

11 / كتاب المناظر
كتاب المناظر هو أشهر كتاب في علم البصريات في العصور الوسطى وهو كبير الحجم يتجاوز خمسمائة صفحة وكتبه العالم العربي الموسوعي الكبير الحسن بن الهيثم الذي ولد في العراق عام 354 هـ / 965 م وتوفي بالقاهرة عام 430 هـ / 1040 م ، وقد حضر إلى مصر بدعوة من الخليفة الحاكم بأمر الله ليشرف على أحد مشروعات الري فلم يوفق في ذلك وتولى بعض أعمال الدولة ثم خاف على نفسه فادعى الجنون ولزم بيته في إقامة جبرية لمدة عشر سنوات حتى مات الخليفة ، وفي هذه الخلوة كتب ابن الهيثم أعظم مؤلفاته وهو هذا الكتاب بالإضافة إلى أكثر من مائتي كتاب في مختلف العلوم كتبها على مدار حياته.
وقد ترجم له ابن أبي أصيبعة في كتابه عيون الأنباء في طبقات الأطباء فقال : ” ابْن الْهَيْثَم .. هُوَ أَبُو عَليّ مُحَمَّد بن الْحسن بن الْهَيْثَم أَصله من الْبَصْرَة ثمَّ انْتقل إِلَى الديار المصرية وَأقَام بهَا إِلَى آخر عمره وَكَانَ فَاضل النَّفس قوي الذكاء متفننا فِي الْعُلُوم لم يماثله أحد من أهل زَمَانه فِي الْعلم الرياضي وَلَا يقرب مِنْهُ ، وَكَانَ دَائِم الِاشْتِغَال كثير التصنيف وافر التزهد محبا للخير وَقد لخص كثيرا من كتب أرسطوطاليس وَشَرحهَا وَكَذَلِكَ لخص كثيرا من كتب جالينوس فِي الطِّبّ ، وَكَانَ خَبِيرا بأصول صناعَة الطِّبّ وقوانينها وأمورها الْكُلية إِلَّا أَنه لم يُبَاشر أَعمالهَا وَلم تكن لَهُ دربة بالمداواة وتصانيفه كَثِيرَة الإفادة وَكَانَ حسن الْخط جيد الْمعرفَة بِالْعَرَبِيَّةِ.
وَوجدت الصاحب جمال الدّين أَبَا الْحسن بن القفطي قد ذكر أَيْضا عَن ابْن الْهَيْثَم مَا هَذَا نَصه قَالَ أَنه بلغ الْحَاكِم صَاحب مصر من العلويين وَكَانَ يمِيل إِلَى الْحِكْمَة خَبره وَمَا هُوَ عَلَيْهِ من الإتقان لهَذَا الشَّأْن فتاقت نَفسه إِلَى رُؤْيَته ، ثمَّ نقل لَهُ عَنهُ أَنه قَالَ لَو كنت بِمصْر لعملت فِي نيلها عملا يحصل بِهِ النَّفْع فِي كل حَالَة من حالاته من زِيَادَة وَنقص فقد بَلغنِي أَنه ينحدر على مَوضِع عَال هُوَ فِي طرف الإقليم الْمصْرِيّ ، فازداد الْحَاكِم إِلَيْهِ شوقا وسير إِلَيْهِ سرا جملَة من المَال وأرغبه فِي الْحُضُور فَسَار نَحْو مصر وَلما وَصلهَا خرج الْحَاكِم للقائه والتقيا بقرية على بَاب الْقَاهِرَة المعزية تعرف بالخندق وَأمر بإنزاله وإكرامه واحترامه وَأقَام ريثما استراح وطالبه بِمَا وعد بِهِ من أَمر النّيل.
فَسَار وَمَعَهُ جمَاعَة من الصناع المتولين للعمارة بِأَيْدِيهِم ليستعين بهم على هندسته الَّتِي خطرت لَهُ ، وَلما سَار إِلَى الإقليم بِطُولِهِ وَرَأى آثَار من تقدم من ساكنيه من الْأُمَم الخالية وَهِي على غَايَة من أَحْكَام الصَّنْعَة وجودة الهندسة وَمَا اشْتَمَلت عَلَيْهِ من أشكال سَمَاوِيَّة ومقالات هندسية وتصوير معْجزَة تحقق أَن الَّذِي يَقْصِدهُ لَيْسَ بممكن َإِن من تقدمه فِي الصُّدُور الخالية لم يغرب عَنْهُم علم مَا عمله وَلَو أمكن لفعلوه ، فَانْكَسَرت همته ووقف خاطره وَوصل إِلَى الْموضع الْمَعْرُوف بالجنادل قبلي مَدِينَة أسوان وَهُوَ مَوضِع مُرْتَفع ينحدر مِنْهُ النّيل فعاينه وباشره واختبره من جانبيه فَوجدَ أمره لَا يمشي على مُوَافقَة مُرَاده وَتحقّق الْخَطَأ وَالْغَلَبَة عَمَّا وعد بِهِ ، وَعَاد خجلا ومنخذلا وَاعْتذر بِمَا قبل الْحَاكِم ظَاهره وَوَافَقَهُ عَلَيْهِ.
ثمَّ إِن الْحَاكِم ولاه بعض الدَّوَاوِين فتولاها رهبة لَا رَغْبَة وَتحقّق الْغَلَط فِي الْولَايَة فَإِن الْحَاكِم كَانَ كثير الاستحالة مريقا للدماء بِغَيْر سَبَب أَو بأضعف سَبَب من خيال يتخيله فأجال فكرته فِي أَمر يتَخَلَّص بِهِ فَلم يجد طَرِيقا إِلَى ذَلِك إِلَّا إِظْهَار الْجُنُون والخبال ، فاعتمد ذَلِك وشاع فأحيط على موجوده لَهُ بيد الْحَاكِم ونوابه وَجعل برسمه من يَخْدمه وَيقوم بمصالحه وَقيد وَترك فِي مَوضِع من منزله وَلم يزل على ذَلِك إِلَى أَن تحقق وَفَاة الْحَاكِم وَبعد ذَلِك بِيَسِير أظهر الْعقل وَعَاد إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ ، وَخرج عَن دَاره واستوطن قبَّة على بَاب الْجَامِع الْأَزْهَر أحد جَوَامِع الْقَاهِرَة وَأقَام بهَا متنسكا متعزيا مقتنعا وأعيد إِلَيْهِ مَاله من تَحت يَد الْحَاكِم واشتغل بالتصنيف والنسخ والإفادة وَكَانَ لَهُ خطّ قَاعِدَته فِي غَايَة الصِّحَّة كتب بِهِ الْكثير من عُلُوم الرياضة.
قَالَ وَذكر لي يُوسُف الفاسي الإسرائيلي الْحَكِيم بحلب قَالَ سَمِعت أَن ابْن الْهَيْثَم كَانَ ينْسَخ فِي مُدَّة سنة ثَلَاثَة كتب فِي ضمن اشْتِغَاله وَهِي اقليدس والمتوسطات والمجسطي ويستكملها فِي مُدَّة السّنة فَإِذا شرع فِي نسخهَا جَاءَهُ من يُعْطِيهِ فِيهَا مائَة وَخمسين دِينَارا مصرية وَصَارَ ذَلِك كالرسم الَّذِي لَا يحْتَاج فِيهِ إِلَى مواكسة وَلَا معاودة قَول فيجعلها مؤونته لسنته ، وَلم يزل على ذَلِك إِلَى أَن مَاتَ بِالْقَاهِرَةِ فِي حُدُود سنة ثَلَاثِينَ وَأَرْبَعمِائَة أَو بعْدهَا بِقَلِيل “.
ويتناول كتاب المناظر دراسة تفصيلية لكيفية الإبصار وتشريح العين وخواص الضوء والانعكاس والانكسار والعدسات والمرايا وغيرها من موضوعات فيزيائية وطبية تتعلق بهذا الموضوع ، ونفى ابن الهيثم أن الرؤية تحدث عن طريق الأشعة المنبعثة من العين أو دخول الضوء للعين من خلال صور فيزيائية ، وعلل ذلك بأن الشعاع لا يمكن أن ينطلق من العينين ويصل إلى النجوم البعيدة في لحظة بمجرد أن نفتح أعيننا كما عارض الاعتقاد السائد بأن العين قد تجرح إذا نظرنا إلى ضوء شديد السطوع ووضع بدلاً من ذلك نظرية ناجحة للغاية تفسر عملية الرؤية بأنها تحدث نتيجة خروج أشعة الضوء إلى العين من كل نقطة في الكائن وهو ما أثبته عن طريق التجارب.
وقد قسّم الكتاب إلى سبع مقالات كل مقالة احتوت على عدة فصول وكانت عناوين المقالات كالتالي : المقالة الأولى كيفية الإبصار بالجملة ، المقالة الثانية تفصيل المعاني التي يدركها البصر وعللها وكيفية إدراكها ، المقالة الثالثة أغلاط البصر فيما يدركه على استقامة وعللها ، المقالة الرابعة كيفية إدراك البصر بالانعكاس عن الأجسام الثقيلة ، المقالة الخامسة مواضيع الخيالات وهي الصور التي ترى في الأجسام الثقيلة ، المقالة السادسة أغلاط البصر فيما يدركه بالانعكاس وعللها ، المقالة السابعة كيفية إدراك البصر بالانعطاف من وراء الأجسام المشفة المخالفة لشفيف الهواء.
أما كتبه الأخرى فلا يمكن حصرها لكثرتها منها أربعة وأربعون كتابا في الفلسفة والمنطق والإلهيات والشعر وعلم النفس ، وله كتاب فِي الْآثَار والعلوية وَهِي الَّتِي تعرض فِي الجو كالسحاب والضباب والرياح والأمطار والرعد والبرق الصَّوَاعِق وَسَائِر مَا يكون من أَنْوَاع ذَلِك وَذكر فِي آخِره أُمُور المعدنيات وَأَسْبَاب كَونهَا ، وكتاب فِي النَّبَات وَالْحَيَوَان فَذكر ضروب النَّبَات وَالْحَيَوَان وطبائعهما وفصولهما وأنواعهما وخواصهما وأعراضهما ، وكتاب فِي النَّفس فَتكلم على رَأْيه فِي النَّفس وَنقض آراء جَمِيع من قَالَ فِيهَا قولا يُخَالف قَوْله واعتقد فِي ذاتيتها اعتقادا غير اعْتِقَاده وَقسمهَا إِلَى الغاذية والحاسة والعاقلة وَذكر أَحْوَال الغاذية وَشرح أُمُور الْحَواس وَفصل أَسبَاب الْعقل فَذكر من ذَلِك مَا كشف كل مَسْتُور وأوضح عَن كل خَفِي.
ويحكي ابن الهيثم عن كتابه في الطب فيقول : ” كتاب فِي تَقْوِيم الصِّنَاعَة الطبية نظمته من جمل وجوامع مَا نظرت فِيهِ من كتب جالينوس وَهُوَ ثَلَاثُونَ كتابا كِتَابه فِي الْبُرْهَان كِتَابه فِي فرق الطِّبّ كِتَابه فِي الصِّنَاعَة الصَّغِيرَة كِتَابه فِي التشريح كِتَابه فِي القوى الطبيعية كِتَابه فِي مَنَافِع الْأَعْضَاء كِتَابه فِي آراء أبقراط وأفلاطن كِتَابه فِي الْمَنِيّ كِتَابه فِي الصَّوْت كِتَابه فِي الْعِلَل والأعراض كِتَابه فِي أَصْنَاف الحميات كِتَابه فِي البحران كِتَابه فِي النبض الْكَبِير كِتَابه فِي الاسطقسات على رَأْي أبقراط كِتَابه فِي المزاج كِتَابه فِي قوى الْأَدْوِيَة المفردة كِتَابه فِي قوى الْأَدْوِيَة المركبة كِتَابه فِي مَوَاضِع الْأَعْضَاء الآلية كِتَابه فِي حِيلَة الْبُرْء كِتَابه فِي حفظ الصِّحَّة كِتَابه فِي جودة الكيموس ورداءته كَلَامه فِي أمراض الْعين كِتَابه فِي أَن قوى النَّفس تَابِعَة لمزاج الْبدن كِتَابه فِي سوء المزاج الْمُخْتَلف كِتَابه فِي أَيَّام البحران كِتَابه فِي الْكَثْرَة كِتَابه فِي اسْتِعْمَال الفصد لشفاء الْأَمْرَاض كِتَابه فِي الذبول كِتَابه فِي أفضل هيئات الْبدن جمع حنين بن إِسْحَاق من كَلَام جالينوس وَكَلَام أبقراط فِي الأغذية “.
ويقول عن كتاباته في الرياضيات : ” فَمَا صَنعته فِي الْعُلُوم الرياضية خَمْسَة وَعِشْرُونَ كتابا ، أَحدهَا شرح أصُول أقليدس فِي الهندسة وَالْعدَد وتلخيصه ، وَالثَّانِي كتاب جمعت فِيهِ الْأُصُول الهندسية والعددية من كتاب إقليدس وأبلونيوس ونوعت فِيهِ الْأُصُول وقسمتها وبرهنت عَلَيْهَا ببراهين نظمتها من الْأُمُور التعليمية والحسية والمنطقية حَتَّى انتظم ذَلِك مَعَ انْتِقَاض توالي إقليدس وأبلونيوس ، وَالثَّالِث شرح المجسطي وتلخيصه شرحا وتلخيصا برهانيا لم أخرج مِنْهُ شَيْئا إِلَى الْحساب إِلَّا الْيَسِير وَإِن أخر الله فِي الْأَجَل وَأمكن الزَّمَان من الْفَرَاغ استأنفت الشَّرْح المستقصي لذَلِك الَّذِي أخرجه بِهِ إِلَى الْأُمُور العددية والحسابية.
وَالرَّابِع الْكتاب الْجَامِع فِي أصُول الْحساب وَهُوَ كتاب استخرجت أُصُوله لجَمِيع أَنْوَاع الْحساب من أوضاع إقليدس فِي أصُول الهندسة وَالْعدَد وَجعلت السلوك فِي اسْتِخْرَاج الْمسَائِل الحسابية بجهتي التَّحْلِيل الهندسي وَالتَّقْدِير العددي وَعدلت فِيهِ عَن أوضاع الجبريين وَأَلْفَاظهمْ ، وَالْخَامِس كتاب لخصت فِيهِ علم المناظر من كتابي إقليدس وبطلموس وتممته بمعاني الْمقَالة الأولى المفقودة من كتاب بطليموس ، وَالسَّادِس كتاب فِي تَحْلِيل الْمسَائِل الهندسية ، وَالسَّابِع كتاب فِي تَحْلِيل الْمسَائِل العددية بِجِهَة الْجَبْر والمقابلة مبرهنا ، وَالثَّامِن كتاب جمعت فِيهِ القَوْل على تَحْلِيل الْمسَائِل الهندسية والعددية جَمِيعًا لَكِن القَوْل على الْمسَائِل العددية غير مبرهن بل هُوَ مَوْضُوع على أصُول الْجَبْر والمقابلة.
وَالتَّاسِع كتاب فِي المساحة على جِهَة الْأُصُول ، والعاشر كتاب فِي حِسَاب الْمُعَامَلَات ، وَالْحَادِي عشر مقَالَة فِي إجارات الحفور والأبنية بِجَمِيعِ الأشكال الهندسية حَتَّى بلغت فِي ذَلِك إِلَى أشكال قطوع المخروط الثَّلَاثَة المكافئ وَالزَّائِد والناقص ، وَالثَّانِي عشر تَلْخِيص مقالات أبلونيوس فِي قطوع المخروطات ، وَالثَّالِث عشر مقَالَة فِي الْحساب الْهِنْدِيّ ، وَالرَّابِع عشر مقَالَة فِي اسْتِخْرَاج سمت الْقبْلَة فِي جَمِيع المسكونة بجداول وَضَعتهَا وَلم أورد الْبُرْهَان على ذَلِ ، وَالْخَامِس عشر مقَالَة فِيمَا تَدْعُو إِلَيْهِ حَاجَة الْأُمُور الشَّرْعِيَّة من الْأُمُور الهندسية وَلَا يسْتَغْنى عَنهُ بِشَيْء سواهُ ، وَالسَّادِس عشر رِسَالَة إِلَى بعض الرؤساء فِي الْحَث على عمل الرصد النجومي ، وَالسَّابِع عشر كتاب فِي الْمدْخل إِلَى الْأُمُور الهندسية.
وَالثَّامِن عشر مقَالَة فِي انتزاع الْبُرْهَان على أَن الْقطع الزَّائِد والخطان اللَّذَان لَا يلقيانه يقتربان أبدا وَلَا يَلْتَقِيَانِ ، وَالتَّاسِع عشر أجوبة سبع مسَائِل تعليمية سُئِلت عَنْهَا بِبَغْدَاد فأجبت ، وَالْعشْرُونَ كتاب فِي التَّحْلِيل والتركيب الهندسيين على جِهَة التَّمْثِيل للمتعلمين وَهُوَ مَجْمُوع مسَائِل هندسية وعددية حللتها وركبتها ، وَالْحَادِي وَالْعشْرُونَ كتاب فِي آلَة الظل اختصرته ولخصته من كتاب إِبْرَاهِيم بن سِنَان فِي ذَلِك ، وَالثَّانِي وَالْعشْرُونَ مقَالَة فِي اسْتِخْرَاج مَا بَين بلدين فِي الْبعد بِجِهَة الْأُمُور الهندسية ، وَالثَّالِث وَالْعشْرُونَ مقَالَة فِي أصُول الْمسَائِل العددية الصم وتحليلها ، وَالرَّابِع وَالْعشْرُونَ مقَالَة فِي حل شكّ ردا على إقليدس فِي الْمقَالة الْخَامِسَة من كِتَابه فِي الْأُصُول الرياضية ، وَالْخَامِس وَالْعشْرُونَ رِسَالَة فِي برهَان الشكل الَّذِي قدمه أرشميدس فِي قسْمَة الزاوية ثَلَاثَة أَقسَام وَلم يبرهن عَلَيْهِ “.

12 / راحة العقل
كتاب فلسفي ألفه الشيخ حميد الدين أحمد بن عبد الله الكرماني المعروف بلقب حجة العراقين وهو من أهم فلاسفة المذهب الإسماعيلي ، وذكر الزركلي في الأعلام أنه ولد في القاهرة عام 352 هـ / 963 م ورحل إلى إيران سنة 408 هـ ليقوم على أمر الدعوة فيها ثم استدعاه الحاكم بأمر الله سنة 409 هـ إلى مصر للرد على داعية المذهب الدرزي حسين بن حيدرة الفرغاني المعروف بالأخرم أو الأجدع فقام بالمهمة بنجاح ثم عينه الخليفة في منصب داعي الدعاة حتى توفي عام 412 هـ / 1021 م بعد أن ترك إنتاجا فكريا وأدبيا غزيرا.
ويعد الكتاب تعبيرا عن خلاصة الفكر الفلسفي والمذهبي للكرماني والمتأثر بشكل كبير بفلاسفة اليونان القدماء ورسائل إخوان الصفا حيث تكلم عن الإلهيات ومعنى الأزلية وحقيقة الوجود ومظاهر الطبيعة وجوهرها والنفس الإنسانية وتقلباتها ثم تحدث عن عناصر الموجودات من معادن ونبات وحيوان وختم بالحديث عن (النفس الناطقة) وعلاقتها بالعقل والجسد وعالم الروح وما تنفرد به من خصائص وكيف تكتسب البقاء والسعادة وما يؤثر فيها من عوامل خارجية وداخلية نابعة من ذاتها وارتباط ذلك بالوحي ووصولها لدرجة الكمال.
وللكرماني عدة مؤلفات أخرى منها كتاب (المصابيح في إثبات الإمامة) ويتناول العقيدة الإسماعيلية ، وله كتاب (الأقوال الذهبية في الطب النفساني) والذي يعارض فيه محمد بن زكريا الرازي في كتابه الطب الروحاني ويفند آراءه حيث كان أول من استعمل عبارة (الطب النفسي) في زمانه وحاول البحث في ذلك المجال من وجهة نظر فلسفية وطبية ، وله مجموعة الرسائل التي تبلغ ثلاثة عشر رسالة من أهمها الرسالة العاشرة المعروفة باسم (الرسالة الموسومة بالواعظة) والتي يفند فيها مذهب الدروز بطريقة عقلية منطقية منظمة.
وصفه الداعي عماد الدين إدريس في كتابه عيون الأخبار وفنون الآثار فقال : ” حتى ورد إلى الحضرة الشريفة النبوية الإمامية ووفد إلى الأبواب الزاكية الحاكمية باب الدعوة الذي عنده فصل الخطاب ولسانها الناطق بفصل الجواب ذو البراهين المضيئة حجة العراق أحمد عبد الله الملقب بحميد الدين الكرماني قدس الله روحه ورضي عنه .. مهاجرا عن أوطانه ومحله وواردا كورود الغيث إلى المرعى بعد محله فجلى ببيانه تلك الظلمة المدلهمة وأبان بواضح علمه ونور هداه فضل الأئمة .. والداعي حميد الدين أحمد بن عبد الله هو أساس الدعوة التي عليها عمادها وبه علا ذكرها واستقام منارها وبه استبانت المشكلات وانفرجت المعضلات “.
وتعطينا كتابات الكرماني فكرة عامة عن تاريخ مصر في تلك الفترة حيث كانت القاهرة قد شهدت أحداثا مأساوية بسبب انتشار أفكار حمزة بن علي الزوزوني الداعية إلى تأليه الحاكم بأمر الله وقام بالتنظير لها ابن حيدرة الفرغاني حيث كان يبعث بالرقاع إلى الناس يدعوهم فيها إلى عقيدته الجديدة وكان يطلب من العلماء وكبار الدعاة أجوبة وذاعت دعوته بسرعة في جماعة من المغامرين والمرتزقة فتصدى لهم الكرماني بالحجة والرأي وقام بالرد على رسالة الفرغاني إليه بالعقل والمنطق كتب إليه (الرسالة الواعظة) والتي انتشرت وأدت إلى انحسار تلك الأفكار في مصر وانتهت الأحداث بفرار حمزة بن علي إلى الشام ومقتل الفرغاني.
ويقول الكرماني عن ذلك في الرسالة التاسعة المعروفة باسم (الرسالة الموسومة بمباسم البشارات) : ” فإني لما وردت الحضرة النبوية مهاجرا وللسدة العلوية زائرا ورأيت السماء قد أظلت بسحاب عميم والناس تحت ابتلاء عظيم والعهد في الرسوم السالفة قد نقض وعن أولياء الدين بما كسبت أيديهم قد أعرض والرسم في عقد مجلس الحكمة جريا منهم بالإحسان قد رفض والعالي قد اتضع والسافل منهم قد ارتفع وشاهدت أولياء الدعوة الهادية بسط الله أنوارها والناشئين في عصمة الإمامة وأولي ولاءها قد حيرهم ما يطرأ عليهم من هذه الأحوال التي تشيب لها النواصي .. حملني فرط الشفقة في الدين على أن أناجي إخواني المستضعفين من دون من فسد جوهره بما حدث فيه من المقال وانعكس عنصره بما تشرب قلبه ماء المحال فصار كالفضة المحرقة التي لا تعود إلى فضيتها بصناعة وإلى حالتها الأولى وأن تعنى بفضل جهد واستطاعة بما يكون تقوية لقلوبهم وتثبيتا لأقدامهم .. “.
ولا شك أن مؤلفات الكرماني تعطينا فكرة عن طبيعة الحياة الثقافية في مصر والعالم الإسلامي في أوائل القرن الخامس الهجري وذلك كما ذكر محقق كتاب راحة العقل الدكتور مصطفى غالب حيث يقول : ” ومن مظاهر عبقريته التي تنهد إلى المعرفة المجردة تلك الأبحاث العميقة والنظريات الكثيرة التي تعكس اتجاهه العلمي ونشاطه الفكري ، ويتجلى فضل الكرماني على الفلسفة الإسماعيلية بما أعطاها من مدد علمي وفكري وإنتاج خصيب في نواحي المعرفة الإنسانية ، ولقد شملت ثقافته معظم الجوانب الثقافية التي كان يتجه إليها العلماء والمفكرون بالعناية والاهتمام في ذلك العهد ، وإنه لمن المدهش فعلا أن نجد الكرماني في بعض نظرياته العلمية والفلسفية قد سبق عصره بأجيال وترك حقائق علمية مثيرة تشبه المعاجز قد أيدها العلم الحديث وأثبتتها الاكتشافات العلمية “.

13 / التاريخ الكبير
عدد كبير جدا من المؤلفين في مصر الإسلامية جمع بين التاريخ والأدب ومن أهمهم المسبحي الذي كان واحدا من كبار رجال الدولة في العصر الفاطمي ، ولد في مصر عام 366 هـ / 977 م وتوفي بها عام 420 هـ / 1029 م وكتب عددا كبيرا من المؤلفات أكبرها كتاب (التاريخ الكبير) ، وغالبها مفقود لكن نقلت منه أجزاء كبيرة في ثنايا كتابات كل من ابن العديم والمقريزي وابن تغري بردي والسخاوي والسيوطي حيث صار المسبحي من أهم مراجع تاريخ الفاطميين وقد طبع ما وجد منه وهو الجزء الأربعون الذي يتحدث عن الفترة من سنة 414 هـ إلى سنة 416 هـ في عهد الخليفة الظاهر لإعزاز دين الله.
وهذا الجزء تحديدا شديد الأهمية من الناحية الأدبية حيث قرر المؤلف في نهايته أن ينقل لنا نصوصا شعرية ونثرية مما جادت به قريحة الشعراء والأدباء المعاصرين له ، وكان سبب ذلك هو شعوره باقتراب منيته فأراد أن يكون كتابه جامعا لما عاصره من أدب حيث يقول : ” لما انتهينا من التاريخ إلى هذا المكان واجتمع عندنا قطعة من أشعار المحدثين في زماننا هذا ، وكانت العادة قد جرت فيما قدمناه من قص التاريخ أن نذكر شعر كل شاعر في أثر ذكر ميتته وبعقب شرح منيته ، وخفنا من عوارض الأقدار وحوادث الليل والنهار التي تجري بأحكام باريها وبإرادة الله تعالى فيها مما لا يدفعه حذر وليس إلى غير الله منه مفر ، رأينا أن نورد هاهنا ما يحصل عندنا من أشعار الأحياء من المصريين والباقين في زماننا من المحدثين ليحتوي كتابنا عليها وتزول الظنون فيها ، ومن الله يستمد العون وهو حسبنا ونعم الوكيل “.
وقد ترجم له ابن خلكان في كتابه وفيات الأعيان وسرد مؤلفاته وذكر جانبا من أشعاره فقال : ” المسبحي .. الأمير المختار عز الملك محمد بن أبي القاسم عبيد الله بن أحمد بن إسماعيل بن عبد العزيز المعروف بالمسبحي الكاتب الحراني الأصل المصري المولد صاحب التاريخ المشهور وغيره من المصنفات ؛ كانت فيه فضائل ولديه معارف ورزق حظوة في التصانيف ، وكان على زي الأجناد واتصل بخدمة الحاكم بن العزيز العبيدي صاحب مصر ونال منه سعادة ، وذكر في تاريخه أن أول تصرفه في خدمة الحاكم صاحب مصر كان في سنة ثمان وتسعين وثلثمائة وذكر فيه أيضا أنه تقلد القيس والبهنسا من أعمال الصعيد ثم تولى ديوان الترتيب ، وله مع الحاكم مجالس ومحاضرات حسبما يشهد بها تاريخه الكبير.
وجمع مقدار ثلاثين مصنفا منها التاريخ المذكور الذي قال في حقه : (التاريخ الجليل قدره الذي يستغنى بمضمونه عن غيره من الكتب الواردة في معانيه وهو أخبار مصر ومن حلها من الولاة والأمراء والأئمة والخلفاء وما بها من العجائب والأبنية واختلاف أصناف الأطعمة وذكر نيلها وأحوال من حل بها إلى الوقت الذي كتبنا فيه تعليق هذه الترجمة وأشعار الشعراء وأخبار المغنين ومجالس القضاة والحكام والمعدلين والأدباء والمعتزلين وغيرهم) ، وهو ثلاثة عشر ألف ورقة.
ومن تصانيفه كتاب التلويح والتصريح في معاني الشعر وغيره وهو ألف ورقة ، وكتاب الراح والارتياح ألف وخمسمائة ورقة ، وكتاب الغرق والشرق في ذكر من مات غرقا وشرقا مائتا ورقة ، وكتاب الطعام والإدام ألف ورقة ، وكتاب درك البغية في وصف الأديان والعبادات ثلاثة آلاف وخمسمائة ورقة ، وقصص الأنبياء عليهم السلام وأحوالهم ألف وخمسمائة ورقة ، وكتاب المفاتحة والمناكحة في أصناف الجماع ألف ومائتا ورقة ، وكتاب الأمثلة للدول المقبلة يتعلق بالنجوم والحساب خمسمائة ورقة ، وكتاب القضايا الصائبة في معاني أحكام النجوم ثلاثة آلاف ورقة ، وكتاب جونة الماشطة يتضمن غرائب الأخبار والأشعار والنوادر التي لم يتكرر مرورها على الأسماع وهو مجموع مختلف غير مؤتلف ألف وخمسمائة ورقة ، وكتاب الشجن والسكن في أخبار أهل الهوى وما يلقاه أربابه ألفان وخمسمائة ورقة ، وكتاب السؤال والجواب ثلثمائة ورقة ، وكتاب مختار الأغاني ومعانيها ، وغير ذلك من الكتب.
وله شعر حسن ، فمن ذلك أبيات رثى بها أم ولده وهي: (ألا في سبيل الله قلب تقطعا … وفادحة لم تبق للعين مدمعا .. أصبرا وقد حل الثرى من أوده … فلله هم ما أشد وأوجعا .. فيا ليتني للموت قدمت قبلها … وإلا فليت الموت أذهبنا).
وكان المسبحي المذكور قد استزار أبا محمد عبيد الله بن أبي الجوع الأديب الوراق الكاتب المشهور فزاره فعمل المسبحي هذه الأبيات وأنشده إياها على البديهة : (حللت فأحلت قلبي السرورا … وكاد لفرحته أن يطيرا .. وأمطر علمك سحب السماء … ولولاك ما كان يوما مطيرا .. تضوع نشرك لما وردت … وعاد الظلام ضياء منيرا) ، وكان ابن أبي الجوع المذكور شاعرا أديبا حلوا مقبولا له أشعار كثيرة في المراسلات والمعاتبات والأهاجي وكان نسخة في غاية الجودة وكان ينسخ كل خمسين ورقة بدينار وخطه موجود بأيدي الناس ومرغوب فيه وكانت وفاة ابن أبي الجوع سنة خمس وتسعين وثلثمائة.
وكانت ولادة المسبحي المذكور يوم الأحد عاشر رجب سنة ست وستين وثلثمائة كذا ذكره في تاريخه الكبير وتوفي في شهر ربيع الآخر سنة عشرين وأربعمائة ، وتوفي والده ضحوة نهار الاثنين تاسع شعبان سنة أربعمائة وعمره ثلاث وتسعون سنة وصلي عليه في جامع مصر ودفن في داره رحمهم الله تعالى أجمعين.
ولما توفي الوالد رثاه ولده المسبحي المذكور بهذه الأبيات : (خطب يقل له البكاء وينطوي .. عنه العزاء ويظهر المكتوم .. خطب يميت من الصدور قلوبها .. أسفا ويقعد تارة ويقيم .. يا دهر قد أنشبت في مخالبا .. بالأسودين لوقعهن كلوم .. يا دهر قد ألبستني حلل الأسى .. مذ حل شخص في التراب كريم .. لو كنت تقبل فدية لفديت من .. رضت عظامي فيه وهو رميم .. يا من يلوم إذا رآني جازعا .. من طارق الحدثان، فيم تلوم .. بأبي فجعت فأي ثكل مثله .. ثكل الأبوة في الشباب أليم .. قد كنت أجزع أن يلم به الردى .. أو يعتريه من الزمان هموم) ، ورثاه جماعة من شعراء عصره ذكرهم ولده في تاريخه وذكر مراثيهم.
والمسبحي بضم الميم وفتح الين المهملة وكسر الباء الموحدة وفي آخره حاء مهملة ، قال السمعاني في كتاب الأنساب : هذه النسبة إلى الجد وعرف بها المسبحي صاحب تاريخ المغاربة ومصر يعني الأمير المذكور “.

14 / التلقين
التلقين هو الاسم المختصر لكتاب (تلقين المبتدي وتذكرة المنتهي) في الفقه المالكي والذي اشتهر به مؤلفه قاضي المالكية بالديار المصرية الأديب والشاعر عبد الوهاب بن علي البغدادي التغلبي الذي ولد في العراق عام 362 هـ / 973 م وتوفي في مصر عام 422 هـ / 1031 م ، وهو ينحدر من قبيلة تغلب العربية المعروفة حيث جده الأعلى الشاعر عمرو بن كلثوم صاحب المعلقة الشهيرة وجده الأدنى الأمير مالك بن طوق العتابي مؤسس مدينة الرحبة (الميادين حاليا).
وعرفت أسرته بالنبوغ في الفقه والأدب حيث كان والده الشيخ أبو الحسن علي بن نصر المالكي من رواة الحديث ومن أعيان الشهود المعدلين ببغداد والذين يعتمد القضاة أقوالهم في تعديل الشهود وتجريحهم وتوفي عام 391 هـ ، وأما أخوه الأصغر فهو أبو الحسن محمد بن علي الكاتب والشاعر وصاحب ديوان الرسائل في دولة جلال الدولة أبي طاهر البويهي ومؤلف كتاب (المفاوضة) في الأدب وتوفي عام 437 هـ في مدينة واسط.
وقد تولى القاضي عبد الوهاب منصب القضاء في عدة بلاد بالعراق ثم أصابته ضائقة مالية بسبب إنفاقه أمواله كلها على الدراسة ورعاية تلاميذه فرحل أولا إلى صديقه أبي العلاء المعري بالشام حيث قصد الحج ثم دارت المراسلات بينه وبين ديوان الخليفة المستنصر الفاطمي ، وتمت دعوته بعدها إلى مصر ليتولى منصب قاضي المالكية الذي يمثل أهل السنة في مصر بينما قاضي الإسماعيلية يمثل الشيعة حيث تحسنت أحواله فاستقر فيها مع أسرته وذويه وعلت مكانته والتف حوله طلبة العلم من كل مكان.
ويمثل كتاب التلقين خلاصة البحوث الفقهية للمؤلف حيث رتبه تقليديا على أبواب الفقه المعروفة ثم أضاف لها قسما خاصا بالأحكام العملية مثل الجنايات وأحكامها والأقضية والشهادات والأحباس والوقوف (الأوقاف) والصدقات والهبات والوصايا والفرائض والمواريث وكذلك البيوع والإجارة والحجر والتفليس والشركة (المعاملات التجارية) والمزارعة (المشاركة في زراعة الأرض) والرهون والقراض (الرهن العقاري وإقراض الأموال) والشفعة والقسمة والوكالة وسائر الأعمال التجارية.
وكتب عدة مؤلفات أخرى منها : المعين على كتاب التلقين ، شرح المدونة ، الممهد في شرح مختصر أبي محمد ابن أبي زيد ، المعرفة في شرح الرسالة ، النصرة لمذهب إمام دار الهجرة ، المعونة على مذهب عالم المدينة ، عيون المسائل ، الإشراف على نكت مسائل الخلاف ، الأدلة في مسائل الخلاف ، أوائل الأدلة في في مسائل الخلاف بين الأمة ، الجوهرة في مذاهب العشرة ، المقدمات في أصول الفقه ، التلخيص في أصول الفقه ، وله ديوان شعري رفيع المستوى.
وقد ترجم له الحافظ شمس الدين الذهبي في كتابه سير أعلام النبلاء فقال : القاضي عبد الوهاب .. هو الإمام العلامة شيخ المالكية أبو محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر بن أحمد بن حسين بن هارون بن أمير العرب مالك بن طوق التغلبي العراقي الفقيه المالكي من أولاد صاحب الرحبة ، صنف في المذهب كتاب (التلقين) وهو من أجود المختصرات ، وله كتاب (المعرفة) في شرح الرسالة وغير ذلك ، ذكره أبو بكر الخطيب فقال : كان ثقة ، روى عن الحسين بن محمد بن عبيد العسكري وعمر بن سبنك ، كتبت عنه لم نلق أحدا من المالكيين أفقه منه ، ولي قضاء بادرايا وباكسايا ..
قال أبو إسحاق في (الطبقات) : أدركت عبد الوهاب وسمعته يناظر ، وكان قد رأى القاضي الأبهري ولم يسمع منه ، وله كتب كثيرة في الفقه ، خرج إلى مصر وحصل له هناك حال من الدنيا بالمغاربة ، وقيل : كان ذهابه إلى مصر لإفلاس لحقه فمات بها في شهر صفر سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة وله ستون سنة ، وكان أخوه من الشعراء المذكورين ، ولي كتابة الإنشاء لجلال الدولة ، ثم نفذه رسولا وهو أبو الحسن محمد بن علي مات بواسط في سنة سبع وثلاثين وأربعمائة ومات أبوهما في سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة “.
وقد ذكره ابن بسام في كتابه الذخيرة وذكر جانبا كبيرا من أشعاره ورسائله المتبادلة مع الفاطميين فقال : ” فصل في ذكر الفقيه الحافظ .. عبد الوهاب بن نصر المالكي البغدادي ناصر دين المالكية وإيراد قطعة من شعره الذي هو حلاوة الأمان وبشر وجه الزمان.
كان أبو محمد في وقته بقية الناس ولسان أصحاب القياس وهو أحد من صرف وجوه المذهب المالكي بين لسان الكناني ونظر اليوناني فقدر أصوله وحرر فصوله وقرر جمله وتفاصيله ونهج فيه سبيلا كانت قبله طامسة المنار دارسة الآثار ، وكان أكثر الفقهاء ممن لعله كان أقرب سندا وأرحب أمدا قليل مادة البيان كليل شباة اللسان قلما فصل في كتبه غير مسائل يلقفها ولا يثقفها ويبوبها ولا يرتبها فهي متداخلة النظام غير مستوفاة الأقسام، وكلهم قلد أجر ما اجتهد وجزاء ما نوى واعتقد.
وقد وجدت له شعرا معانيه أجلى من الصبح وألفاظه أحلى من الظفر بالنجح ونبت به بغداد كعادة البلاد بذوي فضلها وعلى حكم الأيام في محسني أهلها فخلع أهلها وودع ماءها وظلها ، وقد حدثت أنه شيعه يوم فصل عنها من أكابرها وأصحاب محابرها جملة موفورة وطوائف كثيرة وأنه قال لهم عندما وقفهم للتوديع وعزم عليهم في الرجوع : والله يا أهل بغداد لو وجدت بين ظهرانيكم رغيفين كل غداة وعشية ما عدلت ببلدكم بلوغ أمنية ؛ والخبز عندهم يومئذ ثلاثمائة ركل بمثقال.
وزعموا أنه ارتجل يومئذ هذه الأبيات :سلام على بغداد في كل موطن وحق لها مني السلام المضاعف .. لعمرك ما فارقتها قاليا لها وإني بشطي جانبيها لعارف .. ولكنها ضاقت علي برحها ولم تكن الأرزاق فيها تساعف .. فكانت كخل كنت أهوى وصاله وتنأى به أخلاقه وتخالف ، وبلغني أنه اجتاز في وجهته تلك بمعرة النعمان وبها يومئذ أبو العلاء أحمد بن سليمان فضيفه وكتب إليه بما أثبته في موضعه وفي ذلك يقول أبو العلاء : والمالكي ابن نصر زار في سفر بلادنا فحمدنا النأي والسفرا .. إذا تفقه أحيا مالكا جدلا وينشر الملك الضليل إن شعرا.
واستقر الفقيه أبو محمد بمصر فحمل لواءها وملأ أرضها وسماءها واستتبع سادتها وكبراءها وتناهت إليه الغرائب وانثالت في يديه الرغائب ، فمات لأول ما وصلها من أكلة اشتهاه فأكلها زعموا أنه قال وهو يقلب ونفسه قد تصعد وتصوب : لا إله إلا الله إذا عشنا متنا ، وكانت وفاته بها رحمه الله سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة.
وقد أخرجت من شعره ما يروق العيون، ويفوق المنثور والموزون ، ومن شعره مما أنشده أبو المطرف المالقي : لا تتعجل قطيعتي فكفى يوما يد الدهر بيننا تقطع .. عما قليل تحين فرقتنا ثمت لا ملتقى ولا مجمع .. وقال : ونائمة قبلتها فتنبهت وقالت تعالوا فاطلبوا اللص بالحد .. فقلت لها إني فديتك غاصب وما حكموا في غاصب بسوى الرد .. خذيها وحطي عن أثيم ظلامة وإن أنت لم ترضي فألف عند العد .. فقالت قصاص يشهد العقل أنه على المذنب الجاني ألذ من الشهد .. وقالت ألم أخبرك بأنك زاهد فقلت بلى ما زلت أزهد في الزهد .. فباتت يميني رهن هميان خصرها وباتت يساري رهن واسطة العقد.
وقال : ومحجوبة في الخدر عن كل ناظر ولو برزت بالليل ما ضل من يسري .. أقول لها والعيس تحدج للنوى أعدي لفقدي ما استطعت من الصبر .. سأنفق ريعان الشبيبة آنفا على طلب العلياء أو طلب الأجر .. أليس من الخسران أن لياليا تمر بلا نفع وتحسب من عمري .. وإنا لفي الدنيا كواكب لجة نظن قعودا والزمان بنا يجري ، وقال : حمدت إلهي إذ بليت بحبها وبي حول يغني عن النظر الشزر .. نظرت إليها والرقيب يخالني نظرت إليه فاسترحت من العذر ، وقال : لا تترك الحزم في شيء تحاذره فإن سلمت فما في الحزم من باس .. العجز ذل وما بالحزم من ضرر وأحزم الحزم سوء الظن بالناس ..
وكتب يخاطب المستنصر بالله صاحب مصر : حصن الله المؤمنين من الشيطان بجنن الطاعة ودثرهم من قر وسواسه بسرابيل القناعة ووهبهم من نعمه مدداً ومن توفيقه رشداً وصيرهم إلى منهج الإسلام وسبيله الأقوم وجعلهم من الآمنين فيما هم عليه موقوفون وزينهم بالتثبيت فيما هم عنه مسؤولون وما ربك بظلام للعبيد.
كتابي إليك من الجب بإزاء مصرك وفناء برك بعد أن كانت بغداد لي الوطن والألفة والسكن ؛ ولما كنت على مذهب صحيح ومتجرٍ ربيح كثرت علي الخوارج وشق على الماء ارتقاء المناهج ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز ، فأتيت مكة حرسها الله لكي أقضي فرض الحج من عج وثج أسأل الله تعالى القبول وكيف وإنما يتقبل الله من المتقين.
وقد كنت عندي ذا سنةٍ ودين محباً في الله تعالى وفي النبيين وفي محمد صلى الله عليه وسلم والمهديين فورد الناطقون وأتى المخبرون بخبر ما أنت عليه فذكروا أنك مدحض لمذهب مالك موعد لصاحبه بأليم المهالك ، هيهات هيهات إنك ميت وإنهم ميتون ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون ، فأبيت القبول على أمر لم يصح بيانه لكثرة الكذب في الدنيا وإذ لا يحل لمسلم أن يموت طوعاً فأردت الكشف عن ذلك بكتاب منك والسلام على من اتبع الهدى.
جواب المستنصر بالله : حرس الله مهجتك وطول مدتك وقدم أمير المؤمنين إلى المنية قبلك وخصه بها دونك ، ورد كتابك المكرم وأتى خطابك المعظم يفصح البكم وينزل العصم هبت عليه رياح البلاغة فنمقته ووكفت عليه سحائب البراعة فرفقته فيا له من خط بهي ولفظ شهي تذكر فيه حسن ظنونك بنا وتثبت مآثرنا ، فلما أن عرست بازائها ورد من فسخ عليك فخذ بظاهر ما كان عندك ورد ودع لربك علم ذات الصدور ، والسلام “.

15 / البرهان في علوم القرآن
من أكبر علماء أهل السنة في مصر في العصر الفاطمي الإمام أبو الحسن على بن إبراهيم بن سعيد بن يوسف الحوفى المصري النحوى الذي ولد في قرية شبرا النخلة من أعمال بلبيس في الحوف الشرقي عام 358 هـ / 968 م وتوفي في الفسطاط عام 430 هـ / 1038 م ، وقد تتلمذ على شيوخ عصره في المذهب المالكي وبرع في اللغة العربية حتى وصل إلى رتبة الإمامة في النحو وتصدر لتدريس العربية وأصبح أهل مصر يأخذون عنه في اللغة العربية والتفسير وصارت مؤلفاته الشغل الشاغل للعلماء في عصره.
وفي الفقه كان الحوفي مالكي المذهب وفي النحو كان يميل إلى مذهب البصريين وفي القراءات يأخذ بقراءة ورش عن نافع ، وقد وضع عددا من الكتب منها كتاب إعراب القرآن في عشر مجلدات وكتاب الموضح في النحو وكتاب الإرشاد لطريق خير العباد والعباد وكتاب موارد الانبياء وكتاب في تربية الأولاد وغيرها ، أما أهم وأشهر كتبه فهو (البرهان في علوم القرآن) والذي يتناول آيات القرآن بالتفسير والإعراب والقراءات والأحكام حتى صار المرجع الأكبر في زمنه.
ويشرح الأستاذ إبراهيم عناني محقق الكتاب منهج المؤلف في كتابته فيقول : ” موضوع الكتاب .. يظهر محتوى الكتاب ومضمونه من خلال العنوان الذي وضعه مؤلفه له والذي أُثبت على غلاف النسخ المخطوطة وهو : (البرهان في علوم القرآن من الغريب والإعراب والقراءات والتفسير والناسخ والمنسوخ والأحكام وعدد الآي والتنزيل والوقف والتمام والاشتقاق والتصريف) وزيد في بعض النسخ (المحكم والمتشابه) ، وبهذا التصور العام لمحتوى الكتاب يتبين لنا أن الحوفي – رحمه الله – أراد أن يؤلف تفسيرا منظما مرتبا يضمنه جانبا تطبيقيا لعلوم القرآن المختلفة.
أقول : بأن الإمام الحوفي التزم هذا المنهج في كتابه فجاء كتابه متكاملا من تلك الجوانب مستوفيا تلك الشروط جامعا بين مناهج التفسير المتعددة فلقد جمع بين منهج التفسير اللغوي مقتفيا آثار أئمته ابن عباس وأبي عبيد والفراء والزجاج والنحاس وبين منهج التفسير النقلي مقتفيا آثار أئمته عبد الرحمن بن زيد وابن جرير الطبري وبين منهج المتكلمين وبين منهج التفسير الفقهي مقتفيا آثار أئمته مالك والشافعي وأبي حنيفة وسفيان الثوري والأوزاعي.
وليس جمعه بين المناهج المتعددة تكرارا لعمل السلف بل لم يسبقه أحد من السلف بهذا التأليف الجامع المستلْهمِ للتراث السابقِ عليه المستوعبِ لدقائق ما جاء من مناهجهم ، وهذا شأن العلماء أن يستلوا من التراث بعد أن يستوعبوه ويتخيروا منه ما شاء الله ثم يضيفوا إليه ما يوحي به إخلاصهم وتأملهم وإلهامهم.
منهجه في ترتيب كتابه .. إن منهج الإمام الحَوفي – رحمه الله – كان واضحا في كتابه حيث وضع له خطوطا واضحة الملامح سار عليها من أول الكتاب إلى آخره كما هو واضح من العناوين التي ذكرها في كتابه وذلك على النحو التالي :
يقدم الحوفي بين يدي تفسير السورة أمورا تتعلق بها هي كالمدخل لها كاسم السورة وما يتعلق بنزولها ونحو ذلك فمثلا يقول : (سُورَةُ يُوسفَ عليه السَّلامُ) ثم يذكر التنزيل فيقول : (قال ابن عباس : نزلت بمكة فهي مكية) ثم يفسر آيات السورة ويختم السورة بذكر عدد آياتها.
يرتب تفسير الآية أو الآيات ترتيبا دقيقا حسب علوم القرآن فيبدأ بذكر الآية أو الآيات التي يريد تفسيرها حسب ترتيب المصحف برواية ورش عن نافع ، ثم يبدأ التفسير بالقول في الإعراب وهو لا يقصد بالإعراب ضبط أواخر الكلم فقط إنما قصد الإعراب بمعناه الواسع فهو يجمع بين البحث اللغوي والنحوي ونحو ذلك ، ويبدو ذلك واضحا من جمعه بين المباحث اللغوية كالمعاني والاشتقاق والتصريف والظواهر الصوتية من جهة والمباحث النحوية كالتركيب والإفراد ودور ذلك في الكشف عن المعنى من جهة أخرى ، وبعد أن يستوفي القول في الإعراب ينتقل إلى القول في القراءات وصلتها بالمعنى.
ثم ينتقل إلى القول في المعنى والتفسير فيكشف اللفظة المفردة ودلالتها اللغوية عن طريق كشف النظائر والنقيض ثم يبين سبب نزول الآية ويكشف عن الناسخ والمنسوخ ويبين أن النسخ لا يكون إلا في آيات الأحكام وبعد أن ينتهي من ذلك يكشف المعنى من جوانب عدة فإن كانت الآية مجملة فصلت في آيات أخرى وضحها وبينها وإن كانت السنة قد بينتها نص على ذلك وهو في كل هذا يستشهد بالشعر وغيره ، فإن تعرض لقصة قرآنية بينها وذكر أن هذا القول أقرب ما قاله المفسرون فإن تعرض لمسألة كلامية بينها ونبه عليها وناقشها فإن كان في الآية حكم فقهي نص عليه وجمع بين أقوال الأئمة وتخير أجود تلك الأقوال.
ثم إذا انتهى من ذلك ذكر ما تضمنته الآية بعبارة مجملة تلخص محتوى الآيات ثم ينتقل للقول في الوقف والتمام لينهي تفسيره للآية أو الآيات وهو في كل هذا يغلب عليه الطابع اللغوي والاهتمام بالجانب الأسلوبي وصولا للمعنى “.
وقد ذكره ياقوت الحموي في كتابه معجم الأدباء فقال : ” علي بن إبراهيم بن سعيد بن يوسف الحوفي .. أصله من قرية تسمى شبرا اللنجة من حوف بلبيس من الديار المصرية أخذ عن أبي بكر محمد بن علي الأدفوي صاحب النحاس ، وكان نحويا قارئا مات في مستهل ذي الحجة سنة ثلاثين وأربعمائة ، وله من التصانيف : كتاب الموضح في النحو وهو كتاب كبير حسن وكتاب البرهان في تفسير القرآن بلغني أنه في ثلاثين مجلدا بخط دقيق “.
وذكره القفطي في كتابه إنباه الرواة على أنباه النحاة فقال : ” على بن إبراهيم بن سعيد أبو الحسن النحوىّ الحوفىّ المصرىّ .. فاضل عالم بالنحو والتفسير قيّم بعلل العربية أتم قيام من أهل ضيعة من حوف مصر واسمها شبرا اللّنجة.
دخل إلى مصر فطلب العربية وقرأ على أبى بكر الأدفوىّ وأخذ عنه وأكثر وطالع الكتب ولقى جماعة من علماء المغرب القادمين على مصر وغيرهم ، وتصدّر لإفادة هذا الشأن وصنّف فى النحو مصنفا كبيرا عنى به النحويون استوفى فيه العلل والأصول ، وصنّف مصنفات أصغر منه رأيت المصريين يشتغلون بها ، وصنف تصنيفا كبيرا فى إعراب القرآن أبدع فيه يتنافس العلماء هناك فى تحصيله.
وسمعت أن أحد المشتهرين بهذا النوع ابتاع منه نسخة بمصر فى عشرة مجلدات وأحضرها إلى مدينته بالشام وهو غير عالم بقدرها ولا عارف بمصنفها ؛ ولما تنبّه على جلالتها اشتدّ حفظه لها وضنّه بها تقليدا وادّخرها لولده إن طلع من أهل هذا الشأن ، وعاش الحوفىّ – رحمه الله – إلى بعد الأربعمائة “.
وترجم له ابن خلكان في كتابه وفيات الأعيان فقال : ” الحوفي صاحب التفسير .. أبو الحسن علي بن إبراهيم بن سعيد بن يوسف الحوفي النحوي ؛ كان عالما بالعربية وتفسير القرآن الكريم وله تفسير جيد واشتغل عليه خلق كثير وانتفعوا به ورأيت خطه على كثير من كتب الأدب قد قرئت عليه وكتب لأربابها بالقراءة كما جرت عادة المشايخ ، وتوفي بكرة يوم السبت مستهل ذي الحجة سنة ثلاثين وأربعمائة رحمه الله تعالى.
والحوفي : بفتح الحاء المهملة وسكون الواو وفي آخرها فاء هذه النسبة إلى حوف ، قال السمعاني : ظني أنها قرية بمصر ، حتى قرأت في تاريخ البخاري أنها من عمان منها أبو الحسن المذكور ، ثم قال : وكان عنده من تصانيف النحاس أبي جعفر المصري قطعة كثيرة ، قلت : قوله قرية بمصر ليس كذلك بل الناحية المعروفة بالشرقية التي قصبتها مدينة بلبيس جميع ريفها يسمونه الحوف ولا أعلم ثم قرية يقال لها حوف والله أعلم ، وأبو الحسن من حوف مصر .
وبعد أن فرغت من ترجمة أبي الحسن الحوفي على هذه الصورة ظفرت بترجمته مفصلة ، وذلك أنه من قرية يقال لها شبرا اللنجة من أعمال الشرقية المذكورة وأنه دخل مصر وقرأ على أبي بكر الأدفوي ولقي جماعة من علماء المغرب وأخذ عنهم وتصدر لإفادة العربية ، وصنف في النحو مصنفاً كبيراً وصنف في إعراب القرآن كتاباً في عشر مجلدات وله تصانيف كثيرة يشتغل بها الناس “.

16 / مقطعات ابن خيران
ابن خيران المصري هو إمام كتاب الديار المصرية في المائة الرابعة كما وصفه ابن سعيد المغربي في مقدمة كتابه (المرقصات والمطربات) وذلك ضمن أعلام الأدب العربي في عصره من كافة البلاد ، وهو ولي الدولة أبو محمد أحمد بن علي بن خيران المصري ولد في القاهرة وتوفي فيها عام 431 هـ وتولى ديوان الإنشاء في عهد الخليفة الظاهر لإعزاز دين الله ، وله مقطعات شعرية مجموعة في ديوانه (وهي أبيات قصيرة قيلت في مناسبات محددة) وله كتابات نثرية تضم رسائله وكتاباته الديوانية.
وقد ترجم له ياقوت الحموي في كتابه معجم الأدباء وذكر جانبا من أشعاره فقال : ” أحمد بن علي بن خيران الكاتب المصري أبو محمد الملقب بوليّ الدولة صاحب ديوان الانشاء بمصر بعد أبيه وكان أبوه أيضا فاضلا بليغا أعظم قدرا من ابنه وأكثر علما ، وكان أبو محمد هذا يتقلّد ديوان الانشاء للظاهر ثم للمستنصر وكان رزقه في كلّ سنة ثلاثة آلاف دينار وله عن كلّ ما يكتبه من السجلات والعهود وكتب التقليدات رسوم يستوفيها من كل شيء يحسبه وكان شابا حسن الوجه جميل المروءة واسع النعمة طويل اللسان جيّد العارضة.
وسلّم إلى أبي منصور ابن الشيرازي رسول أبي كاليجار إلى مصر من بغداد جزءين من شعره ورسائله واستصحبهما إلى بغداد ليعرضهما على الشريف المرتضى أبي القاسم وغيره ممن يأنس به من رؤساء البلد ويستشير في تخليدهما دار العلم لينفذ بقية الديوان والرسائل إن علم أنّ ما أنفذه منها ارتضي واستجيد وانه فارقه حيا ثم ورد الخبر بأنه مات في شهر رمضان سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة في أيام المستنصر.
قال ابن عبد الرحيم : ووقع إليّ الجزء من الشعر فتأملته فما وجدته طائلا ، وعرّفني الرئيس أبو الحسين هلال بن المحسن أن الرسائل صالحة سليمة قال : وقد انتزعت من المنظوم على خلوّه إلا من الوزن والقافية ، فمن شعره : عشق الزمان بنوه جهلا منهم .. وعلمت سوء صنيعه فشنئته .. نظروه نظرة جاهلين فغرّهم .. ونظرته نظر الخبير فخفته .. ولقد أتاني طائعا فعصيته .. وأباحني أحلى جناه فعفته.
ومن شعره أيضا : ولي لسان صارم حدّه .. يدمي إذا شئت ولا يدمى .. ومنطق ينظم شمل العلا .. ويستميل العرب والعجما .. ولو دجا الليل على أهله .. فأظلموا كنت لهم نجما ، ومن شعره أيضا : أخذ المجد يميني ليفيضنّ يميني .. ثم لا أرجىء إحسانا إلى من يرتجيني ، ومن شعره أيضا : ولقد سموت على الأنام بخاطر .. الله أجرى منه بحرا زاخرا .. فإذا نظمت نظمت روضا حاليا .. وإذا نثرت نثرت درا فاخرا.
وقال على لسان بعض العلويين يخاطب العباسيين : وينطقنا فضل البدار إلى الهدى .. ويخرسكم عن ذكر فضل لكم بدر .. وقد كانت الشورى علينا غضاضة .. ولو كنتم فيها استطاركم الكبر ، ومن شعره أيضا: يا من إذا أبصرت طلعته .. سدّت عليّ مطالع الحزم .. قد كفّ لحظي عنك مذ كثرت .. فينا الظنون فكفّ عن ظلمي.
ومن شعره أيضا : حيّوا الديار التي أقوت مغانيها .. واقضوا حقوق هواها بالبكا فيها .. ديار فاترة الألحاظ فاتنة .. جنت عليك ولجّت في تجنيها .. ظلّت تسحّ دموعي في معاهدها .. سحّ السحاب إذا جادت عزاليها ، ومن شعره أيضا : أيها المغتاب لي حسدا .. مت بداء البغي والحسد .. حافظي من كلّ معتقد .. فيّ سوءا حسن معتقدي.
ومن شعره أيضا : أما ترى الليل قد ولّت كواكبه .. والصبح قد لاح وانبثت مواكبه .. ومنهل العيش قد طابت موارده .. والدهر وسنان قد أغفت نوائبه .. فقم بنا نغتنم صفو الزمان فما .. صفا الزمان لمخلوق يصاحبه ، ومن شعره أيضا : خلقت يدي للمكرمات ومنطقي .. للمعجزات ومفرقي للتاج .. وسموت للعلياء أطلب غاية .. يشقى بها الغاوي ويحظى الراجي.
ومن شعره : أنا شيعيّ لآل المصطفى .. غير أني لا أرى سبّ السلف .. ضأقصد الإجماع في الدين ومن .. قصد الاجماع لم يخش التلف .. لي بنفسي شغل عن كلّ من .. للهوى قرّظ قوما أو قذف ، ومن شعره : فقام يباهي غرة الشمس نوره .. وتنصف من ظلم الزمان عزائمه .. أغرّ له في العدل شرع يقيمه .. وليس له في الفضل ندّ يقاومه.
وقال على لسان ذلك الملك يخاطب الظاهر لاعزاز دين الله حين أمر بالختم على جميع ما له هذين البيتين ، وكانا السبب في الإفراج عما أخذ منه والرضى عنه : من شيم المولى الشريف العلي .. ألّا يرى مطّرحا عبده .. وما جزا من جنّ من حبكم .. أن تسلبوه فضلكم عنده.
وكان ابن خيران قد خرج إلى الجيزة متنزها ومعه جماعة من أصحابه المتقدمين في الأدب والشعر والكتابة وقد احتفوا به يمينا وشمالا فأدّى بهم السير إلى مخاضة مخوفة ، فلما رأى إحجام الجماعة من الفرسان عنها وظهور جزعهم منها قنّع بغلته فولّجها حتى قطعها وانثنى قائلا مرتجلا : ومخاضة يلقى الردى من خاضها .. كنت الغداة إلى العدا خوّاضها .. وبذلت نفسي في مهاول خوضها .. حتى تنال من العلا أغراضها.
وله أيضا : من كان بالسيف يسطو عند قدرته .. على الأعادي ولا يبقى على أحد .. ضفإن سيفي الذي أسطو به أبدا .. فعل الجميل وترك البغي والحسد ، وله أيضا : قد علم السيف وحدّ القنا .. أنّ لساني منهما أقطع .. والقلم الأشرف لي شاهد .. بأنني فارسه المصقع.
قال ابن عبد الرحيم : وهو كثير الوصف لشعره والثناء على براعته ولسنه ، وجميع ما في الجزء بعد ما ذكرته لا حظّ فيه ، وليس فيه مدح إلا في سلطانهم المستنصر، والباقي على نحو ما ذكرته في مراثي أهل البيت عليهم السلام ، ولو كان فيه ما يختار لاخترته “.
وذكره الدكتور شوقي ضيف في كتابه تاريخ الأدب العربي وعلق على كتاباته النثرية وارتباطها بالسجع فقال : ” وإذا مضينا إلى القرن الخامس الهجرى وجدنا كتابا يصدر على لسان الخليفة الظاهر سنة مسجوعا كله، وربما كان 414 الذى كتبه أحمد بن على بن خيران الملقب بولى الدولة ، وكان يلى ديوان الإنشاء فى عهد الظاهر (411 – 427 هـ) والمستنصر إلى وفاته سنة 431 ، وكان كاتبا شاعرا وكان يعتدّ بشعره وكتابته مما جعله يرسل إلى الشريف المرتضى ببغداد جزءين من شعره ورسائله ليعرضهما على الأدباء هناك فإن استحسنوهما خلدهما له بمكتبة دار العلم وأعجب هلال بن المحسن الصابئ – فيما يبدو – برسائله.
ويقول ابن سعيد فى المغرب : (وقفت على رسائله فى مجلدين وأكثرها من طبقة المغسول) ، ويسوق له رسالة عن الظاهر مسجوعة ويبدو أن ابن سعيد بالغ فى الحكم عليه أو لعله وجد عنده السجع فقط ولم يجد سجعه يزدان بألوان البديع ولذلك قال إن رسائله مغسولة أى من زينة البديع ومحسناته ، ومع ذلك فقد روى له قوله فى فصل من إحدى رسائله : (وكان قلمك يجف ولا يجفّ وسيفك من ذوى العناد يكف ولا يكفّ ووزنك فى سدّ ثلم الفساد يرجح ولا يخفّ) ، والجناس واضح بين يجف ويجفّ وبين يكف ويكفّ وقد طابق بين يرجح ويخف مما يدل على أن ابن خيران لم يكن يخلى سجعه من محسنات البديع فهو ليس مغسولا دائما كما يقول ابن سعيد “.

17 / الإبانة عن سرقات المتنبي
من أشهر كتب النقد الأدبي في مصر كتاب (الإبانة عن سرقات المتنبي لفظا ومعنى) والذي ألفه الأديب والناقد أبو سعد محمد بن أحمد بن محمد العميدي كاتب الإنشاء في الديوان الفاطمي والمتوفي في القاهرة عام 433 هـ / 1041 م ، وقد تدرج العميدي في المناصب حيث عمل في منصب (صاحب خريطة) في عهد الخليفة الظاهر لإعزاز دين الله ثم تولى ديوان الترتيب (البريد) ثم تولى رئاسة ديوان الإنشاء ، وله عدة مؤلفات أخرى منها كتاب تنقيح البلاغة وكتاب الإرشاد إلى حل المنظوم والهداية إلى نظم المنثور وكتاب انتزاعات القرآن وكتاب العروض وكتاب القوافي وكتاب ترسل العميدي وشرح كتاب الألفاظ للهمذاني.
وفي هذا الكتاب (الإبانة) يتناول بالنقد والتحليل أشعار المتنبي ويقارن بينها وبين مثيلاتها من أشعار من سبقه متهما إياه بالاقتباس منهم فيقول : ” ليس تغنى المتنبي جلالةُ نسبه مع ضعف أدبه ولا يضرّه خلافُ دهره مع اشتهار ذكره ، ولقد تأملت أشعاره كلَّها فوجدتُ الأبيات التي يفتخر بها أصحابه وتُعتبر بها آدابُه من أشعار المتقدمين منسوخة ومعانيها من معانيهم المخترعة مسلوخة ، وإني لأعجب والله من جماعة يغلون في ذكر المتنبي وأمره ويدّعون الإعجاز في شعره ويزعمون أن الأبياتَ المعروفةَ له هو مبتدعها ومخترعها ومُحْدِثها ومفترعها لم يَسبق إلى معناها شاعر ولم ينطق بأمثالها باد ولا حاضر “.
وقد ترجم له ياقوت الحموي في معجم الأدباء فقال : محمد بن أحمد بن محمد أبو سعد العميدي أديب نحوي لغوي مصنف سكن مصر ، قال أبو إسحاق الحبال : أبو سعد العميدي له أدبيات مات يوم الجمعة لخمس خلون من جمادى الآخرة سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة ، وكان العميدي يتولّى ديوان الترتيب وعزل عنه كما ذكر الروذباري في سنة ثلاث عشرة في أيام الظاهر ووليه ابن معشر ، ثم تولى ديوان الانشاء بمصر في أيام المستنصر استخدم فيه عوضا من ولي الدولة ابن خيران الكاتب في صفر سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة وتولى الديوان بعده أبو الفرج الدهلي في جمادى الآخرة من سنة ست وثلاثين وأربعمائة.
وله تصانيف في الأدب منها كتاب تنقيح البلاغة في عشر مجلدات رأيته بدمشق في خزانة الملك المعظم خلّد الله دولته وعليه خطه وقد قرىء عليه في شعبان سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة ، كتاب الإرشاد إلى حل المنظوم والهداية إلى نظم المنثور كتاب انتزاعات القرآن كتاب العروض كتاب القوافي كبير ، قال علي بن مشرف : أنشدنا أبو الحسين محمد بن محمود بن الدليل الصواف بمصر قال أنشدنا أبو سعد محمد بن أحمد العميدي لنفسه : إذا ما ضاق صدري لم أجد لي .. مقرّ عبادة إلا القرافة .. لئن لم يرحم المولى اجتهادي .. وقلّة ناصري لم ألق رافة “.
ويشرح المؤلف في مقدمة كتابه منهجه في النقد بأسلوب أدبي بليغ يدل على تمكنه من اللغة العربية والكتابة النثرية فيقول : ” بسم اللهِ الرحَمنِ الرحَيم الحمد لله الذي أجرانا على عادة تفضله ، وهدانا في جميع أحوالنا إلى طرق الخير وسبله ، وخصّنا بإحسانه المتقادِم ، ورزقنا من العقل ما ميّزنا به من البهائم ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خير بريته، وعلى الطاهرين من أهل بيته وذريته.
إعجاب المرء بنفسه يَشرع إليه ألسنة الطاعنين ، وتطاوله على أبناء جنسه يجمع عليه ألسنة الشانئين ؛ فلا نقيصة عندي أقبحُ سِمَةً من اغترار الإنسان بجهله ، ولا رذيلة أبلغُ وصمةً من إنكار فضيلة من يقع الإجماع على فضله ، ولا منقبةَ أجلب للشرف من الاعتراف بالحق إذا وضحت دلائله ، ومن الانحراف عن الباطل إذا استُقبحت مجاهله ، ولا دلالة على الحلم أبينُ من التوقّف عند الشبهات حتى ينجلي ظلامها ، والتصرف على أحكام النّصَفة حتى تهديَك أعلامُها ، وما أحسن أثر القاضي إذا عدل في الحكم وأنصف ، وأقبح ذكره إذا مال عن الحق وجنف ، والظلم قبيح ، وهو من الحكام أقبح وأشنع ، وجحود الفضل سخف ، وهو من الفضلاء أسخف وأفظع ، ومن لم يتميّز من العوامّ بمزية تقدم وتخصص سلق المحسنين بلسان ذمّ وتنقص ، ومن عدم محاسن التمييز والتحصيل نظر إلى المُمَيَّزين بعين التقصير والتجهيل.
وأكثر آفات كتاب زماننا وشعرائه أنهم لا يهتدون لتعليل الكلام وتشقيقه ، ويتبعون الهوى فيضلّهم عن منهج الحق وطريقه ؛ فإذا سمعوا فصلاً من كتاب ، أو بيتاً من شعر ممن لا يكاد يجيل في الأدب قِدحا ، ولا يعرف هجاء ولا مدحاً ؛ فهو يحكم على قائله بالسبق والتفخيم ، والإجلال والتعظيم ، وليس يدري إن سألته هل ما رواه سليم اللفظ أو مختله ، صحيح المعنى أو معتلّه ، وهل ترتيبه مستحسن أو مستهجن ، وتقسيمه مطبوع أو مصنوع ، ونظامه مستعمل أو مسترذل ، وكلامه مستعذب أو مستصعب ، وهل سبقه إلى ذلك المعنى أحد قبله ، أو هو مبتدِع ، أو أورد نظيره سواه أو هو مخترع استبدعوا كلامه ، واتبعوا أحكامه ، واعتمدوا على الاعتقاد دون الانتقاد ، وقبلوه بالتقليد لا بالاختيار ، وقابلوه بالامتثال دون الاعتبار والاختبار.
ثم إن بيّنت لهم عَوار ما رَوَوْه وزلله ، وخطأ ما حكَوْه وخطله التزموا نُصْرة خطئه واقفين مواقف الأعتذار ، ومائلين عن طريقة الانتصاف إلى الانتصار ، وليست هذه الخصلة من خصال الأدباء الذين هذبتهم الآداب فصاروا قدوة وأعلاماً ، ودرّبتهم العلوم فأصبحوا بين الناس قضاةً وحكاماً ، إنما يذهب في مدح الكتاب والشعراء مذهب التقليد من يكون في علومه خفيف البضاعة ، قليل الصناعة ، صِفَر وِطاب الأدب ، ضيّقَ مجال الفضل ، قصيرَ باع الفهم ، جديبَ رباع العقل ، فأما من رزق من المعرفة ما يستطيع أن يميز به بين غثّ الكلام وسمينه ، ويفرق بين سخيفه ومتينه ، وأوتي من الفضل ما يحسن أن يَعدل به في القضية غير عادل عن الإنصاف ، ويحكم بالسوية غير مائل إلى الإسراف والإجحاف ، فالأولى به ألا ينظر إلى أحد إلا بعين الاستحقاق والاستيجاب ، ولا يحل أحداً من رتب الجلالة إلا بقدر محله من الآداب ، ولا يُعظم الجاهليّة لتقدمهم إذا أخّرتهم معايب أشعارهم ، ولا يستحقر المحدثين لتأخرهم إذا قدمتهم محاسن آثارهم ، ويطرح الاحتجاج بالمحال طرحاً ، ويضرب عن استشعار الباطل صفحاً ، ويُجلّ من يَشْهد بفضائله شهودٌ عدول ، ويُنزل مَن كلامُه عند التأمل منحولٌ معلول “.
وفي كتاب تاريخ النقد الأدبي عند العرب يقول إحسان عباس : ” لمحة عن جهود العميدي في الأدب والنقد : شهر العميدي بالنحو واللغة ولكن توليه ديوان الإنشاء بمصر في أيام المستنصر ، وأسماء مؤلفاته كل ذلك يدل على درجة في الكتابة والأدب عامة، فمن كتبه كتاب تنقيح البلاغة رآه ياقوت وذكر انه في عشر مجلدات وكتاب الإرشاد إلى حل المنظوم والهداية إلى نظم المنثور ؛ كذلك اهتم بالعروض والقوافي وله فيهما مؤلفان ؛ وقد انفرد القفطي بذكر كتابه في سرقات المتنبي وقال : وهو كتاب حسن يدل فيه على اطلاع كثير “.
أما كتابه تنقيح البلاغة فهو مدونة كاملة في علم البيان والبديع حيث قسم علم البديع إلى ستة عشر بابا هي السجع والرجع والترصيع والتوشيع والإلمام والمقابلة والتقسيم والتركيب والتتميم والمعاقبة والتجنيس والمطابقة والتمثيب والتوشيح والتغويف والتطريف ويشرحها العميدي جميعا ويسميها ألقابا ، وقد انفرد من بين النقاد والبلاغيين بأن أتى بالإبدال من اللغويين وجعله باب المعاقبة وجعل الأضداد في اللغة من البلاغة وسماها التمثيل وتفرد بتسمية الاقتباس توشيحا (من الوشاح الذي يغطي الشيء).
وأما رسائله النثرية فهي تتكون من سبع وتسعين رسالة كتبها في موضوعات متفرقة مثل التهنئة والتعزية والعتاب والاعتذار والشكوى والشوق والوصف وقد تبادلها مع أعيان عصره من الأدباء والأشراف ، وأما رسائله الديوانية فهي شديدة الأهمية لأنها ترصد حدثا سياسيا هاما وقع بعد وفاة الحاكم بأمر الله وتولي الظاهر لإعزاز دين الله عندما قرر أمراء القبائل العربية في الشام خلع بيعة الفاطميين والاستقلال عن القاهرة وتقسيم البلاد فيما بينهم وهم صالح بن مرداس الكلابي في حلب وحسان بن الجراح الطائي في الرملة بفلسطين وسنان بن عليان الكلبي في دمشق وأعمالها.
وفي هذه الأحداث تأتي رسائل العميدي الموجهة إليهم بما تحمله من موضوعات تجمع بين التهديد والوعيد والمصانعة لمن خلع الطاعة والتهنئة بالانتصار عليهم والشكر لمن ثبت على الطاعة ثم وصف المعارك والانتصارات الفاطمية عليهم وإخضاعهم مرة أخرى ، ولذلك اكتسبت هذه الرسائل أهمية تاريخية بالإضافة إلى أهميتها الأدبية لأنها تشرح لنا مسار الأحداث وتشبه في عالمنا المعاصر البيانات السياسية للدول والحكومات والتي سبق إليها العميدي منذ ألف عام.

18 / مواد البيان
(مواد البيان) هو عنوان الكتاب الذي ألفه الشيخ الإمام العالم العلامة أبو الحسن علي بن خلف بن علي بن عبد الوهاب الكاتب المصري وذلك في عام 437 هـ أثناء عمله في ديوان الإنشاء في أوائل عهد الخليفة المستنصر بالله الفاطمي ، وهو كتاب ضخم موسوعي يقارب سبعمائة صفحة جمع فيه الكاتب كل ما يختص بعلوم البلاغة وصنعة الكتابة والخط العربي ورسوم المكاتبات في زمنه ، وهو من أهم المراجع التي اعتمد عليها القلقشندي بعد ذلك في كتابه صبح الأعشى في صناعة الإنشا.
ويشرح المؤلف في مقدمته الأسباب التي دعته لتأليف الكتاب فقال : ” ولما كانت الصناعة الكتابية والفضيلة اليراعية من أنبل الصنائع خطرا وأحسنها على أهلها أثرا لاشتراك الخاصة والعامة في استعماله وأخذ كل منهم بما تقتضيه حاجته ومنزلته منها ، أكثر الناس من وضع الكتب فيها وصار المعني بالتصنيف فيها إنما يقتدي على مثل السالف مغِيرا على معانيه مغَيرا لألفاظه ومبانيه.
إلا أننا لما طالعنا الكتب الموضوعة منها وجدنا أكثرها معدولا به عن الطريق القاصد إليها لأن من الواضعين من اختصر وقصر ومنهم من أسهب وكثر ومنهم من شغل كتابه بأجزاء من العلوم القائمة بأنفسها الموجودة في مظانها لما للصناعة من الشركة فيها وأخل بما هو من نفسها وهو أخص بها ، ومنهم من اقتصر على إيداع كتابه رسوما لا تستعمل إلا في دولة بذاتها وبلاد بعينها فلا ينتفع بكتابه في غيرهما.
ومنهم من نص على طريقة قد صار عرفها وأمرها إمرا لوقوع الاصطلاح على هجرها وإلغائها والاستبدال منها بما هو أليق بالزمان والمكان وأهليهما ، ومنهم من استوفى الفن الذي بهر فيه وتدرب به وقصر في غيره من الفنون الأخر وهي من أجزاء الصناعة وأقسامها.
فرأينا لذلك ـ وبالله التوفيق ـ أن نصنف كتابا جامعا لأصولها وفروعها ورسومها المستعملة وأوضاعها وأقسام البلاغة وأنواعها ، ليكون علما يهتدى بناره ودليلا يسعى على آثاره وحاكما يتحاكم إليه ومحكا يعرض من اعتزى إلى هذه الصناعة عليه.
وأشرنا إلى ما لا بد للكاتب الكامل من معرفته من العلوم الأخر التي هي وإن كانت من أجزائها فإنها تؤخذ من معادنها وتوجد في أماكنها ، لأن المتفردين لها قد فرغوا منها واستوفوا القول عليها ، فإن مر في أثناء الكلام شيء من نصوصها فإنما أتينا به على القدر الكافي منها وإشارة إلى موقع الحاجة في الصناعة إليه.
ونعتنا هذا الكتاب بمواد البيان لوقوع هذا النهت منه في موقع الحقيقة ، والله تعالى نسأل عونا يفرغه وتوفيقا يسبغه وهو مانٌ بهما بفضله ، وهو عشرة أبواب :
الباب الأول في حد صناعة الكتابة وفضيلتها ومنفعتها وقسمتها ورسم الكتاب وعلى وضعه ، الباب الثاني في البلاغة وأقسامها الأصلية ، الباب الثالث في أقسام البلاغة الفرعية ، الباب الرابع في صناعة البديع وأبوابها ، الباب الخامس في ما يخرج الكلام عن أحكام البلاغة ، الباب السادس في أن الطبع هو قوام الصناعة ونظامها واحتذاء مذاهب السابقين بكمالها وتمامها ، الباب السابع في أوضاع الخط وقوانينه وترتيب الصدور والأدعية والعنوانات والتاريخ والختم ، الباب الثامن في رسوم المكاتبات ، الباب التاسع في آداب الصناعة ، الباب العاشر في آداب السياسة “.
وهو في كتابه هذا يقسم الكلام إلى كل من الكتابة والخطابة والشعر ويحدد ما يلزم كل مهنة من المهن العليا في الدولة بما تحتاجه كل واحدة منهم من العلوم والآداب وهي الوزارة والتوقيع والرسائل والخراج والضياع وبيت المال والخزائن والبريد والنفقات والجيش وكتابة القضاء وكتابة الأمراء والقواد وغيرها.
ويتناول بالشرح والتفصيل الألفاظ البسيطة والمعاني المجردة والمركب من الألفاظ والمعاني وكذلك الحقيقة والمجاز والاستعارة والتشبيه والبيان ويذكر أحسن ما يبدأ به الكاتب والخطيب والشاعر من كلمات وما يختتم بها ثم يفصل المحسنات البديعية بأنواعها المختلفة والتي تصل عنده إلى أربعين نوعا ذكرها كلها.
ويتناول عيوب الألفاظ مثل اللحن والتطويل والتكرار والتجنيس المعيب وكذلك عيوب المعاني وعيوب المركب من الألفاظ كما يشير إلى كل من الأسلوب المستحسن والمستقبح في استعمال المعاني ويعرض لنماذج من السرقات الأدبية سواء من النثر إلى الشعر أو العكس ويدعو إلى كشف المعنى وإيضاحه من غير زيادة.
ويتكلم عن أحكام الخط وترتيب المكتوبات ووضع العنوان والتاريخ ويقسم المكاتبات حسب الغرض منها وعلى رأسها السلطانيات أي المكاتبات الرسمية مثل الحث على الجهاد والدعاء إلى الدين والفتوحات والهدن والعقود والأوامر والنواهي وغيرها ويعرض نماذج عديدة لذلك في موضوعات مختلفة وبأساليب متنوعة.
والكتاب في مجمله مدونة شاملة لعلوم البلاغة (البيان والبديع والمعاني) ويعطينا صورة عن فن الكتابة الرسمية في دواوين الدولة الفاطمية في زمن المؤلف ، وفي طياته رؤية نقدية للعاملين في هذا المجال سجلها المؤلف مع بيانه لملاحظات كثيرة في النثر والشعر وتوضيحات تعين الكاتب على أداء مهمته وترسم له طريق النجاح والتفوق.

19 / مناقب الإمام مالك
تعددت المذاهب الفقهية في مصر لكن المنافسة في أهل السنة كان بين المالكية والشافعية وتبارى كل من الفريقين في الكتابة عن مناقب شيوخهم الكبار تعصبا للمذهب ، ومن أهم الكتابات المصرية في هذا المجال كتاب (مناقب الإمام مالك) لمؤلفه الإمام أبو الحسن علي بن الحسن الفهري المالكي المولود في مصر والمتوفي بها تقريبا عام 440 هـ / 1049 م ، وقد قضى حياته متنقلا بين الفسطاط والحجاز والتقى شيوخ عصره وترقى في مدارج التحصيل حتى تصدر بمصر للإسماع والتحديث وصار محدث مصر في زمنه وروى عنه أبو بكر البيهقي وأبو الوليد الباجي الأندلسي أثناء وجوده في مكة.
وقد اشتهر الكتاب بين علماء المالكية في المغرب العربي والأندلس ونقلوا عنه كثيرا في كتاباتهم خاصة القاضي عياض وابن حزم الأندلسي حيث عرف الكتاب باسم آخر هو (فضائل مالك وأخباره) كما عرف باسم (مناقب الإمام مالك وأخباره) ، وقد كان الدافع لتأليف الكتاب هو الرد على واحد من علماء الشافعية ألف كتابا في مناقب الإمام الشافعي وتعرض فيه بالتنقيص واللمز للإمام مالك فتصدى له الإمام ابن فهر المصري ليرد عليه ويوقف اجتراءه على أحد الأئمة الأعلام.
وفي مقدمة كتابه يشرح ذلك فيقول : ” أما بعد ، فإنه لما وقفت على ما رسمه بعض المتأخرين في كتاب زعم فيه أنه مدح إمام وقته عنده وانتقص إمام إمامه ، رأيت أن قد عاد مدحه ذما إذ لم يتوصل إلى مدح إمامه إلا بانتقاص من انتشرت إمامته وبانت فضيلته وبشر به النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : يوشك أن تضرب الناس أكباد الإبل في طلب العلم فلا يوجد عالم أعلم من عالم المدينة ، فكان الإمام الأوحد في وقته والفقيه الفاضل في عصره حتى إنهم كانوا يسمونه بمكة : أمير المؤمنين في الحديث.
عمدت إلى ما حصل عندي بمكة ـ حرسها الله ـ في فضله فخرجته وأتيت بالحكايات التي أوردها نقيصة على التمام ليعلم قارئها أنها مدح لا ذم وأنه أسندها عن الشافعي رحمه الله ، نعيذ الشافعي من ذلك ، وقد أوردت بعض ما روي عنه في تفضيل مالك رحمة اللع عليه موافقا لسائر العلماء ممن كان قبله وفي زمانه ، والله يؤتي فضله من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
وابتدأت بفضل المدينة إذ كانت بلدته ودار هجرة النبي صلى الله عليه وسلم ومنها انتشر علمه وكان بها أجلاء الصحابة رضي الله عنهم في حياته وبعد وفاته وكم خلف بالمدينة من صاحب يروي عنه ، وجعلت مقدمة ذلك (باب ذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم إنما الأعمال بالنيات) والله أسأل العون والتأييد وهو حسبي ونعم الوكيل وصلى الله على محمد النبي وعلى آله وسلم “.
وقد اجتهد الإمام في كتابة هذا الكتاب فخرج مختلفا عن كتب المناقب حيث صار أقرب لكتب التاريخ والسير الذاتية وجاء في ثلاثة أجزاء ، الجزء الأول يتناول المدينة المنورة وتاريخها وفضلها وهجرة النبي صلى الله عليه وسلم إليها ووفاته وقبور أصحابه من بعده فيها وانتشار العلم منها إلى سائر الأقطار ، والجزء الثاني يتناول شخصية الإمام مالك وفضائله الشخصية ومراسلاته من علماء عصره وفضل جده وأعمامه وبني عمه وابنه يحيى وابنته وابن بنته محمد بن يحيى بن مالك واشتغالهم جميعا بالعلم ، والجزء الثالث يتناول التكوين العلمي للإمام مالك ودراساته ومؤلفاته ومنهجه وإسهاماته في الفقه والحديث وشهادات العلماء في الإمام مالك سواء القدماء منهم أو المحدثين ومن أخذ عنه من كبار التابعين وأئمة المسلمين.
وقد ذكره الذهبي في كتابه تاريخ الإسلام فقال : ” عليّ بن الحسن بن محمد بن فِهْر الإمام أبو الحسن الفِهْريّ المصريّ المالكيّ ، من كبار الفُقهاء صنَّف (فضائل مالك) في مجلَّد وسمع بالمشرق من جماعة ، سمع منه أبو العبّاس بن دِلْهَاث والمُهَلَّب بن أبي صفرة وقال : لقيته بمصر ومكة ولم ألق مثله ” ، وذكره الصفدي في كتابه الوافي بالوفيات فقال : ” الفِهري الْمَالِكِي عَليّ بن الْحسن بن مُحَمَّد بن الْعَبَّاس بن فهر الإِمَام أَبُو الْحسن الفِهري الْمصْرِيّ الْمَالِكِي صنف فَضَائِل مَالك وَكَانَ مَوْجُودا فِي حُدُود الْأَرْبَعين والأربعمائة “.
وترجم له القاضي عياض في كتابه ترتيب المدارك وتقريب المسالك وذلك في الطبقة الثامنة من المالكية فقال : ” ومن أهل مصر أبو الحسن علي بن الحسن بن محمد بن العباس بن فهر البزار الفهري فقيه مالكي محدث مصري ألف في فضائل مالك اثني عشر جزءًا ، سمع الحسن بن رشيق وأبا الحسن بن زريق وأبا الطاهر الديبلي وأبا القاسم الجوهري وأبا سعيد السجدي وأبا علي المطرز وأبا أحمد بن المفسر وأحمد بن فراس وأبا مسلم بن الكاتب ؛ سمع منه الدلائي والملهب بن أبي صفرة وأبو الوليد وغلبت عليه الرواية ، قال القاضي أبو الوليد الباجي : يعرض من الكلام لما لم يكن من شأنه فأنكر ذلك عليه أبو عمران الفاسي ، قال الملعب : لقيته بمصر وبمكة ولم ألق مثله “.
وذكره محمود النحال في كتابه إتحاف المرتقي بتراجم شيوخ البيهقي وذكر شيوخه وتلاميذه وأقوال العلماء فيه فقال : “علي بن الحسن بن محمَّد بن العباس بن فهو أبو الحسن البزاز الفهري المصري المالكي المقيم بمكة وقد ورد هذا الاسم في مصنفات البيهقي.
روى عن : الحسن بن رشيق أبي محمَّد العسكري المصري المُعَدَّل مسند مصر في عصره ، وعلي بن عمر بن أحمد بن مهدي بن مسعود بن النعمان بن دينار بن عبد الله الإِمام الجليل أبي الحسن الدارقطني البغدادي المقرئ الحافظ صاحب المصنفات إملاء ، ومحمَّد بن أحمد بن عبد الله بن نصر بن بجير بن عبد الله بن صالح بن أسامة القاضي أبي الطاهر الذهلي البغدادي نزيل مصر وقاضيها ، وعبد الله ابن محمَّد بن عبد الله بن الناصح بن شجاع أبي أحمد الدمشقي الفقيه الشافعي المعروف بابن المفسر نزيل مصر.
سمع منه : أبو بكر البيهقي بمكة حرسها الله تعالى في المسجد الحرام وروى عنه في تصانيفه ، وروى عنه أيضًا : أحمد بن عمر بن أنس بن دلهاث بن أنس بن فلذان بن عمر ابن منيب أبو العباس العذري الأندلسي المريي الدلائي ، والمهلب بن أحمد بن أبي صفرة أسيد بن عبد الله أبو القاسم الأسدي الأندلسي المريي مصنف شرح صحيح البخاري ، قال ابن فرحون : أبو الحسن فقيه مالكي ألف في فضائل مالك بن أنس اثني عشر جزءًا سمع بالمشرق من جماعة سمع منه الدلائي والمهلب بن أبي صفرة قال المهلب : لقيته بمصر ومكة ولم ألقى مثله “.

20 / النافع في كيفية تعليم صناعة الطب
كتاب قيم في التعليم الطبي وأخلاقيات مهنة الطب كتبه رئيس أطباء مصر في العصر الفاطمي علي بن رضوان الذي ولد في الجيزة عام 399 هـ / 1008 م وتوفي في القاهرة عام 453 هـ / 1061 م ، وقد اجتهد منذ صباه في تعلم الطب واجتهد في ذلك بالقراءة والعمل وحضور حلقة معلمي الطب حتى ذاع صيته وعرف في القاهرة وألحقه الخليفة المستنصر الفاطمي بحاشيته ليكون طبيبه الخاص ثم جعله رئيسا لأطباء مصر حيث تتلمذ على يده عدد من أطباء عصره.
ويشرح في مقدمة كتابه هدفه من تأليفه فيقول : ” الباب الأول في سبب وضع هذا الكتاب .. إن قصدنا أن نبين ما النافع في تعليم صناعة الطب وذلك أنه عرض لنا في تعليمها غيرة عظيمة وتعبنا فيه تعبا عظيما فلما وقفنا على السبيل المستقيم في تعلمها رأينا أن نسعف به كل من نظر فيه لنريح به الواحد من المشقة التي نالتنا ولا يقع في حيرة من أمره فيفوته الكمال في صناعة الطب أو يناله في ذلك مشقة صعبة “.
وقد كتب عدة مؤلفات أخرى في الطب وهي : كتاب مقالة في شرف الطب وكتاب دفع المضار عن الأبدان بمصر وشرح كتاب الصناعة الصغيرة لجالينوس وشرح كتاب النبض الصغير لجالينوس وكتاب الأصول في الطب ورسالة في علاج الجذام وكتاب تعاليق في صيدلة الطب في مذهب أبقراط وكتاب كلام في الأدوية المسهلة وكتاب في عمل الأشربة والمعاجين من كتاب التميمي في الأغذية والأدوية وكتاب مقالة في الطريق إلى إحصاء عدد الحميات وكتاب مقالة في التنفس الشديد وهو ضيق النفس وكتاب مقَالَة فِي الأورام وكتاب فِي الْأَدْوِيَة المفردة على حُرُوف المعجم اثْنَتَا عشرَة مقَالَة.
وقد ترجم له ابن أبي أصيبعة في كتابه عيون الأنباء في طبقات الأطباء ونقل نظام حياته اليومية وبعض أقواله ونصائحه للراغبين في تعلم مهنة الطب فقال : ” عَليّ بن رضوَان .. هُوَ أَبُو الْحسن عَليّ بن رضوَان بن عَليّ بن جَعْفَر وَكَانَ مولده ومنشؤه بِمصْر وَبهَا تعلم الطِّبّ ، وَقد ذكر عَليّ بن رضوَان فِي سيرته من كَيْفيَّة تعلمه صناعَة الطِّبّ وأحواله مَا هَذَا نَصه :
قَالَ إِنَّه لما كَانَ يَنْبَغِي لكل إِنْسَان أَن ينتحل أليق الصَّنَائِع بِهِ وأوفقها لَهُ وَكَانَت صناعَة الطِّبّ تتاخم الفلسفة طَاعَة لله عز وَجل وَكَانَت دلالات النُّجُوم فِي مولدِي تدل على أَن صناعتي الطِّبّ وَكَانَ الْعَيْش عِنْدِي فِي الْفَضِيلَة ألذ من كل عَيْش أخذت فِي تعلم صناعَة الطِّبّ وَأَنا ابْن خمس عشرَة سنة.
والأجود أَن أقتص إِلَيْك أَمْرِي كُله ولدت بِأَرْض مصر .. فَلَمَّا بلغت السّنة السَّادِسَة أسلمت نَفسِي فِي التَّعْلِيم وَلما بلغت السّنة الْعَاشِرَة انْتَقَلت إِلَى الْمَدِينَة الْعُظْمَى واجهدت نَفسِي فِي التَّعْلِيم وَلما أَقمت أَربع عشرَة سنة أخذت فِي تعلم الطِّبّ والفلسفة وَلم يكن لي مَال انفق مِنْهُ فَلذَلِك عرض لي فِي التَّعَلُّم صعوبة ومشقة فَكنت مرّة أتكسب بصناعة القضايا بالنجوم وَمرَّة بصناعة الطِّبّ وَمرَّة بالتعليم.
وَلم أزل كَذَلِك وَأَنا فِي غَايَة الِاجْتِهَاد فِي التَّعْلِيم إِلَى السّنة الثَّانِيَة وَالثَّلَاثِينَ فَإِنِّي اشتهرت فِيهَا بالطب وكفاني مَا كنت أكسبه بالطب بل وَكَانَ يفضل عني إِلَى وقتي هَذَا وَهُوَ آخر السّنة التَّاسِعَة وَالْخمسين وكسبت مِمَّا فضل عَن نفقتي أملاكا فِي هَذِه الْمَدِينَة إِن كتب الله عَلَيْهَا السَّلامَة وَبَلغنِي سنّ الشيخوخة كفاني فِي النَّفَقَة عَلَيْهَا.
وَكنت مُنْذُ السّنة الثَّانِيَة وَالثَّلَاثِينَ إِلَى يومي هَذَا أعمل تذكرة لي وأغيرها فِي كل سنة إِلَى أَن قررتها على هَذَا التَّقْرِير الَّذِي أستقبل بِهِ السّنة السِّتين من ذَلِك أتصرف فِي كل يَوْم فِي صناعتي بِمِقْدَار مَا يُغني وَمن الرياضة الَّتِي تحفظ صِحَة الْبدن وأغتذي بعد الاسْتِرَاحَة من الرياضة غذَاء أقصد بِهِ حفظ الصِّحَّة وأجتهد فِي حَال تصرفي فِي التَّوَاضُع والمداراة وغياث الملهوف وكشف كربَة المكروب وإسعاف الْمُحْتَاج وَأَجْعَل قصدي فِي كل ذَلِك الالتذاذ بالأفعال والانفعالات الجميلة.
وَلَا بُد أَن يحصل مَعَ ذَلِك كسب مَا ينْفق فأنفق مِنْهُ على صِحَة بدني وَعمارَة منزلي نَفَقَة لَا تبلغ التبذير وَلَا تنحط التقتير وَتلْزم الْحَال الْوُسْطَى بِقدر مَا يُوجِبهُ التعقل فِي كل وَقت واتفقد آلَات منزلي فَمَا يحْتَاج إِلَى إصْلَاح صلحته وَمَا يحْتَاج إِلَى بدل بدلته وَأعد فِي منزلي مَا يحْتَاج إِلَيْهِ من الطَّعَام وَالشرَاب وَالْعَسَل وَالزَّيْت والحطب وَمَا يحْتَاج إِلَيْهِ من الثِّيَاب فَمَا فضل بعد ذَلِك كُله صرفته فِي وُجُوه الْجَمِيل وَالْمَنَافِع مثل إِعْطَاء الْأَهْل والأخوان وَالْجِيرَان وَعمارَة الْمنزل وَمَا اجْتمع من غلَّة أملاكي أدخرته لعمارتها ومرمتها ولوقت الْحَاجة إِلَى مثله.
وَإِذا هَمَمْت لتجديد أَمر مثل تِجَارَة أَو بِنَاء أَو غير ذَلِك فرضته مَطْلُوبا وحللته إِلَى مَوْضُوعَاته ولوازمها فَإِن وجدته من الْمُمكن الْأَكْثَر بادرت إِلَيْهِ وَإِن وجدته من الْمُمكن الْقَلِيل أطرحته وأتعرف مَا يمكنني تَعْرِيفه من الْأُمُور المزمعة وآخذ لَهُ أهبته وَأَجْعَل ثِيَابِي مزينة بشعار الأخيار والنظافة وَطيب الرَّائِحَة وألزم الصمت وكف اللِّسَان عَن معايب النَّاس وأجتهد أَن لَا أَتكَلّم إِلَّا بِمَا يَنْبَغِي وأتوقى الْأَيْمَان ومثالب الآراء فأحذر الْعجب وَحب الْغَلَبَة وأطرح الْهم الحرصي والاغتمام وَإِن دهمني أَمر فادح أسلمت فِيهِ إِلَى الله تَعَالَى وقابلته بِمَا يُوجِبهُ التعقل من غير جبن وَلَا تهور وَمن عاملته عاملته يدا بيد لَا أَسف وَلَا أتسلف إِلَّا أَن أضطر لذَلِك وَإِن طلب مني أحد سلفا وهبت مِنْهُ وَلم أرد مِنْهُ عوضا.
وَمَا بَقِي من يومي بعد فراغي من رياضتي صرفته فِي عبَادَة الله سُبْحَانَهُ بِأَن أتنزه بِالنّظرِ فِي ملكوت السَّمَوَات وَالْأَرْض وتمجيد محكمها وأتدبر مقَالَة أرسطاطاليس فِي التَّدْبِير وآخذ نَفسِي بِلُزُوم وصاياها بالغدة والعشي وأتفقد فِي وَقت خلوتي مَا سلف فِي يومي من أفعالي وانفعالاتي فَمَا كَانَ خيرا أَو جميلا أَو نَافِعًا سررت بِهِ وَمَا كَانَ شرا أَو قبيحا أَو ضارا اغتممت بِهِ ووافقت نَفسِي بِأَن لَا أَعُود إِلَى مثل ، قَالَ وَأما الْأَشْيَاء الَّتِي أتنزه فِيهَا فلأني فرضت نزهتي ذكر الله عز وَجل وتمجيده بِالنّظرِ فِي ملكوت السَّمَاء وَالْأَرْض.
وَكَانَ قد كتب القدماء والعارفون فِي ذَلِك كتبا كَثِيرَة رَأَيْت أَن أقتصر مِنْهَا على مَا أنصه من ذَلِك خَمْسَة كتب من كتب الْأَدَب وَعشرَة كتب من كتب الشَّرْع وَكتب أبقراط وجالينوس فِي صناعَة الطِّبّ وَمَا جانسها مثل كتاب الحشائش لديسقوريدس وَكتب روفس وأريباسيوس وبولس وَكتاب الْحَاوِي للرازي وَمن كتب الفلاحة والصيدلة أَرْبَعَة كتب وَمن كتب التعاليم المجسطي ومداخله وَمَا أنتفع بِهِ فِيهِ والمربعة لبطلميوس وَمن كتب العارفين كتب أفلاطن وأرسطوطاليس والإسكندر وثامطيوس وَمُحَمّد الفارابي وَمَا أنتفع بِهِ فِيهَا وَمَا سوى ذَلِك إِمَّا أبيعه بِأَيّ ثمن اتّفق وَإِمَّا أَن أخزنه فِي صناديق وَبيعه أَجود من خزنه.
أَقُول هَذَا جملَة مَا ذكره من سيرته ، وَكَانَ مولده فِي ديار مصر بالجيزة وَنَشَأ بِمَدِينَة مصر وَكَانَ أَبوهُ فرانا وَلم يزل ملازما للاشتغال وَالنَّظَر فِي الْعلم إِلَى أَن تميز وَصَارَ لَهُ الذّكر الْحسن والسمعة الْعَظِيمَة وخدم الْحَاكِم وَجعله رَئِيسا على سَائِر المتطببين ، وَكَانَت دَار ابْن رضوَان بِمَدِينَة مصر فِي قصر الشمع وَهِي الْآن تعرف بِهِ وَقد تهدمت وَلم يتَبَيَّن إِلَّا بقايا يسيرَة من آثارها.
وَمن كَلَامه نقلته من خطه قَالَ : الطَّبِيب على رَأْي بقراط هُوَ الَّذِي اجْتمعت فِيهِ سبع خِصَال : الأولى أَن يكون تَامّ الْخلق صَحِيح الْأَعْضَاء حسن الذكاء جيد الروية عَاقِلا ذُكُورا خير الطَّبْع ، الثَّانِيَة أَن يكون حسن الملبس طيب الرَّائِحَة نظيف الْبدن وَالثَّوْب ، الثَّالِثَة أَن يكون كتوما لأسرار المرضى لَا يبوح بِشَيْء من أمراضهم ، الرَّابِعَة أَن تكون رغبته فِي إِبْرَاء المرضى أَكثر من رغبته فِيمَا يلتمسه من الْأُجْرَة ورغبته فِي علاج الْفُقَرَاء أَكثر من رغبته فِي علاج الْأَغْنِيَاء ، الْخَامِسَة أَن يكون حَرِيصًا على التَّعْلِيم وَالْمُبَالغَة فِي مَنَافِع النَّاس ، السَّادِسَة أَن يكون سليم الْقلب عفيف النّظر صَادِق اللهجة لَا يخْطر بِبَالِهِ شَيْء من أُمُور النِّسَاء وَالْأَمْوَال الَّتِي شَاهدهَا فِي منَازِل الأعلاء فضلا عَن أَن يتَعَرَّض إِلَى شَيْء مِنْهَا ، السَّابِعَة أَن يكون مَأْمُونا ثِقَة على الْأَرْوَاح وَالْأَمْوَال لَا يصف دَوَاء قتالا وَلَا يُعلمهُ وَلَا دَوَاء يسْقط الأجنة يعالج عدوه بنية صَادِقَة كَمَا يعالج حَبِيبه “.