
21 / ريحانة الألبا
(ريحانة الألبا وزهرة الحياة الدنيا) هو عنوان الكتاب الذي ألفه إمام أهل الأدب والبلاغة في مصر بالقرن الحادي عشر الهجري الشيخ القاضي شهاب الدين أحمد بن محمد بن عمر الخفاجي الحنفي الذي ولد في قرية سرياقوس بالقليوبية عام 977 هـ / 1569 م وتوفي في القاهرة عام 1069 هـ / 1659 م ، ويرجع في نسبه إلى قبيلة عرب بني خفاجة القيسية المعروفة التي انتقلت من بادية الشام إلى الحوف الشرقي بمصر في زمن الحروب الصليبية وهم بنو خفاجة بن عمرو بن عقيل بن كعب بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن.
وقد تناول في كتابه هذا ترجمة وافية لكل الأدباء والشعراء المعاصرين له في كل من مصر والشام والأناضول والمغرب والحجاز واليمن فنقل لنا صورة عن الحياة الأدبية والثقافية في ذلك العصر وساعدته رحلاته على ذلك حيث اتصل برجال عصره وتبادل معهم الحوار حول قضايا فكرية متعددة ، وقد رحل الخفاجي إلى إسطنبول واتصل بالسلطان مراد العثماني فولاه قضاء سلانيك ثم قضاء مصر ثم عزل عنها فرحل إلى الشام وحلب وعاد إلى الأناضول فنفي إلى مصر وتولي منصبا قضائيا يعيش منه فاستقر به إلى أن توفي.
ومن مؤلفاته كتاب شفاء العليل فيما في كلام العرب من دخيل وكتاب شرح درة الغواص في أوهام الخواص للحريري وكتاب طراز المجالس وكتاب نسيم الرياض في شرح شفاء القاضي عياض (أربع مجلدات) وكتاب خبايا الزوايا بما في الرجال من البقايا (في التراجم) وكتاب ريحانة الندمان وكتاب عناية القاضي وكفاية الراضي (حاشية على تفسير البيضاوي في ثمانية مجلدات) وكتاب ديوان الأدب في ذكر شعراء العرب وكتاب البوارح والسوانح وكتاب قلائد النحور من جواهر البحور (في العروض) وكتاب جنة الولدان وكتاب الكنس الجواري.
وله ديوان شعر كبير ذكر جانبا منه في كتاباته كما أبدع في كتابة المقامات وألحق خمسة منها بكتابه ريحانة الألبا وهي المقامة الرومية ومقامة الغربة والمقامة الساسانية والمقامة المغربية ومقامة عارض بها مقامة الوطواط ، كما أفرد لنفسه ترجمة في آخر الكتاب أشبه بالسيرة الذاتية ذكر فيها شيوخه ورحلاته ومؤلفاته ومناصبه وقسم الكتاب جغرافيا حسب شعراء كل بلد في تقليد لكتاب خريدة القصر وجريدة العصر للعماد الكاتب وأفرد لمصر فصلا كبيرا رصد فيه كبار شعرائها وضمن معه جانبا من دواوينهم وقصائدهم المشهورة.
وقد استهل كتابه بمقدمة بليغة يغلب عليها السجع والمحسنات البديعية وجاء فيها : ” بسم الله الرحمن الرحيم ، حَمداً لمن سرَّح عيونَ البصائر في رِياض النعِّم رياض زهَت فيها رياحين العقول وتفتَّحتْ بنسِيم اللطف أنوار الحِكَم فاجْتنَت منها أيدي المُنَى فواكه الأرواح واقتطفت شَقيق الشَّقيق من بين أقاحِي الصَّباح والنَّدَى طرَّز برد النسيم ببَلالِه لمَّا رأى مجامِرَ الزَّهْرِ تحت أذياله ، مَن قبل أن ترشِف شمسُ الضحى .. ريقَ الغَوادي من ثُغُور الأقاحْ ، وأشكره شكراً يطوِّق جيدَ البلاغة نظِيمُ عقوده وينسِج ببَنان البيان لي مِنوال البراعة رقيقُ بُروده على نِعمٍ لا تفنَى من معان الوجود جواهرُها ولا تذوِي من خمائل الفصاحة أزاهرُها.
ونُهدِي صِلات الصَّلاة لناظم عقد الدين بعد نَثْره المُؤيَّد بآياتٍ لا يزال يتلوها لِسانُ الدهر ولو طار نَسْر السماء من وَكره وكَلَّت دونها ألسنةُ أَسِنّة الطَّاعنين وحُمِيت حديقتُها بشوكة الإعجاز فلم تلمسْها يدُ أفكار المعارضين فصار السابقون في حَوْمَة البلاغة الماهرين في صناعة الصِّياغة ما بين ساكتٍ أَلْفا وناطقٍ خَلْفا ومُشمِّرٍ ذيلَه ومُدَّرِعٍ ليلَه تسرْبَل سابغةَ دُجى قَتيِرُها نجومُ ليلٍ دجا حتى اشتفَتْ نفسُ الإسلام من دائهم وزال كلَب الكفر بما أُريق من دمائهم فبيوتُهم خاوية ونفوسُهم على أثر تلك البيوت قافية.
وعلى آلِه الذين تفتَّحت لهم كمائمُ المعاقل عن زهرة النَّصر وتحلَّى بعقود عُهودهم جِيِدُ كلِّ عصر ، فجَنوا لهم ثمرَ الوقائع يانعاً .. بالْغُرِّ من ورق الحديدِ الأخضرِ ، لا زالت سُحُب الرَّحمة المُطَنَّبة بالقطر مخيَّمةُ على مراقدهم ولا برحْت تَحايا المُزْن مُهينِمة بلسان الرَّعد على معاهدهم ما سقى غديرُ المجرَّة روضةَ السماء وزَها نَرجِس النَّجم تحت بَنَفْسج الظَّلماء.
هذا وإني كنت قبل أن تُشِيب منِّى الخطوبُ الذَوائبَ وتصبحَ كبدي وأحشائي بلظَى النَّوائب ذوائبَ والزمان ربيعٌ ورَوْض الشباب مَرِيع أعد الأدبَ عنوانَ صَحائفِ الشَّمائل وبيْتَ القصيد في ديوان المآثر والفضائل أُنْفِق نَقْد عمري في اقتنائِه واقتناصِ شوارده وأملأُ صدَف المسامع مما يستخرج غوَّاصُ الأفكار من فرائدهِ وأَشِيم بارقةَ السّحر من نفَثاتِه وأشُمُّ عبِير السرور من أرْدَان نسماتِه وأرتَشِف من طَبْعي ما يَنِمّ على سرِّ الزُّجاجة وأشْتَفُّ منه ما أسْأرَتْه الجُدودُ من ذُؤابة خفاجة صُبابةَ مجدٍ لم يكدِّرها في جامِ المشارب وِرْدُ الخطوب واْزدِحامُ الشَّوائب.
فإنِّي من العرب الأكرمين .. وفي أوَّل الدهرِ ضاع الكرمْ ، وما زلتُ على هذا الحال منذ فارقني الحال لا دأب لي إلا تلقى وفُودِه لاسْتهداء تُحَفِ الأخبار التي هي ألطفُ من دمع الطَّلِّ في وجَنات الأزهار ، ومَن يسألِ الرُّكبانَ مَن كان نائيا .. فلا بُدَّ أن يلْقَى بشيراً وناعِيِاَ ، ومن أحاديث يُشفَى بها الغَليل ويصِحُّ مِزاج النَّسيم العليل تنْفتِح منها في رياض المُسَامَرة مِن أجْفان الكمائِم عيونُ أنوارِها الزَّاهرة ويحسُو فَم السَّمع منها ماءُ حياة يُطِيل عمرَ المسرَّة وتكتحِلُ منها المآثرُ بما هو لعيونها قُرَّة من كل من هو لتْشييد المجد أكرمُ بانِي حتى تكفل الثَّناء له بعمر ثاني يشِيب في وجه السماءِ حاجبُ القمرِ هلالا ويشتعل رأسُ الشمس شيباً ولم يَرَ له مِثالاً.
إذا ما روَى الإنسانُ أخبارَ مَن مضى .. فتحسَبُه قد عاش مِن أوَّلِ الدهرِ .. وتحسَبه قد عاش آخرَ دهرِه .. إلى الحشْر إنْ أبقْى الجميلَ مِن الذِّكرِ .. فقد عاش كلَّ الدهر مَن عاش عالماً .. كريماً حليماً فاغتنْمِ أطولَ العُمرِ ، وسواءٌ تلفُّتُ المريض للطبيب وفَرحةُ الأديب بِلقَا الأديب لا سيَّما أهل العَصر الهاصِري أغصانَ المُنَى ألطفَ هصْر القائلين في رياضِها الواردين نَمِيرَ حياضِها فقد سرَتْ كلماتُهم مَسْرَى الأرواحِ في الأجساد وأُثْنَى عليها ثناءَ نسيم الرياض على العُهَّاد.
وقد انتصر لكلِّ عصرٍ مَن أحْيَا مَيْتَه وعَمَّر من دارس عهودِه بيْتَه كصاحب اليتيمة وقلائد العِقْيان والمية والذخيرة وعقود الجُمَانَ ، وحَمِيَّة المرء لعصرِه وقيامُه على منابر نصْرِه من آياتِ الفُتوَّة التي هي على لسان الحميَّة متلُوَّة فليس منَّا مَن لم يَغْتَذِ بِدَرِّ المجد في مِهادِه ولم يفتخِرْ في المحافل بأُستاذِه وإسنادِه ، إلا أن الأدبَ في هذه الأعصار قد هبَّتْ على أطلالِه ريحٌ ذاتُ إعْصار حتى أَخْلَقتْ عُرَى المحامد واسترْخَى في جرْيِه عِنانُ القصائد وتقلصتْ أذيالُ الظِّلال وخطب البلاءُ على منابر الأطْلال وعفَا رَسْمُ الكرام فعليه منِّى السلام.
وممَّا أعان عليَّ الزمانَ .. عَفافُ يدِي وعُلُوُّ الهِمَمْ ، والرُّؤساء شعراء لا ينظِمون ولا ينثرون وما فيهم مِن صفاتِ الشُّعراء إلا أنَّهم يقولون ما لا يفعلون وإذا كذَب مادحٌ أحدَهم اهْتزَّ وطرِب وجَازَى مِن سَراب وعدِه بكذِب على كذِب وبالوعد القَطير لا يخَّمر الخَمِير ، وبأحْسَنْتَ لا يُباع الشَّعيرُ وبرَعْد الوعد لا يْسقَى غَرس الحمد ، فلا تلوموه في وَعدِ يُردِّدُه .. في وقتِ مدْحِي له علَّمْتُه الكذِباَ.
ومع هذا فكم هبَّتْ لهم أنفاسٌ معطَّرةٌ بالنجاح مُزْرِية في وقتها بأنفَاس الصَّبا في الصَّباح يُهزّ السَّماحُ هِيف معاطِفِه وينشرُ تحت أقدامِها الزمانُ بِساطَ عواطفِه تتمسَّك كف الشَّمال بأذْيالها وتتفيَّأ العشَّاقُ في هجير الأشواق ضَافِيَ ظلالها وترِدُ صافيَ زُلالِها مِن كلِّ حديثٍ تَلِيد وطارِف له وَشْيٌ كوَشْيِ المطارِف تزهُو به الطُّروس على صفحاتِ الخدود المُحَسَّنات بالسَّوالِف في كل ورَقةٍ منها خمائل تسوغُ مياهُ فصاحتِها في لَهَواتِ الجداول.
تكادُ يدِي تنْدَى إذا ما لمستُها .. وينبُتُ في أطْرافِها الورقُ الخضْرُ ، مِن كل مَن ألحق المتأخِّر بالمتقدِّم في تطْبيق مفاصِل معانِيه وإخراج مُخَبَّآتِ عِطْره من جُونَة مبانِيه وإن تأخَّر عصرُه فلا بَاس في تأخُّرِ النتيجة عن القِياس والخدمُ تتقدَّم بين السَّادة والسُّنَن أُمِر بتقيمها على الفروضِ في العبادة وتقدُّم الآحاد يرقي مرتبة الأَعداد ، أو مَا ترى أن النبيَّ محمداً .. فاقَ البريَّة وهْو آخِرُ مُرسَلِ.
فيا أدِلاَّء الهُدَى إني آنستُ من جانب الطُّور ناراً بها تَهْتدون أو آتيكم بِشهاب قبسٍ لعلكم تصْطَلون ، فإن لم يترُك الأوَّل شيئاً للآخِر فخيرٌ من الكثير الغائب القليلُ الحاضر ويا مَن هم في مُحَّيا الأيام حسَنة لقد كان لكم في رسول اللهِ أُسْوة حسَنة فلا يُزْرِ النَّورْ تأخُّرُه عن غِراس أغْصانِه ولا يُكِلّ مَضاءَ السِّنان كونُه في أطْراف مُرَّانِه على انه قد تتساوى الآصالُ والبُكُر وتتشابه طُرَرُ العشِيَّات والسَّحر وليس إلا للحسد رغِبتْ الطَّبائع عن محاسنَ للعصرِ هي مِلءُ الأفواهِ والمسامِع.
وما شُكْرُهم للمَيْتِ إلاَّ لأنَّه .. بما حلَّ في أيديهِمُ غيرُ طامِعِ ، وللهِ دَرُّ ابن رَشِيق، في قوله : أُولِعَ الناسُ بامْتداح القديمِ .. وبذمِّ الجديدِ غير الذَّميمِ .. ليس إلاَّ لأنهمْ حسَدُوا الحيَّ .. فرقُوا على العظامِ الرَّميمِ ، والحُرُّ وإن حلَّ تيهاً وَبادِية فستغدُو محاسنُه على رغم الخمول بادية ولنا في ذِمَّة الدهر ديونٌ بأوقاتها مرهونَة فإذا جاء إبِّانُهَا فكَّ الزمانُ رُهُونه ، على أنِّي أستغفر اللهَ مِن دهرٍ كلَّت فيه مُرهَفاتُ الطِّباع ونفَضت الآمالُ فيه يدها من غُبار الأطماع وَافيْناه على الهِرَم وقد قلع ضِرْسَ النَّدم بعد ما أكل باكورةَ الكرماء وشابتْ بالصباح لياليه الدَّهْماء ودبَّ خَرِفاً على عصا الجوْزاء.
وكنتُ لما ذُيل بالنَّوى عيْشِي النَّضِر وَلَيْت سِياحةَ الآفاقِ فَصِرت خليفةَ الخَضِر ، تهادتْني التَّنائِف وقذفَتْنِي الأمانيُّ في لَهَوات المخاوِف كأنِّي قَذَاة بأجفانِ الدهر أو سَفَاة بوجْه نهر أو كُرَة لاعب أو سهم محارب ، طَوْراً أُشَقِّق قلب الشرق كأنِّي أُفتِّش على الفجْر وتارةً أُمزِّق كِيس الغرب حتى كأنِّي أُريد أن أُخرِج منه دينار البدْر أُفلِّي لُمّةَ دجَا شاب فوقَها فِرْقُ ابنُ جَلا يُخَّيل لي أن البلادَ مَسامع أنا فيها مَرُّ الْمَلام أو فكْرَ بليدٍ أنا حَوْله معنًى دقَّ أن تتصوَّره الأوْهام غريبٌ في عيون الظُّنون كأنِّي بيت حسَّان بن ثابت في ديوان سَحْنون أو مُصحَفٌ في بيت زِنْدِيق أو عابد في صَوْمعةِ بِطْرِيق أو بِكرُ معنًى سار في مثَل أو غَضٌّ عمرٍ جرى خلفَه رائدُ أجَل أو خَبَر لم يصِحَّ له سنَد، فلم يقبلْهُ من الثِّقات أحد.
كأنَّ له دَيْناً على كلِّ مشرقٍ .. مِن الأرض أوثَاراً لَدَى كلِّ مغربِ ، أرِدُ مواردَ الحُوب مُكدَّرة بغُصَص الخطُوب فلم أُرِبّ ببَدْوٍ ولا حضَارة كأنَّني من الشُّهب السَيَّارة وقد قيل تنزِل الألقابُ من السَّما فلكلٍّ من أسْمه نصيبٌ انْحطَّ أو سَمَا ، وطني حيثُ حطَّتِ العِيسُ رَحْلِي .. وذراعِي الوِسادُ وهْيَ مِهادِي ، فكل جوْلي بين إبْراقٍ وإرْعاد وأمانيّ في مَهامِهِ الحيرة بين إتْهامٍ وإنْجاد والزمان يُضمِر سَلْبَ ما أوْلاه بُخْلاً إن جَاد وألسنةُ أبنائِه عن الإجابة صُمْت وآذانُهم عن صَرِيخ الاسْتغاثةِ صُمَّت فقد خلاَ من المكارم مَغْناها وأصبح لا يجاوِب البُومَ إلاَّ صَداها.
لكنني مع أهواله، ودُروس رُسوم السرور في أطْلالِه، وإن توسَّدتُ ذراعَ الهمِّ في دياجيها، وقطعتُ ظُلمةَ الشَّدائد في سَنَا بدْرِ أمانيها، أتعلَّل بأن السيفَ لا يقطعُ في قِرابِه، والليثَ لا يصِل لغرض الفرائس في غابِه، ولولا مُفارقة القوس ما أصاب سهم، ولولا بُعْد الدُّرّ عن الصَّدف لم يَظفَرْ من الغِيد بأوْفَى سهم، فلذلك أُضَاحِك مباسِمَ الأمانِي، وأُغازِل عيونَ الآمال والتَّهاني، وأُنزِّه طَرْفي في رياض الدَّفاتر، ولم أَقِل مع السرور إلا في ظلِّ طائر، فزمان مسرَّاتي أقصرُ مِن عمر المكارم، وفؤادي لم يهْتَدِ إلى طُرْق سَلْوة المُدَام، في أُوَيْقات أثقل من السُّؤَّال، وأطول من عمر الآمال، أشْأمُ مِن وجه خَنَّاس، وأثقلُ من غريمٍ مُلِحٍّ على إفْلاس.
ولم يكْفِ الدَّهرَ ما ورَّثنِيه من الحِرمان حتى ابْتلاني بعد الإثْبات بالنَّفْي كأنِّي نِكْتُ أُمَّ الزَّمان وأنا أستغفر الله جلَّ وعلا ولا أرْتضى بمَعرَّة أبي العَلاَ في قوله : إذا ما ذكرْناَ آدماً وفعِالَه .. وتزْويجَه لابْنَيِهِ بِنْتيْهِ في الْخَنَا .. علِمْناَ بأنَّ الخلقَ مِن نسلِ فاجرٍ .. وأن جميعَ النّاسِ مِن عُنْصُر الزِّناَ ، فإنه كفرٌ مِن وَسْوسة الشياطين وغُلُوّ مِنْه في خَلْعِه رِبْقَهَ الدين بل أقولُ ما قال ابن عُنَين : أنْفُوا الُمؤذِّنَ مِن بلادِكُمُ .. إن كان يُنْفَى كلُّ مَن صدَقاَ ، وللحسن بن أبي عُقامة في الردِّ عليه أي على أبي العلاء : لَعَمْرِي أمَّا فيك فالقولُ صادقٌ .. وتكذِبُ في الباقِين مَن شَطَّ أو دَناَ .. كذلك إقرارُ الفتى لازمٌ له .. وفي غيرِه لَغْوٌ كذا جاء شرْعُناَ.
فلا سَمِير لي أجالسه ولا نديمَ لي أؤانِسه سوى أوراقٍ كنت خلعت عن مَنْكبِ الإقبال بُرْدَها الخلِيع وجعلتُها كبَيْت العَرُوض ادِّخارُها للتّقطِيع فوجدتُ فيها نُبذاً مِن المحاسن أسرَّها الدهرُ في خاطره شاهدةً لقوْلِ مَعْدِن الحِكَم : أمَّتِي كَالْمَطَر لا يُدْرَى الْخَيْرُ في أَوَّلِهِ أَمْ فِي آخِرِهِ ، ممَّن جَرَّ عليه الزمنُ أذيالَ الفَنَا وأسكنه تحت أَطْباقِ الثَّرى فحلَّ مُخَيَّمَ البِلَى كأنه سِرٌ في صدرِه ومِن باقٍ على هامةِ الليالي تعْبَق أنفاسُ الرُّواةِ بذكْرِه ممَّن ركِبتُ لرُؤْياه مطايَا أُمِّ عمري أو نابتْ عنِّي في مشاهدتِه أهلُ عصْرِي ، فاجتلَوتُ مُحيَّاه أو رأيتُ من رآه حتى طرِبتُ على الاسْتماع وعلمتُ أن الذِّكرَى طَيفُ الاجتماع وإذا كان الحِبُّ مَنُوع فالصَّبّ قَنُوع يتعلَّل ببارق ثَنَّية وتكْفِيه لمْحةُ إشارة لمحة إشارةٍ أو تحيَّة.
فإن تمنُعوا ليلى وحُسنَ حديِثها .. فلن تمنُعوا مِنِّي البُكا والقوافِيِاَ .. فهلاَّ منعتُمْ إذ منعتم حديثَها .. خَيالاً يُوافِيِني على النَّأْيِ هاديَا ، فجمعتُ منها ما هو لطَرْف الدَّهر حَوَر ولجِيد الأدب عِقْد يبْسَم منظومُه هُزْؤوا بعِقد الدُّرَر ولكاس الأدب خِتام ولعِقْد حُبَابه نِظام تُذكِّر العهودَ والمودَّة وتطلع في وَجْنة الوفاة ورْدَة وتندُب من ألْقى للبَلاء قِيادَه وتُلبِس عليه وجْهَ الطِّرس حِدَادَه وتسجُد الأقلام في محراب طِرسها الذي هو المحاسن جامِع ويَودُّ كل عضو إذا تُلِيتْ أحاديثُها لو أنه مسامِع وهي وإن كانت عِقْداً منتثراً دُرُّه وأُفُقاً تبدَّد بيد الصباح زُهْرُه ونَوْرّاً نشرتْه كفُّ الشَّمال فانتظم على ترائِب الماءِ السَّلْسال فلرُبَّما نُثِر العِقْد المُفصَّل ليعود أحسنَ في النِّظام وأجْمل.
فهذه ذخائرُ من خبايا الزَّوايا فيما في الرِّجال من البَقايا ، تنفَّس الدهرُ بها عن نفْحةٍ عنْبَريَّة وهبَّتْ بها أنفاسُه النَّدِيةُ نَدِيَّة تنفُّسَ الروض في الأسحار بأفواه العبير عن أفْواهِ النَّوْر والأزهار ، يَسْرِي على رَيْحانِها نفَسُ الصَّبَا .. سحَراً فُيوهِم أنه ذِكْراهَا ، فلذا سمَّيْتُها: ريحانة الألِبَّا وزهرة الحياة الدنيا ، فإني شمَمْت بها روائحَ الشَّباب ونظرتُ في مِرآتها وُجوهَ الأحباب وتذكَّرتُ غابِرَ الأيَّام إذ العيش غضٌّ والزمان غُلام مِن أعلام شم الأنُوف إن دعي بهم بوّ الصغار تشَّمخ في غُرَر أيامٍ تُقام بها مواسمُ الدهرِ وتُؤرَّخ.
وجعلتُ مِسْك الخِتام ذكَر سادةٍ من العلماء الأعلام فإنَّ بصَبا أنفاسهم ينْقشِع غَمامُ الغُمَّة وبذِكْرِهم في نادِينا تنزِلُ الرَّحْمَة ، فإن عَذُبت مواردُها فَلْتُقرَن بالدعاء فرائدُها فإن عُثِر منها على كَبْوة فليَبذُل لها اللبيبُ عفوَة ، على أنَّني راضٍ بأن أحملَ الهوَى .. وأخلُصَ منه لا عَلَيَّ ولا لِياَ ، وها أنا ذا أُمتِع الأسماع بربيع أحْوَى الظِّلال الْمَى التِّلاع فإذا رأيتَ كلاماً لأهل العصر لم تترنَّح أعطافُه لهذا النَّسيم فتمتَّع من شَمِيم عَرارِ نجدٍ فما بعدَه من شَمِيم فليس مِن ليْلِى ولا سَمَره ولا مما يُهدَى لنا من الأدب باكورةُ ثَمرِه فكم من أشعار للبُخل فيها أعذار : تَا اللهِ ما بخِل الكرامُ وإنَّما .. لِبُرودةِ الأشعارِ قد جَمُد النَّدَى.
فما كل مُرتفِع نَجد ولا كل وادٍ يُنبِت الشِّيحَ والرَّنْدِ وما كل سَوْداء تَمْرة ولا كل صَهْباء خمرَة ولا كل بيْضاء شَحْمة ولا كل حمراء لَحْمة ولا كل نبْتٍ يعلو بنَمَائِه ولا كل بَرْقٍ يجود بمائِه ، اللهم بحُرمةِ سيِّد الأنام كما يسَّرتَ الابتداء يَسِّر الاختتام صارفاً عنا سُوءَ القضا ناظراً إلينا بعيْنِ الرِّضا “.
ذكره المحبي في كتابه خلاصة الأثر بأعيان القرن الحادي عشر فقال : ” الشَّيْخ أَحْمد بن مُحَمَّد بن عمر قَاضِي الْقُضَاة الملقب بشهاب الدّين الخفاجي الْمصْرِيّ الْحَنَفِيّ صَاحب التصانيف السائرة وَأحد أَفْرَاد الدُّنْيَا الْمُجْتَمع على تفوقه وبراعته وَكَانَ فِي عصره بدر سَمَاء الْعلم ونير أفق النثر وَالنّظم رَأس المؤلفين وَرَئِيس المصنفين سَار ذكره سير الْمثل وطلعت أخباره وطلوع الشهب فِي الْفلك.
وكل من رَأَيْنَاهُ أَو سمعنَا بِهِ مِمَّن أدْرك وقته معترفون لَهُ بالتفرد فِي التَّقْرِير والتحرير وَحسن الْإِنْشَاء وَلَيْسَ فيهم من يلْحق شأوه وَلَا يَدعِي ذَلِك مَعَ أَن فِي الْخلق من يدعى مَا لَيْسَ فِيهِ ، وتآليفه كَثِيرَة ممتعة مَقْبُولَة وانتشرت فِي الْبِلَاد وزرق فِيهَا سَعَادَة عَظِيمَة فَإِن النَّاس اشتغلوا بهَا وأشعاره ومنشآته مسلمة لَا مجَال للخدش فِيهَا وَالْحَاصِل أَنه فاق كل من تقدمه فِي كل فَضِيلَة وأتعب من يَجِيء بعده مَعَ مَا خوله الله تَعَالَى من السعَة وَكَثْرَة الْكتب ولطف الطَّبْع والنكتة والنادرة.
وَقد ترْجم نَفسه فِي آخر ريحانته من حِين مبدئه فَقَالَ قد كنت فِي سنّ التَّمْيِيز فِي مغرز طيب النَّبَات عَزِيز فِي حجر وَالِدي ممتعا فَلَمَّا درجت من عشى قَرَأت على خَالِي سِيبَوَيْهٍ زَمَانه يَعْنِي أَبَا بكر الشنواني عُلُوم الْعَرَبيَّة ثمَّ ترقيت فَقَرَأت الْمعَانِي والمنطق وَبَقِيَّة الْعُلُوم الاثْنَي عشر ونظرت كتب المذهبين مَذْهَب أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ مؤسسا على الْأَصْلَيْنِ من مَشَايِخ الْعَصْر.
وَمن أجل من أخذت عَنهُ شيخ الْإِسْلَام مُحَمَّد الرَّمْلِيّ حضرت دروسه الفرعية وقرأت عَلَيْهِ شَيْئا من صَحِيح مُسلم وأجازني بذلك وبجميع مؤلفاته ومروياته بروايته عَن القَاضِي زَكَرِيَّاء عَن وَالِده ، مِنْهُم شَافِعِيّ زَمَانه الشَّيْخ نور الدّين على الزيَادي حضرت دروسه زَمنا طَويلا وَمِنْهُم الْعَلامَة الفهامة خَاتِمَة الْحفاظ والمحدثين إِبْرَاهِيم العلقمي قَرَأت عَلَيْهِ الشِّفَاء بِتَمَامِهِ وأجازني بِهِ وَبِغَيْرِهِ وشملني نظره وبركة دُعَائِهِ لي وَمِنْهُم الْعَلامَة فِي سَائِر الْفُنُون عَليّ بن غَانِم الْمَقْدِسِي الْحَنَفِيّ حضرت دروسه وقرأت عَلَيْهِ الحَدِيث وَكتب لي إجَازَة بِخَطِّهِ.
وَمِمَّنْ أخذت عَنهُ الْأَدَب وَالشعر شَيخنَا أَحْمد العلقمي وَمُحَمّد الصَّالِحِي الشَّامي وَمِمَّنْ أخذت عَنهُ الطِّبّ الشَّيْخ دَاوُد الْبَصِير ثمَّ ارتحلت مَعَ وَالِدي للحرمين الشريفين وقرأت ثمَّة على الشَّيْخ عَليّ بن جَار الله العصام وَغَيره ثمَّ ارتحلت مَعَ وَالِدي للحرمين الشريفين وقرأت ثمَّة على الشَّيْخ عَليّ بن جَار الله العصام وَغَيره ثمَّ ارتحلت إِلَى قسطنطينية فتشرفت بِمن فِيهَا من الْفُضَلَاء والمصنفين واستفدت مِنْهُم وتخرجت عَلَيْهِم وَهِي إِذْ ذَاك مشحونة بالفضلاء الأذكياء كَابْن عبد الْغَنِيّ ومصطفى بن عزمي والحبر دَاوُد وَهُوَ مِمَّن أخذت عَنهُ الرياضيات وقرأت عَلَيْهِ اقليدس وَغَيره.
وأجلهم إِذْ ذَاك أستاذي سعد الْملَّة وَالدّين ابْن حسن أَخذ عَن خَاتِمَة الْمُفَسّرين أبي السُّعُود الْعِمَادِيّ عَن مؤيد زَاده عَن الْجلَال الدواني وَلما توفّي أستاذي قَامَ مقَامه صنع الله ثمَّ ولداه ثمَّ انقرضوا فِي مُدَّة يسيرَة ثمَّ لما عدت إِلَيْهَا ثَانِيًا بَعْدَمَا توليت قَضَاء الْعَسْكَر بِمصْر رَأَيْت تفاقم الْأَمر فَذكرت ذَلِك للوزير فَكَانَ ذَلِك سَبَب لعزلي وأمري بِالْخرُوجِ من تِلْكَ الْمَدِينَة وَقد من الله تَعَالَى عَليّ بالسلامة.
ثمَّ ذكر أَن من تآليفه حَوَاشِي تَفْسِير القَاضِي وَهِي الَّتِي سَمَّاهَا عناية القَاضِي وَشرح الشِّفَاء وَشرح درة الغواص والريحانة والرسائل الْأَرْبَعين حَاشِيَة شرح الْفَرَائِض وَكتاب السوانح والرحلة وحواشي الرضى ، قلت وَله كتاب شِفَاء الغليل فِيمَا فِي كَلَام الْعَرَب من الدخيل والنادر الحوشي الْقَلِيل وَكتاب ديوَان الْأَدَب فِي ذكر شعراء الْعَرَب ذكر فِيهِ مشاهير الشُّعَرَاء من الْعَرَب العرباء والمولدين وَله كتاب طراز الْمجَالِس وَهُوَ مَجْمُوع حسن الْوَضع جم الْفَائِدَة رُتْبَة على خمسين مَجْلِسا ذكر فِيهِ مبَاحث تفسيرية ونحوية وأصولية وَغَيرهَا وَذكر فِي آخِره لما قَرَأت مَا قَالَه عُلَمَاء الحَدِيث فِي الخصائص النَّبَوِيَّة أَنه لم تلج النَّار جوفا فِيهِ قَطْرَة من فضلاته.
قَالَ بعض من كَانَ عندنَا حَاضر إِذا كَانَ هَكَذَا فَكيف تعذب أَرْحَام حَملته فَأَعْجَبَنِي كَلَامه ونظمته فِي قولي : لوالدي طه مقَام علا .. فِي جنَّة الْخلد وَدَار الثَّوَاب .. فقطرة من فضلات لَهُ .. فِي الْجوف تنجي من أَلِيم الْعقَاب .. فَكيف أَرْحَام لَهُ قد غَدَتْ .. حاملة تصلى بِنَار الْعَذَاب ، ثمَّ ختم الْكتاب بقوله : أسْتَغْفر الله مَالِي بالورى شغل .. وَلَا سرُور وَلَا آسى لمفقود .. عَمَّا سوى سَيِّدي ذِي الطول قد قطعت .. مطالبي كلهَا مذ تمّ توحيدي.
وَله رسائل كَثِيرَة ومكاتبات وافرة لم يجمعها ومقامات ذكر بَعْضهَا فِي ريحانته ، وَكَانَ لما وصل إِلَى الرّوم فِي رحلته الأولى ولي الْقَضَاء بِبِلَاد روم ايلي حَتَّى وصل إِلَى أَعلَى مناصبها كأسكوب وَغَيرهَا ثمَّ فِي زمن السُّلْطَان مُرَاد توصل حَتَّى اشْتهر بِالْفَضْلِ الباهر فولاه السُّلْطَان قَضَاء سلانيك فَحصل بهَا مَالا كثيرا ثمَّ أعْطى بعْدهَا قَضَاء مصر.
وَبَعْدَمَا عزل عَنْهَا رَجَعَ إِلَى الرّوم فَمر على دمشق وَأقَام بهَا أَيَّامًا ومدحه فضلاؤها بالقصائد واعتنى بِهِ أَهلهَا وعلماؤها فأكرموا نزله وَوَقع لَهُ لطائف من ذَلِك أَنه دَعَاهُ الْعِمَادِيّ الْمُفْتِي إِلَى قصرهم بالصالحية فَمر الشهَاب وصحبته الْعِمَادِيّ وَابْن شاهين على الجسر الْأَبْيَض فَنظر إِلَى غُلَام وَاقِف هُنَاكَ نظرة ميل ووقف يتأمله فانتقد الْعِمَادِيّ وَابْن شاهين عَلَيْهِ ذَلِك فَأَنْشد بديهة قَوْله : قيل لَا تنظرن لوجه مليح .. إِن هَذَا مبدد الْحَسَنَات .. قلت هَذَا الْجمال لما تبدى .. أشغل الْكَاتِبين عَن سيئاتي.
وَدخل حلب أثر ذَلِك ثمَّ وصل إِلَى الرّوم وَكَانَ إِذْ ذَاك مفتيها الْمولى يحيى بن زَكَرِيَّاء فَأَعْرض عَنهُ أجل أُمُور انتقدت عَلَيْهِ أَيَّام قَضَائِهِ فِي سلانيك ومصر من الجرأة وَبَعض الطمع فَصنعَ مقامته الَّتِي ذكرهَا فِي الريحانة وَتعرض فِيهَا للْمولى الْمَذْكُور فَكَانَ ذَلِك سَببا لنفيه إِلَى مصر وَأعْطى قَضَاء ثمَّة على وَجه الْمَعيشَة فاستقر بِمصْر يؤلف ويصنف ويقرى وَأخذ عَنهُ جمَاعَة اشتهروا بِالْفَضْلِ الباهر من جُمْلَتهمْ الْعَلامَة عبد الْقَادِر الْبَغْدَادِيّ وَالسَّيِّد أَحْمد الْحَمَوِيّ وَغَيرهمَا.
وَاجْتمعَ بِهِ وَالِدي المرحوم فِي مُنْصَرفه إِلَى مصر وَأخذ عَنهُ وَكتب عَنهُ أصل الريحانة الَّذِي سَمَّاهُ خبايا الزوايا فِيمَا فِي الرِّجَال من البقايا وَكتب مِنْهَا فِي دمشق نسخ وَمن ثمَّ اشتهرت فضيلته وَذكره فِي رحلته فَقَالَ ثمَّ جِئْت إِلَى رياض الْعُلُوم المزهرة بأصناف الْفُنُون من منثور ومنظوم فجنيت زهر الْآدَاب من تِلْكَ الحدائق الرحاب فَكَانَ بَيت قصيدها وواسطة عقدهَا وفريدها مَالك أزمة هَذِه الصِّنَاعَة وَفَارِس حلبة البلاغة والبراعة جناب الْمولى الشهَاب انسان عين الموَالِي وزبدة الأحقاب ، عَلامَة الْعلمَاء واللج الَّذِي .. لَا يَنْتَهِي وَلكُل لج سَاحل.
قد أشرقت بشموس علومه أفلاكها ولمع بسنا الْمَنْطُوق وَالْمَفْهُوم سماكها وتحلت أجياد الطروس بعقود أَلْفَاظه وراجت نقود آدابه فِي سوق عكاظه قد اتّفقت كلمة الكملة أَنه وَاحِد عصره بِلَا خلاف وأقرت لَهُ عُلَمَاء دهره فِي حِيَازَة السَّبق بالاعتراف فانتهت إِلَيْهِ الْيَوْم بلاغة البلغاء فَمَا تظل الخضراء وَلَا تقل الغبراء فِي زَمَاننَا أجْرى مِنْهُ فِي ميدانها وَأحسن تَصرفا بعنانها وَأما فنون الْآدَاب فَهُوَ بن بجدتها وأخو جُمْلَتهَا وَأَبُو عذرتها وَمَالك أزمتها ، فَإِن أقرّ على رق أنامله .. أقرّ بِالرّقِّ كتاب الْأَنَام لَهُ.
قد سقت عُيُون قريحته الْمسَائِل وبسقت فِي روضه أَغْصَان الْفَضَائِل فَصَارَ عَزِيز مصر وقاضيها وناشر لِوَاء الْعَدَالَة فِي نَوَاحِيهَا وَبنى وشيد بأيدي تحريراته معالم التَّنْزِيل ونضا قناع خفايا الْأَسْرَار بمحكم التَّأْوِيل فكم أبدع بِمَا أودع فِي خبايا الزوايا فِيمَا فِي الرِّجَال من البقايا فنظمه نفثات السحر وقلائد النَّحْر وغمزات الألحاظ المراض وعطفات الحسان بعد الْأَعْرَاض ونثره النثرة إشراقا وحباب الصَّهْبَاء رونقا واتساقا ، فقر لم يزل فَقِيرا إِلَيْهَا .. كل مبدي فصاحة وَبَيَان ، وَقد حصلت على ضالتي المنشودة من لقيَاهُ وظفرت بالكنز الَّذِي كنت أتوقعه وأترجاه وشاهدت ثمار الْمجد والسؤدد تنثر من شمائله وَرَأَيْت فَضَائِل الدَّهْر عيالا على فضائله.
وَكَانَت وَفَاته رَحمَه الله تَعَالَى يَوْم الثُّلَاثَاء لثنتي عشرَة خلت من شهر رَمَضَان سنة تسع وَسِتِّينَ وَألف وَقد أناف على التسعين وَكَانَ توفّي قبله بِثَلَاثَة أشهر الْفَقِيه الْكَبِير مُحَمَّد بن أَحْمد الشَّوْبَرِيّ الملقب بالشافعي الصَّغِير فَقَالَ فيهمَا السَّيِّد الأديب أَحْمد بن مُحَمَّد الْحَمَوِيّ الْمصْرِيّ يرثيهما وَكَانَ قَرَأَ عَلَيْهِمَا : مضى الإمامان فِي فقه وَفِي أدب .. الشَّوْبَرِيّ والخفاجي زِينَة الْعَرَب .. وَكنت أبْكِي لفقد الْفِقْه مُنْفَردا .. فصرت أبْكِي لفقد الْفِقْه وَالْأَدب.
قلت الْبَيْت الْأَخير مضمن من قَول جحظة الْبَرْمَكِي فِي رثاء أبي بكر بن دُرَيْد اللّغَوِيّ مَعَ تَغْيِير يسير وَذَلِكَ قَوْله : فقدت يَا ابْن دُرَيْد كل فَائِدَة .. لما غَدا ثَالِث الْأَحْجَار والترب .. وَكنت أبْكِي لفقد الْجُود مُنْفَردا .. فصرت أبْكِي لفقد الْجُود وَالْأَدب ، والخفاجي نِسْبَة إِلَى أَبِيه خفاجي وَلَا أَدْرِي مَعْنَاهُ وأصل وَالِده من سرياقوس من قَرْيَة من قرى الخانقاه وَالله تَعَالَى أعلم “.

22 / ديوان المنوفي
شاعر مصر والحجاز في العصر العثماني هو القاضي عبد الجواد بن محمد بن أحمد المنوفي المكي الشافعي المتوفي في الطائف عام 1068 هـ وهو نجل الفقيه الشافعي محمد بن أحمد المنوفي صاحب المكانة الرفيعة لدى الباب العالي والمتوفي بالشام عام 1044 هـ ، وقد قضى حياته في الترحال بين مصر والحجاز والشام والأناضول ثم استقر أخيرا في مكة المكرمة نزيلا عند حكامها من الأشراف حيث كانت تربطه صلة مصاهرة معهم ، وابن أخته هو الأديب علي بن أحمد بن محمد معصوم الحسني الحسيني المعروف بعلي خان بن ميرزا أحمد الشهير بابن معصوم.
وقد ترجم ابن معصوم لجده وخاله في كتابه سلافة العصر في محاسن الشعراء بكل مصر فقال : ” الشيخ محمد بن أحمد المنوفي ، هو جدي لأمي ومن ملت به من عريق النسب كمي إمام الأئمة الشافعية ورب الفطنة الألمعية ملك للعلوم ذماماً وتقدم في مقام الفضل إماماً فصلت الأفاضل خلفه وظلت الفضائل حلفه لا يشق له غبار في مضمار سباق ولا يباريه مبار في اصطباح واغتباق ولا سوى الأدب والفضل صبوح وغبوق وهو السابق فيهما ومن عداه مسبوق.
وكان قد شد لرحلة الروم ركابه وابله يريد بسطة كف يستعين بها على قضاء حقوق للعلى قبله فأسفرت سفرته عن وجوه آماله وأهب عليه الاقبال نسائم قبوله وشماله فتلقاه ملكها بأهل ومرحب وأنزله من ألطافه واسعافه افسح منزل وارحب ونفحه بنسمات عنايته المسكية حتى قلده أكثر المناصب المكية ، فلما عاد قافلاً إلى وطنه بقضاء أمله ووطره نصبت له المنون أشراكها في طريقه وأغصه إذ ساغت له أمانيه بريقه فتوفي بالشام عام أربع وأربعين وألف.
ولا يحضرني الآن من شعره غير ما رأيته منسوباً له بخط سيدي الوالد وهو شعر : عتبت على دهري بأفعاله التي .. أضاق بها صدري وأضنى بها جسمي .. فقال ألم تعلم بأن حوادثي .. إذا أشكلت ردت لمن كان ذا علم ، وهذان البيتان لا يشيد مثلهما إلا من شاد ربوع الأدب وسارع لاقتناص شوارد القريض وانتدب وهما انموذج براعته وبلاغته واقتداره على سبك ابريز الكلام وصياغته وقد صدرتهما وعجزتهما فقلت : عتبت على دهري بأفعاله التي .. براني بها برى السهام من الهم .. ليصرف عني فادحات نوائب .. أضاق بها صدري وأضنى بها جسمي .. فقال ألم تعلم بأن حوادثي .. وأخطارها اللائي تلم بذى الفهم .. يضيق بها ذو الجهل ذرعاً وإنما .. إذا أشكلت لمن كان ذا علم.
ابنه القاضي عبد الجواد المنوفي ، جواد علم لا يكبو وحسام فضل لا ينبو سبق في ميدان الفضل أقرانه واجتلى من سعد جده ومجده قرانه ولي القضاء مرة بعد أخرى فكسى بمنصبه شرفاً وفخراً وأنفذ الأحكام وأمضاها وأسخط من خالف الشريعة وأرضاها ثم تقلد منصب الفتوى فبرز فيها إلى الغاية القصوى مع تحليه بالامامة والخطابه والهمة التي ملأ بها من الثناء وطابه.
وكانت له عند شريف مكة المنزلة العليا والمكانة التي تنافسه فيها الدنيا ولم يكن يفارقه في حضر ولا سفر وشهوره ربيع وشهور حساد صفر وما زال راقياً ذرى العز والجلاله ساحباً على قمم المعالي أردانه وأذياله حتى انقضت أيامه وسنونه ودعاه داعي الأجل فأجاب منونه فتوفى خامس شوال سنة ثمان وستين وألف بالطائف الميمون ودفن به.
وأما أدبه فروض تبسمت أزهاره وجرت بسلسبيل الاحسان أنهاره تحسد النثرة نثره وتغبط الشعرى شعره ، فمن نثره ونظمه ما راجع به الوالد من مكة المشرفة وهو بالطائف سنة إحدى وخمسين وألف صورته : يا ابن الأئمة من ذؤابة هاشم .. شرف سما بفروعه وأصوله .. ماذا يقول المادحون وقد أتى .. بمديحك القرآن في تنزيله .. أقبّل الأرض من بُعدٍ وإن سمحت .. له الليالي بقرب قبّل القدما.
وأنهى إلى حضرته العلية التي هي قطب دائرة الكمال محط الرحال ومحيط بحور الشعر الذي هو السحر الحلال لا زالت الفضلاء تستمد من عناياته وتقابل نسخ المعارف على صقيل مرآته آمين ، أنه وصل إلى العبد الداعي النظم الرائق واتصل بشاكر جميل تلك المساعي النظام الفائق الذي نثر من أسرار أوصافكم درراً ونشر من آثار أنصافكم حبراً فسرح الناظر طرفه في در منثوره فتمتع في أنيق رياض سطوره فلم يدر أروض نشر فروع ورد وعبهر أم يلد بليغ رصعت عقود در وجوهر فارتشف من زلال أسراره ما زاده إخلاصاً وتمكيناً وتحقق صدق ما قيل.
ورب غراء لم تنظم قلائدها .. إلا لتحمد فيها الهاشميينا .. أغناهم عن صفات المادحين لهم .. مدائح الله في طه وياسينا .. إن ادّعوا جاءت الدنيا مصدقة .. وإن دعوا قالت الأيام آمينا ، لا زالت فضائلكم على منصات عرائس الفوائد تجلى ولا برحت فواضلكم على منابر جوامع مجامع الذكر تنشر وتتلى.
قسماً بما أوليت من حسن الشيم .. وجنيت من غرر المعارف والهمم .. لم أرض من اكبار نظمك عندما .. قابلته أني أقبله بغم .. بل صغته تاجاً لمفرق جبهتي .. ووضعته حاشاه من وضع علم .. وبدت بديهتي العجولة إذ زهت .. بعلاه قائلة تفاءل من نظم .. هذا نظام الدين فزت بنظمته .. أم سجع قمري نعمت بنغمته .. أم زهر نسرين تدلى نوره … فسرى النسيم لنا بطيّب نفحته.
نعتذر لسيدنا فيما أبديناه من هذيان تمجه المسامع ولا لقبله الطباع فغايته الحيلة على تحريك سلاسل مراسلاتكم العذبة لتتشرف بالنظر إليها العيون وتتشنف بسماعها الأسماع ، يسر الله لكم العود إلى أشرف البقاع ومتعنا بمشاهدة تلك الطلعة الشريفة المتفق على شرفها الاجماع والله يبقى المولى ومقامه مقام إبراهيم رزقاً وأماناً محفوظاً ومحروساً مؤيداً بالله معاناً مصوناً في الخمس من الست بالسبع عالياً مكانه علو الشمس وحماه المفرد محفوظ وما حواه من سالم الجمع آمين.
وقد وصل ما تفضل به مولانا وكان من أعز ما وصل وحصل به من أنواع المسرة والفرح ما حصل فالله تعالى يجزل لسيدنا المنة ويطعمه بعد العمر الطويل من ثمار الجنة والأيادي الكريمة والاقدام مقبلة على الدوام والسلام ، حرر في ٢٢ ثاني الربيعين لسنة ١٠٥ وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.
فراجعه سيدي الوالد عن هذه القصيدة بقوله : يا طائراً أشجي الفؤاد بنغمته .. ما هاج نوحك يا هتوف بدمنته .. هل هبت الأرواح من ذي ضارج .. أم ذا نسيم الغور عاد بنفحته .. أم قد ذكرت فروع بانات الحمى .. وتجاوب الأطيار فيه بسحرته .. إذ رحت تذكرني بلحن مسجع .. زمناً حويت الأنس فيه برمته .. زمناً أطعت الغيّ فيه وطالما .. عاد العذول مكنباً في غصته .. زمناً قضيت من الحبيب لبانتي .. وجنيت ورداً فائقاً من وجنته.
ومن شعر القاضي المذكور قوله مادحاً سلطان الحرمين الشريفين زيد بن محسن ابن الحسين ومهنئاً له بالظفر بأهل غمد وهي من غرر القصائد الطنانة : العز تحت ظلال السمر والقضب .. يوم الوغى ومساعي البيض لم تخب .. والعزم ما خضعت صعب الرقاب له .. صغراً وصارت به الأفكار في تعب .. والحزم ما دان صعباً عز مدركه .. وما بنى شرفاً يبقى مدى الحقب .. ما عز غير فتى عضب يقوم إذا .. نام العدا ويقدّ العصب أن يثب .. ولا اجتنى العز من أفنان مثمرة .. بالهام في ماقط من جحفل لجب .. إلا امرؤ همه كسب العلا وله .. سعى يقصر عنه كل ذي حسب.
قد طلقت للوغى أجفانه وسناً .. وسن حداً وجاز الحد في الطلب .. ذو غرة كغرار السيف ماضية .. وهمة في العلا تسمو على الشهب .. مثل الشريف أبي عجلان من شرفت .. به المعالي ونالت منتهى الأرب .. أبي الحسين يمين الملك ساعده .. شريف مكة عالي المجد والحسب .. حامي حمى الحرم الأعلى وطيبته .. زيد بن محسن رجوى كل ذي طلب .. خير الملوك وخير الناس قاطبة .. روح الزمان وروح الواهن الوصب .. الأشرف النسب ابن الأشرف النسب ابن .. الأشرف النسب ابن الأشرف النسب .. الهاشمي الذي سارت مكارمه .. سير الكواكب في عجم وفي عرب.
وقوله مؤرخاً هذا الظفر : نزلوا بغمد أهل ترعة إذ أتى .. شرف الملوك أبو علي وانتدب .. زعموا بأنهم إذا نزلوا به .. أنجاهم والدهر يغلب إن طلب .. وتحركوا خوفاً وظنوا إنه .. إن حاربوا عاف القتال وما حرب .. فدعاهم للصلح واستدعى بهم .. فأبوا فأرسل نحوهم جيش الطلب .. فجفوا منازلهم وخلوا دورهم .. قفراء خالية وجدوا في الهرب .. فنحاهم جند الشريف ونكلوا .. بهم وأبقوا كل دار في خرب .. فاستصغروا ذلاً وعز شريفنا .. فلذا أتى تاريخه زيد غلب.
وقد ترجم له المحبي في كتابه خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر فقال : ” عبد الْجواد بن مُحَمَّد بن أَحْمد المنوفي الْمَكِّيّ الشَّافِعِي الأديب اللوذعي كَانَ فَاضلا أديباً حسن المذاكرة أَخذ بِمَكَّة عَن علمائها وَولي بهَا مدرسة ورزق بعض مَعْلُوم من الرّوم فتعصب عَلَيْهِ جمَاعَة ومنعوه من ذَلِك فَرَحل إِلَى مصر وَأقَام بهَا وَكَانَ أَبوهُ حَيا وَكَانَ لَهُ فِي مبدأ أمره ثروة وغناء فتضايق وَلم يقر لَهُ بِمصْر قَرَار دون أَن سَافر إِلَى الرّوم فصحبه وَلَده هَذَا ثمَّ رجعا فَمَاتَ وَالِده بِالشَّام فتكدّر حَاله.
ثمَّ لحق بِالْحرم الْمَكِّيّ فتقدّم عِنْد الشريف وَبلغ رُتْبَة عالية وَقد ذكره السَّيِّد عَليّ بن مَعْصُوم فِي السلافة فَقَالَ فِي وَصفه جواد علم لَا يكبو وحسام فضل لَا ينبو سبق فِي ميدان الْفضل أقرانه واجتلى من سعد جده ومجده قرانه وَولى الْقَضَاء مرّة بعد أُخْرَى فكسى بمنصبه شرفاً وفخراً ثمَّ تقلد منصب الْفَتْوَى فبرز فِيهَا إِلَى الْغَايَة القصوى مَعَ تحليه بِالْإِمَامَةِ والخطابة والهمة الَّتِي مَلأ بهَا من الثَّنَاء وطابه وَكَانَت لَهُ عِنْد شرِيف مَكَّة الْمنزلَة الْعليا والمكانة الَّتِي لَا تنافسه فِيهَا الدُّنْيَا إِلَى أَن دَعَاهُ ربه فَقضى نحبه.
قَالَ وَقد وقفت لَهُ على رِسَالَة فِي شرح الْبَيْتَيْنِ الْمَشْهُورين وهما : من قصر اللَّيْل إِذا زرتني .. أَشْكُو وتشكين من الطول .. عدوّ شانيك وشانيهما .. أصبح مَشْغُولًا بمشغول ، أبدع فِيهَا وَأغْرب ثمَّ أورد لَهُ من شعره قَوْله : أتزعم أَنَّك الخدن المفدّى .. وَأَنت مصادق أعداي حَقًا .. إليّ إليّ فَاجْعَلْنِي صديقا .. وصادق من أصادقه محقا .. وجانب من أعاديه إِذا مَا .. أردْت تكون لي خدناً وَتبقى ، وَهُوَ ينظر إِلَى قَول الآخر : إِذا صافي صديقك من تعادي .. فقد عاداك وانفصل الْكَلَام.
وَبَينه وَبَين أهل عصره من المكيين وَغَيرهم مطارحات ومراسلات كَثِيرَة وَله فِي الْأَشْرَاف الحسنيين مُلُوك مَكَّة مدائح خطيرة أَعرَضت عَنْهَا لطولها انْتهى ، وَذكر عبد الْبر الفيومي فِي المنتزه أَن لَهُ تآليف مِنْهَا شرح على الأجرومية وتحريراته ومنشآته كَثِيرَة وَله شعر فائق مِنْهُ قَوْله من قصيدة مدح بهَا الْأَمِير مُحَمَّد بن فروخ أَمِير الْحَاج الشَّامي فِي سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَألف يتشكى من جور الزَّمَان ويلتجي إِلَيْهِ مِمَّا نابه ومطلعها : لأيّ كَمَال مِنْك مَالك أذكر .. وأيّ جميل من جميلك أشكر .. جمعت كمالاً فِي سواك مفرّقاً .. وَأَنت بِهِ فَرد وجمعك أَكثر.
وَمِنْهَا وَهُوَ مَحل الشَّاهِد : فيا أَيهَا الشهم الهزبر الَّذِي إِذا .. دَعَاهُ امْرُؤ أغناه إِذْ هُوَ مفقر .. إليّ فَمَا لي غير سوحك منجد .. أمس بوجهي بَابه وأغفر .. وَقد ضَاقَتْ الدُّنْيَا عليّ بأسرها .. وضقت بهَا ذرعاً وقفري مقفر .. وَأَنت لنا غيث إِذا شح ماطر .. وماسح يرْوى الممطرين ويمطر .. وَأَنت الَّذِي قد عَم وكف أكفه .. بِوَزْن نضار لَا بمزن يدرّر .. وسائله نيلاً وسائله تراى .. مَقَاصِد عَمَّن رامها لَيْسَ تقصر .. إليّ وَفرج مَا انطوى فِي جوانحي .. من الْهم حَتَّى بعد لَا أتأمر .. فكم لَك فِي يَوْم الوغى من مفارج .. وَمن فرج فرجتها حِين تنصر .. وَكم لَك فِي الْحجَّاج آي جميلَة .. يقصر عَنْهَا فِي منى الْفضل قَيْصر .. وَكم لَك فِينَا أهل مَكَّة من يَد .. وَمن حَسَنَات فَضلهَا لَيْسَ يحصر .. وماذا عَسى أحصى صفاتك والورى .. بأجمعهم عَن وصف فضلك تقصر.
وَكَانَ بَينه وَبَين عبد الْبر الْمَذْكُور مَوَدَّة وصداقة صُحْبَة زمن إِقَامَته بِمصْر وَقد أثنى عَلَيْهِ كثيرا قَالَ وَقد سَأَلَني عَن معنى بَيْتَيْنِ للنواجي وهما : جثثت القوافي فِي طَرِيق رضائه .. بتأسيس نظم مَا نحاه خَلِيل .. فأطنب ردف فِي الْخُرُوج بوصله .. وأوجز خصر فِي الْوَفَاء دخيل ، وضمنها قصيدة لَهُ طَوِيلَة يسْأَل فِيهَا عَن مَعْنَاهُمَا مطْلعهَا : شُرُوح متون الْمَدْح فِيك تطول .. فَكيف مقالي وَالْمقَام طَوِيل .. وَكَيف اقتفائي فِي الثَّنَاء عروضكم .. وقفر القوافي فِي مَا إِلَيْهِ وُصُول .. وَكَيف اقتطافي زهر روض مديحكم .. وجسم انتحالي فِي القريض نحيل.
قَالَ فأجبته بقصيدة تَتَضَمَّن مَعْنَاهُمَا مطْلعهَا : ترفق دليلي فالطريق طَوِيل .. وحادي ركاب الظاعنين مطيل .. عَسى يقتفي من قد تخلف إثرهم .. وَيهْدِي بهم من للرشاد يمِيل .. فطبع الموَالِي يكرمون نَزِيلهُمْ .. ويولونه الْإِحْسَان وَهُوَ نزيل .. وَأَنِّي وَإِن كَانَ الطَّرِيق مجندلاً .. فلي بِاتِّبَاع السَّابِقين وُصُول ، وَذَلِكَ ضمن رِسَالَة مَشْهُورَة سميتها الذكاء المسكي فِي جَوَاب الْفَاضِل الْمَكِّيّ قَالَ وَأرْسلت لَهُ مَكْتُوبًا وَأَنا بالروم إِلَى مَكَّة مَعَ بعض الْحجَّاج عنونته ببيتين وهما : لم أنس عهدي بكم وَالطير ساجعة .. وَالرَّوْض زاه وَربع الْحَيّ مأنوس .. وَإِن بعدتم فَإِن الْقلب عنْدكُمْ .. والجسم بالروم دون الْعود مأيوس ، وَكَانَت وَفَاته خَامِس شَوَّال سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَألف بِالطَّائِف وَدفن بِقرب تربة ابْن عَبَّاس “.

23 / شعراء المحلة
شهدت مدينة المحلة الكبرى في العصر العثماني ازدهارا في الحركة الأدبية حيث حفلت بثلاثة من كبار الشعراء عاشوا في النصف الأول من القرن الحادي عشر الهجري وهم عبد الوهاب المحلي الحنفي وعبد المنعم المحلي الطريني ومحمد بن الخياط المحلي ، وقد ذكرهم شهاب الدين الخفاجي في كتابه ريحانة الألبا وأثنى عليهم وأشاد بنتاجهم الشعري حيث كانت تربطه بهم صلة صداقة ومودة وتبادل معهم الأشعار والرسائل الأدبية.
أما عبد الوهاب الحنفي فقد روى عنه قصيدة غزلية أهداها له وأخرى يدعوه فيها إلى مشاركته في التمتع بالطبيعة في نزهة ورسالة من الخفاجي يطيب فيها خاطره بعد تعرضه لحزن أصابه ، وأما عبد المنعم الطريني فقد نقل عنه قصيدة أنشدها له وعلق عليه من وجهة النظر البلاغية حيث تناول قضية التشبيه وأنواعه وما ورد منها في القصيدة ، وأما محمد بن الخياط فقد روى عنه بيتين من الشعر باللهجة الحجازية وتناول فيها قضية لغوية حول اشتقاق الأفعال ، وتفصيل ذلك في قوله :
عبد الوهاب المحلي الحنفي : شاب غض الشباب كان لي من أجل الأصدقاء والأحباب لما قدم لمصر في طلب العلم مرتديا رداء الاغتراب وكان في عنفوان شبيبة الأمل بالمحلة إذا رجا من الدهر أملا رآه أهله ومحله وقد نسجت بيد المحاسن شملة شمائله وبهتت عيون الأزهار لربيع خمائله وقد غردت في رياض المحامد بلابله وسيف طبعه المشحوذ وقد علقت في عاتق المجد حمائله ، وفصاحته تفعل ما لا يفعله المسكر إن سكر الشباب وسكر الشراب وتخلب بما لا يؤثره السحر إن سحر النفثات وسحر الكلمات العذاب ، هو شرط النبي إذا قال حقا .. اطلبوا الخير من حسان الوجوه.
وتباشير صبح نجابته باسمة الثنايا تقول إن في الرجال بقايا وظل مجده سجج وروض فضله مدبج وجوده سحابة وطفاء سقت ظمآن القفار وأيقظ رشاشها أحداق النوار بطلعة إذا لاح سناها فالعيون من بعض أسرارها تفديه إذا تقاطر منه ماء الظرف والندا وتقول له إما منا بعد وإما فدا ، وقد جرى بيني وبينه في مضمار الصحبة بدهم الليالي والأيام طراد خيل اللهو في حلبة المحبة فحاز قصب السبق من الأقلام حيث النسيم عليل والوقت سحر وأصيل حتى قطفت يد الأجل نواره وأطفأت رياح المنية أنواره فبينما بديهته ترشف الأسماع على ظمأ زلالا فاجأه الأجل فَخِلنا موته كان ارتجالا.
فمما أملاه وطرز برده ووشاه قوله من قصيدة أهداها لي : أثغر بدا يفتر أم شنب الدهر .. زها أم سقيط الطل أم أنجم الزهر .. أم القضب في خضر البرود رواقص .. لها نقطت أيدي الغمائم بالقطر .. فارخين من تلك الكمام معصفرا .. ومن كغيد في ملابسها الخضر .. ودبج وشى الروض منها مطارفا .. مطرزة منها الكمائم بالزهر .. وولى هزيم الليل مذ سل صارما .. عليه ضياء الصبح من مغمد الفجر .. وبات يعاطيني الغزال مشنفا .. من الكأس راحا قد أذيبت من التبر.
رخيم من الأتراك هندي لحظه .. يصول بقسر وهو في غاية الكسر .. إذا رمت ضما منه ينصب عاملا .. غدا ماضيا فينا ويجزم بالهجر .. ويبعث خلفا منه شعرا منشرا .. مليح أتى في الحسن بالبعث والنشر .. وتحد ربات الشنوف وشاحه .. ومن قلق قد بات يشكو ظما الخصر .. يراضعني ثدي اللمى من مدامة .. براح لنا منه معطرة النشر .. نعمنا بها كأسا إذا ما تشعشعت .. ولاحت رأيت الشمس في راحة البدر .. كأن نثار الدر فوق كؤوسها .. رسائل ذي فضل تنظمن من شعر.
وكان ذهب في يوم نام فيه الحدثان وغفل عن صفوه رقيب الزمان إلى روضة طرزها الربيع ووشاها وصحيفة نقطها القطر لما رأى النبات حشاها والطير يبدي في قراءة أوراقها ولوعه وقد أوقد لها الزنبق في حافاتها شموعه وهي شاكرة للديم محدثة بلسان النسيم عمالها من النعم ومطرف الجو ممسك معنبر والماء فضي القميص وطيلسان الروض أخضر وقد غنت بلابلها وصفقت طربا جداولها وتضرجت خدود أزهارها الجنية وتلفعت أرداف ذوائبها بملاءتها السندسية وتعذرت أنهارها بعوارض الريحان يكاد السحر يعبدها إذا تحير في وصفها البيان.
فكتب لي يدعوني إلى التمتع بعبير شميمها وأن نعود على فرش الربا عليل نسيمها فقال : مولاي إن الروض من وشي السحب يختال في زهو الحلا على الكثب .. معنبرا ممسك الأذيال معطر الأردان بالأوصال .. مفوفا آذانه بالدرر مدبجا أكمامه بالزهر .. قد صافحت أزهاره الغمائم فضاحكتها بالربا الكمائم .. وفرك الريح على متن النهر جيوبه وفك أزرار الزهر .. وأظهرت حلا الربا بالأمطار وطارحت أشجانها الأطيار .. وقام يعلو منبر الأشجار خطيبها محرك الأوتار.
منمق الديباج قد تتوبا مطوقا مقرطفا مدملجا .. مطرزا أكمامه بالعسجد مرصعا من معدن الزبرجد .. يدعوك شوقا معربا بشجوه فكن أمامي مسرعا لنحوه .. وانف الهموم والغموم والترح واستجلب الأنس خليلي والفرح .. فهناك أوقات السرور قد دنت مبشرات بالهنا وأعلنت .. ودع مقال كل واش يعذل فالعذر حقا ليس في ذا يقبل .. ودم تكاتب برقيق الفكر عبدا على حكم الهوى في الأسر .. قد قيدته غربة الأوطان عن الدمى وخرد الغزلان .. لا زال مولانا الشهاب الثاقب لعبده وفنه يكاتب .. ما دبجت بوشيها الأقلام محبر الأوراق والسلام.
ولما فارقني لوطنه كتب إلي يشتكي أمرا نزل به فأجبته بقولي : مولاي يشتكي من الدهر وهو أبو العبر وفي المثل من سابق الدهر عثر فانتظر عقب الزمان عليك وكِل إلى الله أمر من أساء إليك فإن الدهر دول ولله جنود منها العسل وكم أغنت الوحوش عن صدمات الجيوش وما سميت الحال بالحال إلا لسرعة التحول والانتقال فأيامه يوم بيوم وحربه سجال فما عبس مساء بوجه أفقه إلا وبعده صباح يضحك عليه فم شرقه ، فأوقد مصباح فكرك إن أظلم الدجا واصبر فإن الصبر يفوح منه أرج الرجا وإن جفت قريش فلله أنصار وإن نبت بك دار فلله ديار.
وإن كان انتظار الفرج عبادة فأوقات الضيق كلها سعادة وقرب الأشرار أعظم مصائب الأسرار ولله در القائل : مرضت من الحمقى فلم أدرك المنى .. تمنيت أن أشقى برؤية عاقل ، فإن لم تجد الشفاء فالزم الاحتماء كما قيل : أرى مرض الحمقى بعدواه مهلكا .. فمن لي بذي لب به يشتفي بأسي .. يئست ولم أنظر حكيما فلا شفا .. سوى حميتي بالبعد عن سائر الناس .. جزى الله عني اليأس خير جزائه .. فإني لم أظفر بأعقل من يأسي ، وقد قلت في الفصول القصار في الترك غنى بلا منن والحمية دواء بلا ثمن ، والسلام.
عبد المنعم المحلي الطريني : أديب اجتمع بي وأنشدني ما تهز له الفصاحة أعطافها من كلمات إذا انتسبن عددن الدر أصدافها من كل عقد تبسم العقود لمحاكاة انتظامه وتحيي النفوس بماء الحياة الذي في مداد أقلامه والدر مجتلب من الظلمات ولطيف شيم ليس للرياض أخلاق كماله ولا للبدر ولو تكلف أن يحكي كماله ، وقد درس آيات الفضل وتلاها واقتنص شوارد الآداب وما تلاهى والشباب لف شمله بشمله ومراده وسعده أطوع من ظله حتى اقتنصه في ليل شبابه صياد المنية وضرب سورا بينه وبين الأمنية.
فمن نفثات أسحاره ونسمات أسجاره قوله من قصيدة أنشدنيها : أمولى به روض الفضائل مزهر .. وبائع أغصان المآثر مثمر .. لك الله من مولى به يفخر العلا .. وتشرق شمس الفضل منه وتظهر .. بشاطىء بحر الطرس منك جواهر .. ولا عجب من ذا ففكرك أبحر .. وهتان سحب الفكر هل أنت منبت .. به أي معنى من مبانيه يستر .. رفعت إليك الحال يا خير سيد .. وإن كان رفع الحال لا يتصور .. نظمت فخلناه الدراري تنظمت .. نثرت فقلنا النجم في الأفق ينثر.
علقت بظبي بابلي السحر لحظه .. فأجفانه كالبيض والقد أسمر .. لئن لاح يوما وجهه متهللا .. فهلل كل الناس من ذا وكبروا .. إذا ماس قال الغصن ما أنا قده .. ويكسف بدر التم إذ هو يسفر .. ويرزي لعمري بالغزالة في الضحى .. إذا ما رنا شزرا فلا لاح جؤذر .. تجمع كل الحسن طرا بوجهه .. ألم تر نقط الخال ختما يخبر .. وإن لص لحظي رام يسرق نظرة .. ففي جنبات الخد تبدو وتظهر .. علقت به لا عن مراد وإنما .. محاسنه نادت فلبيت أعثر .. سحرت بلحظ بابلي ولم أكن .. أظن من الألحاظ أني أسحر.
تعدت مواضي مقلتيه بمهجتي .. بعامل فذ كسره ليس يجبر .. تنازع فيه عاملا البين والقلا .. فأمسى وكل في الضمير مؤثر .. إذا قلت صلني راح بالهجر جازما .. وينصب ماضي القد والجفن يكسر .. ألين له عطفي فيزداد قسوة .. أذل له جهدي يعزو ويكبر .. بذلت له روحي ابتغاء وصاله .. فلم يرضها أذراح مني يسخر .. فهل تعلمن وقت كل كريهة .. سبيلا إلى ما أبتغيه بيسر .. فلا برحت هام العلا لك موطنا .. بأعلى سماء المجد لا زلت تخطر .. مدى الدهر ما حن المشوق لأهله .. وزمجر رعد الشوق والجفن يمطر.
وقوله رفعت إليك الحال فيه إغراب مسبوق إليه إليه كقول الصفي الحلي : رفعت حالي ورفع الحال تمتنع .. إليكم وهو للتمييز محتمل ، وأحسن منه قولي : أأشكو الحال والرزق أدرى .. بها وهو الغني عن السؤال .. وإني مخطىء إن عدت يوما .. لنحو شكاية ورفعت حالي ، قوله فلا لاح جؤذر كقول ابن مطروح : وأقول يا أخت الغزال ملاحة .. فتقول لا عاش الغزال ولا بقي ، وها هنا نكتة بيانية لم يتفطنوا لها وهو أن التشبيه البليغ له أنواع أدناها أن يدعي اتحاد ما بينهما فيحمل أحدهما على الآخر كزبد بدر ونحوه وأعلاها التجريد.
وبقي منه نوع أبلغ من كل ما ذكروه وهو أن ينفي التشبيه فيقال ما هو بحر فإنه عذب زلال يقذف الدر في كل حين والبحر إما ماء أجاج أو عذب ليس فيه در ثمين ونحوه مما هو كثير في كلامهم ، والنفي بحسب الأصل يدل على أنه في شأنه أن ينسب له في الجملة ولذا لا يقال للحائط ليس بعالم من كلام البلغاء إلا لنكتة فلذا كان تشبيها أبلغ مما عداه فاحفظه ، وقوله نثرت فقلنا الدر في الأفق ينثر ، وأحسن منه في مدح كلام منثور : وفصل من النثر البديع قراءته .. فقلت حباب تحته الخمر مسكر .. أو الطرس روض زهره متفتح .. بلى هو عقد الزهر في الصبح ينثر.
محمد بن الخياط المحلي : شاب أديب نشأ بالمحلة لم يحل أحد في خياطة حال السحر محله وكان كعبة ظرفائها وقبلة ندمائها من سابقة في طرف الرقة بعدت عليه الشقة ، فمن شعره قوله : لنا صاحب ما زال يتبع بره .. بمن وذاك البر بالمن لا يسوى .. سلوناه لا بغضا ولا عن ملالة .. ولكن لأجل المن تستعمل السلوى ، ومثله قول التلمساني : هواكم هو المن الذي ما له سلوى .. وحبكم عندي هو الغاية القصوى ، ومن محاسن الأردبيلي قوله في غلام يهودي : من آل إسرائيل علقته .. أوقعني بالصد في التيه .. قد أنزل السلوى على قلبه .. وأنزل المن على فيه.
ومثله ما قلته : بالمن لا يوزن إحسان من .. صرنا على إحسانه نقوى .. أما ترى الرزاق جل اسمه .. قد قرن المن مع السلوى ، وقوله يسوي بمعنى يساوي وقال بعضهم إنه من خطأ العوام وليس كما قالوه ففي تهذيب الأزهري بعد ما ذكر لا يساوي ما نصه : لم يعرف الفراء لا يسوي وقال الليث هي نادرة ولا يقال منها سوى ولا سوى وهي لغة أهل الحجاز وأما لا يسوي بالضم فليس بعربي صحيح انتهى.
وفي الارتشاف لأبي حيان عد البهاري فيما لا يتصرف من الأفعال يسوي وقال ابن الحاج يمعنى يساوي انتهى ، أقول قد علم مما نقلناه أن يسوي بزنة يرضي لغة صحيحة فصيحة حجازية وما ضعفها إلا ابتذالها وهي من الأفعال التي لا تنصرف أي لم يسمع منها الأفعل واحد وذلك ليكون بالاقتصار على الماضي كعشى وتبارك وقد يكون على المضارع كيسوي وينبغي في قول وإن ترك لفظ من مادة دون غيرها فأناته كماضي يدع ويذر على المشهور وهذا مما ينبغي حفظه.

24 / النوادر
(النوادر) هو اسم الشهرة لكتاب النوادر في حكايات الصالحين وعجائب المتقدمين الزواهر من تصنيف الشيخ شهاب الدين أبو العباس أَحْمد بن أَحْمد بن سَلامَة الْمصْرِيّ القليوبي الشَّافِعِي المتوفي في القاهرة عام 1069 هـ / 1659 م ، وهو فقيه وأديب وطبيب ومؤرخ عرف بالكتابة في مجالات متعددة وجمع في كتابه هذا ما يزيد على مائتين من النوادر والطرائف والمواعظ والحكم بالإضافة إلى عدد من القصص عن الخلفاء والملوك والزهاد والمتصوفة ومنها إشارة إلى قصة ألف ليلة وليلة وأصلها الفارسي.
وله مؤلفات كثيرة في مجالات عدة منها كتاب في الطب بعنوان تذكرة القليوبي في الطب والحكمة وكتاب رسالة في معرفة أسماء البلاد وعروضها وأطوالها وانحرافها (في الجغرافيا والرحلات) وكتاب النبذة اللطيفة في بيان مقاصد الحجاز ومعالمه الشريفة (في فضائل مكة والمدينة وبيت المقدس وتاريخها) وكتاب الهداية من الضلالة في معرفة الوقت والقبلة من غير آلة (في علم الفلك والتقويم) وكتاب تحفة الراغب (في التراجم) ، وله حاشية على شرح الجلال المحلي على منهاج النووي (في أصول الفقه) وكتاب أوراق لطيفة (تعليق على الجامع الصغير للسيوطي في علم الحديث).
ومن مؤلفاته الأخرى كتاب الدرة البهية على شرح المقدمة الإيساغوجية (في علم المنطق) وكتاب السراج الوهاج في شرح قصتي الإسراء والمعراج (في السيرة النبوية) وكتاب الفوائد السنية على شرح الآجرومية لخالد الأزهري (في علم النحو) وكتاب الطريقة الواضحة في أسرار الفاتحة (في علم التفسير) وكتاب الصلوات الجليلة على أشرف الخلق حبيبه وخليله (في التصوف) وكتاب الفريدة في خواص القرآن العظيم (في علوم القرآن) وكتاب المصابيح السنية في طب خير البرية (في الطب) وكتاب حاشية القليوبي على الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع (في الفقه الشافعي).
وقد ترجم له المحبي في كتابه خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر فقال : ” الشَّيْخ أَحْمد بن أَحْمد بن سَلامَة الْمصْرِيّ القليوبي الشَّافِعِي الإِمَام الْعَالم الْعَامِل الْفَقِيه الْمُحدث أحد رُؤَسَاء الْعلمَاء الْمجمع على نباهته وعلو شَأْنه وَكَانَ كثير الْفَائِدَة نبيه الْقدر أَخذ الْفِقْه والْحَدِيث عَن الشَّمْس الرَّمْلِيّ ولازمه ثَلَاث سِنِين هُوَ منطقع ببيته ولازم النُّور الزيَادي وَسَالم الشبشيري وعليا الْحلَبِي والسبكي وَغَيرهم من مشاهير الشُّيُوخ وَعنهُ مَنْصُور الوخي وَإِبْرَاهِيم الْبرمَاوِيّ وَشَعْبَان الفيومي وَغَيرهم من أكَابِر الشُّيُوخ.
وَكَانَ مهاباً لَا يَسْتَطِيع أحد أَن يتَكَلَّم بَين يَدَيْهِ إِلَّا وَهُوَ مطرق رَأسه وجلا مِنْهُ وخوفا وَلَا يتَرَدَّد أحد من الكبراء وَيُحب الْفُقَرَاء وَلَا يقبل من أحد صَدَقَة مُطلقًا بل كَانَ فِي غَالب أوقاته يرى متصدقاً وَلَيْسَ لَهُ وظائف وَلَا معاليم وَمَعَ ذَلِك كَانَ فِي أرغد عَيْش وَأطيب نعيم وَكَانَ متقشفاً ملازماً للطاعات وَلَا يتْرك الدَّرْس جَامعا للعلوم الشَّرْعِيَّة متضلعاً من الْعُلُوم الْعَقْلِيَّة وَأما مَعْرفَته بِالْحِسَابِ والميقات والرمل فأشهر من أَن تذكر وإمامته فِي الْعُلُوم الحرفية وتصرفه فِي الأوفاق والزابرجا وَغير ذَلِك من الْفُنُون فَذَلِك أَمر مَشْهُور.
وَكَانَ فِي الطِّبّ ماهراً خَبِيرا وَكَانَ حسن التَّقْرِير ويبالغ فِي تفهيم الطّلبَة ويكرر لَهُم تَصْوِير الْمسَائِل وَالنَّاس فِي درسه كَأَن على رُؤْسهمْ الطير وَألف مؤلفات كَثِيرَة عَم نَفعهَا مِنْهَا حَاشِيَة على شرح الْمِنْهَاج للجلال الْمحلي وحاشية على شرح التَّحْرِير لشيخ الْإِسْلَام وحاشية على شرح أبي شُجَاع لِابْنِ قَاسم الْغَزِّي وحاشية على شرح الأزهرية وحاشية على شرح الشَّيْخ خَالِد على الأجرومية وحاشية على شرح ايساغوجي لشيخ الْإِسْلَام ورسالة فِي معرفَة الْقبْلَة بِغَيْر آلَة وَكتاب فِي الطِّبّ جَامع ومناسك الْحَج وَغير ذَلِك من الرسائل والتحريرات المفيدة.
وَكَانَت وَفَاته فِي أَوَاخِر شَوَّال سنة تسع وَسِتِّينَ ، والقليوبي بِفَتْح الْقَاف وَسُكُون اللَّام وَضم الْيَاء الْمُثَنَّاة من تحتهَا وَسُكُون الْوَاو وَبعدهَا بَاء مُوَحدَة نِسْبَة إِلَى بليدَة صَغِيرَة بَينهَا وَبينا لقاهرة مِقْدَار فرسخين أَو ثَلَاث فراسخ ذَات بساتين كَثِيرَة وَالله أعلم “.
وقد جاء في مقدمة كتاب النوادر توصيف له على يد ناسخ الكتاب حيث قال : ” أما بعد ، فهذا كتاب صغر حجمه وغزر علمه وسهل فهمه وبزغت في سماء محاسنه طروسه وأشرقت من عرائس مطالعه شموسه قد اشتمل على حكايات لطيفة فائقة وعبارات بارعة منيفة عابقة ونوادر عجيبة وفوائد ونكات غريبة وفرائد ، للأستاذ العالم العامل العلامة والملاذ الحبر البحر الكامل الفهامة الجامع لأشتات الفضائل والبارع في حل مشكلات المسائل مولانا الشيخ أحمد شهاب الدين الحوفي ثم القليوبي ، قد بلغ من الفضائل ما لا يحصى ومن التحقيق والنفع ما لا يستقصى ، أدام الله بفضله عليه جزيل حسناته وأسكنه فسيح جناته وأسبل علينا ببركاته ذيل ستره الجميل وهو حسبنا ونعم الوكيل وإليه المرجع والمآب وهو أعلم بالصواب “.
وفي كتابه تذكرة القليوبي في الطب والحكمة يستهله بمقدمة يشرح فيها أسباب الأمراض فيقول : ” بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله الذي جعل نوع الإنسان أكمل الأنواع وميزه بالنطق والإدراك والاختراع وجعل صحة بدنه وعقله سببا لوجود الانتفاع ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي اعتدل في الجسم والأخلاق والطباع وعلى آله وصحبه والأتباع.
وبعد ، فهذا مؤلف لطيف لا يجهله إنسان ولا يحتاج في معرفته إلى أعوان قد جمع ما تفرق في غيره من التصانيف وأغنى عن مراجعة ما سواه من التآليف جعله الله تعالى خالصا لوجهه ونفع به من طلب النفع منه على وجهه إنه قريب قدير وبالإجابة لمن دعاه جدير ، مرتب على مقدمة وعشرة أبواب وخاتمة.
المقدمة في معرفة الطب وما يتعلق به وهو علم يعرف به أحوال الأبدان صحة وضدها وموضوعه الأبدان وغايته بقاء الصحة ودفع الأمراض ومباحثه لا يمكن ضبطها فينبغي صرف العناية إلى ما يمكن منها.
اعلم أن جميع الأمراض إنما تحدث عن فساد المزاج بفساد بعض الأخلاط المركب منها الناشئ عن التخليط في المتناولات والهواء والأماكن والصناعات والفصول والنوم واليقظة والحركة والسكون والبدنيين والنفسيين والاحتباس والاستفراغ ، وإذا أحكم الطبيب هذه فلا فساد إلا بمشيئة الحكيم الأقدس ومعرفة ذلك محصورة في العلامات والنبض والقارورة والله أعلم “.
وقصد في كتابه بالقارورة ما يقابل في زمننا هذا تحليل البول حيث يقول : ” وأما القارورة أي لون البول فيها فالحمرة مع الغلظ علامة على غلبة الدم والبياض مع الغلظ علامة البلغم والصفرة مع الغلظ علامة السوداء والصفاء مع الرقة علامة غلبة الصفراء والحمرة الخالصة دليل الحرارة والرقة دليل اليبوسة والخضرة دليل البرودة والبياض دليل الرطوبة والصفرة الصافية علامة المرض والصفرة المعتدلة كلون الأترج وماء الجبن علامة الصحة والعافية والحمرة الصافية دليل الهم والحزن ووجع الكبد والغبرة علامة الحمى وكلون الزعفران علامة الصفراء والنتن علامة عسر البول واختلاف الألوان علامة الهلاك “.
وفي مقدمة حاشيته على شرح الجلال المحلي على منهاج النووي في الفقه يقول : ” الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا يُوَافِي نِعَمَهُ بِمَنِّهِ وَإِفْضَالِهِ، وَيُدَافِعُ نِقَمَهُ بِعِزِّهِ وَجَلَالِهِ ، وَيُكَافِئُ مَزِيدَهُ بِحُسْنِ فِعَالِهِ ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَتَابِعِيهِ فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ، مَا دَامَ الْمَوْلَى يَتَفَضَّلُ عَلَى عَبِيدِهِ بِنَوَالِهِ.
أَمَّا بَعْدُ ، فَهَذَا مَا تَيَسَّرَ جَمْعُهُ مِنْ الْحَوَاشِي عَلَى الْمِنْهَاجِ وَشَرْحِهِ لِلْجَلَالِ الْمَحَلِّيِّ ، وَعَلَى مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي الْمَنْهَجِ وَشَرْحِهِ لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ لَمْ يُنْسَجْ قَبْلَهُ عَلَى مِثَالِهِ ، مُشْتَمِلٌ عَلَى الْمُعْتَمَدِ مِنْ الْخِلَافِ فِيهِمَا ، وَمُبَيِّنٌ لِغَوَامِضِ مَا خَفِيَ مِنْ عِبَارَتِهِمَا ، وَمُنَبِّهٌ عَلَى دَفْعِ اعْتِرَاضَاتٍ مِنْهُمَا وَمِنْ غَيْرِهِمَا ، وَجَامِعٌ لِمَا تَفَرَّقَ فِي الْحَوَاشِي عَلَيْهِمَا وَغَيْرِهِمَا.
مَعَ زِيَادَاتٍ يُسَرُّ بِهَا النَّاظِرُ إلَيْهَا ، وَفَوَائِدَ مُهِمَّةٍ يَعْرِفُهَا الْمُطَّلِعُ عَلَيْهَا ، وَمُنَاقَشَاتٍ جَمَّةٍ مُحْتَاجٍ لِلْوُقُوفِ عَلَيْهَا مِمَّنْ جَرَّدَ فَهْمَهُ عَنْ التَّعَسُّفِ وَاحْتِمَالِهِ وَخَالٍ عَنْ الْحَشْوِ وَالتَّطْوِيلِ وَعَنْ الْعَزْوِ غَالِبًا لِإِرَادَةِ التَّسْهِيلِ وَكَثْرَةِ الْإِفَادَةِ وَالتَّحْصِيلِ ، وَسُرْعَةِ الِاطِّلَاعِ عَلَى الْمُرَادِ مِنْ أَقْوَالِهِ ، وَاَللَّهُ الْمَسْئُولُ فِي النَّفْعِ بِهِ عَلَى التَّعْمِيمِ ، وَأَنْ يَجْعَلَهُ خَالِصًا لِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ وَسَبَبًا لِلْفَوْزِ بِالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ فَإِنَّهُ الْقَادِرُ عَلَى ذَلِكَ بِكَرَمِهِ وَإِجَابَةِ سُؤَالِهِ وَحَسْبُ مَنْ جَعَلَهُ وَكِيلًا لَهُ فِي سَائِرِ أَحْوَالِهِ “.

25 / منتزه العيون
(منتزه العيون والألباب فى بعض المتأخرين من أهل الآداب) هو عنوان الكتاب الذي صنفه شاعر مصر في القرن الحادي عشر الهجري عبد البر بن عبد القادر الفيومي والذي ولد في مدينة الفيوم وتلقى تعليمه في القاهرة ثم رحل إلى الحجاز والشام وتوفي في إسطنبول أثناء رحلته إليها في عام 1071 هـ / 1661 م ، وهو كتاب يتناول بالنقد والتحليل شعراء عصره ودون فيها نماذج من نتاجهم الشعري ونقل لنا صورة حية عن الأدب المصري في القرن الحادي عشر الهجري.
وقد تولى الفيومي عدة مناصب في البلاط العثماني في مصر والآستانة ثم تفرغ للكتابة والتأليف حيث صنف عدة كتب ودواوين شعرية ومدائح نبوية ، ومن مؤلفاته : كتاب اللطائف المنيفة (في فضائل الحرمين) وكتاب حسن الصنيع في علم البديع وكتاب القول الوافي بشرح الكافي وكتاب بلوغ الأرب والسول بالتشرف بذكر نسب الرسول وكتاب اتحاف النبلاء بأخبار الكرماء والبخلاء ، وله قصيدة بديعية في مدح النبي صلى الله عليه وسلم ومطلعها : لما تذكرت سفح الخيف والبان .. أهلَّ دمعي وروى روضة البان.
وله رسالة في التوشيع (صورة من صور البلاغة) سماها إرشاد المطيع ورسالة سماها مشكاة الاستنارة في معنى حديث الاستخارة ورسالة في القلم وأخرى في السيف وله حاشية على شرح الهمزية لابن حجر صغيرة الحجم وله ديوان شعر لطيف ، ومن أشهر أشعاره قصيدة ميمية في الحكمة والتأمل تبلغ قرابة ثمانين بيتا وختم بها كتابه منتزه العيون ويقول في مطلعها : أهيل النقا هَل بالديار مقَام .. وَهل حَيّ سلمى مسكن ومقام ، وله قصيدة في الغزل يقول في مطلعها : تبدَّى مليك الحسن في مجلس البسط .. بقدٍّ كغصن البان أو ألف الخط.
وفي مقدمة كتابه منزه العيون يكتب عن سبب تأليفه له فيقول : ” وبعد ، فيقول الفقير عبد البر بن عبد القادر العوفي : هذه تذكرة النبلاء ومأثرة الفضلاء تشتمل على ذكر بعض المتأخرين من الأدباء والشعراء كالروضة الغناء والحديقة الفايقة الفايحة الزهراء يرتاح لمطالعتها ذو الذوق السليم ويرتاض بممارستها ذو الطبع المستقيم ، مرتبة على حروف المعجم كالطراز الملفوف المعلم ملتزما فيها ذكر ما تضمنه من الشعراء كتابي الشهاب والتقي كما ترى متعقبا متعقبا للهفوات طارحا ما لا يليق من المقامات.
ضاما ما فاتهما لعدم الإحاطة ببيانه أو نسيانا أو هضما لشانه جانحا نحو الصواب المأنوس مائلا عن التعصب وحظ النفوس مفتتحا كل حرف بعض من تقدم علمه العصر القريب سيما بهذا الجمع والترتيب منتزه العيون والألباب في بعض المتأخرين من أهل الآداب ، وذلك خدمة لمولانا شيخ الإسلام نتيجة علماء الأنام المتجلبب بلباس الفضل والدين فخر بيت آل سعد الدين مولانا العلامة أبي سعيد لا زال رافلا في ثوب عز جديد مسرورا بضوء النيرين منثورا فضله في الخافقين ، والله أسأل أن يجعل ما رقمته خالصا لوجهه الكريم وسببا للفوز بالنعيم المقيم “.
وقد ذكره المحبي في كتابه خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر وذكر جانبا من أشعاره فقال : ” عبد الْبر بن عبد الْقَادِر بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن زين الفيومي الْعَوْفِيّ الْحَنَفِيّ أحد أدباء الزَّمَان المتفوقين وفضلائه البارعين كَانَ كثير الْفضل جم الْفَائِدَة شَاعِرًا مطبوعاً مقتدراً على الشّعْر قريب المأخذ سهل اللَّفْظ حسن الإبداع للمعاني مخالطاً لكبار الْعلمَاء والأدباء معدوداً من جُمْلَتهمْ ، أَخذ الْعلم بِمصْر عَن الشَّيْخ أَحْمد الوارثي الصديقي وَالْأَدب عَن الشَّيْخ مُحَمَّد الْحَمَوِيّ والقراآت عَن الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن اليمني وَفَارق موطنه فحج أَولا وَأخذ بِمَكَّة عَن ابْن عَلان الصديقي وَكتب لَهُ إجَازَة مؤرخة بأواخر ذِي الْحجَّة سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَألف.
ثمَّ دخل دمشق وحلب فِي سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَأخذ بحلب عَن النَّجْم الحلفاوي الْأنْصَارِيّ وَلَزِمَه للْقِرَاءَة عَلَيْهِ فِي شرح الدُّرَر فِي الْفِقْه مَعَ حَاشِيَة الوافي وَشرح ابْن ملك على الْمنَار مَعَ حَوَاشِيه الثَّلَاث عزمي زَاده وقرا كَمَال والرضي بن الْحَنْبَلِيّ الْحلَبِي وَشرح الجامي مَعَ حَاشِيَته لعبد الغفور ومختصر الْمعَانِي مَعَ حَاشِيَته للخطائي ثمَّ خرج إِلَى الرّوم فورد مورد الْعَلامَة أبي السُّعُود الشعراني وَقَرَأَ عِنْده جَامع الْأُصُول للربيع اليمني وَهُوَ فِي تَحْرِير الْأَحَادِيث وَشرح الهمزية لِابْنِ حجر بِتَمَامِهِ وَنصف سيرة الْخَمِيس أَو قَرِيبا مِنْهُ وجانباً من فتاوي قَاضِي خَان وَبَعض فَرَائض السِّرَاجِيَّة وَكَثِيرًا من مبَاحث التَّفْسِير وَأَجَازَهُ.
وَلزِمَ الشهَاب الخفاجي فَقَرَأَ عَلَيْهِ بعض شرح الْمِفْتَاح للتفتازاني وَبَعض شرح نَفسه على الشفا وَكتب لَهُ خطه على هَامِش الْكِتَابَيْنِ وَلما ولي قَضَاء مصر استصحبه مَعَه إِلَى صلَة رَحمَه واستنابه بَين بَابي الْفَتْح والنصر وصيره معيداً لدرسه فِي حَاشِيَته على تَفْسِير الْبَيْضَاوِيّ وَفِي شرح صَحِيح مُسلم للنووي ، وَأخذ بالروم عَن الْمولى يُوسُف بن أبي الْفَتْح الدِّمَشْقِي إِمَام السُّلْطَان وَولي من المناصب إِفْتَاء الشَّافِعِيَّة بالقدس مَعَ الْمدرسَة الصلاحية وَدخل دمشق وَأقَام بهَا فِي حجرَة بِجَامِع المرادية نَحْو سنتَيْن.
وَلم يقدر على الدُّخُول إِلَى الْقُدس خوفًا من الشَّيْخ عمر بن أبي اللطف مفتي الشَّافِعِيَّة قبله ثمَّ لما مَاتَ الشَّيْخ عمر ترحل إِلَيْهَا وَمكث بهَا أَيَّامًا وَلما لم ينل حَظه من أَهلهَا ترك الْفَتْوَى والتدريس وَرَأى الْمصلحَة فِي الرُّجُوع إِلَى الرّوم فانتقل إِلَيْهَا وَأقَام بهَا مُدَّة ثمَّ انتظم فِي سلك الموَالِي فولي بعض مناصب وَمَات وَهُوَ مَعْزُول عَن ساقز ، وَله تآليف كَثِيرَة حَسَنَة الْوَضع أشهرها كِتَابه منتزه الْعُيُون والألباب فِي بعض الْمُتَأَخِّرين من أهل الْآدَاب جعله على طَريقَة الريحانة إِلَّا أَنه رتبه على حُرُوف المعجم وَجمع فِيهِ بَين شعراء الريحانة وشعراء المدائح الَّذِي أَلفه التقي الفارسكوري وَزَاد من عِنْده بعض متقدميه وَبَعض عصريين وَهُوَ مَجْمُوع لطيف.
وَفِيه يَقُول الأديب يُوسُف البديعي : كتاب ذِي الْفضل عبد الْبر منتزه الْعُيُون .. أحسن تأليف وَمُنْتَخب .. حوى محَاسِن أَقوام كَلَامهم .. فِي النّظم والنثر يلفى زبدة الْأَدَب .. رأى البديعي مَا فِيهِ فحقق أَن .. مَا مثل رونقه فِي سَائِر الْكتب ، وَله حَاشِيَة على شرح الْهمزَة لِابْنِ حجر صَغِيرَة الحجم وَكتاب بُلُوغ الأرب والسول بالتشرف بِذكر نسب الرَّسُول وَكتاب اللطائف المنيفة فِي فضل الْحَرَمَيْنِ وَمَا حولهما من الْأَمَاكِن الشَّرِيفَة وَكتاب حسن الصَّنِيع فِي علم البديع.
وَله بديعية على حرف النُّون وَشَرحهَا ومطلعها : لما تذكرت سفح الْخيف والبان .. أهلّ دمعي وروّى رَوْضَة البان ، وَقد عَارض فِيهِ بديعية شَيْخه الْحَمَوِيّ ومطلع قصيدته : هجري على ولي وصل بأحياني .. أماتني الهجر جَاءَ الْوَصْل أحياني ، وَله رِسَالَة فِي التوشيع سَمَّاهَا إرشاد الْمُطِيع ورسالة سَمَّاهَا مشكاة الاستنارة فِي معنى حَدِيث الاستخارة ورسالة فِي الْقَلَم وَأُخْرَى فِي السَّيْف وَله شعر كثير غالبه مسبوك فِي قالب الإجادة وَعَلِيهِ رونق الانسجام والبلاغة.
فَمن ذَلِك قَوْله : تبدّى مليك الْحسن فِي مجْلِس الْبسط .. بقدٍّ كغصن البان أَو ألف الْخط .. وَأبْدى على شَرط الْمحبَّة حجَّة .. مسلمة أَحْكَامهَا قطّ مَا تخطي .. وَمن شَرطه فِي الخدّ قبْلَة عاشق .. فَكَانَ مداد الْحسن فِي ذَلِك الشَّرْط ، اختلسه من قَول ابْن حجَّة فِي قصيدته الَّتِي قَالَهَا فِي مدح حماه : وَقد جَاءَ شَرط الْبَين أَنِّي أغيب عَن .. حماها لقد أدْمى فُؤَادِي بِالشّرطِ ، وَمن تشبيهاته : رَأَيْت يَوْمًا عجبا .. فيا لَهُ من عجب .. النُّور مبيضّاً على .. محمر لون القضب .. كخيمة من فضَّة .. على عَمُود ذهب.
وَمن ذَلِك قَوْله : انْظُر إِلَى الزهر النَّضِير العسجدي .. يَدْعُو إِلَى لَهو كوجه الأغيد .. فالورد فِي الروضات محمرّ على .. أغصانه الْخضر الحسان الميد .. ملاءة من ذهب منشورة .. من تحتهَا قَوَائِم الزبرجد ، وَله فِي الدولاب : إِنَّمَا الدولاب فِي دوره .. يهيم من شوق وأشجان .. ينوح حزنا وَيرى باكياً .. بأعين تهمى على البان.
قَالَ وَلما وَردت بروسة وَرَأَيْت الْحمام الخلقي الَّذِي يُقَال لَهُ قبلجة وَهُوَ مَاء حَار يخرج من تَحت جبل عَال قلت : وَمَاء لَهُ طبع الْحَرَارَة خلقَة .. من الْجَبَل الصلد الْعَظِيم لقد سلك .. إِلَى كل حَوْض مستدير موسع .. ترَاهُ مدَار المَاء ملعبه السّمك .. تَدور بِهِ الْولدَان طالعة وَقد .. تغيب كشأن النيرين من الْفلك ، وَقلت فِيهِ أَيْضا وَهُوَ معنى حسن : وحوض كَبِير مستدير وماؤه .. حرارته بالطبع للبرد دافعه .. أحاطت بِهِ الأقمار من كل جَانب .. وَمن أفقه شمس المحاسن طالعه.
وَمن لطائف شعره قَوْله فِي الْغَزل : لي حبيب قد سالماه .. عذباً وطرفاه سالماه .. فيا خليلاي عذر صب .. جواداً وَإِلَّا فسالماه .. فالطرف هام من التَّجَافِي .. طول اللَّيَالِي قد سَالَ ماه .. وَسَاكن الْقلب مذرآه .. يهيم بالوجد سَالَ مَا هُوَ ، الأول سَاءَ بِالْهَمْزَةِ مَقْصُور للشعر ولمى أَي الرِّيق فَاعل وإساءته مَنعه لوارده وَالثَّانِي مَاض وَالْألف للتثنية وَالثَّالِث أَمر لاثْنَيْنِ وَالرَّابِع من الإسالة وَالْمَاء قصر للضَّرُورَة وَالْخَامِس من السُّؤَال سهلت الْهمزَة ضَرُورَة وَمَا سُؤال على سَبِيل تجاهل الْعَارِف.
وَمن شعر الفيومي قَوْله فِي الْغَزل : حبيب لَهُ جسمي وقلبي رَاغِب .. ولي مِنْهُ هجر وَهُوَ للوصل رَاهِب .. لَهُ من غرامي فِي فُؤَادِي أعين .. ولي من جفاه والتباعد حَاجِب .. نزيل الحشا لم يرع مثوى بِهِ نشا .. وَكَيف انتشى والوجد للصب ناصب .. وَلم طبعه لم يكْسب الْخَفْض بُرْهَة .. من الجفن والولهان للكسر كاسب .. لَهُ فِي عيوني من رقيبي حارس .. وَمن خاطري خل وفيّ وَصَاحب.
وَله من فصل فِي (غُضُون شكاية من الزَّمن) : قد كَانَ الْفضل فِي المراقي من نصل عُيُون الدَّهْر هُوَ الراقي والترقي فِي الْأَدَب بِهِ التوقي من النصب والوصب وكل هَذَا ذهب وانحصر الدَّوَاء فِي الْفضة وَالذَّهَب فالمفلحون فِي خبايا النُّقُود قعُود والمفلسون فِي زَوَايَا الخمول رقود فدع فضل الْعلم والحسب وَاسع أَن يكون لَك من المَال خير نشب فقد كَانَ الْأَدَب وَدِيعَة واسترد وَصَارَ الدِّرْهَم مرهماً ولبرء سَاعَة استعد وَمن هَذَا الْقَبِيل قَول زين الدّين بن الْجَزرِي من مقامة لَهُ قد كَانَ شراب الْأُصُول يداوي العليل والآن لَيْسَ فِي غير الديناء شِفَاء للغليل ألم تسمع أَن الدَّرَاهِم لجروح الْعَدَم مراهم وَقد استردّت الْأَيَّام ودائع المكارم والكرام يحسن فِي هَذَا الْمقَام قَول ابْن أبي الْفَتْح الإِمَام السلطاني : أهل الْعُلُوم ذَهَبُوا .. وَلَيْسَ إِلَّا الذَّاهِب.
ولعَبْد الْبر وَهُوَ معنى مليح : فكري وعقلي عنْدكُمْ وبكم .. قد صرت فِي شغل وَفِي سكر .. فاعجب لمن كتبت أنامله .. خطا بِلَا عقل وَلَا فكر ، وَله : قَالَ لي شخص رَأَيْت العجبا .. صدر الْجُهَّال فَوق الأدبا .. قلت شَأْن الدَّهْر لَا يهوى فَتى .. فَاضلا حَاز الْهدى والأدبا .. كَيفَ حَال الصب مَعَ حجاجهم .. حَيْثُ أرْضى عجمهم والعربا ، وَمن شعره قَوْله فِي الحكم : إِذا مَا رَأَيْت لَهُم شدَّة .. لبست لدهري ثوب النمر .. وَإِن هم من اللطف فِي حلَّة .. لبست لِبَاس اللَّطِيف السمر .. فراع الزَّمَان وأحواله .. وَحَال اللَّطِيف وَحَال الأشر.
ولعَبْد الْبر وَهُوَ معنى بديع : قد قيل أَن المَال عقل الْفَتى .. بِهِ لَهُ التصريف فِي النَّقْل .. فَقلت لَا تعجب فكم فِي الورى .. من عَاقل أضحى بِلَا عقل ، وَله من مَقْصُورَة عَارض بهَا مَقْصُورَة ابْن دُرَيْد الْمَشْهُورَة ومطلع مقصورته : أيا مهاة قد رعت بالمنحنى .. حشاشة الرَّاعِي بِأَكْنَافِ اللوى .. هَل وَقْفَة وَلَو قَلِيل بَعْدَمَا .. جرت على الصب تباريح الجوى .. فَتى كئيب والهوى أَحْكَامه .. عجسة إِن كَانَ سخطًا أَو رضى .. محاه حب الغيد محواً فانبرى .. وَلَا يرى إِلَّا المنايا فِي المنى.
وَله فِي الخضوع : يَا من لَهُ مهجتي رق ولي شرف .. بأنني عَبده جهري وإسراري .. عتقت قلبِي من زيغ وَمن زلل .. وَعتق ذِي سفه فِيمَا بَقِي ساري .. مننت باللطف فِي الأولى وَلَا عجب .. أَن تعْتق الْجِسْم فِي الْأُخْرَى من النَّار.
وَله قصيدة ميمية عَارض بهَا ميمية شَيخا الْإِسْلَام أبي السُّعُود الْعِمَادِيّ الَّتِي مطْلعهَا : أبعد سليمى مطلب ومرام .. وَغير هَواهَا لوعة وغرام ، ومطلع قصيدته هُوَ هَذَا : أهيل النقا هَل بالديار مقَام .. وَهل حَيّ سلمى مسكن ومقام ، وَهِي طَوِيلَة تنوف على ثَمَانِينَ بَيْتا وَقد تَضَمَّنت حكما كَثِيرَة وَلَوْلَا طولهَا لذكرتها كلهَا وَقد ختم كِتَابه المنتزه بهَا.
وَلم يذكر بعْدهَا إِلَّا تَارِيخ ابْتِدَاء إنشائه لهَذَا الْكتاب وَهُوَ يَوْم الْخَمِيس سادس عشر صفر سنة خمس وَخمسين وتاريخ الْفَرَاغ من تبييضه كُله وَهُوَ يَوْم الْأَحَد حادي عشري الْمحرم سنة سِتِّينَ وَألف وَكَانَت وَفَاته فِي سنة إِحْدَى وَسبعين وَألف بقسطنطينية والفيومي نِسْبَة إِلَى الفيوم وَهِي بَلْدَة مَشْهُورَة فِي إقليم مصر وَأَبوهُ عبد الْقَادِر سَيَأْتِي قَرِيبا إِن شَاءَ الله تَعَالَى “.

26 / الجوهر المصون
(الجوهر المصون) هو الاسم المختصر لأحد كتب علم القراءات والتجويد وهو كتاب (الجوهر المصون في جمع الأوجه من الضحى إلى قوله تعالى : ﴿ وأولئك هم المفلحون ﴾ من طريقي الشاطبية والدرة) من تأليف العلامة أبي العزائم سلطان بن أحمد بن سلامة المزاحي المصري ، وهو من كبار علماء القراءات بمصر في العصر العثماني ولد في عام 985 هـ / 1577 م بقرية منية مزاح من أعمال الدقهلية (ميت مزاح الحالية مركز المنصورة) وتوفي عام 1075 هـ / 1664 م بالقاهرة ودفن في قرافة المجاورين وتتلمذ على يديه قرابة عشرين من شيوخ عصره ومن كبار علماء الأزهر وقتها.
وله عدد كبير من المؤلفات في نفس المجال تتجاوز عشرة كتب منها كتاب مقدمة في القراءات الأربع الزائدة على العشر (من طريق القباقبي) وكتاب أجوبة المزاحي أجاب بها على عشرين مسألة رفعها إليه بعض المقرئين وكتاب تحرير الطرق والروايات فيما تيسر من الآيات في وجوه القراءات وكتاب يشتمل على جميع الأوجه التي بين السور للقراء السبع من طريق الطيبة وكتاب مسائل في القراءات وكتاب حكم قراءة البسملة في أجزاء براءة (سورة التوبة) وكتاب رسالة تتعلق بقوله تعالى : ﴿ آلآن ﴾ ، وله كتاب في الفقه هو حاشية المزاحي على فتح الوهاب شرح منهج الطلاب.
وقد ترجم له المحبي في كتابه خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر فقال : ” سُلْطَان بن أَحْمد بن سَلامَة بن إِسْمَاعِيل أَبُو العزائم المزاحي الْمصْرِيّ الْأَزْهَرِي الشَّافِعِي إِمَام الْأَئِمَّة وبحر الْعُلُوم وَسيد الْفُقَهَاء وخاتمة الْحفاظ والقراء فريد الْعَصْر وقدوة الْأَنَام وعلامة الزَّمَان الْوَرع العابد الزَّاهِد الناسك الصوام القوام قَرَأَ بالروايات على الشَّيْخ الإِمَام المقرىء سيف الدّين بن عَطاء الله الفضالي بِفَتْح الْفَاء الْبَصِير.
وَأخذ الْعُلُوم الدِّينِيَّة عَن النُّور الزيَادي وَسَالم الشبشيربي وَأحمد بن خَلِيل السُّبْكِيّ وحجازي الْوَاعِظ وَمُحَمّد القصري تلميذ الشَّمْس مُحَمَّد الشربيني الْخَطِيب واشتغل بالعلوم الْعَقْلِيَّة على شُيُوخ كثيرين ينيفون على ثَلَاثِينَ وأجيز بالإفتاء والتدريس سنة ثَمَان بعد الْألف وتصدر بالأزهر للتدريس فَكَانَ يجلس فِي كل يَوْم مَجْلِسا يقرى فِيهِ الْفِقْه إِلَى قبيل الظّهْر وَبَقِيَّة أوقاته موزعة لقِرَاءَة غَيره من الْعُلُوم وانتفع النَّاس بمجلسه وبركة دُعَائِهِ وطهارة أنفاسه وَصدق نِيَّته وصفاء ظَاهره وباطنه وموافقة قَوْله لعمله.
وَأخذ عَنهُ جمع كثير من الْعلمَاء الْمُحَقِّقين مِنْهُم الشَّمْس البابلي والعلامة الشبراملسي وَعبد الْقَادِر الصفوري وَمُحَمّد الخباز البطنيني الدمشقيان وَمَنْصُور الطوخي وَمُحَمّد البقري وَمُحَمّد بن خَليفَة الشَّوْبَرِيّ وَإِبْرَاهِيم المرحومي وَالسَّيِّد أَحْمد الْحَمَوِيّ وَعُثْمَان النحراوي وشاهين الأرمناوي وَمُحَمّد البهوتي الْحَنْبَلِيّ وَعبد الْبَاقِي الزّرْقَانِيّ الْمَالِكِي وَمِنْهُم أَحْمد البشبيشي وَغَيرهم مِمَّن لَا يُحْصى كَثْرَة وَجَمِيع فُقَهَاء الشَّافِعِيَّة بِمصْر فِي عصرنا لم يَأْخُذُوا الْفِقْه إِلَّا عَنهُ وَكَانَ يَقُول من أَرَادَ أَن يصير عَالما فليحضر درسي لِأَنَّهُ كَانَ فِي كل سنة يخْتم نَحْو عشرَة كتب فِي عُلُوم عديدة يقْرؤهَا قِرَاءَة مفيدة.
وَكَانَ بَيته بَعيدا من الْجَامِع الْأَزْهَر بِقرب بَاب زويلة وَمَعَ ذَلِك يَأْتِي إِلَى الْأَزْهَر من أول ثلث اللَّيْل الْأَخير فيستمر يُصَلِّي إِلَى طُلُوع الْفجْر ثمَّ يُصَلِّي الصُّبْح إِمَامًا بِالنَّاسِ وَيجْلس بعد صَلَاة الصُّبْح إِلَى طُلُوع الشَّمْس لإقراء الْقُرْآن من طَرِيق الشاطبية والطيبة والدرة ثمَّ يذهب إِلَى فسقية الْجَامِع فيتوضأ وَيُصلي وَيجْلس للتدريس إِلَى قرب الظّهْر هَذَا دأبه كل يَوْم وَلم يره أحد يُصَلِّي قَاعِدا مَعَ كبر سنه وَضَعفه ، وَألف تآليف نافعة مِنْهَا حَاشِيَته على شرح الْمنْهَج للْقَاضِي زَكَرِيَّا فِي فقه الشَّافِعِي كَانَت بقيت فِي نسخته فجردها تِلْمِيذه الشَّيْخ مُطَاوع وَله مؤلف فِي القراآت الْأَرْبَع الزَّائِدَة على الْعشْر من طَرِيق القباقبي.
وَذكره الْعَلامَة أَحْمد العجمي الْمُقدم ذكره فِي مشايخه الَّذين أَخذ عَنْهُم وَأطَال فِي تَرْجَمته وَذكره الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى فِي رحلته فَقَالَ فِي وَصفه شيخ الْقُرَّاء بِالْقَاهِرَةِ على الْإِطْلَاق ومرجع الْفُقَهَاء بالِاتِّفَاقِ رَافع لِوَاء مَذْهَب الإِمَام مُحَمَّد بن إِدْرِيس الْهمام من حَظه فِي الْعُلُوم موفور وسعيه فِيهَا مشكور ومعوّل عَلَيْهِ فِي منقولها ومطلع على فروعها وأصولها مَنْهَج الطلاب وقدوة أَرْبَاب الْفَرَائِض والحساب لم يُغَادر من قَوَاعِده كَبِيرَة وَلَا صَغِيرَة إِلَّا أحصاها وَلم يدع من مسَائِله جليلة وَلَا حقيرة إِلَّا استولى عَلَيْهَا وحواها قد رَجَعَ عُلَمَاء الْعَصْر إِلَى مقاله وعالهم بموائد فَوَائده فَأَصْبحُوا فِي هَذَا الْفَنّ من عِيَاله وَلَا غرو فَإِنَّهُ الْآن لعلماء الْأَزْهَر سُلْطَان.
وَكَانَت وِلَادَته فِي سنة خمس وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة وَتُوفِّي لَيْلَة الْأَرْبَعَاء سَابِع عشري جُمَادَى الْآخِرَة سنة خمس وَسبعين وَألف ، وَتقدم للصَّلَاة عَلَيْهِ الشَّمْس البابلي وَدفن بتربة المجاورين وَقيل فِي تَارِيخ وَفَاته : شَافِعِيّ الْعَصْر ولي .. وَله فِي مصر سُلْطَان .. فِي جُمَادَى أرخوه .. فِي نعيم الْخلد سُلْطَان ، والمزاحي بِفَتْح الْمِيم وَتَشْديد الزَّاي وَبعدهَا ألف وحاء مُهْملَة نِسْبَة إِلَى منية مزاح قَرْيَة بِمصْر “.
وذكره الساعاتي في كتابه إمتاَعُ الفُضَلاء بتَراجِم القرّاء فِيما بَعدَ القَرن الثامِن الهِجري فقال : ” سلطان المزّاحي ، هو الشيخ سلطان بن أحمد سلامة بن إسماعيل أبو العزائم المزاحي المصري الأزهري الشافعي إمام الأئمة وبحر العلوم وسيد الفقهاء وخاتمة الحفاظ والقراء ، فريد العصر وقدوة الأنام علامة الزمان الورع العابد الزاهد الناسك الصوّام القوَّام ، ولد عام 985 هـ خمسة وثمانين وتسعمائة من الهجرة بجمهورية مصر العربية.
حياته العلمية : حفظ القرآن الكريم وأتقنه، ثم تلقى علم القراءات العشر من الشاطبية والدرة والطيبة، وتلقى العلوم الدينية وجد واجتهد حتى أصبح من العلماء البارزين واشتغل بالعلوم العقلية علي شيوخ كثيرين ينيفون علي ثلاثين ، وأجيز بالإفتاء والتدريس عام 1008هـ ثمانية وألف من الهجرة ، وتصدر بالأزهر للتدريس، فكان يجلس في كل يوم مجلساً يقرئ فيه الفقه إلى قبيل الظهر، وبقية أوقاته موزعة لقراءة غيره من العلوم، وانتفع الناس بمجلسة وبركة دعائه وطهارة أنفاسه وصدق نيته وصفاء ظاهره وباطنه وموافقة قوله لعمله.
وكان في كل سنة يختم نحو عشرة كتب في علوم عديدة يقرؤها قراءة مفيدة، وكان بيته بعيداً من الجامع الأزهر بقرب باب زويلة، ومع ذلك يأتي إلى الأزهر من أول ثلث الليل الأخير، فيستمر يصلي إلى طلوع الفجر، ثم يصلي الصبح إماماً بالناس ويجلس بعد صلاة الصبح إلى طلوع الشمس لإقراء القرآن من طريق الشاطبية والدرة والطيبة ، ثم يذهب إلى فسقية الجامع فيتوضأ ويصلي ويجلس للتدريس إلى قرب الظهر، هذا دأبه كل يوم ولم يره أحد يصلي قاعداً مع كبر سنه وضعفه.وكان شيخ الإقراء بالقاهرة
شيوخه : الشيخ الإِمام المقرئ سيف الدين بن عطاء الله الفضالي قرأ عليه القرآن الكريم بالروايات والقراءات العشر الصغرى والكبرى ، النور الزيادي ، سالم الشبشيري ، أحمد خليل السبكي ، حجازي الواعظ ، محمد القصري ، خمستهم تلقى عنهم العلوم الدينية وغيرها.
تلاميذه : أخذ عن الشيخ جمع كثير من العلماء المحققين منهم : العلامة علي الشبراملسي ، عبد القادر الصفوري الدمشقي ، محمَّد الخباز البطنيني الدمشقي ، منصور الطوخي ، محمَّد البقري ، محمَّد بن خليفة الشوبري ، إبراهيم المرحومي ، السيد أحمد الحموي ، عثمان النحراوي ، شاهين الأرمناوي ، محمَّد البهوتي ، عبد الباقي الزرقاني المالكى ، أحمد البشبيشي ، وغيرهم ممن لا يحصى كثرة، وجميع فقهاء الشافعية في عصره.
مؤلفاته : حاشية علي شرح المنهج للقاضى زكريا في الفقه الشافعي ، كتاب في القراءات الأربع الزائدة علي العشر من طريق القباقبي ، الجوهر المصون ، مسائل وأجوبتها ، أجوبة عن أسئلة وردت إليه في القراءات ، رسالة في أجوبة المسائل العشرين التي رفعها بعض المقرئين.
وفاته : توفي ليلة الأربعاء في 17/ 6/ 1075هـ السابع عشر من شهر جمادي الآخرة عام خمسة وسبعين وألف من الهجرة وتقدم للصلاة عليه الشمس البابلي، ودفن بتربة المجاورين “.

27 / ذيل لب اللباب في تحرير الأنساب
من أهم كتب علم الأنساب في العصر العثماني كتاب ذيل لب اللباب في تحرير الأنساب من تصنيف الشيخ العلامة المحدث أحمد بن محمد العجمي الشافعي المصري الأزهري الذي ولد في مصر عام 1014 هـ / 1605 م وتوفي فيها عام 1086 هـ / 1675 م ، وقد تناول المؤلف الأنساب بصورة شاملة أكمل فيها عمل النسابين الكبار في تاريخ الإسلام من أمثال السمعاني وابن الأثير والسيوطي حيث كتب تعليقاته الهامة على كتاب لب الألباب للسيوطي وجمعها ودونها عنه تلميذه عبد الرحمن بن عبد العظيم الأشموني فضم خلاصة كل من سبقه من النسابين.
وقد ترجم له المحبي في كتابه خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر فقال : ” الشَّيْخ أَحْمد بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن عَليّ بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بالعجمي الشَّافِعِي الوفائي الْمصْرِيّ الإِمَام المفنن اللوذعي كَانَ من أجلاء عُلَمَاء مصر لَهُ الْفضل الباهر والحافظة القوية والذهن الثاقب وَكَانَ صَدُوقًا حسن الْعشْرَة والمحاضرة واليه النِّهَايَة فِي معرفَة التَّارِيخ وَأَيَّام الْعَرَب ونسابهم مَعَ مَا انْضَمَّ إِلَيْهِ من معرفَة بَقِيَّة الْفُنُون وَكَانَ مرجعاً لأفاضل الْعَصْر فِي مُرَاجعَة الْمسَائِل المشكلة لطول بَاعه وسعة اطِّلَاعه وَكَثْرَة الْكتب الَّتِي جمعهَا.
وَذكره شَيخنَا الخياري فِي رحلته وَأثْنى عَلَيْهِ كثيرا وَقَالَ فِي آخر تَرْجَمته وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّهُ مستجمع للْعلم والحلم والظرف ومستكمل فِي الْفضل الِاسْم وَالْفِعْل والحرف تفنن فِي الْعُلُوم الْعَقْلِيَّة والنقلية الفرعية والأصلية فَأَخذهَا عَن أَهلهَا وأوصل الْأَمَانَة إِلَى محلهَا وَقد جمع من الْكتب الْمُؤَلّفَة فِي سَائِر الْعُلُوم والفنون فأوعى وحصلها بِسَائِر أقسامها فصلا وجنساً ونوعاً بِحَيْثُ أصبح بِمصْر خزانَة الْعلم الَّذِي عَلَيْهِ فِي النَّقْل يعول واليه فِي ذَلِك يشار وعمدة الْفُضَلَاء الَّذين يردون من معِين كتبه الْبحار انْتهى.
وَذكر لي بعض الآخذين عَنهُ أَن لَهُ من التَّأْلِيف شرح ثلاثيات البُخَارِيّ ورسالة فِي الْآثَار النَّبَوِيَّة وَجمع لنَفسِهِ مشيخة رَأَيْتهَا وَعَلَيْهَا خطه ونقلت مِنْهَا فِي كتابي هَذَا كثيرا من وفيات عُلَمَاء مصر الَّذين أَخذ عَنْهُم وَهُوَ فِي الْغَالِب يَسْتَوْفِي أَخْبَار أشياخه وذكرنه فِي مبدأ أمره اجْتمع بِالنورِ الزيَادي صُحْبَة وَالِده أَحْمد مرَّتَيْنِ وَحل نظره عَلَيْهِ ثمَّ ابْتَدَأَ الِاشْتِغَال فِي سنة سبع وَعشْرين وَألف فَقَرَأَ على الشَّيْخ عَليّ الْحلَبِي صَاحب السِّيرَة والبرهان اللَّقَّانِيّ والشهاب الغنيمي وقاضي الْقُضَاة الشهَاب الخفاجي وَالشَّمْس الشَّوْبَرِيّ وسلطان المزاحي وَالشَّمْس البابلي والعلا الشبراملسي وَغَيرهم وَكَانَ الشبراملسي مَعَ جلالته يحترمه ويثني عَلَيْهِ ويراجعه فِي كثير من الْمسَائِل وَأَسْمَاء الرِّجَال.
وَأخذ طَرِيق السَّادة الوفائية عَن أبي الإسعاد يُوسُف الوفائي الْآتِي ذكره وَألبسهُ الْخِرْقَة وَأَجَازَهُ فِي غير ذَلِك من الْعُلُوم وَكَانَ خصيصاً بِهِ وبأولاده إِلَى أَن مَاتَ وَكَانَ هُوَ عِنْدهم فِي غَايَة الحظوة وَأخذ عَنهُ جمَاعَة مِنْهُم شَيخنَا الخياري الْمَذْكُور وصاحبنا الْفَاضِل إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز الجينيني ثمَّ الدِّمَشْقِي وَغَيرهمَا قَرَأت فِي مشيخته أَن وِلَادَته كَانَت فِي ثَالِث عشر رَجَب سنة أَربع عشرَة بعد الْألف وَتُوفِّي لَيْلَة الْأَرْبَعَاء ثامن عشر ذِي الْقعدَة سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَألف وَدفن بمقبرة المجاورين ، وَرَآهُ الشهَاب البشبيشي وَهُوَ كَأَنَّهُ فِي درسه لَيْلَة الْأَرْبَعَاء بعد ثَمَانِيَة أَيَّام من وَفَاته وَعَلِيهِ ثِيَاب بيض وَهُوَ فِي مجْلِس حافل فِيهِ جمع من النَّاس يَتلون الْقُرْآن عرف مِنْهُم الْمُحدث الْكَبِير الشَّمْس البابلي وَمُحَمّد بن خَليفَة الشويري رَحمَه الله تَعَالَى “.
وقد جاء في مقدمة هذا الكتاب ما نصه : ” بسم الله الرحمن الرحيم وبه ثقتي ، الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين ، أما بعد فيقول الفقير إلى الله تعالى عبد الرحمن الأُشْمُوني : هذا ما جَرَّدْتُهُ من خط شيخنا شيخ الإسلام والمسلمين سيدنا ومولانا الشيخ أحمد العجمي من هامش نسخة لب اللباب للسيوطي بعد إذن نجله مولانا شيخ الإسلام الشيخ محمد أبي العز العجمي حفظه الله وحفظ عليه من يحبه بجاه المصطفى صلى الله عليه وسلم آمين “.
وجاء في خاتمته ما نصه : ” يقول مجرده الفقير عبد الرحمن بن عبد العظيم بن عبد الرحمن بن محمد بن تقي الدين الأُشْمُوني : ” هذا آخر ما وُجِدَ بخط شيخنا خاتمة الحفاظ والمحدثين وعمدة المحققين والمدققين مولانا الشيخ أحمد بن أحمد العجمي الوفائي الوفوي رحمه الله تعالى ورحم مشايخه وأصوله وتلاميذه وذلك مما بهامش نسخته لب اللباب في تحرير الأنساب للإمام الحافظ السيوطي ، وكتب بخطه في آخر نسخته المرقومة : نُقِل ذلك من خط الشيخ محمد بن علي بن أحمد الداودي المالكي رحمه الله تعالى ، وغالب ما بهامش هذه النسخة من خطه أيضاً ثم أَلحَقْتُ أكثر مما نُقِلَ من خط الداودي ولله الحمد “.
وقد قام محقق الكتاب الأستاذ الدكتور شادي النعمان بشرح أهميته التاريخية حيث يقول في مقدمة تحقيقه : ” الحمد لله الذي أحسن كل شئ خلقه ، وبدأ خلق الإنسان من طين ، ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين ، ثم جعلهم شعوبا وقبائل ليتعارفوا ويتناصروا ، وبطونا وفصائل ليتآلفوا ويتظاهروا ، فتارة يتناسبون بالآباء والأجداد ، وطورًا بالصناعات والبلاد ، ذلك من فضل الله والله ذو الفضل العظيم ، والصلاة والسلام على رسوله محمد سيد العرب والعجم ، المرسل إلى كافة الأمم ، وعلى آله وصحبه وسلم.
أما بعد ، فإن معرفة الأنساب من أعظم النعم التي أكرم الله تعالى بها عباده ، لأن تَشَعُّبَ الأنساب على افتراق القبائل والطوائف أحد الأسباب الممهِّدة لحصول الائتلاف ، وكذلك اختلاف الألسنة والصور وتباين الألوان والفِطَر على ما قال تعالى : {وَاخْتِلاَفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ} [الروم:٢٢].
ولأهمية هذا العلم توجَّهَت عناية العلماء لإفراده بالجمع والتصنيف ، فكان كتاب الأنساب لأبي سعد عبد الكريم بن محمد بن منصور السمعاني من أعظم وأوسع وأشمل ما صُنِّفَ في هذا الباب ، حتى قال ابن الأثير في وصفه : فلو قال قائل أن هذا تصنيف لم يسبق إليه لكان صادقاً ولو زعم أنه استقصى الأنساب لكان بالحق ناطقاً.
إلا أن ابن الأثير رحمه الله حين أمعن النظر في كتاب أبي سعد رأى أنه قد أطال واستقصى حتى خرج ـ في نظره ـ عن حد الأنساب وصار بالتواريخ أشبه ، ووقف فيه على أوهام ، فشرع حينها في اختصار الكتاب والتنبيه على ما فيه من غلط وسهو فكان كتابه (اللباب في تهذيب الأنساب).
ثم جاء بعدهما الحافظ السيوطي فاختصر كتاب ابن الأثير وأورد زيادات كثيرة عليه في كتابه (لب اللباب في تحرير الأنساب) إلى أن جاء الحافظ أحمد بن أحمد العجمي فصنف ذيلا على كتاب السيوطي ، فزاد عليه زيادات كثيرة نُقَدِّمُهَا اليوم للقراء الكرام لأوَّل مرة ، محققة منقحة ؛ لتكتمل سلسلة الذيول على كتاب السمعاني ، وقد لمستُ أهمية هذا الكتاب وأنا أعمل على تحقيق كتاب (الثقات ممن لم يقع في الكتب الستة) حيث كانت تمر بي بعض الأنساب فلا أجدها إلا فيه ، فقوي العزم على إخراجه ليستفيد منه الباحثون ويعم به النفع “.

28 / المنح الرحمانية في الدولة العثمانية
عميد الأسرة البكرية بمصر في القرن الحادي عشر الهجري هو المؤرخ والأديب والمتصوف شمس الدين أبو الحسن محمد بن محمد زين العابدين أبي السُرور بن محمد أبي المكارم بن علي البكري الصديقي المصري ، ولد في القاهرة عام 998 هـ / 1588 م وتوفي فيها عام 1087 هـ / 1676 م ونشأ في بيت علم وفضل حيث والده هو الفقيه والمتصوف أبو السرور محمد البكري وجده لوالده هو الشيخ أبو الحسن البكري وجده الأعلى الخليفة الراشد أبو بكر الصديق.
وقد اشتغل البكري بالبحث والتصنيف في مجالات عدة منها التصوف والتفسير والفقه والجغرافيا والتاريخ والرياضيات وله ديوان شعر ، واكتسبت مؤلفاته التاريخية أهمية كبرى لأنها تناولت بالتفصيل تاريخ العثمانيين في مصر خلال قرن ونصف تقريبا حيث كان من كبار أعيان البلاد ومن المقربين من الولاة ومن الباب العالي وشاهد عيان ـ هو وأجداده ـ على الأحداث الكبرى وقتها بالإضافة إلى معايشته لطبقات المجتمع المختلفة من خلال ريادته لواحدة من كبرى الطرق الصوفية التي كانت منتشرة في القاهرة والأقاليم ولها أتباع ومريدون.
ومن مؤلفاته كتاب كشف الكربة في رفع الطلبة وقد كتبه في سن مبكرة عام 1017 هـ بمناسبة قدوم الوالي محمد باشا إلى مصر وتناول فيه السياسة الاقتصادية للدولة العثمانية وأثرها على المجتمع المصري وأوضاع الريف والفلاحين ورصد دور الوالي الجديد في القضاء على تمرد الجند السباهية وإلغاء ضريبة الطلبة.
وفي الفترة من عام 1031 هـ وحتى عام 1032 هـ وضع كتابه الأشهر عيون الأخبار ونزهة الأبصار وأطلق عليه اسم التاريخ الكبير حيث سار فيه على نهج المؤرخين التقليديين وبدأ بالعصور القديمة ثم السيرة النبوية وبعدها الدول الإسلامية المتعاقبة حتى العصر المملوكي ثم الدولة العثمانية ، وﻣﻘﺪﻣﺔ ﻫﺬا اﻟﻜﺘﺎب ﺗﺘﻨﺎول أﻫﻤﻴﺔ دراﺳﺔ ﻋﻠﻢ اﻟﺘﺎرﻳﺦ وأﺛﺮﻩ ﻓﻲ اﻟﻤﺠﺘﻤﻌﺎت وﻓﻬﻢ ﻃﺒﺎﺋﻊ اﻟﺸﻌﻮب وﻣﺴﻴﺮﺗﻬﺎ وﻳتكون من ﻣﻘﺪﻣﺔ وﺳﺘﺔ ﻋﺸﺮ ﻓﺼﻼً آﺧﺮﻫﺎ خاص باﻟﺪوﻟﺔ اﻟﻌﺜﻤﺎﻧﻴﺔ ﻣﻦ اﺑﺘﺪاﺋﻬﺎ إﻟﻰ ﺳﻨﺔ إﺛﻨﺘﻴﻦ وﺛﻼﺛﻴﻦ وأﻟﻒ.
وأعقب ذلك بكتاب عيون الأنباء ونزهة الأبصار وقد زاد ﻓﻴﻪ أرﺑﻌﺔ ﻓﺼﻮل ﺟﺪﻳﺪة وﻫﻲ فصل ﺨﺎص ﺑﺎﻟﺪوﻟﺔ اﻟﻌﺜﻤﺎﻧﻴﺔ وفصل ﻓﻲ ذﻛﺮ ﺑﻴﺎن ﺷﺮف ﻋﻠﻢ اﻟﺘﺎرﻳﺦ وفصل ﻓﻲ ذﻛﺮ ﻣﺎ ﺟﺎء ﻟﻠﻨﺎس ﻣﻦ اﻟﻘﻮل ﻓﻲ ﻣﺪة اﻟﺰﻣﺎن واﺧﺘﻼﻓﻬﻢ ﻓﻲ أﻋﻤﺎر ﺑﻨﻲ آدم ﻣﻦ ﻗﺒﻞ آدم ﻣﻦ اﻟﻤﺨﻠﻮﻗﺎت وفصل في ﻣﻠﻮك اﻟﻌﺮب ، وأتبعه بكتاب نزهة الأبصار وجهينة الأخبار وتناول فيه سردا للأحداث في الدول الإسلامية المتعاقبة حتى عصر السلطان العثماني مراد الرابع ، ثم عمل مختصرا لكتابه عيون الأخبار وهو كتاب واﺳﻄﺔ اﻟﻌﻘﺪ اﻟﻔﺮﻳﺪ ﻟﻤﺎ ﺣﻮى ﻣﻦ اﻟﺪر اﻟﻨﻀﻴﺪ ووصفه بقوله : ” ﻓﺄﻟﻔﺖ ﻫﺬا اﻟﺘﺎرﻳﺦ وﺟﻌﻠﺘﻪ واﺳﻄﺔ اﻟﻌﻘﺪ اﻟﻔﺮﻳﺪ ﻟﻤﺎ ﺣﻮى ﻣﻦ اﻟﺪر اﻟﻨﻀﻴﺪ “.
وبعد ذلك طلب منه بعض الفضلاء أن يفرد للدولة العثمانية كتابا خاصا بها فوضع كتاب المنح الرحمانية في الدولة العثمانية وﻳﺸﻤﻞ ﺗﺎرﻳﺦ العثمانيين ﻣﻨﺬ ﻋﻬﺪ اﻟﺴﻠﻄﺎن المؤسس ﻋﺜﻤﺎن اﻷول وﺻﻮﻻ ً إﻟﻰ ﻣﺼﻄﻔﻰ اﻷول ﻋﺎم 1027 ﻫـ ، وقد دون فيه تاريخ مصر وفقا لفترة حكم كل باشا من الولاة واصفا أحوال البلاد والعباد وأهم الأحداث وما تميز به كل منهم وتحدث ﻋﻦ أﻓﺮاد أﺳﺮﺗﻪ واﻟﻤﻨﺎﺻﺐ اﻟﺘﻲ ﺗﺴﻠﻤﻮﻫﺎ وأﻋﻤﺎﻟﻬﻢ وﺳﻴﺮﻫﻢ.
وبعد ذلك استفاض البكري في تصنيف عدة مؤلفات أكثر تخصصا في تاريخ العثمانيين في مصر ومنها كتاب فيض المنان بذكر دولة آل عثمان ويتناول فيه بمزيد من التفاصيل أحوال ولاة مصر وقتها ثم كتب ملحقا لكتاب المنح الرحمانية يتناول عصر السلطان عثمان الثاني في الفترة من عام 1027 هـ وحتى مقتله عام 1031 هـ وسماه كتاب اللطائف الربانية على المنح الرحمانية ثم ملحقا آخر هو كتاب در الجمان في دولة مولانا السلطان عثمان.
وفي مقدمة كتابه المنح الرحمانية يشرح سبب تأليفه له فيقول : ” بسم الله الرحمن الرحيم رب يسر يا كريم ، الحمد لله الذي منح من شاء من عباده فضلا جزيلا وأسبغ عليه من وافر إحسانه ومزيد امتنانه ظلا ظليلا ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا ضد له ولا ند له الذي جعل الملوك بهم قوام العباد والرحمة للبلاد فبينوا للرشاد سبيلا ومن على هذه الملة المحمدية بالدولة الشريفة العثمانية فأوضحوا للحق دليلا ، وأشهد أن سيدنا ومولانا محمدا عبده ورسوله وحبيبه وخليله الذي اختاره من بين مخلوقاته خلا خليلا وكان بنصر الشرع وإغاثة الملهوف كفيلا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وشيعته ووارثيه وحزبه الذين فضلهم تفضيلا وجملهم تجميلا.
وبعد ، فإني حين ألفت التاريخ المسمى بعيون الأخبار ونزهة الأبصار قرأه بعض الفضلاء الأئمة النبلاء فأعجب به غاية الإعجاب وقال : هذا حاو لكل صواب ، وسألني أن أفرد منه ذكر الدولة العثمانية الجليلة الخاقانية في مؤلف لطيف مع زيادات تذكر ما حوته من مزيد التشريف ، فأجبته لسؤاله وبررته في مقاله لأنهم في الحقيقة عين الملوك شرقا وغربا عجما وعربا مع ما أظهروه من العدل والإنصاف وإطاعة الشرع والنظر للرعية بعين الإسعاف إذ كان جدي رضي الله عنه يقول : ما دام الملك باقيا في آل عثمان فالشرع معمول به على توالي الزمان.
فأسأل الله بقاء دولتهم مع مزيد رفعتهم إذ بها الرحمة الكاملة والنعمة الشاملة ، هذا وقد أجبت السائل لسؤاله وشرعت في نسجه على منواله وقد رتبته على أبواب كل باب مختص بملك من ملوكهم وعند وصولي إلى ذكر السلطان سليم فاتح مصر ومزيل عنها الضيم والإصر أذكر كل من ولي من البكلربكية على مصر المحمية وأفرد لذلك فصلا في آخر كل باب سائلا من الملك الوهاب الهداية إلى الصواب “.
وفي مقدمة كتابه اللطائف الربانية يقول : ” وبعد فإني حين ألفت كتابي المسمى بالمنح الرحمانية في الدولة العثمانية وابتدأت فيه بذكر مولانا السلطان عثمان غازي وختمته بذكر مولانا السلطان مصطفى وذكرت فيه بكلربكيتهم بمصر ، فخطر لي أن أجمع تاريخا أوردت فيه ذكر قضاتهم بمصر مع زيادات ظهرت بعد تأليف المنح وسميته (فيض المنان بذكر دولة آل عثمان) أحببت أن أذيل عليهما بهذا الذيل لتميل إليه النفوس أعظم ميل ” ، ورصد في هذا الكتاب مرض الطاعون الذي أصاب البلاد في عهد الوالي جعفر باشا عام 1028 هـ واستمر خمسة أشهر حيث دون أحوال الناس وترجم لعدد من الوفيات بسببه حيث امتلك إحصائيات دقيقة عن ذلك.
وفي مقدمة كتابه در الجمان يقول : ” فإني ﺣﻴﻦ أﻟﻔﺖ ﺗﺎرﻳﺨﻲ اﻟﻜﺒﻴﺮ اﻟﻤﺴﻤﻰ ﺑﻌﻴﻮن اﻷﺧﺒﺎر وﻧﺰﻫﺔ اﻷﺑﺼﺎر وﺗﺎرﻳﺨﻲ اﻷوﺳﻂ اﻟﻤﺴﻤﻰ ﺑﺘﺤﻔﺔ اﻟﻈﺮﻓﺎ ﻓﻲ ذﻛﺮ اﻟﻤﻠﻮك واﻟﺨﻠﻔﺎ وﺗﺎرﻳﺨﻲ اﻟﺼﻐﻴﺮ اﻟﻤﺴﻤﻰ ﺑﻔﻴﺾ اﻟﻤﻨﺎن ﻓﻲ ذﻛﺮ دوﻟﺔ آل ﻋﺜﻤﺎن وﺧﺘﻤﺖ ﻛﻼ ً ﻣﻨﻬﻤﺎ ﺑﺬﻛﺮ ﻣﻮﻻﻧﺎ اﻟﺴﻠﻄﺎن ، أﺣﺒﺒﺖ أن أذﻳّﻞ ﺑﺬﻛﺮ ﺣﻀﺮة ﻣﻮﻻﻧﺎ وﺳﻴﺪﻧﺎ ﺳﻴﺪ اﻟﻤﻠﻮك اﻟﺴﺎﻟﻚ ﻓﻲ رﻋﻴﺘﻪ ﺑﺄﺣﺴﻦ ﺳﻠﻮك ﻧﺸﺮ اﻟﻌﺪل ﻓﻲ اﻵﻓﺎق وﻃﻨﺖ ﺣﺼﺎة ﻓﺨﺎرﻩ ﺑﺎﻻﺳﺘﺤﻘﺎق ﻣﻮﻻﻧﺎ اﻟﻤﺆﻳﺪ ﻋﺜﻤﺎن ﺧﺎن ﺧﻠﺪ اﻟﻠﻪ دوﻟﺘﻪ ﻋﻠﻰ ﻣﺮ اﻷزﻣﺎن آﻣﻴﻦ ، وﺳﻤﻴﺘﻪ ﺑدر اﻟﺠﻤﺎن ﻓﻲ دوﻟﺔ ﻣﻮﻻﻧﺎ اﻟﺴﻠﻄﺎن ﻋﺜﻤﺎن ﻧﺼﺮﻩ اﻟﻠﻪ ، آﻣﻴﻦ “.
وفي عام 1055 هـ ألف البكري كتابا يتناول فيه الفتح العثماني لمصر والمنجزات العسكرية للعثمانيين في عموم ولاياتها وحروبها الخارجية ووصف كيف عمت الأفراح في مصر عقب بعد استسلام قلعة جزيرة كريت في شهر شعبان سنة 1055 هـ ، وأطلق على كتابه هذا اسم نصرة أهل الإيمان بدولة آل عثمان وقال في مقدمته : ” وﺑﻌﺪ ﻓﻬﺬا أﻧﻤﻮذج ﻟﻄﻴﻒ وﻣﺠﻤﻮع ﻇﺮﻳﻒ أذﻛﺮ ﻓﻴﻪ اﻟﺪوﻟﺔ اﻟﺸﺮﻳﻔﺔ اﻟﻌﺜﻤﺎﻧﻴﺔ وأﺧﺬﻫﻢ ﻟﻠﺪﻳﺎر اﻟﻤﺼﺮﻳﺔ ورﺗﺒﺘﻪ ﻋﻠﻰ ﻣﻘﺎﺻﺪ ﺳﺎﺋﻼ ً ﻣﻦ اﻟﻜﺮﻳﻢ اﻟﻤﺎﺟﺪ أن ﻳﺪﻳﻢ دوﻟﺘﻬﻢ ﻟﻸﺑﺪ ﺑﺠﺎﻩ اﻟﻮاﺣﺪ اﻷﺣﺪ وﺳﻤﻴﺘﻪ ﻧﺼﺮة أﻫﻞ اﻹﻳﻤﺎن ﺑﺪوﻟﺔ آل ﻋﺜﻤﺎن ﻓﺎﻗﺮأ وﺑﺎﻟﻠﻪ اﻟﻤﺴﺘﻌﺎن “.
ثم صنف كتابا يتناول أحوال مصر والقاهرة في الفترة من عام 1036 هـ وحتى عام 1042 هـ وسماه الروضة الزهية في ذكر ولاة مصر والقاهرة المعزية ، وقال في مقدمته : ” ﻓﻠﻤﺎ أﺗﻤﻤﺖ ﺗﺎرﻳﺨﻲ اﻟﻜﺒﻴﺮ اﻟﻤﺴﻤﻰ ﺑﺎﻟﻤﻨﺢ اﻟﺮﺣﻤﺎﻧﻴﺔ ﻓﻲ ذﻛﺮ اﻟﺪوﻟﺔ اﻟﻌﺜﻤﺎﻧﻴﺔ ﺧﻄﺮ ﻟﻲ أن أﻟﺨﺺ ﺗﺎرﻳﺨﺎ ً أذﻛﺮ ﻓﻴﻪ ﻣﻠﻮك اﻟﺪﻳﺎر اﻟﻤﺼﺮﻳﺔ واﻟﻘﺎﻫﺮة اﻟﻤﻌﺰﻳﺔ ﻣﻦ اﻟﻄﻮﻓﺎن ﻣﻊ ذﻛﺮ ﻧﻮاب آل ﻋﺜﻤﺎن ورﺗﺒﺘﻪ ﻋﻠﻰ ﻣﻘﺪﻣﺔ وﻧﺘﻴﺠﺔ وﺧﺎﺗﻤﺔ ، ﻓﺎﻟﻤﻘﺪﻣﺔ ﻓﻲ ذﻛﺮ ﻣﺼﺮ وأول أﻣﺮﻫﺎ وﻣﺎ ﻗﻴﻞ ﻓﻲ ﺳﺒﺐ ﺗﺴﻤﻴﺘﻬﺎ ﺑﻤﺼﺮ وذﻛﺮ ﺑﻌﺾ ﻓﻀﺎﺋﻠﻬﺎ ﻣﻦ اﻟﻜﺘﺎب اﻟﻌﺰﻳﺰ واﻟﺴﻨﺔ اﻟﺸﺮﻳﻔﺔ ، واﻟﻨﺘﻴﺠﺔ ﻓﻲ ذﻛﺮ ﻣﻠﻮك ﻣﺼﺮ أعني قبل الطوفان وفي الجاهلية والإسلام ثم خلفاؤها ونوابهم وملوكها ونوابهم إﻟﻰ ﺳﻨﺔ ﺛﻼث وﺧﻤﺴﻴﻦ وأﻟﻒ وأﻣﺎ اﻟﺨﺎﺗﻤﺔ ففي بعض ﺧﺼﻮﺻﻴﺎت ﻣﺼﺮ وﻣﺘﻨﺰﻫﺎﺗﻬﺎ وﻋﺠﺎﺋﺒﻬﺎ ، وﺳﻤﻴﺘﻪ اﻟﺮوﺿﺔ اﻟﺰﻫﻴﺔ ﻓﻲذﻛﺮ وﻻة ﻣﺼﺮ واﻟﻘﺎﻫﺮة اﻟﻤﻌﺰﻳﺔ “.
وتضمن اﻟﻜﺘﺎب ﻣﻌﺎﻧﻲ ﺟﻤﻴﻠﺔ ﺟﻤﻌﺖ ﺑﻴﻦ اﻟﺘﺎرﻳﺦ واﻵﺛﺎر واﻹرﺷﺎد اﻟﺴﻴﺎﺣﻲ وﻏﻴﺮﻫﺎ ﻣﻦ اﻟﻠﻄﺎﺋﻒ ﺣﻴﺚ ﻳﺘﻜﻠﻢ ﻋﻦ ﺗﺎرﻳﺦ اﻟﺴﻼﻃﻴﻦ اﻟﻌﺜﻤﺎﻧﻴﻴﻦ ووﻻﺗﻬﻢ وﺗﺎرﻳﺦ ﻣﺼﺮ واﻟﻘﺎﻫﺮة ﺗﺤﺪﻳﺪاً ﻛﻤﺎ ﻳﺸﻴﺮ إﻟﻰ اﻷﻫﺮاﻣﺎت واﻵﺛﺎر اﻟﻤﺼﺮﻳﺔ اﻟﺸﻬﻴﺮة وأﻧﻮاع اﻟﺰﻫﻮر وأﺳﻤﺎﺋﻬﺎ واﻟﻔﻮاﻛﻪ واﻟﻨﺒﺎﺗﺎت واﻟﻤﻨﺎخ واﻷﺟﻮاء اﻟﻤﺼﺮﻳﺔ اﻟﺠﻤﻴﻠﺔ واﻟﻤﻠﺒﻮﺳﺎت وﺟﻤﺎﻟﻬﺎ واﻷﻃﻌﻤﺔ وﻣﺬاﻗﻬﺎ وﻏﻴﺮﻫﺎ ﻣﻦ اﻟﻨﻮادر واﻟﻤُﻠﺢ ، ﻛﻤﺎ ﺗﻄﺮق اﻟﺒﻜﺮي إﻟﻰ ذﻛﺮ ﻣﺎ ﻗﺎم ﺑﻪ إﺑﺮاﻫﻴﻢ ﺑﺎﺷﺎ ﻓﻲ اﻟﻌﺎم 932 هـ ﻣﻦ ﺗﺮﺗﻴﺒﺎت وﺗﻨﻈﻴﻤﻪ ﻟﻠﻤﻘﺎﻃﻌﺎت ﺣﻴﺚ وﺿﻊ ﻣﺸﺮوع ﻗﺎﻧﻮن ﻧﺎﻣﺔ ﻣﺼﺮ وأﺛﻨﻰ ﻋﻠﻴﻪ ﻛﻤﺎ ﺗﺮﺟﻢ ﻟﻠﻌﺪﻳﺪ ﻣﻦ أﻓﺮاد أﺳﺮﺗﻪ اﻟﺬﻳﻦ ﺗﻮﻟﻮا ﻣﻨﺎﺻﺐ وﻗﺎﻣﻮا ﺑﻤﻨﺠﺰات ﻟﻤﺼﺮ.
ثم صنف كتابا يتناول دخول العثمانيين مصر بمزيد من التفاصيل واستعان فيها بكتابات ابن إياس وسماه التحفة البهية في تملك آل عثمان الديار المصرية وعرف باسم آخر هو الفتوحات العثمانية للديار المصرية ، ويقول في مقدمته : ” فهذه أوراق ﻇﺮﻳﻔﺔ ﺟﻤﻌﺖ ﻓﻴﻬﺎ ﻟﻄﺎﺋﻒ ﻣﻨﻴﻔﺔ ﻓﻲ ذﻛﺮ اﻟﺪوﻟﺔ اﻟﻌﺜﻤﺎﻧﻴﺔ وﺗﻤﻠﻜﻬﺎ ﻟﻬﺬﻩ اﻷﻗﻄﺎر اﻟﻤﺼﺮﻳﺔ ورﺗﺒﺘﻪ ﻋﻠﻰ ﺛﻼﺛﺔ ﻓﺮوع : الفرع اﻷول ﻓﻲ ذﻛﺮ ﻓﺘﺢ ﻣﻮﻻﻧﺎ اﻟﺴﻠﻄﺎن ﺳﻠﻴﻢ ﺧﺎن اﺑﻦ اﻟﻤﺮﺣﻮم ﺑﺎﻳﺰﻳﺪ ﺧﺎن ﻟﻤﺼﺮ ، الفرع اﻟﺜﺎﻧﻲ ﻓﻲ ذﻛﺮ وﻻﺗﻬﺎ ﻣﻦ اﻟﺒﻜﻠﺮﺑﻜﻴﺔ ﻣن ﺣﻴﻦ ﻓﺘﺤﻬﺎ ﻓﻲ ﺳﻨﺔ ﺛﻼﺛﺔ وﻋﺸﺮﻳﻦ وﺗﺴﻌﻤﺎﺋﺔ إﻟﻰ ﺳﻨﺔ ﺛﻤﺎﻧﻲ وﺛﻼﺛﻴﻦ وأﻟﻒ ، الفرع اﻟﺜﺎﻟﺚ ﻓﻲ ذﻛﺮ ﺟﻤﻴﻊ ﻗﻀﺎﺗﻬﺎ ﻣﻦ ﺣﻴﻦ اﻟﻔﺘﺢ اﻟﻤﺬﻛﻮر إﻟﻰ ﻫﺬا اﻟﺘﺎرﻳﺦ ، وﺳﻤﻴﺘﻪ اﻟﺘﺤﻔﺔ اﻟﺒﻬﻴﺔ في ﺗﻤﻠﻚ آل ﻋﺜﻤﺎن اﻟﺪﻳﺎر اﻟﻤﺼﺮﻳﺔ “.
وفي عام 1054 هـ ألف كتابه الروضة المأنوسة في أخبار مصر المحروسة وسماه التاريخ الصغير وقال عنه : ” هذا الكتاب اقتطعت فيه أزاهر تواريخي التي ألفتها ” وهو بمثابة مختصر لمؤلفاته في تاريخ مصر وذكر فيه حادثة هامة وهو إلغاء العثمانيين لمنصب القضاة الأربعة ولستبداله بمنصب قاضي العسكر الذي كان يعين من الباب العالي مباشرة وليس من قبل الولاة وذلك في عام 929 هـ ، ووضع فيه ﺗﺤﺪﻳﺪا زﻣﻨيا دقيقا ﻟﻤﺪة ﺗﻮﻟﻲ ﻛﻞ ﻗﺎض ٍ اﺑﺘﺪاء ً ﻣﻦ ﺗﺎرﻳﺦ ﻗﺪوﻣﻪ ﻟﻤﺼﺮ وﺗﻮﻟﻴﻪ اﻟﻤﻨﺼﺐ وﺣﺘﻰ ﻋﺰﻟﻪ أو وفاته.
وفي عام 1055 هـ يصنف كتاب الكواكب السائرة في أخبار مصر والقاهرة وانتهى منه عام 1063 هـ واﺳﺘﻮﻋﺐ ﻓﻴﻪ ﻛﺎﻓﺔ اﻷوﺻﺎف اﻟﺪﻗﻴﻘﺔ ﻟﻤﺼﺮ ﻣﻦ اﻟﺠﻮاﻧﺐ اﻟﻤﺨﺘﻠﻔﺔ واﻟﻤﺘﻌﺪدة إذ ﻳﺬﻛﺮاﻷﺣﻮال اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ واﻻﻗﺘﺼﺎدﻳﺔ واﻟﺴﻴﺎﺳﻴﺔ واﻟﻌﺴﻜﺮﻳﺔ واﻟﺪﻳﻨﻴﺔ واﻹدارﻳﺔ وﻏﻴﺮﻫﺎ ، وفي عام 1056 هـ يصنف كتابا يتناول جغرافية مصر بعنوان قطف الأزهار من الخطط والآثار وهو تهذيب لكتاب الخطط المقريزية مع إضافة مستجدات عصره مما يعطينا صورة دقيقة عن التطور العمراني بين العصرين.
ذكره المحبي في كتابه خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر فقال : ” مُحَمَّد بن زين العابدين بن مُحَمَّد بن على أَبُو الْحسن الاستاذ الْكَبِير قطب الاقطاب الشَّمْس البكرى الصديقى المصرى بركَة الدُّنْيَا وسر الْوُجُود ولسان الحضرة ولب الْبَاب الْعرْفَان كَانَ من الْعلم وَالتَّحْقِيق آيَة من آيَات الله تَعَالَى وَمن الْولَايَة والتحقق غَايَة من الغايات وَكَانَ فصيح الْعبارَة طلق اللِّسَان كثيرا الْفَوَائِد جم النَّوَادِر وَكَانَت الْولَايَة ظَاهِرَة عَلَيْهِ مَعَ الدّين المتين وَالْعقل الْكَامِل والتظاهر بِالنعْمَةِ فى الملبس والمأكل والخدمة.
وَكَانَ من أحسن النَّاس خلقا وخلقا مجللا عِنْد الكبراء والوزراء ذَا جاه عريض مُعْتَقدًا عِنْد عَامَّة النَّاس وخاصتهم مسموع الْكَلِمَة مَقْبُول الشَّفَاعَة يرجع اليه فى مشكلات الامور رفيع الهمة كريم الاخلاق ، ولد بِمصْر وَنَشَأ بهَا وَحفظ الْقُرْآن وتأدب واشتغل بِطَلَب الْعُلُوم واتقنها وبرع فى كثير من الْفُنُون سِيمَا علم التَّفْسِير والْحَدِيث وَكَانَ لَهُ فى عُلُوم الْقَوْم وأصول التصوف قدم راسخ وَأَقْبل على التدريس الى أَن صَار رَئِيس الْبَيْت البكرى فَكَانَ يدرس على عَادَة اسلافه فى الْجَامِع الازهر فى الليالى الْمَشْهُورَة كليلة المولد والمعراج وَالنّصف من شعْبَان.
ثمَّ لما كبر ترك ذَلِك كُله واستقل بالافادة فى بَيتهمْ الْمَعْمُور وَقد ذكره والدى رَحمَه الله تَعَالَى فى رحلته المصرية فَقَالَ فى وَصفه عين أَعْيَان هَذِه القاده وثمين دُرَر هَذِه القلادة فرع غُصْن الدوحة البكريه وفنن الشَّجَرَة الطاهرة الصديقيه الَّتِى لم تزل من الْبركَة والسمو فى النَّمَاء أَصْلهَا ثَابت وفرعها فى السَّمَاء رونق الليالى والايام وتاج رَأس الْعلمَاء الاعلام بهجة الْجَمِيع ورواء حسنها البديع من أضحت لَهُ فى الْعُلُوم الْحَقِيقِيَّة الرُّتْبَة الشامخة وفى المعارف الالهية الْقدَم الراسخه وَلَو لم يكن لَهُ من عُمُوم الشّرف الاخصوص هَذِه النسبه لكفاه ذَلِك فى الْفَخر وعلو الرتبه.
وناهيك فخرا بِأَنَّهُ من ذُرِّيَّة من اخْتَارَهُ الرَّسُول للصحبة والمصاهرة واصطفاه للخلافة على مِلَّته وشريعته الطاهره فيحق لاهل السّنة وَالْجَمَاعَة أَن يطوفوا ويسعوا الى هَذَا الْبَيْت فى كل وَقت سَاعَة فيا لَهُ بَيت عموده الصُّبْح وطينته المجره وَمن ادّعى بَيْتا يضاهيه فَتلك مِنْهُ معره ان تكافأت الْبيُوت فى الشّرف فعلى شرف هَذَا الْمعول أَو تطاولت فى الانساب فدعائم هَذَا الْبَيْت أعز وأطول وانى لاحمد الله تَعَالَى على ان جبلنى على المغالاة فى حبهم وطبعنى على الْمُوَالَاة لاهل الْبَيْت ولاهل نسبهم انْتهى.
وَاجْتمعَ بِهِ شَيخنَا الْعَلامَة ابراهيم بن عبد الرَّحْمَن الخيارى المدنى فى مرتحله الى مصر وَذكره فى رحلته الَّتِى ألفها وَقَالَ بعد توصيفه وَقد شرفنى لمناسبة ذكر النّيل بتأليف لَهُ فِيهِ جَدِيد عهد وفريد عقد ذكر فِيهِ النّيل وَمَا ورد فِيهِ من الْآيَات والاحاديث وَمَا يتَعَلَّق بِهِ من ذكر مبدئه وَمن أَيْن هم أَجَاد فِيهِ كل الاجاده وَحَازَ الْحسنى وزياده ، وَأما شعره فَمَا العقد الفريد فى أجياد الغيد قد أشرقت فى الخدود ذَات التوريد وَمَا قلائد العقيان تنضدت فى نحور الحسان.
وَأما نثره فَمَا لرياض النضرة كلل عُيُون زهرها الطل وَنبهَ أحداق الْورْد والنرجس بهَا الوبل وسرى عليل نسيمها مبلل الاذيال بعذب تسنيمها وَمَا زواهر الافق المنتثرة قد لاحت مشرقة فى فلكها مضيئة فى طرائق حبكها تهدى من ضل وتورده من نهر مجرتها النهل والعل من تتويجهما بجواهر المعارف وتسميطهما باليواقيت من بَحر كل عَارِف تلهج مِنْهُمَا اذ تحلى بهما بعد الآذان السطور والطروس وتتملى بهما الاعيان والقلوب والنفوس وَقد أصبحا بَيت القصيد المشيد العالى ويتيمة سلك الْخَلَاص المنضد بفرائد اللآلى فتخلب الافئدة وَتَشَوُّقِ وَتَدْعُو اليهما الالباب وتسوق.
وَقد جاوزا الْحَد كَثْرَة وبلاغة وتفننا فى طرق الصِّنَاعَة والصياغه وأفردا بِالْجمعِ فَكَانَا دواوين وحليا كل سمع فَمَا العقد الثمين وانتشرا فى مَشَارِق الارض وَمَغَارِبهَا وَعَما جَمِيع مسالكها ومذاهبها أردْت أَن أسطر شطر مِنْهُمَا فى هَذِه الوريقات ثمَّ أحجمت لَان ذكر الْبَعْض وَحذف الْبَعْض تَقْصِير فى حقوقهما الْوَاجِبَات وَالنَّفس مولعة بالانتقاء والانتقاد وَكلهَا أَفْرَاد جِيَاد وَاسْتِيفَاء الْمَوْجُود كُله لَا ينوء الْمَتْن بِحمْلِهِ فليحج كعبة ديوانه من أَرَادَ أبياته وليسلك فى سَعْيه بالصفا اليه مِيقَاته ليظفر بِالْحجرِ المكرم من ذَلِك الْبَيْت ويفوز بكيمياء السَّعَادَة الَّتِى لَا تفْتَقر الى لَو وَلَا لَيْت.
ومدحه بقصيدة مطْلعهَا : لَيْسَ يهدا تشوقى والحريق .. وفؤادى أودى بِهِ التَّفْرِيق .. وضلوع من الجوى خافقات .. حِين عز اللقا وَبَان الْفَرِيق .. معشر أصبح الْفُؤَاد لديهم .. فى أسار والدمع فيهم طليق .. معشر بالنقاو بَان الْمصلى .. برتاهم قلبى الْمَعْنى رَشِيق .. لست أنسى معاهدا لظباء .. لحن فِيهِ والخد مِنْهَا شريق .. ان تبدوا فَكل ذاتى عُيُون .. أَو تناءوا فَكل نهج طَرِيق .. من عذيرى فى حبهم من مجيرى .. من ولوعى بهم وَكَيف أفِيق .. غربتنى الحظوظ حَتَّى أطاحت .. بركابى النَّوَى ونهج سحيق .. غربَة الشكل وَاللِّسَان مَعَ الاهل وَمن ذَا لبَعض ذَاك يُطيق.
ثمَّ تخلص الى الْمَدْح ، قلت وَقد وقفت للاستاذ على ديوَان مَجْمُوع أوقفنى عَلَيْهِ غُصْن دوحته الاستاذ الاعظم زين العابدين فى قَدمته الَّتِى شرف بهَا الشَّام لَا برح واطئا فَوق السها بأقدام الاجلال والاعظام وَهَذَا الدِّيوَان قد اشْتَمَل على نفائس القصائد والموشحات والمقاطيع والالغاز وَرَأَيْت الامر فِيهِ كَمَا قَالَ شَيخنَا بَينا يراج انتخاب بعض شئ مِنْهُ يقف الرأى عِنْد جَمِيعه وَالْوَقْت يضيق عَن كِتَابَته فَلم أتشرف مِنْهُ الا بِهَذِهِ الابيات من جملَة قصيدة مدح بهَا شيخ الاسلام يحيى المنقارى وأرسلها الى الرّوم ومطلعها : أمسكية الانفاس أم عبقة الند .. وناسمة الازهار أم نفحة الْورْد.
مِنْهَا فى المديح : ومعتقل للعز صعدة عزمه .. أَنا بيبها رعافة بِدَم الأسد .. ومرسل ارسال العطايا مباريا .. بأيسرها وَطف الغمائم فى الرفد .. فيا من لَهُ ودى من النَّاس كلهم .. وَمن هولى من بَينهم غَايَة الْقَصْد .. وَمن صرت فى مدحى علاهُ كأننى .. حمامة جرعا فَوق ميالة الملد .. على اننى مَا فهت يَوْمًا لماجد .. سواهُ بِشعر لَا بِقرب وَلَا بعد .. وَلَكِن دعانى الشوق لبيت مسرعا .. وَهَذَا وَمَا أخفيه بعض الذى أبدى .. ألية محنى الضلوع على الاسى .. تحار الاسى مِمَّا براه من الوجد .. لَهُ زفرات من فؤاد تضرمت .. بِهِ نَار شوق دونهَا النَّار فى الوقد .. لأَنْت الذى مَا حل فى الْقلب غَيره .. وَلَا حَال حالى فِيهِ من ذَلِك الْعَهْد .. وَلم ترعينى مثله بعده وَهل .. يمِيل الى غور فتى عَاشَ فى نجد.
وَكَانَت وَفَاته لَيْلَة الْجُمُعَة ثانى عشرى شهر ربيع الاول سنة سبع وَثَمَانِينَ وَألف وَصلى عَلَيْهِ اماما بِالنَّاسِ الشَّيْخ مَنْصُور الطوخى بالازهر فى مشْهد عَظِيم حافل وَدفن بالقرافة الْكُبْرَى فى قبَّة آبَائِهِ الْمَعْرُوفَة هُنَاكَ رَحمَه الله تَعَالَى “.

29 / خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب
من أعلام الأدب العربي بمصر في العصر العثماني الأديب والكاتب عبد القادر بن عمر بن بايزيد بن الحاج أحمد البغدادي الذي ولد في بغداد عام 1030هـ / 1620 م وتوفي في القاهرة عام 1093 هـ / 1682 م ، نشأ في أسرة محبة للعلم والأدب وتردد على مدارس بغداد منذ الصبا وأخذ من علمائها واتقن الى جانب اللغة العربية اللغتين التركية والفارسية وبرع في الكتابة وعرف بغزارة الإنتاج الأدبي.
نزح الى دمشق سنة 1048هـ واتصل بنقيب الاشراف الطالبيين فيها محمد ابن كمال الدين الحسيني فأكرمه واحتفى به وجعل له منزلا قبالة داره وأفاده من علمه واتصل كذلك بالعلماء الأفذاذ الآخرين ودر عليهم علوم اللغة العربية ولا سيما الإمام محمد بن يحيى الفرضي.
ثم رحل الى القاهرة سنة 1050هـ لاستكمال متطلبات دراسته وطاب له المقام فيها واختلف الى مجالس العلماء والأدباء أمثال شهاب الدين الخفاجي وياسين بن زين الدين الحمصي وسري الدين الدروري والبرهان ابراهيم المأموني ، وقد أجازه الخفاجي بمؤلفاته كلها وكان كثير الاكبار والتعظيم له قال : (جميع ما حفظته قطرة من غدير الشهاب وما استفدت هذه العلوم الأدبية إلا منه).
ولازم مكتبته وقرأ ما فيها من كتب مهمة ثم تملك أكثرها بعد وفاته وقال عن نفسه : (وكنت ممن مرن في علم الأدب حتى صار يلبيه من كتب وأفرغ في تحصيله جهده وبذل فيه وكده وكده وجمع دواوينه وعرف قوانينه واجتمع عنده بفضل الله من الأسفار ما لم يجتمع عند أحد في هذه الأعصار).
وسافر إلى إسطنبول سنة 1077 هـ ومكث قليلاً فيها ثم عاد الى القاهرة ثانية واتصل بواليها ابراهيم باشا وصار نديماً له وسميراً ، وحينما عزل هذا الوالي رافقه الى أدرنة سنة 1085هـ ومن هناك اتصل بالوزير العالم الأديب أحمد بن محمد باشا كوبرلي ونال إعجابه وهو الذي مهد له سبيل الوصول الى السلطان محمد الرابع العثماني وأهدى له كتابه الكبير (خزانة الأدب) ، ثم مرض في أدرنة بالرمد وعاد الى القاهرة وتوفي بها.
من أهم مؤلفاته كتاب خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب وهو شرح للشواهد الشعرية الواردة في كتاب شرح الاستراباذي (المتوفي عام 686 هـ) لكافية ابن الحاجب المشهورة في النحو (المتوفي عام 646 هـ) وهي قرابة ألف شاهد من أشعار العرب حتى صار الكتاب موسوعة في علوم العربية وآدابها تحوي قدرا كبيرا من النصوص النادرة وحفظ لنا به بقايا من كتب قد فقدت أو اندثرت مع عناية حازمة بالنقد والتحقيق لكل ما يورده من ذلك.
هذا الى سرده لكثير من أمثال العرب وبيان معانيها ومضاربها وأصولها وحشده للغات القبائل ولهجاتها وحرصه على إيراد قصائد الأبيات التي تعرض لها مع شرح الكثير منها شرحاً محققاً مستطرداً في ذلك الى أخبار العرب وذكر أيامها في الجاهلية والإسلام مع العناية الكاملة بالمقصد الأول لشرح الشواهد وهو تحقيق المسائل النحوية واستيعاب دراستها مع الاعتماد على أمهات النحو ومطولاته ومراجع شروح الشواهد في علاج علمي نقدي.
ومن مؤلفاته الأخرى : شرح شواهد شرح الشافية للرضي الاستراباذي ، شرح أبيات مغني اللبيب ، حاشية على شرح بانت سعاد لابن هشام ، شرح التحفة الشاهدية باللغة العربية (وهو منظومة باللغة التركية لابراهيم دده الشاهدي ، منه نسخة خطية بالمكتبة التيمورية) ، رسالة في معنى التلميذ (شرح تفصيلي لأصل كلمة تلميذ وذكرها في أشعار العرب) ، شرح مقصورة ابن دريد ، رسالة في توجيه قراءة ابن محيصن في الاستبرق وتحقيق كونها معربة ، مختصر تمام المتون في شرح رسالة ابن زيدون لخليل بن أبيك الصفدي ، مقصد المرام في عجائب الاهرام (وهو كتاب مختص بمرويات المؤرخين عن أهرام مصر) لغة شاهنامة (شرح فيه باللغة التركية غريب الألفاظ الفارسية في كتاب شاهنامة) ، كتاب تراجم العلماء.
وقد استهل كتابه خزانة الأدب بمقدمة يشرح فيها الباعث على تأليفه حيث قال ” بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم ، نحمدك يَا من شَوَاهِد آيَاته غنية عَن الشَّرْح وَالْبَيَان وَدَلَائِل توحيده متلوة بِكُل لِسَان صل وَسلم على رَسُولك مُحَمَّد الْمُؤَيد بقواطع الْحجَج والبرهان وعَلى آله وَصَحبه الباذلين مهجهم فِي نصر دينه على سَائِر الْأَدْيَان صَلَاة وَسلَامًا دائمين على ممر الْأَزْمَان.
أما بعد فَيَقُول المفتقر إِلَى مَعُونَة ربه الْهَادِي عبد الْقَادِر بن عمر الْبَغْدَادِيّ هَذَا شرح شَوَاهِد الكافية لنجم الْأَئِمَّة وفاضل هَذِه الْأمة الْمُحَقق مُحَمَّد بن الْحسن الشهير بالرضي الأستراباذي عَفا الله عَنهُ ورحمه وَهُوَ كتاب عكف عَلَيْهِ نحارير الْعلمَاء ودقق النّظر فِيهِ أماثل الْفُضَلَاء وَكَفاهُ من الشّرف وَالْمجد مَا اعْترف بِهِ السَّيِّد والسعد لما فِيهِ من أبحاث أنيقة وأنظار دقيقة وتقريرات رائقة وتوجيهات فائقة حَتَّى صَارَت بعده كتب النَّحْو كالشريعة المنسوخة أَو كالأمة الممسوخة إِلَّا أَن أبياته الَّتِي اسْتشْهد بهَا وَهِي زهاء ألف بَيت كَانَت محلولة العقال ظَاهِرَة الْإِشْكَال لغموض مَعْنَاهَا وخفاء مغزاها وَقد انْضَمَّ إِلَيْهَا التحريف وَبِأَن عَلَيْهَا أثر التَّصْحِيف.
وَكنت مِمَّن مرن فِي علم الْأَدَب حَتَّى صَار يلبيه من كثب وأفرغ فِي تَحْصِيله جهده وبذل فِيهِ وكده وكده وَجمع دواوينه وَعرف قوانينه وَاجْتمعَ عِنْده بِفضل الله من الْأَسْفَار مَا لم يجْتَمع عِنْد أحد فِي هَذِه الْأَعْصَار فشمرت عَن ساعد الْجد وَالِاجْتِهَاد وشرعت فِي شرحها على وفْق المنى وَالْمرَاد فجَاء بِحَمْد الله حائز المفاخر والمحامد فائقا على جَمِيع شُرُوح الشواهد فَهُوَ جدير بِأَن يُسمى (خزانَة الْأَدَب ولب لباب لِسَان الْعَرَب) وَقد عرضت فِيهِ بضاعتي للامتحان وَعِنْده يكرم الْمَرْء أَو يهان (الطَّوِيل) : على أنني رَاض بِأَن أحمل الْهوى .. وأخلص مِنْهُ لَا عَليّ وَلَا ليا.
وَقد جعلته هَدِيَّة لسدة هِيَ مقبل شفَاه الْأَقْيَال ومخيم سرادق الْمجد والإقبال حَضْرَة سيد مُلُوك بني آدم وواسطة عقد سلاطين الْعَالم ملك ألبس الدُّنْيَا خلع الْجمال والكمال وَأَحْيَا داثر الْأَمَانِي والآمال حامي بَيْضَة الْإِسْلَام بالصارم الصمصام وناشر أَعْلَام الشَّرِيفَة الغراء وَالْملَّة الحنيفية الْبَيْضَاء ومرغم أنوف الفراعين ومعفر تيجان الخواقين خَليفَة رب السَّمَوَات وَالْأَرضين ظلّ الله على الْعَالمين وقطب الْخلَافَة فِي الدُّنْيَا وَالدّين خَادِم الْحَرَمَيْنِ الشريفين وسلطان المشرقين الْغَازِي فِي سَبِيل الله والمجاهد لإعلاء كلمة الله إِلَّا وَهُوَ السُّلْطَان ابْن السُّلْطَان السُّلْطَان الْغَازِي مُحَمَّد خَان ابْن السُّلْطَان إِبْرَاهِيم خَان نخبة آل عُثْمَان خلد الله ظلال خِلَافَته السابغة الوارفة وأفاض على الْعَالمين سِجَال رأفته المترادفة وَيسر لَهُ النَّصْر المتين وَسَهل لَهُ الْفَتْح الْمُبين بجاه حَبِيبه وَرَسُوله مُحَمَّد الْأمين آمين “.
وقد ترجم له المحبي في كتابه خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر فقال : ” عبد الْقَادِر بن عمر الْبَغْدَادِيّ نزيل الْقَاهِرَة الأديب المُصَنّف الرّحال الباهر الطَّرِيقَة فِي الْإِحَاطَة بالمعارف والتضلع من الذَّخَائِر العلمية وَكَانَ فَاضلا بارعاً مطلعاً على أَقسَام كَلَام الْعَرَب النّظم والنثر رَاوِيا لوقائعها وحروبها وأيامها وَكَانَ يحفظ مقامات الحريري وَكَثِيرًا من دواوين الْعَرَب على اخْتِلَاف طبقاتهم.
وَهُوَ أحسن الْمُتَأَخِّرين معرفَة باللغة والأشعار والحكايات البديعة مَعَ التثبت فِي النَّقْل وَزِيَادَة الْفضل والانتقاد الْحسن ومناسبة إِيرَاد كل شَيْء مِنْهَا فِي مَوْضِعه مَعَ اللطافة وَقُوَّة المذاكرة وَحسن المنادمة وَحفظ اللُّغَة الفارسية والتركية وإتقانهما كل الإتقان وَمَعْرِفَة الْأَشْعَار الْحَسَنَة مِنْهُمَا وأخبار الْفرس خرج من بَغْدَاد وَهُوَ متقن لهَذِهِ اللُّغَات الثَّلَاث وَورد دمشق وَقَرَأَ بهَا على الْعَلامَة السَّيِّد مُحَمَّد بن كَمَال الدّين نقيب الشَّام وعَلى شَيخنَا النَّجْم مُحَمَّد بن يحيى الفرضي فِي الْعَرَبيَّة.
وَأقَام بِدِمَشْق فِي مَسْجِد قبالة دَار النَّقِيب الْمَذْكُور مِقْدَار سنة ثمَّ رَحل إِلَى مصر فَدَخلَهَا فِي سنة خمسين وَألف بعد فتح بَغْدَاد بعامين وَأخذ الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة وآلاتها النقلية والعقلية عَن جمع من مَشَايِخ الْأَزْهَر أَجلهم الشهَاب الخفاجي وَالسري الدروري والبرهان المأموني والنور الشبراملسي وَالشَّيْخ يس الْحِمصِي وَغَيرهم وَأكْثر لُزُومه كَانَ للخفاجي قَرَأَ عَلَيْهِ كثيرا من التَّفْسِير والْحَدِيث والآداب وَأَجَازَهُ بذلك وبمؤلفاته.
وَكَانَ الخفاجي مَعَ جلالته وعظمته يُرَاجِعهُ فِي الْمسَائِل الغريبة لمعرفته مظانها وسعة اطِّلَاعه وَطول بَاعه حكى صاحبنا الْفَاضِل مصطفى بن فتح الله قَالَ قلت لَهُ لما رَأَيْته من سَعَة حفظه واستحضاره مَا أَظن هَذَا الْعَصْر سمح بِرَجُل مثلك فَقَالَ لي جَمِيع مَا حفظته قَطْرَة من غَدِير الشهَاب وَمَا استغدت هَذِه الْعُلُوم الأدبية إِلَّا مِنْهُ وَلما مَاتَ الشهَاب تملك أَكثر كتبه وَجمع كتبا كَثِيرَة غَيرهَا وَأَخْبرنِي عَنهُ بعض من لَقيته أَنه كَانَ عِنْده ألف ديوَان من دواوين الْعَرَب العاربة.
وَألف المؤلفات الفائقة مِنْهَا شرح شَوَاهِد شرح الكافية للرضي الاسترابادي فِي ثَمَان مجلدات جمع فِيهِ عُلُوم الْأَدَب واللغة ومتعلقاتها بأسرها إِلَّا الْقَلِيل وملكته بالروم وانتفعت بِهِ ونقلت مِنْهُ فِي مجاميع لي نفائس أبحاث يعز وجودهَا فِي غَيره وَله أَيْضا شرح شَوَاهِد شرح الشافية للرضي أَيْضا والحاشية على شرح بَانَتْ سعاد لِابْنِ هِشَام وَقد رَأَيْتهَا وانتقيت مِنْهَا مبَاحث ونوادر كَثِيرَة من جُمْلَتهَا الناسب يجوز لَهُ أَن يذكر مَا تقدم وَأَن يفرغ مجهوده فِيمَا يدل على الصبابة وإفراط الوجد واللوعة والانحلال وَعدم الصَّبْر وَمَا أشبه ذَلِك من التذلل والتوله وَيجب أَن يجْتَنب مَا يدل على الإباء والعزة والتخشن والجلادة ..
وَله من التآليف أَيْضا شرح الشاهدي الْجَامِع بَين الْفَارِسِي والتركي وَغير ذَلِك مِمَّا لم يصل إِلَيّ خَبره وكل تآليفه مفيدة نافعة وَكَانَ مَعَ تبحره فِي الْآدَاب وَمَعْرِفَة الشّعْر لم يتَّفق لَهُ نظم حَتَّى طلبت من بعض المختصين بِهِ شَيْئا من شعره لأثبته فِي تَرْجَمته فَذكر لي فِيمَا زعم أَنه لم يتفوه بِشَيْء مِنْهُ ترفعا عَنهُ.
ثمَّ رَأَيْت الشلي ذكر لَهُ فِي تَرْجَمته هَذِه الأبيات فِي هجاء طَبِيب يَهُودِيّ يعرف بِابْن جَمِيع : يَا ابْن جَمِيع أَصبَحت تمتحن النَّحْو .. ودعواك فِيهِ منحولة .. أمك مَا بالها فقد ذهبت .. مَرْفُوعَة السَّاق وَهِي مفعولة .. فاعلها الا يرو وَهُوَ منتصب .. مسَائِل قد أتتك مَجْهُولَة .. وَالْعين عطل وَعين عصعصها .. بِنُقْطَة الخصيتين مشكولة.
وَدخل دمشق فِي سنة خمس وَثَمَانِينَ وَألف وَكَانَ فِي صُحْبَة الْوَزير إِبْرَاهِيم باشا الْمَعْرُوف بكتخذا الْوَزير منصرفا من حُكُومَة مصر وسافر مَعَه إِلَى أردنة راجيا أَن يحل من الزَّمَان مَحل الفريدة من العقد فَدخل إِلَى مجْلِس الْوَزير الْأَعْظَم أَحْمد باشا الْفَاضِل واستمكن مِنْهُ واختص بِهِ وَلما حللت أدرنة فِي ذَلِك الْعَهْد زرته مرّة فِي معهده وَكَانَ بَينه وَبَين وَالِدي حُقُوق ومودة قديمَة فَرَحَّبَ بِي وَأَقْبل عَليّ وَكَانَ إِذْ ذَاك فِي غَايَة من إقبال الكبراء عَلَيْهِ.
فَلم يلبث حَتَّى هجمت عَلَيْهِ على فأسى مِنْهَا آلاما شَدِيدَة وَلم يبْق طَبِيب حَتَّى بَاشر معالجته وَكَانَ أمره فِي نيل أمانيه مأخوذا على التَّرَاخِي فعاجله الملال والسآمة وضاق بِهِ الْأَمر فَذهب إِلَى معرة مصر وَعَاد مرّة ثَانِيَة وَأَنا بالروم فَابْتلى برمد فِي عَيْنَيْهِ حَتَّى قَارب أَن يكف فسافر من طَرِيق الْبَحْر إِلَى مصر فوصلها وَلم تطل مدَّته بِهِ حَتَّى توفّي وَكَانَت وِلَادَته بِبَغْدَاد فِي سنة ثَلَاثِينَ وَألف وَتُوفِّي فِي أحد الربعين من سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَألف رَحمَه الله تَعَالَى “.

30 / تراجم الصواعق
(تراجم الصواعق في واقعة الصناجق) هو عنوان كتاب في تاريخ مصر يتناول واقعة الحرب الأهلية بين بكوات المماليك من قادة الصناجق (التشكيلات العسكرية) في العصر العثماني والتي كان تأثيرها كبيرا في مجرى الأحداث السياسية والاجتماعية وقتها ، وقد كتبه المؤرخ والفقيه برهان الدين إبراهيم بن أبي بكر بن إسماعيل بن محمد الذنابي العوفي الصالحي الذي ولد في القاهرة عام 1030 هـ / 1620 م وتوفي فيها عام 1094 هـ / 1683 م وهو شامي الأصل ويرجع في نسبه إلى جده الأعلى الصحابي الجليل عبد الرحمن بن عوف الزهري القرشي.
ويعرف بالصالحي والصوالحي (نسبة إلى الصالحية من أحياء دمشق على سفح جبل قاسيون) والحنبلي (نسبة لمذهبه) والذنابي (نسبة إلى قرية ذِنَّابة إحدى قرى نابلس) والعوفي (نسبة للصحابي الجليل عبد الرحمن بن عوف) ، وقد نشأ في بيت علم وصلاح حيث أقبل على طلب العلم على شيوخ عصره بالقاهرة فحفظ القرآن الكريم كاملاً ثم بدأ بطلب العلم منذ صباه وانكب على التأليف والتصنيف في مختلف العلوم الإسلامية بالإضافة إلى التاريخ والرياضيات.
وقد أخذ الفقه عن شيخه العلامة منصور بن يونس بن صلاح الدين بن حسن بن أحمد بن علي الشهير بالبهوتي المصري صاحب شرحي الإقناع والمنتهى والروض المربع ومنح الشفاء الشافيات شرح المفردات المتوفى سنة 1051 هـ ، وأخذ عن العلامة الشيخ علي بن زين العابدين الأجهوري المالكي المتوفى سنة 1066 هـ ، وأخذ علم الحديث عن الشيخ العلامة محمد بن أحمد الخطيب الشوبري الشافعي المتوفى سنة 1069 هـ وغيرهم كثير من العلماء وأجازوه خاصة وعامة، حتى صار رحمه الله تعالى من أعلام الحنابلة في زمانه.
ومن مؤلفاته الأخرى كتاب مسلك الراغب لشرح دليل الطالب (في الفقه) وكتاب إفادة الإشارة الجليلة عن أحكام الإجارة الطويلة وكتاب حدائق العيون الباصرة في أخبار أحوال الطاعون والآخرة وكتاب روض المربع في صفة حج المتمتع وكتاب بغية المتتبع لحل ألفاظ الروض المربع وكتاب شرح منتهى الإرادات في الفقه وكتاب نصيحة أولي الأبصار في ترك الكبر والعظمة والافتخار بالإضافة إلى رسائل عديدة في الفرائض والحساب.
وقد أثنى عليه العلماء فقال العلامة مصطفى بن فتح الله الحموي المتوفي عام 1123 هـ وذلك في كتابه فوائد الارتحال ونتائج الأسفار حيث يقول : ” كان من الأعيان الأفاضل وسراة الأماثل له المهارة القوية واليد الطولى والهمة العلية في الفرائض والعلوم الحسابية بالفقه وغيره من العلوم الدينية .. وبالجملة فإنه كان حسنة من حسنات الزمان في هذا الأوان ” ، وبعد حياة حافلة بالعلم والعطاء توفي رحمه الله فجأة ظهر يوم الاثنين، رابع عشر ربيع الثاني عن أربع وستين سنة، وصلى عليه بالجامع الأزهر إماماً بالناس فضيلة الشيخ إبراهيم البرماوي ضحى يوم الثلاثاء خامس عشر ربيع الثاني سنة أربع وتسعين وألف ودفن بتربة الطويل عند والده رحمهما الله تعالى.
وقد ترجم له المحبي في كتابه خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر فقال : ” إِبْرَاهِيم بن أبي بكر بن إِسْمَاعِيل الدنابي الْعَوْفِيّ نسبته إِلَى عبد الرَّحْمَن بن عَوْف رَضِي الله عَنهُ الدِّمَشْقِي الصَّالِحِي الأَصْل الْمصْرِيّ المولد والوفاة كَانَ من أَعْيَان الأفاضل لَهُ الْيَد الطُّولى فِي الْفَرَائِض والحساب مَعَ التبحر فِي الْفِقْه وَغَيره من الْعُلُوم الدِّينِيَّة وَهُوَ حنبلي الْمَذْهَب نَشأ بِمصْر وَأخذ الْفِقْه عَن الْعَلامَة مَنْصُور البهوتي والْحَدِيث عَن جمع من شُيُوخ الْأَزْهَر وَأَجَازَهُ غَالب شُيُوخه.
وَألف مؤلفات مِنْهَا شرح على مُنْتَهى الارادات فِي فقه مذْهبه فِي مجلدات ومناسك الْحَج فِي مجلدين ورسائل كَثِيرَة فِي الْفَرَائِض والحساب وَكَانَ لطيف المذاكرة حسن المحاضرة قوي الفكرة وَاسع الْعقل وَكَانَ فِيهِ رياسة وحشمة موفورة ومروءة وَكَانَ من محَاسِن مصرفي كَمَال أدواته وعلومه مَعَ الْكَرم المفرط وَالْإِحْسَان إِلَى أهل الْعلم والمترددين إِلَيْهِ.
وَكَانَ حسن الْخلق والأخلاق وَكَانَ يرجع إِلَيْهِ فِي المشكلات الدُّنْيَوِيَّة لِكَثْرَة تدبره فِي الْأُمُور ومنازلته لَهَا وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّهُ كَانَ حَسَنَة من حَسَنَات الزَّمَان وَكَانَت وِلَادَته بِالْقَاهِرَةِ فِي سنة ثَلَاثِينَ وَألف وَتُوفِّي بهَا فَجْأَة ظهر يَوْم الِاثْنَيْنِ رَابِع عشر من ربيع الثَّانِي سنة أَربع وَتِسْعين وَألف وَصلى عَلَيْهِ ضحى يَوْم الثُّلَاثَاء وَدفن بتربة الطَّوِيل عِنْد وَالِده رحمهمَا الله تَعَالَى “.
وقد استهل كتابه تراجم الصواعق بمقدمة يشرح فيها دوافعه لتأليفه حيث يقول : ” واعلم أنه قد حدث بمصر واقعة كانت لمن غوى قامعة واقعة ليس لوقعتها كاذبة صارت لذوي الغي جاذبة ، ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض واتباعهم سبل السنن والفرض لأضحت بدور الهدى منها كاسفة ولأماكنهم ومنازلهم ومواضعهم خاسفة ولمن يتأسف عليه من أهل التوفيق آسفة.
فيا لها من طامة ليس لها من دون الله كاشفة رجت لها القلوب رجا وهجت منها العوالم هجا واهتزت منها الديار وشخصت لها الأبصار وارتعدت منها المفاصل وتزايد الخوف بالتواصل إلى أن من الله تعالى بخفي الألطاف والنجاة مما يخشى منه ويخاف ومما يتضرر منه ويتألم ولكن الله سلم ، فصارت عبرة لمن يعتبر ومثلة لمن يطغى ويغتر وبقيت تضرب بها الأمثال وتتحاكى بوقعها الرجال.
فلما حصلت هذه الحادثة التي كانت للقلوب حارثة سألني بعض السادة الكرام عين الأماجد الكرام من نطق الدهر لهم بالسيادة وخدمت بأعتابهم السعادة سادات كرام أماجد عزاز عظام الود والمعاهد ، من لم يسعني مخالفته ولا يمكني إلا إجابته أن أضبط وأحرر هذه الواقعة مما شوهد من الأمور الخارقة ورجح من الأقوال الصادقة وأعلل ما فيه التعليل بذكرى لفظة قيل لتكون في غابر الأزمنة تاريخا ولأهل البغي والطغيان توبيخا.
والله أسأل أن يلطف بي والمسلمين وأن يغفر لي ولجميع المؤمنين وأن يرحمنا برحمته الواسعة ويدخلنا بفضله جناته الفسيحة إنه على ما يشاء قدير وبالإجابة جدير ، وسميتها : (تراجم الصزاعق في واقعة الصناجق) ورتبتها على مقدمة وثلاثة أبواب وخاتمة.
والمقدمة في القضاء والقدر والإيمان بهما ، والباب الأول في بعض آيات شريفة وتفسيرها وأحاديث منيفة وتعبيرها منسبة لواقعة الحال التي يضرب بها الأمثال ، والباب الثاني في تاريخ الواقعة حسبما أدى إليه الاجتهاد وتصدى إليه التوجه والاعتماد ، والباب الثالث في واقعة محمد بيك التي بواقعته اللطف حف الكائنة بالصعيد في تاريخ سنة تسع وستين وألف.
والخاتمة في بعض أحوال المصيبة وما لها من الثواب وأحكام الصبر وما يعقبه من حسن المآب وفي التوبة والاستغفار وفي سعة رحمة الله المنجية من النار وفي تقسير قوله تعالى : وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم “.
وفي مقدمة كتابه مسلك الراغب لشرح دليل الطالب يقول : ” وبعد ، فالعلم أفضل شيء يتبع وأحسن ما به يتمتع وينتفع وأجل العلوم شرفاً وقدراً وأرفعها ذكراً وفخراً وأظهرها عِلْماً وعلماً وأكثرها حُكْماً وحكماً وأبلغها ثواباً وأربحها اكتساباً وأرجحها فضيلةً وأنجحها وسيلةً علم الفقه الشريف وأحكام الدين المنيف والإشراف على سر المسائل الفقهية والوقوف على الأقوال الشرعية فعند ذلك وجبت إعانة قاصديه وترغيب مجتهديه ومريديه.
و لما رأيت (مختصر منتهى الإرادات) – أنزل الله تعالى على مؤلفه الرحمة والبركات – الموسوم بدليل الطالب لنيل المطالب للشيخ العلامة الفريد والعمدة الفهامة الوحيد بحر الطالبين والمحققين كنز العارفين والمدققين الشيخ مرعي الحنبلي – تغمده الله المولى العلي بالرحمة والرضوان وأسكنه فسيح الجنان بمنه وكرمه وجوده وعِظَمِهِ ، وجدته مختصراً في غاية الاختصار كثير المعاني جليل الاعتبار سبك فيه المسائل سبكاً وفتك فيه بميادين البلاغة فتكاً لكنه يحتاج إلى شرح يحل غوامض ألفاظه ويوضح عباراته ويعين قصاده وحُفَّاظه.
فاستخرت الله سبحانه وتعالى الذي ما خاب من استخاره ولا ندم من التجأ إليه واستعانه واستجاره وشمرت عن ساعد الاجتهاد بالإقدام وانتصبت لفعل ذلك بأحسن قيام مستعيناً بعون عناية المعين المنان مستفيضاً من فيض فضل الفياض مجزل الإحسان متبعاً في ذلك سبيلاً سهلاً ، وإن كنت لست لذلك أهلاً وإنما ذلك حسب الطاقة والإمكان لكوني لم أكن من فرسان هذا الميدان وذلك لعجزي وتقصيري وقلة جهدي وتبصيري وإنما قصدت إعانة الطلاب وإفادة ما تيسر من حل مشكلات هذا الكتاب.
سائلاً من الله الإمداد بذوارف الألطاف الخفية والإعانة على تبيين أحكام المسائل بالإسعاف من رب البرية وأن يعصمني من السهو والغلط والخطأ ويمن علي من حسن البصيرة بمزيد العطاء وأستغفر الله من خلل يصدر من، ومن زلل يظهر عني ومن عثرات تجلب الندم مما يطغى به القلم ومن جهل يوجب العدم عند زلة القدم راجياً فضل ، فَمَنْ رأى شيئاً من عيوب تظهر الانفضاح سده بتكرمه وأسبل عليه ستر الإصلاح ودفع بالتي هي أحسن وإلى الخير هيأه ليكن ممن أدرأ بالحسنة السيئة.
وأستعيذ بالله من شر كل حاسد هالك يحسد السالك لهذه المسالك ويتغافل عما به من المحاسن والإفادة ولا ينظر إلى قوله تعالى ويأبى الله إلا ما أراده ، والله المأمول أن يوفقني والمسلمين إلى سبيل الرشاد ويمن علي وعليهم بحسن السداد وأن يكفينا شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا وحصائد ألسنتنا وقبائح أفعالنا بمنه وكرمه وجوده وفضله ، وسميته : (مسلك الراغب لشرح دليل الطالب) راجياً من الله العظيم أن يجعله خالصاً لوجهه الكريم وأن ينفع به بفضله كما نفع بأصله إنه على ما يشاء قدير وبالإجابة جدير “.