
11 / نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج
مجدد الإسلام على رأس المائة الهجرية العاشرة هو الإمام العلامة شيخ الإسلام الفقيه الشافعي شمس الدين محمد بن أحمد بن حمزة الأنصاري الرملي المصري الشافعي الذي ولد بالقاهرة عام 919 هـ / 1513 م وتوفي فيها عام 1004 هـ / 1595 م ، ويرجع في نسبه إلى عشائر الخزرج الأنصارية التي سكنت قرية الرميلة من أعمال المنوفية (الرملة مركز بنها بالقليوبية حاليا) وتتلمذ على يد والده الشيخ شهاب الدين الرملي إمام المذهب الشافعي بمصر في القرن العاشر الهجري.
تولى إفتاء المذهب الشافعي وتولى التدريس في عدة مدارس وعرف بلقب (الشافعي الصغير) وصنف عدد من المؤلفات منها كتاب شرح المناسك الدلجية وكتاب شرح الأجرومية وكتاب شرح البهجة الوردية وكتاب فتاوى شمس الدين الرملي وكتاب غاية البيان شرح زبد ابن رسلان وكتاب غاية المرام في شرح شروط الإمامة لوالده وكتاب عمدة الرابح شرح على هدية الناصح في فقه الشافعية وكتاب نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج للنووي وكتاب غاية البيان في شرح زبدة الكلام.
وصفه الشوكاني في كتابه البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع فقال : ” مُحَمَّد بن أَحْمد بن حَمْزَة الرملي المصري الْعَالم الْمَشْهُور ، ولد سنة 919 تسع عشرَة وَتِسْعمِائَة وَمَوته سنة 1004 ارْبَعْ وَألف وَلم أَقف لَهُ على تَرْجَمَة مبسوطة لكنه قَالَ العصامي فِي وَصفه إمام الْحَرَمَيْنِ وَشَيخ المصريين من كَانَت الْعلمَاء تكْتب عَنهُ مَا يملي مَوْلَانَا شمس الدَّين مُحَمَّد بن أَحْمد بن حَمْزَة الرملي فاتح أقفال مشكلات الْعُلُوم ومحيي مَا اندرس مِنْهَا من الْآثَار والرسوم أستاذ الأستاذين وَأحد عُلَمَاء الدَّين عَلامَة الْمُحَقِّقين على الإطلاق وفهامة المدققين بالِاتِّفَاقِ “.
وذكره ابن القاضي المكناسي في كتابه ذيل وفيات الأعيان المسمى درّة الحجال في أسماء الرّجال) فقال : ” محمد بن أحمد الرملى ، فقيه الشافعية ومفتيهم بمصر أخذ عن زكرياء وعبد الحقّ السنباطى وجماعة رجل مسنّ وكان حيّا بمصر سنة 998.
والرملى المذكور هو محمد بن أحمد بن حمزة الملقب شمس الدين بن شهاب الدين الرملى المنوفى المصرى الأنصارى الشهير بالشافعى وقد ذهب جماعة من العلماء إلى أنه مجدد القرن العاشر ، اشتغل على أبيه فى الفقه والتفسير والنحو والصرف والمعانى والبيان والتاريخ وكانت بدايته بنهاية والده وأخذ عن شيخ الإسلام القاضى زكريا كما أشار ابن القاضى وذكر فى ترجمته أن له رواية عن شيخ الإسلام الطرابلسى الحنفى وشيخ الإسلام أحمد بن النجار الحنبلى وشيخ الإسلام يحيى الدميرى المالكى وأنه كان عجيب الفهم.
جمع الله تعالى له بين الحفظ والفهم والعلم والعمل كما كان مرجعا لأهل مصر فى تحرير الفتاوى وجلس – بعد وفاة والده – للتدريس فأقرأ التفسير والحديث والأصول والفروع والنحو والمعانى والبيان وبرع فى العلوم النقلية والعقلية ، وولى عدة مدارس كما ولى إفتاء الشافعية وألف التآليف العديدة منها : شرح المنهاج وشرح البهجة الوردية وشرح الأجرومية وشرح المناسك الدلجية ، كانت ولادته سنة 919 ووفاته سنة 1004 “.
وتعد مؤلفاته من مراجع الفقه الشافعي في العصر العثماني حيث اجتهد في مجال المعاملات التجارية والبيوع والعقود والشركات والرهونات والقروض وبيع الأصول والمرابحة والمزارعة وذلك في كتابيه نهاية المحتاج وغاية البيان ، وقد استهل كتابه غاية البيان بمقدمة جاء فيها : ” بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم الْحَمد لله الَّذِي أظهر زبد دينه القويم وَهدى من وَفقه إِلَى الصِّرَاط الْمُسْتَقيم أَحْمَده على مَا أنعم وَعلم وسدد إِلَى الصِّرَاط وَقوم وَأشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ الْوَاحِد القهار الْكَرِيم الستار وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله ختام الْأَنْبِيَاء الْأَبْرَار صلى الله عَلَيْهِم وَسلم وعلى آله وَأَصْحَابه صَلَاة وَسلَامًا دائمين على ممر اللَّيَالِي وَالنَّهَار.
وَبعد ، فَإِن صفوة الزّبد فِي الْفِقْه للشَّيْخ الإِمَام الْعَالم الْعَلامَة ولي الله تَعَالَى (أَحْمد بن رسْلَان) من أبدع كتاب فِي الْفِقْه صنف وَأجْمع مَوْضُوع فِيهِ على مِقْدَار حجمه ألف طلب مني بعض السَّادة الْفُضَلَاء والأذكياء النبلاء أَن أَضَع عَلَيْهَا شرحا يحل ألفاظها ويبرز دقائقها وَيُحَرر مسائلها ويجود دلائلها فأجبته إِلَى ذَلِك بعون الْقَادِر الْمَالِك ضاما إِلَيْهِ من الْفَوَائِد المستجادات مَا تقربه أعين أولى الرغبات راجيا من الله جزيل الثَّوَاب ومؤملا مِنْهُ أَن يَجعله عُمْدَة لأولي الْأَلْبَاب وسميته (غَايَة الْبَيَان فِي شرح زبد ابْن رسْلَان) ، وَالله أسأَل وبنبيه أتوسل أَن يَجعله خَالِصا لوجهه الْكَرِيم مُوجبا للفوز بجنات النَّعيم “.
وقد ترجم له المحبي في كتابه خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر فقال : ” مُحَمَّد بن أَحْمد بن حَمْزَة الملقب شمس الدّين بن شهَاب الدّين الرملى المنوفى المصرى الانصارى الشهير بالشافعى الصَّغِير وَذهب جمَاعَة من الْعلمَاء الى أَنه مُجَدد الْقرن الْعَاشِر وَوَقع الِاتِّفَاق على المغالاة بمدحه وَهُوَ أستاذ الاستاذين وَأحد أساطين الْعلمَاء وأعلام نحاريرهم محيى السّنة وعمدة الْفُقَهَاء فى الْآفَاق وَفِيه يَقُول الشهَاب الخفاجى وَهُوَ أحد من أَخذ عَنهُ : فضائله عد الرّحال فَمن يطق .. ليحوى معشار الذى فِيهِ من فضل .. فَقل لغبى رام احصاء فَضله .. تربت استرح من جهد عدك للرمل.
اشْتغل على أَبِيه فى الْفِقْه وَالتَّفْسِير والنحو وَالصرْف والمعانى وَالْبَيَان والتاريخ وَبِه اسْتغنى عَن التَّرَدُّد الى غَيره وَحكى عَن وَالِده انه قَالَ تركت مُحَمَّدًا بِحَمْد الله تَعَالَى لَا يحْتَاج الى أحد من عُلَمَاء عصره الا فى النَّادِر وَكَانَت بدايته بنهاية وَالِده وَحفظ الْقُرْآن والبهجة وَغَيرهمَا.
وَأخذ عَن شيخ الاسلام القاضى زَكَرِيَّا وَالشَّيْخ الامام برهَان الدّين بن أَبى شرِيف رَحمَه الله تَعَالَى قَالَ رَأَيْت الشَّيْخ زَكَرِيَّا كالالف فى الانتصاب وَرَأَيْت برهَان الدّين وَهُوَ قَاعد الى هَيْئَة السُّجُود أقرب من الْهَرم فَقلت لوالدى مَا بَال الشَّيْخ زَكَرِيَّا مَعَ كَونه أسن من الشَّيْخ برهَان الدّين أصح جسما ومنتصب الْقَامَة فَقَالَ كَانَ الشَّيْخ برهَان الدّين يكثر الْجِمَاع حدا فأسرع اليه الْهَرم وَأما الشَّيْخ زَكَرِيَّا فَكَانَ معرضًا عَن ذَلِك جدا انْتهى.
وَذكر النَّجْم الغزى فى تَرْجَمته أَن لَهُ رِوَايَة عَن شيخ الاسلام أَحْمد بن النجار الْحَنْبَلِيّ وَشَيخ الاسلام يحيى الدَّمِيرِيّ الْمَالِكِي وَشَيخ الاسلام الطرابلسى الحنفى وَالشَّيْخ سعد الدّين الذهبى الشافعى وَكَانَ عَجِيب الْفَهم جمع الله تَعَالَى لَهُ بَين الْحِفْظ والفهم وَالْعلم وَالْعَمَل وَكَانَ مَوْصُوفا بمحاسن الاوصاف.
وَذكره الشَّيْخ عبد الْوَهَّاب الشعرانى فى طبقاته الْوُسْطَى فَقَالَ صحبته من حِين كنت أحملهُ على كتفى الى وقتنا هَذَا فَمَا رَأَيْت عَلَيْهِ مَا يشينه فى دينه وَلَا كَانَ يلْعَب فى صغر مَعَ الاطفال بل نَشأ على الدّين وَالتَّقوى والصيانة وَحفظ الْجَوَارِح ونقاء الْعرض رباه وَالِده فَأحْسن تَرْبِيَته وَلما كنت أحملهُ وَأَنا أَقرَأ على وَالِده فى الْمدرسَة الناصرية كنت أرى عَلَيْهِ لوائح الصّلاح والتوفيق فحقق الله رجائى فِيهِ وَأقر عين المحبين بِهِ فانه الْآن مرجع أهل مصر فى تَحْرِير الْفَتَاوَى وَأَجْمعُوا على دينه وورعه وَحسن خلقه وكرم نَفسه وَلم يزل بِحَمْد الله فى زِيَادَة من ذَلِك انْتهى.
وَجلسَ بعد وَفَاة وَالِده للتدريس فأقرأ التَّفْسِير والْحَدِيث والاصول وَالْفُرُوع والنحو والمعانى وَالْبَيَان وبرع فى الْعُلُوم النقلية والعقلية وَحضر درسه أَكثر تلامذة وَالِده وَمِمَّنْ حَضَره الشَّيْخ نَاصِر الدّين الطبلاوى الذى كَانَ من مُفْرَدَات الْعَالم مَعَ أَنه فى مقَام أبنائه فليم على ذَلِك وَسُئِلَ عَن الداعى الى ملازمته فَقَالَ لَا داعى لَهَا الا أَنى أستفيد مِنْهُ مَا لم يكن لى بِهِ علم ، ولازمه تلميذ أَبِيه الشهَاب أَحْمد بن قَاسم وَلم يُفَارِقهُ أصلا وَسُئِلَ ابْن قَاسم مرّة أَن يعْقد مجْلِس الْفِقْه فَقَالَ مَعَ وجود الشَّيْخ شمس الدّين الرملى لَا يَلِيق.
وطار صيته فى الْآفَاق وَولى عدَّة مدارس وَولى منصب افتاء الشَّافِعِيَّة وَألف التآليف النافعة مِنْهَا شرح الْمِنْهَاج أَتَى فِيهِ بالعجب العجاب وَشرح الْبَهْجَة الوردية وَشرح الطَّرِيق الْوَاضِح للشَّيْخ أَحْمد الزَّاهِد سَمَّاهُ عُمْدَة الرابح وَشرح الْعباب لكنه لم يتم وَشرح الزّبد وَهُوَ غير شرح وَالِده وَشرح الايضاح منسك النووى وَشرح الْمَنَاسِك الدلجية وَشرح منظومة ابْن الْعِمَاد فى الْعدَد وَشرح الْعُقُود فى النَّحْو.
وَشرح رِسَالَة وَالِده فى شُرُوط الْمَأْمُوم والامام سَمَّاهُ غَايَة المرام وَشرح مُخْتَصر الشَّيْخ عبد الله بَافضل الصَّغِير وَشرح الاجرومية وَله حَاشِيَة على شرح التَّحْرِير لشيخ الاسلام وحاشية على الْعباب وَغير ذَلِك واشتهرت كتبه فى جَمِيع الاقطار وَأخذ عَنهُ أَكثر الشَّافِعِيَّة من أهل مصر وَرَجَعُوا اليه وَأجل تلاميذه النُّور الزيادى وَالشَّيْخ سَالم الشبشيرى وَغَيرهمَا وَمن الشاميين الشَّمْس مُحَمَّد الميدانى وَالشَّيْخ نعْمَان الحبراصى وَالشَّيْخ عمر بن الكاسوحة وَأخذ عَنهُ أَبُو الطّيب الغزى.
قَالَ الشلى وَالظَّاهِر انه مُجَدد الْقرن الْعَاشِر لانه لم يشْتَهر الِانْتِفَاع بِأحد مِمَّن انْقَضى الْقرن وَهُوَ مَوْجُود مثل اشتهاره واحتياج النَّاس لكتبه لَا سِيمَا فِيمَا يتَعَلَّق بالعلوم الشَّرْعِيَّة قَالَ النبى ان الله يبْعَث لهَذِهِ الامة على رَأس كل مائَة سنة من يجدد لَهَا أَمر دينهَا أخرجه أَبُو دَاوُد وَغَيره وَاخْتلف فى رَأس الْمِائَة هَل يعْتَبر من المولد النبوى أَو الْبعْثَة أَو الْهِجْرَة أَو الْوَفَاة وَلَو قيل بأقربية الثانى لم يبعد لَكِن صَنِيع السبكى وَغَيره مُصَرح بِأَن المُرَاد الثَّالِث.
وشهرته كَافِيَة فى هَذَا الْبَاب وَكَانَت وِلَادَته سلخ جُمَادَى الاولى سنة تسع عشر وَتِسْعمِائَة بِمصْر وَتُوفِّي نَهَار الْأَحَد ثَالِث عشر جُمَادَى الأولى سنة أَربع بعد الالف والرملى نِسْبَة الى رَملَة قَرْيَة صَغِيرَة قَرِيبا من الْبَحْر بِالْقربِ من منية الْعَطَّار تجاه مَسْجِد الْخضر عَلَيْهِ السَّلَام بالمنوفية قَالَه الشعرانى “.
أما والده الشيخ شهاب الدين الرملي فقد ترجم له الغزي في كتابه الكواكب السائرة بأعيان المائة العاشرة فقال : ” أحمد الرملي ، أحمد الشيخ العالم العلامة الناقذ الجهبذ الفهامة شيخ الإسلام والمسلمين شهاب الدين الرملي المنوفي المصري الأنصاري الشافعي ، وبلده كما قال الشيخ عبد الوهاب الشعراوي قرية صغيرة قريباً من البحر بالقرب من منية العطار تجاه مسجد الخضر عليه السلام بالمنوفية.
وهو أحد الأجلاء من تلاميذ شيخ الإسلام القاضي زكريا الأنصاري وكان مقدماً عنده حتى أذن له أن يصلح في مؤلفاته في حياته وبعد مماته ولم يأذن لأحد سواه في ذلك ، وأصلح عدة مواضع في شرح البهجة وشرح الروض لشيخ الإسلام وكتب شرحاً عظيماً على صفوة الزبد في الفقه وكتبه الناس في حياته وقرأوه عليه جمع فيه غالب ترجيحاته وتحريراته ، وله مؤلفات أخر وجمع الشيخ شمس الدين الخطيب الشربيني فتاويه فصارت مجلداً.
وأخذ عنه ولده شيخنا بالمكاتبة سيدي محمد والخطيب الشربيني والشيخ نور الدين الطنبذائي والشيخ شهاب الغزي أخي حين قدم القاهرة مع والده في سنة اثنتين وخمسين وتسعمائة وغيرهم ، بل انتهت إليه الرئاسة في العلوم الشرعية بمصر حتى صارت علماء الشافعية بها كلهم تلامذته إلا النادر إما طلبته وإما طلبة طلبته وجاءت إليه الأسئلة من سائر الأقطار ووقف الناس عند قوله ، وكان جميع علماء مصر وصالحيهم حتى المجاذيب يعظمونه ويجلونه حتى أقران شيوخه وكذلك صار لولده سيدي محمد المنوفي على رأس القرن العاشر.
وكان يخدم نفسه ولا يمكن أحداً يشتري له حاجة من السوق إلى أن كبر سنه وعجز ، توفي – رحمه الله تعالى – في يوم الجمعة مستهلاً جمادى الآخرة سنة سبع وخمسين تسعمائة وصلوا عليه في الأزهر ، قال الشعراوي : وما رأيت قط في عمري جنازة اجتمع فيها خلائق مثل جنازته ، وضاق الجامع عن صلاة الناس فيه ذلك اليوم حتى أن بعضهم خرج وصلى في غيره ثم رجع للجنازة ، ودفن بتربته قريباً من جامع الميدان خارج باب القنطرة فأظلمت مصر وقراها بعد موته رحمه الله تعالى “.

12 / تمليح البديع بمدح الشفيع
من أهم شعراء المديح النبوي في العصر العثماني الشاعر زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن علي الحميدي شيخ الوراقين بمصر في زمنه والمتوفي في القاهرة عام 1005 هـ / 1596 م وهو صاحب القصيدة الشهيرة (تمليح البديع بمدح الشفيع) والتي قام بشرحها على عادة أدباء زمنه في كتاب سماه (فتح البديع) ثم لخص هذا الشرح قبل تمامه بالإعراب والمعنى في مجلد وسماه (منح السميع) وانتهي منه سنة 993 هـ وعرف باسم منح السميع شرح تمليح البديع بمدح الشفيع وله ديوان آخر هو الدر المنظم في مدح الحبيب الأعظم والذي عرف باسم الدر المنظم في المدائح النبوية.
وقد سار في قصيدته على نهج البوصيري وافتتحها بقوله : رد ربع أسما وأسمى ما يرام رم .. وحىّ حيا حواها معدن الكرم .. وانشر لهم طىّ وجدى وارو عن سقمى .. حديث ودّ قديم وافر القسم .. وعن دمى العندمى من مقلتى احك وقل .. واذكر نفاق دم ممن نفى قدمى .. فهم بقلبى حلوا بيد أنهم .. حلوا عرى الصبر منى بعد بعدهم .. أبيت حلف السهى الف السهاد ولى .. طرف بفرط دموع نمّ لم ينم .. حيران من حب جيران العقيق شج .. فمن فم لا أطيق النطق بالكلم.
وقال فيها : لن يبلغ المجد الا الصابرون على .. صبر المكاره والجافون للندم .. فلا أرتنى ليالى هجرهم فرجا .. بفجر وصل ولا برّيت في قسمى .. ان لم أغص في بحار الفكر منتقيا .. نفيس درّ رفيع القدر والقيم .. لكى أحلى جيد المدح منه بمن .. به خلصت من الادران والدسم .. طه المطهر فرع الاكرمين ختام .. المرسلين ابن عبدالله ذى الكرم .. الشامخ الهمم ابن الشامخ الهمم ابن .. الشامخ الهمم ابن الشامخ الهمم.
ومن أهم قصائده البائية التي يقول في مطلعها : بجاهك يـا خير الورى لذت في الكرب .. وهــل لسوى علياك يلجأ ذو لـب .. وأنت الــذى جاء الكتـاب بنعتك .. العظيم كما قد جاء في سائر الكتب .. وأنت الـذى لولاك ما كان كائن .. ولا جاء ذو وحي لقـوم بـه ينبي ، وقال في آخرها : وجد للحميدي في غد بشـفاعة .. وأصلي وفرعي ثـم آلي كـذا صحبي .. عليك صلاة الله تتلى وتلوها .. سلام وكل الآل عمت مع الصحب .. وأتباعهم ما لاذ في الكون لائذ .. بجاهك في الأزات والخطب والكرب.
ومن قصائده التي سرت على لسان العامة والمتصوفة قوله : مــا لي أراك أهمـت هـامه أذكرت إلفك فـي تهـامه .. أم رام قلبــك ريــم رامـه للقــا فلــم يبلـغ مرامـه .. أم فـوق أفنان الرياض شــجاك تفنيــن الحمـامه .. أم نســـمة هبـــت لـــديك .. تعطـــرت لشــذى الخزامــه ، وقال في ثناياها : خيـــر الأنـــام جميعهـــم وأجــلّ مــن لبـس العمـامه .. البــــدر شــــق لأجلــــه وعليـــه ظللــت الغمــامه .. والغيــــث ســـحت ســـحبه بـــدعاه ســبعا مســتدامه .. لمـــا شــكوا فــي طيبــة محلابهـــا أبـــدى ضــرامه.
ومنها قوله : يـا مائسـة القـدّ يـا مكحلـة العين .. كـم مـن حسـد فيك قد أصبت من العين .. قـــد حـــزت جمـــالا ورقــة ودلالا .. اذ فقـت هلالا أضـا وفقـت سـنا العين .. أشــمت حســودى ومــا حفظـت عهـودى .. مـن هجـرك عـودى ذوى كذوايـة العين ، وقال في آخرها : أرجـــوه لكربــى يزيلــه وبخطــبى .. اذ صـرت لنحـبى وألت بعد الى العين .. ان فــاز حميــدى لمــدحه بحميــدى .. منـه وبأيـدى سـما بـذاك على العين .. بـــالمنّ لاصـــلى دعـــوته ولاهلــى .. والصـحب ونسـلى مـن المواهب بالعين.
ومنها قوله : دمعــي وصــبري مطلــق وحــبيس .. والســقم مــذبنتم علــىّ حـبيس .. خلفتمـــونى فــي خلال ديــاركم .. خـوف القلـى شـوق اللقـاء أجوس .. أبكـى زمانـا مـرّ حلـوا صـافيا .. مـا شـاب سـعد الوصـل فيه نحوس ، وقال في آخرها : وأزح مريــدى للشــقا وأرح اذا .. عنـد الممـات بغـى الاذى ابليـس .. وبمـا بـه أجـد الصواب فجد اذا .. ضـمت عظـامى فـي الـتراب رمـوس .. وعلـى الحميدى امنن غدا بشفاعة .. مــن شــر يــوم للعصـاة عبـوس.
وقد ترجم له المحبي في كتابه خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر ونقل ما كتبه الشهاب الخفاجي عنه وما دار بينهما من مساجلات شعرية فقال : ” عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد الْحميدِي الْمصْرِيّ شيخ أهل الوراقة بِمصْر الأديب الشَّاعِر الْفَائِق ذكره الشهَاب الخفاجي فِي كِتَابيه وَقَالَ فِي وَصفه كَانَ أديباً تفتحت بصبا اللطف أنوار شمائله ورقت على دوح أدبه خطباء بلابله إِذا صدحت بلابل مَعَانِيه وتبرجت حدائق معاليه جلبن الْهوى من حَيْثُ أدرى وَلَا أَدْرِي نظم فِي جيد الدَّهْر جمانه وَسلم إِلَى يَد الشّرف عنانه خاطراً فِي رِدَاء مجد ذِي حواش وبطانه ناشراً فرائد بَيَان ينثرها اللِّسَان فتودع حقاق الآذان وَله فِي الطِّبّ يَد مسيحية تحيى ميت الْأَمْرَاض وتبدل جَوَاهِر الْجَوَاهِر بالأعراض ، مبارك الطلعة ميمونها .. لَكِن على الحفار والغاسل.
وديوان شعره شَائِع وذائع إِلَّا أَنِّي استودعته النسْيَان وَلَا بُد أَن ترد الودائع وَلما نظم البديعية مُعَارضا لِابْنِ حجَّة وَشَرحهَا نظرت فِيهَا فِي أَوَان الصِّبَا فَرَأَيْت مِنْهَا مَوَاضِع لَا تَخْلُو من الخطأ فنبهته لذَلِك فَأطَال لِسَانه لانحرافه وَزعم أَنه هجاني بِبَعْض أَوْصَافه فَكتبت إِلَيْهِ متهكماً مَا صورته مولَايَ أسرفت فِي الامتنان وأسأت لنا قبل الْإِحْسَان وعاقبت من غير جِنَايَة سَابِقَة وَحرمت من لَيْسَ لَهُ فِيك آمال رائقة فَكَانَت حَالي مَعَك كَمَا قيل إِنَّه هبت ريح شَدِيدَة فصاح النَّاس الْقِيَامَة الْقِيَامَة فَقَالَ بعض المجان مَا هَذِه الْقِيَامَة على الرِّيق أَيْن الدَّجَّال وَالْمهْدِي وأشراطها فِي ذَلِك أَقُول : أسرفت فِي الصد فخف خَالِقًا .. لَا يرتضي إسراف مَخْلُوق .. يَا هاجراً من لم يذقْ وَصله .. جرعته الصَّبْر على الرِّيق ، انْتهى ، وَكَانَت وَفَاة الْحميدِي سَابِع عشر الْمحرم سنة خمس بعد الْألف “.
وذكره البغدادي في كتابه هدية العارفين فقال : ” الحميدي ، زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن علي الحميدي شيخ الوراقة بمصر القاهرة توفي سنة ١٠٠٥ خمس وألف ، صنف تمليح البديع ممديح الشفيع ﷺ ، ديوان شعره فتح البديع بشرح تمليح البديع له ” ، وذكره عمر كحالة في معجم المؤلفين فقال : ” عبد الرحمن الحميدي ١٠٠٥ هـ / ١٥٩٦ م ، عبد الرحمن بن احمد بن علي الحميدي المصري (زين الدين) أديب شاعر شيخ اهل الوراقة بمصر توفي في ١٧ المحرم ، من آثاره : بديعية وشرحها ديوان شعر والدر المنظوم في مدح النبي الأعظم “.
وقد حازت أشعار الحميدي باهتمام الباحثين وعلى رأسهم الدكتورة أميرة بدوي محمد مدرس الأدب العربي القديم بقسم اللغة العربية بكلية التربية جامعة عين شمس حيث تناولت ديوان الحميدي بالنقد والتحليل في بحث قيم بعنوان (صورة النبي صلى الله عليه وسلم في ديوان الدر المنظم في مدح النبي الأعظم للحميدي دراسة تحليلية) وجاء فيها :
” أما عن الديوان (الدر المنظم في مدح النبي الأعظم) فقد أراد الحميدي أن يقتدي بالشعراء المادحين للرسول فبدأ بقصائد متفرقة في مدحه ثم شرع في نظم هذا الديوان إثر بشارة طيبة أخبرنا عنها ، ولكن السؤال هنا : هل هو (الدر المنظم في مدح النبي الأعظم) أم (الدر المنظم في مدح الحبيب الأعظم) ؟ ، فالحميدي أراد أن يسير مع قوافل المادحين للنبي الكريم يوم القيامة وأن يكون تحت لوائه يوم الحساب تشفعا لجنابه وتوسلا بمقامه وشفاء لعلته من مكائد الدنيا وهمومها فنظم قصائد في مدح النبي المختار ،
أما عن سبب نظم هذا الديوان فكانت البداية تلك البشارة في منامه التي تروي رؤيته للنبي الكريم وحوله جماعة من أصحابه ثم قرأ عليه الحميدي أول همزيته التي يقول فيها :تربة تربها على التبر يسمو .. وضياها يفوق ضوء ذكاء ، وعندما أراد النبي – صلى الله عليه وسلم – أن يذهب تبعه الحميدي وأعطاه الهمزية التي كان يحملها بين يديه وقال له : أجزني بها يا رسول الله ، كالمتدلل عليه فقال الرسول : أجزتك بها ، فاستبشر وفرح فرحا شديدا وأخذ ينادي في المدينة : ما أبركها من ليلة.
وبعد هذه الليلة نظم قصيدة تائية أخرى وقبل إتمامها رآه والده واقفا بقرب النبي في المنام كموقف المأموم من الإمام وكان الرسول مقبلا عليه كل الإقبال ، وعندئذ آن أوان الشروع في نظم الديوان وترتيبه على حروف المعجم وقد سماه بالدر المنظم في مدح الحبيب الأعظم وقد ذكر هذا الاسم في مقدمة الديوان وبدأ بالقصيدة الهمزية التي نال بها الإجازة من الرسول في المنام وسماها بالنفحة العطرية في مدح أشرف البرية ، فكانت النفحة التي عطرت ديوانه وكانت الدرة التي أضاءت هذا الديوان، وكشفت الظلام وفتحت الطريق لغيرها من الدرر التي جاءت على إثرها ، ويبدو أن ناشر الديوان وطابعه هو الذي وضع عليه هذا الاسم (الدر المنظم في مدح النبي الأعظم) فعرف به “.

13 / تزيين الأسواق في أخبار العشاق
رئيس الأطباء بالديار المصرية في العصر العثماني هو داود بن عمر الأنطاكي الذي ولد في قرية فرعة بأعالي الشام عام 942 هـ / 1536 م وتوفي في مكة المكرمة عام 1008 هـ / 1599 م ، وهو عالم في الكيمياء والفلك والرياضيات وأديب وشاعر وفيلسوف وطبيب وفقيه لكنه اشتهر في الثقافة الشعبية العربية بسبب كتابه الشهير في علم الطب (تذكرة أولي الْأَلْبَاب وَالْجَامِع للعجب العجاب) والمعروف بين الناس باسم (تذكرة داود).
ومن أهم مؤلفاته الأدبية التي كتبها أثناء إقامته في مصر كتاب تزيين الأشواق في أخبار العشاق ويتناول فيه بالسرد والتحليل قصص الحب والغرام في التراث العربي وهو مختصر وتهذيب لكتاب أسواق الأشواق من مصارع العشاق الذي صنفه برهان الدين إبراهيم بن عمر البقاعي المتوفي عام 885 هـ ، وألحق به فصولا تتناول معاني الحسن والجمال وقصص عن الهجر ورسائل الحب وعدد من النوادر والحكم واللطائف والعجائب.
وقد نشأ ضريرا وتشبه بالشاعر أبي العلاء المعري لكنه اجتهد في التعلم وذلك برعاية والده الذي كان من سادات قريتهم ثم رحل في شبابه إلى دمشق وغيرها من بلاد الشام ثم قرر الاستقرار في مصر حيث كانت إقامته بالقاهرة في خلوة بالمدرسة الظاهرية ونال شهرة واسعة في علاج المرضى واتصل بشيوخ وأعيان مصر في زمنه ، وفي العام الأخير من حياته غادر البلاد إلى مكة المكرمة ضيفا على حاكمها حيث توفي فيها.
ومن مؤلفاته الأخرى كتاب النزهة المبهجة في تشحيذ الأذهان وتعديل الأمزجة (في الطب) وكتاب غاية المرام في تحرير المنطق والكلام (في الفلسفة) وكتاب نزهة الأذهان في إصلاح الآبدان (في علم التشريح والأمراض) وكتاب زينة الطروس في أحكام العقول والنفوس (في علم المنطق) وكتاب كفاية المحتاج في علم العلاج (في الصيدلة) ، وله ديوان شعر وألفية في الطب وشرح عينية ابن سينا ورسالة في علم الهيئة ورسالة في الفلك ورسالة في الجبر والمقابلة.
وصفه تلميذه شهاب الدين الخفاجي في كتابه ريحانة الألبا فقال : ” ضرير بالفضل بصير كأنما ينظر إلى خلف ستارة الغيب بعين فكر خبير لم تر العين مثله بل لم تسمع الآذان ولم يتحدث بأعجب منه إذ جس النبض نبضًا لتشخيص مرض أظهر من أعراض الجواهر لكل غرض فيفتن الأسماع والأبصار ويطرب بجس النبض ما لا يطربه جسّ الأوتار يكاد من رقَّة أفكاره يجول بين الدم واللحم لو غضبت رُوح على جسمها ألف بين الروح والجسم فسبحان من أطفأ نور بصره وجعل صدره مشكاة نور فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور “.
وأثنى عليه المؤرخ أحمد بن عيسى فقال : ” الرئيس داود بن عمر الأنطاكي نزيل القاهرة المعزية الشيخ الإمام المميز على مَن له بها المزية المتوحّد بأنواع الفضائل والمتفرِّد بعلوم الأوائل شيخ العلوم الرياضية سيما الفلسفة والعلوم الحكيمة وعلم الأبدان القسيم لعلم الأديان فإنه بلغ فيها الغاية التي لا تُدْرَك وانتهى منها إلى الرتبة التي لا تكاد تُمْلَك مع فضل في جميع العلوم ليس لأحد وراءه فضله وعلم لم يَحْوِ أحدٌ في عصره مثله وأدب يغضّ منه الناظر ويحارُ في وصفه الفكر والخاطر وكانت له خلوة بالمدرسة الظاهرية تجاه البيمارستان يجلس بها نهارًا “.
وتحدث ابن العماد الحنبلي عن خلقه وعلمه فقال : ” وكانت فيه دعابة وحسن سجايا وكرم وخوف من المعاد وخشية من الله كان يقوم الليل إلاَّ قليلاً ويتبتَّل إلى ربه تبتيلاً ، وكان إذا سُئل عن شيء من العلوم الحكمية والطبيعية والرياضية أملى ما يُدهش العقل بحيث يُجيب على السؤال الواحد بنحو الكراسة ومن مصنفاته (التذكرة) جمع فيها الطب والحكمة ثم اختصرها في مجلدة وشرح قصيدة النفس لابن سينا شرحًا حافلاً نفيسًا “.
وقد استهل كتابه تزيين الأسواق بمقدمة جاء فيها : ” بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله الذي اطلع في بروج اعتدال القدود شموس المحاسن والجمال وأهل في منازل السعود بدور اللطائف والكمال وزين أغصان القدود برمان النهود ورياض الوجوه بنرجس اللحاظ وورد الخدود وألف بين ما نظم في الثغور وقلائد النحور وجعل تسريح الأبصار لذوي البصائر ولطافة الأفكار من أسباب الافتتان بتأمل الحسان فنزلهم وإن اختلفت أغراضهم منزلة الأغراض لرشق قسي الحواجب بسهام الألحاظ.
نحمده على تعديل أمزجة فرعها صحة التأمل في حسن التجمل وتصفية نفس لازمها الاستبصار والتبصر في الفرق بين الجهل والتعقل ونصلي ونسلم على من بعث ينهي النفس عن الهوى والإرشاد إلى طريق العدل والاستوا والأمر بإعلاء العقل على النفس وقهر شهوات الجسم وتقييد مدارك الحس فحث على تهذيب النفس الأبية عن الرذائل الدنيئة سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه المتخلقين بأكرم الأخلاق والأوصاف وأجمل اللطافة والعفاف ما نضرت الحدائق ونظرت الحدق وتأنق المفلق وتألق الفلق.
وبعد فلما دل تنويع أصل الإيجاد وتفريع عالم السكون والفساد مع قدرة الموجد على جعل ما أوجد من أصل واحد على سأم النفس من ملازمة الشيء الواحد في كل حال واستراحتها في اختلاف الأطوار بالنظر والانتقال وكان أعظم مطلوب منها تحصيل العلوم التي هي سبب السعادة الدينية وتشييد المباني الشرعية وجب إسعافها بالمفاكهات الأنيقة والأخبار اللطيفة الرشيقة لتنشط من عقال التعب وتستريح فتعود إلى المطلوب منها خفيفة من كل الوصب والنصب وذلك هو العلوم الأدبية كالتواريخ والأخبار ولطائف الحكايات والأشعار.
ولما من الله تعالى علي بعد تحرير العلوم العقلية وتهذيب النفس بالدائق الحكمية بالهجرة إلى الديار المصرية فمثلت بها بين يدي الأماثل وخدمت من سما فيها من أرباب الفضائل من أيضاً سبحانه وتعالى كجاري عوائده السنية بتحصيل ما أمكن من العلوم الشرعية بيد أني رميت في خلال الاشتغال بما شوش الفكر وغير البال وهيج أليم البلبال ، من هموم وحاجة واغتراب .. كدرت مني القوى النفيسه .. فهي في كل ساعة في ازدياد .. غبت منه عن مدرك الحميه .. فأنا وهي في التلازم صرنا .. كالهيولي والصورة الجنسيه ، لا أجد من يفرج الكرب إذا شكوت إليه ولا من أعول إذا ضاق الأمر عليه كان الزمان كما قيل : ففي المساوي يد التساوي .. فلا معين ولا معين.
فغيرت ذلك إدراكي الثاقب فقصرت عن بلوغ المآرب فأعملت الحيلة فيما به أريح النفس وأنفي اللبس في الفكر بعد طول التعب إن امتطى غارب الأدب فارست من الأصحاب من هوله كالعناصر فمال إليه ذهني الفاتر فشرعت في جمع شيء في محاسنه المختلفة وضمها بحيث تكون في الجنس وإن اختلفت بالنوع مؤتلفة فكان أول ما سطرته وأحكمت قواعده وحررته طبقات ذكرت فيها أخبار الحكماء ولطائف الأطباء.
ثم لم أزل أجيل النظر في مجاميع مختلفة إلى أن وقع اختياري على اختصار الأشواق المأخوذ من مصارع العشاق المنسوب إلى أبي بكر محمد بن جعفر البغدادي السراج رحمه الله فإنه وإن كان قد جمع فيه بين جد القول وهزله وظرائف نكت العشق وأهله ورقيق اللفظ وجزله إذ هو صنيعة وحيد زمانه ورئيس أقرانه وواحد عصره ونادرة دهره مولانا أبي الحسن إبراهيم بن حسن بن عمر الرباط الشهير بالبقاعي تغمده الله برضوانه وأسكنه فسيح جنانه.
إلا أنه كتاب طال في غير طائل وجمع ما لا حاجة بهذه الصناعة إليه من المسائل كذكر الأسانيد والتكرار الذي هو شأن الأحاديث النبوية لتوثيق الأحكام الدينية كالإخلال بمحاسن الأخبار ولطائف الأشعار التي هي بهذا الفن أعلق من الجوى بأهل الهوى وعدم الترتيب المستلزم لاختلال التهذيب وكالأعراض عن ذكر غالب أسباب وقوع بعض العشاق في شرك الحب إلى غير ذلك مما يظهر لمتأمل كتابنا مع أصله إذا طرح الهوى وانتظم في سلك الانصاف وأهله.
فألفت هذا الكتاب الذي هو في قلادة هذا الفن درة بيضاء وفي جبهة جواده غرة غراء أكملت فيه فوائده ورددت شوارده وأضفت ما نبذه ظهريا ولم آت شيا فريا فزاد على أصله بأمور إثني عشر أحدها وهو الأعظم تبديل ما في الباب العاشر الذي سماه بالشارع الجامع لما في المصارع بما هو خليق بهذا الاسم وجدير بهذا الرسم ضمنته ما حل مما تقدمه محل الأصول من الفروع كجعلك الغيرة أصلاً لنحو حكاية ديك الجن وكتم الأسرار لنحو صاحب الجارية في عرفة وتأمل الخيال لنحو من عشق في نومه إلى غير ذلك.
وجمعت فيه ديوان الصبابة وغيره وهو نمط ما بسط قبل وثانيها حسن التقسيم في الأبواب وثالثها لطف الترتيب وضم الأنواع المتماثلة ورابعها حذف الأسانيد والتكرار مع ذكر ما اختلف بإشارات كان وقيها وخامسها ذكر السبب الموقع لصاحب الحكاية فيها وسادسها تمييز من جهل شيء من أحواله ممن علم بسائر أقواله وأفعاله وسابعها تفصيل من علق الأحرار من أهل الرق والمسلمين من أهل الشرك وأمثال ذلك من قديم ومحمد وثامنها ذكر ما في الأصل من الألفاظ اللغوية مفسراً ذلك بازائه مبدلاً ذلك بأوضح منه وتاسعها شرح ما في الأشعار من الغريب.
وعاشرها تعليل الأسباب المتعلقة بهذا الفن بالعلل الحكمية مأخوذاً من الأصول والأدلة الفلسفية والقواعد الطبية وحادي عشرها ذكر تعلق هذا الفن بأنواع المواليد الثلاثة وكيفية دخوله فيه وثاني عشرها الزيادات في الأبواب فربما كانت أنواعاً مستقلة وتكميلاً لما وجد بعضه في الجملة وربما زاد عليه بأشياء غير المذكورة في مطاوي معانيه فترعن استحضارها الذهن هنا كل ذلك مما استخرجه فكري القاصر وذهني الفاتر أو ظفرت به في كتب ربما أسمى بعضها فيه هذا كله مع إني والله لم أخل في يوم من أيام عمله في مشوش طارىء على ما عندي لها سبقت الاشارة إلى ذكره.
ولما كمل واتسق وانتظم في أكمل نسق سنه بتزيين الأسواق بتفصيل أشواق العشاق ورتبته على مقدمة وخمسة أبواب وخاتمة والله المسؤول أن ينفع به فيما قصد بترتيبه وأن يوفقنا إلى أصح القول وتهذيبه أنه أكرم من أعطى المراد وسئل فجاد فالمقدمة فيما جاء فيه من الأخبار والآثار ويلي ذلك أربعة فصول الأول في الترغيب فيه والثاني في رسمه والثالث في مراتبه والرابع في علاماته.
والباب الأول في مصارع محبي الله تعالى وفيه فصل ميزنا فيه من قتله التذكر بنحو سماع آية ، والباب الثاني في عشاق الجواري وهو ستة أقسام الأول فيمن اشتهر الثاني فيمن جهل ، الثالث في عشاق الإماء ، الرابع فيمن حظي بالتلاق بعد تجرع كأس من الفراق ، الخامس فيمن وسموا بالفساق من العشاق ، السادس فيمن نكث الصحبة وحل عقد المحبة وفي كل أقسام أصناف وأنواع بحسب ما احتمله المقام من صحة الانقسام.
والباب الثالث في عشاق الغلمان ، وهو أربعة أقسام الأول فيمن استلب الهوى نفسه ، الثاني فيمن جهل حاله ، الثالث فيمن ظفر بمطلوبه ، الرابع فيمن منعه الزهد والعبادة أن يقضي مراده وألحقت ذلك بخاتمة تشتمل على ذكر دوا للسلو عن الهوى ، والباب الرابع في ذكر دخول العشق فيما سوى البشر وهو نوعان الأول في الجن والثاني في الحيوان والنبات والمعدن والعناصر والأفلاك.
والباب الخامس قد اشتمل على فصول كل فصل منها قد احتوى على النكت والعجائب واللطائف والغرائب من أصول هذه الصناعة وقد ألزمت نفسي أن أفتح كل فصل منه بكلام استاذ الحقيقة ورئيس أهل الطريقة مسكت كل لافظ ومبين ما في الطريق من القواطع والعوارض سيدي عمر بن الفارض غمرنا الله تعالى ببركاته وطيبنا بنفحاته متبعاً ذلك بما تيسر من حل ألفاظه حسب ما سنح في الذهن.
ثم أقول بعد انتهاء متعلق الطريقة رجع إلى كلام المترسمين من أهل الظاهر واختم الفصل بما سمعت به القريحة الفاترة والفكرة القاصرة من لطائف النظم المناسب لما ذكر عن أهل الصناعة هنالك واتبعت الفصول بتتمة في لطائف الغزل الخاص والعام وتقسيم ذلك ، وأما الخاتمة ففي لطائف ونكت متفرقة لا التزم تعلقها بالعشق وبها يتم الكتاب “.
ذكره المحبي في كتابه خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر فقال : ” الْحَكِيم دَاوُد بن عمر البصير الأنطاكي نزيل الْقَاهِرَة الْحَكِيم الطَّبِيب الْمَشْهُور رَأس الْأَطِبَّاء فِي زَمَانه وَشَيخ الْعُلُوم الْحكمِيَّة وأعجوبة الدَّهْر ذكره أَبُو الْمَعَالِي الطالوي فِي سانحانه وَأطَال فِي توصيفه ثمَّ قَالَ وَقد سَأَلته عَن مسْقط رَأسه ومشتعل نبراسه فَأخْبر أَنه ولد بأنطاكية بِهَذَا الْعَارِض وَلم يكن لَهُ بعد الْولادَة بِعَارِض قَالَ ثمَّ إِنِّي بلغت من السن عدد سيارة النُّجُوم وَأَنا لَا أقدر على أَن أنهض وَلَا أقوم لعارض ريح تحكم فِي الأعصاب منع قوائمي من حَرَكَة الإنتصاب.
وَكَانَ وَالِدي رَئِيس قَرْيَة سَيِّدي حبيب النجار لَهُ كرم وخيم وَطيب نجار فَاتخذ قرب مَزَار سَيِّدي حبيب رِبَاطًا للواردين وَبني فِيهِ حجرات للْفُقَرَاء والمجاورين ورتب لَهَا فِي كل صباح من الطَّعَام مَا يحملهُ إِلَيْهَا بعض الخدام وَكنت أحمل فِي كل يَوْم إِلَى صحن الرِّبَاط فأقيم فِيهِ سَحَابَة يومي ويعاد بِي إِلَى منزل وَالِدي عِنْد نومي وَكنت إذ ذاك قد حفظت الْقُرْآن ولقنت مُقَدمَات تثقيف اللِّسَان وَأَنا لَا أفتر فِي تِلْكَ الْحَال عَن مُنَاجَاة قيم الْعَالم فِي سري ومبدع الْكل فِيمَا إِلَيْهِ تؤول عَاقِبَة أَمْرِي.
فَبينا أَنا كَذَلِك إِذا بِرَجُل جَاءَ من أقْصَى الْمَدِينَة يسْعَى كَأَنَّهُ ينشد ضَالَّة أَو أضلّ الْمَسْعَى فَنزل من الرِّبَاط بساحته وَقضى فِيهِ أَثوَاب سياحته فَإِذا هُوَ من أفاضل الْعَجم ذُو قدر منيف يدعى بِمُحَمد شرِيف فَبعد أَن ألْقى فِيهِ عَصا التسيار وَكَانَ لَا يألف منزلا كَالْقَمَرِ السيار استأذنه بعض المجاورين فِي الْقِرَاءَة عَلَيْهِ وابتدأ فِي بعض الْعُلُوم الإلهية فَكنت أسابقه إِلَيْهِ فَلَمَّا رأى مَا رأى مني استخبر مِمَّن هُنَالك عني فأجبته وَلم يَك غير الدمع سَائِلًا ومجيبا.
فَعِنْدَ ذَلِك اصْطنع لي دهنا مسدني بِهِ فِي حر الشَّمْس ولفني بلفافة من فرقي إِلَى قدمي حَتَّى كدت أفقد عَن الْحس وتكرر مِنْهُ ذَلِك مرَارًا من غير فَاضل فمشت الْحَرَارَة الغريزية فِي كالحميا فِي المفاصل فبعدها شدّ من وثاقي وفصدني من عضدي وساقي فَقُمْت بقدرة الوَاحِد الْأَحَد بنفسي لَا بمعونة أحد وَدخلت الْمنزل على وَالِدي فَلم يَتَمَالَك سُرُورًا وانقلب إِلَى أَهله فَرحا مَسْرُورا فضمني إِلَى صَدره وسألني عَن حَالي فَحَدَّثته بِحَقِيقَة مَا جرى لي فَمشى من وقته إِلَى الْأُسْتَاذ وَدخل حجرته وشكر سَعْيه وأجزل عطيته فَقبل مِنْهُ شكره واستعفاه بره وَقَالَ إِنَّمَا فعلت ذَلِك لما رَأَيْت فِيهِ من الْهَيْئَة الاستعدادية لقبُول مَا يلقى إِلَيْهِ من الْعُلُوم الْحَقِيقِيَّة.
فابتدأت عَلَيْهِ بِقِرَاءَة الْمنطق ثمَّ اتبعته بالرياضي فَلَمَّا تمّ شرعت فِي الطبيعي فَلَمَّا أكملت اشَرّأَبَت نَفسِي لتعلم اللُّغَة الفارسية فَقَالَ يَا بني إِنَّهَا سهلة لكل أحد وَلَكِنِّي أفيدك اللُّغَة اليونانية فَإِنِّي لَا أعلم الْآن على وَجه الأَرْض من يعرفهَا أحد غَيْرِي فأخذتها عَنهُ وَأَنا بِحَمْد الله الْآن فِيهَا كَهُوَ إِذْ ذَاك ثمَّ مَا برح أَن سَار كالبدر يطوي الْمنَازل لدياره وانقطعت عَنى بعد ذَلِك سيارة أخباره ثمَّ جرت الأقدار بِمَا جرت وخلت الديار من أَهلهَا وأقفرت بتنكرها عَليّ لانتقال وَالِدي واعتقال مَا أحرزته من طريفي وتالدي فَكَانَ ذَلِك دَاعِيَة المهاجرة لديار مصر والقاهرة.
فَخرجت عَن الوطن فِي رفْقَة كرام لؤم بعض المدن من سواحل الشَّام حَتَّى إِذا صرت فِي بعض ثغورها المحمية دعتني همة علية أَو علوِيَّة أَن أصعد مِنْهُ جبل عَامله فصعدته مَنْصُوبًا على الْمَدْح وَكنت عَامله وَأخذت عَن مشايخها مَا أخذت وبحثت مَعَ فضلائها فِيمَا بحثت ثمَّ ساقتني الْعِنَايَة الإلهية إِلَى أَنِّي دخلت حمى دمشق المحمية فاجتمعت بِبَعْض علمائها من مَشَايِخ الْإِسْلَام كَأبي الْفَتْح مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عبد السَّلَام وكشمس علومها الْبَدْر الْغَزِّي العامري ذَلِك الإِمَام وَالشَّيْخ عَلَاء الدّين الْعِمَادِيّ.
ثمَّ لم ألبث أَن هَبَطت مصر هبوط آدم من الْجنَّة لما وَجدتهَا كَمَا قَالَ أَبُو الطّيب ملاعب جنه فَكَأَنَّهَا مغاني الشّعب وَأَنا المعني فِيهَا بقوله : وَلَكِن الْفَتى الْعَرَبِيّ فِيهَا .. غَرِيب الْوَجْه وَالْيَد وَاللِّسَان ، تنبو عَن قبُول الْحِكْمَة فِيهَا طباع الرِّجَال نبو قيناتهم الحسان لحى شيب القذال ترى نفرة أحدهم عَن كمالهم السرمد نفرة الظلام رأى الظلام فجود ثمَّ تمثل بقول الْقَائِل : مَا مقَامي بِأَرْض نحلة إِلَّا .. كمقام الْمَسِيح بَين الْيَهُود .. أَنا فِي أمة تداركها .. الله غَرِيب كصالح فِي ثَمُود.
هَذَا مَا طارحني بِهِ فِي بعض مطارحاته وحَدثني فِي جملَة مسامراته ، وَكَانَ فِيهِ دعابة يؤنس بهَا جليسه كَيْلا يعرف الوحشة أنيسه إِلَى حسن سجايا كالرياض بكتها الأمطار فَضَحكت ثغور أقاحها عَن باسم الْأَنْوَار وكرم نجار وَطيب وخيم تعرف فِي وَجهه نَضرة النَّعيم وَأما فرقه من الْمعَاد وخشيته من رب الْعباد فَلم ير لغير من أهل هَذَا الطَّرِيق وَأَصْحَاب أُولَئِكَ الْفَرِيق وَكَثِيرًا مَا يتَمَثَّل بِهَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ وهما لعبد الله طَاهِر بن الْحُسَيْن : إلْام تطيلي العتب فِي كل سَاعَة .. فَلم لَا تملين القطيعة والهجرا .. رويدك إِن الدَّهْر فِيهِ كِفَايَة .. لتفريق ذَات الْبَين فانتظري الدهرا.
وَكَانَ إِذا سُئِلَ عَن شَيْء من الْفُنُون الْحكمِيَّة والطبيعية والرياضية أمْلى السَّائِل فِي ذَلِك مَا يبلغ الكراسة والكراستين كَمَا هُوَ مَشْهُور مثل ذَلِك عَن الشَّيْخ الرئيس أبي عَليّ بن الْحُسَيْن ، فَمن ذَلِك مَا شاهدته وَهُوَ بحجرته الظَّاهِرِيَّة وَقد سَأَلَهُ رجل عَن حَقِيقَة النَّفس الإنسانية فأملى على السَّائِل رِسَالَة عَظِيمَة فِي ذَلِك وعرضها عَلَيْهِ ، وَله من التآليف والرسائل والأشعار المزرية بروض الخمائل مَا هُوَ بأيدي النَّاس مألوف عِنْد أربابه من الْفُضَلَاء مَعْرُوف فَمن ذَلِك الْكتاب الَّذِي صنفه وَسَماهُ بتذكرة أولي الْأَلْبَاب وَالْجَامِع للعجب العجاب جمع فِيهَا الطِّبّ وَالْحكمَة وَهِي بأيدي النَّاس شهيرة ثمَّ اختصرها لقُصُور الهمم فِي مُجَلد.
وَله كتاب الْبَهْجَة فِي مجلد والدرة المنتخبة فِيمَا صَحَّ من الْأَدْوِيَة المجربة وَله رِسَالَة فِي الْحمام ألفها باسم الْأُسْتَاذ الْبكْرِيّ وَشرح قصيدة النَّفس الْمَشْهُورَة للشَّيْخ الرئيس ابْن سينا وَهُوَ شرح فصل فِيهِ حَقِيقَة النَّفس وجوهرها النفيس يُرْضِي السَّائِل وان كَانَ هُوَ الشَّيْخ الرئيس وَله قِطْعَة منظومة فِي هَذَا الْمَعْنى تشعر باعتراض فِيهَا على الشَّيْخ وَهِي : من بَحر أنوار الْيَقِين بحسنها .. فلوصل اَوْ فصل تنوب كَمَا ادّعى .. أَو للكمال فهيكل لَا ترتضى .. للمطلق الثَّانِي يَصح لأَرْبَع .. هبه يَصح فقدره من أوج مَا .. قدست يكمل بالحضيض البلقع .. تالله مَا هَبَطت وَلَكِن أهبطت .. فبقسر أَو بِالِاخْتِيَارِ لمن يعي .. وَعَلَيْهِمَا تتبدد الأحيان أَو .. تفنى فَتدخل فِي الْمحل المفقع.
قلت وَله فِي التَّذْكِرَة فصل عقده لدَعْوَة الْكَوَاكِب وَهُوَ الَّذِي فتح عَلَيْهِ بَاب الوقيعة حَتَّى استهدفه كثير من النَّاس بسهام الذَّم يذكر مُنَاجَاة الْكَوَاكِب وَالسُّجُود لَهَا فان وَقع فِي وهمك شَيْء من الْإِنْكَار فطالع ذَلِك الْفَصْل من أوّله تَجدهُ قد قَالَ وَمِنْهُم من يتَوَصَّل إِلَى خطاب الْأَرْوَاح بدعوات الْكَوَاكِب ودخنها وَفِيه إخلال بنواميس شرعنا لَا يملكهَا إِلَّا من يخرقه وحاشا أَن مثل هَذَا الْأُسْتَاذ يرضى لنَفسِهِ خرق الشَّرِيعَة وَإِنَّمَا ذكر مثل هَذَا فِي كِتَابه ليَكُون مُشْتَمِلًا على فنون شَتَّى.
وَله من المؤلفات الشَّرْح الْمَذْكُور سَمَّاهُ الْكحل النفيس لجلاء عين الرئيس وَله غَايَة المرام فِي تَحْرِير الْمنطق وَالْكَلَام وَهَذَا الاسم للْإِمَام الْآمِدِيّ لَهُ كتاب سَمَّاهُ غَايَة المرام فِي علم الْكَلَام وَله نزهة الأذهان فِي إصْلَاح الْأَبدَان وَله زِينَة الطروس فِي أَحْكَام الْعُقُول والنفوس وَله الفية فِي الطِّبّ وَله نظم قانونجك وَله شرح على النّظم الْمَذْكُور وَله شرع على أَبْيَات السهروردي الَّتِي أَولهَا : خلعت هيا كلهَا بجرعاء الْحمى .. وصبت لمغناها الْقَدِيم تشوّقاً.
وَله مُخْتَصر أسواق الأشواق للبقاعي سَمَّاهُ تَزْيِين الْأَسْوَاق وَله رِسَالَة فِي الْهَيْئَة وَله كِفَايَة الْمُحْتَاج فِي علم العلاج قلت وَهَذِه زِيَادَة على تأليفه الَّتِي ذكرهَا الطالوي ، وَقد ذكره البديعي فِي ذكرى حبيب فَقَالَ فِي وَصفه ضَرِير مَاله فِي الْعُلُوم الْحكمِيَّة نَظِير وطبيب مَاله فِي الْأَزْمِنَة الغابرة ضريب حَكِيم صفت من قذى الْخَطَأ موارد أنظاره وَصحت عَن غمام الأوهام آفَاق أفكاره حل عقد المشكلات بِمَا قَيده وبيض وَجه الْعُلُوم الرياضية بِمَا سوده بآثار تَقْتَضِي إِثْبَات محاسنه بالتخليد وَتَقْيِيد مآثره للتأبيد.
وَكَانَ ملازما لكتاب اخوان الصَّفَا وخلان الوفا للمجريطي ولكتابيه رُتْبَة الْحَكِيم وَغَايَة الْحَكِيم وَمن كتب الشَّيْخ القانون والشفا والنجاة وَالْحكمَة الشرقية والتعليقات ورسالة الأجرام السماوية والإشارات مَعَ شَرحه لنصير الدّين الطوسي وَللْإِمَام فَخر الدّين الرَّازِيّ والمحاكمات بَينهمَا لقطب الدّين الرَّازِيّ وحواشيه للسَّيِّد وَمن كتب السهروردي الْمَشَارِق والمطارحات وَكتاب التلويحات وَشَرحه لهبة الله الْبَغْدَادِيّ ، وَكَانَ شرِيف مَكَّة يلهج بتذكاره ويستهدي من الْحجَّاج تفاريق أخباره وهزه الشوق على أَن استقدمه عَلَيْهِ واستحضره إِلَيْهِ ليجعل السماع عيَانًا وَالْخَبَر برهانا.
وَله شعر كثير لَكِن لم يذكر له الَّذين ترجموه إِلَّا أبياته الْمَشْهُورَة وَهِي : من طول أبعاد ودهر جَائِر .. ومسيس حاجات وَقلة منصف .. ومغيب ألف لَا اعتياض بِغَيْرِهِ .. شط الزَّمَان بِهِ فَلَيْسَ بمسعف .. أوّاه لَو حلت لي الصَّهْبَاء كي .. أُنْثَى فأذهل عَن غرام متْلف ، قد فحصت لَهُ عَن غير هَذِه الأبيات العينية الْمُتَقَدّمَة فَلم أظفر بِشَيْء وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّهُ من نَوَادِر الزَّمَان وأعاجيب الدوران وَكَانَت إِقَامَته بِمَكَّة دون السّنة وَمَات بهَا فِي سنة ثَمَان بعد الْألف هَكَذَا ذكره الشلي وَكَانَ مرض مَوته الإسهال عَن تنَاول عِنَب وَبَعْضهمْ يزْعم أَنه سم وَالله أعلم “.

14 / ديوان الأصيلي
الأصيلي هو اللقب الذي عرف به الشاعر والمنشد ومؤلف الأغاني يحيى بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن أَحْمد الاصيلى الدمياطي المصرى الذي ولد في دمياط وعاش في القاهرة وتوفي في مكة المكرمة عام 1010 هـ / 1601 م أثناء رحلته إلى الحج ، والأصيلي نِسْبَة لجده الأعلى الفقيه أصيل الدّين أَحْمد بن على بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عُثْمَان بن أَيُّوب من أعيان دمياط ، تتلمذ على يد الشاعر نور الدين العسيلي ثم صار من خواص جلساء الشيخ محمد البكري ثم من المقربين من حاكم مكة الشريف حسن بن أبي نمي.
وصفه شهاب الدين الخفاجي في كتابه ريحانة الألبا فقال : ” أديب ماهر وشاعر ساحر عبقت بالديار المصرية أنفاسه الندية الندَية بطبع يعبر عيون الحور سحره ويفضح رقة الصبا إذا أنبهت جفون الأنوار سحره ، نشأ بدمياط وقد ابتسم بمحياه ثغرها ودرت عليه سحائب نعمها فلله درها ثم هاجر لمصر وعود شبابه خضر وروض محاسنه بماء الصبا بهيج نضر فَتخرج بِالنورِ العسيلى حَتَّى حلا فى ذوقه شهد آدابه وتزينت حقاق أفكاره بفرائد خطابه ، وَكَانَ يتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ ويقري بِصَوْتِهِ الْحسن الآذان وله أنفاس في الغناء تميت الهموم وتحيي الطرب وترشف منها الآذان ما تسكر منه ابنة العنب.
فإذا ترنم في نادي سادة أعيان فكأنه نسيم الصبا والقوم أغصان فأنفاسه أطرب من عود وذكره الجميل أطرب من عود ، فإن العود مشتق من العود بإتقان .. فهذا طيب آناف وهذا طيب آذان ، ولم يزل بعد العسيلي يدير سلافة اللطافة وما برح بديوان محل خلافة لا يرضى خلافه يقطف ثمرات المنى ويقيل تحت ظلال الهنا حتى مد له في الغنى مع ما له في فنون العلم والآداب من المآرب ، فلله منه جانب لا يضيعه .. وللهو منه والخلاعة جانب ، مع أنه خفيف الروح خفيف الشقة على سائر الناس فمحبته تجري مع الأنفاس ، وإذا أحب الله يوما عبده .. ألقى عليه محبة الناس “.
ومن أشعاره قصيدة يمدح بهَا الاستاذ مُحَمَّد البكرى حيث يقول : أَلا ان لى يَا آل صديق أَحْمد .. لشمس هدى مِنْكُم بِهِ الكرب ينجلى .. فلى مِنْهُ أستاذ ولى مِنْهُ مرشد .. ولى مِنْهُ قطب ذُو اتِّصَال ولى ولى ، وَقَوله أتيت جنينة أستاذنا .. وَقد جمعت كل معنى كمل .. بهَا أى ورد وآس بِهِ .. تفرق شَمل عداهُ وف.
وَكتب الى مُحَمَّد الصالحى يَسْتَأْذِنهُ فى الدُّخُول عَلَيْهِ لانه كَانَ شَدِيد التوحش فقال : على الْبَاب من كَاد من شوقه .. يَمُوت وَذَلِكَ يحيى الاصيلى .. أَتَى يتَغَنَّى بأوصافكم .. فَهَل تأذنون لَهُ فى الدُّخُول ، فَأَجَابَهُ : لمولاى يحيى رَقِيق الطباع .. ولطف السماع وَحسن الْقبُول .. أمولاى هَل خَارج صوتكم .. لتحتاج للاذن وَقت الدُّخُول.
وَكتب لخاله بالاسكندرية يَقُول : لخالى فى الاسكندرية رَغْبَة .. وَمن بعده قد حَال لى فى الْهوى حَال .. فان يَك أضحى ثغرها موطنا لَهُ .. فيا حبذا فى ذَلِك الثغر لى خَال ، وَله : رِسَالَة من لطفها أشبهت .. ريح الصِّبَا مرت بزهر الرِّبَا .. وَلم يزل مَا بَين أهل الْهوى .. رسائل العشاق ريح الصِّبَا.
وقد ذكره ابن معصوم الحسيني في كتابه سلافة العصر في محاسن الشعراء بكل مصر فقال : ” الشيخ شرف الدين يحيى الأصيلي المصري ، شاعر ناط شعره بالشعرى وقلد جيد الدهر دراً سماه شعراً يسخر انتساق نظامه بالعقد الثمين وتتلوا السن سامعيه إن هذا إلا سحر مبين ، وكم فصل ببيانه من الأدب مجملاً شعر ألذ من السلوى وأطيب نفحة من المسك مفتوقاً وأيسر محملاً إلي رقة طبع وخفة روح ودماثة أخلاق تؤسى بها الجروح ومجون يسلب الحليم ثوب وقاره وينسى الخليع كاس عقاره وتعلق بفنون الألحان يدير بها من سلاف الطرف ما يهزء بسلاف ألحان فإذا غدا مترنماً أطرب الناطق والجماد واهتز له عطف السامع ارتياحاً وماد.
ولم يزل موفور الجاه بالديار المصرية لا سيما عند المشايخ البكرية حتى قصد الحج لأداء الفرض وطوى لمشاهدة تلك المشاهد مهامة الأرض ، فلما قضى مناسكه وتفته ولم من وعثاء السفر شعثه طافت به المنية طوافه بتلك البنية فانتقل من جوار بيت الله وحرمه إلى مقر رحمته وكرمه وذلك لثمان خلون من محرم الحرام سنة إحدى وألف ، وقد أثبت له ما يروق السامع والناظر ويحسد أزهاره الروض الناضر فمنه قوله :
لي في المحبة عن ملام العاذل .. بجمال من أهواء أشغل شاغل .. أثرت عيوني بالسهاد وإنما .. دمعي الذي أضحى بوصف السائل .. إن غردت ورق الحمائم جددت .. شوقاً أهاج من الغرام بلابل .. يأبى غزال أرض نجد داره .. لكن لواحظه عزين لبابل .. لدن المعاطف رق موشف ثغره .. فأعجب له من ذايل في ذابل .. ولحاظه حفت بأصداغ فيا .. لله من سيف سطا بحمايل .. تتطاول الأغصان تحكي قده .. وإلى التناهي مرجع المتطاول .. أعيا الفصيح نبات عارضه فقل .. قس الفصاحة من أسارى باقل.
وله من قصيدة : بدا بوجه جميل الوصف والشان .. يقول سبحان من بالحسن وشاني .. كأنه روضة غناء مزهرة .. من دمع عاشقها تسقي بغدران .. أشبهت في حبه ورق الحمى ففدا .. كل يبيت الجوى شجواً على البان ، منها : تقول أعطافه لما نشبهها .. بالرمح من قال إن الرمح حاكاني .. عطفاي حلوان مما أينعا ثمراً .. فكيف تحكيهما أعطاف مران.
وقوله فيمن اسمها شمس الضحى مورياً باسمه : لما وفت شمس الضحى لي .. موعدي وشفت غليلي .. ما هدت أي عجيبة .. شمس الضحى عند الأصيل ، وقوله في عرب العشير وأجاد في التورية : عن العشير أبعد وكن سالماً .. وكن فتى بالبعد عنهم مشير .. عاشرت منهم واحداً خانني .. عهدي وميثاقي فبئس العشير ، وقال في مليح يعرف بالمنهلي : يناديك جيد المنهلي إذ أبدا .. تنقل فلذات الهوى في التنقل .. وقالت لنا أصحابه في مقاله .. ورد كل صاف لا تقف عند منهل.
وقرأت في تذكرته ما نصه قال كنا بخدمة الاستاذ محمد البكري بمنزلة ببولاق أنا وجماعة من فقرائه وذوي ولائه فأرسل لكل واحد حصة من الرمان وكنت أنا قد ظهرت من المنزل لقضاء حاجة فلما حضرت أخبرت بذلك فكتبت إليه : مولاي يا أكرم الأنام ومن .. بحار جدوى نداه منصبّه .. قد جاء رمانك الورى جملاً .. والعبد ما جاءه ولا حبه ، فأرسل منه جملة وافرة وكتب مجيباً : نأمر بالقلب واللسان بما .. يفيض منه غيث العطا صبه .. فليس هذا الفقير يعرف من .. ابتاعه مثلكم غدا صبه .. فاعذر فلا عتب في الحساب على .. مخطي محسوبة ولا حسبه
فانظر إلى حسن قوله نأمر بالقلب فإنه رمان ثم قال لي احتفظ هذه الرقعه فإنها لك غاية الرفعه وهي تشهد علي باعترافي أني لا أعرف أحداً من أتباعي يحبني كمحبتك ويودني كمودتك ، وقال أيضاً كنت أنا وشيخنا العلامة نور الدين العسيلي جالسين عنده وقد ذكر في المجلس جماعة من أفاضل الدهر وأدباء العصر توفوا في مدة قريبة كالعلامة الفارضي والشهاب النسفي والبرهان المبطل وخلائق آخرون فأنشد بديهة : أقول وقد قيل لي كم مضى .. أديب له حسن نظم جليل .. دعوا كل ذي أدب ينقضي .. ويحيى العسيلي ويحيى الأصيلي .. إن الاشارات للعلم العزيز حوت .. وحازت الرفع مثل المفرد العلم .. وإن تقل مادحاً في نعتها كلما .. ففي الاشارات ما يغني عن الكلم.
وقال اقترح على مولانا الشيخ شهاب الدين أحمد النسفي المالكي أن أنظم بيتين من بحر المديد عند ما وصلت في القراءة عليه إلى هذا الموضع من عروض ابن الحاجب وشرحها لابن واصل : وجنة المحبوب ذات احمرار .. من لظى القلب استعار استعارا .. فلهذا صار قلبي كليماً .. حيث من خديه آنست نارا .. وقال في كتاب إلى الشريف حسن بن أبي نمي سلطان الحجاز .. أيد الله تعالى سيداً .. كاملاً في سره والعلن .. بدر فضل أشرقت أنواره .. من ذرى الشام لأقصى اليمن .. من حوى رق المزايا والعلى .. وشرى المجد بأغلى ثمن .. مجده من ذاته من أصله .. حسن من حسن من حسن “.

15 / دفع الإصر عن كلام أهل مصر
من أهم الكتب التي تناولت اللهجات العامية المصرية وعلاقتها باللغة العربية في عصر العثمانيين هو كتاب (دفع الإصر عن كلام أهل مصر) والذي كتبه الأديب والشاعر جمال الدين أبو المحاسن يوسف بن زكريا بن الحربي المغربي المتوفي في القاهرة عام 1019 هـ / 1611 م ، وقد تناول فيه آلاف المفردات العامية وبحث في أصلها اللغوي ومن أشهرها كلمات صابون وطابونة وضاني وعربون وفنجان وزبون ونني ورزمة وعباية والنواتية ولبان وبجم وكذلك بعض الأفعال مثل استنى بمعنى انتظر وخبى بمعنى أخفى وهري بمعني استهلك وكركر بمعنى ضحك.
وقد رتب المؤلف الألفاظ العامية في كتابه وفق حروف المعجم وذكر ذلك في مقدمته فقال : ” فقصد الفقير يوسف المغربي أدخله الله في شفاعة النبي العربي أن يرتب هذا الكتاب على أبهج ترتيب ويهذب ما يقع من عوام أهل مصر بأن يرجعه للصواب وهذا هو التعريب مغترفا من القاموس والعباب مبينا لما حكم بخطئه أنه صواب ، وسميته دفع الإصر عن كلام أهل مصر ، مصليا ومسلما على خلاصة العرب المرتقى إلى عروباء وهي السماء السابعة في ليلة العروبة وهي الثامنة من هذا الشهر أو التاسعة وهو شهر شوال وبهديه سنة 1014 هـ “.
وقد ولد المؤلف في القاهرة لأسرة ذات جذور مغربية كانت تشتغل بصناعة حمائل السيوف لكنه شغف منذ صباه بطلب العلم فتتلمذ على شيوخ عصره ومنهم الشيخ نجم الدين محمد بن أحمد الغيطي السكندري المالكي المتوفي عام 984 هـ والشيخ المحدث الحجة عز الدين أبو النجا سالم بن محمد السنهوري المصري المتوفي عام 1015 هـ والشيخ الفقيه الأديب محمد بن محمد بن عبد الرحمن البكري المتوفي عام 993 هـ والشيخ الأديب نور الدين علي بن محمد العسيلي المتوفي عام 994 هـ والشيخ الأديب يحيى بن محمد الأصيلي المتوفي عام 1010 هـ.
ومنهم الشيخ زين العابدين بن محمد بن علي البكري الصديقي الشافعي المتوفي عام 1013 هـ والشيخ أبو الدهب بن محمد بن علي بن عبد الرحمن البكري الصديقي المتوفي عام 1037 هـ والشيخ نور الدين علي بن محمد بن غانم الخزرجي المقدسي الحنفي المتوفي عام 1004 هـ وهو إمام الحنفية في عصره والذي أعجب بمؤلفات المغربي وأعطاه مكافأة مالية على كتابه مذهبات الحزن ، وتزوج المؤلف من شقيقة الشيخ محب الدين العطار وله منها ذرية واشتغل بنسخ الكتب وأتقن اللغات التركية والفارسية وترجم روزنامة الملا الشيرازي.
وقد كتب المؤلف عدة كتب أدبية أخرى منها ديوانه الشعري المعروف باسم (الذهب اليوسفي والمورد العذب الصفي) وكتاب بغية الأريب وغنية الأديب وكتاب أزهار البستان ترجمة الكلستان (ويعرف باسم الكلستان العربي) وكتاب الأغاني الصغير وكتاب الألمعية في الألفاظ الأدبية وكتاب البدر المنير نظم أحاديث الجامع الصغير وكتاب تخميس لامية ابن الوردي وكتاب ترجمة المربعات التركية وكتاب تكملة نظم التاريخ للباغوني وكتاب المثلثات وكتاب مذهبات الحزن في الماء والخضرة والوجه الحسن وكتاب نظم درة الغواص للحريري.
ويحكي المؤلف في ثنايا الكتاب عن فترة شبابه المبكر وعمله مع عائلته واجتهاده في طلب العلم حيث جاء فيه : ” قال الفقير مصنف الكتاب أن من التحدث بالنعمة ما سأقوله وهو أنني كنت أصنع حمائل السيف في حال الصغر ومكثت سنين على ذلك حتى أحكمت صناعتها ولم يكن في مصر غير بيتنا .. وهي عرض ستة أصابع من حرير يعلوه القصب على أشكال كثيرة.
وذلك بعد موت الوالد ودفن في البقيع الشريف وجئت لمصر رأيت أخوالي يصنعونها وعلموني ففتح الله علي فيها ولا أحاسبهم بالأجرة بل أقنع منهم بالقوت والكسوة يجمعون منها كل عام ما يساوي ألفين دينارا إلى أن تأتي قافلة السودان يباع الجميع ، ومع شغلي أتلو القرآن العظيم وأقرأ في سبع بجامع طولون من المغرب إلى العشاء فكنت في أثناء القرآن أتأمل اختلاف الحركات في الكلمات ولم تكون هذه الكلمة مرفوعة والأخرى منصوبة إلى غير ذلك.
فسألت عن ذلك إمام الجامع وهو مولانا الشيخ شعيب جزاه الله عني خيرا فقال لي : إذا اشتغلت بالنحو نصف سنة علمت ذلك خصوصا إن حفظت شيئا من ألفية ابن مالك ، وأعطاني إياها فكتبت منها لوحا وصرت أقرأ فيه ليلا ، فمنعني أحد أخوالي عن ذلك وقال : ما في أقاربنا علماء تطلع عالم لمن ؟ ، وصار ينهرني ويقيمني من القراءة ليلا لئلا أنعس نهارا فلا أشتغل كثيرا فإنه تغلب عليه حب الدنيا فلا زلت أقرأ خفية بعد نومه حتى حفظت الألفية تماما.
فقدر الله أنهم جمعوا من الحمائل ما يساوي ألوفا من الدنانير ثلاثة ولم تأت قافلة كبيرة فعزموا على السفر للسودان لأجل بيعها وطلبوا أن أكون معهم فأظهرت إذ ذاك حفظي للألفية وشيء من الرسالة واتفق أن ساعدني جمع من الناس على أنهم يتركونني بمصر أشتغل بالعلم ، وكان خالي يوسف رحمه الله يحب لي ذلك فقام على أخيه إبراهيم فاحتج بكوني صغير السن وكيف نتركه وحده.
إلى أن سمحوا لي بالجلوس في دكان لهم ملآنة بالقماش من سائر الأنواع وأن أبيع فيها وأصرف الفائدة على زوجاتهم وعيالهم إلى أن يحضروا فوافقت على ذلك ظاهرا ثم بعد مدة يسيرة بعت السلعة وخلوت الدكان وأبنت الزوجات عنهم لأنهم وكلوني في ذلك إن طالت غيبتهم واشتريت كتبا وجئت الأزهر والحمد لله ، وقد استغرقوا وتوغلوا في بلاد السودان وبلاد البحر وبلاد معدن الذهب إلى أن لم يقدروا على الرجوع لكثرة أولادهم من الجواري.
أخبرني بعض من يعرفهم وهو سيدي يحيى الأحيمر أن أولادهم لا يعرفون عدتهم وإنما يسوقونهم بالعصي آخر النهار ليدخلوا المنزل حتى أن ابن السلطان تاه بينهم ثلاثة أيام يبيت معهم ولا يعرفونه وكان صغيرا ، فسأل السلطان عن ولده فقيل له لعله اختلط مع أولاد المصري إشارة إلى خالي إبراهيم لأنه هو الذي بقي فأحضره السلطان وسأله فقال : والله يا سيدي أنا ما أعرف ما عندي من أولادي وأولاد أخي ولكن أرسل من يعرف ولدك إن رآه بينهم يأخذه.
فكان كذلك فأحسن له الملك وصار يصاحبه في بعض الأوقات ويعتقده وقد قلت التجار لبتلك البلاد من عهدهم ، وأما الحمائل فلم يبق في مصر الآن من يحسنها وقل طالبها والحاصل أنه لا أشرف ولا أبقى من العلم ، وقد حملني ذكر الحميلة على هذا الحديث الذي لا يخلو عن حكمة واعتبار وإن كان فيه طول “.
وقد ترجم له المحبي في كتابه خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر فقال : ” يُوسُف بن زَكَرِيَّا المغربى نزيل مصر الاديب الشَّاعِر ، قَالَ الشهَاب فى تَرْجَمته عَزِيز مصره بنانا وبيانا ويوسف عصره حسنا واحسانا نَشأ يتعاطى صَنْعَة الادب ويربط بِأَوْتَادٍ شعره كل سَبَب ويشارك فى تِجَارَة الْفضل بِنَصِيب ويرمى لاغراضها كل سهم مُصِيب بطبع ألطف من نسمَة الشمَال سرت سحرة بليلة الاذيال متتابعة الانفاس فنبهت طرف نور فى مهد الرياض نُعَاس وَقد خمشت الصِّبَا خد الشَّقِيق وخاضت بحار الدياجى من كل فج عميق مرتدية برداء السحر معانقة لقدود الشّجر.
ثمَّ قَالَ وَله مورد من الادب صفى وديوان سَمَّاهُ الذَّهَب اليوسفى والذى رَأَيْته من خَبره أَنه قَرَأَ بِمصْر وَأخذ عَن يحيى الاصيلى وَبِه تخرج والبدر القرافى وأبى النجا سَالم السنهورى والاستاذ مُحَمَّد البكرى قدس سره وَغَيرهم وَمن شعره قَوْله : أوصيك ان شخص غَدا .. يضْحك ان مر بكا .. لَا تغتترر بضحكه .. فان هَذَا كالبكا ، وَقَوله : اشرب وَلَا تعتب على عاذل .. فَمثله فى النَّاس لم يعتب .. وان تكن يَا سيدى طَالبا .. درا وياقوتا من الْمطلب .. فالكاس والصهباء فِيهَا الْغِنَا .. فَخذ حَدِيث الْكَنْز عَن مغربى.
وَله أَيْضا : جعلُوا الشُّعُور على الخصور بنودا .. والراح ريقا والشقيق خدودا .. جعلُوا لاصباح مباسما ثمَّ الظلام ضفائرا ثمَّ الرماح قدودا .. والورد خدا والغصون معاطفا .. وَالشَّمْس فرقا والغزالة جيدا .. وَرَأَتْ غصون البان أَن قدد وهم .. فاقت فاضحت ركعا وسجودا ، وَهَذَا كَقَوْل ابْن قلاقس من قصيدة أَولهَا : عقدوا الشُّعُور معاقد التيجان .. وتقلدوا بصوارم الاجفان.
وَله فى مليح اسْمه رَمَضَان : رَمَضَان قد جِئْته رمضانا .. وَهُوَ بدر يفوق كل الحسان .. قلت صلنى فَقَالَ وَهُوَ مُجيب .. لَا يجوز الْوِصَال فى رَمَضَان ، وَهَذَا كَقَوْل الآخر فى هَذَا الْمَعْنى : بليت بِهِ فَقِيها ذَا جِدَال .. يُجَادِل بِالدَّلِيلِ وبالدلال .. طلبت وصاله والوصل حُلْو .. فَقَالَ نهى النبى عَن الْوِصَال.
قَالَ الشهَاب وَاعْلَم ان هَذَا كُله لَيْسَ بِشعر ترتضيه الادباء وَهُوَ كل شعر اكثر فِيهِ من البديع قَالُوا وَأول من أتلف الشّعْر العربى بِهَذَا النمط مُسلم بن الْوَلِيد ثمَّ تبعه أَبُو تَمام وَأحسن هَذِه الصَّنْعَة التَّجْنِيس والتورية وهما فى الشّعْر كالزعفران قَلِيله مفرح وَكَثِيره قَاتل وَلذَا لم نجد فى أهل مصر من يعرف الشّعْر وَلَا ينظمه وَمِنْهُم من غلط فى ذَلِك فَأكْثر من اللُّغَات الغريبة وتوهم بذلك انه يصير بليغا على ان بَاب التورية قفله ابْن نَبَاته والقيراطي ثمَّ رميا الْمِفْتَاح فِي تِلْكَ النَّاحِيَة وَهَذَا لَا يعرفهُ إِلَّا من لَهُ سليقة عَرَبِيَّة.
وَكتب الى الخفاجى سؤالا ادبيا صورته أَيهَا الاخ الشَّقِيق الشفيق والرفيق الرَّقِيق الامام الْهمام الهادى لسبالة الافهام اذا ضلت فى مهامه الاوهام اننى اشكل على قَول أَبى مَنْصُور الثعالبى فى الْيَتِيمَة اتّفق لى أَيَّام الصِّبَا معنى بديع حسبت انى لم اسبق اليه وَهُوَ هَذَا : قلبى وجدا مشتعل .. وبالهموم مشتغل .. وَقد كستنى فى الْهوى .. ملابس الصب الْغَزل .. انسانة فتانة .. بدر الدجى مِنْهَا خجل .. اذا زنت عينى بهَا .. فبالدموع تَغْتَسِل.
هَل استعارته لنظر الحبيب الزِّنَا مِمَّا يعد فى الادب معنى حسنا أَو هُوَ مِمَّا تجَاوز الْحَد فَاسْتحقَّ بِالزِّنَا الْحَد ، فَكتب اليه مجيبا ايها الاخ قُرَّة الْعين وَبدر هَالة الْمجَالِس الذى هُوَ لَهَا زين انه من الْمعَانى القبيحة المورثة للفضيحة وَقد سبقه اليه ابْن هِنْد فى قَوْله : يَقُولُونَ لى مَا بَال عَيْنك مذ رَأَتْ .. محَاسِن هَذَا الظبى أدمعها هطل .. فَقلت زنت عينى بطلعة وَجهه .. فَكَانَ لَهَا من صوب أدمعها غسل.
وَهُوَ معنى قَبِيح واستعارة بشعة أَلا ترى الى مَا قيل فى الذَّم : أَيهَا الناكح فى الْعين جوارى الاصدقاء ، وَقَول صردر فى قصيدته الْمَشْهُورَة وان كَانَ معنى آخر : يَا عين مثل قذاك رُؤْيَة معشر .. عَار على دنياهم وَالدّين .. نجس الْعُيُون وان رأتهم مقلتى .. طهرتها فَنُزِحَتْ مَاء عيونى ، وَكَيف يَتَأَتَّى لهَؤُلَاء مَا قَالُوهُ بعد قَول يزِيد بن مُعَاوِيَة فى شعره الْمَشْهُور : وَكَيف ترى ليلى بِعَين ترى بهَا .. سواهَا وَمَا طهرتها بالمدامع .. أَجلك يَا ليلى عَن الْعين انما .. أَرَاك بقلب خاشع لَك خاضع ، وَمِنْه أَخذ الْعَفِيف التلمسانى : قَالُوا اتبكى من بقلبك دَاره .. جهل العواذل دَاره بجميعى .. لم ابكه لَكِن لرؤية غَيره .. طهرت أجفانى بفيض دموعى.
وَكَانَت وَفَاته بِمصْر يَوْم الاربعاء ثامن عشر ذى الْقعدَة سنة تسع عشرَة بعد الالف ورثاه النُّور الاجهورى : رحم الله الْمَعْنى يوسفا .. كَانَ زهرا فى رياض الادب .. فَسَقَاهُ الْمَوْت كاسات الردى .. فَبكى الشرق لفقد المغربى “.

16 / طبقات الصوفية
(طبقات الصوفية) هو اسم الشهرة لكتاب الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية وهو من تصنيف الإمام زين الدين المناوي ويضم ثلاثة أجزاء كبيرة تتناول السيرة الذاتية لكل من سبقه من الزهاد والعباد وأهل الطريق وأعلام التصوف وتعرف هذه المجموعة باسم الطبقات الكبرى ثم أتبعه بجزء رابع عرف باسم الطبقات الصغرى وهو كتاب إرغام أولياء الشيطان بذكر مناقب أولياء الرحمن وتجاوز مجموعها قرابة ألفين وخمسمائة صفحة تشكل مرجعا هاما من مراجع التاريخ الإسلامي وتلقي الضوء على الحياة الاجتماعية والثقافية في مصر الإسلامية.
والمؤلف هو العارف بالله تعالى الأستاذ الكبير زين الدين محمد عبد الرؤوف بن تَاج العارفين بن عَليّ بن زين العابدين بن يحيى بْن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن مخلوف بن عبد السَّلَام الحدادي ثمَّ الْمَنَاوِيّ القاهري الشَّافِعِي ، ولقب بلقب المناوي نسبة إلى قرية المنية (مركز الخانكة بالقليوبية حاليا) والتي كانت تعرف قديما باسم حي الخنافس نسبة إلى مؤسسيها من قبيلة عرب بني خنفس الذين نزلوا فيها في القرن الخامس الهجري وهي من ضواحي مصر حيث كانت من أراضي الوقف الخاصة بالجامع الأزهر في القرن التاسع الهجري.
ولد المناوي سنة 952 هـ / 1545 م وعاش في القاهرة وتوفي فيها سنة 1031 هـ / 1622 م وهو مؤرخ معروف ومن كبار العلماء بالدين والآداب واللغة تفرغ للبحث والتصنيف ومن مؤلفاته شرح على تائية ابن الفارض وشرح المشاهد لابن عربي وحاشية على شرح المنهاج للجلال المحلي وشرح على الأزهرية والجواهر المضيئة في الاحكام السلطانية ، وأشهر كتبه هو (فيض القدير شرح الجامع الصغير من أحاديث البشير النذير) وهو شرح مطول على كتاب الجامع الصغير للإمام السيوطي ، وكتاب الدرر الجوهرية في شرح الحكم العطائية وكتاب سيرة عمر بن عبد العزيز وكتاب الصفوة في مناقب آل البيت وكتاب شرح الشمائل للترمذي.
وقد استهل كتابه الطبقات بمقدمة يشرح فيها سبب تصنيفه له حيث قال : ” وبعد ، فإن الله تعالى أوجب على المؤمنين محبة الأولياء والعلماء الأمجاد وذم من ينقص بعضهم لموالاة بعضهم جهلا لسوء الاعتقاد ، كيف وهم أمناء الإيمان وحكماء الأنام وشموس الإسلام عين أعين خاصة الملك العلام ، أولئك القوم إن عدوا لمكرمة .. ومن سواهم فلغو غير معدود .. والفرق بين الورى جمعا وبينهم .. كالفرق ما بين معدوم وموجود.
لكن عادم الشوق لا يصل إلى عيان الجمال وفاقد الشم لا ينال عزف الوصال ، من لم يبت والحب حشو فؤاده .. لم يدر كيف تفتت الأكباد ، وإني كنت قبل أن يكتب الشباب خط العذار أردد ناظري في أخبار الأولياء الأخيار وأتتبع مواقع إشارات حكم الصوفية الأبرار وأترقب أحوالهم وأسبر أقوالهم ، أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى .. فصادف قلبا خاليا فتمكنا.
حتى حصلت من ذلك على فوائد عاليات وحكم شامخات ساميات فألهمت أن أقيد ما وقفت عليه في ورقات وأن أجعله في ضمن التراجم كما فعله بعض الأعاظم الأثبات فأنزلت الصوفية في طبقات وضربت لهم في هذا المجموع سرادقات ، ورتبتهم على حروف المعجم عشر طبقات كل مئة سنة طبقة وجمعتهم كواكب كلها معالم للهدى ومصابيح للدجى ورجوم للمسترقة.
لكني لم أستوعب بل اقتصرت على جمع من النساك المشتهرين بالزهد المتحققين بالإرشاد والرشد ممن له كلام عال في الحقائق وباشر الأحوال والطرائق وظهرت عليه الكرامات والخوارق وقاطع القواطع والعلائق ، فإن القصد بهذا التعليق النفع بما لهم من الكلام في الحقائق والحكم والأحكام وما سواه بالنسبة إليه تتمات وإن كانت في نفسها من أنفس المهمات.
فدونك مجموعا جموعا اشتمل على حكم عالية المقدار وإشارات بديعة رفيعة المنار وحكايات ليس فيها شكايات ونوادر في ضمنها زواجر ومواعظ تصمت اللافظ ويتوب لها الفاجر وفوائد يسود بها القرطاس ويود لو زيد فيه سواد القلب والبصر وتسود بها الأوراق فتصبح أسود من الشمس والقمر ، وسميته الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية ، وأنا أفقر عباد الله وأحوجهم إلى الطاقة الخفية محمد المدعو عبد الرؤوف سليل العصابة المناوية ، والله أسأل أن يجعلني من جملة أحبابه ولا يؤاخذني بالتقصير في خدمة جنابه “.
ذكره المحبي في كتابه خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر وسرد مؤلفاته العديدة فقال : ” عبد الرؤف بن تَاج العارفين بن عَليّ بن زين العابدين الملقب زين الدّين الحدادي ثمَّ الْمَنَاوِيّ القاهري الشَّافِعِي وَقد تقدم ذكر تَتِمَّة نسبه فِي تَرْجَمَة ابْنة زين العابدين ، الإِمَام الْكَبِير الْحجَّة الثبت الْقدْوَة صَاحب التصانيف السائرة وَأجل أهل عصره من غير ارتياب وَكَانَ إِمَامًا فَاضلا زاهداً عابداً قَانِتًا لله خَاشِعًا لَهُ كثير النَّفْع وَكَانَ متقرباً بِحسن الْعَمَل مثابراً على التَّسْبِيح والإذكار صَابِرًا صَادِقا وَكَانَ يقْتَصر يَوْمه وَلَيْلَته على أَكلَة وَاحِدَة من الطَّعَام وَقد جمع من الْعُلُوم والمعارف على اخْتِلَاف أَنْوَاعهَا وتباين أقسامها مَا لم يجْتَمع فِي أحد مِمَّن عاصره.
نَشأ فِي حجر وَالِده وَحفظ الْقُرْآن قبل بُلُوغه ثمَّ حفظ الْبَهْجَة وَغَيرهَا من متون الشَّافِعِيَّة وألفية ابْن مَالك وألفية سيرة الْعِرَاقِيّ وألفية الحَدِيث لَهُ أَيْضا وَعرض ذَلِك على مَشَايِخ عصره فِي حَيَاة وَالِده ثمَّ أقبل على الِاشْتِغَال فَقَرَأَ على وَالِده عُلُوم الْعَرَبيَّة وتفقه بالشمس الرَّمْلِيّ وَأخذ التَّفْسِير والْحَدِيث وَالْأَدب عَن النُّور عَليّ بن غَانِم الْمَقْدِسِي وَحضر دروس الاستاذ مُحَمَّد الْبكْرِيّ فِي التَّفْسِير والتصوف وَأخذ الحَدِيث عَن النَّجْم الغيطي وَالشَّيْخ قَاسم وَالشَّيْخ حمدَان الْفَقِيه وَالشَّيْخ الطبلاوي لَكِن كَانَ أَكثر اخْتِصَاصه بالشمس الرَّمْلِيّ وَبِه برع.
وَأخذ التصوف عَن جَمِيع وتلقن الذّكر من قطب زَمَانه الشَّيْخ عبد الْوَهَّاب الشعراوي ثمَّ أَخذ طَرِيق الخلوتية عَن الشَّيْخ مُحَمَّد المناخلي أخى عبد الله وأخلاه مرَارًا ثمَّ عَن الشَّيْخ محرم الرُّومِي حِين قدم مصر بِقصد الْحَج وَطَرِيق البيرامية عَن الشَّيْخ حُسَيْن الرُّومِي المنتشوى وَطَرِيق الشاذلية عَن الشَّيْخ مَنْصُور الغيطي وَطَرِيق النقشبندية عَن السَّيِّد الحسيب النسيب مَسْعُود الطاشكندي وَغَيرهم من مَشَايِخ عصره وتقلد النِّيَابَة الشَّافِعِيَّة بِبَعْض الْمجَالِس فسلك فِيهَا الطَّرِيقَة الحميدة وَكَانَ لَا يتَنَاوَل مِنْهَا شَيْئا.
ثمَّ رفع نَفسه عَنْهَا وَانْقطع عَن مُخَالطَة النَّاس وانعزل فِي منزله وَأَقْبل على التَّأْلِيف فصنف فِي غَالب الْعُلُوم ثمَّ ولي تدريس الْمدرسَة الصالحية فحسده أهل عصره وَكَانُوا لَا يعْرفُونَ مزية عمله لانزوائه عَنْهُم وَلما حضر الدَّرْس فِيهَا ورد عَلَيْهِ من كل مَذْهَب فضلاؤه منتقدين عَلَيْهِ وَشرع فِي إقراء مُخْتَصر الْمُزنِيّ وَنصب الجدل فِي الْمذَاهب وَأتي فِي تَقْرِيره بِمَا لم يسمع من غَيره فأذعنوا لفضله وَصَارَ إجلاء الْعلمَاء يبادرون لحضوره وَأخذ عَنهُ مِنْهُم خلق كثير مِنْهُم الشَّيْخ سُلَيْمَان البابلي وَالسَّيِّد إِبْرَاهِيم الطاشكندي وَالشَّيْخ عَليّ الأَجْهُورِيّ وَالْوَلِيّ المعتقد أَحْمد الْكَلْبِيّ وَولده الشَّيْخ مُحَمَّد وَغَيرهم.
وَكَانَ مَعَ ذَلِك لم يخل من طَاعن وحاسد حَتَّى دس عَلَيْهِ السم فتوالي عَلَيْهِ بِسَبَب ذَلِك نقص فِي أَطْرَافه وبدنه من كَثْرَة التَّدَاوِي وَلما عجز صَار وَلَده تَاج الدّين مُحَمَّد يستملي مِنْهُ التآليف ويسطرها ، وتآليفه كَثِيرَة مِنْهَا تَفْسِيره على سُورَة الْفَاتِحَة وَبَعض سُورَة الْبَقَرَة وَشرح على شرح العقائد للسعد التَّفْتَازَانِيّ سَمَّاهُ غَايَة الْأَمَانِي لم يكمل وَشرح على نظم العقائد لِابْنِ أبي شرِيف وَشرح على الْفَنّ الأول من كتاب النقاية للجلال السُّيُوطِيّ وَكتاب سَمَّاهُ أَعْلَام الْأَعْلَام بأصول فني الْمنطق وَالْكَلَام وَشرح على متن النخبة كَبِير سَمَّاهُ نتيجة الْفِكر وَآخر صَغِير وَشرح على شرح النخبة سَمَّاهُ اليواقيت والدرر وَشرح عَليّ الْجَامِع الصَّغِير ثمَّ اخْتَصَرَهُ فِي أقل من ثلث حجمه وَسَماهُ التَّيْسِير.
وَشرح قِطْعَة من زَوَائِد الْجَامِع الصَّغِير وَسَماهُ مِفْتَاح السَّعَادَة بشرح الزياد وَله كتاب جمع فِيهِ ثَلَاثِينَ ألف حَدِيث وَبَين مَا فِيهِ من الزِّيَادَة على الْجَامِع الْكَبِير وعقب كل حَدِيث بِبَيَان رتبته وَسَماهُ الْجَامِع الْأَزْهَر من حَدِيث النَّبِي الأنور وَكتاب آخر فِي الْأَحَادِيث الْقصار عقب كل حَدِيث بِبَيَان رتبته سَمَّاهُ الْمَجْمُوع الْفَائِق من حَدِيث خَاتِمَة رسل الْخَلَائق وَكتاب انتقاه من لِسَان الْمِيزَان وَبَين فِيهِ الْمَوْضُوع وَالْمُنكر والمتروك والضعيف ورتبه كالجامع الصَّغِير وَكتاب فِي الْأَحَادِيث الْقصار جمع فِيهِ عشرَة آلَاف حَدِيث فِي عشر كراريس كل كراسة ألف حَدِيث كل حَدِيث فِي نصف سطر يقْرَأ طرداً وعكساً سَمَّاهُ كنز الْحَقَائِق فِي حَدِيث خير الْخَلَائق وَشرح على نبذة شيخ الْإِسْلَام الْبكْرِيّ فِي فضل لَيْلَة النّصْف من شعْبَان وَكتاب فِي فضل لَيْلَة الْقدر سَمَّاهُ أسفار الْبَدْر عَن لَيْلَة الْقدر وَشرح على الْأَرْبَعين النووية.
ورتب كتاب الشهَاب الْقُضَاعِي وَشَرحه وَسَماهُ إمعان الطلاب بشرح تَرْتِيب الشهَاب وَله كتاب فِي الْأَحَادِيث القدسية وَشرح الْكتاب الْمَذْكُور وَشرح الْبَاب الأول من الشفا وَشرح الشمايل لِلتِّرْمِذِي شرحين أَحدهمَا مزج وَالْآخر قولات لكنه لم يكمل وَشرح ألفية السِّيرَة لجده الْعِرَاقِيّ شرحين أَحدهمَا قولات وَالْآخر مزج سَمَّاهُ الفتوحات السبحانية فِي شرح نظم الدُّرَر السّنيَّة فِي السِّيرَة الزكية وَشرح الخصائص الصُّغْرَى للجلال السُّيُوطِيّ شرحين صَغِير سَمَّاهُ فتح الرؤف الْمُجيب بشرح خَصَائِص الحبيب وَشرح كَبِير سَمَّاهُ توضيح فتح الرؤف الْمُجيب.
وَاخْتصرَ شمائل التِّرْمِذِيّ وَزَاد عَلَيْهِ أَكثر من النّصْف وَسَماهُ الرَّوْض الباسم فِي شمايل الْمُصْطَفى أبي الْقَاسِم وَخرج أَحَادِيث القَاضِي الْبَيْضَاوِيّ وَكتاب الْأَدْعِيَة المأثورة بالأحاديث المأثورة وَكتاب آخر سَمَّاهُ بالمطالب الْعلية فِي الْأَدْعِيَة الزهية وَكتاب فِي اصْطِلَاح الحَدِيث سَمَّاهُ بغية الطالبين لمعْرِفَة اصْطِلَاح الْمُحدثين وَشرح على وَرَقَات إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَآخر على وَرَقَات شيخ الْإِسْلَام ابْن أبي شرِيف وَاخْتصرَ التَّمْهِيد للأسنوي لكنه لم يكمله.
وَله كتاب فِي الْأَوْقَاف سَمَّاهُ تيسير الْوُقُوف على غوامض احكام الْوُقُوف وَهُوَ كتاب لم يسْبق إِلَى مثله وَشرح زبد ابْن أرسلان الَّتِي نظم فِيهَا أَرْبَعَة عُلُوم أصُول الدّين وأصول الْفِقْه وَالْفِقْه والتصوف وَسَماهُ فتح الرؤف الصَّمد بشرح صفوة الزّبد وَشرح التَّحْرِير لشيخ الْإِسْلَام زَكَرِيَّا سَمَّاهُ إِحْسَان التَّقْرِير بشرح التَّحْرِير ثمَّ شرح نظمه للعمريطي بالتماس بعض الْأَوْلِيَاء وَسَماهُ فتح الرؤف الْخَبِير بشرح كتاب التَّيْسِير نظم التَّحْرِير وصل فِيهِ إِلَى كتاب الْفَرَائِض وكمله ابْنه تَاج الدّين مُحَمَّد.
وَشرح على عماد الرضي فِي آدَاب الْقَضَاء سَمَّاهُ فتح الرؤف الْقَادِر لعَبْدِهِ هَذَا الْعَاجِز الْقَاصِر وَشرح على الْعباب سَمَّاهُ اتحاف الطلاب بشرح كتاب الْعباب انْتهى فِيهِ إِلَى كتاب النِّكَاح وحاشية عَلَيْهِ لكنه لم يكملها وَشرح على الْمنْهَج انْتهى فِيهِ إِلَى الضَّمَان وحاشية على شرح الْمنْهَج لم تكمل وَكتاب فِي أَحْكَام الْمَسَاجِد سَمَّاهُ تَهْذِيب التسهيل وَكتاب فِي مَنَاسِك الْحَج على الْمذَاهب الْأَرْبَعَة سَمَّاهُ اتحاف الناسك بِأَحْكَام الْمَنَاسِك وَشرح على الْبَهْجَة الوردية سَمَّاهُ الْفَتْح السماوي بشرح بهجة الطَّحَاوِيّ ثمَّ اخْتَصَرَهُ فِي نَحْو ثلث حجمه وَكِلَاهُمَا لم يكمل.
وَكتاب فِي أَحْكَام الْحمام الشَّرْعِيَّة والطبية سَمَّاهُ النزهة الزهية فِي أَحْكَام الْحمام الشَّرْعِيَّة والطبية وَشرح على هَدِيَّة الناصح للشَّيْخ أَحْمد الزَّاهِد لكنه لم يكمل وَشرح على تَصْحِيح الْمِنْهَاج سَمَّاهُ الدّرّ المصون فِي تَصْحِيح القَاضِي ابْن عجلون لكنه لم يكمل وَشرح على مُخْتَصر الْمُزنِيّ لم يكمل وَاخْتصرَ الْعباب وَسَماهُ جمع الْجَوَامِع وَلم يكمل وَكتاب فِي الألغاز والحيل سَمَّاهُ بُلُوغ الأمل بِمَعْرِفَة الألغاز والحيل وَكتاب فِي الْفَرَائِض وَشرح على الشمعة المضية فِي علم الْعَرَبيَّة للسيوطي سَمَّاهُ المحاضر الوضية فِي الشمعة المضية.
وَكتاب جمع فِيهِ عشرَة عُلُوم أصُول الدّين وأصول الْفِقْه والفرائض والنحو والتشريح والطب والهيئة وَأَحْكَام النُّجُوم والتصوف وَكتاب فِي فضل الْعلم وَأَهله وَكتاب اختصر فِيهِ الْجُزْء الأول من الْمُبَاح فِي علم الْمِنْهَاج للجلدكي وَشرح على الْقَامُوس انْتهى فِيهِ إِلَى حرف الذَّال وَاخْتصرَ الأساس ورتبه كالقاموس وَسَماهُ أَحْكَام الأساس وَكتاب الْأَمْثَال وَكتاب سَمَّاهُ عماد البلاغة وَكتاب فِي أَسمَاء الْبلدَانِ وَكتاب فِي التعاريف سَمَّاهُ التَّوْقِيف على مهمات التعاريف وَكتاب فِي أَسمَاء الْحَيَوَان سَمَّاهُ قُرَّة عين الْإِنْسَان بِذكر أَسمَاء الْحَيَوَان.
وَكتاب فِي أَحْكَام الْحَيَوَان سَمَّاهُ الْإِحْسَان بِبَيَان أَحْكَام الْحَيَوَان وَكتاب فِي الْأَشْجَار سَمَّاهُ غَايَة الْإِرْشَاد إِلَى معرفَة أَحْكَام الْحَيَوَان والنبات والجماد وَكتاب فِي التَّفْصِيل بَين الْملك وَالْإِنْسَان وَكتاب الْأَنْبِيَاء سَمَّاهُ فردوس الْجنان فِي مَنَاقِب الْأَنْبِيَاء الْمَذْكُورين فِي الْقُرْآن وَكتاب الطَّبَقَات الْكُبْرَى سَمَّاهُ الْكَوَاكِب الدرية فِي تراجم السَّادة الصُّوفِيَّة وَكتاب الصفوة بمناقب بَيت آل النُّبُوَّة وأفرد السيدة فَاطِمَة بترجمة وَالْإِمَام الشَّافِعِي بترجمة وَكَذَا الشَّيْخ عَليّ الْخَواص شيخ الشَّيْخ عبد الْوَهَّاب الشعراني.
وَله شرح على منَازِل السائرين وَحكم ابْن عَطاء الله وترتيب الحكم للشَّيْخ على التقى سَمَّاهُ فتح الحكم بشرح تَرْتِيب الحكم لكنه لم يكمل وَشرح على رِسَالَة ابْن سينا فِي التصوف سَمَّاهُ إرْسَال أهل التَّعْرِيف وَشرح قصيدة العينية وَله شرح على المواقف التقوية لم يكمل وَشرح على رِسَالَة الشَّيْخ ابْن علوان فِي التصوف وَكتاب منحة الطالبين لمعْرِفَة أسرار الطواعين وَكتاب فِي التشريح وَالروح وَمَا بِهِ من صَلَاح الْإِنْسَان وفساده وَكتاب فِي دَلَائِل خلق الْإِنْسَان.
وَشرح على ألفية ابْن الوردي فِي المنامات وَشرح على منظومة ابْن الْعِمَاد فِي آدَاب الْأكل سَمَّاهُ فتح الرؤف الْجواد وَهُوَ أول كتاب شَرحه فِي الْآدَاب وَكتاب فِي آدَاب الْمُلُوك سَمَّاهُ الْجَوَاهِر المضية فِي بَيَان الْآدَاب السُّلْطَانِيَّة وَكتاب فِي الطِّبّ سَمَّاهُ بغية الْمُحْتَاج إِلَى معرفَة أصُول الطِّبّ والعلاج وَكتاب سَمَّاهُ الدّرّ المنضود فِي ذمّ الْبُخْل ومدح الْجُود وَكتاب فِي تَارِيخ الْخُلَفَاء وَتَذْكِرَة فِيهَا رسائل عَظِيمَة النَّفْع يَنْبَغِي أَن يفرد كل مِنْهَا بالتأليف وَله مؤلفات أخر غير هَذِه.
وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ أعظم عُلَمَاء هَذَا التَّارِيخ آثارا ومؤلفاته غالبها متداولة كَثِيرَة النَّفْع وَلِلنَّاسِ عَلَيْهَا تهافت زَائِد ويتغالون فِي أثمانها وأشهرها شرحاه على الْجَامِع الصَّغِير وَشرح السِّيرَة الْمَنْظُومَة للعراقي ، وَكَانَت وِلَادَته فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَتِسْعمِائَة وَتُوفِّي صَبِيحَة يَوْم الْخَمِيس الثَّالِث وَالْعِشْرين من صفر سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَألف وَصلى عَلَيْهِ بِجَامِع الْأَزْهَر يَوْم الْجُمُعَة وَدفن بِجَانِب زاويته الَّتِي أَنْشَأَهَا بِخَط الْمقسم الْمُبَارك فِيمَا بَين زاويتي سَيِّدي الشَّيْخ أَحْمد الزَّاهِد وَالشَّيْخ مَدين الأشموني وَقيل فِي تَارِيخ مَوته مَاتَ شَافِعِيّ الزَّمَان رَحمَه الله تَعَالَى “.

17 / ما يفعله الأطباء
(كتاب ما يفعله الأطباء والداعون بدفع شر الطاعون) هو عنوان رسالة مختصرة حول مرض الطاعون والتعامل معه من الوجهتين الطبية والفقهية كتبه الأديب والمؤلف مرعي بن يوسف الحنبلي الذي ولد في طولكرم بفلسطين عام 988 هـ / 1580 م وتوفي في القاهرة عام 1033 هـ / 1624 م ، وهو من كبار فقهاء المذهب الحنبلي واشتهر بكتاباته الغزيرة في الأدب والشعر والتاريخ واللغة والتصوف والفقه وبلغت مؤلفاته أكثر من سبعين كتابا في مجالات متعددة وله ديوان شعر ورسائل نثرية بليغة.
واسمه كاملا هو مرعي بن يوسف بن أبي بكر بن أحمد بن أبي بكر بن يوسف بن أحمد الكرمي المقدسي الأزهري المصري الحنبلي حيث اشتهرت أسرته بلقب الكرمي نسبة إلى طولكرم ونبغ منهم عدد من الفقهاء في العصور التالية له في كل من فلسطين ومصر ومنهم حفيده الشيخ جمال الدين يوسف بن مرعي الكرمي المتوفي عام 1078 هـ وابن أخيه الشيخ شهاب الدين أبو العباس أحمد بن يحيى بن يوسف الكرمي المتوفي عام 1091 هـ وحفيد أخيه الشيخ مصطفى بن يوسف بن يحيى الكرمي المتوفي عام 1173 هـ.
نشأ في طور كرم ثم انتقل إلى بيت المقدس وفيه حفظ القرآن الكريم وجوده ودرس الفقه ثم دخل مصر ودرس بقية العلوم حتى تصدر للإقراء والتدريس بالجامع الأزهر وتولى المشيخة بجامع السلطان حسن في القاهرة ، وقد وقع خلاف بينه وبين العلامة إبراهيم الميموني الشافعي حول هذا المنصب ووقع بينهما ما يقع بين الأقران وألف كل واحد منهما في الآخر رسائل وكانت رسالة مرعي الكرمي بعنوان (النادرة الغريبة والواقعة العجيبة) ومضمونها الشكوى من الميموني الذي استطاع أن ينتزع هذا المنصب منه
وكان منشغلاً بطلب العلم انشغالاً كلياً حيث قضى حياته في الإفتاء والتدريس والتحقيق والتصنيف وبرع في مختلف العلوم الشرعية كالفقه والتفسير والحديث والعقائد وعلوم العربية وعلوم السيرة والتاريخ والسلوك وغيرها ، وتتلمذ على يد العلامة الإمام الشيخ محمد بن أحمد المرداوي القاهري فقيه الحنابلة وشيخهم في عصره والمتوفي عام 1026 هـ والعلامة الشيخ يحيى الحجاوي والعلامة الشيخ محمد حجازي بن محمد القلقشندي الشافعي الشهير بالواعظ المتوفي عام 1035 هـ والشيخ العلامة أحمد بن محمد الغنيمي الحنفي المتوفي عام 1044 هـ.
وتتلمذ عليه كل من الشيخ عبد الباقي بن عبد الباقي بن عبد القادر بن إبراهيم البعلي الحنبلي الأزهري الدمشقي المعروف بابن فقيه فصة المتوفي عام 1071 هـ والشيخ محمد بن موسى الجُمَّازي الحسيني المالكي المتوفي عام 1065 هـ والشيخ عيسى بن محمود الخلوتي المتوفي عام 1093 هـ ، و وقد قال فيه المحبي : ” أحد أكابر علماء الحنابلة بمصر كان إماماً فقيهاً ذا اطلاع واسع على نقول الفقه ودقائقه ومعرفة تامة بالعلوم النقلية والعقلية وجميع العلوم المتداولة “.
ووصفه الغزى في كتابه النعت الأكمل بقوله : ” شيخ مشايخ الإسلام أوحد العلماء المحققين الأعلام واحد عصره وأوانه ووحيد دهره وزمانه صاحب التآليف العديدة والفوائد الفريدة والتحريرات المفيدة خاتمة أعيان العلماء المتأخرين – إلى أن قال – وقد قلت مادحاً لهذا الهمام بشيء من النظام : حوى السبق في كل المعارف باله .. إمام همام حاز كل العوارف .. وقد صار ممنوحاً بكل فضيلة .. بظل ظليل بالعوارف وارف .. وحاز بجد واجتهاد ومنحة .. لما عنه حقاً كلَّ كُلُّ الغطارف “.
وقد استهل المؤلف كتابه بمقدمة جاء فيها : ” بسم الله الرحمن الرحيم وبه ثقتي ، قال العبد الفقير إلى الله تعالى مرعي بن يوسف الحنبلي المقدسي : الحمدُ لله النَّافِع الضَّارّ خَلَقَ الدَّاءَ وَالدَّوَاءَ وَالمَنَافِعَ وَالمَضَارّ بِيَدِهِ النَّفْعُ والضُرّ والخير والشرّ والنَّهي والأَمر الحكيم القهَّار ، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وأفضل المتوكِّلين المستسلم للقضاء والأَقدار وعلى آله وأصحابه أولي السَّمَاح والرَّبَاح والتَّيَقُظ والاعتبار.
وبعد ، فقد سُئِلتُ في جمع أدعية وأذكار تستعمل للطَّاعون وهل ذلك يُفيد وهل الطِّبُّ لَه مَدخَلٌ فيه ويَنْفَع ؟ وقَد أَحْبَبْتُ أَنْ أَذْكُرَ شَيئًا مِن ذلك مَعَ زِيَادَة فَوَائِد وجَمعِ فَرَائِد طَلَبًا للثَّوَابِ وَنَفْعًا لِلأَصْحَابِ ، فأقول وبالله المستعان وعليه التُّكلان لا رَبَّ غَيره ولا مَأْمُول إلَّا خَيْرُه : اعلم أنَّ العلماء اختلفوا هل يُفِيد التَّدَاوي لِلطَّاعُون وهَل يَنْفَعُ فيه ما ورد من الأدعية والأذكار ونحوها ؟
فذهب جماعة من العلماء إلى أنَّ التَدَاوِي لا يُفِيد مَع الطَّاعُون شيئًا وقالوا : إنَّ كل داء بسبب من الأسباب الطبيعية له دواء من الأدوية الطبيعية إلَّا الطَّاعون فإنه قد أَعْيَى الأَطبَّاء دواؤه، قال العلَّامة ابن القيم : حتى سَلَّمَ حُذَّاقهم أنه لا دواء له ولا دافع له إلَّا الذي خلقه وقدَّره.
وقال الحافظ جلال السيوطي فيمن مات في الطاعون : وأَكْثَرَ أُنَاسٌ في الطاعون من أشياء لا تُغْنِيهِم وَأُمُورٍ لا تَعْنِيهِم من ذلك استعمال مأكولات وقَوَابِض ومُخَفِّفَات وحَوَامِض وتعليق فصوص لها في كتب الطب نصوص وهذا باب قد أعيى الأَطبَّاء واعترف بالعجز عن مداواته الألِبَّاء.
وأناسٌ رَتَّبُوا أدعية لم يرد بها حديث ولا أثر وابتدعوا أذكارًا من عند أنفسهم ونسوا أين المفر وآخرون تحوَّلوا إلى البحر وشاطئ النهر وما شعروا أنَّ مجاوزة البحر من أكبر الأسباب المُعِينَة للطاعون طِبًّا والمُضِرة عند فساد الهواء جسمًا ولُبًّا إنما يصلح سكن البحر لمن يشكو الغم أو سُوءَ هَضْمٍ.
قال : ولم أُعَوِّل على ذكر شيء مما ذكره الأَطبَّاء فيما يستعمل أيام الطَّاعون لأنه شيء لا فائدة فيه وهم إنما بَنَوْا ما ذكروه على ما قَرَّرُوه من أنَّ الطاعون ناشئ عن فساد الهواء وقد تبيَّن فساد ما قالوه بمجيء الأحاديث النبوية بخلافه فالأولى طرح ذلك والتوكُّل على الله سبحانه وتعالي ، انتهى.
وما أحسن قول بعضهم : لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ يُسْتَطَبُّ بِهِ .. إِلاَّ الحَمَاقَةَ وَالطَّاعُونَ وَالْهَرَمَا ، وحقيقة الطَّاعون عند الأَطبَّاء ما قال ابن سينا وغيره من الحُذَّاق : الطَّاعون مادة سُمِّيَّة تُحْدِث وَرَمَا قَتَّالًا يَحدث في المواضع الرخوة والتغابن من البدن وأغلب ما يكون تحت الإِبط وخلف الأذن.
وَقَرِيبٌ من ذلك قَولُ بعضهم : الطَّاعُون وَرَمٌ رَدِيءٌ قَتَّالٌ يَخْرُج مَعَهُ تَلَهُّبٌ شديد مؤلم جدًّا ويُصَيِّرُ ما حوله في الغالب أَسْوَدَ أَوْ أَخْضَرَ وَفِي الأَكْثَر يحدث في ثلاثة مواضع في الإِبط وخلف الأُذن وفي اللحوم الرَّخْوَة وسَبَبُه دَمٌ رَدِيءٌ مَائِلٌ إلى العُفُونة والفساد مُسْتَحِيلٌ إلى جوهر سُمِّيٍّ يُفْسِدُ العُضْوَ ويُغَيِّر ما يَلِيه وربما رَشَحَ دَمًا وصَدِيدًا ويُؤدِّي إلى القلب كيفية رَدِيَّة فَيُحْدِثُ القَيْءَ والخَفَقَان والغَثَيَان وأَرْدَؤُه ما حَدَثَ في الإِبط وخَلْفَ الأُذن وأَسْلَمُه الأحمر ثم الأصفر والذي إلى السواد فلا يفلت منه أحد.
وفَسَّر بعضهم الطَّاعُونَ بِانْصِبَابِ الدَّم إلى عُضْوٍ وقال أكثرهم : إِنَهُ هَيَجَانُ الدَّمِ وَانْتِفَاخُه ، واخْتَلَفُوا عَمَّاذا يَنْشَأُ هَذَا الدَّمُ وَهذَا الوَرَم وبماذا تحصل هذه السُّمِّيَّة القَاتِلَة ؟ ، فقال الأَطبَّاء : إنَّ سَبَبَه فَسَادُ جَوْهَرِ الهَوَاءِ ، قال ابن سينا : الوَبَاءُ فَسَاد جَوْهَر الهَوَاء الَّذِي هُو مَادَّةُ الرُّوحِ ومَدَدُه ولذلك لا يمكن حياة شيء من الحيوان بدون استنشاقه ، وقريب من ذلك قول بعضهم : الوباء ينشأ عن فساد يعرض لجوهر الهواء بأسباب خبيثة سماوية أو أرضية كالشُّهب والرجوم في آخر الصيف والماء الآسن والجيف الكثيرة … إلخ “.
وقد ترجم له المحبي في كتابه خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر فقال : ” مرعي بن يُوسُف بن أَبى بكر بن أَحْمد بن أَبى بكر بن يُوسُف بن أَحْمد الكرمى نِسْبَة لطوركرم قَرْيَة بِقرب نابلس ثمَّ المقدسى أحد اكابر عُلَمَاء الْحَنَابِلَة بِمصْر كَانَ اماما مُحدثا فَقِيها ذَا اطلَاع وَاسع على نقُول الْفِقْه ودقائق الحَدِيث وَمَعْرِفَة تَامَّة بالعلوم المتداولة اخذ عَن الشَّيْخ مُحَمَّد المرداوى وَعَن القاضى يحيى الحجاوى وَدخل مصر وتوطنها وَأخذ بهَا عَن الشَّيْخ الامام مُحَمَّد حجازى الْوَاعِظ والمحقق أَحْمد الغنيمى وَكثير من الْمَشَايِخ المصريين وَأَجَازَهُ شَيْخه.
وتصدر للاقراء والتدريس بِجَامِع الازهر ثمَّ تولى المشيخة بِجَامِع السُّلْطَان حسن ثمَّ أَخذهَا عَنهُ عصريه الْعَلامَة ابراهيم الميمونى وَوَقع بَينهمَا من المفاوضات مَا يَقع بَين الاقران وَألف كل مِنْهُمَا فى الآخر رسائل ، وَكَانَ منهمكا على الْعُلُوم انهماكا كليا فَقطع زَمَانه بالافتاء والتدريس وَالتَّحْقِيق والتصنيف فسارت بتآليفه الركْبَان وَمَعَ كَثْرَة أضداده وأعدائه مَا أمكن أَن يطعن فِيهَا أحد وَلَا أَن ينظر بِعَين الازراء اليها.
فَمِنْهَا كتاب غَايَة الْمُنْتَهى فى الْفِقْه قريب من أَرْبَعِينَ كراسا وَهُوَ متن جمع من الْمسَائِل أقصاها وادناها مَشى فِيهِ مَشى الْمُجْتَهدين فى التَّصْحِيح وَالِاخْتِيَار وَالتَّرْجِيح وَله كتاب دَلِيل الطَّالِب فى الْفِقْه نَحْو عشرَة كراريس وَدَلِيل الطالبين لكَلَام النَّحْوِيين وارشاد من كَانَ قَصده لَا اله الا الله وَحده ومقدمة الخائض فى علم الْفَرَائِض وَالْقَوْل البديع فى علم البديع وأقاويل الثِّقَات فى تَأْوِيل الاسماء وَالصِّفَات والآيات المحكمات والمتشابهات.
وقرة عين الْوَدُود بِمَعْرِفَة الْمَقْصُور الْمَمْدُود والفوائد الموضوعه فى الاحاديث الموضوعه وبديع الانشاء وَالصِّفَات فى المكاتبات والمراسلات وبهجة الناظرين فى آيَات المستدلين نَحْو عشْرين كراسا يشْتَمل على الْعَجَائِب والغرائب والبرهان فى تَفْسِير الْقُرْآن لم يتم وتنوير بصائر المقلدين فى مَنَاقِب الائمة الْمُجْتَهدين وَالْكَوَاكِب الدريه فى مَنَاقِب ابْن تيميه والادلة الوفيه بتصويب قَول الْفُقَهَاء والصوفيه وسلوك الطريقه فى الْجمع بَين كَلَام أهل الشَّرِيعَة والحقيقه.
وَروض العارفين وتسليك المريدين وايقاف العارفين على حكم أوقاف السلاطين وتهذيب الْكَلَام فى حكم أَرض مصر وَالشَّام وتشويق الانام الى الْحَج الى بَيت الله الْحَرَام ومحرك سواكن الغرام الى حج بَيت الله الْحَرَام وقلائد المرجان فى النَّاسِخ والمنسوخ من الْقُرْآن وأرواح الاشباح فى الْكَلَام على الارواح ومرآة الْفِكر فى المهدى المنتظر وارشاد ذوى الافهام لنزول عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام وَالرَّوْض النَّضر فى الْكَلَام على الْخضر وَتَحْقِيق الظنون بأخبار الطَّاعُون وَمَا يَفْعَله الاطباء والداعون لدفع شَرّ الطَّاعُون.
وتلخيص أَوْصَاف الْمُصْطَفى وَذكر من بعده من الخلفا واتحاف ذوى الالباب فى قَوْله تَعَالَى {يمح الله مَا يَشَاء وَيثبت وَعِنْده أم الْكتاب واحكام الاساس} فى قَوْله تَعَالَى ان أول بَيت وضع للنَّاس وتنبيه الماهر على غير مَا هُوَ الْمُتَبَادر من الاحاديث الْوَارِدَة فى الصِّفَات وَفتح المنان بتفسير آيَة الامتنان والكلمات الْبَينَات فى قَوْله تَعَالَى {وَبشر الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات} وأزهار الفلاه فى آيَة قصر الصلاه وَتَحْقِيق الْخلاف فى أَصْحَاب الاعراف وَتَحْقِيق الْبُرْهَان فى اثبات حَقِيقَة الْمِيزَان وتوفيق الْفَرِيقَيْنِ على خُلُود أهل الدَّاريْنِ.
وتوضيح الْبُرْهَان فى الْفرق بَين الاسلام والايمان وارشاد ذوى الْعرْفَان لما فى الْعُمر من الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان وَاللَّفْظ الموطا فى بَيَان الصَّلَاة الْوُسْطَى وقلائد العقيان فى قَوْله تَعَالَى {إِن الله يَأْمر بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَان} وَمَسْبُوك الذَّهَب فى فضل الْعَرَب وَشرف الْعلم على شرف النّسَب وشفاء الصُّدُور فى زِيَارَة الْمشَاهد والقبور ورياض الازهار فى حكم السماع والاوتار والغناء والاشعار وَتَحْقِيق الرجحان بِصَوْم يَوْم الشَّك من رَمَضَان وَتَحْقِيق الْبُرْهَان فى شَأْن الدُّخان الذى يشربه النَّاس الْآن وَرفع التلبيس عَمَّن توقف فِيمَا كفر بِهِ ابليس.
وَتَحْقِيق المقاله هَل الافضل فى حق النبى الْولَايَة أَو النُّبُوَّة أَو الرساله والحجج المبينه فى ابطال الْيَمين مَعَ البينه والمسائل اللطيفه فى فسخ الْحَج الى الْعمرَة الشريفه والسراج الْمُنِير فى اسْتِعْمَال الذَّهَب وَالْحَرِير وَدَلِيل الْحُكَّام فى الْوُصُول الى دَار السَّلَام ونزهة الناظرين فى فَضَائِل الْغُزَاة والمجاهدين وبشرى من استبصر وَأمر بِالْمَعْرُوفِ وَنهى عَن الْمُنكر وبشرى ذوى الاحسان لمن يقْضى حوائج الاخوان وَالْحكم الملكيه والكلم الازهريه.
واخلاص الوداد فى صدق الميعاد وسلوان الْمُصَاب بفرقة الاحباب وتسكين الاشواق بأخبار العشاق ومنية المحبين بغية العاشقين ونزهة المتفكر ولطائف المعارف والمسرة والبشاره فى فضل السلطنة والوزاره ونزهة الناظرين فى تَارِيخ من ولى مصر من الْخُلَفَاء والسلاطين وقلائد العقيان فى فَضَائِل سلاطين آل عُثْمَان وَغير ذَلِك من فَتَاوَى ورسائل نافعة تداولها النَّاس وَله الرسَالَة الَّتِى سَمَّاهَا النادرة الغريبة والواقعة العجيبة مضمونها الشكوى من الميمونى والحط عَلَيْهِ.
ولد ديوَان شعر مِنْهُ قَوْله : يَا سَاحر الطّرف يَا من مهجتى سحرًا .. كم ذَا تنام وَكم أسهرتنى سحرًا .. لَو كنت تعلم مَا أَلْقَاهُ مِنْك لما .. أَتعبت يَا منيتى قلبا اليك سرى .. هَذَا الْمُحب لقد شاعت صبابته .. بِالروحِ وَالنَّفس يَوْمًا بالوصال شرى .. يَا ناظرى ناظرى بالدمع جاد وَمَا .. أيقنت فى مقلتى يَا مقلتى نظرا .. يَا مالكى قصتى جَاءَت ملطخة .. بالدمع يَا شافعى كدرتها نظرا .. عساك بالحنفى تسْعَى على عجل .. بالوصل للحنبلى يَا من بدا قمرا.
يَا من جَفا ووفى للْغَيْر موعده .. يَا من رمانا ويامن عقلنا قمرا .. الله منصفنا بالوصل مِنْك على .. غيظ الرَّقِيب بِمن قد حج واعتمرا .. يَا غامر الكئيب بالصدود كَمَا .. ان السقام لمن يهواك قد غمرا .. قل الصدود فكم أسقيت أَنْفُسنَا .. كأس الْحمام بِلَا ذَنْب بدا وَجرى .. وَكم جرحت فؤادى كَمَا ضنى جسدى .. أَلَيْسَ دمعى حبيبى مذ هجرت جرى .. فالشوق أقلقنى والوجد أحرقنى .. والجسم ذاب لما قد حل بى وطرا .. والهجر أضعفنى والبعد أتلفنى .. وَالصَّبْر قل وَمَا أدْركْت لى وطرا .. أشكوك للمصطفى زين الْوُجُود وَمن .. أرجوه ينقذنى من هجر من هجرا.
وَقَوله : بروحى من لى فى لقاه ولائم .. وَكم فى هَوَاهُ لى عذول ولائم ..على وجنتيه وردتان وخاله .. كمسك لطيف الْوَصْف والثغر باسم .. ذوائبه ليل وطلعة وَجهه .. نَهَار تبدى والثنايا بواسم .. بديع التثنى مُرْسل فَوق خَدّه .. عذارا هوى العذرى لَدَيْهِ ملازم .. وَمن عجب أَنى حفظت وداده .. وَذَلِكَ عندى فى الْمحبَّة لَازم .. وبينى وَبَين الْوَصْل مِنْهُ تبَاين .. وبينى وَبَين الْفَصْل مِنْهُ تلازم.
وَقَوله : لَيْت فى الدَّهْر لَو حظيت بِيَوْم .. فِيهِ أَخْلو من الْهوى والغرام .. خالى الْقلب من تباريح وجد .. وصدود وحرقة وهيام .. كى يراح الْفُؤَاد من طول شوق .. قد سقَاهُ الْهوى بكأس الْحمام ، وَله : يُعَاتب من فى النَّاس يدعى بِعَبْدِهِ .. وَيقتل من بِالْقَتْلِ يرضى بعمده .. ويشهر لى سَيْفا ويمرح ضَاحِكا .. فيا لَيْت سيف اللحظ تمّ بغمده .. فَللَّه من ظبى شرود ونافر .. يجازى جميلا قد صنعت بضده.
وَله : يُبَالغ فى ذمى وأمدح فعله .. فشكرا لمن مَا جَار يَوْمًا بصده ، لَهُ : لَئِن قلد النَّاس الْأَئِمَّة إِنَّنِي .. كفى مَذْهَب الْجد ابْن حَنْبَل رَاغِب .. أقلد فتواه وأعشق قَوْله .. وَلِلنَّاسِ فِيمَا يعشقون مَذَاهِب ، وَكَانَت وَفَاته بِمصْر فى شهر ربيع الاول سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَألف رَحمَه الله “.

18 / نفح الطيب
ظلت الأندلس تحتل قدرا كبيرا من الحضور في الوجدان الجمعي للأمة الإسلامية حتى بعد خروج العرب منها وذلك بسبب تأثيرها القوي في عالم الأدب العربي ودورها الثقافي الذي استمر ثمانية قرون ، ومن أهم المراجع التي أرخت للحركة الأدبية في الأندلس كتاب (نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب) من تأليف الأديب والمؤرخ والفقيه شهاب الدين أبي العباس أحمد بن محمد المقري التلمساني الذي ولد عام 986 هـ / 1578 م في تلمسان بالمغرب الأوسط (الجزائر حاليا) وتوفي عام 1041 هـ / 1631 م بالقاهرة.
ويعرف بالمقري نسبة إلى اسم القرية التي تنحدر منها عائلته وتلقى العلم عن شيوخ عصره في تلمسان ومنهم عمه مفتي تلمسان الشيخ سعيد المقري المتوفي عام 1025 هـ ، وقد تنقل بين فاس ومراكش وحظي بمكانة طيبة لدى حكام المغرب ثم دفعته الاضطرابات السياسية للرحيل إلى المشرق في عام 1027 هـ حيث أدى فريضة الحج ثم استقر في الديار المصرية وتزوج من عائلة السادة الوفائية واشتغل بالتدريس في الجامع الأزهر وواصل رحلاته العلمية مرة أخرى إلى مكة والمدينة والقدس ودمشق.
وفي عام 1037 هـ طلب منه أدباء الشام أن يكتب عن شاعر غرناطة الأشهر الوزير لسان الدين ابن الخطيب صاحب الموشحات الأندلسية ومؤلف العديد من الكتب في التاريخ والأدب والفلسفة والسياسة والموسيقى ، وبعد عودته إلى مصر في عام 1038 هـ شرع في تأليف الكتاب وبدأ بجمع كل ما يتعلق بأعمال ابن الخطيب وسيرته الذاتية ورتبها في فصول أطلق عليها اسم (عرف الطيب في التعريف بالوزير ابن الخطيب) ثم توسع في الكتابة عن الأندلس كلها في فصول أخرى ضمت تاريخها بالتفصيل.
وضم القسمين معا وأطلق عليهما اسم (نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب وذكر وزيرها لسان الدين بن الخطيب) ، وذكر فيها أعلام الأندلس في السياسة والفكر والدين والشعر والأدب وأضاف إليهم فصلا عن من رحل من الأندلسيين إلى بلاد المشرق وكذلك الوافدين على الأندلس من أهل المشرق ، وتناول حياة ابن الخطيب ونشأته ومشايخه وصلاته بالملوك والأكابر مع جملة نماذج مطولة من إنتاجه نثراً وشعراً ثم أولاده وبعض صلاته الأخرى المختلفة وما تعرض له من مؤامرات أودت بحياته.
وكتب المقري عدة كتب أخرى منها كتاب أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض (خمسة أجزاء) وكتاب روضة الأنس العاطرة الأنفاس في ذكر من لقيته من علماء مراكش وفاس وكتاب حسن الثنا في العفو عمن جنى وكتاب عرف النشق في أخبار دمشق وكتاب الدر الثمين في أسماء الهادي الأمين وأرجوزة سماها إضاءة الدجنة في عقائد أهل السنة وأرجوزة سماها زهر الكمامة في العمامة وشرح مقدمة ابن خلدون ورسالة في الوفق الخماسي الخالي الوسط وكتاب البداءة والنشاة وحاشية على شرح أم البراهين.
وقد ترجم له المحبي في كتابه خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر فقال : ” الشَّيْخ أَحْمد بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن يحيى بن عبد الرَّحْمَن بن أبي الْعَيْش بن مُحَمَّد أَبُو الْعَبَّاس الْمقري التلمساني المولد الْمَالِكِي الْمَذْهَب نزيل فاس ثمَّ الْقَاهِرَة حَافظ الْمغرب جاحظ الْبَيَان وَمن لم ير نَظِيره فِي جودة القريحة وصفاء الذِّهْن وَقُوَّة البديهة وَكَانَ آيَة باهرة فِي علم الْكَلَام وَالتَّفْسِير والْحَدِيث ومعحزاً باهراً فِي الْأَدَب والمحاضرات.
وَله المؤلفات الشائعة مِنْهَا عرف الطّيب فِي أَخْبَار ابْن الْخَطِيب وَفتح المتعال الَّذِي صنفه فِي أَوْصَاف نعل النَّبِي وإضاءة الدجنة فِي عقائد أهل السّنة وأزهار الكمامة وأزهار الرياض فِي أَخْبَار القَاضِي عِيَاض وقطف المهتصر فِي أَخْبَار الْمُخْتَصر واتحاف المغري فِي تَكْمِيل شرح الصُّغْرَى وَعرف النشق فِي أَخْبَار دمشق والغث والسمين والرث والثمين وَروض الآس العاطر الأنفاس فِي ذكر من لَقيته من أَعْلَام مراكش وفاس والدر الثمين فِي أَسمَاء الْهَادِي الْأمين وحاشية شرح أم الْبَرَاهِين وَكتاب البدأة والنشأة كُله أدب ونظم وَله رِسَالَة فِي الوفق المخمس الْخَالِي الْوسط وَغير ذَلِك.
ولد بتلمسان وَنَشَأ بهَا وَحفظ اقرآن وَقَرَأَ وَحصل بهَا على عَمه الشَّيْخ الْجَلِيل الْعَالم أبي عُثْمَان سعيد بن أَحْمد الْمقري مفتي تلمسان سِتِّينَ سنة وَمن جملَة مَا قَرَأَ عَلَيْهِ صَحِيح البُخَارِيّ سبع مَرَّات وَرُوِيَ عَنهُ الْكتب السِّتَّة بِسَنَدِهِ عَن أبي عبد الله التنسي عَن وَالِده حَافظ عصره مُحَمَّد بن عبد الله التنسي عَن الْبَحْر أبي عبد الله بن مَرْزُوق عَن أبي حَيَّان عَن أبي جَعْفَر بن الزبير عَن أبي الرّبيع عَن القَاضِي عِيَاض بأسانيده الْمَذْكُورَة فِي كتاب الشفا وَالْأَحَادِيث المسندة فِي الشِّفَاء جَمِيعهَا سِتُّونَ حَدِيثا أفردها بَعضهم فِي جُزْء من أَرَادَ رِوَايَة الْكتب السِّتَّة من طَرِيقه فليأخذها من كتاب الشفا أَو من الْجُزْء الْمَذْكُور.
وَكَانَ يخبر عَن بَلْدَة تلمسان أَنَّهَا بَلْدَة عَظِيمَة من أحاسن بِلَاد الْمغرب وَأَنَّهَا فِي يَد العثمانيين سلاطين مملكتنا هِيَ الْحَد الْمَضْرُوب بَين سلطاننا وسلطان الْمغرب ورحل إِلَى فاس مرَّتَيْنِ مرّة سنة تسع بعد الْألف وَمرَّة سنة ثَلَاث عشرَة وَكَانَ يخبر أَنَّهَا دَار الْخلَافَة للمغرب وَكَانَ بهَا الْملك الْأَعْظَم مولَايَ أَحْمد الْمَنْصُور الْمَشْهُور بِالْفَضْلِ وَالْأَدب الْمُقدم ذكره وَأَن الْفَتْوَى صَارَت إِلَيْهِ فِي زَمَنه وَمن بعده لما اختلت أَحْوَال المملكة بِسَبَب أَوْلَاده إِلَى حَدِيث يطول ذكره.
ارتحل تَارِكًا للمنصب والوطن فِي أَوَاخِر شهر رَمَضَان سنة سبع وَعشْرين بعد الْألف قَاصِدا حج بَيت الله الْحَرَام ثمَّ ورد إِلَى مصر بعد أَدَاء الْحَج فِي رَجَب سنة ثَمَان وَعشْرين وَألف وَتزَوج بهَا من السَّادة الوفائية وسكنها وَقد سُئِلَ عَن حَظه بهَا فَقَالَ قد دَخلهَا قبلنَا ابْن الْحَاجِب وَأنْشد فِيهَا قَوْله : يَا أهل مصر وجدت أَيْدِيكُم .. فِي بذلها بالسخاء منقبضه .. لما عدمت الْقرى بأرضكم .. أكلت كتبي كأنني أرضه ، وَأنْشد هُوَ لنَفسِهِ : تركت رسوم عزي فِي بلادي .. وصرت بِمصْر منسي الرسوم .. وَنَفْسِي عفتها بالذل فِيهَا .. وَقلت لَهَا عَن العلياء صومي .. ولي عزم كَحَد السَّيْف مَاض .. وَلَكِن اللَّيَالِي من خصومي.
ثمَّ زار بَيت الْمُقَدّس فِي شهر ربيع الأول سنة تسع وَعشْرين وَألف وَرجع إِلَى الْقَاهِرَة وَكرر مِنْهَا الذّهاب إِلَى مَكَّة فَدَخلَهَا بتاريخ سنة سبع وَثَلَاثِينَ خمس مَرَّات وأملى بهَا دروساً عديدة ووفد على طيبَة سبع مَرَّات وأملى الحَدِيث النَّبَوِيّ بمرأى مِنْهُ ومسمع ثمَّ رَجَعَ إِلَى مصر فِي صفر سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَدخل الْقُدس فِي رَجَب من تِلْكَ السّنة وَأقَام خَمْسَة وَعشْرين يَوْمًا ثمَّ ورد مِنْهَا إِلَى دمشق فَدَخلَهَا فِي أَوَائِل شعْبَان وأنزلته المغاربة فِي مَكَان لَا يَلِيق بِهِ فَأرْسل إِلَيْهِ أَحْمد بن شاهين مِفْتَاح مدرسة الجقمقية وَكتب مَعَ الْمِفْتَاح هَذِه الأبيات :
كنف الْمقري شَيْخي مقرى .. وَإِلَيْهِ من الزَّمَان مفري .. كنف المعترى مثل صَدره فِي اتسعا .. وعلوم كالبحر فِي ضمن بَحر .. أَي بدر قد اطلع الدَّهْر مِنْهُ .. مَلأ الشرق نوره أَي بدر .. أَحْمد سَيِّدي وشيخي وذخري .. وَسمي ذَاك أشرف فخري .. طَائِر الصيت لِابْنِ شاهين ينمي .. من بروض الندى لَهُ خير ذكر .. أَحْمد الممتطين ذرْوَة مجد .. لعوان من الْمَعَالِي وَبكر .. حل مِفْتَاح فَضله بَاب وصل .. من مَعَاني تَعْرِيفه دون نكر .. يَا بديع الزَّمَان دم فِي ازدياد .. بالعلى وازدياد تجنيس شكر.
وَلما دخل إِلَيْهَا أَعْجَبته فَنقل أَسبَابه إِلَيْهَا واستوطنها مُدَّة إِقَامَته وأملى صَحِيح البُخَارِيّ بالجامع تَحت قبَّة النسْر بعد صَلَاة الصُّبْح وَلما كثر النَّاس بعد أَيَّام خرج إِلَى صحن الْجَامِع تجاه الْقبَّة الْمَعْرُوفَة بالباعونية وحضره غَالب أَعْيَان عُلَمَاء دمشق وَأما الطّلبَة فَلم يتَخَلَّف مِنْهُم أحد وَكَانَ يَوْم خَتمه حافلاً جدا اجْتمع فِيهِ الألوف من النَّاس وعلت الْأَصْوَات بالبكاء فنقلت حَلقَة الدَّرْس إِلَى وسط الصحن إِلَى الْبَاب الَّذِي يوضع فِيهِ الْعلم النَّبَوِيّ فِي الْجُمُعَات من رَجَب وَشَعْبَان ورمضان وأتى لَهُ بكرسي الْوَعْظ فَصَعدَ عَلَيْهِ وَتكلم بِكَلَام فِي العقائد والْحَدِيث لم يسمع نَظِيره أبدا.
وَتكلم على تَرْجَمَة البُخَارِيّ وَأنْشد لَهُ بَيْتَيْنِ وَأفَاد أَن لَيْسَ للْبُخَارِيّ غَيرهمَا وهما : اغتنم فِي الْفَرَاغ فضل رُكُوع .. فَعَسَى أَن يكون موتك بغته .. كم صَحِيح قد مَاتَ قبل سقيم .. ذهبت نَفسه النفيسة فلته ، قلت وَرَأَيْت فِي بعض المجاميع نقلا عَن الْحَافِظ ابْن حجر أَنه وَقع للْبُخَارِيّ ذَلِك أَو قريب مِنْهُ وَهَذِه من الغرائب انْتهى ، وَكَانَت الجلسة من طُلُوع الشَّمْس إِلَى قرب الظّهْر ثمَّ ختم الدَّرْس بِأَبْيَات قَالَهَا حِين ودع الْمُصْطَفى وَهِي قَوْله : يَا شَفِيع العصاة أَنْت رجائي .. كَيفَ يخْشَى الرَّجَاء عنْدك خيبه .. وَإِذا كنت حَاضرا بفؤادي .. غيبَة الْجِسْم عَنْك لَيست بغيبة .. لَيْسَ بالعيش فِي الْبِلَاد انْقِطَاع .. أطيب الْعَيْش مَا يكون بطيبه.
وَنزل عَن الْكُرْسِيّ فازدحم النَّاس على تَقْبِيل يَده وَكَانَ ذَلِك نَهَار الْأَرْبَعَاء سَابِع عشرى رَمَضَان سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَألف وَلم يتَّفق لغيره من الْعلمَاء الواردين إِلَى دمشق مَا اتّفق لَهُ من الحظوة وإقبال النَّاس وَكَانَ بعد مَا رأى من أَهلهَا مَا رأى كثر الاهتمام بمدحها وَقد عقد فِي كِتَابه عرف الطّيب فصلا يتَعَلَّق بهَا وبأهلها
وَكَانَت إِقَامَته بِدِمَشْق دون الْأَرْبَعين يَوْمًا ثمَّ رَحل مِنْهَا فِي خَامِس شَوَّال سنة تسع وَثَلَاثِينَ إِلَى مصر وَعَاد إِلَى دمشق مرّة ثَانِيَة فِي أَوَاخِر شعْبَان سنة اربعين وَحصل لَهُ من الْإِكْرَام مَا صَحِلَ فِي قَدمته الأولى وَحين فَارقهَا أنْشد قَوْله : إِن شام قلبِي عَنْك بارق سلوة .. يَا شام كنت كمن يخون ويغدر .. كم راحل عَنْهَا لفرط ضَرُورَة .. وعَلى الْقَرار بغَيْرهَا لَا يقدر .. متصاعدا لزفرات مكلوم الحشا .. والدمع من أجفانه يتحدر.
وَدخل مصر وَاسْتقر بهَا مُدَّة يسيرَة ثمَّ طلق زَوجته الوفائية وَأَرَادَ الْعود إِلَى دمشق للتوطن بهَا ففاجأه الْحمام قبل نيل المرام وَكَانَت وَفَاته فِي جمادي الْآخِرَة سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَألف وَدفن بمقبرة المجاورين وَقَالَ الأديب إِبْرَاهِيم الأكرمي فِي تَارِيخ وَفَاته : قد ختم الْفضل بِهِ .. فأرخوه خَاتم ، والمقري بِفَتْح الْمِيم وَتَشْديد الْقَاف وَآخِرهَا رَاء مُهْملَة وَقيل بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْقَاف لُغَتَانِ أشهرهما الأولى نِسْبَة إِلَى قَرْيَة من قرى تلمسان وإليها نِسْبَة آبَائِهِ “.
ويتحدث المقري عن تأليف الكتاب وكيف ظهرت الفكرة في بلاد الشام فيقول في مقدمته : ” وكنا في خلال الإقامة بدمشق المحوطة وأثناء التأمل في محاسن الجامع والمنازل والقصور كثيراً ما ننظم في سلك المذاكرة درر الأخبار الملقوطة ونفيأ من ظلال التبيان مع أولئك الأعيان في مجالس مغبوطة نتجاذب فيها أهداب الآداب ونشرب من سلسال الاسترسال ونتهادى لباب الألباب ونمد بساط الانبساط ونسدل أطناب الإطناب ونقضي أوطار الأقطار ، ونستدعي أعلام الأعلام فينجر بنا الكلام والحديث شجون وبالتفنن يبلغ المستفيدون ما يرجون ، إلى ذكر البلاد الأندلسية ووصف رياضها السندسية التي هي بالحسن منوطة وقضاياها الموجهة التي لا يستوفيها المنطق مع أنها ضرورية وممكنة ومشروطة والفطر السليمة والأفهام المستقيمة بتسليم براهينها قاضية لا سيما إن كانت بالإنصاف مربوطة.
فصرت أورد من بدائع بلغائها ما يجري على لساني من الفيض الرحماني وأسرد من كلام وزيرها لسان الدين بن الخطيب السلماني صب الله عليه شآبيب رحماه وبلغه من رضوانه الأماني ما تثيره المناسبة وتقتضيه وتميل إليه الطباع السليمة وترتضيه من النظم الجزل في الجد والهزل والإنشاء الذي يدهش به ذاكرة الألباب إن شاء وتصرفه في فنون البلاغة حالي الولاية والعزل ، إذ هو – أعني لسان الدين – فارس النظم والنثر في ذلك العصر والمنفرد بالسبق في تلك الميادين بأداة الحصر وكيف لا ونظمه لم تستول على مثله أيدي الهصر ونثره تزري صورته بالخريدة ودمية القصر.
فلما تكرر ذلك غيره مرة على أسماعهم لهجوا به دون غيره حتى صار كأنه كلمة إجماعهم وعلق بقلوبهم وأضحى منتهى مطلوبهم ومية آمالهم وأطماعهم وصاروا يقطفون بيد الرغبة فنونه ويعترفون ببراعته ويستحسنونه ويستنشقون من أزهاره كل ذاك ، فطلب مني المولى أحمد الشاهيني إذ ذاك وهو الماجد المذكور ذو السعي المشكور أن أتصدى للتعريف بلسان الدين في مصنف يعرب عن بعض أحواله وأنبائه وبدائعه وصنائعه ووقائعه مع ملوك عصره وعلمائه وأدبائه،ومفاخره التي قلد بها جيد الزمان ولبته ومآثره التي ارج بها مسرى الشمال وهبته وبعض ما له من النثار والنظام والمؤلفات الكبار العظام الرائقة للأبصار الفائقة على كلام كثير من أهل الأمصار السائرة مسير القمر والشمس المعقودة عليها الخناصر بل الخمس كيما يكون ذلك لهذه الأغراض مشيعاً ويخلع على مطالعه بهذه البلاد المشرقية من أغراضه البديعة ومنازعه وشيعا “.
ثم يتحدث عن شروعه في تصنيف الكتاب بمصر فيقول : ” إني شرعت بعد الاستقرار بمصر في المطلوب وكتبت منه نبذة تستحسنها من المحبين الأسماع والقلوب وسلكت في ترتيبه أحسن أسلوب وعرضت في سوقه كل نفيس غريب من الغرب إلى الشرق مجلوب تستحسن الأبصار ما عليه احتوى وتعرف الأفكار أنه غير مجتوى ، ثم وقف بي مركب العزم عن التمام واستوى فأخرته تأخير الغريم لدين الكريم وصدتني أعراض عن تكميل ما يشتمل عليه من أغراض واضربت برهة عما له من منحى لاختلاف أحوال الدهر نفعاً ودفعاً ومنعاً ومنحاً ومرقت عن هدف الإصابة نبال وطرقت في سدف لبالي الكتابة أمور لم تكن ببال.
ولما حصل لي كمال الاغتباط بما دل على صحة حال الارتباط نشرت بساط الانبساط وحدثت لي قوة النشاط وانقشعت عني سحائب الكسل وانجابت وناديت فكرتي فلبت مع ضعفها وأجابت فاقتدحت من القريحة زنداً كان شحاحاً وجمعت من مقيداتي حساناً وصحاحاً وكنت كتبت شطره وملأت بما تيسر هامشه وسطره ، ورقمت من أنباء لسان الدين ابن الخطيب حللا لا تخلق جدتها الأعصر وسلكت من التعريف به رحمه الله مهامه تكل فيها واسعات الخطا وتقصر ، فحدث لي بعد ذلك عزم على زيادة الأندلس ذكر الأندلس جملة ومن كان يعضد بها الإسلام وينصر وبعض مفاخرها الباسقة ومآثر أهلها المتناسقة لأن كل ذلك لا يستوفيه القلم ولا يحصر.
فدونك أيها الناظر في هذا الكتاب المتجافي عن مذهب النقد والعتاب كلمات سوانح اختلست مع اشتعال الجوانح وتضاد الأمور الموانع والموانح وألفاظ بوارح اقتضت بين أشغال الجوارح وطرفاً أسمت الطرف في مرعاها وكانت هملاً غير سوارح وتحفاً يحصل بها لناظره الإمتاع ولا يعدها من سقط المتاع المبتاع ويلهج بها المرتاح ويستأنس المستوحش المرتاع.
وبعد أن خمنت تمام هذا التصنيف وأمعنت النظر فيما يحصل به التقريط لسامعه والتشنيف، قسمته قسمين وكل منهما مستقل بالمطلوب فيصح أن يسميا باسمين :
القسم الأول – فيما يتعلق بالأندلس من الأخبار المترعة الأكواب والأنباء المنتحية صوب الصواب الرافلة من الإفادة في سوابغ الأثواب ، وفيه بحسب القصد والاقتصار وتحري التوسط في بعض المواضع دون الاختصار ثمانية من الأبواب :
الباب الأول : في وصف جزيرة الأندلس وحسن هوائها واعتدال مزاجها ووفور خيرها وكمالها واستوائها واشتمالها على كثير من المحاسن واحتوائها وكرم نباتها الذي سقته سماء البركات من جنباتها بنافع أنوائها وذكر بعض مآثرها المجلوة الصور وتعداد كثير مما لها من البلدان والكور المستمدة من أضوائها.
الباب الثاني : في إلقاء بلد الأندلس للمسلمين بالقياد وفتحها على يد موسى بن نصير ومولاه طارق بن زياد ، وصيرورتها ميداناً لسبق الجياد ومحط رحال الارتياء والارتياد وما يتبع ذلك من خبر حصل بازديانه ازدياد ونبإ وصل إليه اعتيام وتقرر بمثله اعتياد.
الباب الثالث : في سرد بعض ما كان للدين بالأندلس من العز السامي العماد والقهر للعدو في الرواح والغدو والتحرك للهدو البالغ غاية الآماد ، وإعمال أهلها للجهاد بالجد والاجتهاد في الجبال والوهاد بالأسنة المشرعة والسيوف المستلة من الأغماد.
الباب الرابع : في ذكر قرطبة التي كانت الخلافة بمصرها للأعداء قاهرة وجامعها الأموي ذي البدائع الباهية الباهرة والإلماع بحضرتي الملك : الزهراء الناصرية والعامرية الزاهرة ووصف جملة من متنزهات تلك الأقطار ومصانعها ذات المحاسن الباطنة والظاهرة وما يجر إليه شجون الحديث من أمور تقتضي بحسن إيرادها القرائح الوقادة والأفكار الماهرة.
الباب الخامس : في التعريف ببعض من رحل من الأندلسيين إلى بلاد المشرق الذاكية العرار والبشام ومدح جماعة من أولئك الأعلام ذوي الألباب الراجحة والأحلام لشامة وجنة الأرض دمشق الشام، وما اقتضته المناسبة من كلام أعيانها وأرباب بيانها ذوي السؤدد والاحتشام ومخاطباتهم للمؤلف الفقير حين حلها عام سبعة وثلاثين وألف وشاهد برق فضلها المبين وشام.
الباب السادس : في ذكر بعض الوافدين على الأندلس من أهل المشرق المهتدين في قصدهم إليها بنور الهداية المضيء المشرق والأكابر الذين حلوا منها بحلولهم فيها الجيد والمفرق وافتخروا برؤية قطرها المونق على المشئم والمعرق.
الباب السابع : في نبذة مما من الله تعالى به على أهل الأندلس من توقد الأذهان وبذلهم في اكتساب المعارف والمعالي والمعالي ما عز أو هان وحوزهم في ميدان البراعة من قصب السبق خصل الرهان ، وجملة من أجوبتهم الدالة على لوذعيتهم وأوصافهم المؤذنة بألمعيتهم وغير ذلك من أحوالهم التي لها على فضلهم أوضح برهان.
الباب الثامن : في ذكر تغلب العدو الكافر على الجزيرة بعد صرفه وجوه الكيد إليها وتضريبه بين ملوكها ورؤسائها بمكره واستعماله في أمرها حيل فكره حتى استولى – دمره الله – عليها ومحا منها التوحيد واسمه وكتب على مشاهدها ومعاهدها وسمه وقرر مذهب التثليب والرأي الخبيث لديها ، واستغاثة من بها بالنظم والنثر أهل ذلك العصر من سائر الأقطار حين تعذرت بحصارها مع قلة حماتها وأنصارها المآرب والأوطار وجاءها الأعداء من خلفها ومن بين يديها ، أعاد الله تعالى إليها كلمة الإسلام وأقام فيها شريعة سيد الأنام عليه أفضل الصلاة والسلام ورفع يد الكفر عنها وعما حواليها آمين.
ولم أخل باباً في هذا القسم من كلام لسان الدين بن الخطيب وإن قل مع أن القسم الثاني بذلك كما ستقف عليه قد استقل ، وهذا آخر ما تعلق بالقسم الأول، وعلى الله سبحانه المتكل والمعول.
القسم الثاني – في التعريف بلسان الدين بن الخطيب وذكر أنبائه التي يروق سماعها ويتأرج نفحها ويطيب وما يناسبها من أحوال العلماء الأفراد والأعلام الذي اقتضى ذكرهم شجون الكلام والاستطراد ، وفيه أيضاً من الأبواب ثمانية موصلة إلى جنات أدب قطوفها دانية وكل غصن منها رطيب :
الباب الأول : في أولية لسان الدين وذكر أسلافه الذين ورث عنهم المجد وارتضع در أخلافه وما يناسب ذلك مما لا يذهب المنصف إلى خلافه.
الباب الثاني : في نشأته وترقيه ووزارته وسعادته ومساعدة الدهر له ثم قلبه له ظهر المجن على عادته في مصافاته ومنافاته وارتكابه في شباكه وما لقي من إحن الحاسد ذي المذهب الفاسد ومحن الكايد المستأسد وآفاته ، وذكر قصوره وأمواله وغير ذلك من أحواله في تقلباته عندما قابله الزمان بأهواله في بدئه وإعادته إلى وفاته.
الباب الثالث : في ذكر مشايخه الجلة هداة الناس ونجوم الملة وما يتصل بذلك من الأخبار الشافعية للعلة والمواعظ المنجية من الأهواء المضلة والمناسبات الواضحة البراهين والأدلة.
الباب الرابع : في مخاطبات الملوك والأكابر الموجهة إلى حضرته العلية وثناء غير واحد من أهل عصره عليه وصرف القاصدين وجوه التأمل إليه واجتلائهم أنوار رياسته الجلية.
الباب الخامس : في إيراد جملة من نثره الذي عبق أريج البلاغة من نفحاته ونظمه الذي تألق نور البراعة من لمحاته وصفحاته وما يتصل به من بعض أزجاله وموشحاته ومناسبات رائقة من فنون الأدب ومصطلحاته.
الباب السادس : في مصنفاته في الفنون ومؤلفاته المحققة للواقف عليها الآمال والظنون وما كمل منها أو اخترمته دون إتمامه المنون.
الباب السابع : في ذكر بعض تلامذته الآخذين عنه المستدلين به على المنهاج المتلقين أنواع العلوم منه والمقتبسين أنوار الفهوم من سراجه الوهاج.
الباب الثامن : في ذكر أولاده الرافلين في حلل الجلالة المقتفين أوصافه الحميدة وخلاله الوارثين العلم والحلم والرياسة والمجد عن غير كلالة ، ووصيته لهم الجامعة لآداب الدين والدنيا المشتملة على النصائح الكافية والحكم الشافية من كل مرض بلا ثنيا المنقذة من أنواع الضلالة وما يتبع ذلك من المناسبات القوية والأمداح النبوية التي لها على حسن الختام أظهر دلالة.
وقد كنت أولاً سميته بعرف الطيب في التعريف بالوزير ابن الخطيب ثم وسمته حين ألحقت أخبار الأندلس به بنفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب وذكر وزيرها لسان الدين بن الخطيب ” .

19 / السيرة الحلبية
(السيرة الحلبية) هو اسم الشهرة لأحد كتب السيرة النبوية ذائعة الصيت واسعة الانتشار وهو كتاب إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون من تصنيف المؤرخ والمتصوف والأديب والكاتب الإمام أبي الفرج نور الدين علي بن برهان الدين إبراهيم الحلبي الذي ولد في القاهرة عام 975 هـ / 1567 م وتوفي فيها عام 1044 هـ / 1635 م وهو من كبار المؤلفين في مجالات عدة ولقب بالحلبي نسبة إلى موطن أسرته الأول في مدينة حلب السورية قبل هجرتهم إلى مصر واستقرارهم فيها.
وقد ترجم له المحبي في كتابه خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر فقال : ” علي بن ابراهيم بن أَحْمد بن على بن عمر الملقب نور الدّين بن برهَان الدّين الحلبى القاهرى الشافعى صَاحب السِّيرَة النَّبَوِيَّة الامام الْكَبِير أجل أَعْلَام الْمَشَايِخ وعلامة الزَّمَان كَانَ جبلا من جبال الْعلم وبحرا لَا سَاحل لَهُ وَاسع الْحلم عَلامَة جليل الْمِقْدَار جَامعا لأشتات العلى صارفا نقد عمره فى بَث الْعلم النافع ونشره وحظى فِيهِ حظوة لم يحظها أحد مثله فَكَانَ درسه مجمع الْفُضَلَاء ومحط رحال النبلاء وَكَانَ غَايَة فى التَّحْقِيق حاد الْفَهم قوى الفكرة متحريا فى الْفَتَاوَى جَامعا بَين الْعلم وَالْعَمَل صَاحب جد واجتهاد.
عَم نَفعه النَّاس فَكَانُوا يأتونه لأخذ الْعَمَل عَنهُ من الْبِلَاد مهابا عِنْد خَاصَّة النَّاس وعامتهم حسن الْخلق والخلق ذَا دعابة لَطِيفَة فى درسه مَعَ جلالته وَكَانَ الشُّيُوخ يثنون عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهله من الْفضل التَّام ومزيد الْجَلالَة والاحترام وَكَانَ اذا مر على الشَّيْخ سُلْطَان المزاحى وَهُوَ فى درسه مَعَ جلالته يقوم لَهُ وَيقبل يَدَيْهِ وَيَأْخُذ سر موذته بِيَدِهِ ويضعها فى خزانَة الشَّيْخ على ويفرش لَهُ سجادته الَّتِى يجلس عَلَيْهَا فى التدريس ثمَّ يرجع الى درسه ووقف جَمِيع كتبه على الشَّيْخ الْمَذْكُور.
ولد بِمصْر فى سنة خمس وَسبعين وَتِسْعمِائَة وروى عَن الشَّمْس الرملى ولازمه سِنِين عديدة وَعَن الاستاذ مُحَمَّد البكرى والنور الزيادى والشهاب ابْن قَاسم وابراهيم العلقمى وَصَالح البلقينى وأبى النَّصْر الطبلاوى وَعبد الله الشنشورى وَسعد الدّين المرحومى وَسَالم الشبشيرى وَعبد الْكَرِيم البولاقى وَمُحَمّد الخفاجى وأبى بكر الشنوانى وَمَنْصُور الخوانكى وَمُحَمّد الميمونى الشافعيين وَعَن الامام على بن غَانِم المقدسى الحنفى وَمُحَمّد النحريرى الحنفى وَسَالم السنهورى المالكى وَمُحَمّد بن الترجمان الحنفى وَمُحَمّد الزفزاف وَعبد الْمجِيد خَليفَة سيدى أَحْمد البدوى.
وانتفع بِهِ خلق لَا يُحصونَ كَثْرَة مِنْهُم النُّور الشبراملسى وَالشَّمْس مُحَمَّد الوسيمى وَالشَّمْس مُحَمَّد النحريرى وَغَيرهم ألف المؤلفات البديعة مِنْهَا السِّيرَة النَّبَوِيَّة الَّتِى سَمَّاهَا انسان الْعُيُون فى سيرى النبى الْمَأْمُون فى ثَلَاث مجلدات اختصرها من سيرة الشَّيْخ مُحَمَّد الشامى وَزَاد أَشْيَاء لَطِيفَة الْموقع وَقد اشتهرت اشتهارا كثيرا وتلقتها افاضل الْعَصْر بِالْقبُولِ حررها تحريرا مَا مَعَ الشَّيْخ سُلْطَان.
وَله حَاشِيَة على مَنْهَج القاضى زَكَرِيَّا وحاشية على شرح الْمِنْهَاج للجلال الْمحلى وحاشية على شرح الورقات للجلال الْمَذْكُور وحاشية على شرح الورقات لِابْنِ امام الكاملية وحاشية على شرح التصريف للسعد وَشرح على الاربعين النووية وَشرح على الشَّمَائِل النَّبَوِيَّة لم يتم سَمَّاهُ الوفا لشرح شمائل الْمُصْطَفى رد فِيهِ كثيرا على عصريه عبد الرؤف المناوى وَحسن التَّبْيِين لما وَقع فى مِعْرَاج الشَّيْخ نجم الدّين وَالْفَجْر الْمُنِير بمولد البشير النذير وَشرح لَيْلَة النّصْف من شعْبَان وَشرح على الْبردَة وَشرح على المنفرجة وزهر المزهر وَهُوَ مُخْتَصر المزهر للسيوطى فى اللُّغَة.
وَشرح على شرح الْقطر للفاكهى ومطالع البدور فى الْجمع بَين الْقطر والشذور والفوائد العلوية بشرح شرح الازهرية والتحفة السّنيَّة شرح الاجرومية وَغَايَة الاحسان بِوَصْف من لقِيه من أَبنَاء الزَّمَان وَحسن الْوُصُول الى لطائف حكم الْفُصُول والمحاسن السّنيَّة من الرسَالَة القشيرية وَالْجَامِع الازهر لما تفرق من ملح الشَّيْخ الاكبر والنفحة العلوية من الأجوبة الحلبية والنصيحة العلوية فى بَيَان حسن الطَّرِيقَة الاحمدية وَالْمُخْتَار من حسن الثنا فى الْعَفو عَمَّن جنا واللطائف من عوارف المعارف.
وتحرير الْمقَال فى بَيَان وحدة من نَحْو لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده من أى أَنْوَاع الْحَال والطراز المنقوش فى أَوْصَاف الحبوش وصبابة الصبابه مُخْتَصر ديوَان الصبابه وانقاذ المهج بمختصر الْفرج وَمتْن فى التصريف وحسنات الوجنات النواخر من الْوُجُوه والنظائر واعلام الناسك بِأَحْكَام الْمَنَاسِك وَقطعَة لَطِيفَة على الْجَامِع الصَّغِير وَشرح على شرح الْبَسْمَلَة للقاضى زَكَرِيَّا سَمَّاهُ خير الْكَلَام على الْبَسْمَلَة وَالْحَمْد لَهُ لشيخ الإسلام.
وَله قِطْعَة علقها على أَوَائِل تَفْسِير البيضاوي وله رِسَالَة لَطِيفَة فى التصوف ودخان التبغ وَغير ذَلِك ، وَكَانَ أحد مَشَايِخ الْمدرسَة الصلاحية الَّتِى هى تَاج الْمدَارِس الكائنة بجوار الامام الشافعى وَأَعْطَاهُ الله الْقبُول التَّام فى تأليفه وَكَانَت وَفَاته يَوْم السبت آخر يَوْم من شعْبَان سنة أَربع وَأَرْبَعين وَألف وَدفن بمقبرة المجاورين رَحمَه الله “.
وقد استهل كتابه بمقدمة جاء فيها : ” بسم الله الرحمن الرحيم حمدا لمن نضر وجوه أهل الحديث وصلاة وسلاما على من نزل عليه أحسن الحديث وعلى آله وأصحابه أهل التقدم في القديم والحديث صلاة وسلاما دائمين ما سارت الأئمة في جمع سير المصطفى السير الحثيث.
وبعد ، فيقول أفقر المحتاجين وأحوج المفتقرين لعفو ذي الفضل والطول المتين علي بن برهان الدين الحلبي الشافعي : إن سيرة المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام من أهم ما اهتم به العلماء الأعلام وحفاظ ملة الإسلام كيف لا وهو الموصل لعلم الحلال والحرام والحامل على التخلق بالأخلاق العظام وقد قال الزهري رحمه الله : في علم المغازي (خير الدنيا والآخرة) وهو أول من ألف في السير.
قال بعضهم : أول سيرة ألفت في الإسلام سيرة الزهري ، وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أنه قال : كان أبي يعلمنا مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم وسراياه فيقول : يا بنيّ هذه شرف آبائكم فلا تنسوا ذكرها ، وأحسن ما ألف في ذلك وتداولته الأكياس سيرة الحافظ أبي الفتح ابن سيد الناس لما جمعت من تلك الدراري والدرر ومن ثم سماها (عيون الأثر) غير أنه أطال بذكر الإسناد الذي كان للمحدثين به مزيد الاعتداد وعليه لهم كثير الاعتماد إذ هو من خصائص هذه الأمة ومفتخر الأئمة لكنه صار الآن لقصور الهمم لا تقبله الطباع ولا تمتد إليه الأطماع.
وأما سيرة الشمس الشامي فهو وإن أتى فيها بما يعد في صفائح وجوه الصحائف حسنات لكنه أتى فيها بما هو في أسماع ذوي الأفهام كالمعادات ، ولا يخفى أن السير تجمع الصحيح والسقيم والضعيف والبلاغ والمرسل والمنقطع والمعضل دون الموضوع ومن ثم قال الزين العراقي رحمه الله : وليعلم الطالب أن السيرا .. تجمع ما صح وما قد أنكرا ، وقد قال الإمام أحمد بن حنبل وغيره من الأئمة : إذا روينا في الحلال والحرام شددنا وإذا روينا في الفضائل ونحوها تساهلنا ، وفي الأصل : والذي ذهب إليه كثير من أهل العلم الترخص في الرقائق وما لا حكم فيه من أخبار المغازي وما يجري مجرى ذلك وأنه يقبل منها ما لا يقبل في الحلال والحرام لعدم تعلق الأحكام بها.
فلما رأيت السيرتين المذكورتين على الوجه الذي لا يكاد ينظر إليه لما اشتملتا عليه ، عنّ لي أن ألخص من تينك السيرتين أنموذجا لطيفا يروق للأحداق ويحلو للأذواق يقرأ مع ما أضمه إليه بين يدي المشايخ على غاية الانسجام ونهاية الانتظام ، ولا زلت في ذلك أقدم رجلا وأؤخر أخرى لكوني لست من أهل هذا الشأن ولا ممن يسابق في ميدانه على خيل الرهان حتى أشار عليّ بذلك وبسلوك تلك المسالك من إشارته واجبة الاتباع ومخالفة أمره لا تستطاع ، ذو البديهة المطاوعة والفضائل البارعة والفواضل الكثيرة النافعة من إذا سئل عن أي معضلة أشكلت على ذوي المعرفة والوقوف لا تراه يتوقف ولا يخرج عن صوب الصواب ولا يتعسف ولا أخبر في كثير من الأوقات عن شيء من المغيبات وكاد أن يتخلف.
وهو الأستاذ الأعظم والملاذ الأكرم مولانا الشيخ أبو عبد الله وأبو المواهب محمد فخر الإسلام البكري الصديقي كيف لا وهو محل نظر والده من نشر ذكره ملأ المشارق والمغارب وسرى سره في سائر المساري والمسارب ولي الله والقائم بخدمته في الأسرار والإعلان والعارف به الذي لم يتمار في أنه القطب الفرد الجامع اثنان مولانا الأستاذ أبو عبد الله وأبو بكر محمد البكري الصديقي ، ولا بدع فإنه نتيجة صدر العلماء العاملين وأستاذ جميع الأستاذين والمعدود من المجتهدين صاحب التصانيف المفيدة في العلوم العديدة مولانا الأستاذ (محمد أبو الحسن) تاج العارفين البكري الصديقي أعاد الله تعالى عليّ وعلى أحبابي من بركاتهم وجعلنا في الآخرة من جملة أتباعهم.
فلما أشار عليّ ذلك الأستاذ بتلك الإشارة ورأيتها منه أعظم بشارة شرعت معتمدا في ذلك على من يبلغ كل مؤمل أمله ولم يخيب من قصده وأمله وقد يسر الله تعالى ذلك على أسلوب لطيف ومسلك شريف لا تمله الأسماع ولا تنفر منه الطباع ، والزيادة التي أخذتها من سيرة الشمس الشامي على سيرة أبي الفتح ابن سيد الناس الموسومة بعيون الأثر إن كثرت ميزتها بقولي في أولها قال وفي آخرها انتهى ، وإن قلت أتيت بلفظة أي وجعلت في آخر القولة دائرة هكذا بالحمرة وربما أقول وفي السيرة الشامية وربما عبرت عن الزيادة القليلة بقال وعن الكثيرة بأي وما ليس بعده تلك الدائرة فهو من الأصل أعني (عيون الأثر) غالبا ، وقد يكون من زيادتي على الأصل والشامي كما يعلم بالوقوف عليهما وربما ميزت تلك الزيادة بقولي في أولها أقول وفي آخرها والله أعلم وقد يكون من الزيادة ما أقول ، وفي السيرة الهشامية بتقديم الهاء على الشين وحيث أقول قال في الأصل أو ذكر في الأصل أو نحو ذلك فالمراد به عيون الأثر.
ثم عنّ لي أن أذكر من أبيات القصيدة الهمزية المنسوبة لعالم الشعراء وأشعر العلماء وهو الشيخ شرف الدين البوصيري ناظم القصيدة المعروفة بالبردة ما تضمنته تلك الأبيات وأشارت إليه من ذلك السياق فإنه أحلى في الأذواق وربما أحل ذلك النظم بما يوضح معناه ويظهر تركيب مبناه وربما أذكر أيضا من أبيات تائية الإمام السبكي ما يناسب المقام ، وربما أذكر أيضا بعض أبيات من كلام صاحب الأصل من قصائده النبوية المجموعة بديوانه المسمى ببشرى اللبيب بذكرى الحبيب ، وقد سميت مجموع ذلك : (إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون) وأسأل من لا مسؤول إلا إياه أن يجعل ذلك وسيلة لرضاه آمين “.

20 / اخبار الأول
(أخبار الأول) هو اسم الشهرة لكتاب لطائف أخبار الأول فيمن تصرف في مصر من أرباب الدول والذي صنفه قاضي المنوفية المؤرخ والأديب محمد بن عبد المعطي بن أبي الفتح بن أحمد بن الإسحاقي المنوفي الشافعي المتوفي في بلدته منوف عام 1060 هـ / 1650 م ، وهو كتاب يتناول تاريخ مصر ورتبه على مقدمة وعشرة أبواب تناول فيه فضائل مصر ثم تاريخ مختصر للبلاد في عصور الدول الإسلامية المتعاقبة ثم تناول الأحداث في مصر العثمانية في الفصلين التاسع والعاشر حتى نهاية سلطنة مصطفى الأول عام 1032 هـ.
وله في مجال التاريخ كتاب آخر يعد سجلا لحكام مصر خاصة ولاتها في العصر العثماني وهو كتاب (دوحة الأزهار الإسحاقية فيمن ولي الديار المصرية) وله أيضاً كتاب (الروض الباسم في أخبار من مضى من العوالم) وهو تأريخ لحياة الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين والأمويين والعباسيين والفاطميين والسلاطين الأيوبيين وختمها بأحداث مصر حتى عام 1042 هـ ، ومن مؤلفاته الأخرى كل من : الكوكب المنير بخصائص النبي البشير ، لوامع التنوير شرح الكوكب المنير نظم خصائص البشير النذير ، موشح الإسحاقي ، ديوان سلاف الإنشاء.
وقد جمع الكتاب بين التاريخ والأدب حيث ضم في ثناياه كثيرا من الحكايات الأدبية اللطيفة والقصائد الشعرية المتنوعة ، وقد استهله بمقدمة جاء فيها : ” وبعد ، فإنه لا يخفى على كل ذي ذوق سليم وفهم رائق مستقيم أن فن التاريخ من فاكهة المفاكهة بالغاية القصوى ونهاية الشأن في الطلاوة والجدوى لأنه توقيع وقائع الزمان وتدوين الحوادث الدائر بها الدوران ، ألف نفائس كتب الألبا وألف مطالعته من رق طبعا وراق لبا يطلع الشاهد على ما كان في الغائب مخبا ويودع السمع أسماه أسمار وكان لرؤية أهلها محبا كما قال من حاول المعنى وأنبا ، فاتني أن أرى الديار بعيني .. فلعلي أرى الديار بسمعي.
فكم صدر في الصدر الأول من عجائب يتوقف منه عليها وغرائب أحوال نهتدي بسطور الطروس إليها ، وما برح المؤرخون يتناولون المقبول من المنقول عن الدول والمناصب فمن متقن منتق ومن جامع مكثر والناس في الفنون مراتب كما قيل : لقد غرسوا حتى أكلنا وإننا .. لنغرس حتى تأكل الناس بعدنا.
فعن لي أن أخبر ما يليق بالجمع وأسفار ما يروق بالسمع من حكايات باهرة وأذكر من ولي مصر والقاهرة ذاهبا مذهب الإيجاز والتهذيب آخذا عن النقل المبرأ من التكذيب مما سمعت فوعيت وسجعت فأوعيت ، مع إيراد ما شاهدته في الزمن عيانا وحققت عن معنى نوادره البديعة بيانا فكان كتابا حسنا في بابه ممتعا لمن تعلق بأسبابه أنيسا بجل مؤانسته وجليسا لا تمل مجالسته تستروح إليه النفوس وتجد في مطالعته ما تجده في مطالعة الكؤوس كما قيل : لم يبق شيء من الدنيا تسر به .. إلا الدفاتر فيها الشعر والسمر.
فجاء بحمد الله في حاشية نسيجه الرفيع وطرة نسخه البديع في دولة رافع عماد المملكة الشريفة مجدد نظام الدولة العثمانية المنيفة شامل الرعايا بظل معدلته الوريفة مجمل التخت الشريف بعز حضرته اللطيفة المختص بما استحق أن يكون على الخليقة الخليفة القائم من الالتفات إلى الصلاح والإصلاح بأرفع وظيفة الراقي مراتب العز لما كمل طالعه سعدا وشرفا الماحي بصوارمه من بغى في الأرض بغيا وسرفا من اقتدى بأبيه وجده واقتفى سر سرير الملك مولانا السلطان مصطفى لا برحت ألوية ولايته في الخافقين خافقة وألسنة الأقلام مدى الأيام بمدحه ناطقة ولا برحت الكواكب تقبل سدته العلية والثريا لا ثمة في العلا عاتقه كما غدت ريح الصبا لثرى أعتابه ناشقة والآفاق بفائق مجده وحدائق أنسه باسقة.
وسميته (لطائف أخبار الأول فيمن تصرف في مصر من أرباب الدول) وقد رأينا أن نقسم هذا الكتاب إلى مقدمة وعشرة أبواب وخاتمة ، المقدمة في فضائل مصر وذكرها في كتاب الله المبين وما ورد فيها من أحاديث سيد المرسلين ومن كان بها من الأنبياء والصديقين وغير ذلك على ما يأتي بيانه مفصلا إن شاء الله تعالى والله أسأل أن يحسن بختامه كالأول ، الباب الأول في خلافة الخلفاء الأربعة ومن ولي بعدهم وهو الحسن بن علي بن أبي طالب ، الباب الثاني في دولة بني أمية ، الباب الثالث في الدولة العباسية ، الباب الرابع فيمن ولي مصر من نواب الخلفاء الراشدين وبني أمية والعباسية وما داخلها من تغلب بني طولون والإخشيدية.
الباب الخامس في دولة الفواطم ، الباب السادس في دولى الأيوبية السُنية السَنية ، الباب السابع في الدولة التركية المعروفين بالمماليك البحرية ، الباب الثامن في دولة الجراكسة ، الباب التاسع في ظهور ملوك آل عثمان وهي دولة أقرت العيون وسرت الأعيان إذ جاءت منقادة لشرع سيد ولد عدنان أدام الله تعالى بقاءها ما دام الفرقدان ، الباب العاشر فيمن تصرف بمصر من نواب آل عثمان المكرمين وأخصاء الوزراء المعظمين وإيراد أخبارهم ومدة مقامهم بالديار المصرية وأحكامهم ، الخاتمة في مواعظ ونصائح وسلوك وآداب للسلاطين والملوك “.
وقد ذكره عمر كحالة في كتابه معجم المؤلفين فقال : ” محمد الإسحاقي 1090 هـ / 1650 م ، محمد بن عبد المعطي بن أبي الفتح بن عبد الغني بن علي الإسحاقي المنوفي الحنفي مؤرخ أديب ولد وتوفي في منوف بمصر ، من آثاره : لطائف اخبار الاول فيمن تصرف في مصر من ارباب الدول ، الروض الباسم في اخبار من مضى من العوالم ، دوحة الأزهار الاسحاقية فيمن ولي الديار المصرية ولوامع التنوير في شرح الكوكب المنير “.
وذكره إسماعيل باشا الباباني في كتابه هدية العارفين أسماء المؤلفين وآثار المصنفين فقال : ” الإسحاقي : القاضي محمد بن عبد المعطي بن أحمد بن عبد المغني بن علي المتوفى المصري الحنفي المعروف بالإسحاقي المتوفى سنة ١٠٦٠ ستين وألف ، دوحة الأزهار الإسحاقية فيمن ولي الديار المصرية ، لطائف اخبار الأول فيمن تصرف في مصر من أرباب الدول في التاريخ مطبوع بمصر “.
وترجم له المحبي في كتابه خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر وضمن معها واحدة من قصائده المشهورة فقال : ” عبد الْبَاقِي الْمَعْرُوف بالإسحاقي المنوفي الأديب الشَّاعِر الْفَائِق كَانَ قَاضِيا فَاضلا عَالما مؤرخاً كثير النّظم للشعر صَحِيح الفكرة وَله تَارِيخ لطيف ورسائل كَثِيرَة قَرَأَ بِبَلَدِهِ على شُيُوخ كثيرين وَكَانَ يتردّد إِلَى مصر وَأخذ بهَا عَن أكَابِر علمائها وَمن شعره الغض الْبَهِي قَوْله : تمشت لنا تخجل الكوكبا .. فناديتها مرْحَبًا مرْحَبًا .. غزالة أنس لَهَا طلعة .. إِذا خالها الصب حَقًا صبا .. أدارت بحضرتنا قهوة .. وطافت بكأس الطلا مذهبا .. رنت ورمتني بألحاظها .. وَقد أذكرتني عهد الصِّبَا .. فَلَو أنّ نظرتها كالظبا .. لهان وَلَكِن كحدّ الظبا ..
وغنت لنا فطربنا لَهَا .. فيا حسن ذَاك الَّذِي أطربا .. غزالية آنست صبها .. وَأَنت محبتها زينبا .. فهمنا فهمنا غراماً بهَا .. وَعَن حالتي حبها أعربا .. وصبّرت قلباً غَدا هائماً .. وَقد كَاد فِي الْحبّ أَن يذهبا .. فَفِيهَا مديحي عذب يرى .. وَفِي غَيرهَا الْمَدْح لن يعذبا .. سأجعل فِي وصفهَا نبذة .. وأركب فِي حبها أشهبا .. مدحت فقصر قلبِي المديح .. وَكَانَ مرادي أستوعبا .. وَإِنِّي فِي وَصلهَا سَيِّدي .. تراني بَين الورى أشعبا .. فبالله يَا نسمَة البان أَن .. حففت على حَيّ ذَاك الرِّبَا .. وجزت رياضاً بهَا غادتي .. فهات لنا عَن حلاها نبا .. أيا عاذلي فِي هَواهَا اتئد .. حَدِيثك عِنْدِي مثل الهبا .. سقى الله روضاً بِهِ سادتي .. من الوبل غيثاً بِهِ صيّبا .. لِأَنِّي بَاقٍ على عَهدهم .. أرى حبهم مذهبا مذهبا.
وَمن مطرياته هَذِه الخمرية وَهِي قَوْله : أمل لي كأساً تَمامًا .. واسقني جَاما فجاما .. وَاجعَل الدرة كأساً .. وَخذ التبر مداما .. تمم الكاس فَإِن الكاس .. مَا كَانَ تَمامًا .. واتخذها سلما للهو .. يسمو أَن يساما .. وتوهم أَنَّهَا الْحل .. وَإِن كَانَت حَرَامًا .. ثمَّ أزهى مَوضِع فِي الرَّوْض .. فاختره مقَاما .. وَإِذا مَا شِئْت أَن تسكر .. فاستدع النداما .. وَليكن خمرك عاديا .. وساقيك غُلَاما .. يمْلَأ الكاسات والألحان .. برأَ وسقاما .. يمْلَأ الْقلب سُرُورًا .. وانبساطاً وغراما .. عابثاً بالغصن أعطافاً .. وبالزهر ابتساما .. ومحلى بالطلا جيدا .. وبالعارض لاما.
وَترى مِنْهُ القوام الْغُصْن .. والغصن القواما .. وَترى الأغصان إجلالاً لَهُ .. هيباً قيَاما .. وَترى الشَّمْس وَبدر التم .. نَارا ثمَّ راما .. فَهُوَ الْمَطْلُوب للمجلس رَأْسا .. وَأمامَا .. اسْقِنِي بالكوب والكاس .. فُرَادَى وتؤاما .. ثمَّ بالطاس إِلَى أَن .. تتراءى الْهَام هاما .. ثمَّ بالجرّة فالجرّة .. حَتَّى أترامى .. اسْقِنِي حِينَئِذٍ بالزق .. حَتَّى لَا كلَاما .. ثمَّ بالدن فَتلك الْغَايَة .. القصوى تَمامًا .. ثمَّ خُذ عني مَا شِئْت .. وَلَا تخش أثاما .. والتقط مني الجمان .. الْفَرد نثراً ونظاما .. وَإِذا لم يكن الطافح .. بالكاس هماما .. فاغد واعذر وَإِذا رام .. خطابا قل سَلاما.
ويستحسن مِنْهُ قَوْله : أذكرت أيتها الْحَمَامَة غيدا .. ومعاهداً سلفت لنا وعهودا .. وصدحت فَوق أراكة فتصدّعت .. قلباً وَحين صعدت ذَا الأملودا .. أذكرت أشجاناً لنا ومعاهداً .. وَصفا تقضّى طارفاً وتليدا .. هَذَا على أَن الغرام إِذا زكى .. ظلّ الشجى يتَوَقَّع التغريدا .. لله أَيَّام نعمت بهَا وَقد .. عقد الْغَمَام على الغصون نهودا .. حَيْثُ الشجى طوراً يخمش كاعباً .. وَمن الجوى طوراً بجمش رودا .. حَيْثُ الشمَال يُحَرك العذبات إِذْ .. يخطو ويخطر والرياض وبيدا .. حَيْثُ المثاني والمثالث هَذِه .. ترنو وَذي بشجى تحرّك عودا ..
هَذَا وَمَعَ أَنا وَلَو طفحت كؤوس .. الراح واشتعل المدام وقودا .. مَا حركت منا المدام سوى الرؤوس .. كَذَا الشمَال تحرّك الأملودا .. أتؤوب هاتيك اللويلات الَّتِي .. فِيهَا نظمت لآلئاً وعقودا .. ولرب خل حَاز أَنْوَاع الذكا .. وَلذَا غَدا فِي المكرمات فريدا .. سامرته وجنوت من أَلْفَاظه .. مَا يخجل الصَّهْبَاء والعنقودا .. وجلا عليّ عرائساً من فكره .. حسنت طلاً ومعاطفاً وقدودا .. وأفادني وأفدته والخل يحمد .. أَن يفاد معانياً ويفيدا .. فالعقل نَام والعفاف بِحَالهِ .. ومجيد فكرتنا استمرّ مجيدا .. يَا عبد فابق على اصطباحك واغتباقك .. واصحبن الْعَهْد والمعهودا.
وَقد ذكرته فِي كتابي النفحة وَذكرت لَهُ من غزلياته قدرا زَائِدا على هَذَا وَالْحق أَن شعره مَا عَلَيْهِ غُبَار وَكَانَت وَفَاته فِي نَيف وَسِتِّينَ وَألف ببلدة منوف “.