عصر الفاطميين الجزء الرابع

31 / الرسالة المصرية

أبو الصلت أمية بن عبد العزيز بن أبي الصلت الأندلسي طبيب عربي ولد في دانية بالأندلس عام 460 هـ / 1067 م وتوفي في المهدية بتونس عام 529 هـ / 1134 م ، رحل في شبابه إلى مصر في زمن الفاطميين بحثا عن العمل والحظوة وقضى فيها عشرين عاما في خدمة الوزير الأفضل بن بدر الجمالي حيث عمل طبيبا لدى الأمير تاج المعالي مختار وهو الذي قدمه بعد ذلك للوزير كما عرف عنه التميز في علوم الفلك والرياضيات والموسيقى ولعبة الشطرنج.

ثم تقلبت به الأحوال بعد أن سعى به الوشاة عند الوزير بسبب فشله في انتشال إحدى السفن الغارقة حيث سجن لمدة ثلاث سنوات في إحدى المكتبات فقضاها في القراءة والكتابة حيث ألف كتابه (حديقة الأدب) الذي يتناول فيه بالنقد الادبي شعراء عصره ، ثم كتب قصيدة في مدح الوزير وتوسط له بعض الوجهاء فأفرج عنه حيث قرر بعدها الرحيل عن مصر وتوجه إلى تونس حيث عمل في خدمة حاكمها المرتضى أبي الطاهر يحيى بن تميم بن المعز ابن باديس.

وقد طلب منه الأمير أن يكتب له مقالة مختصرة يحكي فيها تجربته في مصر فكتب له (الرسالة المصرية) وبدأها بالوصف الجغرافي للديار المصرية ونهر النيل ثم أخذ في تصوير جمال ربوعها ومغانيها تارة بالشعر وأخرى بالنثر وعقب بالكلام عن سكانها وأخلاقهم وعاداتهم ، ثم تكلم عن الآثار المصرية والأهرام خاصة وذكر أهم عواصم ومدن مصر التاريخية وأشهر الفلاسفة الإغريق في العصر البطلمي والروماني وكذلك من لقيه شخصيا من الأدباء والظرفاء وكتب عن اهتمام المصريين وقتها بالتنجيم وأورد في ذلك عدة طرائف ونوادر.

وخصص أبو الصلت قسما من الرسالة لوصف الطب والأطباء في مصر حيث كان معجبا ببراعة الأطباء المصريين وطرقهم المتعددة ومنها ما يتعلق بالعلاج النفسي للمرضى حيث يقول : ” ومن ظريف ما سمعته أنّه كان بمصر منذ عهد قريب رجل ملازم للمارستان يستدعى للمرضى كما تستدعى الأطبّاء فيدخل على المريض فيحكى له حكايات مضحكة وخرافات مسلّية ويخرج له وجوها مضحكة وكان مع ذلك لطيفا فى إضحاكه وبه خبيرا وعليه قديرا ..

فإذا انشرح صدر المريض وعادت إليه قوّته تركه وانصرف فإن احتاج إلى معاودة المريض عاده إلى أن يبرأ أو يكون منه ما شاء الله ، فليت أطبّاء عصرنا هذا بأسرهم قدروا على مثل هذا العلاج الذى لا مضرّة فيه ولا غائلة له بل أمره على العليل هيّن ونفعه ظاهر بيّن ؛ كيف لا وهو ينشّط النفس ويبسط الحرارة الغريزية ويقوّى القوى الطبيعية ويقوّى البدن على دفع الأخلاط الرديّة المؤذية والفضول مع الاستظهار بحفظ الأصول “.

وفي موضع آخر يحدد العلوم الأساسية التي يجب على الطبيب الإلمام بها ليحقق النجاح في مهمة التشخيص والعلاج فيقول : ” الطبيب محتاج إلى أشياء تعينه في صناعته وتفتح له مغالقها وتوضح مشكلها وتشرح مشتبهها وتبين له مستعجمها وتذيقه برد اليقين وتجلو عن عين بصيرته ظلم الشكوك والظنون ، وهي العلوم الطبيعية التي تعرفه مبادئها وأوائلها وتعطيه استقصّاتها وعناصرها والقوانين القياسية التي تسدد ذهنه نحو الصواب فيما يلتمس علمه ويتطلب فهمه وتعرفه كيف يحيل مطلوباتها إليه ويبنى قياساته عليها وكيف يتطرق من جليها إلى خفيها ويستدل بظاهرها على غائبها ويأمن الزلل ووقوع الخطل والخلل ويحقّق الأسباب والعلل “.

وفي موضع آخر يعيب على بعض المشتغلين بالطب حرصهم على كسب المال من المرضى بما لديهم من علم قليل لم يجتهدوا في تطويره وفقا لما ذكره في الفقرة السابقة حيث يقول : ” فلم يأخذوا نفوسهم بالإتقان لما قد سلف تعديده بل استطالوه واستبعدوا الأمد إليه ورأوا أن غرضهم من صناعة الطب الذي هو عندهم وبحسب رأيهم التكسب بما يتم لهم بأقرب مما شرطه الأوائل متناولاً وأسهل مراماً لم يحفظوا غير أسماء أدوية قليلة العدد يصرفونها في مداواة كل مرض دون إعمال فكرهم في حقيقة نوعه وسببه ومقتضيه وموجبه “.

وتنوعت مؤلفات أبي الصلت الأخرى فشملت عدة كتب منها كتاب في الهندسة وكتاب في الصيدلة وكتاب في الطب هو الانتصار لحنين بن إسحاق على ابن رضوان وكتاب تقويم منطق الذهن في المنطق وكتاب في الأدوية المفردة في ترتيب الأعضاء المتشابهة الأجزاء والآلية وكتاب في الفلك والإسطرلاب بين فيه عدم اعتقاده في التنجيم ورفضه لأقوال المنجمين وكتاب عمل صفيحة جامعة تكون فيها جميع الكواكب السبعة وكتاب الوجيز في علم الهيئة أهداه للوزير الأفضل ورسالة في العمل بالإسطرلاب كتبها وهو في سجنه.

وله في مجال الأدب كتاب الملح العصرية من شعراء أهل الأندلس والطارئين عليها وله ديوان شعر مرتب حسب الحروف وفي مجال الموسيقى له كتاب رسالة في الموسيقى ، وفي تونس  انصرف إلى التأليف وتلحين الأغاني الإفريقية (التونسية) إذ كان عازفاً على العود كما نشر الألحان الأندلسية فيها كما يقول ابن سعيد المغربي في كتابه المُغْرب في حُلى المَغْرب وله في التاريخ كتاب عن تاريخ الزيريين حكام المهدية وذيله بكتاب الرقيق.

ذكره العماد الكاتب في خريدة القصر وذكر عددا من قصائد ديوانه الشعري فقال : ” من أهل العصر الأديب الحكيم أبو الصلت أمية ابن عبد العزيز بن أبي الصلت الأندلسي ، كان أوحد زمانه وأفضل أقرانه متبحراً في العلوم وأفضلُ فضائله إنشاء المنثور والمنظوم وكان قدوة في علم الأوائل ذا منطق في المنطق بذّ سحبان وائل ، سمعت أبا الفتح نصر بن عبد الرحمان بن إسماعيل الفزاري في ذي الحجة سنة سنتين ببغداد وروى لي كثيراً من شعره : أن أمية من أهل المغرب وسكن ثغر الإسكندرية وله الباع الأطول في الأصول والتصانيف الحسنة على أسلوب كتاب اليتيمة للثعالبي ، ثم وقع ديوان هذا أبي الصلت بيدي في دمشق فأخذته وانتخبت منه ما أوردته ونبهت على ما هو من روايتي في مواضعه وكل شره منقح ملقح ممدح مستملح صحيح السبك محكم الحوك نظيم السلك قويم الفلك وذلك على ترتيب الحروف وقد قرأت في ديوانه شعره بتاريخ سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة ولا شك أنه عاش بعد ذلك ..

وحين وفاة أمية بن أبي الصلت أهدى إليّ سيدنا القاضي الفاضل حديقة أبي الصّلت وقرأت في آخرها مكتوباً : توفي الشيخ الأجل أمية ابن أبي الصلت يوم الاثنين الثاني عشر من محرم سنة ست وأربعين وخمسمائة وكان آخر ما سمع منه : سكنتكِ يا دارَ الفناءِ مصدّقاً .. بأني الى دارِ البقاء أصيرُ .. وأعظَمُ ما في الأمر أنّي صائِر .. الى عادلٍ في الحُكم ليس يجورُ .. فيا ليتَ شِعري كيف ألقاهُ بعدها .. وزادي قليلٌ والذّنوبُ كثيرُ .. فإنْ أكُ مَجزيّاً بذنبي فإنّني .. بحَرّ عذاب المذنبين جديرُ .. وإن يكُ عفو ثم عنّي ورحمة .. فثمّ نعيم دائِم وسُرورُ “.

32 / ديوان ظافر الحداد

عدد كبير من الشعراء اشتهر بلقب مهنته الأصلية مثل الخياط والكحال والوراق والجزار والحمامي ، وعلى رأسهم يأتي الشاعر السكندري أبو المنصور ظافر بن القاسم بن منصور بن عبد الله بن خلف بن عبد الغني الجذامي الإسكندري والمعروف بلقب (ظافر الحداد) المتوفي في القاهرة عام 529 هـ / 1134 م وينتمي إلى أسرة كانت تعمل بمهنة الحدادة وتنحدر من قبيلة جذام العربية التي استوطنت الإسكندرية بعد الفتح الإسلامي ، وله ديوان كبير مطبوع يتجاوز مائتي صفحة ومرتب حسب الحروف الهجائية لقافية القصائد.

وقد اشتهر بأنه شاعر الشيب والشباب حيث يقول : (لا غَرْوَ أنْ رَحَل الشبابُ وبانا .. ما كان أولَ من صَحِبتُ فخانا .. فكذا عَهِدتُ الدهرَ منذ عرفتُه .. والمالَ والإِخوان والْخُلاّنا .. ما كنتُ أَحسَبُ يا شباب زيادتي .. بالشيبِ تُوجِب بعدَك النقصانا .. أحسنتَ مبتدِئاً وسُؤْت مُعقِّبا .. ببياض شيبٍ ليتَه ما كانا) ، ويقول : (ولَّى شبابٌ واقترابٌ فأَمْعَنا .. ووالَى مَشيبٌ واغترابٌ فأَدْمَنا .. فيا حَبَّذا ليلُ الشبابِ الذي نأى .. ولا حبذا صبح المشيب الذي دنا .. إذا ما رأيتَ الشيبَ في عارضِ امرىء .. وإنْ لم يمتْ فاحسِبْه مَيْتا مُكفْنا .. وإنْ ظهرتْ بيضاءُ في مَفْرِق الفتى .. فأَوْلَى بذاك الموضع الضربُ بالقَنا).

وحكى ابن ظافر الأزدي في كتابه بدائع البدائه عن أول شهرته عندما ذهب إلى والي الإسكندرية ومدحه بشعره فقال : ” وذكر القاضي أبو عبد الله محمد بن علي بن الحسين الآمدي النائب كان في الحكم بالإسكندرية قال : دخلت على الأمير السعيد بن مظفر في أيام ولايته بالثغر فوجدته يقطر دهناً على خنصره فسألته عن سببه فذكر ضيق خاتمه عليه وأنه ورم بسببه ، فقلت له : الرأي قطع حلقته قبل أن يتفاقم الأمر فيه ، فقال : اختر من يصلح لذلك ، فاستدعيت أبا منصور ظافر ابن القاسم الحداد فقطع الحلقة وأنشد بديها ً: قصر في أوصافك العالم .. وأكثر الناثر والناظم .. من يكن البحر له راحةً .. يضيق عن خنصره الخاتم.

فاستحسنه الأمير ووهبه الحلقة وكانت من ذهب ، وكان بين يدي الأمير غزال متأنس قد ربض وجعل رأسه في حجره فقال ظافر : عجبت لجرأة هذا الغزال .. وأمرٍ تخطى له واعتمد وأعجب به غدا جاثماً .. وكيف اطمأن وأنت الأسد ، فزاد الأمير والحاضرون في الاستحسان وتأمل ظافر شباكاً على باب المجلس تمنع الطير من دخولها فقال : رأيت ببابك هذا المنيف .. شباكاُ فداخلني بعض شك .. وفكرت فيما رأى خاطري .. فقلت : البحار مكان الشبك “.

وروى العماد الكاتب في الخريدة أن جلساء الأمير كانوا مسرورين من سرعة بديهة الحداد وأنهم امتحنوه وطلبوا منه قول الشعر في الغزال والشباك فلما فعل نال عطاء الأمير الذي قال لأحدهم في النهاية : دعه وإلا أخذ ما علي ، ويروي الدكتور شوقي ضيف في كتابه تاريخ الأدب العربي أن هذه الحادثة كانت سببا فى اشتهار ظافر بمدينته وتهاداه أعيانها وقضائها مثل ابن أبى حديد قاضيها وله فيه مدائح طريفة ، وانتقل بعدها إلى الفسطاط فمدح الوزير الأفضل بن بدر الجمالي ثم مدح الوزير المأمون البطائحي.

ثم توصل ظافر إلى الخليفة الآمر بأحكام الله ومدحه في قصائد منها : أجاد ابن هانى فى المعزّ مدائحا .. هداه إليها ذلك الفضل والمجد .. وقد جاد مدحى فيك لما رأيت ما .. رأى فاستوى المدحان والإبن والجدّ ، ومنها قوله : إمام تبدّى للورى من جبينه .. ضياء به تشفى بصائرها الرّمد .. ونورك ما يهدى الصباح لناظر .. ولولاه ضلّ الناس وامتنع القصد ، ومنها قوله : أنت الذى بعث الإله لنا به .. آباءه فتمثّلوا بمثوله .. هذا ضياء الله والمعنى الذى .. تتفاضل العلماء فى تعليله.

ثم انحاز ظافر إلى الخليفة الجديد الحافظ لدين الله وناصره بشعره ضد خصومه كما يروي الدكتور شوقي ضيف قائلا : ” وكان من المبادئ الإسماعيلية أن يتولى الخلافة ابن الخليفة وتصادف أن الآمر لم يترك ابنا وقيل بل ترك طفلا رضيعا اسمه الطيب ، وتعصبت له جماعة سميت الطيبية وتعصبت جماعة أخرى سريعا للحافظ عبد المجيد ابن عم الآمر وأخذت له البيعة واستولى على مقاليد الخلافة ، وظل من ذلك جمر مختف وراء الرماد مما جعل ظافرا يدافع فى بعض مديحه للحافظ عنه وعن حقه فى الخلافة قائلا : ورث ابن عمّ محمد من بعده .. حقّ الخلافة منصفا فى نقلها .. وورثت أنت عن ابن عمّك حقّها .. فجرى قياس خلافة فى شكلها ، فالحافظ ورث الخلافة عن الآمر كما ورثها عن الرسول صلّى الله عليه وسلم ابن عمه على بن أبى طالب رأس الأئمة “.

وذكره ابن خلكان في وفيات الأعيان فقال : ” ظافر الحداد .. أبو المنصور ظافر بن القاسم بن منصور بن عبد الله بن خلف بن عبد الغني الجذامي الإسكندراني المعروف بالحداد الشاعر المشهور؛ كان من الشعراء المجيدين وله ديوان شعر أكثره جيد ومدح جماعة من المصريين وروى عنه الحافظ أبو طاهر السلفي وغيره من الأعيان ، ومن مشهور شعره قوله  :لو كان بالصبر الجميل ملاذه .. ما سح وابل دمعه ورذاذه .. ما زال جيش الحب يغزو قلبه .. حتى وهى وتقطعت أفلاذه “.

وذكره ياقوت الحموي في معجم الأدباء فقال : ” ظافر بن القاسم بن منصور بن عبد الله  بن خلف الجذامي الاسكندري المعروف بالحداد الشاعر الأديب : روى عنه الحافظ السلفي وطائفة من الأعيان وتوفي بمصر في المحرم سنة تسع وعشرين وخمسمائة ومن شعره : حكم العيون على القلوب يجوز .. ودواؤها من دائهنّ عزيز .. كم نظرة نالت بطرف ذابل .. ما لا ينال الذابل المهزوز .. فحذار من تلك اللواحظ غيرة .. فالسحر بين جفونها مكنوز ، وكتب إلى أبي الصلت أمية بن عبد العزيز الأندلسي بعد أن توجه من مصر إلى المهدية يتشوق إليه : ألا هل لدائي من فراقك إفراق .. هو السمّ لكن لي لقاؤك درياق .. فيا شمس فضل غرّبت ولضوئها .. على كلّ قطر بالمشارق إشراق “.

وذكره العماد الكاتب في خريدة القصر فقال : ” ظافر بحظه من الفضل ظافر يدل نظمه على أن أدبه وافر وشعره بوجه الرقة والسلاسة سافر وما أكمله لولا أنه من مداح المصري والله له غافر ، حداد لو أنصف لسمي جوهرياً وكان باعتزائه إلى نظم اللآلىء حرياً أهدى بروي شرعي الروي للقلوب الصادية رياً فيا له ناظماً فصيحاً مفلقاً جرياً ، ولما وصل الملك الناصر صلاح الدين إلى دمشق في سنة سبعين واجتمعت بأفاضل دولته كالقاضي الفاضل ونجم الدين بن مصال رأيتهم يثنون على ظافر وأنشدني له قصيدة خائية وقصيدة رائية وأنشدني مهما ووعدني بهما بعض الأفاضل ، ومن شعره : في لحظها مَرَضٌ للتِّيه تحْسَبُهُ .. وَسْنَان أو فقريبَ العهد بالرَّمَدِ .. تريك ليلاً على صبحٍ على غُصُنٍ .. على كثيبٍ كموج الرَّمْلِ مُطَّرِدِ “.

وجاء عنه في الرسالة المصرية : ” ومنهم من يقول وهو أبو نصر ظافر بن قاسم المعروف بالحداد من أهل الإسكندرية وكتب إلىّ بها في رسالة : وما طائرٌ قصَّ الزمانُ جناحه .. فأعدمه وكراً وأفقده إلفا .. تذكر زغباً بين أفنانِ أيكةٍ .. خوافي الخوافي ما يطرن بها ضعفا إذا التحف الظلماءَ ناجى همومه … لترجيع لحنٍ كاد من رقّة يخفى .. بأشوق منى إذ أطاعت بكَ النوى ..  هوائيةٌ مائيةٌ تسبق الطرفا .. تولت وفيها منك ما لو أقيسه .. بما هي فيه كان في فضله أوفى ، وقال أيضا : رحلوا فلولا أنّنى .. أرجو اللّقا لقضيت نحبي .. والله ما فارقتكم .. لكنني فارقت قلبي “.

33 / سراج الملوك

سراج الملوك هو كتاب أدبي بليغ في وعظ الحكام والأمراء يبلغ مائتي صفحة وقد كتبه أبو بكر الطرطوشي وأهداه إلى الوزير المأمون البطائحي في عهد الخليفة الآمر بأحكام الله الفاطمي ، والمؤلف هو الفقيه المالكي الأشهر الإمام أبو بكر محمد بن الوليد بن خلف بن سليمان بن أيوب الفهري والذي ولد في طرطوشة بالأندلس في عام 451 هـ / 1058 م وتوفي بالإسكندرية في عام 520 هـ / 1125 م ، وقد انتقل إلى مصر واستقر فيها وتزوج منها وأسس فيها مدرسته المعروفة لتدريس الفقه المالكي حيث تبرعت زوجته بقسم من منزل لها ليأوي إليه طلبة العلم وكان من أنبغ هؤلاء التلاميذ محمد بن تومرت مؤسس دولة الموحدين بعد ذلك.

ومن الوصايا الجامعة التي كتبها في كتابه هذا قوله : ” الباب الحادي عشر : في بيان معرفة الخصال التي هي قواعد السلطان ولا ثبات له دونها .. فأول الخصال وأحقها بالرعاية العدل الذي هو قوام الملك ، ودوام الدول ورأس كل مملكة سواء كانت نبوية أو إصطلاحية.

اعلم أرشدك الله تعالى أن الله تعالى أمر بالعدل ، ثم علم سبحانه وتعالى أن كل الناس ليست تصلح على العدل بل تطلب الإحسان وهو فوق العدل ، فقال : {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى} (النحل: ٩٠) .

فلو وسع الخلق العدل ما قرن به الإحسان ، فمن لا يصلح حتى يزاد على العدل كيف يصلح إذا لم يبلغ به العدل والعدل ميزان الله في الأرض ، الذي به يؤخذ للضعيف من القوي وللمحق من المبطل؟ وليس موضع ميزان الله الذي وضعه من القيام بالقسط فقد تعرض لسخط الله.

واعلم أيها الوالي أن الملك بمنزلة رجل : فرأسه أنت وقلبه وزيرك ويداه أعوانك ، ورجلاه رعيتك وروحه عدلك ، وما بقي جسد بلا روح. وإذا أردت ذروة العدل فاعلم أن الرعية ثلاثة أنفس : كبير وصغير ووسط ، فاجعل كبيرهم أباً ووسطهم أخاً وصغيرهم ولداً. فبر أباك وأكرم أخاك وارحم ولدك ، فإنك واصل بذلك إلى بر الله وكرامته ورحمته.

واعلم أن عدل الملك يوجب الاجتماع عليه ، وجوره يوجب الافتراق عنه ، عدل الملك حياة رعيته. وفي منثور الحكم : سلطان جائر أربعين سنة خير من رعية مهملة ساعة واحدة من النهار ، إذا عدل الملك فيما قرب منه صلح له ما بعد عنه. ففضل الملوك في الإعطاء وشرفها في العفو وعزها في العدل.

عدة السلطان ثلاثة : مشاورة النصحاء وثبات نبات الأعوان وإقامة سوق العدل ، أفضل الأزمنة أزمنة أئمة العدل ، ثم : العدل ينقسم قسمين : قسم إلهي جاءت به الأنبياء والرسل عليهم السلام عن الله تعالى ، والثاني ما يشبه العدل والسياسة الإصلاحية التي هرم عليها الكبير ونشأ عليها الصغير ، وبعيد أن يبقى سلطان أو تستقيم رعيته في حال إيمان أو كفر بلا عدل قائم ولا ترتيب للأمور ثابت ، فذلك مما لا يمكن ولا يجوز.

وقد ذكرنا في أول الكتاب أن سليمان بن داود سلب ملكه حين جلي الخصمان بين يديه ، وكان لأحدهما خاصة بسليمان فقال في نفسه : وددت أن يكون الحق لخاصتي فأقضي له ، فسلبه الله تعالى ملكه وقعد الشيطان على كرسيه. ، فاجعل العدل سياستك تسقط عنك جميع الآفات المفسدة للسياسة ، وتقوم لك جميع الشرائط التي تقوم بها للمملكة “.

وتحدث عن أهمية العلم والحكمة للسلطان فقال : ” الباب الحادي والعشرون : في حاجة السلطان إلى العلم .. قال ابن المقفع : إذا أكرمك الناس لمال أو سلطان فلا يعجبك ذلك ، فإن زوال الكرامة بزوالهما ، ولكن يعجبك إن أكرموك لأدب أو علم أو دين.

اعلم أرشدك الله أن أكثر الناس حاجة إلى النفقة أكثرهم عيالاً وأتباعاً وحشماً وأصحاباً ، والخلق مستمدون من السلطان الخلائق السنية والطرائق العلية ، مفتقرون إليه في الأحكام وقطع التشاجر وفصل الخصام ، فهو أحوج خلق الله إلى معرفة العلوم وجمع الحكم ، وشخص بلا علم كبلد بلا أهل.

وأفضل ما في السلطان خصوصاً في الناس عموماً محبة العلم والتحلي به ، والشوق إلى استماعه والتعظيم لحملته ، فإن ذلك دليل على قوة الإنسانية فيه وبعده من البهيمية ، ومضاهاته للعالم العلوي وهو من أأكد ما يتحبب به إلى الرعية ، وإذا كان الملك خالياً من العلوم ركب هواه وأضر برعيته ، كالدابة بلا رسن تمر في غير طريق ، وقد تتلف ما تمر عليه.

واعلم أن زهرة الفضائل وحسن المناقب وبهاء المحاسن ، وما ضاد ذلك من قبح المثالب وفحش الرذائل ، كل ذلك يظهر عليك ويعظم منك ، بقدر ما أوتيته من علو المنزلة وشرف الحظوة ، فيكون حسنك أحسن كما يكون قبحك أقبح. وليس أحد من أهل الدرجات السنية والمراتب العلية ، أحوج إلى مجالسة العلماء وصحبة الفقهاء ، ودراسة كتب العلوم والحكم ومطالعة دواوين العلماء ، ومجامع الفقهاء وسير الحكماء من السلطان.

وإنما كان كذلك من وجهين : أحدهما أنه قد نصب نفسه لممارسة أخلاق الناس وفصل خصوماتهم وتعاطي حكوماتهم ، وكل ذلك يحتاج إلى علم بارع وفكر ثاقب ، وبصيرة بالعلم قوية ودراسة طويلة ، فكيف يكون حاله لو لم يعد لهذه الأمور عدتها ولم يقدم إليها أهبتها ؟ والثاني أن من سواه من الناس لا يقدمون من يكثر عليهم ويعارضهم ، ويذكر لهم مساويهم ويخالفهم في مذاهبهم ، فيكون ذلك مما يعينهم على رياضة أنفسهم ويعلمهم مراشدهم ، ومناظرة الأكفاء ومعاشرة النظراء تلقيح للعقول وتهذيب للنفوس وتدريب لمآخذ الأحكام ، بخلاف السلطان فإن ارتفاع درجته يقطع عنه جميع ذلك ، إذ لا يلقاه ولا يجالسه إلا معظم لقدره ومبجل لشأنه وساتر لمساويه ومادح له بما ليس فيه ، وإنما جوابهم له صدق الأمير وعلى قدر الرتبة يكون علو السقطة ، كما أن على قدر علو الحائط يكون صوت الوجبة “.

وقد ترجم له ابن خلكان في وفيات الأعيان فقال : ” الطرطوشي .. أبو بكر محمد بن الوليد بن محمد بن خلف بن سليمان بن أيوب القرشي الفهري الأندلسي الطرطوشي الفقيه المالكي الزاهد ، المعروف بابن أبي رندقة ؛ صحب أبا الوليد الباجي بمدينة سرقسطة وأخذ عنه مسائل الخلاف وسمع منه وأجاز له ، وقرأ الفرائض والحساب بوطنه وقرأ الأدب على أبي محمد ابن حزم بمدينة إشبيلية.

ورحل إلى المشرق سنة ست وسبعين وأربعمائة وحج ودخل بغداد والبصرة وتفقه على أبي بكر محمد بن أحمد الشاشي المعروف بالمستظهري الفقيه الشافعي وعلى أبي أحمد الجرجاني وسكن الشام مدة ودرس بها.

وكان إماما عالما كامل زاهدا ورعا دينا متواضعا متقشفا متقلالا من الدنيا راضيا منها باليسير ، وكان يقول : إذا عرض لك أمران دنيا وأمر أخرى فبادر بأمر الأخرى يحصل لك أمر الدنيا والأخرى ، وكان كثيرا ما ينشد : (إن لله عبادا فطنا … طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا .. فكروا فيها فلما علموا … أنها ليست لحي وطنا .. جعلوها لجة واتخذوا … صالح الأعمال فيها سفنا) ،

ولما دخل على الأفضل شاهنشاه ابن امير الجيوش بسط مئزرا كان معه وجلس عليه ، وكان إلى جانب الأفضل رجل نصراني فوعظ الأفضل حتى بكى ، وأنشد : (يا ذا الذي طاعته قربة وحقه مفترض واجب .. إن الذي شرفت من أجله يزعم هذا أنه كاذب)  وأشار إلى النصراني فأقام الأفضل من موضعه.

وكان الأفضل قد أنزل الشيخ في مسجد شقيق الملك بالقرب من الرصد وكان يكرهه ، فلما طال مقامه به ضجر وقال لخادمه : إلى متى نصبر اجمع لي المباح ، فجمع له فأكله ثلاثة أيام ، فلما كان عند صلاة المغرب قال لخادمه : رميته الساعة ، فلما كان من الغد ركب الأفضل فقتل ،  وولي بعده المأمون بن البطائحي فأكرم الشيخ إكراما كثيرا وصنف له كتاب سراج الهدى وهو حسن في بابه.

وله من التصانيف سراج الملوك وكتاب بر الوالدين وكتاب الفتن وغير ذلك ، وله طريقة في الخلاف. ورأيت أشعارا منسوبة عليه : فمن ذلك وقد ذكرها الحافظ زكي الدين عبد العظيم المنذري في الترجمة التي جمعها للطرطوشي المذكور وهي:  (إذا كنت في حاجة مرسلا … وأنت بإنجازها مغرم .. فأرسل بأكمه خلابة … به صمم أغطش أبكم .. ودع عنك كل رسول سوى … رسول يقال له الدرهم)

وقال الطرشوشي المذكور : كنت ليلة نائما في بيت المقدس فبينا أنا في جنح الليل إذ سمعت صوتا حزينا ينشد:  (أخوف ونوم إن ذا لعجيب .. ثكلتك من قلب فأنت كذوب .. أما وجلال الله لو كنت صادقا .. لما كان للإغماض منك نصيب) قال : فأيقظ النوام وأبكى العيون.

وكانت ولادة الطرشوشي المذكور سنة إحدى وخمسين وأربعمائة تقريبا وتوفي ثلث الليل الأخير من ليلة السبت لأربع بقين من جمادى الأولى سنة عشرين وخمسمائة بثغر الإسكندرية ، وصلى عليه ولده محمد ودفن في مقبرة وعلة قريبا من البرج الجديد قبلي الباب الأخضر رحمه الله تعالى ؛ وذكر ابن بشكوال في كتاب الصلة أنه توفي في شعبان من السنة المذكورة “.

34 / السيرة المأمونية

مؤلف كتاب (السيرة المأمونية) هو الكاتب والمؤرخ شرف الخلافة جمال الدين أبو علي موسى بن المأمون البطائحي المتوفي في القاهرة عام 588 هـ / 1192 م وقد كتبها ليرصد فيها سيرة والده الوزير المأمون البطائحي الذي تولى الوزارة في عهد الخليفة الآمر بأحكام الله الفاطمي ، وتبدأ السيرة من عام 501 هـ عندما التحق المأمون بخدمة الوزير الأفضل ثم توليه الوزارة من بعده في عام 515 هـ ثم عزله عنها وسجنه عام 519 هـ حتى قتله عام 522 هـ حيث شملت السيرة تفاصيل تاريخية دقيقة لفترة زمنية تقدر بعقدين من الزمان.

وقد قام الدكتور أيمن فؤاد سيد بتحقيق أجزاء من الكتاب وطبعه تحت عنوان (نصوص من أخبار مصر لابن المأمون) وذكر أنها كانت من المصادر الأساسية للعصر الفاطمي التي اعتمد عليها المؤرخون اللاحقون مثل المقريزي والنويري وغيرهم ، ويتناول الكتاب الأحداث السياسية بترتيبها الزمني بالإضافة إلى تفاصيل وافية عن رسوم الخلافة الفاطمية ووصف مواكب الخلفاء وركوبهم في الأعياد والمواسم وخروجهم للصلاة وما كان يرتديه الخليفة والوزير والخواص في هذه المناسبات وما كان يخرج من دار الكسوة ويوزع على أرباب الدولة أو يقدم في الأسمطة من مآكل ومشارب.

وشمل الكتاب تفصيلات عن وظائف الدولة المختلفة مثل حاجب الباب وأمين بيت المال وصاحب ديوان المجلس وصاحب دفتر المجلس وصاحب بيت المال وزمام القصر وكاتب الدست وكاتب بيت المال وقاضي القضاة وحامل السيف الشريف وحامي البساتين ومتولي ديوان الإنشاء ومتولي ديوان العمائر ومتولي خزائن الإنفاق ومتولي دار العلم ومتولي دار الضيافة ومتولي الإصطبل ومتولي حمل السلاح الخاص ومقدم الأسطول ومقدم رياسة البحرية ومقدم الركاب ومشارف دار الضرب ومشارف البساتين وغيرها.

وضم الكتاب وصفا للقصور الفاطمية وما فيها من خزائن الجوهر والطيب والطرائف وخزائن الشراب وخزانة التوابل ودار التعبئة وخزانة الأدم (الجلود) ووصف الأهراء الخليفية (مخازن الغلال) وكذلك وصف لكل من منظرة الصناعة ودار الملك وخيمة الفرج والحبس الجيوشي (أوقاف بدر الجمالي) ، ويضم الكتاب أيضا ذكر هيئة صلاة الجمعة في أيام الخلفاء الفاطميين واحتفال سحور الخليفة في رمضان وختم القرآن فيه وهيئة صلاة عيد الفطر ووصف ركوب الخليفة للنزهة ووصف منظرة اللؤلؤة التي كانت المتنزه الأساسي للخليفة والحاشية غرب القاهرة مباشرة.

وذكر الكاتب في ثنايا الكتاب أعمال والده الوزير المأمون في ضبط لمداخيل الدولة (الميزانية) بما فيها تفاصيل وافية عن مصاريف القصور والبضائع المستوردة من الأطراف ومداخيل الولايات وتوزيع أيام الراحة والعمل وأعماله المعمارية (مثل جامع الأقمر) ومنعه بيع الخمور والإجراءات التي اتخذها لمنع الحرائف والاحتياط لها  حيث رتّب عدّة من السقّائين ستّون كلّ ليلة على باب كلّ معونة بالقاهرة ومصر ومعهم عشرة من الفعلة بالطوارئ والمساحي لمهمّ يقع من حريق في الليل وألزم واليي القاهرة ومصر أن يقوما بعشائهم من أموالهما.

 وينفرد ابن المأمون في كتابه بذكر عدد من النوادر والحكايات مثل بناء مسجد الذخيرة الذي يقع اليوم مكان مسجد الرفاعي وذلك بإجبار الناس على العمل فيه بالسخرة بأمر والي القاهرة فيقول : ” في هذه السنة يعني سنة ست عشرة وخمسمائة استخدم ذخيرة الملك جعفر في ولاية القاهرة والحسبة بسجل أنشأه ابن الصيرفيّ.

وجرى من عسفه وظلمه ما هو مشهور وبنى المسجد الذي ما بين الباب الجديد إلى الجبل الذي هو به معروف وسمّي (مسجد لا باللّه) بحكم أنه كان يقبض الناس من الطريق ويعسفهم فيحلفونه ويقولون له لا باللِّه ، فيقيدهم ويستعملهم فيه بغير أجرة ولم يعمل فيه منذ أنشأه إلاّ صانع مكره أو فاعل مقيد.

وكُتبت عليه هذه الأبيات المشهورة : (بنى مسجداً للّه من غيرِ حِلِّهِ .. وكانَ بحمدِ اللَّهِ غيرُ موفق .. كَمُطعِمَةِ الأيتام مِن كدِّ فرجِها .. لكِ الويلُ لا تزني ولا تتصدّقي) ، وكان قد أبدع في عذاب الجناة وأهل الفساد وخَرَجَ عن حُكْمِ الكِتَابِ فابتلى بالأمراض الخارجة عن المعتاد ومات بعدما عجل الله له ما قدّمه وتجنب الناس تشييعه والصلاة عليه وذكر عنه في حالتي غسله وحلوله بقبره ما يُعيذ اللّه كلّ مسلم من مثله “.

وقد نقل المقريزي في كتابه المقفى الكبير فصولا كاملة من السيرة المأمونية وترجم للوزير المأمون البطائحي فقال : ” محمد بن فاتك بن مختار بن حسن بن تمّام الوزير الأجلّ المأمون تاج الخلافة وجيه الملك فخر الصنائع ذخر أمير المؤمنين عزّ الإسلام فخر الأنام نظام الدين أمير الجيوش سيف الإسلام ناصر الإمام كافل قضاة المسلمين وهادي دعاة المؤمنين.

ثمّ استقرّ من نعوته : السيّد الأجلّ أمير الجيوش سيف الإسلام ناصر الإمام كافل قضاة المسلمين وهادي دعاة المؤمنين عضد الله به الدين وأمتع بطول بقائه أمير المؤمنين وأدام قدرته وأعلى كلمته أبو عبد الله ابن الأمير نور الدولة أبي شجاع فاتك ابن الأمير منجد الدولة أبي الحسن مختار ابن الأمير أمين الدولة أبي عليّ المعروف بابن البطائحيّ الأحول الشيعيّ الإماميّ.

ولد في سنة ثمان – أو سنة تسع – وسبعين وأربعمائة واتّصل بخدمة الأفضل شاهنشاه ابن أمير الجيوش بدر الجماليّ في شهور إحدى وخمسمائة عوضا عن تاج المعالي مختار وسلّم إليه ما كان بيد مختار من الخدمة وتصرّف فيها وأجرى له الأفضل ما كان برسم مختار من العين وهو مائة دينار وثلاثون دينارا في الشهر سوى الأصناف الراتبة في اليوم والشهر فحسن عند الأفضل موقع خدمته وسلّم إليه جميع أموره وصرّفه في سائر أحواله فاستعان بأخويه أبي تراب حيدرة وأبي الفضل جعفر ونعت بالقائد فصار عند الأفضل استداره.

فلم يزل على ذلك إلى أن قتل الأفضل فخلع عليه الخليفة الآمر بأحكام الله أبو عليّ منصور في مستهلّ ذي القعدة سنة خمس عشرة وخمسمائة بمجلس اللعبة من القصر والآمر جالس ولم يخلع على أحد قبله بهذا المجلس ، وكانت الخلعة بدلة مذهّبة بشدّة الخليفة الدائميّة وحلّت المنطقة من وسطه وأخلع على ولده بدلة مذهبة وحلّت منطقته وخلع على أخويه بمثل ذلك.

واستمرّ ينفّذ الأمور ولا يخرج شيء عن نظره والخليفة يواصل الحديث معه في الوزارة وهو يمتنع إلى مستهلّ ذي الحجّة منها ، ففي يوم الجمعة ثانيه أخلع عليه من الملابس الخاصّ الشريفة في فرد كمّ مجلس اللعبة وطوّق بطوق ذهب مرصّع وقلّد بسيف ذهب مرصّع وسلّم على الخليفة وخرج وكافّة الأستاذين المحنّكين والأمراء بين يديه وركب من حيث كان الأفضل يركب ومشى القوّاد في ركابه على عادة الأفضل “.

ثم استعرض أعماله في الوزارة خلال السنوات الاربع التي قضاها فيها ثم قال : ” ولم يزل المأمون إلى أن قبض عليه في ليلة السبت الرابع من شهر رمضان سنة تسع عشرة وخمسمائة وعلى إخوته الخمسة وثلاثين رجلا من خواصّه وأهله واعتقل الجميع ، ويقال إنّ السبب في القبض عليه أنّه راسل الأمير جعفرا أخا الآمر وأغراه بأخذ أخيه الخليفة الآمر ووعده أنّه يقيمه بدله فلمّا تقرّر ذلك بلّغ الشيخ أبو الحسن عليّ بن أبي أسامة هذا إلى الآمر حتى قبض عليه.

وقيل إنّ المأمون بعث نجيب الدولة أبا الحسن عليّ بن إبراهيم إلى اليمن وأمره أن يضرب السكّة باسم الإمام المختار محمد بن نزار ، وقيل إنّه سمّ مبضعا يفصد به الآمر ودفعه إلى طبيب الآمر وأمره أن يفصده به فطالع الآمر بذلك.

ولم يزل في الاعتقال إلى أن قتل في ليلة العشرين من شهر رجب سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة وأخرج ومعه صالح ابن العفيف وعلي بن إبراهيم نجيب الدولة فصلبت أجساد الثلاثة بالقرب من سقاية ريدان خارج القاهرة من غير رءوس وفي صدر كلّ واحد رقعة فيها اسمه ثمّ أخرجت رءوسهم وجعل على كلّ جسد رأسه.

وكان المأمون من ذوي الآراء والمعرفة التامّة بتدبير الدول كريما واسع الصدر سفّاكا للدماء كثير التحرّز مجتهدا في الاطّلاع على أحوال الناس من العامّة والجند في سائر البلاد وكثر الوشاة في أيّامه.

وكانت مدّة وزارته ثلاث سنين وتسعة أشهر ويومين وعمره نحو أربع وأربعين سنة وكان السبب في تلقيبه بالمأمون أنّه كان في خلافة المستنصر من جملة صبيان القصر فكان يرسله إلى بيت المال وخزانة الخاصّ في مهمّاته فيجد منه النهضة والأمانة فيقول : هذا المأمون دون الجماعة.

فلمّا قتل الأفضل واستدعى القائد أبو عبد الله محمد بن فاتك الخليفة الآمر بأحكام الله ليحضر إلى دار الأفضل ويتسلّم أمواله حضر إلى داره وسلّمه ابن فاتك الأموال كلّها حتى أحضر إليه الجواهر وكان شيئا عظيما ، فلمّا رآها الآمر سرّ بها وشكر ابن فاتك وقال له : والله إنّك المأمون حقّا ! ما لك في هذا النعت شريك ، فلمّا قلّده الوزارة لقّبه بالأجلّ المأمون فعرف به “.

35 / ديوان ابن عياد السكندري

ومن الشعر ما قتل .. ربما تصدق هذه العبارة على الشاعر المصري علي بن عياد السكندري المتوفي في القاهرة عام 526 هـ / 1131 م حيث راح ضحية الصراع الشرس بين الخلفاء الفاطميين ووزرائهم ، وكان الشاعر قد نبغ في مدينه الإسكندرية واشتهر فيها ثم رحل إلى القاهرة وتقرب من الوزير أبي علي أحمد بن الأفضل المعروف بلقب كتيفات ومدحه بشعره وهو الأمر الذي عرضه لنقمة الخليفة الحافظ لدين الله فقبض عليه وأحضره في مجلسه وقتله.

وقد ترجم له الأستاذ عمر فروخ في كتابه تريخ الأدب العربي فقال : ” هو علي بن عياد بن القيم الإسكندري كان أبوه قيم جامع الإسكندرية وكان هو أحد الشعراء الكبار في أيام الدولة الفاطمية ، أي اننا لا نعلم من أخباره شيئا قبل ان اتصل بالوزراء الفاطميين يتكسب منهم بشعره منذ أيام الآمر الفاطمي (495 ـ 252 هـ) ، وفي المحرم من سنة 525 جاء الحافظ (ابن عم الآمر) الى عرش الفاطميين فاتخذ أبا علي أحمد بن الأفضل بن بدر الجمالي وزيراً فاتصل علي بن عياد بأحمد بن الأفضل ولزمه وأصبح شاعره إلا أن احمد بن الأفضل والشاعر لم يتمتعا بعدئذ بالدنيا سوى سنة واحدة.

عظم أمر الوزير احمد بن الافضل فأحب الاستبداد بالملك فحبس الحافظ ثم دعا لنفسه على المنابر فدخل عليه الشعراء يمدحونه وألقى علي بن عياد بين يديه قصيدة قال فيها  : تبسم الدهر لكن بعد تعبيسِ .. وقوض الحزن لكن بعد تعريس .. إذا دعونا بأن نبقى لأنفسنا .. دعاءنا فايق يا ابن السادة الشوس .. وقد أعادة إليه الله خاتمةً .. فاسترجع الملك من صخر بن إبليس ،  واستطاع الحافظ بعد ذلك ان يتغلب على أحمد بن الأفضل فقتله في ميدان القاهرة في 16 من المحرم من سنة 526 (8 ـ 12 ـ 1131م) ثم قتل جميع أتباعه وفيهم الشاعر علي بن عياد “.

وذكره العماد الكاتب في خريدة القصر وذكر جانبا من ديوانه الشعري فقال : ” ضرب رقبته صاحب مصر المنبوز بالحافظ لمدحه ولد الأفضل لما استولى على الملك وقبضه الحافظ ليدبر له فلك الهلك وتركه في حبسه مغتراً بنفسه وفتك بابن الأفضل في الميدان وعاد الحافظ إلى المكان وأهدر دم ابن عياد وملك من دمه حيث لا قود القياد.

ذكر ابن الزبير في مجموعة أن ابن عياد حضر في بعض البساتين يشرب تحت شجرة ومعه غلام حسن الوجه فتساقط عليه من ثمرها فقال : ودوحةٍ كالسَّماءِ نادمني .. من تحتها بَدْرُهَا على حَذَرِ .. فأنشأتْ بالنجوم تَرْجُمُهُ .. وذاكَ من غَيْرَةٍ على القَمَرِ.

وقرأت له في مجموع في مدح محمد بن أبي أسامة كلمة ذات أوزان موشحة : يا من ألوذ بظلِّهِ .. في كل خطب مُعْضِلِ .. لا زلتُ من أصحابهِ .. متمسِّكاً بيد السلاَمَهْ .. آمِناً من كل بَاسِ .. في الحوادثِ والصُّرُوفِ .. وأعوذُ منه لفضلهِ .. في كل أمر مشكلِ .. ما لاح فجر صوابهِ .. كالشمس من خَلْف الغمامَهْ .. لا تميلُ إلى شِمَاسِ .. دون موضعها الشريفِ .. وأعدُّه لي مَعْقِلاً .. أضحَى عليه مُعَوّلي .. عند المثول ببابه .. لما أمنت من الندامَهْ .. في السماع وفي القياسِ .. المحض والنظر الشريف .. وأجلُّهُ عن مثلهِ .. مثل الحسام الفَيْصَل .. ماضٍ بحدّ ذُبابه .. في كل جمجُمةٍ وهامَهْ .. ثابتٌ صعب المراسِ .. على مباشرة الحتوفِ.

ولابن عياد : كأنما الأرض لوْحٌ من زَبَرْجَدَةٍ .. بدَتْ إليكَ على غِبٍ من السُّحُبِ .. والأقحوانة هَيْفَا وَهْيَ ضاحكةٌ .. عن واضحٍ غير ذي ظَلْمٍ ولا شَنَبِ .. كأنما شمسه من فِضَّةٍ حُرِسَتْ .. خوفَ الوقوع بمسمارٍ من الذَّهَبِ.

وذكره لي الفقيه نصر الإسكندري ببغداد وقال : كان ابن عياد شاعراً مجيداً طريف الشعر مشهوراً وتنقلت به الأحوال إلى أن صار من شعراء صاحب مصر وحظي عنده ونال حظاً وافراً ، فلما تولى أبو علي بن الأفضل وحبس الحافظ، نظم فيه قصيدة أولها : تبَسَّمَ الدهر لكن بعد تَعْبِيسِ .. وقُوِّضَ اليأسُ لكنْ بعد تَعرِيسِ.

ومنه ا: إذا دَعَوْنَا بأن تَبْقَى لأنفسنا .. دُعاءَنَا فابْقَ يا ابن السادَةِ الشُّوسِ ، ومنها يذكر عود الملك إليه : وقد أعاد إِليه الله خاتمَهُ .. فاسترجعَ الملك من صَخْرِ بن إبليس ، وهذا البيت كان سبب قتله وله قصة مشهورة.

وذكر الدكتور محمد كامل حسين في كتابه في أدب مصر الفاطمية تفاصيل مقتله ورأي ابن فضل الله فيه في كتاب مسالك الأبصار فقال : ” ويقول ابن ميسر إن الحافظ أمر بإحضار الشاعر فلما امتثل بين يديه قال له أنشدني قصيدتك ، فأخذ الشاعر في إنشادها حتى قال منها في بيت : ولا ترضوا عن أنجس المناجيس ، يعني الحافظ وآباءه فأمر حينئذ أن يلكمه الغلمان حتى مات بين يديه.

بل كانت هذه القصيدة سببا في قتل القاضي ابن ميسر سنة 531 هـ فقد روي أن القاضي عندما سمع الشاعر ينشد القصيدة بين يدي ابن الأفضل قام وألقى عرضيته طربا ، فلما قتل الوزير صرف القاضي عن عمله وقتل ، وعن هذا الشاعر يقول ابن فضل الله : علي بن عياد الإسكندري شاعر كان يجلو غرر المدائح وكانت منن الوزراء تستعطف أعنة قصائده فيرد عليهم مسردها “.

36 / ديوان قانون الرسائل

ديوان قانون الرسائل هو عنوان كتاب مختص بمجال الكتابة الرسمية في دواوين الخلافة الفاطمية ومؤلفه هو تاج الرياسة أمين الدين أبو القاسم علي بن منجب بن سليمان التنوخي المصري المعروف بلقب (ابن الصيرفي) وهوكاتب وشاعر ومؤرخ وخطيب ، ولد في القاهرة عام 463 هـ / 1071 م وتوفي فيها عام 542 هـ / 1147 م لأسرة تنتمي إلى قبيلة تنوخ العربية حيث كان جده من كتاب الدولة وعمل والده بمهنة الصيرفة فنسب إليها ، وقد تعلم على يد أبي العلاء صاعد بن مفرج وتدرج في المناصب حيث عمل في ديوان الجيش ثم ديوان الخراج ثم ديوان المكاتبات عند الوزير الأفضل بن بدر الجمالي ثم عمل في ديوان الرسائل ، وفي عهد الخليفة الحافظ لدين الله تولى رئاسة ديوان الإنشاء حتى وفاته.

ومن أشهر السجلات التي كتبها سجل انتقال الخلافة إلى المستعلي وكان ذلك قبل ترأسه ديوان الإنشاء ، وأمره الوزير المأمون البطائحي بتدوين سجل مشهور تقرُّ فيه ابنة الخليفة المستنصر أنَّ أبيها أوصى بالخلافة إلى المستعلي وليس نزار وهي القضيَّة الخلافية بين فرقتي النزارية والمستعلية في الطائفة الإسماعيلية ، وكتب سجلا بتحويل السنة الخراجية نقله المقريزي في خططه وكتب سجلا للاحتفال بعيد النصر والذي يوافق ذكرى تحرير الخليفة الحافظ من إقامته الجبرية ، وكتب عدة مؤلفات منها كتاب عمدة المحادثة وكتاب عقائل الفضائل وكتاب استنزال الرحمة وكتاب في السكر وكتاب الأفضليات وكتاب المختار من شعر شعراء الأندلس وكتاب الإشارة إلى من نال الوزارة ، وأشهر كتبه هو ديوان قانون الرسائل.    

وقد كتب في مقدمة كتابه الأشهر الأسباب التي دعته لتأليفه وهي رغبته في كتابة قانون ينظم سير العمل في ديوان الرسائل ويضع فيه خلاصة تجربته حيث كان اهتمام الكتاب والمؤلفين وقتها ينصب على الكتابة الأدبية المحضة في مجالات الشعر والبلاغة ، وقد عاب عليهم ذلك وكان يرى أن الكتابة في المجالات الرسمية من أولى الواجبات ولذلك يقول في مقدمة كتابه : ” فاستخرت الله تعالى وتوكلت عليه وعولت على تصنيف هذا الكتاب وإيداعه ما تصل القدرة إليه من أنواع الترتيبات وفنون الفضائل وسميته بقانون الرسائل وجعلته أبوابا وفصولا وبينت الأمر فيه على ما يقتضيه حكم البلاد المصرية والأمر المتعارف فيها الآن دون غيره من الأوقات والله المستعان وهو حسبي ونعم الوكيل.

فصل في الغرض المقصود بهذا الكتاب : الغرض بهذا الكتاب أن يكون قانونا يعرف به من يجب أن يولى رياسة ديوان الرسائل وتقدمته ومن يجب أن يكون تلوه في المنزلة من المستخدمين فيه من الكتاب واحدا واحدا من الخدام الذين لا غنى عنهم ، والصفات التي ينبغي أن يكون عليها كل واحد منهم والطرق التي إذا سلكت في هذا الديوان أدت إلى ضبط أموره وأمن معها من اختلال سيء منها وفساد يدخل عليها وسهل وجود ما يلتمس من علم أمور تقادم عهدها وبعدت أزمنتها ، ويجب أن يكون هذا الكتاب مخلدا في ديوان الرسائل يقتدي به كل من يخدم فيه ويستضيء بهدايته ويحتذي أمثلته وأن يؤخذ المستخدمون في الديوان بفهمه وبحفظه.

فصل في المنفعة بهذا الكتاب : المنفعة بهذا الكتاب عظيمة القدر جليلة الخطر وأكثر الناس حظا فيها وأجزلهم نصيبا منها الملك لأنه إذا تتبع ما فيه واستخدم لكتابة حضرته من يشهد هذا الكتاب باستصلاحه لها وكان جامعا للخلال التي شرط وجوب كونها فيه أمن بذلك من اختلال أمور كثيرة من دولته واضطراب أسباب جمة من مملكته ودخول العيب والنقيصة على من يختاره لخدمته ، ثم ينتفع بهذا الكتاب إذا جعل بحيث استقر مخزونا بديوان الرسائل للقراءة فيه وتدبره كل من تصفحه ويعمل بمقتضاه على مرور السنين وكرور الأحقاب والأعوام فيكون كالمعلم لهم والمهذب لأخلاقهم والهادي لهم إلى سنن الصواب الذي قد درست معالمه وتنوسيت أحكامه ويوشك إن لم يضبط في هذا الكتاب ويقتفى من معارفه (كذا) أن يجهل دفعة واحدة وتطمس آثاره جملة “.

ويعدد بعد ذلك فصول الكتاب على النحو التالي : فصل في الأحوال التي يجب أن يكون عليها رئيس هذا الديوان وما ينبغي أن يكون حاصلا عنده من العلوم والمعارف والأخلاق وما يرجى من الانتفاع بالمصالح ويخشى من ضرر ضده ، فصل فيما يختص متولي ديوان الرسائل بالنظر فيه من الأعمال التي لا يقوم بها غيره ، فصل فيمن ينبغي أن يستخدم لتخريج الكتب الواردة ، فصل في صفة من يجب أن يستخدم برسم الإنشآت ، فصل فيمن ينبغي أن يستخدم في المكاتبة عن الملك إلى الملوك المماثلين له والمخالفين للغته وملته ، فصل فيمن ينبغي أن يستخدم لمكاتبة رجال الدولة وكبرائها ، فصل في من ينبغي أن يؤهل لكتب المناشير والكتب اللطاف والنسخ ، فصل في من ينبغي أن يكون منتصبا في هذا الديوان ، فصل في من ينبغي أن يستخدم متصفحا لما يكتب إعانة لمتولي الديوان ، فصل فيما ينبغي أن يوضع في هذا الديوان من الدفاتر والتذاكير وصفة من ينبغي أن يعذق به ذلك ، فصل فيما يختص بالتوقيعات ، فصل في التوقيعات في رقاع المظالم خاصة.

وفي كتابه (المختار من شعر شعراء الأندلس) يشرح منهجه في تذوق الأدب فيقول : ” ودراسة البلاغة تنقسم إلى نظم ونثر وقد اختلف الناس في التفضيل بينهما ، والذي نرغب أن يكون مذكراً وبمحاسنه محاضراً له منه على ما يسمعه والعناية بما يعلقه ويجمعه ، ومن جعل الحق مقصوده والإنصاف مطلوبه علم أن الفضائل ليست مخصوصة ببعض الأمكنة ولا مقصورة على قديم الأزمنة ، على أن الإقليم الرابع وإن كان أفضل من غيره فذلك لا يوجب سلب الفضيلة مما سواه ولا عدم الحسنة فيما عداه فكل زمان لا يخلو من أفكار تستنبط وقرائح تؤلف وهذا لمن تأمله واضح ولمن تدبره جلي ، ولقد وقفت للعصرين من شعراء الأندلس على ما لا عذر في جحد إحسانه ولا حجة في ترك استحسانه فرأيت أن أعلق في هذا الجزء ما تيسر لي “.

وفي كتابه (الأفضليات) يتحدث عن مواضيع كثيرة سياسية وخلقية وأدبية وقد كتبها في زمن الوزير الأفضل وبدأ برسالة في العفو يمدح فيها الوزير ويعتذر عن أشياء بدرت منه فقال في مقدمتها : ” أجمعت البرية على اختلاف ألسنتها وألوانها وتغاير عصورها وأزمانها وتباين عقولها وآرائها وتفاوت أغراضها وأهوائها أن أفضل ما اكتسبه المرء في وجوده وأشرف ما منحه من كرم الله تعالى وجوده ما يوفق له من إصلاح أخلاق النفس وتهذيبها وتبليغها غاية تجود الخواطر فيها وتهذي بها.

وإن من أدرك ذلك فقد نال الرتبة العلية وحاز السعادة الحقيقية لأنه حصل على فضيلة الذات ووصل بها إلى أعظم اللذات وهذه قضية لا تنتقض ومقدمة لا يخالف أحد فيها ولا يعترض ، فأما النتيجة عنها فهي فعل الحسن والمثابرة عليه والتنزه عن القبيح وإن دعت المكافأة إليه وأفضل الحسن ما بقي ذكر المرء بعده وجعله بالوصف قريباً وإن أطالت الأيام عهده إذ كان بقاء ذكر الإنسان عمراً يستجده وكنزاً يذخره لوارثه ويعده ، ومن أمثالهم : البشر أحد الجودين والذكر أحد الخلودين والبيان أحد السحرين والثناء أحمد العمرين “.

أما كتابه (الإشارة إلى من نال الوزارة) فقد كتبه ليمدح فيه الوزير المأمون البطائحي الذي قربه وأعطاه وبدأ في بسيرة كل الوزراء السابقين له فحوى معلومات هامة عن كافة وزراء الدولة الفاطمية ، وقد قال فيه : ” السيد الأجل المأمون تاج الخلافة عز الإسلام فخر الأنام نظام الدين خالصة أمير المؤمنين أبو عبد الله محمد بن الأجل نور الدولة أبي شجاع الآمري ، أعانه الله على مصالح المسلمين ووفقه في خدمة أمير المؤمنين وأدام له العلو والبسطة والتمكين ، هذا السيد أكمل من نصر خليفة وأفضل من نصر شريعة وأرحم من حاط رعية وأنصف من مضى قضية وأسح من أجزل عطاء إذا بخلت الملوك وشحت وأحكم الحاكمين على المحجة البيضاء إذا ثبتت عنده القصص وصحت ، لا يهتك سترا ولا يخذل حقا ولا يتخذ ظلما ولا يقطع رزقا ولا يزال إنعامه مقصيا للهمم مبعدا ولا ينفك اصطناعه معينا على الدهر مسعدا ، إذا عددت مناقبه أبانت عجز الواصف المثنى وإذا وحد في الفضائل أمن استظهار المستدرك المستثنى فلا نفع إلا منه على كثرة طلابه ولا ضرر يستكشف ويستدفع إلا به ، فأبقاه الله ركنا للدين القيم الحنيف وأدام سلطانه ظلا ممتدا على القوي والضعيف وأجرى الكافة من ذلك على عادتهم الجميلة من فضله الجزيل وصنعه اللطيف “.

37 / ديوان الأنصاري

من أهم شعراء المدح في العصر الفاطمي الشاعر أبو علي الحسن بن زيد الأنصاري المتوفي في القاهرة عام 528 هـ تقريبا ، وهو من الشعراء المنسوبين إلى الوزير الأفضل شاهنشاه بن بدر الجمالي حيث كانت غالبية قصائده في مدحه ووصف أعماله ، ثم تولى أعمال الكتابة في ديوان الإنشاء معاونا للكاتب ابن منجب الصيرفي حتى تعرض لمؤامرة من منافسه الشاعر ابن قادوس الذي دس عليه عند ولي العهد الأمير حسن بن الخليفة الحافظ وكانت الأحول متوترة بسبب الصراع المكتوم بينه وبين أبيه على النفوذ فراح الشاعر ضحية لذلك وقتل.  

ذكره العماد الكاتب وذكر جملة من شعره ونثره في كتابه خريدة القصر فقال : ” أبو علي حسن بن زيد بن إسماعيل الأنصاري .. كان من المقدمين في ديوان المكاتبات بمصر ، وصفه القاضي الفاضل وأثنى على فضله وأنه في فنه لم يسمح الدهر بمثله ، طرقه حادث الزمان الغائظ فأحفظ عليه حسناً ولد المنبوز بالحافظ وتقلد حوبته، وضرب رقبته وذلك بسبب ابن قادوس عمل بيتين هجا بهما حسن بن الحافظ ودسهما في رقاع هذا الأنصاري ثم سعى به إلى المذكور فأخذ فوجدا معه وقتل.

وله قصيدة في مدح أفضلهم يصف خيمة الفرج يدل إحسانه فيها على أن بحره طامي اللجج ودره نامي البهج منها : مَجْداً فقد قَصَّرَتْ عن شأْوِكَ الأمَمُ .. وأَبدَتِ العجزَ منها هذه الهِمَمُ .. أخيمةٌ ما نَصَبَتْ الآنَ أَمْ فَلَكٌ .. ويَقْظَةٌ ما نراهُ منك أَم حُلُمُ .. ما كان يخطُرُ في الأفكارِ قبلك أَنْ .. تَسْمُو علوّاً على أفْقِ السُّهَا الخِيَمُ .. حتى أتيتَ بها شَمَّاءَ شاهقةً .. في مارنِ الدهر من تيهٍ بها شَمَمُ .. إنّ الدليلَ على تكوينها فَلَكاً .. أَنِ احتَوَتْكَ وأَنْتَ الناسُ كلهُمُ .. يَمُدُّ مَنْ في بلادِ الصينِ ناظِرَهُ .. حتى ليبصر عِلْماً أنَّها عَلَمُ “.

ومن قوله في مدح الوزير : ما قالَ لا قطُّ مذ شُدَّتْ تَمَائمُهُ .. وكم له نَعَمٌ في طيِّها نِعَم .. لو كنتَ شاهدَ شعري حين أنْظِمُهُ .. إذَنْ رَأَيْتَ المعالي فيك تَخْتَصِمُ .. أَزَرْتُكَ اليومَ من فكري مُحَبَّرَةً .. في ناظر الشمسِ من لأْلاَئِهَا سَقَمُ .. ترى النجومَ لِلَفْظِي فيكَ حاسدةً .. تودُّ لو أنَّهَا في المدح تنتظم ، وله : منالُ الثُّرَيَّا دون ما أنا طالبُ .. فلا لومَ إنْ عَاصَتْ عَلَيَّ المَطَالِبُ .. وإني وإنْ لم يسمح الدهرُ بالمُنَى … فلي في كَفالاتِ الرِّماحِ مآرِبُ .. تُقَرِّبُ لِي مُسْتَبْعَدَاتِ مطالبي .. جِيَادي وعزمي والقَنَا والقواضبُ .. فما أنا ممن يقبضُ العَجْزَ خَطْوَهُ .. وَتَعْمَى عليه في البلاد المذاهب.

وقال يهنىء الوزير بخلعة : شَرَفاً فقد أَدْرَكْتَ قاصيةَ العُلاَ .. ورَدَدْتَ غَرْب النائبات مُفلَّلا .. هَمَّ الزمانُ على الورَى بجنايةٍ .. فأَنَابَ قبلَ وُقوعها وتَنَصَّلا .. فلو استطاعَ النطقَ أصبحَ سائلاً .. في الإذْنِ أن يَطَأَ البساطَ مُقَبِّلا .. الله أكرَمُ أن يُضَيِّعَ دوْلةً .. عنها فلم يَعْرِفْ إليها مَدْخَلا ، وله : أَطاع أَمرَكَ في أعدائكَ القَدَرُ .. ولا دَنَتْ أبداً من مُلْكِكَ الغِيَرُ .. أَيَّامُكَ الغُرُّ مصقولٌ عوارِضُها .. كأنَّ آصالَهَا من رِقَّةٍ بُكَرُ .. أَخْمَلْتَ ذكْرَ ملوكٍ كنتَ خاتمَهُمْ .. وأَنجُمُ الليلِ في الإِصباحِ تَسْتَتِرُ .. أيْنَ الذي أنْتَ مُبْدِيه مُعَايَنَةً .. من الفضائلِ مما تنقلُ السِّيَرُ.

وقال أيضا في الوزير : تخالُ راحتَه والمشرفيّ بها .. سحابةً ظلَّ فيها البرقُ يَسْتَعِرُ .. يَلْقَى الكتائبَ فَرْداً وهْو مُبْتَسِمٌ .. ويبذلُ الأرْضَ رِفْداً وهْو مُحْتَقِر ، وقال : ومذ صارَ للإسلامِ سيفاً وللظُّبَا .. إليه انتسابٌ غادَرَتْ معه الْهِنْدَا .. لأَضحى نَدَى كفَّيْك للنيلِ ثانياً .. وقد عَهِدْتُه أَرْضُ مِصْرَ بها فَرْدَا ، وله من قصيدة في مدح أبي محمد بن أبي أسامة : لعلَّ سَنا البارقِ المُنْجِدِ .. يُخَبِّرُ عن ساكني ثَهْمَدِ .. ويا حبذا خَطْرَةٌ للنسيم .. تُجَدِّدُ من لوعةِ المُكْمَد .. وفي ذلك الحيِّ خُمْصَانةٌ .. لها عُنُقُ الشادنِ الأَغْيَدِ .. تَتيهُ بغُرَّةِ بدرِ التمامِ .. وسالفةِ الرَّشَإِ الأغْيَدِ.

ومن شعره في الغزل قوله : وباهرةِ المحاسنِ إِنْ تَبَدَّتْ .. بليلٍ أَطْلَعَتْ بدرَ التّمامِ .. وإِنْ بَرَزَتْ نهاراً في نِقَابٍ .. أَرَتْكَ الشمسَ من تحتِ الغَمَامِ .. أَضاءَ جَبِينُها والشَّعْرُ داجٍ .. كذاك البدرُ يَحْسُنُ في الظلام ، وقال أيضا : ونَدْمَاني بدور التِّمِّ تَبْدُو .. بأَغْصانٍ تميسُ على روابي .. ورنَّاتُ المثالثِ والمَثاني .. وفاقاً في اصطحابٍ واصطخاب .. فحيَّتْ والدُّجَى يحكي انحساراً .. نُصولَ الشيبِ من تحتِ الخِضاب .. براحٍ خِلْتَ كفَّ المَزْج جَادَتْ .. لمَفْرِقها بتاجٍ من حَبَابِ .. صَفَتْ وصَفَتْ زجاجَتُها وأَضْحَتْ .. كأَخْلاَقِ الأَجلِّ أَبي تراب.

وقال العماد عن أسلوبه في الكتابة النثرية : ” ومن نثره مما يدل حسنه على رونق فرنده وأثره ما التقطته من ترسلٍ صنفه أبواباً وألفه اقتضاباً ، له تهنئة بولاية : من هنىء بمنزلةٍ يرتقيها أو مرتبةٍ يعتليها فالخدمُ تهنىء بالحضرة لما يكسوها من جميل السيرة والإنصاف الذي يتعادل فيه الجهر والسريرة ، فخلد الله ملك المجلس العالي المالكي وثبت أيامه ونصر أعلامه فإنه منظورٌ فيها بناظر البصيرة التي تمده القوة الفلكية سلك بتقديمها نهج السعادة الذي توضحه المادة الإلهية فأصاب الضريبة ووقع العقد في التربية وأرهف الحسام القاطع وأضرم الشهاب الساطع “.

ومن كتاباته تهنئة بالعافية إلى السلطان حيث يقول : الحمد لله الذي أقر القلوب بعد وجيبها وأضحك الأيام بعد قطوبها وقوى المنن بعد انخزالها وشد عرى الإسلام بعد انحلالها بما أتاحه من البر الذي أقر عيون الأولياء وأكمد قلوب الأعداء ، وأصبحت الدنيا متحليةً بعقودها مائسةً في برودها باسمةً عن المضحك الأنيق لاجئةً إلى الركن الوثيق وغدا الدين عزيز الجانب رفيع المناكب محمي الكواكب فمملوك الدولة أحق الأولياء بأن يستفزه الجذل ويستطيره وتتضاعف مسرته بهذه المنحة الخطيرة ، إذ هو بيمنها مشمولٌ وعلى موالاتها مجبول وقد جذبت بباعه من الحضيض الأوهد وسمقت به إلى المحل الأمجد فهو يتازر بإنعامها ويرتدي ويروح إلى إحسانها ويغتدي.

ويقول بمناسبة الانتصار : الحمد لله الذي فضل دولة أمير المؤمنين على سائر الدول كما فضل ملة محمد صلى الله عليه وسلم على سائر الملل وجعل أيامه واضحة الحجول والغرر مخصوصةً بالفتوح والظفر يخفق النصر على بنوده وتسير السعادة أمام جنوده ويقابل الأقدار في جحافلها وتصبح الملائكة الأبرار من قبائلها فما يتوجه من جيوشه جيشٌ إلا والتأييد يقدمه والقدرة تخدمه والدهر يؤازره والنصرة تضافره.

نهنىء بهذا الفتح الذي ضحكت به الدنيا عن مباسمها وتجلت به شموس النصر عن غمائمها ونسأل الله أن يجعل الأرض قبضة يده، والأفلاك الجارية من أعوانه وعدده وكل يوم من أيامه موفياً على أمسه مقصراً عن غده الفتح الذي نكست به رءوس ذوي الشقاق وقطع به دوابر أهل الخلاف والنفاق ورجفت به أكباد الأعداء رهباً وجزعاً وتضعضعت به أركان الباطل خوفاً وهلعاً وأصبح الإسلام به عزيز الجناب فسيح الرحاب منصور الأعوان والأحزاب والدولة فاخرةً على الدول بالغةً أقصى الأمل يخفق النصر في أعلامها ويحفها الظفر من ورائها وأمامها.

38 / جوهر الآداب وذخائر الشعراء والكتاب

من أهم كتب النقد الأدبي في القرن السادس الهجري كتاب (جوهر الآداب وذخائر الشعراء والكتاب) الذي كتبه الأديب واللغوي أبو بكر محمد بن عبد الملك بن محمد بن السراج الشنتريني الأندلسي ، ولد في شنترين (تقع في البرتغال حاليا) وتعلم في إشبيلية ورحل إلى مصر عام 515 هـ / 1121 م وهو في الثلاثينات من عمره ليعمل بتدريس النحو وإقراء القرآن في حلقة خاصة به بجامع عمرو بن العاص بالفسطاط وقام برحلة إلى اليمن والحجاز ثم استقر بعدها في مصر حتى وفاته عام 549 هـ / 1154 م ، وله عدد كبير من المؤلفات في مجالات النحو والشعر والعروض والبلاغة والنقد الأدبي.

وقد بلغ الكتاب قرابة ألف صفحة انتهى منها المؤلف في مصر عام 525 هـ ويضم أربعة أجزاء حيث يتناول الجزء الأول طبقات الشعراء ومذاهبهم والمشهور من قصائدهم وفضل الشعر ومنافعه ومعايبه وأنواع البلاغة فيه ، ويتناول الجزء الثاني أغراض الشعر المختلفة وما اشتهر من الأبيات في كل غرض وما يتمثل به عند النقاد ، وفي الجزء الثالث يتناول النثر من ناحية الألفاظ والمعاني مع ذكر نماذج لذلك من الآداب المروية والوصايا والخطب ووعظ البلغاء وبليغ المحاورات ووجيز المكاتبات وأصناف الكتاب ، أما الجزء الرابع فتناول فيه السرقات الأدبية عند أبي الطيب المتنبي ومشكلات معانيه وذكرها على ترتيب القوافي.

وفي مقدمة كتابه يشرح منهجه العام في النقد والبلاغة فيقول : ” وإن من أعظم أدوات العلم شأنا وأجلها قدرا ومكانا وأحقها بالتقديم وأجمعها لمحاسن العلوم ، النظر في قوانين البلاغة وأساليبها ومعرفة أنواعها وضروبها وكيفية العمل في ترتيبها وتهذيبها والتنبيه على محاسنها وعيوبها وذكر نبذ من عيون كلام البلغاء ونتف من فنون معاني الشعراء وشيء من سرقاتهم وإغاراتهم وما شاكل ذلك من موافقاتهم ، وأنا ـ إن شاء الله ـ أذكر من ذلك ما يحسن ذكره وجمعه وتعم فائدته ونفعه ..

والبلاغة ألفاظ ومعان وهي من الألفاظ بمنزلة الروح من الجسد ولا تتم البلاغة إلا بصحتهما ، وقد اختلف في التفضيل بينهما فأكثر الناس على تفضيل المعاني لأن اللفظ إنما جيء به من أجل المعنى فهو تابع والمعنى متبوع ولا إشكال في تفضيل الأصول على الفروع ، وأما من فضل الألفظ فإنه زعم أن المعاني موجودة في طباع الناس يشترك فيها العام والخاص وإنما يقع التفاضل في اختيار الألفاظ وتهذيبها وحسن سبكها وصحة تركيبها.

والأولى أن يعطى كل واحد منهما حقه ولا يحرم من الفضل قسطه فقد قيل إن البليغ يحوك الكلام على حسب المعاني ويخيط الألفاظ على قدر المعاني ، وأصل البلاغة هو تركيب المعاني القائمة في النفس فإذا كملت تركيبا ونظاما صارت في النفس كلاما فإذا احتيج إلى التعبير والدلالة على ما في الضمير ركبت عليها ألفظ منظومة نظم العقود وألبست منها حللا مرقومة رقم البرود فانتقلت بها من الجنان إلى اللسان فحصل الإفهام عند استماع الكلام فإذا أريد تقييده وإيصاله إلى من بعد وغاب نقل ذلك إلى الخط والكتاب.

فالمعاني أرواح والألفاظ لها أشباح والكتابة والرقم بمنزلة الكسوة على الجسم فكل واحد منهما يحسن لحسنه الآخر ، وهي أيضا بمنزلة البستان شجره الخط وثمره اللفظ ورائحته وطعمه المعنى ، وليس الخط من البلاغة ولكنه من توابعها لأنه يحتاج إليه في إيصالها إلى من بعد كما يوصلها اللفظ إلى من قرب لأن المقصود بالكلام إنما هو الإفهام وليس قبح الخط بقادح فيها إذا كان مؤديا لمعانيها لكنه قد يتعب القارىء كما يتعب شوك الورد الجاني وقد قيل تاخط الحسن يزيد الحق وضوحا “.  

وفي مقدمة كتابه (المعيار في أوزان الأشعار) يقول : ” إنّ الشعر لما كان ديوان العرب المثقف لأخبارها والمقيد لأوزان كلامها والمبين لمعاني ألفاظها والمنبه على أدابها ومكارم أخلاقها وكان حجة نرجع إليها في تفسير ما أشكل من كتاب الله تعالى ومفزعاً يلجأ إليه في بيان ما استبهم من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيت أن العناية بمعرفة أوزانه مهمة في الدين ، لأن الجهل بالوزن يؤدي إلى تغيير اللفظ بتحريك الساكن أو إسكان متحرك أو تخفيف مشدد أو تشديد مخفف وذلك يبطل الثقة بكلماته ويمنع الاستشهاد بلغاته لتعرضها للاحتمال عند من يجهل الوزن وما كانت هذه سبيله فلا يجوز الاستدلال به إذ ليس أحد محتملاته بأولى به من الآخر “.

وفي مقدمة كتابه (الكافي في علم القوافي) يقول : ” الحمد لله قبل كل مقال والصلاة على سيدنا محمد وعلى آله خير آل ، هذا كتاب أذكر فيه بعون الله تعالى قوافي الشعر وحدودها ولوازمها وعيوبها رجاء المنفعة بذلك لمن سأل فيه متحريا في ذلك الإيجاز ، القافية : كل ما يلزم الشاعر إعادته في سائر الأبيات من حرف وحركة ، هذا هو المفهوم من تسميتها قافية لأن الشاعر يقفوها أي يتبعها فتكون قافية بمعنى مقفوة ، كما قالوا : عيشة راضية بمعنى مرضية أو تكون على بابها كأنها تقفو ما قبلها.

قال الخليل : هي من آخر حرف في البيت إلى أول ساكن يليه مع حركة ما قبله ، وهذا فيه نظر لأنه إن جاز (ينطلق) مع (يحترق) أجاز اختلاف القافية وإن منعه خالف الإجماع ، وقال الأخفش : القافية آخر كلمة في البيت واستدل بأنه لو قيل لك : اكتب لي قوافي قصيدة لكتبت آخر كلمة من كل بيت ، ولا حجة في هذا لأنه لما لم يمكن تبعيض الكلمة كتبت بكمالها ولأنه يلزمه ما لزم الخليل ، وقال الفراء : القافية حرف الروي لأنه الحرف الذي تنسب إليه القصيدة فيقال قصيدة نونية وعينية ، وهذا أيضا فيه نظر لأن تسمية الروي قافية يوهم أنه لا يلزم أن يعاد سواه ، فأما نسبة القصيدة إليه فلأنه ألزم حروف القافية.

وأما من قال : إن القافية آخر حرف في البيت فكأنه ذهب إلى ذلك من حيث إن الشاعر يلتزم علته أو سلامته ، وهو معترض بمثل ما اتعرض به قول الخليل وكذلك من ذهب إلى أنه النصف الأخير أو البيت كله ، وأما ما حكي من أن أعرابيا أنشد : (بنات وطاء على خد الليل) فسئل عن قافيته فقال : (خد الليل) فالجواب عنه ما قدمناه في قول الأخفش أن المضاف والمضاف إليه كالشيء الواحد ، وأما قول الخنساء : (وقافية مثل حد السنان تبقي وتذهب من قالها) فإنما سميت القصيدة قافية لاشتمالها على القوافي واتصالها بها “. 

وفي مقدمة كتابه (تنبيه الألباب على فضائل الإعراب) يقول : ” أما بعد فإن الواجب على كل من عرف أنه مخاطب بالتنزيل ومأمور بفهم كلام الرسول صلى الله عليه غير معذور بالجهل بمعناهما ولا مسامح في ترك العمل بمقتضاهما أن يتقدم فيتعلم اللسان الذي أنزل الله به القرآن حتى يفهم كتاب الله وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ لا سبيل لفهمهما دون معرفة الإعراب وتمييز الخطأ من الصواب ، لأن الإعراب إنما وضع للفرق بين المعاني في نحو قولك : ما أحسن زيدا ! إذا تعجبت من حسنه ، وما أحسن زيدٌ إذا نفيت إحسانه ، وما أحسنُ زيدٍ ؟ إذا استفهمت عن أحسن شيء فيه.

فلو ذهب الإعراب لاختلطت المعاني ولم يتميز بعضها من بعض وتعذر على المخاطب فهم ما أريد منه فوجب لذلك تعليم هذا العلم إذ هو من آكد أسباب الفهم فاعرف ذلك ولا تجد غنى عنه فإنه علم السلف الذي استنبطوا به الأحكام وعرفوا به الحلال والحرام ، ولا يغرنك أقوام استوطأوا مركب العجز فاقتصروا على الجهل والتقليد المحض فإن المقلد كالجاهل أو قريبا منه لتناسبهما في الجهل بالاستنباط وتقاربهما عند التشكك والاختلاط ، ولذلك لا يجوز أن يفتي الناس في الفقه من كان عاريا من النحو ومتى فعل ذلك أخطأ وأثم وتعدى وظلم “.

وقد ترجم له أيمن الشوا في الموسوعة العربية نقلا عن عدد من المؤرخين فقال : ” أبو بكر محمد بن عبد الملك بن محمد المعروف بابن السَّراج ونسبته إلى شَنْتَرين بلدة قرب بَاجة في الأندلس غربي قرطبة ، قال ياقوت : وهي الآن للإفرنج مُلكت في سنة 543هـ ، استقر في إشبيلية ووجهه أبوه إلى دراسة النحو وسمع بعض الأحاديث والأحكام الفقهية والأخبار والأشعار ثم صار أحد أئمة العربية والمبرّزين فيها.

ذكر المترجمون أنّ أبا بكر محمد بن عبد الملك رحل إلى الشرق سنة 515 هـ فنزل مصر وأقرأ بها وحدث وكانت له حلقة في جامع مصر لإقراء النحو ثم قصد اليمن فأقام بها مدة ثم عاد إلى مصر ، نقل صاحب (نفح الطّيب) عن السلفي في وصف المصنف قوله : (كان من أهل الفضل الوافر والصلاح الظاهر وكانت له حلقة في جامع مصر لإقراء النحو وكثيراً ما كان يحضر عندي ـ رحمه الله تعالى ـ مدة مقامي بالفسطاط).

من تلاميذه : أبو حفص عمر بن إسماعيل من شيوخ ابن خير لقيه في رحلته سنة 531 هـ وروى عنه علم الحديث ، وأبو الحسن علي بن عبد الله النابلسي المعروف بابن العطار ، وذكر أنّ أبا بكر الشنتريني الأندلسي هو أهم أساتذة عبد الله بن بري النحوي واللغوي المشهور (ت 582 هـ) قرأ عليه النحو واللغة والأدب ومن بين ما قرأه عليه كتاب سيبويه وذكر ابن بري أنّ بداية توجهه لقراءة النحو كانت عليه وكذا أخذ الأدب واللغة.

وعاصر عدداً من الأدباء والنحويين في الأندلس وفي مصر واليمن ومكة فأخذ علوم العربية عن ابن أبي العافية (ت 509 هـ) النحوي المقرئ بجامع إشبيلية مهد العلم آنئذ وهو أنبه العلماء في معرفة رجال الأدب في الأندلس ، وبرز من شيوخه ابن الأخضر علي ابن عبد الرحمن الإشبيلي (ت 514 هـ) الذي كان مقدماً في العربية واللغة وكان ثقة ثبتاً وكلاهما أخذ عن أبي الحجاج الأعلم الشنتمري شارح المعلقات وديوان الحماسة وشعر حبيب.

تخصصت مصنفاته في مجال اللغة والأدب والنحو والعروض منها : تلقيح الألباب في فضائل الإعراب عني فيه بالحديث عن العلل النحوية وأسرار العربية وكتاب تنبيه الألباب على فضائل الإعراب تحدث فيه عن فضل العربية وأهمية تعلمها ، ومن كتبه : جواهر الآداب وذخائر الشعراء والكتاب ، ومختصر العمدة لابن رشيق والتنبيه إلى أغلاطه ، وتقويم البيان لتحرير الأوزان ، والمعيار في أوزان الأشعار ، والكافي في علم القوافي “.

39 / الذخائر

شيخ المذهب الشافعي بمصر في النصف الأول من القرن السادس الهجري هو الفقيه والقاضي أبو المعالي مجلي بن جميع بن نجا المخزومي القرشي المتوفي في الفسطاط عام 551 هـ / 1155 م وصاحب الكتاب الأهم في المذهب المعروف باسم الذخائر والذي نقل عنه فقهاء الشافعية في العصور التي تليه ، وله عدة مؤلفات أخرى منها كتاب عمدة الحكام في القضايا والأحكام وكتاب العمدة في أدب القضاء وكتاب الجهر بالبسملة.

وقد ذكره الحافظ شمس الدين الذهبي في سير أعلام النبلاء فقال : ” مجلي .. شَيْخُ الشَّافِعِيَّةِ بِمِصْرَ أَبُو المَعَالِي مُجَلِّي بنُ جُمَيْعِ بنِ نَجَا القُرَشِيُّ المَخْزُوْمِيُّ الأُرسُوفِيُّ الشَّامِيُّ ثُمَّ المِصْرِيُّ مُصَنِّفُ كِتَابِ (الذَّخَائِرِ) وَهُوَ مِنْ كُتُبِ المَذْهَبِ المُعتَبَرَةِ ، وَلِيَ قَضَاءَ مِصْرَ بتفويضٍ مِنَ العَادلِ بنِ السَّلاَّرِ سَنَةَ سَبْعٍ وَأَرْبَعِيْنَ ثم عزل بعد سنتين ، مَاتَ فِي ذِي القَعْدَةِ سَنَة خَمْسِيْنَ وَخَمْسِ مائَةٍ وَفِي كِتَابِهِ مُخبّآت لاَ تُوجدُ فِي غيره “.

وذكره ابن خلكان في وفيات الأعيان فقال : ” القاضي مجلي صاحب الذخائر أبو المعالي مجلي بن جميع بن نجا القرشي المخزومي الأرسوفي الأصل المصري الدار والوفاة الفقيه الشافعي ، كان من أعيان الفقهاء المشار إليهم في وقته وصنف في الفقه كتاب الذخائر وهو كتاب مبسوط جمع من المذهب شيئا كثيرا وفيه نقل غريب ربما لا يوجد في غيره وهو من الكتب المعتبرة المرغوب فيها.

وتولى أبو المعالي المذكور القضاء بمصر في سنة سبع وأربعين وخمسمائة بتفويض من العادل أبي الحسن علي بن السلار فإنه كان صاحب الأمر في ذلك الزمان ثم صرف عن القضاء في أوائل سنة تسع وأربعين وخمسمائة قيل في العشر الأخير من شعبان من السنة وتوفي في ذي القعدة سنة خمسين وخمسمائة ودفن بالقرافة الصغرى رحمه الله تعالى.

والأرسوفي : بضم الهمزة وسكون الراء وضم السين المهملة وسكون الواو وبعدها فاء هذه النسبة إلى أرسوف وهي بليدة بالشام على ساحل البحر كان بها جماعة من العلماء والمرابطين وهي اليوم بيد الفرنج خذلهم الله تعالى “.

وقد ترجم له تاج الدين السبكي في طبقات الشافعية الكبرى ونقل عنه بعض فتاواه التي انفرد بها وعلق عليها في استفاضة فقال : ” مجلي بن جَمِيع بِضَم الْجِيم بن نجا المَخْزُومِي قَاضِي الْقُضَاة أَبُي الْمَعَالِي صَاحب الذَّخَائِر وَغَيره من المصنفات لَهُ إِثْبَات الْجَهْر بِبسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم وَالْكَلَام على مَسْأَلَة الدّور وَغَيرهمَا كَانَ من أَئِمَّة الْأَصْحَاب وكبار الْفُقَهَاء وَإِلَيْهِ ترجع الْفتيا بديار مصر.

قَالَ ابْن القليوبي فِي كتاب الْعلم الظَّاهِر سَمِعت الشَّيْخ الْحَافِظ زكي الدّين عبد الْعَظِيم يَقُول عَن الشَّيْخ أبي الْمَعَالِي مجلي إِنَّه تفقه من غير شيخ قَالَ وَقَالَ الشَّيْخ يَعْنِي الْحَافِظ عبد الْعَظِيم وَكَانَ يَعْنِي القَاضِي مجليا يمشي فِي جبانة القرافة وَهُوَ يطالع ويزور فَإِذا كَانَ بعد الْعَصْر أسْند ظَهره إِلَى المقطم واستقبل الْبركَة وَأمر على خاطره مَا طالعه فِي نَهَاره.

قَالَ عبد الْعَظِيم وَكَانَ القَاضِي مجلي اسْتعَار كتاب الْبَسِيط عَارِية مُؤَقَّتَة وَهِي مده قريبَة جدا ولعلها لكل جُزْء يَوْمَانِ وَكَانَ يُصَلِّي الْفَرَائِض خَاصَّة ويشتغل بالنسخ وَيُقَال إِنَّه بِسَبَب هَذِه السرعة جَاءَ فِي بعض الْمَوَاضِع من كتاب الذَّخَائِر خلل فِي النَّقْل عَن الْبَسِيط وَكَانَ جيد الْحِفْظ حسن التَّعْلِيق ، قَالَ ابْن القليوبي وَرَأَيْت هَذِه النُّسْخَة وابتيعت بِثمن كثير لنسبتها إِلَيْهِ ، قَالَ ابْن القيلوبي وَكَانَ مجلي قبل الْقَضَاء يسكن قليوب.

قَالَ وَسمعت وَالِدي يَقُول إِنَّه لما ولى الْقَضَاء توجه إِلَى زيارته الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق وَابْن أبي الأشبال فوجداه وَقد قدم لَهُ مركوب من جِهَة الْخَلِيفَة على هَيْئَة تخص الْحُكَّام وَكَانَ لحكام المصريين هَيْئَة خَاصَّة وَكَذَلِكَ لشهودهم فَلَمَّا خرج نفض السرج بكمه وَقَبله وَركب فَلَمَّا رَأيا ذَلِك مِنْهُ رجعا وَلم يجتمعا بِهِ فاتصل بِهِ ذَلِك عَنْهُمَا فَقَالَ وَالله لم أَدخل فِي الحكم إِلَّا الضَّرُورَة وَلَقَد بعد عهد أَهلِي بِاللَّحْمِ فَأخذت لَهُم مِنْهُ فَمَا هُوَ إِلَّا أَن وضعُوا أَيْديهم مرّة ثمَّ لم يضعوها ثَانِيَة يُشِير إِلَى كَثْرَة الْعِيَال وَقلة الطَّعَام.

قَالَ شَيخنَا الذَّهَبِيّ كَانَت ولَايَته قَضَاء مصر فِي سنة سبع وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة بتفويض من الْعَادِل ابْن السلار سُلْطَان مصر ووزيرها ثمَّ عزل قبل مَوته وَمَات فِي ذِي الْقعدَة سنة خمسين وَخَمْسمِائة.

وَمن الْمسَائِل عَنهُ ، وَقد رتب كِتَابه الذَّخَائِر على سلك لم يسْبق إِلَيْهِ وَبَاب التَّفْلِيس فِيهِ وَبَاب الْحجر بعد كتاب الْقَضَاء ، قَالَ فِي الذَّخَائِر وَمِنْه فِي كتاب التَّعْزِير نقلته وَأما قدره يَعْنِي التَّعْزِير قَالَ الشَّاشِي فِي الْحِلْية النَّاس على أَربع رتب التَّعْزِير بالْكلَام ثمَّ بِالْحَبْسِ ثمَّ بِالنَّفْيِ ثمَّ بِالضَّرْبِ.

فَقَالَ فِي بَاب الْأَقْضِيَة وَالْيَمِين مَعَ الشَّاهِد مدعي المَال إِذا قدر على إِثْبَات حَقه بِالْخِيَارِ بَين ثَلَاثَة أَشْيَاء إِحْدَاهَا أَن يُثبتهُ بِشَاهِدين وَهُوَ أقوالها فَيحكم لَهُ المَال وَالثَّانِي أَن يُثبتهُ بِشَاهِد وَامْرَأَتَيْنِ فَيحكم لَهُ بِالْمَالِ وَإِن قدر على الشَّاهِدين وَقَالَ مَالك لَا يجوز أَن يحكم لَهُ المَال بِالشَّاهِدِ والمرأتين إِلَّا مَعَ عدم الشَّاهِدين انْتهى وَنقل ابْن الْمُنْذر الْإِجْمَاع على عدم اشْتِرَاط فقدان الشَّاهِدين.

قَالَ فِي الذَّخَائِر فِي كتاب الشَّهَادَات مَا يثبت بِشَاهِد وَاحِد هِلَال رَمَضَان لَيْسَ سواهُ قَالَ القَاضِي شهَاب الدّين بن شَدَّاد لقد عجبت من صَاحب الذَّخَائِر فِي هَذَا الْكَلَام وَقد تقدم تَقْرِيره أَنه إِذا أَقَامَ شَاهدا وَاحِدًا اسْتحق الْحَيْلُولَة وَالْوَقْف بِهِ فِي صور مُتعَدِّدَة وَهُوَ حق يثبت بِالشَّاهِدِ الْوَاحِد وَلَعَلَّه أَرَادَ بذلك أَن هَذِه أُمُور تَابِعَة لحقوق لَا أَنَّهَا مَقْصُودَة انْتهى.

قلت لقد عجبت من ابْن شَدَّاد فِي هَذَا الْكَلَام فَإِن الشَّاهِد الْوَاحِد على القَوْل بالحيلولة وَالْوَقْف بِهِ لَا يثبت بِهِ الْحق الْمُدعى إِنَّمَا هِيَ حيولة ووقف عين وَهَذَا لم ينْفَرد بِهِ صَاحب الذَّخَائِر فَإِن كَانَ ابْن شَدَّاد ظن أَنه تقدم من صَاحب الذَّخَائِر الحكم بِشَاهِد وَاحِد فِي صور مُتعَدِّدَة فَلَيْسَ كَمَا ظن وَإِنَّمَا تقدم فِيهِ الْحَيْلُولَة بِشَاهِد وَاحِد وَلَيْسَ هُوَ من الحكم بِشَيْء وَكَلَامه قويم وتعجب ابْن شَدَّاد عَجِيب وَمَا قَالَه مجلي قَالَه النَّاس كلهم ثمَّ طَرِيق الرَّد عَلَيْهِ بِبَيَان صور يحكم فِيهَا بِشَاهِد وَاحِد إِمَّا على الصَّحِيح أَو على رَأْي ضَعِيف.

وَقد أوردناها فِي كتَابنَا التوشيح عِنْد كلامنا على قَول الْمِنْهَاج لَا يحكم بِشَاهِد وَاحِد إِلَّا فِي هِلَال رَمَضَان فِي الْأَظْهر مِنْهَا لَو شهد عدل وَاحِد بِإِسْلَام من عهدناه ذِمِّيا قبل مَوته فَإِنَّهُ لَا يحكم بِإِسْلَامِهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمِيرَاث فَلَا يَرث مِنْهُ الْمُسلم وَلَا يحرم مِنْهُ الْكَافِر وَهل يثبت بِالنِّسْبَةِ إِلَى وجوب الصَّلَاة عَلَيْهِ وَجْهَان بناهما الْمُتَوَلِي على الْخلاف فِي لُزُوم رَمَضَان بِوَاحِد لتضمن ذَلِك إِيجَاب عبَادَة وَمِنْهَا هِلَال ذِي الْحجَّة على وَجه وَمِنْهَا هِلَال شَوَّال على قَول أبي ثَوْر وَقَالَ صَاحب التَّقْرِيب لَو قلت بِهِ لم أكن مُبْعدًا وَرَأى الإِمَام اتجاهه وَمِنْهَا قَالَ الْبَغَوِيّ فِي التَّهْذِيب وَتَابعه غَيره إِن الْعَيْب يقبل فِيهِ الرجل الْوَاحِد وَيثبت بِهِ الرَّد لَكِن فِي التَّتِمَّة خِلَافه.

وَمِنْهَا إِذا نذر صَوْم شعْبَان فَشهد وَاحِد باستهلال هلاله فَوَجْهَانِ عَن الْبَحْر يبنيان على أَن النّذر يسْلك بِهِ مَسْلَك وَاجِب الشَّرْع أم جَائِزَة وَمِنْهَا العون إِذا أخبر الْحَاكِم بامتناع الْغَرِيم من الْحُضُور اكْتفى بِهِ فِي تأديبه ، وَمِنْهَا إِذا ادّعى الْخصم امْتِنَاعه فَشهد بِهِ وَاحِد فقد قيل يكْتَفى بِهِ وَالْأَشْبَه فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ أَن ذَلِك من بَاب الْخَبَر لَا الشَّهَادَة فَلَا يكون مِمَّا نَحن فِيهِ.

وَمِنْهَا صُورَة أوردهَا الشَّيْخ برهَان الدّين بن الفركاح فِي تعليقته على التَّنْبِيه وَفِي حَوَاشِيه على الْمِنْهَاج ونقلها عَن الْحَاوِي فَقَالَ ذكر الْمَاوَرْدِيّ فِي الْبَاب الثَّانِي من كتاب الشَّهَادَة فِي الْكَلَام على مَا يكون بِهِ عدلا مَا لَفظه وَالثَّالِث أَن يشْهد بِبُلُوغِهِ شَاهد عدل فَيحكم بِبُلُوغِهِ وَتَكون شَهَادَة لَا خَبرا ، انْتهى.

وَقد رَأَيْته فِي الْحَاوِي فِي النُّسْخَة الَّتِي نقل مِنْهَا الشَّيْخ برهَان الدّين وَهِي وقف الْمدرسَة البادرائية وَلَفظه كَمَا ذكره وَهَا أَنا أحكيه مَعَ مَا قبله وَمَا بعده لوُقُوع الِاضْطِرَاب فِيهِ قَالَ الْمَاوَرْدِيّ وَمن النُّسْخَة الَّتِي نقل مِنْهَا ابْن الفركاح نقلته فِي التَّوَصُّل إِلَى معرفَة الْبلُوغ مَا نَصه علم الْحَاكِم بِبُلُوغِهِ يكون من أحد أَرْبَعَة أوجه أَحدهَا أَن تظهر عَلَيْهِ شَوَاهِد الْبلُوغ بالإنبات إِذا جعل الإنبات فِي الْمُسلمين بلوغا وَالثَّانِي أَن يعرف الْحَاكِم سنة فَيحكم بِبُلُوغِهِ إِذا اسْتكْمل سنّ الْبلُوغ وَالثَّالِث أَن يشْهد بِبُلُوغِهِ عِنْده شَاهد عدل فَيحكم بِبُلُوغِهِ وَيكون شَهَادَة لَا خَبرا وَالرَّابِع أَن يَقُول الْغُلَام قد بلغت فَيحكم بِبُلُوغِهِ بقوله لِأَنَّهُ قد يبلغ بالاحتلام الَّذِي لَا يعلم من جِهَته لِأَنَّهُ تتغلظ أَحْكَامه بتوجه التَّكْلِيف إِلَيْهِ فَكَانَ غير مُتَّهم فِيهِ انْتهى

وَقد ذكره الرَّوْيَانِيّ فِي الْبَحْر كَذَلِك إِلَّا أَنه قَالَ شَاهدا عدل فَمن ثمَّ جَوَّزنَا أَن تكون الْألف سَاقِطَة من لفظ الْحَاوِي لكوننا وجدناها ثَابِتَة فِي لفظ الْبَحْر وَهَذَا يكَاد يَحْكِي لَفظه كثيرا وَسُقُوط ألف وَاحِدَة هَين لَكِن أوقفنا عَن ذَلِك أَن فِي الْحَاوِي وَالْبَحْر كليهمَا وَيكون شَهَادَة لَا خَبرا وَمَعَ قيام الشَّاهِدين لَا يحْتَاج إِلَى هَذَا الْكَلَام وَبِالْجُمْلَةِ فِي اللَّفْظ اضْطِرَاب وَلَا يَتَأَتَّى إِيرَاد الشَّيْخ برهَان الدّين إِلَّا على تَقْدِير سُقُوط الْألف وَفِيه وَقْفَة.

قَالَ فِي الذَّخَائِر فِي أَوَائِل بَاب تحمل الشَّهَادَة بَعْدَمَا حكى الْوَجْهَيْنِ فِي أَن تحملهَا فِي غير النِّكَاح هَل هُوَ فرض كِفَايَة أَو سنة مَا لَفظه قَالَ بعض أَصْحَابنَا وَوجه التَّرَدُّد نَشأ من الْآيَة وَهُوَ قَوْله تَعَالَى {وَلَا يأب الشُّهَدَاء إِذا مَا دعوا} فَمنهمْ من حملهَا على الْأَدَاء وَمِنْهُم من حملهَا على التَّحَمُّل قَالَ القَاضِي مجلي وَهَذَا فِيهِ نظر ثمَّ لقَائِل أَن يَقُول إِنَّهَا عَامَّة فيهمَا لِأَنَّهُ قد يحْتَاج إِلَى دُعَائِهِ فيهمَا فَهُوَ مَأْمُور بإجابته فِي الْحَالَتَيْنِ ، انْتهى ، وَقد يَقُول من يَدعِي تخصيصها بِالْأَدَاءِ إِن اسْم الشَّاهِد حَقِيقَة لَا يُطلق على من لم يتَحَمَّل.

قَالَ فِي الذَّخَائِر فِي مسح الْخُف أَنه لَا يجوز الْمسْح على الْخُف الَّتِي أَصَابَته نَجَاسَة حَتَّى يطهر لِأَنَّهُ لَا تجوز الصَّلَاة مَعَه فَلَا يجوز الْمسْح عَلَيْهِ وَهَذَا أَيْضا ذكره النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب وَلَعَلَّه أَخذه من الذَّخَائِر وَهُوَ شَيْء عَجِيب لَا يساعده مَنْقُول وَلَا مَعْقُول وَإِنَّمَا الَّذِي مَنعه الْأَصْحَاب الْمسْح على نجس الْعين أم الْمُتَنَجس فَلَا يمْنَع الْمسْح عَلَيْهِ بل يَصح ثمَّ يصير الْمَانِع من الصَّلَاة بِوُجُود مُتَنَجّس فيغسله وَيُصلي فِيهِ وَبِذَلِك صرح الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد فِي التَّبْصِرَة فَقَالَ وَإِذا كَانَ الْخُف نجسا فَلَا تصح الصَّلَاة مَعَه لنجاسته وَالْمسح عَلَيْهِ صَحِيح حَتَّى إِذا مسح عَلَيْهِ أَولا ثمَّ أَرَادَ حمل الْمُصحف أومسه كَانَ ذَلِك مُبَاحا وَلَكِن الصَّلَاة لَا تُبَاح وعَلى الْخُف نَجَاسَة لِأَن النَّجَاسَة على الْبدن أَو الثَّوْب لَا تتداعى إِلَى فَسَاد الْوضُوء فَكَذَلِك الْخُف ، انْتهى.

وَلَيْسَ فِي الرَّافِعِيّ إِلَّا أَن الْخُف من كلب أَو ميتَة قبل الدّباغ لَا يجوز الْمسْح عَلَيْهِ وَذَلِكَ مَخْصُوص بِنَجس الْعين لَا الْمُتَنَجس بل لَو قَالَ قَائِل لَا مُنَافَاة بَين صِحَة الْمسْح والنَّجَاسَة وَلَو عَيْنَيْهِ فَيصح الْمسْح ثمَّ تمنع الصَّلَاة للنَّجَاسَة لساعدته عبارَة التَّبْصِرَة “.

40 / معجم السفر

المعجم في اصطلاح أهل الحديث هو الجزء الذي يجمع فيه المحدث أسماء شيوخه ومروياته عنهم ضمن كتاباته في علم الحديث ، وكان يطلق عليه أول الأمر لفظ (المشيخة) ثم صاروا يطلقون عليه بعد ذلك (المعجم) عندما صاروا يفردون أسماء الشيوخ ويرتبونهم على حروف المعجم ، ثم توسع المحدثون وفصلوا ذلك في كتاب مستقل يخصه الشيخ بشيوخه وأقرانه ممن أخذ عنه أو التقى به أو راسله ، ولا يقتصر ذلك على رواية الحديث وحدها وإنما يضم أيضا كل ما تمت روايته من أخبار وأشعار ونوادر وحكم.

وكتاب (معجم السفر) هو مصنف جليل يتجاوز ستمائة صفحة ألفه إمام المحدثين في القرن السادس الهجري الفقيه الشافعي صدر الدين أبو طاهر أحمد بن محمد بن سلفة الأصبهاني المعروف بلقب (الحافظ السلفي) ، ولد في أصفهان عام 478 هـ / 1085 م وتوفي في الإسكندرية عام 576 هـ / 1180 م عن عمر يناهز مائة عام قضى نصفها الأول في الترحال وطلب العلم في كل من العراق والشام والحجاز وخراسان ثم قضى نصفها الثاني في التدريس والتأليف بعد أن دخل مصر واستقر فيها.   

وكان السلفي قد رحل إلى الإسكندرية عام 511 هـ واستقر فيها بجوار المدرسة الحافظية التي كانت مخصصة للفقه المالكي والتي بناها الوزير أحمد بن الأفضل ، ثم قام ابن السلار الوزير الفاطمي بإنشاء مدرسة للشافعية بجوارها أسند إدارتها إلى الحافظ أبي طاهر السلفي الذي درس فيها قرابة نصف قرن حمل فيها لواء المذهب السني في مواجهة مذهب الدولة الشيعي وقتها ، وقد عمرت هذه المدرسة وكانت تعرف بالمدرسة السلفية حتى بعد وفاة شيخها وفيها تخرج كثير من العلماء الممتازين ولم يكن للشافعية مدرسة غيرها في الثغر.

وقد كتب السلفي عدة معاجم لمشيخته واحد لمشيخته بأصفهان في مجلد يحوي ستمائة شيخ وواحد لمشيخة بغداد وهو كبير يضم خمسة وثلاثين جزءا والثالث هو معجم السفر الذي يتناول باقي البلاد التي رحل إليها خاصة مصر وكذلك مراسلاته مع شيوخ المغرب والبلاد التي لم يقدر له السفر إليها ، والكتاب أقرب ما يكون لكتب التراجم والسير كما يعد مفيدا في جانب التاريخ حيث كان السلفي واسع الاطلاع محبا للكتب كما قال الذهبي في تذكرة الحفاظ عن المنذري : ” كان السلفي مغرما بجمع الكتب وما حصل له من المال يخرجه في ثمنها ، كان عنده خزائن كتب لا يتفرغ للنظر فيها “.

وقد ترجم له ابن خلكان في وفيات الأعيان فقال : ” الحافظ السلفي .. الحافظ أبو طاهر أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد إبراهيم سلفة الأصبهاني الملقب صدر الدين أحد الحفاظ المكثرين ، رحل في طلب الحديث ولقي أعيان المشايخ وكان شافعي المذهب ، ورد بغداد واشتغل بها على الكيا أبي الحسن علي الهراسي في الفقه وعلى الخطيب أبي زكريا يحيى بن علي التبريزي اللغوي باللغة وروى عن أبي محمد جعفر بن السراج وغيره من الأئمة الأماثل.

وجاب البلاد وطاف الآفاق ودخل ثغر الإسكندرية سنة إجدى عشرة وخمسمائة في ذي القعدة وكان قدومه إليه في البحر من مدينة صور وأقام به وقصده الناس من الأماكن البعيدة وسمعوا عليه وانتفعوا به ولم يكن في آخر عمره في عصره مثله ، وبنى له العادل أبو الحسن علي بن السلار وزير الظافر العبيدي صاحب مصر في سنة ست وأربعين وخمسمائة مدرسة بالثغر المذكور وفوضها إليه وهي معروفة به إلى الآن ، وأدركت جماعة من أصحابه بالشام والديار المصرية وسمعت عليهم وأجازوني.

وكان قد كتب الكثير ونقلت من خطة فوائد جمة ومن جملة ما نقلت من خطه لأبي عبد الله محمد بن عبد الجبار الأندلسي من قصيدة : لولا اشتغالي بالأمير ومدحه .. لأطلت في ذاك الغزال تغزلي .. لكن أوصاف الجلال عذبن لي .. فتركت أوصاف الجمال بمعزل ، نقلت من خطه أيضا لبثينة صاحبة جميل ترثيه : وإن سلوي عن جميل لساعة .. من الدهر ما حانت ولا حان حينها .. سواء علينا يا جميل بن معمر .. إذا مت بأساء الحياة ولينها ، وكان كثيراً ما ينشد:  قالوا نفوس الدار سكانها .. وأنتم عندي نفوس النفوس ، وأماليه وتعاليقه كثيرة والاختصار بالمختصر أولى.

وكانت ولادته سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة تقريباً بأصبهان وتوفي ضحوة نهار الجمعة – وقيل ليلة الجمعة – خامس شهر ربيع الآخر سنة ست وسبعين وخمسمائة بثغر الإسكندرية ودفن في وعلة وهي مقبرة داخل السور عند الباب الخضر فيها جماعة من الصالحين كالطرطوشي وغيره ، ووعلة بفتح الواو وسكون العين المهملة وبعدها لام ثم هاء ويقال إن هذه المقبرة منسوبة إلى عبد الرحمن بن وعلة السبئي المصري صاحب ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وقيل غير ذلك رحمه الله تعالى.

قلت : وجدت العلماء المحدثين بالديار المصرية من جملتهم الحافظ زكي الدين أبو محمد عبد العظيم بن عبد القوي المنذري محدث مصر في زمانه يقولون في مولد الحافظ السفلي هذه المقالة ، ثم وجدت في كتاب زهر الرياض المفصح عن المقاصد والأغراض تأليف الشيخ جمال الدين أبي القاسم عبد الرحمن ابن أبي الفضل عبد المجيد بن إسماعيل بن حفص الصفراوي الإسكندري أن الحافظ أبا طاهر السفلي المذكور وهو شيخه كان يقول : مولدي بالتخمين لا باليقين سنة ثمان وسبعين فيكون مبلغ عمره على مقتضى ذلك ثمانياً وتسعين سنة ، هذا آخر كلام الصفراوي المذكور. ورأيت في تاريخ الحافظ محب الدين محمد بن محمود المعروف بابن النجار البغدادي ما يدل على صحة ما قاله الصفراوي فإنه قال : قال عبد الغني المقدسي : سألت الحافظ السفلي عن مولده فقال : أنا أذكر قتل نظام الملك في سنة خمس وثمانين وأربعمائة وكان لي من العمر حدود عشر سنين ، ونسبته إلى جده إبراهيم سلفة – بكسر السين المهملة وفتح اللام والفاء وفي آخره الهاء – وهو لفظ عجمي ومعناه بالعربي ثلاث شفاه لأن شفته الواحدة كانت مشقوقة فصارت مثل شفتين غير الأخرى الأصلية والأصل فيه سلبه بالباء فأبدلت بالفاء “.