
خلال مراحل الدراسة الطويلة استمعت بالطبع إلى كثير من المحاضرات في كل فروع الطب لكن القليل منها هو الذي يترك أثرا لا يمكن نسيانه .. ومن هذا النوع محاضرة قيمة ألقاها أستاذي الدكتور خالد سعد أستاذ الطب الشرعي والسموم وكانت بعنوان Evidence Based Medicine وتعني ترجمتها بالعربية (الطب المسند أو الطب المعتمد على البرهان) ويقصد به التثبت من نتائج الأبحاث الطبية والدوائية المختلفة وقبولها رسميا من قبل الجهات العلمية الرسمية التي تملك صلاحية الرقابة والاعتماد .. وكان التركيز الأكبر للمحاضرة منصبا حول سلوك بعض شركات الأدوية العالمية التي تروج لمنتجاتها من خلال عرض بعض الأبحاث المؤيدة لها منشورة في دوريات علمية موثوقة وتدلل بذلك على صلاحية المنتج للاستعمال مع تعمد إخفاء أي دراسة أخرى تعارض ذلك حيث إن نشر النتائج هو خطوة أولى فقط يجب أن يتبعها الاعتماد من منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة أو منظمة الغذاء والدواء الأمريكية وهي الخطوة التي تعني القبول النهائي لنتيجة البحث والسماحية بتطبيقه عمليا بعد استيفاء شروط محددة ..
وقال خلال شرحه إن هذا لا يثير الدهشة لأن البشر سابقا قاموا بما هو أخطر فمنهم من زور التاريخ اتباعا للهوى ومنهم من قام بتأليف أحاديث نبوية موضوعة .. لذلك وجب الحذر عند التعامل مع كافة الدراسات حتى لو نشرت في مجلات شهيرة حتى يتم إثباتها بشكل نهائي واعتمادها من جهة تملك صلاحية ذلك .. وقد استفدت من هذا المنهج في التفكير عندما بدأت عام 2015 في دراسة علم السلالات الجينية حيث لاحظت انتشار كم كبير من الأبحاث المتعلقة بهذا الأمر على المدونات ومواقع التواصل الاجتماعي والكثير منها غير موثق علميا .. وكانت نصيحتي لكل المهتمين بهذا الفرع من العلوم بأن يتريث ولا يتعجل النتائج لأن البعض في الجزيرة العربية والهلال الخصيب راح يسقط هذا النتائج على الفوارق القبلية بشكل متعسف وغير علمي بينما في مصر والمغرب العربي يستميت البعض في نفي أي صلة جينية بالعرب محاولا خلق نوع من الخصوصية الجينية الوهمية .. ومع تقدم العلم وإنشاء جهات معتمدة عالميا ومحليا سوف تتغير النتائج ودلالاتها بالتأكيد وهو ما سوف يؤدي إلى صدمة عند الكثيرين عندما يخالف العلم قناعاتهم لأن العلم لا ينحاز لأحد ..
وحتى وقت قريب كان علم التاريخ ينتمي إلى العلوم الإنسانية التي تحتمل وجهات النظر لكن بعد التقدم الحادث في علم السلالات الجينية سوف تتغير هذه المعادلة ويندرج علم التاريخ تحت بند العلوم التطبيقية المبنية على نتائج التجربة .. ولدينا ميزة نسبية في هذا العلم الناشيء تساعد على إحداث قفزة هائلة في هذا الفرع من العلوم بسبب وجود المومياوات الفرعونية الصالحة لعمل تحاليل الحمض النووي وكذلك وجود سجلات الأنساب القبلية التي تشكل قاعدة معلوماتية كبيرة عند دراسة نتائج الفحص .. وسوف تمدنا المومياوات بمعلومات لا حصر لها منها مثلا مومياء الملك مرن رع من الأسرة السادسة وهي سليمة ومحفوظة في المتحف المصري حيث ستبين لنا السلالة الجينية لملوك الدولة القديمة لأن الأسرات من 3 إلى 6 هم عائلات من قبيلة واحدة وسنعرف منها ما إذا كان بناة الاهرام قد جاؤوا من أعالي النيل أم من الجزيرة العربية أم من بلاد بونت خاصة إذا تقدمت تقنيات الفحص باستخلاص الحمض النووي من الأوعية الكانوبية المحتوية على أحشاء المتوفي ..
وعندما تكتمل الفحوصات تحت إشراف جهة معتمدة يمكننا دراسة عدد هائل القضايا التاريخية مثل العلاقة بين ملوك الدولة الوسطة والنوبة والبجا وكذلك إثبات او نفي الصلات بين الأسرة 18 (أسرة العمارنة) بالميتانيين وعلاقتها بالأسرة 17 بدقة والعلاقة بين الأسرة 19 والشاسو وكذلك وجود ارتباط بين الاسرة 20 والزنوج من عدمه بالإضافة الى تحديد السلالة الجينية للأسرات الليبية وما اذا كانوا ينتمون للأمازيغ أو لا ومدى ارتباط العصر الصاوي بشعوب البحر وكذلك مومياوات العصر الروماني وعلاقتها باليونايين .. أما سجلات أنساب القبائل العربية فقد أمدتنا بمعلومات في غاية الأهمية حيث تطابقت نتائج فحص الأفراد داخل القبيلة الواحدة لكنها مختلفة على مستوى الأجداد القدماء مثل عدنان وقحطان حيث تشير النتائج الأولية إلى أن جزءا من سكان الجزيرة العربية قد جاؤوا اليها في أزمنة حديثة بسبب الاضطرابات في مصر والشام والعراق والحبشة وليس كما كان يظن قديما أنها مصدر للهجرة فقط وهو ما يتوافق مع المرويات التراثية التي وصفت بعض العرب بوصف (العرب المستعربة) ..
ولذا فان القبائل العربية يمكن تقسيمها الى أربع مجموعات هي المجموعة العيلامية في الشرق والمجموعة الكنعانية في نجد والمجموعة المصرية في الحجاز والمجموعة الحبشية في اليمن .. وهذه المجموعات تم طردها بالقوة من بلادها الأصلية في ظروف تاريخية محددة الى الجزيرة العربية التي لم تكن صالحة للسكنى فكانت منفى للمهزومين من كل البلاد المحيطة بها لأنها مجرد معبر ومخزن مؤقت للبشر وليست مستقرا دائما للعيش ومن ثم يحاولون العودة بعد تغير الظروف .. وتتتطابق النتائج الأولية أيضا مع مئات الاحلاف القبيلة والانشقاقات والاندماجات والتي يمكن رصدها من خلال المقارنة بين الفحص الجيني وجداول الأنساب (من أشهرها مثلا تحالف شمر وعنزة الذي يضم كل منهما عددا من القبائل ذوي الأصول المختلفة).. ولا شك أن هذا العلم الناشيء سوف يشكل صدمة معرفية للكثيرين لا تقل عن الصدمة التي أحدثتها نظرية التطور في علم الاحياء لأنه سوف يقلب التاريخ راسا على عقب.

وفي بداية دراستي لعلم السلالات الجينية عام 2015 اعتمدت على خريطة تقسم العالم إلى عشر مناطق جينية ووقتها اعترض على ذلك شاب عراقي متحمس لأن هذه الخريطة كانت تجعل الوطن العربي إحدى هذه المناطق فقلت له إنه لا يمكن وضع العراق في المنطقة السمراء (أفريقيا جنوب الصحراء) ولا الخضراء (أوروبا) ولا الحمراء (روسيا) ولا البنية (آسيا الوسطى) ومكانه الوحيد في المنطقة الصفراء (لأنه جزء من جينات الصحراء) حيث كل منطقة من هذه المناطق لها خصوصية جينية تكونت منذ عشرين ألف عام واحتوت على مئات الهجرات الداخلية فيما بين مكوناتها العراق والشام ومصر والجزيرة العربية والمغرب العربي وعدد محدود جدا من الهجرات الخارجية يمكن رصدها .. فقال إن العراق يجب أن يكون منطقة منفصلة وحده عمن حوله لأنه متميز جينيا (مثله مثل مصر) فهو نتاج حضارة ستة آلاف عام وجميع العراقيين (ما عدا الأكراد) هم أحفاد السومريين والبابليين وليس هناك ما يربط العراق بالعرب الذين هم غزاة أجانب من وجهة نظره فقلت له إن النتائج الأولية للقبائل في جزيرة العرب تثبت أنهم فروع لنفس السلالات الموجودة في الوطن العربي كله فأبدى استنكارا شديدا وقال إنه لا يمكن مقارنة الحضارة العراقية العريقة بثقافة البادية وأنه لا يعترف بالانتماء للعروبة وإنما بالانتماء لحضارة العراق القديمة فقط بل إنه سوف يغير اسمه العربي (الوليد) ويسمي نفسه حمورابي أو مردوك ..
بعد ذلك سافر هذا الصديق إلى دبي ليجري الفحص الجيني مع عدد من زملائه وأرسل لي النتيجة مكتوبة بالأرقام لأترجمها له فأخبرته أن ثمانية من زملائه العراقيين خرجت نتيجتهم على السلالات العربية وواحد على القوقازية وواحد على الهندو أوروبية واثنان على السلالة العراقية القديمة بينما جاءت نتيجته مفاجئة لأنها على السلالة المغولية فكانت صدمة كبير له وبدأ يجادل في ذلك حيث لا يوجد أي ملامح ظاهرية تعبر عن ذلك فأخبرته أن السمات المورفولوجية ليس لها أي وزن مقارنة بالجينات وقلت له إن نتيجته منطقية لأن المغول حكموا العراق قرابة مائة عام ومن المؤكد وجود بقايا سكانية تقدر بحوال 2 % من السكان الحاليين شأنها شأن كل الدول التي مرت على العراق .. شعرت أنه أصيب بإحباط شديد فقلت له إن ذلك لا ينفي انتماءه لحضارة العراق القديمة لأن السومريين أجداده بالمعنى المجازي ووربما لا يوجد من نسل السومريين والبابليين حاليا إلا نسبة قليلة جدا من سكان العراق تقترب من نسبة الهنود الحمر في الأمريكتين كما أن البابليين أنفسهم ليسوا شعبا واحدا حيث كانت الدولة البابلية الأولى تنتمي للعموريين القادمين من أعالي الفرات بينما الدولة البابلية الثانية تنتمي إلى الآراميين القادمين من البادية العربية وكل دولة منهم هم غزاة حطوا رحالهم في البلاد فترة من الزمن ثم مضوا وتركوا فيها أثرا سكانيا ثم جاء آخرون وهكذا.. بعد فترة انقطع الاتصال بيننا لكن بدأت كتاباته على الفيس تتغير نوعا ما حيث اختفى الاحتفاء بالسومريين وحل بدلا منها التركيز على التنوع الثقافي في تاريخ الوطن العربي كله مع إشادة بالدولة الجلائرية في العراق (سلالة المغول) رغم أن إنجازاتها محدودة كما بدأ يتحدث عن الانتماء الثقافي كأساس للهوية وليس الانتماء الجيني والعرقي ..وأيقنت ساعتها أن الشاب قد أصيب بأزمة هوية ربما تؤدي به إلى أزمة نفسية لأنه بعدها بقليل جمد نشاطه على وسائل التواصل واختفى تماما ..
وأذكر أن أحد زملائي من العاملين في مجال الجينات (مقيم في أوروبا) أصابني بدهشة بالغة وهو يقول في إحدى رسائله لي إننا لا يجب أن نكتفي بفحص المومياوات الفرعونية وإنما يجب فحص رفات الآلاف من المماليك وغيرهم في جبانات مصر العديدة ممن دفن قبل مائتي عام .. ومن وجهة نظره لا يوجد غضاضة في ذلك فهو يشبه عمل الطبيب الشرعي الذي يفتح المقبرة للتحقيق في جريمة ما .. وعندما تساءلت متوجسا هل يستحق الأمر ذلك فكانت إجابته القاطعة أن إعادة كتابة التاريخ تعد من أهم منجزات هذا العلم ولا يقدر جدواه إلا العلماء بينما يصعب استيعاب ذلك على غيرهم من عوام الناس الذين ينخدعون بفكرة ارتباط القومية بالتجانس الجيني في محاولة لصنع هوية وهمية تروج في المجال السياسي والثقافي بينما هي مخالفة لكل حقائق الجغرافيا والتاريخ والعلم الحديث .. وعندما حذرته من تنامي العنصرية مع هذا الفرع من العلوم كانت إجابته أن العلم محايد في الأساس ولا يستند إلى أي قواعد أخلاقية أو مبادىء إنسانية وإلا ما كانت دوائر علم البيولوجيا قد أقرت نظرية التطور المخالفة لكل الأعراف والموروثات .. وقال إن علم الجينات هو محض امتداد لهذه النظرية لأن اختلاف السلالات يعني ببساطة أن قطاعا من البشر قد استكمل تطوره دون غيره ..
وتأكيدا على ذلك قال بوضوح إنه لا زال بعض البشر يملكون صفات حيوانية منقرضة (مثل تحريك عضلة الأذن أو امتلاك الشعر الغزير) بينما تخلص غيرهم من ذلك في الاتجاه نحو التطور .. ويتعدى ذلك التمايز إلى الصفات الفردية حيث يتمتع البعض (أفراد وشعوب) بإمكانيات وقدرات النجاح والتفوق بينما يعجز عنها الآخرون .. أما المساواة فهي في الحقوق والواجبات فقط أمام القانون .. وقد فوجئت أيضا بقوله إن الجينات قد تفسر تفوق بعض الأجناس البشرية وقدرتها على بسط ثقافتها ولغتها على غيرها من الشعوب الأقل تطورا مثلما فعل الهان في الصين والآريون في الهند والساميون في الشرق القديم والدوريون في اليونان والفرنكيون في فرنسا والإنجليز في بريطانيا بينما عجز كل من المغول والفايكنج والهون والأتراك عن فعل ذلك رغم امتلاك قوة عسكرية كاسحة .. شعرت بالخوف الشديد من حديثه عن نتائج العلم الصادمة وبدا لي أن الحل الوحيد يكمن في خلق منظومة وعي متكاملة (فلسفة جديدة) تتقبل المنهج العلمي وتستوعب نتائجه مهما كانت غرابتها وتعيد تنظيمها في إطار أخلاقي جديد يعتمد على قيم التعايش المشترك والقبول بالتعددية الثقافية والمقدرة على تقييم الذات ومعرفة القدرات والانتماء للهوية الجامعة بعيدا عن التعصب والعنصرية ..

والعلم الحديث ينطلق بسرعة الصاروخ ولا يتقيد بأي قيود دينية أو أخلاقية .. وعندما تم الانتهاء من فك شفرة الحمض النووي عام 2000 وهو المشروع الضخم الذي مولته حكومة الولايات المتحدة الأمريكية بدأ القلق يسري في الدوائر السياسية والثقافية الغربية بسبب المخرجات المتوقعة من هذه الثورة التقنية .. وهو ما دعا واحدا من أهم منظري الليبرالية الحديثة وهو فرانسيس فوكوياما لتأليف كتابه (مستقبلنا بعد البشري .. عواقب ثورة التقنية الحيوية) ليدق جرس الإنذار وهو يقرأ مستقبل هذه الثورة العلمية وتأثيرها على الحياة الإنسانية .. ومن تطبيقات هذه الثورة التقنية ما يلي :
1 ـ استنساخ البشر : وهو الأمر الذي يعرف الجميع أنه بات ممكنا وليست هناك قيود فعلية عليه إلا من قرار سابق للرئيس كلينتون بحظر تمويل الاستنساخ من الميزانية الفيدرالية (وذلك بعد مشكلة النعجة المستنسخة دوللي) .. لكن هناك أكثر من عشرين شركة تقنية حيوية على مستوى العالم (منها 12 في امريكا وحدها) لن تتقيد بهذا الأمر خاصة وأن عددا كبيرا من دول العالم لا يجرم هذه التقنية ربما بسبب عدم إدراك أبعاد وخطورة نتائجها والتي تعني تخليق إنسان في المعمل.
2 ـ تحدي الشيخوخة : طائفة من علماء الأحياء يرون أن الشيخوخة والموت هما خلل في وظائف أعضاء الكائن الحي مثلهما مثل الأمراض تماما وإذا تمت معالجة هذا الأمر على مستوى الحمض النووي وضبط كيمياء الدم ومستويات الأيض (الميتابوليزم) فإن هذا الأمر سوف يطيل في عمر الإنسان بل إن زراعة الخلايا الجذعية سوف تكون موردا لا ينضب لتعويض الخلايا التالفة في كافة الأنسجة طالما كانت الخلايا العصبية سليمة بل يرى بعضهم أن الخلايا العصبية يمكن زرعها في المستقبل.
3 ـ نهاية المثلية : دأب أنصار المثلية الجنسية على إرجاع الشذوذ إلى أسباب جينية ووراثية وليس بيئية واجتماعية وذلك لنزع المسئولية الأخلاقية عن مثليي الجنس وهنا يتلقفهم علماء الأحياء التطورية حيث يرون أنه إذا كان الشذوذ مرتبطا بالجينات فإنه في هذه الحالة يشبه كلا من الصلع والسمنة والأنيميا المنجلية أي أنه خلل قابل للإصلاح وفي هذه الحالة فإن الشذوذ يجب أن يختفي في خلال جيلين من البشر بعد ضبطه على مستوى الكروموسومات (أو ينتشر إذا عبث أحدهم وصنع العكس).
4 ـ عنصرية الأجناس : مع اكتشاف الخريطة الجينية ظهرت بوضوح تباينات خاصة بالسلالة الجينية (معرفة الأجداد الأقدمين) .. ولا يتوقف الأمر على معرفة ما إذا كنا فراعنة أو عرب بل الخطورة الكبرى سوف تحدث عندما يقر هذا التباين بوجود درجات من تفاوت الذكاء والمقدرة العقلية لصالح آخر السلالات تطفرا (وهي بالطبع السلالة الهندوأوروبية الأطلسية) بينما السلالات الأقدم سوف تكون من وجهة نظرهم هي الأقرب للحيوانية تبعا لمسار علم الأحياء التطورية.
5 ـ حرب الجينات : تغيير كبير في مسار الحروب البيولوجية سوف يحدث .. لن تكون هناك حاجة إلى غازات الأعصاب أو الجراثيم القاتلة وإنما سوف يكون هناك عبث في الجينات .. تخيل معي دولة تحارب أخرى ثم أطلقت عليها مادة كيميائية لا ترى بالعين المجردة تستنشق مع الهواء ثم تدخل الجسم وتؤثر على الخلايا الجسدية والجنسية على مستوى الكروموسومات فتغير السلوك البشري باتجاه السلبية والاستسلام والخمول بل وتقبل الأفكار الانهزامية لدى الأجيال الجديدة !!
6 ـ تحسين النسل : الاستنساخ المعملي سوف ينتج عنه كائنات هجينة أو بكتريا شديدة الفتك .. ممكن كائن يجمع بين الإنسان والحيوان أو بين الحيوان والنبات .. ربما يتم تدعيم البشر ببعض خصائص النبات فنملك القدرة على البناء الضوئي وهو أمر يطيل عمر الكائن الحي كما أنه سيكون بالإمكان تحسين النسل وتحديد الصفات المرغوب فيها لدى الأبناء (نموذج الإنسان السوبرمان) بل والتحكم في العواطف والغرائز وتقليل عدوانية البشر تجاه بعضهم.
7 ـ نهاية الزواج : من عواقب الاستنساخ هو قدرة الإنسان على التكاثر دون شريك (نهاية الزواج) لكن سوف يتبعه أمر آخطر وهو العبث بالجينات بغرض القضاء على الغريزة الجنسية نفسها (لم يعد لها مبرر طالما يمكن الإنجاب بدونها) .. وسوف يترتب على ذلك الاكتفاء بجنس واحد يستطيع استنساخ نفسه (الذكور مثلا باعتبارهم الأقوى أو الإناث لو استطاعوا) وهو ما سوف يؤدي إلى خلل في نسبة الجنسين بل واحتمال انقراض أحدهما بعد عدة أجيال.
8 ـ الإنسان الحيوان : التقنية الحيوية سوف يمتلكها الأغنياء والأقوياء فقط وهو ما ينذر بوجود خلل مجتمعي يحتاج إلى وعي فلسفي جديد يتواكب مع تلك التطورات وعلى رأسها اختفاء مصطلح (الطبيعة البشرية) أو (الفطرة الإنسانية) حيث يصبح الإنسان عبارة عن (حيوان معدل وراثيا) مثل النباتات المزروعة في (الصوبة الزراعية) .. ناتج من الكيمياء الحيوية والبيولوجيا الجزيئية .. فماذا سيكون في عقله وقتها وهل سيفقد للأبد التأثر بالآداب والفنون والمشاعر والأحاسيس ؟؟؟؟!!!!!!
مستقبل علم الفحوصات الجينية

هل تذكرون جميعا المشهد الأخير من فيلم (تزوير في أوراق رسمية) عندما قرر البطل أخيرا أن يخبر زوجته الحقيقة التي كانت تريد أن تعرفها طوال الفيلم وهي أي من الولدين ابنها وأيهما ابن المرأة الأخرى لكنها صرخت بالرفض بعد أن مات أحدهما وأصيب الآخر بالشلل .. بالطبع كانت أحداث الفيلم مغرقة في الخيال لأنه من غير المعقول أن تجهل الأم من هو ابنها وهو الأمر الغريزي كما أن أبسط دلائل البنوة هو التشابه المورفولوجي سوف يفرق بوضوح بينهما مع النمو ، أما الآن فقد صار الأمر سهلا بفضل تقنية الحمض النووي (دي ان ايه) التي تستطيع إثبات البنوة أو نفيها عن طريق عينة دم أو مسحة لعاب من الوالدين والطفل ، ولم يعد الأمر مقصورا على ذلك وإنما تعداه إلى إمكانية معرفة السلالة الجينية للفرد وهو ما يعني بوضوح (تحديد الهوية) ومعرفة (الأصل العرقي) ، وبهذا يمكننا أن نجيب على السؤال القديم الذي طرح نفسه على الساحة الثقافية والسياسية مع حركة التنوير وهو .. (هل نحن فراعنة أم عرب ؟) ، لكن المشكلة تكمن فيما سوف يترتب على ظهور النتائج النهائية التي سوف تقطع الشك باليقين وساعتها أرجو ألا يكون موقف البعض مشابها لموقف بطلة الفيلم وأن يكون بحثهم عن الحقيقة متسما بالموضوعية وبعيدا عن التعصب والطائفية مهما بلغت غرابة النتائج ومخالفتها لأماني البعض ودعاواهم.
ولا تزال الفحوصات تجري على عينات محدودة وكلما زاد عدد العينات تغيرات النتائج بالتبعية ، وسوف نعرض هنا لنتائج الفحص الذي أجرته شركة فاملي تري على المصريين الحاليين ورصدت فيها تنوع السلالات الجينية (مع ملاحظة أن هذه هي نتيجة عينة الفحص وليس عموم المصريين) حيث جاءت النتائج الأولية مبهرة حيث التنوع الجيني الكبير في مصر دونا عن بقية دول المنطقة حيث إن مصر هو الوحيدة التي تملك جينات مشتركة مع كل جيرانها في الوطن العربي كأنها مركز الدائرة .. وقد رصدت فيها السلالات التالية :
1 / سلالة النيلوتيك A (المجموعات النيلية في حوض النيل مثل الدنكا وغيرها وتوجد في العينة بنسبة 2,7%).
2 / السلالة الافريقية الجنوبية E1a (تسود في افريقيا جنوب الصحراء ومنها قبائل البانتو في الجنوب وسكان افريقيا المدارية الغربية وتوجد في العينة بنسبة 2%).
3 / السلالة الافريقية الشمالية E1b (تعرف مجازا بالسلالة الحامية) والتي انساحت من اثيوبيا إلى شمالي القارة وتفرعت منها فروع عديدة أهمها :
ـ سلالة البحر المتوسط m78 وفرعها v12 (في الحبشة والسودان والصومال ومصر وتشكل 18,4% من العينة).
ـ سلالة البحر المتوسط m 78 وفرعها v13 (شكلت في الماضي سكان أوروبا الاوائل والآن تتركز في جنوب البلقان وألبانيا وفي مصرالآن أقل من 1% في عينة الفحص).
ـ السلالة الحجازية m123 (تشكل نسبة كبيرة اليوم من عرب الحجاز والشام ويعتقد بعض الباحثين انها سلالة العرب البائدة وأنها أول من سكن الجزيرة العربية والشام قبل الآخرين وتشكل نسبة 9,5% من العينة).
ـ السلالة الأمازيغية m81 (في بلاد المغرب العربي والصحراء الكبرى وتشكل في عينة الفحص نسبة 8,2%).
4 / السلالة القوقازية G (وهذه السلالة موجودة في العينة بنسبة 9,5% ويرجح أنهم أحفاد المماليك).
5 / السلالة النوردية I : (توجد بنسب قليلة جدا في الشام بسبب الحروب الصليبية ونسبتها في عينة الفحص الممصرية أقل من 1%).
6 / سلالة الشرق الأوسط J وتنقسم إلى شمالي وجنوبي كالأتي :
ـ الفرع الشمالي J2 : (مكون أساسي في حضارات البحر المتوسط والرافدين وتوجد في العينة بنسبة 12,2% وتتركز في الوجه البحري).
ـ الفرع الجنوبي J1 : (سلالة معظم القبائل العربية والأمهريين واليهود الأصليين وهي أكثر السلالات وجودا في عينة الفحص بنسبة 19,7% وتتركز في الصعيد ، وقدر وقت دخول أحد فروعها القديمة الى مصر منذ ستة الاف عام)
7 / السلالة العيلامية T : (تتركز الآن في قنا والأقصر وساحل البحر الأحمر وتشكل نسبة 7,5% من العينة).
8 / السلالة P : (وهي سلالة آسيوية مندثرة توجد في العينة بنسبة 1,4%) ويرجح دخولها مصر مع المماليك.
9 / السلالة الهندوأوروبية الآرية R : وتنقسم إلى فرعين هما :
ـ فرع الآريين الغربيين (الأطلسي) R1b : (دخل مصر في وقت مبكر عن طريق آسيا قبل أن يدخل أوروبا ويوجد في العينة بنسبة 4,1%).
ـ فرع الآريين الشرقيين (السلافيين والفرس) R1a : (ويرجح دخوله مصر في زمن حديث نسبيا وتوجد هذه السلالة ف العينة بنسبة 3,4%).

وقد ثار مؤخرا جدل كبير دار في أوساط المهتمين بالتاريخ المصري القديم بعد أن أعلنت بعض المراكز البحثية الغربية منذ بضعة أعوام نتائج فحص الحمض النووي دي ان ايه الذي أجري على مومياء اثنين من الملوك حيث جاءت نتيجة توت عنخ آمون على السلالة الجينية R1b والتي ينتمي لها معظم سكان أوروبا الغربية حاليا بينما جاءت نتيجة رمسيس الثالث على السلالة الجينية E1a والتي ينتمي لها غالبية سكان أفريقيا جنوب الصحراء (البانتو والهوسا وغيرهم) وقد شكك الكثيرون في هذه النتائج بسبب عدم وجود هيئة قياسية موحدة تشكل مرجعا للفحص ولا يوجد أي رقابة على جميع المراكز البحثية في هذا المجال الذي يعد حديث الظهور ، وكان وجه الاعتراض بسبب مخالفة هذه النتائج للسلالات الجينية السائدة حاليا بين أبناء مصر والمنطقة العربية الذين ينتمون إلى السلالة J1c والمنتشرة في الجزيرة العربية وأعالي الفرات والشام ومصر وشمال أفريقيا متداخلة مع السلالة E1b والتي تضم سكان الحجاز ومصر والأحباش والأمازيغ حيث يستند بعض الباحثين إلى فرضية انتماء المصريين القدماء لأحد فروع هذه السلالة (V12) بتحوراتها المختلفة دون غيرها وهو الأمر الذي يصعب إثباته لأن النقاء الجيني لا يوجد إلا في الشعوب المنعزلة مثل سكان أستراليا الأصليين وهنود أمريكا اللاتينية بينما كانت وتيرة الاختلاط الإثني عالية في مصر طوال تاريخها.
ولحسن الحظ فإن هذا الجدل يوشك على الانتهاء لأنه خلال وقت قليل سوف تكون تقنية فحص الحمض النووي متاحة في مصر تحت إشراف جهات بحثية معتمدة بحيث يمكن للفرد العادي معرفة انتمائه الجيني فضلا عن إعادة فحص جميع المومياوات الملكية وغيرها والمحفوظة في المتحف المصري وهنا سوف يبرز سؤال هام : ماذا لو كانت نتائج الفحوصات الغربية صحيحة .. هذا يعني أن الأسرة 18 (العمارنة) ذات جذور آسيوية (لأن هذه السلالة في الزمن القديم كانت في آسيا ثم انتقلت إلى أوروبا مع الغزوات البربرية) ويعني أيضا أن الأسرة 20 كلها قادمة من زنوج أفريقيا (الملك ست نخت سوف يصبح نسخة من كافور الإخشيدي !!) ، السؤال الأهم .. ماذا لو كان شيشنق مؤسس الأسرة 22 من الأمازيغ بالفعل والملك أبسماتيك (الأسرة 26 الصاوية) من شعوب البحر ومنتو حتب وأمنمحات في الدولة الوسطى (الأسرات 11 و12) من جذور نوبية صرفة وبعنخي وشباكا من الأسرة 25 من الكوشيين (أسلاف الأرومو والصوماليين) .. ماذا لو كان رمسيس الثاني العظيم (الأسرة 19) ينحدر من الهكسوس أو الفينيقيين مثل الأسرات 15 و 16 بل ماذا لوكانت الأسرات الست الأولى في الدولة القديمة (بناة الأهرام) قادمة من الجزيرة العربية حيث يمكن معرفة ذلك عن طريق فحص مومياء الملك (مر ان رع) من الأسرة 6 وهي أقدم مومياء سليمة من ذلك العهد.
ربما ينزعج البعض إذا ظهرت هذه النتائج بهذه الكيفية لأنها سوف تهدم أسطورة النقاء العرقي للمصريين القدماء بل وتجبرنا على إعادة كتابة التاريخ حيث من المتوقع حينئذ أن يكون مسار التاريخ الفرعوني على نمط شبيه بالعصر اليوناني الروماني والعصر الإسلامي وتصبح الأسرات الثلاثين المتعاقبة صورة مكررة لكل من البطالمة والرومان والبيزنطيين والفاطميين والأيوبيين والمماليك حيث لا تخلو الشواهد التاريخية من الإشارة لذلك .. مثلا هيرودوت يذكر أن 18 ملكا أثيوبيا حكموا مصر (قد يقصد الأسرات 20 و 25) وتحدثت النقوش عن ارتباط رمسيس الثاني بمعبود الهكسوس ست بينما تكلم سليم حسن بحذر عن آسيوية الدولة القديمة ، ولا يسعنا جميعا إلا احترام النتائج النهائية للعلم الحديث حتى لو خالفت قناعاتنا الشخصية وموروثنا الثقافي .. ولا يعيب المصريين القدماء ولا المحدثين أنهم متنوعون في الأصول الجينية والجذور الحضارية بل ربما كان ذلك من علامات تفرد الأمة المصرية عبر تاريخها الطويل والممتد عبر آلاف السنين بل ربما كانت العواصم الأربع الكبيرة (منف ـ طيبة ـ الاسكندرية ـ القاهرة) هي تعبير عن الثقافات المتعاقبة التي تتباين في الظاهر وتتشابه في الباطن من خلال الآثار العديدة الباقية من كل حقبة والتي هي في كل العصور عبارة عن مقابر ودور عبادة فقط .. الأهرام والكرنك والسيرابيوم وجامع السلطان حسن .. ولعل هذا هو سر الأرض الطيبة.

وقد كانت اول صدمات هذا العلم من نصيب القبائل العربية حيث جاءت نتائج فحص الحمض النووي لتنسف التقسيمات القديمة المتعارف عليها (العرب البائدة والقحطانية والعدنانية) حيث أظهرت بوضوح أن قبائل العرب البائدة لا زالت موجودة تحت مسميات أخرى وأن عرب الشمال لم يخرجوا من اليمن وإنما هم من سكان بادية الشام والفرات منذ القدم وأن القبائل الكبرى مثل مضر وربيعة هي تحالفات قبلية من قبائل متفرقة لكن على المستوى القبيلة الواحدة جاءت النتائج مطابقة لسجلات الأنساب كما رصدت الفحوص وجود السلالات العربية منتشرة في بقية الدول العربية بنسبة عالية سواء بين القبائل العربية المعروف نسبها أو بين عموم السكان من غير القبائل العربية وهو ما أسهم في رسم الخريطة الجينية للمنطقة على النحو التالي :
أولا / عرب على السلالة E-M123 : ينحدر منها كل من إياد /النخع (باليمن) و ثقيف (بالطائف) والأوس والخزرج (بيثرب) والأزد (باليمن وعمان) وخولان (شمال اليمن وعسير) وشهران (شرقي اليمن) وبلي (الأردن ومصر) وقضاعة (الحجاز والشام ومصر) وخزاعة (بساحل تهامة) وفي العصر الحديث ينحدر منها أهم وأقوى قبيلة بالحجاز وهي قبيلة حرب المعروفة وهذه السلالة تشكل حاليا 20% من عرب الجزيرة و10% من سكان مصر حيث إنها دخلت وادي النيل قادمة من الجزيرة العربية ثم ساحل البحر الأحمر ثم وادي حمامات في هجرة عكسية قبل ثمانية آلاف عام .. وهم أحفاد العرب البائدة وسوف تبين تحاليل الحمض النووي مدى ارتباطهم بالمملكة الفرعونية الجنوبية (ذات التاح الأبيض) من عدمه وكذلك الأسرات الفرعونية الست الأولى.
ثانيا عرب على السلالة T : نسبة كبيرة من عرب ربيعة (بكر وتغلب) وجزء من تحالف قبائل عنزة ومن أشهرها آل الصباح (الكويت) وآل خليفة (البحرين) وبني خالد (الإحساء) وآل معمر (العيينة) وآل هميلان وآل جبر (نجد) وأولاد علي (مصر) والعتوب والمزاريع (القصيم) والبوسعيدي والفلاحي والقبيسي وبني ياس (سواحل عمان والإمارات) ومن ضمنهم آل نهيان وآل مكتوم ، وهذه السلالة دخلت مصر قبل الفتح الإسلامي بقرون طويلة وتشكل نسبة 10 % من عرب الجزيرة و 7% من سكان مصر وتتركز في محافظة قنا والأقصر وهي تنتمي إلى سلالة جينية آسيوية تمتد من سواحل الهند الغربية وإيران حتى البحر المتوسط ومصر وتمت بصلة قوية للشعوب السومرية والعيلامية التي سكنت جنوب الرافدين.
ثالثا عرب على السلالة J2 : وهي نتاج هجرات متتابعة من بلاد الرافدين إثر الحروب الآشورية التي دفعت قبائل كاملة باتجاه الجنوب ومن أهمها قبائل بني تميم وكندة وطيء (شمر الحالية) وباوزير وآل أبوعليان وعرب خفاجة ولخم وجذام وتنوخ وعاملة والأشعر وهي مرتبطة بكل من الأكادييين (في جنوب العراق) والعموريين (في بابل وآشور وأعالي الشام ومملكة الهكسوس) والفينيقيين والكنعانيين (في لبنان و فلسطين) والمينوية (في كريت) والأيونية في (بحر ايجه) وسوف يظهر تحليل الحمض النووي مدى علاقتها بالمملكة الفرعونية الشمالية في دلتا مصر (ذات التاج الأحمر والتي كان شعارها نبات البردي) وتشكل حاليا نسبة 15% من عرب الجزيرة و12% من سكان مصر يتركزون في الوجه البحري.
رابعا عرب على السلالة J1 : وينتمي إلى هذه الأرومة حاليا كل من مذحج وهمدان وزهران وحمير (اليمن) وقريش (الأشراف حاليا) وغطفان (مطير الحالية) وهوازن (عتيبة الحالية) وبني حنيفة (نجد) والدواسر (جنوب الجزيرة) وجهينة (في الحجاز والأردن ومصر والسودان) وبني عامر (أعالي نجد) وبني هلال (المغرب) وبني سليم (ليبيا) والسواركة والترابين ومزينة والحويطات (سيناء والنقب) بالإضافة إلى طائفة اليهود الكوهينيم الحالية (المعروف انتسابهم للنبي هارون) ، وينتمي لها قديما الجالية اليهودية في الفنتين (في أسوان) وتحفنيس (بالقرب من كفر الدوار غرب الدلتا) ثم في الاسكندرية في عهد بطليموس الثاني ، وتتركز السلالة في محافظات الشرقية والبحيرة والأقصر وقنا وسوهاج وتزيد نسبتهم في الصعيد بوجه عام ، وتشكل هذه السلالة 65% من عرب الجزيرة و20% من سكان مصر.
(مراجع البحث مذكورة بالتفصيل في كتابي بداية التاريخ ونهاية الفلسفة نقلا عن مؤسسة فاملي تري للفحوصات الجينية وكذلك المؤسسة السعودية الحيوية للعلوم وشركة سي ال سي بيو الدانمركية ومعهد بكين للجينوم).
وقد كانت تلك النتائج الأولية دافعا كبيرا لي للعمل في المشروع الجيني لقبائل عرب الشمال وهو مشروع بحثي إحصائي خاص بتجميع نتائج فحص الحمض النووي للقبائل التي سكنت البادية العربية (من النيل إلى الفرات) وأطلق عليها مجازا (عرب قحطان) مثل تنوخ ولخم وجذام وعاملة والأزد وقضاعة وطيء وما تفرع منهم خاصة وأن هذه القبائل قد سكنت مصر في زمن مبكر ومنها في دلتا مصر نسبة لا بأس بها من السكان (جذام في الشرقية وقضاعة في الدقهلية وطيء في الغربية ولخم في البحيرة والإسكندرية) فضلا عن انتشارهم الواسع في الصعيد .. وقد كانت منازل قبيلة بني عدي مرتبطة بهذه القبائل بسبب وجود حلف كبير بينهم نشأ في العصور الإسلامية كما رأينا من تتبع أخبار القبيلة ومشاركتها في الأحداث السياسية المختلفة ولهذا فإن هذا المشروع سوف يعطينا دلالات أولية حول نتائج المنتسبين إلى قبيلة بني عدي مع الوضع في الاعتبار أن القبيلة الواحدة في الزمن المعاصر هي تحالف كبير من جذور مختلفة تضم في طياتها الأبناء الأصليين والأحلاف والموالي والمستجيرين بها وهذا أمر نابع من طبيعة القبائل العربية قديما وحديثا وهذا لا يقلل من أهمية الفحوصات الجينية لأنها لن تكون حاسمة في إثبات نسب العائلات وفض الاشتباك بين القبائل لكنها سوف تكون عظيمة النفع في مجال الهوية المصرية خاصة وقد تواردت الأخبار أن وزارة البحث العلمي في مصر قد أقرت البدء في (مشروع الجينوم المرجعي للمصريين) بالتعاون مع عدد من الهيئات والمؤسسات الوطنية وهو ما سوف يعطينا فكرة إجمالية وحقيقية عن عموم المصريين بصورة تؤكد وتثبت الهوية العربية لأرض الكنانة ..