عصر الأيوبيين الجزء الثالث

21 / نزهة المقلتين في أخبار الدولتين

تطورت النظم الإدارية والمالية في الدولة المصرية خلال العصور الإسلامية المتعاقبة وبرز من كبار موظفي الدولة مؤرخون اهتموا بتدوين ذلك في مؤلفاتهم من واقع تجربتهم العملية وحياتهم المهنية ، ومن أشهرهم رئيس ديوان الرواتب في آواخر العصر الفاطمي عبد السلام بن الحسن الفهري المعروف بلقب (ابن الطوير) الذي ولد في مصر عام 524 هـ / 1130 م وتوفي فيها عام 617 هـ / 1220 م وقد جاوز التسعين من عمره.

وقد استمر ابن الطوير في العمل مع الأيوبيين حيث كتب لهم كتابا يشرح فيه النظم الإدارية والمالية وذلك في عصر صلاح الدين وأطلق على كتابه اسم (نزهة المقلتين في أخبار الدولتين) ويقصد بالدولتين هنا كلا من الدولة الفاطمية والدولة الأيوبية ، وإلى جانب ذلك ضم الكتاب فصولا تاريخية عن أهم الأحداث السياسية في القرن السادس الهجري ووصف جغرافية القاهرة المعزية وطبوغرافية قصور الخلفاء ووصف المراسم والاحتفالات.

وقد نقل عنه المؤرخون في العصور التالية حيث تناول في الكتاب شرح الوظائف المختلفة في الجهاز الحكومي وطبيعة مهمة كل منها ومخصصاتها المالية وصلاحياتها الإدارية وقسمها إلى ثلاث طبقات : الذين ينتمون إلى الطبقة العسكرية ويسمون (أرباب السيوف) والذين ينتمون إلى الطبقة المدنية ويسمون (أرباب الوظائف الديوانية أو أرباب الأقلام) والمنتمين إلى طبقة رجال الدين والعلماء ويسمون (أرباب الوظائف الدينية أو أرباب العمائم).

وقد اختصر الدكتور أيمن فؤاد سيد محقق الكتاب في المقدمة الفصول الخاصة بالوظائف التي فصلها ابن الطوير وذكر أن وظائف أرباب السيوف كانت تنقسم إلى نوعين : وظائف عامة الجند ووظائف خواص الخليفة من الأستاذين ، وتنقسم هذه الوظائف بدورها إلى نوعين : الأستاذين المحنكين والأستاذين غير المحنكين (ويقصد بالمحنكين من يغطون أفواههم باللثام على عادة المغاربة) ، وتضم وظائف عامة الجند تسع وظائف هي : الوزارة (إذا كان الوزير صاحب سيف) ، صاحب الباب ، الإسفهسلار(الحاجب) ، حامل المظلة ، حامل سيف الخليفة ، حامل رمح الخليفة ، حامل السلاح ، والي القاهرة ، والي مصر الفسطاط.

ووظائف خواص الخليفة من الأستاذين المحنكين تسع وظائف وهي : شاد التاج ، صاحب المجلس ، صاحب الرسالة ، زمام القصور ، صاحب بيت المال ، صاحب الدفتر ، حامل الدواة ، زم الأقارب ، زم الرجال ، أما وظائف الأستاذين غير المحنكين فوظيفتان : نقابة الطالبيين (العلويين) وزم الرجال والطوائف ، وأضيف إليها بعد ذلك كل من : النظر في المظالم ، ولاية الشرطة ، ولاية المعاون والأحداث ، ولاية الحماية ، ولاية حفظ الثغور ، الإمارة على الحج ، الإمارة على الجهاد ، ولاية الأعمال.

والقسم الثاني هو وظائف أرباب الأقلام والتي تنقسم إلى أربعة أنواع متباينة وهي : الوزير (إذا كان صاحب قلم) ، ديوان الإنشاء (ويتعلق به صحابة ديوان الإنشاء والمكاتبات ، التوقيع بالقلم الدقيق في المظالم ، التوقيع بالقلم الجليل) ، ديوان الجيش والرواتب (ويشمل ديوان الجيش وديوان الرواتب وديوان الإقطاع).

أما النوع الرابع من أرباب الأقلام فهو الأهم ويعرف باسم الدواوين الإدارية وهي أربعة عشر ديوانا : ديوان النظر ، ديوان التحقيق ، ديوان المجلس ، ديوان خزائن الكسوة ، الطراز ، الخدمة في ديوان الأحباس ، الخدمة بديوان الرواتب ، الخدمة في ديوان الصعيد ، الخدمة في ديوان أسفل الأرض ، الخدمة في ديوان الثغور ، الخدمة في الجوالي والمواريث الحشرية ، الخدمة في ديواني الخراجي والهلالي ، الخدمة في ديوان الكراع ، الخدمة في ديوان الجهاد.

والقسم الثالث هم أرباب الوظائف الدينية أو أرباب العمائم وهم : قاضي القضاة ، داعي الدعاة ، المحتسب ، وكيل بيت المال ، النائب ، القراء ، النظر في الأوقاف والأحباس ، النظر في المساجد وأمر الصلاة ، وذكر ابن الطوير تفصيلات عن الملابس الرسمية لكل وظيفة وأضاف فصلا عن الموظفين في الخزائن مثل خزانة الكتب وخزائن الكسوات وخزائن الشراب وخزانة السروج وخزانة الفرش وخزانة السلاح وخزانة التجمل والاصطبلات والمناخات وحواصل الغلال والشون.

وقد ذكره الصفدي في كتابه الوافي بالوفيات فقال : ” ابْن الطوير القيسراني .. عبد السَّلَام بن الْحسن بن عبد السَّلَام بن أَحْمد القَاضِي المرتضى أَبُو مُحَمَّد الفِهري القيسراني ثمَّ الْمصْرِيّ الْكَاتِب الْمَعْرُوف بِابْن الطوير خدم فِي دولة خلفاء مصر ثمَّ خدم فِي الدولة الصلاحية وَله شعر وَكِتَابَة حَسَنَة.

توفّي سنة سبع عشرَة وست مائَة عَن اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين سنة وَسَبْعَة وَعشْرين يَوْمًا عَن ذهن حَاضر وَكِتَابَة جَيِّدَة وَهُوَ الْقَائِل الرجز المجزوء  : بِاللَّه رَبِّي ثقتي .. دخلت عشر المئة .. تسعون عَاما كملت .. فِي النّصْف من ذِي الْحجَّة .. ممتعاً بناظري .. ومسمعي وقوتي .. وإنني أطمع أَن .. تغْفر لي خطيئتي “.

وذكره الذهبي في تاريخ الاسلام فقال : ” عَبْد السَّلَام بن الحَسَن بن عَبْد السَّلَام بن أَحْمَد القاضي المرتضى أَبُو مُحَمَّد الفِهْرِيّ القَيْسَرَانيّ ثُمَّ المَصْرِيّ الكاتب المعروف بابن الطُّوير ، سَمِعَ من السِّلَفيّ في كِبَره وخدم في دولة بني عَبْيد المصريّين ثُمَّ خدم في الدّواوين في الدَّوْلَة الصّلاحية وشهد ستّين سنة.

وجدُّهُ من أهل العدالة والحديث والتّقدّم كتب عَنْهُ الحَافِظ السِّلَفيّ وأما أخوه هبة اللَّه بن الحَسَن فيروي عن أبي الحسن ابن الفرّاء ، روى عنه الحافظ ابن المفضّل وغيره ، وهذا فله شعر وكتابة حسنة ، رَوَى عَنْهُ الزَّكيّ المُنْذِريّ وغيره ، تُوُفِّي عن اثنتين وتسعين سنة وسبعة وعشرين يوما عن ذِهنٍ حاضر وكتابة جيّدة “.

وذكره المنذري في كتابه التكملة لوفيات النقلة في وفيات ليلة النصف من المحرم سنة 617 هـ فقال : ” وفي هذه الليلة أيضا توفي القاضي الأجل المرتضى أبو محمد عبد السلام ابن الشيخ الأجل أبي علي الحسن ابن الشيخ الأجل أبي محمد عبد السلام بن علي بن أحمد الفهري القيسراني الأصل المصري المولد والدار العدل الكاتب المعروف بابن الطوير بمصر ودفن من الغد بسفح المقطم.

سمع بالإسكندرية من الحافظ أبي طاهر أحمد بن محمد الأصبهاني وكان سنه إذ ذاك يقارب خمسين سنة ، وكتب الخط الجيد وقال الشعر وتقلب في الخدم الديوانية في الدواوين المصرية والأيوبية وأقام يشهد ستين سنة أو زيادة عليها ، وحدث سمعت منه وسمعته يقول : ولدت في ذي الحجة، سنة أربع وعشرين وخمس مئة وتوفي وهو ابن اثنتين وتسعين سنة وسبعة وعشرين يوما عن ذهن حاضر وصحة سمع وكتابة جيدة.

وأخوه أبو المفضل هبة الله سمع من أبي الحسين ابن الفراء الموصلي حدثنا عنه الحافظ أبو الحسن المقدسي ، وجدهما أبو محمد عبد السلام أحد العدول بمصر والمقدمين بها كثير الصدقة محب للعلوم خصوصا للسنة النبوية كتب عنه الحافظ أبو طاهر الأصبهاني “.

22 / المنهاج في علم الخراج

(المنهاج في علم الخراج) هو كتاب يتناول التاريخ الاقتصادي للبلاد المصرية في أوائل الدولة الأيوبية وقد ألفه القاضي الشافعي أبو الحسن علي بن عثمان بن يوسف المخزومي رئيس ديوان المجلس في أواخر العصر الفاطمي ، ولد في مصر عام 512 هـ / 1118 م  وتوفي فيها عام 585 هـ / 1189 م ويرجع في نسبه إلى قبيلة بني مخزوم القرشية المعروفة ، وقد نبغ من أولاده وأحفاده عدد من الفقهاء والمحدثين والأدباء الذين عرفوا واشتهروا بالعلم والصلاح طوال عصر الدولة الأيوبية ومنهم ابنه حمزة بن علي الذي تولى رئاسة ديوان الأحباس.

ويعد كتابه واحدا من أهم المراجع التي استند إليها المقريزي في كتابه المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار ، ويفصل ذلك الدكتور أيمن فؤاد سيد في مقدمة تحقيقه للخطط فيقول : ” القاضي السعيد ثقة الثقات ذو الرياستين أبو الحسن علي بن القاضي المؤتمن ثقة الدولة أبو عمرو عثمان بن يوسف القرشي الشافعي المصري صاحب النظر في ديوان مصر وصاحب كتاب المنهاج في علم الخراج أو المنهاج في أحكام خراج مصر ، وصفه المقريزي بأنه كتاب جليل الفائدة وموضوعه وصف النظام المالي في مصر في آخر أيام الفاطميين وبداية الدولة الأيوبية وعلى الأخص المكوس التي كانت تحصل في الموانئ والخراج.

أما كتاب المنهاج في أحكام خراج مصر للقاضي السّعيد ثقة الثّقات ذي الرّياستين أبي الحسين عليّ بن عثمان بن يوسف المخزومي المتوفى سنة 585 هـ/ 1189 م ، صاحب النّظر في ديوان مصر ، فمصدر وحيد في وصف النّظام المالي في مصر في آخر عهد الدولة الفاطمية ومطلع عهد الدولة الأيّوبية قال عنه المقريزي: (وهو كتاب جليل الفائدة).

ويقدّم لنا المخزومي معلومات هامّة لا نظير لها حول تنظيمات الجيش وعن التجارة والضّرائب المفروضة عليها في موانئ البحر المتوسّط وعلى الأخصّ الإسكندرية وتنّيس ودمياط مع وصف تفصيلي للعمليات التي كان يقوم بها الوكلاء والمحاسبون الماليون في هذه الموانئ وكذلك عن كيفية جباية الجزية من أهل الذّمّة قرب نهاية العصر الفاطمي ، وساعد المخزومي على دقّة معلوماته أنّه تولّى ديوان المجلس أحد أهم الدّواوين العليا في زمن الفاطميين أكثر من مرّة فقد كان من طبقة القضاة التي كانت الإدارة المصرية تكل إليها وظائف الإدارة العليا.

ويرى البروفيسير كلود كاهن (1909 – 1991) الذي توفّر على دراسة هذا الكتاب أنّ للكتاب تأليفين الأوّل أنهاه قرب نهاية الدولة الفاطمية سنة 565 هـ/ 1169 م ثم أخذ يضيف إليه حتى عام 581 هـ/ 1185 م في آخر عهد السّلطان النّاصر صلاح الدين.

ووصلت إلينا من الكتاب نسخة واحدة تتخلّلها خروم جسيمة أضاعت منها 76 ورقة من مجموع 202 ورقة ، الذي أدّى ليس فقد إلى غياب بعض الشّروح ولكن أيضا إلى صعوبة فهم بعض النّصوص وهذه النّسخة محفوظة في المكتبة البريطانية ..

واهتمّ بدراستها منذ أكثر من ثلاثين عاما البروفيسير كلود كاهن وكتب عنها سلسلة من الدّراسات الهامّة جمعها سنة 1977 في كتاب واحد بعنوان (مخزوميّات – دراسات في التاريخ الاقتصادي والمالي لمصر في العصور الوسطى) ، ثم نشر أقساما من كتاب المخزومي صدرت عن المعهد العلمي الفرنسي للآثار الشرقية بالقاهرة سنة 1986 م “.

وذكر المقريزي بعض أعمال القاضي المخزومي في ثنايل الكتاب حيث يقول : ” ذكر الأحواض والآبار التي بالقرافة .. حوض القرافة : أمر ببنائه السيدة ست الملك عمّة الحاكم بأمر اللّه ابنة المعز لدين اللّه في شعبان سنة ست وستين وثلاثمائة واختلّ في أيام العادل أبي الحسن بن السلار وزير مصر في سنة ست وأربعين وخمسمائة فأمر بعمارته.

ثم انشق في سنة ثمانين وخمسمائة فجدّده القاضي السعيد ثقة الثقات ذو الرّياستين أبو الحسن عليّ بن عثمان بن يوسف بن إبراهيم بن يوسف بن أحمد بن يعقوب بن مسلم بن منبه أحد بني عبد اللّه بن عبد الرحمن بن أبي ربيعة بن المغيرة بن عبد اللّه بن عمر بن مخزوم المخزوميّ صاحب النظر في ديوان مصر ومصنف كتاب المنهاج في أحكام الخراج وهو كتاب جليل الفائدة. ولم تزل آثار هذا القاضي حميدة ومقاصده سديدة وعنده نخوة قرشية ومروءة وعصبية ، وهو وإن طاب أصولا فقد زكا فروعا وإن تفرّقت في سواه فضائل فقد جمعها اللّه فيه جميعا ، ولم يزل مذ كان يسعى في الأمانة على صراط مستقيم آخذا بقوله تعالى أخبارا عن الكريم ابن الكريم اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم “.

وينقل عنه بعض إحصائياته فيقول : ” قال القاضي أبو الحسن في كتاب المنهاج في علم الخراج : وقفت على مقايسة عملت لأمير الجيوش بدر الجمالي حين قدم مصر في أيّام الخليفة المستنصر وغلب على أمرها وقهر من كان بها من المفسدين شرح فيها أنّ الذي اشتمل عليه الارتفاع في الهلالي لسنة ثلاث وثمانين وأربع مائة وفي الخراجي على ما يقتضيه الدّيوان فيه ممّا كان جاريا في الأعمال المصرية من الخراج.

وما يجري معه والمضمون والمقطع والمورّد بغيره والمحلول بالقاهرة ومصر وضواحيهما وناحيتي الشّرقيّة والغربيّة من أسفل الأرض وأعمالها وتنّيس ودمياط وأعمالهما والإسكندرية والبحيرة والأعمال الصّعيدية العالية والدّانية وواحات وعيذاب لسنة ثمانين وأربع مائة الخراجية على الرّسوم المصرية ، وما كان من الأعمال الشّامية التي أوّلها من حدّ الشّجرتين وهو أوّل الأعمال الفلسطينية والأعمال الطّرابلسية ولسنة ثمان وسبعين وأربع مائة الخراجيّة على ما استقرّت عليه الجملة عينا ثلاثة آلاف ألف ومائة ألف دينار.

وأنّ الذي استقرّت عليه جملة ما كان يستأدى في سنة ستّ وستين وأربع مائة الهلالية قبل نظر أمير الجيوش الموافقة لسنة ثلاث وستين وأربع مائة الخراجية فكان مبلغها ألفي ألف وثمان مائة ألف دينار وكان الزّائد للسنة الجيوشية عمّا قبلها ثلاث مائة ألف دينار ممّا أعرب عنه حسن العمارة وشمول العدل وكان نظم هذه المقايسة في ذي الحجة سنة ثلاث وثمانين وأربع مائة “.

وقد ذكره المنذري في كتابه التكملة لوفيات النقلة في وفيات سنة 585 هـ فقال : وفي يوم الأحد العاشر من ربيع الآخر توفي القاضي الأجل السعيد أبو الحسن علي بن أبي عمرو عثمان بن يوسف بن إبراهيم بن يوسف بن إبراهيم بن أحمد بن يعقوب القرشي المخزومي الشافعي بالقاهرة ودفن بتربتهم بقرب الإمام الشافعي رضي الله عنه.

وكان مولده في العاشر من المحرم سنة اثنتي عشرة وخمس مئة ، حدث بفوائد عن أبي محمد عبد العزيز بن عثمان بن خلف التونسي وأبي العباس أحمد بن عبد الله بن هشام ابن الحطيئة وأبي الطاهر إسماعيل بن الحارث القاضي وغيرهم حدثونا عنه ، وكان عارفا بكتابة الخراج وصنف في ذلك كتابا وتقلب في الولايات كثيرا وتقدم فيها “.

وذكر أولاده في تراجم السنوات المختلفة فقال في وفيات سنة 592 هـ : ” وفي السادس عشر من جمادى الأولى توفي القاضي الأجل الصالح أبو محمد عبد الله ابن القاضي السعيد أبي الحسن علي بن عثمان بن يوسف القرشي المخزومي الشافعي العدل الأديب بالقاهرة ودفن بسفح المقطم ومولده في شهر رمضان سنة تسع وأربعين وخمس مئة.

قرأ الكثير على العلامة أبي محمد عبد الله بن بري النحوي وأجاز له جماعة كبيرة وله شعر كتبنا منه شيئا عن أصحابه وكان مشهورا بالإيثار مبسوط اليد بالصدقة حتى تصدق بالعجين ، وقد حدث والده وغير واحد من إخوته وأهل بيته وبيتهم بيت مشهور بالحديث والكتابة والتقدم “.

وفي وفيات سنة 597 هـ قال : ” وفي الثاني عشر من شهر رمضان توفي القاضي الأجل الأمجد أبو الفضائل جعفر ابن القاضي الأجل السعيد أبي الحسن علي بن عثمان القرشي المخزومي الشافعي بالقاهرة ودفن بتربتهم المعروفة بهم بقرب ضريح الإمام الشافعي رضي الله عنه  ومولده بالقاهرة في الثاني عشر من شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وخمسين وخمس مئة.

سمع من أبوي عبد الله محمد بن عبد الرحمان المسعودي ومحمد بن حمد بن حامد الأرتاحي وأبي القاسم هبة الله بن علي الأنصاري وغيرهم وأجاز له أبو الحسين عبد الحق وأبو نصر عبد الرحيم ابنا عبد الخالق بن يوسف وشهدة الكاتبة والخطيب أبو الفضل عبد الله بن أحمد بن محمد الطوسي وأبو هاشم عيسى بن أحمد الهاشمي الدوشابي وأبو شاكر يحيى بن يوسف السقلاطوني وأبو الفتح عبيد الله بن عبد الله بن شاتيل وعبد المغيث بن زهير الحربي وغيرهم رضوان الله عليهم أجمعين “.

وفي وفيات سنة 615 هـ قال : ” وفي سلخ ذي الحجة توفي القاضي الأجل أبو القاسم حمزة ابن القاضي الأجل أبي الحسن علي بن أبي عمرو عثمان بن يوسف بن إبراهيم بن يوسف بن إبراهيم بن أحمد بن يعقوب القرشي المخزومي الشافعي العدل الكاتب المنعوت بالأشرف فجاءة بالقاهرة ودفن بتربتهم المعروفة بهم بقرب ضريح الإمام الشافعي رضي الله عنه.

سمع بمصر من أبي القاسم عبد الرحمان بن محمد المصيصي وغيره ورحل إلى الاسكندرية فسمع بها من الحافظ أبي طاهر أحمد بن محمد الأصبهاني وأبي محمد عبد الله بن عبد الرحمن العثماني وأبي الطاهر إسماعيل بن مكي بن عوف الزهري وأبي الحسن يحيى بن أبي عبد الله محمد بن أحمد بن إبراهيم الرازي وجماعة سواهم ، وعاد إلى مصر فسمع بها من أبي الحسن علي بن هبة الله الصوري وأبي عبد الله محمد بن علي الرحبي والعلامة أبي محمد عبد الله بن بري النحوي وأبي سعيد محمد بن عبد الرحمان الفنجديهي وخلق كثير من أهل البلد والقادمين عليها وسمع بدمشق من جماعة.

وحدث بالإسكندرية ومصر وبغداد ودمشق وغيرها وحصل الأصول وكتب بخطه وكان عنده بخط الحافظ أبي طاهر الأصبهاني قطعة صالحة وكان له أنس بهذا الشأن وله شعروولي ديوان الأحباس بالديار المصرية وغير ذلك ،  سمعت منه وسمعته يقول : مولدي في العاشر من شعبان سنة سبع وأربعين وخمس مئة ، وحدث من بيته غير واحد “.

وفي وفيات سنة 638 هـ قال : ” وفي ليلة الثالث عشر أيضا توفي القاضي الأجل أبو الحسن محمد ابن القاضي الأجل أبي محمد عبد الله ابن القاضي الأجل السعيد أبي الحسن علي بن عثمان القرشي المخزومي الشافعي العدل المنعوت بالشرف بغزة ودفن من الغد ومولده في صفر سنة ثمان وثمانين وخمس مئة.

سمع من أبي الطاهر إسماعيل بن صالح بن ياسين وأبي القاسم هبة الله بن علي بن سعود الأنصاري وأبي عبد الله محمد بن حمد بن حامد الأرتاحي وجماعة كثيرة من أهل البلد والقادمين عليها وشهد عند قاضي القضاة أبي المكارم محمد بن عين الدولة وتقلب في الخدم الديوانية بالوجه البحري والوجه القبلي وغير ذلك وحدث بالشام والقاهرة وغيرهما وهو من بيت الحديث “.

وجاء في صلة التكملة لوفيات النقلة من تصنيف عز الدين الحسيني في وفيات سنة 646 هـ : ”  وفي السابع من شهر رمضان توفّي الشيخ الجليل أبو المعالي عبد الرّحمن بن أبي الحسن عليّ بن أبي عمرو عثمان بن يوسف بن إبراهيم ابن يوسف بن أحمد بن يعقوب القرشيّ المخزوميّ المغيريّ المصريّ الشافعيّ العدل المنعوت بالمكرّم بالقاهرة ودفن من الغد بسفح المقطّم ومولده في الحادي والعشرين من صفر سنة تسع وستين وخمس مئة.

سمع من الإمام أبي محمد عبد الله بن برّي النّحويّ وأبي عبد الله محمد بن عليّ الرّحبيّ والحافظ أبي محمد القاسم بن عليّ الدّمشقيّ وأبي الطاهر إسماعيل بن صالح بن ياسين وأبي القاسم هبة الله بن عليّ البوصيريّ وأبي الفضل محمد بن يوسف الغزنويّ وأبي الحسن عليّ بن إبراهيم بن نجا الواعظ وزوجه أمّ عبد الكريم فاطمة بنت سعد الخير الأنصاريّ وغيرهم.

وأجاز له الحافظان أبو طاهر السّلفيّ وأبو القاسم ابن عساكر والشريفان الأخوان أبو محمد عبد الله وأبو الطاهر إسماعيل ابنا عبد الرّحمن العثمانيّ والخطيب أبو الفضل عبد الله بن أحمد الطّوسيّ والكاتبة شهدة بنت أحمد ابن الإبري، وآخرون من البغداديّين والشاميّين والمصريّين وحدّث بالكثير ، وبيته مشهور بالتقدّم والكتابة والرّواية وقد حدّث منهم جماعة “.

وذكر في نفس الكتاب في وفيات سنة 974 هـ : ” وفي ليلة مستهلّ ذي القعدة توفّي الشيخ الأصيل أبو المفاخر يوسف ابن القاضي شرف الدّين أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن عليّ بن عثمان القرشيّ المخزوميّ المغيريّ المصريّ الكاتب المنعوت بالعلم بالقاهرة ودفن من الغد بتربتهم بقرافة مصر الصّغرى.

ومولده في مستهلّ شعبان سنة اثنتي عشرة وست مئة بالقاهرة ، سمع من جماعة منهم أبو بكر عبد العزيز بن أحمد بن باقا وحدّث وتقلّب في الخدم الدّيوانية مدة وبيته معروف بالتقدّم والفضل والحديث “.

23 / ديوان ابن النبيه              

ابن النبيه هو اللقب الذي عرف به واحد من رواد شعر الغزل في العصر الأيوبي وهو كمال الدين أبو الحسن علي بن محمد بن يوسف المصري ، ولد في مصر عام 560 هـ / 1164 م وتوفي في الرها عام 619 هـ / 1222 م حيث غادر مصر ليعمل في ديوان الملك الأشرف موسى الأيوبي.

ومن أشهر أبياته في الغزل قوله : أَمَانًا أَيهَا الْقَمَر المطل .. فَفِي جفنيك أسياف تسل .. يزِيد جمال وَجهك كل يَوْم .. ولي جَسَد يذوب ويضمحل.. وَمَا عرف السقام طَرِيق جسمي .. وَلَكِن دلّ من أَهْوى يدل .. يمِيل بطرفه التركي عني .. صَدقْتُمْ إِن ضيق الْعين بخل .. إِذا نشرت ذوائبه عَلَيْهِ .. ترى مَاء يرف عَلَيْهِ ظلّ.

وقوله : أما وبياض مبسمك النّقىّ .. وسمرة مسكة اللّعس الشّهىّ .. لقد أسقمت بالهجران جسمى .. وأعطشنى وصالك بعد رىّ .. إلى كم أكتم البلوى ودمعى .. يبوح بمضمر السّرّ الخفىّ .. وكم أشكو للاهية غرامى .. فويل للشّجىّ من الخلىّ .. تغازلنى وتزوى حاجبيها .. كما انبرت السّهام عن القسىّ .. وتخترق الصفوف بريق فيها .. وهل يخفى شذى المسك الشّذىّ .. يذود شبا القنا عن وجنتيها .. كمنع الشّوك للورد الجنىّ .. إذا ما رمت أقطفه بعينى .. تقول حذار من مرعى وبىّ.

ويحكي ابن خلكان أنه كان سريع البديهة وذكر إحدى طرائفه مع الملك الأشرف موسى فقال : ” ولقد رأى يوماً في دواة كاتبه وشاعره الكمال أبي الحسن علي بن محمد المعروف بابن النبيه المصري قلماً واحداً فأنكر عليه ذلك فأنشده في الحال دوبيت : قال الملك الأشرف قولاً رشدا .. أقلامك يا كمال قلت عددا  .. جاوبت لعظم كتب ما تطلقه .. تحفى فتقط فهي تفنى أبدا “.

وقد تناول الدكتور شوقي ضيف شخصيته وأشعاره في كتابه تاريخ الأدب العربي حيث يقول : ” ابن النبيه .. هو الكمال أبو الحسن على بن محمد بن يوسف المعروف باسم ابن النبيه ولد بمصر حوالى سنة 560 واختلف إلى كتّاب حفظ فيه القرآن الكريم وبعض الأشعار على عادة لداته، ثم أخذ يختلف إلى حلقات العلماء والأدباء، وتفتحت ملكته الشعرية.

ورنا إلى الالتحاق بدواوين صلاح الدين ووزيره الكاتب البليغ القاضى الفاضل راعى الأدباء فى عصره ، وفى ديوانه مدائح مختلفة له ، وليضع أمامه الدليل الواضح على قدرته البيانية ضمّن جميع أبيات إحدى مدائحه له كلمات من سورة المزمل مقتبسا لها فى قوافيه بقوله فى مطلعها :  قمت ليل الصّدود إلا قليلا .. ثم رتّلت ذكركم ترتيلا .. ووصلت السّهاد أقبح وصل .. وهجرت الرقاد هجرا جميلا.

ويبدو أن القاضى الفاضل لم يعجب بالقصيدة فلم يعيّن فى دواوين صلاح الدين وأيضا لم يعيّن فى دواوين ابنه العزيز ، حتى إذا ولى شئون مصر السلطان العادل سنة 596 رأيناه يقدّم مدائحه إليه وإلى وزيره الصفىّ بن شكر ، ويبدو أن صداقة انعقدت حينئذ بينه وبين الأشرف موسى بن السلطان العادل حتى إذا ولاه أبوه على الرّها سنة 598 اصطحبه معه واتخذه كاتبه.

وأخذت إمارته أو مملكته تتسع فشملت خلاط وميّافارقين ونصيبين ومعظم بلاد الجزيرة وكان يتنقل الأشرف موسى فى بلدان إمارته وكانت أكثر إقامته بالرّقة لموقعها على الفرات وابن النبيه معه يلازمه ولا يترك مناسبة من انتصار فى حرب أو عيد إلا ويقدّم له مدائحه ، ومن أهم هذه المناسبات قدومه إلى مصر بجيش جرار ساعد به سلطانها أخاه الكامل فى سحق الصليبيين بموقعة دمياط ورد فلولهم إلى البحر المتوسط وما وراءه.

وقد تغنى ابن النبيه بذلك طويلا بمثل قوله : دمياط طور ونار الحرب موقدة .. وأنت موسى وهذا اليوم ميقات .. أثلجت صدر رسول الله وانكشفت .. عن سرحة الدّين والدنيا غمامات .. الله أكرم أن تمسى مزامرهم .. تتلى وتنسى من القرآن آيات ، وهو يستغلّ اسمه فى مديحه فيقرنه إلى موسى الرسول ومعجزته فى الطور ويذكر فى القصيدة أن عصاه تلقفت كل ما أفكوا ويصور كيف اندحر الصليبيون وتوزعهم المسلمون قتلا وأسرا وسبيا ومن بقى منهم عاد إلى البحر المتوسط وما وراءه بخزى لا يماثله خزى ..

ويدل ديوان ابن النبيه على أنه كان يعيش لدى الأشرف موسى معيشة مبتهجة يتمتع فيها بالرياض ومجالس الأنس والطرب حتى وفاته بنصيبين سنة 619 ، ومع ما كان فيه من هناءة لم ينس وطنه بل ظل يحنّ له وظل حنينه يترقرق فى تضاعيف أشعاره كأقوى ما يكون الشعور الصادق لدى المحبين الوالهين كقوله مكنيّا عن مصر بالعقيق أحد وديان الأراضى المقدسة فى المدينة المنورة الذى طالما تغنى به شعراء الصبابة والحب الملتاع :

يا بارقا أذكر الحشا شجنه .. منزلنا بالعقيق من سبكنه .. ومربع اللهو يانع خضل .. أم غيّر الدهر بعدنا دمنه.. يا برق هذا جسمى يذوب ضنّى .. ومهجتى بالعقيق مرتهنه .. بلّغ حديث الحمى وساكنه .. لمغرم أنحل الهوى بدنه .. أشقى المحبين عادم وطرا .. فكيف إن كان عادما وطنه .. سقيا لأيامنا التى سلفت .. كانت بطيب الوصال مقترنه .. لو بيع يوم منها وكيف به .. كنت بعمرى مسترخصا ثمنه ..

وإذا أخذنا نقرأ فى ديوان ابن النبيه أحسسنا بوضوح أنه يمثل فى غزله الروح القاهرية المصرية بكل ما عرف عنها من الدماثة والرقة وخفة الظل لا فى موسيقاه وجمال أنغامه فحسب بل أيضا فى تصوير مشاعره ووجداناته وعواطفه دون أى حجاب من أصداف المحسنات البديعية ، فهو قلما يستخدمها بل يترك نفسه على طبيعتها مما جعل غزله يرتفع إلى مستوى وجدانى سام دون ترداد الأوصاف المادية الحسية للمرأة فحسبه أن يصور عاطفته إزاءها فى رقة متناهية.

وهيأ ذلك قديما لغزله أن يكثر التغنّى به فى ديار الجزيرة والموصل وفى الشام ومصر واليمن لرقته ورشاقته وصفاء موسيقاه ، ومازال المغنون والمغنيات يتغنون بأشعاره وتتغنّى بها السيدة أم كلثوم وغيرها ومن ذلك قوله : أفديه إن حفظ الهوى أو ضيّعا ملك الفؤاد فما عسى أن أصنعا .. من لم يذق ظلم الحبيب كظلمه حلوا فقد جهل المحبّة وادّعى .. يا أيها الوجه الجميل تدارك الصّ‍بّ النّحيل فقد وهى وتضعضعا .. هل فى فؤادك رحمة لمتيّم ضمّت جوانحه فؤادا موجعا .. هل من سبيل أن أبثّ صبابتى أو أشتكى بلواى أو أتضرّعا “.

وقد ذكره ابن الشعار الموصلى في كتاب قلائد الجمان فقال : ” ابن يحيى المعروف بابن النبيه أبو الحسن المصرى الربعي كان من مفاخر المصريين ومحاسن الشعراء العصريين شاعراً .. بزَّ بقوله على نظرائه وأضرابه ذا عارفية فى النظم شديدة يذهب بلطيف ذهنه إلى الأغراض البعيدة حسن المعانى أنيقها حلو الألفاظ رشيقها شعره فى نهاية الحلاوة يلوح عليه رونق الملاحة والطراوة.

وكان يتولى بمصر ديوان الخراج والحساب ومدح الملوك من بنى أيوب ووزراء تلك الدولة وأكابرها ثم اتصل آخراً بخدمة الملك الأشرف مظفر الدين أبى الفتح موسى بن محمد بن أيوب بن شادي فانتظم فى سلك شعراء دولته وسكن نصيبين وبها مات فى سنة تسعة عشرة وستمائة فقال الملك الأشرف عند موته ـ وكان معجبا بمحاسن شعره وما يأتى به من بديع الكلمات ـ مات رب القريض “.

وترجم له الصفدي في الوافي بالوفيات فقال : ” ابْن النبيه الشَّاعِر عَليّ بن مُحَمَّد بن الْحسن بن يُوسُف بن يحيى الأديب الشَّاعِر البارع كَمَال الدّين أَبُو الْحسن ابْن النبيه الْمصْرِيّ صَاحب الدِّيوَان الْمَشْهُور مدح بني الْعَبَّاس واتصل بِالْملكِ الْأَشْرَف مُوسَى وَكتب لَهُ الْإِنْشَاء وَسكن نَصِيبين ، توفّي حادي عشْرين جُمَادَى الأولى سنة تسع عشرَة وست مائَة بنصيبين وَهَذَا ديوانه الْمَشْهُور أَظن أَنه هُوَ الَّذِي جمعه من شعره وانتقاه لِأَنَّهُ كُله منقى منقح الدرة وَأُخْتهَا وَإِلَّا فَمَا هَذَا شعر من لَا نظم لَهُ إِلَّا هَذَا الدِّيوَان الصَّغِير  ..

وَلما مَاتَ رثاه شهَاب الدّين أَبُو الْخطاب مُحَمَّد بن جَعْفَر بن الْحُسَيْن الربعِي المنفوشي من قَرْيَة المنفوشة من قرى النّيل بِبِلَاد الْعرَاق من الْخَفِيف : شعراء الزَّمَان إِن الْمعَانِي .. والمعالي تبْكي على ابْن النبيه .. مَاتَ روح القريض واخترم .. الْفضل وَحسن البديع والتشبيه .. كَانَ عِنْد الإنشاد نِيَّة مُوسَى .. فالقوافي من بعده فِي التيه “.

24 / الآداب النافعة بالألفاظ المختارة الجامعة

(الآداب النافعة بالألفاظ المختارة الجامعة) هو عنوان الكتاب الذي ألفه الشاعر والكاتب أبو الفضل جعفر بن محمد بن مختار الأفضلي المعروف بلقب (ابن شمس الخلافة) وأهداه إلى القاضي الفاضل وجمع فيه خلاصة أقوال الحكماء القدماء من كل عصر ومن كل بلد ، ولد المؤلف في مصر عام 543 هـ / 1148 م وتوفي فيها عام 622 هـ 1225 م وينحدر من أسرة من الأعيان حيث كان جده الأعلى الأمير شمس الخلافة مختار الأفضلي من رجال الوزير الأفضل بن بدر الجمالي.

وقد حقق الكتاب وطبعه محمد أمين الخانجي وله ديوان شعر جيد طبع تحت عنوان (در النظم ونظم الدر مختارات ابن شمس الخلافة) حققه الدكتور عبد الرازق حويزي ، وقد ضمن الشاعر أبياتا منه في ثنايا هذا الكتاب الذي وضع فيه حصيلة قراءاته وجهوده في الآداب والفنون والفلسفة حيث كان يعمل بنسخ الكتب وعرف بجودة خطه ، وعرف بصلاته الطيبة بالملوك والأمراء والوزراء في عصر الأيوبيين وعرف بسعة اطلاعه وثقافته الرفيعة.  

ويشرح في مقدمة كتابه سبب تأليفه فيقول : ” بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلواته على محمد خاتم النبيين وآله الطاهرين وصحبه المنتخبين وسلامه ، وبعد فإن ألطف الكلام موقعا وأشرفه موضعا كلمة حكمة يقتدي الإنسان بسناها فيهتدي ويتبع هداها فيرتدع ومثل سائر يعنى بإيراده في المحافل عن ألفاظ يؤلفها ومعان يتكلفها وينزل صاحبه من العلم فوق منزلته ويرتب من الأدب في أعلى مرتبته ، وقدما قيل : يكفيك من الأدب أن تروي الشاهد والمثل.

وقد جمعت في كتابي هذا ما يصقل الخواطر الصدية ويحد القرائح الكالة ويبعث الأفهام اللاغية ويقود القلوب الجامحة وصنفته في خمسة أبواب : باب الحكمة من النثر ، باب الفصول القصار من الحكمة ، باب الحكمة من الشعر ، باب أبيات من الأمثال المفردة ، باب إعجاز الأبيات ، وعنونته بكتاب الآداب.

وأرجو أن يسير ذكره سيرورة من ألف برسمه وشرف باسمه مزيل نبوات الأيام ومقيل عثرات الكرام وموضع سبل المعروف ومنجح أمل الملهوف القاضي الأجل عبد الرحيم بن علي أبقاه الله بقاء ذكره الجميل وذلك بقاء ما معه فوت وأحياه حياة نائلة الجزيل وتلك حياة لا يعقبها موت ولا زال يأمر الدهر بمنافع الناس فيأتمر ويزجره عن مضارهم فينزجر ، وهذ حين الابتداء والله الموفق للاهتداء “.    

وفي ثنايا الكتاب فصل يتناول كلمات الفلاسفة القدماء في الحكمة بعنوان (من المأثور عن الحكماء) يقول فيه : ” وقال أفلاطون الحكيم : الدليل على ضعف الإنسان أنه ربما أتاه الخير من حيث لا يحتسب والشر من حيث لا يرتقب ، وقال : لا تطلب سرعة العمل واطلب تجويده فإن الناس لا يسألون في كم فرغ وإنما ينظرون إلى إتقانه وجود صنعته.

وقال : إذا أعجبك ما يتواصفه الناس مما ظهر من محاسنك فانظر فيما بطن من مساويك ولتكن معرفتك بنفسك أوثق عندك من معرفة الناس بك ، وقال : ينبغي للعاقل أن يكون رقيبا على نفسه فيستعظم خطأه ويستصغر خطأه ويستصغره صوابه لأن الصواب داخل في شرط إنسانيته والخطأ مغير لما استقر في نفوس الناس منه ، وقال : حبك للشيء ستر بينك وبين مساويه وبغضك له ستر بينك وبين محاسنه ..

وقال أرسطو طاليس : للطالب البالغ لذة الإدراك وللطالب المحروم راحة اليأس ، وقيل له : أي شيء ينبغي للإنسان أن يقتني ؟ فقال : الشيء الذي إذا غرقت سفينته سبح معه ، وقال سقراط : الدنيا كراكب البحر إن سلم قيل مخاطر وإن عطب قيل مغرر ، وقال : إذا أردت أن تصادق إنساناً فانظر كيف ظنه بنفسه فإن كان بها ضنينا فارجه وإن كان بها سمحا فاحذره !

وقال : طالب الدنيا لا يخلو من الحزن في حالين حزن على ما فاته كيف لم ينله وحزن على ما ناله يخاف أن يسلبه ، وعيره رجل بجنسه فقال له سقراط : إن كان جنسي عارا علي فإنك عار على جنسك ، وقيل له : ذكرت لفلان فلم يعرفك فقال : لا يجهلني إلا ساقط ، وقيل له : إن الكلام الذي قلته لمدينة كذا لم يقبلوه ، لا يلزمني أن يقبل وإنما يلزمني أن يكون صوابا.

وقال بزرجمهر : الشدائد قبل المواهب بمنزلة الجوع قبل الطعام يحسن به موقعه ويلذ معه تناوله ، وقال : أفره ما يكون من الدواب لا غنى به عن السوط وأعقل ما يكون من الرجال لا غنى به عن المشاورة وأعف ما يكون من النساء لا غنى بها عن الزوج ، وقيل له : ما المروءة ؟ قال : ترك ما لا يعني ، قيل فما الحزم ؟ قال : انتهاز الفرصة ،  قيل فما الحلم ؟ قال : العفو عند المقدرة ، قيل فما الشدة ؟ قال : ملك الغضب ، قيل : فما الخرف ؟ قال : حب مفرط أو بغض مفرط “.

وقد ترجم له ابن خلكان في وفيات الأعيان فقال : ” ابن شمس الخلافة .. أبو الفضل جعفر بن شمس الخلافة أبي عبد الله محمد بن شمس الخلافة مختار الأفضلي الملقب مجد الملك الشاعر المشهور ؛ كان فاضلاً حسن الخط وكتب كثيراً وخطه مرغوب فيه لحسنه وضبطه وله تواليف جمع فيها أشياء لطيفة دلت على جودة اختياره ، وله ديوان شعر أجاد فيه نقلت من خطه لنفسه : هي شدة يأتي الرخاء عقيبها .. وأسى يبشر بالسرور العاجل .. وإذا نظرت فإن بؤساً زائلاً .. للمرء خير من نعيم زائل.

وله أيضا في الوزير ابن شكر وهو الصفي أبو محمد عبد الله بن علي عرف بابن شكر وزير الملك الكامل رحمهما الله تعالى : مدحتك ألسنة الأنام مخافةً .. وتشاهدت لك بالثناء الأحسن .. أترى الزمان مؤخرا في مدتي .. حتى أعيش إلى انطلاق الألسن ،  هكذا أنشدنيهما بعض الأدباء المصريين ثم وجدتهما في مجموع عتيق ولم يسم قائلهما.

وطريقته في الشعر حسنة ، وله أيضا : أعط وإن فاتك الثراء ودع .. سبيل من ضن وهو مقتدر .. فكم غني بالناس عنه غنى .. وكم فقير إليه يفتقر ، وله أيضاً : كفي وعرضي إذا ما .. سألت عن أخباري .. هذا من الكاس كاسٍ .. وذا من العار عاري.

وكانت ولادته في المحرم سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة وتوفي في الثاني عشر من المحرم سنة اثنتين وعشرين وستمائة بالموضع المعروف بالكوم الأحمر ظاهر مصر رحمه الله تعالى ، والأفضلي – بفتح الهمزة وسكون الفاء وفتح الضاد المعجمة وبعدها لام – هذه النسبة إلى الأفضل أمير الجيوش بمصر ، وتوفي والده في ذي الحجة سنة تسع وستين وخمسمائة ومولده سنة عشرين وخمسمائة “.

وذكره الحافظ المنذري في التكملة لوفيات النقلة وذلك في وفيات سنة 622 هـ فقال : ” وفي الثالث عشر من المحرم توفي الأديب الأجل مجد الملك أبو الفضل جعفر ابن شمس الخلافة أبي عبد الله محمد ابن شمس الخلافة مختار الأفضلي الشاعر بظاهر مصر ، لقي جماعة من الأدباء وكتب الخط الجيد.

وكان مع علو سنه وضعف جسمه ذهنه حاضر وقريحته متوقدة وله تصانيف تدل على فضله وحدث بديوانه وسمعت منه بالقاهرة وبالمنصورة ، وكان أحد الفضلاء المذكورين والشعراء المشهورين وانتشر شعره وامتدح جماعة من الأعيان ، وسألته عن مولده فقال : في المحرم سنة ثلاث وأربعين وخمس مئة “.

وذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء فقال : ” ابن شمس الخلافة .. الأمير الكبير مجد الملك أبو الفضل جعفر بن شمس الخلافة أبي عبد الله محمد بن مختار الأفضلي المصري القوصي ، سيد الشعراء ولد في المحرم سنة ثلاث وأربعين ، وكان ذكيا أديبا بارعا بديع الكتابة وله ديوان وتصانيف وامتدح الكبار .

روى عنه القوصي والمنذري في معجميهما ، وقيل : بل هو جعفر بن إبراهيم بن علي وخدم مع السلطان صلاح الدين أميرا ثم مع ابنه العزيز ثم خدم بحلب مع الظاهر ثم رجع إلى مصر ، وله هجو في العادل وفي القاضي الفاضل ، ثم قال ابن الشعار : مات سنة عشر ، فغلط بل قال المنذري : مات في المحرم سنة اثنتين وعشرين وستمائة “.

25 / بدائع البدائه                 

(بدائع البدائه) هو عنوان الكتاب الذي ألفه الشاعر والكاتب والوزير والمؤرخ والفقيه جمال الدين أبو الحسن علي بن ظافر بن الحسين الأزدي المصري الذي ولد في القاهرة عام 567 هـ / 1171 م وتوفي فيها عام 613 هـ / 1216 م ، وهو كتاب فريد في نوعه لأنه يجمع ما ندر من قصص وروايات عن شعر البديهة الذي يبدعه الشعراء من قريحتهم في مواقف معينة دون سابق إعداد أو تجهيز بما في ذلك مجالس الشعراء والحكام التي كانت تعج بالمنافسات والتحديات بين الشعراء في سرعة البديهة وحضور الخاطر وامتلاك ناصية اللغة والبيان.

والمؤلف ينحدر من قبيلة الأزد العربية التي دخلت مصر مع الفتح الإسلامي ، تتلمذ على يد والده الذي كان من أئمة الفقه المالكي وعمل في دواوين الدولة المصرية في عهد الملك العادل ثم تولى الوزارة للملك الأشرف موسى مدة ثم رجع بعدها إلى مصر ، وقد ذكر في كتابه مقابلاته وتراسلاته مع أدباء عصره مثل العماد الكاتب وابن الساعاتي والأسعد بن مماتي وابن سناء الملك وغيرهم كما ألف في التاريخ عدة كتب منها كتاب أخبار الدول المنقطعة وكتاب أساس السياسة ولد ديوان شعر طيب.

وفي مقدمة كتابه يشرح كيف بدأ في كتابته في صغره وعرضه على القاضي الفاضل ثم شاع ذكره عند الملك الأشرف موسى فدعاه إلى جمعه وإكماله ، وفي ذلك يقول : ” وبعد ، فقد كنت في صدر عمري وبدء أمري نشطت لجمع أخبار الشعراء في البدائه والارتجال ومحاسن أشعارهم في مضايق الإسراع والإعجال وسجعت منها حكايات لم يرقمها في الطرس بنان ولم يطمثها قبلي إنس ولا جان.

فأوقفت عليها صدر ذلك الزمان وسيد فضلاء ذلك الأوان السيد الأجل الفاضل أبا علي عبد الرحيم بن الحسن البيساني رحمه الله تعالى فحثني على الازدياد منها والتطلب لها والبحث عنها فاجتمع من ذلك جزء أحكمت ترتيبه وهذبت تبويبه وسميته (بدائع البدائه).

ورتبت الأخبار في كل باب منه على ترتيب الأعصار وأعلمت كل حكاية أنا ناظم دررها وناثر جوهرها ومؤلف كلامها ومثقف قوامها كانت مسندة مسلسلة أو مهملة مرسلة بأن قلت بما هذا معناه ، وكل حكاية لي فيها عمل شعر أو اشتراك مع بعض الشعراء اقتصرت في إعلامها على ذكر اسمي فقط وإن كانت مسجوعة فسجعتها مما وشى خاطري وشائعه وأبدى بدائعه.

فلما رأى ما اجتمع منه سر به واغتبط وأكرم نزله فارتبط وشرفني على صغر سني ونضارة عيني بأن أنتسخه لخزانته وحباه بحفزه وصيانته ، ولم يزل ذلك الجزء عني منسي الذكر وعندي خامل القدر حتى مثلت بالجانب العالي الملكي الأشرفي أعز الله سلطانه في سنة ثلاث وستمائة وذلك قبل أن أتمسك بحبله وآوي إلى ظله فجرى في مجلسه ذكر هذا الجزء فحسن من خاطره موضعه وجل عنده موقعه فرسم لي نقله.

وقد كنت في زمن فتوتي جمعت أخبارا كثيرة قارب حجم الجزء الأول مجموعها وفاق على كثير منه مسموعها فجمعت شكل الطارف بالتليد والقديم بالجديد وأنفذت به إليه وأوفدته عليه “.  

وقد ترجم له ابن شاكر الكتبي في كتابه فوات الوفيات وذكر جانبا من أشعاره وبعض حكاياته التي ذكرها في بدائع البدائه فقال : ” ابن ظافر الأزدي .. علي بن ظافر بن حسين الفقيه، الوزير جمال الدين أبو الحسن الأزدي المصري ابن العلامة أبي منصور ، ولد سنة سبع وستين وخمسمائة، وتفقه على والده ؛ وتوفي سنة ثلاث وعشرين وستمائة.

قرأ الأدب وبرع فيه وقرأ على والده الأصول وبرع في علم التاريخ وأخبار الملوك وحفظ في ذلك جملة وافرة ودرس بمدرسة المالكية بمصر بعد أبيه وترسل إلى الديوان العزيز وولي وزارة الملك الأشرف ، ثم انصرف عنه ودخل مصر وولي وكالة بيت المال مدة وكان متوقد الخاطر طلق العبارة ومع تعلقه بالدنيا له ميل كثير إلى أهل الآخرة محباً لأهل الدين والصلاح.

أقبل في آخر عمره على مطالعة الأحاديث النبوية وأدمن النظر فيها ؛ روى عنه القوصي وغيره وله تواليف منها : الدولة المنقطعة وهو كتاب مفيد جداً في بابه ، وبدائع البدائة والذيل عليه ، وأخبار الشجعان ، وأخبار الملوك السلجوقية ، وأساس السياسة ، ونفائس الذخيرة ولم يكمل ولو كمل ما كان في الأدب مثله ، وكتاب التشبيهات ، وكتاب من أصيب وابتدأ بعلي رضي الله عنه ، وغير ذلك.

ومن شعره : إني لأعجب من حبي أكتمه .. جهدي وجفني بفيض الدمع يعلنه .. وكون من أنا أهواه وأعشقه .. يخرب القلب عمداً وهو يسكنه .. وأعجب الكل أمراً أن مبسمه .. من أصغر الدر جرماً وهو أثمنه.

وله أيضاً : كم من دم يوم النوى مطلول .. بين رسوم الحي والطلول  .. بانوا فلا جسم ولا ربع لهم .. إلا رماه البين بالنحول .. يا راحلين والفؤاد معهم .. مسابق في أول الرعيل .. ردوا فؤادي إنه ما باعكم .. إياه إلا طرفي الفضولي .. ورب ظبي منكم يخاف من .. سطوة عينيه أسود الغيل .. أنار منه الوجه حتى كدت أن .. أقول لولا الدين بالحلول .. ينقص بالعلة كل كامل .. في الحسن غير لحظه العليل.

 وقال في بدائع البدائه : اجتمعنا ليلة من ليالي رمضان بالجامع فجلسنا بعد انقضاء الصلاة للحديث وقد وقد فانوس السحور فاقترح بعض الحضور على الأديب أبي الحجاج يوسف بن علي المعروف بالنعجة أن يصنع قطعة من فانوس السحور وإنما طلب بذلك إظهار عجزه فصنع : ونجم من الفانوس يشرق ضوؤه .. ولكنه دون الكواكب لا يسري .. ولم أر نجم قط قبل طلوعه .. إذا غاب ينهي الصائمين عن الفطر

فقلت له : هذا التعجب لا يصح لأنا قد رأينا نجوماً لا تدخل تحت الحصر ولا تحصى بالعدد إذا غارت تنهي الصائمين عن الفطر وهي نجوم الصباح ، فأسرف الجماعة في تقريعه وأخذوا في تمزيق عرضه وتقطيعه فصنع أيضاً : هذا لواء سحور يستضاء به .. وعسكر الشهب في الظلماء جرار .. والصائمون جميعاً يهتدون به .. كأنه علم في وسطه نار.

ولما أصبحنا سمع من كان غائباً من أصحابنا ما جرى بيننا فصنع الرشيد أبو عبد الله محمد بن منانو رحمه الله تعالى : أحبب بفانوس غدا صاعداً .. وضوؤه دان من العين .. يقضي بصوم وبفطر معاً .. فقد حوى وصف الهلالين ، وصنع الفقيه أبو محمد العقيلي  : وكوكب من ضرام الزند مطلعه .. تسري النجوم ولا يسري إذا رقبا .. يراقب الصبح خوفاً أن يفاجئه .. فإن بدا طالعاً في أفقه غربا .. كأنه عاشق وافى على شرف .. يرعى الحبيب فإن لاح الرقيب خبا.

ثم إني صنعت بعد ذلك : ألست ترى شخص المنار وعوده .. عليه لفانوس السحور لهيب .. كحامل منظوم الأنابيب اسمر .. عليه سنان بالدماء خضيب .. ترى بين زهر الزهر منه شقيقة .. لها العود غصن والمنار كثيب .. وتبدو كخد أحمر والدجى لمى .. بدا فيه ثغر للنجوم شنيب .. كأن لزنجي الدجى من لهيبه .. ومن خفقه قلب عراه وجيب .. تراه يراعي الشهب ليلاً فإن دنا .. طلوع صباح حان منه غروب .. فهل كان يرعاها لعشق ففر إذ .. درى أن رومي الصباح رقيب “.

وذكره الحافظ الذهبي في سير أعلام النبلاء فقال : ” ابن ظافر صاحب كتاب الدول المنقطعة العلامة البارع جمال الدين أبو الحسن علي ابن العلامة أبي المنصور ظافر بن الحسين الأزدي المصري المالكي الأصولي المتكلم الأخباري .

أخذ الفقه والكلام عن أبيه وجود العربية وشارك في الفضائل ، وكان فطنا طلق العبارة سيال الذهن جيد التصانيف درس بمدرسة المالكية بمصر بعد والده وترسل إلى الخليفة ووزر للملك الأشرف مدة ثم رجع إلى مصر وولي وكالة السلطان ، وله كتاب الدول المنقطعة فأتى فيه بنفائس ، وله كتاب بدائع البدائه وكتاب أخبار الشجعان وأخبار آل سلجوق وكتاب أساس السياسة وله نظم حسن .

أخذ عنه المنذري  والشهاب القوصي ، وأقبل في الآخر على الحديث  وأدمن النظر فيه ، عاش ثمانيا وأربعين سنة وتوفي سنة ثلاث عشرة وستمائة “.

وذكره ياقوت في معجم الأدباء فقال : ” علي بن ظافر بن الحسين الأزدي وكنية ظافر أبو منصور وهو مصريّ وزر للملك الأشرف موسى بن الملك العادل أبي بكر ابن أيوب ، وكان نعم الرجل له علوم جمة وفضائل كثيرة ، ثم ترك الوزارة وعاد إلى مصر فتوفي بها منتصف شعبان سنة ثلاث عشرة وستمائة عن ثمان وأربعين سنة ، وله من التصانيف كتاب بدائع البدائه في من قال شعرا على البديهة وكتاب مكرمات الكتاب وكتاب أخبار الشجعان وكتاب من أصيب ممن اسمه علي وابتدأ بعلي بن أبي طالب عليه السلام وكتاب الدول المنقطعة وكتاب التشبيهات وكتاب أساس السياسة وكتاب أخبار السلجوقية “.

وذكره المنذري في كتابه التكملة لوفيات النقلة في وفيات سنة 613 هـ فقال : ” وفي ليلة النصف من شعبان توفي الفقيه الأجل الفاضل أبو الحسن علي ابن الإمام أبي منصور ظافر بن الحسين الأزدي المالكي العدل المنعوت بالجمال بمصر ودفن من الغد بسفح المقطم ، ومولده بمصر سنة تسع وستين وخمس مئة ، تفقه على والده الإمام أبي المنصور في المذهب والأصولين والخلاف وغير ذلك.

وقرأ الأدب ونظر في تواريخ الملوك والوزراء من العرب والعجم وحفظ منها جملة كبيرة خصوصا ملوك الأعاجم ودرس بمدرسة المالكية بمصر بعد وفاة والده وترسل للديوان العزيز – مجده الله تعالى – وملوك الأطراف ، وولي الوزارة للملك الأشرف موسى ابن الملك العادل أبي بكر بن أيوب وانفصل عنه وقدم مصر وتولى الوكالة السلطانية مدة وتوجه إلى الحجاز وعاد.

وكان متوقد الخاطر طلق العبارة ، وكان مع تعلقه بالدنيا له ميل كثير إلى أهل الآخرة محبا لأهل الدين والصلاح مكرما لهم ، وله مصنفات حسنة مفيدة منها كتاب (الدول المنقطعة) وهو كتاب مفيد في بابه جدا ، ومنها (بدائع البدائه) وغير ذلك ، وأقبل في آخر عمره على السنة النبوية ومطالعتها وإدمان النظر فيها وحدث بشيء من شعره، سمعت منه ، وقد تقدم ذكر والده الإمام أبي المنصور “.

26 / معالم الكتابة ومغانم الإصابة               

(معالم الكتابة ومغانم الإصابة) هو عنوان الكتاب الذي ألفه الشاعر والكاتب والوزير والقاضي جمال الدين عبد الرحيم بن شيث الأموي القرشي الإسنائي والذي ولد بمدينة إسنا في صعيد مصر عام 557 هـ / 1161 م وتوفي في دمشق عام 625 هـ / 1227 م ، تتلمذ على يد القاضي الفاضل ثم تولى كتابة الإنشاء للملك المعظم عيسى الأيوبي الذي كان محبا للأدباء والشعراء حيث وضع في كتابه هذا خلاصة تجربته في دواوين الدولة بمصر لينقل ذلك إلى دواوين الشام. 

ويشرح في مقدمة كتابه فكرة الكتاب قائلا : ” وبعد ، فقد كنت ألفت كتابا في رسوم الكتابة التي سقطت في هذا الوقت تاؤها وطمست أنباؤها ، فالدارج عن عن سبيلها دارج والداخل فيها عن طريقها خارج والحاسب فيها راجم بظنه وحاصب وحاطب ليل لا يأمن المعاطب ، وتوسعت فيه بحيث لم أترك فنا إلا ورسمت فيه فنونا وفتحت فيه للناظر عيونا إلا أني علقته تعليقا يكاد يبهم علي وأنا كاتبه وأدمجت الخط فيه إدماجا أكاد أنكره وأنا صاحبه.

وكان الخاطر يسابق القلم فيمنع من التحرير وكانت أرواح المعاني تتوالى فلا أتمكن من تواليها وضاق علي الزمان عن تسفير وجوه تلك الرسوم وتبييضها ولو وليتها غيري لم يستطع العثور عليها لغموضها ، وخمدت عنها همتي علما بأني لو تنبهت لغافل وجهدت لغير حافل : (الطويل) وأجهل خلق الله جاهدا .. لمن بات عنه غافلا غير حافل .. ومن قصرت دون الفرائض نفسه .. فأحرى بها التقصير دون النوافل.

وطلب مني بعض الأصحاب ذلك الكتاب فاعذرت بما ذكرته فما قبل مني العذر في غموض ما كتبته وإبهام ما سطرته ، وقد رسمت في هذا المجموع ما يجد الكاتب فيه ما يعينه فيما يغنيه وأدنيت له من قطوف أغصانها ما يجنيه فإذا أخذ به الكيس اهتدى به في أعماله ونسج فيما يكتب على منواله ، ورسمت له في كل معنى ربما يُسبَر به الكاتب ويُمتَحن ويقيد بها ويرتهن كتابين جعلتهما له نموذجا.

وأطلعت له شمسا وبدرا يهتدي بهما في نهار اليقين إذا تجلى وفي ليل الشك إذا دجا ، وربما استغنى بهما في ذلك المعنى لأن أكثرها يقل وقوعه ويحسن موقعه إذ أريد بالكاتب سقوطه بالامتحان ووقوعه ، وكله مما كتبته على الخاطر بديهة وارتجالا ولم أر بعد النظر انتقالا إلى ملام أحد عن كلامي ولا ارتحالا ولا رسمت أيضا فيه شيئا مما تقدم من مكاتبتي لأني لاسترجاع ما يصدر مني غير معود وأكثره لم يكن له عندي أصل لأنه كان غير مسود.

وربما شاهد ذلك كثير ممن كان يحضرني ولا أستكثر ذلك وأذكره افتخارا ولكن ذكرته اعتدادا للقصر إن وجد واعتذارا ، وسميته (معالم الكتابة ومغانم الإصابة) ، والله أسأل أن يجعلني ممن تعرض فيه لطاعته ولا يجعلني ممن إذا وقف للحساب لا يجد شيئا من بلاغته وهو حسبي ونعم الوكيل.

وقد ترجم له ابن شاكر الكتبي في كتابه فوات الوفيات فقال : ” جمال الدين ابن شيث .. عبد الرحيم بن علي بن الحسين بن شيث القاضي الرئيس جمال الدين الأموي الأسنائي القوصي صاحب ديوان الإنشاء للملك المعظم عيسى ؛ ولد بأسنا سنة سبع وخمسين وخمسمائة وتوفي سنة خمس وعشرين وستمائة ، نشأ بقوص وتفنن بها وقرأ الأدب وكان ورعاً ديناً حبراً حسن النظم والنثر ، ولي الديوان بقوص ثم بالإسكندرية ثم بالقدس ثم ولي كتابة الإنشاء للمعظم وكان يوصف بالمروة وقضاء الحاجة وكانت وفاته بدمشق ودفن بقاسيون بتربته.

وكانت بينه وبين المعظم مداعبات ، كتب إليه مرة أنه لما فارقه ودخل منزله طالبوه أهله بما حصل له من بر السلطان فقال لهم : ما أعطاني شيئاً ، فقاموا إليه بالخفاف وصفعوه وكتب بعد ذلك : وتخالفت بيض الأكف كأنها التصفيق عند مجامع الأعراس .. وتطابقت سود الخفاف كأنها وقع المطارق من يد النحاس ، فرمى المعظم الرقعة إلى فخر القضاة بن بصاقة وقال : أجبه عنها ، فكتب إليه نثراً وفي آخره : فاصبر على أخلاقهن ولا تكن متخلقاً إلا بخلق الناس .. واعلم إذا اختلفت عليك بأنه ما في وقوفك ساعةً من باس.

ومن شعره : ما لقبي إلى السلو طريق أنا من سكرة الهوى لا أفيق .. ضحكوا يوم بينهم وبكينا فتراءت سحائب وبروق .. لو ترانا وللمطالب إخفاق إلينا وللقلوب خفوق .. لرأيت الدليل حيران منا كلما لاح للهلال شروق .. لست أدري إذ ضرم اللثم وجدي أحريق رشفته أم رحيق .. ليدعني أهل الرشاد وشأني ليس يدري ما بالأسير الطليق .. أقفرت دار من أحب وكم ورقاء كانت بها وغصن وريق .. وهفا ثوبها الصفيق وللريح عليها من حسرةٍ تصفيق “.

وذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء فقال : ” ابْنُ شِيْثَ عَبْدُ الرَّحِيْمِ بنُ عَلِيِّ بنِ حُسَيْنٍ القُرَشِيُّ .. العَلاَّمَةُ، المنشِئُ البَلِيْغُ، جَمَال الدِّيْنِ عَبْد الرَّحِيْمِ بن عَلِيِّ بنِ حُسَيْنِ بنِ شِيث القُرَشِيُّ، الأُمَوِيُّ، الأَشنَائِيُّ، القُوْصِيّ، كَاتِب السِّرِّ لِلمُعَظَّم. وُلِدَ: سَنَةَ سبع وخمسين وخمسمائة وَتَفنن فِي الآدَاب بِقُوْص مَعَ الدِّيْنِ وَالوَرَع وَالبَاع الأَطول فِي النّظم وَالنَّثْر، وَحسن التَّأْلِيْف وَالرصف.

وَلِي الدِّيْوَان بِقُوْص، ثُمَّ الثَّغْر، ثُمَّ القُدْس، ثُمَّ كتب لِصَاحِب مِصْر. وَكَانَ قَاضِياً لِحوَائِج النَّاس، كيِّساً، كَبِيْرَ القَدْرِ. أَنْشَدَنِي رَشِيدٌ الأَدِيْب، أَنْشَدَنَا الشِّهَاب القُوْصِيّ، قَالَ: أَنْشَدَنَا الوَزِيْر جَمَال الدِّيْنِ ابْن شِيْث لِنَفْسِهِ: كُنْ مَعَ الدَّهْرِ كَيْفَ قَلَّبَكَ الدَّهْـ … ـرُ بِقَلْبٍ رَاضٍ وَصَدْرٍ رَحِيبِ وَتَيَقَّنْ أَنَّ اللَّيَالِي سَتَأْتِي … كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ بِعَجِيبِ مَاتَ: فِي المُحَرَّم ، سَنَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِيْنَ وَسِتِّ مائَةٍ “.

وذكره الإدفوي في كتابه الطالع السعيد الجامع أسماء نجباء الصعيد فقال : ” عبد الرّحيم بن علىّ بن الحسين الأسنائىّ  .. عبد الرّحيم بن علىّ بن الحسين بن إسحاق بن شيث أبو القاسم الجمال الأسنائىّ ، ذكره ابن شمس الخلافة فيمن مدح ابن حسّان قال : وكان ممّن حلّت فيه عند الولادة روح الفضيلة ومزجت له الرّضاعة بدرّها كلّ خلّة جميلة فنشأ والفضل له طبع ودرج والعلم له ملّة وشرع وبرع فى الأمور الشّرعيّة وشهر فى الآداب الأدبيّة ونظم ونثر وهو فى عنفوانه وأفضى به ذلك إلى علوّ شانه.

وذكره أبو شامة وغيره ، وكان عالما فاضلا، بارعا فى العلم والأدب ديّنا خيّرا ورعا حسن النّظم والنّثر ، ولى نظر الدّيوان بقوص ثمّ بالإسكندريّة ثمّ بالقدس ثمّ ولى كتابة الإنشاء للملك المعظّم ثمّ وزر ، وكان موصوفا بالمروءة وقضاء حوائج النّاس وهو أموىّ ، وذكره الحافظ المنذرىّ وقال عنه : فاضل مشهور وكاتب مذكور وله رسائل ونظم وكان الحافظ المقدسىّ يصفه بسرعة النّظم وحدّث بمصر بشئ من شعره وكتب عن بعض أصحابه شيئا من شعره ورواه عنه.

وذكره ابن سعيد فى (الحظّ الأسنى فى حلى أسنا) وقال : قال ابن أبى المنصور فى كتابه (البداية) أنشدنى لنفسه فى شمعة : وشمعة فى المنجنيق وهى فيه تشرق .. كأنّها من تحته  شمس علاها شفق ، وله أيضا فى شمعة:  وأنيسة باتت تساهر مقلتى تبكى وتورى فعل صبّ عاشق .. سرقت دموعى والتهاب جوانحى فغدا لها بالقطّ حدّ السّار ، ولد بأسنا وأقام بها مدّة وانتقل إلى قوص ثمّ مصر وتوفّى بدمشق فى المحرّم سنة خمس وعشرين وستّمائة ودفن بتربة له بدمشق “.

27 / ديوان العماد المحلي                  

من أهم أدباء المحلة في العصور الوسطى الكاتب والشاعر أبو المناقب عماد الدين حسام بن غزي بن يونس المحلي المعروف بلقب العماد المحلي ، ولد في المحلة الكبرى عام 560 هـ / 1164 م وتوفي في دمشق عام 629 هـ / 1231 م ، عمل في خدمة الملك العادل الأيوبي وكان مقربا منه حيث أرسله إلى الشام سفيرا عنه لدى الملك الظاهر الأيوبي في حلب وكانت بينهما مراسلات شعرية طريفة حيث عرف العماد المحلي بخفة الظل.

وقد ترجم له كمال الدين بن العديم في كتابه بغية الطلب في تاريخ حلب فقال   :” حسام بن غزي بن يونس المحلي أبو المناقب الشافعي المصري الفقيه ، رجل فاضل أديب فقيه كيس دمث الأخلاق كثير المروءة مطبوع النادرة خفيف الروح جيد الشعر حسن المحاضرة وكان له وجاهة بدمشق ، وسيرّة الملك العادل أبو بكر محمد بن أيوب رسولا إلى حلب إلى الملك الظاهر غازي بن يوسف بن أيوب واجتمعت به بها في مجلس شيخنا قاضي القضاة أبي المحاسن يوسف بن رافع بن تميم بمدرسته بحلب ولم يتفق لي سماع شيء منه.

ثم اجتمعت به بدمشق في جامعها سنة ثلاث وعشرين وستمائة عند توجهي إلى الحج وأنشدني عدة مقاطع من شعره وسألته عن مولده فقال لي : في حدود الستين وخمسمائة ، وبلغني أنه ولد بقوص وربي بالمحلة ، وسمع الحديث من الشيخ أبي الفتح محمود بن الصابوني ومن أبي عبد الله محمد بن يوسف بن علي الغزنوي ومن شيخنا أبي القاسم عبد الصمد ابن محمد بن الحرستاني وأبي البركات داود بن أحمد بن ملاعب وحدّث عن أبي القاسم البوصيري بشيء من حديثه.

سمعت الشيخ شرف الدين الحسين بن إبراهيم بن الحسين الإربلي قال : سمعت العماد المحلي يقول : الناس يستحقرون الفلس والفلس ينتفع به الإنسان يوما وينتفع به شهرا وينتفع به سنة وينتفع به طول العمر ، أما منفعة اليوم فيشتري به حمصا يأكله فيكفيه لقوت يومه وأنا أكتفي به وأما منفعته شهرا فيشتري به باقة كبريت ينتفع بها جميع الشهر وأما منفعته سنة فيشتري به إبرة يخيط بها سنة وأما منفعته لجميع العمر فيشتري به مسمارا يضربه في الحائط وينتفع به طول عمره.

وكان ممولا رحمه الله ويحكى عنه حكايات في البخل كان يتنادر بها ، وكان يقرض من ماله من يحتاج الى القرض من غير فائدة ويصبر بماله على المعسر وينظره ، وبلغني أن العماد حسام بن غزّى المحلي توفي بدمشق في شهر ربيع الآخر من سنة تسع وعشرين وستمائة في ليلة الاربعاء عاشر الشهر المذكور ودفن بمقابر الصوفية خارج باب النصر “.

وذكر مع الترجمة جانبا من أشعاره فقال : ” أنشدني عماد الدين حسام بن غزي المحلي لنفسه : قيل لي من هويته عبث الشعر .. بخدّيه قلت ماذاك عاره .. جمرة الخد أحرقت عنبر .. الخال فمن ذلك الدخان عذاره ، وأنشدني لنفسه مما كتبه إلى الملك العادل أبي بكر بن أيوب : قل للمليك العادل المرتجى .. مقال صدق ليس بالزور .. مملوكك العبد المحليّ قد .. شارف أن يقرأ على الدّور .. وكلما جمّع في يوسف .. أنفقه في سورة النور ، في قوله شارف أن يقرأ على الدور تورية بالقراءة على أبي عمر الدوري صاحب أبي عمرو ابن العلاء المقرئ.

وأنشدني أبو المناقب حسام بن غزي المحليّ لنفسه مدحا في جمال الدين يحيى بن يوسف بن شيخ السلامة : وقائلة من بعد يحيى بن برمك ملاذ لملهوف وكنز لمعتف .. فقلت لها إن مات يحيى فعندنا الوزير جمال الدين يحيى بن يوسف ، أنشدني عماد الدين حسام بن غزي لنفسه : أنا شاكر لمعاشري .. إذ ساء في أخلاقه .. لو كان يحسن عشرتي .. لهلكت عند فراقه ، وأنشدني لنفسه : شوقي إليكم دون أشواقكم .. لنكتة لابد ما تشرح .. لأنني عن قلبكم غائب .. وأنتم في القلب لن تبرحوا “.

وذكره ابن كثير في كتابه البداية والنهاية في وفيات سنة تسع وعشرين وستمائة فقال : ” حسام بن غزي ابن يونس عماد الدين أبو المناقب المحلي المصري ثم الدمشقي ، كان شيخا صالحا فاضلا فقيها شافعيا حسن المحاضرة وله أشعار حسنة ، قال أبو شامة : وله في معجم القوصي ترجمة حسنة ، وذكر أنه توفي عاشر ربيع الآخر ودفن بمقابر الصوفية ، قال السبط : وكان مقيما بالمدرسة الأمينية وكان لا يأكل لأحد شيئا ولا للسلطان بل إذا حضر طعاما كان معه في كمه شيء يأكله وكان لا يزال معه ألف دينار على وسطه.

وحكي عنه قال : خلع عليَّ الملك العادل ليلة طيلسانا فلما خرجت مشى بين يدي تعاط يحسبني القاضي فلما وصلت باب البريد عند دار سيف خلعت الطيلسان وجعلته في كمي وتباطأت في المشي فالتفت فلم يرو راءه أحدا فقال لي : أين القاضي ؟ ، فأشرت إلى ناحية النورية وقلت : ذهب إلى داره ، فلما أسرع إلى ناحية النورية هرولت إلى المدرسة الأمينية واسترحت منه.

قال ابن الساعي : كان مولده سنة ستين وخمسمائة وخلف أموالا كثيرة ورثتها عصبته ، قال : وكانت له معرفة حسنة بالأخبار والتواريخ وأيام الناس مع دين وصلاح وورع ، وأورد له ابن الساعي قطعا من شعره فمن ذلك قوله : قيل لي من هويت قد عبث الشـعرَ في خديه قلت ما ذاك عارهْ .. حمرة الخد أحرقت عنبر الخال فمن ذاك الدخان عذارهْ ، وله : شوقي إليكم دون أشواقكم .. لكن لا بد أن يشرحُ .. لأنني عن قلبكم غائبٌ .. وأنتم في القلب لن تبرحوا “.

وذكره سبط ابن الجوزي في كتابه (مرآة الزمان في تواريخ الأعيان) فقال : ” العماد المَحَلَّي الفقيه الشَّافعي كان مقيمًا بالمدرسة الأمينية وقيل اسمه حسام بن غُزِّي بن يونس وإنما اشتهر بالعماد ، وكان فاضلًا حافظًا للحكايات والأشعار والنَّوادر ، وكان لا يأكل لأحدٍ شيئًا وإذا حضر وليمة كان زاده في كُمِّه ولو أنه عند السُّلْطان وكان على وسطه ألفُ دينار لا تفارقه أبدًا.

حكى لي قال : دخلتُ ليلةً إلى العادل في قلعة دمشق فخلع عليَّ خِلْعة بطَيْلَسان فخرجت في الليل وإذا بنفَّاط قائم وبيده مشعل فلما رأى طيلساني ظنَّ أنني القاضي فمشى بين يدي بالمشعل فمشيتُ إلى باب البريد أريد الأمينية ، فلما وصلتُ إلى دار سيف أخذتُ الطَّيلسان فجعلته في كُمِّي وقصَّرت في المشي فالتفت النفَّاط فما رأى الطَّيلسان فقال : يا سيدي أين مشى القاضي ؟ ، فأشرتُ إلى ناحية مدرسة نور الدين وقلتُ: داره عند المدرسة ، فمضى عني وخلصت منه ودخلت الأمينية.

وكانت وفاته في ربيع الآخر ودفن عند مقابر الصوفية وقيل مات سنة تسع وعشرين “.

وذكره الحافظ المنذري في كتابه (التكملة لوفيات النقلة) وذلك في وفيات سنة تسع وعشرين وستمائة فقال : ” في شهر ربيع الأول توفي الفقيه الأجل أبو المناقب حسام بن غزي بن يونس الشافعي المعروف بالعماد المحلي بدمشق ، تفقه على مذهب الإمام الشافعي – رضي الله عنه – على الفقيه أبي الفتح محمد بن محمود الطوسي المنعوت بالشهاب بمصر وسمع من أبي القاسم هبة الله بن علي بن سعود الأنصاري البوصيري ، وسكن دمشق مدة وحدث بها عن البوصيري وعن أبي يعقوب يوسف بن هبة الله ابن الطفيل ، وكان متأدبا فاضلا كثير المحفوظات والنوادر  ولنا منه إجازة “.

وذكره أبو شامة في كتابه (المذيل على الروضتين) فقال : ” ثم دخلت سنة تسع وعشرين وستمائة وأنا بالإسكندرية في خلافة المستنصر بن الظاهر بن الناصر وسلطان دمشق الأشرف بن العادل وفي الديار المصرية أخوه الكامل بن العادل ، ففيها رجعت إلى دمشق في سابع ربيع الآخر فوجدت العماد المحلي مريضا ومات في تلك الأيام يوم الأربعاء عاشر شهر ربيع الآخر واسمه حسام بن غزي بن يونس وكنيته أبو المناقب ، ومولده بقوص ومرباه بالمحلة من البلاد الغربية بالديار المصرية ، وكان ظريفا شاعرا حسن المحاضرة ودفن في مقابر الصوفية حضرت دفنه وله ترجمة حسنة في معجم القوصي “.

وذكره ابن خلكان في وفيات الأعيان فقال : ” وكنت وقفت على بيتين للعماد المحلي المذكور أيضاً أنشدنيهما عنه جماعة وهما : قيل لي من هويت قد عبث الشعر بخديه قلت ما ذاك عاره .. جمرة الخد أحرقت عنبر الخل فمن ذلك الدخان عذاره ، وسنح لي عليهما مؤاخذة مثل المؤاخذة المذكورة ، وهي أنه لما قيل له إن الشعر عبث بخديه ما أنكر ذلك بل قال : (ما ذاك عذاره) ، فقد وافق على أنه شعر ، غاية ما في الباب أنه قال هذا الشعر ما هو عاره ، فكيف يقول بعد هذا (جمرة الخد أحرقت عنبر الخال) إلى آخره فجعل العذار دخان العنبر ، وأين دخان العنبر من الشعر بل كان ينبغي أن يقول لهم : هذا ما هو شعر بل هو دخان العنبر حتى يتم له المعنى ..

وأما العماد المحلي فإنه كان أديباً لطيفاً على ما يحكى عنه من النوادر وله نظم مليح في المقطعات دون القصائد وكان يحفظ المقامات وشرحها ، وتوفي ليلة الأربعاء عاشر شهر ربيع الأول سنة تسع وستمائة بدمشق ودفن بمقابر الصوفية وعرف بابن الجمال وولد في سنة ستين وخمسمائة تقديراً بقوص ونشأ بالمحلة فنسب إليها “.

وذكره الصفدي في الوافي بالوفيات فقال : ” المحلّي .. حسام بن عزِّ بن يُونُس الْفَقِيه عماد الدّين أَبُو المناقب الْمصْرِيّ المحلّي الشَّافِعِي الأديب ، تفقّه على الإِمَام شهَاب الدّين مُحَمَّد بن مَحْمُود الطوسي وَسمع من البوصيري وَغَيره ، وَأقَام بِدِمَشْق مُدَّة وَتُوفِّي بهَا سنة تسع وَعشْرين وستمئة وَكَانَ كثير الْمَحْفُوظ حسن المحاضرة وترسَّل عَن الْعَادِل الْكَبِير إِلَى شرف الدّين مَحْمُود إِلَى بِلَاد الكرج.

وَمن شعره من الْخَفِيف قيل لي : من تحبُّه عَبث الشّعْر بخدّيه قلت مَا ذَاك عاره .. جمر خديه أحرقت عنبر الْخَال فَمن ذَلِك الدُّخان عذاره ، نقلت من خطاب شهَاب الدّين القوصي فِي مُعْجَمه قَالَ أَنْشدني الإِمَام عماد الدّين لنَفسِهِ فِي الشَّيب من الْخَفِيف : لعب الشيب فِي عِذَارَيْ بالشطرنج .. لعباً مَا تشتهيه النُّفُوس .. ثمَّ مَا زَالَ قَائِم الدست حتّى .. غلب العاج فأنثنى الآبنوس “.

28 / الإفادة والاعتبار

موفق الدين البغدادي هو أديب وطبيب ورحالة وفيلسوف ولد في بغداد عام 557 هـ / 1162 م وتوفي فيها عام 629 هـ / 1231 م ، وقد رحل إلى بلاد الشام واتصل بالأيوبيين والتقى القاضي الفاضل في معسكر السلطان صلاح الدين بظاهر مدينة عكا ، وأعطاه القاضي الفاضل رسالة توصية إلى نائبه في مصر هبة الله بن سناء الملك فرحل إليها ثم عاد إلى الشام لمقابلة السلطان صلاح الدين ثم عاد مرة أخرى إلى مصر بعد وفاة صلاح الدين وعمل بالتدريس في الأزهر حيث قضى فيها ثلاث سنوات من 595 هـ إلى 598 هـ وعايش فترة من القحط والغلاء والوباء التي مرت على البلاد.

وقد سجل رحلته إلى مصر وما شاهده فيها في كتابه الشهير (الإفادة والاعتبار في الأمور المشاهدة والحوادث المعانية بأرض مصر) وقد ذاعت شهرته وترجم إلى عدة لغات أوروبية ، وقد ذكر فيه ملامح العمران وأحوال المجتمع وخواص مصر العامة الجغرافية والبيئية وما تختص به من النبات والحيوان وما فيها من الآثار القديمة مثل الأهرام وأبي الهول والمسلات والمعابد في مصر العليا ومنارة الإسكندرية وعمود السواري فضلا عن تسجيل الأحداث التي مرت به في القاهرة والفسطاط.

ومن أهم ما كتبه فصل خاص بالعمران وتنظيم الصرف الصحي والحمامات وبناء السفن حيث يقول : ” الفصل الخامس : فيما شوهد بها من غرائب الأبنية والسفن .. وأما أبنيتهم ففيها هندسة بارعة وترتيب في الغاية حتى أنهم قلما يتركون مكانا غفلا خاليا عن مصلحة ودورهم أفيح وغالب سكناهم في الأعالي ويجعلون منافذ منازلهم تلقاء الشمال والرياح الطيبة ، وقلما تجد منزلا إلّا وتجد فيه باذاهيج وباذاهيجاتهم كبار واسطة للريح عليها تسلط ويحكمونها غاية الإحكام حتى أنه يقوم على عمارة الواحد منها مائة دينار إلى خمسمائة وإن كانت بإذاهيجات المنازل الصغار يغرم على الواحد منها دينار وأسواقهم وشوارعهم واسعة وأبنيتهم شاهقة ويبنون بالحجر النحيت والطوب الأحمر وهو الآجر، شكل طوبهم على نصف طوب العراق.

ويحكمون قنوات المراحيض حتى أنه تخرب الدار والقناة قائمة ويحفرون الكنف إلى المعين فتغير عليها برهة من الدهر طويلة ولا يفتقر إلى كسح ، وإذا أرادوا بناء رَبع أو دار ملكية أو قيسارية استحضر المهندس وفُوِّض إليه العمل فيعمد إلى العرصة وهي تل تراب أو نحوه فيقسمها في ذهنه ويرتبها بحسب ما يقترح عليه ثم يعمد إلى جزءٍ جزءٍ من تلك العرصة فيعمره ويكمله بحيث ينتفع به على انفراده ويسكن ثم يعمد إلى جزء آخر ولا يزال كذلك حتى تكمل الجملة بكمال الأجزاء من غير خلل ولا استدراك.

وأما المسناة فيسمونها الرزينة ولهم في بنائها إتقان حسن ، وصفته أن يحفر الأساس حتى تظهر النداوة وثرير الماء فحينئذ يوضع ملبن من خشب الجمَّيز أو نحوه على تلك الأرض الندية بعد ما تُمهَّد ويكون عرضه نحو ثلثي ذراع وقطر حلقته نحو ذراعين مثل الذي يُجعل في قعر الآبار ، ثم يُبنى عليه بالطوب والجير نحو قامتين فيصير بمنزلة التنور فيأتي الغواصون وينزلون هذه البير يحفرونها.

وكلّما نبَع الماء نزحوهُ من الطين والرمل ويحفرون أيضا تحت ذلك الملبن فكلما تخلخل ما تحته وثقل بما عليه من البناء نزل وكلما غاصوا عليه وحفروا تحته والبنّاء في أثناء ذلك يبني عليه ويرفعه ، ولا يزال البنّاء يرفع والفاعل تحته يحفر وهو بثقله يغوص حتى يستقر على أرض جلدة ويصل إلى الجد الذي يعرفونه فحينئذ ينتقلون إلى عمل آخر مثله على سمته وعلى بعد أربع أذرع منه أو نحوها ، ولا يزالون يفعلون ذلك في جميع طول الأساس المفروض ثم يبنون الأساس كالعادة بعد ردم هذه الآبار فترجع أوتادا راسية للبناء وعمدا تدعمه وتوثقه.

وأما حمّاماتهم فلم أشاهد في البلاد أتقن منها وصفا ولا أتمّ حكمة ولا أحسن منظرا ومخبرا ، أما أوّلا فإنّ أحواضها يسع الواحد منها ما بين روايتين إلى أربع روايا وأكثر من ذلك يصب فيه ميزابان ثجّاجان حارٌ وبارد وقبل ذلك يصبّان في حوضٍ صغير جدا مرتفع فإذا اختلطا فيه جرى منه إلى الحوض الكبير وهذا الحوض نحو ربعه فوق الأرض وسائره في عمقها ينزل إليه المستحمّ فيستنقع فيه.

وداخل الحمّام مقاصير بأبواب وفي المسلح أيضا مقاصير لأرباب التخصص حتى لا يختلطوا بالعوام ولا يظهروا على عوراتهم وهذا المسلح بمقاصيره حسَن القسمة مليح البنية وفي وسطه بركة مرخّمة وعليها أعمدة وقبة ، وجميع ذلك مُزوّق السقوف مُفوّف الجدران مُبيّضا مرخّم الأرضِ بأصناف الرخام مجزع باختلاف ألوانه وترخيم الداخل يكون أبدا أحسن من ترخيم الخارج وهو مع ذلك كثير الضياء مرتفع الازاج جاماته مختلفة الألوان ضافية الأصباغ بحيث إذا دخله الإنسان لم يؤثِر الخروج منه، لأنه إذا بالغ بعض الرؤساء في أن يتّخذ داراً لجلوسه وتناهى في ذلك لم تكن أحسن منه.

وفي موقده حكمةٌ عجيبة وذلك أن يتخذ بيت النار وعليه قبة مفتوحة بحيث يصل إليها لسان النار ويُصفُّ على أفاريزها أربع قدور رصاص كقدور الهراس لكنها أكبر منها ، وتتصل هذه القدور قرب أعاليها بمجارٍ من أنابيب فيدخل الماء من مجرى البير إلى فسقية عظيمة ثم منها إلى القدر الأولى فيكون فيها باردا على حاله ثم يجري منها إلى الثانية فيسخن قليلا ثم إلى الثالثة فيسخن أكثر من ذلك ثم إلى الرابعة فيتناهى حره ثم يخرج من الرابعة إلى مجاري الحمام فلا يزال الماء جاريا وحارا بأيسر كلفة وأهون سعي وأقصر زمان ، وهذا العمل حاكوا به فعل الطبيعة في بطون الحيوان وطبخها الغذاء فإن الغذاء يتنقل في الأمعاء وآلات الغذاء التي هي لكلِّ حيوان وكلما صار الغذاء إلى مصير حصل على صنفٍ من الهضم ومقدارٍ من النضج حتى يصل إلى المعاء الأخير وقد تناهى.

واعلم أن هذه القدور كل حين تحتاج إلى تجديد ما ينقصها فتوجد القدر الأولى التي هي وعاء البارد قد نقصت أكثر من نقصان القدر التي هي وعاء الحار بمقدارين ولذلك علة طبيعية ليس هذا موضعها ، ويفرشون أرض الأتون التي هي مقرّ النار بنحو خمسين أردبا مِلحا وهكذا يفعلون بأرض الأفران لأن الملح من طبعه حفظ الحرارة.

وأما سفنهم فكثيرة الأصناف والأشكال ، وأغرب ما رأيت فيها مركب يسمونها العشري شكله شكل شبارة داخلة إلّا أنه أوسع منها بكثير وأطول وأحسن هنداما وشكلا قد سُطِّح بألواحٍ من خشب ثمينة محكمة وأخرج منها أفاريز كالرواشن نحو ذراعين ، وبني فوق هذا السطح بيت من خشب وعقد عليه قبة وفتح له طاقات ورواذن بأبواب إلى البحر من سائر جهاته ثم تعمل في هذا البيت خزانة مفردة ومرحاض ثم يزوق بأصناف الأصباغ ويدهن بأحسن دهان.

وهذا يُتّخذ للملوك والرؤساء بحيث يكون الرئيس جالسا في وسادته وخواصّه حوله والغلمان والمماليك قيام بالمناطق والسيوف على تلك الرواشن وأطعمتهم وحوائجهم في قعر المركب ، والملاحون تحت السطح أيضا وفي باقي المركب يقذفون به لا يعلمون شيئا من أحوال الركّاب ولا الركّاب تشتغل خواطرُهم بهم كل فريق بمعزِلٍ عن الآخر ومشغولٌ بما هو بصدده ، وإذا أراد الرئيس الاختلاء بنفسه عن أصحابه دخل المخدع وإذا أراد قضاء حاجته دخل المرحاض.

والملاحون بمصر يقذفون إلى ورائهم فهم في قذفهم يشبهون الحبالين في مشيهم القهقرى ويشبهون في تحريكهم السفن من يجذب ثقلا بين يديه ويمشي به إلى خلفه ، وأما ملاحو العراق فهم بمنزلة من يدفع الثقل أمامه ويدسر به فسفنهم تتوجه حيث الملاح متجه وأما سفن مصر فهي تتحرك إلى ضد الجهة التي إليها الملاح متوجِّه ، وأما أي الحالتين أسهل والبرهان عليها فموضعه العلم الطبيعي وعلم تحريك الأثقال “.

وقد ترجم له ياقوت الحموي في معجم الأدباء فقال : ” عبد اللطيف بن يوسف بن محمد بن علي الموصلي البغدادي موفق الدين الأديب الحكيم المتكلم الفيلسوف أبو محمد المعروف قديما بابن اللبان ولقبه تاج الدين الكندي بالجدي المطجن لرقة وجهه وتجعده ويبسه ؛ ولد ببغداد سنة تسع وخمسين وخمسمائة وأسمعه والداه الكثير في صباه من أبي الفتح ابن البطي وأبي زرعة طاهر بن محمد بن طاهر المقدسي.

وقرأ العربية على ابن الانباري وصحب أبا النجيب الضرير النحوي وبرع في النحو وتميز على أقرأنه وقرأ الطب والحكمة وكان يكتب خطا مليحا ، وسافر إلى الشام ودخل مصر ولقي قبولا وقرأ الناس عليه الأدب والطب ودخل بلاد الروم وأقام بها مدة وكان يطبب ملكها ولما توفي الملك عاد إلى حلب وحدث بها ، وحجّ وأقام ببغداد مريضا بعلة الذرب.

لبس الخرقة من ضياء الدين أبي النجيب عبد القاهر السهروردي وقرأ على الشيخ الحسن بن علي بن عبيدة الكرخي وكان دميم الخلقة نحيلها قليل لحم الوجه ، وذكره الفاضل في رسالة كتبها إلى الوزير نجم الدين بن المجاور يقول فيها في حق الشيخ موفق الدين : أديب ملأ فنه الأسماع وفاضل لا بأخبار الآحاد ولكن بتواطؤ الاجماع عينه فراره وفي لسانه من العبارة عياره وفي قلبه من الذكاء ناره.

وله من التصانيف : كتاب غريب الحديث وكتاب الواضحة في الفاتحة وشرح بانت سعاد وذيل الفصيح وخمس مسائل نحوية وشرح مقدمة ابن بابشاذ وشرح الخطب النباتية وشرح سبعين حديثا وشرح أربعين حديثا طبية والرد على فخر الدين الرازي في تفسير سورة الإخلاص وكتاب شرح نقد الشعر لقدامة وكتاب قوانين البلاغة وكتاب الانصاف بين ابن بري وابن الخشاب في كلامهما على المقامات وكتاب قبسة العجلان في النحو وكتاب اختصار العمدة لابن رشيق.

وكتاب أخبار مصر (الكبير) وكتاب الافادة في أخبار مصر ومقالة في الرد على اليهود والنصارى ومقالة في النفس ومقالة في العطش وكتابه في العلم الإلهي وكتاب الجامع الكبير في المنطق والطبيعي والإلهي واختصار مادة البقاء للتميمي وكتاب بلغة الحكيم واختصار كتاب النبات واختصار كتاب الحيوان لأرسطاطاليس واختصر كتبا كثيرة في الطب وله كتاب يتضمن سيرته وغير ذلك كثير “.

29 / ديوان ابن جبارة المحلي                  

الأديب والنحوي والكاتب والشاعر والفقيه وقاضي قضاة المحلة في العصر الأيوبي أبو الحسن شرف الدين علي بن إسماعيل بن إبراهيم بن جبارة التجيبي الكندي ، ولد في سخا عام 554 هـ وعاش حياته كلها في المحلة الكبرى متوليا لأعمالها وسكن فيها هو أولاده وذريته من بعده وتوفي في القاهرة عام 632 هـ ، ويرجع في أصوله إلى قبيلة تجيب وهي فرع من كندة وهي إحدى القبائل الأربع التي أسست الفسطاط. ، وله شطر بيت اشتهر به بين الشعراء وهو قوله : ونهيت قلبي عن هواه فما انتهى.

وقد ترجم له الصفدي في كتابه الوافي بالوفيات وذكر جانبا من أشعاره ومساجلاته مع الشاعر ابن سناء الملك فقال : ” شرف الدّين بن جبارَة عَليّ بن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم بن جبارَة القَاضِي الرئيس شرف الدّين أَبُو الْحسن الْكِنْدِيّ التجِيبِي السخاوي المولد الْمحلي الدَّار النَّحْوِيّ الْمَالِكِي الْعدْل حدث عَن السلَفِي وَسمع من ابْن عَوْف وَأبي عبد الله الْحَضْرَمِيّ وَأبي طَالب أَحْمد بن الْمُسلم التنوخي والشريف أبي عَليّ مُحَمَّد بن أسعد الجواني وَغَيرهم.

مولده سنة أَربع وَخمسين وَخَمْسمِائة تَقْرِيبًا وَتُوفِّي سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة قَالَ ابْن مسدي ذكر لي انه من أَوْلَاد عبد الرَّحْمَن بن الْأَشْعَث وَكَانَ أديبا نحويا وشاعرا ذكيا مَشْهُور الْأَصَالَة مَذْكُورا بِالْعَدَالَةِ وَكَانَ فِي نظر الدِّيوَان وتلبس بِخِدْمَة السُّلْطَان وَكَانَ بالمحلة وأعمالها متصرفا ومصرفا لأشغالها واتخذها دَارا ولأولاده قرارا فَلَمَّا كف بَصَره فِي آخر عمره لزم دَاره بِالْقَاهِرَةِ وَكَانَت مُنْقَطع أَثَره.

 وَقَالَ أنشدنا لنَفسِهِ (من السَّرِيع)  : خاطر بهَا إِمَّا ردى أَو وُرُود … فَهَذِهِ نجد وَهَذَا زرود .. قد حكم الْبَين بإسراعها .. والوجد والدمع عَلَيْهَا شُهُود .. قَلَائِص تحمل أكوارها .. أشباح أَشْيَاخ عَلَيْهَا همود.

قلت لَهُ كتاب نظم الدّرّ فِي نقد الشّعْر قصره على مؤخذات ابْن سناء الْملك وأجاد من بَعْضهَا وتعنت زَائِدا فِي بَعْضهَا قَالَ فِي أَوله بَعْدَمَا ذكر ابْن سناء الْملك وغض مِنْهُ وَقد كنت اجْتمعت بِهِ عِنْد استيطاني بِمصْر فرأيته معجبا بِشعرِهِ مُتَقَلِّدًا بعقود دره وراسلته دفعات ورادفته مَرَّات فَامْتنعَ فِي الْإِجَابَة وَرَأى الصمت من الْإِصَابَة وَلم يكن ذَلِك إِلَّا لعسر بديهته وَمَا هُوَ مجبول عَلَيْهِ من رُؤْيَته.

وَمن جملَة مَا سيرته إِلَيْهِ أنني أهديت إِلَيْهِ شَهدا وكتبت (من الْبَسِيط) : أهديت مَا كالمرآة فِي نسق .. لسَيِّد ذكره قد شاع فِي الْأُفق .. فَتلك يبصر فِيهَا حسن صورته .. وَذَا يرى فِيهِ طعما طِينَة الْخلق ، فَأجَاب وقف على الرقعة الْكَرِيمَة وَقبل الْمِنَّة الجسيمة وَلَا ننشده إِلَّا مَا قَالَه صديقنا الْحكمِي (من الْبَسِيط) : إِنِّي ووصفي من حسن محاسنها .. مثل الَّذِي قَالَ مَا أحلاك يَا عسل.

وسيرت إِلَيْهِ بعد ذَلِك دجاجا وَمَعَهَا ديك وكتبت إِلَيْهِ (من السَّرِيع) : يَا فَاضلا نغرف من بحره .. وماجدا نَأْخُذ من بره .. لم يعد مملوكك يَا سَيِّدي .. مَا عده بشار فِي شعره ، وَالَّذِي عده بشار قَوْله (من مجزوء الوافر) : ربابة ربة الْبَيْت .. تصب الْخلّ فِي الزَّيْت .. لَهَا سبع دجاجات .. وديك حسن الصَّوْت ، فَأجَاب : لم يكف سيدنَا الْمَنّ بالمس .. حَتَّى أتبعه السلوى من الطَّائِر.

وَلم أستطع أَن أُجِيبهُ بِشعر لأنني تَأَمَّلت شعره علمت أَنِّي لست بشاعر قلت مَا كَانَ بَان سناء الْملك مِمَّن تعجزه الْمُرَاجَعَة وَلَا المحاورة وَهُوَ مَا هُوَ وَمن عرف كَلَام الرجلَيْن علم الْفرق بَين الصَّقْر وَالْعين وَأَيْنَ من أَيْن وَالَّذِي أرَاهُ أَن ابْن سناء الْملك ترفع عَن إِجَابَة شعرًا.

نقلت من خطّ شهَاب الدّين القوصي فِي مُعْجَمه قَالَ أَنْشدني شرف الدّين عَليّ بن جبارَة السخاوي لنَفسِهِ على وزن الْبَيْتَيْنِ الْمُتَقَدِّمين وهما (من الْكَامِل) : يَا قلب وَيحك خُنْتنِي وفعلتها .. وحللت عقدَة تَوْبَتِي ونكثتها .. يَا عين أَنْت بليتي يَا جفنها .. لم لَاعن الْوَجْه الْمليح سترتها.

وأبيات ابْن جبارَة (من الْكَامِل) : مَا للنصيحة فِي الغرام بذلتها .. يَا عاذلي وحسرت حَتَّى قلتهَا .. أوما علمت وَمَا تُرِيدُ زِيَادَة .. أَن النَّصِيحَة فِي الْهوى لَا تشْتَهى .. نهنهت دمعي عَن ثراه فَمَا هدا .. ونهيت قلبِي عَن هَوَاهُ فَمَا انْتهى .. أَو لم تخف لَهب الزَّفِير بمهجتي .. إسرارها إِذْ أودعتك أذعتها.

وذكره الذهبي في تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام في وفيات سنة 632 هـ فقال : ” علي بن إسماعيل بن إبراهيم بن جبارة ، القاضي الرئيس شرف الدين أبو الحسن الكندي التجيبي السخاوي المولد المحلي الدار النحوي المالكي العدل ، ولد في أول سنة أربع وخمسين وحدث عن السلفي وتوفي بالقاهرة في خامس ذي الحجة ؛ قاله الحافظ المنذري وروى عنه هو وشيخنا التاج الغرافي ، وكان من أئمة العلم أضر بأخرةٍ ، نظر في الديوان وخدم الدولة بالمحلة وله ديوان شعرٍ كبير وكان يقرئ النحو.

قرأت على علي بن أحمد الهاشمي : أخبرك الأديب شرف الدين علي بن إسماعيل بالقاهرة قال : أخبرنا أبو طاهرٍ السلفي ، قال : أخبرنا أبو الحسين الصيرفي ، قال : أخبرنا محمد بن علي الصوري ، قال : أخبرنا ابن النحاس ، قال : أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد الحراني ، قال : حدثنا هاشم بن مرثد ، قال : حدثنا المعافى ، قال : حدثنا موسى بن أعين عن عبد الله عن الأعمش عن أبي صالحٍ عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال : تجوزوا في الصلاة فإن خلفكم الضعيف والكبير وذا الحاجة “.

وذكره الحافظ زكي الدين المنذري في كتابه التكملة على وفيات النقلة في وفيات سنة 632 هـ وذكر أنه قد سمع منه فقال : ” وفي ليلة الخامس من ذي الحجة توفي القاضي الأجل أبو الحسن علي بن إسماعيل بن إبراهيم بن جبارة الكندي التجيبي النحوي السخاوي المولد المحلي الدار المالكي العدل المنعوت بالشرف ، بالقاهرة ودفن من الغد.

سمع بالإسكندرية من الحافظ أبي طاهر أحمد بن محمد بن أحمد الأصبهاني وتأدب وقال الشعر وتقلب في الخدم الديوانية بمصر وغيرها وأقرأ النحو مدة وحدث ، سمعت منه وسألته عن مولده فقال : في الثاني والعشرين من المحرم سنة أربع وخمسين وخمس مئة بسخا ، وجبارة : بضم الجيم وفتح الباء الموحدة وبعد الألف راء مهملة مفتوحة وتاء تأنيث “.

وقد نقل شهاب الدين القوصي في معجمه جملة من قصائد ديوانه منها قصيدة في مدح الوزير ابن شكر بدأها على عادة العرب بالغزل والشكوى من هجر الحبيب حيث جاء في الكتاب : ” وأنشدني القاضي شرف الدين أبو الحسين علي بن إسماعيل بن إبراهيم بن جبارة بن يوسف السخاوي رحمه الله لنفسه يمدح الوزير الصاحب صفي الدين ابن شكر رحمه الله من قصيدة طويلة (من الكامل) :

طيف لها بعثت به ليراني .. فيما أكِنُ فنا اهتدى لمكاني .. وهبوه قد وهبوه فكرة عالم .. عني فأين النوم من أجفاني .. بأبي التي صدرت وصانت وصلها .. من أن تلامسه يد النقصان .. وسخت بطيف خيالها لما رأت .. أن السقام لمقلة الولهان .. ماثلتها بالبدر فازدادت بما .. قد قلته غضبا فجن جناني .. قالت تشبهني ببدر آفل .. أنا في الزيادة وهو في النقصان .. ما لي أكرر ذكرها وحديثها .. ومتى خطُرتُ ببالها تنساني .. حكم الهوى أني أذل لعزها .. وأطيعها وتلج في عصياني .. وأريدها وتردني عن مطلبي .. فيبين منها الربح في خسراني .. لم أتلُ فيها سورة (اقتربت) هوى .. إلا تلت هي سورة (الفرقان) .. حفظت أحاديث الصدود قديمة .. حتى غدت علامة الهجران .. رضيت وقد راض الهوى أخلاقها .. لله ما أحلى رضى الغضبان “.

30 / ديوان ابن الفارض الحموي                       

هو أبو حفص شرف الدين عمر بن علي بن مرشد الحموي أحد أشهر الشعراء المتصوفين وكانت أشعاره متعمقة في العشق الإلهي حتى أنه لقب بلقب سلطان العاشقين ، ترجع أصوله إلى مدينة حماه التي هاجر منها والده علي بن مرشد الحموي إلى مصر في زمن الحروب الصليبية ولقب بلقب الفارض من وظيفته في تنفيذ أحكام القضاء وضبط الفروض (الحقوق والمهور والمواريث) ، ونشأ ابنه في كنفه بمصر.

ولد بالقاهرة عام 576 هـ / 1181 م وتوفي فيها عام 632 هـ / 1234 م ودفن بجوار جبل المقطم في مسجده المعروف ، ونقل ابن العماد عن المناوي قوله (فكان في أول أمره مستقيم السيرة ذا صيانة وقناعة وورع وعبادة ثم حبب إليه سلوك طريق الصوفية فتزهد وتجرد وصار يأوي إلى المساجد المهجورة والأماكن الخربة وأطراف جبل المقطم كما كان يأوي إلى بعض الأودية ثم يعود إلى والده بين وقت وآخر ثم يرجع إلى خلوته).

اشتغل أول الأمر بفقه الشافعية وأخذ الحديث عن ابن عساكر ثم سلك طريق الصوفية ومال إلى الزهد حيث رحل إلى مكة في غير أشهر الحج واعتزل في واد بعيد عنها ، وفي عزلته تلك نظم معظم أشعاره في الحب الإلهي حيث كانت تلك العزلة هي المنبع الذي فاضت منه معظم أشعاره إذ أتاحت له تأمل أحوال نفسه والغوص في الخيال البعيد وأسرار الملكوت وأنتج عددا كبيرا من القصائد من أشهرهم التائية.

وبعد أن أنهى عزلته عاد إلى مصر بعد خمسة عشر عاماً فأقام بقاعة الخطابة بالجامع الأزهر فقصده الناس بالزيارة ومعهم بعض كبار الدولة مما أجله في أعين العامة والخاصة واشتهرت أشعاره بين المتصوفة وصارت من جملة الذكر عندهم ، يقول ابن حجر : (كان له صورة كبيرة عند الناس) ، وقال عنه جبران (كاهن في هيكل الفكر المطلق .. أمير في دولة الخيال الواسع .. قائد في جيش المتصوفة العظيم).

ويقول عنه الدكتور زكي مبارك في كتابه التصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق بعد أن وصف شعره البليغ بدقة وتمعن (والحق أن ابن الفارض شخصية فريدة بين شعراء مصر، وقد اشتركت في تكوينه ثلاث بقاع : الشام وفيها أصله والحجاز وإليه حنينه ومصر وفيها مقامه ، فهو شاعر مصر والشام والحجاز وله في هذه الأقطار الثلاثة محبون يرونه مترجمًا لأدق ما يضمرون من نوازع القلب والوجدان).

وقد اشتهرت مجموعة أشعاره باسم (البحر الفائض في ديوان ابن الفارض) ومن أهمها القصيدة التائية التي اشتهرت باسم (نظم السلوك) ، ويقع ديوانه في مائتي صفحة تقريبا ويضم ثلاثين قصيدة كبيرة مرتبة على حروف الهجاء بالإضافة إلى عدد من المقطعات الشعرية الصغيرة والألغاز والمواليا والدوبيت (وهي أنماط من الشعر تشبه الرباعيات وتتنوع في موضوعاتها ما بين الفكاهة والتأمل والوصف وتميل إلى الشعر الغنائي والإنشاد).

وقد ذكره الفاسي في كتابه طبقات الشاذلية الكبرى فقال : ” العارف بالله تعالى سلطان العاشقين وملاذُ أهل التمكين ومرّبي الفقراء والمريدين وموصلهم إلى مقامات الإنزال والتمكين الأستاذ شرف الدين أبو حفص عمر السعدي المحمَّدي الهاشمي المعروف بابن الفارض قدّس الله سره وأفاض علينا برَّه ، كان رضي الله عنه ونفع به معتدلَ القامة وجهُهُ جميل حسن مُشرب بحمرة ظاهرة وإذا استمعَ وتواجَدَ وغلبَ عليه الحالُ يزداد وجهُهُ جمالًا ونورًا وينحدر العرقُ من سائر جسده، حتى يسيل تحت قدميه على الأرض.

وكان عليه نورُ حياءٍ وبهجة وجلالة وهيبة ، وكان إذا مشى في المدينة تزدحمُ الناس عليه ويلتمسون منه البركةَ والدعاء ويقصدون تقبيل يده، فلا يمكّن أحدًا من ذلك بل يصافحه وكانت ثيابه حسنةً ورائحته طيبة ، وكان إذا حضر في مجلس يظهر على ذلك المجلس سكونٌ وهيبة وسكينة ووقار وكان يحضر مجلسَه مشايخ الفقهاء والفقراء وأكابرُ الدولة من الأمراء والوزراء والقضاة ورؤساء الناس وهم في غاية ما يكون من الأدب معه والاتضاع له وإذا خاطبوه فكأنهم يُخاطبون ملكًا عظيمًا ، وكان يُنفق على من يزوره نفقةً متَّسعةً ويُعطي من يده عطاء جزيلًا ولم يكن يتسبَّبُ في تحصيلِ شيءٍ من الدنيا ولا يقبلُ من أحدٍ شيئًا.

قال ولده سيدي جمال الدين محمد رحمه الله : سمعتُ والدي يقول : كنت في أول تجريدي أَستأذنُ أبي وأطلع إلى وادي المستضعفين بالجبل الثاني من المقطَّم وآوي فيه وأُقيم في هذه السياحة ليلًا ونهارًا ثم أعودُ إلى والدي لأجل برِّه ومراعاة قلبه ، وكان والدي يومئذٍ خليفةَ الحكم للعزيز بالقاهرة ومصر المحروستين وكان من أكابر أهل العلم والعمل فيجد سرورًا برجوعي إليه ويُلزمني بالجلوس معه في مجالس الحكم ومَدارس العلم ، ثم أَشتاقُ إلى التجريد فأستأذنه وأعود إلى السياحة وما برحتُ أفعل ذلك مرةً بعد مرة إلى أن توفّي والدي ، وكان قبلَ وفاته قد اعتزلَ الحكم واعتزل الناس وانقطعَ للعبادة إلى الله تعالى بقاعة الخطابة في الجامع الأزهر زمانًا ، وبعد وفاته عاودتُ التجريد والسياحة وسلوَكَ طريق الحقيقة ..

قال ولدُ الشيخ رضى الله عنه : كنتُ أرى والدي في غالب الأوقات دهشًا وبصرُه شاخصًا لا يسمعُ من يكلِّمُه ولا يراه ، فتارة يكون واقفًا وتارة يكون قاعدًا وتارة يكون مضطجعًا على جنبيه وتارة يكون مُستلقيًا على ظهره مغطّى كالميت ، يمرُّ عليه عشرةُ أيام مُتواصلة وأقل من ذلك وأكثر وهو على هذه الحالة ولا يأكلُ ولا يشرب ولا يتكلَّم ولا يتحرَّكُ ثم يستفيقُ وينبعثُ من هذه الغيبة ويكون أول كلامه أنه يُملي من القصيدة (نظم السلوك) ما فتحَ اللهُ عليه ، وهذه القصيدة الغرَّاء والفريدةُ الزهراء التي  تكادُ تخرج عن طوق وسمع البشر ألفاظًا ومعاني هي التي أولها : نعم بالصبا قلبي صَبا لأحبَّتي .. فيا حبذَا ذاك الشَّذا حين هَّبتِ “.

وذكر الزركلي في الأعلام علاقته بالملك الكامل نقلا عن المناوي فقال : ” وقصده الناس بالزيارة حتى أن الملك الكامل كان ينزل لزيارته ، وكان جميلا نبيلا حسن الهيئة والملبس حسن الصحبة والعشرة رقيق الطبع فصيح العبارة سلس القياد سخيا جوادا ، وكان أيام ارتفاع النيل يتردد إلى مسجد في (الروضة) يعرف بالمشتهى ويحب مشاهدة البحر في المساء وكان يعشق مطلق الجمال ، ونقل المناوي عن القوصي أنه كانت للشيخ جوار بالبهنسا يذهب إليهن فيغنين له بالدف والشبابة وهو يرقص ويتواجد ، قال المناوي : ولكل قوم مشرب ولكل مطلب وليس سماع الفساق كسماع سلطان العشاق “.

وذكر ابن حجر العسقلاني قصة السماع وضرب الدفوف في كتابه لسان الميزان حيث يقول : ” ورأيت في كتاب التوحيد للشيخ عبد القادر القوصي قال حكى لي الشيخ عبد العزيز بن عبد الغني المنوفي قال كنت بجامع مصر وابن الفارض في الجامع وعليه حلقة فقام شاب من عنده وجاء إلى عندي وقال جرى لي مع هذا الشيخ حكاية عجيبة يعني ابن الفارض قال دفع الي دراهم وقال اشتر لنا بها شيئا للأكل فاشتريت ومشينا إلى الساحل.

فنزلنا في مركب حتى طلع البهنسا فطرق بابا فنزل شخص فقال بسم الله وطلع الشيخ فطلعت معه وإذا بنسوة بأيديهن الدفوف والشبابات وهم يغنون له فرقص الشيخ إلى أن انتهى وفرغ ونزلنا وسافرنا حتى جئنا إلى مصر فبقي في نفسي فلما كان في هذه الساعة جاءه الشخص الذي فتح له الباب فقال له يا سيدي فلانة ماتت وذكر واحدة من أولئك الجواري فقال اطلبوا الدلال وقال اشتر لي جارية تغني بدلها ثم أمسك اذني فقال لا تنكر على الفقراء “.

وقد تناول الدكتور شوقي ضيف جانبا من شعر ابن الفارض بالدراسة والتحليل وذلك في كتابه تاريخ الأدب العربي حيث يقول : ” ولزم مناسك العبادة وخاصة وادى المستضعفين بالمقطم والجامع الأزهر يذكر الله ويسبّحه ويعبده حق عبادته ناسكا خاشعا متضرعا شاعرا من وقت إلى آخر أنه أصبح فى مقام الشهود لربه فيشخص بصره ويغيب عن كل ما حوله غيبة قد تطول أياما وهو لا يسمع صوتا ولا يرى أحدا ولا يشرب ولا يطعم ولا ينام.

فقد غاب عن كل حواسه وغمره نور شهوده للذات العلية ومضى يعكف على التقوى والنسك والصلاة ، وشاع أمره فى القاهرة فكان الناس يزدحمون عليه إذا سار فى الطرقات يلتمسون منه الدعاء وهو غائب عنهم مشغول بحبه لربه وبما ينظم فى هذاالحب من أشعار لعلها أروع ما نظمه الصوفية فى حبهم الإلهى حتى لقّب بحق سلطان العاشقين للذات الربانية.

وهى أشعار تموج بوجد ملتاع لا حدود له، متخذا لذلك لغة العشاق العذريين وما يذكرونه من معاهد المحبوبة يريد معاهد مكة التى هبط عليه فيها النور الإلهى وأيضا ما يذكرونه من نسيم الصبا المحمل بشذى المحبوبة ، وهو فى أثناء ذلك يئن وينوح آملا فى الوصال وأن يشرق عليه النور الربانى متجرعا غصص الهجر والصد والسهاد.

ويصيح فيمن تحدثه نفسه بسلوك هذا الطريق المحفوف بمالا يحصى من الأشواك والصعاب : هو الحبّ فاسلم بالحشا ما الهوى سهل … فما اختاره مضنى به وله عقل .. وعش خاليا فالحبّ راحته عنا … وأوّله سقم وآخره قتل ،

وهو لا يريد القتل الحقيقى، بل يتخذه رمزا للحظات الفناء فى الذات العلية حين يتجرد الصوفى – مثل ابن الفارض – من حواسّه ومن كل وجوده فلا يشعر بزمان ولا بمكان وكأنما غاب عن حياته بل كأنما مات بسبب حبه شهيدا وهو موت لا يتحقق تصوف بدونه حتى ينمحى المتصوف فى الذات الربانية ونورها الإلهى وحتى لا يرى فى الوجود سوى ربه المائل فى الكون وكائناته وكل شئ فيه.

يقول : تراه إن غاب عنى كلّ جارحة .. فى كلّ معنى لطيف رائق بهج .. فى نغمة العود والنّاى الرّخيم إذا .. تألّفا بين ألحان من الهزج .. وفى مسارح غزلان الخمائل فى .. برد الأصائل والإصباح فى البلج .. وفى مساقط أنداء الغمام على .. بساط نور من الأزهار منتسج .. وفى مساحب أذيال النّسيم إذا .. أهدى إلىّ سحيرا، أطيب الأرج.

فهو يرى الله وجلاله وجماله ماثلا فى جميع أركان الكون وعناصره : فى أنغام العود والناى المرافقة لألحان الهزج وفى مشهد غزلان الرياض وقد انتعشت قلوبها بأنفاس الأصيل والصباح وفى الأزهار والورود مساقط أنداء الغمام وهى متناثرة هنا وهناك على أبسطة الطبيعة البهيجة وفى النسيم يملأ الجو سحرا بشذاه وأريجه العطر.

وابن الفارض لا يعبر بذلك ومثله فى أشعاره عن إيمانه بوحدة الوجود التى كان يؤمن بها غلاة الصوفية من أمثال ابن العربى معاصره فهو إنما يريد أن يقول إن نور الله منبثّ فى الكون بجميع كائناته وعناصره متجلّ فى كل مناظره ومشاهده وذلك هو سر وجده وهيامه وولهه بربه يريد أن يشرق عليه ضياء جماله.

ويظل يحلم بشهوده حلما متصلا مجاهدا فى سبيل ذلك محتملا من العذاب ما يطاق وما لا يطاق متغنيا بالجمال الربانى وما يصلّى فيه من هجر هاتفا من فؤاده : ته دلالا فأنت أهل لذاكا .. وتحكّم فالحسن قد أعطاكا .. وتلافى إن كان فيه ائتلافى .. بك عجّل به جعلت فداكا .. فقت أهل الجمال حسنا وحسنى .. فبهم فاقة إلى معناكا.

وهو يضيف إلى الذات العلية التحكم والدلال على طريقة أصحاب الحب العذرى ولا يلبث أريج الحب الصوفى أن يعبق فى البيت الثانى فهو يطلب أن يتلف فى حبه مادام فى تلفه ائتلافا بربه المحبوب وهو لا يريد التلف الحقيقى إنما يريد الفناء المطلق فى ربه وجماله الذى يفوق كل جمال بل إن كل جميل ليفتقر إلى جماله المتجلى فى الكون بنوره “.