
وزراء السلطان
اشتهر السلطان صلاح الدين الأيوبي بالانتصارات العسكرية والتفوق في السياسة والاقتصاد والعمران والإدارة وذلك بسبب حسن اختياره لوزرائه ومعاونيه من أهل الكفاية والفكر ومن أصحاب الرؤية والدراية ، فقد كان وزيره الأول ومدبر مملكته واحدا من أعلام الأدب العربي وهو أبو علي عبد الرحيم بن علي بن الحسن اللخمي البيساني المعروف بلقب (القاضي الفاضل) وهو كاتب وشاعر وسياسي تولى القضاء وعمل في ديوان الإنشاء وأشرف على دار الحكمة ثم ترأس الوزارة وقال عنه صلاح الدين : ” لا تظنوا أني فتحت البلاد بالسيوف إنما فتحتها بقلم القاضي الفاضل “.
أما الوزير المختص بديوان الإنشاء والمكاتبات في عهده فهو عماد الدين أبو حامد محمد بن محمد الأصفهاني المعروف بلقب (العماد الكاتب) وهو مؤرخ وشاعر وله عدد كبير من المؤلفات من أهمها كتاب خريدة القصر وجريدة العصر والذي تناول فيه بالنقد والتحليل شعراء عصره وكتب عنهم وعن أعمالهم الأدبية ، ويعاونه في الكتابة شاب نابه هو أبو القاسم هبة الله بن جعفر بن سناء الملك وهو شاعر وأديب له ديوان شعر كبير كما ألف كتاب دار الطرز في عمل الموشحات والذي وضع قواعد (الموشحات المصرية) ، وأما رئيس الأطباء في السلطنة وقتها فهو الفيلسوف اليهودي المعروف موسى بن ميمون مؤلف كتاب (دلالة الحائرين).
وأما الشئون الاقتصادية (ديوان المال) فقد عهد بها إلى واحد من أهم علماء الجغرافيا في تاريخ مصر وهو الوزير أبو المكارم الأسعد بن المُهذب بن مينا بن زكريا بن مَمّاتي مؤلف كتاب (قوانين الدواوين) وهو أول كتاب يحوي إحصائيات تفصيلية عن جميع القرى والبلدات المصرية ، وأما شئون البناء والتشييد (شاد العمارة) فقد عهد بها إلى الأمير بهاء الدين قراقوش بن عبد الله الأسدي الرومي الذي بنى قلعة الجبل والسور الكبير ، وأما الشئون الخارجية فكانت في عهدة الفقيه ضياء الدين أبي محمد عيسى بن محمد الطالبي الهكاري والذي أدار بنجاح العلاقات مع نور الدين محمود ثم الخليفة العباسي وسائر الأمراء حتى توحدت مصر والشام.
وأسند السلطان قضاء العسكر إلى واحد من أشهر المؤرخين وهو القاضي أَبُو اَلْمَحَاسِنْ بَهَاءْ اَلدِّينْ يُوسُفْ ابن شداد مؤلف كتاب (النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية) والمعرف باسم سيرة صلاح الدين ، وأما قاضي القضاة في مصر فكان واحدا من أعلام الفقه الشافعي في زمنه وهو الإمام الأوحد صدر الدين أبو القاسم عبد الملك بن سعيد بن درباس ، وفي الشام تولى القضاء الفقيه الشافعي شرف الدين أبو سعد عبد الله بن محمد بن أبي عصرون التميمي صاحب المؤلفات الفقهية المعروفة ، ويعاونه القاضي الشاب محيي الدين أبو المعالي محمد ابن الزكي الذي خطب أول جمعه في المسجد الأقصى بعد تحريره.
وفي عهده كان نقيب الأشراف هو السيد شريف الدين أبو علي محمد بن أسعد بن علي الجواني وهو مؤرخ ونسابة ومؤلف كتاب (الجوهرة المكنونة في ذكر القبائل والبطون) ، أما مشيخة الصوفية وقتها (شيخ الشيوخ) فكان مقرها في خانقاه سعيد السعداء وتولاها المتصوف الشيخ صدر الدين محمد بن حمويه الجويني ، وتولى مشيخة القراءات بالديار المصرية وقتها ناظر المدرسة الفاضلية الإمام أبو محمد القاسم بن فِيرُّهْ بن أحمد الشاطبي الرُّعَيني الأندلسي مؤلف متن الشاطبية في القراءات ، وشيخ الحنابلة في زمنه هو الإمام موفق الدين عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي مؤلف كتاب المغني في الفقه.
وفي المجال العسكري نبغ عدد كبير من القادة من العائلة الأيوبية ومواليها منهم أخو السلطان الأكبر تورانشاه بن أيوب مؤسس الأسرة الأيوبية في اليمن والملك العادل أبو بكر بن أيوب نائب السلطنة بالديار المصرية والأمير حسام الدين أبو الهيجاء الهذباني قائد الشرطة بالقاهرة والذي قضى على ثورة العبيد الفاطميين بزعامة مؤتمن الخلافة والأمير تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب صاحب الانتصارات في الجزيرة الفراتية والأمير مظفر الدين كوكبري الذي وضع خطة الحرب في معركة حطين والأمير حسام الدين لؤلؤ قائد الأسطول والذي صد هجمات الصليبيين على المدينة المنورة وهزمهم عند مرفأ رابغ بالحجاز.
ومن النساء الفضليات اشتهرت السيدة عصمة الدين خاتون ابنة الأمير معين الدين أنر أتابك دمشق وكانت زوجة الملك العادل نور الدين محمود فلما توفي تزوجها صلاح الدين لما عرفت به من رجاحة العقل وسداد الرأي حيث ذكر الذهبي أن السلطان كان يصدر عن رأيها ويستشيرها في أمور السياسة والحرب ، وقد أسست المدرسة الخاتونية في دمشق لتدريس الفقه الحنفي وأنفقت الكثير من الأوقاف على المدارس والمشافي ودور رعاية الأيتام ورباط الصوفية وقال عنها العماد في كتاب الدارس في تاريخ المدارس : ” ولها أمر نافذ ومعروف وصدقات ورواتب للفقهاء وإدارات وبنت للفقهاء بدمشق مدرسة ورباطا وكلاهما ينسبان إليها “.
وهكذا فإن النجاح لا يأتي صدفة وإنما هو ناتج عن الحكمة في اختيار المعاونين والأصحاب وأهل المشورة والرأي ، فلم يكن صلاح الدين الأيوبي بطلا منفردا وإنما أحاط نفسه بكوكبة من رجال الفكر والأدب والعلم والتخصص ، ثم بعد ذلك كان موفقا في وضع كل واحد في المكان المناسب لطاقاته وقدراته ومنحه الصلاحيات اللازمة ، ورجل الدولة الناجح هو القادر على الجمع بين السياسة والثقافة لأن الجهل لا يقترن بالتوفيق والعمل لا يصدر إلا عن علم ، ولذلك فإن أشهر علامات التشريف التي عرفت بعد ذلك في العصور اللاحقة هي قولهم عن كبار الموظفين من أصحاب الرأي والتدبير عبارة (رب السيف والقلم).