
1 / النتائج الأولية
العملة الجيدة تطرد العملة الرديئة من السوق ، هذا ما حدث عندما ظهرت نتائج البحث العلمي الجاد والمتخصص والذي أعلنته وزارة التعليم العالي والبحث العلمي بالتعاون مع ثلاثة عشر مركزا بحثيا وجامعيا مصريا يعمل في مجال الجينات والبيولوجيا الجزيئية ، وجاءت النتائج الرسمية المعتمدة لتطيح بأبحاث الهواة وأنصاف المتعلمين وتقضي نهائيا على دعاة النقاء العرقي وأوهام التفوق الجيني.
أظهرت نتائج الكروموسوم Y أن ثلث العينة (32 %) ينحدرون من ناحية الأب من السلالة الجينية الأبوية الشرق أوسطية التي يرمز لها بالحرف الإنجليزي J (وهي السلالة التي تنتمي إليها غالبية القبائل العربية القحطانية والعدنانية في كل من اليمن ونجد والحجاز وعمان وساحل الخليج والعراق والشام وفلسطين وشبه جزيرة سيناء وساحل البحر المتوسط في شمال أفريقيا وتنقسم إلى شمالية وجنوبية).
بينما ينحدر 41 % من العينة من السلالة الأفريقية التي يرمز لها بالحرف الإنجليزي E (وتضم عدة سلالات فرعية تنتشر في وادي النيل والسودان والحبشة وشمال أفريقيا وتضم معها قسما من عرب الحجاز) ، ويأتي بعدهم السلالة الهندوأوروبية التي يرمز لها بالحرف الإنجليزي R بنسبة 9 % (وتنتمي إليها الشعوب الآرية وتنقسم إلى غربية في أوروبا وشرقية تضم السلاف والفرس والهنود الآريين).
وتأتي بنفس النسبة 9 % سلالة غرب آسيوية يرمز لها بالحرف الإنجليزي T (وهي منتشرة بنسب قليلة في الجزيرة العربية والقرن الأفريقي) ، ويليها السلالة القوقازية G بنسبة 4 % والتي تتركز بين القوقازيين والشراكسة ، أما السلالات الأمومية (جينات الميتوكوندريا) فجاءت على سلالة غرب أوراسيا H بنسبة 47 % تليها السلالة الأفريقية L بنسبة 27 % ثم السلالة U الأوروبية بنسبة 11 %.
وتضم عينة البحث عدد 1024 من المصريين المعاصرين المنحدرين من أبوين مصريين وتزيد أعمارهم عن 18 سنة من 21 محافظة ولا توجد بينهم صلة قرابة وهو أكبر عدد تم فحصه في دراسة جينية واحدة بمصر وقد تم التركيز فيها على وادي النيل (لم تشمل العينة محافظات شمال سيناء وجنوب سيناء والبحر الأحمر والوادي الجديد) وجمعت العينات بواسطة ثمانية مراكز متخصصة على مدار عامين.
وقد عرضت الدراسة المنشورة تقنيات واحتياطات سحب العينات وإجراء التحاليل وتمت مقارنة النتائج مع ألف مشروع جيني آخر شمل عينات من أوروبا وأفريقيا وأمريكا وشرق وجنوب آسيا والبلاد العربية ، وظهرت نسبة الخصوصية الجينية في المصريين بنسبة 18 % مع وجود تقارب جيني مع منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا MENA (الوطن العربي) بنسبة 71 % واختلاف كبير عن بقية العالم.
وركز البحث على التطبيقات الطبية الإكلينيكية لعلم الجينات من ناحية التشخيص والعلاج خاصة فيما يتعلق بالأمراض الوراثية والأورام وأمراض الكلى والتي جاءت معاييرها مختلفة عن المعايير الغربية ، ويحاول البحث تفسير التعدد الجيني للكروموسوم Y بوجود هجرات قديمة من الشرق مع صلات متبادلة مع الجزيرة العربية بحيث صارت مصر متوسطة جينيا بين أفريقيا والشرق الأوسط.
وقام بالبحث فريق عمل ضخم من العلماء والأطباء والباحثين تحت إشراف الأستاذ الدكتور خالد عامر بتمويل من أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا ونفذت الأبحاث بمعرفة مركز البحوث والطب التجديدي التابع لوزارة الدفاع ECRRM وبمشاركة وزارة التعليم العالي والبحث العلمي ومساهمات من الجامعات المصرية ليكون بذلك أول بحث معتمد في مصر وخطوة نحو مرجعية جينية وطنية.
رابط الدراسة

2 / الخريطة الجينية
النتائج الأولية التي خرجت من مشروع الجينوم المصري تحاول رسم ملامح الخريطة الجينية للمصريين المعاصرين وعلاقتهم بالتكوينات السكانية في محيطهم الجغرافي ثم في بقية أجزاء العالم ، وقد تمت مقارنة الجينات المصرية مع مثيلاتها في ستة مجموعات هي كل من : (الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ، الأوروبيين ، أفريقيا جنوب الصحراء ، الشرق الأقصى ، جنوب آسيا ، الأمريكتين) وذلك للبحث عن نقاط الالتقاء والاختلاف.
وأثبتت المقارنة في عينة الفحص أن 71 % من الجينات المصرية مشتركة مع جينات سكان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (الوطن العربي) وأن 18 % من الجينات المصرية فقط هي التي تحمل طابع الانفراد والخصوصية ، وبالتالي جاءت هذه المجموعة في الموقع الأقرب للمصريين وهو ما يتوافق مع المعطيات الجغرافية تليها المجموعة الأوروبية ثم جنوب آسيا ثم المجموعة الأمريكية ثم الشرق الأقصى وأخيرا أفريقيا جنوب الصحراء.
وجاء ترتيب الشعوب الأقرب جينيا لمصر على النحو التالي : أولا مجموعات قبائل البدو المنتشرة في شمال الجزيرة العربية وبادية الشام والنقب وسيناء والصحراء الكبرى في شمال أفريقيا والسودان ، ثانيا سكان كل من اليمن والسعودية وفلسطين والأردن وسوريا بالترتيب ، وثالثا المجموعات السكانية في كل من الإمارات (وساحل الخليج العربي) والدروز (في لبنان) وشمال أفريقيا (دول المغرب العربي) وعمان بالترتيب.
وقد جاءت المجموعات الأوروبية أقرب للمصريين من المجموعات الأفريقية وجاءت في الترتيب بعد العرب مثل توسكانيا (في إيطاليا) وذلك بسبب القرب الجغرافي وثقافة البحر المتوسط ويلي ذلك المجموعات الأوروبية في شبه جزيرة أيبريا (أسبانيا والبرتغال) وتوابعهم في أمريكا اللاتينية (مثل كولومبيا وبوتوريكو بسبب الأصول الأوروبية لقطاع من السكان) ثم تأتي بريطانيا بعدهم قليلا مع توابعها في العالم الجديد.
ويأتي بعدهم كل من شعوب البنجاب والبنغال (باكستان وبنجلاديش) ثم اليابان ثم شمال الهند (الكوجرات) وأفارقة الكاريبي وشعب الهان في الصين ثم فيتنام ثم جنوب الصين (ومنه شعب التاي الموجود في تايلاند) ، ويلي ذلك مجموعات الدرافيد في جنوب الهند (مثل التاميل) ثم الفنلنديين (من الشعوب الأورالية) ثم المكسيك وبيرو وذلك بسبب اختلاط الجينات الأوروبية بالسكان الأصليين للأمريكتين (العرق المختلط أو المستيزو).
وجاءت أفريقيا جنوب الصحراء هي الأبعد جينيا عن المصريين رغم وجود الجينات الأفريقية في نسبة منهم إلا أنها تظل أقلية حيث النسبة الأكبر للجينات الوافدة من خارج أفريقيا ، ومثال ذلك الجينات الأبوية (58 % من خارج أفريقيا) والجينات الأمومية (67 % من خارج أفريقيا) ، مع ملاحظة أن السلالة الأفريقية الموجودة في مصر والمغرب العربي والقرن الأفريقي قد انفصلت مبكرا عن سلالات أفريقيا جنوب الصحراء.
واعتمد رسم الخريطة الجينية لمصر على تحليل عينة دم كاملة تم تحليلها واستخلاص الحمض النووي من الخلايا وذلك بواسطة مراكز أكاديمية وبحثية وطنية معتمدة وموثقة تم ذكرها جميعا في آخر البحث وليس مسحة لعاب من الحلق كما تفعل الشركات الأجنبية التي تكتفي بالجينات الأبوية أو الأمومية فقط وتخرج نتائج سريعة ينشرها الهواة وأنصاف المتعلمين على صفحاتهم ويصلون بها إلى نتائج غير دقيقة يروجون أنها حقيقة نهائية.
وقد خلصت الدراسة إلى أن موقع مصر الجيني هو في مكانة متوسطة بين أفريقيا والشرق الأوسط وأنها جزء من محيط جيني مشترك معها بنسبة كبيرة وأن أقرب عشرة شعوب للمصريين من الناحية الجينية هم جميعا من الشعوب العربية ، وهذه النتائج القاطعة تهدم أوهام الشعوبيين الجدد الذين يروجون لفكرة فصل مصر عن محيطها الجغرافي والثقافي والسياسي وتعيد رسم معالم الهوية الوطنية الحقيقية لأرض الكنانة.

3 / المكونات الوراثية
خلصت نتائج مشروع الجينوم المصري إلى وضع (الخليط الوراثي المصري) ضمن منطقة غرب أوراسيا الجينية وذلك بسبب وجود 71 % من الجينات السائدة المشتركة مع الشرق الأوسط وشمال أفريقيا MENA ، أما المكون الوراثي المتفرد والذي يفرقها عن جيرانها فقد جاء بنسبة 18 % لكنه أيضا مشترك بنسبة ملحوظة مع مجموعات قبلية منعزلة في شمال أفريقيا تنحدر من قبيلة زناتة الأمازيغية وبنسبة أقل مع مجموعات قبيلة في شبه الجزيرة العربية (الحجاز واليمن).
وتفسر الدراسة هذا التشابه والتدرج بانتماء الثلاثة إلى السكان الأقدم للمنطقة في شمال أفريقيا (وادي النيل وجبال أطلس) وكذلك النطوفيين الذين سكنوا الشام والجزيرة العربية في نهاية عصر البلاستوسين وبداية عصر الهولوسين (من عشرة آلاف سنة) وجميعهم مرتبطون بالسلالة الأفريقية E (فروعها هي : EM81 في المغرب العربي ، EM78 في وادي النيل والقرن الأفريقي ، EM123 في الجزيرة العربية والشام) ، لكن هذا التشابه قد ذاب وسط جينات الشرق الأوسط السائدة.
وتقترن الجينات غير المشتركة بالانعزال وانغلاق المجموعات البشرية (الزواج الداخلي للأقارب من بعضهم البعض لفترات زمنية طويلة) حيث رصدت الدراسة ذلك عبر تحليل ROH والخاص بنسبة درجة القرابة بين الأبوين حيث جاءت النسبة الأكبر في الصعيد ، وتشير الدراسة إلى أن جينات الشرق الأوسط السائدة والمشتركة قد طغت على المكونات القديمة وأحدثت تغيرات جينية حيث انتهت نتائج تحليل HLA إلى وضع الجينوم المصري ضمن مجموعة شرق المتوسط Levantine-Eastern Mediterranean cluster .
وتحاول الدراسة أن تفسر التغيرات الجينية عبر نتائج فحص الكرموسوم Y حيث تربط بين السلالة J والتي تمثل 32 % من العينة وبين الهجرات الكبرى والتي بدأت من الهلال الخصيب إلى مصر في العصر الحجري الحديث (الثورة الزراعية النيوليثية) وكذلك السلالة T التي تمثل 9 % وظهرت في مصر بسبب التواصل المستمر مع الشام والجزيرة العربية ، أما السلالات الأمومية (الميتوكوندريا) فقد طغت عليها سلالة غرب أوراسيا H بنسبة 47 % حيث اقتصرت السلالة الأفريقية L على 27 % فقط بينما تصل في بقية أفريقيا إلى 97 %.
وبسبب موقع مصر بين القارات الثلاث آسيا وأفريقيا وأوروبا فقد دخلتها في أوقات متباينة سلالات أبوية وثيقة الصلة بكل من الهندوأوروبيين والقوقازيين مثل السلالة R والسلالة G (ويشكلان معا 13 % من العينة) وكذلك السلالات الأمومية مثل السلالة U والسلالة T (ويشكلان معا 20 % من العينة) وهو ما كرس لمزيد من التنوع الجيني في مصر وربطها بمحيطها الجغرافي ، وفي المستقبل سوف يؤدي فحص السلالات الفرعية إلى تحديد موجات الهجرة المتعاقبة في العصور القديمة والوسطى.
وطبقا للنتائج العلمية المعتمدة والمنشورة في هذا البحث فإنه ليس من العلم والمنطق حصر الهوية القومية المصطنعة في السلالة الأبوية الأفريقية E وفروعها والتي كان يروج لها على أنها أغلبية كاسحة في التحاليل التي يجريها الهواة وأنصاف المتعلمين ، فقد ظهرت في هذا البحث بنسبة 41 % فقط فلا يمكن أن تكون أغلبية أو سائدة بل إنه طبقا لدراسات سابقة فإنها تضم في طياتها السلالة الأمازيغية EM81 بنسبة 8 % والسلالة الحجازية EM123 بنسبة 10 % وعدد من السلالات الأخرى الفرعية.
وأما السلالة التي يتم الترويج أنها سلالة المصريين النقية وهي EM78 وفروعهاEV22 EV12 فهي ليست قاصرة على مصر وإنما موجودة بنسبة في كل من السودان والجزيرة العربية والشام وتشكل في مصر نسبة 18 % فقط (وهي نفس نسبة الجينات غير المشتركة) ، لذلك فإن العلم يناقض فكرة وجود جين مصري مستقل يرجع إلى الفراعنة ويبنى حوله هالة أسطورية عن النقاء العرقي والتميز الجيني لأن الجينات غير المشتركة مع المحيط الجغرافي هي أقلية وترجع لعصور ما قبل التاريخ بينما نشأت الحضارة مع التنوع الجيني وتعاقب الهجرات.

4 / الهوية الجينية
حقائق العلم لا يمكن أن تخالف وقائع التاريخ وهو ما كتبته في عام 2018 عندما نشرت خلاصة الدراسات التي أجريت حول السلالات الجينية في مصر ونسبة توزيعها وذلك في كتابي (بداية التاريخ ونهاية الفلسفة) ثم شرحت ذلك بالتفصيل عام 2019 في كتابي (القومية المصرية هوية وطنية جامعة) ، وقد جاءت هذه النسب متقاربة إلى درجة كبيرة مع نتائج مشروع الجينوم المصري التي ظهرت حديثا بعد ثمانية سنوات من صدور الكتب.
في الكتاب كانت نسبة السلالة J بفرعيها الشمالي والجنوبي 31 % وفي المشروع 32 % وذكرت معها السلالة الأفريقية E بفروعها بما فيها السلالات الفرعية الأمازيغية والحجازية حيث كانت في الكتاب 40 % وجاءت في المشروع 41 % وذكرت وقتها أن السلالة R بفرعيها الشرقي والغربي نسبتها 7 % وفي المشروع 9 % وذكرت أن السلالة T نسبتها 7 % وجاءت في المشروع بنسبة 9 % فكانت مجمل الاختلافات فيها طفيفة.
وذكرت وقتها أن نسبة السلالة الأفريقية الفرعية EM78 (تنتشر في وادي النيل والسودان والقرن الأفريقي وتحوراتها الفرعية V22/V12) تشكل نسبة 18 % وليست أغلبية في مصر كما يدعي الهواة وأنصاف المتعلمين والشعوبيون الجدد ، وقد أظهرت نتيجة مشروع الجينوم المصري حاليا أن نسبة الجينات المعزولة وغير المشتركة مع الوطن العربي تشكل فقط نسبة 18 % وأن ذلك راجع إلى مكون سلالي قديم من عصور ما قبل التاريخ.
وقد شكلت نتائج مشروع الجينوم المصري صدمة لدى المتشدقين بفكرة النقاء العرقي والتميز الجيني وبدأوا يروجون أن التشابه مع الجيران لا يعني التقارب وأنه نتيجة للتجاور الجغرافي فقط ولا يعارض الخصوصية الجينة للمصريين ، لكن نتائج المشروع لم تستعمل مصطلح التشابه وإنما ذكرت أن هناك نسبة 71 % من (الجينات المشتركة) مع الشعوب العربية بما في ذلك التطبيقات الطبية ووجود نمط علاجي مشترك بين الجميع.
ويحاول بعضهم نفي العلاقة المباشرة بين العرب ومصر بالقول إن هذا المشترك الجيني هو نتيجة هجرات قديمة من العصر الحجري وليست هجرات حديثة ، ورغم أن تأكيد ذلك مرتبط فقط بفحص التحورات الفرعية للسلالات المختلفة إلا أن الحقيقة الدامغة أن مصر وفقا لنتائج البحث هي جزء من محيطها من الناحية الجينية ولا يغير من هذا إن كان ذلك بسبب هجرات من العصور القديمة أو من العصور الوسطى أو الحديثة.
ومع ذلك فقد أظهرت النتائج أن أقرب المجموعات البشرية للمصريين المعاصرين من الناحية الجينية هي قبائل البدو المنتشرة في صحراء الجزيرة العربية وبادية الشام وشمال أفريقيا مما يعني ارتباط مصر ارتباطا وثيقا بالقبائل العربية ، يلي ذلك بالترتيب شعوب اليمن ثم السعودية ثم فلسطين ثم الأردن ثم سوريا ثم بقية العرب مما يعني أن الجغرافيا فقط ليست سبب التقارب وإلا فلماذا جاءت اليمن قبل الآخرين وهو ما يحتاج للتفسير.
وقد ذكرت في كتابي أن الهجرات المتنوعة قد أضافت طبقات حضارية متتالية وصنعت الهوية المصرية عبر التاريخ وأن العنصر الثقافي فيها أهم كثيرا من العنصر الجيني فكان الاعتراض يأتي على ذلك بالترويج لفكرة التميز العرقي لدرجة نشر أبحاث مغلوطة ترفع نسبة النقاء الجيني إلى 80 % وأوصلها بعضهم إلى 97 % نافيا فكرة التعددية ومكرسا لفكرة الأحادية الجينية المستمرة من زمن الفراعنة وهو ما يتنافى مع حقائق التاريخ.
وكان رفضهم لفكرة الهوية الثقافية موجها للهجوم على اللغة العربية ومحاولة الانسلاخ من الثقافة العربية بحجة التميز الجيني والنقاء العرقي والاختلاف عن الجيران رافعين في ذلك شعار العلم وهو حق يراد به باطل ، وعندما ظهر الإعلان عن نتائج مشروع الجينوم المصري حدثت المفاجأة وبدأ الحديث يعود مرة أخرى عن الهوية الثقافية وأهميتها على حساب الهوية الجينية وهو ما كتبت عنه من سنوات بعنوان (هوية وطنية جامعة).

5 / ذاكرة الشعوب
أظهرت نتائج مشروع الجينوم المصري وجود السلالة الجينية T بنسبة 9 % من العينة وهي سلالة غرب آسيوية قديمة شكلت قسما من السكان الأوائل في شبه الجزيرة العربية وجنوب العراق وارتبطت بعض فروعها بالعيلاميين القدماء وانتقلت منها فروع للقرن الأفريقي ، وفسرت الدراسة ذلك بوجود اتصال دائم بين مصر وكل من شبه الجزيرة العربية والشام وهو أمر تؤكده الحقائق التاريخية من وجود هجرات قديمة وحديثة.
كما أظهرت نتائج مشروع الجينوم المصري وجود علاقة بين فئات محدودة من السكان القدماء في كل من المغرب العربي ووادي النيل والحجاز واليمن والتي اختلفت عن المشترك الجيني العام لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا MENA (الوطن العربي) ، وتميزت هذه الفئات بخصوصية جينية بسبب وجود فترات طويلة من العزلة والتزاوج الداخلي مع الاحتفاظ بدرجة قرابة ملحوظة بينهم رغم بعد المسافة الجغرافية.
وإذا كانت الجينات تحمل في طياتها شفرة موروثة عن الأسلاف وتنقل لنا الحمض النووي لهم فإنها من جانب آخر تفصح عن أسرار قد محاها الزمن ولم يتبق منها إلا إشارات خفية تحكي عن التاريخ المفقود وتكتب سجلا من الماضي المجهول ، وهذه الإشارات قد تظهر في التراث الشعبي أو الموروث الديني أو من خلال الكتابات الأدبية بل وربما تترك أثرا في اللغات واللهجات المنطوقة والمفردات المشتركة بين الأمم.
ومن هذه الإشارات تلك العلاقة بين القبائل الأمازيغية ومصر والتي وضحت الدراسة اشتراكهم في فضاء جيني واحد يشمل شمال أفريقيا ورصدت ذلك من خلال جماعات معزولة في جبال أطلس تنتمي إلى قبيلة زناتة المغاربية ، وقد تركت هذه الصلات في المخيلة الشعبية ذكرى بداية التقويم الأمازيغي والذي يوافق مناسبة تولي الملك الليبي شيشنق الأول عرش مصر في عام 950 قبل الميلاد والذي يحمل لديهم طابعا ملحميا.
ومن ناحية أخرى فإن الدراسة أوضحت وجود مشترك جيني بدرجة أقل بين قبائل المغرب العربي وبين مجموعات النطوفيين الذين سكنوا في شرق المتوسط وشرق البحر الأحمر ، وقد كان من المستغرب قديما إصرار قبائل البربر المغربية على وجود نسب قديم يربطهم باليمن وهو ما كان يلاقي استنكار واستهجان الباحثين والعلماء والمتخصصين في الأنساب لكن يبدو أن الوجدان الجمعي صادق ويحمل قبسا من الحقيقة.
وذكرت الدراسة صلات بدرجة ما بين سكان وادي النيل أيضا وبين النطوفيين وهم سكان الشام والجزيرة العربية القدماء الذين ينحدرون من سلالة جينية أفريقية ولازالت هذه الجينات متوارثة في عدد من القبائل العربية في الحجاز (خاصة من قضاعة) ، وربما لهذا السبب وصف التراث العبراني قسما من سكان كنعان (فلسطين) بأنهم من الحاميين وهو ما أثار حيرة المستشرقين لأن الكنعانيين لا ينطبق عليهم هذا الوصف لكنه ليس خاطئا تماما.
وعندما بدأت الهجرات الكبرى من الهلال الخصيب باتجاه الجزيرة العربية ومصر فإن الوافدين الجدد من الغزاة قد احتفظوا في ذاكرتهم الجمعية بمصطلح ظل متداولا بين الإخباريين العرب لفترة طويلة وهو وصف (العرب البائدة) أي الذين أبادهم الزمن ، لكن الحقيقة أنهم بقايا السكان الأقدم في الجزيرة العربية من ذرية النطوفيين ومعهم أبناء السلالة T والذين ذابوا في ذلك المحيط الهادر كما ذاب سكان وادي النيل القدماء في محيط القادمين الجدد.
ولذا كثر في الأدبيات العربية قصص عن العماليق والفراعنة العرب والربط بين فرعون وثمود (بين مصر وأعالي الحجاز) وذكريات عن قبائل عاد الأولى وجرهم وأميم وعبيل ووبار وجاسم وطسم وجديس وزرقاء اليمامة ، وفي دراسة سابقة كانت نسبة السلالة الحجازية EM123 في العينات المصرية 10 % فإذا أضيف إليه نسبة السلالة T في مشروع الجينوم المصري وهي 9 % فإن ذلك يعني أن خمس المصريين الحاليين من أبناء الجبابرة !!

6 / الحقائق العلمية
الغرض الأساسي لمشروع الجينوم المصري هو المساهمة في المجال الطبي من خلال تطبيقاته العملية في التشخيص والوقاية والعلاج والتعامل مع الأمراض الوراثية وهي مسألة على درجة عالية من الأهمية لذا تمت مراعاة كافة الاحتياطات اللازمة لضمان سلامة النتائج وخروجها وفق المعايير العلمية والبحثية المعمول بها في العالم ، أما ما يتعلق بالسلالات الجينية فهو منتج فرعي يظهر تلقائيا ضمن الفحص الكامل للجينات والذي تم لأول مرة في مصر بهذه الدرجة من الدقة والشمول ومن جهة علمية رسمية معتمدة وموثوقة.
ورغم الالتزام بالقيود البحثية والعلمية فقد شكلت النتائج صدمة لبعض المتابعين لأن النتائج خرجت لتؤكد وجود نسبة 72 % من (الجينات المشتركة) مع البلاد العربية وحددت أقرب الشعوب للمصريين المعاصرين من الناحية الجينية وهم البدو (من ساكني البادية العربية والصحراء الكبرى) ثم بالترتيب اليمن ثم السعودية ثم فلسطين ثم الأردن وسوريا ثم بقية البلاد العربية تباعا ، وجاء ذلك مخالفا لقناعاتهم الفكرية وتوجهاتهم السياسية فبدأت الكتابات تروج لنظرية المؤامرة والتشكيك في النتائج والتقليل من أهميتها.
وادعى بعضهم أن استبعاد المحافظات الحدودية من عينات الفحص كان بهدف إخراج النتيجة وفق توجه مسبق لكن الحقيقة هو أن الهدف الأصلي دراسة الأنماط المرضية في الخليط السكاني المتنوع لوادي النيل والذي يمثل 96 % من المصريين وليس الهدف الأول معرفة أصولهم الجينية ، أما المحافظات الحدودية فلها خصوصية سكانية وجغرافية مميزة تجعلها خارج هذا الخليط المتنوع وتحتاج دراسات منفصلة خاصة بها ما عدا محافظة مطروح لأن تكوينها السكاني هو نفسه الموجود في البحيرة والفيوم وشمال الصعيد.
وقال بعضهم إن عينة من ألف شخص لا يمكن أن تعبر عن أكثر مائة مليون مصري رغم أنهم كانوا يملأون الدنيا صراخا وهياجا لمجرد ظهور ثلاثين أو أربعين عينة فحصت بشكل فردي وخرجت نتائجها وفق أهوائهم واعتبروا ذلك حكما نهائيا رغم التحذير وقتها من قلة العدد وأنه لا يمثل عموم المصريين ، والحقيقة أن العينات الألف التي فحصت في مشروع الجينوم المصري هي أكبر عينة يتم فحصها في مرة واحدة في مجال علم الجينات بمصر ولم تكن عينات عشوائية وإنما وفق معايير علمية وإحصائية قياسية ومناسبة.
وسوف يتبع ذلك في المراحل التالية فحص خمسة وعشرين ألف عينة ثم مائة ألف عينة وفق ما تم الإعلان عنه عام 2021 ومن المتوقع أن تكون هناك تغييرات محدودة في النتائج مع زيادة عدد العينات طالما تمت وفق المنهج العلمي السليم فقد خرجت النتائج الحالية قريبة جدا من دراسة سابقة فحصت مائة عينة ، وقد كتبت قديما أن هذا التحليل سوف يكون متاحا للأفراد العاديين مثل بقية التحاليل الطبية الروتينية ليس من أجل التفاخر بالأحساب والأنساب وإنما من أجل فرصة أفضل في التشخيص والعلاج وتحسين الصحة العامة.
ومن هول الصدمة عند بعضهم لم يستوعب فكرة (الجينات المشتركة) وبدأ اللعب بالألفاظ بأنه مجرد تشابه مع الجيران ويحدث في كل مناطق العالم والإصرار على فكرة الخصوصية الجينية والتي لا تتعدى 18 % رغم أنها وردت في إطار تتبع نمط الأمراض الوراثية ، وقد أوضحت الدراسة أن الهجرات هي السبب في التنوع وهو ما أصابهم بالتوتر سواء كانت هجرات قديمة أو حديثة لأنها لو كانت قديمة فهي تتعارض مع فكرة خصوصية مصر التاريخية وإذا كانت حديثة فهي تتعارض مع فكرة النقاء العرقي المزعوم.
وقد بطلت هذه السردية في جميع الأحوال وعليهم البحث عن سردية أخرى تتفق مع نتائج العلم الحديث بعيدا عن التوجهات التي بنوا عليها قناعاتهم والتي لم تكن من أجل هدف نبيل هو الفخر بالأمجاد وحضارة الأجداد وإنما من أجل صناعة خصوصية قومية وهمية تنزع مصر من محيطها الثقافي والجغرافي (والجيني) ، وبعد هذه الجولة التي جاءت مثل الحمام البارد على الرؤوس فإنه من الجميل أن تطوى هذه الصفحة وأن تختفي أوهام الجهل لصالح العلم الذي ينطق بالحق قائلا لهم : (الآن نرجوكم الصمت).

مشروع الجينوم المصري
(وزارة التعليم العالي والبحث العلمي)
نتائج السلالات الجينية
اولا / الجينات الابوية المحمولة على الكروموسوم Y
السلالة E
41℅
السلالة J
32℅
السلالة R
9℅
السلالة T
9℅
السلالة G
4℅
ثانيا / الجينات الامومية (الميتوكوندريا)
السلالة H
47℅
السلالة L
27℅
السلالة U
11℅
السلالة T
8℅

