَدَتْ .. فِي حب خود كاسده .. وَرَأس مَالِي هبة .. لفرحتي بفائده.
وابتنى لَهُ تربة هائلة بِالْقربِ من تربة الْأَشْرَف إينال ووقف كتبه وتصانيفه بهَا، وتعلل قبل مَوته ينحو سنة بالقولنج وَاشْتَدَّ بِهِ الْأَمر من أَوَاخِر رَمَضَان بإسهال دموي بِحَيْثُ انتحل وتزايد كربه وَتمنى الْمَوْت لما قاساه من شدَّة الْأَلَم إِلَى أَن قضى فِي يَوْم الثُّلَاثَاء خَامِس ذِي الْحجَّة سنة أَربع وَسبعين وَدفن من الْغَد بتربته وَعَسَى أَن يكون كفر عَنهُ رَحمَه الله وَعَفا عَنهُ وإيانا “.

35 / تاج التراجم في طبقات الحنفية
في العصر المملوكي الثاني بدأ المذهب الحنفي يحقق تواجدا ملحوظا في المجال الفقهي العام وذلك برعاية السلاطين الجراكسة بهدف عمل توازن مع فقهاء الشافعية الذين كانت لهم الهيمنة العليا على شئون القضاء والأوقاف منذ الدولة الأيوبية ، وكان من الطبيعي أن يهتم الحنفية بكتابة تاريخ المذهب وأعلامه فظهرت كتب التراجم المتخصصة في ذلك ومنها كتاب تاج المعاجم في طبقات الحنفية والذي صنفه الفقيه الحنفي زين الدين أبو العدل قاسم بن قطلوبغا السودوني الذي ولد بالقاهرة عام 802 هـ / 1399 م وتوفي فيها عام 879 هـ / 1474 م.
وهو من أبناء المماليك (أولاد الناس) حيث كان والده مملوكا للأمير سودون الشيخوني الجمالي نائب السلطنة ولذلك نسب إليه وقطلوبغا لفظة تركية مركبة من قطلو ومعناه المبارك وبغا ومعناه الولد ، تتلمذ على شيوخ عصره وبرع في العربية والقراءات والتفسير والحديث ونقد الرجال والفقه والأصول والمنطق والكلام وسائر العلوم وصنف عددا كبيرا من المؤلفات ودرس الحديث وعلومه بقبة البيبرسية وقرره جانبك الجداوي في مشيخة مدرسته التي أنشأها بباب القرافة وعين على قضاء الحنفية.
وفي كتابه هذا يتناول المؤلف تراجم ما يقرب من ثلاثمائة وخمسين من أعلام المذهب الحنفي مرتبين على أحرف الهجاء خاصة أصحاب المؤلفات والتصانيف فذكر ذلك وأثبت كتبهم حتى صار كتابه بمثابة فهرس أو معجم للمذهب ورجاله ، وقد اعتمد المؤلف في ذلك على ما كتبه المؤرخ تقي الدين المقريزي وتوسع فيه حيث يشرح المؤلف ذلك في مقدمة كتابه فيقول : ” بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى وبعد ، فيقول العبد الضعيف قاسم بن قطلوبغا الحنفي :
لما وقف على تذكرة شيخنا الإمام العالم العلامة إمام المؤرخين وبقية الحفاظ العارفين شهاب الدين أحمد بن علي بن عبد القادر بن محمد المقريزي أمتع الله تعالى بحياته وأعاد علينا من بركاته رأيت فيها ما كتبه من تراجم الأئمة الحنفية ، فأحببت أن ألحق بكل اسم ما تيسر لي من تراجم من يسمى به منهم على نحو ما قصد من الاقتصار على ذكر من له تصنيف حبا لاتباعه وجبرا لقصر باعي بطول باعه ، والله سبحانه وتعالى أسأل أن يختم لي وله بخواتيم السعادة ويبلغنا الحسنى وزيادة إنه خير مسؤول وأكرم مأمول “.
وقد ترجم له السخاوي في الضوء اللامع وسرد مؤلفاته كلها وذكر جانبا من خلافاته مع فقهاء عصره فقال : ” قَاسم بن قطلوبغا الزين وَرُبمَا لقب الشّرف أَبُو الْعدْل السودوني نِسْبَة لمعتق أَبِيه سودون الشيخوني نَائِب السلطنة الجمالي الْحَنَفِيّ الْآتِي أَبوهُ وَيعرف بقاسم الْحَنَفِيّ ، ولد فِيمَا قَالَه لي فِي الْمحرم سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانمِائَة بِالْقَاهِرَةِ، وَمَات أَبوهُ وَهُوَ صَغِير فَنَشَأَ يَتِيما وَحفظ الْقُرْآن وكتبا عرض بَعْضهَا على الْعِزّ بن جمَاعَة.
وتكسب بالخياطة وقتا وبرع فِيهَا بِحَيْثُ كَانَ فِيمَا بَلغنِي يخيط بالأسود فِي الْبَغْدَادِيّ فَلَا يظْهر ، ثمَّ أقبل على الِاشْتِغَال فَسمع تجويد الْقُرْآن على الزراتيتي وَبَعض التَّفْسِير على الْعَلَاء البُخَارِيّ وَأخذ عُلُوم الحَدِيث عَن التَّاج أَحْمد الفرغاني النعماني قَاضِي بَغْدَاد وَشَيخنَا وَالْفِقْه عَن أولى الثَّلَاثَة والسراج قاري الْهِدَايَة وَالْمجد الرُّومِي والنظام السيرامي والعز عبد السَّلَام الْبَغْدَادِيّ وَعبد اللَّطِيف الْكرْمَانِي وأصوله عَن الْعَلَاء والسراج والشرف السُّبْكِيّ وأصول الدّين عَن الْعَلَاء والبساطي.
وَكَذَا قَرَأَ على السعد بن الديري فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ شَرحه لعقائد النَّسَفِيّ والفرائض والميقات عَن نَاصِر الدّين البارنباري وَغَيره واستمد فِيهَا وَفِي الْحساب كثيرا بالسيد على تلميذ ابْن المجدي والعربية عَن الْعَلَاء والتاج وَالْمجد والسبكي الْمَذْكُورين وَالصرْف عَن الْبِسَاطِيّ والمعاني وَالْبَيَان عَن الْعَلَاء والنظام والبساطي والمنطق عَن السُّبْكِيّ وَبَعْضهمْ فِي الْأَخْذ عَنهُ أَكثر من بعض.
واشتدت عنايته بملازمة ابْن الْهمام بِحَيْثُ سمع عَلَيْهِ غَالب مَا كَانَ يقْرَأ عِنْده فِي هَذِه الْفُنُون وَغَيرهَا وَذَلِكَ من سنة خمس وَعشْرين حَتَّى مَاتَ وَكَانَ مُعظم انتفاعه بِهِ وَمِمَّا قَرَأَهُ عَلَيْهِ الرّبع الأول من شَرحه للهداية وَقطعَة من توضيح صدر الشَّرِيعَة وَجَمِيع المسايرة من تأليفه ، وَطلب الحَدِيث بِنَفسِهِ يَسِيرا فَسمع على شَيخنَا وَابْن الْجَزرِي والشهاب الوَاسِطِيّ والزين الزَّرْكَشِيّ وَالشَّمْس بن الْمصْرِيّ والبدر حُسَيْن البوصيري وناصر الدّين الفاقوسي والتاج الشرابيشي والتقي المقريزي وَعَائِشَة الحنبلية والطبقة.
وارتحل قَدِيما مَعَ شَيْخه التَّاج النعماني إِلَى الشَّام بِحَيْثُ أَخذ عَنهُ جَامع مسانيد أبي حنيفَة للخوارزمي وعلوم الحَدِيث لِابْنِ الصّلاح وَغَيرهمَا ، وَأَجَازَ لَهُ فِي سنة ثَلَاث وَعشْرين وَكَذَا دخل إسكندرية وَقَرَأَ بهَا على الْكَمَال بن خير وقاسم التروجي كَمَا قَالَه لي ، وَحج غير مرّة وزار بَيت الْمُقَدّس وَقَالَ أَنه شملته الْإِجَازَة من أهل الشَّام وإسكندرية وَغَيرهمَا ، وَأَحْسبهُ يكنى بذلك عَن الْإِجَازَة الْعَامَّة فقد رَأَيْته يروي عَمَّن أجَاز فِي سنة سِتّ عشرَة وَمَا كَانَ لَهُ من يعتني باستجازة أهل ذَاك الْعَصْر خُصُوصا الغرباء لَهُ.
وَنظر فِي كتب الْأَدَب ودواوين الشّعْر فحفظ مِنْهَا شَيْئا كثيرا وَعرف بِقُوَّة الحافظة والذكاء وأشير إِلَيْهِ بِالْعلمِ وَأذن لَهُ غير وَاحِد بالإفتاء والتدريس ، وَوَصفه ابْن الديري بالشيخ الْعَالم الذكي وَشَيخنَا بِالْإِمَامِ الْعَلامَة الْمُحدث الْفَقِيه الْحَافِظ وَقبل ذَلِك فِي سنة خمس وَثَلَاثِينَ إِذْ قَرَأَ عَلَيْهِ تصنيفه الإيثار بِمَعْرِفَة رُوَاة الْآثَار بالشيخ الْفَاضِل الْمُحدث الْكَامِل الأوحد وَقَالَ : قِرَاءَة عَليّ وتحريرا فَأفَاد وَنبهَ على مَوَاضِع ألحقت فِي هَذَا الأَصْل فزادته نورا وَهُوَ المعني بقوله فِي خطْبَة الْكتاب : إِن بعض الإخوان التمس مني فأجبته إِلَى ذَلِك مسارعا ووقفت عِنْد مَا اقترح طَائِعا ، وترجمه الزين رضوَان فِي بعض مجاميعه بقوله من حذاق الْحَنَفِيَّة كتب الْفَوَائِد واستفاد وَأفَاد انْتهى.
وتصدى للتدريس والإفتاء قَدِيما وَأخذ عَنهُ الْفُضَلَاء فِي فنون كَثِيرَة وأسمع من لَفظه جَامع مسانيد أبي حنيفَة الْمشَار إِلَيْهِ بِمَجْلِس الناصري ابْن الظَّاهِر جقمق بروايته لَهُ عَن التَّاج النعماني عَن محيي الدّين أبي الْحسن حيدرة بن أبي الْفَضَائِل مُحَمَّد بن يحيى العباسي مدرس المستنصرية بِبَغْدَاد سَمَاعا عَن صَالح بن عبد الله بن الصّباغ عَن أبي الْمُؤَيد مُحَمَّد بن مَحْمُود بن مُحَمَّد الْخَوَارِزْمِيّ مُؤَلفه وَكَانَ الناصري مِمَّن أَخذ عَنهُ واختص بِصُحْبَتِهِ بل هُوَ فَقِيه أَخِيه الملقب بعد بالمنصور وَكَذَا قرئَ الْجَامِع الْمَذْكُور بِبَيْت الْمُحب بن الشّحْنَة وسَمعه عَلَيْهِ هُوَ وَغَيره وَحمله النَّاس عَنهُ قَدِيما وحديثا.
وَمِمَّنْ كتب عَنهُ من نظمه ونثره البقاعي وَبَالغ فِي أذيته فَإِنَّهُ قَالَ : وَكَانَ مفننا فِي عُلُوم كَثِيرَة الْفِقْه والْحَدِيث وَالْأُصُول وَغَيرهَا وَلم يخلف بعده حنفيا مثله إِلَّا أَنه كَانَ كذابا لَا يتَوَقَّف فِي شَيْء يَقُوله فَلَا يعْتَمد على قَوْله ، قَالَ : وَكَانَ من سِنِين قَوِيا فِي بدنه يمشي جيدا فَلَمَّا وَقعت فتْنَة ابْن الفارض فِي سنة أَربع وَسبعين أظهر التعصب لأهل الِاتِّحَاد فَقَالَ لَهُ الشَّمْس السنباطي : أَلَيْسَ فِي مباهلة ابْن حجر لِابْنِ الْأمين الْمصْرِيّ عِبْرَة فَقَالَ : إِنَّمَا كَانَ موت ابْن الْأمين مصادفة فَسلط الله عَلَيْهِ يَعْنِي على الزين قَاسم عسر الْبَوْل بعد مُدَّة يسيرَة وَاشْتَدَّ بِهِ حَتَّى خيف مَوته وعولج حَتَّى صَار بِهِ سَلس بَوْل فَقَامَ وَقد هرم وَكَانَ لَا يمشي إِلَّا وَذكره فِي قنينة زجاج وَاسْتمرّ بِهِ حَتَّى مَاتَ وَهُوَ كالفرج انْتهى.
وَأَقْبل على التَّأْلِيف كَمَا حَكَاهُ لي من سنة عشْرين وهلم جرا ، وَمِمَّا صنفه فِي هَذَا الشَّأْن شرح قصيدة ابْن فَرح فِي الْإِصْلَاح وَقَالَ أَنه بحث فِيهِ مَعَ الْعِزّ بن جمَاعَة وَشرح منظومة ابْن الْجَزرِي وَقَالَ أَنه جمع فِيهِ من كل نوع حَتَّى صَار فِي مجلدين يَعْنِي وَخرج عَن أَن يكون شرحا لهَذَا النّظم الْمُخْتَصر وَلكنه لم يكمل وَكَانَ يَقُول أَنه زردخانتي إِشَارَة إِلَى أَنه جمع فِيهِ كل مَا عِنْده.
وحاشية على كل من شرح ألفية الْعِرَاقِيّ والنخبة وَشَرحهَا لشَيْخِنَا وَتَخْرِيج عوارف المعارف للسروردي وَأَحَادِيث كل من الِاخْتِيَار شرح الْمُخْتَار فِي مجلدين والبزدوي فِي أصُول الْفِقْه وَتَفْسِير أبي اللَّيْث ومنهاج الْأَرْبَعين وَالْأَرْبَعِينَ فِي أصُول الدّين وجواهر الْقُرْآن وبداية الْهِدَايَة أربعتها للغزالي والشفا وَكتب مِنْهُ أوراقا وإتحاف الْأَحْيَاء بِمَا فَاتَ من تَخْرِيج أَحَادِيث الْأَحْيَاء.
ومنية الألمعي بِمَا فَاتَ الزَّيْلَعِيّ وبغية الرائد فِي تَخْرِيج أَحَادِيث شرح العقائد ونزهة الرائض فِي أَدِلَّة الْفَرَائِض وترتيب مُسْند أبي حنيفَة لِابْنِ الْمقري وتبويب مُسْنده للحارثي والأمالي على مُسْند عقبَة بن عَامر الصَّحَابِيّ نزيل مصر وعوالي كل من اللَّيْث والطَّحَاوِي وَتَعْلِيق مُسْند الفردوس كُله مقفص وَالَّذِي خرجه مِنْهُ قَلِيل جدا وَرِجَال كل من الطَّحَاوِيّ فِي مُجَلد والموطأ لمُحَمد بن الْحسن والْآثَار لَهُ ومسند أبي حنيفَة لِابْنِ الْمقري.
وترتيب كل من الْإِرْشَاد للخليلي فِي مُجَلد والتمييز للجوزقاني فِي مُجَلد وأسئلة الْحَاكِم للدارقطني وَمن روى عَن أَبِيه عَن جده فِي مُجَلد والاهتمام الْكُلِّي بأصلاح ثِقَات الْعجلِيّ فِي مُجَلد وزوائد رجال كل من الْمُوَطَّأ ومسند الشَّافِعِي وَسنَن الدَّارَقُطْنِيّ على السِّتَّة والثقات مِمَّن لم يَقع فِي الْكتب السِّتَّة فِي أَربع مجلدات وتقويم اللِّسَان فِي الضُّعَفَاء فِي مجلدين وفضول اللِّسَان وحاشية على كل من المشتبه والتقريب كِلَاهُمَا لشَيْخِنَا.
والأجوبة عَن اعْتِرَاض ابْن أبي شيبَة على أبي حنيفَة فِي الحَدِيث وتبصرة النَّاقِد فِي كيد الْحَاسِد فِي الدّفع عَن أبي حنيفَة وترصيع الْجَوْهَر النقي كتب مِنْهُ إِلَى أثْنَاء التَّيَمُّم وتلخيص صُورَة مغلطاي وتلخيص دولة التّرْك ومنتقى من دُرَر الأسلاك فِي قُضَاة مصر وَقَالَ أَنه لم يتم وتاج التراجم فِيمَن صنف من الْحَنَفِيَّة وتراجم مَشَايِخ الْمَشَايِخ فِي مُجَلد وتراجم مَشَايِخ شُيُوخ الْعَصْر وَقَالَ أَنه لم يتم ومعجم شُيُوخه.
ومجلد من شرح المصابيح لِلْبَغوِيِّ وَمِنْهَا فِي غَيره شُرُوح لعدة كتب من فقه مذْهبه وَهِي الْقَدُورِيّ تقيد فِيهِ بِكَوْنِهِ من رِوَايَة أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف وَمُحَمّد بن الْحسن والطَّحَاوِي والكرخي والنقاية، وَكَانَ شَيخنَا الشمني يذاكر أَنه سلخ فِيهِ شَرحه لَهَا وَلذَا أعرض التقي عَن شَرحه المسلوخ مِنْهُ وابتكر شرحا آخر لم يفرغ مِنْهُ إِلَّا قبيل مَوته ومختصر الْمنَار ومختصر الْمُخْتَصر ودرر الْبحار فِي الْمذَاهب الْأَرْبَعَة وَهُوَ فِي تصنيفين قَالَ أَن المطول مِنْهُمَا لم يتم وأجوبة عَن اعتراضات ابْن الْعِزّ على الْهِدَايَة.
وأفرد عدَّة مسَائِل وَهِي الْبَسْمَلَة وَرفع الْيَدَيْنِ والأسوس فِي كَيْفيَّة الْجُلُوس والفوائد الجلة فِي اشْتِبَاه الْقبْلَة والنجدات فِي السَّهْو عَن السجدات وَرفع الِاشْتِبَاه عَن مَسْأَلَة الْمِيَاه وَالْقَوْل الْقَاسِم فِي بَيَان حكم الْحَاكِم وَالْقَوْل المتبع فِي أَحْكَام الْكَنَائِس وَالْبيع وَتَخْرِيج الْأَقْوَال فِي مَسْأَلَة الِاسْتِبْدَال وتحرير الأنظار فِي أجوبة ابْن الْعَطَّار وَالْأَصْل فِي الْفَصْل والوصل يَعْنِي وصل التَّطَوُّع بالفريضة وَشرح الْفَرَائِض كل من الْكَافِي وَمجمع الْبَحْرين وَقَالَ أَنه مزج وَكَذَا شرح مُخْتَصر الْكَافِي فِي الْفَرَائِض لِابْنِ المجدي وجامعة الْأُصُول فِي الْفَرَائِض وَقَالَ أَن تصنيفه لَهُ كَانَ فِي سنة عشْرين والورقات لإِمَام الْحَرَمَيْنِ وَقَالَ أَنه كَانَ فِي أواخرها وَأول الَّتِي تَلِيهَا.
ورسالة السَّيِّد فِي الْفَرَائِض وَقَالَ أَنه مطول وَله أَعمال فِي الْوَصَايَا والدوريات وَإِخْرَاج المجهولات وتعليقه على القصارى فِي الصّرْف وحاشية على شرح الْعُزَّى فِي الصّرْف أَيْضا للتفتازاني وعَلى شرح العقائد وأجوبة عَن اعتراضات الْعِزّ بن جمَاعَة على أصُول الْحَنَفِيَّة وتعليقة على الأندلسية فِي الْعرُوض وَغير ذَلِك مِمَّا وقفت على أَسْمَائِهِ بِخَطِّهِ لأعلى هَذَا التَّرْتِيب كشرح مخمسة الْعِزّ عبد الْعَزِيز الديريني فِي الْعَرَبيَّة واختصار تَلْخِيص الْمِفْتَاح وَشرح منار النّظر فِي الْمنطق لِابْنِ سينا.
وَهُوَ إِمَام عَلامَة قوي الْمُشَاركَة فِي فنون ذَاكر لكثير من الْأَدَب ومتعلقاته وَاسع الباع فِي استحضار مذْهبه وَكثير من زواياه وخباياه مُتَقَدم فِي هَذَا الْفَنّ طلق اللِّسَان قَادر على المناظرة وإفحام الْخصم لَكِن حافظته أحسن من تَحْقِيقه مغرم بالانتقاد وَلَو لمشايخه حَتَّى بالأشياء الْوَاضِحَة والإكثار من ذكر مَا يكون من هَذَا الْقَبِيل بِحَضْرَة كل أحد ترويجا لكَلَامه بذلك مَعَ شَائِبَة دَعْوَى ومساححة وَلَقَد سمعته يَقُول أَنه أفرد زَوَائِد متون الدَّارَقُطْنِيّ أَو رِجَاله على السِّتَّة من غير مراجعتها كثير الطرح لأمور مشكلة يمْتَحن بهَا وَقد لَا يكون عِنْده جوابها وَلِهَذَا كَانَ بَعضهم يَقُول أَن كَلَامه أوسع من علمه.
وَأما أَنا فأزيد على ذَلِك بِأَن كَلَامه أحسن من قلمه مَعَ كَونه غَايَة فِي التَّوَاضُع وَطرح التَّكَلُّف وصفاء الخاطر جدا وَحسن المحاضرة لَا سِيمَا فِي الْأَشْيَاء الَّتِي يحفظها وَعدم اليبس والصلابة وَالرَّغْبَة فِي المذاكرة للْعلم وإثارة الْفَائِدَة والاقتباس مِمَّن دونه مِمَّا لَعَلَّه لم يكن أتقنه وَقد انْفَرد عَن عُلَمَاء مذْهبه الَّذين أدركناهم بالتقدم فِي هَذَا الْفَنّ وَصَارَ بَينهم من أجلة شَأْنه مَعَ توقف الْكثير مِنْهُم فِي شَأْنه وَعدم إنزاله مَنْزِلَته، وَهَكَذَا كَانَ حَال أَكْثَرهم مَعَه جَريا على عَادَة العصريين.
وَقصد بالفتاوى فِي النَّوَازِل والمهمات فبلغوا باعتنائه بهم مقاصدهم غَالِبا واشتهر بذلك وبالمناضلة عَن ابْن عَرَبِيّ وَنَحْوه فِيمَا بَلغنِي مَعَ حسن عقيدته ، وَلم يل مَعَ انتشار ذكره وَظِيفَة تناسبه بل كَانَ فِي غَالب عمره أحد صوفية الأشرفة نعم اسْتَقر فِي تدريس الحَدِيث بقبة البيبرسية عقب ابْن حسان ثمَّ رغب عَنهُ بعد ذَلِك لسبط شَيخنَا وَقَررهُ جَانِبك الجداوي فِي مشيخة مدرسته الَّتِي أَنْشَأَهَا بِبَاب القرافة ثمَّ صرفه وَقرر فِيهَا غَيره وَلكنه كَانَ قبيل هَذِه الْأَزْمَان رُبمَا تفقده الْأَعْيَان من الْمُلُوك والأمراء وَنَحْوهم فَلَا يدبر نَفسه فِي الارتفاق بذلك بل يُسَارع إِلَى إِنْفَاقه ثمَّ يعود لحالته وَهَكَذَا مَعَ كَثْرَة عِيَاله وتكرر تَزْوِيجه.
وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ مقصر فِي شَأْنه وَلما اسْتَقر رَفِيقه السَّيْف الْحَنَفِيّ فِي مشيخة المؤيدية عرض عَلَيْهِ السُّكْنَى بقاعتها لعلمه بِضيق منزله أَو تكلفه بالصعود إِلَيْهِ لكَونه بالدور الْأَعْلَى من ربع الحوندار فَمَا وَافق وَكَذَا لما اسْتَقر الشَّمْس الأمشاطي فِي قَضَاء الْحَنَفِيَّة رتب لَهُ من معاليمه فِي كل شهر ثَمَانمِائَة دِرْهَم لمزيد اخْتِصَاصه بِهِ وَتقدم صحبته مَعَه ورتب لَهُ الدوادار الْكَبِير يشبك من مهْدي قبيل مَوته بِيَسِير على ديوانه فِي كل شهر أَلفَيْنِ فَمَا أَظُنهُ عَاشَ حَتَّى أَخذ مِنْهَا شهرا بل عين لمشيخة الشيخونية عِنْد توعك الكافياجي بسفارة الْمَنْصُور حِين كَانَ بِالْقَاهِرَةِ عِنْد الْأَشْرَف قايتباي وَكَذَا بسفارة الأتابك أزبك فقدرت وَفَاته قبله.
وَعظم انْتِفَاع الشّرف الْمَنَاوِيّ بِهِ وَكَذَا الْبَدْر بن الصَّواف فِي كثير من مقاصدهما بعد أَن كَانَ من أخصاء الْمُحب بن الشّحْنَة حَتَّى أَنه لَعَلَّه أول من أذن لوَلَده الصَّغِير فِي الْإِفْتَاء ثمَّ مَسّه مِنْهُم غَايَة الْمَكْرُوه جَريا على عَادَتهم بِحَيْثُ شافهوه بِمَجْلِس السُّلْطَان بِمَا لَا يَلِيق وانتصر لَهُ الْعِزّ قَاضِي الْحَنَابِلَة وهجرهم بِسَبَبِهِ مُدَّة حَتَّى توَسط بَينهم الْعَضُد الصيرامي.
وَقد صحبته قَدِيما وَسمعت مِنْهُ مَعَ وَلَدي المسلسل بِسَمَاعِهِ لَهُ على الوَاسِطِيّ وكتبت عَنهُ من نظمه وفوائده أَشْيَاء بل قَرَأت عَلَيْهِ شرح ألفية الْعِرَاقِيّ لتوهم مزِيد عمل فِيهِ وَوَقع ذَلِك مِنْهُ موقعا ولامني فِيهِ غير وَاحِد من الْفُضَلَاء ، واستعار أَشْيَاء من تعاليقي ومسوداتي وَغَيرهَا وَكثر تردده لي قبل ذَلِك وَبعده بِسَبَب الْمُرَاجَعَة وَغَيرهَا صَرِيحًا وكناية لحسن اعْتِقَاده فِي بِحَيْثُ صرح مرَارًا بتفردي بِهَذَا الشَّأْن وَرُبمَا يَقُول : أَنا وَأَنت غرباء ، وَنَحْو هَذَا من القَوْل وخطه عِنْدِي شَاهد بِأَعْلَى من ذَلِك حَسْبَمَا أثْبته فِي مَوضِع آخر مَعَ كثير من نظمه وفوائده.
وَشهد على شينا بأنني أمثل جماعته وَبَالغ عقب وَفَاة الْوَالِد رحمهمَا الله فِي التأسف عَلَيْهِ وَصرح لكل من الْعِزّ الْحَنْبَلِيّ والأمشاطي بِأَنَّهُ من قدماء أَصْحَابه وخيارهم وَمِمَّنْ لَهُ عَلَيْهِ فضل قديم وَأَنه بَقِي من الْعَالمين بذلك جارنا ابْن المرخم وَابْن بهاء القباني وَلِهَذَا التمس مني الْوُقُوف على غسله فَلم أوافق أدبا مَعَ الشَّيْخ لكَون الْوَالِد لما أعلمهُ من إجلاله لَهُ وتعظيمه إِيَّاه بِحَيْثُ كَانَ يَقُول : مَا أَكثر محفوظه وَأحسن عشرته ، وَرُبمَا يَقُول : هُوَ سكردان لم يكن يرضيه ذَلِك.
تعلل الشَّيْخ مُدَّة طَوِيلَة بِمَرَض حاد وبحبس الأراقة والحصاة وَغير ذَلِك وتنقل لعدة أَمَاكِن إِلَى أَن تحول قبيل مَوته بِيَسِير بقاعة بحارة الديلم فَلم يلبث أَن مَاتَ فِيهَا فِي لَيْلَة الْخَمِيس رَابِع ربيع الآخر سنة تسع وَسبعين وَصلى عَلَيْهِ من الْغَد تجاه جَامع المارداني فِي مشْهد حافل وَدفن على بَاب المشهد الْمَنْسُوب لعقبة عِنْد أَبَوَيْهِ وَأَوْلَاده وتأسفوا على فَقده رَحمَه الله وإيانا وَمِمَّا نظمه ردا لقَوْل الْقَائِل : إِن كنت كَاذِبَة الَّتِي حَدَّثتنِي .. فَعَلَيْك إِثْم أبي حنيفَة أَو زفر .. الواثبين على الْقيَاس تمردا .. والراغبين عَن التَّمَسُّك بالأثر ، فَقَالَ : كذب الَّذِي سبّ المآثم للَّذي .. قَاس الْمسَائِل بِالْكتاب وبالأثر .. إِن الْكتاب وَسنة الْمُخْتَار قد .. دلا عَلَيْهِ فدع مقَالَة من فشر.
وَقد ذكره المقريزي فِي عقوده وأرخ مولده كَمَا قدمنَا وَلكنه قَالَ تخمينا ، قَالَ : وبرع فِي فنون من فقه وعربية وَحَدِيث وَغير ذَلِك وَكتب مصنفات عديدة من شرح دور الْبحار للقونوي فِي اخْتِلَاف الْمذَاهب الْأَرْبَعَة وَشرح مخمسة الديريني فِي الْعَرَبيَّة وجامعة الْأُصُول فِي الْفَرَائِض وورقات إِمَام الْحَرَمَيْنِ وميزان النّظر فِي الْمنطق لِابْنِ سينا وَكتب تعليقة على موطأ مُحَمَّد بن الْحسن وَأُخْرَى على آثاره وَاخْتصرَ تَلْخِيص الْمِفْتَاح وَله حواش على حَوَاشِي التَّفْتَازَانِيّ على تصريف الْعُزَّى وعَلى الأندلسية فِي الْعرُوض وَكتب غَرِيب أَحَادِيث شرح أبي الْحسن الأقطع على الْقَدُورِيّ وَخرج أَحَادِيث الِاخْتِيَار شرح الْمُخْتَار ورتب مُسْند أبي حنيفَة للحارثي على الْأَبْوَاب “.

36 / التحفة السنية بأسماء البلاد المصرية
حفظت لنا السجلات الحكومية في العصور الإسلامية تفاصيل وافية عن نشأة الكفور والنجوع والقرى المصرية ومنها كتاب قوانين الدواوين للأسعد بن مماتي المتوفي عام 606 هـ وكتاب الانتصار لواسطة عقد الأمصار لابن دقماق المتوفي عام 809 هـ وكتاب المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار للمقريزي المتوفي عام 845 هـ ، وخاتمة هذه الكتب وأعظمها وأفضلها هو كتاب التحفة السنية بأسماء البلاد المصرية الذي صنفه شرف الدين أبو زكريا يحيى بن شاكر المعروف بلقب ابن الجيعان.
ولد المؤلف بالقاهرة عام 814 هـ / 1411 م وتوفي فيها عام 885 هـ / 1480 م ويرجع في نسبه لأسرة من دمياط من أصول قبطية واشتغل عدد كبير منهم في دواوين الدولة على مدار القرن التاسع الهجري ، وقد عمل المؤلف في منصب مستوفي الديوان وهو الكاتب التي تلي وظيفته ناظر الديوان ومهمته ضبط الديوان والتنبيه على ضرورة استيفاء مستحقاته المالية لدى أربابها في مواعيدها ومراقبة موظفي الديوان ويسمى (قطب الديوان) وهو الأمر الذي ساعده في تصنيف كتابه وتوثيق الإحصائيات الدقيقة للقرى فيه.
وفي هذا الكتاب سرد كامل لجميع قرى مصر في زمنه ومساحة الزمام الزراعي لكل قرية ومقدار الخراج المفروض عليه لصالح الدولة وذكر صاحب الإقطاع الذي منحت له القرية طبقا للنظام الاقتصادي المملوكي وبيان ما إذا كان فيها أراضي أوقاف أو منح للسادة الأشراف ونوع الزراعة المحدد في هذا الزمام كما حدد القرى التي كانت خاضعة للقبائل العربية بعيدا عن نظام الإقطاع وحدد القرى التي لم تكن في إقطاع الأمراء وإنما خاضعة مباشرة لدواوين الدولة وكذلك ما كان منها موقوفا على الحرمين الشريفين.
وتأتي أهمية الكتاب بوصفه سجلا دون في آخر أيام الدولة المملوكية حيث بلغت البلدات المصرية وقتها 2480 منها 1739 في الدلتا و 741 في الصعيد وأي قرية لا يوجد اسمها في هذا الإحصاء فهي قد تأسست بعد هذا التاريخ سواء في الدلتا أو الصعيد ، ومن خلال هذا المسح يتبين لنا أن نصف القرى والمدن الحالية في مصر تأسست في العصر العثماني وما يليه فضلا عن الآلاف من التوابع الصغيرة من العزب والنجوع ، وهذه البلدات وملحقاتها جديدة ومستحدثة على أرض لم تكن مأهولة من قبل سواء في قلب الأرض الزراعية أو على حافة الصحراء.
ويشرح المؤلف في مقدمة كتابه منهجه في التوثيق فقال : ” بسم الله الرحمن الرحيم وهو حسبي وهو الوكيل ، الحمد لله الذي له ما في السموات والأرض العالم بما في طولها والعرض وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة بها أؤدي الفرض وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الشفيع يوم العرض صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه صلاة وسلاما دائمين ما بين السماء والأرض.
وبعد ، فهذا كتاب أذكر فيه ما بإقليم مصر من البلدان وعبرة كل بلد وكم مساحتها فدان ، أبدأ أولا بذكر الأقاليم على وجه الإجمال وأذكر عبرة الأقاليم المذكورة على ما استقر عليه الحال في أيام الأشرف شعبان وإن تغيرت عبرة بلد عما كانت عليه ذكرت عبرتها الآن ، وأذكر تحت كل إقليم جملة عبرته مستمدا من الله تعالى حسن معونته.
ثم بعد تمام ذلك أذكر كل إقليم وما به من البلدان مرتبا على حروف الهجاء ليسهل منه الكشف على من أراده ويتبين له مقصوده أحسن بيان ثم أشير في كل بلدة إلى من كانت بيده فيما مضى ومن هي بيده الآن سالكا في ذلك طريق الاختصار مجتنبا التطويل والإكثار سائلا من الله تعالى التوفيق لإتمامه داعيا لمن أمر بكتابته وتسطيره بطول بقائه وبلوغ مرامه ختم الله له بالحسنى ورفعه في الآخرة المحل الأسنى وأدام ظله على أهل الإسلام وأحله دار المقامة من فضله والسلام إنه سبحانه هو الملك العلام المحسن على الدوام “.
وقد ترجم ابن تغري بردي لوالده في علم الدين شاكر ابن الجيعان المتوفي عام 882 هـ وذلك في كتابه المنهل الصافي فقال : ” شاكر الرئيس علم الدين مستوفي ديوان الجيش المعروف بابن الجيعان القبطي المصري ، هو عظيم بني جيعان وأكبر إخوته مجد الدين عبد الرحمن كاتب الخزانة الشريفة المتوفى بآخر المحرم سنة خمس وخمسين وثمانمائة بعد عوده من الحجاز في السنة المذكورة والبرهاني إبراهيم ووالد الشرفي يحيى السالك طريق الفقهاء طلبة العلم.
مولد شاكر المذكور بعد التسعين وسبعمائة تخمينا وتعاني قلم الديونة وباشر ديوان الجيش وتولى الاستيفاء وعظم في الدولة الأشرفية برسباي ونالته السعادة وعلا ذكره وبعد صيته ، قلت : وبيتهم موصوف معروف في الكتبة وهم الآن أصحاب الحل والعقد في الدولة في الباطن وإن كان غيرهم في الظاهر فهم الأصل على أن فيهم الخير وقضاء حوائج الناس ، وحج علم الدين شاكر المذكور غير مرة وبالجملة هم أصلح أبناء جنسهم لولا من عندهم من النسوة “.
وذكره السخاوي في الضوء اللامع وذكر لقاءه به فقال : ” يحيى بن شَاكر بن عبد الْغَنِيّ بن شَاكر بن ماجد بن عبد الْوَهَّاب بن يَعْقُوب الشّرف أَبُو زَكَرِيَّا بن الْعلم بن الْفَخر بن الْعلم الدمياطي الأَصْل القاهري الشَّافِعِي وَيعرف كسلفه بِابْن الجيعان ، ولد فِيمَا أَخْبرنِي بِهِ فِي أَيَّام التَّشْرِيق سنة أَربع عشرَة وَثَمَانمِائَة بِالْقَاهِرَةِ وَنَشَأ بهَا فحفظ الْقُرْآن وتقريب الْأَسَانِيد والنخبة لشَيْخِنَا والمنهاج وألفيتي النَّحْو والْحَدِيث وشاطبيتي القراآت والرسم وَجمع الْجَوَامِع وَالتَّلْخِيص وَغَيرهَا وَعرض على جمَاعَة كالبساطي.
وَيُقَال أَن فِي صدر إِجَازَته مِمَّا فِيهِ تنويه بِصَاحِب التَّرْجَمَة الْحَمد لله الَّذِي أشْبع بعد جوع وَأَيْقَظَ بعد هجوع وَقرب بعد إبعاد وعد بعد إيعاد ، وَأَقْبل على الِاشْتِغَال فتدرب بِالْمُبَاشرَةِ بأقربائه وجود الْقُرْآن على غير وَاحِد بل تلاه بِكَثِير من الرِّوَايَات على الزين طَاهِر وَأخذ عَنهُ الْعَرَبيَّة وَغَيرهَا ولازم القاياتي فِي الْأَصْلَيْنِ وَالْفِقْه والعربية والْحَدِيث وَغَيرهَا وَكَانَ مِمَّا قَرَأَهُ عَلَيْهِ مُخْتَصر ابْن الْحَاجِب وَشرح الشذور وصحيح البُخَارِيّ وَمُسلم وَسنَن أبي دَاوُد.
وَكَذَا لَازم ابْن المجدي فِي الْفَرَائِض والحساب والجبر والمقابلة وَسَائِر فنونه الَّتِي فاق فِيهَا مَعَ الْعَرَبيَّة وَالْفِقْه حَتَّى كَانَ جلّ انتفاعه بِهِ وَعرض بمزيد الِاخْتِصَاص بِهِ وَأذن لَهُ بالإفتاء والتدريس قَدِيما وَبَالغ فِي الثَّنَاء عَلَيْهِ والتنويه بِذكرِهِ وَصرح بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي جماعته أمثل مِنْهُ وَصَارَت إِلَيْهِ سَائِر تصانيفه وتعاليقه أَو جلها، وَأكْثر من السماع من شَيخنَا فِي رَمَضَان وَغَيره بل لَازمه فِي عُلُوم الحَدِيث وَقَرَأَ عَلَيْهِ شرح النخبة لَهُ.
واشتدت عنايته أَيْضا بملازمة الْعَلَاء القلقشندي حَتَّى قَرَأَ عَلَيْهِ فِيمَا بَلغنِي الْكتب السِّتَّة أَو جلها وَغَيرهَا بل وتكررت قِرَاءَته عَلَيْهِ للْبُخَارِيّ وَالتِّرْمِذِيّ وانتفع بِهِ كثيرا وَأخذ الْفِقْه أَيْضا قَدِيما عَن الشّرف السُّبْكِيّ والجلال وبأخرة عَن الْعَبَّادِيّ والبكري وَمِمَّا قَرَأَهُ على الْعَبَّادِيّ إِلَى إحْيَاء الْموَات من الرَّوْض لِابْنِ الْمُقْرِئ وعَلى الْمحلي شَرحه للمنهاج بل وَقَرَأَ عَلَيْهِ أَيْضا شَرحه لجمع الْجَوَامِع فِي الْأُصُول.
وَقَرَأَ الْمَتْن مَعَ شَرحه لِابْنِ الْعِرَاقِيّ على الشهَاب الأبشيطي وَعنهُ أَخذ الْعَرَبيَّة أَيْضا ولازمه هُوَ والمحلي فِي غير ذَلِك وَتردد للعز عبد السَّلَام الْبَغْدَادِيّ والحناوي وَالسَّيِّد النسابة والوروري وَغَيرهم من الْأَئِمَّة كَابْن الْهمام والشمني والكافياجي وغالب شُيُوخ الْعَصْر فِيمَا أَظن واستفاد مِنْهُم وَأخذ أصُول الدّين أَيْضا عَن الْأمين الأقصرائي والشرواني والمنطق وَغَيره عَن أبي الْفضل المغربي فِي قَدمته الأولى.
وَلم يتحاش عَن الْأَخْذ عَن طبقَة تلِي هَذِه كالسنهوري قَرَأَ عَلَيْهِ الألفية وتوضيحها وشروحه الجرومية ومختصر ابْن الْحَاجِب وَغَيرهَا وَكَذَا تردد إِلَيْهِ أَمَام الكاملية حَتَّى أَخذ عَنهُ شَيْئا من تصانيفه وَغَيرهَا وَقَرَأَ على الْفَخر الديمي فِي مدرسة عَمه الدَّلَائِل للبيهقي بل كَانَ يُشَارك وَلَده الصلاحي فِيمَن يتَرَدَّد إِلَيْهِ مِمَّن يليهم أَيْضا محبَّة فِي الْفَائِدَة والمذاكرة وَعدم أَنَفَة.
وَأكْثر من المذاكرة مَعَ المحيوي الدماطي والشهاب السجيني وَنَحْوهمَا مِمَّا هُوَ أبرع مِنْهُم وَكَذَا كَانَ الشاوي يتَرَدَّد لقِرَاءَة الصلاحي عَلَيْهِ بِحَضْرَتِهِ عَلَيْهِ فِي البُخَارِيّ حَتَّى قَرَأَ نَحْو نصفه الأول فِيمَا بَلغنِي وَمَا كَانَ الْقَصْد إِلَّا أَن تكون الْقِرَاءَة على كَاتبه فَمَا وَافق ، نعم سمع مِنْهُ أَشْيَاء من تصانيفه وَغَيرهَا شَاركهُ بنوه فِي بَعْضهَا واستكتبه لَهُم بهَا ، بل سمع الْكثير قبل على الزين الزَّرْكَشِيّ وَابْن نَاظر الصاحبة وَابْن بردس وَابْن الطَّحَّان فِي آخَرين بعدهمْ مِمَّا الْكثير مِنْهُ بِقِرَاءَتِي.
وَأَجَازَ لَهُ فِي عدَّة استدعاآت خلق من الْآفَاق من سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ فَمَا بعْدهَا ، وَحج غير مرّة أَولهَا قَرِيبا من سنة أَرْبَعِينَ وَسمع بِمَكَّة على أبي الْفَتْح المراغي وبالمدينة على الْمُحب المطري وَغَيرهمَا وَصَحب السَّيِّد عفيف الدّين الإيجي وَغَيره من السادات ، وَدخل دمياط ونواحيها للتداوي وَعرف من صغره بِقُوَّة الحافظة ووفور الذكاء وَسُرْعَة الْإِدْرَاك والفصاحة وَحسن الْعبارَة وَطيب النغمة وجودة الْخط مَعَ سرعته.
وَاسْتمرّ فِي ازدياد من ذَلِك مَعَ مزِيد التَّوَاضُع وَالْأَدب وَالْعقل وَالِاحْتِمَال وَالصَّبْر على الْعَوَارِض الْبَدَنِيَّة وَغَيرهَا والدربة والسياسة وَالْبر التَّام بِأَبِيهِ وَالْقِيَام بخدمته إِلَى الْغَايَة مَعَ اقْتِدَاء أَبِيه بِجَمِيعِ أوامره وإشارته والتودد لأحبابه والمثابرة فِيمَا أخْبرت على التَّهَجُّد والتحري فِي الطَّهَارَة وَالنِّيَّة والإعراض عَن اللَّهْو واللغو جملَة والمحاسن الوافرة وَالرَّغْبَة التَّامَّة فِي تَحْصِيل الْكتب بِحَيْثُ اجْتمع لَهُ مِنْهَا الْكثير فِي كل فن ، وَتوسع فِي استكتاب مَا يصدر من ذَلِك عَن الْفُضَلَاء أَو المتشبهين بهم إِمَّا بِنَفسِهِ أَو بِاسْتِعْمَال مُصَنفه فِيهِ وَمَا كنت أفهم عَنهُ فِي كثير من ذَلِك إِلَّا التودد وَإِلَّا فَفِيهِ مَا لَا يخفى عَن من هُوَ دونه.
وَلَو تفرغ لالتحق بالأعلام وَلكنه كَانَ قَائِما لَا ينْهض بِهِ غَيره حَتَّى عول عَلَيْهِ الْمُلُوك فَمن دونهم وديوان الْجَيْش لَا أعلم من يوازيه فِي استحضاره إِيَّاه وَضَبطه لَهُ متقن وترتيبه لبلاده وأسمائه بَين بِحَيْثُ كَانَ يَقُول لي كثيرا فِيهِ الْمُتَّفق والمفترق والمؤتلف والمختلف وَنَحْوهمَا من فنون الحَدِيث وَمَعَ تَعبه بِسَبَبِهِ لَا سِيمَا بعد وَفَاة وَالِده فَقل أَن تَخْلُو أوقاته حِين تفرغه مِنْهُ عَن مطالعة أَو مذاكرة أَو استفادة أَو إِفَادَة ، وقصده الْأَبْنَاء بِالْعرضِ فَكَانَ يبرهم بِمَا ينجبر بِهِ خاطرهم مِمَّا أعرض قُضَاة الْوَقْت فضلا عَن غَيرهم عَنهُ غَالِبا وَيكْتب لَهُم الْكِتَابَة الْحَسَنَة وَرُبمَا كتب على الْفَتْوَى فِي بعض الْمسَائِل.
واقرأ الطّلبَة فِي الْعَرَبيَّة والفرائض والحساب وَالْفِقْه وَمِمَّا أَقرَأ فِيهِ الرَّوْض لِابْنِ الْمُقْرِئ بل سَمِعت أَنه أَقرَأ فِي الفية الْعِرَاقِيّ وَهُوَ جدير بالتلقيب بِذِي الرياستين وَلذَا لقبته بهَا قَدِيما ، وَكَانَ جمال أَهله بل الممالك ، وَلم تزل الْفُضَلَاء من أَرْبَاب الْمذَاهب والفنون تهرع للقائه ويضرع من شَاءَ الله مِنْهُم إِلَى الله فِي استمراره وبقائه لمعاملته لَهُم بالجميل ومسالمته للمبتدئ مِنْهُم والجليل وَكَانَ فِي فقرائهم من هُوَ فِي الْبر عِنْده على مَرَاتِب فَمنهمْ من تصله بالشهر أَو بِالْمَوْسِمِ أَو بِالسنةِ أَو بِدُونِ تَوْقِيت.
وَكنت مِمَّن أرى مِنْهُ مزِيد الإجلال والاحتفال وأسمع عَنهُ فِي الْغَيْبَة شرِيف الْمقَال مِمَّا يُؤذن بالإخلاص فِي الإقبال حَتَّى أَنه رَآنِي مرّة وَأَنا عِنْده مفارق الطّرق قَرِيبا من بَاب القنطرة فترجل عَن فرسه للسلام عَليّ بِحَيْثُ استحييت مِنْهُ بل وَاسْتمرّ مَاشِيا معي إِلَى بَاب الْمدرسَة المنكوتمرية وَأَنا أبالغ فِي كَفه عَن ذَلِك وَهُوَ يُبَالغ فِي التشوق والاستيحاش من انقطاعي عَنهُ التمس مني غير مرّة تعْيين وَقت للاجتماع بِهِ فَمَا قدر إِلَّا فِي النَّادِر.
وَلما صلى وَلَده الْمشَار إِلَيْهِ بِالنَّاسِ عقب خَتمه الْقُرْآن على الْعَادة سَأَلَني فِي إنْشَاء خطْبَة لَهُ فامتثلت وَوَقعت عِنْده موقعا وَأرْسل خطه بالشكر عَلَيْهَا ثمَّ أرْسلهُ هُوَ وفقيهه السجيني لقراءتها وَكَذَا أرسلهما مَعَ أَخَوَيْهِ لعرض محفوظاته وَكَانَ يسألني عَن مَوَاضِع فِي الِاصْطِلَاح وَغَيره وَطلب مني أَن أكتب شرحا لمنظومة الْكَمَال الدَّمِيرِيّ.
وراسلني وَأَنا بِمَكَّة بالاشتياق وَطيب الْكَلَام مَعَ غَيره مِمَّا يُؤذن بالاهتمام وَذَلِكَ وَشبهه مِمَّا يعد فِي محاسنه ، وأضربت عَن اسْتِيفَائه للخوف من الإطالة لكَونه أشرك معي غَيْرِي فِي الدُّعَاء بطول الْبَقَاء فَقلت لَهُ مثلكُمْ يقرن معي هَذَا فَقَالَ وَالله هَذَا ظلم منا وَفِي الْحَقِيقَة أَنْتُم أَنْتُم والاشتراك إِنَّمَا هُوَ فِي الصُّورَة خَاصَّة إِلَى غير ذَلِك من بليغ عباراته ، وَبِالْجُمْلَةِ فَكَانَ فردا من مَجْمُوعه.
وَلم يزل على جلالته ووجاهته حَتَّى مَاتَ بعلة حبس الْبَوْل والحصاة فِي يَوْم الْأَرْبَعَاء خَامِس عشرى جُمَادَى الأولى سنة خمس وَثَمَانِينَ ببيتهم المجاور لجامع أَبِيه ببركة الرطلي وَصلي عَلَيْهِ من الْغَد تجاه الحاجبية عِنْد مصلى بَاب النَّصْر فِي مشْهد حافل إِلَى الْغَايَة مَا أعلم بعد مشْهد شَيخنَا نَظِيره وَمَشى فِيهِ الأتابك فَمن دونه من الْأُمَرَاء وَحمل الأكابر نعشه ثمَّ دفن بتربتهم تجاه الأشرفية برسباي بِجَانِب مِحْرَابهَا وَحصل التأسف على فَقده ورثي بعدة مَرَّات وَلم يخلف بعده فِي مَجْمُوعَة مثله رَحمَه الله وإيانا وَعَفا عَنهُ “.

37 / الشهب السبعة
(الشهب السبعة) هو وصف عرف به سبعة من شعراء القرن التاسع الهجري اجتمعوا في القاهرة في وقت واحد وكان كل منهم يلقب بشهاب الدين حيث اشتق الوصف من ألقابهم في تشبيه بالكواكب السبعة في السماء وذلك لبراعتهم الشعرية ومساجلاتهم مع بعضهم وهم : الشهاب بن حجر العسقلاني ، والشهاب بن الشاب التائب ، والشهاب بن أبي السعود ، والشهاب ابن مباركشاه الدمشقي ، والشهاب بن صالح ، والشهاب الحجازي ، والشهاب المنصوري.
وأولهم شيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني وهو غني عن التعريف ، وقد ترجم السيوطي في كتابه نظم العقيان في أعيان الأعيان لخمسة منهم وذكر جانبا من أشعارهم فقال :
الشهَاب السعودي شهَاب الدّين أَحْمد بن إِسْمَاعِيل ، أَحْمد بن أبي السُّعُود إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم بن مُوسَى بن سعيد بن عَليّ المنوفي السعودي الشَّافِعِي شهَاب الدّين أَبُو الْعَبَّاس الأديب البارع الشَّاعِر الماهر أحد السَّبْعَة الشهب ، ولد فِي شَوَّال سنة أَربع عشرَة وَثَمَانمِائَة وتفقه قَلِيلا وَأخذ الْفَرَائِض والحساب عَن الزين البوتيجي فبرع فيهمَا وتولع بالشعر حَتَّى طارح الأدباء وَعرف بَينهم وَحل الألغاز ونظم الْكثير وَله النثر البليغ فِي نِهَايَة ، مَاتَ بِالْمَدِينَةِ فِي شَوَّال سنة سبعين وَثَمَانمِائَة وَمن شعره : بِلَا موعد زارت وَقَالَت سحرتني .. فوسوس قلبِي والمنام عصى جفني .. وَقبل حجلي أخمصي واستمالني .. وشاحي وَبَات القرط يدوي على أذني.
ابْن مبارك شاه الشهَاب أَحْمد ، أَحْمد بن مُحَمَّد بن حُسَيْن بن إِبْرَاهِيم بن سُلَيْمَان الْحَنَفِيّ الأديب البارع، شهَاب الدّين الْمَعْرُوف بِابْن مباركشاه وَهُوَ لقب وَالِده ، ولد يَوْم الْجُمُعَة عَاشر ربيع الأول، سنة سِتّ وَثَمَانمِائَة واشتغل بأنواع الْعلم وتفنن وبرع وتميز وَجمع مجاميع وعلق تعاليق ، مَاتَ فِي ربيع الأول سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَثَمَانمِائَة وَمن شعر ابْن مبارك شاه يمدح الْحَافِظ بن حجر وَيذكر ختم شرح البُخَارِيّ تأليفه : اتبرز خداً للمقبل قد بدا .. وَتعطف قدا للمعانق أميدا .. وتسبل فرعا طَال سهدي بليله .. وتطلع من فرق الغزالة فرقدا .. فديتك لَا أخْشَى الضلال بفرعها .. وَقد لَاحَ فرق للضلال من الْهدى .. وَمن عجب أَنِّي خليع صبابةٍ .. وشوقي إِلَيْهَا لَا يزَال مجددا.
ابْن صَالح الشهَاب أَحْمد ، أَحْمد بن مُحَمَّد بن صَالح بن الْفَخر عُثْمَان بن النَّجْم مُحَمَّد بن القَاضِي محيي الدّين الأشليمي سكنا الْحُسَيْنِي شهَاب الدّين أَبُو الثَّنَاء الْمَعْرُوف بِابْن صَالح الْفَاضِل الأديب البارع ، ولد فِي حُدُود الْعشْرين وَثَمَانمِائَة واشتغل بِالْعلمِ فقهاً وأصولاً ونحوا فاخذ عَن القاياتي والونائي وَابْن حجر وَأبي وَالقَاسِم النويري والحناوي وعضد الدّين السيرامي والتقي الشمني ، ونظم عقائد النَّسَفِيّ قصيدة من بَحر الْبَسِيط على رُوِيَ لَا وَله النّظم الرَّائِق والنثر الْفَائِق وَهُوَ أحد السَّبْعَة الشهب ، مَاتَ سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَثَمَانمِائَة وَمن شعره : وَرب عذول قد رأى من أحبه .. فَقَالَ وَعِنْدِي لوعة من تجانبه .. أَهَذا الَّذِي يسبي حشاك بِعَيْنِه .. فَقلت نعم يَا عاذلي وبحاجبه ، وَقَالَ : وظبي من الأتراك حاول عاذلي .. ملاماً عَلَيْهِ وَهُوَ للقلب مَالك .. فَلَمَّا تبدى خصره وجفونه .. ومبسمه ضَاقَتْ عَلَيْهِ المسالك.
الشهَاب الْحِجَازِي أَحْمد ، أَحْمد بن مُحَمَّد بن عَليّ بن حُسَيْن بن إِبْرَاهِيم أَبُو الطّيب شهَاب الدّين بن الشَّيْخ الصَّالح الْمُقْرِئ شمس الدّين الْأنْصَارِيّ الخزرجي السَّعْدِيّ الْعَبَّادِيّ الْحِجَازِي الأَصْل الْمصْرِيّ الشَّافِعِي الأديب البارع المفنن ، ولد فِي شعْبَان سنة تسعين وَسَبْعمائة وَأَجَازَ لَهُ الْحَافِظ زين الدّين الْعِرَاقِيّ وَسمع على الْمجد الْحَنَفِيّ والبدر النسابة والبرهان الأنباسي وَابْن أبي الْمجد وَغَيرهم وَحضر دروس الْكَمَال الدَّمِيرِيّ ودعا لَهُ وَسمع من شَرحه لِابْنِ ماجة ولازم الْعِزّ بن جمَاعَة وَالْوَلِيّ الْعِرَاقِيّ وَالشَّمْس الْبرمَاوِيّ والبساطي فِي عدَّة من الْفُنُون.
وعني بالأدب كثيرا إِلَى أَن تقدم فِيهِ وَصَارَ أحد أعيانه وَله فِيهِ تصانيف مِنْهَا : التَّذْكِرَة نَحْو سبعين جُزْءا ، وكتاب النّيل ، وروض الْآدَاب ، وحبِيب الحبيب ونديم الكئيب ، والْقَوَاعِد المقامات من شرح المقامات ، وقلائد النحور من جَوَاهِر البحور فِي اقتباسات الْقُرْآن ، وديوانه الْمُفْرد ، ومصنف فِي الألغاز والأحاجي ، ومصنف أدعية يدعى بهَا عقب قِرَاءَة الختمات بِحَسب الوقائع والمقامات ، وأجوبة اعتراضات ابْن الخشاب على الحريري ، مَاتَ يَوْم الْأَرْبَعَاء سَابِع رَمَضَان سنة خمس وَسبعين وَثَمَانمِائَة.
وَقَالَ مضمناً : قصدت رُؤْيَة خصر مذ سَمِعت بِهِ .. فَقَالَ لي بِلِسَان الْحَال ينشدني .. انْظُر إِلَى الردف تستغن بِهِ وَأَنا .. مثل المعيدي فاسمع بِي وَلَا ترني ، وَقَالَ فِي ملحية لابسة ثوب خمري : فِي ثوبها الخمري قد أَقبلت .. بوجنة حَمْرَاء كَالْخمرِ .. فملت سكرا حِين أبصرتها .. لَا تنكروا سكري من الخمري.
وَكتب الشهَاب الْحِجَازِي إِلَى الشهَاب ابْن الشَّاب التائب ملغزا فِي خَاتم : الْحَمد لله عَالم الْغَيْب وساتر الْعَيْب سَأَلتك أعزّك الله شهَاب النجبا وَخَاتم الأدبا فاتح مقفل كل معمى ومخباً ربيب الْآدَاب كهل الْأَدَب شيخ الْكتاب أَخُو البلاغة ابْن البراعة أَبُو التقى آدام الله تَعَالَى لَهُ البقا عَن شخص راق فِي المرأى لكل رائي يضيء كَالْكَوْكَبِ ويدور كاللولب حسن الصِّفَات والنشآت سَاكن كثير الحركات صَامت لَا ينْطق يُؤْخَذ مِنْهُ عدَّة لُغَات يُورث وَيَرِث ويتصبب وينبعث … إلخ.
وَقَالَ فِي الْحَرِيق الَّذِي وَقع ببولاق سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَثَمَانمِائَة : لهفي على مصر وسكانها .. والدمع من عَيْني عَلَيْهَا طليق .. مَا شاهدوا الْحَشْر وأهواله .. مَا بالهم ذاقوا عَذَاب الْحَرِيق.
الشهَاب المنصوري الهائم أَحْمد بن مُحَمَّد ، أَحْمد بن مُحَمَّد بن عَليّ بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن عبد الدَّائِم بن رشيد الدّين بن خَليفَة بن مظفر السّلمِيّ شَاعِر الْعَصْر شهَاب الدّين المنصوري الشَّافِعِي ثمَّ الْحَنْبَلِيّ الْمَعْرُوف بالهائم من ذُرِّيَّة الْعَبَّاس بن مرداس السّلمِيّ الصَّحَابِيّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فبراعته فِي الشّعْر نزوع إِلَى جده.
وَمن اللطائف أَن أم الْعَبَّاس بن مرداس هِيَ الخنساء أُخْت صَخْر الشاعرة الْمَشْهُورَة الَّتِي أَجمعُوا على أَنَّهَا أشعر النِّسَاء وَقد بيّنت أحوالها فِي (شرح شَوَاهِد مُغنِي اللبيب) فَانْظُر الْعرق كَيفَ ينْزع ، ولد شهَاب الدّين هَذَا سنة ثَمَان أَو تسع وَتِسْعين وَسَبْعمائة بالمنصورة ورحل إِلَى الْقَاهِرَة سنة خمس وَعشْرين وَثَمَانمِائَة فبحث التَّنْبِيه على القَاضِي شرف الدّين عِيسَى الأقفسهي والالفية على الشَّيْخ شمس الدّين الجندي وَبحث عَلَيْهِ كِتَابه فِي النَّحْو الزبدة والقطرة.
وَقَالَ يمدحه لما فرغ من الْقِرَاءَة : ثناؤك شمس الدّين قد فاح نشره .. لِأَنَّك لم تَبْرَح فَتى طيب الأصلِ .. أَفَاضَ علينا بَحر علمك قَطْرَة .. بهَا زَالَ عَن البابنا ظمأ الْجَهْل ، وَأخذ النَّحْو أَيْضا عَن الشَّيْخ شمس الدّين الْقرشِي شيخ الشيخونية ثمَّ تحول حنبلياً لأجل وَظِيفَة بالشيخونية وَسمع على الزَّرْكَشِيّ وَغَيره وَجمع ديوانه فِي مُجَلد ضخم ، مَاتَ فِي سنة سبع وَثَمَانِينَ وَثَمَانمِائَة.
قَالَ يمدح النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم : أذكت بروق الْحمى فِي مهجتي لهبا .. فانشأت مقلتي من جفنها سحبا .. يَا نازلين بقلبي طَابَ منزلكم .. وَيَا عريب الْحمى حييتُمْ عربا .. جزتم على البان فاهتزت معاطفه .. وأرخت الدوح من أَغْصَانهَا عذبا .. عجبت كَيفَ سكنتم من محبكم .. قلباً خفوقاً من الأشواق مضطربا .. وأرحمتاه لعينٍ كلما هجعت .. القت كراهاً بكف السهد منتهبا .. فِي كل يَوْم انادي رسم ربعكم .. يَا ربع ليلى لقد هيجت لي طَربا.
وَقَالَ يمدحه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم : يَا نَبيا سعت إِلَيْهِ المطايا فِي وهاد مألوفة ونشوز .. قَلبهَا من غرامها فِي حنين وحشاها من شوقها فِي ازيز .. خصك الله بِاخْتِصَار البلاغات فاديتها بِلَفْظ وجيز .. وتميزت فانتصبت لمولاك بعزم نصبا على التَّمْيِيز.
وَقَالَ يُخَاطب الشهَاب ابْن الشَّاب التائب : قل لشهاب الدّين يَا قانعاً .. بِالْعقلِ كنزاً والحيا قوتا .. كم فقت فِي نظمك يَا سَيِّدي .. درا وَفِي خطك ياقوتا ، فَأَجَابَهُ : لَا غرو أَن أَصبَحت نشواناً بِمَا .. أهديت من شعر الي رَقِيق .. فَلَقَد أدير عَليّ من أَلْفَاظه .. بالدر والياقوت كأس رحيق.
وَقَالَ فِي ذمّ الْخمر : عد عَن الراح وَعَن كرعها .. كم أغرقت عَيْنك فِي دمعها .. وَكم أثارت بَين أهل الصَّفَا .. حَربًا توارى الجو فِي نقعها .. عَدَاوَة الأخوان من شَأْنهَا .. وفقد عقل الْمَرْء من طبعها .. قرب رضَا الرَّحْمَن فِي بعْدهَا .. وَوصل عَفْو الله فِي قطعهَا .. ومرها أَكثر من طيبها .. وضرها أكبر من نَفعهَا.
وَقَالَ فِي الْحَافِظ بن حجر : أَن قَاضِي الْقُضَاة باسم أَبِيه رفع الله قيمَة الْأَحْجَار .. هِيَ من جَوْهَر عَجِيب ومرجان غَرِيب وَفِضة ونضار .. يهْبط الْبَعْض مِنْهُ من خشيَة الله وَبَعض ينشق بالأنهار.
أما الشاب التائب فقد ترجم له السخاوي في الضوء اللامع فقال : ” أَحْمد بن عَليّ بن مُحَمَّد الشهَاب الْقَرَافِيّ ثمَّ القاهري الشَّافِعِي وَيعرف بالشاب التائب ، كَانَ أديبا فَاضلا مطارحا جيد الْخط مِمَّن أَخذ عَن ابْن الْهمام وَله فِيهِ قصيدة حَسَنَة وَعَن الشمني والحصني وَمِمَّا أَخذه عَنهُ المطول وَغَيرهم وَله مَجْمُوع مُفِيد وأقرأ التَّوْضِيح لِابْنِ هِشَام ، لَقيته وكتبت عَنهُ قَوْله فِيمَن اسْمهَا شقراء : سبقت لميدان الْفُؤَاد بحبها .. شقراء تجذب مهجتي بعنان .. فتراكبت حمر الدُّمُوع شبهها .. مذ جالت الشقراء فِي الميدان ، وكتبت عَنهُ غير ذَلِك وَمِمَّنْ تطارح مَعَه الشهَاب المنصوري وَبَلغنِي عَن ابْن بردبك دَعْوَاهُ فِيهِ التفرد بمجموعه ، مَاتَ فِي يَوْم الثُّلَاثَاء خَامِس شعْبَان سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ “.

38 / لسان الحكام
(ابن الشحنة) هو اللقب الذي عرفت به عائلة ترجع في أصولها إلى قبيلة ثقيف العربية التي سكنت حلب وانتقل أبناؤها تباعا إلى القاهرة للعمل في دواوين الدولة المملوكية وتولى عدد منهم مناصب القضاء والتدريس ونبغ منهم عدد من المؤلفين في مجالات عدة ، وسبب التسمية أن جدهم الأكبر حسام الدين محمود كان شيخا لمدينة حلب في العصر الأيوبي وتولى أعمال الشرطة التي كانت تعرف وقتها باسم وظيفة صاحب (الشحنة).
وأول من عرف منهم في العصر المملوكي هو قاضي حلب أبو الوليد محمد بن محمد المعروف بلقب (ابن الشحنة الكبير) المتوفي في حلب عام 815 هـ ومؤلف كتاب روض المناظر في علم الأوائل والأواخر (في تاريخ حلب) وكتاب الرحلة القسرية بالديار المصرية وقد تردد على القاهرة واتصل بعلماء عصره فيها ، وأخوه عبد القاضي عبد الرحمن بن الشحنة قاضي حماه وابنه الأكبر أوحد الدين أبو الفضل عبد اللطيف بن محمد قاضي صفد والمتوفي عام 833 هـ.
أما ابنه الثاني فهو محب الدين أبو الفضل محمد بن محمد الثقفي الحلبي المعروف بلقب (ابن الشحنة الصغير) المتوفي في القاهرة عام 890 هـ والذي تولى منصب قاضي قضاة الحنفية بالديار المصرية وشيخ الخانقاه الشيخونية ومؤلف كتاب (طبقات الحنفية) ، وقد نبغ من أولاده القاضي والشاعر سري الدين أبو البركات عبد البر بن محمد المتوفي عام 921 هـ ومؤلف كتاب الذخائر الأشرفية في ألغاز الحنفية وكان مقربا من السلطان قنصوه الغوري.
وأما الابن الثاني لمحب الدين أبي الفضل فهو أثير الدين محمد بن محمد بن الشحنة المتوفي عام 898 هـ وعمل في القضاء والخطابة ونظارة الجيش في كل من حلب والقاهرة ، ومن أولاده كل من القاضي لسان الدين أحمد بن أثير الدين محمد بن الشحنة المتوفي عام 882 هـ ومؤلف كتاب لسان الحكام في معرفة الأحكام والقاضي أبو البقاء جلال الدين محمد بن أثير الدين محمد المتوفي عام 892 هـ وابنه عبد الباسط بن جلال الدين بن الشحنة ناظر الجوالي المتوفي عام 903 هـ.
وللأسرة مؤلفات في مجالات عدة وعلى رأسها كتاب لسان الحكام في معرفة الأحكام الذي صنفه لسان الدين ابن الشحنة وتناول فيه دراسة الأحكام القضائية في عصره وينقل لنا واقع القضايا التي كانت تعرض وقتها على القضاة من واقع عمله في هذا المجال بادئا بآداب القضاء ومستعرضا لمختلف أنواع القضايا المعروضة ورأيه فيها.
وقد ذكره السخاوي في الضوء اللامع فقال : ” أَحْمد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مَحْمُود بن غَازِي لِسَان الدّين بن أثير الدّين بن الْمُحب أبي الْفضل الْحلَبِي الْآتِي أَبوهُ وجده وجد أَبِيه وَعَمه وَأَخُوهُ أَبُو الْبَقَاء مُحَمَّد ، وَيعرف كسلفه بِابْن الشّحْنَة ، ولد سنة أَربع وَأَرْبَعين وَثَمَانمِائَة بحلب وَنَشَأ فِي كنف أَبِيه وجده فحفظ الْقُرْآن والوقاية.
وَقدم على جده الْقَاهِرَة فِي جملَة عِيَاله وعَلى الزين قَاسم وَابْن عبيد الله وَإِبْرَاهِيم الْحلَبِي وَنَحْوهم يَسِيرا وَكَذَا قَرَأَ على النَّجْم بن قَاضِي عجلون فِي الْفَرَائِض وَالْعرُوض وَسمع على جده والبدر النسابة وَأَجَازَ لَهُ غير وَاحِد وناب عَن جده فِي كِتَابَة السِّرّ بِالْقَاهِرَةِ ثمَّ ولي قَضَاء الْحَنَفِيَّة بِبَلَدِهِ عوضا عَن أَبِيه وَحج مَعَ أَبِيه وجده وفارقهما من عقبَة أَيْلَة إِلَى حلب لمباشرته.
وَكَانَ عَاقِلا كيسا عفيفا مشاركا فِي الْفَرَائِض مَعَ فتور ذهنه وَله نظم وسط فَمِنْهُ لما انْفَصل جده عَن كِتَابَة السِّرّ بِابْن الديري : كِتَابَة السِّرّ قد أضحت مبهدلة .. لما قلاها محب الدّين قد هَانَتْ .. وَأصْبح النَّاس يدعونَ الْمُحب لَهَا .. كَيْمَا يرق عَلَيْهَا بَعْدَمَا بَانَتْ ، مَاتَ فِي لَيْلَة الْخَمِيس سلخ صفر أَو مستهل ربيع الأول سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ بالطاعون شَهِيدا وَاسْتقر بعده فِي الْقَضَاء الْعِزّ بن العديم بعد ذكر وَالِده لذَلِك رحم الله شبابه “.
أما جده فقد ترجم له السيوطي في كتابه نظم العقيان فقال : ” ابْن الشّحْنَة الْحلَبِي محب الدّين مُحَمَّد بن مُحَمَّد ، مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مَحْمُود بن غَازِي بن أَيُّوب بن مَحْمُود الشحنكة بن الختلو الثَّقَفِيّ الْحلَبِي قَاضِي الْقُضَاة محب الدّين أَبُو الْفضل بن الإِمَام الْعَلامَة محب الدّين أبي الْوَلِيد بن الْعَلامَة كَمَال الدّين بن شمس الدّين الْمَعْرُوف بِابْن الشّحْنَة ، ولد يَوْم الْجُمُعَة ثَانِي عشر رَجَب سنة أَربع وَثَمَانمِائَة.
سمع من الْبُرْهَان الْحلَبِي ولازمه وَأَجَازَ لَهُ الشهَاب الوَاسِطِيّ وتفقه وتفنن واعتنى بالأدب ونظم الشّعْر الْحسن وأنشا النثر ، وَولي كِتَابَة السِّرّ بِالْقَاهِرَةِ ثمَّ قَضَاء الْحَنَفِيَّة بهَا ثمَّ مشيخة الشيخونية وَلما ولي تدريس الحَدِيث بالمؤيدية أمْلى بهَا مجَالِس وَألف (طَبَقَات الْحَنَفِيَّة ) ، مَاتَ فِي الْمحرم سنة تسعين وَثَمَانمِائَة.
وَمن نظمه وَقد جمع لَهُ الْحَافِظ برهَان الدّين الْحلَبِي حراس النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قبل نزُول الْآيَة وَأَشَارَ إِلَيْهِ أَن ينظمهم فَقَالَ : وحراس خير الْخلق من قبل عصمَة .. من النَّاس سَعْدَان بن مسلمة أنس .. وعباس ذكْوَان بِلَال وخَالِد .. زبير وَعباد بن بشر على الحرس .. سوى أنس وَالْعم فِي الْفَتْح عدهم .. وهذين شَيْخي زَاد فِيمَن لَهُ حرس .. كالأروع سمعون حُذَيْفَة مِنْهُم .. من السَّادة الْأَنْصَار نقوا من الدنس “.
ويشرح المؤلف طبيعة كتابه في مقدمته حيث يقول : ” فَإِن تنازعتم فِي شَيْء فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول ، بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم الْحَمد لله الْعَادِل فِي حكمه القَاضِي بَين عباده بِعَمَلِهِ أَحْمَده على مَا حكم وَقضى واشكره على مَا أبرم وأمضى وَأشْهد أَن لَا اله إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ الَّذِي من توكل عَلَيْهِ كَفاهُ وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله الَّذِي اخْتَارَهُ على جَمِيع خلقه واصطفاه صلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله وَأَصْحَابه الثِّقَات النقاه صَلَاة ينَال بهَا قَائِلهَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة جَمِيع مَا يتمناه.
وَبعد ، فَلَمَّا ابْتليت بالقضا وَجرى الحكم وَمضى أَحْبَبْت أَن أجمع مُخْتَصرا فِي الْأَحْكَام منتخبا من كتب سَادَاتنَا الْعلمَاء الْأَعْلَام ذَاكِرًا فِيهِ مَا يكثر وُقُوعه بَين الْأَنَام على وَجه الإتقان والإحكام ليَكُون عونا للحكام على فصل القضايا وَالْأَحْكَام.
ورتبته على ثَلَاثِينَ فصلا الْفَصْل الأول فِي آدَاب الْقَضَاء وَمَا يتَعَلَّق بِهِ الْفَصْل الثَّانِي فِي أَنْوَاع الدَّعَاوَى والبينات الْفَصْل الثَّالِث فِي الشَّهَادَات الْفَصْل الرَّابِع فِي الْوكَالَة وَالْكَفَالَة وَالْحوالَة الْفَصْل الْخَامِس فِي الصُّلْح الْفَصْل السَّادِس فِي الْإِقْرَار الْفَصْل السَّابِع فِي الْوَدِيعَة الْفَصْل الثَّامِن فِي الْعَارِية الْفَصْل التَّاسِع فِي أَنْوَاع الضمانات الْفَصْل الْعَاشِر فِي الْوَقْف.
الْفَصْل الْحَادِي عشر فِي الْغَصْب وَالشُّفْعَة وَالْقِسْمَة الْفَصْل الثَّانِي عشر فِي الإكراء وَالْحجر الْفَصْل الثَّالِث عشر فِي النِّكَاح الْفَصْل الرَّابِع عشر فِي الطَّلَاق الْفَصْل الْخَامِس عشر فِي الْعتاق الْفَصْل السَّادِس عشر فِي الْأَيْمَان الْفَصْل السَّابِع عشر فِي الْبيُوع الْفَصْل الثَّامِن عشر فِي الْإِجَارَات الْفَصْل التَّاسِع عشر فِي الْهِبَة الْفَصْل الْعشْرُونَ فِي الرَّهْن.
الْفَصْل الْحَادِي وَالْعشْرُونَ فِي الْكَرَاهِيَة الْفَصْل الثَّانِي وَالْعشْرُونَ فِي الصَّيْد والذبائح وَالْأُضْحِيَّة الْفَصْل الثَّالِث وَالْعشْرُونَ فِي الْجِنَايَات والديات وَالْحُدُود الْفَصْل الرَّابِع وَالْعشْرُونَ فِي الشّرْب والمزارعة وَالْمُسَاقَاة الْفَصْل الْخَامِس وَالْعشْرُونَ فِي الْحِيطَان وَمَا يتَعَلَّق بهَا الْفَصْل السَّادِس وَالْعشْرُونَ فِي السّير.
الْفَصْل السَّابِع وَالْعشْرُونَ فِيمَا يكون إسلاما من الْكَافِر ومالا يكون وَمَا يكون كفرا من الْمُسلم ومالا يكون الْفَصْل الثَّامِن وَالْعشْرُونَ فِي الْوَصَايَا الْفَصْل التَّاسِع وَالْعشْرُونَ فِي الْفَرَائِض الْفَصْل الثَّلَاثُونَ فِي مسَائِل شَتَّى وَهُوَ الختام ، وَقد شرعت فِيهِ مستعينا بالحي الَّذِي لَا ينَام وَهُوَ الْمُوفق بمنه وَكَرمه للإتمام “.

39 / الجامع المفيد في صناعة التجويد
(الجامع المفيد في صناعة التجويد) هو عنوان الكتاب الذي صنفه إمام القراءات والتجويد في العصر المملوكي أبو الفتح زين الدين جعفر بن إبراهيم الجمحي السنهوري ، ويرجع في نسبه إلى قبيلة بني جمح القرشية المعروفة التي سكنت قرية سنهور المدينة بجوار دسوق منذ الفتح الإسلامي ، ولد في عام 810 هـ / 1407 م ثم ارتحل إلى المحلة الكبرى وقضى فيها النصف الأول من حياته وانتقل بعدها إلى الجامع الأزهر بالقاهرة حتى توفي عام 894 هـ / 1488 م ودفن بحوش صوفية خانقاه سعيد السعداء.
في المحلة الكبرى لزم جعفر مسجد الشيخ أبي عبد الله محمد بن عمر الغمري حيث كان من جملة أصحابه ومريديه وتتلمذ على يد إمام القراءات والتجويد بالمحلة شهاب الدين أحمد بن حسن المحلي الشافعي المعروف بلقب ابن جليدة ، وفي الجامع الأزهر تتلمذ على يد شيوخ عصره في القراءات حتى ذاع صيته وعظمت منزلته وتولى الإقراء في المدرسة البرقوقية ثم البيبرسية وتتلمذ على يد الإمام ابن حجر العسقلاني.
ويقول عنه الحافظ جلال الدين السيوطي : ” وعني بالقراءات فبرع فِيهَا وعمّر وانتفع بِهِ النَّاس ” ، و يقول عنه ابن خليل الظاهري : ” شيخ الإقراء بمصر وكان عالمًا فاضلاً بارعا في القراءات يقرئ أربع عشرة رواية وبعضًا من الشواذ وكان له اليد الطولى في ذلك ولم يخلف بعده مثله ” ، ويقول عنه ابن إياس المصري : ” شيخ القراء بمصر وكان يقرئ بأربعة عشر رواية وكان علامة في فن القراءات “.
وقد ألف كتابه هذا في ابتداء أمره حيث فرغ من كتابته وتأليفه قبيل ظهر يوم الخميس رابع عشر صفر سنة 847 هـ وبرع في توصيف مخارج الحروف حتى صار بحثا قيما في الصوتيات ، وقرَّضه لَهُ الحافظ ابن حجر العسقلاني فَقَالَ : ” فقد وقفت على هَذَا العقد الفريد والدر النضيد والتحرير الْمجِيد لتلاوة الْقُرْآن الْمجِيد فَوَجَدته مجموعًا جَمُوعًا وحاويا لأشتات الْفَضَائِل وللحشو والإسهاب مَنُوعًا فَالله يَجْزِي جَامعه على جمعه جَوَامِع الْخيرَات ويسكنه أَعلَى الغرفات الْمعدة لمن كَانَ لرَبه مُطيعًا “.
ويشرح المؤلف ذلك في مقدمته فيقول : ” ثم إن هذا الكتاب يشتمل على على نفائس وغرائب وفوائد إذا قرأها المبتدىء نال منها مراده وإن نظر فيها المنتهي حصل له زيادة وإذا اتفق من ذكرت من علماء التجويد على لفظ نقلته من غير عزوه إلى أحد وإن اختلفوا نقلته معزوا إلى ناقليه حتى يعلم الناظر في هذا الكتاب ما لي مما فيه ، وسميته الجامع المفيد في صناعة التجويد ، وعلى الله الكريم اعتمادي وإليه تفويضي واستنادي وأسأله النفع به لي ولسائر المسلمين إنه على ما يشاء قدير وبعباده خبير بصير.
وأول ما أبدأ إن شاء الله تعالى بأبواب وفصول مختصرة في الترغيب في حفظ القرآن وثوابه وفضل أهله وما يجب على أهل القرآن من رعايته والقيام بحقه وصفة المقرىء والقارىء وآدابهما وما يليق ذكره مع ذلك ، ثم أذكر علل الحروف والحركات وما استعملت العرب من ذلك وما تركت واختلاف النحويين في السابق من الحروف والحركات وما أشبه ذلك.
ثم أذكر الحروف وعدتها والاختلاف في مخارجها وعدتها ثم أذكر كل حرف ومخرجه مع جملة من صفاته على مراتب المخارج وأذكر مع كل ألفاظا من كتاب الله تعالى تحض على التحفظ بتجويد لفظه وإعطائه في القراءة حقه لئلا يغفل عنه فيدخل خلل أو زيادة لعلل توجب ذلك فيه فنذكر ذلك مع كل حرف ، ثم أذكر أقسام ألقاب الحروف وصفاتها ، ثم أتبع ذلك بفوائد ستراها إن شاء الله تعالى في أبوابها وفصولها كما وعدنا ، والله المستعان على ذلك كله وبه أعتصم من الزلل والخلل في القول والعمل إنه ولي ذلك “.
وقد ترجم له السخاوي في الضوء اللامع فقال : ” جَعْفَر بن ابراهيم بن جَعْفَر بن سُلَيْمَان بن زُهَيْر بن حريز بن عريف ابْن فضل بن فَاضل الزين أَبُو الْفَتْح الْقرشِي الدهني السنهوري القاهري الازهري الشَّافِعِي الْمُقْرِئ ، ولد تَقْرِيبًا كَمَا كتبه بِخَطِّهِ سنة عشر وَثَمَانمِائَة بسنهور الْمَدِينَة وَنَشَأ بهَا فأوقع الله فِي قلبه الْهِجْرَة عَن أَهله أُمَرَاء الْعَرَب ففارقهم إِلَى الْمحلة لأبي عبد الله الغمري وَأقَام تَحت نظر إِمَام جَامعه ابْن جليدة فَقَرَأَ عِنْده الْقُرْآن.
ثمَّ تحول إِلَى الْقَاهِرَة فَنزل جَامع الازهر وَجمع للسبع على أبي عبد الْقَادِر والشهاب السكندري وعَلى ثَانِيهمَا سمع الشاطبية والتيسير والعنوان وَكَذَا على النُّور الامام لَكِن إِلَى الحزب فِي الْكَهْف وعَلى التَّاج الطوخي إِلَى المفلحون وَمن الْأَحْقَاف إِلَى آخِره وعَلى الشهَاب الطلياوي وَعبد الدَّائِم لغالبه وعَلى الْبُرْهَان الكركي إِلَى النِّسَاء وعَلى الْعَلَاء القلقشندي وَالشَّمْس بن الْعَطَّار والتاج الْمَيْمُونِيّ إِلَى أثْنَاء الْبَقَرَة وعَلى شَيخنَا والزين أبي بكر الْمصْرِيّ وَابْن زين النحراري إِلَى المفلحون.
وللسبع مَعَ يَعْقُوب عَليّ الزين رضوَان وللعشر إِلَى آل عمرَان على الْفَخر بن دانيال الْأَعْرَج وللأربعة عشر فِي ختمة على الشَّمْس العفصي ، ولعاصم وَكَذَا لِابْنِ كثير لَكِن إِلَى رَأس الحزب فِي الصافات على التَّاج بن تَيْمِية وَأخذ عَنهُ فِي بحث شرح الشاطبية لِابْنِ القاصح وللكسائي ، وَكَذَا لنافع لَكِن لأثناء قد أَفْلح عَليّ الزين طَاهِر وَعَلِيهِ سمع فِي الْبَحْث الشاطبية بِاسْتِيفَاء شرحيها للجعبري والفاسي وَلابْن كثير إِلَى أثْنَاء الْبَقَرَة على أبي الْقَاسِم النويري وقاسم الاخميمي.
وَأكْثر فِي ذَلِك عَمَّن دب ودرج وَقَرَأَ على الْبُرْهَان الصَّالِحِي من كتب الْفَنّ الشاطبية والعنوان وَالتَّلْخِيص لأبي معشر الطَّبَرِيّ ، وأذنوا كلهم لَهُ وَكَذَا اجازه الشَّمْس بن القباقبي فِي آخَرين وَلم يقْتَصر على الْقرَاءَات بل اشْتغل فِي الحَدِيث وَالْفِقْه والاصلين والعربية وَالصرْف والفرائض والحساب وَغَيرهَا فَحَضَرَ دروس الشّرف السُّبْكِيّ فِي تَقْسِيم الْكتب الثَّلَاثَة وَغَيرهَا وَالشَّمْس الْحِجَازِي فِي مُخْتَصره للروضة والقاياتي فِي الْقطعَة للأسنوي مَعَ دروس فِي ألفية الْعِرَاقِيّ وَالصرْف والونائي فِي الرَّوْضَة مَعَ دروس فِي جمع الْجَوَامِع وَابْن المجدي فِي الْحَاوِي وَعنهُ أَخذ كتبا فِي الْفَرَائِض والحساب وَغَيرهَا.
وَكَذَا سمع عَليّ الْعَلَاء القلقشندي فِي الْفِقْه والْحَدِيث والنحو، وَعلي الزين طَاهِر الشافية لِابْنِ الْحَاجِب وَشَرحهَا للْجَار بردي بحثا ، وَسمع عَلَيْهِ الألفية بِاسْتِيفَاء شرحها لِابْنِ المُصَنّف وتوضيحها لِابْنِ هِشَام ولازم التقي الشمني فِي الاصلين والعربية والمعاني وَالْبَيَان وَغَيرهَا ، وَصَحب أَبَا عبد الله الغمري وَسمع عَليّ الزين الفاقوسي المسلسل بالأولية ومعظم مُسْند عبد وعَلى الْمُحب بن نصر الله فِي الْمسند وَغَيره وعَلى عَائِشَة الكنانية المسلسل بالأولية وبحرف الْعين فِي آخَرين من شُيُوخه الماضين كشيخنا ورضوان والقلقشندي والصالحي والشمني وَمن غَيرهم.
وجود الْخط على الزين بن الصَّائِغ وَتقدم فِي الْقرَاءَات وَلم يذكر بغَيْرهَا وتصدى لَهَا قَدِيما فَقَرَأَ عَلَيْهِ خلق كَثِيرُونَ وَعم الِانْتِفَاع بِهِ ، وَأخذ الْفُضَلَاء عَنهُ طبقَة بعد أُخْرَى وَشهد عَلَيْهِ الأكابر كشيخنا مرّة فِي سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَوَصفه بالشيخ الْفَاضِل المجود الْكَامِل الأوحد الماهر الأمثل الباهر، وَوَصفه بعده بالفاضل المجود المفنن ثمَّ فِي سنة وَفَاته بالشيخ الْعَالم الْفَاضِل الْمُقْرِئ المجود المفنن الأوحد بل قرض لَهُ كتابا سَمَّاهُ الْجَامِع الْمُفِيد فِي صناعَة التجويد فَقَالَ :
وقفت على هَذَا العقد الفريد والدر النضيد والتحرير الْمجِيد لتلاوة الْقُرْآن الْمجِيد فَوَجَدته مجموعا جموعا وحاويا لأشتات الْفَضَائِل وللحشو والاسهاب منوعا فَالله يَجْزِي جَامعه على جمعه جَوَامِع الْخيرَات ويعده أَعلَى الغرفات الْمعدة لمن كَانَ لرَبه مُطيعًا ، وَكَذَا قرضه لَهُ الْعلم البُلْقِينِيّ والعز عبد السَّلَام الْبَغْدَادِيّ وَابْن الديري والشمني والكافياجي وَابْن قرقماش والعز الْحَنْبَلِيّ والسكندري وَابْن الْعَطَّار.
وَلم يسمح الْمُحب بن نصر الله الْبَغْدَادِيّ بِالْكِتَابَةِ على مؤلف البقاعي فِي التجويد إِلَّا بعد شَهَادَة صَاحب التَّرْجَمَة لَهُ بالاجادة فِيهِ، ثمَّ لم يرع البقاعي لَهُ ذَلِك حِين وثب عَلَيْهِ فِي تدريس الْقرَاءَات بالمؤيدية حِين كَاد أَن يتم لَهُ وتقوى عَلَيْهِ بجاه مخدومه بردبك وَكَذَا أَيْضا لَهُ الْجَامِع الازهر الْمُفِيد لمفردات الْأَرْبَعَة عشر من صناعَة الرَّسْم والتجويد وَغير ذَلِك وَمَعَ كَونه قاصرا فِيمَا عدا الْقرَاءَات لم يقْتَصر على إقرائها بل رُبمَا أَقرَأ الْعَرَبيَّة وَالصرْف وَالْفِقْه والفرائض والحساب وَله فِيهَا أَيْضا براعة وَغَيرهَا للمبتدئين.
وَله فِيمَا سمينا مَا عدا الْفِقْه مُشَاركَة حَتَّى إِنَّه قَرَأَ عَلَيْهِ غير وَاحِد مِمَّن صَار لَهُ فضل فِي الْمذَاهب كالبدر حُسَيْن بن فيشا الْحُسَيْنِي سكنا الْحَنَفِيّ والبدر السَّعْدِيّ الْحَنْبَلِيّ فِي فقه مَذْهَبهمَا ، كل ذَلِك وَهُوَ يتجرع الْفَاقَة ويتقنع باليسير من رزيقات ومرتبات وَرُبمَا أحسن لَهُ بعض الْأُمَرَاء بل رتب لَهُ الدوادار الْكَبِير يشبك من مهْدي فِي كل شهر خَمْسَة دَنَانِير وقمحا فِي كل سنة وَغير ذَلِك ، وَنزل بعده فِي سعيد السُّعَدَاء وبيبرس وَقَبله فِي البرقوقية الْحَنَفِيَّة مَعَ كَونه شافعيا وَفِي مُرَتّب يسير بالجوالي.
وَتكلم فِي نظر جَامع سَاروجا وانصلح حَاله يَسِيرا وطار اسْمه فِي الْآفَاق بالفن حَتَّى أَن النَّجْم القلقيلي لما ادّعى أَن ابْن الشّحْنَة عبد الْبر لَا يحسن الْفَاتِحَة لم يتَخَلَّص الا باعلامه السُّلْطَان حِين قَرَأَهَا عَلَيْهِ بحضرته بِأَنَّهَا تصح بهَا الصَّلَاة ، وَعرض لَهُ رمد بِعَيْنيهِ وقدح لَهُ فأبصر بِوَاحِدَة وَكَذَا عرض لَهُ فالج دَامَ بِهِ مُدَّة وَبَقِي مِنْهُ بقايا وَمَعَ ذَلِك لم يَنْفَكّ عَن الْكِتَابَة والاقراء.
وَمِمَّا كتبه القَوْل البديع من تصانيفي وَسمع مني بعضه وَكثر تردده الي واستكتابه لي فِي الاشهاد عَلَيْهِ لمن يقْرَأ عَلَيْهِ وهم خلق إِجَازَته لكل مِنْهُم تكون نَحْو مُجَلد ، وَمِمَّنْ قَرَأَ عَلَيْهِ أخي عبد الْقَادِر وَفِي الْأَسَانِيد من الْخَلْط المستحكم مَا يعسر إِصْلَاحه ، وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ متفرد بِهَذَا الْفَنّ مَعَ مُشَاركَة فِي غَيره وصفاء الخاطر وَطرح التَّكَلُّف وكدر الْمَعيشَة إِمَّا بالفقر وتنكد زَوجته وَإِمَّا بهما وَلذَا فَارقهَا بعد أَن تزوج ابنتهما خَدِيجَة انعام الشريف على الخصوصي ثمَّ لم يزل متعللا حَتَّى مَاتَ في ذِي الْقعدَة سنة أَربع وَتِسْعين وَدفن بحوش صوفية سعيد السُّعَدَاء وَخلف أُخْتا شَقِيقَة اسْمهَا فَاطِمَة وَابْنَته الْمشَار اليها رَحمَه الله وإيانا “.

40 / بدائع السلك في طبائع الملك
في عام 889 هـ اضطربت الأوضاع السياسية في إمارة غرناطة الأندلسية وهي آخر ما تبقى للعرب في تلك الجزيرة حيث تعرض حاكمها أبو الحسن علي بن سعد بن الأحمر لانقلاب دبره ضده ابنه أبو عبد الله محمد الصغير بينما يتربص بها القشتاليون للانقضاض عليها ، وفي ذروة هذه الأحداث أصدر قاضي الجماعة بغرناطة فتوى ببطلان ذلك محذرا من نكث البيعة في هذا التوقيت العصيب حيث استقرت الأمور سنة واحدة أعقبها وفاة أبي الحسن وانقسام الإمارة بين أبي عبد الله الصغير في غرناطة وعمه أبي عبد الله محمد بن سعد الزغل في وادي آش.
وهذا القاضي هو أبو عبد الله شمس الدين محمد بن علي بن محمد الأصبحي الحميري المالقي المالكي الذي ولد في مدينة مالقة عام 832 هـ / 1427 م وتلقى فيها علومه وتولى فيها القضاء ثم انتقل منها إلى قضاء غرناطة ويرجع في نسبه إلى قبيلة بني أصبح الحميرية اليمنية التي دخلت الأندلس في زمن الفتح الإسلامي ، وقد قرر هذا القاضي ألا يكتفي بالفتوى وإنما رحل بنفسه إلى المغرب مستغيثا بحكامه لإنقاذ الأندلسيين من المصير المحتوم أسوة بما فعله القاضي أبو الوليد الباجي عندما استعان بالمرابطين لنصرة ملوك الطوائف قبل ذلك.
لكن الظروف السياسية وقتها لم تكن مواتية حيث وصل إلى مدينة فاس بالمغرب الأقصى أثناء الحرب بين الأمراء الوطاسيين ودولة بني مرين والتي أسفرت عن انتصار الوطاسيين وانهيار الدولة المرينية ، فانتقل منها إلى تلمسان لكن لم يجد ما يأمله بسبب الصراع الداخلي بين الأمراء الحفصيين والزيانيين في كل من تونس وتلمسان والجزائر ووهران فغادر بلاد المغرب كلها متجها إلى الديار المصرية قاصدا الاستنجاد بحاكمها السلطان المملوكي الأشرف أبو النصر سيف الدين قايتباي المحمودي.
وفي مصر وجدا آذانا صاغية تستمع إليه لكن لم يجد التأييد العملي الكافي حيث كانت الدولة المملوكية مشتبكة وقتها في حروب متواصلة مع الدولة العثمانية فخرج القاضي إلى الحج ثم عاد إلى مصر واتصل بأعيانها وأثار مسألة الأندلس مرة أخرى حيث تبنى السلطان فكرة إرسال جيش بري للأندلس لكن حالت ظروف المغرب دون ذلك ، أما ابن الأزرق فقد تم تعيينه قاضيا على القدس من باب الترضية فرحل إليها حيث وافته المنية هناك عام 896 هـ / 1490 م ، وبعدها بسنة واحدة سقطت غرناطة دون أن يحقق ما خرج من أجله.
وخلال رحلته الطويلة في الأندلس والمغرب ومصر وضع ابن الأزرق كتابه الشهير بدائع السلك في طبائع الملك والذي يتناول فيه قضية عمران الدول وقيامها وانهيارها من واقع تأملاته في الحياة سائرا على نهج ابن خلدون في ذلك ، لكن تميز بالتركيز على الجوانب السياسية المباشرة المتعلقة بالحكم وطبائعه ووظائفه وحسن تدبير الأمور وكيفية سياسة الناس وسياسة أحوال المعيشة ومتطلباتها وكيفية اختيار الولاة وكبار الموظفين في الدولة وشروط ذلك مع الإشارة للحقوق المتبادلة بين الحاكم والمحكوم وواجبات كل منهما تجاه الآخر.
وقد استهل كتابه بمقدمة يشرح فيها منهجه فقال : ” أما بعد فان من أشهر مَا علم عقلا وسمعا وَجمع فِيهِ بِشَرْط الْقبُول لبرهانه المقبول جمعا إِن الْملك صُورَة الْعمرَان البشري وقراره وَمَعْنَاهُ الَّذِي يشْتَمل عَلَيْهِ فَوَائِد الِاحْتِيَاج وأسراره ، وَإِنِّي لما رَأَيْت من ذَلِك مَا هُوَ أنور من شمس الظهيرة وَأجلى فِي الظُّهُور عِنْد الْخَاصَّة وَالْجُمْهُور من القضايا الشهيرة قصدت إِلَى تَلْخِيص مَا كتب النَّاس فِي الْملك والإمارة والسياسة الَّتِي رعيها على الإسعاد بصلاح المعاش والمعاد أصدق إِمَارَة.
على نهج يكْشف من محيا الْحِكْمَة قناع الاحتجاب وَيَأْتِي فِي تَقْرِيره لتهذيب مَا فضل من تحريره بالعجب العجاب لأتحف بِهِ من تشوف لهَذَا الْغَرَض وَلم يعدل فِيهِ من الْجَوْهَر إِلَى الْعرض من أَمِير صدقت فِيهِ رغبته وَظَهَرت ومأمور وضحت بِهِ دَلَائِل الإفادة بِهِ وبهرت ، وَلما اشْتَمَل على كثير من أَحْوَال الْملك والدول وأمتع إِيرَاده لمختار مُرَاده من حكم الْأَوَاخِر وَالْأول أبدى من أسرار الْخَلِيقَة عجائب غَرِيبَة وَقرر لَهَا من برهَان الْعقل السَّلِيم مَا كَفاهُ فِي التَّسْلِيم والشكوك المريبة سميته (بَدَائِع السلك فِي طبائع الْملك).
عناية بِمَا احتوى علنه من الْقَوَاعِد الْحكمِيَّة الِاعْتِبَار والحقائق الَّتِي حررها بأوضح الدَّلِيل من شُبُهَات التضليل نحارير الْعلمَاء الْأَحْبَار والفوائد الشَّرْعِيَّة وان كَانَت الْمُقدمَة بِمَا سواهَا على الْإِطْلَاق مستخدمة فَهِيَ من حَيْثُ قَصده الأول مكملة ولعلمه فِي التفريغ إِذا تعلق بِهِ خطاب التشريع مُهْملَة أَو معملة ، وَلَو خصت السياسة بلحظ جَانبهَا المرعي الذمام وأعمل فِي فَائِدَة عَملهَا بمعتبرها فِي التصريف ومعملها وَأوجب الْعِنَايَة بهَا والاهتمام لناسب أَن يُسمى بتحرير السياسة.
فَهِيَ من الْعلم الَّذِي لَا يسْتَغْنى عَنهُ سوقة وَلَا ملك وَلَا من نهج بِهِ فِي التَّقْوِيم سَبِيل الرشد القويم وسلك فَمن سَمَّاهُ بذلك فوجهه وضاح الأسرة مشرقها ولحظة فِي الِاعْتِبَار الْمُنَاسب أصيل الْمُنَاسب معرقها وَقد حَاشِيَته من سير اللَّهْو والبطالة وباختصار محصولة من فروع مَا جمع وأصوله عَن الإسهاب والإطالة وهذبت ترتيبه وتفصيله وَذَهَبت بنضار فرائده على كَثْرَة فَوَائِد بَيَانه وتحصيله وَجعلت لكل وَارِد مشرعا وبأعذب المشارب مترعا.
فَإن وَقع هُنَاكَ مِمَّن نظر فِيهِ راضيا وَعَن استهداف تصنيفه لرميه بسهام تعنيفه متغاضيا فَعَسَى أَن يكون لَهُ بالاجادة شاهدا ولعذره فِي الإغفال لشروط الاحتفال مَاهدا وَإِلَّا فقبوله من الملتمس لَهُ مأمول وسمحه بإرضائه يستغرقه من أَعْضَائِهِ عُمُوم مِنْهُ وشمول ، ورتبته على مقدمتين وَأَرْبَعَة كتب وخاتمة اذْكُرْهَا الْآن إِجْمَالا وأدل بهَا النَّاظر على مَا اشْتَمَلت عَلَيْهِ اشتمالا “.
وقد ترجم له السخاوي في الضوء اللامع وذكر لقاءه به في القاهرة فقال : ” مُحَمَّد بن عَليّ بن مُحَمَّد بن عَليّ بن عَليّ بن قَاسم بن مَسْعُود أَبُو عبد الله الأصبحي الغرناطي الأَصْل المالقي الْمَالِكِي وَيعرف بالأزرق.
ولد بمالقة وَنَشَأ بهَا وَحفظ الْقُرْآن وَغَيره وتلا لِابْنِ كثير على قاضيها أبي إِسْحَق إِبْرَاهِيم ابْن أَحْمد البدوي ولنافع عَليّ أبي عَمْرو مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن أبي بكر بن مَنْظُور والخطيب أبي عبد الله مُحَمَّد بن أبي الطَّاهِر بن مُحَمَّد بن بكروف الفهروي وَعنهُ أَخذ فِي مبادئ الْعَرَبيَّة وَالْفِقْه والفرائض وَكَذَا أَخذ عَن الْأَوَّلين الْعَرَبيَّة والفرائض وَعَن ثَانِيهمَا الْفِقْه والحساب.
ولازم إِبْرَاهِيم بن أَحْمد بن فتوح مفتي غرناطة بهَا فِي النَّحْو وَالْفِقْه والأصلين والمنطق بِحَيْثُ كَانَ جلّ انتفاعه بِهِ وَحضر مجَالِس أبي عبد الله مُحَمَّد بن مُحَمَّد السَّرقسْطِي الْعَالم الزَّاهِد مفتيها أَيْضا فِي الْفِقْه الشَّارِح جده وَكَذَا مجَالِس الْخَطِيب أبي فرج عبد الله بن أَحْمد البقني الشريف قَاضِي الْجَمَاعَة أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن يحيى بن أبي عبد الله اللمساني الشارح جده لجمل الخونجي والخطيب الْمُفْتِي أبي عبد الله مُحَمَّد بن يُوسُف بن الْمواق الْعَبدَرِي.
وَأخذ الْأَدَب عَن مُحَمَّد بن زَكَرِيَّا ابْن جُبَير فِي آخَرين لَقِيَهُمْ بفاس وتلمسان وتونس كقاضي الْجَمَاعَة أبي يحيى بن مُحَمَّد بن أبي بكر بن عَاصِم فَإِنَّهُ جالسه كثيرا وانتفع بِهِ ، وَولي الْقَضَاء غربي مالقة فِي أَيَّام سعد بن عَليّ بن يُوسُف بن نصر صَاحب الأندلس ثمَّ قَضَاء مالقة نَفسهَا عَن أبي عبد الله مُحَمَّد بن سعد ثمَّ قَضَاء وادي اش عَن أَخِيه أبي الْحسن عَليّ بن سعد ثمَّ نَقله إِلَى مالقة ثمَّ لقَضَاء الْجَمَاعَة بغرناطة.
وَمَات أَبُو الْحسن وَهُوَ على قَضَائهَا فاستمر بِهِ أَخُوهُ أَبُو عبد الله ثمَّ خرج مَعَه إِلَى وادياش وهما منفصلان فوجهة قَاصِدا إِلَى السُّلْطَان أبي عمر وَعُثْمَان بن مُحَمَّد بن أبي فَارس لمساعدة الأندلسيين على عدوهم الْكَافِر فَلم يلبث أَن مَاتَ أَبُو عَمْرو فارتحل صَاحب التَّرْجَمَة إِلَى الديار المصرية ليحج فحج فِي الْبَحْر سنة خمس وَتِسْعين فَأَقَامَ بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعَة أشهر ثمَّ بِمَكَّة شَهْرَيْن ، وَعَاد بعد حجه إِلَى مصر فِي الْبَحْر أَيْضا فَدَخلَهَا فِي منتصف ربيع الآخر من الَّتِي تَلِيهَا فَنزل بتربة السُّلْطَان عِنْد أَحْمد بن عَاشر فَتكلم لَهُ فِي ولَايَة قَضَاء الْقُدس.
وقصدني فِي أثْنَاء ذَلِك ورأيته فِي رجال الدَّهْر وَأظْهر الِاغْتِبَاط باجتماعه بِي وطالع بعض تصانيفي وَغَيرهَا وسافر فِي رَمَضَان قَاضِيا وَقد وليه فِي ثَانِيَة فوصله فِي سَابِع عشر شَوَّال وَوَقع الثَّنَاء عَلَيْهِ من الْكَمَال بن أبي شرِيف وَغَيره فَلم يلبث أَن تعلل فدام نَحْو أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثمَّ مَاتَ فِي يَوْم الْجُمُعَة سَابِع عشري ذِي الْحجَّة وَكثر الأسف على فَقده وَدفن خَارج بَاب خَان الظَّاهِر رَحمَه الله “.