العصر العثماني الجزء الخامس

41 / ديوان الشبراوي

شاعر مصر الأول في القرن الثاني عشر الهجري هو شيخ الأزهر الإمام الأكبر جمال الدين أبو محمد عبد الله بن محمد بن عامر بن شرف الدين الشبراوي الشافعي الذي ولد في القاهرة عام 1092 هـ / 1681 م وتوفي فيها عام 1171 هـ / 1758 م ، وهو حفيد الفقيه عامر بن شرف الدين إمام الشافعية في القرن الحادي عشر الهجري فنشأ في بيت علم وفضل ونال أول إجازاته العلمية وهو بعمر العاشرة على يد شيخ الإسلام الإمام الخراشي ثم جد في طلب العلم وتتلمذ على كبار العلماء مثل اللقاني والشرنبلالي والنفراوي والزرقاني.

وهو فريد عصره وأعجوبة دهره حيث برع في علوم الدين واللغة وحظي بثقة شيوخه وأقرانه وتولى منصب شيخ الأزهر عام 1037 هـ وهو بعمر الخامسة والأربعين واستمر فيه لمدة لمدة أربعة وثلاثين عاما شهدت استقرارا كبيرا ونهضة دراسية ، وهو أول من تولى المنصب من أبناء المذهب الشافعي ومن أهم من قاموا بتطوير المناهج في أروقة الجامع الأزهر فأضاف عدة مواد جديدة للطلاب مثل الرياضيات وقام بحل كثير من معوقات التعليم فيها وذلك بفضل مكانته عند الولاة وحسن علاقته بهم.   

ومن مؤلفاته : مفاتح الألطاف فى مدائح الأشراف (ديوان شعر) ، شرح الصدر فى غزوة بدر (تاريخ) ، عنوان البيان ونسيان الأذهان (فى البلاغة) ، عروس الآداب وفرحة الألباب (فى تقويم الأخلاق) ، نصائح الحكام وتراجم الشعراء (في التراجم) ، شرح الصدر بشرح نظم البرد ( في اللغة والأدب) ، الإتحاف بحب الأشراف (في فضائل أهل البيت) ، المنح الشافية في شرح المفردات الشافية (في الفقه الشافعي) ، المختصر العجيب في نظم مغني اللبيب (في النحو)  عنوان البيان وبستان الأذهان (في الأدب العربي) ، نزهة الأبصار في رقائق الأشعار (مختارات من الشعر) ، نظم بحور الشعر وأجزائها (في العروض).

ومن أشهر أبياته الشعرية موشح صار في العصور التالية من كلاسيكيات الأغنيات التراثية في مصر وكلماته هي : وحقك أنت المنى والطلب .. وأنت المراد وأنت الأرب  .. ولى فيك يا هاجري صبوة .. تحير في وصفها كل صب .. أمولاي بالله رفقاً بمن  .. بذل الغرام إليك انتسب  .. أشاهد فيك الجمال البديع .. فيأخذني عند ذاك الطرب .. ويعجبني منك حسن القوام .. ولين الكلام وفرط الأدب .. مَتى يا جَميل المحيا أَرى .. رِضاكَ وَيَذهَب هذا الغَضَب .. أَشاعَ العذول بِأَنّي سَلوت .. وَحقك يا سيدي قَد كَذَب.

ومن قصائده الشعرية في مدح النبي صلى الله عليه وسلم ما جاء في ديوانه (منائح الألطاف في مدائح الأشراف) حيث يقول : وإذا وصلت إلى معاهد طيبة .. وبدا لعينك نور تلك الأربع .. فادخل لذي الجاه الرفيع وكن على .. حذر وسل بتأدب وتضرّع .. واغنم سويعات هناك سعيدة .. ما بين منبره وأفضل مضجع .. واستقبل القبر الشريف وناده .. يا من يؤمّل للكروب إذا دعي .. تلك الديار فأين يوجد مثلها .. طيبا وأيّ علا لها لم يرجع .. حيث النبوة والرسالة والهدى .. ولوامع الفضل الأعزّ الأمنع.

ومن شعره في مدح السادة الأشراف : بَني الزَهرا لَكُم مَجد أَثيل .. وَعز شامِخ وَعلا مُنيف .. عُلُوّا لَيسَ يَعلوه اِنصِرام .. وَفَخر لا تَغيره الصروف .. وَأَنتُم كَعبة المَعروف تَسعى .. لَكُم آمالُنا وَبكم تَطوف .. وَمِنكُم كل عَصر هاشمي .. بِمِحراب الفُخار له عكوف .. وَهذا عَصرنا قَد لاحَ فيهِ .. شَريف من أَجلِكُم عَفيف .. فَريد في مَحاسِنِه وَلكِن .. فَريد لا تُقاوِمه ألوف ، وقوله : يا آلَ طه من أَتى حيكم .. مؤمّلا حسانكم لا يضام .. لذنا بِكُم آل طه وَهَل .. يُضام من لاذ بِقَوم كِرام .. تَزدَحِم الناس باعَتا بكم .. وَالمَنهل العَذب كَثير الزِحام.

وقد ذكره الجبرتي في كتابه عجائب الآثار في التراجم والأخبار فقال : ” الشيخ الإمام الفقيه المحدث الأصولي المتكلم الماهر الشاعر الأديب عبد الله بن محمد بن عامر بن شرف الدين الشبراوي الشافعي ولد تقريبا في سنة ١٠٩٢ وهو من بيت العلم والجلالة فجده عامر بن شرف الدين ترجمه الاميني في الخلاصة ووصفه بالحفظ والذكاء فأول من شملته إجازته سيدي محمد بن عبد الله الخرشي وعمره إذ ذاك نحو ثمان سنوات وذلك في سنة ١١٠٠ وتوفي الشيخ الخرشي المالكي في سابع عشرين الحجة سنة ١١٠١.

في سنة سبع وثلاثين انتقلت المشيخة إلى الشافعية فتولاها الشيخ عبد الله الشبراوي المترجم المذكور في حياة كبار العلماء بعد أن تمكن وحضر الأشياخ كالشيخ خليل بن إبراهيم اللقاني والشهاب الخليفي والشيخ محمد بن عبد الباقي الزرقاني والشيخ أحمد النفراوي والشيخ منصور المنوفي والشيخ صالح الحنبلي والشيخ محمد المغربي والشيخ عيد النمرسي.

وسمع الأولية وأوائل الكتب من الشيخ عبد الله بن سالم البصري أيام حجه ولم يزل يترقى في الأحوال والاطوار ويفيد ويملي ويدرس حتى صار اعظم الاعاظم ذا جاه ومنزلة عند رجال الدولة والأمراء ونفذت كلمته وقبلت شفاعته وصار لأهل العلم في مدته رفعة مقام ومهابة عند الخاص والعام واقبلت عليه الأمراء وهادوه بأنفس ما عندهم وعمر دارا عظيمة على بركة الازبكية بالقرب من الرويعي وكذلك ولده سيدي عامر عمر دارا تجاه دار أبيه وصرف عليها أموالا جمة.

وكان يقتني الظرائف والتحائف من كل شيء والكتب المكلفة النفسية بالخط الحسن وكان راتب مطبخ ولده سيدي عامر في كل يوم من اللحم الضاني راسين من الغنم السمان يذبحان في بيته وكان طلبة العلم في أيام مشيخة الشيخ عبد الله الشبراوي في غاية الأدب والاحترام.

ومن آثاره كتاب منائح الالطاف في مدائح الأشراف وشرح الصدر في غزوة بدر الفها باشارة علي باشا ابن الحكيم وذكر في اخرها نبذة من التاريخ وولاة مصر إلى وقت صاحب الأشارة ، وله ديوان يحتوي على غزليات واشعار ومقاطيع مشهور بايدي الناس وغير ذلك كثير ، توفي في صبيحة يوم الخميس سادس ذي الحجة ختام سنة ١١٧١ وصلي عليه بالأزهر في مشهد حافل عن ثمانين سنة تقريبا “.

وترجم له الحسيني في كتابه سلك الدرر بأعيان القرن الثاني عشر فقال : ” عبد الله بن محمد بن عامر بن شرف الدين القاهري الشافعي الشهير بالشبراوي الشيخ الامام العالم العلامة والفاضل الهمام البحر الفهامة الناظم الناثر الأوحد المفنن أبو محمد جمال الدين ولد سنة احدى وتسعين وألف وجده عامر مترجم في خلاصة الأثر للمحبي.

وأخذ عن جملة من العلماء الأعلام كالعلامة محمد بن عبد الله الخرشي المالكي أجازه سنة وفاته وهي عدد خرش وعن أبي مفلح خليل بن إبراهيم اللقاني والشهاب أحمد بن محمد الخليفي والامام محمد بن عبد الباقي الزرقاني والشهاب أحمد بن غانم النفراوي والجمال منصور المنوقي والعلم صالح بن حسن البهوتي الحنبلي وعيد بن علي النمرسي والجمال عبد الله بن سالم البصري وغيرهم.

وبرع ورؤس في العلم حتى صار شيخ الجامع الأزهر وتقدم على أقرانه ، وله مؤلفات نافعة منها ديوان شعره المسمى بمنائح الألطاف ومنه قوله : يفديك يا بدر صب ما ذكرت له .. إلا على قدم شوقاً اليك وثب .. لا تخش مني سلواً في هواك فقد .. تبت يدا عاذلي يا بدر فيك وتب ، وقوله : لا تعذلوني في اشتغالي به .. ليس علي من هام فيه جناح .. فإنني سلطان أهل الهوى .. وذاك سلطان جميع الملاح.

وقوله : بالروح أفدي حبيباً كان يمنحني .. وصاله حين كان الحب مستترا .. وحين ماجت بودي أدمع همل تدرى .. بعشقي له فاعتز واقتدر او قت درى ، وله غير ذلك من الآثار والنظام والنثار وكان ذا جاه عريض وحرمة وافرة وكانت وفاته سنة اثنين وسبعين ومائة وألف ودفن بتربة المجاورين رحمه الله تعالى وإيانا “.

وفي كتابه تاريخ الأدب العربي ذكره الدكتور شوقي ضيف ضمن شعراء المديح وتناول نتاجه بالنقد والتحليل فقال : ” عبد الله الشبراوى من بيت علم وجلالة كما يقول الجبرتي ، ولد في سنة ١٠٩٢ ومضى فى نعومة أظفاره يحفظ القرآن الكريم ثم اختلف إلى الشيوخ بالأزهر يأخذ عنهم الفقه الشافعى وسرعان ما ظهرت براعته فأملى وحاضر الطلاب واعترف له الجميع بالفضل والتعمق فى الشريعة والعلوم الدينية مما أتاح له أن يتولى مشيخة الأزهر فى سنة ١١٣٧ ، وكان له جاه رفيع ومنزلة عظمى عند الأمراء ورجال الدولة وكانت كلمته لديهم نافذة وشفاعته مقبولة.

وصار لأهل العلم في مدة مشيخته للأزهر مقام علىّ وهيبة وتجلّة عند الخاص والعام ، ومن مؤلفاته عنوان البيان وبستان الأذهان فى الأدب والسلوك والأخلاق وشرح الصدور بغزوة بدر والإتحاف بحب الأشراف وديوان منائح الألطاف فى مدائح الأشراف وكلها مطبوعة بالقاهرة من قديم ، يقول الجبرتى : وله ديوان يحتوى على غزليات وأشعار ومقاطيع مشهور بأيدى الناس ، ومازال يتولى مشيخة الأزهر حتى وفاته سنة ١١٧١ عن نحو ثمانين سنة.

وللشبراوى مدائح فى ولاة مصر العثمانيين وأهم وال دبّج فيه مدائحه عبد الله الكبورلى أو الكبورى لأوائل العقد الخامس من القرن وكان جديرا حقّا بمديحه له إذ يقول الجبرتى عنه : كان خيّرا صالحا منقادا إلى الشريعة أبطل الخمارات والمنكرات ، ويقول : إنه كان من أرباب الفضائل وله ديوان شعر جيد على حروف المعجم ومدحه شعراء مصر لفضله وميله إلى الأدب ، ويذكر أن للشبراوى فيه مدائح طنانة وفيه يقول :

سليل المكرمات ابن الكبورى .. كريم الطبع والأصل الشّهير .. أقام العدل فى مصر وأحيا .. معالمه بها بعد الدّثور .. وإن لمعت صوارمه بأرض .. تسارعت العصاة إلى القبور .. وإن حادثته فى العلم تلقى .. بحورا موجها درّ النّحور .. وإن ساومته شعرا فحدّث .. عن ابن أبى ربيعة أو جرير .. وإن تسمع تلاوته تجده .. حكى داود يلهج بالزّبور .. أدام الله دولته بمصر .. ومتّعنا به دهر الدهور .. وأنقذنا به من كلّ كرب .. وكفّ بعزمه أهل الفجور.

ونسيج القصيدة جيد ، والشبراوى يمدح الكبورى بقضائه على أهل الفجور وإشاعته للعدل الذى لا تصلح حياة الأمة بدونه وينوّه بعلمه وحسن تلاوته للذكر الحكيم كما ينوه بشعره ونثره ، وقد مضى فى القصيدة يمدحه ببلاغته وتفوقه على نوابغ الشعراء من أمثال ابن هانى الأندلسى ونوابغ الكتّاب من أمثال الحريرى ، وكثرت منذ زمن المماليك تقاريظ الكتب والمصنفات الأدبية والبلاغية وللشبراوى من تقريظ لبديعية وشرحها لعلى بن تاج الدين :

أذاك ثغر تبسّم .. أم ذاك لطف تجسّم .. أم روضة قد تغنّى .. شحرورها وترنّم .. أم الصّبا حين هبّت .. أزالت الهمّ والغمّ .. قد كنت أعتب دهرى .. وأحسب الدهر أعقم .. حتى رأيت عجيبا .. من فضلك الباهر الجم .. فكلّ لفظك لطف .. وكلّ معناك محكم ، والتقريظ طويل إذ تحوّل به الشبراوى إلى مدحة يشيد فيها بعلم على بن تاج الدين وحفظه وفهمه كما يشيد بنثره وشعره وذكائه وبراعته ، وكان من عادة الشعراء حين يتولى أمير أو يتوفّى هو أو بعض العلماء أو الأدباء أن ينظموا أبياتا فى تلك المناسبة إذا حسبت حروف الكلمات فى شطرها الأخير بحساب الجمّل أرّخت لسنة الوفاة أو الولاية ونحو ذلك.

وكان الشبراوى يشارك فى هذا الصنيع ، من ذلك تأريخه لوفاة الشيخ أحمد الدلنجاوى شاعر وقته المتوفى سنة ١١٢٣ للهجرة:  سألت الشعر هل لك من صديق .. وقد سكن الدّلنجاوىّ لحده ..  فصاح وخرّ مغشيّا عليه .. وأصبح ساكنا فى القبر عنده .. فقلت لمن أراد الشّعر أقصر .. فقد أرخّت مات الشّعر بعده.

وللشيخ الشبراوى بعض غزليات رقيقة كان يفرد لها أحيانا مقطوعات قصيرة وأحيانا يجعلها فى مقدمات مدائحه على عادة الشعراء السابقين ، ومن قوله فى مقدمة إحدى مدائحه لعبد الله الكبورى : أعد خبر العذيب وساكنيه .. وكرّر طيب ذكرهم عليّا .. فإنهم وإن هجروا وصدّوا .. أحبّ الناس كلّهم إليّا ، وواضح أن صياغة الشبراوى جيدة وفى شعره وشعر أمثاله من معاصريه ما يدل على أن الشعر كانت لا تزال فيه أيام العثمانيين بقية من حيوية وحياة “.

وجاء في كتاب شيوخ الأزهر تأليف أشرف فوزي صالح : ” وكان الشيخ ذا ثروة طائلة ينفق منها بسخاء على المساكين والمحتاجين والمقربين ولم يتأخر مرة عن إجابة مسألة أو مساعدة محتاج وكان كريم النفس رحب الصدر واسع الأفق ذا عقل ثاقب في الأمور وتجلى ذلك حين تولى أحمد باشا – المعروف بكور وزير – ولاية مصر وكان مولعاً بالعلوم الحديثة وخاصة الرياضيات.

وكان الشيخ الشبراوي على صلة وثيقة به ويدخل عليه في أي وقت كما كان يتناول معه الطعام، فحدث الوالي الشيخ الشبراوي بحبه للرياضيات واهتمامه بها وأن علماء الأزهر لا يهتمون بالعلوم الحديثة فأخبره الشيخ الشبراوي بالشيخ حسن بن إبراهيم الجبرتي وبأنه بارع في الرياضيات والتقى الوالي بالشيخ الجبرتي ودهش لعلمه الواسع في العلوم الحديثة وأقسم أن يقبل يده ونفّذ ما أقسم عليه تكريماً لعلم الجبرتي ومكانته.

وظل الجبرتي يتردد على الوالي مرتين أسبوعياً وواصله الوالي بالبر والإكرام ولازم المطالعة عليه مدة ولايته وكان يقول : لو لم أغتنم من مصر إلا معرفتي بالأستاذ الجبرتي لكفاني ، وكان الإمام الشبراوي دائم القول للشيخ الجبرتي : سترك الله كما سترتنا عند هذا الوالي “.

وقد جاءت ترجمة جده في خلاصة الأثر حيث يقول المحبي : ” عَامر بن شرف الدّين الْمَعْرُوف بالشبراوي الشَّافِعِي الْمصْرِيّ الإِمَام الْهمام الْعَالم الْكَبِير الرحلة كَانَ فِي عصره من الْمشَار إِلَيْهِم بِالْفَضْلِ التَّام وَله بَين عُلَمَاء الْأَزْهَر الْموقع الْعَظِيم لَا يزَال مُحْتَرما موقراً جليل الشَّأْن وَهُوَ من جِهَة وَالِده عريق فِي الْفضل وَمن جِهَة والدته أصيل فِي الْولَايَة فَإِن والدته فَاطِمَة بنت خَدِيجَة بنت الشَّيْخ القطب مُحَمَّد الشناوي أَتَت بِهِ وَهُوَ صَغِير إِلَى الْأُسْتَاذ الْكَبِير عبد الْوَهَّاب الشعراني وَقَالَت لَهُ ادْع لَهُ فَدَعَا لَهُ وَغسل لَهُ يَدَيْهِ بِنَفسِهِ نفع الله تَعَالَى بِهِ.

روى الْفِقْه عَن الشَّمْس الرَّمْلِيّ والنور الزيَادي وَسَالم الشبشيري وَأخذ الحَدِيث عَن أبي النجا سَالم السنهوري وَسمع عَلَيْهِ الْكتب السِّتَّة كملاً وَكَانَ يفتخر بذلك على أقرانه من مَشَايِخ مصر ولازم فِي عُلُوم الْعَرَبيَّة أَبَا بكر الشنواني فِي نَحْو عشْرين سنة وَهُوَ من أجل تلامذته وَأَجَازَهُ شُيُوخه وبرع فِي كثير من الْعُلُوم وَصَارَ أوحد وقته فِي الْفتيا والمرجع فِي القضايا المشكلة وَكَانَ مَشْهُورا بالصلاح واستجابة الدُّعَاء وَكَانَ كثير الْعِبَادَة ملازماً للسيرة النَّبَوِيَّة مواظباً على الدُّرُوس والإفتاء وَكَانَ غَايَة فِي الْحِفْظ والاستحضار والإتقان.

وروى عَنهُ أَنه قَالَ أحفظ أَرْبَعَة عشر ألفية فِي فنون الْعُلُوم وكف بَصَره آخر عمره وَاسْتمرّ على بَث الْعلم ونشره وَاجْتمعَ بِهِ وَالِدي فِي رحلته إِلَى مصر وترجمه بالشيخ الْكَامِل والعالم الْفَاضِل حائز للعلوم والعرفان وفائز بالقدح الْمُعَلَّى من التَّحْقِيق والإتقان علم الْعلم وَالْهَدْي ومنار الْفضل والتقى بِيَدِهِ عنان الفواضل فيمنح بهَا كل مُحْتَاج وَمَالك أزمة الْفَضَائِل فينشرها على كل لائذ وراج زبدة الْعلمَاء الراسخين الأخيار وعمدة الجهابذة المتورعين الْأَبْرَار.

وَكَانَت وَفَاته فِي سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَألف وَدفن بتربة المجاورين هَكَذَا رَأَيْته بِخَط بعض الأفاضل ثمَّ رَأَيْت بِخَط صاحبنا الْفَاضِل إِبْرَاهِيم الجنيني أَن وَفَاته كَانَت فِي غرَّة الْمحرم سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ ثمَّ تحرر عِنْدِي من تَارِيخ الشلي ووفيات الْأَخ الْفَاضِل مصطفى بن فتح الله أَنه توفّي يَوْم الْجُمُعَة ثَانِي الْمحرم سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ فاعتمدت عَلَيْهِ لكَون من تحرر عَنْهُمَا أمس النَّاس بأحوال وفيات عُلَمَاء مصر وَالله أعلم “.

42 / موانح الأنس

(موانح الأنس برحلتي لوادي القدس) هو عنوان أشهر كتاب في أدب الرحلات بمصر في العصر العثماني وهو من تصنيف الأديب والشاعر والرحالة الشيخ مصطفى أسعد بن أحمد بن محمد بن سلامة بن محمد بن علي بن صلاح الدين اللقيمي الدمياطي الحسني الشافعي الذي ولد في مدينة دمياط عام 1105 هـ / 1693 م وتوفي في دمشق أثناء زيارته لها عام 1178 هـ / 1764 م ، ويتناول الكتاب رحلة قام بها المؤلف من مصر إلى القدس وعدد من مدن الشام في عام 1143 هـ واستغرقت ستة أشهر كتب فيها عدة مذكرات حول مشاهداته ولقاءاته هناك ثم جمعها في كتاب متكامل عام 1164 هـ.

وعرف المؤلف نفسه في كتابه فقال : ” فإني الفقير مصطفى أسعد اللقيمي الحسني سبط المولى محمد أفندي العنبوسي سبط المولى عبد الرحمن بن العالم العلامة مفتي الديار المصرية في أواخر القرن العاشر أبي الحسن نور الدين علي بن محمد بن محمد بن علي بن خليل بن محمد بن إبراهيم بن موسى بن غانم المقدسي بن علي بن الحسن بن إبراهيم بن عبد العزيز بن سعيد بن سعد بن عبادة الخزرجي الأنصاري ” ، واللقيمي نسبة إلى قرية تقع بالقرب من الطائف بالحجاز وتدعى لقيم والعنبوسي نسبة إلى عنبوس وهي قرية من أعمال نابلس بفلسطين.

نشأ في كنف والده الشيخ أحمد اللقيمي وتتلمذ على يد جده لوالدته العلامة الشيخ محمد الدمياطي المعروف بلقب البدر وابن الميت والمتوفي عام 1140 هـ والشيخ عبد الله بن سالم البصري المكي المتوفي عام 1134 هـ (وقد لقيه بالمدينة المنورة أثناء حجه مع والده) والشيخ محمد بن سلطان الوليدي المتوفي عام 1134 هـ والشاعر الشيخ  عبد الغني النابلسي المتوفي عام 1143 هـ  والشيخ إسماعيل العجلوني المتوفي عام 1162 هـ والشيخ مصطفى بن كمال الدين الصديقي المتوفي عام 1162 هـ والشيخ محمد بن سليمان المغربي والشيخ محمد بن محمد الخليلي.

ومن تلاميذه في مجال الشعر أخوته الأصغر منه وهم عمر ومحمد سعيد والشيخ عثمان ، ومن تلاميذه في مجال الرياضيات محمد الكزبري والذي ذكره وأثنى عليه قائلا : ومن أفاضل مشايخي الإمام الفهامة الأريب الفرضي الحيسوبي اللوذعي الأديب مصطفى أسعد اللقيمي قرأت عليه كثيراً من الفرائض والحساب وغير ذلك وأجازني رحمه االله تعالى ، ومن مؤلفاته كتاب التوصل في شرح الصدر بالتوسل بأهل بدر وكتاب الحياة المعلمة البهيجة بالرحلة القدسية المهيجة ورسائل في الحساب والفرائض وشرح ورد الشيخ الصديقي ومختصر كتاب الأنس الجليل في زيارة بيت المقدس والخليل.

وله ديوان شعر جمعه وسماه (تحائف تحرير اليراعة بلطائف تقرير البراعة) ، وله أعمال شعرية ونثرية في مدح الأمير رضوان كتخدا الجلفي الذي عرف بتقريبه للشعراء وإغداقه عليهم حيث كان المؤلف من أخص ندمائه وخصه بأعمال شهيرة وهي : سح سحب الأدب البديع المعاني بسوح روض الآداب البديع الرضواني ، نشر نفحة الصفاء ببشر الصحة والشفاء ، المدامة الأرجوانية في المقامة الرضوانية.

وذكره الجبرتي في كتابه عجائب الآثار وذلك في وفيات القرن الثاني عشر الهجري وأثنى عليه قائلا : ” ومات افضل النبلاء وانبل الفضلاء بلبل دوحة الفصاحة وغريدها من انحازت له بدائعها طريفها وتليدها الماجد الأكرم مصطفى اسعد اللقيمي الدمياطي وهو أحد الاخوة الأربعة وهم عمر ومحمد وعثمان والمترجم أولاد المرحوم أحمد بن محمد بن أحمد بن صلاح الدين اللقيمي الدمياطي الشافعي سبط العنبوسي وكلهم شعراء بلغاء ، ومن مؤلفات المترجم رحلته المسماة بموانح الأنس برحلتي لوادي القدس توفي سنة ثلاث وسبعين وماية وألف “.

وقد ترجم له محمد خليل الحسيني في كتابه سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر فقال : ” مصطفى اللقيمي ابن أحمد بن محمد بن سلامة بن محمد بن علي بن صلاح الدين المعروف باللقيمي الشافعي الدمياطي نزيل دمشق الشيخ العالم الفاضل الفرضي الحيسوب الكامل الأديب الناظم الجهبذ النقاد العابد التقي الماجد الأوحد الزاهد العفيف ولد بدمياط في ربيع الأول ليلة الجمعة بين العشائين سنة خمس ومائة وألف وبها نشأ في كنف والده مع أخويه العالم الأديب الشيخ محمد سعيد والأديب المتقن الشيخ عثمان وعليه تخرجوا في سائر الفنون والمترجم أيضاً.

أخذ وقرأ على جده لأمه العلامة الشيخ محمد الدمياطي الشهير بالبدر وابن الميت من أنواع العلوم وبه تخرج ومنه انتفع وحج مع والده إلى البيت الحرام وأخذ بالحرمين عن العلماء السراة كالشيخ عبد الله بن سالم البصري المكي والشيخ الوليدي وفي المدينة عن أبي الطيب المغربي أحد المشاهير من المحدثين وقرأ وأخذ عن علماء مصر ودمياط ودمشق وبيت المقدس واستجاز منهم وعمته نفحاتهم.

وكان يتعاطى المناسخات والمقاسمات بالفرائض والحساب وكان ذا زهد وعفة وديانة وكان يختم في رمضان كل يوم وليلة ختمة وكان على قدم صدق عظيم من التهجد ، وله من التآليف الرحلة المسماة بموانح الأنس بالرحلة لوادي القدس تحتوي على فوائد ونكت واختصر كتاب الأنس الجليل في زيارة بيت المقدس والخليل وشرح ورد الأستاذ شيخه الصديقي البكري وله التوصل في شرح الصدر بالتوسل بأهل بدر وله رسائل كثيرة في الحساب والفرائض مشهورة وله ديوان شعر جمعه وسماه تحائف تحرير اليراعة بلطائف تقرير البراعة.

وكانت له اليد الطولى في الأدب ونظم الشعر وعمل التاريخ على سبيل الارتجال وله رسائل أدبية وتحريرات مفيدة غير أنه كان رحمه الله تعالى مطوياً في راحة الدهر يوم كجمعة وجمعة كشهر وبالجملة فقد كان من أفراد دهره وعصره ومن شعره الرائق قوله : سقى سفح قاسون السحائب بالوكف .. وحياه من فوح الصبا فائح العرف .. وغنت به الورقاء تشجي بصوتها .. فتغنى بمغناها عن الجنك والدف.

تروح وتغدو للسرور هواتفاً .. لتروي أحاديث المسرّة والعطف .. جمال كمال منه لاح ضياؤه .. وفاضت به الأنوار سامية الوصف .. زها حسنه الزاهي بحسن مشاهد .. هي الشمس لكن قد تحامت عن الكسف .. معاهد أنوار موائد رحمة .. موارد أمداد حوت أطيب الرشف .. سرينا على طرف اشتياق نؤمه .. لنسقى كؤس البشر من خمره الصرف .. صعدنا إليه كي نفوز بأنسه .. فنادى منادي الأنس فأووا إلى الكهف .. فروض حماه زاهر بمسرة .. وفيه ثمار الأنس يانعة القطف.

وله غير ذلك من النظم الرائق والنثر الفائق وكانت وفاته يوم الأحد السابع والعشرين من ذي الحجة سنة ثمان وسبعين ومائة وألف ودفن بتربة مرج الدحداح في مقبرة الذهبية تجاه قبر الشيخ أبي شامة رضي الله عنه وقبل وفاته بساعات نظم تاريخاً لوفاته ليكتب على قبره وهو قوله : قبر به من أوثقته ذنوبه .. وغدا لسوء فعاله متخوّفا .. قد ضاع منه عمره ببطالة .. والعيش فيه بالتكدّر ما صفا .. ماذا ثوى قبر اللقيمي أرخوا .. مستمنح للعفو أسعد مصطفى ، سنة 1178 ، واللقيمي نسبة للقيم بلدة بالطائف ونسبة أجداده إليها وللمترجم نسبة إلى سيدنا سعد بن عبادة الخزرجي رضي الله تعالى عنه “.

وقد استهل المؤلف كتابه موانح الأنس بمقدمة يشرح فيها بدء رحلته حيث يقول : ” بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله الملك القدوس باعث لطائف النفوس شوقا لزيارة القدس المحروس وأثار لها بالوجد أشجانا جدوا بالعزم المسير وشمروا عن ساق الجد من غير تقصير واتخذوا التوكل أحسن سمير ويطؤون الفدافد رجالا وركبانا فقابلتهم العواطف السبوحية ومبشرات اللطائف الرحمانية بمشاهدة المآثر القدسية فتلوا من لوح القبول فرقانا.

والصلاة والسلام على من فضائله لا تحصى ومعجزاته لا تعد ولا تستقصى ، المنزل عليه (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى) ليريه من آياته الكبرى برهانا ، وعلى آله وعترته الطاهرين بنص الكتاب وأصحابه القادة الهداة الأنجاب ما شدت إلى أحد المساجد الثلاثة الركاب ليحتظي زائرها أجرا وغفرانا.

وبعد هذا ، فقد جعل الله المسجد الحرام الأقصى ثالث حرم يقصد وإليه رحال السائرين تشد كما روينا في الصحيح المسند سندا يقلد جيد الزمان عقيانا ، فمنه تمد إمدادات العوارف وتجتني ثمرات موانح اللطائف وتهب بالقبول نسمات العواطف يشاهد ذلك أهل الكشف أعيانا ، خصه الله تعالى بمظهر الجمال كما خص حرمي مكة والمدينة بالكمال والجلال وقد أثر ذلك عن أهل الكمال مظهرا يفيض عليه السرور طوفانا.

فمن وفد إليه وافته منح السعادة ونشرت عليها ألوية السيادة وبشره لسان الحال بالحسنى وزيادة أن قد منح من جناب الرحمن أمانا ، فيا لها من بقعة من أفضل البقاع ضاع نشر محاسنها وما ضاع وتحملت محاسن ذكرها الأفواه والأسماع أحاديث تشنف جواهر درها آذانا ، وحسبك ما اختص به من ليلة المعراج والإسرا بصلاة من رأى من آيات ربه الكبرى وقد دنا من ربه قاب قوسين أو أدنى لمستوى سمع فيه صريف الأقلام إيقانا.

جمع الله له فيه الأنبياء والمرسلين والملائكة الكرام المقربين فأمهم به والمبلغ الأمين فكان دليلا لفضله عليهم إعلانا (من البسيط) : قد خصص المسجد الأقصى بمانحة .. فكان كالشمس حلت ذروة الشرف .. صلى الملائك والرسل الكرام به .. وكونه مبدأ المعراج غير خفي.

هذا فيقول الفقير مصطفى أسعد اللقيمي سبط العلامة نور الدين علي بن غانم المقدسي الحنفي السني : طالما كنت كثير الوجد والولوع لمشاهدة هاتيك الربوع ناثرا من الأجفان لآلىء الدموع فتنتظم على الخدين عقيقا ومرجانا ، أتشوف حنينا لرؤياها وأتشوق لاجتلاء حسن محياها لأنشق شذا عبير رياها عرفا يتضمن روحا وريحانا.

فكم روينا في فضلها من حديث وأثر ، هذا وأبيك ليس الخُبر كالخَبَر فيعوضني عن السعي إليها سابق القدر والعاقل يعلم أن لكل شيء إبانا (من الوافر) : إليها الشوق ما عنه مزيد .. فما يبدي المشوق وما يعيد .. وعنها الصبر ينقص كل يوم .. وتلك صبابتي أبدا تزيد .. إذا روت النهاة لنا حديثا .. لسان الحال قال لهم أعيدوا.

ولما أن جاء البشير ويسر الله في المسير وعلامة الإذن التيسير استنهضت للسرى من نجائب العيس أظعانا ، وشرعت في تحبير رحلة بهية تتضمن ما أشاهده من المآثر الزهية ومن ألاقيه من السادة العلماء والصوفية الحائزين من مظاهر الحقيقة والشريعة عرفانا ، وسميتها موانح الأنس برحلتي بوادي القدس ، فكان عددها كالآس إذا وافق ذلك تأريخا بيانا.

فلاح من ذلك بارقة المدد وغادقة من فيض وبلها يستمد وحقيق بمثل هذا أن يقتصد فهاكها دررا تكلل معاقد العز تيجانا (من البسيط) : لما ثنيت عنان العزم منتضيا .. جواد عزم سرى نحو الحمى القدسي .. وليس يخفاك ما في السير من خطر .. تلوت للحفظ فيه آية الكرسي .. لعل أبلغ ما أرجوه من أمل .. برحلة أشهدتني منحة الأنس “.

وتميزت أشعاره بالرقة والعذوبة ومنه قوله : شط النوى بأحبتي فجفوني .. فتواصلت بالمرسلات جفوني .. وتصاعدت نار الجوى بجوانحي .. والنوم من شوقي جفته عيوني .. لولا فراق أحبتي وبعادهم .. ما بت أروى لوعة المحزون .. أبغى السرى والعيس عز مسيرها .. والطرق سدّت عن فتى مسجون ، وقوله : حبي وحبك للجمال اليوسفي .. هو خالد وبغيره لا أشتفي .. بالبعد تلحاني ولم تر حسنه .. فإذا نظرت فبعد ذلك عنف .. فبخده الورديّ روض قد جنت .. منه نواظرنا وإن لم يقطف .. وبثغره ماء الحياة لوارد .. فبورده نار الجوانح تنطفي.

ومنها قوله : قمر تناهى في مطالع سعده .. وزها بأوج الحسن طالع مجده .. متوشحاً أثواب تيه معجباً .. يختال تيهاً في محاسن برده .. حاوي بديع الحسن إلا أنه .. متلاعب بأخي الهوى في عهده .. أفديه ظبياً نافراً متانساً .. يبدي الدلال بوصله وبصده ، وقوله : أفدي بديع الحسن حالي المنظر .. يزهو حلاه بالمحيا المزهر .. سلطان عز في الملاحة مفرد .. جمع المحاسن بالجمال الأزهر .. فالوجه منه بالأزاهر جنة .. برهانه بالثغر ماء الكوثر .. وشقيقه الورديّ عمّ بزهره .. خدّا يفوح شذا بخال عنبري.

وقوله : دعوني من روض الغرام وظله .. فمالي مرام في مساقط طله .. وخلوا فؤادي من هوى يسلب الحشا .. فلا أرتضي في راحتي حمل حمله .. وروحي لأشفاقي تميل لعزه .. ونفسي تأبى أن تلين لذله .. فهيهات من أهواه يعطف دائماً .. ويمنحني لطفاً بلذة وصله ، وقوله : لما بدا فإن الملاح بكوكب .. وجنوده جيش الجمال المفرد .. وغدا يرود الصب من لحظاته .. سياف جفن صائلاً بمهند .. وتنازعت حكماً عليّ جميعها .. بولاء رق في الورى لم ينفد .. حكمت حواجبه عليّ وإنني .. راض بأحكام الرقيق الأسود.

وقوله : سقى الوسمي عهود الجامعية .. وحياها الصبا صبحاً عشيه .. وغنى بلبل الأفراح فيها .. بألحان وأصوات شجيه .. وأنشقنا النسيم عبير زهر .. يفوق شذا بأنفاس ذكيه .. وأشهدنا السعود شموس حسن .. تزيد سناً على الشمس المضيه ، وقوله : وقائلة والبين سل حسامه .. وقد حاطني للوجد جيش عرمرم .. إلى كم بوشك البين أنت مروّعي .. متى تنقضي الأسفار والشوق محكم .. فقلت لها والدمع مني مسلسل .. وجمر الغضى بين الجوانح مضرم .. دعيني من الاشفاق مالي حيلة .. إلى جانب الأقدار أمري مسلم.

وظهرت مهارته الفنية واللغوية في كتاباته النثرية الأدبية ومن أهمها كتاب (المدامة الأرجوانية في المقامة الرضوانية) والتي صاغ فيها مدائحه للأمير رضوان على هيئة مقامة يرويها أبطال خياليون ويصفون فيها مجلس الأمير رضوان وقصره العامر واستهلها بقوله بعد الديباجة : ” وبعد ، فقد حكى البديع بشير بن سعيد قال : حدثني الربيع بن رشيد قال : هاجت لي دواعي الأشواق العذرية وعاجت بي لواعج الأتواق الفكرية إلى ورود حمى مصر المعزية البديعة ذات المشاهد الحسنة والمعاهد الرفيعة لأشرح بمتن حديثها الحسن صدري وأروح بحواشي نيلها الجاري روحي وسري وأقتبس نور مصباح الطرف من ظرفائها وأقتطف نور أدواح الظرف من لطفائها ، وأستجلي عرايس بدايع معاني العلوم على منصات الفكر محلاة بالمنثور والمنظوم وأستمد من حماتها السادة أسرار العناية وأسترشد بسراتها القادة أنوار الهداية وأمتع الطرف بغرر دولتها العلية وأشنف السمع بدرر سيرتها السنية “.

ويقول في ثناياها يصف الأمير على لسان الرواة : ” فقلت من هذا الأمير الحايز لهذه الأوصاف فزدني من حديثك يا سعد عنه بلسان الإنصاف ، فقال هو في الكرم أسمح من حاتم ومنتهى من تنسب إليه مآثر المكارم ففضل عطاياه أنسى هبات الفضل وجعفر ومن ساواهما به ، فعن كمال وصفه قصر وفي الشجاعة أقدم من عنترة المشهور وأثبت من قسورة الأسد الهصور وأذكر من إياس في نباهته وأبلغ من المأمون في فصاحته ، وله في حسن التدبير كمال انتظام وجمال انتساق وهو في حلبة السيق يوم الرهان حايز قصب السبق .. فقلت أقسم بمن خصه بهذه الأوصاف السنية وتوجه بتاج المواهب اللدنية وبمن أسمى قدره الأسمى على كيوان لا تكون هذه المزايا المعدودة والسجايا المحمودة إلا لأمير الندى وفريد الأوان حضرة الكتخدا رضوان “.

43 / ديوان الأنبوطي

الشاعر عامر الأنبوطي هو واحد من أشهر الشعراء الشعبيين بمصر في العصر العثماني حيث عاش في القرن الثاني عشر الهجري وتوفي عام 1173 هـ / 1760 م وينسب إلى مسقط رأسه في قرية المنبوطين بوسط الدلتا (حاليا الأمبوطين مركز السنطة بمحافظة الغربية) ، وكان يتردد منها على القاهرة يلتمس العطاء من الشعراء والأمراء ويتبادل الأشعار والنوادر الأدبية مع أدباء عصره.

وعرف بقصائده الهزلية التي يعارض بها قصائد الشعراء فيحولها إلى قالب هزلي على لسان العامة كما اشتهر بنظم (المعارضات الجوعية) حيث كان يعارض المنظومات الشهيرة (مثل ألفية ابن مالك ولامية ابن الوردي) ويحول موضوعاتها إلى وصف أنواع الأطعمة ، وله قصائد تقليدية في المدح والوصف وكذلك رباعيات قصيرة خفيفة المعاني يمكن حفظها بسهولة وتتناقلها الألسن.     

وقد ذكره الجبرتي في كتابه  عجائب الآثار وذلك في وفيات القرن الثاني عشر الهجري حيث قال : ” ومات الشيخ الصالح الشاعر اللبيب الناظم الناثر الشيخ عامر الانبوطي الشافعي شاعر مفلق هجاء لهيب شراره محرق كان يأتي من بلده يزور العلماء والأعيان. وكلما راى لشاعر قصيدة سائرة قلبها وزنا وقافية إلى الهزل والطبيخ فكانوا يتحامون عن ذلك.

وكان الشيخ الشبراوي يكرمه ويكسبه ويقول له : يا شيخ عامر لا تزفر قصيدتي الفلانية وهذه جائزتك. ومن بعده الشيخ الحفني كان يكرمه ويغدق عليه ويستأنس لكلامه. وكان شيخا مسنا صلحا مكحل العينين دائما عجيبا في هيئته ومن نظمه الفية الطعام على وزن الفية ابن مالك وأولها: يقول عامر هو الانبوطي .. أحمد ربي لست بالقنوطي “.

ومن قوله في مدح الأمير رضوان : بشرى الربيع لقــد وافـت بـشائره .. وفاح دونك فـي الآفـاق عــاطــره .. ومـالت القـضـب بالأطــيار مـطربـة .. وقـد تــبــسم من عجــب أزاهــــــره .. فــسر مـقـدمــه الحــالي أخا شــجـن .. يـهــيـجـه من مـعاني الدوح نـاضـره .. والزهـر من فـرح أهـدى النثـار بـها .. لمـا سما الورد واستـعلت مـظـاهـره .. حـكـى بـمـنـظــره الحـالي ومخـبـره .. صفـات رضوانـنا السامــي زواهره .. أمـير مجد لنـا تــتـلى مـــــدائحــــــه .. مدى الزمـان كما تـــروى مـــآثـــره .. تـخـاله الليــث والمـريـخ فــي يــــده .. إذا بدا جـائلاً والســيـف شـاهـــــره .. روض نـضـيـر ولكـن مـثـمـر أبـــداً .. غـيــث ولكـن نــدى عمــت مواطـره .. خــذ مـن زمانك مـا أغـنـاك مغتنـمــا .. وأنــت نـاه لهـذا الدهـر آمــــــــــــره .. ودم بـروض العـلا والعز مـنـبــسـطاً .. بـمطـربـات الهــنـا يــشـدوك طــائره.

وله مربعات جعلها على وزن بحر المجتث مثل الشاعر ابن عروس والتي كانت شائعة في رواية السير الشعبية بواسطة منشدي الربابة ومن ذلك قوله : أكلك من الضان رطلين .. يزيد قلبك نفاسه .. وابعد عن الكشك يا زين .. ذا الأكل منه تعاسه .. أكل المطبق مع الفجر .. بالشهد والسمن سايح .. إللي يجيبه له أجر .. في جنة الخلد رايح ..يا طابخ الضأن اشتد .. واغرف أواني وسيعه .. عامر أتى لك وله يد .. في الأكل ديما سريعة .. العدس والكشك والفول .. الأكل منهم شماته .. يصبحوا الشب مخبول .. ططعوا الجميع التلاته .. أوصيك لا تأكل الفول .. يورث لقلبك قساوه .. تقطع نهارك كما الغول .. تايه وعندك غشاوة .. خشاف مشمش وعناب .. الشرب منهم دوايه .. من بعد ما كل كباب .. يا رب حقق رجايه.

وذكره الدكتور شوقي ضيف في كتابه تاريخ الأدب العربي ضمن شعراء الفكاهة فقال : ” عامر الأنبوطى يقول الجبرتى فى ترجمته: «شاعر مفلق هجاء» ويقول إنه كان يقيم فى بلده ويلم بالقاهرة من حين إلى حين فيزور العلماء والأعيان، وكلما رأى قصيدة مشهورة سائرة قلبها وزنا وقافية إلى الهزل والطبيخ، فكان الشيوخ والشعراء يتحامونه ويكرمونه ويجزلون له فى العطاء، وكان فيه ظرف يجعلهم يأنسون لكلامه ويهشون لشعره الفكه.

من ذلك نظمه لألفية فى الطعام على غرار ألفية ابن مالك فى النحو، استهلّها بقوله : يقول عامر هو الأنبوطى .. أحمد ربى لست بالقنّوطى  .. وأستعين الله فى ألفيّه … مقاصد الأكل بها محويّه .. فيها صنوف الأكل والمطاعم … لذّت لكل جائع وهائم .. طعامنا الضّانى لذيذ للنّهم … لحما وسمنا ثم خبزا فالتقم فإنها نفيسة والأكل عمّ … مطاعم إلى سناها القلب أمّ .. والأصل فى الأخباز أن تقمّرا .. وجوّزوا التّقديد إذ لا ضررا

ولا ريب فى أن شيوخ الأزهر وطلابه حين كانوا يسمعون منه شيئا من أشعار هذه الألفية يغرقون فى الضحك إغراقا، لأنه نقل أكثر صنيع ابن مالك فى ألفيته النحوية الجادة منتهى الجد إلى هذه الألفية الجديدة المضحكة غاية الضحك. ورأى أن لامية العجم للطغرائى تستولى على إعجاب الشعراء والناس منذ زمنه فى القرن السادس لما تحمل من حكم وخبرات تنفع الناس فى حياتهم وسلوكهم، فنظم على وزنها وقافيتها لامية فى المطاعم من مثل قوله:

أناجر الضّان ترياق من العلل … وأصحن الرزّ فيها منتهى أملى .. ولا خليل بدفع الجوع يرحمنى … ولا كريم بلحم الضّان يسمح لى .. طال التلهف للمطعوم واشتعلت … حشاشتى بحمام البيت حين قلى .. أريد أكلا نفيسا أستعين به … على العبادات والمطلوب من عملى ، وكانت لابن الوردى الشامى المتوفى سنة ٧٤٩ قصيدة لامية جعلها جميعا حكما وأمثالا، طارت شهرتها بين معاصريه ومن خلفوهم فصاغ على وزنها لامية حكمية فى الطعام، يقول فيها:

اجتنب مطعوم عدس وبصل … فى عشاء فهو للعقل خبل .. وعن البيصار لا تعن به … تمس فى صحّة جسم من علل .. واحتفل بالضان إن كنت فتى … زاكى العقل ودع عنك الكسل .. من كباب وضلوع قد زكت … أكلها ينفى عن القلب الوجل .. وطعام العدس والبصل وكذلك البيصار من الأكلات الشعبية المصرية، وهو ينهى عن أكلها ويدعو إلى أكل لحم الخرفان الضانى وما يتخذ منه من طعام الكباب واللحم المشوى.

وكان عامر بهذه الأشعار وما يماثلها يطرف معاصريه فى القاهرة ويسرّى عن نفوسهم بهزله ويجعلهم يستغرقون فى الضحك، بما يعرض عليهم فى أشعاره الفكهة من أصناف الأطعمة وألوان الحلوى، مع إكثاره من دعاء ربه أن ينيله (كبابا) ودواء من الحلوى والخشاف. ومازال ذلك دأبه فى أشعاره حتى توفى سنة ١١٧٣ للهجرة “.

44 / ديوان ابن الصلاحي

شاعر العشق والغرام بمصر في العصر العثماني هو الشاب النابه مرهف الحس محمد بن رضوان السيوطي المعروف بلقب ابن الصلاحي والذي ولد في أسيوط عام 1140 هـ / 1727 م وتوفي فيها عام 1180 هـ / 1766 م ، رحل إلى القاهرة ليتعلم في الأزهر حيت تتلمذ على يد الشيخ محمد بن سالم الحفناوي الشافعي والذي منحه إجازة عنه في عام 1078 هـ لكنه نبغ في الشعر وتعددت أغراضه فيه بين الغزل والمدح والوصف والحنين للديار والمديح النبوي والتغني بالطبيعة ورياضها الغناء.

وقد ترجم له الجبرتي في وفيات القرن الثاني عشر الهجري فقال : ” ومات السيد العالم الأديب الماهر الناظم الناثر محمد بن رضوان السيوطي الشهير بابن الصلاحي ، ولد بأسيوط على رأس الأربعين ونشأ هناك وأمه شريفة من بيت شهير هناك ولما ترعرع ورد مصر وحصل العلوم وحضر دروس الشيخ محمد الحفني ولازمه وانتسب إليه فلاحظته أنواره ولبسته أسراره ومال إلى فن الأدب فأخذ منه بالحظ الأوفر ، وخطه في غاية الجودة والصحة وكتب نسخة من القاموس وهي في غاية الحسن والإتقان والضبط وله شعر عذب يغوص فيه على غرايب المعاني وربما يبتكر ما لم يسبق إليه.

وقد أجازه الشيخ الحفني بما نصه : نحمدك يا عليم يا فتاح يا ذا المن بالعلم والصلاح ونصلي ونسلم على أقوى سند وعلى آله وصحبه معادن الفضل والمدد ، أما بعد فإن المولى العلامة الرحلة الفهامة الحاذق الأديب واللوذعي الأريب مولانا الشيخ محمد الصلاحي السيوطي قد حاز من التحلي بفرايد المسايل العلية أوفر نصيب بفهم ثاقب وإدراك مصيب فكان أهلًا للانتظام في سلك الأعلام باجازته كما هو سنن أئمة الإسلام.

فأجزته بما تضمنته هذه الوريقات من العلوم العقلية والنقلية المتلقاة عن الأثبات وبساير ما تجوز لي روايته أو تثبت لديَّ درايته ، موصيًا له بتقوى الله التي هي أقوى سبيل النجاة وألا ينساني من صالح دعواته في أوقات توجهاته نفعه الله ونفع به ونظمه في عقد أهل قربه وأفضل الصلاة والسلام على أكمل رسل السلام وعلى آله أئمة الهدى وصحبه نجوم الاقتدا ، كتبه محمد بن سالم الحفناوي الشافعي ثامن جمادى الثانية سنة ثمان وسبعين وماية وألف.

وللمترجم مقامة بديعة متضمنة مدح رسول الله ﷺ وذيلها بقصيدة سماها الدرة البحرية والقلادة النحرية ، وهي طويلة تزيد على الثمانين بيتًا ، ومن غرر أشعاره قوله:  هات لي قهوة الشفا من شفاهك واسقنيها على فخامة جاهك .. عاطنيها يا أوحد العصر لطفًا وبديع المثال في أشباهك .. يا غزالًا لو صوِّر البدرُ شخصًا ليضاهيك في البها لم يضاهك .. عاطنيها ولم تدع لم حراكا لست أقوى على كمال انتباهك .. هاتها والرخاخ في غفلات لا تدعهم فيفتكوا في شياهك ، وللمترجم كلام كثير وصوته جهير وفيما نقلته كفاية ، توجه بآخر أمره إلى بلده وبه توفي سنة ثمانين وماية وألف رحمه الله “.

وقال في الأنس والشراب : حث نجب الكئوس قبل الصباح واسقني من يديك صرف الراح .. واحد لي حادي المطي إليها في غدو مبادرًا أو رواح .. لا تدعني بدون شربي فهميّ منك في الاغتباق والاصطباح .. خمرة تجعل الخلي شجيًّا فهي مثل الغذاء للأرواح .. عاطنيها من بين آس وبان وشقيق ونرجس وأقاح .. عاطنيها من بين إخوان صدق قد تواصوا على التقى والصلاح .. عاطنيها من كف بدر يطيع الكاس في أمرها أو يعصي اللواحي.

وقال في الهجر والعشق : نقلوا أكاذيب السلو لهاجري سفهًا وما خطر السلو بخاطري .. يا ليتهم علموا بأسراري التي أودعتها يوم النوى بسرايري .. لله وقفتنا بجرعاء الحمى والنجم مرصود لسهد الساهر .. نملي أحاديث الغرام فنجتلي منها سرور مسامع وخواطر .. وندير كاسات الوداع مديدة في شق أطواق وشق مرائر .. وسوابق العبرات من دمعي ومن شعري كعقد لآلىء وجواهر .. أدعو سراة الظاعنين كأنما أرجو الوصال من الغزال النافر .. من كل بدر دجى وغصن أراكة في عز آساد وذل جآذر.

وقال في وصال المحبوب : اسقنا من يديك قهوة بن وأدرها ممزوجة برضابك .. لا تحكم سوى كئوسك فينا أنت كفء ونحن من خطابك ، وله : اتخذ ساقيًا وإن تعدم الراح فمن ريقه الشهي أدرها .. وإذا لم تجد لساق سبيلًا فاطرحها هملًا لا تعتصرها ، وله : جاء داعي الحبيب يدعو لوصلي في محل شدت على الماء ورقه .. فتعثرت من سروري وما وافيت حتى مضى وأومض برقه ، وله : ربيع هذا الروض قد شاقنا بمنظر زاه وعرف ندى .. لما كسته الشمس حاكى لنا زمردًا موه بالعسجد.

وله في وصف لقائه بحبيبته في ربا الطبيعة : سرينا وأعطاف النسيم تهزنا تدير من الصهبا حديثَ شجون .. فخفنا عيون الحاسدين لأننا سرينا من الأزهار فوق عيون ، وله : جزى الله أنفاس النسيم فإنها لتعلم سرًّا في النفوس لطيفا .. أسرت إلى الأغصان عند قدومنا حديثًا فمدت للسلام كفوفا .. وهزت سرورًا بالتداني معاطفًا وأهدت لنا منها شذًا وقطوفا ، وله : بالله سلا عن حال قلبي وسلا إن كان صبا إلى سواكم وسلا .. والبعد كوى الحشا بنار وسلا يا نار كوني اليوم بردًا وسلا.

وقال في وصف حبيبته : بثا عن النائي الغريب جملًا من الخبر العجيب .. واستوقف الركبان ما بين الأراكة والكثيب .. واستنشد القلب الذي قد ضاع من بين القلوب .. سلبته يوم الدوحتين طليعة لرشا الربيب .. وسرت به نحو الخيام يد الصبا ويد الجنوب .. ترنو الهوادج عن صفا شمس تميل إلى الغروب .. والبدر يظهر من خلال السجف في مرأى عجيب .. والرق يخفق والأزاهر مثل قلبي في وجيب .. يا حادي العيس التى سارت على قلبي الجنيب .. علل عليل هوى فعهدك ما تقادم بالطبيب .. أنفاسه الحراء لا تهدي بمدمعه السكوب .. كالخال يرتع في النعيم ويشتكي حر اللهيب .. يصبو لمعتل النسيم ويستريح إلى الهبوب .. إني وإن شطَّ النوى وقف على حب الحبيب.

وقال في الغزل الصريح : الحسن مال والوصال زكاته من جاد بالمزكاة أثمر ماله .. فأنعم بوصل منك يا بدر الدجى فالحسن أقرب ما يكون زواله .. إن كان معروف فهذا وقته حاشا الكريم أن يرد مقاله ، وله : يا للرجال لألحاظ قد اتخذت من سحر بابل أحداقًا وأهدابا .. وما كفى عينها النجلاءَ من كحل حتى رمت بسهام الكحل ألبابا .. يرنو بها رشأ يختال عن ميل فكلما فتكت يزداد إعجابا .. من يستطيع مقيلًا عن مصارعها وطرفها قد غدا للقلب جذابا .. تلك الشهادة فاشهد في حيازتها ولا تطع عاذلًا لا زال كذابا.

وقال يصف لوعته من الفراق وشوقه لحبيبته : ذكر الغضى فحنت عليه ضلوعه صب سقت وادي العقيق دموعه .. لولا الهوى والنأي يصدع شمله ما كان ريب الحادثات يروعه .. يبكي الفريق وما استحق فراقهم من داء طرف بان عنه هجوعه .. وحشا تَقَسمة الغرام فحزنه عندي وفي تلك الركاب جميعه .. قلب يقلبه الأسى فكأنه بيت العروض اعتاده تقطيعه .. واهًا لهذاك الزمان ومن له من مسمع ومن البعيد رجوعه .. زمن يود الصب أن لو يشتري ما بان منه بعمره ويبيعه .. حيث الأماني ملكه والدهر لا يعصيه والأصل الأبي يطيعه .. لو كان ينجح سيل أدمعه على أيامه سالت وسال نجيعه .. حيا ألحيا ذاك الحمى من مربع أربى رباه ومشتهاي ربوعه.

ومن أشهر قصائده ما مدح به شيخه الحفني حيث قال : لهذا المحيا طلعة الشمس تسجد ومن ذكره دوح الثنا يتأود .. وألسنة الأكوان كالورق كلها بذكراه بين الخافقين تغرد .. محيا عليه للقبول طلاقة يزين حلالها حلى مجد وسودد .. محيا إمام بيض الله وجهه فوجه مشانيه من الخزي أسود .. إمام الهدى الراقي إلى ذروة العلا إلى رتبة عنها الثوابت تقعد .. إمام له في المجد فخر مؤثل وفي رتبة العلياء عز مؤيد .. إمام حماه الله من كف لامس كذاك الثريا ليس تدركها اليد .. أمعراجه السامي ينال فيرتقي وليس سواء سيد ومسود .. فما شئت قل فيه فأنت مصدق مزاياه تقضي والمحاسن تشهد .. مزايا يهز الغصن أعطافه لها ويثني عليه الكون طرأ ويحمد.

وقال ارتجالا في مجلس أنس حفَّت به الأحباب من ذوي الألباب : شاق طرف السرور ظرف الربيع فتملى بحسن تلك الربوع .. ما ترى الزهر ضاحكا لبكاء الطل من در قطره بالدموع  .. وغصون الرياض تخلع أثواب التداني على النديّ الخليع .. فأنسنا بجمع إخوان صدق زان طبع الوفاء قدر الجميع .. صالحي أرح فؤادك والبس من بشير اللقا قميص الرجوع ، ثم أنشد في المجلس ارتجالًا : إلى القبة الفيحاء سرنا فسرنا ربيع المنى من غر طلعتها الغرا .. أنسنا بها من كل بدر ولا نرى عجيبًا طلوع البدر في القبة الخضرا ، ثم أنشد عند التهيؤ للقيام من ذلك المجلس : يا نهار السرور كيف اختلسنا فيك أنسًا كأنما هو شك .. قد أنسنا في فتحه بالتداني ودهانا ختامه وهو مسك.

ومن غرر قصايده ما مدح به رسول الله ﷺ والتزم الألف في أول كل كلمة وهي : أسال أسيل الخد أرواحنا القتلى أسى أصله إغراء ألحاظه الكحلا .. أغر أغار الغادة الرود أنه أعار اللآلي الغر أجيادها العطلا .. أطال المدى أنكى الأسى أعجز الأسى أطل المها أسنى المدى ألف المطلا .. أغار استطال استفرس افترس اجترا أصاب استباح استأصل احتكم السؤلا .. أشاكي إليه الحر أبغي استراحة أوقد أشلاء الحشا الحطب الجزلا .. أغالطه البلوى أخاف اتهامه أأنهي إليه الشوق أم أطلب الوصلا  .. أطارحه الشكوى إذا استل أسهمًا إلا إنه أقسى الأنام إذا استلا .. أجل إنني أسلمت أحشائي البلا ألست إلى ألحاظه أنسب الفعلا.

45 / الشرح الكبير

من أهم كتب علم المنطق بمصر في العصر العثماني كتاب (الشرح الكبير على السلم المنورق في علم المنطق) والذي صنفه الشيخ شهاب الدين أحمد بن عبد الفتاح بن يوسف الملوي الشافعي الذي ولد في ملوي بصعيد مصر عام 1088 هـ / 1677 م وتوفي في القاهرة عام 1181 هـ / 1767 م ، وهو شرح تفصيلي لمنظومة السلم المنورق التي صنفها الشيخ عبد الرحمن بن محمد الصغير الأخضري المتوفي في بسكرة بالجزائر عام 983 هـ وأتبعه بعمل مختصر له عرف باسم الشرح الصغير.

وقد توسع المؤلف في علم المنطق وألف في ذلك عدة كتب أخرى منها كتاب نظم المختطات وكتاب أسرار المعقولات شرخ نظم المختلطات وكتاب الآلي المنثورة لشرح نظم الموجهات وكتاب نظم مختلطة السنوسي وكتاب الأسرار الحقيقية فيما يتعلق بالخارجية والحقيقة وأرجوزة في لوازم الشرطية وشرحه عليها وكتاب إتحاف المشتاق ببيان انحصار الكيفيات وكتاب المنح الوفيات في نسب الموجهات وكتاب الأنوار البهية على خطبة شرح القطب على الشمسية وكتاب قرة العين في فائدة ذي الأسمين وكتاب أسرار المقولات وكتاب شرح نظم لطائف المعاني بين عين أحد المنتسبين ونقيض الثاني ، وله عدة مؤلفات أخرى في كل من علم الكلام والتصوف والنحو والبلاغة والفقه وبلغت مؤلفاته قرابة خمسين كتابا.

وتستهل المنظومة بقول الناظم : وبعد فالمنطق للجنَان .. نسبته كالنحو واللسان .. فيعصم الأفكار عن غي الخطا .. وعن دقيق الفهم يكشف الغطا .. فها لك من أصوله قواعدا .. تجمع من فنونه فوائدا .. سميته بالسلم المنورق .. يرقى به سماء علم المنطق .. والله أرجو أن يكون خالصا .. لوجهه الكريم ليس قالصا .. وأن يكون نافعا للمبتدى .. به إلى المطولات يهتدي.

ويستهل المؤلف شرحه للأرجوزة بمقدمة يشرح فيها سبب تأليف الكتاب وذلك استجابة لطلب من شيخه الإمام عبد الله الكنكسي القصري مبينا أهمية علم المنطق حيث قال : ” بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين ، الحمد لله الذي نطقت مصنوعاته بربوبيته وأورد على أنواع العوالم أجناس النعم وخواص المزايا بحكته ورأفته والصلاة والسلام على سيدنا محمد المقدم على سائر الرسل والأنبياء وعلى آله وأصحابه الأولياء والتالين لهم الأتقياء.

أما بعد ، فإن علم المنطق معيار لسائر أنظار العلوم ودقائق الإشارات ميزان لتحقيق الفهوم ولطائف الاعتبارات مرجع لجميع البراهين والدلائل كشاف قضايا العقول وأسرار المسائل يسبر به غور عقل الأفاضل ومحك يظهر به عند هيجان صعاب المشكلات والتفاضل وعطر يفوح منه عرف جميع الفضائل والفواضل وبه يقع في ميدان فرسان مطارح الأنظار التناضل.

عاصم للذهن من الغلط في جميع طرق اكتساب النظريات ومالك به عارفهُ أزمة العلوم ومعادن التحقيقات متسع به الفكر في أقطار مداركه وطرق مجاله مسهل للعقل وعر الأنظار بإرسال جواد النظر لإدراك مطالبه في أي وقت شاء باحتياله مفتاح لأبوب خزائن نفائس المعاني العوالي ، فمن لم يعرف فنفسه بهيمية لا يوثق بعلمه كما قاه غير واحد كالإمام حجة الإسلام الغزالي.

وإن كتاب السلم للإمام الولي ذي التحقيق والعرفان سيدي عبد الرحمن الأخضري أسكنه الله تعالى فراديس الجنان قد اشتمل من هذا الفن على كثير من غرر الفوائد وأخذ منه جملة كافية من نفائس الفرائد قد عم الانتفاع به شرقا وغربا وطالما اغترف الوارد من فيض بحره غربا فغربا.

وأنه كان قد ورد علي أمر من حضرة شيخنا علم الأعلام شيخ الإرشاد والتحقيق ومغيث الأنام أن أضع عليه شرحا يذلل صعاب مشكلاته على طرف الثمام ويستخرج منه مستودعات أسرار وطرائف أفهام مما تلقيته عنه واقتنصته بجواد الفكر منه ، فطفقت أقتحم موارد السهر وأقتطف امتثالا لأمره أزهار الفكر حتى ظفرت منه بدقائق أنظار وخبيات أستار واهتديت على غرائب نكات وعرائس أبكار .

ثم إن ترادف الأهوال وتفاقم المصائب التي توجب ضيق البال ألجأتني إلى أن طرحت الأوراق في زوايا الإهمال وضربت عليها عناكب النسيان والإغفال ، ثم رأيت كثيرا من الفضلاء يسألونني المرة بعد المرة أن أصرف الهمة إلى الرجوع إلى ما جمعته وترتيبه وتنقيح ما سودته قبل ذلك وتهذيبه ، فصرفت عنان العناية إلى ذلك مستعينا بالله تعالى مالك الممالك.

وكنت قبل ذلك أضربت صفحا عما هنالك علما مني بأن شرح مؤلفه كاف للمبتدي لا سيما وقد ذيله شيخ شيخنا قدوة المهتدي سيدنا ومولانا سيدي سعيد قدورة رفع الله للجميع الدرجات وأن من أراد الزيادة عليهما فليصرف الهمة نحو المطولات.

لكن ألجأني إلى ذلك إلحاح ذوي المسألة علي واقتراحهم الكرة بعد الكرة بما أملوا لدي وتشوفهم إلى شرح يمتزج امتزاج الماء بالراح ويشتبك به اشتباك الأرواح بالأشباح ، ومما قوى العزم على ذلك أن تغتاله أيدي الضياع وأن لا يستفيده أحد من أهل العلم والانتفاع فقصدت أن ينتفع بذلك السائلون ولمثل هذا فليعمل العاملون وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب “.

وقد ذكره الحسيني في كتابه سلك الدرر بأعيان القرن الثاني عشر فقال : ” أحمد بن عبد الفتاح بن يوسف المجبري الشافعي القاهري الشهير بالملوي الشيخ الامام العلامة المعمر مسند الوقت شيخ الشيوخ واستاذ اهل الرسوخ التحرير المفنن الأوحد صاحب التآليف النافعة ابو العباس شهاب الدين ولد في ثالث شهر رمضان سنة ثمان وثمانين والف ودخل الازهر وطلب العلم.

واخذ عن جملة من الشيوخ منهم الشيوخ الأجلاء الشهابان أحمد ابن الفقيه وأحمد بن محمد الخليفي وأبو محمد عبد الرؤف البشبيشي والجمالي منصور المنيفي وأحمد بن غانم النفرأوي وأحمد الشبراخيتي وعبد ربه بن أحمد الديوي ومحمد بن عبد الباقي الزرقاني وعبد الجواد بن القاسم المحلي ومحمد بن عبد الله النكسي وأبو الصلاح أحمد بن محمد الهشتركي ومحمد بن عبد الله السجلماسي ومحمد بن عبد الرحمن بن ذكرى وابو العز بن الشهاب محمد العجمي والشمس محمد بن منصور الاطفيحي ورضوان الطوخي وابو الحسن علي بن علي الحسيني الحنفي وعمر بن عبد السلام التطأوني وأبو الانس محمد بن عبد الرحمن الملحي وابو الفيض محمد بن إبراهيم الابوتيجي ومحمد ابن أحمد الورزازي وغيرهم.

واشتهر صيته وعلا ذكره وله من المؤلفات شرحان على رسالة الاستعارات مطول ومختصر وشرحان على السلم للأخضري مطول ومختصر وغير ذلك من المؤلفات وكأنت وفاته سنة احدى وثمانين ومائة والف رحمه الله تعالى “.

وترجم له الجبرتي في كتابه عجائب الآثار فقال : ” الإمام العلامة المتقن المعمر مسند الوقت وشيخ الشيوخ الشيخ أحمد بن عبد الفتاح بن يوسف بن عمر المجيري الملوي الشافعي الأزهري ولد كما أخبر من لفظه في فجر يوم الخميس ثاني شهر رمضان سنة ١٠٨٨ وأمه آمنة بنت عامر بن حسن بن حسن بن علي بن سيف الدين ابن سليمان بن صالح بن القطب علي المغراوي الحسني.

اعتنى من صغره بالعلوم عناية كبيرة وأخذ عن الكبار من أولى الأسناد والحق الاحفاد بالاجداد فمن شيوخه الشهاب أحمد بن الفقيه والشيخ منصور المنوفي والشيخ عبد الرؤوف البشبيشي والشيخ محمد بن منصور الاطفيحي والشهاب الخليفي والشيخ عيد النمرسي والشيخ عبد الوهاب الطندتاوي وابو العز محمد بن العجمي والشيخ عبد ربه الديوي والشيخ رضوان الطوخي والشيخ عبد الجواد وخاله أبو جابر علي بن فامر الايتاوي وابو الفيض علي بن إبراهيم البوتيجي وأبو الانس محمد بن عبد الرحمن المليجي هؤلاء من الشافعية.

ومن المالكية محمد بن عبد الرحمن بن أحمد الورزازي والشيخ محمد الزرقاني والشيخ عمر بن عبد السلام التطواني والشيخ أحمد الهشتوكي والشيخ محمد بن عبد الله السجلماسي والشيخ أحمد النفراوي والشيخ عبد الله الكنكسي وابن أبي زكري وسليمان الحصيني والشبرخيتي ومن الحنفية السيد علي بن علي الحسيني الضرير الشهير باسكندر ورحل إلى الحرمين سنة ١١٢٢. فسمع علي البصري والنخلي الأولية وأوائل الكتب الستة واجازه والشيخ محمد طاهر الكوراني واجازه الشيخ ادريس ليماني ومنلا الياسي الكوراني ودخل تحت اجازة الشيخ إبراهيم الكوراني في العموم.

وعاد إلى مصر وهو إمام وقته المشار إليه في حل المشكلات المعول عليه في المعقولات والمنقولات قرأ المنهج مرارا وكذا غالب الكتب وانتفع به الناس طبقة بعد طبقة وجيلا بعد جيل. وكان تحريره أقوى من تقريره. وله رضي الله عنه مؤلفات كثيرة منها شرحان على متن السلم كبير وصغير وشرحان كذلك على السمرقندية وشرح على الياسمينية وشرح الأجرومية ونظم النسب وشرحها وشرح عقيدة الغمري وعقود الدرر على شرح ديباجة المختصر أتمه بالمشهد الحسيني سنة ثلاث وعشرين.

ونظم الموجهات وشرحها وتعريب رسالة منلا عصام في المجاز ومجموع صيغ صلوات على النبي صلى الله عليه وسلم. ومؤلفاته مشهورة مقبولة متدولة بايدي الطلبة ويدرسها الأشياخ. وتعلل مدة وانقطع لذلك في منزله وهو ملقى على الفراش ومع ذلك يقرأ عليه كل يوم اوقات مختلفة أنواع العلوم وترد عليه الناس من الآفاق ويقرأون عليه ويستجيزونه فيجيزهم ويملي عليهم ويفيدهم ومنهم من يأتيه للزيارة والتبرك وطلب الدعاء فيمدهم بأنفاسه ويدعو لهم وكان ممتع الحواس وأقام على هذه الحالة نحو الثلاثين سنة حتى توفي في منتصف شهر ربيع الأول سنة ١١٨١ “.

46 / فوائد عوائد جبرية

(فوائد عوائد جبرية على شرح السبط للياسمينية) هو عنوان رسالة مختصرة في الرياضيات كتبها الإمام الأكبر شيخ الجامع الأزهر نجم الدين أبو المكارم محمد بن سالم بن أحمد الحفناوي الشافعي الذي ولد في قرية حفنة بجوار بلبيس بالشرقية عام 1100 هـ / 1688 م وتوفي بالقاهرة عام 1181 هـ / 1767 م وتولى مشيخة الأزهر خلفا للشيخ الشبراوي وذلك لمدة عشر سنوات من سنة 1171 هـ وحتى وفاته ، وله كتاب آخر في نفس المجال بعنوان (رسالة في الجزء الذي لا يتجزأ بطريق الهندسة).

والهدف من مؤلفاته في الرياضيات هو ضبط المصطلحات المستخدمة في علم الجبر والمقابلة وفي علم الهندسة والأسطح وذلك تسهيلا على طلاب الأزهر حيث شاع وقتها الخلط في بعض الكلمات بين المشتغلين بالحساب وبين علماء الجبر (مثل كلمة تربيع التي كانت تستعمل أحيانا بمعنى القسمة على أربعة وأحيانا بمعنى ضرب العدد في نفسه) ، وقد تناول فيها ضبط وتوحيد معاني الكلمات مثل العدد والشيء والمال والجذر والكسر والكعب والمربع والأُس والأساس والمعادلة والبسط والمقام وغيرها.

وقد انتهى من كتابة هذه الرسالة في عام 1167 هـ ومحتواها هو تعليق وضبط لغوي ورياضي على أحد الكتب المقررة وقتها في الجبر والمقابلة وهو كتاب شرح الياسمينة الذي كتبه العلامة بدر الدين أبو عبد الله محمد بن محمد بن أحمد الدمشقي المعروف بلقب سبط المارديني المتوفى عام 902 هـ ، والياسمينة هي منظومة شاملة في علم الجبر جمعت كافة تفاصيله في قالب شعري (مثل ألفية ابن مالك في النحو) كتبها الإمام أبو محمد عبد الله بن محمد بن الحجاج الأدريني المعروف بالياسميني المتوفى عام 601 هـ.

وفي مقدمة المخطوطة شرح لأسباب تأليفها جاء فيه : ” هذه حاشية العالم العلامة الأستاذ الحفني المسماة بفرائد عوائد جبرية على شرح السبط للياسمينية في علم الجبر والمقابلة نفعنا الله وبه وبعلومه في الدارين آمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم ، بسم الله الرحمن الرحيم نحمدك يا من بعفوك نظفر بالجبر يوم الحساب ونحشر بالمقابلة برضاك في زمرة الأحباب ونصلي ونسلم على أفضل قاسم لما أعطيت وأكمل جامع لما من فرائد الفضل أوليت وعلى آله الضاربين ببواتر الصدق أعناق الأوهام وصحبة أئمة الهدى ونجوم الإسلام.

أما بعد ، فيقول فقير المغني عبد مولاه محمد الحفني هذه حواش على شرح السبط للأرجوزة الياسمينية المتضمنة ما يحتاج إليه من المسائل الجبرية سلكت فيها سبيل الإيضاح للمبتدئين وتمت بها ما أهمله من أمثلة يضطر إليها لزيادة التبيين مع كساد الحال وشتات البال ، وجميع ما ذكرته انتخبته من كلام الأعلام فلا ينسب إلى إلا جمع المناسب لإيضاح المقصود ليستغني المشتغل بهذا الشرح عن غيره والأعمال بالنيات نسأل الله حسنها ، فحق أن نسميها بفرائد عوائد جبرية على شرح السبط للياسمينة نفع الله بها العباد وأثابه عليها يوم الميعاد “.      

ويعد الحفناوي من أئمة الفقه الشافعي ومن أعلام الطريقة الصوفية الخلوتية وكان مهابا عند الأمراء المماليك مسموع الكلمة لديهم ولعب دورا كبيرا في الحد من ظلمهم للرعية ومنع كثيرا من الفتن بينهم ، وله مؤلفات في مجالات مختلفة منها كتاب الثمرة البهية في أسماء الصحابة البدرية (في التاريخ) وكتاب أنفس نفائس الدرر (شرح الهمزية لابن حجر الهيتمي) وكتاب الفيض الأنسي على الفتح القدسي (في التصوف) وكتاب تقريرات الحفني على شرح الحكم العطائية بالإضافة إلى عدد من الحواشي والشروح في الفقه والحديث والبلاغة والمنطق.

وقد ذكره الحسيني في كتابه سلك الدرر بأعيان القرن الثاني عشر فقال : ” محمد الحفني ابن سالم بن أحمد الشافعي المصري الشهير بالحفني الشيخ العالم المحقق المدقق العارف بالله تعالى قطب وقته أبو المكارم نجم الدين ولد بحفنة قرية من قرى مصر قريب بلبيس سنة احدى ومائة وألف.

ودخل الأزهر واشتغل بالعلم على من به من الفضلاء كمحمد بن عبد الله السجلماسي وعيد بن علي النمرسي ومصطفى بن أحمد العزيزي والشمس محمد بن إبراهيم الزيادي الملقب بعبد العزيز وعلي بن مصطفى السيواسي الحنفي الضرير والجمال عبد الله الشبراوي والشهابين أحمد الملوي وأحمد الجوهري والسيد محمد بن محمد البليدي والشمس محمد بن محمد البديري الدمياطي.

وأخذ الطريقة الخلوتية عن القطب مصطفى بن كمال الدين البكري وتربى على يديه ، وألف التآليف النافعة منها حاشية على شرح الهمزية لأبن حجر وحاشية على شرح رسالة الوضع وحاشية على حاشية الحفيد على المختصر وحاشية على شرح الرحبية للشنشوري وغالب حواشي أخيه الجمال يوسف مأخوذة منه.

وكان يدرس أولاً بالسنانية وبالوراقين ثم في الطبرسية داخل باب الجامع ثم لما توفي الجمال عبد الله الشبراوي نقل التدريس إلى محله داخل الجامع وكان يحضر درسه أكثر من خمسمائة طالب ، حسن التقرير ذا فصاحة وبيان شهماً مهاباً محققاً مدققاً يهرع إليه الناس جميعاً واشتهرت طريقة الخلوتية عنه في مشرق الأرض ومغربها في حياته وكانت وفاته في شهر ربيع الأول سنة احدى وثمانين ومائة وألف رحمه الله تعالى “.

وترجم له الجبرتي في كتابه عجائب الآثار فقال : ” الشيخ الإمام العلامة الهمام أوحد أهل زمانه علما وعملا ومن أدرك ما لم تدركه الأول المشهود له بالكمال والتحقيق والمجمع على تقدمه في كل فريق شمس الملة والدين محمد بن سالم الحفناوي الشافعي الخلوتي وهو شريف حسيني من جهة أم أبيه وهي السيدة ترك ابنة السيد سالم بن محمد بن علي بن عبد الكريم بن السيد برطع المدفون ببركة الحاج وينتهي نسبه إلى الإمام الحسين رضي الله عنه وكان والده مستوفيا عند بعض الأمراء بمصر وكان غاية من العفاف.

ولد على راس المائة ببلده حفنا بالقصر قرية من اعمال بلبيس وبها نشأ والنسبة إليها حفناوي وحفني وحفنوي وغلبت عليه النسبة حتى صار لا يذكر إلا بها وقرأ بها القرآن إلى سورة الشعراء ثم حجزه ابوه باشارة الشيخ عبد الرؤوف البشبيشي وعمره أربع عشرة سنة بالقاهرة فكمل حفظ القرآن ثم اشتغل بحفظ المتون فحفظ الفية ابن مالك والسلم والجوهرة والرحبية وابا شجاع وغير ذلك.

واخذ العلم عن علماء عصره واجتهد ولازم دروسهم حتى تمهر واقرأ ودرس وأفاد في حياة اشياخه واجازوه بالافتاء والتدريس فاقرأ الكتب الدقيقة كالاشموني وجمع الجوامع والمنهج ومختصر السعد وغير ذلك من كتب الفقه والمنطق والأصول والحديث والكلام عام اثنتين وعشرين واشياخه الذين أخذ عنهم وتخرج عليهم الشيخ أحمد الخليفي والشيخ محمد الديربي والشيخ عبد الرؤوف البشبيشي والشيخ أحمد الملوى والشيخ محمد السجاعي والشيخ يوسف الملوي والشيخ عبده الديوي والشيخ محمد الصغير.

ومن اجل شيوخه الذين تخرج بالسند عنهم الشيخ محمد البديري الدمياطي الشهير بابن الميت أخذ عنه التفسير والحديث والمسندات والمسلسلات والاحياء للإمام الغزالي وصحيح البخاري ومسلم وسنن أبي داود وسنن النسائي وسنن ابن ماجه والموطأ ومسند الشافعي والمعجم الكبير للطيراني والمعجم الأوسط والصغير له أيضا وصحيح ابن حيان والمستدرك للنيسابوري والحلية للحافظ أبي نعيم وغير ذلك.

وشهد له معاصروه بالتقدم في العلوم وحين جلس للافادة لازمه جل طلبة العلم ومن بهم يسمو المعقول والمنقول وكان إذ ذاك في شدة من ضيق العيش والنفقة فاشترى دواة وأقلاما وأوراقا واشتغل بنسخ الكتب فشق عليه ذلك خوفا من انقطاعه عن العلم.

وكان يتردد إلى زاوية سيدي شاهين الخلوتي بسفح الجبل ويمكث فيها الليالي متحنثا واقبل على العلم وعقد الدروس وختم الختوم بحضرة جمع العلماء وقرأ المنهاج مرات وكتب عليه وكذلك جمع الجوامع والاشموني ومختصر السعد وحاشية حفيده علبه كتب عليها وقرأها غير مرة وكان الشيخ العلامة مصطفى العزيزي إذا رفع إليه سؤال يرسله إليه.

واشتغل بعلم العروض حتى برع فيه وع إلى النظم والنثر وتخرج عليه غالب أهل عصره وطبقته ومن دونهم كأخيه العلامة الشيخ يوسف والشيخ إسمعيل الغنيمي صاحب التآليف البديعة والتحريرات الرفيعة المتوفى سنة أحدى وستين وشيخ الشيوخ الشيخ علي العدوي والشيخ محمد الغيلاني والشيخ محمد الزهار نزيل المحلة الكبرى وغيرهم كما هو في تراجم المذكورين منهم.

وكان على مجالسه هيبة ووقار ولا يسأله أحد لمهابته وجلالته فمن تآليفه المشهورة حاشية على شرح رسالة العضد للسعد وعلى الشنشوري في الفرائض وعلى شرح الهمزية لابن حجر وعلى مختصر السعد وعلى شرح السمرقندي للياسمينية في الجبر والمقابلة وله تصانيف أخر مشهورة.

وكان كريم الطبع جدا وليس للدنيا عنده قدر ولا قيمة جميل السجايا مهاب الشكل عظيم اللحية أبيضها كان على وجهه قنديلا من النور ، وكان كريم العين على أحداهما نقطة وأكثر الناس لا يعلمون ذلك لجلالته ومهابته وكان في الحلم على جانب عظيم ومن مكارم آخلاقه اصغاؤه لكلام كل متكلم ولو من الخزعبلات مع انبساطه إليه واظهار المحبة ولو أطال عليه ومن رآه مدعيا شيئا سلم له في دعواه.

ومن مكارم أخلاقه أنه لو سأله إنسان اعز حاجة عليه اعطاها له كائنة ما كانت ويجد لذلك إنسا وانشراحا ولا يعلق أمله بشيء من الدنيا وله صدقات وصلات اخفية وظاهرة وكان راتب بيته من الخبز في كل يوم نحو الاردب والطاحون دائمة الدوران وكذلك دق البن وشربات السكر ولا ينقطع وورد الورادين ليلا ونهارا ويجتمع على مائدته الأربعون والخمسون والستون ويصرف على بيوت اتباعه والمنتسبين إليه.

وشاع ذكره في أقطار الأرض واقبل عليه الوافدون بالطول والعرض وهادته الملوك وقصده والآخرة وجده وكان رزقه فيضا الهيا ، وللشيخ رضي الله عنه مناقب ومكاشفات وكرامات وبشارات وخوارق عادات يطول شرحها ذكرها الشيخ حسن المكي المعروف بشمه في كتابه الذي جمعه في خصوص الأستاذ وكذلك العلامة الشيخ محمد الدمنهوري المعروف بالهلباوي له مؤلف في مناقب الشيخ ومدائحه وغير ذلك وامتدحه أشياخه ومعاصروه وتلامذته.

توفي رضي الله عنه يوم السبت قبل الظهر سابع عشري ربيع الأول سنة ١١٨١ ودفن يوم الأحد بعد أن صلي عليه في الأزهر في مشهد عظيم جدا وكان يوم هول كبير وكان بين وفاته ووفاة الأستاذ الملوي ثلاثة عشر يوما ومن ذلك التاريخ ابتدأ نزول البلاء واختلال أحوال الديار المصرية وظهر مصداق قول الراغب أن وجوده أمان على أهل مصر من نزول البلاء وهذا من المشاهد المحسوس وذلك أنه لم يكن في الناس من يصدع بالحق ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويقيم الهدى فسد نظام العالم وتنافرت القلوب ومتى تنافرت القلوب نزل البلاء.

ومن المعلوم المقرر أن صلاح الأمة بالعلماء والملوك وصلاح الملوك تابع لصلاح العلماء وفساد اللازم بفساد الملزوم فما بالك بفقده والرحى لا تدور بدون قطبها وقد كان رحمه الله قطب رحى الديار المصرية ولا يتم أمر من أمور الدولة وغيرها إلا باطلاعه واذنه ولما شرع الأمراء القائمون بمصر في اخراج التجاريد لعلي بك وصالح بك وأستاذنوه فمنعهم من ذلك وزجرهم وشنع عليهم ولم يأذن بذلك كما تقدم وعلموا أنه لا يتم قصدهم بدون ذاك فاشغلوا الأستاذ وسموه فعند ذلك لم يجدوا مانعا ولا رادعا وأخرجوا التجاريد وآل الأمر لخذلانهم وهلاكهم والتمثيل بهم.

وملك علي بك وفعل ما بدا له فلم يجد رادعا أيضا ونزل البلاء حينئذ بالبلاد المصرية والشامية والحجازية ولم يزل يتضاعف حتى عم الدنيا وأقطار الأرض فهذا هو السر الظاهري وهو لا شك تابع للباطني وهو القيام بحق وراثه النبوة وكمال المتابعة وتمهيد القواعد وإقامة أعلام الهدى والإسلام وإحكام مباني التقوى لأنهم امناء الله في العالم وخلاصة بني آدم أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون “.

47 / رفع الستائر عن مهملات الدوائر

(رفع الستائر عن مهملات الدوائر) هو عنوان رسالة مختصرة في علم العروض صنفها الشاعر والأديب الشيخ أبو الفضل جمال الدين يوسف بن سالم بن أحمد الحفناوي المصري الشافعي المتوفي بالقاهرة عام 1176 هـ / 1762 م وهو أخو الإمام محمد بن سالم الحفناوي شيخ الأزهر ، وقد قصد في هذه الرسالة محاولة التجديد في الأوزان العروضية للشعر في زمنه وذلك بإحياء البحور المهملة بحيث تتواكب مع التغيرات التي طرأت على الشعر.

وقد كتب الحفناوي عدة كتب أخرى في مجالات الأدب منها كتاب رسالة في علم الآداب وشرحها وله مقامتان وديوان شعر كبير وكتاب أقصى المراد بشرح بانت سعاد ومنظومة في مواقع الجمل في العربية (في النحو) ورسالة في الفصد والحجامة (في الطب الشعبي) وعدد من المؤلفات في الفقه وعلوم الدين ، وهو من كبار الشعراء الرضوانية الذين كانوا من ندماء الأمير رضوان كتخدا الجلفي وله فيه مدائح وقصائد مشهورة.

وقد شرح في مقدمة رسالته الهدف من كتابتها فقال : ” بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي سهل لنا عروض الرشاد وأدار الدائرة على أهل الزيغ والعناد والصلاة والسلام على صاحب الفضل المؤتلف سيدنا محمد الذي لم يختلف في كماله مختلف وعلى آله المجتلبين لأنواع الكمال وصحبه المتفقين على التلبس لصفات الجلال ، وبعد فيقول كثير المساوي يوسف الحفناوي : لما رأيت العروضيين أهملوا ذكر تفاعيل البحور المهملات حتى صارت عند أهل هذا الفن من الأمور المستغربات أحببت أن أذكرها ممثلا لكل بمثال غير متعرض لذوي الاستعمال ، ليحيط طالب هذا الفن بمقاصده ويتيسر له فهم جميع فوائده فأقول وبالله التوفيق : الدوائر خمسة : مختلف مؤتلف والمشتبه .. مجتلب وذو اتفاق فانتبه “.

وقد ذكره الجبرتي في عجائب الآثار فقال : ” الإمام العالم العلامة والمدقق الفهامة الشيخ يوسف شقيق الأستاذ شمس الدين الحفني أخذ العلم عن مشايخ عصره مشاركا لأخيه وتلقى عن أخيه ولازمه ودرس وافاد وافتى وألف ونظم الشعر الفائق الرائق وله ديوان شعر مشهور ، وكتب حاشية عظيمة على الأشموني وهي مشهورة يتنافس فيها الفضلاء وحاشية على مختصر السعد وحاشية على شرح الخزرجية لشيخ الإسلام وحاشية على جمع الجوامع لم تكمل وحاشية على الناصر وابن قاسم وشرح شرح الأزهرية لمؤلفها وشرح على شرح السعد لعقائد النسفي وحاشية الخيالي عليه وعلى ملا حنفي في آداب البحث وغيره ، وله مقامتان وقصايد طنانة مذكورة في المدايح الرضوانية وغيرها توفي في شهر صفر سنة توفي في شهر صفر سنة ثمان وسبعين وماية وألف “.

وترجم له الحسيني في كتابه سلك الدرر بأعيان القرن الثاني عشر ونقل جانبا من أشعاره فقال : ” يوسف الحفني ، ابن سالم بن أحمد الشافعي القاهري الشهير بالحفني الشيخ الامام العالم العلامة الحبر البحر النحرير الفهامة الأديب الشاعر البارع المفنن أبو الفضل جمال الدين كان عديم النظير في الحفظ وحسن التقرير مع التحقيق الباهر للعقول والتدقيق المشتمل على أصول وفصول.

أخذ عن جماعة من العلماء وشارك أخاه في معظم شيوخه منهم أبو حامد محمد بن محمد البديري ومحمد بن عبد الله السجلماسي وعيد بن علي النمرسي ومصطفى بن أحمد العزيزي والشمس محمد بن إبراهيم الزيادي الحنفي وامام المعقولات علي بن مصطفى السيواسي والجمال عبد الله الشبراوي والشهابان أحمد الجوهري وأحمد الملوي والسيد محمد البليدي وأخو المترجم النجم محمد الحفني وأخذ الطريقة الخلوتية عن القطب مصطفى ابن كمال الدين البكري وعن غيرهم.

وبرع وفضل وسما قدره ونبل ودرس بالجامع الأزهر والمدرسة الطبرسية ولما توفي العلامة عبد الله الشبراوي شيخ الجامع الأزهر وصار أخو المترجم مكانه وكل صاحب الترجمة في التدريس عنه وكان الشبراوي قد وصل في تدريسه في تفسير البيضاوي إلى سورة عم فشرع المترجم من السورة المرقومة بتحقيق بهر العقول وأعجب الفحول مع القاء ما عليه من منقول ومعقول.

وألف مؤلفات دقيقة وتحريرات أنيقة منها الحاشية الحافلة على شرح الألفية للأشموني وحاشية على شرح الخزرجية لشيخ الاسلام زكريا وشرحان على شرح آداب البحث للمنلا حنفي وشرح على شرح العصام للاستعارات وشرح التحرير في الفقه وله رسالة في علم الآداب وشرحها ونظم البحور المهملة في العروض وشرحها وديوان شعر مشهور وغير ذلك ، وكان رحمه الله تعالى من الرقة واللطافة على جانب عظيم وسعة من الحفظ والتفهيم يقرئ لمتن والشرح والحاشية لا يخل بحرف من ذلك ويزيد عليه تحقيقات لطيفة.

ومن شعره اللطيف قوله : بابي أهيف المعاطف أغيد كاد من شدّة اللطافة يعقد .. ماس بين الغصون يزهو بخد نقطته يد الشقائق بالند .. وتهادت بلقيس زينتها حين رأت قدّه كصرح ممرّد .. خرّجت وردة الخدود حديثاً وحديث الوردي أحسن مسند .. بعث اللحظ مرسلاً ونذيراً وتلاه العذار وهو مزرّد .. ودعانا لشرعة الحب جهراً فأتيناه راكعين وسجد.

ضلت العاشقون إذ شبهوه بهلال أو غصن بان تأوّد .. كفر الخال بالرسول فأمسى وهو في نار وجنتيه مخلد .. ليت شعري من أين للبدر خدّ إن جرت فوقه المياه توقد .. أو لغصن الرياض جيد إذا لاح بليل الشعور خلناه فرقد .. حسدتني الأيام فيه ولكن مثل هذا الجمال لا شك يحسد.

وقوله : واحيرتي في رشا أكحل .. ذي أعين فتاكة ذبل .. ناصبة أهدابها للذي .. قد فرّ من أجفانها الغزل .. سيوف لحظيه إذا جرّدت .. في سلبها الألباب لم تمهل .. سلطان أهل الحسن في عصره .. وإن غدا في الحكم لم يعدل .. إن ماس أو حرّك أعطافه .. أزرى بلين للقنا الأعدل .. وإن رنا نحوك باللحظ لم .. ينفعك من راق ولا مندل .. إذ قال لي خدّاه يا سيدي .. ورد لذيذ القطف لم يذبل.

ومال كالغصن إذا رنحت .. أعطافه ريح صبا شمأل .. ومدّ جيداً قد حكى دمية .. لديه جيد الظبي لم يجمل .. شممت من وجنته نفحة .. أزكى من العنبر والمندل .. أودع في القلب بها حسرة .. لمهجة نيرانها تصطلي .. كم مهجة أفنى وكم مقلة .. أدمى وكم قلب به قد بلي .. ما لاح للأبصار إلا رأت .. سعودها في حظه المقبل .. تركيّ لحظيه إذا ما رنا .. سفك دماء الناس لم يمهل .. يبخل بالوصل ولكنه .. بالفتك في العشاق لم يبخل.

وقوله : أوّاه من شادن تعمد .. قتلي ونومي بالهجر شرد .. طلق جفني كراه لما .. جفا وبالدمع صار يعتد .. أباح سفك الدماء عمداً .. لما لسيف اللحاظ جرّد .. إن أنكرت مقلتاه قتلي .. دمي على وجنتيه يشهد .. له قوام كغصن بان .. عليه طير الفؤاد غرّد .. ونبل هدب للسحر عنه .. هاروت لما روى تفرّد .. وسيف لحظ له سنان .. أمضى من الصارم المهند .. فذاك يحتاج لانتضاء .. وذا يذيب الفؤاد مغمد.

وخمر ريق من ذاق منه .. قطرة راح بغى وعربد .. أما ترى العاشقين سكرى .. حين رأوا ريقه المبرّد .. وليل شعر من ضل عنه .. غدا بصبح الجبين يرشد .. ناحل خصر له فؤاد .. على محبيه شبه جلمد .. قد أطلعت وجنتاه ورداً .. من لون ورد الرياض أجود .. وزانه حوله عذار .. أتى بثوب الدجى مزرّد .. بعد اخضرار الشعور منه .. جنى من الذنب عاد أسود.

ومنها : إن قلت صلني يزداد تيهاً .. أو ينثني مغضباً ويحتد .. أو قلت زرني بجنح ليل .. يقول في مذهبي قد ارتد .. متى رأيت المحب يوماً .. نال المنى من وصال أغيد .. يا واحداً لعصرته دلالاً .. على معنى في الحب مفرد .. ما حيلتي من تلاف جسمي .. وقد جفاين صحب وعود .. وعاذلي مذ رأى هيامي .. وفرط وجدي بكى وعدّد ، وله : نبهت بالوعد قوماً بالوفا نبذوا .. وقلت عودوا لوعدي عود منتبه .. قالوا سلوناك خلى غيرنا بدلاً .. واحذر من الدهر في مرمى تقلبه .. ما كان أحسنهم عندي وأحفظهم .. لو إنهم فعلوا ما يوعظون به.

وله مخمساً : حسبت الدهر لي خلا مطيعاً .. فراع حشاشتي روعاً شنيعا بصحب خلتهم حصناً منيعاً .. واخوان تخذتهم دروعا .. فكانوها ولكن للأعادي .. رأيت لهم عهوداً صادقات .. وأحوالاً لودّي مظهرات .. ظننتهم قسياً مانعات .. وخلتهم سهاماً صائبات .. فكانوها ولكن في فؤادي .. فكم ظهرت لنا منهم عيوب .. ولاح لأعيني فجر كذوب .. وكم حلفوا يميناً أن يتوبوا .. وقالوا قد صفت منا قلوب .. لقد صدقوا ولكن من ودادي ، وله مضمناً : لما رأيت ملاح العصر ليس لهم .. من الجمال سوى التكحيل بالمقل .. ناديت كفواً عن التدليس وارتدعوا .. ليس التكحل في العينين كالكحل.

وله : أوّاه مما ألاقي .. من لوعة وصدود .. ومن ملام عذول .. يروم خلف وعودي .. ومن دلال غزال .. يروم نقض عهودي .. أو من سهام ووجد .. به عدمت وجودي .. ومن جوى وهيام .. لبعد قلب شرود .. مثقف القدّ أحوى .. لماه عذب الورود .. مهفهف قد تعدّى .. بالفتك أقصى الحدود .. بدر ظريف المحيا .. لدن القوام فريد .. ياليت شعري ألاقي .. وعدي به أم وعيدي .. ويشتفي حرّ قلبي .. منه بحل البنود .. ورشف خمرة ريق .. وقطف ورد الخدود .. وطيب عذب عناق .. من قدّه الأملود .. هناك أختال تيهاً .. وتستتم سعودي ، وله غير ذلك من النظام والنثار وكانت وفاته في شعبان سنة ست وسبعين ومائة وألف رحمه الله تعالى “.

48 / منقذة العبيد من ربقة التقليد

(منقذة العبيد من ربقة التقليد) هو عنوان رسالة في الفلسفة الإسلامية وعلم الكلام كتبها الإمام العلامة الشيخ شهاب الدين أحمد بن حسن بن عبد الكريم الخالدي المخزومي المعروف بالجوهري والذي ولد بالقاهرة عام 1099 هـ / 1687 م وتوفي فيها عام 1181 هـ / 1767 م (الخالدي نسبة لجده الأعلى الصحابي الجليل خالد بن الوليد والجوهري نسبة لمهنة عائلتهم في بيع الذهب) ، وهو فقيه ومحدث له مؤلفات عدة في علوم الدين خاصة في العقائد ورحل أكثر من مرة إلى الحرمين وجلس للتدريس بالجامع الأزهر.

وقد قام بشرح هذه الرسالة ابنه الشيخ أبو هادي محمد بن أحمد بن حسن المعروف بلقب (الجوهري الصغير أو ابن الجوهري) والذي ولد بالقاهرة عام 1151 هـ / 1738 م وتوفي فيها عام 1215 هـ / 1800 م وأطلق على شرحه هذا اسم (لطائف التوحيد على متن منقذة العبيد) ، وقد عرف الجوهري الصغير بغزارة الكتابة في مجالات متعددة مثل العقيدة والفقه واللغة العربية وأصول الفقه والتجويد ومن أهمها كتاب إتحاف أولي الألباب بشرح ما يتعلق بشيء من الإعراب وكتاب اتحاف الرقاق لبيان أقسام الاشتقاق (في النحو والصرف).

وقد استهل الشارح كتابه بمقدمة قال فيها : ” بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين ، الحمد لله الذي دل بالإيجاد على وجوده واختص بالقيام بالنفس والمخالفة والقدم والبقاء والوحدة في شهوده واتصف بالحياة والقدرة والإرادة والعلم بمشهوده أي شهوده وأثبت وجود السمع والبصر والكلام له بفضاله ووجوده ، والصلاة والسلام على خير نبي بعث بتوحيده وعلى آله وصحبه القائمين بإعلاء الدين وتشييده.

وبعد ، فهذا شرح فريد ومنهل عذب وحيد سميته بلطائف التوحيد على متن منقذة العبيد الذي ألفه سنوسي الزمان بلا ترديد وسعد الأوان وسيد جرجان في فن التوحيد والدنا العلامة المحقق وملاذنا الدراكة المدقق ذو التصانيف العديدة والتآليف المفيدة والفريدة لا سيما في علم التوحيد والكلام فهو فيه الأسد الضرغام لما رأيت أن في ذلك إحياء لآثاره واقتباسا من مشكاة أنواره وأسراره مدنا الله من إمداداته وهدانا إلى طرق إفادته وتحقيقاته بمنه آمين “.

 وقد أثنى المؤرخون على الجوهر الكبير حيث ذكره الحسيني في كتابه سلك الدرر بأعيان القرن الثاني عشر فقال : ” أحمد الخالدي ، أحمد بن حسن بن عبد الكريم بن محمد بن يوسف الخالدي الشهير بالجوهري الشافعي القاهري الشيخ الإمام العالم المحقق المدقق النحرير الهمام الفقيه الأوحد البارع أبو العباس شهاب الدين ولد سنة تسع وتسعين وألف.

وأخذ عن جماعة من العلماء الايمة كالجمالين عبد الله الكنكسي وعبد الله بن سالم البصري والشهاب أحمد الخليفي وأحمد النفرأوي وأحمد بن الفقيه وأحمد الهشتركي وأحمد ابن محمد المرحومي وعن الشموس كمحمد الاطفيجي ومحمد الورزازي ومحمد بن عبد الله السجماسي ومحمد النشرتي وأبي العز محمد بن أحمد العجمي.

وأخذ أيضاً عن عبد ربه الديوي وابن زكري ومحمد الزرقاني ورضوان الطوخي وعبد الجواد الميداني وعمر بن عبد السلام التطأوني وعبد النمرسي ومنصور المتوفي وأبي المواهب البكري وأبي السعود الدنجيهي وعبد الحي بن عبد الحق الشر نبلالي الحنفي وعمر ابن عبد الكريم اللخخالي والشهاب أحمد بن محمد النخلي.

وتصدر بالجامع الأزهر للاقراء والتدريس وأخذ عنه جملة من الأفاضل وصار له غاية العز والرفعة بين أبناء عصره وله من المؤلفات حاشية على شرح الجوهرة للشيخ عبد السلام اللاقاني وغيرها وكان نسبه يتصل بسيدنا خالد بن الوليد الصحأبي الجليل وكان شاذلي الطريقة مهاباً محتشماً محترماً فرداً من أفراد العالم علماً وتحقيقاً وكأنت وفاته بالقاهرة سنة إحدى وثمانين ومائة وألف ودفن بتربة المجأورين رحمه الله تعالى ورحم من مات من المسلمين “.

وقد ترجم له الجبرتي في كتابه عجائب الآثار فقال : ” الإمام الفقيه المحدث الأصولي المتكلم شيخ الإسلام وعمدة الانام الشيخ أحمد بن الحسن بن عبد الكريم بن محمد بن يوسف بن كريم الدين الكريمي الخالدي الشافعي الأزهري الشهير بالجوهري وإنما قيل : له الجوهري لأن والده كان يبيع الجوهر فعرف به ولد بمصر سنة ١٠٩٦ واشتغل بالعلم وجد في تحصيله حتى فاق أهل عصره ودرس بالأزهر وأفتى نحو ستين سنة.

مشايخه كثيرون منهم الشهاب أحمد بن الفقيه ورضوان الطوخي إمام الجامع الأزهر والشيخ منصور المنوفي والشهاب أحمد الخليلي والشيخ عبد ربه الديوي والشيخ عبد الرؤوف البشبيشي والشيخ محمد أبو العز العجمي والشيخ محمد الاطفيحي والشيخ عبد الجواد المخلي الشافعيون والشيخ محمد السجلماسي والشيخ أحمد الننراوي! والشيخ سليمان الحصيني والشيخ عبد الله الكنكسي الشيخ محمد الصغير الورزازي وابن زكري والشيخ أحمد الهشتوكي والشيخ سليمان الشبرخيتي والسيد عبد القادر المغربي ومحمد القسطنطيني ومحمد النشرتي المالكيون.

ورحل إلى الحرمين في سنة ١١٢٠ فسمع من البصري والنخلي في سنة ١١٢٤ ثم في سنة ١١٣٠ وحمل في هذه الرحلات علوما جمة اجازه مولاي الطيب بن مولاي عبد الله الشريف الحسيني وجعله خليفة بمصر وله شيوخ كثيرون غير من ذكرت وقد وجدت في بعض إجازاته تفصيل ما سمعه من شيوحه ما نصه على البصري والنخلي أوائل الكتب الستة والاجازة العامة مع حديث الرحمة بشرطه وعلى الاطفيحي بعض كتب الفقه والحديث والتصوف والاجازة العامة وعلى السجلماسي في سنة ١١٢٦ الكبرى للسنوسي ومختصرة المنطقي وشرحه وبعض تلخيص القزويني وأول البخاري إلى كتاب الغسل وبعض الحكم العطائية.

وأجازه علي بن زكري أوائل الستة وأجازه وعلى الكنكسي الصحيح بطرفيه وشرح العقائد للسعد وعقائد السنوسي وشروحها وشرح التسهيل لابن مالك إلى آخره وشرح الالفية للمكوي والمطول بتمامه وشرح التلخيص وعلى الهشتوكي الاجازة بسائرها وعلى النفراوي شرح التلخيص مرارا وشرح الفية المصطلح وشرح الورقات وعلي الديوي شرح المنهج لشيخ الإسلام مرارا وشرح التحرير وشرح القية ابن الهائم وشرح التلخيص وشرح ابن عقيل على الالفية وشرح الجزرية وعلى المنوفي جمع الجوامع وشرحه للمحلى وشرح التلخيص.

وعلى ابن الفقيه شرح التحرير وشرح الخضيب مرارا وشرح العقائد النسفية وشرح التلخيص والخبيصي وعلى الطوخي شرح الخطيب وابن قاسم مرارا وشرح الجوهرة لعبد السلام وعلي الخليفي البخاري وشرح التلخيص والاشموني والعصام وشرح الورقات وعلي الحصيني شرح الكبرى للسنوسي بتمامه وعلى الشبرخيتي شرح الرحبية وشرح الاجرومية وغيرهما وعلى الورزازي شرح الكبرى بتمامه مرارا وشرح الصغرى وشرح مختصر السنوسي والتفسير وغيره وعلي البشبيشي المنهج مرارا وجمع الجوامع مرارا والتلخيص والفية المصطلح والشمائل وشرح التحرير لزكريا وغيره هذا نص ما وجدته بخطه.

واجتمع بالقطب سيدي أحمد بن ناصر فأجازه لفظا وكتابه وممن أجازه أبو المواهب البكري وأحمد البناء وأبو السعود الدنجيهي وعبد الحي الشرنبلالي ومحمد بن عبد الرحمن المليجي وفي الحرمين عمر بن عبد الكريم الخلخالي حضر دروسه وسمع منه المسلسل بالأولية بشرطه وتوجه بآخرته الحرمين بأهله وعياله وألقى الدروس وانتفع به الواردون ثم عاد إلى مصر فانجمع عن الناس وانقطع في منزله يزار ويتبرك به.

وله تآليف منها منقذة العبيد عن ربقة التقليد في التوحيد وحاشية علي عبد السلام ورسالة في الأولية وأخرى في حياة الانبياء في قبورهم وأخرى في الغرائق وغيرها وكانت وفاته وقت الغروب يوم الأربعاء ثامن جمادى الأولى وجهز بصباحه وصلي عليه بالجامع الأزهر بمشهد حافل ودفن بالزاوية القادرية داخل درب شمس الدولة رحمه الله “.

أما الجوهري الصغير فقد ترجم له عبد الرازق البيطار في كتابه حلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر فقال : ” الشيخ محمد بن أحمد بن حسن بن عبد الكريم الخالدي الشافعي الشهير بابن الجوهري الإمام الألمعي والذكي االلوذعي ، من عجنت طينته بماء المعارف وتآخت طبيعته مع العوارف العمدة العلامة والنحرير الفهامة فريد عصره ووحيد دهره وهو أحد الإخوة الثلاثة وأصغرهم ويعرف هو بالصغير.

ولد سنة إحدى وخمسين ومائة وألف ونشأ في حجر والده في عفة وصون وعفاف وقرأ عليه وعلى أخيه الأكبر الشيخ أحمد وعلى الشيخ خليل المغربي والشيخ محمد الفرماوي وغيرهم من فضلاء الوقت ، وأجازه الشيخ محمد الملوي بما في فهرسته وحضر دروس الشيخ عطية الأجهوري في الأصول والفقه وغير ذلك، فلازمه وبه تخرج في الإلقاء وحضر الشيخ علي الصعيدي والبراوي وتلقى عن الشيخ حسن الجبرتي كثيراً من العلوم ولازم التردد عليه والأخذ منه مع الجماعة ومنفرداً وكان يحبه ويميل إليه ويقبل بكليته عليه.

وحج مع والده في سنة ثمان وستين وجاور معه فاجتمع بالشيخ السيد عبد الله الميرغني صاحب اللطائف واقتبس من فوائده واجتنى من ثماره ، وكان آية في الفهم والذكاء والغوص والاقتدار على حل المشكلات وأقرأ الكتب وألقى الدروس بالأشرفية ، وأظهر التعفف والانجماع عن خلطة الناس والذهاب والترداد إلى بيوت الأعيان والتزهد عما بأيديهم فأحبه الناس وصار له أتباع ومحبون وساعده على ذلك الغنى والثروة وشهرة والده وإقبال الناس عليه ومدحتهم له وترغيبهم في زيارته.

وتزوج ببنت الخواجا الكريمي وسكن بدارها المجاور لبيت والده بالأزبكية واتخذ له مكاناً خاصاً بمنزل والده يجلس فيه في أوقات ، وكل من حضر عند أبيه في حال انقطاعه من الأكابر أو من غيرهم للزيارة أو للتلقي يأمره بزيارة ابنه المترجم والتلقي عنه وطلبهم الدعاء منه ويحكي لهم عنه مزايا وكرامات ومكاشفات ومجاهدات وزهديات فازداد اعتقاد الناس فيه ، وعاشر العلماء والفضلاء من أهل عصره ومشايخه وقرنائه وتردد عليهم وترددوا عليه ويبيتون عنده ويطعمهم ويكرمهم ويتنزه معهم في أيام النيل مع الحشمة والكمال ومجانبة الأمور المخلة بالمروءة.

ولما مات أخوه الكبير الشيخ أحمد وقد كان تصدر بعد والده في إقراء الدروس ، أجمع الخاص والعام على تقدم المترجم في إقراء الدروس في الأزهر والمشهد الحسيني في رمضان فامتنع من ذلك وواظب على حالة انجماعه وطريقته وإملائه الدروس بالأشرفية وحج في سنة سبع وثمانين ومائة وألف وجاور سنة وعقد دروساً بالحرم وانتفع به الطلبة ، ثم عاد إلى وطنه وزاد في الانجماع والتحجب عن الناس في أكثر الأوقات فعظمت رغبة الناس فيه ورد هداياهم مرة بعد أخرى وأظهر الغنى عنهم فازداد ميل الناس إليه وجبلت قلوبهم على حبه واعتقاده.

وتردد الأمراء وسعوا لزيارته أفواجاً وربما احتجب عن ملاقاتهم وقلد بعضهم بعضاً في السعي ، ولم يعهد عليه أنه دخل بيت أمير قط أو أكل من طعام أحد قط إلا بعض أشياخه المتقدمين وكانت شفاعته لا ترد عند الأمراء والأعيان مع الشكيمة والصدع بالأمر والمناصحة في وجوههم إذا أتوا إليه ، وازدادت شهرته وطار صيته ووفدت عليه الوفود من الحجاز والغرب والهند والشام والروم وقصدوا زيارته والتبرك به ، وحج أيضاً في سنة تسع وتسعين لما حصلت الفتنة بين أمراء مصر فسافر بأهله وعياله وقصد المجاورة فجاور سنة وأقرأ هناك دروساً واشترى كتباً نفيسة ثم عاد إلى مصر واستمر على حالته في انجماعه وتحجبه عن الناس بل بالغ في ذلك، ويقرئ ويملي الدروس بالأشرفية وأحياناً بزاويتهم بدري شمس الدولة وأحياناً بمنزله بالأزبكية.

ولما توفي الشيخ أحمد الدمنهوري وتولى مشيخة الأزهر الشيخ عبد الرحمن العريشي الحنفي باتفاق الأمراء والمتصدرين من الفقهاء وهاجت حفائظ الشافعية ذهبوا إليه وطلبوه للمشيخة فأبى ذلك ووعدهم بالقيام لنصرتهم وتولية من يريدونه فاجتمعوا ببيت الشيخ البكري واختاروا الشيخ أحمد العروسي لذلك وأرسلوا إلى الأمراء فلم يوافقوا على ذلك ، فركب المترجم بصحبة الجمع إلى ضريح الإمام الشافعي ولم يزل حتى نقض ما أبرمه العلماء والأمراء ورد المشيخة إلى الشافعية وتولى الشيخ أحمد العروسي وتم له الأمر كما تقدم ذلك في ترجمة العريشي ، ولما توفي الشيخ أحمد العروسي كان المترجم غائباً عن مصر في زيارة سيدي أحمد البدوي فأهمل الأمر حتى حضر وتولى الشيخ عبد الله الشرقاوي بإشارته.

ولم يزل وافر الحرمة معتقداً عند الخاص والعام حتى حضر الفرنساوية واختلت الأمور وشارك الناس في تلقي البلاء وذهب ما كان له بأيدي التجار ونهب بيته وكتبه التي جمعها وتراكمت عليه الهموم والأمراض وحصل له اختلاط ، ولم يزل حتى توفي يوم الأحد حادي عشرين شهر ذي القعدة الحرام عام ألف ومائتين وخمسة عشر بحارة برجوان وصلي عليه بالأزهر في مشهد حافل ودفن عند والده وأخيه بزاوية القادرية بدرب شمس الدولة ، وبالجملة فكان من محاسن مصر والفريد في العصر ذهنه وقاد ونظمه مستجاد وكان رقيق الطبع لطيف الذات مترفهاً في مأكله وملبسه.

ومن مؤلفاته مختصر المنهج في الفقه وزاد عليه فوائد ، واختصر الاسم وسماه النهج ثم شرحه وهو بالغ في بابه ، ومنها شرح المعجم الوجيز لشيخه السيد عبد الله الميرغني وقد اعتنى به وقرأه درساً ، ومنها شرح عقيدة والده المسماة منقذة العبيد في كراريس أجاد فيه جداً ، ورسالة في تعريف شكر المنعم ، وشرح الجزرية ، والدر النظم في تحقيق الكلام القديم ، ونظم عقائد النسفي ، وعقيدة في التوحيد وشرحها بشرحين ، واللمعة الألمعية في قول الشافعي بإسلام القدرية.

وتحقيق الفرق بين علم الجنس وبين اسمه ، وإتحاف الكامل ببيان تعريف العامل ، وزهر الأفهام في تحقيق الوضع وما له من الأقسام ، وحلية ذوي الأفهام بتحقيق دلالة العام ، وإتحاف الطرف في بيان متعلق الظرف ، والروض الأزهر في حديث من رأى منكم منكر ، ورسالة في تعريف الشكر العرفي ، وثمرة غريس الاغتناء بتحقيق أسباب البناء ، والدر المنثور في الساجور ، وإتحاف الآمال بجواب السؤال في الحمل والوضع لبعض الرجال ، وإتحاف الأحبة في الضبة أي المفضضة.

ورسالة في التوجه وإتمام الأركان ، ورسالة في زكاة النابت ، ورسالة في ثبوت رمضان ، ورسالة في أركان الحج ، ورسالة في مد عجوة ودرهم ، ورسالة في مسألة الغصب ، وحاشية على شرح ابن قاسم العبادي إلى البيوع ، والروض الوسيم في المفتى به من المذهب القديم ، ورسالة في النذر للشريف ، ورسالة في إهداء القرب للنبي عليه السلام ، ورسالة في الأصولي والأصول ، ورسالة في مسألة ذوي الأرحام وإتحاف اللطيف بصحة النذر للموسر والشريف ، وله غير ذلك منظومات وضوابط وتحقيقات رحمه الله تعالى “.

49 / الدر المنتظم

(الدر المنتظم بالشعر الملتزم في مدح الرسول الأعظم) هو عنوان ديوان شعري في المديح النبوي للشاعر الشيخ عبد الله الإدكاوي الذي ولد في إدكو بالقرب من رشيد عام 1104 هـ / 1692 م وتوفي بالقاهرة عام 1184 هـ / 1770 م ويضم تسعة وعشرين قصيدة رتبها على حروف الهجاء ، وهو مؤلف الكتاب الشهير (الفوائح الجنانية في المدائح الرضوانية) والذي جمع فيه كل ما قاله الشعراء من مدائح في الأمير رضوان كتخدا الجلفي ووصف فيها مجلسه وقصره وطرائف الأدباء من ندمائه وما دار بينهم بمجلسه.

وله إصدارات أخرى عديدة في الأدب والشعر منها كتاب بضاعة الأريب من شعر الغريب (من أشعاره ومكتوب بخط ولده أحمد بن عبد الله الأدكاوي) وكتاب الدر الثمين في محاسن التضمين وكتاب إرشاد الغوي لمعنى اللفظ اللغوي وكتاب النزهة الزهية بتضمين الرحبية وكتاب اللآلي النظيمة من مختارات اليتيمة (انتهى من تأليفه وكتابته سنة 1145 هـ) وكتاب حسن الدعوة للإجابة إلى القهوة (بخطه سنة 1176 هـ) وكتاب نزهة الالباب الجامعة لفنون الآداب وله مقامات نثرية وديوان شعر كبير مرتب على الحروف.

ومن أشعاره في المديح النبوي قوله : يا رب بالهادي الشفيع محمد من قد بدا هذا الوجود لأجله .. وبآله الأمجاد ثم بصحبة الأخيار يا مغني الورى من فضله .. كن لي معينا في معادي واكفني هم المعاش وما أرى من ثقله .. واستر بفضلك زلتي واغفر بعدلك سيئتي واشف الحشا من غله ، وله : سل الله ذا المن العظيم ولا تسل .. سواه فإن الله يعطيك ما تبغي .. ومهما تنل ما رمته يا أخا الحجا .. من الأمل المطلوب فتقنع ولا تبغي.

وكان حاضرا يوما في مجلس فيه أعيان الكتاب من الخطاطين فطلبوا منه وصفهم فقال : انظر لمجلس ذا الكتاب تلقهم .. مثل النجوم التي يسري بها الساري .. قد أحرزوا قصب الأرقام واقتطفوا .. جنى حروف لقد زينت بأسفار .. ما منهم من يرى يوما يراعته .. إلا وقيل له ما أحكم الباري ، وله في الزهد : الله ربي لا شريك له ولا .. ند ولا ضد ولا أعوان .. يقضي ويفعل ما يشاء كماله .. سبحانه في كل يوم شان.

وأرسل للشيخ حسن الجبرتي قصيدة للتهنئة بزواج ابنه عبد الرحمن وقال فيها : يا ما جدا أقواله وفعاله طابا بذكرك .. يا كنز طلاب المعارف جلها من در بحرك .. يهنيك نجلك عابد الرحمن زاد علا بفخرك .. هنيته مليته متعته يا فرد عصرك .. زوجته بكر المحاسن فانثنى بتلو لشكرك .. أبقاهما الله الكريم منعمين يطول عمرك .. هذا هناء محبك الداعي لكم بسمو قدرك .. والحال قد أرخته شمس البها زفت لبدرك.

وقد ترجم له الجبرتي في كتابه عجائب الآثار فقال : ” الشيخ العمدة الفاضل الكامل الأديب الماهر الناظم الناثر الشيخ عبد الله بن عبد الله بن سلامة الأدكاوي المصري الشافعي الشهير بالمؤذن ، ولد بإدكو وهي قرية قرب رشيد سنة ١١٠٤ كما اخبر من لفظه وبها حفظ القران وورد إلى مصر فحضر دروس علماء عصره وادرك الطبقة الأولى واشتهر بفن الأدب وانضوى إلى فخر الأدباء في عصره السيد على افندي برهان زاده نقيب الساده الأشراف فأنزله عنده في أكرام واحتفل به وكفاه المؤنة من كل وجه وصار يعاطيه كؤوس الآداب ويصافيه بمطارحة أشهى من ارتشاف الرضاب.

وحج بصحبته بيت الله الحرام وزار قبر نبيه عليه الصلاة والسلام وذلك سنة ١١٤٧ وعاد إلى مصر واقبل على تحصيل الفنون الأدبية فنظم ونثر ومهر وبهر ورحل إلى رشيد وفوة والاسكندرية مرارا واجتمع على اعيان كل منها وطارحهم ومدحهم وفي سنة تسع وثمانين من نظمه بيتين بخطه في جدار جامع بن نصر الله بقوة تاريخ كتابتهما سنة خمس وأربعين ، وبعد وفاة السيد النقيب تزوج وصار صاحب عيال وتنقلت به الأحوال وصار يتأسف على ما سلف من عيشه الماضي في ظل ذلك السيد قدس سره.

فلجأ إلى أستاذ عصره الشيخ الشبراوي ولازمه واعتنى به وصار لا ينفك عنه ومدحه بغرر قصائده وكان يعترف بفضله ويحترمه ، ولما توفي انتقل إلى شيخ وقته الشمس الحفني فلازمه سفرا وحضرا ومدحه بغرر قصائده فحصلت له العناية والاعانة وواساه بما به حصلت الكفاية والصيانة ، وله تصانيف كلها غرر ونظم نظامه عقود الدرر فمنها الدرة الفريدة والمنح الربانية في تفسير آيات الحكم العرفانية والقصيدة للزدية في مدح خير البرية ألفها لعلي باشا الحكيم ومختصر شرح بانت سعاد للسيوطي.

والفوائح الجنانية في المدائح الرضوانية جمع فيها أشعار المادحين للمذكور ثم أورد خاتمتها ماله من الأمداح فيه نظما ونثرا وهداية المتهومين في كذب المنجمين والنزهة الزهية بتضمين الرحبية نقلها من الفرائض إلى الغزل وعقود الدرر في أوزان الأبحر الستة عشر التزم في كل بيت منها الاقتباسات الشريفة والدر الثمين في محاسن التضمين وبضاعة الأريب في شعر الغريب وذيلها بذيل يحكي دمية القصر وله المقامة التصحيفية والمقامة القمذية في المجون وله تخميس بانت سعاد صدرها بخطبة بديعة وجعلها تأليفا مستقلا وديوانه المشهور على حروف التهجي وغير ذلك.

وقد كتب بخطه الفائق كثيرا من الكتب الكبار ودواوين الأشعار وكل عدة أشياء من غرائب الأسفار رأيت من ذلك كثيرا وقاعدة خطه بين أهل مصر مشهورة لا تخفى ورأيت مما كتب كثيرا فمن الدواوين ديوان حسان رضي الله عنه رأيته بخطه وقد أبدع في تنميقه وكتب على حواشيه شرح الالفاظ الغريبة ونزهة الالباب الجامع لفنون الآداب ، وله مطارحات لطيفة مع شعراء عصره والواردين على مصر ولم يزل على حاله حتى صار أوحد زمانه وفريد عصره وأوانه ، ولما توفي الأستاذ الحفني اضمحل حاله ولعب بلباله واعترته الأمراض ونصب روض عزه وغاض وتعلل مدة أيام حتى وافاه الحمام في نهار الخميس خامس جمادى الأولى من السنة واخرج بصباحه وصلى عليه بالأزهر ودفن بالمجاورين قرب تربة الشيخ الحفني “.

وذكر الجبرتي ابنه أحمد وذلك في وفيات سنة 1193 هـ فقال : ” الفقيه الأديب الماهر أحمد بن عبد الله بن سلامة الإدكاوى نزيل الإسكندرية وأمه شريفة من ذرية السيد عيسى بن نجم خفير بحر البرلس كان حسن المحاورة ولديه فضل ويحفظ كثيرا من الأشياء منها المقامات الحريرية وغيرها من دواوين الشعر وناب عن القضاء في الثغر مدة وكان يتردد إلى مصر احيانا وجمع عدة دواوين شعرية من المتقدمين والمتأخرين نحو المائتين وطالع كثيرا منها مما لم يملكه ولم يزل على حالة مرضية حتى توفي بالثغر سنة تاريخه “.

وقد ذكره الدكتور شوقي ضيف في كتابه تاريخ الأدب العربي وتناول أشعاره بالنقد والتحليل فقال : ” عبد الله الإدكاوي ، ولد بإدكو بالقرب من رشيد سنة ١١٠٤ وألحقه أبوه بكتّاب بها حفظ فيه القرآن الكريم حتى إذا أئمه ذهب في طلب العلم إلى القاهرة فحضر دروس العلماء بها في زمنه ، واشتهر بأدبه وشعره ولزم السيد على برهان زاده نقيب الأشراف وظل يسبغ عليه من عطاياه وحجّ معه بيت الله الحرام سنة ١١٤٧ وزار قبر الرسول صلّى الله عليه وسلم وعاد إلى القاهرة.

وأقبل – كما يقول الجبرتى – على تحصيل الفنون الأدبية فنظم ونثر ومهر وبهر وهو فى أثناء ذلك يكثر من رحلاته إلى رشيد والإسكندرية ويطارح أدباءهما وتزوج حينئذ وأصبح صاحب عيال ، وتوفى النقيب المذكور فلزم الشيخ عبد الله الشبراوى المترجم له بين شعراء المديح ومدحه بقصائد كثيرة حتى إذا توفى سنة ١١٧١ لزم الشيخ الشمس الحفنى ، وأنشد الجبرتى بعض مديحه فيه وله يخاطبه من قصيدة : يا بهجة العصر يا منهاج كلّ علا .. يا محيي الدين بالآثار والسّنن ، وظل يلازمه إلى أن توفى سنة ١١٧٨ وصوّح روض عزّه بعده إلى أن توفى سنة ١١٨٤.

وله تصانيف كثيرة منها الدرة الفريدة فى شرح مدحة نبوية وهداية المتوهمين فى كذب المنجمين ومختصر شرح بانت سعاد للسيوطى ومنظومة فى علم العروض والمقامة التصحيفية ضمنها ألفاظا تتغير معانيها بالتصحيف ومقامة أخرى مجونية وبضاعة الأريب فى شعر الغريب وهى مجموعة من أشعاره ، وله أيضا تخميس بانت سعاد والدر المنتظم فى الشعر الملتزم والفوائح الجنانية فى المدائح الرضوانية جمع فيها أشعار المادحين للأمير رضوان كتخدا ثم أورد فى خاتمتها ماله من الأمداح فيه نظما ونثرا ، وفيه يقول : رضوان أوحد من تفرّد بالعطا .. فمنائح الأجواد بعض هباته .. الفارس المقدام فى يوم الوغى .. والمرهب الآساد فى وثباته.

ومن تصانيفه الدر الثمين فى محاسن التضمين وبجانب ذلك كله ديوانه وهو مرتب على الحروف الهجائية ، ويورد الجبرتى قطعة من شعر الإدكاوى تدل على براعته وقدرته على استخدام فنون البديع من تضمين وغير تضمين ونراه يستعيد قدرة الحريرى فى بناء الأبيات من كلمات منقوطة وأخرى عاطلة أو كلها منقوطة أو كلها عاطلة أو الكلمات تتكون من حرف عاطل فحرف منقوط وكذلك فى صنع أبيات تقرأ شطورها طردا وعكسا فهي تقرأ من اليمين إلى اليسار أو من اليسار إلى اليمين وهو ما كانوا يسمونه (ما لا يستحيل بالانعكاس) مثل قوله : ارع لخلّ إن أسا .. وائس لخلّ إن عرا.

وكان يكثر من تشطير بعض القصائد المشهورة وكذلك من تخميس بعض الأبيات ، وتصنّع لاستظهار مصطلحات بعض العلوم ولكن فى خفة ودون أن نصطدم عنده بتكلف شديد كقوله مستظهرا لمصطلحات المنطق إذ يذكر المناطقة كثيرا المقدمات والبراهين والنتائج : وشقائق قالت لنا بين الرّبا .. بمقدّمات ما بها إبهام برهان سعدى الآن أنتج قائلا .. دع وجنة المحبوب فهى ضرام.

وله مراث مختلفة فيمن سميناهم من الشيوخ رعاته وفى غيرهم من علماء عصره وممن رثاهم وتفجع عليهم طويلا الشيخ حسن المدابغى المتوفى سنة ١١٧٠ للهجرة وله فيه مرثيتان مطلع أولاهما : مضى عالم العصر الإمام لربّه .. حميد المساعى فاندبنه وبالغ ، وفى خاتمتها ينشد : ولما قضى ذاك المهذب نحبه .. وآب برضوان من الله سابغ .. دعوت أحبّائى وقلت لهم قفوا .. معى عند ذا التاريخ نبكى المدابغى ، ومطلع الثانية : صبرا فذا الدهر من عاداته المحن .. وفى تلوّنه قد حارت الفطن ، ويختمها بقوله:  والحور جاءتك بالبشرى مؤرّخة .. حلّيت من حلل الأبرار يا حسن

ولم ينشد له الجبرتى شيئا من مراثيه الأخرى وكأنه اكتفى بالإشارة إلى مرثيتيه فى المدابغى ، ومع ذلك فقد أنشد له مقطوعة فى رثاء نفسه وبكائها قبل موته وفيها يقول : ليت شعرى إذا دنا يا رفاقى أجلى ثم هيّئوا لى ترابى .. واغتدوا بى إلى محلّ به صح‍بى جفونى وليس يرجى إيابى .. هل إذا غربلوا التراب أيلقوا ذرّة من عظمى فيا لمصابى .. ويح هذى الدنيا التى تحرق الأك‍باد قد مزّقت بلحدى إهابى .. وبذاك القفر اغتديت رهينا ليس لى من زاد ولا من ركاب.

وهو يذكر ساعة الموت وقد حفر لحده والمشيعون يحملون نعشه إلى مثواه وما يلبثون أن ينصرفوا عنه إلى غير رجعة أو مآب وقد بلى جسده فى التراب ولم تبق من عظامه باقية ويتساءل هل إذا فتشوا عن ذرة من عظامه أيجدونها أم لا يجدون إلا عدما فقد مزقت الدنيا إهابه وعظامه فى لحده ، وكأنما لا يكفيها ما تصنعه بالإنسان فى حياته من إحراق كبده وإنه ليندب نفسه ويبكيها وقد غدا وحيدا غريبا فى قفر موحش بل غدا حبيسا لا زاد ولا ركاب إلى يوم الحشر ، وفى الحق أنه كان شاعرا مجيدا وهو يعد أنبه الشعراء المصريين فى زمنه “.

50 / العقد الثمين فيما يتعلق بالموازين

(العقد الثمين فيما يتعلق بالموازين) هو عنوان رسالة مختصرة في ضبط المكاييل والموازين المستعملة في البيع والشراء بالأسواق المصرية في نهاية العصر العثماني وهي من تأليف عالم الرياضيات الكبير الشيخ حسن الجبرتي والد المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي والذي ولد بالقاهرة عام 1110 هـ / 1698 م وتوفي فيها عام 1188 هـ / 1774 م ، وكان سبب ذلك هو حدوث اختلال عام في المكاييل ومكوناتها من المعادن في عام 1172 هـ فقام الجبرتي الوالد بإصلاح الأمر نظريا من خلال كتابه وعمليا من خلال تطبيق محتواه على صناع الموازيين واستعان فيها بأرباب الصناعة والحدادين وغيرهم ممن يتعلق عملهم بالأمر وأنفق على إصلاح ذلك من ماله.

وقد ترجم له ولده عبد الرحمن الجبرتي في كتابه عجائب الآثار وذكر كافة مؤلفاته في علم الرياضيات وكيف نبغ في هذا المجال وذلك في وفيات سنة 1188 هـ فقال : ” ومات في هذه السنة الإمام العلامة والنحرير الفهامة حامل لواء العلوم على كأهل فضله ومحرر دقائق المنطوق والمفهوم بتحريره ونقله من تكلحت بحبره عيون الفتوى وتشنفت المسامع بما عنه يروى وارتفع من حضيض التقليد إلى ذرا الفضائل وسابق في حلبة العلوم فحاز قصب الفواضل الروض النضير الذي ليس له في سائر العلوم نظير وهو في فقه النعمان الجامع الكبير.

عمدة الانام وفيلسوف الإسلام سيدى ووالدي بدر الملة أبي التدائي حسن بن برهان الدين إبراهيم ابن الشيخ العلامة حسن ابن الشيخ نور الدين علي بن الولي الصالح شمس الدين محمد بن الشيخ زين الدين عبد الرحمن الزيلعي الجبرتي العقيلي الحنفي ، وبلاد الجبرت هي بلاد الزيلع بأراضي الحبشة تحت حكم الخطي ملك الحبشة وهم عدة بلاد معروفة تسكنها هذه الطائفة وهم المسلمون بذلك الاقليم ويتمذهبون بمذهب الحنفي والشافعي لا غير وينسبون إلى سيدنا اسلم بن عقيل بن أبي طالب.

وكان اميرهم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم النجاشي المشهور الذي أمن به ولم يره وصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الغيبة كما هو مشهور في كتب الأحاديث وهم قوم يغلب عليهم التقشف والصلاح ويأتون من بلادهم بقصد الحج والمجاورة في طلب العلم ويحجون مشاة ولهم رواق بالمدينة المنورة ورواق بمكة المشرفة ورواق بالجامع الأزهر بمصر وللحافظ المقريزي مؤلف في أخبار بلادهم وتفصيل احوالهم ونسبهم.

ان الشيخ عبد الرحمن وهو الجد السابع لجامعه وإليه ينتهي علمنا بالاجداد هو الذي ارتحل من بلاده ووصل الينا خبره سلفا عن خلف فقدم من طريق البحر إلى جدة وانتقل إلى مكة فجاور بها. وحج مرارا وذهب أيضا إلى المدينة المنورة فجاور بها سنتين ولقي من لقي بالحرمين من الأشياخ وتلقى عنهم ثم رجع إلى جدة وحضر إلى مصر من طريق القلزم فدخل إلى الجامع الأزهر في أوائل العاشر وجاور بالرواق ولازم حضور الأشياخ واجتهد في التحصيل وتولى شيخا على الرواق والتكلم على طائفته وتزوج وولد له.

فلما مات خلف ولده الشيخ شمس الدين محمد ونشأ على قدم الصلاح والاشتغال بطلب العلم وتولى مشيخة الرواق كوالده وانجب وقرأ دروسا في الفقه والمعقول بالرواق وكان على غاية من الصلاح وملازمة الجماعة والسنن ولا يبيت عند عياله ليلة أو ليلتين في الجمعة وغالب لياليه يبيتها بالرواق لاجل الأشتغال بالمطالعة أول الليل على السهارة والتهجد آخره.

ومما اتفق له وعد من كراماته أن السراج انطفأ في بعض الليالي الشتوية فايقظ النقيب ليسرج له سراجا فقام من نومه متكرها وأخذ قنديلا وذهب ليسرجه فلما عاد به وقرب من الرواق رأى نورا فستر ذلك القنديل ونظر إليه من بعد لينظر من أين أتاه الأسراج فوجده يطالع في الكراس وهو في يده اليسار وسبابة يده اليمنى رافعها وهي تضىء مثل الشمعة المستنيرة ويطالع في نورها. ثم دخل النقيب بالقنديل فاختفى ذلك الضوء وعلم الشيخ ذلك من النقيب فعاتبه على التجسس وأشار إليه بكتمان سره ولم يعش الشيخ بعد ذلك إلا قليلا.

وتوفي إلى رحمة الله تعالى. وخلف ابنه الشيخ علي فنشأ أيضا على قدم اسلافه في ملازمة العلم والعمل وصار له شهرة وتزوج بزينب بنت الإمام العلامة القاضي عبد الرحمن الجويني ولم يزل مواظبا على شأنه وطريقة اسلافه حتى توفي وخلف ولديه الإمام العلامة الشيخ حسن الذي تقدم ذكر ترجمته المتوفي سنة ١٠٩٧ وأخاه الشيخ عبد الرحمن ومات في حياة أخيه سنة ١٠٨٦ وكان لزينب الجوينية اماكن جارية في ملكها وقفتها على ولدي زوجها المذكورين.

ولما توفي الشيخ حسن أعقب الجد إبراهيم رضيعا فكفلته والدته الحاجة مريم بنت الشيخ العمدة الضابط محمد بن عمر المنزلي الأنصاري فنشأ أيضا نشوءا صالحا حتى بلغ الحلم فزوجوه بستيتة بنت عبد الوهاب أفندي الدلجي في سنة ١١٠٨ وبنى بها في تلك السنة وحملت بالمترجم وولدته في سنة عشر ومائة وألف ومات والده وعمره شهر واحد وسن والده إذ ذاك ست عشرة سنة فربته والدته بكفالة جدته أم أبيه المذكورة وصاية الإمام العلامة الشيخ محمد النشرتي وقرروه في مشيخة الرواق كأسلافه والمتكلم عند الوصي المذكور.

فتربى في حجورهم حتى ترعرع وحفظ القرآن وعمره عشر سنين واشتغل بحفظ المتون فحفظ الألفية والجوهرة ومتن كنز الدقائق في الفقه ومتن السلم والرحبية ومنظومة ابن الشحنة في الفرائض وغير ذلك.

واتفق له في أثناء ذلك وهو ابن ثلاث عشرة سنة أنه مر مع خادمه بطريق الأزهر فنظر شيخ مقبل منور الوجه والشيبة وعليه جلالة ووقار طاعن في السن والناس يزدحمون على تقبيل يده ويتبركون به فسأل عنه وعرف أنه ابن الشيخ الشرنبلالي فتقدم إليه ليقبل يده كغيره فنظر إليه الشيخ وتوسمه وقبض على يده وقال من يكون هذا الغلام ومن أبوه فعرفوه عنه فتبسم وقال عرفته بالشبه. ثم وقف وقال: اسمع يا ولدي أنا قرأت على جدك وهو قرأ على والدي وأحب أن تقرأ علي شيئا وأجيزك وتتصل بيننا سلسلة الاسناد وتلحق الاحفاد بالأجداد فامتثل اشارته ولازم الحضور عنده في كل يوم وقرأ عليه متن نور الايضاح تأليف والده في العبادات وكتب له الإجازة.

واشتغل المترجم واجتهد في طلب العلوم وحضر اشياخ العصر .. وجد في التحصيل حتى فاق أهل عصره وباحث وناضل ودرس بالرواق في الفقه والمعقول وبالسنانية ببولاق.

وكان لجدته أم أبيه مكان مشرف على النيل بربع الخرنوب عندما كان النيل ملاصقا لسدته فساكنها مدة فكان يغدو إلى الجامع ثم يعود إلى بولاق وله حاصل بربع الخرنوب يجلس فيه حصة ثم يعود إلى السنانية فيملي هناك درسا ثم احترق ذلك المنزل بما فيه وتلف فيه اشياء كثيرة من المتاع والصيني القديم فانتقلت إلى مصر وكانوا يذهبون إلى مكان لها بمصر العتيقة في أيام النيل بقصد النزهة وهي التي أعانته على تحصيل العلوم اشتغاله بالعلم كان يعاني التجارة والبيع والشراء والمشاركة والمضاربة والمقايضة.

وكانت جدته ذات غنية وثروة ولها أملاك وعقارات ووقفت عليه أماكن ومنها الوكالة بالصنادقية والحوانيت بجوارها وبالغورية ومرجوش ومنزل بجوار المدرسة الاقبغاوية ورتبت في وقفها عدة خيرات ومكتب لاقراء أيتام المسلمين بالحانوت المواجه للوكالة المذكورة وربعة تقرأ في كل يوم وختمات في ليالي المواسم وقصعتي تريد في كل ليلة من ليالي رمضان وثلاث جواميس تفرق على الفقهاء والايتام والفقراء في عيد الأضحية.

وتزوج بجدته المذكورة بعد موت جده الأمير علي أغا باش اخيتار متفرقة المعروف بالطورى وتزوج المترجم بابنته وله حكم قلاع الطور والسويس والمويلح وكانت إذ ذاك عامرة وبها المرابطون ويصرف عليهم العلوفات والاحتياجات.

ولما مات علي أغا المذكور سنة سبع وثلاثين تقلد ذلك بعده المترجم مدة مع كونه في عداد العلماء وربي معتوقية عثمان وعليا ولم يزالا في كنفه حتى مات بعد مدة طويلة وأرسل خادما له يسعى سليمان الحصافي جربجيا على قلعة المويلح فقتلوه هناك فتكدر لذلك وترك هذا الأمر وأعرض عنه وأقبل على شأنه من الأشتغال ، وماتت زوجته بنت الأمير علي أغا المذكور في حياة ابيها فتزوج ببنت رمضان جلبي بن يوسف المعروف بالخشاب تابع كور محمد وهم بيت مجد وثروة ببولاق ولهم املاك وعقارات وأوقاف ومن ذلك وكالة الكتان وربع وحوانيت تجاه جامع الزردكاش وبيت كبير بساحل النيل وآخره تجاه جامع مزره جربجي وهو سكن رمضان جلبي المذكور وكان إنسانا حسنا رقيق الحاشية وفيه فضيلة وسليفة جيدة.

ومات رمضان جلبي المذكور سنة ١١٣٩ واستمرت ابنته في عصمة المترجم حتى ماتت في المحرم سنة ١١٨٢ وعمرها ستون سنة. وكانت من الصالحات الخيرات المصونات وحجت صحبته في سنة أحدى وخمسين وكانت به بارة وله مطيعة.

واشتغل المترجم في أيام اشتغاله بتجويد الخط فكتب على عبد الله أفندي الانيس وحسن أفندي الضيائي طريقة الثلث والنسخ حتى أحكم ذلك وأجازه الكتبة وأذنوه أن يكتب الاذن على اصطلاحهم ثم جود في التعليق على أحمد أفندي الهندى النقاش لفصوص الخواتم حتى أحكم ذلك وغلب على خطه طريقته ومشى عليها وكتب الديواني والقرمة وحفظ الشاهدى واللسان الفارسى والتركي حتى أن كثيرا من الاعاجم والأتراك يعتقدون أن أصله من بلادهم لفصاحته في التكلم بلسانهم ولغتهم.

وفي سنة أربع وأربعين اشتغل بالرياضيات فقرأ على الشيخ محمد النجاحي رقائق الحقائق للسبط المارديني والمجيب والمقنطر ونتيجة اللادقي والرضوانية والدر لابن المجدى ومنحرفات السبط وإلى هنا انتهت معرفة الشيخ النجاحي. وعند ذلك انفتح له الباب وانكشف عنه الحجاب وعرف السمت والأرتفاع والتقاسم والأرباع والميل الثاني والأول والأصل الحقيقي والمعدل.

وخالط أرباب المعارف وكل من كان من بحر الفن غارف وحل الرموز وفتح الكنوز واستخرج نتائج الدر اليتيم والتعديل والتقويم وحقق اشكال الوسايط في المنحرفات والبسائط والزيج والمحلولات وحركات التداوير والنطاقات والتسهيل والتقريب والحل والتركيب والسهام والظلال ودقائق الأعمال وانتهت إليه الرياسة في الصناعة واذعنت له أهل المعرفة بالطاعة وسلم له عطارد وجمشيد الراصد وناظره المشترى وشهد له الطوسي والأبهري وتبوأ من ذلك العلم مكانا عليا وزاحم بمنكبه العيوق والثريا.

وقدم القدوة العلامة والحكيم الفهامة الشيخ حسام الدين الهندي وكان متضلعا من العلوم الرياضية والمعارف الحكمية والفلسفية فنزل بمسجد في مصر القديمة واجتمع عليه بعض الطلبة مثل الشيخ الوسمي والشيخ أحمد الدمنهوري وتلقوا عنه أشياء في الهيئة فبلغ خبره المترجم فذهب إليه للاخذ عنه فاغتبط به الشيخ وأحبه وأقبل بكليته عليه فلم يزل به حتى نقله إلى داره وافرد له مكانا وأكرم نزله وقام باوده وطالع عليه الجغميني وقاضي زاده عليه والتبصرة والتذكرة وهداية الحكمة لأثير الدين الأبهري وما عليها من المواد والشروح مثل السيد والمبيدي قراءة بحث وتحقيق وأشكال التأسيس في الهندسة وتحرير اقليدس والمتوسطات والمبادي والغايات والأكر وعلم الأرتماطيقي وجغرافيا وعلم المساحة وغير ذلك.

ثم أراد أن يلقنه على الصنعة الألهية وكان من الواصلين فيها فغالطه عن ذلك وأبت نفسه الأشتغال بسوى العلوم المهذبة للنفس وكان يحكي عنه أمورا وعبارات واشارات تشعر بأنه كان من الكمل الواصلي في كل شيء ولم يزل عنده حتى عزم على الرحلة وسافر إلى بلاده.

وقدم إلى مصر الإمام العلامة الشيخ محمد الغلاني الكشناوى وسكن بدرب الأتراك فأجتمع عليه المترجم وتلقى عنه علم الأوفاق وقرأ عليه شرح منظومة الجزنائية للقوصاني والدر والترياق والمرجانية في خصوص المخمس الخالي الوسط والأصول والضوابط والوفق المئيني وعلم التكسير للحروف وغير ذلك وسافر الشيخ إلى الحج وجاور هناك فلما رجع أنزله عنده وصحبته زوجته وجواره وعبيده وكمل عنده غالب مؤلفاته ولم يزل حتى مات كما تقدم ذكر ذلك في ترجمته

ولقي المترجم في حجاته الشيخ النخلي وعبد الله بن سالم البصري وعمر بن أحمد ابن عقيل المكي والشيخ محمد حياة السندي الكوراني وأبو الحسن السندى والسيد محمد السقاف وغيرهم وتلقى عنهم واجازوه وتلقوا هم أيضا عنه ولقنه الشيخ أبو الحسن السندى طريق السادة النقشبندية والأسماء الأدريسية

وللمترجم أشياخ غير هؤلاء كثيرون اجتمع بهم وتلقى عنهم وشاركهم وشاركوه .. وغيرهم من الآكابر والاخيار وأهل الأسرار والانوار حتى كمل في المعارف والفنون ورمقته بالاجلال العيون وعلا شأنه على علماء الزمان وتميز بين الاقران واذعنت له أهل الاذواق وشاع ذكره في الآفاق ووفدت عليه الطلاب البلدانية والواردون من النواحي الآفاقية وأتوا إليه من كل فج يسعون لميقاته ولزموا الطواف بكعبة فضله والوقوف بعرفاته فمنهم من ينفر بعد اتمام نسكه وبلوغ امنيته ومنهم من يواظب على الاعتكاف بساحته.

وكان رحمه الله عذب المورد للطالبين طلق المحيا للورادين يكرم كل من أم حماه ويبلغ الراجي مناه والمقتفى جدواه والراغب أقصى مرماه مع البشاشة والطلاقة وسعة الصدر والرياقة وعدم رؤية المنة على المحتدى ومسامحة الجاهل والمعتدى مع حسن الاخلاق والصفات التي سجدت لها الخناصر كأنها آيات سجدات وكانت ذاته جامعة للفضائل والفواضل منزهة عن النقائص والرذائل وقورا محتشما مهيبا في الاعين معظما في النفوس محبوبا للقلوب لا يعادى أحدا ولا يخاصم على الدنيا فلذلك لا تجد من يكرهه ولا من ينقم عليه في شيء من الأشياء.

وأما مكارم الاخلاق والحلم والصفح والتواضع والقناعة وشرف النفس وكظم الغيظ والأنبساط إلى الجليل والحقير كل ذلك سجيته وطبعه من غير تكلف لذلك ولا يرى لنفسه مقاما أصلا ولا يعرف التصنع في الأمور ولا دعوى علم ولا معرفة ولا مشيخة على التلاميذ والطلبة ولا يرضي التعاظم ولا تقبيل اليد وله منزلة عظيمة في قلوب الآكابر والأمراء والوزراء والأعيان ويسعون إليه ويذهب إليهم لبعض المقتضيات والشفاعات ويرسل إليهم فلا يردون شفاعته ولا يتوانون في حاجة يتكلم فيها.

وله عندهم محبة ومنزلة في قلوبهم زيادة عن نظرائه من الأشياخ لمعرفته بلسانهم ولغتهم واصطلاحهم ورغبتهم فيما يعلمونه فيه من المزايا والاسرار والمعارف المختص بها دون غيره وخصوصا أكابر العثمانيين والوزراء وأهل العلوم والفضلاء منهم مثل علي باشا ابن الحكيم وراغب باشا وأحمد باشا الكور وغيرهم ويأتون إليه أحيانا في التبديل. وأكرموه وهادوه كل ذلك مع العفة والعزة وعدم التطلع لشيء من أسباب الدنيا بوظيفة أو مرتب أو فائظ أو نحو ذلك.

وكان بينه وبين الأمير عثمان بك ذي الفقار صحبة ومحبة وحج في أيام إمارته على الحج مرافقا له ثلاث مرات من ماله وصلب حاله ولم يصله منه سوى ما كان يرسله إليه على سبيل الهدية وكان منزل سكنه الذي بالصنادقية ضيقا من أسفل وكثير الدرج فعالجه إبراهيم كتخدا على أن يشترى له أو يبني له دارا واسعة فلم يقبل وكذلك عبد الرحمن كتخدا وكان له ثلاثة مساكن أحدها هذا المنزل بالقرب من الأزهر وآخر بالابزارية بشاطىء النيل ومنزل زوجته القديمة تجاه جامع مرزه.

وفي كل منزل زوجة وسرار وخدم فكان ينتقل فيها مع أصحابه وتلامذته وكان يقتني المماليك والعبيد والجوارى البيض والحبوش والسود ومات له من الأولاد نيف وأربعون ولدا ذكورا واناثا كلهم دون البلوغ ولم يعش له من الأولاد سوى الحقير وكان يرى الأشتغال بغير العلم من العبثيات وإذا أتاه طالب فرح به وأقبل عليه ورغبه وأكرمه وخصوصا إذا كان غريبا وربما دعاه للمحاورة عنده وصار من جملة عياله ومنهم من أقام عشرين عاما قياما ونياما لا يتكلف إلى شىء من أمر معاشه حتى غسل ثيابه من غير ملل ولا ضجر.

وأنجب عليه كثير من علماء وقته المحققين طبقة بعد طبقة .. وكان يباسط اخصاءه منهم ويمازحهم ويروحهم بالمناسبات والأدبيات والنوادر والأبيات الشعرية والمواليات والمجونيات والحكايات اللطيفة والنكات الظريفة وينتقلون صحبته في منازل بولاق ومواطن النزهة فيقطعون الأوقات ويشغلونها حصة في مدارسة العلم وأخرى في مطارحات المسائل وأخرى للمفاكهة والمباسطة والنوادر الأدبية.

وممن تلقى عنه شيخ الشيوخ الشيخ علي العدوى تلقى شرح الزيلعي على الكنز في الفقه الحنفي وكثيرا من المسائل الحكمية. ولما قرأ كتاب المواقف فكان يناقشه في بعض المسائل محققو الطلبة فيتوقف في تصويرها لهم فيقوم من حلقته ويقول لهم : اصبروا مكانكم حتى اذهب إلى من هو أعرف مني بذلك وأعود اليكم. ويأتي إلى المترجم فيصورها له بأسهل عبارة ويقوم في الحال فيرجع إلى درسه ويحققها لهم وهذا من أعظم الديانة والانصاف. وقد تكرر منه ذلك غير مرة وكان يقول عنه : لم نر ولم نسمع من توغل في علم الحكمة والفلسفة وزاد إيمانه إلا هو رحم الله الجميع.

وممن تلقى عنه من أشياخ العصر العلامة الشيخ محمد المصليحي والعلامة الشيخ حسن الجداوي والشيخ محمد المسودى والشيخ أحمد بن يونس والشيخ محمد الهلباوى والشيخ أحمد السجاعي لازمه كثيرا وأخذ عنه في الهيئة والفلكيات والهداية وألف في ذلك متونا وشروحا وحواشي. وأما من تلقى عنه من الآفاقيين وأهالي بلاد الروم والشام وداغستان والمغاربة والحجازيين فلا يحصون واجل الحجازيين الشيخ إبراهيم الزمزمي.

وأما ما اجتمع عنده وما اقتناه من الكتب في سائر العلوم فكثير جدا قلما اجتمع ما يقاربها في الكثرة عند غيره من العلماء أو غيرهم. وكان سموحا باعارتها وتغييرها للطلبة وذلك كان السبب في اتلاف أكثرها وتخريمها وضياعها حتى أنه كان أعد محلا في المنزل ووضع فيه نسخا من الكتب المستعملة التي يتداول علماء الأزهر قراءتها للطلبة مثل الأشموني وابن عقيل والشيخ خالد وشروحه والأزهرية وشروحها والشذور وكذلك من كتب التوحيد مثل شروح الجوهرة والهدهدى وشرح السنوسية والكبرى والصغرى وكتب المنطق والاستعارات والمعاني وكذلك كتب الحديث والتفسير والفقه في المذاهب وغير ذلك.

فكانوا يأتون إلى ذلك المكان ويأخذون ويغيرون وينقلون من غير استئذان فمنهم من يأخذ الكتاب ولا يرده ومنهم من يهمل التغيير فتضيع الكراريس ومنهم من يسافر ويتركها عند غيره ومنهم من يهمل آخر الكتاب ويتفق أن الإثنين والثلاثة يشتركون في الكتاب الواحد والنسخة الواحدة ولا بد من حصول التلف من أحدهم ولا بد من حصول الضياع والتلف في كل سنة وخصوصا في أواخر الكتب عندما تفتر هممهم. وأكثر الناس منحرفو الطباع معوجو الأوضاع.

واقتنى أيضا كتبا نفيسة خلاف المتداولة وأرسل إليه السلطان مصطفى نسخا من خزائنه وكذلك أكابر الدولة بالروم ومصر وباشة تونس والجزائر واجتمع لديه من كتب الاعاجم مثل الكلستان وديوان حافظ وشاه نامه وتواريخ العجم وكليله ودمنه ويوسف زليخا وغير ذلك وبها من التشاويه والتصاوير البديعة الصنعة الغريبة الشكل وكذلك الآلات الفلكية من الكرات النحاس التي كان اعتنى بوضعها حسن افندي الروزنامجي بيد رضوان افندى الفلكي كما تقدم في ترجمتها.

ولما مات حسن أفندي المذكور اشترى جميعها من تركته وكذلك غيرها من الآلات الارتفاعية والميالات وحبق الارصاد والاسطرلابات والأرباع والعدد الهندسية وأدوات غالب الصنائع مثل التجارين والخراطين والحدادين والسمكرية والمجلدين والنقاشين والصواغ وآلات الرسم والتقاسيم ويجتمع به كل متقن وعارف في صناعته مثل حسن أفندي الساعاتي وكان ساكنا عنده وعابدين أفندي الساعاتي وعلي افندي رضوان وكان من أرباب المعارف في كل شيء ومحمد افندى الأسكندراني والشيخ محمد الاقفالي وإبراهيم السكاكيني والشيخ محمد الزبداني وكان فريدا في صناعة التراكيب والتقاطير واستخراج المياه والادهان وغير هؤلاء ممن رأيت ومن لم أر.

وحضر إليه طلاب من الافرنج وقراوا عليه علم الهندسة وذلك سنة تسع وخمسين وأهدوا له من صنائعهم وآلاتهم اشياء نفيسة وذهبوا إلى بلادهم ونشروا بها ذلك العلم من ذلك الوقت وأخرجوه من القوة إلى الفعل واستخرجوا به الصنائع البديعة مثل طواحين الهواء وجر الاثقال واستنباط المياه وغير ذلك.

وفي أيام اشتغاله بالرسم رسم ما لا يحصى من المنحرفات والمزاول على الرخامات والبلاط الكذان ونصبها في اماكن كثيرة ومساجد شهيرة مثل الأزهر والاشرفية وقوصون ومشهد الإمام الشافعي والسادات. وفي الآثار منها ثلاثة واحدة باعلى القصر وأخرى على البوابة وأخرى عظيمة بسطح الجامع بقى منها قطعة وكسر باقيها فراشو الأمراء الذين كانوا ينزلون هناك للنزاهة ليمسحوا بها صواني الأطعمة الصفر وكذلك بورد أن بالتماس مصطفى أغا الورداني وكذلك بحوش مدفن الرزازين بالتماس رضوان جرجبي الرزاز رحمه الله ولما تمهر الآخذون عنه والملازمون عنده ترك الأشتغال بذلك واحال الطلاب عليهم فإذا كان الطالب من أبناء العرب تقيد بتلميذه الشيخ محمد ابن إسمعيل النفراوى وإن كان من الاعاجم والاتراك تقيد بمحمود افندي النيشي.

واشتغل هو بمدارسة الفقه واقرائه ومراجعة الفتاوى والتحرى في الفروع الفقهية والمسائل الخلاقية وانكب عليه الناس يستفتونه في وقائعهم ودعاويهم. وتقرر في اذهانهم تحرية الحق والنصوص حتى أن القضاة لا يثقون إلا بفتواه دون غيره وتقيد للمراجعة عنده الشيخ عبد الرحمن العريشي فانفتحت قريحته وراج أمره وترشح بعده للافتاء.

وكان المترجم لا يعتني بالتأليف إلا في بعض التحقيقات المهمة منها نزهة العينين في زكاة المعدنين ورفع الأشكال بظهور العشر في العشر في غالب الأشكال والاقوال المعربة عن أحوال الأشربة وكشف اللثام عن وجوه مخدرات النصف الأول من ذوى الارحام والوشي المجمل في النسب المحمل والقول الصائب في الحكم على الغائب وبلوغ الآمال في كيفية الأستقبال والجداول البهية برياض الخزرجية في علم العروض واصلاح الأسفار عن وجوه بعض مخدرات الدر المختار ومآخذ الضبط في اعتراض الشرط على الشرط والنسمات الفيحية على الرسالة الفتحية والعجالة على أعدل آلة.

وحقائق الدقائق على دقائق الحقائق واخصر المختصرات على ربع المقنطرات والثمرات المجنية من أبواب الفتحية والمفصحة فيما يتعلق بالاسطحة والدر الثمين في علم الموازين وحاشية على شرح فاضي زادة على الجغميني لم تكمل وحاشية على الدر المختار لم تكمل ومناسك الحج وغير ذلك جواش وتقييدات على العصام والحفيد والمطول والمواقف والهداية في الحكمة والبرزنجي على قاضي زاده وأمثلة وبراهين هندسية شتى ، وماله من الرسومات المخترعة والآلات النافعة المبتدعة ومنها الآلة المربعة لمعرفة الجهات والسمت والانحرافات باسهل ماخذو أقرب طريق والدائرة التاريخية وبركار الدرجة.

واتفق أنه في سنة اثنتين وسبعين وقع الخلل في الموازين والقبابين وجهل أمر وضعها ورسمها وبعد تحديدها وريحها ومشيلها واستخراج رمامينها وظهر فيها الخطأ واختلفت مقادير الموزونات وترتب على ذلك ضياع الحقوق وتلاف الأموال وفسد على الصناع تقليدهم الذى درجوا عليه فعند ذلك تحركت همة المترجم لتصحيح ذلك وأحضر الصناع لذلك من الحدادين والسباكين وحرر المثاقيل والصنج الكبار والصغار والقرسطونات ورسمها بطريق الأستخراج على أصل العلم العملي والوضع الهندسي.

وصرف على ذلك أموالا من عنده ابتغاء لوجه الله ثم أحضر كبار القبانية والوزانين مثل الشيخ علي خليل والسيد منصور والشيخ علي حسن والشيخ حسن ربيع وغيرهم وبين لهم ما هم عليه من الخطأ وعرفهم طريق الصواب في ذلك وأطلعهم على سر الوضع والصنعة ومكنونها واحضروا العدد وأصلحوا منها ما يمكن اصلاحه وابطلوا ما تقدم وضعه وفسدت لقمه ومراكزه وقيدوا بصناعة ذلك الأسطى مراد الحداد ومحمد ابن عثمان حتى تحررت الموازين وانضبط أمرها وانصلح شأنها.

وسرت في الناس العدالة الشرعية المأمورين بإقامتها واستمر العمل في ذلك أشهرا وهذا هو السبب الحامل له على تصنيف الكتاب المذكور وهذا هو ثمرة العلم ونتيجة المعرفة والحكمة المشار إليها بقوله تعالى : {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ} ، ولما وصل إلى مصر الشيخ إبراهيم بن أبي البركات العباسي البغدادي الشهير بابن السويدى في سنة ١١٧٥ وكان إماما فاضلا فصيحا مفوها ينظم الشعر بالاملاء ارتجالا في أي قافية من أى بحر من غير تكلف فأنزله المترجم وأكرمه واغتبط به وصار يتنقل صحبته مع الجماعة بمنازل بولاق والمنتزهات.

واتفق أنه تمرض أياما فأقام بمنزل بولاق المشرف على النيل فقيد به من يعوله ويخدمه ويعلل مزاجه فكان كلما اختلى بنفسه وهبت عليه النسمات الشمالية والنفحات البحرية أخذ القلم ببنانه ونقش على أخشابه وحيطانه فكتب نحو العشرين قصيدة على مواقف عديدة كلها مدائح في المذكور والرياض والزهور والكوثر والسلسبيل وجريان النيل وتركت بحالها وذهبت كغيرها. وفي سنة تسع وسبعين توفي ولده أخي لأبي أبو الفلاح علي وقد بلغ من العمر اثنتي عشرة سنة فحزن عليه وانقبض خاطره وانحرف مزاجه وتوالت عليه النوازل وأوجاع المفاصل وترك الذهاب إلى بولاق وغيرها ونقل العيال من هناك ولازم البيت الذي بالصنادقية واقتصر عليه وفتر عن الحركة إلا في النادر.

وصار يملي الدروس بالمنزل ويكتب على الفتاوى ويراجع المسائل الشرعية والقضايا الحكمية مع الديانة والتحرى والمراجعة والإستنباط والقياس الصحيح ومراعاة الأصول والقواعد ومطارحات التحقيقات والفوائد وتلقي الوافدين وأكرام الواردين وإطعام الطعام وتبليغ القاصد المرام ومراعاة الأقارب والأجانب مع البشاشة ولين الجانب وسعة الصدر وحسن الاخلاق مع الخلان وال أصحاب والرفاق ويخدم بنفسه جلاسه ولا يمل معهم ايناسه ولا يبخل بالموجود ولا يتكلف المفقود ولا يتصنع في أحواله ولا يتمشدق في أقواله ويلاحظ السنة في أفعاله.

ومن أخلاقه أنه كان يجلس بآخر المجلس على اى هيئة كان بعمامة وبدونها ويلبس أى شيء كان ويتحزم ولو بكنار الجوخ أو قطعة خرقة أو شال كشميرى أو محزم ولا ينام على فراش ممهد بل ينام كيفما اتفق وكان أكثر نومه وهو جالس وله مع الله جانب كبير كثير الذكر دائم المراقبة والفكر ينام أول الليل ويقوم آخره فيصلي ما تيسر من النوافل والوتر ثم يشتغل بالذكر حتى يطلع الفجر فيصلي الصبح ويجلس كذلك إلى طلوع الشمس فيضطجع قليلا أو ينام وهو جالس مستندا وهذا دأبه على الدوام.

ويحاذر الرياء ما أمكن وكان يصوم رجب وشعبان ورمضان ولا يقول: إني صائم وربما ذهب إلى بعض الأعيان أو دعي إلى وليمة فيأتون إليه بالقهوة والشربات فلا يرد ذلك بل يأخذها ويوهم الشرب وكذلك الأكل ويضايع ذلك بالمؤانسة والمباسطة مع صاحب المكان والجالسين. وكان مع مسايرته للناس وبشاشته ومخاطبته لهم على قدر عقولهم عظيم الهيبة في نفوسهم وقورا محتشما ذا جلال وجمال.

وسمعت مرة شيخنا سيدي الشيخ محمودا الكردى يقول: أنا عندما كنت أراه داخلا في دهليز الجامع يداخلني منه هيبة عظيمة وأدخل إلى رواقنا وانظر إليه من داخل وأسأل المجاورين عنه فيقولون لي هذا الشيخ الجبرتي فأتعجب لما يداخلني من هيبته دون غيره من الأشياخ فلما تكرر على ذلك أخبرت الأستاذ الحفني فتبسم وقال لي: نعم أنه صاحب اسرار.

وكان مربوع القامة ضخم الكراديس ابيض اللون عظيم اللحية منور الشيبة واسع العينين غزير شعر الحاجبين وجيه الطلعة يهابه كل من يراه ويود أنه لا يصرف نظره عن جميل محياه. ولم يزل على طريقته المفيدة وأفعاله الحميدة إلى أن آذنت شمسه بالزوال وغربت بعد ما طلعت من مشرق الاقبال وتعلل اثني عشر يوما بالهيضة الصفراوية فكان كلما تناول شيئا قذفته معدته عندما يريد الاضطجاع إلى أن اقتصر على المشروبات فقط وهو مع ذلك لا يصلي إلا من قيام.

ولم يغب عن حواسه وكان ذكره في هذه المدة يقرأ الصمدية مرة ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم بالصيغة السنوسية كذلك ثم الأسم العشرين من الأسماء الإدريسية وهو يا رحيم كل صريخ ومكروب وغياثه ومعاذه هكذا كان دأبه ليلا ونهارا حتى توفى يوم الثلاثاء قبيل الزوال غرة شهر صفر من السنة وجهز في صبحة يوم الأربعاء وصلي عليه بالأزهر بمشهد حافل جدا ودفن عند اسلافه بتربة الصحراء بجوار الشمس البابلي والخطيب الشربيني ومات وله من العمر سبع وسبعون سنة “.