المماليك البرجية الجزء الثالث

21 / تحفة أولي الألباب

(تحفة أولي الألباب في صناعة الخط والكتاب) هو عنوان كتاب متخصص في قواعد الخط العربي كتبه شيخ الخطاطين بالديار المصرية في القرن التاسع الهجري الشيخ زين الدين عبد الرحمن بن يوسف القاهري المعروف بلقب (ابن الصائغ) والذي ولد في القاهرة عام 769 هـ / 1367 م وتوفي فيها عام 845 هـ / 1442 م ، وقد اشتهر في زمنه بنسخ الكثير من الكتب والمصاحف وتناول في كتابه هذا تاريخ الخط العربي وأنواعه من طومار وجليل وريحاني وذكر أسماء أئمته وما يجب عمله لإجادته.

وقد استهل كتابه بمقدمة يقول فيها : ” بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم ، قال الله تعالى اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم فأضاف تعليم الخط إلى إلى نفسه وامتن به على عباده وأقسم بنون والقلم وما يسطرون فالقلم منار الإسلام ونظام الشرف عند الأئمة والملوك والأعلام.

يتلفظ بكتاب الله وسنة ويبرهم عن الحلال والحرام وما في ضمير العالم ونيته فهو سفير الممالك والحاكم في الدول حكم المالك ومفتاح السعادة والأرزاق وبه يجوز الكاتب قصب السباق ويحوز بالسبعة الأقلام السبع الطباق أرهف من السيوف كما ثبت في الأخبار الماضية وأعطف بحيله للجامع القاضي حتى يصير من فئة الطاعة الراضية قوام كل وزير وزين كل شريف وكم له من أياد تريك سر اللطيف “.

ذكره ابن حجر العسقلاني في إنباء الغمر فقال : ” عبد الرحمن بن علي، الشيخ زين الدين بن الصايغ كاتب الخطّ المنسوب تعلم الخط المنسوب من الشيخ نور الدين الوسيمي فأتقن قلم النسخ حتى فاق فيه على شيخه وأحبّ طريقة ابن العفيف فسلكها واستفاد فيها من شيخنا محمد بن أحمد بن علي الزفتاوي المصري.

وصارت له طريقة منتزعة من طريقة ابن العفيف وغازي ، وكان الوسيمي كتب على غازي وغازي كتب أوّلًا على الشمس محمد بن علي بن أبي رقيبة شيخ شيخنا الزفتاوي ، وهو تلميذ ابن العفيف ثم تحوّل غازي عن طريقة ابن العفيف إلى طريقة ولّدَها بينها وبين طريقة الزكي العجمي ففاق أهل زمانه في حسن الخطّ.

ونبغ في عصره شيخنا الزّفتاوي لكنه لم يحصل له نباهة لسكناه بالفسطاط ومهر عبد الرحمن وشيخنا وكذا شيخه وصرح كثير بتفضيله عليه ، ونسخ عدّة مصاحف وكُتُب وقرّر مُكَتبًا في عدّة مدارس وانتفع أهل العصر به وحصل له في آخر عمره انجماعٌ بسبب ضعف فانقطع إلى أن مات في نصف شوال في عشْر الثمانين “.

وذكره السخاوي في الضوء اللامع فقال : ” عبد الرَّحْمَن بن يُوسُف الزين القاهري الْمكتب وَيعرف بِابْن الصَّائِغ وَهِي حِرْفَة أَبِيه وسمى شَيخنَا فِي تَارِيخه وَالِده عليا وَهُوَ سَهْو ، ولد قبل سنة سبعين وَسَبْعمائة بِالْقَاهِرَةِ وَنَشَأ بهَا وَتعلم الْخط الْمَنْسُوب من النُّور الوسيمي تلميذ غَازِي ولازمه فِي اتقان قلم النّسخ حَتَّى فاق فِيهِ عَلَيْهِ حَسْبَمَا صرح بِهِ كَثِيرُونَ.

وَأحب طَريقَة ابْن الْعَفِيف فسلكها واستفاد فِيهَا من أبي عَليّ مُحَمَّد بن أَحْمد بن عَليّ الزفتاوي ثمَّ الْمصْرِيّ شيخ شَيخنَا وَصَارَت للزين طَريقَة منتزعة من طريقتي ابْن الْعَفِيف وغازي كَمَا رسم لغازي شيخ شَيْخه فَإِنَّهُ كَانَ كتب أَولا على الشَّمْس مُحَمَّد بن عَليّ بن أبي رقيبة شيخ الزفتاوي الْمَذْكُور وتلميذ الْعَلَاء مُحَمَّد بن الْعَفِيف الَّذِي أَخذ عَن أَبِيه عَن الْوَلِيّ العجمي عَن شهدة الكاتبة عَن ابْن أَسد عَن عَليّ بن البواب وَابْن السمسماني عَن مشايخها عَن أبي عَليّ بن مقلة.

ثمَّ تحول غَازِي عَن طَريقَة ابْن الْعَفِيف شيخ شَيْخه إِلَى طَريقَة وَلَدهَا بَينهمَا ويبن طَريقَة لْوَلِيّ العجمي ففاق أهل زَمَانه فِي حسن الْخط ونبغ فِي عصره الزفتاوي أَيْضا لَكِن لسكناه بالفسطاط لم يرج أمره وتصدى الزين الْمَذْكُور للتكتيب فَانْتَفع بِهِ النَّاس طبقَة بعد أُخْرَى وَنسخ عدَّة مصاحف وَغَيرهَا من الْكتب والقصائد ، وَصَارَ شيخ الْكتاب فِي وقته بِدُونِ مدافع وَقرر مكتبا فِي عدَّة مدارس ، وَشهد لَهُ شَيخنَا مَعَ كَونه الْغَايَة فِي اتقان الْفَنّ بمهارته وبراعته وَأثْنى عَلَيْهِ فِي تَارِيخه.

وَكنت مِمَّن أدْركهُ بآخر رَمق وكتبت عَلَيْهِ يَسِيرا وَكَذَا كتب عَلَيْهِ من قبل الْوَالِد وَالْعم ، وَكَانَ شَيخا ظريفا ذكيا فهما يستحضر شعرًا كثيرا ونكتا ونوادر صوفيا بِسَعِيد السُّعَدَاء وَحل لَهُ فِي آخر عمره انجماع بِسَبَب ضعف فَانْقَطع حَتَّى مَاتَ فِي رَابِع عشر شَوَّال سنة خمس وَأَرْبَعين وَدفن من الْغَد بتربة جوشن وَقد جَازَ الثَّمَانِينَ بِيَقِين وَإِن كَانَ شَيخنَا قَالَ انه فِي عشر الثَّمَانِينَ.

وَكَانَ قد سمع بِقِرَاءَة شَيخنَا على الْجمال الحلاوي الثَّالِث من أمالي ابْن الْحصين فِي صفر سنة تسع وَتِسْعين وَسَبْعمائة بمنزل يلبغا السالمي بقصر بشتاك وَأثبت اسْمه بِخَطِّهِ فِي الطَّبَقَة فَقَالَ والمجود عبد الرَّحْمَن ابْن يُوسُف الصَّائِغ الْمكتب وَلَكِن لم يعلم بذلك الطّلبَة من أَصْحَابنَا وَغَيرهم ، ورأيته فِيمَن قرض السِّيرَة المؤيدية لِابْنِ ناهض فَقَالَ بعد أَن قيل لَهُ : أيا شيخ كتاب الزَّمَان وزينها .. وَيَا من يزِيد الطرس نورا إِذا كتب .. لَعَلَّك على تثنى على شيخ ملكتا .. وَشَيخ مُلُوك الأَرْض فِي الْعلم وَالْأَدب.

كَمَا قرأته بِخَطِّهِ الْحَمد لله ولي كل نعْمَة حققت نسخ رقاع وقفت على ريحانها كتاب الطومار وَأَقْسَمت بالمصاحف انها مَا لحقت لَهَا غُبَار ولمحت هَذِه السِّيرَة المؤيدية وانتشقت نَفِيس نفائس الأنفاس الناهضية ووقفت على قَوَاعِد الْأَدَب والخط فَرَأَيْت مَا لَا رَأَيْته قطّ وتنزهت فِي أزهار رياضه الرياض وتحدقت فِي حدائق فاقت محَاسِن الأحداق بِالسَّوَادِ فِي الْبيَاض فهمت طَربا بِمَا سمعته من بديع الألحان ورقصت عجبا بِمَا شاهدته من رشاقة الأغصان وتأدبت مُوَافقَة لأهل الْآدَاب وكتبت مُتَابعَة للسادة الْكتاب فَالله تَعَالَى يمتع صَاحبهَا بالنصر والتأييد ويرزق مؤلفها من فَضله ويعينه على مَا يُرِيد بمنه وَكَرمه “.

22 / الخطط المقريزية

(الخطط المقريزية) هو اسم الشهرة لكتاب المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار والذي كتبه شيخ المؤرخين في مصر الإسلامية تقي الدين أبو العباس أحمد بن علي بن عبد القادر الحسيني المقريزي ، وتناول فيه بالتفصيل كلا من الفسطاط والقاهرة من الناحية الطبوغرافية (الأحياء والحارات والضواحي والآثار والمساجد والمدارس وغيرها من المنشآت) بما في ذلك قلعة الجبل كما كتب عن الأقاليم والمدن المصرية المشهورة وقتها خاصة الصعيد والواحات.

ولد المقريزي في القاهرة عام 766 هـ / 1364 م وتوفي فيها عام 845 هـ / 1441 م ، ويرجع في نسبه إلى الخلفاء الفاطميين حيث سكنت أسرته مدينة بعلبك في الشام (ونسبته إلى حارة المقارزة من حواريها وقتها) ثم نزح والده إلى مصر ليعمل في ديوان الإنشاء ، وقد عمل المقريزي مثل والده في دواوين الدولة حيث تولى منصب محتسب القاهرة أكثر من مرة وكانت أولها عام 801 هـ في عهد السلطان برقوق واشتغل أيضا بالإمامة والخطابة.

وقد تخصص المقريزي في الكتابة التاريخية حيث ألف عدة كتب في تاريخ مصر هي الأهم على الإطلاق حتى صارت كتاباته هي المرجع الأول في تاريخ مصر الإسلامية حتى عصر منتصف القرن التاسع الهجري وقد اهتم بكافة كتابات المؤرخين السابقين له فنقل عنهم ودون نتاجهم وحفظها من الضياع ، ومن أهم مؤلفاته كتاب اتعاظ الحنفا بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفا (وتناول فيه تاريخ الدولة الفاطمية) وكتاب السلوك لمعرفة دول الملوك (في تاريخ مصر في عصر الأيوبيين والمماليك مرتبة على السنين).

وله كتاب هام في رصد القبائل العربية في مصر وتوزيعها الجغرافي في زمنه وهو كتاب البيان والإعراب عما بأرض مصر من الأعراب ، وله في تراجم المعاصرين له من الشخصيات كتاب درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة وله في تراجم السابقين عليه كتاب المقفى الكبير وله في تاريخ الكوارث والأوبئة كتاب إغاثة الأمة بكشف الغمة وله في تاريخ تطور العملة كتاب شذور العقود في ذكر النقود وله في الموازيين كتاب الأوزان والأكيال وله في تاريخ الأديان كتاب شارع النجاة وكتاب نحل عبر النحل.

ومن مؤلفاته الأخرى في مجال التاريخ كتاب تاريخ الأقباط وكتاب تاريخ الحبش وكتاب الإلمام بأخبار من بأرض الحبشة من ملوك الإسلام وكتاب تاريخ بناء الكعبة وكتاب الطرفة الغريبة في أخبار حضرموت العجيبة وكتاب الخبر عن البشر (وهو كتاب كبير في تاريخ القبائل العربية) وكتاب منتخب التذكرة (في التاريخ العام) وكتاب عقد جواهر الأسفاط في ملوك مصر والفسطاط وكتاب تنازع والتخاصم في ما بين بني أمية وبني هاشم وكتاب إمتاع الأسماع بما للرسول من الأبناء والأموال والحفدة والمتاع (تسع مجلدات في السيرة النبوية).

وقد استهل كتابه الخطط بمقدمة قال فيها : ” وبعد ، فإنّ علم التاريخ من أجل العلوم قدرا وأشرفها عند العقلاء مكانة وخطرا لما يحويه من المواعظ والإنذار بالرحيل إلى الآخرة عن هذه الدار والاطلاع على مكارم الأخلاق ليقتدى بها واستعلام مذامّ الفعال ليرغب عنها أولو النهي ، لا جرم إن كانت الأنفس الفاضلة به وامقة والهمم العالية إليه مائلة وله عاشقة وقد صنف فيه الأئمة كثيرا وضمّن الأجلّة كتبهم منه شيئا كبيرا.

وكانت مصر هي مسقط رأسي وملعب أترابي ومجمع ناسي ومغنى عشيرتي وحامتي وموطن خاصتي وعامّتي وجؤجؤي الذي ربى جناحي في وكره وعش مأربي فلا تهوى الأنفس غير ذكره ، لا زلت مذ شذوت العلم وآتاني ربي الفطانة والفهم أرغب في معرفة أخبارها وأحبّ الأشراف على الاغتراف من آبارها وأهوى مسائلة الركبان عن سكان ديارها.

فقيدت بخطى في الأعوام الكثيرة وجمعت من ذلك فوائد قل ما يجمعها كتاب أو يحويها لعزتها وغرابتها إهاب إلاّ أنها ليست بمرتبة على مثال ولا مهذبة بطريقة ما نسج على منوال ، فأردت أن ألخص منها أنباء ما بديار مصر من الآثار الباقية عن الأمم الماضية والقرون الخالية وما بقي بفسطاط مصر من المعاهد غير ما كاد يفنيه البلى والقدم ولم يبق إلاّ أن يمحو رسمها الفناء والعدم.

وأذكر ما بمدينة القاهرة من آثار القصور الزاهرة وما اشتملت عليه من الخطط والأصقاع وحوته من المباني البديعة الأوضاع مع التعريف بحال من أسس ذلك من أعيان الأماثل والتنويه بذكر الذي شادها من سراة الأعاظم والأفاضل ، وأنثر خلال ذلك نكتا لطيفة وحكما بديعة شريفة من غير إطالة ولا إكثار ولا إجحاف مخل بالغرض ولا اختصار بل وسط بين الطرفين وطريق بين بين.

فلهذا سميته (كتاب المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار) ، وإني لأرجو أن يحظى إن شاء اللّه تعالى عند الملوك ولا ينبو عنه طباع العاميّ والصعلوك ويجله العالم المنتهي ويعجب به الطالب المبتدي وترضاه خلائق العابد الناسك ولا يمجه سمع الخليع الفاتك ويتخذه أهل البطالة والرفاهية سمرا ويعدّه أولو الرأي والتدبير موعظة وعبرا يستدلون به على عظيم قدرة اللّه تعالى في تبديل الأبدال ويعرفون به عجائب صنع ربنا سبحانه من تنقل الأمور إلى حال بعد حال.

فإن كنت أحسنت فيما جمعت وأصبت في الذي صنعت ووضعت فذلك من عميم منن اللّه تعالى وجزيل فضله وعظيم أنعمه عليّ وجليل طوله وإن أنا أسأت فيما فعلت وأخطأت إذ وضعت فما أجدر الإنسان بالإساءة والعيوب إذا لم يعصمه ويحفظه علام الغيوب ، وما أبرّئ نفسي أنني بشر .. أسهو وأخطئ ما لم يحمني قدر .. ولا ترى عذرا أولى بذي زلل .. من أن يقول مقرّا أنني بشر.

فليسبل الناظر في هذا التأليف على مؤلفه ذيل ستره إن مرّت به هفوة وليغض تجاوزا وصفحا إن وقف منه على كبوة أو نبوة فأيّ جواد وإن عنق ما يكبو وأيّ عضب مهند لا يكل ولا ينبو لا سيما والخاطر بالأفكار مشغول والعزم لالتواء الأمور وتعسرها فاتر محلول والذهن من خطوب هذا الزمن القطوب كليل والقلب لتوالي المحن وتواتر الإحن عليل ، يعاندني دهري كأني عدوّه .. وفي كل يوم بالكريهة يلقاني .. فإن رمت شيئا جاءني منه ضدّه .. وإن راق لي يوما تكدّر في الثاني.

اللهمّ غفرا ما هذا من التبرّم بالقضاء ولا التضجر بالمقدور بل إنه سقيم ونفثة مصدور يستروح أن أبدي التوجع والأنين ويجد خفا من ثقله إذا باح بالشكوى والحنين : ولو نظروا بين الجوانح والحشا .. رأوا من كتاب الحب في كبدي سطرا .. ولو جرّبوا ما قد لقيت من الهوى .. إذا عذروني أو جعلت لهم عذرا.

واللّه أسأل أن يحلي هذا الكتاب بالقبول عند الجلة والعلماء كما أعوذ به من تطرّق أيدي الحساد إليه والجهلاء وأن يهديني فيه وفيما سواه من الأقوال والأفعال إلى سواء السبيل إنه حسبنا ونعم الوكيل وفيه جلّت قدرته لي سلوّ من كل حادث وعليه عز وجل أتكل في جميع الحوادث لا إله إلا هو ولا معبود سواه “.

ويقول عن تقسيم الكتاب : ” وأما أجزاء هذا الكتاب فإنها سبعة : أولها يشتمل على جمل من أخبار أرض مصر وأحوال نيلها وخراجها وجبالها ، وثانيها يشتمل على كثير من مدنها وأجناس أهلها ، وثالثها يشتمل على أخبار فسطاط مصر ومن ملكه ، ورابعها يشتمل على أخبار القاهرة وخلائقها وما كان لهم من الآثار ، وخامسها يشتمل على ذكر ما أدركت عليه القاهرة وظواهرها من الأحوال ، وسادسها يشتمل على ذكر قلعة الجبل وملوكها ، وسابعها يشتمل على ذكر الأسباب التي نشأ عنها خراب إقليم مصر “.

وقد ذكره ابن حجر العسقلاني في كتابه إنباء الغمر بأبناء العمر وذلك في وفيات سنة  845 هـ فقال : ” أحمد بن علي بن عبد القادر بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن تميم بن عبد الصّمد الشيخ تقي الدين المقريزي ، وأصلهم من بعلبك ثم تحوّل أبوه إلى القاهرة وولى بها بعض ولايات من متعلقات القضاة ، وولى التوقيع في ديوان الإنشاء ، وكان مولد تقي الدين في سنة ستٍ وستين وسبعمائة ونشأ نشأةً حسنةً وحفظ كتابًا في مذهب أبي حنيفة تبعًا لجدّه لأمّه الشيخ شمس الدين بن الصايغ الأديب المشهور.

ثم لما ترعرع وجاوز العشرين ومات أبوه سنة سِت وثمانين تحوّل شافعيًا وأحبّ اتّباع الحديث فواظب على ذلك ونظر في عدة فنون ، وأوْلع بالتاريخ فجمع منه شيئًا كثيرًا وصنف فيه كتبًا وسمع من شيوخنا ومِمَّن قَبْلَهم قليلا كالطبردار وحدّث ببعض مسموعاته ، وكان لكثرة ولعه بالتاريخ يحفظ كثيرًا منه وكان حسن الصحبة حلوَ المحاضرة وحجّ كثيرًا وجاور مرّات ، وقد رأيت بعض المكيين قرأ عليه شيئًا من تصانيفه فكتب في أوّله (نسبة إلى تميم بن المعز بن المنصور بن القائم بن المهدي عبيد الله القائم بالمغرب قبل الثلاثمائة والمعزّ هو الذي بُنِيَت له القاهرة وهو أول من ملك من العُبيديين .. والله أعلم).

ثم إنه كشط ما كتبه ذلك المكّي من أوّل المجلّد وكان في تصانيفه لا يتجاوز في نسبه عبد الصّمد بن تميم ، ووقفْتُ على ترجمة جدّه عبد القادر – بخط الشيخ تقي الدين بن رافع – وقد نسبه أنصاريا فذكرتُ ذلك له فأنكر ذلك عَلَى ابن رافع وقال : مِن أيْنَ له ذلك ؟ ، وذكر لي ناصر الدين أخوه أنه بحث عن مستند أخيه تقيّ الدين في الانتساب إلى العبيديين فذكر لي أنّه دخل مع والده جامع الحاكم فقال له وهو معه في وسط الجامع: يا ولدي هذا جامع جدّك!  مات الشيخ تقي الدين في يوم الخميس التاسع عشر من شهر رمضان “.

وذكره ابن تغري بردي في كتابه النجوم الزاهرة وذلك في أحداث سنة 845 هـ فقال : ” وتوفى الشيخ الإمام العالم المحدث المفنن عمدة المؤرخين ورأس المحدثين تقىّ الدين أحمد بن على بن عبد القادر بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن تميم بن عبد الصمد البعلبكى الأصل المصرى المولد والوفاة المقريزى الحنفى ثم الشافعى ، هذا ما نقلناه من خطه وأملى علىّ نسبه الناصرىّ محمد ابن أخيه بعد وفاته إلى أن رفعه إلى علىّ بن أبى طالب من طريق الخلفاء الفاطميين وذكرناه فى غير هذا المصنف ، انتهى.

وكانت وفاته فى يوم الخميس سادس عشر شهر رمضان ودفن من الغد بمقابرالصوفية خارج باب النصر ، ووهم قاضى القضاة بدر الدين محمود العينى فى تاريخ وفاته فقال : فى يوم الجمعة التاسع والعشرين من شعبان ، انتهى.

سألت الشيخ تقي الدين رحمه الله عن مولده فقال : بعد الستين وسبعمائة بسنيّات ، وكان مولده بالقاهرة وبها نشأ وتفقه على مذهب الإمام الأعظم أبى حنيفة وهو مذهب جده لأمه الشيخ شمس الدين محمد بن الصائغ الحنفى ثم تحول شافعيا بعد مدة وذلك بعد موت والده فى سنة ست وثمانين وسبعمائة لأمر اقتضى ذلك ، واشتغل على مذهب الشافعى وسمع الكثير على عدة مشايخ ذكرنا أسماء غالبهم فى ترجمته فى (المنهل الصافي) مع مصنفاته باستيعاب يضيق هذا المحل عن ذلك.

وكان الشيخ تقي الدين رحمه الله تعالى إماما بارعا مفننا متقنا ضابطا دينا خيرا محبا لأهل السنة يميل إلى الحديث والعمل به حتى نسب إليه مذهب الظاهر وكان فيه تعصب على السادة الحنفية بغير لباقة يعرف ذلك من مصنفاته ، وفى الجملة هو أعظم من رأيناه وأدركناه فى علم التاريخ وضروبه مع معرفتى لمن عاصره من علماء المؤرخين والفرق بينهم ظاهر وليس فى التعصب فائدة “.

وفصل في كتابه المنهل الصافي مزيدا من المعلومات وذكر مؤلفات المقريزي التي قرأها بنفسه فقال : ” الشيخ تقي الدين المقريزي .. أحمد بن علي بن عبد القادر بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن تميم بن عبد الصمد الشيخ الإمام البارع عمدة المؤرخين وعين المحدثين تقي الدين المقريزي البعلبكي الأصل المصري المولد والدار والوفاة ، مولده بعد سنة ستين وسبعمائة بسنيات ونشأ بالقاهرة وتفقه على مذهب الحنفية وهو مذهب جده العلامة شمس الدين محمد بن الصائغ ثم تحول شافعياً بعد مدة طويلة لسبب من الأسباب ذكره لي.

وسمع الكثير من الشيخ برهان الدين إبراهيم بن أحمد بن عبد الواحد الشامي ومن ناصر الدين محمد بن علي الحراوي والشيخ برهان الدين الآمدي وشيخ الإسلام سراج الدين عمر البلقيني والحافظ زين الدين العراقي والهيثمي وسمع بمكة من ابن سكر والنشاوري وغيرهما ، وله إجازة من الشيخ شهاب الدين الأذرعي والشيخ بهاء الدين أبي البقاء والشيخ جمال الدين الإسنوي وغيرهم ، وتفقه وبرع وصنف التصانيف المفيدة النافعة الجامعة لكل علم وكان ضابطاً مؤرخاً مفنناً محدثاً معظماً في الدول.

ولي حسبة القاهرة غير مرة ، أول ولاياته من قبل الملك برقوق في حادي عشرين شهر رجب سنة إحدى وثمانمائة عوضاً عن شمس الدين محمد النجانسي ثم عزل بالقاضي بدر الدين العينتابي في سادس عشرين ذي الحجة من السنة ثم وليها عنه أيضاً ، وولي عدة وظائف دينية وعرض عليه قضاء دمشق في أوائل الدولة الناصرية فرد فأبى أن يقبل ذلك.

وكان إماماً مفنناً كتب الكثير بخطه وانتقى أشياء وحصل الفوائد واشتهر ذكره في حياته وبعد موته في التاريخ وغيره حتى صار به يضرب المثل ، وكان له محاسن شتى ومحاضرة جيدة إلى الغاية لا سيما في ذكر السلف من العلماء والملوك وغير ذلك ، وكان منقطعاً في داره ملازماً للعبادة والخلوة قل أن يتردد إلى أحد إلا لضرورة إلا أنه كان كثير التعصب على السادة الحنفية وغيرهم لميله إلى مذهب الظاهر.

وقرأت عليه كثيراً من مصنفاته وكان يرجع إلى قولي فيما أذكره له من الصواب ويغير ما كتبه أولاً في مصنفاته وأجاز لي جميع ما يجوز له وعنه روايته من إجازة وتصنيف وغير ذلك ، وسمعت عليه كتاب فضل الخيل للحافظ شرف الدين الدمياطي بكماله في عدة مجالس بقراءة الحافظ قطب الدين محمد الخضيري بسماعه من الحراوي بسماعه من المصنف وأخذت عنه وانتفعت به واستفدت منه.

وكان كثير الكتابة والتصنيف وصنف كتباً كثيرة من ذلك : إمتاع الأسماع في ما للنبي صلى الله عليه وسلم من الحفدة والمتاع في ست مجلدات رأيته وطالعته وهو كتاب نفيس وحدث به في مكة ، قال لي مؤلفه رحمه الله : سألت الله تعالى أن تكتب من هذا الكتاب نسخة بمكة وأن أحدث به ، فوقع ذلك في مجاورتي ولله الحمد ، وله كتاب الخبر عن البشر ذكر فيه القبائل لأجل نسب النبي صلى الله عليه وسلم في أربع مجلدات وعمل له مقدمة في مجلد.

وكتاب السلوك في معرفة دول الملوك في عدة مجلدات يشتمل على ذكر ما وقع من الحوادث إلى يوم وفاته ذيلت عليه في حياته من سنة أربعين وثمانمائة وسميته حوادث الدهور في مدى الأيام والشهور ولم ألتزم فيه ترتيبه ، وله تاريخه الكبير المقفى في تراجم أهل مصر والواردين إليها ذكر لي رحمه الله قال : لو كمل هذا التاريخ على ما أختاره لجاوز الثمانين مجلداً.

وله كتاب درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ذكر فيه من مات بعد مولده إلى يوم وفاته ثلاث مجلدات ، وكتاب المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار في عدة مجلدات وهو في غاية الحسن ، وكتاب نحل عبر النحل ، وكتاب تجريد التوحيد ، وكتاب مجمع الفرائد ومنبع الفوائد كمل منه نحو الثمانين مجلداً كالتذكرة ، وكتاب شذور العقود ، وكتاب ضوء الساري في معرفة خبر تميم الداري.

وكتاب الأوزان والأكيال الشرعية ، وكتاب إزالة التعب والعنى في معرفة الحال في الغنى ، وكتاب التنازع والتخاصم فيما بين بني أمية وبني هاشم ، وكتاب حصول الإنعام والمير في سؤال خاتمة الخير ، وكتاب المقاصد السنية في معرفة الأجسام المعدنية ، وكتاب البيان والإعراب عما في أرض مصر من الأعراب ، وكتاب الإلمام في تأخر من بأرض الحبشة من ملوك الإسلام ، وكتاب الطرفة الغربية في أخبار دار حضرموت العجيبة.

وكتاب في معرفة ما يجب لآل البيت من الحق على من عداهم ، وكتاب في ذكر من حج من الخلفاء والملوك ، وكتاب عقد جواهر الأسفاط من أخبار مدينة الفسطاط ، وكتاب اتعاظ الحنفاء بأخبار أئمة الخلفاء ، وله عدة تصانيف أخر ، ولم يزل ضابطاً حافظاً للوقائع والتاريخ إلى أن توفي يوم الخميس سادس عشر شهر رمضان سنة خمس وأربعين وثمانمائة ودفن من الغد بمقبرة الصوفية خارج باب النصر من القاهرة رحمه الله تعالى “.

وذكر السخاوي في الضوء اللامع جانبا من أعماله ووظائفه فقال : ” وَنظر فِي عدَّة فنون وشارك فِي الْفَضَائِل وَخط بِخَطِّهِ الْكثير وانتقى وَقَالَ الشّعْر والنثر وَحصل وَأفَاد وناب فِي الحكم وَكتب التوقيع وَولي الْحِسْبَة بِالْقَاهِرَةِ غير مرّة أَولهَا فِي سنة إِحْدَى وَثَمَانمِائَة والخطابة بِجَامِع عَمْرو وبمدرسة حسن والإمامة بِجَامِع الْحَاكِم وَنَظره وَقِرَاءَة الحَدِيث بالمؤيدية عوضا عَن الْمُحب بن نصر الله حِين استقراره فِي تدريس الْحَنَابِلَة بهَا وَغير ذَلِك.

وحمدت سيرته فِي مباشراته وَكَانَ قد اتَّصل بِالظَّاهِرِ برقوق وَدخل دمشق مَعَ وَلَده النَّاصِر فِي سنة عشر وَعَاد مَعَه وَعرض عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا مرَارًا فَأبى وَصَحب يشبك الدوادار وقتا ونالته مِنْهُ دنيا بل يُقَال أَنه أودع عِنْده نَقْدا.

وَحج غير مرّة وجاور وَكَذَا دخل دمشق مرَارًا وَتَوَلَّى بهَا نظر وقف القلانسي والبيمارستان النوري مَعَ كَون شَرط نظره لقاضيها الشَّافِعِي وتدريس الأشرفية والإقبالية وَغَيرهَا ثمَّ أعرض عَن ذَلِك وَأقَام بِبَلَدِهِ عاكفا على الِاشْتِغَال بالتاريخ حَتَّى اشْتهر بِهِ ذكره وَبعد فِيهِ صيته وَصَارَت لَهُ فِيهِ جملَة تصانيف كالخطط للقاهرة وَهُوَ مُفِيد لكَونه ظفر بمسودة الأوحدي كَمَا سبق فِي تَرْجَمته فَأَخذهَا وزادها زَوَائِد غير طائلة.

وقرض سيرة الْمُؤَيد لِابْنِ ناهض وَقد قَرَأت بِخَطِّهِ أَن تصانيفه زَادَت على مِائَتي مجلدة كبار وَأَن شُيُوخه بلغت سِتّمائَة نفس .. وَكَانَ كثير الاستحضار للوقائع الْقَدِيمَة فِي الْجَاهِلِيَّة وَغَيرهَا وَأما الوقائع الإسلامية وَمَعْرِفَة الرِّجَال وأسمائهم وَالْجرْح وَالتَّعْدِيل والمراتب وَالسير وَغير ذَلِك من أسرار التَّارِيخ ومحاسنه فَغير ماهر فِيهِ.

وَكَانَت لَهُ معرفَة قَليلَة بالفقه والْحَدِيث والنحو واطلاع على أَقْوَال السّلف وإلمام بِمذهب أهل الْكتاب حَتَّى كَانَ يتَرَدَّد إِلَيْهِ أفاضلهم للاستفادة مِنْهُ مَعَ حسن الْخلق وكرم الْعَهْد وَكَثْرَة التَّوَاضُع وعلو الهمة لمن يَقْصِدهُ والمحبة فِي المذاكرة والمداومة على التَّهَجُّد والأوراد وَحسن الصَّلَاة ومزيد الطُّمَأْنِينَة فِيهَا والملازمة لسننه

وعد من النَّوَادِر كل ذَلِك مَعَ تبجيل الأكابر لَهُ إِمَّا مداراة لَهُ خوفًا من قلمه أَو لحسن مذاكراته ، وَقد حدث بِبَعْض تصانيفه ومروياته بِمَكَّة والقاهرة سمع مِنْهُ الْفُضَلَاء .. وَقد تَرْجمهُ شَيخنَا فِي مُعْجَمه بقوله وَله النّظم الْفَائِق والنثر الرَّائِق والتصانيف الباهرة وخصوصا فِي تَارِيخ الْقَاهِرَة فَإِنَّهُ أَحْيَا معالمها وأوضح مجاهلها وجدد مآثرها وَترْجم أعيانها “.

23 /  تحفة الأحباب

(تحفة الأحباب في نصب الباذاهنج والمحراب) هو عنوان الكتاب الذي صنفه شيخ علماء الرياضيات والفلك بالديار المصرية في القرن التاسع الهجري أحمد بن رجب بن طيبغا بن عبد الله المعروف بلقب (ابن المجدي) ، ويتناول فيه حساب اتجاه القبلة من أي موضع وكذلك حساب الموضع الأنسب لملقف الهواء في المباني (وهو الجزء المعروف بالشخشيخة والذي يسمح بدخول الضوء والهواء البارد إلى داخل المبنى ويعرف بالفارسية باسم الباذهنج وكان يوجد دائما في أسطح العمائر أو في أعلى حائط فيها).

ولد ابن المجدي في القاهرة عام 767 هـ / 1365 م وتوفي فيها عام 850 هـ / 1447 م وهو أحد أبناء المماليك (أولاد الناس) حيث كان جده طيبغا العلائي من كبار القادة العسكريين (أمير مائة ومقدم ألف وهي أعلى رتبة عسكرية في النظام المملوكي) ، تلقى العلم على شيوخ عصره ونبغ في مجال الحساب والرياضيات والهندسة والمواقيت والفرائض وحساب المثلثات وصنف فيها ما يزيد على خمسين كتابا وتخرج على يده عدد كبير من التلاميذ من أشهرهم ابن الجيعان وبدر الدين المناوي وغيرهم.

وكان ابن المجدي يعيش ملازما لداره المجاورة لجامعة الأزهر وقد استغنى عن الحاجة إلى غيره فقد كان يعيش من عائد أرض وعقارات ورثها عن أبيه وجده بل إنه كان ينفق من ماله على طلبته الفقراء ، ومن أشهر مؤلفاته كتاب إرشاد الحائر إلى تخطيط فضل الدائر (رسالة على ثلاثة أقسام وخاتمة في مجال علم الهيئة وقد لخصها المؤلف باسم (زاد المسافر في معرفة رسم فضل الدائر على البسائط والقائمات والمائلات).

وله كتاب الدر اليتيم في تسهيل صناعة التقويم (وصفه المؤرخون بأنه نفيس في بابه) وله رسالة كشف الحقائق في حساب الدرج والدقائق (مؤلفة  من بابين وخاتمة تعالج موضوع النسبة الستينية) ورسالة في العمل بالربع الموسوم بالمقنطرات ورتبها على مقدمة وعشرة فصول وخصصها للمبتدئين لمعرفة العمل بالربع (من الآلات الفلكية المستخدمة في الرصد) وله كتاب كنز اليواقيت في الكشف عن أصول المواقيت (مقدمة وخمس مقالات وضعه تعليقاً على رسالة الشيخ الإمام أبي العباس أحمد السراج القلاني الحلبي).

 وله كتاب الجامع المفيد في الكشف عن أصول مسائل التقويم والمواليد (مقدمة وثلاث مقالات وخاتمة) وكتاب التسهيل والتقريب في بيان طرق الحل والتركيب (في علم الهيئة) وكتاب إرشاد السائل إلى أصول المسائل (في الفلك وهو شرح على كتاب الدر المنثور في العمل بالربع الدستور لجمال الدين المارديني) وكتاب حاوي اللباب وشرح وتلخيص الحساب شرح كتاب تلخيص الحساب لأبي العباس أحمد البناء  في جزأين) وفرغ من تأليفه سنة 834 هـ.

وله رسالة الروض الأزهر في العمل بالربع المستر (مختصر في العمل بربع المقنطرات المطوية المقطوعة على مدار الاعتدال ورتبها على مقدمة وعشرة أبواب) وكتاب إبراز لطائف الغوامض وإحراز صناعة الفرائض (مختصر لكتاب الكافي في مواريث الأمة للمؤلف) ورسالة العشرة فصول (في الحساب ورتبها على مقدمة وعشرة فصول) وكتاب غنية الفهيم في الطريق إلى حل التقويم (رتبها على ثلاثة أبواب ووردت أيضا باسم اللمعة في تقويم السبعة).

ومن أهم إنجازاته العلمية في الفلك معرفة كيفية التعرف على حال كوكب معين في وقت معين ومعرفة الظل الواقع في السطح الموازي للأفق في أي وقت معين ومعرفة الظل الواقع في السطح الموازي لمعدل النهار وسمته وإخراج الجهات بارتفاع قطب المعدل للنهار ومعرفة الجهات على أي سطح من الأسطحة القائمة والمائلة والساعات الفلكية بالإضافة إلى التعرف على ارتفاع الشمس إذا ألقت شعاعها في موضع لا يمكن الوصول إليه.

واهتم ابن المجدي بدراسة الكواكب في حالاتها المختلفة منها زحل والقمر وبرهن على جميع مسائل كتاب سبط المارديني الدر المنثور في العمل بربع الدستور بواسطة الخطوط وأشكالها وبواسطة طريق النسبة وترتيب حدودها وبواسطة الطرق الهندسية وذلك في كتابه إرشاد السائل في أصول المسائل كما وضع عدة مباحث في معرفة عمق الآبار وسعة الأنهار ومسافة ما بين الجبلين وأيهما أقرب للسائر في الطريق.

ويقول ابن المجدي في مقدمة كتابه تحفة الأحباب : ” بسم الله الرحمن الرحيم ، قال الشيخ الإمام العالم العلامة الشيخ شهاب الدين أحمد بن المجدي قدَّس الله روحه ونوَّر ضريحه : الحمد لله على نعمائه وأفضاله والصلاة والسلام على سيدنا محمد أشرف خلقه وآله وصحبه أجمعين.

وبعد ، فهذه رسالة لطيفة سمَّيتها بتحفة الأحباب في نصب الباذاهنج والمحراب ، نذكر ذلك في عرض مخصوص ويقاس عليه غيره فنقول : اعلم أن سمت القبلة بمدينة مصر حماها الله تعالى على سبعة وثلاثين درجة وسمت الباذاهنج على سبعة وعشرين درجة ونصف ،   كلٌّ منهما في الربع الشرقي الجنوبي.

فإذا استخرجت الجهات في الدائرة المرسومة في سطح الأفق وأبعدت عن نقطة المشرق على المحيط في جهة الجنوب بقدر السمتين وعلمت في المحيط علامة وأخرجت منها إلى المركز خطًّا ونفذته إلى الجهة الأخرى حصل سمت القبلة أو الباذاهنج وطرفه الذي يلي المشرق هو جهة القبلة ثم ربع سمت الباذاهنج يحصل تربيعه وكذا تصنع في غيرهما من السموت للقبلة أو لسمت أي بلد شئت إذا كان معلومًا “.

وقد ذكره جلال الدين السيوطي في كتابه نظم العقيان في أعيان الأعيان فقال : ” ابْن المجدي الفلكي شهَاب الدّين أَحْمد بن رَجَب ، أَحْمد بن رَجَب بن طيبغا بن عبد الله الإِمَام الْعَلامَة شهَاب الدّين بن المجدي الشَّافِعِي الفرضي الحاسب ولد فِي الْعشْر الأول من ذِي الْحجَّة سنة سبع وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة واشتغل بالعلوم وبرع فِيهَا وَصَارَ رَأس النَّاس فِي الْفَرَائِض والحساب بأنواعه والهندسة والميقات بِلَا مُنَازعَة وَله فِي ذَلِك مصنفات فائقة ويقرىءْ فِي الْفِقْه والعربية وَغَيرهمَا وانتفع بِهِ النَّاس ، مَاتَ فِي ذِي الْقعدَة سنة خمسين وَثَمَانمِائَة وَلم يخلف بعده فِي فنه مثله “.

وترجم له الحافظ شمس الدين السخاوي في كتابه الضوء اللامع لأهل القرن التاسع فقال : ” أَحْمد بن رَجَب بن طيبغا المجدي أحد مقدمي الألوف الشهَاب بن الزين القاهري الشَّافِعِي وَيعرف بِابْن المجدي نِسْبَة لجده ، ولد فِي الْعشْر الأول من ذِي الْحجَّة سنة سبع وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة بِالْقَاهِرَةِ وَنَشَأ بهَا فحفظ الْقُرْآن وَبَعض الْمِنْهَاج ثمَّ جَمِيع الْحَاوِي وألفية النَّحْو وَغير ذَلِك.

وتفقه بالبلقيني وَابْن الملقن والكمال الدميري والشرف مُوسَى بن البابا وَبِه انْتفع فِي الْحَاوِي لمزيد تقدمه فِيهِ وَالشَّمْس الْعِرَاقِيّ وَعنهُ أَخذ الْفَرَائِض وَغَيرهَا ، وَكَذَا أَخذ الْفَرَائِض والحساب عَن التقي بن عز الدّين الْحَنْبَلِيّ والعربية عَن الشَّمْس العجيمي وَقيد عَنهُ شرحا على الشذور فِي آخَرين مِنْهُم فِي الْمِيقَات ومتعلقاته الْجمال المارداني وَكَانَ يخبر أَنه سمع الْمُوَطَّأ على المحيوي الْقَرَوِي وجد فِي الطّلب واجتهد بأعظم سَبَب بِحَيْثُ كَانَ يَحْكِي أَنه مر على الميمي خمْسا وَسِتِّينَ مرّة.

وبرع فِي فنون تقدم بذكائه المفرط الَّذِي قل أَن يوازى فِيهِ وأشير إِلَيْهِ بالتقدم قَدِيما وَصَارَ رَأس النَّاس فِي أَنْوَاع الْحساب والهندسة والهيئة والفرائض وَعلم الْوَقْت بِلَا مُنَازع ، واشتهر بإجادة إقراء الْحَاوِي وانتدب للإقراء وانتفع بِهِ الْفُضَلَاء وَأخذ عَنهُ الْأَعْيَان من كل مَذْهَب طبقَة بعد أُخْرَى وَمِمَّنْ لَازمه وانتفع بِهِ شَيخنَا ابْن خضر والنور الْوراق الْمَالِكِي والشرف بن الجيعان وَالسَّيِّد عَليّ والشهاب السجيني والهيثمي والبدر المارداني والزين زَكَرِيَّا والبدر حسن الْأَعْرَج.

وَحكى لي عَنهُ أَنه صعد القلعة للاجتماع بالأشرف فِي قَضِيَّة ضَاقَ صَدرا بهَا فَمَا تيَسّر فَرجع وَقد تزايد كربه فاتفق أَنه دخل مدرسة قريبَة من القلعة فَتَوَضَّأ وَصلى رَكْعَتَيْنِ وَرفع رَأسه فَوجدَ بِجَانِب مِحْرَابهَا مَكْتُوبًا : دعها سَمَاوِيَّة تجْرِي على قدر .. لَا تعترضها بِأَمْر مِنْك تنفسد ، فَاسْتَبْشَرَ بذلك وآلى أَن قضى أمره أَن يضمنهُ فِي أَبْيَات فَلم يلبث أَن جَاءَ قَاصد السُّلْطَان بِطَلَبِهِ وَحصل الْغَرَض فَقَالَ فِي أثْنَاء أَبْيَات : فَقلت للفكر لما صَار مضطربا .. وخانني الصَّبْر والتفريط وَالْجَلد .. دعها سَمَاوِيَّة تجْرِي على قدر .. لَا تعترضها بأمر منك تنفسد .. فخفني بخفي اللطف خالقنا .. نعم الْوَكِيل وَنعم العون والمدد.

وَكَذَا حَكَاهَا لي عَنهُ الشّرف بن الجيعان وَعين الْمَكَان ، وَكنت مِمَّن أَخذ عَنهُ ، وَمِمَّنْ حضر عِنْده الشَّيْخ الشهَاب الكلوتاتي الْمُحدث الشهير ، وَله تصانيف كَثِيرَة فائقة مِنْهَا الدوريات وجزء فِي الحناني وَآخر فِي قَول الْمَدْيُون لرب الدّين ضع وتعجل ومختصر فِي الْفَرَائِض بديع لم يسْبق إِلَيْهِ سَمَّاهُ إبراز لطائف الغوامض فِي إِحْرَاز صناعَة الْفَرَائِض وَآخر أكبر مِنْهُ لكنه لم يشْتَهر كاشتهاره لكَونه لم يتم فَإِنَّهُ قِسْمَانِ علمي وَتمّ فِي مُجَلد وعملي لم يتم كتب مِنْهُ كراريس وَتعرض فِيهِ لخلاف الْأَرْبَعَة سَمَّاهُ الْكَافِي.

وَشرح الجعبرية والرسالة الْكُبْرَى وَهِي سِتُّونَ بَابا لشيخه المارداني وَالتَّلْخِيص لِابْنِ الْبناء فِي الْحساب وَهُوَ عَظِيم الْفَائِدَة بل هُوَ من أعظم تصانيفه فِي مُجَلد ضخم والرسالة لِابْنِ السراج وَله أَيْضا فِي الْحساب المبتكرات فِي دون كراس وَكَذَا من تصانيفه إرشاد الحائر فِي الْعَمَل بِربع الدائر وَزَاد الْمُسَافِر وَالْقَوْل الْمُفِيد فِي جَامع الْأُصُول والمواليد والدرر فِي مُبَاشرَة الْقَمَر والدر الْيَتِيم فِي حل الشَّمْس وَالْقَمَر وَهُوَ نَفِيس فِي بَابه وكشف الْحَقَائِق فِي حِسَاب الدرج والدقائق.

والمنهل العذب الزلَال فِي معرفَة حِسَاب الْهلَال والفصول فِي الْعَمَل بالمقنطرات ورسالة فِي الْعَمَل بالجيب والضوء الأح فِي وضع الخطوط على الصفائح ورسالة فِي الرّبع المستر وَأُخْرَى فِي الرّبع الْهِلَالِي وكراسة فِي معرفَة الأوساط وَأُخْرَى فِي اسْتِخْرَاج التواريخ بَعْضهَا من بعض ، وَله فِي إِخْرَاج الْقبْلَة بِثَلَاث نقط من غير دَائِرَة اثْنَا عشر بَيْتا وَشَرحهَا والتسهيل والتقريب فِي طرق الْحل والتركيب والإشارات فِي كَيْفيَّة الْعَمَل بالمحلولات والمنثورة فِي عُلُوم شَتَّى وَله مُصَنف فِي الحَدِيث وَكِتَابَة جَيِّدَة على الفتاوي.

كل ذَلِك مَعَ الدّيانَة وَالْأَمَانَة والثقة والتواضع والسكون والسمت الْحسن وإيراد النُّكْتَة والنادرة والظرف والانجماع عَن النَّاس بمنزله المجاور للأزهر والاستغناء عَنْهُم بإقطاع بِيَدِهِ بل كَانَ يبر الطّلبَة والفقراء أَيْضا وَبَلغنِي أَنه كَانَ يَقُول إِذا استغرقت فِي غوامض الْمِيقَات أحس بالظلام فِي قلبِي وَأَنِّي كالممقوت ، وَولي مشيخة الجانبكية الدوادارية بالشارع ولاه إِيَّاهَا الْأَشْرَف وَهُوَ المبتكر للتصوف فِيهَا لكَون واقفها كَانَ عتيقه وَأسْندَ إِلَيْهِ وَصيته.

وَاسْتمرّ على طَرِيقَته الجميلة حَتَّى مَاتَ فِي لَيْلَة السبت حادي عشر ذِي الْقعدَة سن ة خمسين عَن أَربع وَثَمَانِينَ سنة وَدفن من الْغَد بِالْقربِ من الطَّوِيلَة فِي مشْهد حسن أمّهم شَيخنَا وَلم يخلف بعده فِي فنونه مثله وَلم يذكرهُ شَيخنَا مَعَ وَاقعَة دينية اتّفقت لَهُ عَارضه فِيهَا بمقصد صَالح من كل مِنْهُمَا أَشَارَ إِلَيْهَا فِي سنة ثَلَاثِينَ.

وَقد قَالَ الْعَيْنِيّ فِي تَارِيخه كَانَ من أهل الْعلم وَالدّين كَاف الشَّرّ عَن النَّاس مُنْقَطِعًا عَنْهُم ملازما لبيته وَعِنْده بعض مسك الْيَد مَعَ الْقُدْرَة على الدُّنْيَا انْتهى، ومستنده فِي ذَلِك فِيمَا ظهر لي أَنه لأجل كَون عِيَاله كن إِمَاء كَانَ يخرج لَهُنَّ مَا يحتجن إِلَيْهِ فِي كل يَوْم بِالْمَعْرُوفِ خوفًا من تبذيرهن ويصل ذَلِك كَذَلِك على لِسَان النسْوَة إِلَى الْبَدْر لكَونه من جِيرَانه وَإِلَّا فَلم أر من طلبته الْفُقَرَاء وَنَحْوهم إِلَّا وَهُوَ يذكر بره وصلته إِلَيْهِ رَحمَه الله وإيانا “.

24 / الدرر الكامنة بأعيان المائة الثامنة

(الدرر الكامنة بأعيان المائة الثامنة) هو عنوان أول كتاب يتناول التراجم والسير الذاتية خلال قرن كامل من الزمان وهو القرن الثامن الهجري وهو من تصنيف الإمام ابن حجر العسقلاني ، وقد سار على نهجه من بعده عدد كبير من المؤرخين حيث صنف السخاوي كتابه الضوء اللامع لأهل القرن التاسع وصنف الغزي كتابه الكواكب السائرة بأعيان المئة العاشرة وصنف المحبي كتابه خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر وصنف الحسيني كتابه سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر وهكذا.  

ومؤلف الكتاب هو الإمام شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن محمد بن علي بن محمود بن أحمد بن أحمد الكناني العسقلاني ثم المصري الشافعي والمعروف بلقب (أمير المؤمنين في الحديث) ، ولد في الفسطاط عام 773 هـ / 1371 م وتوفي بالقاهرة عام 852 هـ / 1448 م ، وترجع أصوله إلى فرع بني حجر من قبيلة كنانة العربية التي سكنت في عسقلان بفلسطين ثم نزحت إلى مصر أثناء الحروب الصليبية.

رحل في طلب العلم إلى الصعيد والإسكندرية ثم سافر إلى الحجاز واليمن والشام وحلب وتتلمذ على يد كل من سراج الدين البلقيني وابن الملقن وعز الدين ابن جماعة والفيروزآبادي ، ومن تلاميذه زكريا الأنصاري والسخاوي وابن تغري بردي والكمال بن الهمام والبقاعي وغيرهم ، واشتهر بعقد مجالس الإملاء وتولى منصب قاضي قضاة الشافعية ثم إفتاء دار العدل (يعادل مفتي الديار المصرية) .

تنوعت مؤلفاته في التفسير والحديث والفقه والتاريخ والأحكام القضائية والفتوى ومن أشهرها فتح الباري بشرح صحيح البخاري وتهذيب التهذيب ونخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر وتقريب التهذيب ولسان الميزان والإصابة في تمييز الصحابة وبلوغ المرام من أدلة الأحكام وإنباء الغمر بأبناء العمر وتخريج أحاديث الكشاف ونزهة النظر بشرح نخبة الفكر ، وله كتاب في تراجم معاصريه من الأعيان والعلماء وهو إنباء الغمر بأبناء العمر.

وقد تولى الخطابة بالجامع الأزهر وجامع عمرو ودرس في المدرسة الشيخونية والمحمودية والحسنية والبيبرسية والفخرية والصلاحية والمؤيدية ومدرسة جمال الدين الإستادار وكذلك في الجامع الأموي بدمشق ، يصف السخاوي خطبه فيقول : ” كان لها صدع في القلوب ويزداد وهو على المنبر مِنَ المهابة والنُّور والخَفَرِ ما لا أستطيع وصفه بحيث كنتُ إذا نظرتُ إليه وهو على المنبر يغلبِنُي البكاء ” ، ووصفه تلميذه جمال الدين يوسف ابن تغري بردي بقوله : ” وبالجملة فإنه أحد من أدركنا من الأفراد “.

ويشرح في مقدمة كتابه منهجه في تأليف كتابه فيقول : ” بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم رب أعن وَيسر يَا كريم .. الْحَمد لله الَّذِي يحيي وَيُمِيت وَله اخْتِلَاف اللَّيْل وَالنَّهَار بِيَدِهِ ملكوت كل شَيْء يخلق مَا يَشَاء ويختار وَأشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده وَلَا شريك لَهُ رب الأَرْض وَالسَّمَاوَات وَمَا بَينهمَا الْعَزِيز الْغفار وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله الْمُصْطَفى الْمُخْتَار صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وعَلى آله وَصَحبه الطيبين الْأَطْهَار.

أما بعد فَهَذَا تَعْلِيق مُفِيد جمعت فِيهِ تراجم من كَانَ فِي الْمِائَة الثَّامِنَة من الْهِجْرَة النَّبَوِيَّة من ابْتِدَاء سنة إِحْدَى وَسَبْعمائة إِلَى آخر سنة ثَمَانمِائَة من الْأَعْيَان وَالْعُلَمَاء والملوك والأمراء وَالْكتاب والوزراء والأدباء وَالشعرَاء وعنيت برواة الحَدِيث النَّبَوِيّ فَذكرت من اطَّلَعت على حَاله وأشرت إِلَى بعض مروياته إِذْ الْكثير مِنْهُم شُيُوخ شيوخي وَبَعْضهمْ أَدْرَكته وَلم ألقه وَبَعْضهمْ لَقيته وَلم أسمع مِنْهُ وَبَعْضهمْ سَمِعت مِنْهُ.

وَقد استمددت فِي هَذَا الْكتاب من أَعْيَان الْعَصْر لأبي الصفاء الصَّفَدِي ومجاني الْعَصْر لشيخ شُيُوخنَا أبي حَيَّان وذهبية الْعَصْر لشهاب الدّين بن فضل الله وتاريخ مصر لشيخ شُيُوخنَا الْحَافِظ قطب الدّين الْحلَبِي وذيل سير النبلاء لِلْحَافِظِ شمس الدّين الذَّهَبِيّ وذيل ذيل الْمرْآة لِلْحَافِظِ علم الدّين البرزالي والوفيات للعلامة تَقِيّ الدّين ابْن رَافع والذيل عَلَيْهِ للعلامة شهَاب الدّين ابْن حجي.

وَمِمَّا جمعه صاحبنا تَقِيّ الدّين المقريزي فِي أَخْبَار الدولة المصرية وخططها ومعاجم كَثِيرَة من شُيُوخنَا والوفيات لِلْحَافِظِ شمس الدّين أبي الْحُسَيْن ابْن أيبك الدمياطي والذيل عَلَيْهِ لشَيْخِنَا الْحَافِظ أبي الْفضل بن الْحُسَيْن الْعِرَاقِيّ وتاريخ غرناطة للعلامة لِسَان الدّين ابْن الْخَطِيب والتاريخ للْقَاضِي ولي الدّين ابْن خلدون الْمَالِكِي وَغير ذَلِك ، وَبِاللَّهِ الْكَرِيم عوني وإياه أسأَل عَن الْخَطَأ صوني إِنَّه قريب مُجيب “.

وقد ترجم له تلميذه ابن تغري بردي في كتابه المنهل الصافي والمستوفي بعد الوافي فقال : ” قاضي القضاة شهاب الدين بن حجر .. أحمد بن علي بن محمد بن علي بن أحمد قاضي القضاة شيخ الإسلام حافظ العصر رحلة الطالبين مفتي الفرق أمير المؤمنين في الحديث شهاب الدين أبو الفضل الشهير بابن حجر الكناني العسقلاني الأصل المصري المولد والمنشأ والدار والوفاة الشافعي ، ولد في ثاني عشرين شعبان سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة.

ويأتي ذكر والده في محله إن شاء الله تعالى ، ومات والده وهو حدث السن فكفله بعض أوصياء والده إلى أن كبر وحفظ القرآن الكريم واشتغل وتعانى المتجر وتولع بالنظم وقال الشعر الكثير المليح إلى الغاية ، ثم حبب الله إِلَيْهِ طلب الحديث فأقبل عليه وسمع الكثير بمصر وغيرها ورحل وانتقى وحصل وسمع بالقاهرة من شيخ الإسلام سراج الدين عمر البلقيني والحافظين ابن الملقن والعراقي وأخذ عنهم الفقه أيضاً.

ومن الشيخ برهان الدين إبراهيم الإبناسي ونور الدين الهيثمي والشيخ تقي الدين محمد بن محمد الدجوي والقاضي صدر الدين سليمان بن عبد الناصر الأبشيطي ، وبغزة من أحمد بن محمد بن عثمان الخليلي ، وبالرملة من أحمد بن محمد الأيكي ، وبالخليل من صالح بن خليل بن سالم ، وببيت المقدس من المفتي شمس الدين محمد بن إسماعيل القلقشندي وبدر الدين حسن بن موسى بن مكي ومحمد بن محمد بن علي المنبجي ومحمد بن عمر بن موسى ، وبدمشق في بدر الدين محمد بن محمد بن قوام البالسي وفاطمة بنت محمد بن أحمد بن المنجا التنوخي وفاطمة بنت محمد بن عبد الهادي وغيرهم ، وبمنى من زين الدين أبي بكر بن الحسين.

ورحل إلى اليمن بعد أن جاور بمكة وأقبل عَلَى الاشتغال والإشغال والتصنيف وبرع في الفقه والعربية وصار حافظ الإسلام علامة في معرفة الرجال واستحضارهم والعالي والنازل مع معرفة تامة بعلل الأحاديث وغيرها ، وصار هو المعول عليه في هذا الشأن في سائر أقطار الأرض وقدوة الأمة علامة العلماء حجة الأعلام محيي السنة انتفع به الطلبة وحضر دروسه جماعة من علماء عصرنا وقضاة قضاتنا وقرأ عليه غالب فقهاء مصر وأملى بخانقاه بيبرس نحواً من عشرين سنة.

ثم انتقل لما عزل عن منصب القضاة بالشيخ شمس الدين محمد القاياتي إلى دار الحديث الكاملية ببين القصرين واستمر عَلَى ذَلِكَ ، وناب في الحكم في ابتداء أمره عن قاضي القضاة جلال الدين عبد الرحمن البلقيني مدة طويلة ثم عن الشيخ ولي الدين العراقي ثم تنزه عن ذَلِكَ وتولى مشيخة خانقاة بيبرس الجاشنكير في دولة الملك المؤيد شيخ وصار إذ ذاك من أعيان العلماء وتصدر للإقراء والتدريس.

إلى أن ولاه الملك الأشرف برسباي قضاء القضاة الشافعية بالديار المصرية عوضاً عن قاضي القضاة علم الدين صالح البلقيني بحكم عزله وذلك في سابع عشرين المحرم سنة سبع وعشرين وثمانمائة فاستمر في المنصب إلى أنعزل بقاضي القضاة شمس الدين محمد الهروي بعد نحو عشرة شهور ثم أعيد إلى القضاء عوضاً عن الهروي في ثاني شهر رجب سنة ثمان وعشرين وثمانمائة ودام في المنصب في هذه المرة إلى أن صرف بقاضي القضاة علم الدين صالح البلقيني في سنة ثلاث وثلاثين.

ثم أعيد عوضاً عن قاضي القضاة علم الدين في شهر جمادى الآخرة سنة أربع وثلاثين وثمانمائة وطالت مدته في هذه الولاية إلى حدود سنة أربعين أو التي بعدها ، وعزل أيضاً بقاضي القضاة علم الدين صالح واستمر مصروفاً إلى أن أعيد عوضاً عن علم الدين المذكور في سنة إحدى وأربعين وثمانمائة واستمر في وظيفة القضاء إلى أن صرف بالشيخ شمس الدين محمد القاياتي في سنة تسع وأربعين.

ثم أعيد بعد موت القاياتي في سنة خمسين وثمانمائة واستمر إلى سلخ ذي الحجة من السنة فصرف بقاضي القضاة علم الدين صالح البلقيني أيضاً ، وقام مصروفاً إلى أن طلب وأعيد عوضاً عن الشيخ ولي الدين محمد السفطي وذلك في يوم الاثنين ثامن ربيع الآخرة سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة ، وكان لولايته في هذه المرة يوماً مشهوداً فدام في المنصب إلى أن عزل نفسه في خامس عشرين جمادى الآخرة من السنة وولي من الغد عوضه قاضي القضاة علم الدين صالح البلقيني وهذه آخر ولايته للقضاء.

وانقطع شيخ الإسلام شهاب الدين المذكور في بيته ملازماً للإشغال والتصنيف إلى أن توفي بعد أن مرض أكثر من شهر في ليلة السبت ثامن عشرين ذي الحجة سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة ودفن من الغد وصلى عليه بمصلاة بكتمر المؤمني بالرميلة ، ومشى أعيان الناس من بيته داخل باب القنطرة إلى القرافة حيث دفن وحضر السلطان الملك الظاهر جقمق الصلاة عليه ومشى الخليفة المستكفي بالله أبو الربيع سليمان والقضاة والعلماء والأمراء والأعيان بل غالب الناس في جنازته حَتَّى قيل عن بعض الأذكياء أنه حزر من مشى في الجنازة أكثر من خمسين ألف إنسان وكان لموته يوم عظيم عَلَى المسلمين حَتَّى عَلَى أهل الذمة ورثاه الشعراء.

وكان رحمه الله حافظ المشرق والمغرب أمير المؤمنين في الحديث انتهت إليه رئاسة علم الحديث من أيام شبيبته بلا مدافعة بل قيل أنه لم ير مثل نفسه ، قلت : وهذا هو الأصح ، وكان عفا الله عنه ذا شيبة نيرة ووقار وأبهة ومهابة هذا مع ما احتوى عليه من العقل والحكمة والسكون والسياسة والدربة بالأحكام ومداراة الناس قبل أن يخاطب الشخص بما يكره بل كان يحسن لمن يسيء إِلَيْهِ ويتجاوز عمن قدر عليه.

وكانت صفته رحمه الله ذا لحية بيضاء ووجه صبيح للقصر أقرب وفي الهامة نحيف جيد الذكاء، عظيم الحذق لمن ناظره أو حاضره راوية للشعر وأيام من تقدمه وعاصره فصبح اللسان شجي الصوت هذا مع كثرة الصوم ولزوم العبادة واقتفائه طرق من تقدمه من الصلحاء السادة وأوقاته للطلبة مقسمة تقسيماً لمن ورد عليه آفاقياً كان أو عنده مقيماً مع كثرة المطالعة والتأليف والتصدي للإفتاء والتصنيف.

وأما مصنفاته فنذكر ما نعرفه منها فإن أسماء مصنفاته مجلد كامل صغير الحجم ، فأول تصانيفه تغليق التعليق وصل فيه تعليقات البخاري وهو كتاب نفيس قرض عليه شيخ الإسلام سراج الدين البلقيني وغيره وهو من تصانيفه الجليلة القديمة ، وشرح البخاري في نيف وعشرين مجلداً وهو فتح الباري ، وصنف له أيضاً مقدمة في مجلد ، وكتاب فوائد الاحتفال في بيان أحوال الرجال المذكورين في البخاري زيادة عَلَى تهذيب الكمال في مجلد ضخم وكتاب تجريد التفسير من صحيح البخاري عَلَى ترتيب السور.

وكتاب تقريب الغريب وكتاب إتحاف المهرة بأطراف العشرة في ثمان مجلدات ، ثم أفرد منه أطراف مسند الإمام أحمد وسماه أطراف المسند المعتلي بأطراف المسند الحنبلي في مجلدين ، وكتاب أطراف الصحيحين ، وكتاب أطراف المختارة للضياء مجلد ضخم ، وكتاب تهذيب تهذيب الكمال للحافظ المزي في ست مجلدات ، ومختصره تقريب التهذيب مجلد ضخم ، وكتاب تعجيل المنفعة برواية رجال الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب ، وكتاب الإصابة في تمييز الصحابة خمس مجلدات ، وكتاب لسان الميزان وتحرير الميزان.

وكتاب تبصير المنتبه بتحرير المشتبه مجلد ضخم ، وكتاب طبقات الحفاظ في مجلدين ، والدرر الكامنة في المائة الثامنة ، وإنباء الغمر بأنباء العم ر، وكتاب قضاة مصر مجلد ضخم ، وكتاب الكاف الشاف في تحرير أحاديث الكشاف مجلد ، وكتاب الاستدراك عليه في مجلد آخر ، وكتاب التمييز في تخريج أحاديث الوجيز مجلدين ، وكتاب الدراية في منتخب تخريج أحاديث الهداية ، وكتاب الإعجاب ببيان الأسباب مجلد ضخم ، وكتاب الأحكام لبيان ما في القرآن من الإبهام وكتاب الزهر المطول في بيان الحديث المعدل مجلد.

وشفاه الغلل في بيان العلل ، وتقريب النهج بترتيب الدرج ، والإفتان في رواية القرآن ، والمقترب في بيان المضطرب ، والتعريج عَلَى التدريج ، ونزهة القلوب في معرفة المبدل من المقلوب ، ومزيد النفع بما رجح فيه الوقف عَلَى الرفع ، وبيان الفصل بما رجح فيه الإرسال عَلَى الوصل ، وتقويم السناد بمدرج الأسناد والإيناس بمناقب العباس ، وتوالى التأنيس بمعاني ابن إدريس ، والمرجة الغيثية عن الترجمة الليثية ، والاستدراك عَلَى الحافظ العراقي في تخريج أحاديث الإحياء مجلد.

وتخريج أحاديث مختصر ابن الحاجب الأصلي وقع في الإملاء مجلدين ، وتحفة الظراف بأوهام الأطراف مجلد ، والمطالب العالية من رواية المسانيد الثمانية ، والتعريف الأوحد بأوهام من جمع رجال المسند ، وتعريف أولي التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس ، وكتاب الأعلام بمن ولي مصر في الإسلام ، وتعريف الفئة بمن عاش مائة من هذه الأمة ، والقصد الأحمد في من كنيته أبو الفضل واسمه أحمد ، وكتاب إقامة الدلائل عَلَى معرفة الأوائل.

والخصال المكفرة للذنوب المقدمة والمؤخرة ، والشمس المنيرة في تعريف الكبيرة ، والإتقان في فضائل القرآن مجلد ، وكتاب الأنوار بخصائص المختار والآيات النيرات للخوارق المعجزات ، والنبأ الأنبه في بناء الكعبة ، والقول المسدد في الذب عن المسند ، وبلوغ المرام بأدلة الأحكام وبذل الماعون بفضل الطاعون ، والمنحة فيما علق الشافعي به القول عَلَى الصحة ، والأجوبة المشرقة عن الأسئلة المفرقة.

ومنسك الحج ، وشرح مناسك المنهاج كذلك ، وتصحيح الروضة كتب منه ثلاث مجلدات ، ونخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر كراسة ، وشرحها نزهة النظر بتوضيح الفكر ، والانتفاع بترتيب الدارقطني عَلَى الأنواع ، ومختصر البداية والنهاية لابن كثير ، وتخريج الأربعين النووية بالأسانيد العلية ، والأربعين المتباينة ، وغير ذَلِكَ عدة تصانيف أخر.

وله ديوان شعر كبير وآخر صغير ، ولي منه سماع وإجازة بجميع ما يجوز له وعنه روايته من تصانيفه ونظمه ونثره ، وقد انتخب من ديوانه الكبير قطعة ورتبها عَلَى سبعة أبواب وسماها السبعة السيارة النيرات فكتب إِلَيْهِ الشيخ شهاب الدين الحجازي يطلبها منه ، وكتب ما أنشدنا الشيخ شهاب الدين الحجازي لنفسه إجازة قوله : سماء الفضل تحوي نيِّراتٍ .. وقد حُجبت بسحْب المكْرمات .. وكدت أضلُّ يا مولاي فامننْ .. لَعَلّي أهتدي بالنيِّرات “.

وترجم له السخاوي في الضوء اللامع ترجمة طويلة منوها بأنه قد تتلمذ على يديه وكان يصفه في كافة كتباته بوصف (شيخنا) وفي ذلك يقول : ” أَحْمد بن عَليّ بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عَليّ بن أَحْمد شَيْخي الْأُسْتَاذ إِمَام الْأَئِمَّة الشهَاب أَبُو الْفضل الْكِنَانِي الْعَسْقَلَانِي الْمصْرِيّ ثمَّ القاهري الشَّافِعِي وَيعرف بِابْن حجر وَهُوَ لقب لبَعض آبَائِهِ ، ولد فِي ثَانِي عشري شعْبَان سنة ثَلَاث وَسبعين وَسَبْعمائة بِمصْر العتيقة وَنَشَأ بهَا يَتِيما فِي كنف أحد أوصيائه الزكي الخروبي فحفظ الْقُرْآن وَهُوَ ابْن تسع عِنْد الصَّدْر السفطي شَارِح مُخْتَصر التبريزي وَصلى بِهِ على الْعَادة بِمَكَّة حَيْثُ كَانَ مَعَ وَصِيّه بهَا والعمدة وألفية ابْن الْعِرَاقِيّ وَالْحَاوِي الصَّغِير ومختصر ابْن الْحَاجِب الْأَصْلِيّ والملحة وَغَيرهَا.

وَبحث فِي صغره وَهُوَ بِمَكَّة الْعُمْدَة على الْجمال بن ظهيرة ثمَّ قَرَأَ على الصَّدْر الأبشيطي بِالْقَاهِرَةِ شَيْئا من الْعلم وَبعد بُلُوغه لَازم أحد أوصيائه الشَّمْس بن الْقطَّان فِي الْفِقْه والعربية والحساب وَغَيرهَا وَقَرَأَ عَلَيْهِ جانبا كَبِيرا من الْحَاوِي وَكَذَا لَازم فِي الْفِقْه والعربية النُّور الأدمِيّ وتفقه بالأبناسي بحث عَلَيْهِ فِي الْمِنْهَاج وَغَيره وَأكْثر من ملازمته أَيْضا لاختصاصه بِأَبِيهِ وبالبلقيني لَازمه مُدَّة وَحضر دروسه الْفِقْهِيَّة وَقَرَأَ عَلَيْهِ الْكثير من الرَّوْضَة وَمن كَلَامه على حواشيها وَسمع عَلَيْهِ بِقِرَاءَة الشَّمْس الْبرمَاوِيّ فِي مُخْتَصر الْمُزنِيّ وبابن الملقن قَرَأَ عَلَيْهِ قِطْعَة كَبِيرَة من شَرحه الْكَبِير على الْمِنْهَاج.

ولازم الْعِزّ بن جمَاعَة فِي غَالب الْعُلُوم الَّتِي كَانَ يقرئها دهرا وَمِمَّا أَخذه عَنهُ فِي شرح الْمِنْهَاج الْأَصْلِيّ وَفِي جمع الْجَوَامِع وَشَرحه للعز وَفِي الْمُخْتَصر الْأَصْلِيّ وَالنّصف الأول من شَرحه للعضد وَفِي المطول وعلق عَنهُ بِخَطِّهِ أَكثر من شرح جمع الْجَوَامِع ، وَحضر دروس الْهمام الْخَوَارِزْمِيّ وَمن قبله دروس قنبر العجمي وَأخذ أَيْضا عَن الْبَدْر بن الطنبدي وَابْن الصاحب والشهاب أَحْمد بن عبد الله البوصيري وَعَن الْجمال المارداني الموقت الحاسب واللغة عَن الْمجد صَاحب الْقَامُوس والعربية عَن الغماري والمحب بن هِشَام وَالْأَدب وَالْعرُوض وَنَحْوهمَا عَن الْبَدْر البشتكي وَالْكِتَابَة عَن أبي عَليّ الزفتاوي والنور البدماصي والقراءات عَن التنوخي قَرَأَ عَلَيْهِ بالسبع إِلَى المفلحون وجوده قبل ذَلِك على غَيره.

وجد فِي الْفُنُون حَتَّى بلغ الْغَايَة وحبب الله إِلَيْهِ الحَدِيث وَأَقْبل عَلَيْهِ بكليته طلبه من سنة ثَلَاث وَتِسْعين وهلم جرا ، لكنه لم يلْزم الطّلب إِلَّا من سنة سِتّ وَتِسْعين فعكف على الزين الْعِرَاقِيّ وَتخرج بِهِ وانتفع بملازمته وَقَرَأَ عَلَيْهِ ألفيته وَشَرحهَا ونكته على ابْن الصّلاح دراية وتحقيقا وَالْكثير من الْكتب الْكِبَار والأجزاء الْقصار وَحمل عَنهُ من أَمَالِيهِ جملَة واستملى عَلَيْهِ بَعْضهَا.

وتحول إِلَى الْقَاهِرَة فسكنها قبيل الْقرن وارتحل إِلَى الْبِلَاد الشامية والمصرية والحجازية وَأكْثر جدا من المسموع والشيوخ فَسمع العالي والنازل وَأخذ عَن الشُّيُوخ والأقران فَمن دونهم وَاجْتمعَ لَهُ من الشُّيُوخ الْمشَار إِلَيْهِم والمعول فِي المشكلات عَلَيْهِم مَا لم يجْتَمع لأحد من أهل عصره لِأَن كل وَاحِد مِنْهُم كَانَ متبحرا فِي علمه ورأسا فِي فنه الَّذِي اشْتهر بِهِ لَا يلْحق فِيهِ.

فالتنوخي فِي معرفَة القراءت وعلو سَنَده فِيهَا والعراقي فِي معرفَة عُلُوم الحَدِيث ومتعلقاته والهيثمي فِي حفظ الْمُتُون واستحضارها والبلقيني فِي سَعَة الْحِفْظ وَكَثْرَة الِاطِّلَاع وَابْن الملقن فِي كَثْرَة التصانيف وَالْمجد الفيروزابادي فِي حفظ اللُّغَة واطلاعه عَلَيْهَا والغماري فِي معرفَة الْعَرَبيَّة ومتعلقاتها وَكَذَا الْمُحب بن هِشَام كَانَ حسن التَّصَرُّف فِيهَا لوفور ذكائه وَكَانَ الغماري فائقا فِي حفظهَا والعز بن جمَاعَة فِي تفننه فِي عُلُوم كَثِيرَة بِحَيْثُ أَنه كَانَ يَقُول أَنا أَقْرِئ فِي خَمْسَة عشر علما لَا يعرف عُلَمَاء عصري أسماءها.

وَأذن لَهُ جلهم أَو جَمِيعهم كالبلقيني والعراقي فِي الْإِفْتَاء والتدريس ، وتصدى لنشر الحَدِيث وَقصر نَفسه عَلَيْهِ مطالعة وَقِرَاءَة وإقراء وتصنيفا وإفتاء وَشهد لَهُ أَعْيَان شُهُوده بِالْحِفْظِ وزادت تصانيفه الَّتِي معظمها فِي فنون الحَدِيث وفيهَا من فنون الْأَدَب وَالْفِقْه والأصلين وَغير ذَلِك على مائَة وَخمسين تصنيفا ورزق فِيهَا من السعد وَالْقَبُول خُصُوصا فتح الْبَارِي بشرح البُخَارِيّ الَّذِي لم يسْبق نَظِيره أمرا عجبا بِحَيْثُ استدعى طلبه مُلُوك الْأَطْرَاف بسؤال عُلَمَائهمْ لَهُ فِي طلبه وَبيع بِنَحْوِ ثلثمِائة دِينَار.

وانتشر فِي الْآفَاق وَلما تمّ لم يتَخَلَّف عَن وَلِيمَة خَتمه فِي التَّاج والسبع وُجُوه من سَائِر النَّاس إِلَّا النَّادِر وَكَانَ مَصْرُوف ذَلِك إِلَيْهِم نَحْو خَمْسمِائَة دِينَار ، واعتنى بتحصيل تصانيفه كثير من شُيُوخه وأقرانه فَمن دونهم وكتبها الأكابر وانتشرت فِي حَيَاته وأقرأ الْكثير مِنْهَا وَحفظ غير وَاحِد من الْأَبْنَاء عدَّة مِنْهَا وعرضوها على جاري الْعَادة على مشائخ الْعَصْر ، وَأنْشد من نظمه فِي المحافل وخطب من ديوانيه على المنابر لبليغ نظمه ونثره.

وَكَانَ مصمما على عدم دُخُوله فِي الْقَضَاء حَتَّى أَنه لم يُوَافق الصَّدْر الْمَنَاوِيّ لما عرض عَلَيْهِ قبل الْقرن النِّيَابَة عَنهُ عَلَيْهَا ثمَّ قدر أَن الْمُؤَيد ولاه الحكم فِي بعض القضايا وَلزِمَ من ذَلِك النِّيَابَة وَلكنه لم يتَوَجَّه إِلَيْهَا وَلَا انتدب لَهَا إِلَى أَن عرض عَلَيْهِ الِاسْتِقْلَال بِهِ وألزم من أَجَابَهُ بقبوله فَقبل وَاسْتقر فِي الْمحرم سنة سبع وَعشْرين بعد أَن كَانَ عرض عَلَيْهِ فِي أَيَّام الْمُؤَيد فَمن دونه وَهُوَ يَأْبَى ، وتزايد ندمه على الْقبُول لعدم فرق أَرْبَاب الدولة بَين الْعلمَاء وَغَيرهم ومبالغتهم فِي اللوم لرد إشاراتهم وَإِن لم تكن على وفْق الْحق بل يعادون على ذَلِك واحتياجه لمداراة كَبِيرهمْ وصغيرهم بِحَيْثُ لَا يُمكنهُ مَعَ ذَلِك الْقيام بِكُل مَا يرومونه على وَجه الْعدْل.

وَصرح بِأَنَّهُ جنى على نَفسه بتقلد أَمرهم وَأَن بَعضهم ارتحل للقائه وبلغه فِي أثْنَاء توجهه تلبسه بوظيفة الْقَضَاء فَرجع ، وَلم يلبث أَن صرف ثمَّ أُعِيد وَلَا زَالَ كَذَلِك إِلَى أَن أخْلص فِي الإقلاع عَنهُ عقب صرفه فِي جُمَادَى الثَّانِيَة سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين بعد زِيَادَة مدد قَضَائِهِ على إِحْدَى وَعشْرين سنة وزهد فِي الْقَضَاء زهدا تَاما لِكَثْرَة مَا توالى عَلَيْهِ من الأنكاد والمحن بِسَبَبِهِ وَصرح بِأَنَّهُ لم تبْق فِي بدنه شَعْرَة تقبل اسْمه.

 ودرس فِي أَمَاكِن كالتفسير بالحسنية والمنصورية والْحَدِيث بالبيبرسية والجمالية المستجدة والحسنية والزينية والشيخونية وجامع طولون والقبة المنصورية والإسماع بالمحموية وَالْفِقْه بالخروبية البدرية بِمصْر والشريفية الفخرية والشيخونية والصالحية النجمية والصلاحية الْمُجَاورَة للشَّافِعِيّ والمؤيدية وَولي مشيخة البيبرسية ونظرها والإفتاء بدار الْعدْل والخطابة بِجَامِع الْأَزْهَر ثمَّ بِجَامِع عَمْرو وخزن الْكتب بالمحمودية وَأَشْيَاء غير ذَلِك مِمَّا لم يجْتَمع لَهُ فِي آن وَاحِد.

وأملى مَا ينيف على ألف مجْلِس من حفظه واشتهر ذكره وَبعد صيته وارتحل الْأَئِمَّة إِلَيْهِ وتبجح الْأَعْيَان بالوفود عَلَيْهِ وَكَثُرت طلبته حَتَّى كَانَ رُؤْس الْعلمَاء من كل مَذْهَب من تلامذته وَأخذ النَّاس عَنهُ طبقَة بعد أُخْرَى وَألْحق الْأَبْنَاء بِالْآبَاءِ والأحفاد بل وأبناءهم بالأجداد وَلم يجْتَمع عِنْد أَحْمد مجموعهم وقهرهم بذكائه وتفوق تصَوره وَسُرْعَة إِدْرَاكه واتساع نظره ووفور آدابه وامتدحه الْكِبَار وتبجح فحول الشُّعَرَاء بمطارحته وطارت فتواه الَّتِي لَا يُمكن دُخُولهَا تَحت الْحصْر فِي الْآفَاق.

وَحدث بِأَكْثَرَ مروياته خُصُوصا المطولات مِنْهَا كل ذَلِك مَعَ شدَّة تواضعه وحلمه وبهائه وتحريه فِي مأكله ومشربه وملبسه وصيامه وقيامه وبذله وَحسن عشرته ومزيد مداراته ولذيذ محاضراته ورضى أخلاقه وميله لأهل الْفَضَائِل وإنصافه فِي الْبَحْث ورجوعه إِلَى الْحق وخصاله الَّتِي لم تَجْتَمِع لأحد من أهل عصره وَقد شهد لَهُ القدماء بِالْحِفْظِ والثقة وَالْأَمَانَة والمعرفة التَّامَّة وَالذَّهَب الْوَقَّاد والذكاء المفرط وسعة الْعلم فِي فنون شَتَّى وَشهد لَهُ شَيْخه الْعِرَاقِيّ بِأَنَّهُ أعلم أَصْحَابه بِالْحَدِيثِ ، وَقَالَ كل من التقي الفاسي والبرهان الْحلَبِي : مَا رَأينَا مثله ، وَسَأَلَهُ الْفَاضِل تغري برمش الْفَقِيه أَرَأَيْت مثل نَفسك فَقَالَ الله تَعَالَى : فَلَا تزكوا أَنفسكُم

ومحاسنه جمة وَمَا عَسى أَن أَقُول فِي هَذَا الْمُخْتَصر أَو من أَنا حَتَّى يعرف بِمثلِهِ خُصُوصا وَقد تَرْجمهُ من الْأَعْيَان فِي التصانيف المتداولة بِالْأَيْدِي التقي الفاسي فِي ذيل التَّقْيِيد والبدر البشتكي فِي طبقاته للشعراء والتقي المقريزي فِي كِتَابه الْعُقُود الفريدة والْعَلَاء بن خطيب الناصرية فِي ذيل تَارِيخ حلب وَالشَّمْس بن نَاصِر الدّين فِي توضيح المشتبه والتقي بن قَاضِي شُهْبَة فِي تَارِيخه والبرهان الْحلَبِي فِي بعض مجاميعه والتقي بن فَهد الْمَكِّيّ فِي ذيل طَبَقَات الْحفاظ والقطب الخيضري فِي طَبَقَات الشَّافِعِيَّة وَجَمَاعَة من أَصْحَابنَا كَابْن فَهد النَّجْم فِي معاجيمهم وَغير وَاحِد فِي الوفيات وَهُوَ نَفسه فِي رفع الأصر وَكفى بذلك فخرا.

وتجاسرت فأوردته فِي معجمي والوفيات وذيل الْقُضَاة بل وأفردت لَهُ تَرْجَمَة حافلة لَا تَقِيّ بِبَعْض أَحْوَاله فِي مُجَلد ضخم أَو مجلدين كتبهَا الْأَئِمَّة عني وانتشرت نسخهَا وَحدثت بهَا الأكابر غير مرّة بِكُل من مَكَّة والقاهرة وَأَرْجُو كَمَا شهد بِهِ غير وَاحِد أَن تكون غَايَة فِي بَابهَا سميتها الْجَوَاهِر والدرر ، وَقد قَرَأت عَلَيْهِ الْكثير جدا من تصانيفه ومروياته بِحَيْثُ لَا أعلم من شاركني فِي مجموعها وَكَانَ رَحمَه الله يودني كثيرا وينوه بذكرى فِي غيبتي مَعَ صغر سني حَتَّى قَالَ لَيْسَ فِي جماعتي مثله وَكتب لي على عدَّة من تصانيفي وَأذن لي فِي الإقراء والإفادة بِخَطِّهِ وَأَمرَنِي بتخريج حَدِيث ثمَّ أملاه.

وَلم يزل على جلالته وعظمته فِي النُّفُوس ومداومته على أَنْوَاع الْخيرَات إِلَى أَن توفّي فِي أَوَاخِر ذِي الْحجَّة سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَكَانَ لَهُ مشْهد لم ير من حَضَره من الشُّيُوخ فضلا عَمَّن دونهم مثله وَشهد أَمِير الْمُؤمنِينَ وَالسُّلْطَان فَمن دونهمَا الصَّلَاة عَلَيْهِ وَقدم السُّلْطَان الْخَلِيفَة للصَّلَاة وَدفن تجاه تربة الديلمي بالقرافة وتزاحم الْأُمَرَاء والأكابر على حمل نعشه وَمَشى إِلَى تربته من لم يمش نصف مسافتها قطّ، وَلم يخلف بعده فِي مَجْمُوعه مثله ورثاه غير وَاحِد بِمَا مقَامه أجل مِنْهُ رَحمَه الله وإيانا.

وَمن نظمه مِمَّا قرأته عَلَيْهِ وأنشدنيه لفظا : خليلي ولى الْعُمر منا وَلم نتب .. وننوي فعال الصَّالِحَات وَلَكنَّا .. فحتى مَتى نَبْنِي بُيُوتًا مشيدة .. وأعمارنا منا تهد وَمَا تبنى ، وَقَوله : لقد آن أَن نتقي خَالِقًا .. إِلَيْهِ المآب وَمِنْه النشور .. فَنحْن لصرف الردى مالنا .. جَمِيعًا من الْمَوْت واق نصير ، وَقَوله : سِيرُوا بِنَا لمتاب .. إِن الزَّمَان يسير .. إِن الدَّار الْبلَاء مَا .. لنا مجير نضير ،  وَقَوله : أخي لَا تسوف بالمتاب فقد أَتَى .. نَذِير مشيب لَا يُفَارِقهُ الْهم .. وَإِن فَتى من عمره أَرْبَعُونَ قد .. مَضَت مَعَ ثَلَاث عدهَا عمر جم “.

25 / المستطرف في كل فن مستظرف

من أعلام المحلة الكبرى في القرن التاسع الهجري واحد من أهم أدباء العصور الوسطى وهو بهاء الدين أبو الفتح محمد بن أحمد بن منصور الأبشيهي المحلي مؤلف الكتاب المشهور المستطرف في كل فن مستظرف ، ولد في قرية إبشواي من أعمال الغربية في عام 1388 م ثم انتقل إلى المحلة بصحبة أسرته وهو في العاشرة من عمره وقضى فيها بقية حياته حتى توفي في عام 1448 م ، رحل إلى القاهرة مرات عديدة وتتلمذ على يد الإمام جلال الدين البلقيني ورحل إلى مكة للحج وكان خطيبا معروفا في المحلة الكبرى.

وقد جمع في كتابه الكثير من القصص الطريفة والأمثال الشعبية والأساطير المتداولة بالإضافة إلى الأقوال المأثورة والحكايات الهزلية مع بعض المعلومات التاريخية والجغرافية فنقل لنا صورة حية عن الثقافة السائدة في عصره ، وهو متأثر بكتاب « العقد الفريد » لابن عبد ربه وأخذ كثيراً مما كتبه الزمخشري في كتابه « ربيع الأبرار » والدميري في كتابه « حياة الحيوان » وابن سبع في كتابه « شفاء الصدور » إضافة إلى مصادر أخرى ذكر أنه أخذ عنها ، كتب عنه السخاوي في كتابه « الضوء اللامع لأهل القرن التاسع » فقال :

” مُحَمَّد بن أَحْمد بن مَنْصُور بن أَحْمد بن عِيسَى الْبَهَاء أَبُو الْفَتْح بن الشهَاب أبي الْعَبَّاس الأبشيهي الْمحلي الشَّافِعِي وَالِد أبي النجا مُحَمَّد الْآتِي. ولد سنة تسعين وَسَبْعمائة بأبشويه. وَحفظ بهَا الْقُرْآن وَصلى بِهِ وَهُوَ ابْن عشر ثمَّ التبريزي فِي الْفِقْه والمحلة فِي النَّحْو وعرضهما على الشهَاب الطلياوي نزيل النحرارية وَغَيره ، وَحج سنة أَربع عشرَة وَدخل الْقَاهِرَة غير مرّة وَسمع بهَا دروس الْجلَال البُلْقِينِيّ وَولي خطابة بَلَده بعد وَالِده وتعانى النّظم والتصنيف فِي الْأَدَب وَغَيره وَلكنه لعدم إلمامه بِشَيْء من النَّحْو يَقع فِيهِ وَفِي كَلَامه اللّحن كثيرا.

وَمن تصانيفه المستطرف من كل فن مستظرف فِي جزءان كبار وأطواف الأزهار على صُدُور الْأَنْهَار فِي الْوَعْظ فِي مجلدين وَشرع فِي كتاب فِي صَنْعَة الترسل وَالْكِتَابَة وتطارح مَعَ الأدباء ، ولقيه ابْن فَهد والبقاعي فِي سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ بالمحلة وكتبا عَنهُ قَوْله وَقد عمل الْعلم البُلْقِينِيّ ميعادا بالنحرارية إِذْ كَانَ قَاضِي سنهور عَن أَخِيه : وعظ النام إمامنا الحبر الَّذِي .. سكب الْعُلُوم كبحر فضل طافح .. فشفى الْقُلُوب بِعِلْمِهِ وبوعظه .. والوعظ لَا يشفي سوى من صَالح ، مَاتَ بعد الْخمسين قَرِيبا من قتل أخي الأستادار “.

وابنه هو قاضي المحلة أبو النجا شمس الدين مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن مَنْصُور بن أَحْمد بن عِيسَى بْن الْخَطِيب الْبَهَاء بن الشهَاب الأبشيهي الْمحلي الشَّافِعِي ، ولد سنة ثَمَان عشرَة وَثَمَانمِائَة تَقْرِيبًا بالمحلة وَحفظ بهَا الْقُرْآن وَصلى بِهِ والْعُمْدَة وأربعي النَّوَوِيّ والتبريزي والملحة وَعرض على الْجَمَاعَة واشتغل قَلِيلا وناب فِي الْقَضَاء عَن أوحد الدّين العجميمي وَكَانَ عفيفا بارعا فِي الصِّنَاعَة مَاتَ قبيل الثَّمَانِينَ بِيَسِير ولشدة بياضه وَحسن شاكلته كَانَ يلقب خروفا رَحمَه الله.

ومن قرابتهم قاضي المحلة مُحَمَّد بن عَليّ بن أَحْمد بن مُوسَى فتح الدّين أَبُو الْفَتْح الأبشيهي الْمحلي وَالِد الشهَاب أَحْمد والبدر مُحَمَّد ، نَشأ فحفظ الْقُرْآن وَغَيره وتفقه بالولي بن قطب وَأخذ الْفَرَائِض عَن نَاصِر الدّين البارنباري وتميز فِيهَا وناب فِي قَضَاء الْمحلة وصاهر قاضيها الشهَاب بن العجيمي على ابْنَته وَحج وجاور فِي سنة خمس وَخمسين وَسمع هُنَاكَ على التقي بن فَهد وَأبي الْفَتْح المراغي ، مَاتَ بالمحلة فِي شَوَّال سنة ثَمَان وَسِتِّينَ عَن ثَمَان وَسِتِّينَ سنة.

ومن أولاده مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن مُوسَى الْبَدْر أَبُو الْبَقَاء بن فتح الدّين أبي الْفَتْح الإبشيهي الْمحلي الشَّافِعِي ، مَاتَ فِي أَوَاخِر سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ أَو أَوَائِل الَّتِي قبلهَا وَكَانَ فَاضلا خيرا أعرض عَن النِّيَابَة فِي قَضَاء بَلَده وَكَانَ مَعَ أَبِيه حِين مجاورته بِمَكَّة فِي سنة خمس وَخمسين فَسمع مَعَه على أبي الْفَتْح المراغي والتقي بن فَهد ، وابنه جلال الدين أبو الفضل محمد الذي ولد بالمحلة وانتقل إلى القاهرة ليعمل بالتدريس في المدرسة الأشرفية.

وابنه الثاني وهو الأشهر شهاب الدين أَحْمد بن مُحَمَّد بن عَليّ بن أَحْمد بن مُوسَى بن فتح الدّين أبي الْفَتْح الأبشيهي الْمحلي الشَّافِعِي نزيل الْقَاهِرَة وسبط الشهَاب بن العجيمي الْوَاعِظ ، ولد بالمحلة وَنَشَأ بهَا فحفظ الْقُرْآن وكتبا وَأخذ بِبَلَدِهِ عَن يَعْقُوب الرُّومِي فِي النَّحْو وَالصرْف وَعَن خَاله أوحد الدّين فِي الْفِقْه ، انتقل للقاهرة وعمل بالقضاء ودرس بالمدرسة الأشرفية وَمَات بعد تعلله فِي تَاسِع عشر ذِي الْقعدَة سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَدفن بحوش صوفية سعيد السُّعَدَاء.

ومن أروع ما جاء في كتابه المستطرف وصف الأبشيهي لشيخه وهو إمام المحلة الكبرى في القرن التاسع الهجري أبو بكر الطريني فقال : ” وممن صحبته وانتفعت بصحبته وفاضت الخيرات عليّ ببركته سيدي الشيخ الإمام العالم العامل أبو المعالي وأبو الصدق أبو بكر بن عمر الطريني المالكي قدس الله سره وروحه ونور ضريحه كان أوحد زمانه في الزهد والورع قامعا لأهل الضلال والبدع وله أسرار ظاهرة وبركات متواترة.

قد أطاع أمره الخلائق عجما وعربا وانتشر ذكره في البلاد شرقا وغربا وأتت الملوك إلى بابه واختاروا أن يكونوا من جملة أصحابه ، ما أتاه مكروب إلا فرج الله كربته ولا طالب حاجة إلا قضى الله حاجته ، كان محافظا على النوافل ملازما للفرض ، وكان أكثر أكله من المباح من نبات الأرض ، لم يمنع نفسه في الدنيا بالمآكل والمشارب اللذيذة بل قيل إنه غضب على نفسه مرة فمنعها شرب الماء شهورا عديدة.

وكان رضي الله عنه كثير الشفقة والحنو على أصحابه نصوحا لجميع خلق الله من أعدائه وأحبابه، يدخل عليه أعدى عدوه، فيقبل ببشره وبره عليه، فيخرج عنده وهو أحب الناس إليه، كما قال بعضهم: وإني لألقى المرء أعلم أنّه … عدوي وفي أحشائه الضغن كامن .. فأمنحه بشري فيرجع قلبه … سليما وقد ماتت لديه الضغائن ، وكانت حملة أهل زمانه عليه وأحوالهم في كل أمر راجعة إليه، وكنت كثيرا ما أسمعه يتمثل بهذا البيت: وما حمّلوني الضيم إلّا حملته … لأني محبّ والمحبّ حمول

وكان رضي الله عنه كثير المصافاة عظيم الموافاة، شأنه الحلم والستر لم يهتك حرمة مسلم ولا فضحه، وما استشاره أحد في أمر إلا أرشده إلى الخير ونصحه، صحبته رضي الله عنه نحو خمس عشرة سنة، فكأنها من طيبها كانت سنة، ما قطع بره يوما واحدا عني حتى كنت أظن أن ليس عنده أخص مني، وكان ذلك فعله مع جميع أصحابه قاطبة.

بيّض الله وجهه في القيامة، وبلغه من فضل ربه مآربه، وكان رضي الله عنه فقيها في مذهب الإمام مالك، إمام كبير لم ير له في زمانه من شبيه ولا نظير، وله في علم الحقيقة أقوال، وكم رأينا له من مكاشفات وأحوال ولو تتبعت مناقبه لا تسع الكلام، ولكني أقول: كان أوحد عصره والسلام.

عاش رضي الله عنه نيفا وستين سنة، وكان الناس في زمانه في عيشة راضية، وأحوال حسنة، وكان رضي الله عنه كثير الأمراض والأسقام حصل له في آخر عمره ضعف شديد أقام به نحو سنة، ثم تزايد مرضه في العشر الأول من ذي الحجة الحرام، فلما كانت ليلة الحادي عشر اشتد به الأمر واحتضر، ولم يزل في النزع إلى ثلث الليل الأول من الليلة المذكورة، ثم توفي رحمه الله تعالى سعيدا حميدا في ليلة الجمعة حادي عشر ذي الحجة الحرام سنة سبعة وعشرين وثمانمائة،

ولما أخبر الناس بوفاته عظم مصابه على المسلمين، ووقع النوح والبكاء والأسف في أقطار البلدان حتى طوائف المخالفين للملة من النصارى وغيرهم، وصاروا يبكون ويتوجعون ويتأسفون على فراقه، وكيف لا، وهو إمام العصر، علامة الدهر حق فيه قول القائل: حلف الزمان ليأتين بمثله … حنثت يمينك يا زمان فكفّر.

رضي الله عنه ورضي عنا به، ونفعنا ببركته في الدين والدنيا والآخرة، فشرعوا في تجهيزه وغسله، فكنت ممن حضر غسله، ولكن لم يكن ذهني معي في تلك الساعة لما جرى علينا من المصيبة بفقده، كيف لا، وقد كان والدا شفوقا وبارا محسنا عشوقا، فلما انتهى غسله رضي الله عنه جاء القضاء والنواب والكشاف والولاة وحملوه على أعناقهم ومضوا به إلى جامع الخطبة بالمحلة فضاق بهم الجامع على سعته، وضاقت بهم الشوارع والسكك والطرقات من كثرة الناس، فلم ير أكثر جمعا ولا أغزرها دمعا من ذلك اليوم، وهذا دليل على أنه كان قطب أهل زمانه.

قال الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه: بيننا وبينهم الجنائز. يريد بذلك اجتماع الناس، والله أعلم. فارتفع نعشه على أعناقهم وتقدم للصلاة شيخه العارف بالله تعالى سيدي سليمان الدواخلي نفعنا الله ببركته، ودفن يوم الجمعة بزاويته التي أنشأها بسندفا مع والده الشيخ الإمام العالم العلامة مفتي المسلمين سراج الدين أبي حفص عمر الطريني المالكي في قبر واحد.

نفعنا الله ببركته وجعل الجنة منقلبه ومثواه وحشرنا وإياه في زمرة سيد الأولين والآخرين محمد خاتم النبيين وأفضل المسلمين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين ، ونسأله لنا التوفيق والإعانة وأن يمتع المسلمين بطول بقاء أخيه سيدنا ومولانا الشيخ شمس الدين محمد الطريني أدام الله أيامه للمسلمين ، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين “.

26 / التأليف الطاهر

من أهم الكتب التي تناولت تاريخ الدولة المملوكية في القرن التاسع الهجري كتاب (التأليف الطاهر في شيم الملك الظاهر القائم بنصرة الحق أبي سعيد جقمق) وهو من تصنيف المؤرخ  شهاب الدين أبي محمد أحمد بن محمد بن عبد الله بن إبراهيم المعروف بلقب (ابن عربشاه) والذي ولد في دمشق عام 791 هـ / 1389 م وتوفي في القاهرة عام 854 هـ / 1450 م ، وقد أهدى كتابه هذا إلى السلطان الملك الظاهر جقمق وسجل فيه الأحداث التي عايشاها وكان شاهد عيان عليها في سلطنة مصر والشام.

وهو في الأصل أديب ورحالة حيث قضى حياته في التجوال بعدد من البلاد الإسلامية وعُرف ببراعته في الكتابة والنظم بالعربية والفارسية والتركية ، وعندما غزا تيمورلنك سوريا انتقل إلى سمرقند وبعد ذلك إلى بلاد ما وراء النهر ثم انتقل بعد ذلك إلى أدرنة (عاصمة الدولة العثمانية الناشئة وقتها) وعمل في بلاط السلطان محمد جلبي الأول وكان يترجم الكتب العربية إلى التركية والفارسية ، ثم عاد بعدها إلى دمشق ومنها إلى مصر التي استقر فيها و ابنه هو الفقيه الحنفي عبد الوهاب ابن عربشاه من شيوخ مصر في زمنه.

وله تصانيف حسنة أخرى من أشهرها كتاب فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء وقد كتبه بأسلوب يشبه قصص ألف ليلة وليلة  ، وكتاب عجائب المقدور في أخبار تيمور ويتناول تاريخ الدولة التيمورية من واقع إقامته فيها ، وكتاب منتهى الأرب في لغات الترك والعجم والعرب ، وترجم عن الفارسية إلى التركية كتابا في عدة مجلدات سماه جامع الحكايات ولامع الروايات ، وله باللغة العربية منظومة شعرية هي العقد الفريد في التوحيد ، وله كتاب في تاريخ آسيا الإسلامية هو غرة السير في دول الترك والتتر.

ومن نظمه قوله في مطلع منظومة العقد الفريد : سَبَى القلب ظبْي من بنى العلم أَغْيد .. له مقلة كحلاً وخدّ مُورّد .. أوَحِّد من أنشأه للخلق فتنة .. فيسأل ما التّوحيد وهو يُعَرْبد .. فقلت له الإيمان بالله مَنْ يرى .. لحاظَك بادي الخلق والكون يَشْهد .. فبالكُتْب والأفلاك والرُّسْلِ صِلْ فتى .. براه هواك القاتل المتعمَّد ، ويقول في قصيدته المسماة بالعقود : لَكَ الله هل ذنْب فيعتذر الجاني .. بَلَى صدْق مَا أنهاه أني بكمْ فان .. ومن سوء حظ الصب أن يلعب الهوى .. بأحشائه والحب يومي بولعان .. ومن شيم الأحباب قتل محبهِم .. إذَا علموه فيهم صادقاً عان .. فمهما يَزِدْ ذُلاً يَعِزُّوا تَمَنُّعاً .. ومهما يَرُمْ وصلاً يُقَاطع بِهِجران.

وقد ترجم له جمال الدين أبو المحاسن يوسف ابن تغري بردي في كتابه النجوم الزاهرة وذلك في أحداث سنة 854 هـ فقال : ” وتوفى الشيخ الإمام العلامة شهاب الدين أحمد بن محمد بن عبد الله بن إبراهيم ابن أبى نصر محمد الدمشقى الحنفى المعروف بابن عرب شاه وبالعجمى أيضا فى القاهرة بخانقاه سعيد السعداء فى يوم الاثنين خامس عشر شهر رجب غريبا عن أهله وأولاده.

سألته عن مولده فقال : فى ليلة الجمعة داخل دمشق فى الخامس والعشرين من ذى القعدة سنة إحدى وتسعين وسبعمائة ، ونشأ بدمشق وطلب العلم ثم خرج إلى بلاد العجم فى كائنة تيمور وأقام بتلك البلاد سنين كثيرة ثم رحل إلى الروم ثم قدم دمشق وتردد إلى القاهرة إلى أن مات بعد أن ولى عدة وظائف دينية وولى قضاء حماة فى بعض الأحيان.

وكان إماما بارعا فى علوم كثيرة مفننا فى الفقه والعربية وعلمى المعانى والبيان والأدب والتاريخ وله محاضرة حسنة ومذاكرة لطيفة مع أدب وسكون وتواضع ، وله النظم الرائق الفائق الكثير المليح وكان يقول الشعر الجيد باللغات الثلاث العربية والعجمية والتركية وله مصنّفات كثيرة مفيدة فى غاية الحسن.

ولما استجزته كتب لى بخطه بعد البسملة : الحمد لله الذي زيّن مصر الفضائل بجمال يوسفها العزيز وجعل حقيقة مجاز أهل الفضل فحلّى به كل مجاز ومجيز ، أحمده حمد من طلب إجازة كرمه فاجتاز وأشكره شكرا أوضح لمزيد نعمه علينا سبيل المجاز وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إله يجيب سائله ويثيب آمله ويطيب لراجيه نائله وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله سيد من روى عن ربه ومن روى عنه والمقتدى لكل من أخذ عن العلماء أخذ منه صلى الله عليه ما رويت الأخبار ورؤيت الآثار وظهرت أذكار الأبرار فى صحائف الليل والنهار وتابعيه وأحزابه وسلم وكرّم وشرّف وعظّم.

أما بعد ، فقد أجزت الجناب الكريم العالى ذا القدر المنيف الغالى والصدر الذي هو بالفضائل حال وعن الرذائل خال المولوىّ الأميرىّ الكبيرىّ العالىّ العاملىّ الأصيلىّ العريقىّ الفاضلىّ المخدومىّ الجمالىّ أبا المحاسن الذي ورد فواضله وفضائله غراس يوسف بن المرحوم المقر الأشرف الكريم العالى المولوى الأميرى الكبيرى الأتابكى المالكى المخدومى السفيرى تغرى بردى الملكى الظاهرى أعز الله جماله وبلّغه من المرام كماله وهو ممن تغذّى بلبان الفضائل وتربى فى حجر قوابل الفواضل وجعل اقتناء العلوم دأبه ووجّه إلى تدين الأحزاب ركابه وفتح إلى دار الكمالات بابه وصيّر أحرازها فى خزائن صدره اكتسابه.

فجاز بحمد الله تعالى حسن الصورة والسيرة وقرّن بضياء الأسرّة صفاء السريرة وحوى السماحة والحماسة والفروسية والفراسة ولطف العبارة والبراعة والعرابة واليراعة والشهامة والشجاعة فهو أمير الفقهاء وفقيه الأمراء وظريف الأدباء وأديب الظرفاء فمهما تصفه صف وأكثر فإنه لأعظم مما قلت فيه وأكثر ، فأجزت له معوّلا عليه أحسن الله إليه أن يروى عنى ما لي من منظوم ومنثور ومسموع ومسطور بشروطه المعتبرة وقواعده المحررة عموما.

ثم ذكر ما له من تصنيف وتأليف وأسماء مشايخه ببلاد الشرق وبالبلاد الشأمية وقد ذكرنا ذلك كله برمته فى ترجمته فى تاريخنا (المنهل الصافى والمستوفى بعد الوافى) أضربنا عن ذكره هنا خوف الإطالة فكان مما قاله  فى أواخر هذه الإجازة من النظم أبيات مع ما فى اسم يوسف (الرمل) : وجهك الزاهى كبدر فوق غصن طلعا .. واسمك الزّاكى كمشكاة سناها لمعا .. فى بيوت أذن الإله لها أن ترفعا .. عكسها صحّفه يلفى الحسن فيه أجمعا “.

وفي مقدمة كتابه يشرح سبب تأليفه له فيقول بعد الديباجة : ” هذا وقد من الله تعالى في هذا العصر وجبر هذه الأمة الضعيفة بعد الكسر برحمة شاملة ونعمة كاملة ودولة عادلة وأيام سحائب خيرها بالأمن والأمان هاطلة ، وهي الأيام السعيدة والدولة الشريفة الحميدة أيام مولانا وسيدنا ومالك رقابنا السلطان الأعظم المالك الملك الأكرم الأفخم سيد سلاطين العرب والعجم والترك والديلم خادم الحرمين ومخدوم الثقلين حامي العباد ماحي العناد المؤيد بالنصر المسدد بالفخر الملهم سير العدل الثبت من الله تعالى بالفضل والفصل.

حافظ حوزة الدين ظل الله في الارضين خلاصة الماء والطين ناشر رايات الخير على الإسلام والمسلمين ماد سرداق الويل على الكفرة والملحدين رافع ألوية الحق ناصب أبنية الصدق كاسر أرباب النفاق جازم أصحاب الشقاق مظهر كلمة الله العلية مخفي آثار الشرك والرياء منصف المظلومين من الظالمين مشيد مسند سيد المرسلين ملاذ الملوك ملجأ السلاطين غوث الملهوفين والضعفاء مربي العلم والعلماء الملحوظ بالعناية الأزلية المحفوظ بالولاية السرمدية.

مولانا السلطان المالك الملك الظاهر أبي سعيد جقمق ( شعر ، من كان عند الله أيامه .. مخبؤه للزمن الآخر) جعل الله تعالى ملوك الدنيا خدامه وسلاطين الآفاق تمشي خلفه وقدامه ونصر أولياءه وكسر أعداءه ، مليك لما نشر به الأمان جناحه وشهر الزمان نجاحه ورفع الحق رأسه بعد ما كان انتكس وتبسم كل من الملك والدين ضاحكا بعد أن وقع في النازعات وعبس وفد عليه من الأطراف كل وافد وقصد للاكتحال بنور طلعته الشريفة كل صادر ووارد فأحل كل واحد محله ورفع العلم والفضائل وأهله.

وتشرفت بتقبيل الأرض بين يديه الملوك ورأت الدخول في شريعة طاعته وطريقة أوامره في الحقيقة من أعظم السلوك فعمت هباته وطمت صدقاته ووسع حلمه كل مجرم وحمل عفوه كل مبرم ، وكنت قبل هذا التأليف السعيد صنفت تاريخا وسميته بعجائب المقدور في نوائب تيمور ذكرت فيه بعض أحوال تيمور الأعرج الذي لم يوجد أعبر منه في العتو ولا أخرج ولم أقصد بذلك إلا الاعتبار وذكر ما جرى على العباد والبلاد من ذلك المتكبر الجبار ليعتبر به ولاة الدين وملوك الإسلام والمسلمين إذ سيره كلها عبر وكل عبرة منها فيها سير مع أنه لا يخلو من دقائق أدبية ولطائف عربية وبدائع انشائية وإنشاءات بديعية إلى غير ذلك.

ثم إني لما رأيت هذه الدولة العادلة والأيام الزاهرة الفاضلة وما من الله سبحانه به على الإسلام والمسلمين وكيف التقى التوأمان بعد افتراقهما الملك والدين أخذت على نفسي بالعتاب على ما فرطت في تصنيف ذلك الكتاب وما رأيت لمحو تلك السيئات وتلافي هاتيك الهفوات إلا كتابة كتاب يتضمن آثار هذه الدولة السعيدة واثبات بعض أوصافها الحميدة السديدة.

وذكر نبذة ما منح الله سبحانه وتعالى مولانا السلطان خلد الله أعلامه ورفع على فرق الفرقدين أعلامه من حسن النية وخلوص الطوية والشفقة على الرعية وما خصه الله تعالى من هذه الأوصاف المحمودة التي مر ذكرها وكيف امتاز بها دون غيره من الملوك والسلاطين فمن دونهم وكيف تأبى نفسه الشريفة التلبس بخلافها والقصد في ذلك أن يعلم الناظر فيه أن مولانا السلطان من أشرف جنس الإنسان ظاهرا وباطنا وأن يعرف المتأمل قدر هذه النعمة فيجدد الشكر لله تعالى دائما عليها ويدعوا بدوامها وطول بقائها وشتان ما بين التأليفين وهيهات ما بين التصنيفين “.

وفي مقدمة كتابه عجائب المقدور في أخبار تيمور يقول : ” أما بعد ، فلما كان في التواريخ عبرة لمن اعتبر وتنبيه لمن افتكر وإعلام أن فاطن الدنيا على سفر وإحضار لصورة حال من مضى وغبر كيف قدر واقتدر ونهى وأمر وبنى وعمر وختل وختر وغلب وقهر وكسر وجبر وجمع وادخر وتكبر وفجر وكيف عبس وبسر وضحك واستبشر وتقلب في أطواره من الطفولية إلى الكبر إلى أن قلبته أيدي العبر واختطفته وهو آمن ما يكون مخاليب القضاء والقدر فخالط ما صفا من عيشه الكدر وتنغص حتى ذهب عنه ما حلا ومر إن في ذلك لعبرة لمن اعتبر وتذكرة لمن ادكر وتبصرة لمن استبصر.

وكان من أعجب القضايا بل من أعظم البلايا الفتنة التي يحار فيها اللبيب ويدهش في دجى حندسها الفطن الأريب ويسفه فيها الحليم ويذل فيها العزيز ويهان الكريم قضية تيمور رأس الفساق الأعرج الدجال الذي أقام الفتنة شرقاً وغرباً على ساق أقبلت الدنيا الدنية عليه فتولى وسعى في الأرض فأفسد فيها وأهلك الحرث والنسل وتيمم حين عمته النجاسة الحكمية صعيد الأرض فغسل بسيف الطغيان كل أغر محجل فتحققت نجاسته بهذا الغسل ، أردت أن أذكر ما رأيته وأقص في ذلك ما رويته إذ كانت إحدى الكبر وأم العبر والداهية التي لا يرضى القضاء في وصفها بذا القدر والله أسأل إلهام الصدق وسلوك طريق الحق إنه ولي الإجابة ومسدد سهم المرام إلى غرض الإصابة وهو حسبي ونعم الوكيل “.

27 / عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان

ينسب قصر العيني إلى عائلة واحد من أعلام القرن التاسع الهجري وهو المؤرخ والمحدث والحافظ أبو محمد بدر الدين محمود بن أحمد بن موسى بن أحمد الحنفي العيني ، واستمد لقبه من بلدته الأصلية عينتاب التي كانت تابعة وقتها لمدينة حلب حيث ولد فيها عام 762 هـ / 1361 م ثم رحل إلى حلب ودمشق والقدس ومكة والمدينة لتلقي العلم على المذهب الحنفي ثم استقر به المقام في القاهرة حيث عاش بقية حياته وتوفي فيها عام 855 هـ / 1451 م عن تسعين عاما.

حظي العيني بعلاقة طيبة مع سلاطين المماليك ومع شيوخ عصره حيث تتلمذ على يد شيخه السيرامي وسراج الدين البلقيني وقربه كل من برقوق والمؤيد شيخ وتدرج في مناصب عديدة منها التدريس في المدرسة الظاهرية وولاية الحسبة ونظارة الأحباس (الأوقاف) وقضاء الحنفية والتدريس بالمدرسة المؤيدية كما تفرغ فترة للتأليف والكتابة ، ومن أشهر تلاميذه ابن تغري بردي والسخاوي والكمال بن الهمام.

نال الحظوة لدى السلطان المؤيد شيخ وكان يدخل عليه في أي وقت شاء ، أما السلطان الأشرف برسباي فقد جعل العيني نديماً له وكان يجلس معه بالساعات الطوال يتعلم منه ويقول : لولا القاضي العيني ما حسن إسلامنا ولا عرفنا كيف نسير في المملكة ، ومن مؤلفاته عمدة القارىء في شرح صحيح البخاري ومنحة السلوك في الفقه الحنفي وعقد الجمان في تاريخ أهل الزمان وهو موسوعة ضخمة في التاريخ.

دفن بجوار مدرسته وترك ميراثا ضخما من الأراضي منها تلك التي بني عليه (قصر العيني) في منيل الروضة بواسطة حفيده شهاب الدين أحمد بن عبد الرحيم بن بدر الدين العيني والمتوفي عام 1503 م حيث حظي بالقرب من السلطان الظاهر سيف الدين خُشقدم الذي منحه عام 869 هـ إمرة مائة وتقدمة ألف وهي أعلى رتبة عسكرية للمماليك ثم جعله أميرًا على الحج ثم عُينه مسؤولًا عن إسطبلات السلطان.

بنى شهاب الدين قصر العيني على النيل عام 871 هـ / 1466 م وأقام احتفالًا كبيرا بهذه المناسبة دعا فيه السلطان وأعيان الدولة ، وفي عهد قايتباي تمت مصادرة القصر بعد خلاف مع العيني وتحول إلى قصر للضيافة وكان من أحسن المتنزهات بالقاهرة وظل يتمتع بمكانةٍ مرموقةٍ في العصر العثماني ثم اختاره محمد علي ليكون مقرا لأول مستشفى في مصر والتي تعرف اليوم باسم مستشفى قصر العيني.

وقد عاصر العيني النصف الأول من دولة المماليك البرجية وشهد عهد كل من الظاهر برقوق والناصر فرج والمؤيد شيخ والأشرف برسباي والظاهر جقمق فكتب عنهم جميعا ومن ذلك كتاب السيف المهند في سيرة الملك المؤيد وكتاب سيرة الملك الأشرف وكتاب الروض الزاهر في سيرة الملك الظاهر وكتاب الجوهرة السنية في تاريخ الدولة المؤيدية وكتاب تاريخ البدر في أوصاف أهل العصر وكتاب طبقات الشعراء.

أما كتابه عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان فقد ضم الأحداث والتراجم خلال العصور الإسلامية وانتهى فيه إلى عام 850 هـ ولذا فإن القسم الأخير منه يعد شهادة على العصر خاصة وقد عمل العيني في وظائف عديدة في الجهاز الحكومي للسلطنة المملوكية خاصة في أعمال الحسبة والقضاء فكان وثيق الصلة بالحكام وعموم الناس معا وذلك طوال أكثر من نصف قرن عاشها في مصر.

ولم يخل الأمر من منازعات وتنافسات مع رجال عصره خاصة المقريزي وابن حجر وابن البارزي ، فقد ذكر محقق كتاب عقود الجمان  الدكتور محمود رزق محمود ذلك في مقدمة تحقيقه فقال : ” وكان كل واحد من هؤلاء العلماء يعرف قدر الآخر ويكن له غير قليل من الاحترام إلا أن الاختلاف في وجهات النظر وارد عند كل منهم سواء أكان من الناحية المذهبية أو العلمية أو السياسية مما جعل حدة المنافسة بينهم شديدة.

فالعيني كان حنفيًا وابن حجر العسقلاني كان شافعيًا وكان الاختلاف المذهبي بينهما سببا لقيام مناقشات فقهية تحولت في النهاية إلى شبه صراع مذهبي تبين عندما عزل العيني عن القضاء فقام ابن حجر بقطع الخطبة عن مسجد القاضي بدر الدين حسن بن سويد بحجة أن المذهب الشافعي لا يجيز تعدد خطبة الجمعة في المصر الواحد.

كما اشتدت المنافسة أيضًا بين العيني والمقريزي إذ كان كل منهما يمثل قمة علمية شامخة في شتى مجالات الحياة فعلى الصعيد العلمي حاول كل منهما أن يتصدر مقدمة مؤرخي عصره ليس هذا فحسب بل إن الصراع بينهما على وظيفة حسبة القاهرة وضواحيها تأجج بينهما خاصة بعد أن عزل السلطان الناصر فرج بن برقوق الشيخ المقريزي من الحسبة وولاها العيني سنة ٨٠١ هـ / ١٣٩٩ م.

فكان هذا الأمر بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير إذ أخذ المقريزي يكيل التهم للعينى ويصفه بممالأة الحكام وكان رد العينى عليه أن وصفه بالجهل وعدم المعرفة ، ولم يسلم المقريزي من نقد العيني حتى بعد وفاته إذ ذكر عند ترجمته له أنه (كان مشتغلًا بكتابة التواريخ، ويضرب الرمل) وفي هذا تقليل من قيمة المقريزي العلمية إذ لا يجتمع العلم والدجل.

وقد شرب العيني من الكأس التي سقى منها المقريزي فلم يسلم من نكاية المنافسين له من أرباب الوظائف أمثال ناصر الدين بن البارزي كاتب السر الذي نجح في إيغار صدر السلطان المؤيد شيخ فأبعده عن الحسبة ، كما نجح ابن البارزي أيضًا في الإيعاز إلى صهره السلطان جقمق فأبعد العيني عن القضاء عام ٨٤٢ هـ / ١٤٤١ م ولا يعني هذا أن العيني كان مضطهدا من كل معاصريه وإنما كانت الحرب بينه وبين المنافسين له بسبب نجاحه وتبوئه المناصب العليا التي كانوا يحلمون بتقلدها “.

وقد ذكر ابن تغري بردي في النجوم الزاهرة حضور جنازته وذكر اتصاله به في حياته وثنائه عليه فقال : ” ولما انتهينا من الصلاة على قاضى القضاة بدر الدين هذا بجامع الأزهر وخرجنا إلى مشاهدة دفنه ، قال لى قاضى القضاة بدر الدين محمد بن عبد المنعم البغدادى الحنبلى : خلا لك البرّ فبض وأصفر ، فلم أردّ عليه.

وأرسلت إليه بعد عودى إلى منزلى ورقة بخط العينى هذا يسألنى فيه عن شىء سئل عنه في التاريخ من بعض الأعيان ويعتذر عن الإجابة بكبر سنه وتشتت ذهنه ، ثم أبسط القول في الشكر والمدح والثناء إلى أن قال : وقد صار المعوّل عليك الآن في هذا الشأن وأنت فارس ميدانه وأستاذ زمانه فاشكر الله على ذلك ، وكان تاريخ كتابة الورقة المذكورة في سنة تسع وأربعين وثمانمائة “.

وقد ترجم له السخاوي في الضوء اللامع فقال : ” مَحْمُود بن أَحْمد بن مُوسَى بن أَحْمد بن حُسَيْن بن يُوسُف بن مَحْمُود الْبَدْر أَبُو مُحَمَّد وَأَبُو الثَّنَاء بن الشهَاب الْحلَبِي الأَصْل العنتابي المولد ثمَّ القاهري الْحَنَفِيّ وَيعرف بالعيني.

انْتقل أَبوهُ من حلب إِلَى عنتاب من أَعمالهَا فولي قضاءها وَولد لَهُ الْبَدْر بهَا وَذَلِكَ كَمَا قرأته بِخَطِّهِ فِي سَابِع عشرى رَمَضَان سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة فَنَشَأَ بهَا وَقَرَأَ الْقُرْآن ، ولازم الشَّمْس مُحَمَّد الرَّاعِي بن الزَّاهِد ابْن أحد الآخذين عَن الرُّكْن قَاضِي قرم وأكمل الدّين ونظرائهما فِي الصّرْف والعربية والمنطق وَغَيرهَا وَكَذَا أَخذ الصّرْف والفرائض السِّرَاجِيَّة وَغَيرهمَا عَن الْبَدْر مَحْمُود بن مُحَمَّد العنتابي الْوَاعِظ الْآتِي.

وَقَرَأَ الْمفصل فِي النَّحْو والتوضيح مَعَ مَتنه التَّنْقِيح على الْأَثِير جِبْرِيل بن صَالح الْبَغْدَادِيّ تلميذ التَّفْتَازَانِيّ والمصباح فِي النَّحْو أَيْضا على خير الدّين الْقصير وَسمع ضوء الْمِصْبَاح على ذِي النُّون وتفقه بِأَبِيهِ وبميكائيل أَخذ عَنهُ الْقَدُورِيّ والمنظومة قِرَاءَة وَالْمجْمَع سَمَاعا وبالحسام الرهاوي قَرَأَ عَلَيْهِ مُصَنفه الْبحار الزاخرة فِي الْمذَاهب الْأَرْبَعَة ولازم فِي الْمعَانِي وَالْبَيَان والكشاف وَغَيرهمَا الْفَقِيه عِيسَى بن الْخَاص بن مَحْمُود السرماوي تلميذ الطَّيِّبِيّ وَالْجَار بردى.

وبرع فِي هَذِه الْعُلُوم وناب عَن أَبِيه فِي قَضَاء بَلَده وارتحل إِلَى حلب فِي سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ فَقَرَأَ على الْجمال يُوسُف الْمَلْطِي الْبَزْدَوِيّ وَسمع عَلَيْهِ فِي الْهِدَايَة وَفِي الأخسيكتي وَأخذ عَن حيدر الرُّومِي شَارِح الْفَرَائِض السِّرَاجِيَّة ثمَّ عَاد إِلَى بلده وَلم يلبث أَن مَاتَ وَالِده فارتحل أَيْضا فَأخذ عَن الْوَلِيّ البهستي ببهستا وعلاء الدّين بكختاو الْبَدْر الكشافي بملطية ثمَّ رَجَعَ إِلَى بَلَده.

ثمَّ حج وَدخل دمشق وزار بَيت الْمُقَدّس فلقي فِيهِ الْعَلَاء أَحْمد بن مُحَمَّد السيرامي الْحَنَفِيّ فلازمه واستقدمه مَعَه الْقَاهِرَة فِي سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَقَررهُ صوفيا بالبرقوقية أول مَا فتحت فِي سنة تسع وَثَمَانِينَ ثمَّ خَادِمًا ولازمه فِي الْفِقْه وأصوله والمعاني وَالْبَيَان وَغَيرهَا كقصة من أَوَائِل الْكَشَّاف وَكَذَا أَخذ الْفِقْه وَغَيره عَن الشهَاب أَحْمد بن خَاص التركي ومحاسن الِاصْطِلَاح عَن مُؤَلفه البُلْقِينِيّ.

وَسمع على الْعَسْقَلَانِي الشاطبية وعَلى الزين الْعِرَاقِيّ صَحِيح مُسلم والإلمام لِابْنِ دَقِيق الْعِيد وَقَرَأَ على التقي الدجوي الْكتب السِّتَّة ومسند عبد والدارمي وَقَرِيب الثُّلُث الأول من مُسْند أَحْمد وعَلى القطب عبد الْكَرِيم حفيد الْحَافِظ القطب الْحلَبِي بعض المعاجيم الثَّلَاثَة للطبراني وعَلى الشّرف بن الكويك الشفا وعَلى النُّور الفوى بعض الدَّارَقُطْنِيّ أَو جَمِيعه وعَلى تغرى برمش شرح مَعَاني الْآثَار للطحاوي وعَلى الْحَافِظ الهيثمي فِي آخَرين ، وَلبس الْخِرْقَة من نَاصِر الدّين القرطي.

وَفِي غُضُون هَذَا دخل دمشق فَقَرَأَ بهَا بَعْضًا من أول البُخَارِيّ على النَّجْم بن الكشك الْحَنَفِيّ عَن الحجار وَكَانَ حنفيا عَن ابْن الزبيدِيّ الْحَنَفِيّ حَسْبَمَا اسْتَفَدْت معنى كُله من خطه مَعَ تنَاقض فِي بعضه مَعَ ماكتبه مرّة أُخْرَى كَمَا بَينته فِي تَرْجَمته من ذيل الْقُضَاة ، نعم رَأَيْت قِرَاءَته للجزء الْخَامِس من مُسْند أبي حنيفَة للحارثي على الشّرف بن الكويك وَوجدت بِخَط بعض الطّلبَة أَنه سمع على الْعِزّ بن الكويك وَالِد الشّرف ، وَلم يزل الْبَدْر فِي خدمَة البرقوقية حَتَّى مَاتَ شيخها الْعَلَاء فَأخْرجهُ جركس الخليلي أَمِير آخور مِنْهَا بل رام إبعاده عَن الْقَاهِرَة أصلا مشيا مَعَ بعض حسدة الْفُقَهَاء فكفه السراج البُلْقِينِيّ

ثمَّ بعد يسير توجه إِلَى بِلَاده ثمَّ عَاد وَهُوَ فَقير مَشْهُور الْفَضِيلَة فتردد لقلمطاي العثماني الدوادار وتغرى بردى القردمي وجكم من عوض وَغَيرهم من الْأُمَرَاء بل حج فِي سنة تسع وَتِسْعين صُحْبَة تمربغا المشطوب وَقَالَ أَنه رأى مِنْهُ خيرا كثيرا ، فَلَمَّا مَاتَ الظَّاهِر برقوق سعى لَهُ جكم فِي حسبَة الْقَاهِرَة فاستقر فِيهَا فِي مستهل ذِي الْحجَّة سنة إِحْدَى وَثَمَانمِائَة ثمَّ انْفَصل عَنْهَا قبل تَمام شهر بالجمال الطنبدي ابْن عرب وتكررت ولَايَته لَهَا وَكَانَ فِي مُبَاشَرَته لَهَا يُعَزّر من يُخَالف أمره بِأخذ بضاعته غَالِبا وإطعامها للْفُقَرَاء والمحابيس.

وَكَذَا ولي فِي الْأَيَّام الناصرية عدَّة تداريس ووظائف دينية كتدريس الْفِقْه بالمحمودية وَنظر الأحباس ثمَّ انْفَصل عَنْهَا وأعيد إِلَيْهَا فِي أَيَّام الْمُؤَيد وَقَررهُ فِي تدريس الحَدِيث بالمؤيدية أول مَا فتحت وامتحن فِي أول دولته ثمَّ كَانَ من أخصائه وندمائه بِحَيْثُ توجه عَنهُ رَسُولا إِلَى بِلَاد الرّوم ، وَلما اسْتَقر الظَّاهِر ططر زَاد فِي إكرامه لسبق صحبته مَعَه بل تزايد اخْتِصَاصه بعد بالأشرف حَتَّى كَانَ يسامره وَيقْرَأ لَهُ التَّارِيخ الَّذِي جمعه باللغة الْعَرَبيَّة ثمَّ يفسره لَهُ بالتركية لتقدمه فِي اللغتين ويعلمه أُمُور الدّين حَتَّى حكى أَنه كَانَ يَقُول لولاه لَكَانَ فِي إسْلَامنَا شَيْء.

وَعرض عَلَيْهِ النّظر على أوقاف الْأَشْرَاف فَأبى وَلم يزل يترقى عِنْده إِلَى أَن عينه لقَضَاء الْحَنَفِيَّة وولاه إِيَّاه مسئولا على حِين غَفلَة فِي ربيع الآخر سنة تسع وَعشْرين عوضا عَن التفهني لما اسْتَقر فِي مشيخة الشخونية ثمَّ صرفه على استكمال أَربع سِنِين ثمَّ أَعَادَهُ وسافر فِي جملَة رفقته صحبته سنة آمد حَتَّى وصل مَعَه إِلَى البيرة ثمَّ فَارقه وَأقَام فِي حلب حَتَّى رَجَعَ السُّلْطَان فرافقه ، وَمَات الْأَشْرَف وَهُوَ قَاض ثمَّ صرف فِي أَيَّام وَلَده فِي الْمحرم سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين بالسعد بن الديري.

وَلزِمَ الْبَدْر بَيته مُقبلا على الْجمع والتصنيف مستمرا على تدريس الحَدِيث بالمؤيدية وَنظر الأحباس حَتَّى مَاتَ غير أَنه عزل عَن الأحباس بِالْعَلَاءِ بن أقبرس فِي سنة ثَلَاث وَخمسين وتألم وَلم يجْتَمع الْقَضَاء والحسبة وَنظر الأحباس فِي آن وَاحِد لأحد قبله ظنا ، وَكَانَ إِمَامًا عَالما عَلامَة عَارِفًا بِالصرْفِ والعربية وَغَيرهَا حَافِظًا للتاريخ وللغة كثير الِاسْتِعْمَال لَهَا مشاركا فِي الْفُنُون ذَا نظم ونثر مقَامه أجل مِنْهُمَا لَا يمل من المطالعة وَالْكِتَابَة.

كتب بِخَطِّهِ جملَة وصنف الْكثير بِحَيْثُ لَا أعلم بعد شَيخنَا أَكثر تصانيف مِنْهُ ، وقلمه أَجود من تَقْرِيره وكتابته طَريقَة حَسَنَة مَعَ السرعة حَتَّى استفيض عَنهُ أَنه كتب الْقَدُورِيّ فِي لَيْلَة بل سمع ذَلِك مِنْهُ الْعِزّ الْحَنْبَلِيّ وَكَذَا قَالَ المقريزي أَنه كتب الْحَاوِي فِي لَيْلَة ، اشْتهر اسْمه وَبعد صيته مَعَ لطف الْعشْرَة والتواضع وَعمر مدرسة مجاورة لسكنه بِالْقربِ من جَامع الْأَزْهَر وَعمل بهَا خطية لكَونه كَمَا بَلغنِي كَانَ يُصَرح بِكَرَاهَة الصَّلَاة فِي الْأَزْهَر لكَون واقفه رَافِضِيًّا سبابا.

وحظي عِنْد غير وَاحِد من الْمُلُوك والأمراء ، حدث وَأفْتى ودرس وَأخذ عَنهُ الْأَئِمَّة من كل مَذْهَب طبقَة بعد أُخْرَى بل أَخذ عَنهُ أهل الطَّبَقَة الثَّالِثَة ، وَكنت مِمَّن قَرَأَ عَلَيْهِ أَشْيَاء وقرض لي بعض تصانيفي وَبَالغ فِي الثَّنَاء عَليّ لفظا وَكِتَابَة بل علق شَيخنَا عَنهُ من فَوَائده بل سمع عَلَيْهِ ثَلَاثَة أَحَادِيث لأجل البلدانيات بِظَاهِر عنتاب بِقِرَاءَة موقعه ابْن المهندس مَعَ ما بينهما مَا يكون بَين المتعاصرين غَالِبا وَكَذَا كَانَ هُوَ يَسْتَفِيد من شَيخنَا خُصُوصا حِين تصنيفه رجال الطَّحَاوِيّ وترجمه شَيخنَا فِي رفع الأصر وَفِي مُعْجَمه بِاخْتِصَار وَقَالَ أجَاز فِي استدعاء ابْني مُحَمَّد.

وَذكره ابْن خطيب الناصرية فِي تَارِيخه فَقَالَ : وَهُوَ إِمَام عَالم فَاضل مشارك فِي عُلُوم وعندهحشمة ومروءة وعصبية وديانة انْتهى ، وَلم يزل ملازما للْجمع والتصنيف حَتَّى مَاتَ بعد أَن صَار خُصُوصا بعد صرفه عَن نظر الأحباس يَبِيع من أملاكه وَكتبه سوى مَا وَقفه على مدرسته مِنْهَا وَهُوَ شَيْء كثير فِي لَيْلَة الثُّلَاثَاء رَابِع ذِي الْحجَّة سنة خمس وَخمسين وَدفن من الْغَد بمدرسته الَّتِي أَنْشَأَهَا بعد أَن صلى عَلَيْهِ الْمَنَاوِيّ بالأزهر وَعظم الأسف على فَقده وَلم يخلف بعده فِي مَجْمُوعه مثله.

وَمن تصانيفه شرح البُخَارِيّ فِي أحد وَعشْرين مجلدا سَمَّاهُ عُمْدَة الْقَارِي استمد فِيهِ من شرح شَيخنَا بِحَيْثُ ينْقل مِنْهُ الورقة بكمالها وَرُبمَا اعْترض لَكِن قد تعقبه شَيخنَا فِي مُجَلد حافل بل عمل قَدِيما حِين رَآهُ تعرض فِي خطبَته لَهُ جُزْءا سَمَّاهُ الاستنصار على الطاعن المعثار بَين فِيهِ مَا نسبه إِلَيْهِ مِمَّا زعم انتقاده فِي خُصُوص الْخطْبَة ، وقف عَلَيْهِ الأكابر من سَائِر الْمذَاهب كالجلال البُلْقِينِيّ أو الشمسين الْبرمَاوِيّ وَابْن الديري والشرف التباني وَالْجمال الأقفهسي والْعَلَاء بن المغلي فبينوا فَسَاد انتقاده وصوبوا صَنِيع شَيخنَا وأنزلوه مَنْزِلَته.

وَطول الْبَدْر شَرحه بِمَا تعمد شَيخنَا حذفه من سِيَاق الحَدِيث بِتَمَامِهِ وتراجم الروَاة وَاسْتِيفَاء كَلَام اللغويين مِمَّا كَانَ الْقَصْد يحصل بِدُونِهِ وَغير ذَلِك ، وَذكر لشَيْخِنَا عَن بعض الْفُضَلَاء تَرْجِيحه بِمَا اشْتَمَل عَلَيْهِ من البديع فَقَالَ بديهة هَذَا شَيْء نَقله من شرح لركن الدّين وَكنت قد وقفت عَلَيْهِ قبله وَلَكِن تركت النَّقْل مِنْهُ لكَونه لم يتم إِنَّمَا كتب مِنْهُ قِطْعَة يسيرَة وخشيت من تعبي بعد فراغها فِي الاسترسال فِي هَذَا المهيع بِخِلَاف الْبَدْر فَإِنَّهُ بعْدهَا لم يتَكَلَّم بِكَلِمَة وَاحِدَة فِي ذَلِك ، وَبِالْجُمْلَةِ فشرح الْبَدْر أَيْضا حافل لكنه لم ينتشر كانتشار شرح شَيخنَا وَلَا طلبه مُلُوك الْأَطْرَاف من صَاحب مصر وَلَا تنافس الْعلمَاء فِي تَحْصِيله من حَيَاة مُؤَلفه وهلم جرا ذَلِك فضل الله يؤتيه من يَشَاء.

وَشرح صَاحب التَّرْجَمَة كتبا كَثِيرَة مِنْهَا مَعَاني الْآثَار للطحاوي فِي عشر مجلدات وَقطعَة من سنَن أبي دَاوُد فِي مجلدين وَقطعَة كَبِيرَة من سيرة ابْن هِشَام سَمَّاهُ كشف اللثام وَجَمِيع الْكَلم الطّيب لِابْنِ تَيْمِية والكنز وَسَماهُ رمز الْحَقَائِق فِي شرح كنز الدقائق والتحفة وَالْهِدَايَة فِي أحد عشر مجلدا كَمَا قرأته بِخَطِّهِ وَالْمجْمَع وَسَماهُ المستجمع وَقَالَ إِن تصنيفه لَهُ كَانَ وَهُوَ ابْن إِحْدَى وَعشْرين سنة فِي حَيَاة كبار شُيُوخه فوقفوا عَلَيْهِ وقرضوه.

والبحار الزاخرة لشيخه فِي مجلدين وَسَماهُ الدُّرَر الزاهرة والمنار والشواهد الْوَاقِعَة فِي شُرُوح الألفية فِي تصنيفين كَبِير فِي مجلدين وصغير فِي مُجَلد وَهُوَ أشهرهما وَعَلِيهِ معول الْفُضَلَاء وَكتب على خطبَته شرحا ومراح الْأَرْوَاح وَسَماهُ ملاح الألواح وَقَالَ إِنَّه كَانَ أول تصانيفه صنفه وَله من الْعُمر تسع عشرَة سنة والعوامل الْمِائَة لعبد القاهر الْجِرْجَانِيّ وقصيدة الساوي فِي الْعرُوض وعروض ابْن الْحَاجِب والتسهيل لِابْنِ ملك فِي مطول ومختصر.

وَاخْتصرَ الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّة وَكَذَا الْمُحِيط فِي مجلدين وَسَماهُ الْوَسِيط فِي مُخْتَصر الْمُحِيط وَله حواش على شرح الألفية لِابْنِ المُصَنّف وعَلى التَّوْضِيح وعَلى شرح الجاربردى فِي التصريف وفوائد على شرح اللّبَاب للسَّيِّد وَتَذْكِرَة نحوية ومقدمة فِي الصّرْف وَأُخْرَى فِي الْعرُوض ، وَعمل سير الْأَنْبِيَاء وتاريخا كَبِيرا فِي تِسْعَة عشر مجلدا رَأَيْت مِنْهُ المجلد الْأَخير وانْتهى إِلَى سنة خمسين ومتوسطا فِي ثَمَانِيَة وَاخْتَصَرَهُ أَيْضا فِي ثَلَاثَة وتاريخ الأكاسرة بالتركية وطبقات الشُّعَرَاء وطبقات الْحَنَفِيَّة ومعجم شُيُوخه فِي مُجَلد وَرِجَال الطَّحَاوِيّ فِي مُجَلد.

وَاخْتصرَ تَارِيخ ابْن خلكان وَله تحفة الْمُلُوك فِي المواعظ وَالرَّقَائِق كتاب فِي ثَمَان مجلدات سَمَّاهُ مشارح الصُّدُور وَرَأَيْت بِخَطِّهِ أَنه سَمَّاهُ زين الْمجَالِس وَآخر في النوادر وسيرة الْمُؤَيد نثر ونظم فِي أُخْرَى انتقد كثيرا من أبياتها شَيخنَا فِي جُزْء سَمَّاهُ قذى الْعين وقرظه غير وَاحِد مِمَّا هُوَ عِنْدِي وسيرة الظَّاهِر ططر وسيرة الْأَشْرَف وَتَذْكِرَة متنوعة وَكتب على كل من الْكَشَّاف وَتَفْسِير أبي اللَّيْث وَتَفْسِير الْبَغَوِيّ.

وَله نظم كثير فِيهِ المقبول وَغَيره فَمِنْهُ : ذكرنَا مدائح للنَّبِي مُحَمَّد .. طربنا فَلَا عود سكرنا وَلَا كرم .. فَتلك مدامة يسوغ شرابها .. وَلَيْسَ يشوبها هم وَلَا إِثْم ، فِي أَبْيَات أودعتها القَوْل المنبي عَن ابْن عَرَبِيّ مَعَ كَلَامه فِيهِ وَفِي أَمْثَاله وَله تقريض على الرَّد الوافر لِابْنِ نَاصِر الدّين غَايَة فِي الِانْتِصَار لِابْنِ تَيْمِية وَكَذَا لَهُ تقريض على السِّيرَة المؤيدية لِابْنِ ناهض وَمَا لَا أنهض لحصره.

ولإكثاره وتقليده الصُّحُف وَنَحْوهَا يَقع فِي خطه بِالنِّسْبَةِ لما رَأَيْته من تَارِيخه أَشْيَاء أَشرت لبعضها مَعَ فَوَائِد مهمة فِي تَرْجَمته من ذيل الْقُضَاة ، وَهُوَ فِي عُقُود المقريزي وَقَالَ أَنه أخرج من البرقوقية خُرُوجًا شنيعا لأمور رمى بهَا الله أعلم بحقيقتها وشفع فِيهِ البُلْقِينِيّ حَتَّى أعفي من النَّفْي رَحمَه الله وإيانا “.

28 / عقود اللآل في الموشحات والأزجال

أحدثت الموشحات الأندلسية تغييرا كبيرا في بنية الشعر العربي ومهدت لظهور أنماط جديدة مثل الأزجال والبلاليق والرباعيات والدوبيت ، وقد اهتم كثير من الأدباء بذلك وكتبوا عنه ومنهم هبة الله ابن سناء الملك المتوفي بالقاهرة عام 608 هـ من خلال كتابه دار الطراز في عمل الموشحات والذي كرس فيه لظهور الموشحات المصرية ، ومنهم الشيخ صلاح الدين الصفدي المتوفي بالشام عام 764 هـ من خلال كتابه توشيع التوشيح ، ومنهم الشاعر والوزير الأندلسي لسان الدين ابن الخطيب المتوفي بالمغرب عام 776 هـ من خلال كتابه جيش التوشيح.

وفي القرن التاسع الهجري يقوم شيخ الشعراء في مصر شمس الدين النواجي بتصنيف كتابه عقود اللآل في الموشحات والأزجال حيث كتب عن الموشحات المشرقية والمغربية ثم تفرد عنهم بالكتابة عن الأنماط الجديدة مثل الزجل وغيره من الفنون التي جرت على ألسنة الشعراء في زمنه ، وضمن كتابه أزجاله هو ومعه أزجال كل من ابن النبيه وابن مكانس وابن مقاتل وابن حجة وابن قزمان وابن الخراط وابن المنجم وإبراهيم المعمار وخلف الغباري والإسكافي والبعلبكي وابن أبي الوفا وابن المبلط والشهاب الحجازي وعلي النجار وابن الكناني.

والمؤلف هو الشاعر والأديب والناقد والكاتب شمس الدين أبو عبد الله محمد بن حسن بن علي بن عثمان النواجي الذي ولد في القاهرة عام 788 هـ / 1386 م وتوفي فيها عام 859 هـ / 1455 م وسمي بالنواجي نسبة إلى قرية نواج من أعمال الغربية (مركز طنطا حاليا) حيث الموطن الأول لأسرته قبل نزوحها إلى القاهرة ، اشتغل أول الأمر بمهنة نسخ الكتب ثم تلقى العلم على شيوخ عصره واشتغل فترة بتدريس اللغة والعروض ثم تخصص في الأدب والشعر وكتب فيها خمسة وعشرين كتابا وارتبط بعدد من الوزراء والأمراء وكبار موظفي ديوان الإنشاء ممن مدحهم بشعره وحظي لديهم بالقبول والقرب.

وفي المرحلة الأولى من حياته كتب النواجي متبعا من سبقه خاصة شيخه وأستاذه ابن حجة الحموي فصنف كتابه تأهيل الغريب في قصائد الغزل وكتاب خلع العذار في وصف العذار في أشعار المجون والخلاعة ، وفي عام 816 هـ تبدأ المرحلة الثانية من حياته الأدبية والتي استقل فيها برأيه عمن سبقوه وذلك بتصنيف كتابه الكبير رياض الألباب ومحاسن الآداب والذي قسمه إلى فصول عدة في موضوعات أدبية متنوعة حيث تحولت بعض هذه الفصول بعد ذلك إلى كتب مستقلة بذاتها بعد أن توسع في موضوعاتها وكتب نقده لها.

وقد تحول الباب الأول من كتابه إلى كتاب مستقل بعنوان تحفة الأديب في الأشعار التي جرت مجرى الأمثال) وتناول فيه أشعار الحكمة وأمثال العرب ثم اختصره في كتاب سماه زهر الربيع في المثل البديع وضمنه أكثر من ألف مثل لكبار الشعراء مثل المتنبي وأبي تمام والبحتري وشعراء المعلقات ، وفصل الجزء الخاص بالغزل في كتاب صحائف الحسنات في وصف الخال والجزء الخاص بالخمريات في كتاب حلبة الكميت والذي انتهى منه في عام 824 هـ وأتبعه بكتاب في نفس الموضوع هو الصبوح والغبوق.

ثم فصل الجزء الخاص باللهو والمجون في كتاب بعنوان مراتع الغزلان في وصف الحسان من الغلمان وانتهى منه في عام 828 هـ ، وفي مجال البلاغة والنقد صنف كلا من كتاب المحجة في سرقات ابن حجة وكتاب الدر النفيس فيما زاد على جنان الجناس للصفدي وأجناس التجنيس للحلي وكتاب روضة المجالسة وغيضة المجانسة وكتاب الشفاء في بديع الاكتفاء وكتاب مقدمة في صناعة النظم والنثر ، وفي العروض صنف رسالة تتعلق بالقوافي وكتاب شرح الخزرجية في العروض وكتاب الفوائد العروضية.

وفي علوم اللغة صنف حاشية على الجاربردي وحاشية على التوضيح لابن هشام وكتاب الفوائد العلمية في فنون من اللغات ، وفي النحو صنف رسالة في حكم حرف المضارعة وفي التاريخ صنف كتاب نزهة الأخيار في محاسن الأخبار ، وله ديوان شعر كبير متعدد الأغراض وديوان شعر صغير يقتصر على المديح النبوي وسماه المطالع الشمسية في المدائح النبوية ، وفي مجال الإنشاء والأدب صنف كتاب الطراز الموشى في الإنشاء وكتاب نزهة الألباب في أخبار ذوي الألباب وكتاب تذكرة النواجي ورسالة في الألغاز.

أما الجزء الخاص بالموشحات والأزجال في كتابه رياض الألباب فقد تحول إلى كتاب عقود اللآل حيث يقول في مقدمته شارحا سبب تصنيفه : ” بسم الله الرحمن الرحيم وبه ثقتي ورجائي ، قال الفقير إلى رحمة ربه والراجي عفوه ومغفرته أبو عبد الله محمد شمس الدين بن بدر الدين بن حسن بن علي النواجي الشافعي بلغه الله سؤله ونوله في الدارين مأموله ، أما بعد حمدا لله الذي وشح ذوي البلاغة بحلل الآداب ورشحهم بحلي الفضائل والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي اعترف بفصاحته كل ناطق وأذعن لبلاغته كل قائل.

فقد جمعت هذه الحديقة في الموشحات والأزجال واقتطفت من ثمار أغصانها ما هو أطيب من نشوة الشمول وألطف من نسمة الشمال قاصدا في ذلك التوسط بين الإطناب والإيجاز منتقيا من حلل أبياته الغريبة ما يزهو ببديع محاسنه على كل ما في دار الطراز من كل بيت يصعد نظر المتأمل إلى بديع طباقه العامرة بأنواع المحاسن فيسكن قلبه إلى تلك القصور الخالية من القصور ويتوصل من خرجاته الداخلة إلى براعة ذلك المطلع بأحسن دخول وألطف عبور.

وسميته (عقود اللآل في الموشحات والأزجال)  مقتصرا على محاسن ما وقع لي في ذلك من النوعين مرتبا على بابين والله تعالى يسددنا في القول والعمل ويرجح حسناتنا في عرصات القيامة إذا سمع لأصواتنا من هول المحشر زجل “.  

  وقد ذكره ابن تغري بردي في كتابه النجوم الزاهرة وذلك في أحداث سنة 859 هـ فقال : ” وتوفّى شاعر العصر الشيخ شمس الدين محمد بن حسن بن على بن عثمان الشافعى الفقيه النّواجى الشاعر المشهور في يوم الأربعاء سادس عشرين جمادى الأولى ، ومولده بالقاهرة في سنة ثمان وثمانين وسبعمائة وأصله من نواج قرية بالغربية من عمل الوجه البحرى من القاهرة ، ونشأ بالقاهرة وقرأ واشتغل إلى أن مهر وبرع فى عدة علوم وفنون وغلب عليه نظم القريض حتى قال منه أحسنه.

وأنشدنى كثيرا من شعره ومما أنشدنى من لفظه لنفسه رحمه الله تعالى قوله (الوافر) : طلبت وصاله فدنا لحربى .. يهزّ من القوام اللّدن رمحا .. وسلّ من اللواحظ مشرفيّا .. ليضرب قلت لا بالله صفحا ، ومما أنشدنى لنفسه أيضا (الطويل) : خليلىّ هذا ربع عزّة فاسعيا .. إليه وإن سالت به أدمعى طوفان .. فجفنى جفا طيب المنام وجفنها .. جفانى فيالله من شرك الأجفان.

وقد استوعبنا من لفظه وشعره قطعة جيدة في ترجمته في تاريخنا (المنهل الصافى والمستوفى بعد الوافى) وأيضا في تاريخنا (حوادث الدهور في مدى الأيام والشهور) إذ هما محل الإطناب ، انتهى “.

وترجم له السخاوي في الضوء اللامع وذكر اتصاله برجال عصره فقال : ” محمد بن حسن بن على بن عثمان الشمس النواجى  نسبة لنواج بالغربية  بالقرب من المحلة  ثم القاهرى الشافعى  شاعر الوقت  ويعرف بالنواجى ، حج مرتين الأولى فى رجب سنة عشرين واستمر مقيما حتى حج  ثم عاد مع الموسم والأخرى فى سنة ثلاث وثلاثين وحكى كما أورده فى منسكه الذى سماه  (الغيث المنهمر فيما يفعله الحاج والمعتمر).

وَدخل دمياط واسكندرية وَتردد للمحلة وَغَيرهَا وأمعن النّظر فِي عُلُوم الْأَدَب وأنعم حَتَّى فاق أهل عصره فَمَا رام بديع معنى إِلَّا أطاعه فأنعم وَأطَال الاعتناء بالأدب فحوى فِيهِ قصب السَّبق إِلَى أَعلَى الرتب ، وَكتب حَاشِيَة على التَّوْضِيح فِي مجلدة وَبَعض حَاشِيَة على الْجَار بردي وشرحا للخزرجية فِي الْعرُوض وكتابا يشْتَمل على قصائد مطولات كلهَا غزل والشفاء فِي بديع الِاكْتِفَاء وخلع العذار فِي وصف العذار وَكَأَنَّهُ تطابق مَعَ الصّلاح الصَّفَدِي فِي تَسْمِيَته.

وصحائف الْحَسَنَات فِي وصف الْخَال وَكَأَنَّهُ توارد أَيْضا مَعَ الزين بن الْخَرَّاط فِيهَا وروضة المجالسة فِي بديع المجانسة ومراتع الغزلان فِي وصف الحسان من الغلمان وحلبة الْكُمَيْت فِي وصت الْخمر وَكَانَ اسْمه أَولا الحبور وَالسُّرُور فِي وصف الْخُمُور ، وانتقد عَلَيْهِ الخيرون جمعه بل حصلت لَهُ محنة بِسَبَبِهِ حَيْثُ ادّعى عَلَيْهِ من أَجله وَطلب مِنْهُ فغيبه واستفتى عَلَيْهِ الْعِزّ السنباطي البليغ المفوه فتيا بديعة التَّرْتِيب قَالَ الْعِزّ عبد السَّلَام الْقُدسِي إِنَّهَا تكَاد تكون مصنفا وَبَالغ الْعِزّ عبد السَّلَام الْبَغْدَادِيّ فِي جَوَابه فِي الْحَط عَلَيْهِ وَامْتنع شَيخنَا من الْجَواب قيل لكَون المُصَنّف أورد لَهُ فِيهِ مَقْطُوعًا.

وعقود اللآل فِي الموشحات والأزجال وَالْأُصُول الجامعة لحكم حرف المضارعة والمطالع الشمسية فِي المدائح النَّبَوِيَّة وَقد أنْشد بَعْضهَا من لَفظه بالحضرة النَّبَوِيَّة حِين حجَّته الثَّانِيَة ، وَكَانَ مُتَقَدما فِي اللُّغَة والعربية وفنون الْأَدَب مشاركا فِي غَيرهَا حسن الْخط جيد الضَّبْط متقن الْفَوَائِد عُمْدَة فِيمَا يُقَيِّدهُ أَو يفِيدهُ بِخَطِّهِ ، كتب لنَفسِهِ الْكثير وَكَذَا لغيره بِالْأُجْرَةِ ، وَكَانَ سريع الْكِتَابَة حكى الْعِزّ التكروري أَنه شَاهده كتب صفحة فِي نصف الشَّامي فِي مسطرة سَبْعَة عشر بِمدَّة وَاحِدَة وَمِمَّنْ كَانَ يرغب فِي كِتَابَته ويجزل الْعَطاء لَهُ بِسَبَبِهَا وَغَيره.

التقي بن حجَّة الشَّاعِر واختص لذَلِك بِصُحْبَتِهِ واستطال بِهِ على الْجلَال البُلْقِينِيّ فِيمَا كَانَ باسمه من مُرَتّب وَغَيره ثمَّ كَانَ بعد من أَكثر المؤذنين لَهُ فِي أول دولة الْأَشْرَف ، وَعمل كتابا سَمَّاهُ الْحجَّة فِي سرقات ابْن حجَّة وَرُبمَا أنشأ الشَّيْء مِمَّا نظمه التقي وَعَزاهُ لبَعض من سبقه إِلَى غير ذَلِك مِمَّا تحامل عَلَيْهِ فِيهِ ، وَقد جوزي على ذَلِك بعد دهر فَإِن بعض الشُّعَرَاء صنف كتابا سَمَّاهُ قبح الأهاجي فِي النواجي جمع فِيهِ هجو من دب ودرج حَتَّى من لم ينظم قبل ذَلِك وأوصل إِلَيْهِ علمه بطريقة ظريفة فَإِنَّهُ أَمر بِدَفْعِهِ لدلال بسوق الْكتب وَهُوَ جَالس على عَادَته عِنْد بعض التُّجَّار فدار بِهِ على أَرْبَاب الحوانيت حَتَّى وصل إِلَيْهِ فَأَخذه وتأمله وَعلم مضمونه ثمَّ أَعَادَهُ إِلَى الدَّلال وَحِينَئِذٍ اسْترْجع من الدَّلال فكاد النواجي يهْلك.

وَكَذَا رام الْمَنَاوِيّ فِي أَيَّام قَضَائِهِ الْإِيقَاع بِهِ بِسَبَب تعرضه بالهجو لشيخه الْوَلِيّ الْعِرَاقِيّ حَيْثُ قَالَ إِذا رأى سَعْدا يَمُوت وَيحيى فتوسل عِنْده بالعز السنباطي وَغَيره ثمَّ امتدحه بقصيدة ظنانة أنْشدهُ إِيَّاهَا من لَفظه ، وَبَلغنِي أَن شَيْخه أَمِير حَاج كَانَ يَحْكِي أَنه بَيْنَمَا هُوَ وَاقِف بِعَرَفَة فِي حجَّته ألْقى الله فِي قلبه الدُّعَاء عَلَيْهِ بِسَبَب الْوَلِيّ وَأَنه فعل وَلَعَلَّ مَا كَانَ يذكر أَنه بِهِ من البرص بِسَبَبِهِ هَذَا.

وَأما شَيخنَا فَإِنَّهُ حلم عَلَيْهِ فِي أَكثر الْأَوْقَات بل كَانَ كثير الْبر لَهُ وأفادته إِيَّاه لما كَانَ يشكل عَلَيْهِ حِين مثوله بَين يَدَيْهِ خُصُوصا حِين كَانَ الْفَقِيه حسن الفيومي إِمَام الزَّاهِد الْمَاضِي يصحح على النواجي فِي التَّرْغِيب لِلْمُنْذِرِيِّ فَإِنَّهُ كَانَ يقف عَلَيْهِ التكثير فِي الْمُتُون والرواة وَلَا يَهْتَدِي لمعرفتها من بطُون الدفاتر والكتب نعم أنهى إِلَيْهِ أهل الخانقاه البيبرسية عَنهُ أمرا شنيعا مِمَّا يتَعَلَّق بِنَفسِهِ فَأمر بِمَنْعه مِنْهَا.

اشْتهر ذكره وَبعد صيته وَقَالَ الشّعْر الْفَائِق والنثر الرَّائِق وَجمع المجاميع وطارح الْأَئِمَّة وَأخذ عَنهُ غير وَاحِد من الْأَعْيَان كالشهاب بن أَسد والبدر البُلْقِينِيّ والمحب الْخَطِيب الْمَالِكِي وَكَانَت بَينهمَا مصاهرة والبدر بن المخلطة وَلَوْلَا ضيق عطنه وَسُوء مزاجه وَسُرْعَة انحرافه وتعرضه بِهِ للهجاء لَكَانَ كلمة إِجْمَاع ، ومدح الأكابر وتمول من ذَلِك وأثرى خُصُوصا مَعَ مبالغته فِي الْإِمْسَاك وَمِمَّنْ امتدحهم الْمُحب بن الشّحْنَة وسمعته يقسم أَنه من بعد القَاضِي الْفَاضِل مَا ولي الْإِنْشَاء مثله هَذَا مَعَ مزِيد إِحْسَان الْكَمَال بن الْبَارِزِيّ كَانَ إِلَيْهِ والزين بن مزهر وَذَلِكَ حِين كَونه نَاظر الإسطبل وَلذَا اسْتغْرب قَوْله : وَمن يكون السِّرّ فِي أَصله .. لَا بُد أَن يظْهر فِيهِ حقيق.

وَمن قبلهمَا الزين عبد الباسط وَقَررهُ أحد صوفية مدرسته أول مَا فتحت والكمال ابْن الْبَارِزِيّ وَكَانَ لَهُ عَلَيْهِ راتب وَالْعلم البُلْقِينِيّ وَشَيخنَا وَله فِيهِ غرر المدائح أودعت الْكثير مِنْهَا فِي الثلاثاء ، وكان بعد مَوته يَقُول مَا بَقِي من اجْتمع عَلَيْهِ الدّين وَالدُّنْيَا هَذَا مَعَ أنني سَأَلته فِي رثائه فَمَا أجَاب ، وَاسْتقر فِي تدريس الحَدِيث بالجمالية والحسنية برغبة ابْن سَالم لَهُ عَنْهُمَا وَعمل فِي الأولى إجلاسا وَكنت مِمَّن حضر عِنْده فِيهِ وكتبت الْخطْبَة الَّتِي أَنْشَأَهَا لَهُ وَكَذَا كتبت عَنهُ غَيرهَا من نظمه ونثره وَسمعت من فَوَائده ونكته جملَة.

مَاتَ فِي يَوْم الثُّلَاثَاء خَامِس عشري جُمَادَى الأولى سنة تسع وَخمسين بعد أَن برص وتغالى النَّاس فِي كتبه عَفا الله عَنهُ وإيانا ، وَمن نظمه فِي يُوسُف بن تغري بردى : لَك الله الْمُهَيْمِن كم أبانت .. حلاك اليوسفية عَن معالي .. وسقت حَدِيث فضلك عَن يراع .. تسلسل عَنهُ أَخْبَار العوالي ، وَفِي شَيخنَا : أيا قَاضِي الْقُضَاة وَمن نداه .. يُؤثر بالأحاديث الصِّحَاح .. وحقك مَا قصدت حماك إِلَّا .. لآخذ عَنْك أَخْبَار السماح .. فأروي عَن يَديك حَدِيث وهب .. وَأسْندَ عَن عطا بن أبي رَبَاح.

وَفِي الناصري بن الظَّاهِر : أَصَابِعه عشر تزيد على المدى .. فَلَا غرو إِن أغنت عَن النّيل فِي مصر .. فَقُمْ وارتشف يَا صَاح من فيض كَفه .. لتروي حَدِيث الْجُود من طرق عشر ، والفيض نيل مصر قَالَه الْأَصْمَعِي ونهر الْبَصْرَة أَيْضا ، وَفِي قصيدة نبوية : يَا من حَدِيث غرامي فِي محبتهم .. مسلسل وفؤادي مِنْهُ مَعْلُول .. رَوَت جفونكم أَنى قتلت بهَا .. فيا لَهُ خَبرا يرويهِ مَكْحُول ، وَقَوله متغزلا : إِذا شهِدت محاسنه بِأَنِّي .. سلوت وَذَاكَ شَيْء لَا يكون .. أَقُول حَدِيث جفنك فِيهِ ضعف .. يرد بِهِ وعطفك فِيهِ لين ، وشعره كثير مَشْهُور “.

29 / قرة العيون في ترتيب نظم السبعة فنون

في العصر المملوكي الثاني بدأ الشعر الشعبي يحل تدريجيا مكان الشعر التقليدي حيث زاد الاهتمام بالموشحات التي ظهرت في العصر الأيوبي ثم الأزجال التي ظهرت في العصر المملوكي الأول ثم أعقبتها أنماط جديدة انتشرت في كافة البلاد العربية ، وقد حاول عدد من الأدباء أن يحصر هذه الأنماط الجديدة ومنهم الشاعر صفي الدين الحلي المتوفي في العراق عام 752 هـ وذلك في كتابه (العاطل الحالي والمرخص الغالي).

قسم الحلي هذه الأنماط إلى سبعة حيث يقول في كتابه : ” ومجموع فنون النظم عند سائر المحققين سبعة فنون لا اختلاف في عددها بين أهل البلاد وإنما الخلاف بين المغاربة والمشارقة في فنين منها ، والسبعة المذكورة عند أهل المغرب ومصر والشام هي : الشعر القريض ، والموشح ، والدوبيت ، والزجل ، والمواليا ، والكان وكان ، والحماق ، وأهل العراق وديار بكر ومن يليهم يثبتون الخمسة منها ويبدلون الزجل والحماق بالحجازي والقوما وهما فنان اخترعهما البغاددة للغناء بهما في سحور شهر رمضان خاصة في عهد الخلفاء من بني العباس “.

وقد عرف الزجل في مصر باسم البليق وجمعها بلاليق حيث يشرح ذلك الدكتور شوقي ضيف في كتابه تاريخ الأدب العربي فيقول : ” والزجل أنواع منه ما يسمى بالاسم الأصلى وهو الزجل ويختص بالغزل والنسيب والخمر والطبيعة ، ومنه ما سمّته مصر بلّيقا وجمعته على بلاليق وهو ما تضمن الغزل أو الخلاعة والأحماض ، ومنه ما سمّى قرقيّا وهو ما تضمن الهجاء أو الهزل ، ومنه ما سمّى مكفّرّا وهو ما تضمن المواعظ والحكمة وكأنهم اشتقوه من تكفير الذنوب “.

وفي القرن التاسع الهجري يكتب الشاعر الشامي عيسى بن محمد المقدسي كتابه الجوهر المكنون في سبعة فنون محاولا شرح ما كتبه الحلي ، وبعده يتوسع شاعر مصري في دراسة هذه الفنون وهو تاج الدين عبد الوهاب بن يوسف البنواني المصري المتوفي في القاهرة عام 860 هـ / 1456 م وهو المنظر الأهم للشعر الشعبي في مصر حيث صنف كتابه الأشهر (قرة العيون في ترتيب نظم السبعة فنون) والذي يعد المصدر الأساسي لتقنين هذه الأنماط وشرح أصولها الفنية وتحديد الفوارق فيما بينها.

والكتاب محفوظ على هيئة مخطوطة في لايبزج بألمانيا تحت رقم 490 وخصص فيها الباب الأول في الزجل والباب الثاني في المواليا والباب الثالث في الشعر والباب الرابع في الموشح  والباب الخامس في الدوبيت والباب السادس في الكان وكان والباب السابع في القوما ، وقد ذكره عمر رضا كحالة في كتابه معجم المؤلفين فقال : ” عبد الوهاب الكردي حوالي 860 هـ ، عبد الوهاب بن يوسف الكردي الشافعي (تاج الدين) فاضل من آثاره : قرة العيون في ترتيب نظم السبعة فنون وبلوغ الأمل في فن الزجل “.

وقد قام بتحقيق الكتاب حديثا الباحث الأستاذ محمد علي عزب ونشر عن ذلك ملخصا في موقع أنطولوجيا السرد العربي حيث يقول : ” عبدالوهّاب بن يوسف البنواني شاعر وزجال ناقد من العيار الثقيل توفى سنة 860 هجرية / 1456 ميلادية  له مخطوط ديوان (قرة العيون في ترتيب نظم السبع فنون) جمع فيه أشعاره العامية والفصيحة وله كتاب نقدي مهم جدا في نقد فنون الشعر العامي في عصره وبالأخص فَنِّي الزجل والمواليا / الموال بعنوان (رفع الشك والمين في تحرير الفنين ـ الزجل والمواليا) وهذا الكتاب فيه آراء نقدية للبنواني في غاية الأهمية.

وهناك موضوعات تحدث فيها البنواني لم يتحدث عنها صفي الدين الحلي في العاطل الحالى والمًرْخِص الغالي وأعتقد أن هذه المواضيع ستضيف جديد في مجال البحث في تراث الشعر العامي في العصور الوسطى ، ومن هذه الموضوعات الهامة جدا للباحثين في تراث الشعر العامي تحديد تاريخ وفاة الغباري رائد الزجل في مصر في القرن التاسع الهجري وأوزان الزجل والمواليا / الموال الخماسي ، قمت بتحقيق الكتاب واعتمدت في التحقيق على 4 نسخ مخطوطة وأرفقت التحقيق بدراسة عن الكتاب وصاحبه وأهمية هذا الكتاب لكن لم أجد أحد يتحمّس لنشر هذا الكتاب الذي آراه مهم جدا.

واختتم البنواني كتابه بنَصّ ألفه من فن القوما (نظم غنائي للتسحير في رمضان يمدح فيه الرسول عليه الصلاة والسلام) وهذا النص من أروع ما قرأت من فن القوما : مـليح الحســن صـــال / وحـاز أحسـن خــصال / وجيش الحسن جندو / وألحاظو نِصال .. فتك فيــا عــزالى / بألحاظ نُجل سود .. بهــا حَزْنى غــزالى / وكم أرْدا أسود .. ورام يقـصـد نزالــى / وجيش حُسْنُو يِسود.. بأجفـان فـى اكتحـــال / تركنى فـى انتحــال / وسيف اللحظ حَــدُّو / بقى صبرى محال.

خَطَرْ فى الروض الازهر / قما اغصانُو حقيق .. ولُو عـارض قــد اشهر / نبــات اخضــر رقــــيق .. سيـــاج بالخــد أظـهر / بنفسج حَوْلُ شِقــيق .. غُصن فى أرض الظَّـلال / قد أورق بالـدلال / وأزهــر ورد خـَدّو / وأثمــــر بالهـــــلال .. جِبِينُو شِبْه شمــعـه / ولاعِنُـــو بــــــــــــراح .. و لُو فى الحسن سُمْـعَه / بحَضـــَرهْ وانشــــراح .. وثَـغْــرُو ازهَـر بلمـعه / حَــــوَى راحــــه وراح .. حــلا وَرْدُو حــــــلال / طلا ما فيه خلال / مزاجو فيه وشهدو / سُلافه والـــــزلال.

رأيـــتو يـــوم مزَمَّل / وبالــحســن اشتمــــل .. ولاح وجـهو مُكَمّـــَل / كما فيـــه من حَمَل .. خفا القمر المُكَمَّل / اٍذا لاح واكتمل .. سبــانى بالــجمــال وكم خد روح ومال قــمر فى بــرج سعــدو خفا بدر الكمال .. صدقتو وقلت بعدك / محبك يا حبيب .. دُمُوعُو لاجل بُعدك / دِما تجرى صبيب .. متى توفى / لعبدك يا طبيب .. فجسمو فى اعتلال وعقلوا فـى اختلال واهو من كتر وجـدو بقى رَقّ الخلال

لخير الخلق وأشرف قسم بدر التمام .. وأرض الحج شّرّف / وكان يرعى الدمام .. ويوم الحر يُعرف / مــكانــه بالــغمـــام .. وجـــا لُـو باعـــتزال / بعــير يشكـــو /سمـــع شكــــــواه وردو / كما جاء الغزال .. ولــد يوسف بنظمـو / غلب قُيَّم مَصِر .. عظم قدروا وعُظمو / للأعدا قد حَصَر .. كظيم غيظو بكظموا / اٍلاهو لُو نَـصـَر .. غلب من قام وقال بحســن الانتقــــال فــريد الــعصــر وحـْــدُو بالأحمال الثقال .

وهذا ما انتهى اٍلينا من نبذة الشيخ عبد الوهاب بن يوسف الكبرى على التمام والكمال ونسأل الله تعالى المغفرة وحسن التوفيق ، وخاتمة الأمور اٍلى خير الأخرة وحسن التجاوز عن سيآتنا وعن والدينا ومن علمنا وأولانا ولكل المسلمين أجمعين أمين والحمد لله رب العالمين “.

30 / تفسير الجلالين

من أشهر التفاسير التي لا زالت متداولة حتى اليوم كتاب تفسير الجلالين الذي كتبه الإمام جلال الدين المحلي وأكمله من بعده تلميذه جلال الدين السيوطي فعرف لذلك بهذا الاسم نسبة إلى اللقب المشترك لكل مهما (جلال الدين / الجلالين) ، والإمام المحلي هو واحد من كبار علماء الإسلام في القرن التاسع الهجري حيث ولد بالقاهرة عام 791 هـ / 1388 م وتوفي فيها عام 864 هـ / 1459 م ويرجع في نسبه إلى عائلة من قبيلة الخزرج الأنصارية التي أسست مدينة المحلة الكبرى في زمن الفتح الإسلامي.

ولع عدد من المؤلفات في علوم الدين والمنطق والجغرافيا والأدب والنحو منها : كتاب شرح الشمسية فى المنطق وكتاب مختصر التنبيه وكتاب كنز الراغبين في الفقه الشافعي وكتاب شرح مختصر للبردة وكتاب شرح جمع الجوامع وكتاب شرح الورقات في علم أصول الفقه وكتاب شرح المنهاج الفرعي وكتاب شرح البردة وكتاب القول المفيد في النيل السعيد وكتاب الطب النبوي وكتاب البدر الطالع في حل جمع الجوامع وكتاب الأنوار المضية في مدح خير البرية.

ويقول علي باشا مبارك عن المحلة : ” وإن لم ينسب إليها إلا الجلال المحلي لكفاها فخرا الذي ولد سنة 791 هـ واشتغل وبرع في الفنون فقها وكلاما وأصولا ونحوا ومنطقا وغيرها ” .. وهو سليل عائلة عرفت بالعلم والتقوى على مدار أجيال متعددة حيث نبغ منها كل من شمس الدين المحلي وشهاب الدين المحلي والإمام جلال الدين المحلي وكمال الدين المحلي ..

أما الجد الأكبر فهو شمس الدين أبو العباس محمد بن إبراهيم بن أحمد بن هاشم الأنصاري المحلي ، ولد في المحلة الكبرى عام 730 هـ لأسرة تنتمي إلى قبيلة الخزرج الأنصارية ورحل شابا إلى القاهرة عام 749 هـ بسبب انتشار وباء الطاعون آنذالك فنزل على خلوة في الخانقاه البيبرسية وسكنها هو وأولاده من بعده قرابة مائة وعشرين عاما وغلب عليه الورع والعزلة ..

وقد جاء في الضوء اللامع ترجمة كمال الدين المحلي الأنصاري جد عائلة الإمام جلال الدين المحلي حيث  يقول السخاوي : ” مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن أَحْمد بن هَاشم الْكَمَال أَو الشَّمْس بن الْبُرْهَان بن الشهَاب أبي الْعَبَّاس الْأنْصَارِيّ الْمحلي ثمَّ القاهري الشَّافِعِي ولد سنة ثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة بالمحلة وَقدم مِنْهَا وَهُوَ شَاب فِي الطَّاعُون سنة تسع وَأَرْبَعين فَنزل بخلوة فِي الخانقاه البيبرسية مجاورة للمزملة عِنْد الْبَاب على يَمِين الدَّاخِل لصحن الْمدرسَة ودامت مَعَه ثمَّ مَعَ بنيه مائَة وَعشْرين سنة.

وَعرض بعض محفوظاته من التَّنْبِيه وألفية النَّحْو على الْعِزّ عبد الْعَزِيز بن جمَاعَة فَأكْرمه وَكَذَا عرضهما فِي سنة تسع وَخمسين على الْجمال الأسنوي وأخيه الْعِمَاد مُحَمَّد والبلقيني وَابْن الملقن وأجازوه والبدر حسن بن الْعَلَاء القونوي والبهاء أَحْمد بن التقي السُّبْكِيّ وَالْجمال عبد الله بن يُوسُف بن هِشَام وَكَتَبُوا لَهُ وَلم يصرحوا بِالْإِجَازَةِ.

وَقبل ذَلِك بِيَسِير سنة سبع وَخمسين بالمحلة عرض جَمِيع الشاطبية على أحد شُيُوخ الْقُرَّاء مُحَمَّد بن عمر بن مُحَمَّد بن مُوسَى بن مُوسَى الحكري الشهير بِابْن الْبَزَّار تلميذ البرهانين الحكري والرشدي وَأذن لَهُ فِي رِوَايَتهَا وَفِي الْقِرَاءَة والإقراء بهَا ووصفوا وَالِده بالإجلال ولقبوه هُوَ شمس الدّين.

واشتغل وَأخذ عَن الْكَمَال النشائي شَرحه على جَامع المختصرات وَكتبه بِخَطِّهِ وَعَن الشهَاب السمين وَابْن عقيل وَابْن النَّقِيب والأسنوي وَأبي الْبَقَاء السُّبْكِيّ والكلائي الفرضي والقرمي وَغَيرهم.

وبرع وتفنن وَكتب بِخَطِّهِ أَشْيَاء وخطه جيد لَكِن غلب عليه الْوَرع والانعزال فَلم يشْتَهر وَمِمَّنْ أَخذ عَنهُ حفيده ، وَعمر دهرا حَتَّى مَاتَ بِمَسْجِد مَنْسُوب للأشراف كَانَ مُنْقَطِعًا فِيهِ لِلْعِبَادَةِ بِرَأْس الجوانية وَدفن بحوش تجاه تربة جوشن خَارج بَاب النَّصْر رَحمَه الله “.

وابنه هو شهاب الدين أحمد بن محمد الأنصاري المحلي ولد عام 770 هـ ونشأ بالقاهرة وتتلمذ على يد البلقيني فأخذ عنه وكتب من تصانيف ابن الملقن وحفظ التنبيه وتكسب بالتجارة في البر وكان معروفا بأعمال الخير ، مات في عام 852 هـ وولده غائب في الحج فصلي عليه ودفن بتربتهم تجاه تربة جوشن خارج باب النصر وهو والد المحمدين الجلال العالم والكمال.

أما أكبر أولاده فهو جلال الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد المحلي الأنصاري المتوفي عام 864 والذي ولي تدريس الفقه بالمدرسة البرقوقية بعد الشهاب الكوراني ثم درس بالمدرسة المؤيدية بعد وفاة شيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني واشتهر ذكره وعلا صيته.

وكان غرة عصره في سلوك طريق السلف على قدم من الصلاح والورع والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يواجه بذلك أكابر الظلمة والحكام ويأتون إليه فلا يلتفت إليهم ولا يأذن لهم بالدخول عليه ، وكان شديدًا في الحق يوصي بأحكامه في عقود المجالس على الكبراء وقضاة القضاة وغيرهم وهم يخضعون له ويهابونه ويرجعون إليه وعرض عليه القضاء الأكبر فاعتذر للملك الظاهر.

أما أخوه الأصغر فهو كمال الدين محمد بن أحمد الأنصاري المحلي ، ولد عام 843 هـ وحفظ القرآن وجوده ثم أتقن كتابة الخط العربي وإليه يرجع الفضل في كتابة الكثير من تصانيف أخيه وغيرها ثم درس النحو وأصول الدين والمنطق ، تكسب من الكتابة وأعمال النسخ في حانوت خاص به وكتب لكثير من المؤلفين وعرف بين الناس بالاستقامة والقناعة والسكينة وعمل الخير.

وقد ذكره ابن تغري بردي في كتابه النجوم الزاهرة فقال : ” ما وقع من الحوادث سنة 864  السنة الثامنة من سلطنة الملك الأشرف إينال على مصر وهى سنة أربع وستين وثمانمائة ، فيها توفى الشيخ الإمام المحقق الفقيه العلامة جمال الدين محمد بن أحمد المحلي الشافعي المصري بالقاهرة في يوم الأحد مستهل المحرم وسنه نحو السبعين تخمينا.

وكان إماما علامة متبحرا في العلوم ، كان بارعا في الفقه والأصلين والعربية وعلمي المعاني والبيان وأفتى ودرس عدة سنين وانتفعت الطلبة به ، وله عدّة مصنفات ولم يكمل بعضها ورشح لقضاء الديار المصرية غير مرة ، وكان في طباعه حدّة مع عدم التكلف في ملبسه ومركبه إلى الغاية بحيث إنه كان إذا رآه من لا يعرفه يظنه من جملة العوام رحمه الله تعالى “.

وقد ترجم له السخاوي في الضوء اللامع فقال : ” مُحَمَّد بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن أَحْمد بن هَاشم الْجلَال أَبُو عبد الله بن الشهَاب العباسي بن الكمال الْأنْصَارِيّ الْمحلي الأَصْل نِسْبَة للمحلة الْكُبْرَى من الغربية القاهري الشَّافِعِي الْمَاضِي أَبوهُ وجده وَيعرف بالجلال الْمحلى ، ولد كَمَا رَأَيْته بِخَطِّهِ فِي مستهل شَوَّال سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَسَبْعمائة بِالْقَاهِرَةِ وَنَشَأ بهَا فَقَرَأَ الْقُرْآن وكتبا.

واشتغل فِي فنون فَأخذ الْفِقْه وأصوله والعربية عَن الشَّمْس الْبرمَاوِيّ وَكَانَ مُقيما مَعَه بالبيرسية فَكثر انتفاعه بِهِ لذَلِك ، وَالْفِقْه أَيْضا عَن البيجوري والجلال البُلْقِينِيّ وَالْوَلِيّ الْعِرَاقِيّ وَالْأُصُول أَيْضا عَن الْعِزّ بن جمَاعَة والنحو أَيْضا عَن الشهَاب العجيمي سبط ابْن هِشَام وَالشَّمْس الشطنوفي والفرائض والحساب عَن نَاصِر الدّين بن أنس الْمصْرِيّ الْحَنَفِيّ والمنطق والجدل والمعاني وَالْبَيَان وَالْعرُوض وَكَذَا أصُول الْفِقْه عَن الْبَدْر الأقصرائي ولازم الْبِسَاطِيّ فِي التَّفْسِير وأصول الدّين وَغَيرهمَا وانتفع بِهِ كثيرا والْعَلَاء البُخَارِيّ فِيمَا كَانَ يقْرَأ عَلَيْهِ.

وَكَانَ الْعَلَاء يزِيد فِي تَعْظِيمه لكَون مَعَ علمه يتسبب بِحَيْثُ يجلسه فَوق الْكَمَال ابْن الْبَارِزِيّ سِيمَا وَقد بلغه أَنه فرق مَا أرسل بِهِ إِلَيْهِ وَهُوَ ثَلَاثُونَ شاشا مِمَّا أرسل بِهِ صَاحب الْهِنْد إِلَى الشَّيْخ ، وَحضر دروس النظام الصيرامي وَالشَّمْس بن الديري وَغَيرهمَا من الْحَنَفِيَّة وَالْمجد الْبرمَاوِيّ وَالشَّمْس الغراقي وَغَيرهمَا من الشَّافِعِيَّة والشهاب أَحْمد المغراوي الْمَالِكِي بل بَلغنِي أَنه حضر مجَالِس الْكَمَال الدَّمِيرِيّ والشهاب ابْن الْعِمَاد والبدر الطنبدي وَغَيرهم.

وَأخذ عُلُوم الحَدِيث عَن الْوَلِيّ الْعِرَاقِيّ وَشَيخنَا وَبِه انْتفع فَأَنَّهُ قَرَأَ عَلَيْهِ جَمِيع شرح ألفية الْعِرَاقِيّ بعد أَن كتبه بِخَطِّهِ فِي سنة تسع عشرَة وَأذن لَهُ فِي إقرائه وَكَانَ أحد طلبة المؤيدية عِنْده بل كَانَ كل مَا يشكل عَلَيْهِ فِي الحَدِيث وَغَيره يُرَاجِعهُ فِيهِ مِمَّا أثبت مَا اجْتمع لي مِنْهُ فِي مَوضِع آخر، وَسمع عَلَيْهِ وعَلى الْجمال عبد الله بن فضل الله والشرف بن الكويك والفوي وَابْن الْجَزرِي فِي آخَرين وَلكنه لم يكثر وَقيل أَنه روى عَن البلقينى وَابْن الملقن والأبناسي والعراقي فَالله أعلم.

وَمهر وَتقدم على غَالب أقرانه وتفنن فِي الْعُلُوم الْعَقْلِيَّة والنقلية وَكَانَ أَولا يتَوَلَّى بيع البز فى بعض الحوانيت ثمَّ أَقَامَ شخصا عوضه فِيهِ مَعَ مشارفته وَله أَحْيَانًا ، وتصدى هُوَ للتصنيف والتدريس والإقراء فشرح كلا من جمع الْجَوَامِع والورقات والمنهاج الفرعي والبردة وأتقنها مَا شَاءَ مَعَ الِاخْتِصَار والاعتناء بِالَّذِي عَنْهَا وَكَذَا عمل منسكا وتفسيرا لم يكمل وَغَيرهمَا مما لم ينتشر والمتداول بِالْأَيْدِي مِمَّا أنتفع بِهِ مَا أثْبته.

وَرغب الأئمة فِي تَحْصِيل تصانيفه وقراءتها وإقرائها حَتَّى أَن الشَّمْس البامي كَانَ يقْرَأ على الونائي فِي أَولهَا بل حمله مَعَه إِلَى الشَّام فَكَانَ أول من أدخلهُ إِلَيْهَا ونوه بِهِ وَأمر الطّلبَة بكتابته فكتبوه وقرءوه وَكَذَا بَلغنِي عَن القاياتي أَنه أَقرَأ فِيهِ وَأما أَنا فَحَضَرت دروسا مِنْهُ عِنْد شَيخنَا ابْن خضر بِقِرَاءَة غَيْرِي وَكَانَ يكثر وَصفه بالمتانة وَالتَّحْقِيق وَقَرَأَ عَلَيْهِ من لَا يُحْصى كَثْرَة.

وارتحل الْفُضَلَاء للأخذ عَنهُ وَتخرج بِهِ جمَاعَة درسوا فِي حَيَاته وَلكنه صَار بِأخرَة يستروح فِي إقرائه لغَلَبَة الْملَل والسآمة عَلَيْهِ وَكَثْرَة المخبطين وَلَا يصغى إِلَّا لمن علم تحرزه خُصُوصا وَهُوَ حاد المزاج لاسيما فِي الْحر وَإِذا ظهر لَهُ الصَّوَاب على لِسَان من كَانَ رَجَعَ إِلَيْهِ مَعَ شدَّة التَّحَرُّز، وَحدث باليسير سمع مِنْهُ الْفُضَلَاء وَأخذت عَنهُ وقرض لي غَيره تصنيف وَبَالغ فِي التنويه بِي حَسْبَمَا أثْبته فِي مَوضِع آخر.

وَقد ولي تدريس الْفِقْه بالبرقوقية عوض الشهَاب الكوراني حِين لقِيه فِي سنة أَربع وَأَرْبَعين حَتَّى كَانَ ذَلِك سَببا لتعقبه عَلَيْهِ فِي شَرحه جمع الْجَوَامِع بِمَا يُنَازع فِي أَكْثَره وَبِمَا تعرض بعض الآخذين عَن الشَّيْخ لانتقاده وَإِظْهَار فَسَاده ، وبالمؤيدية بعد موت شَيخنَا بل عرض عَلَيْهِ الْقَضَاء فَأبى وشافه الظَّاهِر الْعَجز عَنهُ بل كَانَ يَقُول لأَصْحَابه إِنَّه لَا طَاقَة لي على النَّار.

وَكَانَ إِمَامًا عَلامَة محققا نظارا مفرط الذكاء صَحِيح الذِّهْن بِحَيْثُ كَانَ يَقُول بعض المعتبرين إِن ذهنه يثقب الماس وَكَانَ هُوَ يَقُول عَن نَفسه إِن فهمي لَا يقبل الْخَطَأ حاد القريحة قوي المباحثة حَتَّى حكى لي إِمَام الكاملية أَنه رأى الونائي مَعَه فِي الْبَحْث كالطفل مَعَ الْمعلم مُعظما بَين الْخَاصَّة والعامة مهابا وقورا عَلَيْهِ سِيمَا الْخَيْر.

اشتهر ذكره وَبعد وَصيته وَقصد بالفتاوى من الْأَمَاكِن النائية وهرع إِلَيْهِ غير وَاحِد من الْأَعْيَان بِقصد الزِّيَارَة والتبرك بل رغب الجمالي نَاظر الْخَاص فِي معاونته لَهُ على بر الْفُقَرَاء والمستحقين فَمَا خَالف مَعَ مُخَالفَته بعد لغيره فِيهِ وأسندت إِلَيْهِ عدَّة وَصَايَا فَحَمدَ فِيهَا وَعمر من ثلث بَعْضهَا ميضأة بجوار جَامع الفكاهين انْتفع النَّاس بهَا دهرا.

وَالْأَمر وَرَاء هَذَا وَلم أكن أقصر بِهِ عَن دَرَجَة الْولَايَة وترجمته تحْتَمل كراريس مَعَ أَنِّي قد أطلتها فِي معجمي ، وَقد حج مرَارًا وَمَات بعد أَن تعلل بالإسهال من نصف رَمَضَان فِي صَبِيحَة يَوْم السبت مستهل سنة أَربع وَسِتِّينَ وَصلى عَلَيْهِ بمصلى بَاب النَّصْر فِي مشْهد حافل جدا ثمَّ دفن عَن آبَائِهِ بتربته الَّتِي أَنْشَأَهَا تجاه جوشن وتأسف النَّاس عَلَيْهِ كثيرا وأثنوا عَلَيْهِ جميلا وَلم يخلف بعده فِي مَجْمُوعَة مثله.

ورثاه بعض الطّلبَة بل مدحه فِي حَيَاته جمَاعَة من الْأَعْيَان ، وَمِمَّا كتبه هُوَ على شَرحه لجمع الْجَوَامِع مضمنا لشعر لشَيْخِنَا : يَا سيدا طالع إِن فاق بحسنه فعد ثمَّ اتئد فِي فهمه وَخذ جواهرا وجد ، وَقَالَ نَالَ مِنْهُ وَمن الْعَلَاء القلقشندي وَغَيرهمَا من الْأَئِمَّة الْمُتَّفق على جلالتهم البقاعي مَعَ تلمذة لكثير مِنْهُم بِمَا لَا يقبل من مثله تسْأَل الله السَّلامَة وَكلمَة الْحق فِي السخط وَالرِّضَا “.