
51 / العروش
(العروش) هو الاسم المختصر لكتاب (العروش الإنسانية في معرفة التجليات الرحمانية وكشف أسرار المشارق اللاهوتية) والذي كتبه المتصوف الشيخ محمد وفا بن محمد الأوسط بن محمد النجم الهاشمي القرشي حفيد ملك الأدارسة بالمغرب إدريس بن إدريس بن عبد الله ، وهو جد السادات الوفائية أصحاب الحضور والحظوة في مصر خلال عهد المماليك والعثمانيين وحتى مطلع العصر الحديث ، ولد الشيخ محمد وفا بالإسكندرية عام 702 هـ / 1302 م وتوفي بالقاهرة عام 765 هـ / 1363 م.
وله ديوان شعر وعدد من المؤلفات الأخرى منها كتاب نفائس العرفان من أنفاس الرحمن وكتاب شعائر العرفان في ألواح الكتمان وكتاب المقامات السنية المخصوص بها السادة الصوفية ، وكتاباته كلها مليئة بالأسرار والإشارات حيث سمي كتاب العروش بذلك أنه يتناول مراتب الصوفية بصورة رمزية حيث العرش الأول خاص بالأعراض والعرش الثاني خاص بالأملاك والعرش الثالث خاص بالسرادقات وكلها مصطلحات صوفية مغرقة في الوجد والخيال ، وسمي كتاب الشعائر لأنه يتناول عدة عناصر هي الشعيرة الأولى في الخير والشعيرة الثانية في مفاتيح الغيب وهكذا.
ذكره عبد الوهاب الشعراني في طبقاته فقال : ” ومنهم سيدي محمد وفا رضي الله عنه ، كان إماما في العلوم والمعارف وله كلام عظيم وموشحات في التوحيد لم ينسج أحد على منواله ، ومولده سنة اثنتين وسبع مئة وتوفي سنة ستين وسبع مئة.
قالوا : وسبب تسميته (وفا) أنه كان مقيما في روضة المقياس ينسج مناديل لا يعرفه أحد فتوقف البحر أيام الزيادة حتى فاتت أيام الوفاء وخاف الناس من عدم ري البلاد ، فتقدم سيدي محمد ودخل المقياس وتوضأ ودعا ربه عز وجل وفي ظنه أن أحدا لا يراه فطلع البحر معه درجة ثم صعد فطلع البحر معه درجة إلى أن أوفى ذلك اليوم وزاد زيادة كثيرة ، فرآه إنسان والبحر طالع معه فأخبر السلطان بذلك فنزل لزيارته واشتهر بوفا من ذلك اليوم رضي الله عنه.
وهو شيخ الخرقة الوفائية كلها وطريقه من أحسن الطرق ، ولم يسم بالسادات في القرافة غير ذريته ، ولهم مولد يعمل كل سنة في أول أو ثاني أربعاء يكون من شهر شعبان ويجتمع فيه خلائق لا يحصون وينزل على الخلق أمداد فيصيرون في بركتها من العام إلى العام.
وكان رضي الله عنه أميا لا يكتب شيئا وجميع مؤلفاته إنما كان يمليها وصنف الكتب وهو ابن سبع سنين ، وله مؤلفات لم يفهم أحد المراد بها إلى وقتنا هذا مع فحولة ألفاظها واللذة بسماعها ثم يقول للسامع : كا فهمت منها ؟ ، فلا يقدر يعبر عنه.
ولما دنت وفاته كان ولده سيدي علي حملا لأربعة شهور وشيء فخلع سيدي محمد منطقته على الأبزاري بأسكندرية وقال له : هذه وديعة عندك لتخلعها على ولدي علي إذا ولدته أمه وبلغ سن الكلام ، فعمل الأبزاري الموشحات النفيسة مدة صغر سيدي علي إلى أن كبر وخلعها عليه فلم يقدر يعمل بيتا واحدا وأتى سيدي علي بالعجائب الغرائب من الموشحات رضي الله عنه “.
وذكره أبو علي الحسن بن محمد الفاسي في كتابه طبقات الشاذلية الكبرى المسمى جامع الكرامات العلية في طبقات السادة الشاذلية فقال : ” السادات الوفائية وسيدنا محمد وفا وإليه يُنسب هذا البيت العظيم ، قال القطب الشعراني رضى الله عنه في الطبقات : كان سيدنا محمد وفا من أكابر العارفين ، وأخبر ولده سيدي علي رضى الله عنه أنه هو خاتم الأولياء صاحبُ الرتبة العلية وكان أُمِّيًّا وله لسان غريب في علوم القوم ، ومؤلفاتٌ كثيرة ألَّفها في صباه، وهو ابن سبع سنين أو عشرٍ فضلًا عن كونه كهلًا وله رموزٌ في منظوماته ومنثوراته مُطَلْسمة إلى وقتنا هذا لم يفكَّ أحدٌ فيما نعلم معناها.
وسُمِّي وفا لأنَّ بحر النيل توقَّف فلم يزد إلى أوان الوفاء فعزمَ أهلُ مصرَ على الرحيل فجاءَ إلى البحر وقال : اطلع بإذن الله تعالى ، فطلعَ ذلك اليوم سبعة عشر ذراعًا وأوفى فسمُّوه وفا ، وله مؤلفات منها : كتاب العروش وكتاب الشعائر وديوان عظيم ومؤلفات أخرى.
ولد رضى الله عنه بالإسكندرية سنة سبع مئة واثنتين ونشأ بها وسلك طريقَ الأستاذ أبي الحسن الشاذلي رضى الله عنه على يدِ الإمام المُسِّلك الكبير سيدي داود ابن ماخلا ، ثم توجَّه إلى إخميم فتزوَّجَ بها وأنشأ بها زاويةً كبيرة ووفدت عليه الناس أفواجًا فُرداى وأزواجًا ثم سارَ إلى مصر وأقام بالرَّوضة مُبتهلًا بالعبادة مُشتغلًا بذكر الله تعالى.
وطار صيتُه في الآفاق واخترقَ ذكرُه مشارقَ الأرض ومغاربها أيَّ اختراق ثم سكن القاهرةَ ، وتوفي يوم الثلاثاء حادي عشر ربيع الأول سنة 765 ودُفن بالقَرَافة بين ضريح الأستاذ سيدي أبي السعود بن أبي العشائر وسيدي تاج الدين ابن عطاء الله رضي الله عنهما بإشارة منه رحمه الله إذ قال : ادفنوني بين سعد وعطا.
محمد النجم : وأول قادم من المغرب إلى ثغر الإسكندرية جدُّه سيدي محمد النجم .. كان رحمه الله من أصحاب الأحوالِ الباهرة،والكرامات الظاهرة ترجمه غيرُ واحد ، واجتمعَ بالقطب سيدي إبراهيم الدُّسوقي رحمه الله وأخذ كلٌّ منهما عن صاحبه ، ومولده بتونس فإنَّ أُصولَهم منها ومن بلاد صفاقص وأحوازها ، فاستوطن سيدي محمد النجم إسكندرية وطابت له الإقامة ورُزق فيها بابنه سيدي محمد الأوسط أبي مولانا محمد وفا.
محمد الأوسط : وكان مولانا محمد الأوسط مشهورًا بالولاية ومن أصحاب العلم والفضل وتوفي رحمه الله شابًّا عن ولده محمد وفا ودُفن بزاويتهم المعروفة بالزاوية النَّجمية نسبةً لوالده محمد النجم المدفون بها بثغر الإسكندرية ، ولما تُوفّي مولانا محمد وفا رضى الله عنه تركَ ولديه مولانا عليّ وفا ومولانا شهاب الدين أحمد “.
وجاء في معجم الشعراء العرب : ” محمد وفا (702 ـ 765 هـ / 1302 ـ 1464 م) .. محمد (وفاء) بن محمد النجم بن محمد السكندري أبو الفضل أو أبو الفتح المعروف بالسيد محمد وفا الشاذلي ، رأس (الوفائية) ووالدهم بمصر ، مغربي الأصل مالكي المذهب ولد ونشأ بالإسكندرية وسلك طريق الشيخ أبي الحسن الشاذلي ونبغ في النظم فأنشأ قصائد على طريقة ابن الفارض وغيره من (الاتحادية) .
ورحل إلى إخميم فتزوج واشتهر بها وصار له مريدون وأتباع وانتقل إلى القاهرة فسكن (الروضة) على شاطئ النيل وكثر أصحابه، وأقبل عليه أعيان الدولة وتوفي بها ودفن بالقرافة ، كان واعظاً لكلامة تأثير في القلوب ويقال كان أمياً ، وللشيخ عبد الوهاب الشعراني كتاب في مناقبه ، له : ديوان شعر ، ونفائس العرفان من أنفاس الرحمن ، والأزل ، وشعائر العرفان في ألواح الكتمان ، والعروش ، والصور ، والمقامات السنية المخصوص بها السادة الصوفية “.

52 / القطر النباتي
(القطر النباتي) هو عنوان كتاب صغير جمع فيه الشاعر ابن نباتة المصري مقتطفات من مقطوعاته الشعرية القصيرة ليكمل بها ديوانه الشعري الكبير وأهداه إلى الملك المؤيد صاحب حماة بحكم الصلة التي كانت بينهما ، واختار هذا الاسم (القطر) لأنه شبه أشعاره بقطرات الندى التي فصلت من وابل المطر ونسبها إلى الاسم الذي اشتهر به أجداده وهو (نباتة) وبدأ هذه المقطعات بأشعار المدح والشكر.
أما ديوانه الشعري فهو يقارب ستمائة صفحة ورتبت فيه القصائد على حروف الهجاء واستهله بقصيدة في المديح النبوي يقول فيها : شجونٌ نحوَها العشاقُ فاؤا .. وصبّ ما لهُ في الصبرِ راء .. وصحبٌ إن غروا بملام مثلي .. فربَّ أصاحبٍ بالإثم باؤا .. وعينٌ دمعها في الحبِّ طهرٌ .. كأن دموع عيني بيرُ حاء .. ولاحٍ ما لهُ هاء وميمٌ .. له من صبوتي ميم وهاء .. ومثلي ما لعشقتهِ هدوّ .. يرامُ ولا لسلوتهِ اهتداء .. كأن الحبَّ دائرةٌ بقلبي .. فحيثُ الانتهاء الابتداء.
واسمه هو جمال الدين أبو بكر محمد بن محمد بن محمد بن الحسن الجذامي الفارقي المصري الذي ولد في زقاق القناديل بالفسطاط عام 686 هـ / 1287 م وتوفي في القاهرة عام 768 هـ / 1366 م ، ويرجع في نسبه إلى قبيلة حذاقة وهي فرع من قبيلة جذام حيث عاش أجداده في مدينة ميافارقين بأعالي الفرات وهو حفيد الخطيب عبد الرحيم بن محمد بن نباتة صاحب الخطب المشهور في الجهاد ضد الروم في عهد سيف الدولة الحمداني والمتوفي 374 هـ.
وكان أبوه وجده من شيوخ الحديث في مصر حيث نشأ في بيت عرف بالثراء والنفوذ والجاه والعلم والفضل والأدب وظهرت موهبته الأدبية في سن مبكرة ، وفي عام 715 هـ انتقل إلى الشام بسسب عمله حيث عين ناظرا على كنيسة القيامة بالقدس واتصل بالملك المؤيد الأيوبي حاكم حماة ومدحه بأشعار كثيرة وكان يقضي وقته بين مصر والشام ثم عاد إلى القاهرة في عام 761 هـ ليعمل في وظيفة كاتب السر عند السلطان الناصر حسن بن محمد بن قلاوون.
وله مؤلفات أخرى من أهمها كتاب (سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون) وهو كتاب قيم يتجاوز خمسمائة صفحة يتناول فيها بالنقد والتحليل الرسالة الهزلية التي كتبها الشاعر الأندلسي ابن زيدون ضد الوزير ابن عبدوس الذي كان غريمه في حب ولادة بنت المستكفي ، وهي الرسالة التي تبدأ بقوله : (أما بعد أيها المصاب بعقله المورط بجهله البين سقطه الفاحش غلطه العاثر في ذيل اغتراره الأعمى عن شمس نهاره الساقط سقوط الذباب على الشراب المتهافت تهافت الفراش في الشهاب … إلخ).
وله عدة مؤلفات أخرى منها كتاب سجع المطوق الذي جمع فيه مراسلاته الشعرية والنثرية مع أدباء عصره ، وله أيضا كتاب جلاسة القطر وكتاب سوق الرقيق وكتاب ظرائف الزيادة وكتاب مطلع الفوائد وكتاب المفاخرة بين السيف والقلم وكتاب سلوك دول الملوك وكتاب المختار من شعر ابن الرومي وكتاب تلطيف المزاج في شعر ابن الحجاج وكتاب ترسل ابن نباتة وكتاب إبزار الأخبار.
ويستهل كتابه (القطر النباتي) بمقدمة قصير يتخيل فيها قصائد الصغيرة وهي تكلمه وتطلب منه أن يجعل لها نصيبا مثلما فعل مع قصائده الطوال ، ويقول فيها ” بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين ، أما بعد حمد الله على لطف غير مقطوع والصلاة على سيدنا محمد الصادع بأعظم مسموع وعلى آله وصحبه أكرم جداول تروي عن أفضل ينبوع.
فإني كنت قدمت لمن شرف لفظي لديه وعرف قدم انتسابي إليه نبذة من قصايد شعري المطولة وعرضتها على نفد خواطره المتطولة فقامت نبذة من المقاطيع تمد لحظها وتطلب حظها قائلة طالما كنا لك أعوانا وقاتلنا معك في الأغراض فاجعل لأسمائنا في العرض ما وضعت منها في هذه الأوراق.
ما إذا لحظته سعادته وأمدته إفادته استظرفت فنه الأفهام وتسترت وجوه الأزاهر خجلا منه بالأكمام ، وسميتها القطر النباتي لأنها قطر من وابل ولأن اسم الجد المشهور لهذه التورية قابل والله تعالى يمتعنا بأيام من شرح بنعمته الأفكار وملأ بجبره بيوت العفاه وبيوت الأشعار “.
ذكره الشيخ صلاح الدين الصفدي في كتابه الوافي بالوفيات فقال : ” جمال الدّين مُحَمَّد بن نَبَاته مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن الْحسن بْن أبي الْحسن بن صَالح بن عَليّ بن يحيى بن طَاهِر بن مُحَمَّد بن الْخَطِيب أبي يحيى عبد الرَّحِيم بن نَبَاته الفارقي الأَصْل الْمصْرِيّ المولد الحذاقي الشَّافِعِي جمال الدّين أَبُو بكر الأديب النَّاظِم الناثر تفرد بلطف النّظم وعذوبة اللَّفْظ وجودة الْمَعْنى وغرابة الْمَقْصد وجزالة الْكَلَام وانسجام التَّرْكِيب.
وَأما نثره فَإِنَّهُ الْغَايَة فِي الفصاحة سلك مَنْهَج الْفَاضِل رَحمَه الله وحذا حذوه واطفأ نور ابْن عبد الظَّاهِر فَلم يدع لَهُ فِي الْقُلُوب حظوة وَأما خطه فأغلى قيمَة من الدّرّ لَو رزق حظا وأغزر دِيمَة من الْغَيْث إِلَّا أَن الزَّمَان أصبح قلبه عَلَيْهِ فظاً لَو أنصفه الدَّهْر كَانَ للْكتاب إِمَامًا وَلَو رقاه رتباً يَسْتَحِقهَا لغرد سجعه حَماما وانسجم لَفظه غماماً وطلع بدر فَضله تَمامًا ، (الْكَامِل) : وغضارة الْأَيَّام تأبى أَن يرى .. فِيهَا لأبناء الذكاء نصيب .. ولذاك من صحب اللَّيَالِي طَالبا .. جدا وفهماً فَاتَهُ الْمَطْلُوب.
ولد بِمصْر فِي زقاق الْقَنَادِيل سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وست مائَة وَنَشَأ بالديار المصرية وَبهَا تأدب واشتغل بفني النّظم والنثر وَسمع مِمَّن أمكنه السماع مِنْهُ وَكَانَ لَهُ بِالْقَاضِي عَلَاء الدّين ابْن عبدالظَّاهِر اجْتِمَاع وَله مِنْهُ نصيب وَورد إِلَى الشَّام سنة خمس عشرَة تَقْرِيبًا ومدح أكابرها وأجازوه ومدح الْملك المؤيَّد عماد الدّين إِسْمَاعِيل صَاحب حماة فَأَجَازَهُ وَجعل ذَلِك عَادَة لَهُ فِي كل سنة فمدحه بمدائح حَسَنَة ثمَّ لما مَاتَ رَحمَه الله اسْتمرّ بذلك الرَّاتِب لَهُ وَلَده الْملك الْأَفْضَل نَاصِر الدّين مُحَمَّد.
وَكَانَ يرتحل إِلَى حلب وطرابلس ثمَّ إِنَّه اقْتصر آخر أمره على الْإِقَامَة بِدِمَشْق والانجماع عَن النَّاس وَقَررهُ الصاحب أَمِين الدّين أَمِين الْملك رَحمَه الله أَن يكون فِي كل سنة نَاظر القمامة بالقدس الشريف أَيَّام زِيَارَة النَّصَارَى لَهَا فَيتَوَجَّه يُبَاشر ذَلِك وَيعود وأضيف لَهُ إِلَى نكد الزَّمَان أَنه لم يَعش لَهُ ولد فَدفن فِيمَا أَظن قَرِيبا من سِتَّة عشر ولدا كلهم إِذا ترعرع وَبلغ خمْسا أَو سِتا أَو سبعا يتوفاه الله تَعَالَى فيجد لذَلِك الآلام المبرحة ويرثيهم بالأشعار الرائقة الرقيقة ، كتبت إِلَيْهِ من الديار المصرية فِي سنة تسع وَعشْرين وَسبع مائَة استدعاء لاجازته لي “.
واستطرد الصفدي في الكتابة عن ابن نباتة وسجل المراسلات التي جرت بينهما شعرا ونثرا ودون مقابلاتهما في دمشق والقاهرة ونشر صيغة الإجازة التي أجازها له ابن نباتة ومنها مؤلفاته حيث قال في آخرها : ” وَأما مصنفاتي الَّتِي هِيَ كالياسمين لَا تَسَاوِي جمعهَا وَلَوْلَا جبر الخزائن الشَّرِيفَة السُّلْطَانِيَّة الملكية المؤيدية لَهَا مَا استجزت نصبها وَلَا رَفعهَا.
فَهِيَ كتاب مجمع الفرائد كتاب الْقطر النباتي كتاب شرح الْعُيُون فِي شرح رِسَالَة ابْن زيدون كتاب منتخب الْهَدِيَّة من المدائح المؤيدية كتاب الْفَاصِل من انشاء الْفَاضِل كتاب زهر المنثور كتاب سجع المطوق كتاب ابزار الْأَخْبَار كتاب شَعَائِر الْبَيْت التَّقْوَى وَلم يكمل إِلَى الْآن الأرجوزه الْمُسَمَّاة فرائد السلوك فِي مصائد الْمُلُوك أجزت لَك أعزّك الله رِوَايَتهَا عني وَرِوَايَة مَا أدونه وأجمعه بعْدهَا.
حَسْبَمَا اقترحه استدعاؤك ونمقه ونسخه وحققه وتضمنه سؤالك الَّذِي تَصَدَّقت بِهِ على فمنك السُّؤَال ومنك الصَّدَقَة وَالله تَعَالَى يشْكر عَهْدك الْجَمِيل وكلماتك الجزلة وكرمك الجزيل ويمتع فنون الْفَضَائِل الملتجئة إِلَى ظلّ قلمك الظليل وَلَا يعْدم الأحباب الْآدَاب من اسْمك وسمتك خير صَاحب وخليل بمنه وَطوله ، تمت الْإِجَازَة “.
وعقب عليها الصفدي مستكملا سرد مؤلفاته الأخرى التي سمعها منه مباشرة فقال : ” ثمَّ أنني سَمِعت من لَفظه كتاب منتخب الْهَدِيَّة والقطر النباتي وَكنت قد كتبت عَلَيْهِ وَأَنا بِالْقَاهِرَةِ (الوافر) : بحقك لَا تقل فِيمَن تقضي .. وَفَاتَ لقد مضى بالطيبات .. وَرَاح وشعره حُلْو رَقِيق .. فَمَا يتَكَلَّم الْقطر النباتي.
وَسمعت من لَفظه فرائد السلوك وَسمعت من لَفظه الْمُنْتَخب المنصوري وَسمعت من لَفظه النحلة الأنسية فِي الرحلة القدسية وغالب مَا انشأه من النّظم والنثر سمعته ، وَكنت قد كتبت بِالْقَاهِرَةِ على قِطْعَة أهداها من شعره (الوافر) : أيا ابْن نَبَاته أهديت شعرًا .. نَصِيبي سكر مِنْهُ وسكر .. يفوت الْغَيْث عدا وَهُوَ حُلْو .. فشعرك كَيفَ مَا حاولت قطر.
وَقد اخْتَار من دواوين الشُّعَرَاء جملَة مِنْهَا ديوَان ابْن الرُّومِي وديوان ابْن سناء الْملك وديوان ابْن قلاقس وديوان ابْن حجاج وَهُوَ اخْتِيَار جيد سَمَّاهُ تلطيف المزاج من شعر ابْن حجاج وديوان شرف الدّين شيخ الشُّيُوخ وبيني وَبَينه مكاتبات كَثِيرَة ومراجعات أثيرة مِنْهَا مَا كتبه إِلَيّ وَأَنا بِالْقَاهِرَةِ سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَسبع مائَة وَهُوَ (الْبَسِيط) : رضيت بالكتب بعد الْقرب فَانْقَطَعت .. حَتَّى رضيت سَلاما فِي حواشيها “.
وذكره تاج الدين السبكي في كتابه طبقات الشافعية الكبرى فقال : ” مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن الْحسن بن أَحْمد بن نَبَاته أديب الْعَصْر الشَّيْخ جمال الدّين ابْن شَيخنَا الشَّيْخ شمس الدّين الْمُحدث ، حَامِل لِوَاء الشُّعَرَاء فِي زَمَانه مَا رَأينَا أشعر مِنْهُ وَلَا أحسن نثرا وَلَا أبدع خطا لَهُ فنون ثَلَاث لم نر من لحقه وَلَا قاربه فِيهَا سبق النَّاس إِلَى حسن النّظم فَمَا لحقه لَاحق فِي شَيْء مِنْهُ وَإِلَى أَنْوَاع النثر فَمَا قاربه مقارب إِلَى ذرة مِنْهُ وَإِلَى بارعة الْخط فَمَا قدر معَارض على أَن يَحْكِي لَهُ خطا أَو يجاريه فِي أصُول كِتَابَته وإسجامها وجرايانها.
مولده بِالْقَاهِرَةِ سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة وَمَات بهَا سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة ، فَهِيَ للوفد كعبة ومطاف .. ومقام وموقف ومثاب ، مهديا إِلَى تِلْكَ الأَرْض المقدسة تحيات هَذِه الأَرْض الْمُحرمَة مبلغا لبقاع الشَّام الْمُبَارَكَة سَلام هَذِه المشاعر المحترمة معوذا ذَلِك الْمقَام بِهَذَا الْمقَام ومناهل تِلْكَ المشارب الصافية بِمَاء زَمْزَم الَّذِي هُوَ طَعَام طعم وشفاء سقام.
رَافعا دُعَاء يطوف بِالْبَيْتِ الْعَتِيق جديده ويأوي إِلَى رُكْنه الشَّديد سديده وتسقى بِمَاء زَمْزَم غروسه وتروق على يَد العَبْد فِي الْمقَام كؤوسه وتشرق فِيهِ شموعه بل شموسه ويتأرج بِحَضْرَتِهِ زهوره ويشيع فِي بطُون تِلْكَ الأودية المشرفة ظُهُوره ويكفل الْبَيْت وليده فِي حجره إِلَى أَن يبلغ نِهَايَة السُّعُود وَيكون لَهُ من الْبَيْت المحجوج إِلَى الْبَيْت الْمَعْمُور على درج الْإِجَابَة صعُود ويفوح عرف قلم مسطره ويحلو ويطرب فَهُوَ فِي أَحْوَاله الثَّلَاثَة عود محوطا ركنها الشَّامي بالركن الْيَمَانِيّ وجهاتها السِّت بِالْمحل الَّذِي أنزلت بِهِ فِي إِحْدَى الْمَرَّتَيْنِ السَّبع المثاني “.
وترجم له ابن حجر العسقلاني في كتابه الدرر الكامنة بأعيان المئة الثامنة فقال : ” مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن الْحسن بن أبي الْحسن بن صَالح بن عَليّ ابْن يحيى بن طَاهِر بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحِيم بن نباتة الفارقي الأَصْل الْمصْرِيّ أَبُو الْفَضَائِل وَأَبُو الْفَتْح وَأَبُو بكر وَهِي أشهر ولد بزقاق الْقَنَادِيل فِي ربيع الأول سنة 686 وأحضره أَبوهُ على غَازِي الحلاوي أَرْبَعَة أَجزَاء من الغيلانيات فَكَانَ آخر من حدث بهَا عَنهُ.
وَسمع السِّيرَة من الأبرقوهي وَتفرد بهَا وَسمع عَلَيْهِ وعَلى غَيره غير ذَلِك وَكَانَ آخر من حدث بِالسَّمَاعِ عَن التقي عبيد وبهاء الدّين ابْن النّحاس وَعبد الرَّحِيم ابْن الدَّمِيرِيّ وجده شرف الدّين ابْن نباتة وأحضره على ابْن خطيب المزة وَعبد الْعَزِيز ابْن الحصري وَعبد الرَّحِيم ابْن الدَّمِيرِيّ وَسمع من التقي عبيد وَجَمَاعَة وَأَجَازَ لَهُ الْعِزّ الْحَرَّانِي وَالْفَخْر ابْن البُخَارِيّ وَزَيْنَب بنت مكي وَابْن المجاور وَابْن الزين وَغَيرهم.
وَنَشَأ بِمصْر وتعانى الْآدَاب فمهر فِي النّظم والنثر وَالْكِتَابَة حَتَّى فاق أقرانه وَمن تقدمه ورحل إِلَى الشَّام سنة 716 ، قلت وَقد كَانَ أَبوهُ يَقُول أَنه دخل بِهِ على ابْن دَقِيق الْعِيد وَهُوَ فِي وسط كتبه فَنَاوَلَهُ كتاب الحماسة وَذكر شَيخنَا أَبُو الْفضل الْحَافِظ أَنه حكى لَهُ أَنه دخل مَعَ أَبِيه وَهُوَ شَاب على ابْن دَقِيق الْعِيد فَبعث أَبَاهُ فِي حَاجَة وَتَركه عِنْده وَكَانَ الشَّيْخ فِي بَيت كتبه وَهُوَ يوعد بِسَعْد قَالَ فَنَاوَلَهُ كتابا فَإِذا هُوَ فِي الْأَدَب أَحْسبهُ من الذَّخِيرَة لِابْنِ بسام فَنَظَرت فِيهِ فاستغرقت فجَاء أبي وَلم أشعر بمجيئه فتعجب من تَمْكِين الشَّيْخ إيَّايَ لنظري فِي كتبه وَكَانَ ذَلِك كشف من الشَّيْخ وتولعت بالنظم من ذَلِك الْحِين وَكَانَ ذَلِك قبل السبعمائة.
وَأقَام بِدِمَشْق مُدَّة تقَارب الْخمسين سنة ويتردد إِلَى حماة وحلب وَغَيرهمَا ومدح رؤساءها وَله فِي الْمُؤَيد صَاحب حماة غرر المدائح وَفِي وَلَده وَفِي رثائهما وَكَانَ متقللاً لَا يزَال يشكو حَاله وَقلة مَا بِيَدِهِ وَكَثْرَة عِيَاله وَفِي آخر الْحَال أَدخل الدِّيوَان وَكتب فِي التوقيع قَالَ الذَّهَبِيّ فِي مُعْجَمه أَبُو الْفَضَائِل جمال الدّين صَاحب النّظم البديع وَله مُشَاركَة حَسَنَة فِي فنون الْعلم وشعره فِي الذرْوَة.
وَقَالَ ابْن رَافع حدث وبرع فِي الْأَدَب وَقَالَ ابْن كثير كَانَ حَامِل لِوَاء الشّعْرفِي زَمَانه وَله تصانيف رائقة مِنْهَا الْقطر النباتي اقْتصر فِيهِ على مقاطيع شعره وَمِنْهَا سوق الدَّقِيق اقْتصر فِيهِ على إغزال قصائده وَمِنْهَا مطلع الْفَوَائِد وَهُوَ كتاب نَفِيس فِي الْأَدَب وقرظه جمَاعَة من الْفُضَلَاء فَجمع لَهُم تراجم وسماها سجع المطوق وَله الْفَاصِل من إنْشَاء الْفَاضِل وزهر المنثور وَشرح رِسَالَة ابْن زيدون وَغير ذَلِك.
وَفِي آخر عمره استدعاه النَّاصِر حسن إِلَى مصر وَذَلِكَ فِي شهر ربيع الأول سنة 761 وَكتب فِي المرسوم أَن يصرف لَهُ مَا يتجهز بِهِ وَأَن يجمع لَهُ مَا انْقَطع لَهُ من المعاليم إِلَى تَارِيخه فَجمع لَهُ ذَلِك وتجهز إِلَى مصر فَقَدمهَا وَهُوَ شيخ كَبِير عَاجز فَلم يتمش لَهُ حَال وَقرر موقع الدست ثمَّ أعفي من الْحُضُور وَأمر السُّلْطَان إِجْرَاء معلومه فَرُبمَا صرف لَهُ وَرُبمَا لم يصرف وَأقَام خاملاً إِلَى أَن مَاتَ فِي 7 صفر سنة 768 بالمرستان وَدفن بمقابر الصُّوفِيَّة “.

53 / شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك
تعد ألفية ابن مالك واحدة من أهم المراجع في النحو والصرف حيث ظلت متدولة بين المشتغلين بعلوم اللغة العربية حتى يومنا هذا وهي منظومة شعرية من بحر الرجز تصل إلى ألف بيت (ولذا سميت الألفية) واشتهرت بأول أبياتها (كلامنا لفظ مفيد فاستقم .. اسم وفعل ثم حرف الكلم) ، وهي من نظم إمام النحويين واللغويين في القرن السابع الهجري محمد بن عبد الله بن مالك الطائي الجياني الذي ولد في جيان بالأندلس وتوفي في دمشق عام 672 هـ.
وقد تسابق العلماء من بعده في شرح الألفية مثل ابنه محمد بدر الدين المتوفي عام 686 هـ وابن هشام الأنصاري المتوفي عام 761 هـ وأبو الحسن الأشموني المتوفي عام 929 هـ وقام بعضهم بإعرابها مثل الإمام خالد الأزهري المتوفي عام 905 هـ وقام آخرون بشرح شواهدها مثل بدر الدين العيني المتوفي عام 855 هـ ، لكن يظل الشرح الأوفى والأشهر لها هو كتاب (شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك) والمكون من أربعة أجزاء قررت على طلاب الأزهر.
وصاحب هذا الشرح هو قاضي القضاة بالديار المصرية الإمام بهاء الدين عبد الله بن عبد الرحمن الهاشمي القرشي المعروف بلقب (ابن عقيل) نسبة إلى جده الأعلى عقيل بن أبي طالب بن عبد المطلب ، ولد في مصر عام 698 هـ / 1298 م وتوفي فيها عام 769 هـ / 1367 م وتولى التدريس بمسجد الناصر محمد بن قلاوون بقلعة الجبل والمدرسة القطبية بالقاهرة وجامع ابن طولون وجامع عمرو بن العاص ، وله كتاب آخر في النحو والإعراب هو (المساعد على تسهيل الفوائد) وجمع فيه أبواب النحو والصرف بصورة مختصرة وواضحة ومفيدة للطلاب.
ترجم له الصفدي في كتابه الوافي بالوفيات وتناول تكوينه العلمي وشيوخه وتلاميذه وذكر لقاءه به في القاهرة فقال : ” القَاضِي بهاء الدّين بن عقيل الشَّافِعِي عبد الله بن عبد الرحمان بن عبد الله يَنْتَهِي إِلَى عقيل بن أبي طَالب .. هُوَ الشَّيْخ الإِمَام الْعَلامَة القَاضِي بهاء الدّين أَبُو مُحَمَّد بن أبي الْفَتْح زين الدّين ابْن جلال الدّين مولده يَوْم الْجُمُعَة تاسوعاء سنة ثَمَان وَتِسْعين وسِتمِائَة.
أَخذ القراآت السَّبع عَن الشَّيْخ تَقِيّ الدّين الصَّائِغ والعربية عَن الشَّيْخ عَلَاء الدّين القونوي وغالبهما فِي الكافية الشافية والمقرب ، وَقَرَأَ على الشَّيْخ أثير الدّين التسهيل لِابْنِ مَالك جَمِيعه فِي أَربع سِنِين ثمَّ قَرَأَ عَلَيْهِ سِيبَوَيْهٍ فِي أَربع سِنِين بحثا بقرَاءَته وبقراءة غَيره وَلم يكمل سِيبَوَيْهٍ على الشَّيْخ الْمَذْكُور إِلَّا لَهُ وللشيخ جمال الدّين يُوسُف بن عمر بن عَوْسَجَة العباسي بَلَدا.
ثمَّ إِن بهاء الدّين قَرَأَ على الشَّيْخ أثير الدّين شَرحه للتسهيل الْمُسَمّى بالتكميل والتذييل بحثا بقرَاءَته غَالِبا وَقِرَاءَة غَيره وَلم يكمل لغيره ، وَأما الْفِقْه فَقَرَأَ فِيهِ الْحَاوِي على الشَّيْخ عَلَاء الدّين القونوي ثمَّ قَرَأَ عَلَيْهِ شَرحه للحاوي من أَوله إِلَى بَاب الْوكَالَة ولازمه كثيرا وَبِه تخرج وانتفع وَأخذ عَنهُ الأصولين وَالْخلاف والمنطق وَالْعرُوض والمعاني وَالْبَيَان وَالتَّفْسِير.
قَرَأَ فِي الْمنطق الْمطَالع مراتٍ بحثا وَفِي أصُول الدّين الطوالع وَفِي أصُول الْفِقْه مُخْتَصر ابْن الْحَاجِب مراتٍ قِرَاءَة وسماعاً وانتخب من مُخْتَصر ابْن الْحَاجِب مسَائِل أمهاتٍ جَاءَت فِي تِسْعَة عشر ورقة وحفظها وَقَرَأَ عَلَيْهِ وَسمع من التَّحْصِيل جملَة كَبِيرَة وَقَرَأَ عَلَيْهِ تَلْخِيص الْمِفْتَاح فِي الْمعَانِي وَالْبَيَان وَبحث عَلَيْهِ من الْكَشَّاف سُورَة الْبَقَرَة وَآل عمرَان وَقَرَأَ عَلَيْهِ عرُوض ابْن الْحَاجِب بحثا وَقَرَأَ عَلَيْهِ مُقَدّمَة النَّسَفِيّ فِي الْخلاف وَلم تكمل لَهُ.
ولازم الشَّيْخ زين الدّين الكتاني وَقَرَأَ عَلَيْهِ من الْحَاوِي وَلم يكمل لَهُ وَبحث عَلَيْهِ فِي التَّحْصِيل وَقَرَأَ على قَاضِي الْقُضَاة جلال الدّين كتاب الْإِيضَاح من أَوله إِلَى آخِره بحثا وَالتَّلْخِيص سَمعه قِرَاءَة وَسمع على مَشَايِخ عصره مِنْهُم الشَّيْخ شرف الدّين بن الصَّابُونِي وقاضي الْقُضَاة بدر الدّين ابْن جمَاعَة والحجار وست الوزراء وخلائق وأملى على أَوْلَاد قَاضِي الْقُضَاة جلال الدّين شرحاً على ألفية ابْن مَالك.
وأملى على التسهيل مثلا وكتبها بِخَطِّهِ وَكتب على التسهيل شرحاً خَفِيفا سَمَّاهُ المساعد على تسهيل الْفَوَائِد يَجِيء فِي ثَلَاثَة أسفارٍ وَوصل فِيهِ يَوْمئِذٍ إِلَى بَاب الْحَال وَكتب فِي التَّفْسِير كتابا سَمَّاهُ الذَّخِيرَة بَدَأَ فِيهِ إِلَى نصف حزبٍ فِي ثَلَاثِينَ كراساً وصنف فِي الْفِقْه مُخْتَصرا من الرَّافِعِيّ لم يفته شيءٌ من مسَائِله ولامن خلاف الْمَذْهَب وَضم إِلَيْهِ زَوَائِد الرَّوْضَة والتنبيه على مَا خَالف فِيهِ محيي الدّين النَّوَوِيّ فِي أصل الرَّوْضَة للشرح الْكَبِير بزيادةٍ أَو تَصْحِيح وصل فِيهِ يومئذٍ إِلَى كتاب الصَّلَاة.
وَشرع فِي كتاب مستقلٍّ سَمَّاهُ الْجَامِع النفيس فِي مَذْهَب الإِمَام مُحَمَّد بن إِدْرِيس يجمع الْخلاف العالي والمخصوص بِمذهب الشَّافِعِي وتتبع مَا لكل مذهبٍ من الصَّحَابَة فَمن بعدهمْ من الْأَدِلَّة كتابا وَسنة وَأقوى قياسٍ فِي الْمَسْأَلَة ثمَّ الْكَلَام على مَا يتَعَلَّق بِأَحَادِيث تِلْكَ الْمَسْأَلَة من تصحيحٍ وَتَخْرِيج ثمَّ ذكر مَا تبدد فِي كتب الْمَذْهَب من فروعها.
وَذكر مَا يتَعَلَّق بِشَيْء من فَوَائِد الْأَحَادِيث الَّتِي جرى ذكرهَا فِي الْمَسْأَلَة وَالْكَلَام على مَا يَقع فِي كتابي الْفَقِيه نجم الدّين ابْن الرّفْعَة وهما الْكِفَايَة وَالْمطلب مِمَّا يحْتَاج إِلَى الْكَلَام فِيهِ وَكَذَلِكَ كَلَام النَّوَوِيّ وَغَيره وَهُوَ يكون إِذا كمل فِي أَرْبَعِينَ سفرا وَكتب مِنْهُ يَوْمئِذٍ إِلَى بَاب الْمسْح على الْخُفَّيْنِ ألف ورقة إِلَّا أَرْبعا وَعشْرين ورقة من الْقطع الْكَبِير بِلَا هَامِش.
وَسمعت من لَفظه مَا حَرَّره فِي أول بَاب الْمسْح على الْخُفَّيْنِ وَجعل على الكتا ب الْمَذْكُور ذيلاً على نمط كتاب تَهْذِيب الْأَسْمَاء واللغات يذكر فِيهِ تَرْجَمَة لكل من نقل عَنهُ شَيْء من الْعلم فِي الْكتاب الْمَذْكُور ويستوفي الْكَلَام على مَا فِي الْكتاب الْمَذْكُور من اللُّغَات وضبطها وعزمه أَن يضمه إِلَى الْكتاب الْمَذْكُور ليَكُون فِي آخِره وَيعود كِلَاهُمَا كتابا وَاحِدًا.
ولي تدريس الْفِقْه بالجامع الناصري بقلعة الْجَبَل وَهُوَ أول من تكلم بِهِ فِي الْعلم الشريف فِي سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَولي بعده تدريس الْمدرسَة القطبية الْكُبْرَى فِي بعض شهور سنة أَربع وَعشْرين وَسَبْعمائة وَولي تدريس التَّفْسِير بالجامع الطولوني فَكَانَ شَيْخه أثير الدّين فِي ربيع الأول سنة خمسٍ وَأَرْبَعين وسبعائة وَولي قَضَاء مصر فِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة ثَمَان وَعشْرين وَسَبْعمائة.
وأجازني رِوَايَة مَا يجوز لَهُ تسميعه متلفظاً بذلك فِي الْمدرسَة القطبية الْكُبْرَى دَاخل الْقَاهِرَة فِي ثامن عشْرين شهر رَمَضَان الْمُعظم سنة خمس وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة وأنشدني من لَفظه لنَفسِهِ من الْكَامِل : قسما بِمَا أوليتم من فَضلكُمْ .. للْعَبد عِنْد قوارع الْأَيَّام .. مَا غاض مَاء وداده وثنائه .. بل ضاعفته سحائب الإنعام.
وَأول مَا اجْتمعت بِهِ فِي الْمدرسَة الشريفية بِالْقَاهِرَةِ وَقد رحت مَعَ أَمِير حُسَيْن لوداع الشَّيْخ عَلَاء الدّين القونوي وَقد رسم لَهُ بالتوجه لقَضَاء الشَّام وَكَانَ ذَلِك فِي أَوَائِل دخولي إِلَى الْقَاهِرَة فَالْتَفت إِلَيّ وَقَالَ مَوْلَانَا هُوَ الَّذِي حضر مَعَ الْأَمِير كَاتب درج من الشَّام قلت نعم فَقَالَ يَا مَوْلَانَا مَا تسْأَل أَنْت عَن مَرْفُوع وَلَا مَنْصُوب وَلَا مجرور فَقلت بِمَ يرسم مَوْلَانَا فَقَالَ كَيفَ يبْنى سفرجلٌ من عنكبوت وعنكبوتٌ من سفرجل فَقلت الْقَاعِدَة فِي ذَلِك أَن تحذف الزَّوَائِد من كل اسْم وتبني الصِّيغَة الْمَطْلُوبَة من الْأُصُول فَقَالَ كَيفَ يُقَال فِي ذَلِك فَقلت أما عنكبوت من سفرجل فَتَقول فِيهِ عنكببٌ لِأَن الْوَاو وَالتَّاء زائدتان وَأما سفرجل من عنكبوت فَتَقول فِيهِ سفرجول “.
وذكره ابن تغري بردي في كتابه المنهل الصافي والمستوفي بعد الوافي فقال : ” بهاء الدين بن عقيل .. عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله بن محمد بن محمد بن عقيل العلامة قاضي القضاة بهاء الدين أبو محمد الحلبي البالسي الأصل القرشي الهاشمي الشافعي المعروف بابن عقيل الفقيه النحوي نزيل القاهرة.
ومولده سنة ثمان وتسعين وستمائة في المحرم وينتهي نسبه إلى عقيل بن أبي طالب ، ثم قدم القاهرة وتفقه بها ولازم الاشتغال إلى أن صار إماماً بارعاً مفنناً ولازم الشيخ أبا حيان في ابتداء أمره حتى صار من أعيان تلامذته وشهد له بالفضل حتى أنه قال مرة : ما تحت خضراء السماء أنحى من ابن عقيل.
ثم اشتغل على القونوي في العربية أيضاً والفقه وعلى القزويني وولي عنه الحكم وأخذ القراءات السبع عن الشيخ تقي الدين بن الصايغ وأخذ عن القونوي أيضاً الأصول والخلاف والمنطق وسمع من التحصيل جملة كبيرة وقرأ عليه تلخيص المفتاح في المعاني والبيان ولازم الشيخ زين الدين مدة.
ثم ولي قضاء القضاة بالديار المصرية في يوم الخميس ثامن جمادى الأولى سنة تسع وخمسين وسبعمائة عوضاً عن العز بن جماعة ، وسبب ذلك أن الشيخ بهاء الدين هذا كان يلي الحكم نيابة عن ابن جماعة مدة ثم عزله ابن جماعة بما وقع منه في حق القاضي موفق الدين الحنبلي في جمع حضره أعيان العلماء فجرى البحث بين موفق الدين المذكور وبين بهاء الدين هذا حتى أدى إلى الإساءة فعند ذلك غضب عز الدين بن جماعة لرفيقه وعزل الشيخ بهاء الدين وذلك في صفر سنة أربع وأربعين وسبعمائة.
وكان الشيخ بهاء الدين إماماً عالماً بالفقه والعربية والمعاني والبيان والتفسير والأصول قارئاً بالسبع حسن الخط ، إلا أنه كان قوي النفس فلذلك جرى منه في حق موفق الدين ما ذكرناه فلما عزل بهاء الدين فغضب له الأمير صرغتمش وولاه القضاء وعزل ابن جماعة فباشر الشيخ بهاء الدين القضاء نحو ثمانين يوماً وعزل وأعيد ابن جماعة وذلك بعد أن أمسك الأمير صرغتمش.
قال الأسنوي في طبقاته : وطرأت في تلك الأيام اللطيفة أمور غريبة علم الناس فيها مقدار الرجلين ، ثم قل : وكان الشيخ بهاء الدين حاد المزاج والخلق بحيث يؤديه ذلك غالباً إلى ما لا يليق ، ثم قال : وقرأ بالسبع على ابن الصايغ ودرس بالمدرسة القطبية العتيقة بالقاهرة ودرس التفسير بالجامع الطولوني ودرس الفقه بجامع القلعة ثم درس في آخر عمره بالزاوية الكبرى بالجامع العتيق بمصر وهو المكان الذي كان الشافعي يدرس فيه وشرح الألفية لابن مالك والتسهيل شرحين حسنين متوسطين وشرع في تفسير مطول وصل فيه إلى أثناء سورة النساء ، انتهى كلام الإسنوي باختصار.
قلت : وسمع الشيخ بهاء الدين على جماعة من مشايخ عصره منهم الشيخ شرف الدين بن الصابوني وقاضي القضاء بدر الدين بن جماعة والحجار وست الوزراء وخلائق ، وأملى على أولاد قاضي القضاة جلال الدين شرحاً على ألفية بن مالك وشرحاً لتسهيل ابن مالك أيضاً وصنف في الفقه مختصراً من الرافعي لم يفته شيئاً من مسائله ولا من خلاف المذهب وضم إليه زوائد الروضة والتنبيه على ما خالف النووي.
والشيخ بهاء الدين هذا هو حمو الشيخ سراج الدين عمر البلقيني وجد ولديه العلامة بدر الدين محمد وقاضي القضاة جلال الدين عبد الرحمن ، قلت : وكانت وفاة الشيخ بهاء الدين المذكور في ليلة الأربعاء الثالث والعشرين من شهر ربيع الأول سنة تسع وستين وسبعمائة ودفن بالقرافة قريباً من تربة الشافعي رضي الله عنه ، انتهى “.
وذكره ابن حجر العسقلاني في الدرر الكامنة فقال : ” وَكَانَ قوي النَّفس يتيه على أَرْبَاب الدولة وهم يخضعون لَهُ يعظمونه وَقد درس بالقطبية وَغَيرهَا ودرس بِجَامِع القلعة ولي الزاوية الخشابية بعد عز الدّين ابْن جمَاعَة وَكَانَ يتعاني التأنق الْبَالِغ فِي ملبسه ومأكله ومسكنه وَمَات وَعَلِيهِ دين وَكَانَ لَا يبقي على شَيْء رَحمَه الله ..
ودرس بأماكن مِنْهَا التَّفْسِير بالجامع الطولوني قلت ختم فِيهِ الْقُرْآن تَفْسِيرا فِي مُدَّة ثَلَاث وَعشْرين سنة ثمَّ شرع من أول الْقُرْآن بعد ذَلِك فَمَاتَ فِي أثْنَاء ذَلِك وَشرح الألفية والتسهيل وهما معروفان وَقطعَة من التَّفْسِير وَكَانَ عَزله فِي رَمَضَان مِنْهَا وَكَانَ شرع فِي كتاب مطول سَمَّاهُ تيسير الاستعداد لرتبة الِاجْتِهَاد وَسَماهُ التأسيس لمَذْهَب ابْن إِدْرِيس أَطَالَ فِيهِ النَّفس جدا.
وَكَانَ جواداً مهيباً لَا يتَرَدَّد إِلَى أحد وَلَا يَخْلُو من كثير من النَّاس يتَرَدَّد إِلَيْهِ وَلما عزل ابْن جمَاعَة لم يعْزل من شَيْء من التداريس بل عوض عَن مَعْلُوم الْقَضَاء من الجوالي فِي كل شهر بِأَلف دِرْهَم وَجَاء إِلَى القَاضِي بهاء الدّين إِلَى منزله فهنأه ثمَّ جَاءَهُ ابْن عقيل بعد ذَلِك إِلَى منزله فَجَلَسَ بَين يَدَيْهِ وَقَالَ أَنا نائبك.
وَقَالَ شَيخنَا ابْن الْفُرَات وَكَانَ الْقُضَاة قبله أمروا أَن لَا يكْتب أحد من الشُّهُود وَصِيَّة إِلَّا بأذن القَاضِي فَأبْطل ذَلِك وَقَالَ إِلَى أَن يحصل الْأذن قد يَمُوت الرجل ، قَالَ وَفرق على الْفُقَرَاء والطلبة فِي ولَايَته مَعَ قصرهَا نَحْو سِتِّينَ ألف دِرْهَم يكون اكثر من ثَلَاثَة آلَاف مِثْقَال ذَهَبا وَوَقعت فِي ولَايَته وَصِيَّة بِمِائَة ألف وَخمسين ألف دِرْهَم ففرقها كلهَا من دِينَار إِلَى عشرَة وَمَا بَين ذَلِك “.

54 / نثر الجمان في تراجم الأعيان
(نثر الجمان في تراجم الأعيان) هو عنوان الكتاب الذي كتبه المؤلف أبو العباس أحمد بن محمد بن علي الهمداني الفيومي وترجم فيه لمشاهير عصره من الشيوخ والأعيان خاصة في النصف الأول من القرن الثامن الهجري ، ومخطوطة الكتاب لها نسخة محفوظة في دار الكتب المصرية برقم 1746 ، وله عدة مؤلفات أخرى منها كتاب المصباح المنير في غريب الشّرح الكبير وكتاب ديوان خطب وكتاب شرح عروض ابن الحاجب وكتاب مختصر معالم التّنزيل للبغويّ.
ولد المؤلف في الفيوم عام 689 هـ / 1291 م وتوفي في حماه عام 770 هـ / 1368 م ويرجع في نسبه إلى قبيلة همدان اليمنية التي دخلت مصر مع الفتح الإسلامي ، تلقى علومه الأولى في الفيوم وبرع في العربية ثم درس القراءات والفقه الشافعي وتتلمذ في القاهرة على يد أبي حيان الغرناطي المتوفي عام 745 هـ واشتهر بفصاحته في الخطابة ، ثم رحل إلى مدينة حماه ودخل في خدمة صاحبها الملك المؤيد عماد الدين أبي الفداء إسماعيل الأيوبي المتوفي عام 672 هـ.
وعندما أنشأ الملك المؤيد جامع الدَّهْشَة في شعبان سنة 727هـ ندب الفيُّومي إلى الخطابة فيه ولذلك عرف بلقب (خطيب الدهشة) ، وفي عام 750 هـ ولد له ابنه القاضي أبو الثناء محمود بن أحمد الهمداني المعروف بلقب (ابن خطيب الدهشة) والمتوفي في حماه عام 834 هـ ، وقد كتب المؤلف ديوان خطبه في عام 727 هـ وكتب كتابه المصباح المنير في غريب الشرح الكبير في عام 734 هـ وكتب كتاب نثر الجمان في تراجم الأعيان في عام 745 هـ.
وقد اهتم المؤلف في الكتاب بالأحداث الهامة التي عاشها بنفسه ومنها على سبيل المثال وصفه لوفاة شيخ الإسلام ابن تيمية في حوادث سنة 728 هـ فقال عنها : ” وفيها في الثلث الأخير من ليلة الاثنين المسْفِر صباحُها عن العشرين من ذي القَعْدة كانت وفاة الشَّيخ الإمام العالم الورع الزاهد تقي الدِّين أحمد بن الشَّيخ الإمام شهاب الدِّينعبد الحليم بن الشَّيخ مجد الدِّين أبي البركات عبد السَّلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد بن تَيْميَّة الحَرَّاني ثمَّ الدِّمشقي ، في مُعْتَقَلِه بقلعة دمشق.
وكان مدّة المرض سبعة عشر يومًا ، ولما مُنِع من الكتابة والتصنيف عكف على تلاوة كتاب الله العزيز فيُقال إنَّه قرأ ثمانين ختمة وقرأ من الحادِية والثَّمانين إلى سورة الرَّحمن وأكملها أصحابه الَّذين دخلوا عليه حال غسيله وتكفينه ، وتولّى غسيله مع الغاسل الشَّيخ تاج الدِّين الفارقي وصُلِّي عليه في عدَّة مواضع فصُلِّي عليه أوَّلًا بقلعة دمشق وأمَّ النَّاس في الصَّلاة عليه الشَّيخ محمد بن تمام الصّالحي الحنبلي.
ثمَّ حُمِل إلى الجامع الأموي ووضعت جنازته في أول السَّاعة الخامسة وامتلأ الجامع بالنّاس وغلقت أسواق المدينة وصلّي عليه بعد صلاة الظهر ، ثمَّ حُمِل وأُخرج من باب الفرج وازدحم النَّاس حتَّى تفرقوا في الأبواب فخرجوا من باب القصر، وباب الفراديس وباب الجابية وامتلأ سوق الخيل بالنّاس وصُلِّي عليه مرَّة ثالثة وأمَّ النَّاس في الصلاة عليه أخوه الشَّيخ زين الدِّين عبد الرحمن ، وحُمل إلى مقبرة الصوفيَّة فدُفِن بها قريبًا من وقت العصر؛ لازدحام النَّاس عليه.
ومولده بحرَّان في يوم الاثنين عاشر ربيع الأوَّل سنة إحدى وستين وست مئة وقدم مع والده في حال صِغر سنّه واشتغل عليه وسمع من جماعة من المشايخ ، وكان شيخًا حافظًا ذكي الفطرة حسن البديهة وله تصانيف كثيرة منها ما ظهر ومنها ما لم يظهر وله مظهر بالعلوم وشهرة بها يُسْتغنى بها عن بسط القول ، سمعت من لفظ الشَّيخ الإمامة العلامة ركن الدِّين محمد بن القويع قال : مات ابن تَيْميَّة ولم يترك على ظهر الأرض مثله ، وحسبك بهذا القول من هذا الإمام ، قالوا : وكان علمه أرجح من عقله !
وقد تقدَّم من أخباره ووقائعه ما يُغني عن الإعادة والإطالة ، وكانت مدّة اعتقاله من يوم الاثنين سادس شعبان سنة ستٍ وعشرين وسبع مئة وإلى حين وفاته سنتين وثلاثة أشهر وأربعة عشر يومًا رحمه الله تعالى ، ولما توفي أُفرج عن أخيه الشَّيخ زين الدِّين عبد الرَّحمن يوم الأحد سادس عشرين ذي القعدة وكان قد اعْتُقِل معه فلما مات صار يخرج في كلِّ يوم من اعتقاله إلى تربة أخيه ويقيم بها إلى عشية النَّهار فيعود إلى القلعة ويبيت فيها ، وكان النَّائب غائبًا في الصَّيد فلما عاد إلى دمشق أفرج عنه رحمه الله تعالى ونفع به “.
وقد تمتع الفيومي بأسلوب أدبي رفيع يظهر في كتابه المصباح المنير الذي اشتهر به حيث تناول بالتحليل كتاب شرح الوجيز للرافعي القزويني المتوفي عام 623 هـ والذي شرح فيه كتاب الوجيز الذي كتبه حجة الإسلام أبو حامد الغزالي المتوفي عام 505 هـ والذي يعد أحد المراجع الكبرى في الفقه الشافعي.
ويقول المؤلف في مقدمته عن ذلك : ” بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ .. مُقَدِّمَةٌ ، قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْعَلَّامَةُ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْفَيُّومِيُّ الْمُقْرِي رَحِمَهُ اللَّهُ آمِينَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَصَلَاتُهُ وَسَلَامُهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ أَشْرَفِ الْمُرْسَلِينَ وَخَاتَمِ النَّبِيِّينَ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
وَبَعْدُ ، فَإِنِّي كُنْتُ جَمَعْتُ كِتَابًا فِي غَرِيبِ شَرْحِ الْوَجِيزِ لِلْإِمَامِ الرَّافِعِيِّ وَأَوْسَعْتُ فِيهِ مِنْ تَصَارِيفِ الْكَلِمَةِ وَأَضَفْتُ إلَيْهِ زِيَادَاتٍ مِنْ لُغَةِ غَيْرِهِ وَمِنْ الْأَلْفَاظِ الْمُشْتَبِهَاتِ وَالْمُتَمَاثِلَاتِ وَمِنْ إعْرَابِ الشَّوَاهِدِ وَبَيَانِ مَعَانِيهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا تَدْعُو إلَيْهِ حَاجَةُ الْأَدِيبِ الْمَاهِرِ.
قَسَمْتُ كُلَّ حَرْفٍ مِنْهُ بِاعْتِبَارِ اللَّفْظِ إلَى أَسْمَاءٍ مُنَوَّعَةٍ إلَى مَكْسُورِ الْأَوَّلِ وَمَضْمُومِ الْأَوَّلِ وَمَفْتُوحِ الْأَوَّلِ وَإِلَى أَفَعَالٍ بِحَسَبِ أَوْزَانِهَا فَحَازَ مِنْ الضَّبْطِ الْأَصْلَ الْوَفِيَّ وَحَلَّ مِنْ الْإِيجَازِ الْفَرْعَ الْعَلِيَّ ؛ غَيْرَ أَنَّهُ افْتَرَقَتْ بِالْمَادَّةِ الْوَاحِدَةِ أَبْوَابُهُ فَوَعَرَتْ عَلَى السَّالِكِ شِعَابُهُ وَامْتُدِحَتْ بَيْنَ يَدَيْ الشَّادِي رِحَابُهُ فَكَانَ جَدِيرًا بِأَنْ تَنْبَهِرَ دُونَ غَايَتِهِ فَجَرَّ إلَى مَلَلٍ يَنْطَوِي عَلَى خَلَلٍ فَأَحْبَبْتُ اخْتِصَارَهُ عَلَى النَّهْجِ الْمَعْرُوفِ وَالسَّبِيلِ الْمَأْلُوفِ لِيَسْهُلَ تَنَاوُلُهُ بِضَمِّ مُنْتَشِرِهِ وَيُقْصَرُ تَطَاوُلُهُ بِنَظْمِ مُنْتَثِرِهِ.
وَقَيَّدْتُ مَا يَحْتَاجُ إلَى تَقْيِيدٍ بِأَلْفَاظٍ مَشْهُورَةِ الْبِنَاءِ فَقُلْتُ مِثْلُ فَلْسٍ وَفُلُوسٍ وَقُفْلٍ وَأَقْفَالٍ وَهَمْلٍ وَإِهْمَالٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، وَفِي الْأَفْعَالِ مِثْلُ ضَرَبَ يَضْرِبُ أَوْ مِنْ بَابِ قَتَلَ وَشِبْهِ ذَلِكَ ، لَكِنْ إنْ ذُكِرَ الْمَصْدَرُ مَعَ مِثَالٍ دَخَلَ فِي التَّمْثِيلِ وَإِلَّا فَلَا.
مُعْتَبِرًا فِيهِ الْأُصُولَ مُقَدِّمًا الْفَاءَ ثُمَّ الْعَيْنَ لَكِنْ إذَا وَقَعَتْ الْعَيْنُ أَلِفًا وَعُرِفَ انْقِلَابُهَا عَنْ وَاوٍ أَوْ يَاءٍ فَهُوَ ظَاهِرٌ، وَإِنْ جُهِلَ وَلَمْ تَمَلَّ جَعَلْتُهَا مَكَانَ الْوَاوِ لِأَنَّ الْعَرَبَ أَلْحَقَتْ الْأَلِفَ الْمَجْهُولَةَ بِالْمُنْقَلِبَةِ عَنْ الْوَاوِ فَفَتَحَتْهَا وَلَمْ تَمَلَّهَا فَكَانَتْ أُخْتُهَا نَحْوَ الْخَامَةِ وَالْآفَةِ، وَإِنْ وَقَعَتْ الْهَمْزَةُ عَيْنًا وَانْكَسَرَ مَا قَبْلَهَا جَعَلْتُهَا مَكَانَ الْيَاءِ نَحْوُ الْبِيرِ وَالذِّيبِ وَإِنْ انْضَمَّ مَا قَبْلَهَا جَعَلْتُهَا مَكَانَ الْوَاوِ لِأَنَّهَا تُسَهَّلُ إلَيْهَا نَحْوُ الْبُؤْسِ.
وَكَذَا إنْ انْفَتَحَ مَا قَبْلَهَا لِأَنَّهَا تُسَهَّلُ إلَى الْأَلِفِ وَالْأَلِفُ الْمَجْهُولَةُ كَوَاوٍ كَالْفَأْسِ وَالرَّأْسِ، عَلَى أَنَّهُمْ قَالُوا الْهَمْزَةُ لَا صُورَةَ لَهَا وَإِنَّمَا تُكْتَبُ بِمَا تُسَهَّلُ إلَيْهِ وَإِذَا كَانَ الْبِنَاءُ يُسْتَعْمَلُ فِي لَفْظَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ قَيَّدْتُهُ أَوَّلًا ثُمَّ ذَكَرْتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ اسْتِغْنَاءً بِمَا سَبَقَ نَحْوُ أَنِفَ مِنْ الشَّيْءِ بِالْكَسْرِ إذَا غَضِبَ وَأَنِفَ إذَا تَنَزَّهَ عَنْهُ وَإِنْ اخْتَلَفَ الْبِنَاءُ قَيَّدْتُهُ وَاقْتَصَرْتُ مِنْ تِلْكَ الزِّيَادَاتِ عَلَى مَا هُوَ الْأَهَمُّ وَلَا يَكَادُ يُسْتَغْنَى عَنْهُ.
وَأَمَّا الْأَسْمَاءُ الزَّائِدَةُ عَلَى الْأُصُولِ الثَّلَاثَةِ فَإِنْ وَافَقَ ثَالِثُهَا لَامَ ثُلَاثِيٍّ ذَكَرْتُهُ فِي تَرْجَمَتِهِ نَحْوُ الْبُرْقُعِ فَيُذْكَرُ فِي بَرَقَ وَإِنْ لَمْ يُوَافِقْ لَامَ ثُلَاثِيٍّ فَإِنَّمَا أَلْتَزِمُ فِي التَّرْتِيبِ الْأَوَّلَ وَالثَّانِيَ وَأَذْكُرُ الْكَلِمَةَ فِي صَدْرِ الْبَابِ مِثْلُ إصْطَبْلٍ وَأَعْلَمُ أَنِّي لَمْ أَلْتَزِمْ ذِكْرَ مَا وَقَعَ فِي الشَّرْحِ وَاضِحًا وَمُفَسَّرًا وَرُبَّمَا بِمَا ذَكَرْتُهُ تَنْبِيهًا عَلَى زِيَادَةِ قَيْدٍ نَحْوِهِ (وَسَمَّيْتُهُ بِالْمِصْبَاحِ الْمُنِيرِ فِي غَرِيبِ الشَّرْحِ الْكَبِيرِ) ، وَاَللَّهَ تَعَالَى أَسْأَلُ أَنْ يَنْفَعَ بِهِ إنَّهُ خَيْرُ مَأْمُولٍ “.
وقد ذكره حاجي خليفة في كتابه سلم الوصول إلى طبقات الفحول فقال : ” الشيخ الإِمام أبو العباس أحمد بن محمد بن علي المقري المعروف بالفَيُّومي الحموي صاحب المصباح المنير في غريب شرح الكبير جمع فيه غريب شرح الوجيز وأوسع فيه ثم اختصر وفرغ من تعليقه في شعبان سنة أربع وثلاثين وسبعمائة “.
وذكره أبو العبّاس أحمد بن محمّد المكناسى الشّهير بابن القاضى في كتابه ذيل وفيات الأعيان المسمى درّة الحجال في أسماء الرّجال فقال : ” أحمد بن محمد الفيومى ثم الحموى أخذ عن أبى حيّان ثم قطن حماة وخطب بجامع الدهشة وكان فاضلا عارفا بالفقه واللغة صنف المصباح المنير فى غريب الشرح الكبير ، فى الدرر : أنه كثير الفائدة حسن الايراد وقد نقل غالبه ولده فى كتاب تهذيب المطلع ، توفى سنة نيف و 770 “.

55 / معيد النعم ومبيد النقم
(معيد النعم ومبيد النقم) هو عنوان الكتاب الذي ألفه الفقيه الشافعي وقاضي القضاة الإمام تاج الدين عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي السبكي الأنصاري الذي ولد في القاهرة عام 727 هـ / 1327 م وتوفي في دمشق عام 771 هـ / 1370 م ودفن في سفح جبل قاسيون في مقبرة السبكية ، والده هو الإمام تقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي قاضي قضاة الشام وجده زين الدين عبد الكافي بن علي السبكي قاضي قضاة المحلة الكبرى بالغربية.
اشتهر تاج الدين السبكي بتأليف كتابه الموسوعي (طبقات الشافعية الكبرى) الذي أرخ فيه لأعلام المذهب الشافعي على مدار التاريخ وفي كافة البلاد من أول الإمام الشافعي وتلاميذه المقربين وحتى فقهاء المذهب في القرن الثامن الهجري ، وله مؤلفات أخرى عديدة منها كتاب الأشباه والنظائر وكتاب الإبهاج في شرح المنهاج وكتاب ترشيح التوشيح وتوضيح الترجيح وكتاب رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب وكتاب قاعدة في الجرح والتعديل وكتاب قاعدة في المؤرخين وكتاب معجم الشيوخ.
أما كتابه (معيد النعم ومبيد النقم) فقد وضع فيه خلاصة تجربته الحياتية في العمل الوظيفي بمهنة القضاء حيث تعرض لمحن كثيرة بسبب اختلافه مع الأمراء المماليك فكتب هذا الكتاب قاصدا به النصيحة الخالصة لكل أرباب المهن في الدولة وما يجب على صاحب كل وظيفة من واجبات وأخلاقيات ومسئوليات تجاه مهنته وتجاه الناس ، وقد بدأ فيها بالخليفة والسلطان ثم النواب والحاشية ثم الأمراء والقضاة وسائر أرباب المهن وذلك في إطار نقدي.
ورغم أن الكتاب يحمل مسحة وعظية إلا أن له قيمة تاريخية كبرى حيث نقل لنا صورة حية عن طبيعة العمل الإداري في السلطنة المملوكية في القرن الثامن الهجري وما طرأ على المجتمع من متغيرات ومشكلات سببها صراع الأمراء المماليك على النفوذ والتي تسببت بعد ذلك في إنهاء حكم أسرة قلاوون وتسلم المماليك الجراكسة حكم السلطنة ، وهو في الكتاب يعتبر الوظيفة والمنصب نعمة إذا أخذت بحقها ونقمة إذا لم تكن كذلك.
ويبدأ الكتاب بمقدمة يقول فيها : ” بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، قال الشيخ الإِمام العلَّامة قاضي القضاة شيخ الإِسلام تاج الدين السبكي الشافعي تغمَّده اللَّه تعالى برحمته : أمَّا بعد حمد اللَّه معيد النعم ومبيد النِقم بمزيد الشكر ومديد الكرم والصلاة والسلام على نبيِّه سيدنا محمد خير العرب والعجم والهادي إلى أرشد طريق وأقوم أُمَم وعلى آله وأصحابه وصالحي أمته خير الأمَم.
فقد ورد عليَّ سؤال مضمونه : هل من طريق لمن سلُب نعمة دينية أو دنيوية إذا سلكها عادت إليه ورُدَّت عليه ؟ فكان الجواب : طريقه أن يعرف من أين أتى فيتوبُ منه ويعترف بما في المحنة بذلك من الفوائد فيرضى بها ثم يتضرَّع إلى اللَّه تعالى بالطريق التي تذكرها ، هذه ثلاثة أمور هي طريقه التي يحصل بمجموعها دواءُ مرضه ويعقُبها زوال علَّته بعضها مرتَّب على بعض لا يتقدَّم ثالثها على ثانيها ولا ثانيها على أولها.
فعاد إليّ السائل قائلًا : اشرح لنا هذه الأمور شرحًا مبينًا مختصرًا وصِف لنا هذا الدواء وصفًا واضحًا؛ لنستعمله ، فقلت: هذا سرٌّ غريب جمهور الخلق لا يحيطون بعلمه ونبأ عظيم أكثر الناس معرِضون عن فهمه لاستيلاء الغفلة على القلوب ولغلبة الجهل بما يجب للربّ على المربوب.
وأنا أبحث عن هذه الأمور في هذا المجموع الذي سمّيته : (معيد النعم ومبيد النقم) بحثًا مختصرًا لا أرخِي فيه عِنان الإِطناب فإنَّه بحر لا ساحل له لو ركبت فيه الصعب والذلول وشمَّرت فيه عن ساق البيان وخضت فيه لجج الدقائق لذكرت ما يعسر فهمه على أكثر الخلائق ولانتهينا إلى ما لم يؤذن لنا في إظهاره من الأسرار العلمية ، وإنَّما أذكر من ذلك ما تشترك الخاصة والعامَّة في فهمه وأخصُّ فيه النعم الدنيوية إذ كانت محطَّ غرض السائل عسى اللَّه أن ينبِّهه بها للنعم الأخروية إذ هي غاية الوسائل.
وأنا أرجو أن من كانت عنده نعمة للَّه تعالى في دينه أودنياه وزالت فنظرَ هذا الكتاب نظر معتقد وفهمه وعمل بما تضمَّنه بعد الاعتقاد عادت إليه تلك النعمة أو خير منها وزالَ همَّه بأجمعه وانقلبَ فرحًا مسرورًا فمن شكَّ فليستعمل هذا الدواء لا على قصد التجربة والافتقاد ونظرَ الاختبار والانتقاد بل بحسن الظنِّ وجميل الاعتقاد فإنه عند ذلك يظفر بغاية المراد ، أسأل اللَّه أن يصرف إليه عزمة مستحقيه ويصرف عنه هِمَّة من لا يستحقه ولا يدريه “.
ويقول في ثنايا الكتاب : ” إذا ولَّاك اللَّه تعالى أمرًا على الخلق فعليك البحث عن الرعيَّة والعدلَ بينهم في القضية والحكم فيهم بالسويّة ومجانبة الهوى والميل وعدم سماع بعضهم في بعض إلَّا أن يأتي بحجة مبينة وعدم الركون إلى الأسبق فإن وجدت نفسك تصغي إلى الأسبق وتميلُ إلى صدقه فاعلم أنك ظالم للخلق وأنَّ قلبك إلى الآن متقلّب مع الأغراض يُميله الهوى كيف شاء وإن وجدت الأسبق والآخر سواء إلَّا من جاء بحق فأنت أنت ، وقد اعتبرتُ كثيرًا من الأتراك فوجدتهم يميلون إلى أول شاكّ وما ذاك إلَّا للغفلة المستولية على قلوبهم التي صيّرت قلوبهم كالأرض الترابية التي لم تروَ بالماء “.
ويقول عن الحاشية : ” إذا كنت مقبول الكلمة عند ولي الأمر فالمطلوب منك أن تنصحه وتنهى إليه ما يصحّ ويثبت عندك من حال الرعايا وتساعد عنده على الحقّ بما تصل إليه قدرتك ولا يكن حظّك منه الاقتصار على حُطَام تجمعه لنفسك أو دنيا تضمها إليك فإن ذلك سبب زواله عنك بل المقتضى لدوام ما عندك منه ما ذكرناه من النصيحة والمساعدة في الحق لتدوم لك نعمتُه التي هي سبب نعمتك ومودَّته التي بها وَصَلت إلى ما وصلت وليدوم لك منه ما أسده إليك “.
ويقول عن القضاة : ” قبول الهدايا من أقبح ما يرتكبه القضاة فلنسد بابها بالكلية وقد علم أن مذهب الشافعي رضي اللَّه تعالى عنه أنَّه لا يجوز له أن يقبل الهدية ممَّن لم تكن له عادة أن يهاديه قبل ولايته القضاء ولا ممَّن كانت له عادة ما دامت له حكومة ، والمذاهب في المسألة معروفة وأنا أعتقد أنَّه يحرم على القاضي قبول هدية من يُهدِي للقاضي في العرف ليستميل خاطره لقضاء أرَبه وذلك يشمل كل من هو دون القاضي ومن هو مثله ممَّن قد يحتاج إلى القاضي وكثيرًا ممَّن هو فوقه “.
ويقول عن المحتسب : ” المحتسب وعليه النظر في القوت وكشف غُمَّة المسلمين فيما تدعو إليه حاجتهم من ذلك والاحتراز في المشروب فطالما أَوهم الخمَّار أنه فُقّاعي أو أَقْسِماوِيّ والطعام فطالما أوهم الطبّاخ أنَّ لحم الكلاب لحم ضأن فليتَّق اللَّه ربَّه ولا يكن سببًا في إدخال جوف المسلمين ما كرهه اللَّه لهم من الخبائث ، ويحرِّم عليه التسعير في كل وقت على الصحيح وقيل يجوز في زمان الغلاء وقيل يجوز إذا لم يكن مجلوبًا بل كان مزروعًا في البلد وكان عند الشتاء ، وإذا سعَّر الإِمام انقادت الرعيَّة لحكمه ومن خالفه استحقَّ التعزير “.
وقال عن مهنة التدريس : ” المدرِّس : وحقّ عليه أن يُحسن إلقاء الدرس وتفهيمه للحاضرين ئم إن كانوا مبتدئين فلا يلقي عليهم ما لا يناسبهم من المشكلات بل يدرِّبهم ويأخذهم بالأهون فالأهون إلى أن ينتهوا إلى درجة التحقيق وإن كانوا منتهين فلا يلقي عليهم الواضحات بل يدخل بهم في مشكلات الفقه ويخوض بهم عُبَابه الزاخر ، ومن أقبحِ المنكرات مدرّس يحفظ سطرين أو ثلاثة من كتاب ويجلس يلقيها ثم ينهض فهذا إن كان لا يقدر إلَّا على هذا القدر فهو غير صالح للتدريس ولا يحلُّ له تناول معلومه وقد عطَّل الجهة لأنه لا معلوم لها “.
وقال عن مهنة الطب : ” الطبيب : ومن حقِّه بذل النصح والرفق بالمريض وإذا رأى علامات الموت لم يكره أن ينبه على الوصية بلطف من القول وله النظر إلى العورة عند الحاجة بقدر الحاجة ، وأكثر ما يؤتي الطبيب من عدم فهمه حقيقة المرض واستعجاله في ذكر ما يصفه وعدم فهمه مزاج المريض وجلوسه لطبّ قبل الناس استكماله الأهليّة ؛ قال بعض الشعراء : أفنى وأعمى ذا الطبيبُ بطبه .. وبكحله الأحياء والبُصَرَاءَ .. فإذا نظرت رأيت من عميانه .. أممًا على أمواته قُرَّاءَ “.
ترجم له ابن حجر العسقلاني في كتابه الدرر الكامنة بأعيان المئة الثامنة فقال : ” عبد الْوَهَّاب بن عَليّ بن عبد الْكَافِي بن عَليّ بن تَمام السُّبْكِيّ أَبُو نصر تَاج الدّين ابْن تَقِيّ الدّين ولد سنة 727 وَأَجَازَ لَهُ ابْن الشّحْنَة وَيُونُس الدبوسي واسمع على يحيى ابْن الْمصْرِيّ وَعبد المحسن الصَّابُونِي وَابْن سيد النَّاس وَصَالح بن مُخْتَار وَعبد الْقَادِر ابْن الْمُلُوك وَغَيرهم ثمَّ قدم مَعَ وَالِده دمشق سنة 39 فَسمع بهَا من زَيْنَب بنت الْكَمَال وَابْن أبي الْيُسْر وَغَيرهمَا وَقَرَأَ بِنَفسِهِ على الْمزي ولازم الذَّهَبِيّ.
وَتخرج بتقي الدّين ابْن رَافع وأمعن فِي طلب الحَدِيث وَكتب الْأَجْزَاء والطباق مَعَ مُلَازمَة الِاشْتِغَال بالفقه وَالْأُصُول والعربية حَتَّى مهر وَهُوَ شَاب وَخرج لَهُ ابْن سعد مشيخة حدث بهَا وأجاد فِي الْخط وَالنّظم والنثر وَشرح مُخْتَصر ابْن الْحَاجِب ومنهاج الْبَيْضَاوِيّ وَعمل فِي الْفِقْه التوشيح والترشيح ولخص فِي الْأُصُول جمع الْجَوَامِع وَعمل عَلَيْهِ منع الْمَوَانِع وَعمل الْقَوَاعِد الْمُشْتَملَة على الاشباه والنظائر.
وَكَانَ ذَا بلاغة وطلاوة اللِّسَان عَارِفًا بالأمور وانتشرت تصانيفه فِي حَيَاته ورزق فِيهَا السعد وَعمل الطَّبَقَات الْكُبْرَى وَالْوُسْطَى وَالصُّغْرَى وَكَانَ جيد البديهة طلق اللِّسَان أذن لَهُ ابْن النَّقِيب بالإفتاء والتدريس ودرس فِي غَالب مدارس دمشق وناب عَن أَبِيه فِي الحكم ثمَّ اسْتَقل بِهِ بِاخْتِيَار أَبِيه وَولي دَار الحَدِيث الأشرفية بِتَعْيِين أَبِيه وَولي توقيع الدست فِي سنة 754 وَولي خطابة الْجَامِع.
وانتهت إِلَيْهِ رياسة الْقَضَاء والمناصب بِالشَّام وَحصل لَهُ بِسَبَب الْقَضَاء محنة شَدِيدَة مرّة بعد مرّة وَهُوَ مَعَ ذَلِك فِي غَايَة الثَّبَات وَلما عَاد إِلَى منصبه صفح عَن كل من أَسَاءَ إِلَيْهِ وَكَانَ جواداً مهيباً وَكَانَ أول مَا ولي الْقَضَاء فِي حَيَاة أَبِيه فِي ربيع الأول سنة 57 ثمَّ عزل فِي شعْبَان سنة 9 ووليه أَبُو الْبَقَاء ثمَّ أُعِيد فِي أول شَوَّال.
وَكَانَ من أقوى الْأَسْبَاب فِي عَزله الْمرة الْأَخِيرَة ان السُّلْطَان لما رسم بِأخذ زكوات التُّجَّار فِي جُمَادَى الأولى سنة 69 وجد عِنْد الأوصياء جملَة مستكثرة لَكِنَّهَا صرفت بِعلم القَاضِي بوصولات لَيْسَ فِيهَا تعْيين اسْم الْقَابِض فَأُرِيد من نَاظر الايتام أَن يعْتَرف أَنَّهَا وصلت للْقَاضِي فَامْتنعَ فآل الْأَمر إِلَى عزل القَاضِي ، قَرَأت بِخَط القَاضِي تَقِيّ الدّين الزبيرِي لما قتل يلبغا طلب الْأَشْرَف أَمِير عَليّ المارداني ومنكلي بغا من دمشق فاستقر أَمِير على نَائِب السلطنة ومنكلي بغا أتابك العساكر.
فَكَانَ أول شَيْء تكلم فِيهِ أَمِير على عزل تَاج الدّين وَقرر فِي الْقَضَاء عوضا عَنهُ الشَّيْخ سراج الدّين البُلْقِينِيّ فولي الْقَضَاء والخطابة وَتوجه وكشفوا على تَاج الدّين وَحكم ابْن قَاضِي الْجَبَل بِحَبْس تَاج الدّين سنة وهرب أَخُوهُ بهاء الدّين فاختفي عِنْد التَّاج الملكي وَهُوَ يَوْمئِذٍ مبَاشر بِالشَّام قبل أَن يسلم واجتهدوا فِي طلبه فَلم يظفروا بِهِ وَلم يزل من يتعصب للسبكي يلح على أَمِير عَليّ حَتَّى أذن فِي احضار تَاج الدّين وأخيه من دمشق.
فَقدم بهاء الدّين الْقَاهِرَة وَأقَام تَاج الدّين فى دمشق فَلَمَّا بلغ ذَلِك البلقينى توجه إِلَى مصر فَأَقَامَ قَلِيلا ثمَّ رَجَعَ إِلَى دمشق فتسلط عَلَيْهِ أهل الشَّام وَكَتَبُوا فِيهِ محضراً واسمعوه مَا يكره وسعى بهاء الدّين لِأَخِيهِ حَتَّى ولي الخطابة فَخَطب أول يَوْم من شَوَّال فشق ذَلِك على البُلْقِينِيّ وَخرج بأَهْله وَعِيَاله إِلَى الْقَاهِرَة فأعيد تَاج الدّين إِلَى الْقَضَاء وَهِي الْولَايَة الْأَخِيرَة الَّتِي مَاتَ فِيهَا.
قَالَ الشَّيْخ شهَاب الدّين ابْن حجي أَخْبرنِي أَن الشَّيْخ شمس الدّين ابْن النَّقِيب أجَاز لَهُ بالإفتاء والتدريس وَلم يكمل الْعشْرين لِأَن عمره لما مَاتَ ابْن النَّقِيب كَانَ ثَمَانِيَة عشر عَاما وَأول مَا نَاب فِي الحكم بعد وَفَاة أَخِيه حُسَيْن قَالَ وَقد صنف تصانيف كَثِيرَة جدا على صغر سنة قُرِئت عَلَيْهِ وانتشرت فِي حَيَاته وَبعد مَوته.
وَقَالَ ابْن كثير جرى عَلَيْهِ من المحن والشدائد ما لم يجر على قَاض قبله وَحصل لَهُ من المناصب والرياسة مالم يحصل لأحد قبله وانتهت إِلَيْهِ الرياسة بِالشَّام وَأَبَان فِي أَيَّام محنته عَن شجاعة وَقُوَّة على المناظرة حَتَّى أفحم خصومه مَعَ كثرتهم ثمَّ لما عَاد عَفا وصفح عَمَّن قَامَ عَلَيْهِ وَكَانَ كَرِيمًا مهيباً وَمَات فِي سَابِع ذِي الْحجَّة سنة 771 خطب يَوْم الْجُمُعَة فطعن لَيْلَة السبت رابعه وَمَات لَيْلَة الثُّلَاثَاء “.
وقال عنه ابن حبيب في كتابه درَّة الأسلاك : ” إمامٌ كبير وحاكمٌ حبير ورئيسُ فَلَك مآثره أثير وماجدُ فخر علومه في الآفاق مستطير ، أغصان مكارمه باسقة وأنهارُ فضائله دافقة ولسانُ عبارته فصيحٌ تبجحت بمرافقته أرباب السياسة وافتخرت بمقارنة تاجه رؤوس الرياسة وانشرحَت بأحكامه صدور المجالس وتأرَّجت بأنفاسه أرجاء المنابر والمدارس.
سمع وقرأَ وكتب وأخذ عهد والده قدوة أهل العلم والأدب وأفادَ المشتغلين والطلّاب وانتفعَ به كثير من الأولياء والأصحاب ، درَّس بالعادلية والغزالية والأمينية والناصرية ودار الحديث الأشرفيّة والشاميّة البرانيّة ، وباشرَ القضاء بدمشق أربع مرَّات ونالَ بخطابة الجامع الأمويّ أنواعًا من المسرَّات وله مصنَّفات جمَّة الفوائد منتظمة العقود والقلائد “.

56 / نهاية السول في شرح منهاج الوصول
الإمام الشافعي رضي الله عنه هو واضع علم أصول الفقه الذي بين به للفقهاء مقاصد الشريعة الإسلامية ولذلك ارتبط هذا العلم بشيوخ المذهب الشافعي خاصة في العصر المملوكي بسبب رئاستهم للقضاء والشئون الدينية في وقتها ، ومن أهم كتب علم أصول الفقه في القرن الثامن الهجري كتاب نهاية السول في شرح منهاج الوصول الذي كتبه الفقيه الشافعي جمال الدين عبد الرحيم بن الحسن بن علي الأموي الإسنوي.
ويتناول الكتاب شرح واحد من المراجع الشافعية المهمة وهو كتاب منهاج الوصول إلى علم الأصول الذي ألفه الإمام ناصر الدين عبد الله بن عمر الشيرازي البيضاوي المتوفي عام 691 هـ في تبريز ، وقد جمع الإسنوي في شرحه كل نتاج السابقين له من أئمة المذهب حيث كان من المتخصصين في تاريخهم وله كتاب كبير يسمى (طبقات الفقهاء الشافعية) ترجم فيه لأكثر من ألف ومائتي فقيه وعالم من أبناء المذهب.
ولد الإسنوي عام 704 هـ / 1305 م بمدينة إسنا في صعيد مصر وتوفي في القاهرة عام 772 هـ / 1370 م لأسرة اشتهرت بالعلم والفقه والصلاح ، والده هو الشيخ سراج الدين الحسن بن علي المعروف بلقب (ابن الخطيب) المتوفي عام 718 هـ وأخوه هو المتصوف عماد الدين محمد بن الحسن المتوفي عام 764 هـ وعمه الفقيه عبد الرحيم بن علي المتوفي عام 704 هـ وخاله هو الشيخ محيي الدين سليمان بن جعفر الإسنوي المدرس بالمشهد النفيسي والمتوفي عام 756 هـ وابن عمه الفقيه محمد بن أحمد بن علي الإسنوي المتوفي عام 763 هـ.
قام الإسنوي بالتدريس في كل من المدرسة الأقبغاوية بالجامع الأزهر والمدرسة الفاضلية بقصر الشوك والمدرسة الفارسية بخط العطوفية والمدرسة الناصرية بشارع بين القصرين والمدرسة المنصورية بجامع قلاوون ، وتولى مشيخة الشافعية ومنصب المحتسب ووكالة بيت المال وعرف بإنتاجه الغزير في مجال التأليف وله أكثر من ثلاثين مؤلفا من أشهرها كتاب التمهيد في تخريج الفروع على الأصول وكتاب المهمات في شرح الروضة والرافعي وكتاب مطالع الدقائق في تحرير الجوامع والفوارق وكتاب الهداية إلى أوهام الكفاية وكتاب الكوكب الدري فيما يتخرج على الأصول النحوية من الفروع الفقهية.
وفي مقدمة كتابه طبقات الفقهاء الشافعية يتحدث عن انتشار المذهب وهيمنته في زمنه مما دعاه لكتابة تاريخه بالتفصيل فيقول في المقدمة : ” وبعد ، فإن الشافعي رضي الله عنه وأرضاه ونفعنا به وبسائر أئمة المسلمين أجمعين قد حصل له في أصحابه من السعادة أمور لم تتفق في أصحاب غيره ، منها أنهم المقدمون في المساجد الثلاثة الشريفة شرفها الله تعالى.
ومنها أن الكلمة لهم في الأقاليم الفاضلة المشار إليها وغالب الأقاليم الكبار العامرة المتوسطة في الدنيا المتأصلة في الإسلام وشعار الإسلام بها ظاهر منتظم كالحجاز واليمن ومصر والشام والعراق وخراسان وديار بكر وإقليم الروم.
ومنها ازدياد علمائهم في كل عصر إلى زماننا بالنسبة إلى غيرهم وسببه ما أشرنا إليه من ظهورهم على غيرهم في الأقاليم السابق وصفها ، ومنها أن كبار أئمة الحديث إما من جملة أصحابه الآخذين عنه أو عن أتباعه “.
وفي كتابه نهاية السول صدره المؤلف بمقدمة يبين فيها منهجه فقال : ” الحمد لله الذي مهد أصول شريعته بكتابه القديم الأزلي وأيد قواعدها بسنة نبيه العربي وشيد أركانها بالإجماع المعصوم من الشيطان القوي وأعلى منارها بالاقتباس من القياس الخفي والجلي وأوضح طرائقها بالاجتهاد في الاعتماد على السبب القوي وشرع للقاصر على مرتبتها استفتاء من هو بها قائم ملي وصلواته وسلامه على سيدنا محمد المبعوث إلى القريب والبعيد والشريف والدني وعلى آله وأصحابه أولي كل فضل سني وقدر علي.
وبعد ، فإن أصول الفقه علم عظيم قدره وبين شرفه وفخره إذ هو قاعدة الأحكام الشرعية وأساس الفتاوى الفرعية التي بها صلاح المكلفين معاشا ومعادا ثم إن أكثر المشتغلين به في هذا الزمان قد اقتصروا من كتبه على المنهاج للإمام العلامة قاضي القضاة ناصر الدين البيضاوي رضي الله عنه لكونه صغير الحجم كثير العلم مستعذب اللفظ وكنت أيضا ممن لازمه درسا وتدريسا.
فاستخرت الله تعالى في وضع شرح عليه موضح لمعانيه مفصح عن مبانيه محرر لأدلته مقرر لأصوله كاشف عن أستاره باحث عن أسراره منبها فيه على أمور أخرى مهمة ، أحدها : ذكر ما يرد عليه من الأسئلة التي لا جواب عنها أو عنها جواب ضعيف ، الثاني : التنبيه على ما وقع فيه من غلط في النقل ، الثالث : تبيين مذهب الشافعي بخصوصه ليعرف الشافعي مذهب إمامه في الأصول فإن ظفرت بالمسألة فيما وقع لي من كتب الشافعي كالأم والأمالي والإملاء ومختصر المزني ومختصر البويطي نقلتها منه بلفظها غالبا مبينا الكتاب الذي هي فيه ثم الباب وإن لم أظفر بها في كلامه عزوتها إلى ناقلها عنه.
الرابع : ذكر فائدة القاعدة من فروع مذهبنا في المسائل المحتاجة إلى ذلك ، الخامس : التنبيه على المواضع التي خالف المصنف فيها كلام الإمام أو كلام الآمدي أو كلام ابن الحاجب فإن كل واحد من هؤلاء قد صار عمدة التصحيح يأخذ به آخذون فإن اضطراب كلام أحد هؤلاء نبهت عليه أيضا ، السادس : ما ذكره الإمام وابن الحاجب من الفروع الأصولية وأهمله المصنف فأذكره مجردا عن الدليل غالبا.
السابع : التنبيه على كثير مما وقع فيه الشارحون من التقريرات التي ليست مطابقة وقد كنت قصدت التصريح بكل ما ذكروه منها، فرأيت الاشتغال به يطول لكثرته حتى رأيت في بعض شروحه المشهورة ثلاثة مواضع يلي بعضها بعضا؛ فلذلك أضربت على كثير منها فلم أذكره البتة اكتفاء بتقرير الصواب وأشرت إلى كثير منها إشارة لطيفة وصرحت بمواضع كثيرة منها ، الثامن : التنبيه على فوائد أخرى مستحسنة كنقول غريبة وأبحاث نافعة وقواعد مهمة إلى غير ذلك فيما ستراه إن شاء الله تعالى.
واعلم أن المصنف رحمه الله أخذ كتابه من الحاصل للفاضل تاج الدين الأرموي والحاصل أخذه مصنفه من المحصولات للإمام فخر الدين والمحصول استمداده من كتابين لا يكاد يخرج عنهما غالبا أحدهما المستصفى لحجة الإسلام الغزالي والثاني المعتمد لأبي الحسين البصري حتى رأيته ينقل منهما الصفة أو قريبا منها بلفظها وسببه على ما قيل أنه كان يحفظهما ، فاعتمدت في شرحي لهذا الكتاب مراجعة هذه الأصول طلبا لإدراك وجه الصواب في المنقول منه والمعقول وحرصا على إيراد ما فيه على وفق مراد قائله فإنه ربما خفي المقصود أو تبادر غيره فيتضح بمراجعة أصل من هذه الأصول المذكورة.
ولم أترك جهدا في تنقيحه وتحريره فإنني بحمد الله شعرت فيه خليا من المواقع والعوائق منقطعا عن القواطع والعلائق فصار هذا الشرح عمدة في الفن عموما وعمدة في معرفة مذهب الشافعي فيه خصوصا وعمدة في شرح هذا الكتاب وسعيت سعيي في إيضاح معانيه ، وبذلت وسعي في تسهيله لمطالعيه بحيث لا يتعذر فهمه على المبتدئ ولا يبطئ إدراكه على المنتهي وسميته : (نهاية السول في شرح منهاج الأصول) وأسأل الله أن ينفع به مؤلفه وكاتبه وقارئه والناظر فيه وجميع المسلمين بمنه وكرمه آمين “.
ذكره ابن حجر العسقلاني في كتابه الدرر الكامنة بأعيان المئة الثامنة فقال : ” عبد الرَّحِيم بن الْحسن بن على بن عمر بن على بن إِبْرَاهِيم الْأمَوِي الأسنوي نزيل الْقَاهِرَة الشَّيْخ جمال الدّين أَبُو مُحَمَّد ولد فِي الْعشْر الْأَخير من ذِي الْحجَّة سنة 704 على مَا ذكر هُوَ فِي طَبَقَات الشَّافِعِيَّة لَهُ باسنا من صَعِيد مصر وَقدم الْقَاهِرَة سنة 21 وَقد حفظ التَّنْبِيه وَيُقَال أَنه حفظ التَّنْبِيه فِي سِتَّة أشهر.
وَسمع الحَدِيث من الدبوسي وَعبد الْقَادِر بن الْمُلُوك وَالْحسن بن أَسد بن الْأَثِير وَعبد المحسن بن الصَّابُونِي وَغَيرهم وَحدث بِالْقَلِيلِ وَأخذ الْعلم عَن القطب السنباطي والجلال الْقزْوِينِي وَالْمجد الزنكلوني والقونوي وَغَيرهم وَأخذ الْعَرَبيَّة عَن أبي الْحسن النَّحْوِيّ وَالِد شَيخنَا سراج الدّين ابْن الملقن وَعَن أبي حَيَّان وَغَيرهمَا وَكتب لَهُ أَبُو حَيَّان بحث عَليّ الشَّيْخ فَسَماهُ أَوله ثمَّ قَالَ لم أشيخ أحدا فِي سنك.
ولازم الِاشْتِغَال ثمَّ الأشتغال والتصنيف فَكَانَت أوقاته مَحْفُوظَة مستوعبة لذَلِك وَولي وكَالَة بَيت المَال والحسبة ودرس بالملكية والاقبغاوية والفاضلية ودرس التَّفْسِير بالجامع الطولوني وصنف التصانيف المفيدة مِنْهَا والمهمات والتنقيح فِيمَا يرد على التَّصْحِيح والتمهيد والكوكب وَالْهِدَايَة إِلَى أَوْهَام الْكِفَايَة وزائد الْأُصُول وتلخيص الرَّافِعِيّ الصَّغِير وصل فِيهِ إِلَى البيع وَله الْأَشْبَاه والنظائر لم يبيض وَله البدور الطوالع فِي الفروق والجوامع لم يبيضه وتناقض الْبَحْرين وَشرح الْمِنْهَاج للنووي لم يكمل وَشرح الْمِنْهَاج للبيضاوي وَأَحْكَام الخناثى وَشرح عرُوض ابْن الْحَاجِب وَغير ذَلِك.
وَكَانَ فَقِيها ماهراً ومعلما ناصحا ومفيدا صَالحا مَعَ الْبر وَالدّين والتودد والتواضع وَكَانَ يقرب الضَّعِيف المستهان ويحرص على إِيصَال الْفَائِدَة للبليد وَكَانَ رُبمَا ذكر عِنْده المبتدىء الْفَائِدَة المطروقة فيصغى إِلَيْهِ كَأَنَّهُ لم يسْمعهَا جبرا لخاطره وَكَانَ مثابراً على ايصال الْبر وَالْخَيْر لكل مُحْتَاج هَذَا مَعَ فصاحة الْعبارَة وحلاوة المحاضرة والمروءة الْبَالِغَة وَكَانَت ولَايَته الْحِسْبَة بعد مسك صرغتمش فِي رَمَضَان سنة 59 وعزل نَفسه عَنْهَا لكَلَام وَقع بَينه وَبَين الْوَزير ابْن قزوينة فِي سنة 62 وَاسْتقر عوضه الْبُرْهَان الاخنائي ثمَّ عزل نَفسه من الْوكَالَة فِي سنة 66.
وانتفع بِهِ جمع جم وَقد أفرد لَهُ شَيخنَا الْعِرَاقِيّ تَرْجَمَة ذكر فِيهَا كثيرا من فضائله ومناقبه وَمن نظمه أَيْضا وَبَالغ فِي الثَّنَاء عَلَيْهِ وَكَانَ هُوَ يحب شَيخنَا ويعظمه وَذكره فِي طَبَقَات الشَّافِعِيَّة فِي أثْنَاء تَرْجَمَة ابْن سيد النَّاس وَوَصفه بِأَنَّهُ حَافظ عصره وَذكره فِي مَوضِع آخر من الْمُهِمَّات ، قَالَ ابْن حبيب إمام يم علمه عجاج وَمَاء فَضله ثجاج ولسان قلمه عَن المشكلات فجاج كَانَ بحراً فِي الْفُرُوع وَالْأُصُول محققاً لما يَقُول من النقول تخرج بِهِ الْفُضَلَاء وانتفع بِهِ الْعلمَاء.
وَذكر أَن فَرَاغه من تصنيف جَوَاهِر الْبَحْرين سنة 735 وَمن الْمُهِمَّات سنة 60 وقرأت بِخَط القَاضِي تَقِيّ الدّين الْأَسدي تصدى للاشغال من سنة 27 وَشرع فِي التصنيف بعد الثَّلَاثِينَ وَشرح الْمِنْهَاج مهذب منقح وَهُوَ أَنْفَع شروخ الْمِنْهَاج مَعَ كثرتها ، قَالَ شَيخنَا ابْن الملقن الشَّيْخ جمال الدّين شيخ الشَّافِعِيَّة ومفتيهم ومصنفهم ومدرسهم ذُو الْفُنُون وَقَالَ شَيخنَا الْعِرَاقِيّ اشْتغل فِي الْعُلُوم حَتَّى صَار أوحد أهل زَمَانه وَشَيخ الشَّافِعِيَّة فِي أَوَانه وصنف التصانيف النافعة السائرة وَتخرج بِهِ طلبة الديار المصرية.
وَكَانَ حسن الشكل والتصنيف لين الْجَانِب كثير الْإِحْسَان وَكَانَ فَرَاغه من الْمُهِمَّات سنة 60 وَعمل قبلهَا التَّنَاقُض الَّذِي سَمَّاهُ جَوَاهِر الْبَحْرين فِي سنة 35 وَفرغ من التَّمْهِيد سنة 68 وَمن طَبَقَات الْفُقَهَاء سنة 69 وَمن الألغاز سنة 70 وَهُوَ آخر مَا كمل من تصانيفه وَكَانَت وَفَاة الشَّيْخ جمال الدّين فِي لَيْلَة الْأَحَد ثامن عشر جُمَادَى الأولى سنة 772 وَله سبع وَسِتُّونَ سنة وَنصف سنة رَحمَه الله تَعَالَى رَأَيْت بِخَط الشَّيْخ بدر الدّين الزَّرْكَشِيّ كَانَت جنَازَته مَشْهُودَة تنطق لَهُ بِالْولَايَةِ “.

57 / عروس الأفراح
(عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح) هو عنوان الكتاب الذي صنفه الفقيه الشافعي بهاء الدين أحمد بن علي السبكي الأنصاري المدرس بالمدرسة المنصورية بالقاهرة وخطيب جامع ابن طولون والذي ولد في القاهرة عام 719 هـ / 1318 م ، وقد تولي قضاء الشام سنة 762 هـ فأقام عاما ثم ولي قضاء العسكر وكثرت رحلاته ومات مجاورا بمكة المكرمة في عام 773 هـ / 1371 م وهو ابن قاضي القضاة شيخ الإسلام تقي الدين أبو الحسن علي بن عبد الكافي السبكي والأخ الأكبر للمؤرخ والقاضي تاج الدين عبد الوهاب بن علي السبكي.
وهدف الكتاب هو شرح كتاب (تلخيص المفتاح) في البلاغة والذي كتبه القاضي جلال الدين محمد بن عبد الرحمن بن عمر العجلي القزويني المتوفي عام 739 هـ والمعروف بلقب (الخطيب القزويني) ، ولى القضاء فى ناحية الروم ثم دمشق ثم مصر ثم دمشق وخطب بجامع القلعة لما أتى مصر بأمر من السلطان ، قال ابن كثير : ” له مصنفات فى المعانى مصنف مشهور اسمه التلخيص اختصر فيه المفتاح للسكاكي ” وهو من أجل المختصرات فيه ” ، وقال السيوطى : ” وله إيضاح التلخيص والسور المرجانى من شعر الأرجاني “.
وقد قضى الشيخ بهاء حياته في التأليف والتصنيف والتدريس وله عدة مؤلفات منها : كتاب (تناقض كلام الرافعى والشيخ محيى الدين النووى) صنفه وكان عمره ست عشرة سنة ، وله أيضا كتاب تعليق على الحاوي وكتاب تكملة شرح المنهاج وكتاب شرح مختصر ابن الحاجب وكتاب شرح تسهيل الفوائد لابن مالك ، وله ديوان شعر طيب في المدائح النبوية يدعى هدية المسافر إلى النور السافر ، ودرس بالمدرسة السيفية والهكارية والشيخونية وتربة الشافعى وجامع الحاكم ، ومن تلاميذه كمال الدين الدميري مؤلف (حياة الحيوان الكبرى).
وله نظم فائق ، من نظمه يمدح شيخه أبا حيان أثير الدين الغرناطي : فداكم فؤادى حان للبعد فقده .. وصبّ قضى وجدا وما حال عهده .. وقلب جريح بالغرام متيّم .. وطرف قريح طال فى الليل سهده ، فأجابه أبو حيان بقوله : أبو حامد حتم على الناس حمده .. لما حاز من علم به بان رشده .. غزير علوم لم يزل منذ نشئه .. يلوح على أفق المعارف سعده .. ذكىّ كأن قد صافح النار ذهنه .. ذكاء ومن شمس الظهيرة وقده .. ومن حاز فى سنّ البلوغ فضائلا .. زمان اغتدى بالعىّ والجهل ضدّه.
ويستهل المؤلف كتابه بمقدمة جاء فيها : ” قال الشيخ الإمام العالم العلامة حجة الإسلام مفتى الأنام أوحد الفصحاء والبلغاء شيخ النحاة والأدباء كنز المحققين وسيف المناظرين بهاء الملة والدين أبو حامد أحمد ابن سيدنا ومولانا قاضى القضاة بقية المجتهدين ولسان المتكلمين تقى الدين السبكى تغمده الله برحمته وأسكنه فسيح جنته : الحمد لله الذى فتق عن بديع المعانى لسان أهل البيان ورتق الأفواه عن تفسير المثانى إلى أن فتحتها بلاغة آل عدنان ومحق ببراعة كتابه العربى وأسنة دينه القوى ما خالفهما من جدال اللسان وجلاد السنان ورزق الفصاحة المحمدية من الحكمة البالغة ما مزق حكم اليونان “.
وذكر بهاء الدين في المقدمة أهمية كتاب المفتاح فقال : ” أما بعد ، فإن تلخيص المفتاح فى علم البلاغة وتوابعها بإجماع من وقف عليه واتفاق من صرف العناية إليه أنفع كتاب فى هذا العلم صنف وأجمع مختصر فيه على مقدار حجمه ألف ، ولم أزل مشغوفا بهذا الفن وله محبا مشغول الخاطر بالعزم على التجرد إليه وإن كنت على غيره من العلوم مكبا منذ أبرزتنى الإرادة إلى الوجود إبراز الهلال وبشرتنى حال المولد بالبلوغ لهذا العلم براعة الاستهلال وآذنتنى الفراسة أن حسن التخلص حينئذ إنما كان كناية عن مقتضى الحال وتعريضا بحقيقة ما سيكون من إدراك الآمال ، أتانى هواها قبل أن أعرف الهوى .. فصادف قلبا خاليا فتمكّنا.
إلى أن أعربت عن حال التمييز وبلغت ما تنازع إليه النفس من الاشتغال بمصنفاته ما بين مطنب ووجيز فلم أطلع للمتأخرين فيه على تصنيف محكم تقر بتهذيبه العين ولا وقفت لهم فيه على تأليف مجمل أو مفصل أشاهد صحاح معانيه فلا أطلب أثرا بعد عين ، أما أهل بلادنا فهم مستغنون عن ذلك بما طبعهم الله تعالى عليه من الذوق السليم والفهم المستقيم والأذهان التى هى أرق من النسيم وألطف من ماء الحياة فى المحيا الوسيم ، أكسبهم النيل تلك الحلاوة وأشار إليهم بأصبعه فظهرت عليهم هذه الطلاوة فهم يدركون بطباعهم ما أفنت فيه العلماء فضلا عن الأغمار الأعمار ويرون فى مرآة قلوبهم الصقيلة ما احتجب من الأسرار خلف الأستار ، والسيف ما لم يلف فيه صيقل .. من طبعه لم ينتفع بصقال “.
ويوضح جهده في تصنيف الكتاب فيقول : ” أعاذنا الله تعالى من هوى يرمى بالخرس لسان الاعتراف ويعمى أبصار البصائر عن جميل الأوصاف ويصمى القلوب فلا يصل إليها نور الإنصاف ، ولما أوصلتنى السرى منه إلى صباح قدر صدته فلاح وأسفر صبحه فأجاب من سمع من مناديه حى على الفلاح وشرح طائره الميمون ببطاقة بالحتم مبشرة بالقدوم يخفق بها جناح النجاح ووصلت فيه إلى اجتناء غروس ثمارها على أفنان الفنون مرتصة وحصلت منه على اجتلاء عروس فى حلى الأفراح على منصة حمدت الله تعالى على إتمام نعمتى الإتمام والافتتاح.
وسميته : (عروس الأفراح فى شرح تلخيص المفتاح) ولقد احتوى هذا الشرح بحمد الله تعالى من المباحث التى هى من بنات فكرى فلم أسبق إليها ومن هبات ذكرى فما عثر أحد فيما علمت من أهل هذا الفن عليها على جملة لا أعقد لها عددا حتى أفرغ من عدّ النجوم ولا أعهد لها مددا سوى إلهام الحى القيوم ، وكأين فيه من شاهد يردّ على هذا العلم ما يدعيه عن حق ضائع ويثبت له عرفا يحفظ طيب الثناء بعرف ضائع ويأمن من الإسقاط فإنى استخرجته بالفكرة وعدلته بتزكيتى العقل والنقل عند قاض من التأمل ليست عنده فترة وأجلسته فى مجالس العلماء فأثبتوا فخره وأطلت البحث عنه ولم أجده فى كتاب ولم أسمعه من ذى فطرة “.
وقد ترجم له ابن حجر العسقلاني في كتابه الدرر الكامنة بأعيان المئة الثامنة فقال : ” أَحْمد بن عَليّ بن عبد الْكَافِي بن عَليّ بن تَمام بن يُوسُف بن مُوسَى ابْن تَمام بن حَامِد بن يحيى بن عمر بن عُثْمَان بن عَليّ بن نشوان بن سوار بن سليم السُّبْكِيّ أَبُو حَامِد بهاء الدّين كَذَا نقلته من خطّ أَخِيه تَاج الدّين وَسَماهُ أَبوهُ فِي أول مَا ولد تَمامًا ثمَّ تسمى أَحْمد بعد أَن جَازَ سنّ التَّمْيِيز.
ومولده على مَا قَرَأت بِخَط أَبِيه فِي آخر تَاسِع عشر بل بعد الْمغرب من لَيْلَة الْعشْرين من جُمَادَى الْآخِرَة سنة 719 وأحضر على الحجار فِي الْخَامِسَة جَمِيع الصَّحِيح وأسمع على يُونُس الدبوسي والواني والبدر ابْن جمَاعَة وَجَمَاعَة وبدمشق من الْجَزرِي والمزي وَغَيرهمَا وَأخذ عَن أَبِيه وَأبي حَيَّان والرشيدي والأصبهاني وَسمع على الشَّيْخ تَقِيّ الدّين ابْن الصَّائِغ عدَّة قراءات وتفقه على الْمجد الزنكلوني وَابْن القماح وَغَيرهمَا.
وأنجب وبرع وَهُوَ شَاب قَالَ الذَّهَبِيّ فِي المعجم الْمُخْتَص الإِمَام الْعَلامَة الْمدرس لَهُ فَضَائِل وَعلم جيد وَفِيه أدب وتقوى وساد وَهُوَ ابْن عشْرين سنة وأسرع إِلَيْهِ الشيب فأنقى وَهُوَ فِي حُدُود الْعشْرين ، قلت كَانَ ذَلِك لما ولي أَبوهُ قَضَاء الشَّام فَإِنَّهُ فوض إِلَيْهِ تدريس المنصورية وَغَيرهَا ثمَّ ولي هُوَ تدريس الشَّافِعِي وَالْحَاكِم ثمَّ درس بالشيخونية أول مَا فتحت.
وَكَانَت لَهُ الْيَد الطُّولى فِي عُلُوم اللِّسَان الْعَرَبِيّ والمعاني وَالْبَيَان وَله عروس الأفراح شرح تَلْخِيص الْمِفْتَاح أبان فِيهِ عَن سَعَة دَائِرَة فِي الْفَنّ وَله تَعْلِيق على الْحَاوِي وَعمل قِطْعَة على شرح الْمِنْهَاج لِأَبِيهِ وَكَانَ أديباً فَاضلا متعبداً كثير الصَّدَقَة وَالْحج والمجاورة سريع الدمعة قَائِما مَعَ أَصْحَابه وَولي قَضَاء الشَّام عوضا عَن أَخِيه فِي سنة 63 فَأَقَامَ سنة وَلم يصنع ذَلِك إِلَّا حفظا للوظيفة على أَخِيه ثمَّ ولي قَضَاء الْعَسْكَر عوضا عَن أبي الْبَقَاء لما ولي قَضَاء الديار المصرية.
وَقد شرع فِي شرح الْحَاوِي فَكتب مِنْهُ عدَّة مجلدات لَو كمل لَكَانَ فِي عشْرين مجلدة وَشرع فِي شرح مُخْتَصر ابْن الْحَاجِب فَكتب مِنْهُ قِطْعَة لَطِيفَة فِي مُجَلد لَو اسْتمرّ عَلَيْهِ لَكَانَ عشر مجلدات أَو أَكثر وَكَانَ كثير الْحَج والمجاورة والأوراد والمروءة خَبِيرا بِأَمْر دُنْيَاهُ وآخرته ونال من الجاه مَا لم ينله غَيره وقرأت بِخَط أَبِيه خلع على ابْني أَحْمد تشريف صالحي لكَونه مفتي دَار الْعدْل وَذَلِكَ فِي سنة 52 وَمن قَول الشَّيْخ تَقِيّ الدّين فِي وَلَده (دروس أَحْمد خير من دروس عَليّ .. وَذَاكَ عِنْد عَليّ غَايَة الأمل).
وقرأت بِخَط أَبِيه قَالَ قَالَ ابْني أَبُو حَامِد فِي درس أَخِيه الْحُسَيْن بالشامية عِنْدَمَا جرى الْكَلَام فِي قَوْله {الَّذين آمنُوا وَلم يلبسوا إِيمَانهم بظُلْم} أَن فِي الْآيَة إِشَارَة إِلَى أَن المُرَاد بالظلم الشّرك لِأَنَّهُ الَّذِي يلتبس بِالْإِيمَان قَالَ وَهِي فَائِدَة عَظِيمَة فرحت بهَا أَشد من فرحي بالدرس ونقلت من خطّ أَبِيه من إنْشَاء ابْني أبي حَامِد الْحَمد لله الَّذِي شرح لمن شرع فِي إِفَادَة الْعلم صَدرا ومنح من منع نَفسه إِرَادَة الْإِثْم فِي الدُّنْيَا حَسَنَة وَفِي الْآخِرَة أُخْرَى وَذكر خطْبَة الدَّرْس قَالَ وَذَلِكَ فِي ربيع الأول سنة 48.
وقرأت بِخَط القَاضِي تَقِيّ الدّين الزبيرِي كَانَ الشَّيْخ بهاء الدّين السُّبْكِيّ من رجال الْعلم وَكَانَ أَبوهُ قَاضِي الشَّام فَكثر مَاله وَكَثُرت وظائفه فَإِن أَبَاهُ لما ولي قَضَاء الشَّام سَأَلَ أَن تكون جهاته لوَلَده هَذَا وَهِي درس الْفِقْه بالمنصورية والميعاد بِجَامِع ابْن طولون والميعاد بِجَامِع الظَّاهِر وتدريس السيفية والكهارية وَغير ذَلِك فَلَمَّا مَاتَ ابْن اللبان سعى فِي تدريس الشَّافِعِي فنازعه تَاج الدّين الْمَنَاوِيّ فَحَضَرَ كل وَاحِد مِنْهُمَا ثمَّ نزع عَنْهُمَا لِابْنِ خطيب يبرود ثمَّ استنزله عَنهُ بهاء الدّين بمدرسة بِالشَّام فاستمر فِيهِ ثمَّ اسْتَقر فِي إِفْتَاء دَار الْعدْل.
ثمَّ سعى فِي قَضَاء الْعَسْكَر فَلم يحصل لَهُ حَتَّى ولي قَرِيبه بهاء الدّين أَبُو الْبَقَاء وَاسْتقر فِي تدريس الْفِقْه بالشيخونية ثمَّ لما مَاتَ ابْن الْجَزرِي خطيب جَامع ابْن طولون فقرر أَوْلَاده عوضا عَنهُ فسعى بهاء الدّين إِلَى أَن أخرج الخطابة عَنْهُم بعد أَن قررهم فِيهَا تَاج الدّين الْمَنَاوِيّ وَهُوَ يَوْمئِذٍ النَّاظر الشَّرْعِيّ.
ثمَّ ولي تدريس التَّفْسِير بِجَامِع ابْن طولون بعد الشَّيْخ جمال الدّين الأسنوي وَكَانَ سعى فِيهِ بعد موت ابْن عقيل فولاه أَبُو الْبَقَاء لوَلَده بدر الدّين فَنَزَعَهُ مِنْهُ جمال الدّين ابْن التركماني قَاضِي الْحَنَفِيَّة فَلَمَّا مَاتَ سعى فِيهِ بهاء الدّين أَيْضا فقرر أَمِير عَليّ المارديني فِيهِ الأسنوي فَلَمَّا مَاتَ الأسنوي أَعَادَهُ أَبُو الْبَقَاء لوَلَده فَدخل عَلَيْهِ بهاء الدّين فِي تِلْكَ اللَّيْلَة فاستحيى مِنْهُ وَكتب لَهُ بِهِ فاجتمعت لَهُ هَذِه الْوَظَائِف الْعَظِيمَة.
وَكَانَ غَالب المصريين يخدمونه لِكَثْرَة عطائه وَلَا يحاول أمرا إِلَّا ويصل إِلَيْهِ وَصَارَت لَهُ دربة عَظِيمَة فِي السَّعْي حَتَّى يبلغ أغراضه وَجَرت لَهُ فِي ذَلِك خطوب كَثِيرَة وَفِي الْغَالِب ينتصر وَبنى دَاره الَّتِي بدرب الطِّفْل وَهِي مَشْهُورَة وَولي قَضَاء الشَّام مرّة عوضا عَن أَخِيه فِي دولة يلبغا وَحضر أَخُوهُ عَليّ وظائفه بِالْقَاهِرَةِ ، ذكر الشَّيْخ كَمَال الدّين الدَّمِيرِيّ أَنه مرض بِمَكَّة وَهُوَ مجاور قَالَ فَقَالَ لي هَذَا جُمَادَى وَجَرت الْعَادة فِيهِ بحدوث أَمر مَا فَإِن جَاءَ الْخَبَر بِمَوْت أبي الْبَقَاء وَأَنا فِي قيد الْحَيَاة فَذَاك وَإِلَّا فاقرأ الْكتاب على قَبْرِي
قلت وَهَذَا الَّذِي ذكره الدَّمِيرِيّ عَنهُ من أَمر جُمَادَى الْآخِرَة لم يرد بِهِ الْعُمُوم وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ خُصُوص نَفسه لأنني رَأَيْت بِخَط أَبِيه مَا يدل عَلَيْهِ فَإِنَّهُ أرخ نظم حفيده أبي حَاتِم بن أبي حَامِد هَذَا فِي تَاسِع عشر جُمَادَى الْآخِرَة ثمَّ عقب ذَلِك بِأَن قَالَ وَوليت أَنا قَضَاء الشَّام فِي تَاسِع عشر جُمَادَى الْآخِرَة فَكتب ابْنه بهاء الدّين فِي الْهَامِش وَفِيه وليت أَنا تدريس المنصورية وَغَيرهَا ، ثمَّ قَالَ تَقِيّ الدّين ولد ابْني أَبُو حَامِد فِي آخر تَاسِع عشر جُمَادَى الْآخِرَة وَأول لَيْلَة الْعشْرين مِنْهُ وَفِي تَاسِع عشر جُمَادَى الْآخِرَة سنة 47 ولي ابْني الْحُسَيْن تدريس الشامية وَهُوَ تَارِيخ توقيعه. وبخط بهاء الدّين وَفِي تَاسِع عشر جُمَادَى الْآخِرَة سنة 62 ولي ابْني أَبُو حَاتِم الْمُقدم ذكره تدريس المنصورية قَالَ وَفِي تَاسِع عشر جُمَادَى الْآخِرَة يَعْنِي سنة سِتّ وَسِتِّينَ ولي بهاء الدّين أَبُو الْبَقَاء وَفِي تَاسِع عشر جُمَادَى الْآخِرَة يَعْنِي سنة 69 عزل أخي تَاج الدّين من قَضَاء الشَّام ، قلت وَلم تتفق وَفَاته إِلَّا فِي سَابِع شهر رَجَب سنة 73 فانخرم الاستقراء “.

58 / الرقم على البردة
تعد قصيدة البردة للبوصيري من أشهر وأهم قصائد الشعر في التراث المصري وذلك لارتباطها بالمتصوفة وحلقات الذكر ولذلك تبارى الأدباء والشيوخ في التعليق عليها وشرحها وتناولها بالتحليل والتدقيق ، ومن أهم الكتابات في هذا المجال كتاب (الرقم على البردة) الذي كتبه الفقيه الحنفي شمس الدين محمد بن عبد الرحمن بن علي الزمردي المعروف بلقب (ابن الصائغ) وهو مفسر وأديب ونحوي ولغوي الذي ولد في مصر عام 708 هـ / 1308 م وتوفي فيها عام 776 هـ / 1375 م وتولى منصب قضاء العسكر وإفتاء دار العدل ودرس بالجامع الطولوني.
وله مؤلفات عديدة في النحو واللغة والحديث والأدب والتفسير منها كتاب شرح ألفية ابن مالك وكتاب التعليقة في المسائل الدقيقة وكتاب مجمع الفرائد ومنبع الفوائد وكتاب شرح المشارق في الحديث وكتاب الغمز على الكنز وكتاب التذكرة (عدة مجلدات في النحو) وكتاب الثمر الجني في الأدب السني وكتاب المنهج القويم في القرآن العظيم وكتاب المباني في المعاني وكتاب نتائج الأفكار وكتاب الوضع الباهر في رفع أفعل الظاهر وكتاب اختراع الفهوم لاجتماع العلوم وكتاب روض الأفهام في أقسام الاستفهام.
ويبدأ كتاب (الرقم على البردة) بمقدمة لطيفة جاء فيها : ” بسم الله الرحمن الرحيم رب أعن ، قال الشيخ الإمام العالم النحوي اللغوي البياني التصريفي الأصولي الإقليدسي الأوحد أديب العصر قس الفصاحة شمس الدين مفتي المسلمين أبو عبد الله محمد بن الشيخ الصالح زين الدين عبد الرحمن بن نور الدين علي الشهير بابن الصايغ الحنفي رحمه الله تعالى وغفر له.
أما بعد حمد الله الذي من حمده مدح أنبيائه والصلاة على خاتمهم الذي زينهم وزينه من أسمائه سيدنا محمد المبعوث بأشرف أنبائه وعلى أتباعه وأوليائه ، فقد سألني بعض الأصحاب ممن يعز علي أن لا يجاب أن أضع له شرحا على البردة التي لا ينسج على منوالها ولم يعدم النفحات الطيبة من تمسك بأذيالها لما اشتملت عليه أنفاسها العاطرة من مدح سيد الدنيا والآخرة محمد الهادي للحق والرحمة من الله علي الخلق.
فبادرت إلى الجواب رجاء من الله تعالى في ذلك لي وله حسن الثواب ، قال الشيخ الإمام الفاضل حجة البلغاء ومجد الأدباء شرف الدين أبو عبد الله محمد بن سعيد الدلاصي ثم الأبوصيري على ما أخبرنا بذلك شيخنا الحافظ نور الدين أبو الحسن علي بن جابر الهاشمي سماعا عليه ، قال أخبرنا الناظم سماعا أيضا : أمن تذكر جيران بذي سلم مزجت دمعا جرى من مقلة بدم … إلخ “.
ذكره ابن حجر العسقلاني في كتابه الدرر الكامنة بأعيان المئة الثامنة فقال : ” مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن عَليّ بن ابي الْحسن الزمردي الشَّيْخ شمس الدّين ابْن الصَّائِغ النَّحْوِيّ الْحَنَفِيّ ولد قبل سنة 710 واشتغل بِالْعلمِ وبرع فِي اللُّغَة والنحو وَالْفِقْه وَأخذ عَن الشهَاب المرحل وَأبي حَيَّان والقونوي وَالْفَخْر الزَّيْلَعِيّ وَبني التركماني وَسمع الحَدِيث من الدبوسي وَأبي الْفَتْح الْيَعْمرِي وَابْن الشّحْنَة وَشرح الْمَشَارِق فِي الحَدِيث والغمز على الْكَنْز وَشرح الألفية لِابْنِ مَالك وَله التَّذْكِرَة فِي عدَّة مجلدات وَكَانَ ملازما للاشتغال كثير المعاشرة للرؤساء.
وَولي فِي آخر عمره قَضَاء الْعَسْكَر وإفتاء دَار الْعدْل ودرس بالجامع الطولوني وَغَيره وَمَات فِي حادي عشر شعْبَان سنة 776 وَخلف ثروة وَاسِعَة ، قَرَأت بِخَط الشَّيْخ بدر الدّين الزَّرْكَشِيّ أَخْبرنِي عَلَاء الدّين عَليّ بن عبد الْقَادِر المقريزي وَهُوَ زوج بنت ابْن الصَّائِغ الْمَذْكُور قَالَ قد رَأَيْته فِي النّوم بعد مَوته فَسَأَلته مَا فعل الله بك فَأَنْشد : الله يعْفُو عَن المسئ إِذا .. مَاتَ على تَوْبَة ويرحمه ، أجَاز لعبد الله بن عمر الْعِزّ ابْن جمَاعَة قَرَأت بِخَط الذَّهَبِيّ فِي آخر طَبَقَات الْقُرَّاء فصل فِي أَصْحَاب التقي الصَّائِغ الْمَوْجُودين فِي سنة 27 مُحَمَّد بن الزمردي “.
وذكره ابن تغري بردي في كتابه النجوم الزاهرة وذلك في وفيات سنة 777 هـ فقال : ” وتوفّى الإمام العالم العلّامة شمس الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن على الشهير بابن الصائغ الحنفىّ – رحمه الله – فى يوم الثلاثاء ثانى عشر شهر شعبان ، وكان إماما في القراءات وسمع الحديث وأخذ النحو عن أبى حيّان وبرع في الفقه وأعاد ودرّس وأفاد وأفتى وبرع في النحو والأدب ودرّس بجامع ابن طولون بالقاهرة وتولّى قضاء العسكر بمصر.
وكان أديبا لطيفا ظريفا بارعا في النظم ، ومن شعره (الطويل) : بروحى أفدى خاله فوق خدّه .. ومن أنا في الدنيا فأفديه بالمال .. تبارك من أخلى من الشّعر خدّه .. وأسكن كلّ الحسن في ذلك الخال ، وله عفا الله عنه (الرجز) : قاس الورّى وجه حبيبى بالقمر .. لجامع بينهما وهو الخفر .. قلت القياس باطل بفرقه .. وبعد ذا عندى في الوجه نظر ، وله (السريع) : وشادن ظلّت عيون الرّبا .. لمّا رأته مقبلا ساجده .. سألته من ريقه شربة .. فقال ذى مسألة بارده “.
وترجم له أبو الحسنات محمد عبد الحي اللكنوي الهندي في كتابه الفوائد البهية في تراجم الحنفية فقال : ” محمد بن عبد الرحمن بن علي المعروف بشمس الدين بن الصائغ كان نحريراً متبحراً جامعاً للعلوم ضابطاً للفنون سمع الحديث بمصر والشام وبرع ودرس وأفاد وله تصانيف منها التعليقة في المسائل الدقيقة ومجمع الفرائد سبعة عشر مجلداً والمباني في المعانى والمنهج القويم في فوائد تتعلق بالقرآن العظيم وشرح ألفية بن مالك في النحو وشرح مشارق الأنوار وشرح البردة وغير ذلك مات سنة 777.
قال الجامع : ذكره السيوطى في البغية وقال قال ابن حجر ولد سنة 710 واشتغال بالعلم وبرع في اللغة والنحو وأخذ عن الشهاب بن المرحل وأبي حيان والفخر الربيعي وسمع الحديث من الدبوسي وأبي الفتح العمري وكان ملازما الاشتغال كثير المعاشرة للرؤساء كثير الاستحضار فاضلا بارعاً حسن النظم والنثر حسن الأخلاق ولي قضاء العسكر وإفتاء دار العدل ودرس بالجامع الطولوني وغيره.
وله من التصانيف شرح المشارق في الحديث وشرح الألفية فى غاية الحسن والجمع والاختصار والتذكرة عدة مجلدات في النحو ونتائج الأفكار والرقم على البردة والوضع الباهر في رفع أفعل الظاهر واختراع المفهوم لاجتماع العلوم وروض الأفهام في إفهام الاستفهام وحاشية على مغني ابن هشام وصل فيها إلى أثناء الباء أخذ عنه العلامة عز الدين محمد بن أبي بكر بن جماعة وروى عن الجمال ظهيرة وعبد الله بن عمر بن عبد العزيز بن جماعة ومات فى حادي عشر شعبان سنة 776 وخلف ثروة واسعة انتهى ملخصا ، وذكره في حسن الحاضرة سنة 777 كما أرخه الكفوي “.

59 / ديوان الصبابة
(ديوان الصبابة) هو كتاب يتناول قصص وأشعار الحب والعشق والغرام والهجر التي اشتهرت في التراث العربي وقد جمعها الشاعر والكاتب ابن أبي حجلة التلمساني وأهداها إلى السلطان الناصر حسن بن محمد بن قلاوون والذي كان شغوفا بالأدب محبا للقراءة ، وهو شهاب الدين أَحْمد بن يحيى بن أبي بكر بن عبد الْوَاحِد بن أبي حجلة التلمساني ، ولد بزاوية جده الصالح الزاهد أبي حجلة عبد الواحد في مدينة تلسمان بالمغرب الأوسط ورحل إلى المشرق حيث قضى فترة في دمشق ثم استقر بالقاهرة وتوفي فيها عام 776 هـ / 1375 م.
وله كتاب آخر كتبه أيضا للناصر حسن بعنوان (سكردان السلطان) يمجد فيه أسرة قلاوون ومناقب أبنائها ويروري فيها بعض حكايات عن الملوك والقصور وما يتلعق بها من نوادر الشعر والنثر واستعمل كلمة سكردان التي تعني المائدة في دلالة على ما لذ وطاب في محتواه ، ويقول عن ذلك : ” وسميته سكردان السلطان لاشتماله على أنواع مختلفة من جد وهزل وولاية وعزل ونصيحة ملوك وآداب وسلوك وسير وعبر وتغيير دول وانتحال ملل وقطع طريق وجر مجانيق وأفعال مكرة وأعمال سحرة وبيان وتبيين ويقظة ومنام وبر وآثام “.
وله كتاب في الأدب والنقد جمع فيه كتابات شعراء وشاعرات عصره وسماه (رسالة مغناطيس الدر النفيس) حيث أرسل إليهم ليوافوه بنتاجهم النثري والشعري ويشرح في هذا الكتاب دوافعه لتأليفه فقال : ” فخشيت ضيعة الأدب وما يترتب بترك أهل الرتب فاستخرت الله تعالى في جمع شملهم في هذا المعجم والغوص في بحارهم التي يلزمها من الدر ملزم والسكوت عن مثل أمن أم أوفى دمنة لم تكلم فرار من ذكر ما اشتهر وأخلق ديباجة كتابه القمر فلا أذكر إلا من تأخر زمانه وبان في زهر منثور بانه ” ، وكتب عنه يقول : ” كتبت إلى أدباء الآفاق ومن غني بشعره في حجاز أو شبب به في عراق ومن ناثر وناثرة وشاعر وشاعرة لاستدعاء ما لهم من منظوم ومنثور ومروي ومأثور “.
وله ديوان شعر يتجاوز مائة صفحة وقال عن ذلك : ” واعلم أني لم أتخذ الشعر حرفة ولا سكنت من بيوته غرفة وبناء على أنه صناعتي وحبل بضاعتي وإنما دعاني إليه حب الأدب وشجية العرب ولم أكن من طلاب الرفد بشعري ولكنه كان يقال ما بطني بي قدري والله يغنينا من سعة فضله ” ، وقد وصفه زميله الشاعر برهان الدين القيراطي بقوله : ” شاعر طويل النفس منور المنثور إذا قبس كامل المقاصد جيد القصائد مطول المقاطيع بالبديع مستغن بمنثوره عن زهر الربيع غزير المروة صادق الأخوة ثقة في ما يؤخذ منه “.
وله كتاب من الأدب الصوفي يسمى (جوار الأخيار في دار القرار) كتبه بعد أن دفن ولده في قرافة الفسطاط ويقول في مقدمته : ” وبعد ، فلما مات ولدي محمد الولد السعيد الشهيد بالطاعون الحادث بالقاهرة المحروسة في شهر رجب الأحب سنة أربع وستين وسبعماية دفنته بالقرافة جوار سيدي عقبة بن عامر الجهني صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم رجا أن أدفن مع ولدي المشار إليه وتنزل بي الرحمة عند نزولي عليه ببركة من التجأت إلى جواره وألقيت على المسير فناء داره “.
وله أعمال أدبية أخرى منها كتاب غيث العارض في معارضة ابن الفارض (ويضم قصائد نبوية يحاكي فيها شعر ابن الفارض ويرد عليه) وكتاب منطق الطير وكتاب مجتبى الأدباء وكتاب المقامات (ويضم كتاباته النثرية المكتوبة على هيئة مقامات) وكتاب السجع الجليل فيما جرى في النيل وكتاب الطارىء على السكردان (ويضم إضافات على كتاب سكردان السلطان) وكتاب الأدب الغض وكتاب حاطب ليل (عدة مجلدات) وكتاب غرائب العجائب وعجائب الغرائب وكتاب مرآة العقول.
ذكره ابن حجر العسقلاني في كتابه الدرر الكامنة بأعيان المئة الثامنة فقال : ” أَحْمد بن يحيى بن أبي بكر بن عبد الْوَاحِد بن أبي حجلة شهَاب الدّين التلمساني ولد فِي بَلَده سنة 725 وَقدم الْقَاهِرَة وَحج وَدخل دمشق واشتغل بالأدب وولع بِهِ حَتَّى مهر ثمَّ ولّي مشيخة الصُّوفِيَّة بصهريج منجك ظَاهر الْقَاهِرَة وَاسْتمرّ حنفيا.
وَكَانَ كثير الْمُرُوءَة وجم الْفضل كثير الاستحضار وَأَنْشَأَ مقامات أَجَاد فِيهَا وَكَانَ يمِيل إِلَى مُعْتَقد الْحَنَابِلَة وَيكثر الْحَط على أهل الْوحدَة وخصوصاً ابْن الفارض وعارض جَمِيع قصائده بقصائد نبوية وَأوصى أَن تدفن مَعَه وَقد امتحن بِسَبَب ابْن الفارض على يَد السراج الْهِنْدِيّ قَاضِي الْحَنَفِيَّة وَمن نوادره أَنه لقب وَلَده جنَاح الدّين.
وَجمع مجاميع حَسَنَة مِنْهَا ديوَان الصبابة ومنطق الطير والسجع الْجَلِيل فِيمَا جرى فِي النّيل والسكردان وَالْأَدب الغض وَأطيب الطّيب ومواصيل المقاطيع وَالنعْمَة الشاملة فِي الْعشْرَة الْكَامِلَة وحاطب ليل فِي عدَّة مجلدات كالتذكرة وَنحر أَعدَاء الْبَحْر وعنوان السَّعَادَة وَدَلِيل الْمَوْت على الشَّهَادَة وَمن محَاسِن مقاطيعه قَوْله : نظمي علا وأصبحت .. أَلْفَاظه منمقه .. فَكل بَيت قلته .. فِي سطح دَاري طبقه.
وَمَات فِي سلخ ذِي الْقعدَة سنة 776 فِي الطَّاعُون قَرَأت بِخَط الشَّيْخ بدر الدّين الزَّرْكَشِيّ أَخْبرنِي أَحْمد الْأَعْرَج السَّعْدِيّ قَالَ رَأَيْته لَيْلَة وَفَاته وكأنهما تذاكرا شخصا كَانَت بَينه وَبَينه مهاجاة فقرأنا لَهما سُورَة الْإِخْلَاص والمعوذتين قَالَ فَقَالَ لي ابْن أبي حجلة تَأمل حالتيك وقرأت بِخَط الشَّيْخ شمس الدّين ابْن الْقطَّان كَانَ كثير الْعشْرَة للقبط والظلمة وَكَانَ يَقُول للشَّافِعِيَّة أَنه شَافِعِيّ وللحنفية أَنه حَنَفِيّ وللمحدّثين أَنه محدّث قَالَ وَكَانَ جده من الصَّالِحين “.
ويحكي ابن أبي حجلة في مقدمة كتابه ديوان الصبابة ما دار من مراسلات بينه وبين السلطان حسن يطلب منه جمع هذه الحكايات في العشق فقال : ” كتاب حوى أخبار من قتل الهوى وسار بهم في الحب في كل مذهب مقاطعيه مثل المواصيل لم تزل تشبب فيه بالرباب وزينب فهم ما هم تعرفهم بسيماهم قد تركهم الهوى كهشيم عقال المحتظر وأصبحوا من علة الجوى على قسمين فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر.
فهم ما بين قتيل وشهيد وشقي وسعيد على اختلاف طبقاتهم وأشكالهم وتباين مراتبهم وأحوالهم وغير ذلك مما تصبح به أوراقه يانعة الثمر وتمسي به صفحاته في كل ناحية من وجهها قمر فإذا نظرت إلى الوجود بأسره شاهدت كل الكائنات ملاحاً على أن جماعة من العصريين غلبوا من تقدم بالتأليف في هذا الباب ولم يفرق غالبهم في التشبيب بين زينب والرباب ..
على أنني لم أجحد ما في منازل الأحباب من ذكر حبيب ومنزل ولا تحملت على مصنفه فوا عجباً من قلبي المتحمل ولكن قصدت التنبيه على أن حسن التأليف مواهب وأن للناس فيما يعشقون مذاهب ومعلوم أن الجنون فنون وكل حزب بما لديهم فرحون ، ولم يزل كتابنا هذا في مسوداته منذ حجح وبيوته من بحورها في لجج لا أبيح ما فيه من منازل الأحباب لساكن ولا أمكن عاشقاً من المرور بتلك الأماكن : أغار إذا آنست في الحي أنة .. حذاراً وخوفاً أن تكون لحبه.
حتى برز لطلبه المرسوم الشريف الملكي الناصري أدام الله نشر إعلامه ولا أخلى كنانة من سهامه ما نفذت مراسيم سهام المقل وتثني قوام الحبيب الذي طاب به الزمان واعتدل ، فبادرت إلى تجهيزه وسبك إبريزه حسب المرسوم والمعدن الشريف من غير تسويف ولا تكليف ولم أبح زهر منثوره لغير حضرته الشريفة من الأنام لأنه كان يقال كل ما يصلح للمولى على العبد حرام لا جرم أنه جاء بنظره السعيد نزهة للنظر وقال الواقف على عتبة بابه أن السعادة لتلحظ الحجر فهو للسلطان بستان وللعاشق سلوان وللمحب الصادق جبيب موافق وللمهجور نجوة وللنديم قهوة وللناسي تذكرة وللأعمى تبصرة وللشاعر المجيد بيت القصيد وللأديب الماهر مثل سائر وللمحدث قصص وللحاسد غصص وللفقيه تنبيه وللحبيب بالقمر تشبيه “.
وفي ثنايا الكتاب يروي أنه أرسل للسلطان حسن قصة الشاعر ديك الجن لما لها من شهرة وصيت فقال : ” وكثيراً من الجهال وصف امرأته ومحاسنها لغيره فكان ذلك سبب فراقها واتصالها بالموصوف له وذلك من قلة عقله وحمقه وقد رأيت جماعة بهذه الصفة ومنهم من بالغ في الغيرة حتى قتل محبوه مخافة أن يموت هو فيمتنع بمحبوبه بعده غيره كما ذكر ذلك عن جماعة من جملتهم ديك الجن الحمصي.
وقد أفردت لحكايته رسالة مستقلة وسميتها قرع سن ديك الجن وكتبت بها إلى مولانا السلطان الناصر حسن في سنة ستين وسبعمائة وهو في سرياقوس فأصبحت وكان قد تقدم ما يوجب ذلك فلذلك أفسحت الرسالة المذكورة بقولي يقبل الأرض وينهي أن ديك الجن المذكور من جملة جنونه أنه كان يهوى جارية وغلاماً له فمن شدة حبه لهما وغيرته عليهما خشي أن يموت وأن غيره يتمتع بهما بعده فعمد إليهما فذبحهما بسيفه وأحرق جسديهما وصنع من رماد الجارية برنية للخمر ومن رماد الغلام برنية أخرى كذلك وكان يضعهما في مجس أنسه عن يمينه وشماله.
فكان إذا اشتاق إلى الجارية قبل البرنية المجعولة من رمادها وملأ منها قدحه وأنشد : يا طلعة طلع الحمام عليها .. وجنى لها ثمر الردى بيديها .. رويت من دمها التراب وطالما .. روى الهوى شفتي من شفتيها .. وأجلت سيفي في مجال خناقها .. ومدامعي تجري على خديها .. فوحق نعيلها وما وطيء الثرى .. شيء أعز علي من نعيلها .. ما كان قتلها لأني لم أكن .. أبكي إذا سقط الغبار عليها .. لكن بخلت على سواي بحسنها .. وأنفت من نظر العيون إليها.
وإذا اشتاق إلى الغلام قبل البرنية المجعولة من رماده وملأ منها قدحه وبكى وأنشد قوله فيه : أشفقت بأن يرد الزمان بغدره .. أو أبتلي بعد الوصال بهجره .. قمر أنا استخرجنه من دجنه .. لبليتي وأثرته من خدره .. فقتلته وله علي كرامة .. فلي الحشا وله الفؤاد بأسره .. عهدي به ميتاً كأحسن نائم .. والطرف يسفح دمعتي في نحره .. لو كان يدري الميت ماذا بعده .. بالحي منه بكى له في قبره .. غصص تكاد تفيض منها نفسه .. ويكاد يخرج قلبه من صدره.
أقول هذا الذي يقال له الجنون فنون فإنا لله وإنا إليه راجعون من فعل هذا المجنون على أنه من أرق الناس شعراً وأكثرهم للمحبوب ذكراً فمن شعره ونظمه الرائق قوله في الدعاء على المحبوب : كيف الدعاء على من خان أو ظلما .. ومالكي ظالم في كل ما حكما .. لا واخذ الله من أهمى بجفوته .. عني ولا اقتص لي منه ولا انتقما.
أقول صار الطالب مطلوب وهذا الفقه المقلبو ما كفله أنه فعل بالأحباب ما لا تفعله الكلاب حتى لا يقول لا واخذ الله من أهوى بجفوته ويمزج رقة شعره بقسوته فهو في الخفة والطيش وقتل المحبوب لا في أيش ولا علي ايش فمن غلب عليه هواه كما تراه ففعل بمحبوبه ما فعل وأقام ضربه بالسيف مقام القبل : أحبابه لما تفعلون بقلبه .. ماليس تفعله به أعداؤه ، وقد أثبتت هذه الرسالة بكمالها في الباب الأول من كتابي مرآة العقول “.

60 / مطلع النيرين
(مطلع النيرين) هو عنوان الديوان الشعري للأديب والشاعر برهان الدين إبراهيم بن عبد الله الطائي القيراطي الذي ولد في القاهرة عام 726 هـ / 1325 م وتوفي في مكة المكرمة عام 781 هـ / 1379 م ، ويرجع في نسبه إلى أسرة من العلماء والفقهاء ينتمي إلى قبيلة طيء العربية المعروفة والتي سكنت قرية القيراط بالحوف الشرقي (وهي اليوم قرية كفر النحال التي دخلت في زمام مدينة الزقازيق) ولذلك عرف بالقيراطي ، وله كتاب آخر جمع فيه كتاباته النثرية وآرائه الأدبية يعرف باسم (الوشاح المفصل).
كتب عنه الدكتور شوقي ضيف في كتابه تاريخ الأدب العربي فقال : ” وكان أبوه شيخا جليلا ولى القضاء بالمنوفية ودمياط وأسيوط ودرس فى مدرسة مجاورة للإمام الشافعى وبمشهد السيدة نفيسة والجامع الأزهر وتوفى سنة 740 هـ ، ونشأ برهان الدين بالقاهرة وحفظ القرآن الكريم واختلف إلى حلقات العلماء إلى أن برع فى الفقه وعلمى الأصول والعربية وأكبّ على كتب الحديث وأخذها عن أئمتها ودرّس وحدّث بالقاهرة.
واستيقظت فيه مبكرة موهبته الشعرية فكان ينظم المدائح ويدبجها فى السلطان حسن وغيره ، وسلك فى شعره طريقة ابن نباتة وتلمذ له وراسله وله فى وصف شعره ونثره تقريظ بديع احتفظ بفقرات منه الحموى فى باب الاقتباس بخزانته .. ورأى أن يجاور بمكة مثل كثيرين من علماء عصره وقبل عصره فرحل إليها وأخذ عنه جماعة من علمائها والقادمين عليها ورووا عنه ديوانه.
ولبرهان الدين غزل وجداني كثير أو كما يسميه البهاء زهير غزل على الطريقة الغرامية ، غزل يقدمه صاحبه لمحبوبته مؤملا فى الوصال ودائما لا وصال بل دموع وأشواق ووصف للصبابة والغرام والوجد الذى لا تنطفئ ناره فى قلوب أصحاب هذا الغزل مع مشاعر غامرة من اللطف والرقة ومع الألفاظ والأساليب الرشيقة من مثل قوله : بأبى لحظ غزال قائل فى الفلوات .. أخذت بابل عنه بعض تلك النّفثات .. حسنات الخدّ منه قد أطالت حسراتى .. أعشق الشامات منه وهى أسباب مماتى .. إنّ للموت بأقداح جفونى سكرات .. قلت قد مت غراما قال لى مت بحياتى “.
ومن شعره قصيدة كتبها في رثاء الإمام تقي الدين السبكي يقول في مطلعها : أمسى ضريحك موطن الغفران .. ومحلّ وفد ملائك الرحمن ، وله في الوصف : جفني وجفن الحب قد أحرزا .. وصفين من نيلك يا مصر .. جفني له يوم الوداع الوفا .. وجفنه الساجي له الكسر ، وكتب إلى صلاح الدين الصفدي مادحا : يا صلاح العلي صفا ودادي .. لا يرى عن أبي الصفا تحويلا .. فدع العتب إنني لست ممن .. لا يراعي من الأنام خليلا.
ومن قصائده الغزلية قوله : غرامى فيك يا قمرى غريمى .. وذكرك فى دجى ليلى نديمى .. وملّنى الحميم وصدّ عنى .. ومالى غير دمعى من حميم .. وكم سأل العواذل عن حديثى .. فقلت لهم على العهد القديم .. وعمّ يسائلون ولى دموع .. تحدّثهم عن النّبأ العظيم .. بدت فى خدّها شامات مسك .. كحظى أو كليلى أو همومى .. إذا نيران خدّيها تبدّت .. رأيت بهنّ جنّات النّعيم .. ومن شغفى بغصن القدّ منها .. أغار على الغصون من النسيم.
ومن قصائده في مدح السلطان حسن قوله : ولقد سريت بليل أسود شعرها .. وحمدت عند صباح مبسمها السرا .. قامت وقد لبست عقود حليهّا .. فرأيت غصنا بالجواهر مثمرا .. يا من إذا ما مر حلو حديثها .. يا صاح عن العتيق واسكرا .. ما لاح خصرك بالنحول موشحا .. إلا وأضحى بالصدود مفكرا .. أرخصت يوم البين سعر مدامعي .. وتركت قلبي بالغرام مسعرا .. لا تطمعي أن تملكي أهل الهوى .. فالناصر السلطان قد ملك الورى.
ذكره ابن حجر العسقلاني في كتابه الدرر الكامنة بأعيان المئة الثامنة فقال : ” إِبْرَاهِيم بن عبد الله بن مُحَمَّد بن عَسْكَر بن مظفر بن نجم بن شادي ابْن هِلَال القيراطي الشَّيْخ برهَان الدّين عين الديار المصرية ولد فِي صفر سنة 726 وَسمع على السديد الأربلي وَابْن السراج وَأحمد بن عَليّ الشتولي وَابْن شَاهد الْجَيْش وَغَيرهم واشتغل بالفقه وَأخذ عَن جمَاعَة من فُقَهَاء عصره وَمهر فِي الْآدَاب وَقَالَ الشّعْر ففاق أهل زَمَانه وسلك طَرِيق الشَّيْخ جمال الدّين ابْن نباتة وتلمذ لَهُ وراسلهوَكَانَ لَهُ اخْتِصَاص بالسبكي ثمَّ بأولاده وَله فيهم مدائح ومراثي وَبينهمْ مراسلات.
وَجمع ديوَان شعره ونثره وَعمل لَهُ خطْبَة حَسَنَة وَكَانَ جاور بِمَكَّة وَحدث بِهِ فِيهَا وَكتب عَنهُ جمَاعَة من علمائها والقادمين عَلَيْهَا وَمَات بهَا فِي شهر ربيع الآخر سنة 781 أَخذ عَنهُ شُيُوخنَا شيخ الْحفاظ أَبُو الْفضل الْعِرَاقِيّ وصهره الْحَافِظ نور الدّين وَالشَّيْخ بدر الدّين البشتكي والحافظ جمال الدّين ابْن ظهيرة والحافظ ولي الدّين ابو زرْعَة ابْن شَيخنَا والحافظ شمس الدّين ابْن الْجَزرِي وَالشَّيْخ نجم الدّين الْمرْجَانِي وَآخَرُونَ وَكتب من شعره عَنهُ بِالْإِجَازَةِ الْحَافِظ تَقِيّ الدّين الفاسي ولي مِنْهُ إجَازَة عَامَّة لخُصُوص المصريين “.
وذكره ابن تغري بردي في كتابه المنهل الصافي والمستوفي بعد الوافي فقال : ” برهان الدين القيراطي .. إبراهيم بن عبد الله بن محمد بن عسكر بن مظفر بن نجم بن شادي الشيخ الإمام العالم العلامة برهان الدين ابن مفتي المسلمين شرف الدين الطائي الطريفي الشهير بالقيراطي المصري الأديب الشاعر المشهور.
مولده في صفر سنة ست وعشرين وسبعمائة ونشأ بالقاهرة وحفظ القرآن الكريم وطلب العلم ولازم علماء عصره إلى أن برع في الفقه والأصول والعربية ودرس بأماكن وسمع صحيح البخاري على ابن شاهد الجيش وسمع أيضا منه مشيخته وعلى حسن بن السديد جزء السجستاني وبعض الغيلانيات على بعض أصحاب النجيب وغيره وحدث بالقاهرة ببعض مروياته وكثير من نظمه وكان له النظم الرأيق والنثر الفائق.
قلت : ومذهبي في الشيخ برهان الدين هذا أنه هو شاعر عصره بعد الشيخ جمال الدين بن نباته وأقرب الناس إليه من دون تلامذته ومعاصريه من شعراء عصره مع علمي بمن عاصره من الشعراء ولا حاجة لنا إلى ذكرهم فإنه أدق وأحلى وأرشق وسأذكر شيئا من نظمه بعد إثبات وفاته.
توفي ليلة الجمعة العشرين من شهر ربيع الآخر سنة إحدى وثمانين وسبعمائة بمكة المشرفة ودفن بالمعلاة بعد صلاة الجمعة رحمه الله ، والطريفي فخذ من طي والقيراطي نسبة إلى قيراط وهي بلدة بالشرقية من أعمال الديار المصرية.
ومن نظمه رحمه الله قصيدته : قسما بروضة خده ونباتها .. وبآسها المخضل في جنباتها .. وبسورة الحسن التي في خده .. كتب العذار بخطه آياتها .. وبقامة كالغصن إلا إنني .. لم أجن غير الصد من ثمراتها .. لأعزرن غصون بان زورت .. أعطافه بالقطع من عذباتها .. وأباكرن رياض وجنته التي .. ما زهرة الدنيا سوى زهراته “.
وقد أفرد تاج الدين السبكي في كتابه طبقات الشافعية الكبرى صفحات طويلة للمراسلات التي دارت بينه وبين برهان الدين القيراطي ومنها : ” كتب الشَّيْخ المُصَنّف أَسْبغ الله ظلاله إِلَى الشَّيْخ الإِمَام الْعَالم الأديب النحرير الْفَاضِل الْمُحدث الْمُفِيد برهَان الدّين أبي إِسْحَاق بن الشَّيْخ الْعَالم شرف الدّين عبد الله القيراطي الْمصْرِيّ من دمشق المحروسة يتشوق إِلَيْهِ فِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة أَربع وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة.
يقبل الأَرْض أدبا بَين يدى قبْلَة الْأَدَب وَيُوجه وَجهه عرُوض بَيتهَا الَّذِي رفع إِبْرَاهِيم قَوَاعِده بِكُل وتد وَسبب ويقلب قلبه فَإِذا ميلتها الذكرى لَهُ قَامَ كَأَنَّهُ يتمشى هُنَاكَ بالأحداق وَمد يَده لكأس الطَّرب وَأنْشد ، أمد كفي لحمل الكأس من رشأ .. وحاجتي كلهَا فِي حَامِل الكاس ، لَا بل أنْشد : أَمر على الديار ديار ليلى .. أقبل ذَا الْجِدَار وَذَا الجدارا .. وَمَا حب الديار شغفن قلبِي .. وَلَكِن حب من سكن الديارا.
فَهُوَ وَالله حب امتزج بِلَحْمِهِ وَدَمه واعتلج وَهُوَ الدَّوَاء مَعَ دائهما فأوجد حَقِيقَة عَدمه واختلج لكأسه كل عُضْو إِذا مَا شَارِب الْقَوْم احتساه أحس لَهُ دبيبا فِي أعظمه وَأنْشد : كَانَت لقلبى أهواء مفرقة .. فاستجمعت مذ رأتك الْعين أهواي .. فَصَارَ يحسدني من كنت أحسده .. وصرت مولى الورى إِذْ صرت مولَايَ.
لَا وَالله بل حب حل مِنْهُ مَحل الرّوح وَملك مَا يَغْدُو مِنْهُ ويغدي ويريح وَيروح وَعدل فِي الْأَعْضَاء فأباح لكل أَن يبوح بِمَا عِنْده وينوح وينشد : يجد الْحمام وَلَو كوجدي لانبرى .. شجر الْأَرَاك مَعَ الْحمام ينوح ، لَا وَالله بل حب خالط الْقلب فَمَا تشاكلا وَلَا تشابه الْأَمر بل اتحدا فَلم يقل رق الزّجاج وراقت الْخمر واتصلا فَلم يبت من حبه متقلبا على الْجَمْر بل أنْشد : أَنا من أَهْوى وَمن أَهْوى أَنا … نَحن روحان حللنا بدنا .. فَإِذا أبصرته أبصرتني .. وَإِذا أبصرتني أبصرتنا ..
فَكتب الشَّيْخ برهَان الدّين القيراطي جَوَابه : إِلَى شَيخنَا شيخ الْإِسْلَام أوحد الْمُجْتَهدين تَاج الدّين أبي نصر أَسْبغ الله ظلاله من الْقَاهِرَة المحروسة إِلَى الشَّام المحروسة يقبل الأَرْض المتطولة على ذَوي التَّقْصِير ببرها الْمُقَابلَة من بَابهَا المفتوح بِمَا لم يكن فِي حسان من خَيرهَا الْمُعَامَلَة لِعَبْدِهَا بِالْإِحْسَانِ.
وَلَوْلَا استرقاقها للْجَمِيع لَقلت وحرها البابلية النِّسْبَة إِذا سلبت رسائلها الْعُقُول إِمَّا بخمرها وَإِمَّا بسحرها المشنفة للأسماع من مغاص بحرها بدرهاالمزخرفة رياض البلاغة إِذا أنشأت سَحَاب الْإِنْشَاء لله درها بدرها حَتَّى فتنت بِحسن نفاستها الْفَتى وجليت عرائسها الَّتِي : خرجن فِي بهجة كالروض لَيْسَ لَهَا .. إِلَّا الْحلِيّ على لباتها زهر .. صب الشَّبَاب عَلَيْهَا وَهُوَ مقتبل .. مَاء من الْحسن مَا فِي صَفوه كدر.
فأبقى الله حماها حرما للاجى وجلا سَحَاب الْفضل من كل الْوُجُوه روضها العاجي : فصاغ مَا صاغ من تبر وَمن ورق .. وحاك مَا حاك من وشي وديباج .. وألبس الأَرْض من حلي وَمن حلل .. مَا يمتع الْعين من حسن وإبهاج ، وَرُوِيَ جهاتها الَّتِي يَقع ترابها من الرَّائِي مواقع المَاء من الصادي وَروض جنابها الَّذِي أهْدى زهره رَوَائِح الْجنان عِنْد بواكر الغوادي وطاب واديه فَأَيْنَ مِنْهُ : أَرض تخيرها لطيب مقيلها .. كَعْب بن مامة وَابْن أم دؤاد.
وحياها الحيا من مَوَاطِن وَلَا رَحل عَنْهَا من السرُور قاطن وَلَا زَالَت بأزهارها حَسَنَة الظَّاهِر وبأنهارها صَافِيَة الْبَاطِن : وَلَا بَرحت كف الثريا لربعها .. إِذا سمحت بالقطر ذَات سخاء ، حَتَّى يمْلَأ صحون ديارها قطر الأمطار وتصبح بِمَا صاغه الرّبيع تِلْكَ الأقطار : تضاحك الشَّمْس أنوار الرياض بهَا .. كَأَنَّمَا نثرت فِيهَا الدَّنَانِير .. وَتَأْخُذ الرّيح من ريحانها عبقا .. كَأَن ذَاك الثرى مسك وكافور.
متطيبا بِطيب ثراها متمسكا من محبتها الَّتِي لَا يفك عَنْهَا إِزَار صَدره بعراها ، شَاعِرًا بِأَنَّهُ فِي كل وَاد من ودها يهيم ناثرا من در لَفظه إِذا سهر فِي وصفهَا مَا يضيء بِهِ سنح اللَّيْل البهيم قَائِلا حِين أجراه الْأَدَب على الْعَادة فِي وُقُوفه تجاه كعبتها هَذَا مقَام إِبْرَاهِيم ، مُطلقًا فِي مدح أياديها لِسَان الْقَلَم الَّذِي أصبح بشعاره العباسي خطيب محاسنهامغترفا من بَحر أدبها الحلو مَا لَا يَنْبَغِي لصبابة آدابنا أَن تجاريه بآسنها.
مُسْتَعْملا عزائم شكره الَّتِي نفذ قَاضِي الْوَلَاء أَحْكَامهَا وأمضاها معملا ركائب مدحه الَّتِي أَصَحهَا حِين أضناها فِي ذَلِك وأضناها تاليا عَلَيْهِ لِسَان أمله حِين قلب طرفه فِي سمائها لذ بِهَذَا الْبَيْت {فلنولينك قبْلَة ترضاها} فرواها الله أَرضًا سقت السَّمَاء رياضها وَلَو نطق العَبْد بهَا شامية لأصاب حِين يَقُول غياضها إِي وَالله أهواها وأتعصب لَهَا وَإِن تقنعت بسواها وترتاح روحي لنسيمها العليل الَّذِي صَحَّ فِيهِ هَواهَا وأستشفي بعليل هوائها وأستعذب على النّيل الْفُرَات من مَائِهَا ..
مهديا سَلاما ينشر طيبه ويحاكيه من مسك دارين رطيبه ويخفق فِي خافقين من طَائِره الميمون الْجنَاح ويحمد الدَّهْر الساري فِي ليل نَفسه إِذا أطلع عَلَيْهِ فجر مَعَانِيه الصَّباح ويضيء فِي مشكاة الصَّدْر مِنْهُ مِصْبَاح وَالْقلب ذَاك الْمِصْبَاح ويخضب شباب نَفسه لمَم الدروج الْبيض فَلَا يكون لَهُ مِنْهَا نصول ويصبو الصابي إِلَى حمل رسائله ويتلقاه من ذَلِك الجناب قبُول الْقبُول.
إِلَى هَذَا الْبَيْت الْأنْصَارِيّ الَّذِي لَا زحاف فِيهِ وَلَا سناد فِي قوافيه وَلَا إقواء إِلَّا فِي أَبْيَات أعاديه وَلَا إيطاء إِلَّا على رِقَاب حساده وَلَا إكفاء إِلَّا على الْوَجْه لأضداده ، فَثَبت الله أوتاد هَذَا الْبَيْت وأقطابه وَوصل بِأَسْبَاب السَّمَاء أَسبَابه وَأَعلاهُ من جهاته السِّت على السَّبع الطباق وأبقاه لتختلس أقوالنا المسترقة من مَعَانِيه وَبَيَانه مَا يعليه فِي البديع من طباق “.
وترجم السبكي لوالده فقال : ” عبد الله بن مُحَمَّد بن عَسْكَر بن مظفر بن نجم بن شاذي بن هِلَال الشَّيْخ شرف الدّين أَبُو مُحَمَّد القيراطي ، سمع من شيخ الْإِسْلَام تَقِيّ الدّين بن دَقِيق الْعِيد والحافظ شرف الدّين الدمياطي وَغَيرهمَا وَكَانَت بَينه وَبَين الْوَالِد صُحْبَة أكيدة وَقَرَأَ على الْوَالِد فِي أصُول الْفِقْه ورافقه فِي الْقِرَاءَة على الْبَاجِيّ وَغَيره.
وَقد عرض على الْمَذْكُور قَضَاء حلب فَأبى ، مولده سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وسِتمِائَة وَتُوفِّي سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة ، وَمن شعره : يَا دَارهم باللوا حييت من دَار .. وَلَا تعداك صوب الْعَارِض الساري .. ودعت طيب حَياتِي يَوْم فرقتهم .. فالطرف فِي لجة وَالْقلب فِي نَار “.