المماليك البحرية الجزء الخامس

41 / البحر المحيط

في عام 679 هـ / 1280 م رحل أثير الدين أبو حيان الغرناطي من الأندلس بعد خلافه مع حاكم غرناطة التي كانت وقتها آخر ما تبقى للعرب هناك ثم ألقت به المقادير للاستقرار في الديار المصرية حيث ظهر نبوغه وعلا صيته وصار إمام أهل اللغة والنحو فيها وواحدا من أعلام الأدب العربي في القرن الثامن الهجري ، وفي القاهرة كتب في مختلف علوم الدين واللغة والأدب مؤلفات لا يمكن حصرها ومن أشهرها كتاب البحر المحيط في تفسير القرآن الكريم.

ولد أثير الدين محمد بن يوسف بن علي بن حيان النفزي في ضواحي غرناطة عام 654 هـ / 1256 م وتوفي في القاهرة عام 745 هـ / 1344 م ودفن بمقابر الصوفية خارج باب النصر ، ويرجع في نسبه إلى قبيلة نفزة البربرية المعروفة ببلاد المغرب الأقصى ويعرف بالجياني والغرناطي نسبة إلى كل من مدينتي جيان وغرناطة بالأندلس ، وامتدحه الْأَعْيَان مثل ابْن عبد الظَّاهِر وشافع والصدر بن الْوَكِيل والشرف بن الوحيد والنجم الطوفي وَأَبو الْحُسَيْن الجزار والشهاب العزازي وَإِسْحَاق بن المنجا التركي والمجير القوصي وابْن الخيمي.

وقد كتب أثير الدين سيرته الذاتية في كتاب بعنوان (النضار في المسلاة عن نضار) وذلك بعد وفاة ابنته نضار التي حزن عليها حزنا شديدا وأثارت شجونه وذكرياته ، وفي ذلك يقول ابن حجر العسقلاني في كتابه الدرر الكامنة بأعيان المئة الثامنة فقال : ” ووقفت على كتاب لَهُ سَمَّاهُ النضار في المسلاة عَن نضار بِخَطِّهِ فِي مُجَلد ضخم ذكر فِيهِ أوليته وَابْتِدَاء أمره وَصفَة رحلته وتراجم الْكثير من أشياخه وأحواله إِلَى أَن استطرد إِلَى أَشْيَاء كَثِيرَة تشْتَمل على فَوَائِد غزيرة قد لخصتها فِي التَّذْكِرَة “.

واستطرد ابن حجر فقال : ” مدحه جمَاعَة من الأدباء البلغاء وَأخذ عَنهُ كبار الْمَشَايِخ مِمَّن مَاتَ فِي حَيَاته أَو بعده بِقَلِيل لِأَنَّهُ عمر طَويلا وَكَانَ اخْتصَّ بأرغون النَّائِب وَصَارَ يبيت عِنْده بالقلعة وَلما مَاتَت بنته نضار سَأَلَ من السُّلْطَان النَّاصِر أَن يَأْذَن لَهُ أَن يدفنها فِي بَيته بالشرقية فَأذن لَهُ ، وَكَانَ ظاهري الْمَذْهَب فَلَمَّا قدم الْقَاهِرَة وَرَأى مَذْهَب الظَّاهِر مَهْجُورًا فِيهَا تمذهب للشَّافِعِيّ.

وَكَانَ عرياً من الفلسفة بَرِيئًا من الاعتزال والتجسيم متمسكاً بطريقة السّلف وَكَانَ يعظم ابْن تَيْمِية ومدحه بقصيدة ثمَّ انحرف عَنهُ وَذكره فِي تَفْسِيره الصَّغِير بِكُل سوء وَنسبه إِلَى التجسيم فَقيل إِن سَبَب ذَلِك أَنه بحث مَعَه فِي الْعَرَبيَّة فأساء ابْن تَيْمِية على سِيبَوَيْهٍ فسَاء ذَلِك أَبَا حَيَّان وانحرف عَنهُ وَقيل بل وقف لَهُ على كتاب الْعَرْش فَاعْتقد أَنه مجسم .. وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي المعجم الْمُخْتَص أَبُو حَيَّان ذُو فنون حجَّة الْعَرَب وعالم الديار المصرية لَهُ عمل جيد فِي هَذَا الشَّأْن وَكَثْرَة طلب.

وَقَالَ الأسنوي كَانَ إِمَام زَمَانه فِي علم النَّحْو إِمَامًا فِي اللُّغَة عَارِفًا بالقراءات والْحَدِيث شَاعِرًا مجيداً صَادِق اللهجة كثير الإتقان والاستحضار شافعياً لكنه يمِيل إِلَى الظَّاهِر وَيُصَرح بِهِ أَحْيَانًا وأضر قبل مَوته بِقَلِيل ، قلت حَدثنَا عَنهُ جمَاعَة من شُيُوخنَا مِنْهُم حفيده أَبُو حَيَّان مُحَمَّد بن حَيَّان ابْن أبي حَيَّان وَالشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق التنوخي وَشَيخ الْإِسْلَام سراج الدّين البُلْقِينِيّ وَمَات بمنزله خَارج بَاب الْبَحْر فِي 28 صفر سنة 74 “.

وترجم لابنته نضار فقال : ” نضار بنت مُحَمَّد بن يُوسُف أم الْعِزّ بنت الشَّيْخ أبي حَيَّان ولدت فِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة 702 وَأَجَازَ لَهَا أَبُو جَعْفَر ابْن الزبير وأحضرت على الدمياطي وَسمعت من شُيُوخ مصر وحفظت مُقَدّمَة فِي النَّحْو وَكَانَت تكْتب وتقرأ وَخرجت لنَفسهَا جُزْءا ونظمت شعرًا وَكَانَت تعرب جيدا وَكَانَ أَبوهَا يَقُول لَيْت أخاها حَيَّان مثلهَا ثمَّ مَاتَت فِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة 730 فَحزن والدها عَلَيْهَا وَجمع فِي ذَلِك جُزْءا سَمَّاهُ النضار فِي المسلاة عَن نضار وقفت عَلَيْهِ بِخَطِّهِ وَهُوَ كثير الْفَوَائِد كتب عَنْهَا الْبَدْر النابلسي فَقَالَ الفاضلة الكاتبة الفصيحة الخاشعة الناسكة قَالَ وَكَانَت تفوق كثيرا من الرِّجَال فِي الْعِبَادَة وَالْفِقْه مَعَ الْجمال التَّام والظرف “.

وقد رثاها والدها في ديوانه الشعري بقصائد عديدة تحمل معاني الفقد وتعبر عن الحزن العميق وتدل على حس مرهف وشاعرية مفرطة ومنها قوله : إن جسمي مقيد بالضريح .. وفؤادي وقف على التبريح .. ولعيني إذا ذكرت نضارا .. مدد من دماء قلب جريح .. راح عيد وبعد عيد كبير .. ونضار تحت الثرى والصفيح .. لا أرى فيهما وجيه نضار .. يا لشوقي لذا الوجيه المليح .. ونضار كانت أنيسي وحبي .. ونضار كانت حياتي وحبي .. ونضار أبقت بقلبي حبا .. ليس ينفك أو أوافى ضريحي.

ويقول السيوطي في كتابه بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة : ” وَرَأَيْت فِي كِتَابه النضار الَّذِي أَلفه فِي ذكر مبدئه واشتغاله وشيوخه ورحلته أَن مِمَّا قوى عزمه على الرحلة عَن غرناطة أَن يعَض الْعلمَاء بالْمَنْطق والفلسفة والرياضي والطبيعي قَالَ للسُّلْطَان : إِنِّي قد كَبرت وأخاف أَن أَمُوت فَأرى أَن ترَتّب لي طلبة أعلمهم هَذِه الْعُلُوم لينفعوا السُّلْطَان من بعدِي ، قَالَ أَبُو حَيَّان : فأشير إِلَيّ أَن أكون من أُولَئِكَ ويرتب لي راتب جيد وكسا وإحسان فتمنعت ورحلت مَخَافَة أَن أكره على ذَلِك “.

والاسم الذي اختاره لكتابه في التفسير يصلح أيضا أن يكون وصفا للمؤلف الذي برع في كل شيء فكان كالبحر المحيط ، وفي مقدمة كتابه يذكر مكان وزمان التأليف فيقول : ” وَبَعْد ُ، فَإِنّ الْمَعَارِف جَمَّةٌ وَهِي كُلُّهَا مُهِمَّةٌ وَأَهَمُّهَا مَا بِهِ الْحَيَاةُ الْأَبَدِيَّةُ وَالسَّعَادَةُ السَّرْمَدِيَّةُ وَذَلِك عِلْمُ كِتَابِ اللَّهِ هُو الْمَقْصُودُ بِالذَّاتِ وَغَيْرُهُ مِن الْعُلُومِ لَهُ كَالْأَدَوَاتِ ، هُو الْعُرْوَةُ الْوُثْقَى وَالْوَزَرُ الْأَقْوَى الْأَوْقَى وَالْحَبْلُ الْمَتِينُ وَالصِّرَاطُ الْمُبِينُ.

وَمَا زَال يَخْتَلِجُ فِي ذِكْرِي وَيَعْتَلِجُ فِي فِكْرِي أَنِّي إِذَا بَلَغْتُ الْأَمَد الَّذِي يَتَغَضَّدُ فِيهِ الْأَدِيمُ وَيَتَنَغَّصُ بِرُؤْيَتِي النَّدِيمُ وَهُو الْعِقْدُ الَّذِي يَحُلُّ عُرَى الشَّبَابِ الْمَقُولُ فِيهِ إِذَا بَلَغ الرَّجُلُ السِّتِّين فَإِيَّاهُ وَإِيَّا الشَّوَابّ أَلُوذُ بِجَنَابِ الرَّحْمَنِ وَأَقْتَصِرُ عَلَى النَّظَرِ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ فَأَتَاح اللَّهُ لِي ذَلِك قَبْل بُلُوغِ ذَلِك الْعِقْدِ وَبَلَّغَنِي مَا كُنْتُ أَرُومُ مِنْ ذَلِك الْقَصْدِ.

وَذَلِك بِانْتِصَابِي مُدَرِّسًا فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ فِي قُبَّةِ السُّلْطَانِ الْمَلِكِ الْمَنْصُورِ قَدَّس اللَّهُ مَرْقَدَهُ وَبَلّ بِمُزْنِ الرَّحْمَةِ مَعْهَدَهُ وَذَلِك فِي دَوْلَةِ وَلَدِهِ السُّلْطَانِ الْقَاهِرِ الْمَلِكِ النَّاصِرِ الَّذِي رَدّ اللَّهُ بِهِ الْحَقّ إِلَى أَهْلِهِ وَأَسْبَغ عَلَى الْعَالَمِ وَارِف ظِلِّهِ وَاسْتَنْقَذ بِهِ الْمُلْك مِنْ غُصَّابِهِ وَأَقَرَّهُ فِي مُنِيفِ مَحَلِّهِ وَشَرِيفِ نِصَابِهِ.

وَكَان ذَلِك فِي أَوَاخِرِ سَنَةِ عَشْرٍ وَسَبْعِمِائَةٍ وَهِي أَوَائِلُ سَنَةِ سَبْعٍ وَخَمْسِين مِنْ عُمُرِي فَعَكَفْتُ عَلَى تَصْنِيفِ هَذَا الْكِتَابِ وَانْتِخَابِ الصَّفْوِ وَاللُّبَابِ أُجِيلُ الْفِكْر فِيمَا وَضَع النَّاسُ فِي تَصَانِيفِهِمْ وَأُنْعِمُ النَّظَر فِيمَا اقْتَرَحُوهُ مِنْ تَآلِيفِهِمْ فَأُلَخِّصُ مُطَوَّلَهَا وَأَحُلُّ مُشْكِلَهَا وَأُقَيِّدُ مُطْلَقَهَا وَأَفْتَحُ مُغْلَقَهَا وَأَجْمَعُ مُبَدَّدَهَا وَأُخْلِصُ مَنْقَدَهَا وَأُضِيفُ إِلَى ذَلِك مَا اسْتَخْرَجَتْهُ الْقُوَّةُ الْمُفَكِّرَةُ مِنْ لَطَائِفِ عِلْمِ الْبَيَانِ الْمُطْلِعِ عَلَى إِعْجَازِ الْقُرْآنِ “. 

وقد ترجم له تلميذه الشيخ صلاح الدين الصفدي في كتابه الوافي بالوفيات وذكر لقاءه به في مصر ونيل الإجازة على يديه فقال : ” الْعَلامَة أثير الدّين أَبُو حَيَّان .. مُحَمَّد بن يُوسُف بن عَليّ بن يُوسُف بن حَيَّان الشَّيْخ الإِمَام الْحَافِظ الْعَلامَة فريد الْعَصْر وَشَيخ الزَّمَان وَإِمَام النُّحَاة أثير الدّين أَبُو حَيَّان الغرناطي قَرَأَ الْقُرْآن بالروايات وَسمع الحَدِيث بِجَزِيرَة الأندلس وبلاد إفريقية وثغر الاسكندرية وديار مصر والحجاز.

وَحصل الإجازات من الشَّام وَالْعراق وغي ذَلِك واجتهد وَطلب وَحصل وَكتب وَقيد وَلم أر فِي أشياخي أَكثر اشتغالاً مِنْهُ لِأَنِّي لم أره إِلَّا يسمع أَو يشْتَغل أَو يكْتب وَلم يكْتب وَلم أره على غير ذَلِك وَله إقبال على الطّلبَة الأذكياء وَعِنْده تَعْظِيم لَهُم نظم ونثر وَله الموشحات البديعة وَهُوَ ثَبت فِيمَا يَنْقُلهُ مُحَرر لما يَقُوله عَارِف باللغة ضَابِط لألفاظها وَأما النَّحْو والتصريف فَهُوَ إِمَام الدُّنْيَا فيهمَا لم يذكر مَعَه فِي أقطار الأَرْض غَيره فِي الْعَرَبيَّة.

وَله الْيَد الطُّولى فِي التَّفْسِير والْحَدِيث والشروط وَالْفُرُوع وتراجم النَّاس وطبقاتهم وتواريخهم وحوادثهم خُصُوصا المغاربة وَتَقْيِيد أسمائهم على مَا يتلفظون بِهِ من إمالة وترخيم وترقيق وتفخيم لأَنهم مجاورو بِلَاد الفرنج وأسماؤهم قريبَة وألقابهم كَذَلِك كل ذَلِك قد جوده وَقَيده وحرره وَالشَّيْخ شمس الدّين الذَّهَبِيّ لَهُ سُؤَالَات سَأَلَهُ عَنْهَا فِيمَا يتَعَلَّق بالمغاربة وأجابه عَنْهَا وَله التصانيف الَّتِي سَارَتْ وطارت وانتشرت وَمَا انتثرت وقرئت ودريت وَنسخت وَمَا فسخت أخملت كتب الأقدمين وألهت المقيمين بِمصْر والقادمين.

وَقَرَأَ النَّاس عَلَيْهِ وصاروا أَئِمَّة وأشياخاً فِي حَيَاته وَهُوَ الَّذِي جسر النَّاس على مصنفات الشَّيْخ جمال الدّين ابْن مَالك رَحمَه الله ورغبهم فِي قرَاءَتهَا وَشرح لَهُم غامضها وخاض بهم لججها وَفتح لَهُم مقفلها وَكَانَ يَقُول عَن مُقَدّمَة ابْن الْحَاجِب رَحمَه الله تَعَالَى هَذِه نَحْو الْفُقَهَاء وَالْتزم أَن لَا يقرئ أحدا إِلَّا إِن كَانَ فِي سِيبَوَيْهٍ أَو فِي التسهيل لِابْنِ مَالك أَو فِي تصانيفه وَلما قدم الْبِلَاد لَازم الشَّيْخ بهاء الدّين ابْن النّحاس رَحمَه الله كثيرا وَأخذ عَنهُ كتب الْأَدَب.

وَهُوَ شيخ حسن الْعمة مليح الْوَجْه ظَاهر اللَّوْن مشرباً حمرَة منور الشيبة كَبِير اللِّحْيَة مسترسل الشّعْر فِيهَا لم تكن كثة عِبَارَته فصيحة لُغَة الأندلس يعْقد الْقَاف قَرِيبا من الْكَاف على أَنه ينْطق بهَا فِي الْقُرْآن فصيحة وسمعته يَقُول مَا فِي هَذِه الْبِلَاد من يعْقد حرف الْقَاف وَكَانَ لَهُ خُصُوصِيَّة بالأمير سيف الدّين أرغون الدوادار الناصري نَائِب السُّلْطَان بالممالك الاسلامية ينبسط مَعَه ويبيت عِنْده وَلما توفيت ابْنَته نضار طلع إِلَى السُّلْطَان الْملك النَّاصِر وَسَأَلَ مِنْهُ أَن يدفنها فِي بَيتهَا دَاخل الْقَاهِرَة فَأذن لَهُ فِي ذَلِك.

وَكَانَ أَولا يرى رَأْي الظَّاهِرِيَّة ثمَّ إِنَّه تمذهب للشَّافِعِيّ رَضِي الله عَنهُ وَتَوَلَّى تدريس التَّفْسِير بالقبة المنصورية والإقراء بالجامع الْأَقْمَر وقرأت عَلَيْهِ الْأَشْعَار السِّتَّة والمقامات الحريرية وحضرها جمَاعَة من أفاضل الديار المصرية وسمعوها بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ وَكَانَ بِيَدِهِ نُسْخَة صَحِيحَة يَثِق بهَا وبيد الْجَمَاعَة قريب من اثْنَتَيْ عشرَة نُسْخَة وإحداهن بِخَط الحريري وَوَقع مِنْهُ وَمن الْجَمَاعَة فِي أثْنَاء الْقِرَاءَة فَوَائِد ومباحث عديدة وَقَالَ لم أر بعد ابْن دَقِيق الْعِيد أفْصح من قراءتك.

وَلما وصلت المقامة الَّتِي أورد الحريري فِيهَا الأحاجي قَالَ مَا أعرف مَفْهُوم الأحجية المصطلح عَلَيْهَا بَين أهل الْأَدَب فَأخذت فِي إِيضَاح ذَلِك وَضرب الْأَمْثِلَة لَهُ فَقَالَ لي لَا تتعب معي فَإِنِّي تعبت مَعَ نَفسِي فِي معرفَة ذَلِك كثيرا وَمَا أَفَادَ وَلَا ظهر لي وَهَذَا فِي غَايَة الْإِنْصَاف مِنْهُ وَالْعَدَالَة لاعْتِرَافه لي فِي ذَلِك الْجمع وهم يسمعُونَ كَلَامه بِمثل ذَلِك وقرأت عَلَيْهِ أَيْضا سقط الزند لأبي الْعَلَاء وقرأت عَلَيْهِ بعض الحماسة لأبي تَمام الطَّائِي ومقصورة ابْن دُرَيْد وَغير ذَلِك.

وَسمعت من لَفظه كتاب تَلْخِيص الْعبارَات بلطيف الإشارات فِي الْقرَاءَات السَّبع لِابْنِ بليمة وَسمعت عَلَيْهِ كتاب الفصيح لثعلب بِقِرَاءَة القَاضِي شهَاب الدّين ابْن فضل الله بِالْقَاهِرَةِ وَسمعت من لَفظه خطْبَة كِتَابه الْمُسَمّى ب ارتشاف الضَّرْب من لِسَان الْعَرَب وانتقيت ديوانه وكتبته وسمعته مِنْهُ وَسمعت من لَفظه مَا اخترته من كِتَابه مجاني الهصر وَغير ذَلِك ..

وكتبت لَهُ أستدعي إِجَازَته بِمَا صورته : المسؤول من إِحْسَان سيدنَا الشَّيْخ الإِمَام الْعَالم الْعَامِل الْعَلامَة لِسَان الْعَرَب ترجمان الْأَدَب جَامع الْفَضَائِل عُمْدَة وَسَائِل السَّائِل حجَّة المقلدين زين المقلدين قطب المولين أفضل الآخرين وَارِث عُلُوم الْأَوَّلين صَاحب الْيَد الطُّولى فِي كل مقَام ضيق والتصانيف الَّتِي تَأْخُذ بِمَجَامِع الْقُلُوب فَكل ذِي لب إِلَيْهَا شيق والمباحث الَّتِي أثارت الْأَدِلَّة الراجحة من مكامن أماكنها وقنصت أوابدها الجامحة من مواطئ مواطنها.

كشاف معضلات الْأَوَائِل سباق غايات قصر عَن شأوها سحبان وَائِل فارع هضبات البلاغة فِي اجتلاء اجتلابها وَهِي فِي مرقى مرقدها سالب تيجان الفصاحة فِي اقْتِضَاء اقتعابها من فرق فرقدها حَتَّى أبرز كَلَامه جنان فضل جنان من بعده عَن الدُّخُول إِلَيْهَا جبان وأتى ببراهين وُجُوه حورها لم يطمثهن إنس قبله وَلَا جَان وأبدع خمائل نظم ونثر لَا تصل إِلَى أفنان فنونها يَد جَان أثير الدّين أبي حَيَّان مُحَمَّد ، لَا زَالَ ميت الْعلم يحييه وَلَا .. عجب لذَلِك من أبي حَيَّان .. حَتَّى ينَال بَنو الْعُلُوم مرامهم .. ويحلهم دَار المنى بِأَمَان.

إجَازَة كَاتب هَذِه الأحرف مَا رَوَاهُ فسح الله فِي مدَّته من المسانيد والمصنفات وَالسّنَن والمجاميع الحديثية والتصانيف الأدبية نظماً ونثراً إِلَى غير ذَلِك من أَصْنَاف الْعُلُوم على اخْتِلَاف أوضاعها وتباين أجناسها وأنواعها مِمَّا تَلقاهُ بِبِلَاد الأندلس وإفريقية والاسكندرية والديار المصرية والبلاد الحجازية وَغَيرهَا من الْبلدَانِ بِقِرَاءَة أَو سَماع أَو منازلة أَو إجَازَة خَاصَّة أَو عَامَّة كَيفَ مَا تأدى ذَلِك إِلَيْهِ وإجازة مَا لَهُ أدام الله إفادته من التصانيف فِي تَفْسِير الْقُرْآن الْعَظِيم والعلوم الحديثية والأدبية وَغَيرهَا وَمَا لَهُ من نظم ونثر إجَازَة خَاصَّة وَأَن يثبت بِخَطِّهِ تصانيفه إِلَى حِين هَذَا التَّارِيخ وَأَن يُجِيزهُ إجَازَة عَامَّة لما يَتَجَدَّد لَهُ من بعد ذَلِك على رَأْي من يرَاهُ ويجوزه منعماً متفضلاً إِن شَاءَ الله تَعَالَى.

فَكتب الْجَواب بِمَا صورته : أعزّك الله ظَنَنْت بالإنسان جميلاً فغاليت وأبديت من الْإِحْسَان جزيلاً وَمَا باليت وصفت من هُوَ القتام يَظُنّهُ النَّاظر سَمَاء والسراب يحسبه الظمآن مَاء يَا ابْن الْكِرَام وَأَنت أبْصر من يشيم أمع الرَّوْض النَّضِير يرْعَى الهشيم أما أغنتك فواضلك وفضائلك ومعارفك وعوارفك عَن بغبة من دأماء وتربة من يهماء لقد تبلجت المهارق من نور صفحاتك وتأرجت الأكوان من أريج نفخاتك ولأنت أعرف بِمن تقصد للدراية وأنقذ بِمن تعتمد عَلَيْهِ فِي الرِّوَايَة.

لكنك أردْت أَن تكسو من مطارفك وتتفضل بتالدك وطارفك وتجلو الخامل فِي منصة النباهة وتنقذه من لَكِن الفهاهه فتشيد لَهُ ذكرا وتعلي لَهُ قدرا وَلم يُمكنهُ إِلَّا إسعافك فِيمَا طلبت وإجابتك فِيمَا إِلَيْهِ ندبت فَإِن الْمَالِك لَا يعْصى والمتفضل المحسن لَا يقصى وَقد أجزت لَك أيدك الله جَمِيع مَا رويته عَن أشياخي بِجَزِيرَة الأندلس وبلاد إفريقية وديار مصر والحجاز وَغير ذَلِك بِقِرَاءَة وَسَمَاع ومناولة وإجازة بمشافهة وَكِتَابَة ووجادة وَجَمِيع مَا أُجِيز لي أَن أرويه بِالشَّام وَالْعراق وَغير ذَلِك وَجَمِيع مَا صنفته واختصرته وَجمعته وأنشأته نثراً ونظماً وَجَمِيع مَا سَأَلت فِي هَذَا الاستدعاء ..

وَأما مَا صنفت فَمن ذَلِك الْبَحْر الْمُحِيط فِي تَفْسِير الْقُرْآن الْعَظِيم إتحاف الأريب بِمَا فِي الْقُرْآن من الْغَرِيب كتاب الْأَسْفَار الملخص من كتاب الصفار شرحاً لكتاب سِيبَوَيْهٍ كتاب التَّجْرِيد لأحكام سِيبَوَيْهٍ كتاب التذييل والتكميل فِي شرح التسهيل كتاب التنخيل الملخص من شرح التسهيل كتاب التَّذْكِرَة كتاب الْمُبْدع فِي التصريف كتاب الموفور كتاب التَّقْرِيب كتاب التدريب كتاب غَايَة الْإِحْسَان كتاب النكت الحسان كتاب الشذا فِي مَسْأَلَة كَذَا كتاب الْفَصْل فِي أَحْكَام الْفَصْل.

كتاب اللمحة كتاب الشذرة كتاب الارتضاء فِي الْفرق بَين الضَّاد والظاء كتاب عقد اللآلي كتاب نكت الأمالي كتاب النافع فِي قِرَاءَة نَافِع الْأَثِير فِي قِرَاءَة ابْن كثير المورد الْغمر فِي قِرَاءَة أبي عَمْرو الرَّوْض الباسم فِي قِرَاءَة عَاصِم المزن الهامر فِي قِرَاءَة ابْن عَامر الرمزة فِي قِرَاءَة حَمْزَة تقريب النائي فِي قِرَاءَة الْكسَائي غَايَة الْمَطْلُوب فِي قِرَاءَة يَعْقُوب الْمَطْلُوب فِي قِرَاءَة يَعْقُوب قصيدة النير الْجَلِيّ فِي قِرَاءَة زيد بن عَليّ الْوَهَّاج فِي اخْتِصَار الْمِنْهَاج.

الْأَنْوَار الأجلي فِي اخْتِصَار المجلي الْحلَل الحالية فِي أَسَانِيد الْقُرْآن الْعَالِيَة كتاب الْإِعْلَام بأركان الْإِسْلَام نثر الزهر ونظم الزهر قطر الحبي فِي جَوَاب أسئلة الذَّهَبِيّ فهرست مسموعاتي نوافث السحر فِي دمائث الشّعْر تحفة الندس فِي نحاة الأندلس الأبيات الوافية فِي علم القافية جُزْء فِي الحَدِيث مشيخة ابْن أبي مَنْصُور كتاب الْإِدْرَاك للسان الأتراك زهو الْملك فِينَحْو التّرْك نفحة الْمسك فِي سيرة التّرْك كتاب الْأَفْعَال فِي لِسَان التّرْك منطق الخرس فِي لِسَان الْفرس.

وَمِمَّا لم يكمل تصنيفه كتاب مَسْلَك الرشد فِي تَجْرِيد مسَائِل نِهَايَة ابْن رشد كتاب مَنْهَج السالك فِي الْكَلَام على ألفية ابْن مَالك نِهَايَة الإغراب فِي علمي التصريف وَالْإِعْرَاب رجز مجاني الهصر فِي آدَاب وتواريخ لأهل الْعَصْر خُلَاصَة التِّبْيَان فِي علمي البديع وَالْبَيَان رجز نور الغبش فِي لِسَان الْحَبَش المخبور فِي لِسَان اليخمور ، قَالَه وَكتبه أَبُو حَيَّان مُحَمَّد بن يُوسُف بن عَليّ بن يُوسُف بن حَيَّان ومولدي بغرناطة فِي أخريات شَوَّال سنة أَربع وَخمسين وست مائَة تمت.

وَتُوفِّي رَحمَه الله تَعَالَى فِي ثامن عشري صفر سنة خمس وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة وَصلي عَلَيْهِ بِجَامِع دمشق صَلَاة الْغَائِب فِي شهر ربيع الأول وَقلت أَنا فِي رثائه : مَاتَ أثير الدّين شيخ الورى .. فاستعر البارق واستعبرا .. ورق من حزن نسيم الصِّبَا .. واعتل فِي الأسحار لما سرى .. وصادحات الأيك فِي نوحها .. رثته فِي السجع على حرف را .. يَا عين جودي بالدموع الَّتِي .. يروي بِهِ مَا ضمه من ثرى .. واجري دَمًا فالخطب فِي شَأْنه .. قد اقْتضى أَكثر مِمَّا جرى .. مَاتَ إِمَام كَانَ فِي علمه .. يرى إِمَامًا والورى من ورا .. أَمْسَى مُنَادِي للبلى مُفردا .. فضمه الْقَبْر على مَا ترى “.

وذكره تلميذه الكمال الإدفوي في كتابه البدر السافر عن أنس المسافر وذكر مؤلفاته العديدة فقال : ” محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان النفزي الأندلسي الجياني الغرناطي أثير الدين أبو حيان ، شيخُ الدهر وفاضله وراوي الحديث النبوي وحامله ومحرر اللسان العربي وناقله وإليه تُشدُّ رواحله وهو البحر الذي لا تُخاضُ لججه ولا يُمتَطى ثَبجُه ولا تسأم كلامه الأسماع ولا تمتد إلى مُمَاثلته الأطماع.

إنْ نَظَم فالجوهر الذي لا تنتهي إليه قيمة أو نَثَر فالدُّرَر التي يقال في مفردها الدرة اليتيمة أو صَنَّف فالفرائد التي تلتقطها الأذهان المتَّقِدة والأفهام السليمة ، لا تستقصي صفاته الذاتية الأوصاف وجميع فضلاء عصره بالنسبة إليه في حكم المضاف انتمى إليه الأقران وقرأ عليه الأماثل والأعيان وجلس بين يديه فلان وفلان وعَمَّهُم من بحر فضائله بالنائل الغمر وأقرَّ له بالفضل زيدٌ وعمرو.

ذاك الذي أبكى العيون بُعْدُه وأنكى القلوب فَقْدُه وطوي بساط الأدب بعد نشره وبقي له ذكر مخلَّدٌ إلى يوم نشره ، مرَّت لي في صحبته أعوام وسنون وأقمت في خدمته من سنة ثماني عشرة إلى حين انتزعته منَّا يدُ المنون ووددت لو طالت مدته وتمنَّيت أن يُفْسَح في عمره وهل يحصل للمرء منيته وشغر منه الزمان وتعطل منه ذلك المكان ودخل في خبر كان.

ولي شعر : له أبدًا مني حنين مجدَّدٌ  ووُدٌّ مقيمٌ لا يغيِّره الدَّهر .. وشوقٌ إلى ليلاتِ أنسٍ بقربه  ألا إنما تلك الليالي هي العمر .. ليالٍ إذا ما مرَّ طيِّبُ ذكرها  تُسرُّ به نفسي وينشرح الصدر .. على فقدها يستحسن النَّوح والبكا  وفي قربها يستعذب النظم والنثر .. سقى الله قبرًا ضمَّ بحرًا من العُلى  مريعًا وروَّى تربه نائلٌ غمر ، وبالجملة فالأسف على بُعْدِه دائم والحزن على فقده قائم أفاض الله عليه سحائب رحمته وأسكنه بحبوحة جنته ..

قدِم القاهرة في سنة تسع وسبعين وقرأ على الشيخ بهاء الدين أبي عبد الله محمد الحلبي ابن النحاس كتاب سيبويه وراجعه في مسائل نحوية وكتب عنه مسائل ومشكلات ، وقرأ الفقه على مذهب الشافعي على الشيخ علم الدين عبد الكريم المعروف بابن بنت العراقي بحث عليه المحرر للرافعي ومختصره المنهاج للنووي وحفظ المنهاج إلا يسيرًا.

وقرأ أصول الفقه على أستاذه أبي جعفر ابن الزبير بحث عليه من الإشارة للباجي ومن المستصفى للغزالي وعلي الخطيب أبي الحسن ابن فضيلة وعلى الشيخ علم الدين العراقي وعلى الشيخ شمس الدين الأصبهاني وعلى الشيخ علاء الدين الباجي ، وقرأ أشياء من أصول الدين على شيخه ابن الزبير، والشيخ شمس الدين الأصبهاني، وقرأ عليه شيئًا من المنطق.

وقرأ شيئًا من المنطق أيضًا على بدر الدين محمد بن سلطان البغدادي وقرأ عليه شيئًا من الإرشاد للعميدي في الخلاف ، وإنَّما برع في النحو وانتهت الرئاسة والمشيخة فيه إليه وأقرأ وأسمع وأفاد وصنَّف وتخرج عليه الفضلاء وانتشرت فوائده في الأمصار وقَصَدَه الناس من الأقطار وشرَّق ذكره وغرَّب وروى من كتب القراءات والحديث واللغة والآداب ما يطول ذكره.

 وصنَّف التصانيف المفيدة منها : كتابه المسمى بالبحر المحيط في التفسير في مجلدات كثيرة ، وكتاب إتحاف الأريب بما في القرآن العزيز من الغريب  جزء ، وكَتَب في القراءات ، وكتاب الارتضاء في الفرق بين الضاد والظاء  جزء لطيف ، وكتاب الوهاج اختصر فيه المنهاج في الفقه ، وكتاب الأنور الأجلى اختصر فيه المحلى تصنيف ابن حزم الظاهري في الفقه ، وشرح التسهيل في النحو في ست مجلدات كتاب جليل جامع عديم المثل ، وكتاب رشف الضرب مسائل وأحكام ليس له نظير في النحو في ثلاث مجلدات.

وكتاب التذكرة في النحو في ثلاث مجلدات فيها غرائب ، وكتاب التجريد لأحكام كتاب سيبويه ، وكتاب تلخيص شرح الصفار لكتاب سيبويه ، وكتاب المبدع في التصريف ، والموفور الملخص من شرح ابن عصفور ، وكتاب التقريب مختصر المقرب ، ومثله المسمى بالتدريب ، وكتاب غاية الإحسان مقدمة في النحو ، وكتاب النكت الحسان شرح غاية الإحسان مجلدة فيها فوائد ، وكتاب المسالك في شرح ألفية ابن مالك ولم يكمله.

وله تصانيف لطيفة في لسان الترك والحبش واليشمور وغير ذلك ، ومسائل كتَبَ فيها لما سئل عنها فأجاب عنها ، وتصنيف في علم البيان وأرجوزة في النحو لم يكملها ، وفي التواريخ : مجاني الهصر ترجم فيه جماعة ، والنُّضار في المَسْلاةِ عن نُضار ، وديوان شعر وديوان آخر.

وسمعت عليه كثيرًا من الأجزاء الحديثية ، وبُحِث عليه (التقريب) وسمعت أكثر (التسهيل) وأكثر شرحه وجملة من كتاب سيبويه وجملة غالبة من شعره ، وأجاز لي وامتدحني بقصيدتين : رائية ولامية وسمع مني جزء حديث خرّجته والطالع السعيد تصنيفي محبةً للعلم وحرصًا عليه ، وكان محبًّا لي متفضلًا عليَّ جزاه الله عني خير الجزاء.

وكان ثقةً صدوقًا حجةً ثبتًا سالمًا في عقيدته من الفلسفة والاعتزال والتجسُّم ونحو ذلك ، وجرى على مذهب أهل الأدب في أنه تستميله محاسن الشباب ويستحسن الطَّرب ، وعلى مذهب كثيرٍ من النحويين في تعصُّبه للإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه التعصَّب المتين ؛ حُكي لي أنه قال لقاضي القضاة بدر الدين ابن جماعة : إن عليًا رضي الله عنه قال : (إنه عهد النبي الأمي إليَّ أنه لا يحبك إلا مؤمنٌ ولا يبغضك إلا منافقٌ) أتراه ما صدق في هذا ؟ فقال : صدق ، قال : فقلت له : فالذين سلُّو السيوف في وجهه يحبّونه أم يبغضونه ؟ وغير ذلك.

وكان سيِّئ الظن بالناس كافةً فإذا نُقِل له عن أحدٍ خيرٌ لا يتكيف به وإذا كان شرًّا تكيف به ويبني عليه حتى ممن هو عنده مجروحٌ فيقع في ذم من هو بألسنة العالَم ممدوح وبسبب ذلك وقع في نفس جمع كبيرٍ منه ألم كثير ، وكان يميل إلى مذهب أهل الظاهر الميل الظاهر.

وكان فيه خشوعٌ يبكي عند قراءة القرآن ويجري دمعهُ عند سماع الأشعار الغزلية وقال لي : إذا قرأت أشعار العشق أميل إليه وكذلك أشعار الشجاعة تستميلني وغيرهما إلا أشعار الكرم ما تؤثر فيَّ ، وبالجملة فكان من محاسن العصر ومفاخر الدهر وامتدحه الفضلاء والأعيان وكُتب إليه من سائر البلدان.

وممن مدحه الرئيس الكاتب محيي الدين ابن عبد الظاهر كاتب الدرج السلطاني فقال فيه شعر ، قوله : وسألت من ذا إذ سمعت مباحثًا .. في الذات قرّرها أجلُّ مفيد .. قالوا أبو حيّان قلتُ صدقتم .. وبرزتم هذا هو التوحيدي ، ومنهم العلامة صدر الدين ابن المرحل فقال فيه أيضًا (شعر) : قالوا أبو حيَّان غير مدافعٍ .. ملك النحاة فقلت بالإجماع.

سمعت من شيخنا رحمه الله قصائد من نظمه ومقطعات منها قصيدته التي مدح بها المصطفى ﷺ أولها قوله (شعر) : لا تعذلاه فما ذو الحبِّ معذولُ .. العقل مختبلٌ والقلب متبول .. هزَّت له أسمرًا من خوط قامتها .. فما انثنى الصبُّ إلا وهو مقتولُ .. بديعية فُصِّل الحسن البديع لها .. فكم لها جُملٌ منه وتفصيل .. إلى الرَّسول تُزجَّى كل يعملة .. أجلَّ من نحوه تُزجى المراسيل.

وفضائله يعجز عن وصفها اللسان ويضعف عن رصفها البنان وما زال يقرئ ويصنف ويُطرب الأسماع بفوائده ويشنِّف ويأتي من الفضائل بما هو وثيق العُرَى وينشر من الفوائد ما انطوى عن الورى إلى ان أُودِع تحت أطباق الثرى وفوائده باقية ومصنفاته راقية ، ولد بمدينة مطخشارش في أخريات شوال سنة أربع وخمسين وست مئة وتوفي بمنزله خارج باب البحر بالقاهرة في يوم السبت بعد العصر الثامن والعشرين من صفر سنة خمس وأربعين وسبع مئة ودُفن من الغد بمقبرة الصوفية خارج باب النصر بالقاهرة عامله الله بلطفه الخفي “.

42 / الطالع السعيد الجامع أسماء نجباء الصعيد

في عام 738 هـ انتهى العلامة الإدفوي من تأليف كتابه الأشهر (الطالع السعيد الجامع أسماء نجباء الصعيد) والذي جمع فيه تراجم قرابة ستمائة شخصية من أبناء الصعيد من الشيوخ والصوفية والشعراء والأدباء والفقهاء والأعيان ، وقد جاءت فكرة الكتاب من أستاذه الشيخ أثير الدين أبي حيان الغرناطي الذي أشار عليه أن يكتب عن تاريخ الصعيد ومن نبغ فيه من طلاب العلم عندما لاحظ كثرتهم في هذا الإقليم.

والمؤلف هو كمال الدين أبو الفضل جَعْفَر بن ثعلب بن جَعْفَر بن عَليّ بن المطهر بن نَوْفَل الطائي الإدفوي الأديب الْفَقِيه الشَّافِعِي (الطائي نسبة إلى فرع الثعالبة من قبيلة طيء العربية القطانية والإدفوي نسبة إلى مستقر عائلته الأول ومسقط رأسه في مدينة إدفو) ، ولد في إدفو بالصعيد عام 685 هـ / 1285 م وعاش في قوص وتوفي بالقاهرة عام 748 هـ / 1347 م وتتلمذ على شيوخ عصره وعلى رأسهم الإمام تقي الدين بن دقيق العيد.

وهو أول كتاب يتخصص في تاريخ الصعيد في العصور الإسلامية حيث ينقل لنا صورة حية عن المدن والقرى وما فيها من نشاط علمي ودراسي وعلاقة العلماء بالأمراء ورصد حركة التصوف وكذلك التطور العمراني للإقليم في أوائل عصر المماليك ، وإلى جانب ذلك يتمتع الكتاب بأهمية أدبية كبيرة بسبب احتوائه على عدد ضخم من القصائد الشعرية والمقطوعات النثرية لأدباء الصعيد والتي حرص المؤلف على إدراجها في ثنايا الكتاب.

وقد كتب أبو حيان على الكتاب ثناء وتقريظا فقال : ” وقد سمعت هذا الكتاب المسمى بالطالع السعيد من لفظ جامعه ومصنفه الشيخ الإمام العلامة صدر الطائفة الشافعية ورئيس الفئة الأدبية كمال الدين وعد الله أبى الفضل جعفر المذكور أعلاه ، حفظه الله وأبقاه للفضائل يبديها وللفواضل يسديها وهو الكتاب الذى أبقى به لأهل إقليمه ذكرا مخلدا وثناء على مر الأيام مجددا كتاب تشرف به السامع وتشنف ببدائعه المسامع وصعد بمراجعته المطالع وسعد بإشراقه الطالع وكان ذلك فى مجالس آخرها يوم الاثنين الموفى عشرين من ذى القعدة سنة أربع وأربعين وسبعمائة بمنزل السامع بمدرسة الصالح “.

وكتب الإدفوي عدة مؤلفات أخرى منها كتاب البدر السافر عن أنس المسافر ويتناول فيه تراجم قرابة ستمائة شخصية أخرى من مشاهير عصره خارج الصعيد ، ومنها كتاب الإسعاف في التصوف وكتاب الإمتاع في أحكام السماع  وكتاب الغرر المأثورة والدرر المنظومة والمنثورة وكتاب فرائد الفوائد ومقاصف القواعد في الفرائض وكتاب الوصايا المهذبة وكتاب الموفي بمعرفة التصوف والصوفي وكتابات متفرقة في الفقه والحديث وله عدة قصائد شعرية مدرجة في مؤلفاته.  

ويشرح المؤلف في مقدمته سبب تأليف الكتاب فيقول : ” بسم الله الرّحمن الرّحيم .. الحمد لله محيى الرّمم البالية وناشر ما انطوى فى الأيّام الخالية أحمده على نعمه المترادفة المتوالية وأشكره أن جعلنى من حملة العلم وحملته هم أهل الرّتب العالية ، وأصلّى على نبيّه المبعوث رحمة للعالمين وحجّة للعاملين صلاة متصلة دائمة إلى يوم الدّين وعلى آله وأصحابه الّذين نقلوا طريقته إلينا وحفظوا شريعته علينا فهم فى الآخرة من الفائزين.

وبعد ، فإنّ التاريخ فنّ يحتاج إليه وتشدّ يد الضّنانة عليه إذ به يعرف الخلف أحوال السلف ويتميّز منهم المستحقّ التّنقير ممّن هو أهون من النّقير وأحقر من الفتيل ومن وسم منهم بالجرح ومن رسم بالتّعديل وما سلكوا من الطرائق واتّصفوا به من الخلائق وأبرزوا من الحقائق للخلائق ، وهو أيضا من أقوى الأسباب فى حفظ الأنساب أن تنساب وقد وضع فيه السادة الفضلاء والأئمة العلماء كتبا تكاثر نجوم السماء ثمّ منهم من رتّب على السنين ومنهم من رتّب على الأسماء ليكون إسناده أسمى ثمّ منهم من خصّ بعض البلاد ومنهم من عمّ كلّ قطر وواد.

ولمّا كان صعيد (قوص) الموضع الذى منه نشأتى والمكان الذى إليه نسبتى والمحلّة التى فيها عشّى الذى منه درجت وخشّى الذى عنه خرجت وأرضه الأرض التى هى أوّل أرض مسّ جلدى ترابها ولذّ لطرفى آكامها وظرابها وحلا لقلبى أرجاؤها ورحابها والتى أمطر الرزق علىّ سحابها ووضعت عنّى بها التمائم وأقمت بها إلى أن طار من رأسى غرابها وهى التى فيها أقول  شوقا إليها هذه الأبيات :

أحنّ إلى أرض الصّعيد وأهلها .. ويزداد شوقى .. حين تبدو قبابها .. وتذكرها فى ظلمة الليل مهجتى .. فتجرى دموعى إذ يزيد التهابها .. وما صعبت يوما علىّ ملمّة .. وشاهدتها إلّا وهانت صعابها .. بلاد بها كان الشباب مساعدى .. على نيل آمال عزيز طلابها .. وقضّيت صفو العيش فى عرصاتها .. لذلك يحلو للفؤاد رحابها .. مواطن أهلى ثمّ صحبى وجيرتى .. وأوّل أرض مسّ جلدى ترابها.

فأحببت أن أحيي ما مات من علم علمائها وأنشر ما انطوى من فضل فضلائها وأظهر ما خفى من نثر بلغائها ودرس من نظم شعرائها وأذكر ما نسى من مكارم كرمائها وكرامة صلحائها فالإنسان يكرم بكرامة أهله كما يعظم بنبله وفضله.

وكان شيخى الأستاذ الحجّة البارع جامع المناقب والمآثر والمحامد والمفاخر ذخر الأوائل وشرف الأواخر ذو العلوم الجمّة الفائقة والآداب المنقّحة المحقّقة الرّائقه والفضائل التى النفوس إليها شائقة وبها واثقه أثير الدّين أبو حيّان محمد بن يوسف الأندلسىّ الغرناطىّ أبقاه الله تعالى للعلوم الشرعية يبرزها ويظهرها وللفنون الأدبيّة يناضل عنها بالأدلّة وينصرها ، أشار علىّ أن أعمل تاريخا للصّعيد مرّة ومرّه وراجعنى فى ذلك كرّة بعد كرّة.

فرأيت امتثال إشارته علىّ متعيّنا حتما والإعراض عن إجابته غرما لا غنما فشرعت فى هذا التأليف مرتّبا له على الأسماء ولم أجد من تقدّمنى فيه فأكون له تابعا ولا من أسأله فأكون لما يورده جامعا فأنا مبتكر لهذا العمل ملجأ إلى الفتور والكسل متحرّ إلى حصول الخلل متصدّ لما أنا منه على وجل لكنّى أبذل فيه جهدى وأورد منه ما عندى.

وأخصّ به (قوص) وما يضاف إليها من القرى والبلاد وأقصره على أهلها ومن ولد بها ومن أقام بها سنين حتى دفن بها ونسب إليها من العباد أو تأهّل بها وله بها نسل أو من له منها أصل ، ولا أذكر إلّا من له علم أو أدب أو صلاح بلغت رتبته فيه غاية الرّتب أو من سمع حديثا فأصيّر ما قدم من ذكره حديثا ، ولا أذكر الأحياء إلّا فى النّادر لغرض أو لأمر عرض إمّا لقلّة الأسماء فى الحرف أو من احتوى على مكارم أو حوى كمال الظّرف أو من له إحسان علىّ وبرّ ساقه إلىّ فشكر المحسن متعيّن والاعتراف به من الحق البيّن.

ولم أشحنه بالأسانيد فقد أنسب إلى غرض مذموم ولا أخليه منها فأوصف بأنّى منها محروم بل  أكسو بعض التراجم منها ذلك الوشى المرقوم وسمّيته : الطّالع السّعيد الجامع أسماء نجباء الصعيد.

وعلى الله الاتكال والاعتماد وإليه التفويض والاستناد وبه أستعين وأسأله أن يعين وأن يمنّ بإحسانه وإفضاله بإتمامه وإكماله ، وابتدأت فيه باسم (إبراهيم) فإنّه الأب الرحيم واسم النبىّ الخليل والرسول الجليل وأيضا فالابتداء به جار على الترتيب الوضعىّ والقانون المعروف المرعىّ وأستعيذ بالله من الشيطان الرجيم ولا حول ولا قوّة إلّا بالله العلىّ العظيم “.

ذكره صلاح الدين الصفدي في كتابه أعيان العصر وأعوان النصر وذكر جانبا من شعره فقال : ” جعفرابن ثعلب بن علي الإمام الأديب الفاضل كمال الدين أبو الفضل الأدفوي بضم الهمزة وسكون الدال وضم الفاء وبعدها واو مشددة ، الشافعي.

كان فقيها ذكيا فاضلاً زكيا يعرف النحو وتشرق شمسه فيه في يوم صحو ، يغلب على ابن ثعلب الأدب ولا يفتر عما له فيه من الطلب وحظه من التاريخ موفر وجيشه إذا غزا فيه مظفر ضحوك السن دائم البشر لا يلقاه أحد إلا عاطر النشر حلو الملق عند الملقى يروق من يحادثه خلقا وخلقا لطيف الذات متوسع النفس في اللذات لم يزل على حاله إلى أن جاءه ساقي المنايا واستخرج الدمع عليه من الخبايا.

وتوفي رحمه الله تعالى سنة تسع وأربعين وسبع مئة ومولده في بضع وثمانين وست مئة ، كان عنده خبرة بالموسيقى وله نظم ونثر ولازم شيخنا العلامة أثير الدين كثيراً ورأيته مرات بسوق الكتب في القاهرة وأنشدني من شعره ، وكان كثيراً ما يقيم ببلده أدفو في بستان له هناك في أيام بطالة الدروس وصنف أشياء : الإمتاع في أحكام السباع وجوده ، والطالع السعيد في تاريخ الصعيد وجوده ، والبدر السافر في تحفة المسافر تأريخ وجوده.

ومن شعره ما نقلته من خطه : لروضة مصر حسنٌ لا يسامى .. يطيب لمن أقام بها المقام .. لها وجهان ممدوحان حسناً .. وذو الوجهين مذمومٌ يلام ، قلت : هو يشبه قول نور الدين علي بن عبد الله القصري في الروضة : ذات وجهين فيهما خيّم الحسن فأضحت بها القلوب تهيم .. ذا يلي مصر فهو مصرٌّ وهذا يتولى وسيم فهو وسيم .. قد أعادت عصر التصابي صباها وأبادت فيها الغموم الغيوم.

ومن شعره : وقد كنت في عصر الصّبا ذا صبابةٍ .. وما راق من لهوٍ إليّ حبيب .. زماني صفوٌ كلّه ومسرّةٌ .. ولي من وصال الغانيات نصيب .. فلما رأيت الشيب لاح تكدّرت .. حياتي فحلو العيش ليس يطيب .. إذا ابيضّ مسودّ الشباب فإنّه .. دليلٌ على أنّ الحصاد قريب .. ومذ حلّ هذا الشيب سارت مسرّتي .. وصار عليها للهموم رقيب .. فلا تعجبوا ممّا بدا من كآبتي .. سروري وقد وافى المشيب عجيب.

ومن شعر كمال الدين الأدفوي رحمه الله تعالى : إنّ الدروس بمصرنا في عصرنا .. طبعت على لغطٍ وفرط عياط .. ومباحثٍ لا تنتهي لنهايةٍ .. جدلاً ونقلٍ ظاهر الأغلاط .. ومدرّسٍ يبدي مباحث كلّها .. نشأت عن التخليط والأخلاط .. ومحدّثٍ قد صار غاية علمه .. أجزاء يرويها عن الدّمياطي .. وفلانة تروي حديثاً عالياً .. وفلان يروي ذاك عن أسماط .. والفرق بين عزيرهم وعزيزهم .. وافصح عن الخيّاط والحنّاط .. والفاضل النحرير فيهم دأبه .. قول أرسطا طاليس أو بقراط .. وعلوم دين الله نادت جهرةً .. هذا زمان فيه طيّ بساطي .. ولّى زماني وانقضت أربابه .. وذهابهم من جملة الأشراط.

ومنه : أذكرتني الورقا حديثاً بليلى .. قد تقضّى فبتّ أجري الدموعا .. ووصلت السهاد شوقاً إليها … وغراماً وقد هجرت الهجوعا .. كيف يخلو قلبي من الحبّ يوماً .. وعلى حبّها حنيت الضلوعا .. كلّما أولع العذول بعذلي .. في هواها يزداد قلبي ولوعا ، ومنه : وهيفاء غار الغصن من لين قدّها .. بقلبي هوى منها وليس يزول .. يروم عذولي صاح منّي سلوّها .. وذلك أمرّ ما إليه سبيل .. وقد عابها عندي فقال طويلةٌ .. ألم ترها عند النسيم تميل .. فقلت له هذي حياتي وإنني .. ليعجبني أن الحياة تطول “.

وذكره ابن حجر العسقلاني في كتابه الدرر الكامنة بأعيان المئة الثامنة فقال : ” جَعْفَر بن تغلب بن جَعْفَر بن عَليّ بن المطهر بن نَوْفَل كَمَال الدّين أَبُو الْفضل الأدفوي الأديب الْفَقِيه الشَّافِعِي ولد بعد سنة 680 وقرأت بِخَط الشَّيْخ تَقِيّ الدّين السُّبْكِيّ أَنه كَانَ يُسمى وعد الله قَالَ الصَّفَدِي اشْتغل فِي بِلَاده وَمهر فِي الْفُنُون ولازم ابْن دَقِيق الْعِيد وَغَيره وتأدب بِجَمَاعَة مِنْهُم أَبُو حَيَّان وَحمل عَنهُ كثيرا وَكَانَ يُقيم فِي بُسْتَان لَهُ بِبَلَدِهِ وصنف الأمتاع فِي أَحْكَام السماع والطالع السعيد فِي تَارِيخ الصَّعِيد والبدر السافر فِي تحفة الْمُسَافِر وكل مجاميعه جَيِّدَة وَكَانَت لَهُ خبْرَة بالموسيقى وَله النّظم والنثر الْحسن ..

وَمن خطّ الْبَدْر النابلسي كَانَ عَالما فَاضلا متقللاً عَن الدُّنْيَا مَعَ ذَلِك فَكَانَ لَا يَخْلُو من المأكل الطّيبَة مَاتَ فِي أَوَائِل سنة 748 قَرَأت ذَلِك بِخَط السُّبْكِيّ قَالَ ورد الْخَبَر بذلك فِي ربيع الأول من السّنة وَفِي آخر تَرْجَمَة إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن عُثْمَان من المعجم الْمُخْتَص للذهبي مَاتَ فِي صفر سنة 748 وَمَات قبله بأيام الأديب الْعَالم كَمَال الدّين جَعْفَر ابْن تغلب عَن نَيف وَسِتِّينَ سنة بعد رُجُوعه من الْحَج قَالَ الأسنوي فِي الطَّبَقَات مَاتَ قبل الطَّاعُون الْكَبِير الْوَاقِع سنة 749 رَحمَه الله “.

وذكره جمال الدين الإسنوي في طبقاته فقال : ” كان المذكور فاضلا مشاركا في علوم متعدة أديبا شاعرا ذكيا كريما طارحا للتكلف ذا مروءة كبيرة ، صنف في أحكام السماع كتابا نفيسا سماه بالإمتاع أبا فيه عن اطلاع كبير فإنه كان يميل إلى ذلك ميلا كبيرا ويحضره ، سمع وحدث ودرس قبل موته بأيام يسيرة بمدرس للحديث الذي أنشأه الأمير جنكلي ابن البابا بمسجده وأعاد بالمدرسة الصالحية من القاهرة وكان مقيما بها ..

مات قبيل الطاعون الكبير الواقع في سنة تسع وأربعين وسبعمائة وعمره ما بين الستين والسبعين وتحرير ذلك أنه ولد في منتصف شعبان سنة خمس وثمانين وستمائة بإدفو ، وتوفي يوم الثلاثاء سابع عشر صفر سنة ثمان وأربعين وسبعمائة ودفن بمقابر الصوفية “.

وذكره ابن تغري بردي في كتابه النجوم الزاهرة وذلك في أحداث سنة 748 هـ فقال : ” وتوفي الشيخ الإمام كمال الدين جعفر بن ثعلب بن جعفر بن علي الإدفوي الفقيه الأديب الشافعي ، كان فقيها بارعا أديبا مصنفا ومن مصنفاته تاريخ الصعيد المسمى بالطالع السعيد في تاريخ الصعيد وله مصنفات أخر وشعر كثير “.  

43 / مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

(مسالك الأبصار في ممالك الأمصار) هو عنوان الكتاب الموسوعي الذي ألفه شهاب الدين أبو العباس أحمد بن محيي الدين أبي المعالي يحيى بن جمال الدين أبي المآثر فضل الله بن أبي الفوارس الأمير مجلي بن أبي الرجال دعجان بن القاضي خلف بن نصر العدوي القرشي (700 ـ 749 هـ / 1300 ـ 1349 م.) ..

وينتمي لأسرة من بني عدي تنحدر من منطقة البرلس في شمال الدلتا حيث قدم جده خلف بن نصر العدوي من الحجاز إلى البرلس في عهد الوزير الصالح طلائع بن رزيك ،  وتولى أفرادها رئاسة ديوان الإنشاء بمصر والشام مدة قرن من الزمان وتولى والده محيي الدين ابن فضل الله منصب كاتب السر في عهد السلطان محمد بن قلاوون.

وتولى شهاب الدين وظيفة كاتب السر في دمشق ثم القاهرة قرابة عشر سنوات لكن حدة طباعه ومناكفاته مع السلطان والأمراء عجلت بعزله وتولية أخيه الأصغر علاء الدين بن فضل الله بدلا منه ، ولعل ذلك كان من حسن الطالع حيث تفرغ إجباريا للكتابة والتصنيف ووضع موسوعته الكبرى (مسالك الأبصار في ممالك الأمصار) والتي تعد من أهم كتب الجغرافيا السياسية في العصور الوسطى.

وكانت وظيفة كاتب السر تعادل رئيس ديوان السلطان حيث يشرف صاحبها على ديوان الإنشاء ويتعامل مع كافة الرسائل الواردة للسلطنة وكافة الأوامر والمناشير الصادرة عن الديوان مما أتاح له التواصل مع السفراء والمبعوثين وكبار الساسة فنقل عنهم كل ما يتعلق بالبلاد الأخرى خاصة الممالك المغولية التي كانت وقتها تسيطر على العالم كله تقريبا وكان لها النصيب الأكبر في الموسوعة.

كما وضع كتابا آخر هو (التعريف بالمصطلح الشريف) يتناول فيه كيفية إدارة الأمور داخل ديوان السلطنة المملوكية وكتابة الرسائل وفصل فيه كافة وظائف الدولة ومهامها والتنظيمات الموجودة في النواحي المدنية والعسكرية ، وكان كاتبا ماهرا تتلمذ على شيوخ عصره وعلى رأسهم شيخ الإسلام ابن تيمية بالإضافة إلى علماء اللغة العربية حتى صار من أفضل الكتاب أسلوبا وصياغة وتعبيرا مع سرعة البديهة.

وقد ترجمت للكاتب وأعماله في كتابي (قبيلة بني عدي صفحات من تاريخ مصر العربية) وفيها تناولت سيرته نقلا عن محقق كتاب المسالك الأستاذ كامل سلمان الجبوري والذي افتتح ذلك بعبارة نقلها عن كتابي الوافي بالوفيات وأعيان العصر فقال : القاضي الفقيه الأديب كاتب السر  .. ولد بمدينة دمشق في ثالث شوال سنة سبعمائة هجرية وكانت وفاته يوم السبت (يوم عرفة) سنة 749 هـ وجرى له تشييع حافل ودفن بتربتهم بالصالحية على سفح قاسيون.

سمع بدمشق والقاهرة من جماعة وتخرج في الأدب على والده وقرأ العربية على الشيخ كمال الدين ابن قاضي شهبة ثم على قاضي القضاة شمس الدين محمد بن مسلم والفقه على قاضي القضاة شهاب الدين محمد بن المجد عبد الله وعلى الشيخ برهان الدين قليلا وقرأ (الأحكام الصغرى) على الشيخ تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن تيمية والعروض والأدب على الشيخ شمس الدين الصايغ وتدرب في النظم على علاء الدين الوداعي.

وقرأ جملة من المعاني والبيان على العلامة شهاب الدين محمود وقرأ عليه جملة من الدواوين وكتب الأدب وقرأ بعض شيء من العروض على الشيخ كمال الدين ابن الزملكاني والأصول على الشيخ شمس الدين الأصبهاني وأخذ العربية عن الشيخ أثير الدين : سمع عليه الفصيح والأشعار الستة والدريدية وأكثر ديوان أبي تمام وغير ذلك ..

وقد أذن له العلامة شمس الدين الأصبهاني في الإفتاء على مذهب الشافعي وسمع بدمشق من الحجار ومحمد بن يعقوب الجرائدي ومحمد بن أبي بكر بن عثمان بن شرف وست القضاة بنت يحيى بن أحمد الشيرازي بالقاهرة ومن والده وأبي زكريا يحيى بن يوسف ابن المصري وأحمد بن محمد بن عمر الحلبي وغيرهم وأجاز له جماعة وحدث بالقاهرة ودمشق وخرج له الذهبي مشيخة كثيرة حدث بها ورويت عنه.

قال عنه الآلوسي : ” أوحد الأدباء وشيخ الفضلاء شهاب الدين أحمد العمري الشافعي عليه الرحمة كان فائقا في عصره على الأقران بما حواه من الأدب والعرفان بل هو ملك أنس تكونت ذاته من نور وفلك فضل على قطب الكمال يدور تألقت في سماء المعالي كواكبه وزاحمت العيوق من غير عائق مناكبه وتناولت عنقود الثريا سواعده وتأسست فوق المجرة قواعده فرفع من العلوم منارها وقدح زند فكره بصوانة البلاغة فأورى نارها وبزغ قمر كماله من فلك الفصاحة ونبع غصن نجابته من دوحة الكرم والسماحة ..

يلوح من فرقه سيما جده الإمام الفاروقي ويرشح من قلبه السليم بعقارب الأقارب رشحات الترياق الفاروقي وهو منذ أميطت عنه التمائم ولاحت له من أثر أسلافه العلائم اشتغل بقراءة الفقه والحديث والتفسير والأصول وشرع في طلب العلوم من المعقول والمنقول إلى أن صار العلم المفرد ولم يسبقه من أهل عصره أحد ” ..

وقال ابن تغري بردي : ” كان إماما فاضلا بارعا ناظما ناثرا جوادا ممدحا ” .. وقال القلقشندي : ” الفاضل الألمعي والمصقع اللوزعي ملك الكتابة وإمامها وسلطان البلاغة ومالك زمامها ” ..

 وقال المقريزي : ” وكان يتوقد ذكاء وفطنة وله حافظة قوية ومحاضرة جميلة وكلامه فصيح بليغ .. وكان إماما في الأدب عارفا بتراجم الناس سيما أهل عصره عارفا بخطوط الفضلاء وشيوخ الكتابة قد جود فن الإنشاء حتى كان فيه آية وجود النظم وبرع في التاريخ سيما ما قارب وقته وعرف مسالك الأرض وممالكها وحذق في علم الاصطرلاب وحل التقويم ” ..

وقال محمد بن إياس : ” وكان عالما فاضلا بارعا في صناعة الإنشاء وله في ذلك المصنفات الجليلة والعبارة اللطيفة في الإنشاء وصار العمل على ما وضعه في صنعة الإنشاء إلى الآن عند الموقعين .. وكان ناظما ناثرا وله خط جيد عالي الطبقة “.

ومما يدل على مكانته وعلو مقامه وسبقه في ميدان الكتابة الديوانية ما قاله بعض معاصرين ومن كتبوا عنه .. قال الصفدي : ” هو الإمام الفاضل البليغ المفوه الحافظ حجة الكتاب إمام أهل الأدب أحد رجالات الزمان كتابة وترسلا وتوصلا إلى غايات المعالي وتوسلا وإقداما على الأسود في غابها وإرغاما لأعاديه بمنع رغابها يتوقد ذكاء وفطنة ويتلهب ويتحدر سيله ذاكرة وحفظا ويتصبب ويتدفق بحره بالجواهر كلاما ويتألق إنشاؤه بالبوارق المتسرعة نظاما ويقطر كلامه فصاحة وبلاغة وتندى عبارته انسجاما وصياغة وينظر إلى غيب المعاني من ستر رقيق ويغوص في لجة البيان فيظفر بكبار الدر من البحر العميق.

استوت بديهته وارتجاله وتأخر عن فروسيته من هذا الفن رجاله يكتب من رأس قلمه بديها ما يعجز تروي القاضي الفاضل أن يدانيه تشبيها وينظم من المقطوع والقصيدة جوهرا ما يخجل الروض الذي باكره الحيا مزهر صرف الزمان أمرا ونهيا ودبر الممالك تنفيذا ورأيا وصل الأرزاق بقلمه ورويت تواقيعه وهي إسجالات حكمه وحكمه لا أرى أن اسم الكاتب يصدق على غيره ولا يطلق على سواه .. ولا أعتقد أن بينه وبين القاضي الفاضل من جاء مثله على أنه قد جاء مثل تاج الدين ابن الأثير ومحيي الدين بن عبد الظاهر وشهاب الدين محمود وكمال الدين ابن العطار وغيرهم ..

هذا إلى ما فيه من لطف أخلاق وسعة صدر وبشر محيا رزقه الله أربعة أشياء لم أرها اجتمعت في غيره وهي : الحافظة قلما طالع شيئا إلا وكان مستحضرا لأكثره والذاكرة التي إذا أراد ذكرى شيء من زمن متقدم كان ذلك حاضرا كأنه إنما مر به بالأمس والذكاء الذي تسلط به على ما أراد وحسن القريحة في النظم والنثر أما نثره فلعله في ذروة كان أوج الفاضل لها حضيضا ولا أرى أحدا يلحقه فيه جودة وسرعة عمل لما يحاوله في أي معنى أراد وأي مقام توخاه وأما نظمه فلعله لا يلحقه فيه إلا الأفراد ..

وأضاف الله تعالى له إلى ذلك حسن الذوق الذي هو العمدة في كل فن وهو أحد الأدباء الكملة الذين رأيتهم وأعني بالكملة الذين يقومون بالأدب علما وعملا في النظم والنثر ومعرفة بتراجم أهل عصرهم ومن تقدمهم على اختلاف طبقات الناس وبخطوط الأفاضل وأشياخ الكتابة .. ثم إنه يشارك من رأيته من الكملة في أشياء وينفرد عنه بأشياء بلغ فيها الغاية وقصر ذلك عن شأوه لأنه جود فن الإنشاء : النثر وهو فيه آية والنظم وساير فنونه والترسل البارع عن الملوك ..

ولم أر من يعرف تواريخ ملوك المغل من لدن جنكزخان وهلم جرا معرفته وكذلك ملوك الهند الأتراك .. وأما معرفة الممالك والمسالك وخطوط الأقاليم ومواقع البلدان وخواصها فإنه فيها إمام وقته وكذلك معرفة الاسطرلاب وحل التقويم وصور الكواكب .. وقد أذن له العلامة شمس الدين الأصبهاني في الإفتاء على مذهب الإمام الشافعي رضي الله عنه فهو حينئذ أكمل الكملة الذين رأيتهم ..

ولقد استطرد الكلام يوما إلى ذكر القضاة فسرد ذكر القضاة الأربعة الذين عاصرهم شاما ومصرا وألقابهم وأسماءهم وعلامة كل قاض منهم حتى إني ما كدت أقضي العجب مما رأيت منه .. واتفق يوما أنه احتجت إلى كتابة صداق لبنت شمس الدين ابن الشيرازي فذكر على الفور اسمها واسم أبيها وسرد نسبه فجئت إلى البيت وراجعت تعاليقي ومسوداتي فكان الأمر كما ذكر لم يخل باسم ولا لقب ولا كنية “.

وقد تقلد شهاب الدين ابن فضل الله جملة وظائف هامة فقد باشر كتابة الإنشاء بدمشق حتى ولي أبوه محيي الدين كتابة السر بها ثم قدم معه إلى القاهرة في سنة 728 هـ لما ولي كتابة السر بديار مصر وكان يقرأ البرد على السلطان ثم سار مع أبيه إلى دمشق وعاد معه إلى القاهرة لما ولي كتابة السر ثانية في سنة 733 هـ وقرأ أيضا البريد على السلطان وجلس في دار العدل ..

فلما قدم الأمير تنكز نائب الشام في ستة سبع وثلاثين سأل السلطان في ولاية علم الدين ابن القطب كتابة السر بدمشق فأجابه وولاه وزاد في جامكيته (مرتبه) وهو ما أثار اعتراض شهاب الدين فتكلم مع السلطان بكلام خشن وقد قويت نفسه وشرست أخلاقه على عادته (وكان معروفا بحدة المزاج) واسترسل في الكلام الجافي حتى قال للسلطان : (ما يفلح من يخدمك وخدمتك علي حرام) وقام من مجلس السلطان مغضبا والأمراء وقوف بالخدمة وقد اقشعروا من كلامه وتوقعوا أن يقتله السلطان لكنه اكتفى بعزله إكراما لأبيه الذي قدم اعتذاره.

ولزم شهاب الدين بيته حتى حدث انقلاب من تنكز على السلطان فاستدعاه في محرم سنة إحدى وأربعين واستحلفه على المناصحة وولاه كتابة السر بدمشق واستمر فيه بعد موت الناصر محمد بن قلاوون حتى سنة 743 هـ حيث جلس في بيته مستقرا بمرتب يكفيه وتفرغ للكتابة والتأليف حتى إذا كانت سنة 749 هـ عزم على الحج فتوجه بأهله من دمشق إلى القدس حيث ماتت زوجته ابنة عمه بالطاعون فدفنها هناك ورجع وهو حزين محموم إلى دمشق حيث وافته المنية في يوم عرفة.

وقد أنشأ ابن فضل الله كثيرا من التقاليد والمناشير والتواقيع والأصدقة .. ووضع في حياته القصيرة عددا من الكتب التي تفاوتت في حجمها وموضوعها وأشهرها كتاب (مسالك الأبصار في ممالك الأمصار) وهو موسوعة كبرى في التاريخ والجغرافيا والأدب والفلك والطب والاجتماع وغيرها وهي من أهم ما أنتج في عهد المماليك وقد وصفه الصفدي بقوله : ” كتاب حافل ما يعلم أن لأحد مثله ” ..

وقد بين المؤلف في مقدمته الخطة التي اتبعها في تأليف هذا الكتاب والغرض الذي ألفه من أجله فقال : ” إثبات نبذة دالة على المقصود في ذكر الأرض وما فيها ومن فيها وحال كل مملكة وما هي عليه وأهلها في وقتنا هذا مما ضمه نطاق هذه المملكة واجتمع عليه طرفا تلك الدائرة لأقرب إلى الأفهام البعيدة غالب ما هي عليه أم كل مملكة من المصطلح والمعاملات وما يوجد فيها غالبا ليبصر أهل كل قطر القطر الآخر وبينته بالتصوير : ليعرف كيف هو كأنه قدام عيونهم بالمشاهدة والعيان مما اعتمدت في ذلك على تحقيق معرفتي له فيما رأيته بالمشاهدة وفيما لم أره بالنقل ممن يعرف أحوال المملكة المنقول عنه أخبارها مما رآه بعينه أو سمعه من الثقات بأذنه.

ولم أنقل إلا عن الأعيان الثقات ومن ذوي التدقيق في النظر والتحقيق للرواية واستكثرت ما أمكنني من السؤال عن كل مملكة لآمن من تغفل الغفلاء وتخيل الجهالات الضالة وتحريف الأفهام الفاسدة فإن نقلت عن بعض الكتب المصنفة في هذا الشأن فهو من الموثوق به فيما لا بد منه كتقسيم الأقاليم وما فيها من أقوال القدماء .. ولم أذكر عجيبة حتى فحصت عنها ولا غريبة حتى ذكرت الناقل لتكون عهدتها عليه وتبرأت منها ” ..

وقال عن كتابه : ” وقطعت فيه عمر الأيام والليالي وأثبت فيه بالأقلام أخبار العوالي وشغلت به الحين بعد الحين واشتغلت ولم أسمع قول اللاحين وحرصت عليه حرص الضنين وخلصت إليه بعد أن أجريت ورائي السنين ” .. والكتاب مرجع هام عند كافة المؤرخين حيث نقل عنه كل من القلقشندي والمقريزي وابن تغري بردي وابن خلدون وابن حجر وابن شاهين الظاهري والسيوطي وابن إياس.

ومن أشهر كتبه (التعريف بالمصطلح الشريف) وقد وضعه ليعرض فيه كل ما يحتاج إليه في عمل الدواوين وألفه في الفترة التالية لعام 741 هـ أي بعد أن أنهى كتابة الباب الخاص بمصر والشام والحجاز في موسوعته الكبيرة وبعد أن تمتع بخبرة واسعة في ديوان الإنشاء .. وقد اكتسب هذا الكتاب مكانة خاصة لدى العاملين بديوان الإنشاء المملوكي فأطلق عليه القلقشندي (الدستور) ووصفه بأنه أنفس الكتب المصنفة في هذا الباب ..

ومن كتبه أيضا (ممالك عباد الصليب) والذي وصف فيه ملوك الفرنجة في عصره وقد روى ذلك عن بلبان الجنوي أحد مماليك بهادر المعزي فوصف فرنسا وألمانيا وأحوالهما السياسية والاجتماعية وكذلك البنادقة والإيطاليين وأهل جنوة وبين علاقتهم بالمسلمين .. ومن كتبه الشهيرة (ذهبية العصر) والذي ذكر فيه شعراء المشرق والمغرب الإسلامي من أهل المائة الثامنة وذكر أشعارهم وأخبارهم على نهج من سبقه في التأليف مثل الثعالبي في كتابه يتيمة الدهر والباخرزي في كتابه دمية القصر والعماد الأصفهاني في كتابه خريدة القصر ومن بعده مثل الصفدي في كتابه أعيان العصر وقد تميز عنهم جميعا بسعة اطلاعه وعلاقاته العديدة مع معاصريه وصلاته بالملوك والأعيان واهتمامه بجزيرة العرب ..

ومن كتبه الأخرى (فواصل السمر في فضائل آل عمر) وهو دراسة عن أسرته ورجالاتها وفضائلها .. ومن كتبه أيضا كتاب (الجواهر الملتقطة) وهو مجموعة من المكاتبات من إنشائه وكتاب (حسن الوفا لمشاهير الخلفا) وهي قصيدة رائية وكتاب (الدرر الفرائد) وهو مختصر كتاب قلائد العقيان في محاسن الأعيان لابن خاقان وموضوعه تراجم لطائفة من ملوك ووزراء وقضاة وعلماء وأدباء وشعراء المغرب وكتاب (الشتويات) وهي مجموعة رسائل إخوانية كتبها في الشتاء وكتاب (صبابة المشتاق) وهو مجلد في المدائح النبوية .. وله أيضا عدة كتب في مواضيع متعددة هي : (تذكرة الخاطر .. الدائرة بين مكة والبلاد .. سفرة السفرة .. نفحة الروض .. الدعوة المستجابة .. دمعة الباكي ويقظة الشاكي .. النزهة الكافية في معرفة الكتابة والقافية .. عرف التعريف).

44 / الدر اللقيط من البحر المحيط

لعب الشعر دورا كبيرا في حفظ اللغة العربية وبرزت أهميته في علم النحو حيث استعان العلماء بعدد كبير من الشواهد (الأبيات الشعرية) للحكم على مسائل الإعراب والصرف عند وجود خلاف فيها ، ومن أهم اللغويين في هذا المجال تاج الدين أحمد بن عبد القادر بن أحمد القيسي المعروف بلقب (ابن مكتوم) الذي ولد في مصر عام 682 هـ / 1283 م وتوفي فيها عام 749 هـ / 1348 م وألف في ذلك عددا كبيرا من الكتب.

ومن أهمها كتاب (الدر اللقيط من البحر المحيط) والذي جمع فيه قدرا من المسائل اللغوية والنحوية استخرجها من كتاب شيخه أبي حيان الغرناطي المعروف باسم تفسير البحر المحيط خاصة ما كان فيه من خلافات مع غيره النحويين ، ومخطوطة الكتاب الأصلية محفوظة بمكتبة (يني جامع) داخل المكتبة السليمانية في إستانبول برقم حفظ (45) وقد كتبت بخط واحد من تلاميذه بتاريخ يوم الأحد لثلاث بقين من شهر ربيع الأول سنة خمسٍ وأربعين وسبعمائة.

وقد كتب في مقدمة كتابه قائلا : ” وبعد ، فهذا الكتاب يشتمل على ذكر ما في كتاب شيخنا الأستاذ العالم الحافظ أبي حيان محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان النفزي الأندلسي نزيل القاهرة أيده الله في تفسير القرآن المسمى بالبحر المحيط من الكلام مع الإمام العلامة جار الله أبي القاسم محمود بن عمر بن محمود الزمخشري والقاضي المفسر العالم أبي محمد عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن بن غالب بن عطية المحاربي رحمهما الله.

والرد عليهما في بعض ما ذكراه في كتابيهما والتنبيه على خطايهما في بعض الأحكام الإعرابية وتقرير ذلك أحسن تقرير جردته منه لنفسي وجعلته عمدة عند الوحشة لأنسي إذ كان نجبة ما فيه وزبدة ما يتضمنه من المعاني الشريفة وكريمه ، وإن كانت فوايده تزهى على الدهر وفوايده تزيد على نقط القطر وربما ذكرت فيه من فوايد الكتاب غير ذلك مما نفع الله به الصدور “.

وله عدة مؤلفات أخرى مشهورة في علوم اللغة منها كتاب (قيد الأوابد) المعروف بتذكرة ابن مكتوم (ثلاث مجلدات) والذي نقل منه من جاء بعده من العلماء وعلى رأسهم السيوطي في  كتاب المحاضرات والمحاورات ، وكتاب تلخيص تاريخ القفطي وهو مختصر لكتاب إنباه الرواة بأخبار النحاة للقفطي ، وكتاب الجمع بين العباب والمحكم في اللغة وكتاب الجمع المتناه في أخبار النحاة في عشر مجلدات ورسالة في طبقات القراء وكتاب شرح كافية ابن الحاجب.

وله كتاب عدة منظومات شعرية منها بليقة (زجل) يهاجم فيها علاء الدين مغلطاي وأرجوزة جمع فيها مؤلفات ابن مالك يقول فيها : سقى الله رب العرش قبر ابن مالك .. سحائب غفران تغاديه هطلا .. فقد ضم شمل النحو من بعد شته .. وبين أقوال النحاة وفصلا .. بألفية تسمى الخلاصة قد حوت .. خلاصة علم النحو والصرف مكملا .. وكافية مشروحة أصبحت تفي .. لعمري بالعلمين فيها تسهلا ، وله قصيدة شهيرة يقول في مطلعها : إن ضيع الناس لي حقوقي .. وقابلوا البر بالعقوق .. ولم يبالوا إن صار مثلي .. يعيش في قلة وضيق.

وقد نشأ ابن مكتوم في بيئة علمية حيث كان جده هو الفقيه الشافعي أبو العباس أحمد بن أبي السر مكتوم بن أحمد بن محمد بن سليم بن مجلي القيسي المتوفي بالقاهرة عام 670 هـ ، وجده لأمه الفقيه الشافعي أبو علي جلال الدين حسين بن نصير بن مرتضى الكناني المتوفي عام 690 هـ ، وأبو جده هو الفقيه أبو السر مكتوم بن أحمد الدمشقي الأصل المتوفي عام 635 هـ ، وأخو جده الفقيه والمحدث أبو الحجاج يوسف بن مكتوم المتوفي عام 665 هـ.    

ذكره الصفدي في كتابه أعيان العصر وأعوان النصر فقال : ” أحمد بن عبد القادر .. ابن أحمد بن مكتوم بن أحمد بن محمد بن سليم القيسي الشيخ الإمام العالم الفريد تاج الدين المعروف بابن مكتوم النحوي ، اشتغل بالحديث وفنونه وأخذ الحديث عن أصحاب النجيب وابن علاّق وهذه الطبقة.

كان فاضلاً في النحو قيماً بغرائبه متيّماً ما تشعَّب من مذاهبه جمع فيه وعلّق وفاض وغَلّق وكَسر سدَّه وخلّق وطار فيه إلى غايات النجوم وحلّق وخطه كما يقال طريقه بذاتها، متفردة بلذاتها وله نظم لا بأس به ولا لَومَ كاسبه.

ولم يزل على حاله إلى أن باح الموت بسرّ ابن مكتوم وحل به الأجل المحتوم وفُضَّ له قبرُه المختوم ، وتوفي رحمه الله تعالى في سنة تسع وأربعين مئة في طاعونِ مصر ، ومولده في أواخر ذي الحجة سنة اثنتين وثمانين وست مئة.

كنت قد سمعت بأخباره وطربت لأشعاره فازددت له شوقاً ولم أجد لقلبي على الصبر طوقاً فقدر الله بالاجتماع وزادت بُرُوق فضله في الالتمام ورأيته غير مرة.

ثم إني اجتمعت به في القاهرة في سنة خمس وأربعين وسبع مئة وسألته الإجازة بكل ما يجوز أن يرويه فأجازني مُتَلَفّظاً بذلك ، وعمل تاريخاً للنحاة ولم أقف عليه إلى الآن وملكت بخطه (الدر اللقيط من البحر المحيط) وهو في مجلدين التقطه من تفسير شيخنا أثير الدين وتكلم هو في بعض الأماكن وليس بكثر بعض شيء فجاء كتاباً جيداً.

ومن شعره ومن خطه نقلتُ : ما على الفاضل المهذب عارٌ إن غدا خاملاً وذو الجهل سامِ .. فاللَّباب الشهي بالقشر خافٍ ومَصُون الثمار تحت الكِمامِ .. والمقادير لا تلام بحالٍ والأماني حقيقةً بالَملاَمِ .. وأخو الفهم من تزوّد للموت وخلَّى الدني لنهب الطغامِ “.

ونقلت من خطّه له : عَرَتني هُمومٌ برَّحت وشواغل .. وأصبح دهري وهو بي متشاغِلُ .. وبعّد عن قلبي المسرَّة أنني .. على فضلِ ما عندي من العلم خامِلُ .. يمر بيَ الطلابُ لا يعرفونني .. ويأتون ذا الحظِ الذي هو جاهلُ .. ويُقرئ عِلمَ النحو دونيَ معشرٌ .. منازلهم في المشكلات نوازلُ.

ونقلت من خطه له : ومُعَذِّرِ قال العذولُ عليه لي .. شَبِّههُ واحذر من قصورٍ يَعتَري .. فأجبته هو بَانةً من فوقها .. بدرٌ يُحَفُّ بهالةِ مِن عَنبَرِ ، ونقلت من خطه له : نفضتُ يَدي من الدنيا .. ولم أضرع لمخلوقِ .. لعِلمِي أن رزقي لا .. يجاوزني لمرزوقِ .. ومَن عَظُمن جَهَالتُه … يَرَى فِعلِي من المُوقِ “.

وذكره ابن حجر العسقلاني في كتابه الدرر الكامنة بأعيان المئة الثامنة فقال : ” أَحْمد بن عبد الْقَادِر بن أَحْمد بن مَكْتُوم بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن سليم ابْن مُحَمَّد الْقَيْسِي تَاج الدّين أَبُو مُحَمَّد الْحَنَفِيّ النَّحْوِيّ ولد فِي أَوَاخِر ذِي الْحجَّة سنة 682 وَأخذ عَن بهاء الدّين ابْن النّحاس والدمياطي وَغَيرهمَا فَرَأَيْت بِخَطِّهِ أَنه حضر درس الْبَهَاء ابْن النّحاس وَسمع من الدمياطي اتِّفَاقًا قبل أَن يطْلب وَلزِمَ أَبَا حَيَّان دهراً طَويلا وَأخذ عَن السرُوجِي وَغَيره.

ثمَّ أقبل على سَماع الحَدِيث وَنسخ الْأَجْزَاء وَكِتَابَة الطباق والتحصيل فَأكْثر عَن أَصْحَاب النجيب وَابْن علاق جدا وَقَالَ فِي ذَلِك : وَعَابَ سَمَاعي للأحاديث بَعْدَمَا .. كَبرت أنَاس هم إِلَى الْعَيْب أقرب .. وَقَالُوا إِمَام فِي عُلُوم كَثِيرَة .. يروح وَيَغْدُو سَامِعًا يتطلب .. فَقلت مجيباً عَن مقالتهم وَقد .. غَدَوْت لجهل مِنْهُم أتعجب .. إِذا استدرك الْإِنْسَان مَا فَاتَ من علا .. فللحزم يعزى لَا إِلَى الْجَهْل ينْسب.

وَكَانَ قد تقدم فِي الْفِقْه والنحو واللغة ودرس وناب فِي الحكم وَله على الْهِدَايَة تَعْلِيق شرع فِيهِ وَشرع أَيْضا فِي الْجمع بَين الْعباب والمحكم فِي اللُّغَة وَله تذكرة تشْتَمل على فَوَائِد وَجمع كتابا حافلاً سَمَّاهُ الْجمع المتناه فِي أَخْبَار النحاه رَأَيْت مِنْهُ الْكثير بِخَطِّهِ من ذَلِك مجلدة فِي المحمدين خَاصَّة وَقل مَا وقفت على كتاب من الْكتب الأدبية من شعر وتاريخ وَنَحْو ذَلِك إِلَّا وَعَلِيهِ تَرْجَمَة مُصَنف ذَلِك الْكتاب بِخَط ابْن مَكْتُوم هَذَا.

وَلما امتحن الْحَافِظ عَلَاء الدّين مغلطاي بِسَبَب تصنيفه فِي الْعِشْق عمل فِيهِ بليقة يهجوه بهَا رَأَيْتهَا بِخَطِّهِ وَجمع من تَفْسِير أبي حَيَّان مجلداً سَمَّاهُ الدّرّ اللَّقِيط من الْبَحْر الْمُحِيط قصره على مبَاحث أبي حَيَّان مَعَ ابْن عَطِيَّة والزمخشري .. وَكتب عَنهُ سعيد الذهلي أَشْيَاء مِنْهَا قَوْله : تغافلت إِذْ سبني حَاسِد .. وَكنت مَلِيًّا بإرغامه .. وَمَا بِي من غَفلَة إِنَّمَا .. أردْت زِيَادَة آثامه ، مَاتَ فِي الطَّاعُون الْعَام فِي شهر رَمَضَان سنة 749 “.

45 / ديوان إبراهيم المعمار

إبراهيم المعمار هو شاعر ظهر في في العصر المملوكي ضمن طائفة جديدة من الشعراء وصفها الدكتور شوقي ضيف بالشعراء الشعبيين حيث يقول في كتابه تاريخ الأدب العربي : ” طائفة من شعراء مصر فى العصر رأوا أن ينظموا بلغة الحياة اليومية حتى يصلوا مباشرة إلى التأثير فى الناس باستخدام العامية لغتهم فى التخاطب اليومى.

وكانت قد نشأت فى البلاد العربية فنون شعرية عامية هى الزجل أنشأته أو استحدثته الأندلس والمواليّا استحدثه أهل واسط بالعراق والكان وكان استحدثته بغداد ومثله القوما وسرعان ما شاعت هذه الفنون فى العالم العربى وخاصة الزجل والمواليا.

والزجل أنواع منه ما يسمى بالاسم الأصلى وهو الزجل ويختص بالغزل والنسيب والخمر والطبيعة ومنه ما سمّته مصر بلّيقا وجمعته على بلاليق، وهو ما تضمن الغزل أو الخلاعة والأحماض ومنه ما سمّى قرقيّا وهو ما تضمن الهجاء أو الهزل ومنه ما سمّى مكفّرّا وهو ما تضمن المواعظ والحكمة وكأنهم اشتقوه من تكفير الذنوب ..

وأخذت مصر منذ القرن السادس الهجرى تشترك فى صنع الزجل بأنواعه السابقة وأخذت تلّطف أساليبه وأوزانه حتى بلغت فيه غاية لا تكاد تدرك وكما أقبلت على الزجل بالمعنى العام أقبلت على البلّيق وهو زجل هزلى ويقول ابن سعيد فى منتصف القرن السابع الهجرى : كان بالفسطاط جماعة يصنفون البلّيق وهو على طريقة الزجل الأندلسى “.

وقد ذكره ابن حجر العسقلاني في كتابه الدرر الكامنة بأعيان المائة الثامنة فقال : ” إِبْرَاهِيم بن عَليّ المعمار الْمَشْهُور بِغُلَام النوري الشَّاعِر الْمَعْرُوف كَانَ عامياً إِلَّا أَنه كَانَ ذكي الْفطْرَة قوي القريحة لطيف الطَّبْع وَشعر سَائِر مَشْهُور وَكَانَ يلْزم القناعة وَلَا يتَرَدَّد إِلَى أحد من الأكابر إِلَى أَن مَاتَ فِي الطَّاعُون سنة ٧٤٩ بعد أَن نظم فِيهِ الْبَيْتَيْنِ الْمَشْهُورين :

يَا من تمنى الْمَوْت قُم فاغتنم .. هَذَا أَوَان الْمَوْت مَا فاتا .. قد رخص الْمَوْت على أَهله .. وَمَات من لَا عمره مَاتَا ، وَمن شعره : يَا قلب صبرا على الْفِرَاق وَلَو .. رميت مِمَّن تحب بالبين .. وَأَنت يَا دمع إِن ظَهرت بِمَا .. يخفيه قلبِي سَقَطت من عَيْني ، وَله : يَا أَغْنِيَاء الزَّمَان هَل لي .. جرائم عنْدكُمْ عظاما .. فضتكم لَا تزَال غَضَبي .. فَلَا سَلام وَلَا كَلَام .. وَالذَّهَب الْعين لَا أرَاهُ .. عَيْني من عينه حرَام “.

وذكره ابن تغري بردي في كتابه المنهل الصافي والمستوفي بعد الوافي فقال : المعمار .. إبراهيم الحائك وقيل الحجار الأديب الظريف المعروف بغلام النوري المصري ، قال الشيخ صلاح الدين الصفدي : عامي مطبوع تقع له التوريات المليحة المتمكنة المطبوعة الجيدة لا سيما في الأزجال والبلاليق بحيث أنه في ذلك غاية لاتدرك أما في المقاطع الشعرية فإنه يقعد به عنها مراعاة الإعراب وتصريف الأفعال ولكنه قليل الخطأ ..

قلت : وما أورده الصفدي هو الرديء من شعره فله أحسن من ذلك مثل قوله : لابن فضل الله فضل .. غمر الفضل ووفى .. كيف لا وهو على .. علم السر وأخفى ، وله أيضا : إن قام يتلو سورة الشمس المنير في ضحاها .. يا حسنة فكأنه القمر المنير إذا تلاها

وله أيضا : وخادم قبلت مشروطه .. في خده لكن رأيت العجب .. من ناعم حلو فناديته .. ما أنت يا مشروط إلا رطب ، وله أيضا : كلفني بطباخ تنوع حسنه .. ومزاجه للعاشقين يوافق .. لكن مخافي من جفاه وقد غدت .. منه قلوب في الصدور خوافق.

وله أيضا : قلت له لما وفى موعدي .. مختفيا من حاسد معتدي .. رب كما فرّحتني بالوفا .. أسبل علية الستر ياسيدي ،  وله في مشهب : هويته مشببا جماله برّج بي .. تيم قلبي بالحجاز من عيون القصب ، وله في الوزير ابن زنبور : ذا ابن زنبور الصاحب .. في الناس يا مقوي أسمه .. يا ترى زنبور إيش كان .. زنبور أبوه واَّلا أمَّه.

قلت : وديوان شعره مشهور وهو في غاية الظرف والرقة ، وكان سريع البديهة يحكي عنه أنه نزل إلى مركب هو وجماعة في أصحابه قاصدين الآثار الشريف فقعد في المركب وأسند ظهره إلى المقداف وكان المقداف قريب العهد من البياض فلما أقلعوا كان المعمار ظهره إلى الشمس وكان عليه ملوطة مصقولة رفيعة فحميت الشمس على المقداف فساح الزفت فالتصقت ملوطة المعمار بالمقداف فلما مالت الشمس جف الزفت على الملوطة فلما وصلوا إلى الآثار الشريف قاموا مسرعين بوهجة فقام المعمار أيضا بوهجة فانشرطت الملوطة إلى الذيل  فأنشد بديها : أفّو عليك مقداف أفو .. قد وصل أذاك اليَّا .. بالسواد بيضت وجهك .. وتفض زفتك عليا.

وقد أضربنا عن كثير من نظمه خوف الإطالة ولكثرة وجود ديوان شعره وتداوله بين الناس ، توفي سنة تسع وأربعين وسبعمائة بالقاهرة عفا الله عنه “.

وذكره ابن شاكر الكتبي في وفات الوفيات فقال : ” المعمار إبراهيم الحائك وقيل المعمار وقيل الحجار غلام النوري المصري ، عامي مطبوع تقع له التوريات المليحة المتمكنة لا سيما في الأزجال والبلاليق ، فمن مقاطيعه اللائقة قوله : وصاحب أنزل بي صفعةً .. فاغتظت إذ ضيّع لي حرمتي .. وقال في ظهرك جاءت يدي .. فقلت لا والعهد في رقبتي.

 وله أيضاً : شطر أول ومفنّنٍ يهوى الصفاع ولم يكن إذ ذاك فنّي .. سلّمته عنقي الدقيق فراح ينخله بغبن .. ما كان منّي بالرضى لكنه من خلف أذني .. لولا يدٌ سبقت له لأمرته بالكفّ عنّي ، وله أيضاً : أيري إذا ندبته … لحاجة تعرض بي .. قام لها بنفسه .. ما هو إلاّ عصبي ، وله أيضاً : عاتبت أيري إذ جاء ملتثماً .. بالخرء من علقه فما اكترثا .. بل قال لي حين لمته قسما … ما جزت حمام قعره عبثا .. كيف وفيها طهارتي وبها … أقلب ماءً وأرفع الحدثا.

وقال أيضاً : لما جلوا لي عروساً لست أطلبها … قالوا ليهنك هذا العرس والزينه .. فقلت لما رأيت النّهد منتفشاً … رمانة كتبت يا ليتها تينه ، وقال أيضاً : قال لي العاذلون أنحلك الحبّ وأصبحت في السقام فريدا .. أإذا صرت من جفاهم عظاماً أبوصلٍ تعود خلقاً جديدا .. ما رأينا ولا سمعنا بهذا قلت كونوا حجارة أو حديدا ، وقال أيضاً : لثمت عذار محبوبي الشرابي .. فقال تركت لثم الخد عجبا .. حفظت اليانسون كما يقولوا .. ورحت تضيّع الورد المربّى.

وقال أيضاً : قلت له هل لك من حرفةٍ .. تعش بها بين الورى أو سبب .. فقال يغنيني ردفي الذي .. أسموه عشاقي تليل الذهب ، وقال أيضاً : لمّا جلوا عرسي وعاينتها .. وجدت فيها كلّ عيبٍ يقال .. فقلت للدلاّل ماذا ترى .. فقال ما أضمن إلاّ الحلال ، وقال أيضاً : لج العذول ولامني .. فيمن أحبّ وعنّفا .. فهممت ألطم رأسه .. ممّا ملئت تأسّفا .. لكنها زلقت يدي .. وقعت على أصل القفا ، وقال أيضاً : هويت طبّاخاً سلاني وقد .. قلا فؤادي بعد ما رده .. محترقاً إذ لم يزل بالجفا .. يغرف لي أحمض ما عنده.

وقال أيضاً : شكوت للحبّ منتهى حرقي .. وما ألاقيه من ضنى جسدي .. قال تداوى بريقتي سحراً .. فقلت يا بردها على كبدي ، وقال : يا قلب صبراً على الفراق ولو .. روّعت ممّن تحب بالبين .. وأنت يا دمع إن ظهرت بما .. يخفيه قلبي سقطت من عيني ، وله غير ذلك ، بلغنا وفاته في شهور سنة تسع وأربعين وسبعمائة رحمه الله تعالى “.

وترجم له الصفدي في كتابه أعيان العصر وأعوان النصر فقال : ” إبراهيم الحايك وقيل المعمار وقيل الحجار غلام النوري ، عامي ظريف وشاعر عري من حلل النحو والتصريف لكنّ قريحته نظامة وطباعه لبرود الشعر رقامة ، له ذوق قد شب عمرهُ فيه عن الطوق وتوريات تسير الثريا من تحتها وهي من فوق واستخدام له إلى تحريك الأعطاف وهزها شوق ونكتّ أدبيه ما يبلّ الفاضل منها غلة الشوق ومقاصدُ غريبة أحسنُ من روق الشباب وما أحسنه من روق.

إلا أن اللحنّ الخفي يخونه في بعض الأماكن وهو قليل وتصريف الأفعال يعرض عنه بلا دليل ، أما إذا ترك وعامّيته في الأزجال والبلاليق ونفض يده من القريض لم يكن له فيه تعاليق فإنه أتي بالعجائب ويركب في طريق الإعجاب والإعجاز متون الصبا والجنائب ، فما يلحقه في ذلك مجار ولا يرهقه مُبار ولا يطمع لاحق له في شق غبار ولا أعلم له في ذلك نظيراً ولا استجليت في سماء فنه مثله قمراً منيراً.

وكان فقيراً متخلياً وأميراً في نفسه بالخمول متحلياً يعرض عن الأكابر ويعد أهل الدنيا عنده في أهل المقابر قد لزم القناعة وأرخى على وجه الصبر قناعة ، فهو في باب اللوق سابق غير مسبوق وفي ساحات المناشر سلطان من ينادم أو يعاشر قد هذبه زمانُه، وأطلق في الراحة عنانُه يكتفي بالبلاغ ويجتزئ بما له في الحلق مساغ.

ولم يزل على عالم إطلاقه ووميض برقة وابتلاقه إلى أن خرب من المعمار ربع الحياة وعفر التراب محيّاه ، وتوفي رحمه الله تعالى في طاعون مصر سنة تسع وأربعين وسبعمئة بعدما نظم في الطاعون قبل موته وأنشد قبل فوته : يا من تمنى الموتَ قم اغتنم .. هذا أوانُ الموت ما فاتا .. يا من تمنى الموت قم واغتنم .. هذا أوان الموت ما فاتا .. قد رخُص الموتث على أهله .. ومات من لا عمرهُ ماتا.

وكان قد كتب إلي لما وردت القاهرة في خمس وأربعين وسبع مئة في زمن الملك الصالح إسماعيل قدس الله روحه : وافى صلاح الدين مصراً فيا .. نعم خليل حلها بالفلاح .. فليهنها الإقبالُ إذ أصبحت .. بالملك الصالح دارَ الصلاح ، فكتبت أنا الجواب إليه : خليلٌ في الشام هلال بدا .. وبدرُ إبراهيم في مصر لاح .. ذا كامل من حيث ذا ناقص .. وذاك بُرهان وهذا صلاح “.

46 / السيف المسلول على من سب الرسول

قاضي القضاة بعلمه وضح الهدى .. وبجوده ووجوده فاض الندى .. من آل يعرب في ذوائبها العلى .. جاز السماء علا وجاز الفرقدا .. من كل أبيض باسم يوم الوغى .. يجتاب من ليل الضلال الأسودا .. نصر النبي محمدا بجداله .. وجدوده نصروا النبي محمدا.

هذه الأبيات من نظم القاضي شهاب الدين أحمد بن فضل الله العمري يمدح فيها الإمام زين الدين الأنصاري المعروف بلقب أقضى القضاة حيث مدحه بأجداده من الأنصار ، وهو الشيخ أبو محمد زين الدين عبد الكافي بن علي بن تمام السبكي الأنصاري والمتوفي بالمحلة الكبرى عام 735 هـ ، وهو من قبيلة الخزرج الأنصارية التي استوطنت قرية سبك الأحد بالمنوفية ومنها جاء لقب السبكي.

ولي قضاء الغربية زمنا واستقر بالمحلة حتى وفاته ، وولده هو الحافظ والمحدث والأصولي شيخ الإسلام تقي الدين أبو الحسن علي السبكي (683 ـ 756 هـ) درس بالمدرسة المنصورية في القاهرة ثم تولى منصب قاضي القضاة بدمشق ، أما الحفيد فهو أشهرهم وهو الفقيه الشافعي ومؤرخ المذهب أبو نصر تاج الدين عبد الوهاب السبكي (727 ـ 771 هـ) صاحب المؤلفات الغزيرة والمصنفات الكثيرة.

وقد جاءت ترجمته في طبقات الشافعية الكبرى حيث كتب حفيده تاج الدين وقال : ” عبد الكافي بن علي بن تمام السبكي جدي أقضى القضاة زين الدين أبو محمد ، سمع من ابن خطيب المزة ومحمد بن إسماعيل الأنماطي وغيرهما وأجاز له العز الحراني وابن القسطلاني وغيرهما وحدث بالقاهرة والمحلة ، خرج له الحافظ تقي الدين أبو الفتح محمد بن عبد اللطيف بن يحيى السبكي مشيخة حدث بها.

وولي قضاء الشرقية وأعمالها والغربية وأعمالها من الديار المصرية وكان من أعيان نواب الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد ، قرأ الأصول على القرافي والفروع على الظهير التزمنتي ، وكان رجلا صالحا كثير الذكر وله نظم كثير غالبه زهد ومدح في النبي صلى الله عليه وسلم ، توفي يوم الثلاثاء تاسع شعبان سنة خمس وثلاثين وسبعمائة بالمحلة ودفن من الغد بظاهرها حضرت دفنه وأنا شاك في حضور الصلاة عليه “.

وقد تتلمذ عليه ولده الإمام تقي الدين السبكي حيث ضمن له والده التفرغ للعلم منذ صغره وصحبه إلى القاهرة وقدمه لشيوخ عصره حتى صار إمام المذهب الشافعي في زمنه وأكثرهم كتابة وتأليفا حتى جاوزت مصنفاته خمسين كتابا ، ومن أهمها كتاب فتاوى السبكي وكتاب فصل المقال في هدايا العمال والذي يتناول مسألة الهدية والرشوة عندى موظفي الدولة وكتاب إبراز الحكم من حديث رفع القلم وكتاب قضاء الأرب في أسئلة حلب وكتاب تكملة السبكي على المجموع شرح المهذب.

ومعظم مؤلفاته كانت مرتبطة بعمله في القضاء ومنها كتاب السيف المسلول على من سب الرسول والذي يضم خمسمائة صفحة كتبها تعليقا على حكم قضائي أصدره ضد نصراني سب الرسول صلى الله عليه وسلم لكن تم نقض الحكم بحيثيات تخالف المذهب الشافعي ، ولم يجد القاضي بدا من توضيح رأيه من خلال تأليف هذا الكتاب الذي يقول في مقدمته :

” وهذا تصنيف سميته السيف المسلول على من سب الرسول ، وكان الداعي إليه أن فتيا رفعت إلي في نصراني سب ولم يسلم فكتبت عليها : يقتل النصراني المذكور كما قتل النبي صلى الله عليه وسلم كعب بن الأشرف ويطهر الجناب الرفيع من ولوغ هذا الكلب ، لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى .. حتى تحاط على جوانبه الدم ، وكتب معي جماعة من الشافعية والمالكية.

فأنكر ذلك بعض الناس محتجا بقول الرافعي وغيره من الأصحاب : إن في انتقاض عهده بذلك خلافا وظن أنه إذا لم ينتقض عهده لا يقتل ، وتعجب من استدلالي بقصة كعب بن الأشرف وقال : هذه واقعة عين لا يستدل بها لاحتمال أنه قتله بغير السب وربما زعم بعض المجادلين في ذلك أن كعب بن الأشرف كان حربيا.

وإني لأتعجب من المجادلة في ذلك ممن له أدنى إلمام بالسير أو أنس بالفقه ! وأتعجب من شافعي آخر وإمامه قد قال ما قلته واحتج بما احتججت به من خبر كعب بن الأشرف وكذلك الأكابر من أصحاب مذهبه ولم يصرح أحد منهم بخلاف ذلك ، وقال الغزالي : إن المذهب أنه لا تقبل توبته فلا وجه لإنكار ذلك إلا المجادلة بالباطل.

وحق علي وعلى غيري من أهل العلم القيام في ذلك وتبيين الحق فيه فإن فيه نصرة للنبي صلى الله عليه وسلم ، والله تعالى يقول : (وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز) ، وليس لي قدرة أن أنتقم بيدي من هذا الساب الملعون ، والله يعلم أن قلبي كاره منكر ولكن لا يكفي الإنكار بالقلب هاهنا فأجاهد بما أقدر عليه من اللسان والقلم ، وأسأل الله عدم المؤاخذة بما تقصر يدي عنه وأن ينجيني كما أنجى الذين ينهون عن السوء إنه عفو غفور “.

وله وصية بليغة كتبها لولده الأكبر محمد الذي توفي في حياته وجاء فيها : بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله ربِّ العالمي، وصلى الله على خاتم النبيين محمَّد وعلى إِخْوانِهِ والملائكةِ والآلِ والصَّحْبِ أجمعين وبعد ، فهذه وَصِيَّةُ شيخِنا الامامِ العلَّامةِ تقي الدِّين أبي الحسن علي بن عبد الكافي السُّبكي الشافعيِّ لَوَلَدِه مُحَمَّدٍ حين تَوَجَّهَ قاضيَ وناظرَ الرَّكْبِ المصري إلى الحجاز سنة ست عشرة وسبعمائة فقال :

بُنيَّ لا تُهْمِلْ نصيحتي التي .. أوصيكَ واسْمَعْ من مقَالِي تَرْشُدِ .. احْفَظْ كتابَ الله والسُّنَنَ الَّتي .. صَحَّتْ وفِقْهَ الشافعيِّ مُحَمَّدِ .. واعْلَمْ أصُولَ الفِقْهِ عِلْمًا مُحْكمًا .. يَهْدِيكَ لِلْبحْثِ الصَّحيحِ الأَيِّدِ ..  وَتَعلَّم النَّحْوَ الَّذي يُدْني الفتى .. مِنْ كُلِّ فَهْمٍ في القُران مُسَدَّدِ .. وخُذِ العُلُومَ بِهِمَّةٍ وتَفَطُّنٍ .. وقَريحةٍ سَمْحَاءَ ذاتِ تَوَقُّدِ .. واسْتَنْبِطَ المكْنُونَ مِنْ أَسْرارها .. وابْحَثْ عن المعنى الأَسَدِّ الأَرْشدِ.

وعليكَ أرْبابَ العلوم فلا تكن .. في ضَبْطِ ما يُلْقُونَه بِمُفَنِّدِ .. والزم كتابكَ دائمًا مُتفهمًا .. واهْجُر منامَكَ في طِلاب السُّؤددِ .. واسلُك سبيلَ الشافعي ومالكٍ .. وأبي حنيفةَ في العُلُومِ وأَحْمَدِ .. واقْصِدْ بِعِلْمِكَ وَجْهَ رَبِّكَ خَالِصًا .. تَظْفَرْ بِسُبْلِ الصالحين وتَهْتَدِ .. وتجنَّب اللهو الذي يُزْري الفتى .. وذَرِ الخَلاعةَ والمُجونَ مع الرَّدي .. واتبع صراط المُصْطفى في كُلِّ ما .. يَأْتي به من كُلِّ أمْرٍ تَسْعَدِ.

وقد ترجم له ولده تاج الدين السبكي في كتابه طبقات الشافعية الكبرى وضمنها كتابات ابن فضل الله والصفدي عنه فقال : ” عَليّ بن عبد الْكَافِي بن عَليّ بن تَمام بن يُوسُف بن مُوسَى بن تَمام ابْن حَامِد بن يحيى بن عمر بن عُثْمَان بن عَليّ بن مسوار بن سوار ابْن سليم السُّبْكِيّ .. الشَّيْخ الإِمَام الْفَقِيه الْمُحدث الْحَافِظ الْمُفَسّر الْمُقْرِئ الأصولي الْمُتَكَلّم النَّحْوِيّ اللّغَوِيّ الأديب الْحَكِيم المنطقي الجدلي الخلافي النظار شيخ الْإِسْلَام قَاضِي الْقُضَاة تَقِيّ الدّين أَبُو الْحسن.

شيخ الْمُسلمين فِي زَمَانه والداعي إِلَى الله فِي سره وإعلانه والمناضل عَن الدّين الحنيفي بقلمه وَلسَانه أستاذ الأستاذين وَأحد الْمُجْتَهدين وخصم المناظرين جَامع أشتات الْعُلُوم والمبرز فِي الْمَنْقُول مِنْهَا وَالْمَفْهُوم والمشمر فِي رضَا الْحق وَقد أَضَاءَت النُّجُوم شَافِعِيّ الزَّمَان وَحجَّة الْإِسْلَام الْمَنْصُوب من طرق الْجنان والمرجع إِذا دجت مشكلة وَغَابَتْ عَن العيان عباب لَا تكدره الدلاء وسحاب تتقاصر عَنهُ الأنواء وَبَاب للْعلم فِي عصره وَكَيف لَا وَهُوَ عَليّ الَّذِي تمت بِهِ النعماء.

وَكَانَ من الْوَرع وَالدّين وسلوك سَبِيل الأقدمين على سنَن ويقين إِن الله مَعَ الْمُتَّقِينَ صادع بِالْحَقِّ لَا يخَاف لومة لائم صَادِق فِي النِّيَّة لَا يختشي بطشة ظَالِم صابر وَإِن ازدحمت الضراغم مَنُوط بِهِ أَمر المشكلات فِي دياجيها محطوط عَن قدره السَّمَاء ودراريها مَبْسُوط قلمه وَلسَانه فِي الْأمة وفتاويها ، شيخ الْوَقْف حَالا وعلما وَإِمَام التَّحْقِيق حَقِيقَة ورسما وَعلم الْأَعْلَام فعلا واسما.

لَا يرى الدُّنْيَا إِلَّا هباء منثورا وَلَا يدْرِي كَيفَ يجلب الدِّرْهَم فَرحا وَالدِّينَار سُرُورًا وَلَا يَنْفَكّ يَتْلُو الْقُرْآن قَائِما وَقَاعِدا رَاكِبًا وماشيا وَلَو كَانَ مَرِيضا مَعْذُورًا وَكَانَ دعواته تخترق السَّبع الطباق وتفترق بركاتها فتملأ الأفاق وتسترق خبر السَّمَاء وَكَيف لَا وَقد رفعت على يَد ولي الله تفتح لَهُ أَبْوَابهَا ذَوَات الإغلاق وَكَانَت يَدَاهُ بِالْكَرمِ مبسوطتين لَا يُقَاس إِلَّا بحاتم.

يواظب على الْقُرْآن سرا وجهرا لَا يقرن ختام ختمة إِلَّا بِالشُّرُوعِ فِي أُخْرَى وَلَا يفْتَتح بعد الْفَاتِحَة إِلَّا سُورَة تترى مَعَ تقشف لَا يتردع مَعَه غير ثوب العفاف وَلَا يتطلع إِلَى مَا فَوق مِقْدَار الكفاف وَلَا يتنوع إِلَّا فِي أَصْنَاف هَذِه الْأَوْصَاف يقطع اللَّيْل تسبيحا وقرآنا وقياما لله لَا يُفَارِقهُ أَحْيَانًا وبكاء يفِيض من خشيَة الله ألوانا أقسم بِاللَّه أَنه لفوق مَا وَصفته وَإِنِّي لناطق بهَا وغالب ظَنِّي أَنِّي مَا أنصفته وَإِن الغبي سيظن فِي أمرا مَا تصورته.

وَمَا زَالَ فِي علم يرفعهُ وتصنيف يَضَعهُ وشتات تَحْقِيق يجمعه إِلَى أَن سَار إِلَى دَار الْقَرار وَمَا سَاد أحد ناواه وَلَا كَانَ ذَا استبصار وَلَا سَاءَ من وَالَاهُ بل عَمه بِالْفَضْلِ المدرار وَلَا سَاغَ بسوى طَرِيقه الاهتداء وَالِاعْتِبَار وَلَا ساح بِغَيْر نَادِيه نيل يخجل وابل الأمطار وَلَا ساخ قدم فَتى قَامَ بنصرته وَقَالَ أنْصر بَقِيَّة الْأَنْصَار وَلَا سَالَ إِلَّا ويداه مبسوطتان وابل كرم فِي هَذِه الديار وَلَا سامة أحد بِسوء إِلَّا وَكَانَت عَلَيْهِ دَائِرَة الْفلك الدوار وَلَا سَاقه الله حِين قَبضه إِلَّا إِلَى جنَّة عدن أعدت لأمثاله من الْمُتَّقِينَ الْأَبْرَار.

ولد فِي ثَالِث صفر سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة ، وتفقه فِي صغره على وَالِده وَكَانَ من الِاشْتِغَال على جَانب عَظِيم بِحَيْثُ يسْتَغْرق غَالب ليله وَجَمِيع نَهَاره وَحكى لي أَنه لم يَأْكُل لحم الْغنم إِلَّا بعد الْعشْرين من عمره لحدة ذهنه وَأَنه كَانَ إِذا شم رَائِحَته حصل لَهُ شرى وَإِنَّمَا كَانَ يخرج من الْبَيْت صَلَاة الصُّبْح فيشتغل على الْمَشَايِخ إِلَى أَن يعود قريب الظّهْر فيجد أهل الْبَيْت قد عمِلُوا لَهُ فروجا فيأكله وَيعود إِلَى الِاشْتِغَال إِلَى الْمغرب فيأكل شَيْئا حلوا لطيفا ثمَّ يشْتَغل بِاللَّيْلِ.

ثمَّ لما دخل الْقَاهِرَة بعد أَن صَار فَاضلا تفقه على شَافِعِيّ الزَّمَان الْفَقِيه نجم الدّين ابْن الرّفْعَة وَقَرَأَ الْأَصْلَيْنِ وَسَائِر المعقولات على الإِمَام النظار عَلَاء الدّين الْبَاجِيّ والمنطق وَالْخلاف على سيف الدّين الْبَغْدَادِيّ وَالتَّفْسِير على الشَّيْخ علم الدّين الْعِرَاقِيّ والقراءات على الشَّيْخ تَقِيّ الدّين ابْن الصَّائِغ والفرائض على الشَّيْخ عبد الله الغماري الْمَالِكِي.

وَأخذ الحَدِيث عَن الْحَافِظ شرف الدّين الدمياطي ولازمه كثيرا ثمَّ لَازم بعده وَهُوَ كَبِير إِمَام الْفَنّ الْحَافِظ سعد الدّين الْحَارِثِيّ وَأخذ النَّحْو عَن الشَّيْخ ابْن حَيَّان وَصَحب فِي التصوف الشَّيْخ تَاج الدّين ابْن عَطاء الله ، وَسمع بالإسكندرية من أبي الْحُسَيْن يحيى بن أَحْمد بن عبد الْعَزِيز بن الصَّوَاب وَعبد الرَّحْمَن بن مخلوف بن جمَاعَة وَيحيى بن مُحَمَّد بن عبد السَّلَام.

وبالقاهرة من عَليّ بن نصر بن الصَّواف وَعلي بن عِيسَى بن الْقيم وَعلي بن مُحَمَّد بن هَارُون الثَّعْلَبِيّ والحافظ أبي مُحَمَّد عبد الْمُؤمن بن خلف الدمياطي وشهاب بن عَليّ المحسني وَالْحسن بن عبد الْكَرِيم سبط زِيَادَة ومُوسَى بن عَليّ بن أبي طَالب وَمُحَمّد بن عبد الْعَظِيم بن السَّقطِي وَمُحَمّد بن المكرم الْأنْصَارِيّ وَمُحَمّد بن مُحَمَّد بن عِيسَى الصُّوفِي وَمُحَمّد بن نصير بن أَمِين الدولة ويوسف بن أَحْمد المشهدي وَعمر بن عبد الْعَزِيز بن الْحُسَيْن بن رَشِيق وشهدة بنت عمر بن العديم.

وبدمشق من ابْن الموازيني وَابْن مشرف وَأبي بكر بن أَحْمد بن عبد الدَّائِم وَأحمد بن مُوسَى الدشتي وَعِيسَى الْمطعم وَإِسْحَاق بن أبي بكر بن النّحاس وَسليمَان بن حَمْزَة القَاضِي وَخلق ، وَأَجَازَ لَهُ من بَغْدَاد الرشيد بن أبي الْقَاسِم وَإِسْمَاعِيل بن الطبال وَغَيرهمَا ، وَجمع مُعْجَمه الجم الْغَفِير وَالْعدَد الْكثير وَكتب بِخَطِّهِ وَقَرَأَ الْكثير بِنَفسِهِ وَحصل الْأَجْزَاء الْأُصُول وَالْفُرُوع وَسمع الْكتب وَالْمَسَانِيد وَخرج وانتقى على كثير من شُيُوخه وَحدث بِالْقَاهِرَةِ ودمشق ، سمع مِنْهُ الْحفاظ أَبُو الْحجَّاج الْمزي وَأَبُو عبد الله الذَّهَبِيّ وَأَبُو مُحَمَّد البرزالي وَغَيرهم.

ذكره الذَّهَبِيّ فِي المعجم الْمُخْتَص فَقَالَ القَاضِي الإِمَام الْعَلامَة الْفَقِيه الْمُحدث الْحَافِظ فَخر الْعلمَاء تَقِيّ الدّين أَبُو الْحسن السُّبْكِيّ ثمَّ الْمصْرِيّ الشَّافِعِي ولد القَاضِي الْكَبِير زين الدّين ، مولده سنة ثَلَاث وثماني وسِتمِائَة سمع من الدمياطي وطبقته وبالثغر من شَيخنَا يحيى الصَّوَاب لحقه بآخر رَمق وبدمشق من ابْن الموازيني وَابْن مشرف وبالحرمين

وَكَانَ صَادِقا متثبتا خيرا دينا متواضعا حسن السمت من أوعية الْعلم يدْرِي الْفِقْه ويقرره وَعلم الحَدِيث ويحرره وَالْأُصُول ويقرئها والعربية ويحققها ثمَّ قَرَأَ بالروايات على تَقِيّ الدّين ابْن الصَّائِغ وصنف التصانيف المتقنة وَقد بَقِي فِي زَمَانه الملحوظ إِلَيْهِ بالتحقيق وَالْفضل ، سَمِعت مِنْهُ وَسمع مني وَحكم بِالشَّام وحمدت أَحْكَامه فَالله يُؤَيّدهُ ويسدده سمعنَا مُعْجَمه بالكلاسة انْتهى ، وَذكره أَيْضا فِي مُعْجم شُيُوخ وَفِي تذكرة الْحفاظ وَغَيرهمَا من كتبه.

رَحل الْوَالِد رَحمَه الله إِلَى الشَّام فِي طلب الحَدِيث فِي سنة سِتّ وَسَبْعمائة وناظر بهَا وَأقر لَهُ علماؤها وَعَاد إِلَى الْقَاهِرَة فِي سنة سبع مستوطنا مُقبلا على التصنيف والفتيا وشغل الطّلبَة وَتخرج بِهِ فضلاء الْعَصْر ثمَّ حج فِي سنة سِتّ عشرَة وزار قبر الْمُصْطَفى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثمَّ عَاد وَألقى عَصا السّفر وَاسْتقر والفتاوى ترد عَلَيْهِ من أقطار الأَرْض وَترد إِلَيْهِ بَعْضًا على بعض.

وانتهت إِلَيْهِ رياسة الْمَذْهَب بِمصْر فَمَا طافت على نَظِيره وَإِن سَقَاهَا النّيل وَرَوَاهَا وَلَا اشْتَمَلت على مثله أباطحها ورباها وَلَا فخرت إِلَّا بِهِ حَتَّى لقد لعبت بأعطاف البان مهاب صباها وَفِي هَذِه الْمدَّة رد على الشَّيْخ أبي الْعَبَّاس ابْن تَيْمِية فِي مَسْأَلَتي الطَّلَاق والزيارة وَألف غَالب مؤلفاته الْمَشْهُورَة كالتفسير وتكملة شرح الْمُهَذّب وَشرح الْمِنْهَاج للنووي وَغير ذَلِك من مَبْسُوط ومختصر وطار اسْمه فَمَلَأ الأقطار وَحلق على الدُّنْيَا وَلم يكتف بِمصْر من الْأَمْصَار شهرة بَعدت أطرافا وعمدت إِلَى الرّبع العامر من جانبيه تحاول عَلَيْهِ إشرافا.

وَتَمَادَى الْأَمر إِلَى سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة فِي تَاسِع عشر جُمَادَى الْآخِرَة مِنْهَا وَكَانَ قد تهَيَّأ لملازمة بَيته وَذَلِكَ أَنه كَانَ من عَادَته من حِين يهل شهر رَجَب لَا يخرج من بَيته حَتَّى يَنْسَلِخ شهر رَمَضَان إِلَّا لصَلَاة الْجُمُعَة فَطَلَبه السُّلْطَان الْملك النَّاصِر مُحَمَّد بن قلاوون رَحمَه الله وَذكر لَهُ أَن قَضَاء الشَّام قد شغر بوفاة جلال الدّين الْقزْوِينِي وأراده على ولَايَته فَأبى فَمَا زَالَ السُّلْطَان إِلَى أَن ألزمهُ بذلك بعد ممانعة طَوِيلَة فِي مجْلِس متماد يطول شَرحه فَقبل الْولَايَة يالها غلطة أُفٍّ لَهَا وورطة ليته صمم وَلَا فعلهَا.

فَقدم دمشق وَسَار على مَا يَلِيق بِهِ من قدم مَا نرى القَاضِي بكارا زَاد عَلَيْهِ إِلَّا بتبكيره ومجيئه فِي أول الزَّمَان وَهَذَا جَاءَ فِي أخيره مصمما فِي الْحق لَا تَأْخُذهُ فِيهِ لومة لائم صادعا بِالشَّرْعِ لَا يهاب بَطش الظَّالِم غير ملتفت إِلَى شَفِيع وَلَا مكترث بِذِي قدر رفيع ، حَتَّى يَقُول لِسَان الْحَال ينشده .. يَا ثَبت لله هَذَا الصَّبْر وَالْجَلد .. الْمُسلمُونَ بِخَير مَا بقيت لَهُم .. وَلَيْسَ بعْدك خير حِين تفتقد ، وَرُبمَا خاطبته الْمُلُوك وَهُوَ لَا يسمع لَهُم كلَاما وَلَا يرد عَلَيْهِم جَوَابا ، يدع الْجَواب فَلَا يُرَاجع هَيْبَة .. والسائلون نواكس الأذقان .. أدب الْوَقار وَعز سُلْطَان التقى .. فَهُوَ الْعَزِيز وَلَيْسَ ذَا سُلْطَان.

وَجلسَ للتحديث بالكلاسة فَقَرَأَ عَلَيْهِ الْحَافِظ تَقِيّ الدّين أَبُو الْفَتْح مُحَمَّد بن عبد اللَّطِيف السُّبْكِيّ جَمِيع مُعْجَمه الَّذِي خرجه لَهُ الْحَافِظ شهَاب الدّين أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن أيبك الحسامي الدمياطي رَحمَه الله وسَمعه عَلَيْهِ خلائق مِنْهُم الْحَافِظ الْكَبِير أَبُو الْحجَّاج يُوسُف بن الزكي الْمزي والحافظ الْكَبِير أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن أَحْمد الذَّهَبِيّ

وَقد تولى بِدِمَشْق مَعَ الْقَضَاء خطابة الْجَامِع الْأمَوِي وباشرها مُدَّة لَطِيفَة وأنشدني شَيخنَا الذَّهَبِيّ لنَفسِهِ إِذْ ذَاك : لِيهن الْمِنْبَر الْأمَوِي لما .. علاهُ الْحَاكِم الْبَحْر التقي .. شُيُوخ الْعَصْر أحفظهم جَمِيعًا .. وأخطبهم وأقضاهم عَليّ ، وَولي بعد وَفَاة الْحَافِظ الْمزي مشيخة دَار الحَدِيث الأشرفية فَالَّذِي نرَاهُ أَنه مَا دَخلهَا أعلم مِنْهُ وَلَا أحفظ من الْمزي وَلَا أورع من النَّوَوِيّ وَابْن الصّلاح

وَقَالَ لي شَيخنَا الذَّهَبِيّ حِين ولي الخطابة إِنَّه مَا صعد هَذَا الْمِنْبَر بعد ابْن عبد السَّلَام أعظم مِنْهُ ، ثمَّ ولي تدريس الشامية البرانية عِنْد شغورها بِمَوْت الشَّيْخ شمس الدّين ابْن النَّقِيب فَمَا حل مفرقها واقتعد نمرقها أعلم مِنْهُ كلمة لَا اسْتثِنَاء فِيهَا كَذَا يكون من يتَوَلَّى المناصب وبمثل هَذَا تناط الْمَرَاتِب “.

47 / نزهة الناظر في سيرة الملك الناصر

شهدت الدولة المملوكية في مصر عصرها الذهبي وأوج عظمتها وقمة ازدهارها العسكري والاقتصادي والعلمي والمعماري في عهد السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون والذي تولى الحكم من سنة 693 هـ / 1293 م إلى وفاته سنة 741 هـ / 1341 م وعزل فيها مرتين ثم عاد ، ووُلّيَ السلطنة ثمانية من أولاده وهم : المنصور أبو بكر والأشرف كجك والناصر أحمد والصالح إسماعيل والكامل شعبان والمظفر حاجي والناصر حسن والصالح صالح ، وتولى من أحفاده أربعة وهم : المنصور محمد والأشرف شعبان والمنصور علي والصالح حاجي.

ومن أهم الكتب التي تناولت حياة الناصر محمد وحكمه وأحداث عصره كتاب (نزهة الناظر في سيرة الملك الناصر) والذي كتبه واحد من كبار الموظفين في الدولة المملوكية وهو عماد الدين موسى بن محمد بن يحيى اليوسفي المصري المعروف بلقب (ابن الشيخ يحيى) ، ولد في القاهرة عام 676 هـ / 1277 م وتوفي بها عام 759 هـ / 1358 م وعمل مقدما في الحلقة المنصورة بالجيش المملوكي (وهي قيادة الأجناد المتطوعة المعروفين باسم أجناد الحلقة).

عاصر المؤلف فترة حكم الناصر محمد كلها فكان شاهد عيان على أحداثها كما شارك بنفسه في الكثير منها بصفته العسكرية مثل معركة وادي الخزندار ضد جيوش قازان المغولي وكذلك في غزو بلاد الأرمن (سيس) والتي كتب عنها في كتابه معلومات فريدة ، وشارك في الحملة المملوكية إلى اليمن وقام فيها بدور بارز حيث أرسله الأمير ركن الدين بيبرس الحاجب مقدم العساكر لمفاوضة والي مدينة تعز اليمنية قبل دخول الجيش المملوكي إليها.

وكان المؤلف مقربا من رجال الدولة الكبار في عهد الناصر محمد ومنهم الأمير سيف الدين أيتمش المحمدي نائب صفد والذي يقول عنه في ثنايا الكتاب : ” وحصل بيني وبين هذا الرجل صحبة أكيدة عند دخوله إلى مصر مع السلطان بعد نيابة الكرك ” ، ويقول عنه في موضع آخر : ” وكان من المحسنين إلي وسبب تكبيري بين الناس وقدمني للسلطان دفعتين والنائب حتى نلت منه كل خير وسمعت منه من الغرائب ما استعنت به على هذا التاريخ وغيره من أمور كانت تتفق له مع السلطان وما كان يتفق له في بلاد الشرق وغيره “.

واتصل المؤلف أيضا بالأمير علم الدين سنجر الخازن والي القاهرة وأخلص له النصيحة وهو في مرضه الأخير بأن يسارع إلى إعلام السلطان أن ما لديه من مال وغلال يكون تحت تصرف السلطان حتى لا يترك فرصة للمغرضين بانتزاع ذلك من ورثته فقال : ” واتفق لي معه بعض الأيام وقد رأيت مرضه مرض يألو إلى الفساد فخليت به وقلت : يا خوند علم الدين أنت متهوم بالمال عند السلطان والناس ووارث ما تم لك والمصلحة تقتضي أن تفعل ما فعله القاصي فخر الدين تسير تعرف السلطان أن ما ثم وداعة عندك له وتعينها وتسد فمه وفم الغير بشيء وإلا بعدك ينهب مالك وخدمك “.

واتصل المؤلف أيضا بكل من الأمير جمال الدين يوسف والأمير جمال الدين آقوش من كبار أمراء المماليك في الشام وكذلك الوزير علاء الدين علي بن هلال مشد الدواوين والقاضي إبراهيم بن عبد الله المعروف بجمال الكفاة ناظر الجيش والشيخ فتح الدين ابن سيد الناس ونقل عنه مختصرا في قصائد المديح النبوي وصلاح الدين المغربي رئيس الأطباء في وقته والشيخ صلاح الدين الصفدي كاتب الإنشاء بالشام وسعيد بن البغدادي الطبيب والشيخ زاده شيخ خانقاه بكتمر الساقي  ومجد الدين إسماعيل بن محمد السلامي كبير تجار مصر في وقته.

واعتمد المؤلف في كتابه على مشاهداته العينية المباشرة للأحداث وما سمعه من معارفه من الأمراء وكبار الموظفين ومن كان يلقاهم من المماليك بحكم عمله كما ضمن الكتاب عددا من المناشير والتواقيع والمكاتبات التي انفرد بها ، وذكر الدكتور أحمد حطيط محقق كتاب نزهة الناظر أن المؤلف له كتاب آخر متميز في فنه بعنوان (كشف الكروب في معرفة الحروب) وهو مجلد واحد يتحدث فيه عن الحروب وآلاتها ويوجد منه نسخة مخطوطة بدار الكتب المصرية رقم 210 فنون حربية.

وذكر الدكتور حطيط في تحقيقه نظرة عامة على الكتاب الذي تناول الكتاب بالتفصيل الأوضاع الداخلية للسلطنة المملوكية خاصة أخبار بلاد الشام والتنظيمات الإدارية فيه وأخبار الديار المصرية ومهام والي القاهرة وإدارة الوجهين القبلي والبحري ووظيفة الكشاف وحوادث التعصب الديني وأخبار الغلاء والأسعار وعلاقة السلطان بالخليفة العباسي الصوري وأحوال عرب الشام وعلاقة الشد والجذب بينهم وبين الناصر محمد وكذلك الأحوال العامة لبلاد الحجاز وعلاقة الدولة بالأشراف في مكة والمدينة.

ويتناول الكتاب أيضا العلاقات الخارجية للسلطنة المملوكية خاصة مع الممالك المغولية في الأيلخانة (إيران) والقبيلة الذهبية (مغول القفجاق) وكذلك الحرب على بلاد الأرمن بالإضافة إلى ذمر أخبار ممالك المغرب الإسلامية المعاصرة ، ويضم الكتاب أيضا جوانب من شخصية الناصر محمد ومهاراته الإدارية العالية في حكم البلاد هذه الفترة الطويلة وحنكته السياسية في كشف المؤامرات والقضاء عليها ومكره ودهائه مع المماليك وشغفه بالنساء وجمع الأموال ، فجاء الكتاب دقيقا حافلا بالكثير من المعلومات والتفاصيل التي أوردها المؤلف ونقلها لنا بكل صدق وشفافية.

وقد ذكره ابن حجر العسقلاني في كتابه الدرر الكامنة بأعيان المئة الثامنة فقال : ” مُوسَى بن مُحَمَّد بن يحيى اليوسفي عماد الدّين الْمصْرِيّ الْمَعْرُوف بِابْن الشَّيْخ يحيى أحد مقدمي الْحلقَة بِالْقَاهِرَةِ ولد سنة 696 وَأحب التَّارِيخ وتعانى النّظم والنثر مَعَ عدم الِاشْتِغَال بِالْعَرَبِيَّةِ فَكَانَ يَأْتِي مَعَ ذَلِك بالعجائب ، وَجمع تَارِيخا كَبِيرا فِي نَحْو خمس عشرَة مجلدة سَمَّاهُ نزهة النَّاظر فِي سيرة الْملك النَّاصِر.

ابْتَدَأَ بدولة الْمَنْصُور وانْتهى فِيهِ إِلَى سنة 755 وَأفَاد فِيهِ كثيرا من الوقائع والتراجم الَّتِي يحكيها عَن مُشَاهدَة ، وَهُوَ كثير التَّحَرِّي فِي النَّقْل مَا يتحققه يَنْقُلهُ وَمَا لَا يضيفه إِلَى قَائِله وَرُبمَا تَبرأ من عهدته واختص بِجَمَال الكفاة وبعلم الدّين ابْن زنبور وَالْقَاضِي كريم الدّين وَبدر الدّين جنكلي بن البابا والحاج رقطاي وَغَيرهم وَكَانَ غزير الْمُرُوءَة كثير العصبية وَمَات بِالْقَاهِرَةِ فِي أَوَائِل سنة 759 “.

وذكره الصفدي في كتابه أعيان العصر وأعوان النصر فقال : ” موسى بن محمد بن يحيى .. عماد الدين اليوسفي المصري المعروف بابن الشيخ يحيى أحد مقدّمي الحلقة بالديار المصرية ، كان مشهوراً بالمروءة معروفاً بالعصبية التي هي في حنايا جوانحه مخبوءة يصحب الأكابر ويغالطهم بالمودة ويكابر ويلازم صحبة الأعيان ويثابر ، لم تفته صحبة رب سيفٍ ولا قلم ولا حامل عِلم ولا رافع عَلم يتقرّب إليهم بالخدم ويسعى على رأسه في قضاياهم لا على القدم : تلذّ له المروءة وهي تؤذي .. ومن يعشق يلذّ له الغرامُ.

وكان يعاني شيئاً من النظم والنثر على عاميته ويأتي به طباعاً من غير تكلف سجيته فيأتي من ذلك بما يُضحك الثكالى وينشط القلوب للتعجب بعد أن كانت كُسالى على أنه يأتي في ذلك بما يشبه التورية والاستخدام والاستعارة والجناس الناقص والتام ، فما كنت أنا ولا شيخنا الحافظ فتح الدين محمد بن سيد الناس نقضي العجب من ذلك ونقول له : يا سيدنا سبحان من وسع عليك في هذا الفن المسالك ، فيعجبه ذلك ويقول : والله هذا ولم أقرأ المقامات ولا حفظت شيئاً من شعر المتنبي ولا اشتغلت بشيء من العربية ولا العلم ، فنقول له : هذه مواهب وقرائح.

ولم يزل على حاله الى أن وهى ركن العماد ومال الى خراب عمره وماد وتوفي بالقاهرة رحمه الله تعالى في أوائل سنة تسع وخمسين وسبع مئة بالقاهرة ، وجمع لنفسه تاريخاً كبيراً يجيء في خمس عشرة مجلدة وله غير ذلك.

وكان يصحب الكبار مثل القاضي كريم الدين الكبير واختص بجمال الكفاة وبالوزير علم الدين بن زنبور وبالأمير سيف الدين أيتمش نائب الكرك وصفد وبالأمير بدر الدين جنكلي بن البابا وبالحاج أرقطاي لما عمل النيابة بدمشق ومصر وبغيرهم واختص أخيراً بالأمير سيف الدين شيخو وسيف الدين صرغتمش.

وكان يكتب إلي قصائد وغيرها فأحتاج الى أن أجيبه عن ذلك ، ومما كتبته إليه : دار عماد الدين شوقي لها .. يجلّ أن يذكر بين العباد .. ما راق طرفي بعدها منزل .. لأنها في الحسن ذات العماد ، وكتبت إليه : أوحشتني يا عمدتي .. وعلى الحقيقة يا عمادي .. يا من غدا وشعاره .. بين الورى بذل الأيادي “.

48 / شذور الذهب

(شذور الذهب في معرفة كلام العرب) هو عنوان الكتاب الذي ألفه العلامة ابن هشام الأنصاري شيخ النحويين بالديار المصرية في القرن الثامن الهجري ، وهو متن صغير في علم النحو والإعراب أعقبه قيام المؤلف بكتابة شرح مفصل له في كتاب آخر يبلغ قرابة ستمائة صفحة وسماه (شرح شذور الذهب) ، وله كتاب آخر في نفس المجال هو (قطر الندى وبل الصدى) في النحو والصرف وأعقبه بشرح مفصل له أيضا في كتاب يتجاوز ثلاثمائة صفحة.

ولد عبد الله بن يوسف بن أحمد بن هشام الأنصاري في القاهرة عام 708 هـ / 1309 م وتوفي فيها عام 761 هـ / 1360 م واشتغل بعلوم اللغة العربية حتى اشتهر وذاع صيه وطبقت شهرته الآفاق حتى قال عنه ابن خلدون : ” مَا زلنا وَنحن بالمغرب نسْمع أَنه ظهر بِمصْر عَالم بِالْعَرَبِيَّةِ يُقَال لَهُ ابْن هِشَام أنحى من سِيبَوَيْهٍ ” ، وله عدد كبير من المؤلفات الأخرى منها كتاب أسئلة وأجوبة في إعراب القرآن وكتاب أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك وكتاب المسائل السفرية وكتاب تخليص الشواهد وتلخيص الفوائد وكتاب مغتي اللبيب عن كتب الأعريب وكتاب قواعد الإعراب ونزهة الطلاب وكتاب رسالة المباحث المرضية.

جاء في مقدمة كتابه شرح شذور الذهب : ” بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم قَالَ الشَّيْخ الإِمَام الْعَالم الْعَلامَة الْعَامِل الْجَامِع لأشتات الْفَضَائِل وحيد دهره وفريد عصره صدر الْمُحَقِّقين وبركة الْمُسلمين جمال الدّين أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن الشَّيْخ جمال الدّين يُوسُف بن أَحْمد بن عبد الله بن هِشَام الْأنْصَارِيّ تغمده الله برحمته وَأَسْكَنَهُ فسيح جنته.

أول مَا أَقُول اني أَحْمد الله الْعلي الأكرم الَّذِي علم بالقلم علم الْإِنْسَان مَا لم يعلم ثمَّ أتبع ذَلِك بِالصَّلَاةِ وَالتَّسْلِيم على الْمُرْسل رَحْمَة للْعَالمين وإماما لِلْمُتقين وقدوة للعاملين مُحَمَّد النَّبِي الْأُمِّي وَالرَّسُول الْعَرَبِيّ وعَلى آله الهادين وَصَحبه الرافعين لقواعد الدّين.

وَبعد فَهَذَا كتاب شرحت بِهِ مختصري الْمُسَمّى بشذور الذَّهَب فِي معرفَة كَلَام الْعَرَب تممت بِهِ شواهده وجمعت بِهِ شوارده ومكنت من اقتناص أوابده رائده قصدت فِيهِ إِلَى إِيضَاح الْعبارَة لَا إِلَى إخفاء الْإِشَارَة وعمدت فِيهِ إِلَى لف المباني والأقسام لَا إِلَى نشر الْقَوَاعِد وَالْأَحْكَام والتزمت فِيهِ أنني كلما مَرَرْت بِبَيْت من شَوَاهِد الأَصْل ذكرت إعرابه وَكلما أتيت على لفظ مستغرب أردفته بِمَا يزِيل استغرابه وَكلما أنهيت مَسْأَلَة ختمتها بِآيَة تتَعَلَّق بهَا من آي التَّنْزِيل وأتبعتها بِمَا تحْتَاج إِلَيْهِ من إِعْرَاب وَتَفْسِير وَتَأْويل.

وقصدي بذلك تدريب الطَّالِب وتعريفه السلوك إِلَى أَمْثَال هَذِه المطالب ، وَالله تَعَالَى أسأَل أَن يَنْفَعنِي وَإِيَّاكُم بذلك إِنَّه قريب مُجيب وَمَا توفيقي إِلَّا بِاللَّه عَلَيْهِ توكلت وَإِلَيْهِ أنيب “.

وجاء في مقدمة كتابه شرح قطر الندى وبل الصدى : ” بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم الْحَمد لله رَافع الدَّرَجَات لمن انخفض لجلاله وفاتح البركات لمن انتصب لشكر فضاله وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على من مدت عَلَيْهِ الفصاحة رواقها وسدت بِهِ البلاغة نطاقها الْمَبْعُوث بِالْآيَاتِ الباهرة والحجج الْمنزل عَلَيْهِ قُرْآن عَرَبِيّ غير ذِي عوج وعَلى آله الهادين وَأَصْحَابه الَّذين شادوا الدّين وَشرف وكرم.

وَبعد فَهَذِهِ نكت حررتها على مقدمتي الْمُسَمَّاة بقطر الندى وبل الصدى رَافِعَة لحجابها كاشفة لنقابها مكملة لشواهدها متممة لفوائدها كَافِيَة لمن اقْتصر عَلَيْهَا وافية ببغية من جنح من طلاب علم الْعَرَبيَّة إِلَيْهَا وَالله الْمَسْئُول أَن ينفع بهَا كَمَا نفع بأصلها وَأَن يذلل لنا طرق الْخيرَات وسبلها إِنَّه جواد كريم رؤوف رَحِيم وَمَا توفيقي إِلَّا بِاللَّه عَلَيْهِ توكلت وَإِلَيْهِ أنيب “.

ذكره الصفدي في كتابه أعيان العصر وأعوان النصر فقال : ” عبد الله بن يوسف بن أحمد بن هشام .. الشيخ الإمام العالم العلامة حجة العرب أفضل المتأخرين جمال الدين أبو محمد الأنصاري الحنبلي المصري.

شيخ النحو ومن قام في أمره بالإثبات والمحو أظهر فيه الإبداع وصنف وقرط الأسماع وشنف ونظر ودقق وتعمد لأن تعمق وحقق ورجح الأضعف لذهنه المتوقد وأوهى الأقوى من الأقوال وسهل المتعقد وكد وكدح وصد عن الباطل وأطرب لما صدح.

وناقض شيخنا أثير الدين وحجه وعدل بمذاهبه عن المحجة وكاد يميت ذكر أبي حيان ويردي كل من جاء من جيان ، فلو عاصره سيبويه لحاكم الكسائي إليه وفصل أمر المسألة الزنبورية بين يديه وفصل فصول كتابه وخلعها عليه أو الفارسي لأجلب عليه بخيله ورجله أو ابن جني لما كتم سر الصناعة من أجله أو ابن مالك لكان له مملوكاً وجعل به طريق التسهيل للناس مسلوكا ً: وأطلعه الفهم بعد النهي .. على مشكلات كلام العرب.

ولم يزل بالقاهرة يصنف ويفيد ويجود للطلبة بفوائده ويجيد إلى أن نزلت به أم اللهيم الأربي وفجعت به النحاة والأدباء ، وتوفي رحمه الله تعالى عشية الخميس خامس ذي القعدة سنة إحدى وستين وسبع مئة ، مولده تقريباً بعد العشرة وسبع مئة.

وكان في أول عمره قد تفقه للشافعي ثم انتقل أخيراً إلى مذهب الإمام أحمد رضي الله عنه وحضر مدارس الحنابلة وحفظ مختصر أبي القاسم الخرقي في دون الأربعة أشهر مع ملازمة المطالعة والاشتغال وروى الشاطبية عن قاضي القضاة ابن جماعة وغيرها.

وصنف وأفاد وتخرج به جماعة من أهل الديار المصرية ومن أهل مكة لما جاور بها وأقرأ كتاب سيبويه مرات ، وصنف كتباً في العربية منها تعليقه على مشكل ألفية ابن مالك ومنها مقدمة في النحو سماها الإعراب عن قواعد الإعراب ، ومغني اللبيب عن كتب الأعاريب وهو كتاب مفيد قد جود وبيضه فسوده واشتهر في حياته في الشام ومصر واشتغل به أهل العصر “.

وذكره ابن تغري بردي في كتابه النجوم الزاهرة وذلك في أحداث سنة 761 هـ فقال : ” فيها توفّى الشيخ الإمام العالم العلّامة جمال الدين أبو محمد عبد الله بن يوسف بن أحمد بن هشام الأنصارى الحنبلى النحوى فى ليلة الجمعة الخامس من ذى القعدة ودفن بعد صلاة الجمعة بمقابر الصوفيّة خارج باب النصر من القاهرة.

وكان بارعا فى عدّة علوم لا سيما العربية فإنه كان فارسها ومالك زمامها وهو صاحب الشرح على ألفية ابن مالك فى النحو المسمّى بالتوضيح وشرح أيضا البردة وشرح بانت سعاد وكتاب المغنى وغير ذلك ومات عن بضع وخمسين سنة وكان أوّلا حنفيّا ثم استقرّ حنبليّا وتنزّل فى دروس الحنابلة “.

وذكره ابن حجر العسقلاني في كتابه الدرر الكامنة بأعيان المئة الثامنة فقال : ” عبد الله بن يُوسُف بن عبد الله بن يُوسُف بن أَحْمد بن عبد الله بن هِشَام جمال الدّين أَبُو مُحَمَّد النحوى الْفَاضِل الْمَشْهُور ولد فى ذِي الْقعدَة سنة 708 وَلزِمَ الشَّيْخ شهَاب الدّين عبد اللَّطِيف ابْن المرحل وتلا على ابْن السراج وَسمع من أَبى حَيَّان ديوَان زُهَيْر بن أبي سلمى وَلم يلازمه وَلَا قَرَأَ عَلَيْهِ وَحضر دروس الشَّيْخ تَاج الدّين التبريزي.

وَقَرَأَ على الشَّيْخ تَاج الدّين الْفَاكِهَانِيّ جَمِيع شرح الْإِشَارَة لَهُ إِلَّا الورقة الْأَخِيرَة وتفقه للشَّافِعِيّ ثمَّ تحنبل فحفظ مُخْتَصر الْخرقِيّ فِي دون أَرْبَعَة أشهر وَذَلِكَ قبل مَوته بِخمْس سِنِين وأتقن الْعَرَبيَّة ففاق الأقران بل الشُّيُوخ وَحدث جمَاعَة بالشاطبية وَتخرج بِهِ جمَاعَة من أهل مصر وَغَيرهم وَله تَعْلِيق على ألفية ابْن مَالك ومغنى اللبيب عَن كتب الأعاريب أشتهر فِي حَيَاته وَأَقْبل النَّاس عَلَيْهِ وَكَانَ كثير الْمُخَالفَة لأبي حَيَّان شَدِيد الانحراف عَنهُ رَحمَه الله.

وتصدر الشَّيْخ جمال الدّين لنفع الطالبين وَانْفَرَدَ بالفوائد الغربية والمباحث الدقيقة والاستدراكات العجيبة وَالتَّحْقِيق الْبَالِغ والاطلاع المفرط والاقتدار على التَّصَرُّف فِي الْكَلَام والملكة الَّتِي كَانَ يتَمَكَّن بهَا من التَّعْبِير عَن مَقْصُوده بِمَا يُرِيد مسهبا وموجزا مَعَ التَّوَاضُع وَالْبر والشفقة ودماثة الْخلق ورقة الْقلب قَالَ لنا ابْن خلدون مَا زلنا وَنحن بالمغرب نسْمع أَنه ظهر بِمصْر عَالم بِالْعَرَبِيَّةِ يُقَال لَهُ ابْن هِشَام انحى من سِيبَوَيْهٍ.

وَمن تصانيفه غير المغنى عُمْدَة الطَّالِب فِي تَحْقِيق تصريف ابْن الْحَاجِب مجلدان رفع الْخَصَاصَة عَن قراء الْخُلَاصَة أَربع مجلدات التَّحْصِيل وَالتَّفْصِيل لكتاب التذييل والتكميل عدَّة مجلدات شرح الشواهد الْكُبْرَى وَالصُّغْرَى قَوَاعِد الْأَعْرَاب شذور الذَّهَب وَشَرحه الْجَامِع الصَّغِير قطر الندي وبل الصدى وَشَرحه الْكَوَاكِب الدرية فِي شرح اللمحة البدرية لأبي حَيَّان شرح بَانَتْ سعاد شرح الْبردَة إِقَامَة الدَّلِيل على صِحَة النحيل التَّذْكِرَة فِي خَمْسَة عشر مجلداً شرح التسهيل مسودة.

ورثاه ابْن نَبَاته بقوله : سقى ابْن هِشَام فِي الثرى نوء رَحْمَة .. يجر على مثواه ذيل غمام .. ساروى لَهُ من سيرة الْمَدْح مُسْندًا .. فَمَا زلت أروى سيرة ابْن هِشَام ، ورثاه ابْن الصاحب بدر الدّين : تهنأ جمال الدّين بالخلد انني .. لفقدك عيشى ترحة ونكال .. فَمَا لدروس غبت عَنْهَا طلاوة .. وَلَا لزمان لست فِيهِ جمال ، وَمن شعر الشَّيْخ جمال الدّين ابْن هِشَام : وَمن يصطبر للْعلم يظفر بنيله .. وَمن يخْطب الْحَسْنَاء يصبر على الْبَذْل .. وَمن لم يذل النَّفس فى طلب العلى .. يَسِيرا يَعش دهرا طَويلا أَخا ذل ، وَمَات فِي لَيْلَة الْجُمُعَة خَامِس ذِي الْقعدَة سنة 761 “.

49 / الإشارة إلى سيرة المصطفى

(الإشارة إلى سيرة المصطفى وتاريخ من بعده من الخلفا) هو عنوان كتاب في السيرة النبوية للمؤلف مغلطاي بن قليج والذي كتبه بتوجيه من شيخه جلال الدين القزويني ويشرح ذلك في مقدمة كتابه قائلا : ” بسم الله الرّحمن الرّحيم بعد حمد الله القهار والصلاة والسلام على المصطفى المختار وعلى آله وصحبه الأطهار ما طرد الليل النهار.

فقد ندب أفضل العجم اليوم والعرب سيدنا قاضي القضاة جلال الدين نفع الله ببركته المسلمين إلى تلخيص سيرة المصطفى وآثار من بعده من الخلفا كثيرة الفوائد عارية من الشواهد منتخبة بغير إكثار حاوية لمقاصد الكتب الكبار يلجأ إليها المسلمون ولا يستغني عنها العالمون.

فقدّمت الاستخارة ولخصت معظم هذه الإشارة من كتابي المسمّى ب‍الزهر الباسم في سيرة أبي القاسم ، إلا المآثر فإنني من غيرها لها ذاكر مقدّما المشهور في كل باب ليستغنى بذلك عن تكرّره في الكتاب ، والله أسأل أن يجعله لوجهه خالصا وينفعنا به إذا الظّلّ أضحى في القيامة قالصا “.

والمؤلف هو عالم موسوعي من أبناء أمراء المماليك عاش في القرن الثامن الهجري حيث ولد في قلعة الجبل بالمقطم عام 689 هـ / 1290 م وتوفي في القاهرة عام 762 هـ / 1361 م ، شغف منذ صغره بالتعلم والقراءة وكان أبوه يرسله في صباه ليرمي بالنشّاب فيخالفه ويذهب إلى حلقات أهل العلم فيحضرها ، وقد ساعده على ذلك امتلاكه مكتبة ضخمة فحظي باطلاع واسع ونظر مستمر في الكتب فكان حصيلة ذلك مشاركة في فنون عديدة أنتجت أكثر من مائة كتاب في التاريخ واللغة والحديث والأنساب.

ومن أشهر مؤلفاته كتاب الأحكام فيما اتفق عليه الأئمة الستة وكتاب أعلام النبوة وكتاب الإعلام بسنته عليه السلام وكتاب إكمال تهذيب الكمال وكتاب ترتيب صحيح ابن حبان وكتاب الإيصال في اللغة وكتاب التلويح في شرح الجامع الصحيح وكتاب الخصائص النبوية وكتاب شرح سنن أبي داود وكتاب شرح سنن ابن ماجه وكتاب الدر المنظوم من كلام المصطفى المعصوم صلى الله عليه وسلم وكتاب الإنابة إلى معرفة المختلف فيهم من الصحابة وكتاب الواضح المبين فيمن استشهد من المحبين.

ذكره الصفدي في كتابه أعيان العصر وأعوان النصر وذكر مراسلاته معه فقال : ” مغلطاي بن قليج .. ابن عبد الله الشيخ الإمام الحافظ القدوة علاء الدين البكجري – بالباء ثانية الحروف وبعد الكاف جيم وراء وياء النسبة – الحنفي مدرّس الحديث بالظاهرية بين القصرين بالقاهرة.

شيخ حديث يعرف القديم والحديث ويطول في معرفة الأسماء الى السماء بفرع أثيث وينتقي بمعرفته الطيب من الخبيث ، ولي الظاهرية شيخاً للحديث بها بعد شيخنا العلامة فتح الدين بن سيد الناس وعبث المصريون به لأجل ذلك ونظموا الأشعار والأزجال والبلاليق والأكياس ونفضوا ما عندهم في ذلك ولم يغادروا بقايا نفقات ولا فضلات أكياس.

وكان كثير السكون والميل الى الموادعة والركون جمع مجاميع حسنة وألّف تواليف أتعب فيها أنامله وكدّ أجفانه الوسنة ، ولم يزل على حاله الى أن ابتلعته المقابر واستوحشت له الأقلام والمحابر ، وجاء الخبر الى دمشق بوفاته في سلخ شهر رمضان المعظم سنة اثنتين وستين وسبع مئة ومولده بعد التسعين وست مئة.

كان يلازم قاضي القضاة جلال الدين القزويني وانتفع بصحبته كثيراً فلما مات الشيخ فتح الدين محمد بن سيد الناس – رحمه الله تعالى – في سنة أربع وثلاثين وسبع مئة تكلم القاضي له مع السلطان فولاه تدريس الحديث بالظاهرية مكانه وقام الناس وقعدوا لأجل ذلك ولم يبال بهم.

ولما كان في سنة خمس وأربعين وسبع مئة وقف له الشيخ صلاح الدين العلائي رحمه الله تعالى على تصنيف له وضعه في العشق وكأنه تعرّض فيه لذكر عائشة الصدّيقة رضي الله عنها فقام في أمره وكفّره واعتقل أياماً فقام في حقه الأمير بدر الدين جنكلي بن الباب وخلّصه.

وكان قد حفظ الفصيح لثعلب وكفاية المتحفظ وسمع من علي بن عمر الوالي ويوسف بن عمر الختني ويوسف الدبابيسي وغيرهم ، ووضع شيئاً في المؤتلف والمختلف وعمل سيرة مختصرة للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقرأ النسائي بنفسه ، ودرّس بجامع القلعة بالقاهرة بواسطة قاضي القضاة جلال الدين وكان ساكناً جامد الحركة يلازم المطالعة والكتاب والدأب وعنده كُتب كثيرة وأصول صحيحة.

كتب إلي من القاهرة وأنا بدمشق في سنة تسع وثلاثين وسبع مئة : سلام كما ازدانت بروض أزاهرُ .. وذكرٌ كما نامت عيونٌ سواهرُ .. تحية من شطت به عنك داره .. وأنت له عينٌ وسمعٌ وناظرُ .. فيا سيد السادات غير مدافع .. ويا واحد الدنيا ولا من يفاخر .. لك الشرف الأسمى الذي لاح وجهه .. كما لاح وجه الصبح والصبح سافر .. لئن سهرت في المكرمات أوائل .. لقد شرفت بالمأثرات أواخر .. سجايا استوت منهن فيك بواطنٌ .. أقامت عليهن الدليل ظواهر.

يقبّل الأرض عبدٌ كتب هذه الخدمة عن ودّ لا أقول كصفو الراح فإن فيها جُناحا ولا كسقط الزند فربما كان شحاحاً ولكن أصفى من ماء الغمام وأضوا من قمر التمام مستوحش من خدمتكم كثيراً ومعلن بالثناء وإن كان المملوك حقيراً ومستعرض خدمتكم وحاجتكم ليحصل له الشرف بمناجاتكم ويتطلب منكم الدعاء بظهر الغيب فإنه متقبل ولاسيما منكم بلا ريب. ، والمملوك أجلّ خدمتكم أن يكتب إليكم لما يقدحه خاطره ويسفره ناظره لكون باعه قصيراً في هذا العلم وغيره وجبركم أوجب هذا الإدلال.

فكتبت أنا الجواب إليه في ورق أحمر وهو : سطورٌ تبدّت أم رياض نواضرُ .. تحار لها مما حوته النواظرُ .. أتينا فخلناها أزاهر روضةٍ .. وما هي إلا في السماء زواهر .. وما شاهدت عيني سواها رسالةً .. يغازلني منها حسانٌ سواحر .. يحقق ما فيها من الحسن باطناً .. لأهل المعالي زخرفٌ وهو ظاهر “.

وذكره ابن تغري بردي في كتابه النجوم الزاهرة وذلك في أحداث سنة 762 هـ فقال : ” وتوفّى الحافظ المفتّن علاء الدين أبو عبد الله مغلطاى بن قليح بن عبد الله البكجرىّ الحنفىّ الحافظ المصنف المحدّث المشهور في شعبان ومولده سنة تسعين وستمائة قاله ابن رافع وغيره في سنة تسع وثمانين وسمع من التاج أحمد ابن دقيق العيد وابن الطبّاخ والحسن بن عمر الكردىّ.

وأكثر عن شيوخ عصره وتخرّج بالحافظ فتح الدين ابن سيد الناس وغيره ورحل وكتب وصنّف وشرح صحيح البخارىّ ورتب صحيح ابن حبّان وشرح سنن أبى داود ولم يكمّله وذيّل على المشتبه لابن نقطة وذيّل على كتاب الضعفاء لابن الجوزىّ وله عدّة مصنّفات أخر وكان له اطلاع كبير وباع واسع في الحديث وعلومه وله مشاركة فى فنون عديدة تغمّده الله برحمته “.

وذكره الحافظ العراقي في كتابه ذيل العبر فقال : ” وفي شعبان تُوُفِّي الحافظ العلامة علاء الدين مُغْلَطاي بن قِليج البكري كان يذكُر أن مولده سنة تسع وثمانين وست مئة وسمع الحديث من الشيخ تاج الدين بن دقيق العيد والواني والدبُّوسي وابن قريش في آخرين ، وادعى السماع من الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد والدِّمياطي وابن الصوَّاف في آخرين ولم يُقبَل ذلك منه وادَّعى أنه أجاز له الفخر بن البُخاري ولم يقبل أهل الحديث ذلك منه.

ودرَّس بأهل الحديث بالمدرسة الظاهرية وقبَّة بَيْبَرس والجامع الصالحي والمدرسة المهذبية بالشارع ، وصنَّف وشرح البخاري وكتابًا كبيرًا ردَّ به على تهذيب الكمال للمزِّي فيه تعصُّب كثير وفيه فوائد أيضًا ثم اختصره واختصر المختصر ، وشَرَح قطعة من ابن ماجة وجمع زوائد ابن حبَّان على الصحيحين وصنَّف شيئًا على الروض الأُنف للسهيلي وأحكامها جمع فيها ما اتفق عليه الستَّة وصنَّف ذيلًا في المؤتلف والمختلف وكتابًا فيمن عُرف بأمِّه وغير ذلك ، وكان دائم الانشغال منجمعًا عن الناس “.

وذكره ابن حجر العسقلاني في كتابه في الدرر الكامنة بأعيان المئة الثامنة فقال : ” مغلطاي بن قليج بن عبد الله البكجري الْحَنَفِيّ الحكري الْحَافِظ عَلَاء الدّين صَاحب التصانيف ولد بعد التسعين وسِتمِائَة كَذَا ضَبطه الصَّفَدِي وَكَانَ مغلطاي يذكر أَن مولده سنة 689 وَسمع من التَّاج أَحْمد ابْن عَليّ بن دَقِيق الْعِيد أخي الشَّيْخ تَقِيّ الدّين وَالْحُسَيْن بن عمر الْكرْدِي والواني والختني والدبوسي وَأحمد بن الشجاع الْهَاشِمِي وَمُحَمّد بن مُحَمَّد بن عِيسَى الطباخ.

وَأكْثر جدا من الْقِرَاءَة بِنَفسِهِ وَالسَّمَاع وَكتب الطباق وَكَانَ قد لَازم الْجلَال الْقزْوِينِي فَلَمَّا مَاتَ ابْن سيد النَّاس تكلم لَهُ مَعَ السُّلْطَان فولاه تدريس الحَدِيث بالظاهرية فَقَامَ النَّاس بِسَبَب ذَلِك وقعدوا وَلم يبال بهم وبالغوا فِي ذمه وهجوه فَلَمَّا كَانَ فِي سنة 45 وقف لَهُ العلائي لما رَحل إِلَى الْقَاهِرَة بِابْنِهِ شَيخنَا أبي الْخَيْر ليسمعه على شُيُوخ الْعَصْر وَهُوَ بسوق الْكتب على كتاب جمعه فِي الْعِشْق تعرض فِيهِ لذكر الصديقة عَائِشَة فَأنْكر عَلَيْهِ ذَلِك وَرفع أمره إِلَى الْمُوفق الْحَنْبَلِيّ فاعتقله بعد أَن عزره فانتصر لَهُ جنكلي بن البابا وخلصه.

وَكَانَ يحفظ الفصيح لثعلب وكفاية المتحفظ وَمن تصانيفه شرح البُخَارِيّ وذيل المؤتلف والمختلف والزهر الباسم فِي السِّيرَة النَّبَوِيَّة ودرس أَيْضا بِجَامِع القلعة مُدَّة وَكَانَ سَاكِنا جامد الْحَرَكَة كثير المطالعة وَالْكِتَابَة والدأب وَعِنْده كتب كَثِيرَة جدا قَالَه الصَّفَدِي ، وَقَالَ ابْن رَافع جمع السِّيرَة النَّبَوِيَّة وَولي مشيخة الظَّاهِرِيَّة للمحدثين وقبة الركنية بيبرس وَغير ذَلِك وَقَالَ الشهَاب ابْن رَجَب عدَّة تصانيفه نَحْو الْمِائَة أَو أَزِيد وَله مآخذ على أهل اللُّغَة وعَلى كثير من الْمُحدثين قَالَ وأنشدني لنَفسِهِ فِي الْوَاضِح الْمُبين شعرًا يدل على استهتار وَضعف فِي الدّين.

وَقَالَ وَلَده زين الدّين ابْن رَجَب وغالب مَا قَالَه من تَرْجَمَة مغلطاي الَّتِي أفردها شَيخنَا بعد أَن سمى جمَاعَة من الْمَشَايِخ الَّذين ادّعى السماع مِنْهُم لَا يَصح ذَلِك قَالَ وَذكر أَنه سمع من الْحَافِظ الدمياطي وَأَنه سمع من ابْن دَقِيق الْعِيد درساً بالكاملية فِي سنة 702 وَابْن دَقِيق الْعِيد انْقَطع فِي أَوَاخِر سنة 701 ببستان ظَاهر الْقَاهِرَة إِلَى أَن مَاتَ فِي أَوَائِل صفر وَلم يحضر درساً فِي سنة 702 قَالَ وَله ذيل على تَهْذِيب الْكَمَال يكون فِي قدر الأَصْل وَاخْتَصَرَهُ مُقْتَصرا على الاعتراضات على الْمزي فِي نَحْو مجلدين ثمَّ فِي مُجَلد لطيف وغالب ذَلِك لَا يرد على الْمزي.

قَالَ وَكَانَ عَارِفًا بالأنساب معرفَة جَيِّدَة وَأما غَيرهَا من متعلقات الحَدِيث فَلهُ بهَا خبْرَة متوسطة وَله شرح البُخَارِيّ وَقطعَة من أبي دَاوُد وَقطعَة من ابْن مَاجَه وَقَالَ شَيخنَا ادّعى أَنه أجَاز لَهُ الْفَخر ابْن البُخَارِيّ وَلم يقبل أهل الحَدِيث ذَلِك مِنْهُ ورتب المبهمات على أَبْوَاب الْفِقْه رَأَيْت مِنْهُ بِخَطِّهِ وَكَذَا رتب بَيَان الْوَهم لِابْنِ الْقطَّان وأضافها إِلَى الْأَحْكَام وَسَماهُ مَنَارَة الْإِسْلَام وصنف زَوَائِد ابْن حبَان على الصَّحِيحَيْنِ وذيل على ابْن نقطة وَمن بعده فِي المشتبه وتصانيفه كَثِيرَة جدا مَاتَ فِي 24 شعْبَان سنة 762 “.

 50 / المجاراة والمجازاة

(المجاراة والمجازاة في مجاريات الشعراء) هو عنوان الكتاب الذي كتبه المؤرخ الكبير الشيخ صلاح الدين الصفدي وأهداه إلى كاتب السر بالسلطنة المصرية بالقاهرة القاضي علاء الدين ابن فضل الله العمري بناء على طلب منه وذلك ليجمع فيه مراسلاتهما الشعرية والنثرية وما استحسنه كلاهما من عيون الشعر ، وهذه المخطوطة القيمة موجود منتقى منها في طوب قابي سراي رقم : (2618) وعنها مصوَّرة في معهد المخطوطات العربيَّة برقم : (828 ، 829).

وقد ضمنها الصفدي في كتابه الوافي بالوفيات وذكر جانبا من هذه الأشعار وكذلك القصيدة التي أرفقها مع الكتاب مدحا في القاضي علاء الدين حيث يقول في ترجمته : ” القَاضِي عَلَاء الدّين بن فضل الله .. عَليّ بن يحيى بن فضل الله القَاضِي عَلَاء الدّين أَبُو الْحسن صَاحب ديوَان الْإِنْشَاء تقدَّم بقيَّة نسبه فِي ذكر أَخِيه القَاضِي شهَاب الدّين بن فضل الله.

لما نزل أَخُوهُ القَاضِي شهَاب الدّين من القلعة فِي حَيَاة وَالِده القَاضِي محيي الدّين وَلزِمَ بَيته تقدَّم السُّلْطَان الْملك النَّاصِر إِلَى وَالِده أَن يدع القَاضِي عَلَاء الدّين يكون يدْخل يقْرَأ الْبَرِيد وَيخرج وينفِّذ الأَشغال على قَاعِدَة أَخِيه وَذَلِكَ فِي سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَسبع مائَة وَلم يزل كَذَلِك إِلَى توفّي وَالِده فاستقلَّ بالوظيفة بمفرده وَقَامَ بهَا أحسن قيام وخدمته السَّعَادَة.

وَلم يزل كَذَلِك إِلَى أَن توفّي الْملك النَّاصِر وَولي وَلَده الْملك الْمَنْصُور أَبُو بكر فاستمرَّ بِهِ ولمَّا تولى الْملك الْأَشْرَف عَلَاء الدّين كُجُك أَخُوهُ زَاده إنعاماً من الدَّرَاهِم والغلَّة فِي كلِّ سنة وَلم يزل على ذَلِك إِلَى أَن حضر الْملك النَّاصِر أَحْمد من الكرك ثمَّ عَاد إِلَيْهَا فتوجَّه مَعَه وَأقَام بالكرك عِنْد السُّلْطَان فلمَّا تولَّى السُّلْطَان الْملك الصَّالح دخل القَاضِي بدر الدّين مُحَمَّد أَخُوهُ وسدَّ الْوَظِيفَة إِلَى أَن جَاءَ القَاضِي عَلَاء الدّين من الكرك فاستمرَّ فِي منصبه على عَادَته.

وَلَا أعرف أحدا كتب الثُّلث فِي عصره مثله إنَّه جوَّده إِلَى الْغَايَة وَكتب الرّقاع من أحسن مَا يكون وَلَكِن تفرَّد بِالثُّلثِ وإتقانه وقدَّم جمَاعَة فِي أيَّامه وَدخل بأولاد الموقِّعين الدِّيوَان وَزَاد النَّاس وَأحسن إِلَيْهِم.

وقف على جُزْء من التَّذْكِرَة الَّتِي لي فَلَمَّا أنهاه مطالعةً كتب عَلَيْهِ بقلمه الْمليح السعيد طالعتُ هَذَا السّفر فَإِذا هُوَ مُسفرٌ عَن روض يَانِع الثِّمَار وبحر تتدفَّق مَعَانِيه الغِزار وكنز ينثر على الطّلبَة سبائك النُّضار وَربع آهل المغاني بمعانٍ تُطرب بالمسموع وَيَدْعُو تَرْجِيع ألحانه الطير إِلَى الْوُقُوع وَجمع بديع لَا نَظِير لَهُ فِي الْآحَاد وَلَا فِي الجموع فاجتلتِ النفسُ مَعَانِيه البديعة لمَّا استهلَّتْ ونهلتْ مِنْهُ عِنْد موردها وعلَّتْ وَعلمت أَن لَا زبدة لجريها فِي هَذِه الحلبة فتسلَّتْ فَللَّه هَذَا الدوح الَّذِي دحا زهرَ الْآدَاب صلاحُ غرسه وَمَا أبدع مَا نمَّقته يدُ كَاتبه من الوشي المرقوم فِي طِرسه فَلَو أنصفه مَشَايِخ الأدباء لأطلعه كلٌّ مِنْهُم شمساً ينظر إِلَيْهَا بِعَين الحِرباء ، وَكتب بعد ذَلِك شمس الدّين مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن الْمَعْرُوف بِابْن الصَّائِغ : إنَّ الحسود عِنْدَمَا .. عاينَ ذَا الحسنَ افتتنْ .. وَقَالَ لَا بِدْعَ إِذا .. أُتِي عليٌّ بالحَسَنْ.

وَكَانَ الَّذِي كتبه القَاضِي عَلَاء الدّين على أول الْجُزْء وَكتب شمس الدّين بعد ذَلِك فِي آخِره طالعتُ هَذَا الْجُزْء واجتليتُ قمره واجتنيتُ ثمره وسرَّحت النَّاظر وشرحتُ الخاطر وَوَجَدته قد اشْتَمَل على مَا يملأُ الْقلب والسمع وألفيته وَاحِدًا فِي نَوعه يشهدُ لجامعه بِحسن الْجمع فقد سطعت أنوارُه وأينعت أزهارُه ودليلٌ على اللبيب اختيارُه فعلقتُ مِنْهُ طرائفَ بِدعَة ولطائفَ صَنِيعَة وَلَو أنصفتُ لعلقتُه جميعَه فلمَّا وقفتُ على الأول وَالثَّانِي قلت فِي ذَلِك : إنَّ أوراقاً جمعتُ بهَا .. لفظَ أهلِ الفضلِ والزَّيْنِ .. طُرِّزتْ من هَاهُنَا وَهنا … فَأَنا بَين الطرازَيْنِ.

ووقف القَاضِي عَلَاء الدّين على مَا نظمتُه قَدِيما وَهُوَ بيتان : إنِّي لأعجبُ من صدودكِ والجفا .. من بعدِ ذَاك القربِ والإيناسِ .. حاشا شمائلكِ اللطيفةَ أَن تُرى .. عوناً عليَّ مَعَ الزَّمَان القاسي ، فكأَنَّهما أعجباه فَقَالَ مجيزاً لَهما : أَوَثغرُكِ الصافي يردُّ حُشاشتي .. تَشْكُو لهيباً من لظى أنفاسي .. تالله مَا هذي طباعك فِي الْهوى .. لَكِن حظوظٌ قُسِّمتْ فِي الناسِ.

فَأَنْشَدته لي أَيْضا : يَا مَن تناسى ودادي بعد معرفةٍ .. وَقد غَدا طوعَ لُوَّامٍ وعُذَّالِ .. مَا أنتَ أوَّلَ محبوبٍ ظفرتُ بِهِ .. من الزَّمَان فخابتْ فِيهِ آمالي ، فأنشدني من لَفظه لنَفسِهِ : هجرتْ عَزَّةٌ وزادت دلالا .. وتوارتْ إذْ زرتُها عَن عِياني .. لَا تخافي إِذا الْتَقَيْنَا عتابا .. ذَاك حظِّي عرفتُه من زماني.

فنظمتُ فِي هَذِه الْمَادَّة : إِن أتيتَ الْحمى فقُلْ لبدورٍ .. حبُّهم لذَّ لي وَإِن كَانَ آذَى .. مَا لكم فِي البعاد وَالله ذنبٌ .. سوءُ حظِّي الَّذِي قضى لي بِهَذَا ، فأنشدني من لَفظه لنَفسِهِ : قَالَ لي عاذلي تَسَلَّ إِلَى كم .. أنتَ تهوى وَذَاكَ بالهجر مُغرى .. قلتُ أمَّا الجفا فَمن سوء حظِّي .. وسُلُوِّي فَلَا وَهَى وأنتَ أَدرى ، فقلتُ أَنا أَيْضا : أَتُحْرِقُ أحشائي وتُجري مدامعي .. أَأَنتَ عدوٌّ أم تقولُ حبيبُ .. وَمَا أنتَ ممَّن خَان عهدَ محبِّه .. ولكنَّ حظِّي فِي الغرام عجيبُ.

وأنشدني لنَفسِهِ تخميس الأبيات السينيَّة الَّتِي بيني وَبَينه وَهُوَ :  كُفِّي عتابكِ قد جرى مَا قد كفى .. شفَّ الضَّنى جَسَدِي فصرتُ على شفا .. تعدِينَ وصلا ثن تجتنبي الوفا .. إنِّي لأعجبُ من صدودكِ والجفا .. من بعدِ ذَاك القربِ والإيناسِ .. قد صرتُ أقنع بالخيال إِذا سرى .. فَعدا عليَّ الدهرُ إذْ سلب الْكرَى .. هَا فاسْكتي لَا تُسعديه على الوَرَى .. حاشا شمائلكِ اللطيفةَ أَن تُرى .. عوناً عليَّ مَعَ الزَّمَان القاسي.

أم أنَّ عدلَك لَا يُزيل ظُلامتي .. وضِيا جبينِك لَا يردُّ ضلالتي .. أَو حسنُ لفظك لَا يجيبُ مَقَالَتي .. أَو ثغرُك الصافي يردُّ حُشاشتي .. يشكو لهيباً من لظى أنفاسي .. خلَّيتِني والعودَ فِي حالٍ سوا .. وتركتني حِلْفَ السُّهادِ مَعَ الجوى .. من قَالَ إنَّك تقتلي صبًّا غوى .. تالله مَا هذي طباعك فِي الْهوى .. لَكِن حظوظٌ قُسِّمَتْ فِي الناسِ.

وتقدَّم إليَّ بِأَن أخمِّس الأبيات الْمَذْكُورَة فقلتُ : يَا من رأى كَلَفي بِهِ فتعطَّفا .. وحنا وجاد بوصله وتلطَّفا .. كَيفَ انخدعتَ وملتَ عَن طرقِ الوفا .. أشمتَّ بِي الأعداءَ من بَين الوَرَى .. ومنعتَ عَيْني أَن ترى طيفَ الْكرَى .. عجبا لحظِّي مِنْك كَيفَ تغيَّرا .. إنِّي أعوذُ بِمن قضى بصبابتي .. أَن لَا ترقَّ وترعوي لكآبتي .. أَو أَن ترى فيَّ المرادَ شوامتي .. أتساعدُ الأيامَ فِي جَور النَّوى .. وَتَكون عوناً للصبابة والجوى .. وتذيب صبري والتجلُّدَ والقوى.

 وخمَّسها جماعةٌ من شعراء الْعَصْر ورُزقت حظًّا من سعادته وغنَّى بهَا المغنون وكتبتُ إِلَيْهِ من الشَّام وَقد ورد عليَّ كِتَابه من الْقَاهِرَة : وافى الكتابُ كَمَا أردتُ فعُدتُ من .. إجلاله عِنْدِي أقومُ وأقعدُ .. وَلكم لثمتُ الثَّرى فِي سجدةٍ .. وأطلتُ حتَّى قيل هَذَا هدهُدُ ، فَكتب الْجَواب على ذَلِك : أهْدى مشرَّفُكَ السليمانيُّ مَا .. يفنى الزمانُ وحسنُه لَا ينفذُ .. وفهمتُ سجدَةَ هدهدٍ قد وافقتْ .. وطبتُ حتَّى قلتُ فِيهِ معبدُ.

وَله جمعت كتابي الَّذِي سميتُه المجاراة والمجازاة حَسْبَمَا طلبه منِّي وجهَّزته إِلَيْهِ وكتبتُ مَعَه قصيدةً امتدحتُه بهَا وَهِي : لَك جفنٌ لَو خَالف الصبُّ أمْرَهْ .. عَاد بالدمع جفنُه وَهُوَ أَمْرَهْ .. أيُّ عينٍ سوداءَ قد تركتْ فِي .. صحنِ خدِّي من المدامع نُقْرَهْ .. يَا غزالاً فِيهِ من الغصنِ مَيْلٌ .. وقضيباً فِيهِ من الظَّبي نَفْرَهْ .. أَنا أغْنى الأَنام فِيك لأنِّي .. طالما نلتُ من محيَّاك بَدْرَهْ .. ولي فِيهِ عدَّة مدائح قصائد ومقاطيع وموشَّحات وأزجال وَقد جمعت ذَلِك فِي مُجَلد سميتُه الْكَوَاكِب السمائيَّة فِي المناقب العلائيَّة “.

وينتمي علاء الدين ابن فضل الله إلى عائلة من رجال العلم والفقه والصلاح والبلاغة من أبناء فضل الله بن المجلي العدوي القرشي (وهو من أهل العلم والرباط حيث كان قد انتقل من مصر للشام في زمن الجهاد) ، وتراجمهم مشهورة عند جل المؤرخين فكانت لهم مكانة فاضلة وحرمة وافرة ولهم دار معروفة في القاهرة بحارة البندقانية بجوار باب زويلة ظلت عامرة بهم زمنا طويلا وذلك أنهم تولوا تلك الوظيفة طوال قرن من الزمان شمل ثلاثة أجيال منهم ، وهو أخو شهاب الدين ابن فضل الله مؤلف الكتاب الموسوعي مسالك الأبصار في ممالك الأمصار.  

والده هو الشيخ الكبير الصدر الرئيس أبو أحمد محيي الدين أبو المعالي يحيى بن جمال الدين أبي المآثر فضل الله كاتب السر بالقاهرة ودمشق .. قال البرزالي في معجمه : ذو كفاءة وفضيلة وقيام تام قام بما هو متقلده ملازم لوظيفته وداره قليل الحديث فيما لا يعنيه له وجاهة ورئاسة كاملة ومال جزيل.

وكان كثير السكون مهيبا وقورا مولده في ظهر يوم السبت حادي عشر شوال سنة 645 هـ بالكرك ، سمع بدمشق من ابن عبد الدائم وبالقاهرة من النجيب عبد اللطيف الحراني وأجاز له أحمد بن المفرج بن مسلمة ومكي بن علان وغيرهما وحدث بالقاهرة ودمشق وخرج له بعض المحدثين مشيخة كبيرة وحدث بها ، ولي كتابة السر بالديار المصرية عن الملك الناصر حيث نقل إليها من كتابة سر دمشق في عام 730 هـ ثم عاد إلى كتابة السر بدمشق في عام 732 هـ.

ثم استقر مرة أخرى بالقاهرة ابتداءا من عام 733 هـ ومعه ولده شهاب الدين أحمد حيث خلع عليهما السلطان ورسم لهما بكتابة السر فلم يزل محيي الدين يباشر كتابة السر هو وابنه إلى أن كان من تنكر السلطان لولده شهاب الدين ما كان وذلك أنه كان استعفى من الوظيفة لثقل سمعه وكبر سنه فأذن له أن يقيم ابنه القاضي شهاب الدين يباشر عنه فلما أغضب السلطان عزله وولى مكانه أخاه الأصغر علاء الدين علي .. وقد توفي محيي الدين في التاسع من رمضان سنة 738 هـ بالقاهرة وصلي عليه من الغد ودفن بالقرافة.

أما القاضي علاء الدين علي فهو صاحب ديوان الإنشاء بمصر وكان مولده سنة 712 هـ وهو قاهري الدار .. وقد جاءت توليته بعد اعتراض أخيه الأكبر شهاب الدين على أحد قرارات السلطان فغضب عليه وحضر أبوه محيي الدين ليعتذر عما بدر من ابنه فرسم له السلطان أن يكون ابنه علاء الدين علي يدخل ويقرأ البريد فاعتذر بأنه صغير لا يقوم بالوظيفة فقال السلطان أنا أربيه مثل ما أعرف فصار يخلف أباه كما كان شهاب الدين وله من العمر وقتها أربع وعشرون سنة فخرج وفي خدمته الحاجب والدوادار وتقدم أمر السلطان للموقعين بامتثال ما يأمرهم به عن السلطان.

وقد باشر وظيفته تلك نيفا وثلاثين سنة لأحد عشر سلطانا من بني قلاوون حيث يقول ابن تغري بردي في النجوم الزاهرة : ” ولا أعلم أحدا ولي كتابة السر هذه المدة الطويلة من قبله ولا من بعده سوى العلامة القاضي كمال الدين محمد بن البارزي فإنه وليها أيضا نحوا من ثلاث وثلاثين سنة على أنه عزل منها غير مرة وتعطل سنين ” ، وقد توفي في رمضان سنة 769 هـ بمنزله من القاهرة عن سبع وخمسين سنة وترك ستة بنين وأربع بنات وكان قبل موته قد نزل عن وظيفة كتابة السر لولده بدر الدين محمد فتم أمره من بعده.

وأما أخوه القاضي بدر الدين محمد بن محيي الدين فقد ولد بدمشق سنة 710 هـ وقدم القاهرة مع أبيه وأقام بها فلما مات أبوه أدخله أخوه علاء الدين إلى دار العدل ووقع في الدست فلما توجه أخوه صحبة الناصر أحمد إلى الكرك وتسلطن الصالح إسماعيل شد عنه كتابة السر حتى عاد أخوه علاء الدين فولي كتابة السر بدمشق فقدمها في سنة 743 هـ واستمر بها حتى توفي في سنة 746 هـ وكانت جنازته حافلة وترك مالا جزيلا وكان ساكنا عاقلا كثير الإطراق والصمت محببا إلى الناس يخضع له الأمراء والأكابر وأنشأ بدمشق دورا عدة.

وأما أخوه الأمير صلاح الدين موسى فقد أدخله والده في جملة أرباب السيف وعد من جملة الأمراء وقد ولد في عام 710 هـ وتوجه مع والده وإخوته إلى الديار المصرية وهو بزي الأتراك فأعطاه السلطان الملك الناصرمحمد إقطاعا في حلقة مصر وفي عهد الناصر أحمد تولى إمرة عشرة بمصر ثم إمرة عشرين (وهي من رتب المماليك) وكان يعيش متنقلا بين القاهرة ودمشق لمتابعة أملاكه وتوفي في صفر سنة 760 هـ.

وابنه هو القاضي بدر الدين محمد بن القاضي علاء الدين علي بن محيي الدين كاتب السر بالديار المصرية وكان إماما رئيسا فاضلا في الإنشاء والأدب وله مشاركة جيدة في الفقه وغيره وكان محمود السيرة مشكور الطريقة ولد سنة 750 هـ وولاه الملك الأشرف شعبان بن حسين كتابة السر وأبوه في مرض موته في رمضان سنة 769 هـ وله من العمر تسع عشرة سنة وجعل أخاه عز الدين حمزة نائبا عنه.

واستمر في وظيفته حتى سنة 784 هـ حيث عزل في عهد السلطان برقوق ثم عاد مرة أخرى سنة 786 هـ ، وفي عام 792 هـ عزل مرة أخرى بسبب وجوده في الجيش الذي انقلب على برقوق فدخل دمشق وأرسل إلى السلطان في القاهرة أبياتا من الشعر فعفا عنه ثم ولاه كتابة السر مرة أخرى سنة 793 هـ فباشر وتمكن هذه المرة تمكنا زائدا ثم سافر مع السلطان إلى الشام في إحدى حملاته حيث توفي بدمشق في شوال 796 هـ ودفن بتربتهم في سفح قاسيون.

وأما مؤلف الكتاب فهو الشيخ صلاح الدين أبو الصَّفاء خليل بن أيبك بن عبد الله الألبَكِي الفاري الصَّفدي الدِّمشقي الشَّافعي ، وُلِدَ لأحد أمراء المماليك  في صفد سنة 696 هـ / 1296 م وتوفي في دمشق عام 764 هـ / 1363 م ، نشأ في أُسرة ثريَّة نشأةً مرفَّهة فحفظ القرآن في صِغَره ثُمَّ طلب العلم وبرع في النحو واللُّغة والأدب والإنشاء وقرأ الحديث وكتبه ، ومارس صناعة الرَّسم على القُماش وحُبِّب إليه الأدب فولِعَ به وقال الشعر الحسن ثُمَّ أكثر جدًّا من النَّظْم والتَّرسُّل والتَّواقيع وهو صاحب الكتاب المشهور (الوافي بالوفيات).

وقد ترجم له ابن حجر العسقلاني في كتابه الدرر الكامنة بأعيان المائة الثامنة فقال : ” خَلِيل بن أيبك بن عبد الله الأديب صَلَاح الدّين الصَّفَدِي أَبُو الصفاء ولد سنة سِتّ أَو سبع وَتِسْعين وسِتمِائَة تَقْرِيبًا وتعانى صناعَة الرَّسْم فمهر فِيهَا ثمَّ حبب إِلَيْهِ الْأَدَب فولع بِهِ وَكتب الْخط الْجيد وَذكر عَن نَفسه أَن أَبَاهُ لم يُمكنهُ من الإشتغال حَتَّى استوفى عشْرين سنة فَطلب بِنَفسِهِ وَقَالَ الشّعْر الْحسن ثمَّ أَكثر جدا من النّظم والنثر والترسل والتواقيع.

وَأخذ عَن الشهَاب مَحْمُود وَابْن سيد النَّاس وَابْن نباتة وَأبي حَيَّان وَنَحْوهم وَسمع بِمصْر من يُونُس الدبوسي وَمن مَعَه وبدمشق من الْمزي وَجَمَاعَة وَطَاف مَعَ الطّلبَة وَكتب الطباق ثمَّ أَخذ فِي التَّأْلِيف فَجمع تَارِيخه الْكَبِير الَّذِي سَمَّاهُ الوافي بالوفيات فِي نَحْو ثَلَاثِينَ مجلدة على حُرُوف المعجم وأفرد مِنْهُ أهل عصره فِي كتاب سَمَّاهُ أعوان النَّصْر فِي أَعْيَان الْعَصْر فِي سِتّ مجلدات وَله شرح لامية الْعَجم كثير الْفَوَائِد والحان السواجع بَين المبادي والمراجع مجلدان وَمن تصانيفه اللطاف التَّنْبِيه على التَّشْبِيه وجر الذيل فِي وصف الْخَيل وتوشيح الترشيح وكشف الْحَال فِي وصف الْخَال وجنان الجناس وَغير ذَلِك

وَأول مَا ولي كِتَابَة الدرج بصفد ثمَّ بِالْقَاهِرَةِ وباشر كِتَابَة السِّرّ بحلب وقتا وبالرحبة وقتا والتوقيع بِدِمَشْق ووكالة بَيت المَال وَكَانَ محبباً إِلَى النَّاس حسن المعاشرة جميل الْمَوَدَّة وَكَانَ فِي الآخر قد ثقل سَمعه وَكَانَ قد تصدى للإفادة بالجامع وَقد سمع مِنْهُ من أشياخه الذَّهَبِيّ وَابْن كثير والحسيني وَغَيرهم قَالَ الذَّهَبِيّ فِي حَقه الأديب البارع الْكَاتِب شَارك فِي الْفُنُون وَتقدم فِي الْإِنْشَاء وَجمع وصنف وَقَالَ أَيْضا سمع مني وَسمعت مِنْهُ وَله تواليف وَكتب وبلاغة.

وَقَالَ فِي المعجم الْمُخْتَص الإِمَام الْعَالم الأديب البليغ الْكَامِل طلب الْعلم وشارك فِي الْفَضَائِل وساد فِي الرسائل وَقَرَأَ الحَدِيث وَجمع وصنف وَله تواليف وَكتب وبلاغة وَقد ترْجم لَهُ السُّبْكِيّ فِي الطَّبَقَات وَمَات سنة 764 وَقَالَ الْحُسَيْنِي كَانَ إِلَيْهِ الْمُنْتَهى فِي مَكَارِم الْأَخْلَاق ومحاسن الشيم وَقَالَ ابْن كثير كتب مَا يُقَارب مئين من المجلدات وَقَالَ ابْن سعد كَانَ من بقايا الرؤساء الأخيار وَوجد بِخَطِّهِ كتبت بيَدي مَا يُقَارب خَمْسمِائَة مجلدة قَالَ وَلَعَلَّ الَّذِي كتبه فِي ديوَان الْإِنْشَاء ضعف ذَلِك.

وَقَالَ ابْن رَافع قَرَأَ بِنَفسِهِ شَيْئا من الحَدِيث وَكتب بعض الطباق وَقَرَأَ الْأَدَب على شَيخنَا الشهَاب مَحْمُود ولازمه مُدَّة وَمن تصانيفه فض الختام عَن التورية والاستخدام وجلوة المذاكرة فِي خلْوَة المحاضرة وَالرَّوْض الباسم وَشرح لامية الْعَجم وَغير ذَلِك وَكتب عَنهُ الذَّهَبِيّ من شعره وَذكره فِي مُعْجَمه ، وَأنْشد عَنهُ ابْن رَافع عدَّة مقاطيع من نظمه مِنْهَا : بِسَهْم أجفانه رماني .. وذبت من هجره وَبَينه .. إِن مت مَا لي سواهُ .. لِأَنَّهُ قاتلي بِعَيْنِه ، وَمَات بِدِمَشْق فِي لَيْلَة عَاشر شَوَّال سنة 764 “.