المماليك البرجية الجزء الخامس

41 / نزهة النفوس والأبدان في تواريخ الزمان

(نزهة النفوس والأبدان في تواريخ الزمان) هو عنوان كتاب يتناول التاريخ الإسلامي مع التركيز على دولة المماليك البرجية ورتب أحداثها على السنين وقد كتبه المؤرخ نور الدين علي بن داود بن إبراهيم القاهري الحنفي الذي ولد في القاهرة عام 819 هـ / 1415 م وتوفي فيها عام 900 هـ / 1494 م ، وله أيضا عدة كتب أخرى في التاريخ منها كتاب سيرة الأشرف قايتباي وكتاب الجوهرية في السيرة النبوية وكتاب إنباء الهصر بأنباء العصر في تراجم أعيان زمنه.

ويعرف المؤلف بلقب (الخطيب الجوهري) نسبة لعمله حيث كان خطيبا لجامع الظاهر بالإضافة إلى عمله في سوق الجوهريين وقد عمل أيضا بقضاء الحنفية بعض الوقت نائبا عن القاضي ابن الشحنة كما اشتغل بنسخ الكتب ، ويعرف بلقب (ابن الصيرفي) نسبة إلى أبيه دَاوُد بن إِبْرَاهِيم المعروف بلقب (الصيرفي) والذي كان من كبار موظفي الدولة وتولى وظيفة صيرفي الديوان الْمُفْرد والدولة مَعًا ثمَّ اقْتصر على الدولة وَاسْتمرّ في وظيفته حَتَّى توفي في عام 853 هـ.

ويذكر المؤلف في كتابه إنباء الهصر أنه عرض مؤلفاته على المؤرخ الكبير ابن تغري بردي وأنه نال استحسانه فقال : ” فأوقفته أنا على عدة مصنفات لى منها نزهة النفوس والأبدان فى تواريخ الأزمان المقدم ذكره وأوقفته أيضا على تأليفي للسيرة الشريفة النبوية الملقبة بالجوهرية على من هى منسوبة له أفضل الصلاة والسلام ، فكاد أن يتجنن وصار يحلف لى أنه ما وقع بصره على تأليف فى هذا الفن مثل هذا التصنيف فى الانسجام والاختصار مع المعانى الجمة الوافرة وسألنى أن يستوعبها مطالعة فأذنت له وأعادها بعد ذلك.

وقد كتب عليها تقريظا مع جملة من كتب من السادة المشايخ والأعيان كالشيخ محيى الدين الكافيجى الحنفى والشيخ أمين الدين الأقصرائى الحنفى والشيخ عضد الدين السيرامى وقاضى القضاة عز الدين أحمد الحنبلى والشيخ قاسم الحنفى وغيرهم من العلماء والفضلاء ” ، كما تتلمذ المؤلف على يد شيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني الذي كان يجله ويصلي خلفه كما كان معاصرا للسخاوي الذي كان على خلاف معه بسبب تنافسهما في التقرب من ابن حجر.  

وقد كتب له شيخه الأقصرائي تقريظا ومدحا في الجزء الخاص بالسيرة النبوية من كتابه فقال : ” نظر فى هذا المصنف البديع والعقد الفريد وتبصر واستفاد منه وشكر مؤلفه حيث أنبأ ما عملته يداه بالاجتهاد ما فيه نفع لكافة العباد جعله الله زادا لمعاده ونشر علمه فى بلاده ، من أقل عباد الله حرما وأعظمهم جرما يحيى بن محمد الأقصرائى الحنفى عامله الله بلطفه الوفى الخفى حامدا ومصليا ومسلما وختم له وللمؤلف وللمسلمين بخير فى عافية بلا محنة “.

ومدحه الشاعر ابن عمران القادري الأنصاري بأبيات كتبها بخطه في صفحة العنوان وجاء فيها : ” الحمد لله رب العالمين ، إنما نزهة النفوس كتاب .. مفصح عم محاسن الأخلاق .. في عيون الأخبار حل سناه .. كضياء العيون في الأحداق .. مطلق الحسن قيد الفكر وصفا .. لا يرى مثله على الإطلاق ، كتبه ناظمه فقير رحمة ربه محمد بن أبي بكر القادري غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين آمين “.

وكتب له شيخه الكافيجي تقريظا على الكتاب وصفه فيه بالتاريخ الفائق على الأقران وأنه أنس الصلحاء حب الأكابر الكرام مقبول قدوة الأنام ، ويصف كتابه فى ترجمة سيرة الرسول بأنه قد اعترف بفضله وكماله وبحسن ترتيبه وجودة نظامه الحاضر والبادى والدانى والقاصى واغترف من بحره العذب الرحب الرائح والفادى وأتى بأمر يحيى ذكره فى الآخرين أبد الآبدين.

ورغم كل هذا المدح إلا أنه تعرض للانتقاد الشديد من مؤرخي عصره مثل ابن تغري بردي وابن إياس والسخاوي حيث كان كتابه حافلا بالدفاع عن السلطان قايتباي وأمرائه بصورة تحمل شبهة النفاق ، ورغم ذلك تحمل كتبه أهمية كبرى حيث احتوت على كثير من الملاحظات التي سجلها المؤلف حول الأوضاع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في أواخر الدولة المملوكية كما أنه ألقى الضوء على التفسخ الإداري في أجهزة الدولة والتي كانت سببا مباشرا بعد ذلك في سقوطها.

وذكره ابن إياس في كتابه بدائع الزهور وذلك في أحداث شهر شوال سنة 900 هـ فقال : ” وفيه توفى القاضى نور الدين على بن داود الصيرفى الإسرائيلى الحنفى أحد نواب الحكم وكان من أعيان الحنفية وكان يكتب التاريخ مجازفة لا عن قائل ولا راو ، وله فى تاريخه خباطات كثيرة وجمع من ذلك عدّة كتب من تأليفه فكان كما يقال فى المعنى : يا من يقول جمعت فى التاريخ كتبا كامله .. لك بالأباعر نسبة لم تدر ما هى حامله ، وكان مولده سنة تسعة عشرة وثمانمائة وكان لا يخلو من فضيلة “.

ذكره السخاوي في الضوء اللامع فقال : ” عَليّ بن دَاوُد بن إِبْرَاهِيم نور الدّين القاهري الْجَوْهَرِي الْحَنَفِيّ الْمَاضِي أَبوهُ وَيعرف بِابْن دَاوُد وبابن الصَّيْرَفِي ، ولد فِي رَابِع عشر جُمَادَى الْآخِرَة سنة تسع عشرَة وَثَمَانمِائَة بِالْقَاهِرَةِ وَنَشَأ بهَا فِي كنف أَبِيه وَكَانَ صيرفيا فِي الدولة وَزعم أَنه حفظ الْقُرْآن والعمدة والقدوري وألفية النَّحْو والخزرجية وَأَنه عرض على النظام يحيى الصيرامي والمحب بن نصر الله الْحَنْبَلِيّ وَنصر الله وَغَيرهم وَأَنه جود فِي الْقرَاءَات على الزراتيتي.

وَقَرَأَ فِي الْفِقْه على ابْن الديري والزين قَاسم والشمسي وَمِمَّا قَرَأَ عَلَيْهِ شَرحه للنقاية وَشَرحه لنظم وَالِده النخبة بل قَرَأَ شرحها على مؤلفها شَيخنَا مَعَ ديوَان خطبه وَغَيره ولازم مَجْلِسه فِي الْإِمْلَاء وَغَيره وَصلى شَيخنَا خَلفه بِجَامِع الظَّاهِر وَكَانَ قد اسْتَقر فِي خطابته برغبة الشَّمْس الطنتدائي نزيل البيبرسية لَهُ عَنْهَا وَعظم ذَلِك على كثيرين وَلزِمَ الرّكُوب فِي خدمَة شَيخنَا مَعَ استثقال جماعته لذَلِك سِيمَا وَلَده وَرُبمَا شافهه بِمَا يكون سَببا للانكفاف.

وَكَذَا قَرَأَ فِي أصُول الدّين على الْأمين الأقصرائي والشرواني وَفِي النَّحْو على الأبدي واشتدت عنايته بملازمة الكافياجي فِي آخَرين كالعز عبد السَّلَام الْبَغْدَادِيّ وَابْن الْهمام وَابْن قرقماس وَقَرَأَ عَلَيْهِ مُصَنفه الْغَيْث المريع والنواجي وَقَرَأَ عَلَيْهِ الْعرُوض وَتردد لغير هَؤُلَاءِ وَحج وزار بَيت الْمُقَدّس ، وَدخل دمياط وتنزل فِي صوفية البيبرسية والبرقوقية بعد أَن نَاب فِي خطابتها وَلما مَاتَ وَالِده بل وَفِي حَيَاته تكسب بسوق الجوهريين وَفِي وَظِيفَة المكس بِهِ وتعاطيه مَعَ تولعه بالدوران على الشُّيُوخ.

وابتنى بعض الدّور بحكر الشَّامي وَنسخ من بداية ابْن كثير وَنَحْوهَا أَشْيَاء فِي مجلدات يضْحك أَو يبكي عَلَيْهِ فِيهَا وَالْعجب أَنه قرضها لَهُ كَثِيرُونَ ، ثمَّ آل أمره إِلَى أَن نفد غَالب مَا مَعَه وَاحْتَاجَ فناب فِي الْقَضَاء عَن ابْن الشّحْنَة فِي سنة إِحْدَى وَسبعين وَجلسَ بِبَعْض الحوانيت وَصَارَ يكْتب الدُّرَر أَو الأنباء أَو غَيرهمَا من تصانيف شَيخنَا وَغَيره ويرتفق بذلك مَعَ مُخَالطَة بعض الرؤساء خُصُوصا الزيني بن مزهر وَكتب بِخَطِّهِ مَا كتبه قاضيه فِي شرح الْهِدَايَة وعدة تواريخ ليوسف بن تغرى بردى بل والذيل الَّذِي عملته على رفع الإصر.

وَتردد لي فِي مجَالِس الرِّوَايَة والدراية وَكتب عَليّ أَشْيَاء وَنصب نَفسه لكتابة التَّارِيخ فَكَانَ تَارِيخا لكَونه لَا تَمْيِيز لَهُ عَن كثير من الْعَوام إِلَّا بالهيئة مَعَ سلوكه لما يستقبح بِحَيْثُ أمْسكهُ جمَاعَة الْوَالِي وَصَارَ الْفُقَهَاء والقضاة بِهِ مثله وَصرف بِأَمْر السُّلْطَان مرّة بعد أُخْرَى وَمَات الأمشاطي وَهُوَ مَصْرُوف فَلَمَّا اسْتَقر ابْن عيد لبس عَلَيْهِ حَتَّى ولاه ثمَّ لما تبين لَهُ أمره صرفه وَلم يوله الَّذِي بعده إِلَّا بعناية القطب الخيضري بل حسن لَهُ عمل سيرة الْأَشْرَف قايتباي وتوسط فِي إيصالها لَهُ فَكَانَ ذَلِك من المضحكات.

وَاسْتدلَّ من لم يعرف الْوَاسِطَة بتقديمه على تَأَخره سِيمَا وَقد أَخذ لَهُ من الْملك مبلغا لزعمه أَنه تكلّف على نساخته وتوابعه مَا اسْتَدَانَ أَكْثَره ورحم الله يشبك الدوادار وَأَنه ليقظته لما علم بِحَقِيقَة شَأْنه بَالغ فِي إبعاده ورام ضربه ومنعته رياسته من استرجاع مَا كَانَ أعطَاهُ لَهُ حَسْبَمَا بَلغنِي وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ من سيئات الزَّمَان غَنِي بشهرة سيرته عَن مزِيد الْبَيَان وجهله وَاضح الظُّهُور وانطراحه لبطنه قاصم للظهور.

وَكنت قَدِيما سمعته ينشد لغزا زَعمه لنَفسِهِ فِي عَليّ : مَا اسْم ثلاثي أرى .. لَو كَانَ حظي مثله .. ثُلُثَاهُ لي حَقًا يرى .. وَثلثه عين لَهُ ، ثمَّ لما كثر تردده لي توقفت فِي كَونه يحصل شَيْئا وَقيل لي أَنه يَسْتَعِين فِيمَا يبديه من ذَلِك بالقادري والدماصي بواب المؤيدية وَغَيرهمَا مِمَّن يبْذل لَهُ ذَلِك وَأما أَنا فَعمِلت لَهُ مقامة بعد أُخْرَى للزيني بن مزهر وَمَعَ كَونه كرر قرَاءَتهَا عَليّ غير مرّة لم يحسن قرَاءَتهَا عِنْده وَمِمَّا نظمه الشهَاب الْحِجَازِي فِيهِ : قَالَ ابْن دَاوُد الأديب ألم أكن فَردا أُجِيب لأَنْت تَابعهمْ .. هلك السموءل وَابْن سهل وَابْن إسرائيل قلت وَهُوَ رابعهم “.

42 / الضوء اللامع لأهل القرن التاسع

مؤرخ القرن التاسع الهجري هو الحافظ شمس الدين السخاوي ، أشهر من نار على علم رجل غني عن التعريف صاحب المؤلفات المعروفة والمصنفات المشهورة خاصة موسوعته القيمة الضوء اللامع لأهل القرن التاسع التي ترجم فيها لأكثر من عشرة آلاف شخص من أعيان القرن ، وهو أيضا مؤرخ المحلة الكبرى حيث عاصر العصر الذهبي للمدينة عندما تحولت رسميا إلى عاصمة الغربية ورصد بنفسه ازدهار الحركة العلمية والأدبية فيها من خلال رحلاته المتعددة إليها والشخصيات التي تعرف عليها هناك.

هو العلامة المسند المؤرخ الحافظ محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أبي بكر بن عثمان بن محمد ويلقب شمس الدين ويكنى بأبي الخير وبأبي عبدالله الشافعي المذهب ، وينسب إلى سخا قرية في أسفل مصر فيقال لـه السخاوي وهي الآن قرية من قرى مركز كفر الشيخ وينسب إلى بغداد فيقال له البغدادي نسبة إلى أصله حيث جاء أحد أجداده من بغداد ويقال له أحياناً الغزولي نسبة إلى مهنة الغزل وهي مهنة أبيه وجـده.

وعرفت أسرته بالعلم والصلاح حيث نزلت مصر بعد الغزو المغولي وسكنت قرية سخا ، جده لأبيه الشمس أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن محمد السخاوي الملقب بابن البارد ولد في سخا وكان عالماً حج عدة مرات وسافر إلى الشام وبيت المقدس ، وأما والده عبد الرحمن زين الدين المولود في القاهرة عام 800 هـ فقد حفظ القرآن وتدرب على التجويد وحفظ بعض المتون وسمع من كثير من العلماء منهم البلقيني وابن حجر وابن جماعة.

وجده لأمه شمس الدين محمد بن علي بن محمد بن عبد الرحمن بن بلال العدوي القاهري المالكي المعروف بلقب ابن نديبة والذي تميز في الفقه والعربية ، ومن شيوخه ابن الحاجب والبسطامي والبرماوي ، وحفظ أخوه محيي الدين عبد القادر القرآن والشاطبيـة وبعض التنبيـه وكـذلك حفظ أخوه زين الدين أبو بكر القرآن والعمدة والمنهاج وألفيتي الحديث والنحو وغيرها وتصدى للتدريس في الفقه وأصوله والعربية وأخذ عنه كثير من الطلاب.

ولد الإمام السخاوي في شهر ربيع الأول سنة إحدى وثلاثين وثمانمائة بحارة بهاء الدين قراقوش في القاهرة في المنزل الذي ولد فيه والده وعماه ، وتتلمذ على يد الإمام ابن حجر العسقلاني وتعددت أسفاره داخل مصر وخارجها ثم جاور بالمدينة النبوية حتى مات سنة اثنتين وتسعمائة يوم الأحد الثامن والعشرين من شعبان ودفن بالبقيع بجوار مشهد الإمام مالك ، رحمه الله رحمة واسعة وأجزل له المثوبة والعطاء.

وقد صنف السخاوي عددا كبيرا من الكتب في مختلف العلوم الإسلامية وبرع في التاريخ فكتب كتاب التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة (في تاريخ المدينة المنورة وأعلامها) وكتاب التبر المسبوك في ذيل السلوك (ويتناول عصر المماليك البرجية) وكتاب البلدانيات (ويتناول رواة الحديث في البلاد المختلفة مع نبذة عن تاريخها) وكتاب الإعلان بالتوبيخ لمن ذم أهل التوريخ (ويضم تعليقات قيمة على كتابات المؤرخين) وكتاب الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر وكتاب المنهل العذب الروي (في ترجمة الإمام النووي).

وقد أوضح المؤلف في مقدمة كتابه منهجه في التراجم والتاريخ فقال : ” وَبعد فَهَذَا كتاب من أهم مَا بِهِ يعتني جمعت فِيهِ من عَلمته من أهل هَذَا الْقرن الَّذِي أَوله سنة إِحْدَى وَثَمَانمِائَة ختم بِالْحُسْنَى من سَائِر الْعلمَاء والقضاة والصلحاء والرواة والأدباء وَالشعرَاء وَالْخُلَفَاء والملوك والأمراء والمباشرين والوزراء مصريا كَانَ أَو شاميا حجازيا أَو يمنيا روميا أَو هنديا مشرقيا أَو مغربيا بل وَذكرت فِيهِ بعض الْمَذْكُورين بِفضل وَنَحْوه من أهل الذِّمَّة اكتفاءا فِي أَكْثَرهم بِمن أضفتهم إِلَيْهِ فِي عزوه لِأَنَّهُ اجْتمع لي من هُوَ الجم الْغَفِير وارتفع عني اللّبْس فِي جمهورهم إِلَّا الْيَسِير.

مُسْتَوْفيا من كَانَ مِنْهُم فِي مُعْجم شَيخنَا وأنبائه وتاريخي الْعَيْنِيّ والمقريزي سِيمَا فِي عقوده الَّتِي رتبها النَّجْم بن فَهد وَإِن لم ينهضها لاستيفائه إِلَى غَيرهَا من التواريخ كالذيل لحلب لِابْنِ خطيب الناصرية ولمسكة للنجم بن فَهد مَعَ أَصله للفاسي والطبقات والوفيات الْمُدَوَّنَة والتراجم كشيوخ ابْن فَهد التقى وَولده تَخْرِيجه وَغَيرهَا من المعاجم وَمَا علقته من مجاميع مفيدنا الزين رضوَان أَو رَأَيْته فِي استدعاآت ابْن شَيخنَا وَنَحْوه من الْأَعْيَان وَسَائِر من ضبطته مِمَّن أَخذ عَن شَيخنَا أَو عني أَو أخذت عَنهُ وَلَو لم يكن لَهُ كَبِير اعتنا وَرُبمَا أثبت من لَا يذكر لبَعض الْأَغْرَاض الَّتِي لَا يحسن مَعهَا الِاعْتِرَاض.

وألحقت فِي أَثْنَائِهِ كثيرا من الْمَوْجُودين انْتِفَاع من لَعَلَّه يسْأَل عَنْهُم من المستفيدين مَعَ غَلَبَة الظَّن الْغَنِيّ عَن التَّوْجِيه بِبَقَاء من شَاءَ الله مِنْهُم إِلَى الْقرن الَّذِي يَلِيهِ مُرَتبا لَهُ لتسهيل الْكَشْف على حُرُوف المعجم التَّرْتِيب الْمَعْهُود فِي الأسما والآباء والأنساب والجدود مبتدئا من الرِّجَال بالأسماء ثمَّ بالكنى ثمَّ بالأنساب والألقاب وَكَذَا المبهمات بعد الْأَبْنَاء مراعيا فِي التَّرْتِيب لذَلِك كُله حُرُوف الْكَلِمَة الْمَقْصُودَة بِحَيْثُ أبدأ فِي الْألف مثلا بِالْهَمْزَةِ الَّتِي بعْدهَا مُوَحدَة وَألف ثمَّ بِالَّتِي بعْدهَا رَاء على مَا ألف مردوفا ذَلِك بِالنسَاء كَذَلِك.

وكل مَا أطلقت فِيهِ شَيخنَا فمرادي بِهِ ابْن حجر أستاذنا وَكنت أردْت إيراد شَيْء مِمَّا لَعَلَّه يكون عِنْدِي من حَدِيث من شَاءَ الله من المترجمين فَخَشِيت التَّطْوِيل سِيمَا أَنحصل إيضاحه بالتبيين وَلذَا اقتصرت على الرضى والزكى والسراج والعضد والمحيوي مِمَّن يلقب رضى الدّين أَو زكى الدّين أَو سراج الدّين أَو عضد الدّين أَو محيي الدّين مِمَّن المُصَنّف عَلَيْهِ محتوى وأعرضت لذَلِك عَن الافصاح بالمعطوف عَلَيْهِ للْعلم بِهِ فأقتصر على قولي مَاتَ سنة ثَلَاث مثلا دون وَثَمَانمِائَة وثوقا بِأَنَّهُ لَيْسَ يشْتَبه.

ثمَّ ليعلم أَن الْأَغْرَاض فِي النَّاس مُخْتَلفَة والأعراض بِدُونِ التباس فِي الْمَحْظُور مؤتلفة ولكنني لم آل فِي التَّحَرِّي جهدا وَلَا عدلت عَن الِاعْتِدَال فِيمَا أَرْجُو قصدا وَلذَا لم يزل الأكابر يتلقون مَا أبديه بِالتَّسْلِيمِ ويتوقون الِاعْتِرَاض فضلا عَن الْأَعْرَاض عَمَّا ألقيه والتأثيم حَتَّى كَانَ الْعِزّ الْحَنْبَلِيّ والبرهان بن ظهيرة المعتلى يَقُولَانِ أَنَّك مَنْظُور إِلَيْك فِيمَا تَقول مسطور كلامك المنعش للعقول.

وَقَالَ غير وَاحِد مِمَّن يعْتد بِكَلَامِهِ وتمتد إِلَيْهِ الْأَعْنَاق فِي سَفَره ومقامه : من زكيته فَهُوَ الْمعدل وَمن مرضته فالضعيف الْمُعَلل إِلَى غَيرهَا من الْأَلْفَاظ الصادرة من الْأَئِمَّة الأيقاظ بل كَانَ بعض الْفُضَلَاء المعتبرين يُصَرح بتمني الْمَوْت فِي حَياتِي لأترجمه لَعَلَّه يخفي عَن كثيرين نعم قد يشك من يعلم أنني لَا أقيم لَهُ وزنا فيمرق بل يختلق مَا يضمحل فِي وقته حسا وَمعنى ويستفيد بِهِ التَّنْبِيه على نَفسه فَيتَحَقَّق مِنْهُ مَا كَانَ حَدثا وظنا.

وَالله أسأَل أَن يجنبنا الاعتساف المجانب للأنصاف وَأَن يرزقنا كلمة الْحق فِي السخط وَالرِّضَا ويصرفنا عَمَّا لَا يرتضي ويقينا شَرّ القضا ، وسميته الضَّوْء اللامع لأهل الْقرن التَّاسِع وَهُوَ مَعَ كتاب شَيخنَا وَمَا استدركته عَلَيْهِ فِي الْقرن الثَّامِن من تَفْوِيت أحد من أَعْيَان القرنين فِيمَا أَرْجُو نَفَعَنِي الله بِهِ وَالْمُسْلِمين “.

وقد ترجم لنفسه في الكتاب ترجمة طويلة ذكر فيها أسرته وتعليمه الأولي وشيوخه وتلمذته على يد ابن حجر العسقلاني ومناصبه ومؤلفاته ومنها قوله : ” مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن أبي بكر بن عُثْمَان بن مُحَمَّد الملقب شمس الدّين أَبُو الْخَيْر وَأَبُو عبد الله بن الزين أَو الْجلَال أبي الْفضل وَأبي مُحَمَّد السخاوي الأَصْل القاهري الشَّافِعِي المُصَنّف الْمَاضِي أَبوهُ وجده وَيعرف بالسخاوي.

وَرُبمَا يُقَال لَهُ ابْن الْبَارِد شهرة لجده بَين أنَاس مخصوصين وَلذَا لم يشْتَهر بهَا أَبوهُ بَين الْجُمْهُور وَلَا هُوَ بل يكرهها كَابْن عليبة وَابْن الملقن فِي الْكَرَاهَة وَلَا يذكرهُ بهَا إِلَّا من يحتقره ، لد فِي ربيع الأول سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَثَمَانمِائَة بحارة بهاء الدّين علو الدَّرْب المجاور لمدرسة شيخ الْإِسْلَام البُلْقِينِيّ مَحل أَبِيه وجده ثمَّ تحول مِنْهُ حِين دخل فِي الرَّابِعَة مَعَ أَبَوَيْهِ لملك اشْتَرَاهُ أَبوهُ مجاور لسكن شَيْخه ابْن حجر.

وَأدْخلهُ أَبوهُ الْمكتب بِالْقربِ من الميدان عِنْد الْمُؤَدب الشّرف عِيسَى بن أَحْمد المقسي النَّاسِخ فَأَقَامَ عِنْده يَسِيرا جدا ، ثمَّ نَقله لزوج أُخْته الْفَقِيه الصَّالح الْبَدْر حُسَيْن بن أَحْمد الْأَزْهَرِي أحد أَصْحَاب الْعَارِف بِاللَّه يُوسُف الصفي فَقَرَأَ عِنْده الْقُرْآن وَصلى بِهِ للنَّاس التَّرَاوِيح فِي رَمضًا بزاوية لأبي أمه الشَّيْخ شمس الدّين الْعَدوي الْمَالِكِي.

ثمَّ توجه بِهِ أَبوهُ لفقيهه المجاور لسكنه الشَّيْخ الْمُفِيد النفاع الْقدْوَة الشَّمْس مُحَمَّد بن أَحْمد النحريري الضَّرِير مؤدب الْبُرْهَان بن خضر والجلال بن الملقن وَابْن أَسد وَغَيرهم من الْأَئِمَّة وَأحد من علق شَيْخه فِي تَذكرته من نوادره وَسمع مِنْهُ الطّلبَة والفضلاء وَيعرف بالسعودي وَذَلِكَ حِين انْقِطَاعه بمنزله لضَعْفه فجوده عَلَيْهِ وانتفع بِهِ فِي آدَاب التجويد وَغَيرهَا وعلق عَنهُ فَوَائِد ونوادر وَقَرَأَ عَلَيْهِ حَدِيثا الْتحق فِي قِرَاءَته عَلَيْهِ بشيوخه ، وتلاه فِي غُضُون ذَلِك مرَارًا على مؤدبه بعد زوج عمته الْفَقِيه الشَّمْس مُحَمَّد بن عمر الطباخ أَبوهُ أحد قراء السَّبع هُوَ وَحفظ عِنْده بعض عُمْدَة الْأَحْكَام.

ثمَّ انْتقل بِإِشَارَة السعودي الْمَذْكُور للعلامة الشهَاب بن أَسد فأكمل عِنْده حفظهَا مَعَ حفظ التَّنْبِيه كتاب عَمه والمنهاج الْأَصْلِيّ وألفية ابْن مَالك والنخبة وتلا عَلَيْهِ لأبي عَمْرو ثمَّ لِابْنِ كثير وَسمع عَلَيْهِ غَيرهمَا من الرِّوَايَات إفرادا وجمعا وتدرب بِهِ فِي المطالعة وَالْقِرَاءَة وَصَارَ يُشَارك غَالب من يتَرَدَّد إِلَيْهِ للتفهم فِي الْفِقْه والعربة والقراآت وَغَيرهَا ، وَكلما انْتهى حفظه لكتاب عرضه على شُيُوخ عصره “.

ويذكر تلمذته لابن حجر فيقول :  ” سمع مَعَ وَالِده لَيْلًا الْكثير من الحَدِيث على شَيْخه إِمَام الْأَئِمَّة الشهَاب بن حجر فَكَانَ أول مَا وقف عَلَيْهِ من ذَلِك فِي سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وأوقع الله فِي قلبه محبته فلازم مَجْلِسه وعادت عَلَيْهِ بركته فِي هَذَا الشَّأْن الَّذِي باد جماله وحاد عَن السّنَن الْمُعْتَبر عماله فَأقبل عَلَيْهِ بكليته إقبالا يزِيد على الْوَصْف بِحَيْثُ تقلل مِمَّا عداهُ لقَوْل الْحَافِظ الْخَطِيب أَنه علم لَا يعلق إِلَّا بِمن قصر نَفسه عَلَيْهِ وَلم يضم غَيره من الْفُنُون إِلَيْهِ ، وَقَول إمامنا الشَّافِعِي لبَعض أَصْحَابه أَتُرِيدُ أَن تجمع بَين الْفِقْه والْحَدِيث هَيْهَات.

وتوجيه شَيخنَا تَقْدِيم شَيْخه لَهُ فِيهِ على وَلَده وَغَيره بِعَدَمِ التوغل فِيمَا عداهُ كتوجيهه لكثير مِمَّن وصف من أَئِمَّة المحديثن وحفاظهم وَغَيرهم باللحن بِأَن ذَلِك بِالنِّسْبَةِ للخليل وسيبويه وَنَحْوهمَا دون خلوهم أصلا مِنْهُ حَسْبَمَا بسط ذَلِك معنى وأدلة فِي عدَّة من تصانيفه وَلذَا توهم الغبي الْغمر مِمَّن لم يخالطه أَنه لَا يحسنها وَقَالَ الْعَارِف المخالط إِن من قصره على هَذَا الْعلم ظلمه.

وداوم الْمُلَازمَة لشيخه حَتَّى حمل عَنهُ علما جما اخْتصَّ بِهِ كثيرا بِحَيْثُ كَانَ من أَكثر الآخذين عَنهُ، وأعانه على ذَلِك قرب منزله مِنْهُ فَكَانَ لَا يفوتهُ مِمَّا يقْرَأ عَلَيْهِ إِلَّا النَّادِر إِمَّا لكَونه حمله أَو لِأَن غَيره أهم مِنْهُ وينفرد عَن سَائِر الْجَمَاعَة بأَشْيَاء. وَعلم شدَّة حرصه على ذَلِك فَكَانَ يُرْسل خَلفه أَحْيَانًا بعض خدمه لمنزله يَأْمُرهُ بالمجيء للْقِرَاءَة.

وَقَرَأَ عَلَيْهِ الِاصْطِلَاح بِتَمَامِهِ وَسمع عَلَيْهِ جلّ كتبه كالألفية وَشَرحهَا مرَارًا وعلوم الحَدِيث لِابْنِ الصّلاح إِلَّا الْيَسِير من أَوَائِله وَأكْثر تصانيفه فِي الرِّجَال وَغَيرهَا كالتقريب وَثَلَاثَة أَربَاع أَصله ومعظم تَعْجِيل الْمَنْفَعَة وَاللِّسَان بِتَمَامِهِ ومشتبه النِّسْبَة وَتَخْرِيج الرَّافِعِيّ وتلخيص مُسْند الفردوس والمقدمة وبذل الماعون ومناقب كل من الشَّافِعِي وَاللَّيْث وأماليه الحلبية والدمشقية وغالب فتح الْبَارِي وَتَخْرِيج المصابيح وَابْن الْحَاجِب الْأَصْلِيّ وَبَعض إتحاف المهرة وَتَعْلِيق التَّعْلِيق ومقدمة الْإِصَابَة وَجُمْلَة، وَفِي بعضه مَا سَمعه أَكثر من مرّة.

وَقَرَأَ بِنَفسِهِ مِنْهَا النخبة وَشَرحهَا وَالْأَرْبَعِينَ المتباينة والخصال المكفرة وَالْقَوْل المسدد وبلوغ المرام وَالْعشرَة العشاريات وَالْمِائَة والملحق بهَا لشيخه التنوخي وَالْكَلَام على حَدِيث أم رَافع وَمُلَخَّص مَا يُقَال فِي الصَّباح والمساء وديوان خطبه وديوان شعره وَأَشْيَاء يطول إيرادها وَسمع بسؤاله لَهُ من لَفظه أَشْيَاء كالعشرة العشاريات ومسلسلات الإبراهيمي خَارِجا عَمَّا كتبه عَنهُ فِي الْإِمْلَاء مَعَ الْجَمَاعَة من سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَإِلَى أَن مَاتَ وَأذن لَهُ فِي الإقراء والإفادة والتصنيف وَصلى بِهِ إِمَامًا التَّرَاوِيح فِي بعض ليَالِي رَمَضَان “.

وقد ذكره الشوكاني في كتابه البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع فقال : ” مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن أَبى بكر بن عُثْمَان بن مُحَمَّد شمس الدَّين السخاوي الأَصْل القاهرى الشافعى ، ولد فِي ربيع الأول سنة 831 إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وثمان مائَة وَحفظ كثيرا من المختصرات وَقَرَأَ على ابْن حضر وَالْجمال ابْن هِشَام الحنبلي وَصَالح البلقيني والشرف المناوي والشمني وَابْن الْهمام وَابْن حجر ولازمه وانتفع بِهِ وَتخرج بِهِ فِي الحَدِيث وَأَقْبل على هَذَا الشَّأْن بكليته وتدرب فِيهِ وَسمع العالي والنازل.

وَأخذ عَن مَشَايِخ عصره بِمصْر ونواحيها حَتَّى بلغُوا أَرْبَعمِائَة شيخ ثمَّ حج وَأخذ عَن مَشَايِخ مَكَّة وَالْمَدينَة ثمَّ عَاد إِلَى وَطنه وارتحل إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة والقدس والخليل ودمياط ودمشق وَسَائِر جِهَات الشَّام ومصر وبرع فِي هَذَا الشَّأْن وفَاق الأقران وَحفظ من الحَدِيث ماصار بِهِ متفردا عَن أهل عصره ثمَّ حج فِي سنة 870 هُوَ وَأَهله وَأَوْلَاده وجاور وانتفع بِهِ أهل الْحَرَمَيْنِ ثمَّ عَاد إِلَى الْقَاهِرَة وأملى الحَدِيث على مَا كَانَ عَلَيْهِ أكَابِر مشايخه ومشايخهم وانتفع النَّاس بِهِ ثمَّ حج مَرَّات وجاور مجاورات.

وَخرج لجَماعَة من شُيُوخه أَحَادِيث وَجمع كتابا فِي تراجم شُيُوخه فِي ثَلَاث مجلدات ، كَذَلِك والتذكرة فِي مجلدات وَتَخْرِيج أربعين النَّوَوِيّ فِي مُجَلد لطيف وتكملة تَخْرِيج ابْن حجر للأذكار وَتَخْرِيج أَحَادِيث العالين لأبى نعيم وَفتح المغيت بشرح ألفية الحَدِيث فِي مُجَلد ضخم وَشرح التَّقْرِيب للنووي فِي مُجَلد وبلوغ الأمل فِي تَلْخِيص كتاب الدارقطنى فِي الْعِلَل وَشرح الشَّمَائِل للترمذي فِي مُجَلد وَالْقَوْل الْمُفِيد فِي إيضاح شرح الْعُمْدَة لِابْنِ دَقِيق الْعِيد كتب مِنْهُ الْيَسِير من أَوله.

وَله ذيل على تَارِيخ المقريزى فِي الحواداث من سنة خمس وَأَرْبَعين وثمان مائَة إِلَى رَأس الْقرن التَّاسِع فِي ارْبَعْ مجلدات والضوء اللامع لأهل الْقرن التَّاسِع فِي ارْبَعْ مجلدات ، والذيل على تَارِيخ ابْن حجر لقضاة مصر فِي مُجَلد ، والذيل على طَبَقَات الْقُرَّاء لِابْنِ الجزرى ، والذيل على دوَل الْإِسْلَام للذهبى والوفيات لأهل الْقرن الثَّامِن وَالتَّاسِع فِي مجلدات سَمَّاهُ الشافي من الْأَلَم فِي وفيات الْأُمَم ومصنف فِي تَرْجَمَة النَّوَوِيّ ، وَآخر فِي تَرْجَمَة ابْن هِشَام وَآخر فِي تَرْجَمَة الْعَضُد ، وَآخر فِي تَرْجَمَة الْحَافِظ بن حجر ، وَآخر فِي تَرْجَمَة ابْن الْهمام ، وَآخر فِي تَرْجَمَة نَفسه والتاريخ الْمُحِيط فِي عدَّة مجلدات وَالْقَوْل المنبي فِي ذم ابْن عَرَبِيّ فِي مُجَلد.

وَقد أفرد عدَّة مسَائِل بالتصنيف وَقد ترْجم لنَفسِهِ تَرْجَمَة مُطَوَّلَة وَفِي مُصَنفه الضَّوْء اللامع وَعدد شُيُوخه مقرواته ومصنفاته وَمَا مدحه بِهِ جمَاعَة من شُيُوخه ، وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ من الْأَئِمَّة الأكابر حَتَّى قَالَ تِلْمِيذه الشَّيْخ جَار الله بن فَهد فِيمَا كتبه عقب تَرْجَمَة صَاحب التَّرْجَمَة لنَفسِهِ فِي الضَّوْء اللامع مانصه قَالَ تِلْمِيذه الشَّيْخ جَار الله بن فَهد المكي إن شَيخنَا صَاحب التَّرْجَمَة حقيق بِمَا ذكره لنَفسِهِ من الْأَوْصَاف الْحَسَنَة وَلَقَد وَالله الْعَظِيم لم أر فِي الْحفاظ الْمُتَأَخِّرين مثله.

وَيعلم ذَلِك كل من اطلع على مؤلفاته أَو شَاهده وَهُوَ عَارِف بفنه منصف فِي تراجمه ورحم الله جدي حَيْثُ قَالَ فِي تَرْجَمته إنه انْفَرد بفنه وطار اسْمه فِي الآفاق بِهِ وَكَثُرت مصنفاته فِيهِ وَفِي غَيره وَكثير مِنْهَا طَار شرقا وغربا شاما ويمنا وَلَا أعلم الْآن من يعرف عُلُوم الحَدِيث مثله وَلَا أَكثر تصنيفا وَلَا أحسن وَكَذَلِكَ أَخذهَا عَنهُ عُلَمَاء الْآفَاق من الْمَشَايِخ والطلبة والرفاق وَله الْيَد الطُّولى فِي الْمعرفَة بأسماء الرِّجَال وأحوال الروَاة وَالْجرْح وَالتَّعْدِيل وَإِلَيْهِ يشار فِي ذَلِك وَلَقَد قَالَ بعض الْعلمَاء لم يَأْتِ بعد الْحَافِظ الذهبى مثله سلك هَذَا الْمسك وَبعده مَاتَ فن الحَدِيث وأسف النَّاس على فَقده وَلم يخلف بعده مثله.

وَكَانَت وَفَاته فِي مجاورته الْأَخِيرَة بِالْمَدِينَةِ الشَّرِيفَة فِي عصر يَوْم الْأَحَد سادس عشر شعْبَان سنة 902 اثْنَتَيْنِ وَتِسْعمِائَة انْتهى مَا ذكره ابْن فَهد وَلَو لم يكن لصَاحب التَّرْجَمَة من التصانيف إلا الضَّوْء اللامع لَكَانَ أعظم دَلِيل على إمامته فَإِنَّهُ ترْجم فِيهِ أهل الديار الإسلامية وسرد فِي تَرْجَمَة كل أحد محفوظاته ومقرواته وشيوخه ومصنفاته وأحواله ومولده ووفاته على نمط حسن وأسلوب لطيف ينبهر لَهُ من لَدَيْهِ معرفَة بِهَذَا الشَّأْن ويتعجب من إحاطته بذلك وسعة دائرته فِي الِاطِّلَاع على أَحْوَال النَّاس فَإِنَّهُ قد لَا يعرف الرجل لَا سِيمَا فِي دِيَارنَا اليمنية جَمِيع مسموعات ابْنه أَو أَبِيه أَو أَخِيه فضلا عَن غير ذَلِك.

وَمن قرن هَذَا الْكتاب الذي جعله صَاحب التَّرْجَمَة لأهل الْقرن التَّاسِع بالدرر الكامنة لشيخه ابْن حجر فِي أهل الْمِائَة الثَّامِنَة عرف فضل مُصَنف صَاحب التَّرْجَمَة على مُصَنف شَيْخه بل وجد بَينهمَا من التَّفَاوُت مَا بَين الثرى والثريا وَلَعَلَّ الْعذر لِابْنِ حجر فِي تَقْصِيره عَن تِلْمِيذه فِي هَذَا أَنه لم يَعش فِي الْمِائَة الثَّامِنَة الا سبع وَعشْرين سنة بِخِلَاف صَاحب التَّرْجَمَة فَإِنَّهُ عَاشَ فِي الْمِائَة التَّاسِعَة تسع وَسِتِّينَ سنة فَهُوَ مشَاهد لغالب أَهله وَابْن حجر لم يُشَاهد غَالب أهل الْقرن الثَّامِن.

ثمَّ إن صَاحب التَّرْجَمَة لم يتَقَيَّد فِي كِتَابه بِمن مَاتَ فِي الْقرن التَّاسِع بل ترْجم لجَمِيع من وجد فِيهِ مِمَّن عَاشَ إِلَى الْقرن الْعَاشِر وَابْن حجر لم يترجم فِي الدُّرَر إلا لمن مَاتَ فِي الْقرن الثَّامِن وليت أن صَاحب التَّرْجَمَة صان ذَلِك الْكتاب الْفَائِق عَن الوقيعة فِي أكَابِر الْعلمَاء من أقرانه وَلَكِن رُبمَا كَانَ لَهُ مقصد صَالح وَقد غلبت عَلَيْهِ محبَّة شَيْخه الْحَافِظ ابْن حجر فَصَارَ لَا يخرج عَن غَالب أقواله كَمَا غلبت على ابْن الْقيم محبَّة شَيْخه ابْن تَيْمِية وعَلى الهيثمي محبَّة شَيْخه العراقي “.

43 / حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة

عمدة المؤلفين في العصور الإسلامية وصاحب لقب (ابن الكتب) هو العلامة المحقق جلال الدين عبد الرحمن بن الكمال أبي بكر بن محمد بن سابق الدين بن الفخر عثمان بن ناظر الدين محمد بن سيف الدين خضر بن نجم الدين أبي الصلاح أيوب بن ناصر الدين محمد بن الشيخ همام الدين الهمام الخضيري الأسيوطي ، ولد في القاهرة عام 849 هـ / 1445 م وتوفي بها عام 911 هـ / 1505 م ودفن بالقرافة الصغرى.

جده الأعلى هو المتصوف الشيخ همام الدين الخضيري الأنصاري الذي رحلت ذريته من محلة الخضيرية بالعراق بعد الحروب المغولية وسكنت مدينة أسيوط بالصعيد ، وكان السيوطي محل العناية والرعاية من عدد من العلماء من رفاق أبيه ، وتولى بعضهم أمر الوصاية عليه ومنهم الكمال بن الهمام الحنفي فقيه عصره وتأثر به كثيرا خاصة في ابتعاده عن السلاطين والأمراء.

رحل إلى بلاد كثيرة لطلب العلم وانكب على التأليف ويحكي هو عن ذلك في مقدمة كتابه حسن المحاضرة فيقول (وشرعت في التصنيف في سنة ست وستين ، وسافرت بحمد الله تعالى إلى بلاد الشام والحجاز واليمن والهند والمغرب والتكرور ، ولما حججت شربت من ماء زمزم لأمور ، منها أن أصل في الفقه إلى رتبة الشيخ سراج الدين البلقيني وفي الحديث إلى رتبة الحافظ ابن حجر) .

عُيّن في أول الأمر مدرسًا للفقه بالمدرسة الشيخونية مثل أبيه ثم جلس لإملاء الحديث والإفتاء بجامع ابن طولون ثم تولى مشيخة الخانقاه البيبرسية حيث نشب خلاف بينه وبين بعض المتصوفة أدى إلى اتخاذه قرارا باعتزال العمل والتفرغ للكتابة والبحث وهو في عمر الأربعين ، وقضى عشرين عاما في اعتكاف تام وعزلة فأنتج عددا ضخما من المؤلفات في مختلف الآداب والعلوم.

ومن أهم مؤلفاته الإتقان في علوم القرآن والأشباه والنظائر في الفقه وتاريخ الخلفاء والحاوي للفتاوي ولباب النقول في أسباب النزول وألفية السيوطي والمزهر في علوم اللغة وأنواعها وطبقات الحفاظ وطبقات المفسرين والجامع الكبير ودر السحابة فيمن دخل مصر من الصحابة والازدهار في ما عقده الشعراء من الأحاديث والآثار كما أكمل تفسير شيخه جلال الدين المحلي والمعروف بتفسير الجلالين .

ومن أهم مؤلفاته في التاريخ كتاب حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة والي استهله بمقدمة جاء فيها : ” بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا دائمًا أبدًا ، قال الشيخ الإمام العالم العلامة وحيد دهره وفريد عصره المحقق جلال الدين السيوطي تغمده الله برحمته وأسكنه فسيح جنته آمين.

الحمد لله الذي فاوت بين العباد وفضل بعض خلقه على بعض حتى في الأمكنة والبلاد والصلاة والسلام على سيدنا محمد أفصح من نطق بالضاد وعلى آله وصحبه السادة الأمجاد ، هذا كتاب سميته حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة ، وأوردت فيه فوائد سنية وغرائب مستعذبة مرضية تصلح لمسامرة الجليس وتكون للوحدة نعم الأنيس وفقنا الله لما يحبه ويرضاه وجعلنا ممن يحمد قصده ولا يخيب مسعاه بمنه وكرمه.

وقد طالعت على هذا الكتاب كتبًا شتى ، منها فتوح مصر لابن عبد الحكم وفضائل مصر لأبي عمر الكندي وتاريخ مصر لابن زولاق والخطط للقضاعي وتاريخ مصر لابن ميسر وإيقاظ المتغفل وإيعاظ المتأمل لتاج الدين محمد بن عبد الوهاب بن المتوج الزبيري والخطط للمقريزي والمسالك لابن فضل الله ومختصره للشيخ تقي الدين الكرماني ومباهج الفكر ومناهج العبر لمحمد بن عبد الله الأنصاري وعنوان السير لمحمد بن عبد الملك الهمذني وتاريخ الصحابة الذين نزلوا مصر لمحمد بن الربيع الجيزي والتجريد في الصحابة للذهبي.

والإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر ورجال الكتب العشرة للحسيني وطبقات الحفاظ للذهبي وطبقات القراء له وطبقات الشافعية للسبكي وطبقات الحفاظ للذهبي وطبقات القراء له وطبقات الشافعية للسبكي وللإسنوي وطبقات المالكية لابن فرحون وطبقات الحنفية لابن دُقماق ومرآة الزمان لسبط ابن الجوزي وتاريخ الإسلام للذهبي والعبر له والبداية والنهاية لابن كثير وإنباء الغمر بأنباء العمر لابن حجر والطالع السعيد في أخبار الصعيد للأدفوي وسجع الهديل في أخبار النيل لأحمد بن يوسف التيفاشي والسكردان لابن أبي حجلة وثمار الأوراق لابن حجة “.

وهو كتاب قيم يتناول جغرافية مصر وتاريخها ومن دخلها من الصحابة ومشاهير التابعين وكل من الأئمة المجتهدين وحفاظ الحديث والمحدثين والفقهاء الشافعية والمالكية والحنفية والحنابلة وأئمة القراءات والزهاد والصوفية وعلماء النحو واللغة والأطباء والفلاسفة والوعاظ والمؤرخين والأدباء والشعراء والقضاة والأمراء والخلفاء والسلاطين ، وأتبع ذلك بذكر الجوامع والمدارس والآثار النبوية وفصلا كاملا عن نهر النيل والنباتات التي تزرع في مصر وما قيل فيها من الأشعار.

وحرص المؤلف في الكتاب على ترجمة والده فقال : ” هو الإمام العلامة كمال الدين أبو المناقب أبو بكر بن محمد بن سابق الدين أبى بكر الخضيرى السيوطى ، ولد رحمه الله بأسيوط بعد ثمانمائة تقريبا ، واشتغل ببلده ، وتولّى بها القضاء قبل قدومه إلى القاهرة ، ثم قدمها فلازم العلامة القاياتى ، وأخذ عنه الكثير من الفقه والأصول والكلام والنحو والإعراب والمعانى والمنطق ، وإجازة بالتدريس فى سنة تسع وعشرين ، وأخذ عن الشيخ باكير ، وعن الحافظ ابن حجر علم الحديث ، وسمع عليه حديث مسلم إلا فوتا ، مضبوطا بخط الشيخ برهان الدين بن خضر سنة سبع وعشرين.

وقرأ القراءات على الشيخ محمد الجيلانى ، وأخذ أيضا عن الشيخ عز الدين القدسى وجماعة ، وأتقن علوما جمة ، وبرع فى كل فنونه ، وكتب الخط المنسوب ، وبلغ فى صناعة التوقيع النهاية ، وأقرّ له كل من رآه بالبراعة فى الإنشاء ، وأذعن له فيه أهل عصره كافة ، وأفتى ودرّس سنين كثيرة ، وناب فى الحكم بالقاهرة عن جماعة بسيرة حميدة وعفة ونزاهة ، وولى درس الفقه بالجامع الشيخونى ، وخطب بالجامع الطولونى.

وكان يخطب من إنشائه ، بل كان شيخنا قاضى القضاة شرف الدين المناوى فى أوقات الحوادث يسأله فى إنشاء خطبة تليق بذلك ليخطب بها فى القلعة. وأمّ بالخليفة المستكفى بالله ، وكان يجله إلى الغاية ويعظمه ، ولم يكن يتردّد إلى أحد من الأكابر غيره.

وأخبرنى بعض القضاة أن الوالد دار يوما على الأكابر ليهنئهم بالشهر ، فرجع آخر النهار عطشان فقال له : قد درنا فى هذا اليوم ولم تحصل لنا شربة ماء ، ولو ضيعنا هذا الوقت فى العبادة لحصل خير كثير أو ما هذا معناه ، ولم يهنئ أحدا بعد ذلك اليوم بشهر ولا غيره ، وعين مرة لقضاء مكة فلم يتفق له.

وكان على جانب عظيم من الدين والتحرى فى الأحكام وعزة النفس والصيانة ، يغلب عليه حب الانفراد وعدم الاجتماع بالناس ، صبورا على كثرة أذاهم ، مواظبا على قراءة القرآن، يختم كل جمعة ختمة ، ولم أعرف من أحواله شيئا بالمشاهدة إلا هذا.

وله من التصانيف حاشية على شرح الألفية لابن المصنف ، وصل فيها إلى أثناء الإضافة ، وحاشية على شرح العضد كتب منها يسيرا ، ورسالة على إعراب قول المنهاج ، وما ضبب بذهب أو فضة ضبة كبيرة، وأجوبة اعتراضات ابن المقرى على الحاوى ، وله كتاب فى التصريف ، وآخر فى التوقيع ، وهذان لم أقف عليهما.

توفى شهيدا بذات الجنب وقت أذان العشاء ، ليلة الاثنين من صفر سنة خمس وخمسين وثمانمائة ، وتقدم فى الصلاة عليه قاضى القضاة شرف الدين المناوى ، وذكر لى بعض الثقات أنه قيل له وهو ينتظر الصلاة عليه لم يبق هنا مثله ، فقال : لا هنا ولا هناك ، يشير إلى المدينة ، ودفن فى القرافة قريبا من الشمس الأصفهانى.

ولصاحبنا الشيخ شهاب الدين المنصورى فيه أبيات يرثيه بها وهى : مات الكمال فقالوا ولّى الحجا والجلال .. فللعيون بكاء وللدموع انهمال .. وفى فؤادى حزنولوعة لا تزال .. لله علم وحلموارته تلك الرمال .. بكى الرشاد عليه دما وسرّ الضّلال .. قد لاح فى الخير نقص لما مضى واختلال .. وكيف لم ترنقصا وقد تولّى الكمال .. علومه راسخات تزول منها الجبال .. بقبره والعلم ثاو والفضل والأفضال “.

وترجم لنفسه في فصل خاص فقال : ” ترجمة مؤلف هذا الكتاب عبد الرحمن بن الكمال أبي بكر بن محمد بن سابق الدين بن الفخر عثمان بن ناظر الدين محمد بن سيف الدين خضر بن نجم الدين أبي الصلاح أيوب بن ناصر الدين محمد بن الشيخ همام الدين الهمام الخضيري الأسيوطي.

وإنما ذكرت ترجمتي في هذا الكتاب اقتداء بالمحدثين قبلي ، فقل أن ألف أحد منهم تاريخا إلا وذكر ترجمته فيه وممن وقع له ذلك الإمام عبد الغافر الفارسي في تاريخ نيسابور وياقوت الحموي في معجم الأدباء ولسان الدين بن الخطيب في تاريخ غرناطة والحافظ تقي الدين الفارسي في تاريخ مكة والحافظ أبو الفضل بن حجر في قضاة مصر وأبو شامة في الروضتين وهو أروعهم وأزهدهم.

فأقول : أما جدي الأعلى همام الدين فكان من أهل الحقيقة ومن مشايخ الطريق وسيأتي ذكره في قسم الصوفية ، ومن دونه كانوا من أهل الوجاهة والرياسة منهم من ولي الحكم ببلده ومنهم من ولي الحسبة بها ومنهم من كان تاجرا في صحبة الأمير شيخون وبنى مدرسة بأسيوط ووقف عليها أوقافا ومنهم من كان متمولا، ولا أعرف منهم من خدم العلم حق الخدمة إلا والدي وسيأتي ذكره في قسم الفقهاء الشافعية.

وأما نسبتنا بالخضيري فلا أعلم ما تكون إليه هذه النسبة إلا بالخضيرية، محلة ببغداد وقد حدثني من أثق به أنه سمع والدي رحمه الله تعالى يذكر أن جده الأعلى كان أعجميا أو من الشرق فالظاهر أن النسبة إلى المحلة المذكورة وكان مولدي بعد المغرب ليلة الأحد مستهل رجب سنة تسع وأربعين وثمانمائة.

وحملت في حياة أبي إلى الشيخ محمد المجذوب رجل كان من كبار الأولياء بجوار المشهد النفيسي فبارك علي ونشأت يتيما فحفظت القرآن ولي دون ثماني سنين ثم حفظت العمدة ومنهاج الفقه والأصول وألفية ابن مالك وشرعت في الاشتغال بالعلم من مستهل سنة أربع وستين فأخذت الفقه والنحو عن جماعة من الشيوخ وأخذت الفرائض عن العلامة فرضي زمانه الشيخ شهاب الدين الشارمساحي الذي كان يقال إنه بلغ السن العالية وجاوز المائة بكثير والله أعلم بذلك قرأت عليه في شرحه على المجموع وأُجِزتُ بتدريس العربية في مستهل سنة ست وستين.

وقد ألفت في هذه السنة ، فكان أول شيء ألفته الاستعاذة والبسملة وأوقفت عليه شيخنا شيخ الإسلام علم الدين البلقيني فكتب عليه تقريظا ولازمته في الفقه إلى أن مات فلازمت ولده فقرأت عليه من أول التدريب لوالده إلى الوكالة وسمعت عليه من أول الحاوي الصغير إلى العدد ومن أول المنهاج إلى الزكاة ومن أول التنبيه إلى قريب من باب الزكاة وقطعة من الروضة من باب القضاء وقطعة من تكملة شرح المنهاج للزركشي ومن إحياء الموات إلى الوصايا أو نحوها وأجازني بالتدريس والإفتاء من سنة ست وسبعين وحضر تصديري.

فلما توفي سنة ثمان وسبعين لزمت شيخ الإسلام شرف الدين المناوي فقرأت عليه قطعة من المنهاج وسمعته عليه في التقسيم إلا مجالس فاتتني وسمعت دروسا من شرح البهجة ومن حاشية عليها ومن تفسير البيضاوي.

ولزمت في الحديث والعربية شيخنا الإمام العلامة تقي الدين الشبلي الحنفي فواظبته أربع سنين وكتب لي تقريظا على شرح ألفية ابن مالك وعلى جمع الجوامع في العربية تأليفي وشهد لي غير مرة بالتقدم في العلوم بلسانه وبنانه ورجع إلى قولي مجردا في حديث ، فإنه أورد في حاشيته على الشفاء حديث أبي الجمرا في الإسرا وعزاه إلى تخريج ابن ماجه فاحتجت إلى إيراده بسنده فكشفت ابن ماجه في مظنته فلم أجده فمررت على الكتاب كله فلم أجده فاتهمت نظري فمررت مرة ثانية فلم أجده فعدت ثالثة فلم اجده ورأيته في معجم الصحابة لابن قانع ، فجئت إلى الشيخ وأخبرته فبمجرد ما سمع مني ذلك أخذ نسخته وأخذ القلم فضرب على لفظ ابن ماجه وألحق ابن قانع في الحاشية فأعظمت ذلك وهبته لعظم منزلة الشيخ في قلبي واحتقاري في نفسي فقلت : ألا تصبرون لعلكم تراجعون ! فقال : لا إنما قلدت في قولي ابن ماجه البرهان الحلبي ، ولم أنفك عن الشيخ إلى أن مات.

ولزمت شيخنا العلامة أستاذ الوجود محيي الدين الكافيجي أربع عشرة سنة فأخذت عنه الفنون من التفسير والأصول والعربية والمعاني وغير ذلك وكتب لي إجازة عظيمة ، وحضرت عند الشيخ سيف الدين الحنفي دروسا عديدة في الكشاف والتوضيح وحاشيته عليه وتلخيص المفتاح والعضد.

وشرعت في التصنيف في سنة ست وستين وبلغت مؤلفاتي إلى الآن ثلاثمائة كتاب سوى ما غسلته ورجعت عنه ، وسافرت بحمد الله تعالى إلى بلاد الشام والحجاز واليمن والهند والمغرب والتكرور ، ولما حججت شربت من ماء زمزم، لأمور منها أن أصل في الفقه إلى رتبة الشيخ سراج الدين البلقيني وفي الحديث إلى رتبة الحافظ ابن حجر.

وأفتيت من مستهل سنة إحدى وسبعين ، وعقدت إملاء الحديث من مستهل سنة اثنتين وسبعين ، ورزقت التبحر في سبعة علوم : التفسير ، والحديث ، والفقه ، والنحو ، والمعاني ، والبيان ، والبديع على طريقة العرب والبلغاء لا على طريقة العجم وأهل الفلسفة.

والذي أعتقده أن الذي وصلت إليه من هذه العلوم السبعة سوى الفقه والنقول التي اطلعت عليها فيها لم يصل إليه ولا وقف عليه أحد من أشياخي فضلا عمن هو دونهم ، وأما الفقه فلا أقول ذلك فيه بل شيخي فيه أوسع نظرا وأطول باعا ، ودون هذه السبعة في المعرفة : أصول الفقه والجدل والتصريف ، ودونها الإنشاء والتوسل والفرائض ، ودونها القراءات ، ولم آخذها عن شيخ ، ودونها الطب ، وأما علم الحساب فهو أعسر شيء علي وأبعده عن ذهني وإذا نظرت في مسألة تتعلق به فكأنما أحاول جبلًا أحمله.

وقد كملت عندي الآن آلات الجهاد بحمد الله تعالى ، أقول ذلك تحدثًا بنعمة الله تعالى لا فخرًا وأي شيء في الدنيا حتى يطلب تحصيلها بالفخر وقد أزف الرحيل وبدا الشيب، وذهب أطيب العمر ! ولو شئت أن أكتب في كل مسألة مصنفًا بأقوالها وأدلتها النقلية والقياسية ومداركها ونقوضها وأجوبتها والموازنة بين اختلاف المذاهب فيها لقدرت على ذلك من فضل الله لا بحولي ولا بقوتي فلا حول ولا قوة إلا بالله ما شاء الله لا قوة إلا بالله.

وقد كنت في مبادئ الطلب قرأت شيئًا في علم المنطق ثم ألق الله كراهته في قلبي ، وسمعت أن أبي الصلاح أفتى بتحريمه فتركته لذلك فعوضني الله تعالى عنه علم الحديث الذي هو أشرف العلوم ، وأما مشايخي في الرواية سماعًا وإجازة فكثير أوردتهم في المعجم الذي جمعتهم فيه وعدتهم نحو مائة وخمسين ولم أكثر من سماع الرواية لاشتغالي بما هو أهم وهو قراءة الدراية ” ، ثم أعقب ذلك بذكر كافة مؤلفاته في قائمة طويلة.

وقد ذكره محي الدين عبد القادر بن شيخ بن عبد الله العيدروس في كتابه النور السافر عن أخبار القرن العاشر فقال : ” وَفِي يَوْم الْجُمُعَة وَقت الْعَصْر تَاسِع عشر جُمَادَى الأولى سنة إِحْدَى عشرَة توفّي الشَّيْخ الْعَلامَة الْحَافِظ أَبُو الْفضل جلال الدّين عبد الرَّحْمَن أبن كَمَال الدّين أَبُو بكر بن عُثْمَان بن مُحَمَّد بن خضر بن أَيُّوب بن مُحَمَّد ابْن الشَّيْخ الْهمام الخضيري السُّيُوطِيّ الْمصْرِيّ الشَّافِعِي.

وَصلي عَلَيْهِ بِجَامِع الأفاريقي تَحت القلعة وَدفن بشرقي بَاب القرافة وَمرض ثَلَاثَة أَيَّام والخضيري نِسْبَة إِلَى محلّة الخضيرية بِبَغْدَاد وَوجد بِخَطِّهِ رَحمَه الله أَنه سمع مِمَّن يَثِق بِهِ أَنه سمع وَالِده يذكر أَن جده الْأَعْلَى كَانَ أعجمياً أَو من الْمشرق فَلَا يبعد أَن النِّسْبَة إِلَى الْمحلة الْمَذْكُورَة وَأمه أم ولد تركية.

وَكَانَ مولده بعد الْمغرب لَيْلَة الْأَحَد مستهل رَجَب سنة تسع وَأَرْبَعين وَثَمَانمِائَة بِالْقَاهِرَةِ وَكَانَ يلقب بِابْن الْكتب لِأَن أَبَاهُ كَانَ من أهل الْعلم وَاحْتَاجَ إِلَى مطالعة كتاب فَأمر أمه أَن تَأتيه بِالْكتاب من بَين كتبه فَذَهَبت لتأتي بِهِ فَجَاءَهَا الْمَخَاض وَهِي بَين الْكتب فَوَضَعته.

ثمَّ سَمَّاهُ وَالِده بعد الْأُسْبُوع عبد الرَّحْمَن ولقبه جلال الدّين وكناه شَيْخه قَاضِي الْقُضَاة عز الدّين أَحْمد بن إِبْرَاهِيم الْكِنَانِي لما عرض عَلَيْهِ وَقَالَ لَهُ مَا كنيتك فَقَالَ لَا كنيه لي فَقَالَ أَبُو الْفضل وَكتبه بِخَطِّهِ وَتُوفِّي وَالِده لَيْلَة الأثنين خَامِس صفر سنة خمس وَسِتِّينَ وَثَمَانمِائَة وَجعل الشَّيْخ جمال كَمَال الدّين ابْن الْهمام وَصِيّا عَلَيْهِ فلحظه بنظره ودعايته.

وَختم الْقُرْآن وسنه دون ثَمَان سِنِين ثمَّ حفظ عُمْدَة الْأَحْكَام ومنهاج النَّوَوِيّ والفية ابْن مَالك ومنهاج الْبَيْضَاوِيّ وعرضها وَهُوَ دون الْبلُوغ على مَشَايِخ عصره واحضره وَالِده وعمره ثَلَاث سِنِين مجْلِس شيخ الْإِسْلَام ابْن حجر مرّة وَاحِدَة وَحضر وَهُوَ صَغِير مجْلِس الشَّيْخ الْمُحدث زين الدّين رضوَان الْعُتْبِي ودرس الشَّيْخ سراج الدّين عمر الوردي.

ثمَّ اشْتغل بِالْعلمِ على عدَّة مَشَايِخ وَحج سنة تسعٍ وَسِتِّينَ وَثَمَانمِائَة وَشرب من مَاء زَمْزَم لأمور منها أَن يصل فِي الْفِقْه إِلَى رُتْبَة الشَّيْخ سراج الدّين البُلْقِينِيّ وَفِي الحَدِيث إِلَى رُتْبَة الْحَافِظ ابْن حجر ووصلت مصنفاته نَحْو الستمائة مصنفاً سوى مَا رَجَعَ عَنهُ وغسله وَولي المشيخة فِي مَوَاضِع مُتعَدِّدَة من الْقَاهِرَة ثمَّ أَنه زهد فِي جَمِيع ذَلِك وَانْقطع إِلَى الله بالروضة وَكَانَت لَهُ كرامات وَعظم غالبها بعد وَفَاته.

وَحكى الشَّيْخ الْعَلامَة زَكَرِيَّا بن الشَّيْخ الْعَلامَة مُحَمَّد الْمحلي الشَّافِعِي انه عرض لَهُ مُهِمّ فِي بعض أوقاته قَالَ فَسَأَلته أَن يكْتب إِلَى بعض تلامذته بِالْوَصِيَّةِ عَليّ فَامْتنعَ وأطلعني على ورقة بِخَطِّهِ وفيهَا أَنه اجْتمع بِالنَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الْيَقَظَة مَرَّات تزيد على سبعين مرّة وَقَالَ لَهُ كلَاما حَاصله أَن من كَانَ بِهَذِهِ المثابة لَا يحْتَاج إِلَى مدد وأعانه من أحد رَحمَه الله.

وَحكي عَنهُ أَنه قَالَ رَأَيْت فِي الْمَنَام كَأَنِّي بَين يَدي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَذكرت لَهُ كتابا شرعت فِي تأليفه فِي الحَدِيث وَهُوَ جمع الْجَوَامِع فَقلت لَهُ أَقرَأ عَلَيْكُم شَيْئا مِنْهُ فَقَالَ لي هَات يَا شيخ الحَدِيث قَالَ هَذِه الْبُشْرَى عِنْدِي أعظم من الدُّنْيَا بحذافيرها.

وَمن تصانيفه الدّرّ المنثور فِي التَّفْسِير بالمأثور اثْنَي عشر مجلداً وتناسق الدّرّ فِي تناسب السُّور وحاشية على الْبَيْضَاوِيّ الى الأسراء والأزهار الفائحة على الْفَاتِحَة والمعاني الدقيقة فِي إِدْرَاك الْحَقِيقَة واتمام النِّعْمَة فِي اخْتِصَاص الْإِسْلَام بِهَذِهِ الْأمة والديباج على صَحِيح مُسلم ابْن الْحجَّاج وكشف الغطا فِي شرح الموطا وتنوير الحوالك على موطأ مَالك والبدور السافرة عَن أُمُور الْآخِرَة ونتيجة الْفِكر فِي الْجَهْر بِالذكر وتزيين الآرائك فِي إرْسَاله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى الملائك ومسالك الحنفا فِي إِسْلَام وَالِدي الْمُصْطَفى.

وَنشر العلمين المنيفين فِي إحْيَاء الْأَبَوَيْنِ الشريفين وذم الْقَضَاء وذم زِيَارَة الْأُمَرَاء والتنفيس عَن ترك الافتاء والتدريس وَالْأَحَادِيث الحسان فِي فضل الطيلسان وطي اللِّسَان عَن ذمّ الطيلسان والتضلع فِي معنى المتقنع وَعين الأصابة فِي مَا استدركته عَائِشَة على الصَّحَابَة والاحتفال بالأطفال وَمَا رَوَاهُ الأساطين فِي عدم الْمَجِيء إِلَى السلاطين والأوج فِي خبر عوج والوديك فِي الديك والطرثوث فِي فَوَائِد البرغوث.

وَله مُخْتَصر نِهَايَة ابْن الْأَثِير والينبوع فِيمَا زَاد على الرَّوْضَة من الْفُرُوع ومختصر الْخَادِم ومختصر الْأَحْكَام السُّلْطَانِيَّة وَشرح الرَّوْض لِابْنِ الْمقري وَشرح التَّنْبِيه مُخْتَصر والبهجة المرضية فِي شرح الألفية ممزوج والمسائل الوفية فِي نكت الحاجبتين والألفية على منوال التَّحْرِير للشَّيْخ ولي الدّين الْعِرَاقِيّ على الْكتب الثَّلَاثَة فِي الْفِقْه جَامع لكل مَا يرد على عبارتها وَمَا ناقضوه فِي غَيرهَا من مصنفاتهم مَعَ مَا أمكن من الْجَواب.

وَمن تصانيفه السَّيْف الصَّقِيل فِي نكت شرح الألفية لِابْنِ عقيل وَالْفَتْح الْقَرِيب على مغنى اللبيب وَجمع الْجَوَامِع فِي الْعَرَبيَّة وَشَرحه همع الهوامع والمرقاة الْعلية فِي شرح الْأَسْمَاء النَّبَوِيَّة وَشرح الشاطبية ممزوج ونظم جمع الْجَوَامِع فِي الْأُصُول وَشَرحه والطب النَّبَوِيّ وطبقات الْحفاظ وطبقات الشَّافِعِيَّة وطبقات النُّحَاة وأنموذج اللبيب فِي خَصَائِص الحبيب والحجج المبينة فِي التَّفْضِيل بَين مَكَّة وَالْمَدينَة والإكليل فِي استنباط التَّنْزِيل وَفتح الآله فِي التَّفْصِيل بَين الطّواف وَالصَّلَاة والبارع فِي اقطاع الشَّارِع وكشف الصبابة فِي مَسْأَلَة الِاسْتِنَابَة.

وَحسن الْمَقْصد فِي عمل المولد وتشنيف الْأَركان فِي لَيْسَ فِي الامكان ابدع مِمَّا كَانَ وفجر الدياجي فِي الأحاجي ونزهة الجلساء فِي أشعار النِّسَاء وَشرح الصُّدُور بشرح أَحْوَال الْقُبُور وَله تَعْلِيق لطيف على البُخَارِيّ وَله غير ذَلِك لَكِن كثيرا من مؤلفاته هَذِه الْمَذْكُورَة صَغِيرَة وَبَعضهَا فِي كراس وكراسين.

وَمن شعره مضمناً لمصراع من الْبردَة وَهُوَ مِمَّا كتب بِهِ إِلَى الْحَافِظ السخاوي متحاملا ومعرضا بِهِ : قل السخاوي أَن تعروك مشكلة .. علمي كبحر من الأمواج ملتطم .. والحافظ الديمي غيث الزَّمَان فَخذ .. غرفاً من الْبَحْر أورشفا من الديم.

قَالَ بعض الْفُضَلَاء وَالْحق إِن كلا من الثَّلَاثَة كَانَ فَردا فِي فنه مَعَ الْمُشَاركَة فِي غَيره فالسخاوي تفرد بِمَعْرِفَة علل الحَدِيث والديمي بأسماء الرِّجَال والسيوطي بِحِفْظ الْمَتْن وَالله أعلم وَكَانَ بَينه وَبَين الْحَافِظ السخاوي منافرة كَمَا يكون بَين الأكابر.

ذكر الْجلَال السُّيُوطِيّ فِي المقامة السندسية لَهُ عِنْد الْكَلَام على أَحيَاء أَبَوي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ وَهل تستبعد على من انجى الله بِهِ الثقلَيْن أَن يُنجي بِهِ الْأَبَوَيْنِ فَإِن استبعد هُوَ ذَلِك فَلَيْسَتْ الشدَّة عِنْدِي بأرجح من الرخَاء وَأَن استكثر ذَلِك فانه لبخيل حَيْثُ شح لأجمل الْأَمريْنِ وَهُوَ السخاء : (شعر) شيخ السخاوي بالانجاء يذكرهُ .. عَن وَالِدي سيد الْأَبْنَاء والأمم .. إِن عز إِن يبلغ الْبَحْر الخضم روى .. بالتيه يَسْتَقِي من وابل الديم.

وَله أَيْضا : فِيمَا يسن قبُوله من الْأَشْيَاء .. عَن الْمُصْطَفى سبع يسن قبُولهَا .. إِذا مَا بهَا قد أتحف الْمَرْء خلان .. فحلو وألبان ودهن وسَادَة .. ورزق لمحتاج وَطيب وَرَيْحَان ، وَله أَيْضا فِي من كَانَ يُفْتِي من الصَّحَابَة زمن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم : وَقد كَانَ فِي عصر النَّبِي جمَاعَة .. يقومُونَ بالإفتاء قومة قَانِت .. فَأَرْبَعَة أهل الْخلَافَة مِنْهُم .. معَاذ أبي وَابْن عَوْف ابْن ثَابت.

وأسيوط مَدِينَة فِي غربي النّيل من نواحي الصَّعِيد فِي مستوى كَثِيرَة الْخيرَات أعجوبة المنتزهات وعجائب عماراتها وسورها مِمَّا لَا يذكر وَلما صورت الدُّنْيَا للرشيد لم يستحسن غير كورة أسيوط لِكَثْرَة مَا بهَا من الْخيرَات والمنتزهات وَمن عجائبها أَن بهَا يكش ألف فدان ينشر مَاؤُهَا فِي جَمِيعهَا لِاسْتِوَاء سطح أرْضهَا ويسير المَاء فِي أقطارها ، قَالَه الْقزْوِينِي “. 

44 / وفاء الوفا

أخر من دخل الحجرة النبوية الشريفة ورأى موضع قبر النبي صلى الله عليه وسلم على حاله الأول عيانا بيانا هو المؤرخ نور الدين السمهودي المصري الذي كان مجاورا وقتها بالحرمين الشريفين وذلك في عام 878 هـ في عهد السلطان الأشرف قايتباي ، وكان ذلك بمناسبة ترميم الجدران الداخلية للحجرة النبوية والتي تشققت وتصدعت ومالت على الجدارن الخارجية مما استدعى القيام بعملية ترميم شاملة حيث أغلقت بعدها الحجرة حتى يومنا هذا ، وقد ذكر السمهودي ذلك في كتابه (وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى).

والمؤلف هو المؤرخ نور الدين أبو الحسن علي بن محمد السمهودي المصري الذي ولد في قرية سمهود بالصعيد عام 844 هـ / 1440 م وتوفي بالمدينة المنورة عام 911 هـ / 1505 م ، ويرجع في أصوله إلى الأشراف من بني هاشم الذين سكنوا في منطقة قنا وأجوارها في العصر الأيوبي ، والده هو قاضي سمهود الشيخ جمال الدين أبو المحاسن عبد الله بن أَحْمد بن أبي الْحسن السمهودي المتوفي عام 866 هـ وجده هو القاضي شهاب الدين أحمد بن أبي الحسن علي السمهودي وأخوه هو القاضي عبد الرحمن بن عبد الله السمهودي.

ويحكي في كتابه عن تلك اللحظة التي دخل فيها الحجرة فقال : ” فتطهرت وتوجهت لذلك مستحضرا عظيم ما توجهت إليه وموقع المثول ببيت أوسع الخلق كرما وعفوا وذلك هو المعول عليه واستحضرت قول بعضهم : عصيت فقل لي كيف ألقى محمدا .. ووجهي بأثواب المعاصي مبرقع ، ثم أنشدت الذي يليه : عسى الله من أجل الحبيب وقربه .. يداركني بالعفو فالعفو أوسع ، وسألت الله أن يمنحني حسن الأدب في ذلك المحل العظيم ويلهمني ما يستحقه من الإجلال والتعظيم وأن يرزقني منه القبول والرضا والتجاوز عما سلف ومضى.

فاستأذنت ودخلت من مؤخرة الحجرة ولم أتجاوز ذلك المحل فشممت رائحة ما شممت في عمري رائحة أطيب منها ثم سلمت بوجل وحياء على أشرف الأنبياء ثم على ضجيعيه خلاصة الأصفياء ودعوت بما تيسر من الدعوات واغتنمت هذه الفرصة في جميع الحالات ، ولله در القائل : تمتع إن ظفرت بنيل قرب .. وحصل ما استطعت من ادخار .. فقد وسعت أبواب التداني .. وقد قربت للزوار داري .. وقد هبت نسيمات لنجد .. فطب واشرب بكاسات الكبار .. فما وقت يمر بمستعاد .. وما دار الأعزة بالقرار “.

والكتاب هو مختصر لكتاب آخر هو (اقتفاء الوفا بأخبار دار المصطفى) والذي يتناول تاريخ المدينة المنورة ومناقبها وأعلامها والمسجد النبوي وعمرانه ، وقد استهل المؤلف كتابه بتفصيل ذلك في مقدمته فقال : ” بسم الله الرّحمن الرّحيم وبه نستعين وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ، أما بعد حمد الله على آلائه والصلاة والسلام على سيدنا محمد أشرف أنبيائه وعلى آله وأصحابه وأصفيائه.

فقد سألني من طاعته غنم ومخالفته غرم أن أختصر تأليفي المسمى باقتفاء الوفا بأخبار دار المصطفى صلّى الله عليه وسلّم وزاده شرفا وفضلا لديه ، اختصارا مع توسط غير مفرط هذا مع كونه بعد لم يقدّر إتمامه بتكامل أقسامه لسلوكي فيه طريقة الاستيعاب وجمع ما افترق من معاني تلك الأبواب وتلخيص مقاصد جميع تواريخ المدينة التي وقفت عليها وإضافة ما اقتضى الحال أن يضاف إليها مع عروض الموانع وترادف الشواغل والقواطع.

فأجبته إلى سؤاله لما رأيت من شغفه بذلك وإقباله مع ما رأيت في ذلك من الإتحاف بأمور لا توجد في غيره من المختصرات بل ولا المبسوطات سيما فيما يتعلق بأخبار الحجرة الشريفة ومعالمها المنيفة فإني قد استفدته عيانا وعلمت أخبارها إيقانا بسبب ما حدث في زماننا من العمارة التي سنشير إليها ونقف في محلها عليها لاشتمالها على تجديد ما كاد أن يهي في الحجرة الشريفة من الأركان وإحكام ما أحاط بها من البنيان.

وتشرفت بالخدمة في إعادة بنيانها وتجنبت شهود نقض أركانها وحظيت بالوقوف على عرصتها وتمتعت بانتشاق تربتها ونعمت العين بالاكتحال بأرضها الشريفة ومحال الأجساد المنيفة فامتلأ القلب حياء ومهابة واكتسى من ثياب الذال أثوابه ، هذا وقد جبلت القلوب على الشغف بأخبار هذا المحل وأحواله كما هو دأب كل محب مغرم واله ، ولله درّ القائل : أملياني حديث من سكن الجزع ولا تكتباه إلا بدمعي .. فاتني أن أرى الدّيار بطرفي فلعلّي أرى الديار بسمعي.

ولعمري إن الاعتناء بذاك وضبطه وإفادته من مهمّات الدين وإن النظر فيه مما يزيد في الإيمان واليقين لما فيه من معرفة معاهد دار الإيمان ونشر أعلامها المرغمة للشيطان وتذكر آياتها الواضحة التبيان ، والمرجو من الله تعالى أن يكون كتابنا هذا تحفة لمحبّي دار الأبرار ومن سكن بها من الأخيار ووفد عليها من الوفّاد ، وقد بذلت الجهد في تهذيبه وتقريبه رجاء دعوة تمحو الأوزار وتقيل العثار ونظرة قبول من المصطفى المختار صلى الله عليه وسلّم وعلى آله الأطهار وصحابته الأخيار ، وسميته (وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى) صلى الله عليه وسلم وشرف وعظم “.

ثم اختصره أيضا في كتيب بعنوان (خلاصة الوفا بأخبار دار المصطفى) ، ويشرح ذلك في مقدمة كتابه فيقول : ” بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله الذي شرف طابة وشوق القلوب لسماع أخبارها المستطابة واختارها لحبيبه الذي اجتباه وعظم جنابه صلى الله عليه وسلم وعلى جميع الآل والصحابة وبعد ، فقد شغفت بأخبار الحبيبة المحبة ونشر فضائلها ومعالمها في ذوي المحبة إذ هو من مهمات الدين ومما يزيد في الإيمان واليقين لما فيه من معرفة معاهد دار الإيمان ونشر أعلامها المرغمة للشيطان وتذكر أيامها الواضحة التبيان.

فألفت في ذلك كتابا حافلا سميته الوفا بأخبار دار المصطفى صلى الله عليه وسلم لخصت فيه ما أمكن الوقوف عليه من تواريخها بعد بذل الجهد في تتبعها مع مزيد كثير من غيرها وما عاينته مما يتعلق بالحجرة والمسجد الشريفين من أمور لم يظفر أحد من مؤرخيها بجلية أمرها لما تجدد في زماننا من أمور ستقف على خبرها ، ولله در القائل : أمليا لي حديث من سكن الجزع ولا تكتباه إلا بدمعي .. فاتني أن أرى الديار بطرفي فلعلي أرى الديار بسمعي.

ثم اختصرته قبل إتمامه وتكامل أقسامه في كتاب سميه (وفاء الوفا) فلم تسمح النفس حالة اختصاره واجتناء ثماره بحذف شيء منه سوى قسم التراجم والنزر اليسير من غيره ، ثم جرى التقدير الإلهي في سيره باحتراق الأصل في حريق المسجد النبوي وسلامة مختصره لسفري به إلى الحرم المكي ، فألحقت فيه نفائس جمة وما تجدد من الحريق وما ترتب عليه من الأمور المهمة فأغنى فيما عدا التراجم عن تواريخ البلد ولن تغن هي عنه إلا أن يكون لها منه مدد ، ثم رأيت اختصاره في نحو نصفه مع جمع مقاصده وتحسين وصفه وسميته خلاصة الوفا بأخبار دار المصطفى صلى الله عليه وسلم وزاده فضلا وشرفا لديه “.

وينتسب السمهودي إلى الأشراف الحسنيين الذين سكنوا صعيد مصر في العصور الإسلامية ،   وجاءت أنسابهم موثقة بالمخطوطات المعتمدة في كتاب موسوعة القبائل العربية حيث يقول محمد سليمان الطيب : ” تنتسب عائلات الأشراف التي تقيم الآن في فاروقية الأشراف بقفط محافظة قنا وفي سمهود مركز أبو طشت محافظة قنا وفي مركز المنشاة محافظة سوهاج .. ينتسب أفراد كل هذه العائلات إلى رجل واحد من بني الحسن ، فهم أشراف حسنيون.

جدهم هو الشريف عبد الرحمن بن أبي المحاسن جمال الدين عبد الله (الأكبر) ابن شهاب الدين أحمد بن أبي الحسن علي بن أبي الروح عيسى بن جلال الدين أبي العليا محمد (الأزرق) ابن أبي الفضل جعفر بن علي بن أبي طاهر الحسن بن أحمد بن محمد بن الحسن بن محمد بن الحسن بن محمد (قتادة) ابن إسحاق بن محمد بن سليمان بن داود بن الحسن المثنى بن الحسن سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ويعتبر حفيده شهاب الدين أحمد من أقضى القضاة وقد أعقب من عبد الله ، وكان عبد الله يُلقَّب بجمال الدين ويكنى بأبي المحاسن كما كان يُعرف أيضًا بعبد الله الأكبر وقد اشتغل مثل أبيه بالقضاء وكان ميلاده في سنة 804 هـ / 1401 م بسمهود وقدم إلى مصر (القاهرة) حيث درس علوم الفقه والدين ثم عاد إلى بلدة سمهود وبقي فيها حتى مات سنة 866 هـ / 1416 م ودفن بها وله ضريح مشهور يقع بحارة الأشراف المجاور لرحبتهم من الجهة البحرية ، وقد أعقب عبد الله من ابنين هما علي وعبد الرحمن.

أما علي بن عبد الله فهو من أشهر المؤرخين الذين كتبوا عن المدينة المنورة وكان علي يلقب بنور الدين ويكنى بأبي الحسن وقد ولد سنة 844 هـ / 1440 م ، ثم نزل بالمدينة المنورة وعكف على الدراسة والتأليف وأصبح علمًا من أعلام المؤرخين اشتهر باسم (السمهودي المدني) وهو صاحب كتاب (وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى) وكتاب (جواهر العقدين) ، أما الابن الثاني لعبد الله الأكبر فهو عبد الرحمن الذي تولى قضاء بلده عن أبيه في حياته وكان عبد الرحمن عالمًا كبيرًا ، والشريف عبد الرحمن بن أبي المحاسن جمال الدين عبد الله (الأكبر) هو جد الأشراف الحسنيين في فاروقية الأشراف بقفط وفي سمهود والمنشاة “.

   وقد ترجم له السخاوي في الضوء اللامع فقال : ” عَليّ بن عبد الله بن أَحْمد بن أبي الْحسن عَليّ بن عِيسَى بن مُحَمَّد بن عِيسَى نور الدّين أَبُو الْحسن بن الْجمال الحسني السمهودي القاهري الشَّافِعِي نزيل الْحَرَمَيْنِ والماضي أَبوهُ وجده وَيعرف بالشريف السمهودي ، ولد فِي صفر سنة أَربع وَأَرْبَعين وَثَمَانمِائَة بسمهود وَنَشَأ بهَا فحفظ الْقُرْآن والمنهاج ولازم وَالِده حَتَّى قَرَأَ عَلَيْهِ بحثا مَعَ شَرحه للمحلي وَشرح الْبَهْجَة لَكِن النّصْف الثَّانِي مِنْهُ سَمَاعا وَجمع الْجَوَامِع وغالب ألفية ابْن مَالك بل سمع عَلَيْهِ جلّ البُخَارِيّ ومختصر مُسلم لِلْمُنْذِرِيِّ وَغير ذَلِك.

وَقدم الْقَاهِرَة مَعَه وبمفرده غير مرّة أَولهَا سنة ثَمَان وَخمسين ولازم أَولا الشَّمْس الْجَوْجَرِيّ فِي الْفِقْه وأصوله والعربية فَكَانَ مِمَّا قَرَأَ عَلَيْهِ جَمِيع التَّوْضِيح لِابْنِ هِشَام والخزرجية مَعَ الْحَوَاشِي الأبشيطية وَشَرحه للشذور وَالرّبع الأول من شرح الْبَهْجَة للْوَلِيّ وَشرح شَيْخه الْمحلي للمنهاج قِرَاءَة لأكثره وسماعا لسائره مَعَ سَماع غَالب شرح شَيْخه أَيْضا لجمع الْجَوَامِع بل قَرَأَ بعضهما على مؤلفهما مَعَ سَماع دروس من الرَّوْضَة عَلَيْهِ بالمؤيدية.

وَأكْثر من مُلَازمَة الْمَنَاوِيّ وَكَانَ مِمَّا أَخذه عَنهُ تَقْسِيم الْمِنْهَاج مرَّتَيْنِ بفوت مجْلِس أَو مجلسين فِي كل مِنْهُمَا لكنه تلفق لَهُ مِنْهُمَا مَعًا والتنبيه وَالْحَاوِي والبهجة بفوت يسير فِي كل مِنْهُمَا وجانبا من شرح الْبَهْجَة وَمن شرح جمع الْجَوَامِع كِلَاهُمَا لشيخه وَقطعَة من حَاشِيَته على أَولهمَا ، وَمِمَّا كتبه على مُخْتَصر الْمُزنِيّ فِي درس الشَّافِعِي وعَلى الْمِنْهَاج فِي درس الصالحية وَمِمَّا قَرَأَهُ عَلَيْهِ بحثا قِطْعَة من شرح ألفية الْعِرَاقِيّ وَمن بُسْتَان العارفين للنووي وبجامع عمر وَجَمِيع الرسَالَة القشيرية.

وَسمع عَلَيْهِ المسلسل بِشَرْطِهِ وَالْبُخَارِيّ مرَارًا بأفوات وَقطعَة من مُسلم وَمن مُخْتَصر جَامع الْأُصُول للبارزي وَمن آخر تَفْسِير الْبَيْضَاوِيّ وَألبسهُ خرقَة التصوف وَقَرَأَ على النَّجْم بن قَاضِي عجلون بعض تَصْحِيحه للمنهاج وعَلى الشَّمْس البامي قِطْعَة من شرح الْبَهْجَة مَعَ حُضُور تقاسيمه فِي الْمِنْهَاج وعَلى الزين زَكَرِيَّا شرح الْمِنْهَاج الْأَصْلِيّ للأسنائي وغالب شَرحه على منظومة ابْن الهائم فِي الْفَرَائِض وعَلى الشَّمْس الشرواني شرح عقائد النَّسَفِيّ للتفتازاني بل سَمعه عَلَيْهِ ثَانِيَة وغالب شرح الطوالع للأصفهاني.

وَسمع عَلَيْهِ الإلهيات بحثا بِمَكَّة وَقطعَة من الْكَشَّاف وغالب مُخْتَصر سعد الدّين على التَّلْخِيص وشيئا من المطول وَمن الْعَضُد شرح ابْن الْحَاجِب وَمن شرح الْمِنْهَاج الْأَصْلِيّ للسَّيِّد العبري وَغير ذَلِك وَحضر عِنْد الْعلم البُلْقِينِيّ من دروسه فِي قِطْعَة الأسنائي وَعند الْكَمَال إِمَام الكاملية دروسا وَألبسهُ الْخِرْقَة ولقنه الذّكر وَقَرَأَ عُمْدَة الْأَحْكَام بحثا على السعد بن الديري وَأذن لَهُ فِي التدريس هُوَ والبامي والجوجري وَفِيه وَفِي الْإِفْتَاء الشهَاب الشارمساحي بعد امتحانه لَهُ فِي مسَائِل ومذاكرته مَعَه وَفِيهِمَا أَيْضا زَكَرِيَّا.

وَكَذَا الْمحلي والمناوي وعظيم اخْتِصَاصه بهما وتزايد مَعَ ثَانِيهمَا بِحَيْثُ خطبه لتزويج سبطته وَقَررهُ معيدا فِي الحَدِيث بِجَامِع الولوي وَفِي الْفِقْه بالصالحية وَأَسْكَنَهُ قاعة الْقُضَاة بهَا وَعرض عَلَيْهِ النِّيَابَة فَأبى ثمَّ فوض إِلَيْهِ حِين رُجُوعه مرّة إِلَى بَلَده مَعَ الْقَضَاء حَيْثُ حل النّظر فِي أَمر نواب الصَّعِيد وَصرف غير المتأهل مِنْهُم فَمَا عمل بِجَمِيعِهِ ، ثمَّ إِنَّه استوطن الْقَاهِرَة مَعَ توجهه لزيارة أَهله أَحْيَانًا إِلَى أَن حج وَمَعَهُ والدته فِي ذِي الْقعدَة سنة سبعين فِي الْبَحْر وَكَاد أَن يدْرك الْحَج فَلم يُمكن.

وجاور سنة إِحْدَى بكمالها وَكنت هُنَاكَ فَكثر اجتماعنا وَكتب بِخَطِّهِ مصنفي الابتهاج وسَمعه مني وَكَذَا سمع مني غَيره من تصانيفي وَكَانَ على خير كثير وفارقته بِمَكَّة بعد أَن حجَجنَا ثمَّ توجه مِنْهَا إِلَى طيبَة فقطنها من سنة ثَلَاث وَسبعين ولازم وَهُوَ فِيهَا الشهَاب الأبشيطي وَحضر دروسه فِي الْمِنْهَاج وَغَيره ، وَسمع جانبا من تَفْسِير الْبَيْضَاوِيّ وَمن شرح الْبَهْجَة للْوَلِيّ وَبحث عَلَيْهِ توضيح ابْن هِشَام بل قَرَأَ عَلَيْهِ من تصانيفه شَرحه لخطبة الْمِنْهَاج وحاشيته على الخزرجية وَأذن لَهُ فِي التدريس وَأكْثر من السماع هُنَاكَ على أبي الْفرج المراغي بل قَرَأَ على الْعَفِيف عبد الله بن القَاضِي نَاصِر الدّين صَالح أَشْيَاء بالأجايز وَألبسهُ خرقَة التصوف بلباسه من عمر العرابي.

وَكَذَا كَانَ سمع بِمَكَّة على كمالية ابْنة مُحَمَّد بن أبي بكر الْمرْجَانِي وشقيقها الْكَمَال أبي الْفضل مُحَمَّد والنجم عمر بن فَهد فِي آخَرين وبالقاهرة على سوى من تقدم ختم البُخَارِيّ مَعَ ثلاثياته بِقِرَاءَة الديمي على من اجْتمع من الشُّيُوخ بالكاملية بل قَرَأَ على النَّجْم بن عبد الْوَارِث فِي منية ابْن خصيب شَيْئا من الْمُوَطَّأ وَمن الشفا وَأَجَازَ لَهُ جمَاعَة وَلم يكثر من ذَلِك ، وصاهر فِي الْمَدِينَة النَّبَوِيَّة بَيت الزرندي فَتزَوج أُخْت مُحَمَّد بن عمر بن الْمُحب وَلها محرمية بِالنَّجْمِ بن يَعْقُوب ابْن أخي زَوجهَا ثمَّ فَارقهَا وَتزَوج أُخْت الشَّيْخ مُحَمَّد المراغي ابْنة الشَّيْخ أبي الْفرج وفارقها بعد موت أَخِيهَا.

وانتفع بِهِ جمَاعَة من الطّلبَة فِي الْحَرَمَيْنِ وصنف فِي مسئلة فرش الْبسط المنقوشة ردا على من نازعه وقرضه لَهُ أَئِمَّة الْقَاهِرَة وَكَذَا عمل للمدينة النَّبَوِيَّة تَارِيخا تَعب فِيهِ قرضه لَهُ كَاتبه والبرهان بن ظهيرة وَقُرِئَ عَلَيْهِ بعضه بِمَكَّة وَكَذَا ألف غير مَا ذكر وَمن ذَلِك الْكِتَابَة على إِيضَاح النَّوَوِيّ فِي الْمَنَاسِك ، وَالْتمس من صاحبنا النَّجْم بن فَهد تَخْرِيج شَيْء مِمَّا تقدم لَهُ فَفعل وعظمه فِي الْخطْبَة وَزَاد وَمَات قبل إكماله فبيضه وَلَده متمما لما أمكنه فِيهِ وَقدم من الْمَدِينَة إِلَى مَكَّة فِي رَمَضَان سنة سِتّ وَثَمَانِينَ رَفِيقًا لِابْنِ الْعِمَاد قبل وُقُوع الْحَرِيق بِالْمَدِينَةِ فَسلم من هَذِه الْحَادِثَة وَلَكِن احترقت جَمِيع كتبه وَهِي شَيْء كثير.

وسافر إِلَى الْقَاهِرَة فِي موسمها رَفِيقًا للمذكور أَيْضا فدخلاها وَلَقي السُّلْطَان فَأحْسن إِلَيْهِ بمرتب على الذَّخِيرَة وَغَيره بل ووقف هُوَ وَغَيره على الْمَدِينَة كتبا من أَجله ورسم بسعايته بسد السرداب المواجه للحجرة الشَّرِيفَة والمتوصل مِنْهُ لدور الْعشْرَة لما كَانَ يحصل فِيهِ من الْفساد مَعَ معاكسة ابْن الزَّمن لَهُ فِيهِ وَكَانَت الْمصلحَة فِي سَده ، وَشهد موت ابْن الْعِمَاد ثمَّ سَافر لزيارة أمه فَمَا كَانَ بأسرع من مَوته بعد لِقَائِه لَهَا ثمَّ توجه فزار بَيت الْمُقَدّس وَعَاد إِلَى الْقَاهِرَة ثمَّ إِلَى الْمَدِينَة ثمَّ إِلَى مَكَّة فحج ثمَّ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَة مستوطنا مُقْتَصرا على إِمَاء وابتنى لَهُ بَيْتا.

ولقيته فِي كلا الْحَرَمَيْنِ غير مرّة وغبطته على استيطانه الْمَدِينَة وَصَارَ شيخها قل أَن لَا يكون أحد من أَهلهَا لم يقْرَأ عَلَيْهِ وَاسْتقر بِهِ الْأَشْرَف بعناية البدري أبي الْبَقَاء فِي النّظر على الْمجمع بمدرسته وَمَا بِهِ من الْكتب الَّتِي أوقفها فِيهِ وَصَارَ الْمُتَكَلّم فِي مصارف الْمدرسَة المزهرية فِيهَا مَعَ الصّرْف لَهُ من الصَّدقَات الرومية كالقضاة وَذَلِكَ مائَة دِينَار وَرُبمَا تنقص وَمَا أضيف إِلَيْهِ من التدريس مِمَّا وَقفه ملك الرّوم وانقياد الْأَمِير دَاوُد بن عمر لَهُ فِي صدقاته لأهل الْحَرَمَيْنِ حِين حج بل وَاشْترى من أَجله كتبا وَقفهَا وَكَذَا انْقَادَ لَهُ ابْن جبر وَغَيره فِي أَشْيَاء هَذَا لما تقرر عِنْدهم من علمه وتدينه وَمَعَ ذَلِك فَهُوَ يتكسب بِالْبيعِ وَالشِّرَاء بِنَفسِهِ وبمندوبه وَرُبمَا عَامل الشريف أَمِير الْمَدِينَة.

وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ إِنْسَان فَاضل متفنن متميز فِي الْفِقْه والأصلين مديم الْعَمَل وَالْجمع والتأليف مُتَوَجّه لِلْعِبَادَةِ وللمباحثة والمناظرة قوي الجلادة على ذَلِك طلق الْعبارَة فِيهِ مغرم بِهِ مَعَ قُوَّة نفس وتكلف خُصُوصا فِي مناقشات لشَيْخِنَا فِي الحَدِيث وَنَحْوه وَرُبمَا أَدَّاهُ الْبَحْث إِلَى مخاشنة مَعَ المبحوث مَعَه وَقد يَنْتَهِي فِي ذَلِك لما لَا يُطيق بجلالته ويتجرأ عَلَيْهِ من لم يرتق لوجاهته وَلَو أعرض عَن هَذَا كُله لَكَانَ مجمعا عَلَيْهِ وعَلى كل حَال فَهُوَ فريد فِي مَجْمُوعه وَلأَهل الْمَدِينَة بِهِ جمال والكمال لله. وَلَا زَالَت كتبه ترد عَليّ بِالسَّلَامِ وَطيب الْكَلَام.

وَفِي تَرْجَمته من تَارِيخ الْمَدِينَة والتاريخ الْكَبِير والمعجم زِيَادَة على مَا هُنَا من نظم وَغَيره، وَمِمَّا كتبته عَنهُ من نظمه : أَلا إِن ديوَان الصبابة قد سبا .. بِمَا صب من حسن الصِّنَاعَة إِن سبا ..  نفوسا سكارى من رحيق شرابه .. وألحاظ صب من صبابته صبا “.

45 / الروض الباسم في حوادث العمر والتراجم

(الروض الباسم في حوادث العمر والتراجم) هو عنوان كتاب في تاريخ السلطنة المملوكية صنفه المؤرخ أبو المكارم زين الدين عبد الباسط بن أبي الصفاء غرس الدين خليل بن شاهين الظاهريّ الملطي الحنفيّ الذي ولد في ملطية بالأناضول عام 844 هـ / 1440 م وتوفي بالقاهرة عام 920 هـ / 1515 م ، وهو من أبناء المماليك (أولاد الناس) ووالده هو الأديب والمؤرخ غرس الدين خليل الظاهري المتوفي عام 873 هـ وهو من كبار أمراء دولة المماليك البرجية ومؤلف كتاب كشف الممالك في بيان الطرق والمسالك.

حرص والده على تعليمه منذ صغره فتلقى عن شيوخ عصره في كل من ملطية وحلب ودمشق وطرابلس والقاهرة التي استقر بها مع والده بعد طول ترحال ثم قرر أن يخرج في رحلة لبلاد المغرب في عام 866 هـ واستغرقت خمس سنوات بقصد تعلم الطب وزار فيها كلا من تونس وبجاية وقسنطينة والجزائر وتلمسان ووهران ومدن الأندلس غرناطة ومالقة ، وبعد عودته للقاهرة برع فِي كثير من الْفُنُون وشارك فِي الْفَضَائِل وَألف ونظم ونثر وأَقْبل على التَّارِيخ وتردد على السخاوي لسماع دروسه فيه.

وقد ذكره ابن إياس الحنفي في كتابه بدائع الزهور في وقائع الدهور وذلك في أحداث شهر ربيع الآخر سنة 920 هـ فقال : ” وفى يوم الثلاثاء خامسه كانت وفاة شيخنا العلامة زين الدين عبد الباسط بن الغرسي خليل بن شاهين الصفوي الحنفي وكان عالما فاضلا رئيسا حشما من ذوى البيوت وكان من أعيان الحنفية وكان مولده سنة أربع وأربعين وثمانمائة فكانت مدّة حياته نحو ست وسبعين سنة.

وكان له اليد الطولى في الفقه على مذهب الإمام أبى حنيفة رضي الله عنه وكان له اليد الطولى فى علم الطب ، وله عدة مصنفات نفيسة منها تاريخه الكبير المسمّى بالروض الباسم وآخر دونه يسمّى نيل الأمل فى ذيل الدول وآخر فى التوفيات على الحروف المعجم وآخر فى علم الطب وغير ذلك فى الشروحات على كتب الحنفية.

وكان والده الغرسى خليل من أعيان الناس ولى الوزارة بالديار المصرية وولى عدة نيابات جليلة منها نيابة حماة وصفد والقدس الشريف ونيابة الإسكندريّة وغير ذلك من النيابات الجليلة وكان فى مقام الأمراء المقدمين.

وأما الشيخ عبد الباسط رحمه الله كان صفته طويل القامة نحيف الجسد وكان يربى له ذوابة شعر فى رأسه على طريقة الصوفية ، وكان له أنف وافر جدا حتى أن بعض شعراء العصر قال فيه مداعبة لطيفة وهو قوله : أدخلت فى منخره أصبعى .. وقلت ماذا العضو سمّيه .. فقال لى مستعجلا منخرى .. قلت أنا يا سيدى فيه.

وكان الشيخ عبد الباسط ضنينا بنفسه وعنده يبس طباع مع شمم زائد وكان معظما عند الأتراك والأمراء وكان عارفا باللغة التركية وفيه جملة محاسن وكان بقية السلف وعمدة الخلف ، وكان أصابه علّة السلّ فأقام نحو سنة ونصف وهو عليل منقطع فى داره حتى مات رحمة الله عليه “.

ويحدد المؤلف في مقدمة كتابه الفترة الزمنية التي تناولها بالرصد والدراسة  فقال : ” بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلّا الله عدّة للقائه محمد رسول الله سيّد أصفيائه ، قال مسطّره الفقير إلى الله تعالى الحفي عبد الباسط بن خليل الحنفي غفر الله تعالى له ذنوبه وستر عليه عيوبه وعفا عنه وعن والديه ومشايخه والمسلمين ومن أحسن إليه.

أمّا بعد حمد الله تعالى مُحْدِث الكلّ وما يُحدثون من الأفعال ومُمِيتُهم بعد ذلك عند انقضاء الآجال وجاعل آثارهم وأخبارهم عبرةً من بعدهم لمن اعتبر وتذكرةً لمن تفكّر وأبصر في حال من غَبَر،  والصلاة والسلام على مولانا وسيّدنا محمد صاحب الطريقة التي هي أحمد الطرائق وعلى آله وأصحابه السادة القادة الأئمّة الأعلام الشواهق.

هذا تعليق جمعْتُه في التاريخ أنيق ، وابتدأت فيه من مولدي الذي هو سنة أربع وأربعين وثمانماية ليكون أعْوَن في الحوادث المتجدّدات والوَفَيات على التحقيق أذكر فيه غُرَر المتجدّدات اليوميّة ومشتهر الحوادث العصريّة ونُبَذًا من تَراجم ووَفَيات جماعة من الأعيان من أهل هذا العصر على جهة الكشف والبيان ، وربّما ترجمت جماعة من موجودي الأعيان بمناسبةٍ أو استطراب في ترجمة أو محلّ ولاية أو في غير ذلك من المحالّ من غير إغفالٍ ولا إهمال.

وكتبت بالحُمرة على هامش هذا التعليق ما يرشد إلى المقاصد من بعض التراجم أو الواقعات ليكون ذلك سهلًا على الوقوف عليها لمن طلب معرفة تلك الحالات ، وقد أشرت لناسخ هذا الكتاب أن لا يُسقِط ذلك من الهوامش ليسْهُل التطلاب.

وقد يحسُن ويصلح أن يكون تاريخنا هذا ذيلًا على عدّة من التواريخ المعتبرة المشتهرة للسادة الأئمّة المَهَرَة كتاريخَي قاضي القضاة البدر العَيْني طيّب الله ثراه، وجعل الجنّة مأواه وقِراه وتاريخ شيخ الإسلام حافظ العصر ابن حجر تغمّده الله برحمته ولضريحه نوّر وتاريخ التقيّ المقريزي رحمه الله ترجمة بَمُنَاها وغير ذلك من التواريخ التي بمعناها ، وإنْ داخَلَها في بعض السنين الماضية فيحسُن ذيلًا من حيث السنين الآتية عقب سِنِيّ التواريخ المذكورة بعد التداخل على أنّ بها من الزيادة ما يصلُح أن يكون ذيلًا لتلك السنين المتداخلة فتمّ التذايل.

ولما كمُل هذا الترتيب وتمّ وفاح شذا عَرْفه وعَمّ سمَّيته (الروض الباسم في حوادث العمر والتراجم) وتوخّيت فيه ما ثبُت عندي من نقل السادة المعتَمَدين الأخيار أو شاهدته عيانًا أو مستفيضًا يقينًا من الأخبار ، ومن الله سبحانه أستمدّ المعونة والتوفيق وأسأله تعالى الهداية للنطق بما يليق والإبعاد عن الإنجاسْ وهضم الناس والإرشاد لإعطاء كل ذي حقّ حقّه من غير تعصّب ولا اختلاس وأن يجعل رجانا للواقف عليه على فِعل ما يُحمَد وملازمة شُهرة يُذكر بها ويرشد ومُبعدًا عن رذايل ذوي السِيَر الذميمة ، هذا مقصدي ولم أقصد الغِيبة ولا النميمة والله سبحانه بذلك هو الكفيل وهو حسبي ونِعم الوكيل “.

وفي مقدمة كتابه نيل الأمل في ذيل الدول يقول : ” بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الذي أعزّ دول الإسلام بين الأنام على الدوام بعزّة الإيمان والصلاة والسلام على مولانا وسيّدنا محمد خير الأنام ومصباح الظلام الذي شيّد بناء الدين حتى علا واستبان وعظم ملك أمّته من بعده بعظمة حزبه وجنده وحقارة عدوّه وضدّه حتى ذلّت لهم الملوك الأكاسرة والقياصرة الجبابرة ذوي  التيجان والرضى عن جملة آله وأصحابه سيما الخلفاء الأربعة ذوي الآراء المتّبعة والسير الحسنة المرضيّة المبدعة وعن تابعيهم والتابعين لهم بإحسان.

فإنّ المختصر في التاريخ المسمّى ب‍دول الإسلام للحافظ العلاّمة الإمام الشيخ شمس الدين الذهبي تغمّده الله برحمته ورضوانه وأباحه بحبوحة جنانه ، مختصرا أنيقا لطيفا ومجموعا في فنّه ظريفا احتوى على عدد الوقائع والحوادث المشتهرة ومهمّات الوفيات للأئمّة الأعلام المهرة ، انتهى فيه إلى سنة ٤٤ وسبعمائة (من الهجرة النبوية) إذ فيما بعدها أدركته المنيّة وبقي منقطعا بعدها إلى هذه الأيام يتشوّف الواقف عليه لما حدث على مدى الشهور والأعوام.

حتى سألني بعض خلّص إخواني وأحبّائي من أعيان الفضلاء بل العلماء الأثلاء النبلاء الأصلاء وكرّر عليّ غير ما مرّة السؤال في تذييله على نحو النسج في الذهبي من المنوال بزمان على ذلك في الحوادث والوفيات يغني عن النظر في غيره من التواريخ المطوّلات ، فأجبته إلى ذلك مع علمي أني لست هنالك وجمعت هذا الذيل ووفيت فيه بما سأل ورتبته على الدول والسنين وزدت الشهور وأتيت فيه بما هو الأهمّ المشهور ، وإن تراءى أنه مطوّل بالنسبة إلى أصله والعذر فيه ما ذكرناه من الاستغناء عن غيره في تذييله ووصله.

على أنّ ما ذكرناه في غاية الإيجاز والاختصار إذ هو نبذ تظهر لمن له التأمّل والاستبصار وخبر كمل جمعه وتمّ وفاح شذا عرفه ونم ، وسمّيته نيل الأمل في ذيل الدول وابتدأت فيه من السنة التي انتهى إليها المصنّف لنكتة ظاهرة لا سيما لمن هو منصف.

وأنا أرجو من الله تعالى أنني أثبتّ فيه الأنفع وأتيت بما فيه الاعتماد والكفاية والمقنع ، ومن وقف عليه تأمّل محاسنه وحمد ما فعلناه وشكر ما جمعناه وعرف ما فيه من النكت الغريبة والنوادر العجيبة من فهم ترتيبه والوقوف على فحواه ، وهذا حين شروعنا في المقصود بعون الملك الودود به المستعان وعليه التكلان “.

46 / المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

(المواهب اللدنية بالمنح المحمدية) هو عنوان كتاب في السيرة النبوية صنفه الإمام العلامة الحافظ شهاب الدين أبو العباس أحمد بن محمَّد أبى بكر أحمد القسطلاني المصري الشافعي الذي ولد في القاهرة عام 851 هـ / 1447 م وتوفي فيها عام 923 هـ / 1516 م ، وهو واعظ ومتصوف وعالم بالقراءات ومحدث قضى حياته بالتدريس ثم تفرغ للكتابة والتأليف في مختلف العلوم الإسلامية وصنف في المجال الأدبي شرح قصيدة البردة وغيرها من الأعمال.

وقد استهل كتابه هذا بمقدمة عرض فيها منهجه في تناول السيرة النبوية وذكر أقسام الكتاب فقال : ” وبعد ، فهذه لطيفة من لطائف نفحات العواطف الرحمانية ومنحة من منح مواهب العطايا الربانية تنبىء عن نبذة من كمال شرف نبينا محمد عليه أفضل الصلوات وأنمى التسليم وأسنى الصلات ، وسبق نوبته فى الأزمان الأزلية وثبوت رسالته فى الغايات الأحدية والتبشير بأحمديته فى الأعصر الخالية والتذكير بمحمديته في الأمم الماضية وإشراق بوارق لوامع أنوار آيات ولادته التى سار ضوء فجرها فى سائر بريته ودار بدر فجرها فى أقطار ملته.

وعواطف لطائف رضاعه وحضانته وينابيع أسرار سر مسراه وبعثته وهجرته وعوارف معارف عبوديته السارى عرف شذاها فى آفاق قلوب أهل ولايته ونفائس أنفاس أحواله الزكية ودقائق حقائق سيرته العلية ، إلى حين نقلته لروضة قدسه الأحدية وتشريفه بشرائف الآيات وتكريمه بكرائم المعجزات وترفيعه فى آى التنزيل برفعة ذكره وعلو خطره وتعظيم محاسن شمائله وخلائقه وتخصيصه بعموم رسالته ووجوب محبته واتباع طرائقه وسيادته الجامعة لجوامع السؤدد فى مشهد مشاهد المرسلين وتفضيله بالشفاعة العظمى العامة لعموم الأولين والآخرين إلى غير ذلك من عجائب آياته ومنحه وغرائب أعلام نبوته وحججه.

أوردتها حججا قاهرة على الملحدين وذكرى نافعة للموحدين وتنبيها لعزائم المهتدين ، ولم أكن والله أهلا لذلك ولم أر نفسى فيما هنالك لصعوبة هذا المسلك ومشقة السير فى طريق لم يكن لمثلى يسلك ، وإنما هو نكتة سر قراءتي كتاب الشفا بحضرة التخصيص والاصطفا فى مكتب التأديب والتعليم فى مشهد مشاهد المؤانسة والتكريم مستجليا فى مجالى تجليات الأنوار الأحمدية محاسن صفات خلقته وعظيم أخلاقه الزكية ساريا بسر سيرته فى منهاج ملته إلى سماء هديه الأسنى راتعا فى رياض روضة سنته النزيهة الحسنا.

مستمدا من فتح البارى فيض فضله السارى ، فمنحنى صاحب هذه المنح من مصون حقائقه وأبرز لى مما أكنّه من مكنون رقائقه فانفتحت بالفتح المحمدى عين بصيرة الاستبصار وتنزه الناظر فى رياض ارتياض رقائق الأسرار فاستجليت من أبكار مخدرات السنة النبوية من كل صورة معناها واقتبست من تلألؤ مصباح مشكاة المعارف من كل بارقة أضواها وانتشقت من كل عبقة صوفية شذاها واجتنيت من أفنان لطائف تأويل آى الكتاب العزيز من كل ثمرة مشتهاها.

ولا زلت فى جنات لطائف هذه المنح أغدو وأروح فى غبوق وصبوح حتى انهلت غمائم المعانى على أرض رياض المبانى فأينعت أزهارها وتكللت بنفائس جواهر العلوم أوراقها وطابت لمجتنى رقائق الحقائق ثمارها وتدفقت حياض بدائع ألفاظها بزلال جوامع كلماتها وخطب خطيب قلوب أبناء الهوى على منبر الغرام الأقدس يدعو لكمال محاسن الحبيب الأرأس ، فترنحت بسلاف راح الارتياح نفائس الأرواح وتمايلت بمطربات ألحان الحنين إلى جمال المحبوب كرائم الأشباح وزمزم مزمزم الصفا بحضرة خلاصة أولى الوفا.

منشدا مرددا : حضر الحبيب وغاب عنه رقيبه .. حسبى نعيم زال عنه حسيبه .. داوى فؤادى الوصل من أدوائه .. طوبى لقلبى والحبيب طبيبه .. صدق المحب حبيبه فى حبه .. فحباه صدق الحب منه حبيبه .. لباه لب فؤاده فأجابه .. لما دعاه إلى الغرام وجيبه .. ولجامع الأهواء حيعل حبه .. ولحسنه خطب القلوب خطيبه.

فلما سمعت هذه المواهب آذان قلوب أولى الألباب تلفتت عيون أعيانهم لتلخيص خلاصة جوهر هذا الخطاب فى سفر يسفر عن وجه المنح النبوية منيع النقاب فثنيت عنان القلم إلى تحصيل ماربهم وتسطير مطالبهم جانحا صوب الصواب مودعا ما كان مستودعا لى فى غيابات الغيب فى هذا الكتاب ، مستعينا فى ذلك بالقوى الوهاب حتى أتاح الله لى ذلك وتمم ما هنا لك فأوضحت ما خفى من الدليل ومهدت ما توعر من السبيل ، وسميته المواهب اللدنية بالمنح المحمدية ، ورتبته على عشرة مقاصد تسهيلا للسالك والقاصد :

المقصد الأول فى تشريف الله تعالى له عليه السّلام بسبق نبوته فى سابق أزليته ونشره منشور رسالته فى مجلس مؤانسته وكتبه توقيع عنايته فى حظائر قدس كرامته وطهارة نسبه وبراهين أعلام آيات حمله وولادته ورضاعه وحضانته ودقائق حقائق بعثته وهجرته ولطائف معارف مغازيه وسراياه وبعوثه وسيرته مرتبا على السنين من حين نشأته إلى وقت وفاته ونقلته لرياض روضته.

المقصد الثانى فى ذكر أسمائه الشريفة المنبئة عن كمال أخلاقه المنيفة وأولاده الكرام الطاهرين وأزواجه الطاهرات أمهات المؤمنين وأعمامه وإخوته من الرضاعة وجداته وخدمه ومواليه وحرسه وكتّابه وكتبه إلى أهل الإسلام فى الشرائع والأحكام ومكاتباته إلى الملوك وغيرهم من الأنام ومؤذنيه وخطبائه وحداته وشعرائه وآلات حروبه ودوابه والوافدين إليه صلى الله عليه وسلم ، وفيه عشرة فصول.

المقصد الثالث فيما فضله الله سبحانه وتعالى به من كمال خلقته وجمال صورته وما كرمه به من الأخلاق الزكية وشرفه به من الأوصاف المرضية وما تدعو ضرورة حياته إليه صلى الله عليه وسلم ، وفيه ثلاثة فصول ، المقصد الرابع فى معجزاته الدالة على ثبوت نبوته وصدق رسالته وما اختص به من خصائص آياته وبدائع كراماته ، وفيه فصلان ، المقصد الخامس فى تخصيصه عليه السّلام بخصائص المعراج والإسراء وتعميمه بعموم لطائف التكريم فى حضرة التقريب بالمكالمة والمشاهدة والآيات الكبرى.

المقصد السادس فيما ورد فى آي التنزيل من تعظيم قدره ورفعة ذكره وشهادته له تعالى بصدق نبوته وثبوت بعثته وقسمه تعالى على تحقيق رسالته وعلو منصبه الجليل ومكانته ووجوب طاعته واتباع سنته وأخذه تعالى له الميثاق على سائر النبيين فضلا ومنّة إن أدركوه ليؤمنن به ولينصرنه والتنويه به في الكتب السالفة كالتوراة والإنجيل بأنه صاحب الرسالة والتبجيل ، وفيه عشرة أنواع.

المقصد السابع فى وجوب محبته واتباع سنته والاهتداء بهديه وطريقته وفرض محبة آله وأصحابه وقرابته وعترته وحكم الصلاة والتسليم عليه زاده الله فضلا وشرفا لديه ، وفيه ثلاثة فصول ، المقصد الثامن فى طبه صلى الله عليه وسلم لذوى الأمراض والعاهات وتعبيره الرؤيا وإنبائه بالأنباء المغيبات ، وفيه ثلاثة فصول ، المقصد التاسع فى لطيفة من حقائق عباداته ، ويشتمل على سبعة أنواع.

المقصد العاشر: فى إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إليه، وزيارة قبره الشريف، ومسجده المنيف، وتفضيله فى الآخرة بفضائل الأوليات الجامعة لمزايا التكريم، والدرجات العليات، وتشريفه بخصائص الزلفى فى مشهد مشاهد الأنبياء والمرسلين، وتحميده بالشفاعة والمقام المحمود، وانفراده بالسؤدد فى مجمع مجامع الأولين والآخرين، وترقيه فى جنة عدن أرقى مدارج السعادة، وتعاليه فى يوم المزيد أعلى معالى الحسنى وزيادة. وفيه ثلاثة فصول.

والله تعالى جل جده وعز مجده أسأل بوجاهة وجهه الوجيه ونبيه النبيه أن يمدنى فى هذا الكتاب العزيز بمدد الإقبال والقبول وينيلنى ومن كتبه أو قرأه أو سمعه والمسلمين من العواطف النبوية لطائف السؤل ونهاية المأمول ، وعلى الله قصد السبيل وهو حسبنا ونعم الوكيل “.

وقد ذكره محيي الدين عبد القادر بن شيخ بن عبد الله العيدروس في كتابه النور السافر عن أخبار القرن العاشر فقال : ” أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن أحمد بن حسين بن علي القسطلاني ، وفيهَا فِي لَيْلَة الْجُمُعَة سَابِع محرم توفّي الْعَلامَة الْحَافِظ أَحْمد بن مُحَمَّد بن أبي بكر بن عبد الْملك بن أَحْمد بن حُسَيْن بن عَليّ الْقُسْطَلَانِيّ الْمصْرِيّ الشَّافِعِي بِالْقَاهِرَةِ وَصلي عَلَيْهِ بعد صَلَاة الْجُمُعَة بِجَامِع الْأَزْهَر وَدفن بِالْمَدْرَسَةِ العينية جوَار منزله.

ذكره السخاوي فِي ضوئه وان مولده ثَانِي عشر ذِي الْقعدَة سنة إِحْدَى وَخمسين وَثَمَانمِائَة بِمصْر وَنَشَأ بهَا وَحفظ الْقُرْآن وتلا للسبع وَحفظ الشاطبية والجزرية والوردية وَغير ذَلِك وَذكر لَهُ عدَّة مَشَايِخ مِنْهُم الشَّيْخ خَالِد الْأَزْهَرِي النَّحْوِيّ وَالْفَخْر المقسمي والجلال الْبكْرِيّ وَغَيرهم وَأَنه قَرَأَ صَحِيح البُخَارِيّ فِي خَمْسَة مجَالِس على الشاوي وَأَنه تلمذ لَهُ أَيْضا وَقَرَأَ عَلَيْهِ بعض مؤلفاته أَعنِي السخاوي.

وَأَنه حج غير مرّة وجاور سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَسنة أَربع وَتِسْعين وَأَنه أَخذ بِمَكَّة عَن جمَاعَة مِنْهُم النجم بن فَهد وَأَنه ولي مشيخة مقَام سَيِّدي الشَّيْخ أَحْمد بن أبي الْعَبَّاس الْحرار بالقرافة الصُّغْرَى وَأَنه عمل تأليفاً فِي مَنَاقِب الشَّيْخ الْمَذْكُور وَسَماهُ نزهة الْأَبْرَار فِي مَنَاقِب الشَّيْخ أبي الْعَبَّاس الْحرار وَأَنه كَانَ يعظ بالجامع الْعمريّ وَغَيره ويجتمع عِنْد الجم الْغَفِير وانه لم يكن لَهُ نَظِير فِي الْوَعْظ وَأَنه كتب بِخَطِّهِ شَيْئا كثيرا لنَفسِهِ وَلغيره واقرأ الطّلبَة وَأَنه تعَاطِي الشَّهَادَة.

ثمَّ انجمع وَاقْبَلْ على التَّأْلِيف وَذكر من تصانيفه الْعُقُود السّنيَّة فِي شرح الْمُقدمَة الجزرية فِي علم التجويد والكنز فِي وقف حَمْزَة وَهِشَام على الْهمزَة وشرحاً على الشاطبية زَاد فِيهِ زيادات ابْن الْجَزرِي مَعَ فَوَائِد غَرِيبَة لَا تُوجد فِي شرح غَيره وشرحاً على الْبردَة سَمَّاهُ الْأَنْوَار المضيئة وَكتاب نفائس الأنفاس فِي الصُّحْبَة واللباس وَالرَّوْض الزَّاهِر فِي مَنَاقِب الشَّيْخ عبد الْقَادِر وتحفة السَّامع والقاري بِخَتْم صَحِيح البُخَارِيّ ورسائل فِي الْعَمَل بِالربعِ الْمُجيب انْتهى مَا ذكره السخاوي مُلَخصا.

قلت وارتفع شَأْنه بعد ذَلِك فاعطي السعد فِي قلمه وَكَلمه وصنف التصانيف المقبولة الَّتِي سَارَتْ بهَا الركْبَان فِي حَيَاته وَمن أجلهَا شَرحه على صَحِيح البُخَارِيّ مزجا فِي عشرَة أسفار كبار لَعَلَّه أحسن شروحه واجمعها والخصها وَمِنْهَا الْمَوَاهِب اللدنية بالمنح المحمدية وَهُوَ كتاب جليل الْمِقْدَار عَظِيم الوقع كثير النَّفْع لَيْسَ لَهُ نَظِير فِي بَابه.

ويحكى أَن الْحَافِظ السُّيُوطِيّ كَانَ يغض مِنْهُ وَيَزْعُم أَنه يَأْخُذ من كتبه ويستمد مِنْهَا وَلَا ينْسب النَّقْل إِلَيْهَا وانه ادّعى عَلَيْهِ بذلك بَين يَدي شيخ الْإِسْلَام زَكَرِيَّا فالزمه بِبَيَان مدعاه فعدد عَلَيْهِ مَوَاضِع قَالَ أَنه نقل فِيهَا عَن الْبَيْهَقِيّ وَقَالَ أَن للبيهقي عدَّة مؤلفات فليذكر لنا مَا ذكر فِي أَي مؤلفاته ليعلم أَنه نقل عَن الْبَيْهَقِيّ وَلكنه رأى فِي مؤلفاتي ذَلِك النَّقْل عَن الْبَيْهَقِيّ فنقله برمتِهِ وَكَانَ الْوَاجِب عَلَيْهِ أَن يَقُول نقل السُّيُوطِيّ عَن الْبَيْهَقِيّ.

وَحكى الشَّيْخ جَار الله بن فَهد رَحمَه الله أَن الشَّيْخ رَحمَه الله تَعَالَى قصد ازالة مَا فِي خاطر الْجلَال السُّيُوطِيّ فَمشى من الْقَاهِرَة إِلَى الرَّوْضَة وَكَانَ الْجلَال السُّيُوطِيّ مُعْتَزِلا عَن النَّاس بالروضة فوصل صَاحب التَّرْجَمَة إِلَى بَاب السُّيُوطِيّ ودق الْبَاب فَقَالَ لَهُ من أَنْت فَقَالَ أَنا الْقُسْطَلَانِيّ جِئْت إِلَيْك حافياً مَكْشُوف الرَّأْس ليطيب خاطرك عَليّ فَقَالَ لَهُ قد طَابَ خاطري عَلَيْك وَلم يفتح لَهُ الْبَاب وَلم يُقَابله.

وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّهُ كَانَ إِمَامًا حَافِظًا متقناً جليل الْقدر حسن التَّقْرِير والتحرير لطيف الْإِشَارَة بليغ الْعبارَة حسن الْجمع والتأليف لطيف التَّرْتِيب والترصيف كَانَ زِينَة أهل عصره ونقاوة ذَوي دهره وَلَا يقْدَح فِيهِ تحامل معاصريه عَلَيْهِ فَلَا زَالَت الأكابر على هَذَا فِي كل عصر رَحِمهم الله “.                             

وذكره الشوكاني في كتابه البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع فقال : ” أَحْمد بن مُحَمَّد بن أَبى بكر بن عبد الْملك بن الزين أَحْمد بن الْجمال مُحَمَّد بن الصفيّ مُحَمَّد بن الْمجد حُسَيْن بن التَّاج علي القسطلاني الأَصْل المصري الشّافعي وَيعرف بالقسطلاني ولد في ثاني عشر ذي الْقعدَة سنة 851 إِحْدَى وَخمسين وثمان مائَة بِمصْر ونشأ بهَا فحفظ الْقُرْآن والشاطبيتين وَنصف الطّيبَة الجزرية والوردية في النَّحْو.

وتلى بالسبع على السراج عمر بن قَاسم الأنصاري الساوي وبالثلاث إِلَى وَقَالَ الَّذين لَا يرجون لقاءنا على الزين عبد الْغنى الهيثمي وبالسبع ثمَّ بالعشر في ختمتين على الشهَاب بن أَسد وَأخذ القراآتٍ عَن جمَاعَة أَيْضا وَأخذ الْفِقْه عَن الْفَخر المقسي تقسيماً والشهاب العيادي وَقَرَأَ ربع الْعِبَادَات من الْمِنْهَاج وَمن البيع وَغَيره من الْبَهْجَة على الشَّمْس اليامي وَقطعَة من الحاوي على الْبُرْهَان وَمن أول حَاشِيَة الْجلَال البكري على الْمِنْهَاج إِلَى أثْنَاء النِّكَاح بِفَوَات في أَثْنَائِهَا على مؤلفها وَسمع مَوَاضِع فِي شرح الألفية وَسمع على المليونى والرضى الأوحاقى والسخاوي.

وَسمع صَحِيح البخاري بِتَمَامِهِ في خَمْسَة مجَالِس على الشاوي وَقَرَأَ فِي الْفُنُون على جمَاعَة ثمَّ حجّ غير مرة وجاور سنة ارْبَعْ وَثَمَانِينَ ثمَّ جاور مجاورة أُخْرَى سنة أَربع وَتِسْعين وَسمع بهَا عَن جمَاعَة وَجلسَ للوعظ بالجامع الْعُمْرَى وَكَانَ يجْتَمع عِنْده جمع جم ثمَّ جلس بِمصْر شَاهدا رَفِيقًا لبَعض الْفُضَلَاء وَبعده انجمع وَكتب بِخَطِّهِ لنَفسِهِ أَشْيَاء بل جمع فى القرا ات الْعُقُود السّنيَّة فِي شرح الْمُقدمَة الجزرية في التجويد والكنز في وقف حَمْزَة وَهِشَام على الْهَمْز وشرحاً على الشاطبية وصل فِيهِ إِلَى الإدغام الصَّغِير زَاد فِيهِ زيادات ابْن الجزرى مَعَ فَوَائِد غَرِيبَة لَا تُوجد فِي شرح غَيره.

وَكتب على الطّيبَة قِطْعَة مزجاً وعَلى الْبردَة مزجاً أَيْضا سَمَّاهُ مَشَارِق الْأَنْوَار المضية في مدح خير الْبَريَّة وتحفة السَّامع والقارى بِخَتْم صَحِيح البخاري وَمن مؤلفاته الْمَشْهُورَة شرح البخاري الْمُسَمّى إرشاد الساري على صَحِيح البخاري فِي أَربع مجلدات وَشرح صَحِيح مُسلم مثله وَلم يكمل والمواهب اللدنية بالمنح المحمدية وَكَانَ متعففاً جيد الْقِرَاءَة لِلْقُرْآنِ والْحَدِيث والخطابة شجي الصَّوْت مشارك فِي الْفَضَائِل متواضع متودد لطيف الْعشْرَة سريع الْحَرَكَة كثرت أسقامه واشتهر بالصلاح وَالتَّعَفُّف على طَرِيق أهل الْفَلاح.

قَالَ الشَّيْخ جَار الله ابْن فَهد وَلما اجْتمعت بِهِ فِي الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفي الرحلة الثَّانِيَة عظّمني واعترف لي بِمَعْرِفَة فني وتأدب معي وَلم يجلس على مرتبته بحضرتي فَالله يزِيد فِي إكرامه ويبلغه غَايَة مرامه قَالَ ثمَّ بلغني فِي رحلتي إِلَى الشَّام أَنه مَاتَ في لَيْلَة الْجُمُعَة سَابِع الْمحرم سنة 923 ثَلَاث وعشربن وَتِسْعمِائَة وَصلى عَلَيْهِ بعد الْجُمُعَة بالجامع الْأَزْهَر وَدفن بِالْمَدْرَسَةِ جوَار منزلَة تغمده الله برحمته “.

47 / مرثية بدر الدين الزيتوني

تعرضت دولة المماليك البرجية لهزيمة قاسية نتج عنها مقتل السلطان قنصوه الغوري في مرج دابق وهو الأمر الذي فتح الطريق أمام العثمانيين لغزو الديار المصرية وإسقاط السلطنة والخلافة معا ، وكان هذا التغيير دافعا لكثير من الشعراء في اتجاه التعبير عن ذلك ورثاء الدولة التي كانت أعجوبة الزمان وملء السمع والبصر ، ومنهم الشاعر القاضي بدر الدين الزيتوني الذي ولد في مصر عام 831 هـ / 1427 م وتوفي فيها عام 924 / 1517 م عن ثلاثة وتسعين عاما عاصر فيها تلك الدولة وكان شاهدا على انتصاراتها الدائمة.

وقد كتب الزيتوني مرثية من الزجل العامي يحكي فيها قصة مصرع السلطان الغوري على طريقة السير والملاحم الشعبية ويعبر فيها عن رأي العامة في ذلك الحدث الكبير حيث قام الزجل هنا بكتابة التاريخ على طريقة الأدباء ولبيس المؤرخين ، وقد ذكره الزركلي في كتاب الأعلام فقال : ” محمد بن محمد الزيتوني العوفيّ بدر الدين من فضلاء الشافعية بمصر ، كان عارفا بالقضاء ماهرا في الخطب المنبرية نابغا في الزجل يقول الشعر والدوبيت والمواليا والموشحات ، له (أرجوزة) في الفقه و شرحها “.

وذكره السخاوي في الضوء اللامع فقال : ” مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عبد الله بن مُحَمَّد بن عِيسَى بن مُحَمَّد الْبَدْر أَبُو النجا بن الشَّمْس بن الجامل الزيتوني الشَّافِعِي  الْمَاضِي جده ، ولد فِي ثامن عشر شعْبَان سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَثَمَانمِائَة وَحفظ الْقُرْآن والمنهاجين وألفية النَّحْو وإيساغوجي وَعرض على شَيخنَا وَالْعلم البُلْقِينِيّ وَابْن الديري وَابْن الْهمام كَمَا أخبر بِهِ فِي ذَلِك كُله.

وخطب بِجَامِع الطواشي كأبيه وتولع بالنظم وتميز فِي الشعبذة وسلك طرق الخيال والحلقية واختص بِبَعْض بني الجيعان وساعده هُوَ أَو غَيره فِي خلعة بالبخاري مَعَ الْمَشَايِخ وبالصلاح المكيني ونادمهما ومدح غير وَاحِد بل وامتدح الْعلم البُلْقِينِيّ فاستنابه بسفارته وَتَبعهُ من بعده ، وامتدحني فِي ختم البُخَارِيّ بالظاهرية وَبعده بِمَا كتبته فِي مَحل آخر “.

وذكره ابن إياس في كتابه بدائع الزهور وذلك في أحداث سنة 924 هـ فقال : ” وفى يوم الاثنين خامس عشرين شهر رجب فيه كانت وفاة صاحبنا الشيخ بدر الدين محمد بن محمد الزيتونى العوفى رحمة الله عليه وكان أحد نواب السادة الشافعية وكان فاضلا عارفا بصنعة القضاء والتوقيع ماهرا فى الخطب، وكان فكه المحاضرة كثير العشرة للناس،

وكان علامة فى فن الأزجال، وكان ينظم السبعة فنون وهى الشعر والذوبيت والمواليا والموشحات والأزجال وكان وكان والقوما، وكان له شعر جيد، ونظم أرجوزة فى الفقه مفيدة للحفاظ وشرحها شرحا على الأوضاع مفيدا فى معناه، ومن شعره الرقيق قوله ملغزا فى اسم حمزه: يا سائلى عن اسم من … خدوده كالندم .. فى خدّه وثغره … وفى فؤادى المغرم

وكان مولده سنة إحدى وثلاثين وثمانمائة، وذلك فى شهر شعبان فى سادسه، فكان مدة حياته أربعا وتسعين سنة إلا أياما، ولما مات حضر قضاة القضاة الأربعة وصلّوا عليه، وكان له جنازة حفلة، ودفن بحوش تربة الصوفة رحمه الله تعالى، ولما توفى الشيخ بدر الدين الزيتونى رثاه ولده القاضى بدر الدين محمد بهذه القطعة الزجل اللطيف وهو قوله فيه:

يحقّ أن أرثى لموت والدى .. كان أفصح النظّام وعقلو رجيح .. فى درج الأكفان للقياما اندرج … واجب على فقد وبعزمى أصيح .. كان والدى فى فن الأزجال تقصدو … حفّاظ مصر والكل بيه يعتنون .. وفى جميع العلم ما لو نظير … فقيه مدرس فى جميع الفنون .. يدرى الأصول والنحو معرب خطيب … ومنطقى فى الصرف عاقل مصون .. جا الموت خذو وأصبحت بين الورا … فريد وجمع الناس بحزنى تبيح .. ويندبو همّى عليه بالفراق … وما جرى من جفن عينى القريح .. قوما بنا جمع الموالى والصحاب … نرثى الذى قد كان وكان فى الدهور “.

وقد روى ابن إياس هذه المرثية في موضع آخر من كتابه فقال : ” ولا بأس بإيراد هذه المرثية اللطيفة من نظم الشيخ بدر الدين الزيتونى أبقاه الله تعالى ، وقد رثى بها الملك الأشرف قانصوه الغورى عند وقوع تلك الفتنة المقدم ذكرها بما جرى له ، وهو قوله هذه القطعة الزجل :

غربت شمس دولة الغورى … وابن عثمان نجمو طلع ساير .. وبهذا رب السما قد حكم … والفلك دار ولم يزل داير .. ابن عثمان باداه بأخذ القلع … وبمنع التاجر مع الجلاب .. أن يجيبوا إلى مصر مملوك … ولا فروة سمور ولا سنجاب.

ولا يدرى ما قد خبى فى الغيب … من تقادير القاهر القادر .. خامس العشر من ربيع آخر … تسعماية اثنين وعشرين عام .. ورّخوها من هجرة الهادى … شافع الخلق فى نهار القيام .. كان خروج السلطان بتجريده … لابن عثمان طالب بلاد الشام .. والأمارة فى خدمتو موكبين … بالمماليك والطلب تتفاخر .. وخروج الجميع من القاهرة … كان بتقدير الواحد القاهر.

وجد الروم مجهّزين بالسلاح … والتراكيش معمّرة بالنبال .. ووقع بين العسكرين وقعه … للفرقين شابت لها الأطفال .. نصر الله المصرى على الرومى … وبخيلو أضحى عليه غاير .. ولا يدرى ما قد خبى فى الغيب … ولا يدرى ما هو إليه صاير .. ابن عثمان كان لو من العسكر … خلق كانوا عن الشمال كامنين .. فى اشتغال العسكر بنهب الروم … خرجوا فى القتال لأهل اليمين .. فاستغاث الملك وبو سارقة … أرمتو الأرض عن جواد وينين.

والعجب كان فى قتلة الغورى … فى التواريخ تكتب بماء الذهب .. تسعماية اثنين وعشرين عام … ما جرالو خامس وعشرين رجب .. نسأل الله أن يحسن العاقبة … ويعيد الرابح هو الخاسر .. يكشف العار عنّا بأخذ التار … ويردّ الكسرة على الكافر .. أشتهى التار لقتلة الغورى … ولعلّى أن أبلغ الأوطار .. والتهانى ذاك النهار عندى … ويغنّو على وتر أو طار .. بعد هذا ما اخشى غراب البين … إن زعق فى ديارنا أو طار .. والعجايب فى قتلة الغورى … راح برجلو لقتلتو خاطر .. وحسبنا كل الحساب إلا … ما جرى لو ما مرّ بالخاطر .. دمعة العين منى على الغورى … من دماها تجرى لحزنى عين

العجب كان فى قتلة الغورى … كل مقدور لا يدفع المحذور .. يوم خروجو من ذى البلد أوكب … ولا يدرى ما فى الجبين مسطور .. بالمقدّر قال لو لسان الحال … قد بقى من عمرك ثلاثة شهور .. انتبه من رقدة الغفلة … واجمل الطول من الأمل قاصر .. يالذى جا يسمع عقود نظمو … خذ وحرّر عنّو بديع نقلو .. وإن أتى لك من يطلب التاريخ … والوقايع عن الملوك قل لو .. غربت شمس دولة الغورى … وابن عثمان نجمو طلع ساير .. وبهذا ربّ السما قد حكم … والفلك دار ولم يزل داير “.

48 / الأضواء الْبَهْجَة

مجدد الإسلام على رأس المائة التاسعة هو الإمام والفقيه والمحدث والقاضي واللغوي والمتصوف أبو يحيى زكريا بن محمد بن أحمد بن زكريا الخزرجي الأنصاري والمعروف بلقب (شيخ الإسلام) ، ولد في قرية سنيكة من أعمال الشرقية (الحلمية حاليا) في عام 826 هـ / 1422 م وتوفي بالقاهرة في عام 926 هـ / 1519 م عن عمر ناهز مائة عام ودفن في القرافة الصغرى للفسطاط بالقرب من قبة الإمام الشافعي .

وترجع أصوله إلى فرع بني حرام بن كعب من قبيلة الخزرج الأنصارية وجده الأعلى هو الصحابي الجليل الحباب بن المنذر بن الجموح صاحب مشورة رسول الله (ص) ، وقد نبغ من أولاده في الفقه والنحو والكتابة والتصوف كل من محيي الدين أبو السعود يحيى ومحب الدين أبو الفتوح محمد وجمال الدين يوسف بالإضافة إلى عدد كبير من أحفاده كانوا من العلماء والفقهاء ومن أعيان عصرهم.

تلقى العلم عن شيوخ عصره ونال الإجازة من العلامة ابن حجر العسقلاني وتولى مشيخة جامع الظاهر ومشيخة التصوف بجامع العلم بن الجيعان ومشيخة التصوف بمسجد الطواشي علم دار ، وتولى التدريس في التربة التي أنشأها الظاهر خشقدم بالصحراء أول ما فتحت وكذلك تدريس الفقه بالمدرسة السابقية بعد وفاة ابن الملقن وتولى مشيخة الدرس بالمدرسة الصلاحية المجاورة لقبة الإمام الشافعي ثم تولى منصب قاضي القضاة.

وقد ترك الأنصاري عددا كبيرا من المؤلفات في مختلف العلوم الإسلامية من أشهرها كتاب أسنى المطالب في شرح روض الطالب وكتاب إعراب القرآن العظيم وكتاب الحدود الأنيقة والتعريفات الدقيقة وكتاب الغرر البهية في شرح البهجة الوردية وكتاب المقصد لتلخيص ما في المرشد وكتاب غاية الوصول في شرح لب الأصول وكتاب فتح الباقي بشرح ألفية العراقي وكتاب فتح العلام بشرح الإعلام بأحاديث الأحكام وكتاب فتح الوهاب بشرح منهج الطلاب وكتاب فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن وكتاب منحة الباري بشرح صحيح البخاري.

وله في المجال الأدبي كتاب (الأضواء الْبَهْجَة فِي إبراز دقائق المنفرجة) يشرح فيه قصيدة شهيرة للشاعر ابن النحوي التلمساني تدعى (القصيدة المنفرجة) والتي ذاع صيتها في العالم الإسلامي وعرفت بلقب (أم الفرج) لاحتوائها على قدر كبير من الأدعية والابتهالات المتعلقة بتفريج الكروب ويقول في مطلعها : اشتدّي أزمة تنفرجي .. قد آذن ليلك بالبلج ، وقد ذاع بين الناس أن القصيدة مشتملة على الاسم الأعظم وأنه ما دعا بها أحد إلا استجيب له وقد كتبها ليعارض بها قصيدة المنفرجة لحجة الإسلامي الغزالي التي يقول قي مطلعها : الشدة أودت بالمهج .. يا رب فعجّل بالفرج.

ويشرح الأنصاري سبب تأليفه الكتاب في مقدمته فيقول : “بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم الْحَمد لله المفرج للركب عقب الشدَّة المنجي لخلص عباده من غياهب الظُّلم الْمعدة وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على سيد الْأَنَام وعَلى آله وَصَحبه الْكِرَام.

وَبعد ، فَهَذَا مَا اشتدت إِلَيْهِ حَاجَة المتفهمين للمنفرجة قصيدة الإِمَام الْعَلامَة الحبر الْبَحْر الفهامة الْعَارِف بِاللَّه الرباني أبي الْفضل يُوسُف ابْن مُحَمَّد بن يُوسُف التوزري الأَصْل الْمَعْرُوف بِابْن النحوي ، على مَا قَالَه الْعَلامَة أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن أبي زيد البجائى شارحها أَو أبي عبد الله بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن إِبْرَاهِيم الأندلسي الْقرشِي على مَا قَالَه الْعَلامَة تَاج الدّين السبكى فِي طبقاته مَعَ نَقله الأول عَن أبي عبد الله مُحَمَّد بن على التوزرى الْمَعْرُوف بِابْن المصرى رحمهمَا الله ونفعنا ببركاتهما.

من شرح يحل ألفاظها وَيبين مرادها ويكشف لطلابها نقابها على وَجه لطيف ومنهج منيف لخصته من الشَّرْح الْمشَار إِلَيْهِ وَغَيره ، مَعَ تَبْدِيل وَتغَير لما يحْتَاج إِلَى تَحْرِير وَالله أسأَل أَن ينفع بِهِ وَأَن يَجعله خَالِصا لوجهه وسميته بالأضواء البهجة في إبراز دقائق المنفرجة.

وَهِي من الْبَحْر السَّادِس عشر الْمُسَمّى بالخبب الَّذِي تَركه الْخَلِيل وَغَيره وأثبته الْأَخْفَش وَغَيره ، وتفصيله : فاعلن ثَمَان مَرَّات وسمى بالخبب لقصر أَجْزَائِهِ وتقطيع أبياته يحاكى فِي السّمع ركض الْخَيل وخببها ، وزحافه الخبن وَهُوَ حذف الثَّانِي السَّاكِن وَإِن سكنت عينه ، فَقيل بالإضمار بعد الخبن وَقيل بِالْقطعِ وَقيل: بالتشعيث على مَا هُوَ مُبين مَعَ الصَّحِيح مِنْهَا فِي مَحَله.

وَهَذِه القصيدة سَمَّاهَا الشَّيْخ تَاج الدّين السبكى بالْفرج بعد الشدَّة ، قَالَ : وهى مجربة لكشف الكروب وَأَن كثيرا من النَّاس يَعْتَقِدُونَ أَنَّهَا مُشْتَمِلَة على الِاسْم الْأَعْظَم وَأَن مَا دعى بهَا أحد إِلَّا اسْتُجِيبَ لَهُ ، قَالَ : وَكنت أسمع الإِمَام الْوَالِد إِذا أَصَابَهُ أزمة ينشدها ، وَالظَّاهِر أَن ناظمها ابْتَدَأَ لفظا وخطا ببِسم الله الرَّحْمَن أَو بِالْحَمْد لله لخَبر (كل أَمر ذى بَال لَا يبتدأ فِيهِ بِبسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم) وَفِي رِوَايَة : بالْحَمد لله فَهُوَ أَجْذم أَي مَقْطُوع الْبركَة.

وبعد أن شرحها ختم كتابه بقوله : ” قَالَ المُصَنّف رَضِي الله عَنهُ : وَأَنا أتوسل إِلَى الله تَعَالَى بالناظم وَأَمْثَاله أَن يمن عَليّ وعَلى أحبائي بتوبة صَادِقَة ونعمة صَافِيَة وعافية وافية وَقَالَ أَيْضا كَانَ الله لَهُ فِي الدَّاريْنِ وَبَلغنِي وَالْمُسْلِمين ببركة علومه فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة ، تمّ الشَّرْح بِحَمْد الله وعونه فِي حادي عشر ذِي الْحجَّة الْحَرَام سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وثماني مئة وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على أشرف خلقه سيدنَا مُحَمَّد وَآله وَصَحبه كلما ذكره الذاكرون وغفل عَن ذكره الغافلون ورضي الله عن أصحاب رسول الله أجمعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين “.

ذكره الشوكاني في كتابه البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع فقال : ” زَكَرِيَّا بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن زَكَرِيَّا الأنصاري القاهري الأزهري القاضي الشافعي ولد سنة 826 سِتّ وَعشْرين وثمان مائَة فحفظ الْقُرْآن وعمدة الأحكام وَبَعض مُخْتَصر التبريزي في الْفِقْه ثمَّ تحوّل إلى الْقَاهِرَة فِي سنة 841 فقطن الأزهر وأكمل حفظ الْمُخْتَصر الْمَذْكُور وَحفظ الْمِنْهَاج الفرعي وألفية النَّحْو والشاطبيتين وَبَعض الْمِنْهَاج الأصلي وَبَعض ألفية الحَدِيث وَمن التسهيل إِلَى كَاد وأتمه من بعد.

ثمَّ جدّ في الطلب وَأخذ عَن جمَاعَة مِنْهُم البلقينى والقاياتى والشرف السبكى وَابْن حجر والزين رضوَان وَغَيرهم ، وَقَرَأَ في جَمِيع الْفُنُون وَأذن لَهُ شُيُوخه بالإفتاء والتدريس وتصدر وَأفْتى وأقرأ وصنف التصانيف مِنْهَا فتح الْوَهَّاب شرح الْآدَاب وَغَايَة الْوُصُول فِي شرح الْفُصُول وَشرح الرَّوْض مُخْتَصر الرَّوْضَة لِابْنِ المقري وَله حَاشِيَة على شرح الْبَهْجَة للولي العراقي وَشرح لشذور الذَّهَب وَله شُرُوح ومختصرات في كل فن من الْفُنُون انْتفع النَّاس بهَا وتنافسوا فِيهَا.

ودرّس في أمكنة متعددة وَزَاد فِي الترقي وَحسن الطلاقة والتلقي مَعَ كَثْرَة حاسديه وَارْتَفَعت دَرَجَته عِنْد السُّلْطَان قايتباى وَكثر توسل النَّاس بِهِ إِلَيْهِ وَكَانَ السُّلْطَان يلهج بتوليه الْقَضَاء مَعَ علمه بِعَدَمِ قبُوله لَهُ فِي سلطنة خشقدم ثمَّ ولاه الْقَضَاء قايتباى وصمم عَلَيْهِ فأذعن بعد مَجِيء أكَابِر الدولة إِلَيْهِ فباشره بعفة ونزاهة ثمَّ عزل سنة 906 ثمَّ عرض عَلَيْهِ بعد ذَلِك فَأَعْرض عَنهُ لكف بَصَره وانجمع فِي مَحَله واشتهرت مصنفاته وَكَثُرت تلامذته وَألْحق الأحفاد بالأجداد.

وَعمر حَتَّى جَاوز الْمِائَة أَو قاربها وَمَات في يَوْم الْجُمُعَة رَابِع ذي الْحجَّة سنة 926 وحزن النَّاس عَلَيْهِ كثيراً لمزيد محاسنة ورثاه جمَاعَة من تلامذته فَمن ذَلِك قَول عبد اللَّطِيف : قضى زَكَرِيَّا نحبه فتفجرت .. عَلَيْهِ عُيُون النيل يَوْم حمامه .. ليعلم أَن الدَّهْر رَاح أَمَامه .. وَمَا الدَّهْر يبْقى بعد فقد إمامه .. سقى الله قبرا ضمه غوث صيب .. عَلَيْهِ مدى الأيام صبح غمامه “.

وذكره عبد القادر بن شيخ العيدروس في كتابه النور السافر عن أخبار القرن العاشر فقال : ” وَفِي يَوْم الْجُمُعَة رَابِع ذِي الْحجَّة سنة خمس وَعشْرين توفّي الشَّيْخ الإِمَام الْعَلامَة شيخ الْإِسْلَام قَاضِي الْقُضَاة زين الدّين زَكَرِيَّا بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن زَكَرِيَّا الْأنْصَارِيّ السنيكي ثمَّ القاهري الْأَزْهَرِي الشَّافِعِي بِالْقَاهِرَةِ وَدفن بالقرافة بِالْقربِ من الإِمَام الشَّافِعِي وحزن النَّاس عَلَيْهِ كثيرا لمحاسنه الْكَثِيرَة واوصافه الشهيرة ورثاه جمَاعَة من تلامذته بعدة مراثي مطولات.

وَكَانَ مولده فِي سنة سِتّ وَعشْرين وَثَمَانمِائَة بسنيكه من الشرقية وَنَشَأ بهَا وَحفظ الْقُرْآن عِنْد الفقيهين مُحَمَّد بن ربيع والبرهان الفاقوسي البلبيسي وعمدة الْأَحْكَام وَبَعض مُخْتَصر التبريزى فِي الْفِقْه ثمَّ تحول إِلَى الْقَاهِرَة فِي سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين فقطن جَامع الْأَزْهَر واكمل حفظ الْمُخْتَصر ثمَّ حفظ الْمِنْهَاج الفرعي والألفية النحوية والشاطبية والرائية وَبَعض الْمِنْهَاج الْأَصْلِيّ وَنَحْو النّصْف من ألفية حَدِيث وَمن التسهيل إِلَى كَاد وَبَعض ذَلِك بعد هَذَا الأوان وَأقَام بعد مجيئة الْقَاهِرَة بهَا يَسِيرا.

ثمَّ عَاد إِلَى بَلَده ثمَّ رَجَعَ ودوام الأشتغال وجد فِيهِ فَكَانَ مِمَّن أَخذ عَنْهُم الْفِقْه القاياتي وَالْعلم البُلْقِينِيّ أَخذ عَنْهُمَا بِقِرَاءَة شرح الْبَهْجَة مُلَفقًا بل وَأخذ عَنْهُمَا فِي الْفِقْه غير ذَلِك والشرف السنيكي والشموس الوفاي والحجازي والبدرشي والشهاب ابْن المجدي والبدر النسابة والزين البوشنجي وبل وَعَن شيخ الْإِسْلَام ابْن حجر والزين رضوَان فِي آخَرين وَحضر دروس الشّرف الْمَنَاوِيّ وَغَيره وأصول فقه القاياتي والمحيوي الكافياجي قَرَأَ عَلَيْهِمَا الْعَضُد مُلَفقًا والعز عبد السَّلَام الْبَغْدَادِيّ والكمال نزيل زَاوِيَة الشَّيْخ نصر الله قَرَأَ عَلَيْهِ العبري شرح الطوالع للآمدى وَغَيرهم.

وَعَن كل مشايخه فِي أصُول الدّين أَخذ النَّحْو بل وَأَخذه أَيْضا عَن ابْن المجدي وَابْن الْهمام والشمني وَالصرْف عَن الْعِزّ عبد السَّلَام والشرواني وَكَذَا عَن مُحَمَّد بن حمد الكيلاني قَرَأَ عَلَيْهِ شرح تصريف الْعزي للتفتازاني وَطَائِفَة والمعاني وَالْبَيَان والبديع عَن القاياتي أَخذ عَنهُ المطول مَا بَين قِرَاءَة وَسَمَاع وَالشَّمْس البُخَارِيّ الْمَذْكُور فَقَرَأَ عَلَيْهِ الْمُخْتَصر والكافياجي والشرواني وَعَن مَا عداهُ أَخذ الْمنطق وَكَذَا عَن ابْن الْهمام والآمدي والزين جَعْفَر نزيل المؤيدية قَرَأَ عَلَيْهِ شرح الشمسية وغالب حَاشِيَة السَّيِّد الْجِرْجَانِيّ والتقي الحصني أَخذ عَنهُ ظنا القطبي وحاشيته أَخذ عَن القاياتي فِي اللُّغَة كَذَا أَخذ عَنهُ وَعَن الكافياجي وَشَيخ الْإِسْلَام الْحَافِظ ابْن حجر الْعَسْقَلَانِي فِي التَّفْسِير.

أَخذ علم الْهَيْئَة والهندسة والميقات والفرائض والحساب والجبر والمقابلة وَغَيرهَا عَن ابْن المجدي وقرا عَلَيْهِ من تصانيفه أشباه الْفَرَائِض والحساب أَيْضا عَن الشَّمْس الْحِجَازِي والبوشنجي كَذَا عَن أبي الْجُود اللَّيْثِيّ الْمَجْمُوع والفصول الْحكمِيَّة عَن الشرواني وجعفر الْمَذْكُور الطِّبّ عَن الشّرف بن الخشاب الْعرُوض عَن السراج الورودي علم الْحَرْف عَن مُحَمَّد بن قرقماز الْحَنَفِيّ التصوف عَن جمَاعَة مِنْهُم أَبُو عبد الله الغمري والشهاب أَحْمد الأذكاوي وَمُحَمّد الغومي وَكِلَاهُمَا من أَصْحَاب أبي إِسْحَاق الأذكاوي عَن السراج عمر البُلْقِينِيّ والزين عبد الرَّحْمَن الخليلي وتلقن مِنْهُم وَمن الْفَقِيه أَحْمد بن الْفَقِيه عَليّ بن مُحَمَّد بن حميد الدمياطي عرف بالزلباني الذّكر.

تلى بالسبع على كل من النُّور البُلْقِينِيّ أَمَام الْأَزْهَر والزين الرضْوَان والشهاب القلقيلي الكسندراني بعد تدريسه فِي ذَلِك لبَعض طلبتهم وبالثلاث الزَّائِدَة عَلَيْهَا مِمَّا تضمنته مصنفات ابْن الْجَزرِي فِي النشر والتقريب والطيبية على الزين ظَاهر الْمَالِكِي بالعشر لَكِن إِلَى المفلحون فَقَط ، عَن الزين ابْن عَيَّاش الْمَكِّيّ أَخذ رسوم الْخط وَعَن الزين رضوَان سمع عَلَيْهِ فِي الْبَحْث من شرح الشاطبية للجعبري وَحمل عَنهُ كتبا جمة فِي الْقرَاءَات والْحَدِيث وَغَيرهمَا كجملة من شرح الفية الحَدِيث للعراقي عَن أبن الْهمام أَخذ هَذَا الشَّرْح بِتَمَامِهِ سَمَاعا وَبَعضه قِرَاءَة وَعَن القاياتي بعضه أَخذ عَن شَيخنَا الْكثير مِنْهُ وَمن ابْن الصّلاح وَجَمِيع شرح النخبة لَهُ.

وقرأ عَلَيْهِ والسيرة النَّبَوِيَّة لِأَبْنِ سيد النَّاس ومعظم السّنَن لِأَبْنِ ماجة وَأَشْيَاء غَيرهَا وَسمع فِي صَحِيح مُسلم عَن الزين الزَّرْكَشِيّ كَذَا سمع على الْعِزّ ابْن الْفُرَات الْبَعْث لِأَبْنِ أبي دَاوُد وَغَيره على سارة ابْنه ابْن جمَاعَة فِي المعجم الْكَبِير للطبراني بقرائتي وعَلى الْبُرْهَان الصَّالِحِي والرشيدي وَكثير مِمَّن تقدم كالزين رضوَان واشتدت عنايته بملازمته لَهُ فِي ذَلِك حَتَّى قَرَأَ عَلَيْهِ مُسلم وَالنَّسَائِيّ والبوشنجي والبلقيني.

وبمكة سنة خمسين حِين حج على الشّرف أبي الْفَتْح المراغي والتقي ابْن فَهد والقاضيين أبي الْيمن النويري وَأبي السعادات أبن ظهيره فِي آخَرين بِالْقَاهِرَةِ وَغَيرهَا كتب لَهُ أَسَانِيد فِي جُزْء وَأَجَازَ لَهُ فِي ذَلِك بعض من ذكر من جَمِيع شُيُوخه فِي أَخذه عَنهُ أَكثر من بعض كَمَا أَن عمله فِي هَذِه الْعُلُوم أَيْضا يتَفَاوَت وَلم يَنْفَكّ عَن الِاشْتِغَال على طَريقَة جميلَة من التَّوَاضُع وَحسن الْعشْرَة وَالْأَدب والعفة والانجماع عَن بني الدُّنْيَا مَعَ التقلل وَشرف النَّفس ومزيد الْعقل وسعة الْبَاطِن والأحتمال المداراة إِلَى أَن أذن لَهُ غير وَاحِد من شُيُوخه فِي الافتاء والاقراء.

وَمِمَّنْ كتب لَهُ شيخ الأسلام أبن حجر وَنَصّ كِتَابَته فِي شَهَادَته على بعض الإجازات لَهُ وأذنت لَهُ أَن يقْرَأ الْقُرْآن على الْوَجْه الَّذِي تَلقاهُ وَيقدر الْفِقْه على النمط الَّذِي نَص عَلَيْهِ الإِمَام وارتضاه قَالَ وَالله المسؤول أَن يَجْعَلنِي وإياه مِمَّن يرجوه ويخشاه إِلَى أَن نَلْقَاهُ وَكَذَا أذن لَهُ فِي إقراء شرح النخبة وَغَيرهَا ، وتصدى للتدريس فِي حَيَاة غير وَاحِد من شُيُوخه وانتفع بِهِ الْفُضَلَاء طبقَة بعد طبقَة.

وَشرح عدَّة كتب مِنْهَا آدَاب الْبَحْث وَسَماهُ فتح الْوَهَّاب شرح الْآدَاب وفصول ابْن الهايم وَسَماهُ غَايَة الْوُصُول إِلَى علم الْفُصُول مزج الْمَتْن فِيهِ وَشَرحه شرحاً آخر سَمَّاهُ مَنْهَج الْوُصُول إِلَى تَخْرِيج الْفُصُول وَهُوَ ابسطها والتحفة القدسية لِابْنِ الهايم فِي الْفَرَائِض أَيْضا سَمَّاهُ التُّحْفَة الانسية لغلق التُّحْفَة القدسية والفية ابْن الهايم أَيْضا الْمُسَمَّاة بالكفاية وَسَماهُ نِهَايَة الْهِدَايَة فِي تَحْرِير الْكِفَايَة وبهجة الْحَاوِي فقه سَمَّاهُ الْغرَر البهية بشرح الْبَهْجَة الوردية وتنقيح اللّبَاب لِابْنِ الْعرَاق ومختصر الرَّوْضَة للمقري الْمُسَمّى روض الطَّالِب سَمَّاهُ اسنى المطالب إِلَى روض الطَّالِب وَكتب على الفية النَّحْو يَسِيرا اقرأه مُعظم ذَلِك.

طَار اسْم شرح الْبَهْجَة فِي كثير من الأقطار قصد بالفتاوي وزاحم كثيرا من شُيُوخه فِيهَا وَله تهجد وَتوجه وصبر وَاحْتِمَال وَترك القيل والقال وَله أوراد واعتقاد وتواضع وَعدم تنَازع وَعَمله فِي التودد يزِيد عَن الْحَد ورويته أحسن من بديهته وكتابته أمتن من عِبَارَته وَعدم مسارعته إِلَى الْفَتَاوَى تعد من حَسَنَاته وَاخْتصرَ الْمِنْهَاج الفرعي للنووي وَسَماهُ مَنْهَج الطلاب وَشَرحه شرحاً مُفِيدا.

قلت وصنف فِي كثير من الْعُلُوم كالفقه وَالتَّفْسِير والْحَدِيث والنحو واللغة والتصريف والمعاني وَالْبَيَان والبديع والمنطق والطب وَله فِي التصوف البارع الطَّوِيل وصنف فِي الْفَرَائِض والحساب والجبر والمقابلة والهيئة والهندسة إِلَى غير ذَلِك وترأس بجدارة دهراً وَولي المناصب الجليلة كتدريس مقَام الإِمَام الشَّافِعِي وَلم يكن بِمصْر أرفع منصباً من هَذَا التدريس وَولي تدريس عدَّة مدارس رفيعة وخانقاه صوفية وَغَيرهَا إِلَى أَن رقى إِلَى المنصب الْجَلِيل وَهُوَ قَاضِي الْقُضَاة بعد امْتنَاع كثير وتعفف زَائِد وَوَقع ذَلِك فِي شهر رَجَب سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَثَمَانمِائَة.

ثمَّ اسْتمرّ قَاضِيا مُدَّة ولَايَة السُّلْطَان الاشرف قايتباي رَحمَه الله تَعَالَى ثمَّ اسْتمرّ بعد ذَلِك إِلَى أَن كف بَصَره فعزل بالعمى رَحمَه الله تَعَالَى وَلم يزل رَحمَه الله تَعَالَى ملازم التدريس والافتاء والتصنيف وانتفع بِهِ خلائق ودرس تلامذته فِي حَيَاته وافتوا وتولوا المناصب الرفيعة ببركته وبركة الانتساب إِلَيْهِ وَلم يزل كَذَلِك فِي نشر الْعلم وَكَثْرَة الْخَيْر وَالْبر والاحسان إِلَى أَن توفّي رَحمَه الله تَعَالَى.

وَقَالَ الشَّيْخ ابْن حجر الهيتمي فِي مُعْجم مشايخه وقدمت شَيخنَا زَكَرِيَّا لِأَنَّهُ أجل من وَقع عَلَيْهِ بَصرِي من الْعلمَاء العاملين وَالْأَئِمَّة الْوَارِثين واعلى من عَنهُ رويت ودريت من الْفُقَهَاء الْحُكَمَاء المسندين فَهُوَ عُمْدَة الْعلمَاء الْأَعْلَام وَحجَّة الله على الانام حَامِل لِوَاء مَذْهَب الشَّافِعِي على كَاهِله ومحرر مشكلاته وَكَاشف عويصاته فِي بكرته وأصائله مُلْحق الاحفاد بالأجداد المتفرد فِي زَمَنه بعلوا الأسناد كَيفَ وَلم يُوجد فِي عصره إِلَّا من أَخذ عَنهُ مشافهة أَو بِوَاسِطَة أَو بوسائط مُتعَدِّدَة بل وَقع لبَعْضهِم انه أَخذ عَنهُ مشافهة تَارَة وَعَن غَيره مِمَّن بَينه وَبَينه نَحْو سبع وسائط تَارَة أُخْرَى وَهَذَا لَا نَظِير لَهُ فِي أحد من عصره فَنعم هَذَا التميز الَّذِي هُوَ عِنْد الْأَئِمَّة أولى واحرى لِأَنَّهُ حَاز بِهِ سَعَة التلامذة والاتباع وَكَثْرَة الآخذين عَنهُ ودوام الأنتفاع أنْتَهى كَلَام أبن الْحجر.

وَيقرب عِنْدِي انه المجدد على رَأس الْقرن التَّاسِع لشهرة الأنتفاع بِهِ وبتصانيفه واحتياج غَالب النَّاس إِلَيْهَا فِيمَا يتَعَلَّق بالفقه وتحرير الْمَذْهَب بِخِلَاف غَيره فان مصنفاته وان كَانَت كَثِيرَة فَلَيْسَتْ بِهَذِهِ المثابة على أَن كثيرا مِنْهَا مُجَرّد جمع بِلَا تَحْرِير حَتَّى كَأَنَّهُ كَانَ حَاطِب ليل وَمن أحسن مَا رثي بِهِ قَول بَعضهم شعر : قضى زَكَرِيَّا نحبه فتفجرت .. عَلَيْهِ عُيُون النّيل يَوْم حمامة .. إِذْ لتعلم أَن الدَّهْر رَاح امامه .. وَمَا الدَّهْر يبْقى بعد فقد امامه .. سقى الله قبراً ضمه مزن صيب … عَلَيْهِ مدى الايام سح غمامه.

وَحكي أَن بعض قُضَاة مصر المحروسة كَانَ يُسمى صَالحا وَكَانَت أَحْكَامه غير مرضية وَكَانَ شيخ الْإِسْلَام الْمَذْكُور يكره أَفعاله القبيحة ويتأذى مِنْهُ جدا حَتَّى انه هجاه بِهَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ : الِاسْم غير الْمُسَمّى .. وَالْحق أَبْلَج وَاضح .. أَن كنت تنكر هَذَا .. فَانْظُر لسيرة صَالح “.

49 / الفيض المديد في أخبار النيل السعيد

(الفيض المديد في أخبار النيل السعيد) هو عنوان الكتاب الذي صنفه الشيخ شهاب الدين المنوفي الذي ولد في القاهرة عام 847 هـ / 1443 م وتوفي في منوف وهو قاض عليها عام 927 هـ / 1520 م ، ويتناول الكتاب معلومات قيمة عن نهر النيل في العصور الإسلامية وقد استقاها من كتاب أقدم منه يسمى الروض النضر والزهر العطر والذي صنفه الشيخ زين الدين الرشيدي المتوفي في القاهرة عام 803 هـ والذي جمع فيه ما تيسر له من كتابات وأشعار وإحصاءات وأوصاف تتناول نهر النيل.

وقد انتهى المؤلف من تصنيف كتابه في عام 880 هـ واستهله بمقدمة يشرح فيها منهجه في كتابته فقال : ” وبعد ، فإن الله تعالى بلطيف حكمته الظاهرة جعل النيل المبارك من آياته الباهرة وخصه بفضائل امتاز بها في الدنيا على سائر الأنهار فبذلك اكتسب السيادة عليها والافتخار فالنفوس ترتاح إليه وتحب المقام لديه لا سيما في أوان الزيادة كما جرت بذلك قديما وحديثا العادة.

وقد صنف فيه مصنفون ما بين مبسوط ومختصر وهي أشهر من أن تذكر وأكثر من أن تحصر / فمما وقفت عليه من ذلك الجزء الثالث من الروض النضر والزهر العطر تأليف الشيخ العلامة زين الدين أبي محمد عبد الرحمن بن محمد الرشيدي بخط مؤلفه المذكور فرأيته ذكر في هذا الجزء شيئا يتعلق بالنيل والبرابي والأهرام وغير ذلك غير أنه لم يسلك في ذلك أسلوبا وتقسيما ولا راعى فيه ترتيبا نظيما وإنما شتت الكلام في ذلك وفرقه فأذهب بهجته ورونقه.

فرأيت أن أجمع لنفسي جميع ما ذكره في ذلك باختصار محمود محصل للمقصود حاذفا منه ما ليس مناسبا من نظم وغيره ومخالفا له في ترتيبه فأقسمه وأرتبه على حسب ما تصل الهمة إليه وتعين القدرة عليه ليكون بذلك مختصرا لطيفا ومجموعا ظريفا ، وربما قدمت من كلامه وأخرت ليكون أدعى على تيسير ما أردت وحيث حضر في شيء من ذلك مما وقفت عليه لم يذكره صاحب الأصل أو كان الموضع قابلا للاعتراض أو استدراك أو غير ذلك “.

وقد ذكره السخاوي في الضوء اللامع فقال : ” أَحْمد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عبد السَّلَام بن مُوسَى الشهَاب أَبُو الْخَيْر بن الْعِزّ المنوفي الأَصْل القاهري الشَّافِعِي قَاضِي منوف وَيعرف بِابْن عبد السَّلَام.  ولد بعد صَلَاة الْجُمُعَة رَابِع عشر ربيع الأول سنة سبع وَأَرْبَعين وَثَمَانمِائَة.

ونشا فِي كنف أَبِيه فحفظ الْقُرْآن والعمدة والمنهاج وألفية ابْن مَالك وَعرض على البوتيجي والمحلي والمناوي والأقصرائي وَإِمَام الكاملية وَسمع على أَبِيه جُزْء البطاقة فِي آخَرين وتفقه بِالْعلمِ البُلْقِينِيّ وَابْن عَمه الْبَدْر أبي السعادات والسراج الْعَبَّادِيّ والجلال الْبكْرِيّ وَآخَرين كالبدر حسن الْأَعْرَج وَعنهُ أَخذ أَيْضا الْفَرَائِض والحساب وَأخذ عَن ابْن قَاسم والزين الأبناسي فِي النَّحْو وَعَن ثَانِيهمَا فِي الْأُصُول وَأخذ عني فِي الحَدِيث أَشْيَاء وَكتب عني جملَة.

وبرع فِي الْفِقْه وشارك فِي غَيره وناب عَن الزين زَكَرِيَّا فِي بَلَده منوف ثمَّ عَنهُ بِالْقَاهِرَةِ مُضَافا إِلَى منوف ، وَكتب شرحا على مُخْتَصر أبي شُجَاع وعَلى السِّتين مسئلة للزاهد وعَلى الجرومية وَعمل فَتَاوَى شَيْخه الْبكْرِيّ وَعمل كتابا فِي النّيل وَغير ذَلِك ، وَحج وجاور وَحضر دروس الْبُرْهَان بن ظهيرة وَجمع نبذة من فَتَاوِيهِ أَيْضا بإشاراته وَقَرَأَ على الْعَامَّة بزاوية شرف الدّين وولع بالنظم فَأتى مِنْهُ بقصائد وَغَيرهَا مَعَ نثر جيد وَخط حسن واستحضار لكثير من فروع الْفِقْه وَمن شرح مُسلم وَغَيرهمَا ومشاركة فِي كثير من الْفَضَائِل وسلامة فطْرَة ومحاسن “.

وترجم السخاوي أيضا للشيخ زين الدين الرشيدي فقال : ” عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن ابراهيم بن مُحَمَّد بن لاجين الزين أَبُو مُحَمَّد الرَّشِيدِيّ الأَصْل الْمصْرِيّ الشَّافِعِي أَخُو عبد الله الْآتِي وَيعرف بالرشيدي.

ولد سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة بِالْقَاهِرَةِ وأسمع عَليّ الْمَيْدُومِيُّ وَمُحَمّد بن اسماعيل الأيوبي وَغَيرهمَا بِالْقَاهِرَةِ وَمن ابْن أميلة وَعمر بن زباطر وَغَيرهمَا بِدِمَشْق وَأَجَازَ لَهُ من سَيذكرُ فِي أَخِيه، واشتغل بالفرائض والحساب والمواقيت وَشرح الجعبرية والأشنهية والياسمينية وَغَيرهَا وَله تصنيف فِي نيل مصر.

وَحدث ودرس سمع مِنْهُ الْفُضَلَاء قَرَأَ عَلَيْهِ شَيخنَا وَذكره فِي مُعْجَمه وَرُوِيَ لنا هُوَ وَابْن أَخِيه وَغَيرهمَا عَنهُ وَكَانَ خيرا ذَا يَد طولى فِي الْفَرَائِض والميقات ولي الرياسة فِيهِ بِبَعْض الْأَمَاكِن والخطابة بِجَامِع أَمِير حُسَيْن وَكَانَت لقرَاءَته ونغمته حلاوة وَلم يكن ماهرا ، قَالَ التقي بن قَاضِي شُهْبَة وقفت على شَرحه وَفِيه أَوْهَام عَجِيبَة ، مَاتَ فِي يَوْم الثُّلَاثَاء ثَانِي جُمَادَى الأولى أَو الثَّانِيَة سنة ثَلَاث وَجزم المقريزي فِي عقوده بِالثَّانِي رَحمَه الله “.

وقد أورد حاجي خليفة في كتابه سلم الوصول قائمة بأسماء مؤلفات الشيخ المنوفي فقال : ” الشيخ الإِمام شهاب الدين أبو الخير أحمد بن محمد بن محمد بن عبد السلام بن موسى المنوفي الأصل القاهري الشافعي قاضي منوف المتوفى بها.

ولد في ربيع الأول سنة سبع وأربعين وثمانمائة وتوفي سنة إحدى وثلاثين وتسعمائة ، نشأ في كنف أبيه فحفظ القرآن والمتون وأخذ عن العَلَم البلقيني وابن قاسم والسخاوي وأذن له في الإنشاء والتدريس وبرع في الفقه وناب في القضاء بالقاهرة وحجّ وجاور وحضر دروس البرهان بن ظهيرة وجمع نبذة من فتاواه بإشارته مع خط حسن واستحضار ومشاركة في الفضائل وأخذ عن الكافيجي أيضًا والقطب الخضيري.

وصنَّف كتبًا منها : اللفظ المكرم في خصائص النبي عليه السلام ، وشرح الإجازة مختصر أبي شجاع ، وشرح الستين مسألة سماه تذكرة العابد ، وشَرَحَ الجرومية شرحين ، والفيض المديد في أخبار النيل السعيد ، والخواطر الفكرية في الفتاوى البكرية ، وتشنيف الأسماع في مختصر الإقناع ، والزهر الفائح ، ورفع الملامة ، وهداية الطالب ، وإرشاد الناسك ، والقول المناصر ، والفوائد المسترشفة ، والنصيحة ، وترغيب السامع ، وإنعام الخالق ، والدرة اللامعة ، والنفحة المسكية ، والجواهر المضية في حلّ ألفاظ الجرومية ، وإعلام المغرور ، وإحياء المهج ، وروض الأزهار ، حكى ذلك بنفسه في البدر الطالع المنتخب من الضوء اللامع للسخاوي “.

50 / بدائع الزهور في وقائع الدهور

ابن إياس الحنفي هو المؤرخ الذي شهد إسدال الستار على العصر المملوكي وسجل في كتاباته المراحل الأخيرة لسلطنة المماليك البرجية ثم سقوطها المروع وذلك في كتاباته التاريخية القيمة وعلى رأسها كتابه بدائع الزهور في وقائع الدهور ، وقد نظم في ذلك أبياتا يقول فيها : نوحوا على مصر لأمر قد جرى .. من حادث عمت مصيبته الورى .. زالت عساكرها من الأتراك في .. غمض العيون كأنها سنة الكرى .. الله أكبر إنها لمصيبة .. وقعت بمصر ما لها مثل يُرى .. لهفي على عيش بمصر قد خلت .. أيامه كالحلم ولى مدبرا.

والمؤلف هو أبو البركات زين العابدين محمد بن أحمد بن إياس الحنفي الجركسي الذي ولد في القاهرة عام 852 هـ / 1448 م وتوفي فيها عام 930 هـ / 1524 م ، وهو من أبناء المماليك (أولاد الناس) حيث كان جد والده لأمه هو الأمير أزدمر العمري الناصري الخازندار أمير سلاح ونائب حلب المتوفي عام 769 هـ ، وجده هو الأمير إياس الفخري الظاهري المتوفي عام 853 هـ وهو أحد مماليك السلطان الظاهر برقوق وترقى في عهد أستاذه هذا إلى أن وصل إلى رتبة الدوادارية الثانية أيام ابنه السلطان الناصر فرج.

ووالده هو شهاب الدين أحمد بن إياس من مشاهير أولاد الناس وكان ذا صلات بالأمراء وأرباب الدولة وكانت وفاته في عام 908 هـ ، وأخوه هو الجمالي يوسف من كبار الزردكاشية (أي هندسة المدفعية) على عهد السلطان قانصوه الغوري ، وزوج أخته هو الأمير قرقماس المصارع وكان أمير أخور رابع وأحد أمراء العشرات وقتل في معركة البيرة في سنة 877 هـ والتي انتصر فيها الجيش المملوكي بقيادة الأمير يشبك بن مهدي الدوادار على ملك التركمان المعروفين باسم آق قيونلو (الشاة البيضاء).

وقد تتلمذ المؤلف على يد كل من الإمام جلال الدين السيوطي والمؤرخ زين الدين عبد الباسط بن خليل الحنفي ، وعاش من موارد إقطاعه الذي ورثه عن أسرته طوال حياته وساعده ذلك على التفرغ للتأليف وكتابة التاريخ ونظم الشعر ، وكان على اتصال ببعض أعيان البلاط السلطاني في عهود مختلفة كالأمير تمراز الشمسي والأمير أقبردي الدوادار الكبير وكلاهما من رجال عصر السلطان قايتباي ومنهم كذلك أبو بكر بن مزهر وابنه البدري محمد والقاضي محمود بن أجا وهم ممن شغل وظيفة كاتب سر في الدولة.

وقد صنف في التاريخ عددا من المؤلفات وهي كتاب جواهر السلوك في أمر الخلفاء والملوك وكتاب عقود الجمان في وقائع الأزمان وكتاب نزهة الأمم في العجائب والحكم وكتاب نشق الأزهار في عجائب الأمصار وكتاب مرج الزهور في وقائع الدهور بالإضافة إلى ديوانه الشعري ، أما كتابه بدائع الزهور فقد ابتدأ فيها تاريخ مصر منذ الفتح الإسلامي وحتى عام 928 هـ وتناول فيها بالتفصيل عهد السلطان قنصوه الغوري الذي كان معاصرا له وشاهد عيان على أحداثه السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

ويشرح في مقدمة كتابه منهجه في كتابة التاريخ فيقول : ” بسم الله الرحمن الرحيم ربّ يسّر وأعن ، الحمد لله الذى فاوت بين العباد وفضّل بعض خلق على بعض حتى فى الأمكنة والبلاد والصلاة والسّلام على سيدنا محمد أفصح من نطق بالضاد وعلى آله وصحبه السادة الأمجاد وفّقنا الله لما يحبّه ويرضاه وجعلنا ممن يحمد قصده على دفع قضاه.

وبعد، فهذا جزء من كتابنا المؤلّف فى التاريخ الموسوم ببدائع الزهور فى وقائع الدهور ، وقد أوردت فيه فوائد سنيّة وغرائب مستعذبة مرضيّة تصلح لمسامرة الجليس وتكون للمنفرد كالأنيس.

وقد طالعت على هذا التاريخ كتبا شتّى نحو سبعة وثلاثين تاريخا حتى استقام لى ما أريد وجاء بحمد الله كالدّر النضيد ، وفيه أقول : طالع كتابى إن أردت مخبرا .. عن مبتدا خبر الدهور بما جرى .. فتراه كالمرآة تنظر فعل ما .. أبدى الزمان عجائبا بين الورى.

وقد توخّيت فيه أخبار مصر وأوردت ذلك شيئا فشيئا على الترتيب قاصدا فيه الاختصار فجاء بحمد الله ليس بالطويل المملّ ولا بالقصير المخلّ ، وذكرت فيه ما وقع فى القرآن العظيم من الآيات المكرمة فى أخبار مصر كناية أو تصريحا وما ورد فيها من الأحاديث الشريفة النبوية فى ذكرها.

وما خصّت به من الفضائل وما فيها من المحاسن دون غيرها من البلاد وما اشتملت عليه من عجائب وغرائب ووقائع وغير ذلك ومن نزلها من أولاد آدم، ونوح عليهما السلام ومن دخلها من الأنبياء عليهم السلام ومن ملكها من مبتدأ الزمان من الجبابرة والعمالقة واليونان والفراعنة والقبط وغير ذلك ومن وليها فى صدر الإسلام من الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم أجمعين ومن وليها من طائفة الإخشيدية والفاطميين العبيدية ومن وليها من بنى أيوب وهم الأكراد ومن وليها من ملوك الترك والجراكسة إلى وقتنا هذا وهو افتتاح عام إحدى وتسعمائة.

ومن كان بها من الحكماء والعلماء والفقهاء والمحدّثين والقراء ومن كان بها من الصلحاء والزهاد ومن كان بها من الشعراء وغير ذلك من أعيان الناس ، وقد بيّنت ذلك فى تراجمهم من مبتدأ خبرهم وذكر أنابهم ومدّة حياتهم إلى حين وفاتهم على التوالي حسبما يأتى ذكر ذلك فى مواضعه من الشهور والأعوام ، ومن هنا نشرع فى الكلام “.

وفي كتابه نزهة الأمم في العجائب والحكم يتناول جغرافية مصر ونظامها الإداري في زمنه ويشرح ذلك في مقدمته فيقول : ” وبعد ،  فإني لما طالعت كتب تواريخ الأمم الخالية ورأيت ما فيها من العجائب المتوالية استخرت الله أن أجمع كتابا لطيفا أذكر فيه من أغرب ما سمعته وأعجب ما رأيته قاصدا فيه الاختصار لكي لا يطول فى التأليف مجموعه وفى المثل الساير أقصر الكلام منفوعه.

وقد ذكرت فيه من عجائب مصر وأعمالها وما صنعت الحكماء فيها من الطلسمات المحكمة والبرابى والأهرام وغير ذلك ، وذكرت طرف يسيرة من سير ملوكها وذكر شئ من عجائب نيلها وذكر شيء من خططها وآثارها وذكر سعة إقليمها وأقطارها ، وقد ذكرت في كتابي من أجل ما سطره وأفخر ما ذكره قاصدا فيه الاختصار كما تقدم وسميته نزهة الأمم في العجائب والحكم والمستعان بالله فى المبدأ والختام  “.

ونقل ابن إياس في بدائع الزهور نص الدعاء الجديد الذي أعلن به تغيير نظام الدولة في مصر حيث قال : ” وفى ذلك اليوم خطب باسم السلطان سليم شاه على منابر مصر والقاهرة ، وقد ترجم له بعض الخطباء فقال : وانصر اللهم السلطان بن السلطان مالك البرّين والبحرين وكاسر الجيشين وسلطان العراقين وخادم الحرمين الشريفين ، الملك المظفر سليم شاه اللهم انصره نصرا عزيزا وافتح له فتحا مبينا يا مالك الدنيا والآخرة يا رب العالمين “.

ويحكي ابن إياس المشهد الأخير من دولة المماليك عندما شنق السلطان طومان باي على باب زويلة فقال : ” فلما أحضروا السلطان طومان باى بين يدى ابن عثمان كان عليه مثل لبس العرب الهوّارة زمط وعليه شاش وملوطة بأكمام كبار ، فلما وقعت عين ابن عثمان عليه قام له ثم عتبه ببعض كلمات فلما خرج من قدّامه توجّهوا به إلى خيمة فأقام بها وأحاطوا به الأنكشارية بالسيوف لأجل الحفظ به فأقام هناك أياما وهو بوطاق ابن عثمان ببرّ إنبابة فلما وردت الأخبار إلى القاهرة بمسكه فصار طائفة من الناس تكذّب بمسكه وطائفة تصدّق بذلك.

فأقام السلطان طومان باى فى الوطاق عند ابن عثمان وهو فى الحديد إلى يوم الاثنين ثانى عشرين ربيع الأول من تلك السنة وكان ذلك اليوم يوم الخماسين وهو يوم فطر النصارى وعيدهم الأكبر فعدّوا بالسلطان طومان باى من برّ إنبابة إلى بولاق فطلعوا به من هناك وهو راكب على إكديش وهو فى الحديد وعليه لبس العرب الهوّارة كما تقدم.

وكان السلطان طومان باى لما قبضوا عليه أقام فى الوطاق عند ابن عثمان نحو سبعة عشر يوما ، وكان أشيع أن ابن عثمان يرسل طومان باى إلى مكة ولا يقتله ثم بدا له من بعد ذلك ما سنذكره ، وفى مدة إقامة ابن عثمان فى الوطاق فكانت العثمانية يطوفون فى المدينة نهارهم كله ومن بعد العصر يرجعون إلى الوطاق يباتون به.

فلما بلغ ابن عثمان أن الناس لا تصدّق بمسك طومان باى فحنق من ذلك وعدّى به فلما طلع من بولاق شقّ من المقس وقدّامه نحو أربعمائة عثمانى ورماة بالنفط فطلع من على سوق مرجوش وشقّ من القاهرة فجعل يسلّم على الناس بطول الطريق حتى وصل إلى باب زويلة وهو لا يدرى ما يصنع به ، فلما أتى إلى باب زويلة أنزلوه من على الفرس وأرخوا له الحبال ووقفت حوله العثمانية بالسيوف فلما تحقّق أنه يشنق وقف على أقدامه على باب زويلة وقال للناس الذين حوله : اقروا لى سورة الفاتحة ثلاث مرات.

فبسط يده وقرأ سورة الفاتحة ثلاث مرات وقرأت الناس معه، ثم قال للمشاعلى : اعمل شغلك ، فلما وضعوا الخيّة فى رقبته ورفعوا الحبل فانقطع به فسقط على عتبة باب زويلة ، وقيل انقطع به الحبل مرتين وهو يقع إلى الأرض ، ثم شنقوه وهو مكشوف الرأس وعلى جسده شاياه جوخ أحمر وفوقها ملوطة بيضاء بأكمام كبار وفى رجله لباس جوخ أزرق.

فلما شنق وطلعت روحه صرخت عليه الناس صرخة عظيمة وكثر عليه الحزن والأسف فإنه كان شابا حسن الشكل سنّه نحو أربع وأربعين سنة وكان شجاعا بطلا تصدّى لقتال ابن عثمان وثبت وقت الحرب وحده بنفسه وفتك فى عسكر ابن عثمان وقتل منهم ما لا يحصى وكسرهم ثلاث مرات فى نفر قليل من عسكره ووقع منه فى الحرب أمور ما لا تقع من الأبطال.

وكان لما سافر عمّه السلطان الغورى جعله نائب الغيبة عنه إلى أن يحضر من حلب فساس الناس فى غيبة السلطان أحسن سياسة وكانت الناس عنه راضية فى مدة غيبة السلطان وكانت القاهرة فى تلك الأيام فى غاية الأمن من المناسر والحريق وغير ذلك ، فلما مات السلطان الغورى عمّه وتسلطن عوضه أبطل من المظالم أشياء كثيرة مما كان يعمل فى أيام الغورى ولم يشوّش على أحد من الناس فى مدّة سلطنته ولا يقبل فى أحد من الناس مرافعة ولا صادر أحدا من المباشرين فى مدة سلطنته.

ولما وصل ابن عثمان إلى الشام وقصد أن يخرج إليه فشكى أن الخزائن خالية من الأموال فقالوا له الأمراء وجماعة من المباشرين : افعل كما فعل السلطان الغورى وخذ أجرة أملاك القاهرة سبعة أشهر وخذ على الرزق والإقطاعات خراج سنة ، فلم يسمع لهم شيئا وأبى من ذلك وقال : ما أجعل هذا أن يكون فى صحيفتى ، وكان ملكا حليما قليل الأذى كثير الخير ، وكانت مدّة سلطنته بالديار المصرية ثلاثة أشهر وأربعة عشر يوما فإنه تسلطن رابع عشر شهر رمضان وانكسر وهرب تاسع عشرين ذى الحجة.

وكان فى هذه المدة فى غاية التعب والنكد وقاسى شدائد ومحنا وحروبا وشرورا وهجاجا فى البلدان ، وآخر الأمر شنق على باب زويلة وأقام ثلاثة أيام وهو معلّق على الباب حتى جافت رائحته وفى اليوم الثالث أنزلوه وأحضروا له تابوتا ووضعوه فيه وتوجّهوا به إلى مدرسة السلطان الغورى عمّه فغسّلوه وكفّنوه وصلّوا عليه هناك ودفنوه فى الحوش الذى خلف المدرسة ومضت أخباره كأنه لم يكن.

وقد قلت من أبيات : لهفى على سلطان مصر كيف قد .. ولّى وزال كأنه لن يذكرا .. شنقوه ظلما فوق باب زويلة .. ولقد أذاقوه الوبال الأكبرا .. يا ربّ فاعف عن عظائم جرمه .. واجعل بجنّات النعيم له قرا.

وكان شنق السلطان طومان باى من نهايات سعد سليم شاه بن عثمان ولم ينتجح أمره من بعد ذلك ولم يسمع بمثل هذه الواقعة فيما تقدم من الزمان أن سلطان مصر شنق على باب زويلة قط ولا علّقت رأس السلطان على باب زويلة قط ولم يعهد بمثل هذه الواقعة فى الزمن القديم ومن عهد شاه سوار لما كلبوه على باب زويلة لم يعلّق عليه من له شهرة طائلة غير السلطان طومان باي “.