
1 / حجة العهد
في تاريخ مصر عدد كبير من الشخصيات التي شكلت رموزا للمقاومة الشعبية من أشهرهم العز بن عبد السلام في الزمن القديم والشيخ الدردير في العصر العثماني والشيخ حافظ سلامة في العصر الحديث وكذلك في التراث الشعبي هناك ميل لصناعة أبطال مثل علي الزيبق وأدهم الشرقاوي.
وقد شهد العصر العثماني ثورات عدة لكن ما حدث في عام 1795 م كان مختلفا لأن الثورة انتهت بكتابة (حجة العهد) التي تعد أول نواة لدستور في مصر ووقع عليها الوالي والقاضي والأمراء المماليك مع ممثلي الشعب وهم نقيب الأشراف عمر مكرم وشيخ الأزهر عبد الله الشرقاوي وكل من الشيخ السادات والشيخ البكري والشيخ الأمير.
وقد تميز عمر مكرم عن سائر معاصريه بأنه كان صاحب مبدأ ومستعدا للتضحية فكان بطلا من البداية إلى النهاية ، وهو من القلائل الذين جمعوا بين مقاومة الاستبداد والجهاد ضد الأعداء ، وهو في الأصل عالم ومثقف وكان مشرفا على الأوقاف أي كان بلغة العصر من نشطاء العمل الأهلي.
ثورة 1795 : كانت البداية في بلبيس بالشرقية والتي انطلقت منها شرارة العصيان فشملت أنحاء كثيرة من البلاد ، وكان أتباع محمد بك الألفي أحد زعامات المماليك قد فرضوا الكثير من الضرائب والإتاوات على بعض التجار والأغنياء والفلاحين ، ومن أجل تحصيلها أمر أتباعه باستخدام كل أساليب التعذيب ، كانت الضرائب فوق طاقة الأهالي ولم يكن باستطاعتهم سدادها فتجمعوا وانعقد عزمهم على الزحف إلى القاهرة للجوء إلى الزعامات الدينية في الأزهر.
كان المشهد مهيباً حيث سارت جموع الشعب على الأقدام من بلبيس إلى القاهرة قاصدين الجامع الأزهر وكان في استقبالهم كل من الشيخ عبد الله الشرقاوي شيخ الجامع الأزهر والسيد عمر مكرم نقيب الأشراف ، وحملهما الأهالي مطالبتهم برفع الظلم الواقع عليهم فأمرا بإغلاق أبواب الأزهر وبادرا إلى عقد اجتماع موسع ضم المشايخ والعلماء ، وانتهى اجتماعهم على مخاطبة الزعيمين المملوكين مراد بك وإبراهيم بك بشأن مطالب الناس ومظالمهم ولكنهما لم يبديا شيئاً من الاستعداد لرفع تلك المظالم والتخفيف منها.
وثيقة المطالب : قرر المشايخ والعلماء ونقيب الأشراف تصعيد المواجهة فأمروا الناس بغلق الحوانيت والأسواق واجتمع معهم خلق كثير وتبعتهم الجماهير التي كانت تضيق ذرعاً بظلم المماليك وتوجه الجميع إلى بيت الشيخ أبي الأنوار السادات الذي كان قريباً من مقر إقامة إبراهيم بك ، والذي أرسل إليهم أيوب بك أحد أعوانه فسألهم عن مطالبهم ومقاصدهم من وراء هذا التمرد فقالوا له : نريد العدل ورفع الظلم والجور وإقامة الشرع وإبطال الحوادث (يقصدون حوادث السلب والنهب من جانب عساكر المماليك) ونريد إلغاء المكوسات التي ابتدعتموها وأحدثتموها (الضرائب والإتاوات والفرد المفروضة على الأهالي بدون وجه حق).
لكن أيوب بك الدفتردار مندوب إبراهيم بك رد عليهم بأنه (لا يمكن الإجابة إلى هذا كله لأننا إن فعلنا ذلك ضاقت علينا المعايش والنفقات) ، فقيل له هذا ليس بعذر عند الله ولا عند الناس وأنه لا يمكن أن يعيش الحاكم في بحبوحة من العيش ويعيش الناس في فقر وإملاق ، وقال الشيخ الشرقاوي : هل من المعقول أن تتمتعوا وغيركم يتقطعوا ؟ ، وتابع عمر مكرم : وإن طلبتم ما في طاقتنا لدفعنا ولكنكم تجبرون الناس على الثورة والناس في ضيق من أفعالكم ، وأضاف الشيخ السادات : ويل للحاكم من شعبه إن كان هو وحده المستريح ، وتساءل مستنكرا : ما الباعث على الإكثار من النفقات وشراء المماليك وهل لا يكون الأمير أميراً إلا بكثرة ما يملكه أو بكثرة ما ينفقه ؟
خاف أيوب من سوء العاقبة إن استمر في المجادلة والمناقشة فقال : ما على الرسول إلا البلاغ وسوف أبلغ وأعود لكم ، ولكنه لم يعد وانفض المجلس وتصاعدت وتيرة الاحتجاجات وبدأ الناس يستعدون لإقامة المتاريس وعمل الكور من النار وجمع النبابيت والعصي والمدى وبدأ الخطباء يحمسون الناس ضد الظلم والضرائب الجائرة وبدا أن الأوضاع على وشك الانفجار ، شعر المماليك بالخطر ورأوا أن المصلحة تقتضي إرضاء العامة والمشايخ وعدم مواجهة هذه الثورة واقتنعوا بضرورة مسايرة الموقف وعدم التصدي لجموع الشعب وزعاماته وأرسل مراد بك بعض الرسل إلى الأزهر ليأتوا له ببعض المشايخ ليتفاهم معهم في مطالب الشعب.
ذهب مشايخ الأزهر ومعهم السيد عمر مكرم إلى منزل مراد بك بالجيزة وخرج العامة من ورائهم في كتل شعبية تخوفاً من أن يغدر بهم المماليك وطلب السيد عمر مكرم منهم الانتظار والاستعداد وقال لهم : (إن لم نعد بعد ساعتين على الأكثر فعليكم القيام بما ترونه) ، وبعدها حضر الوالي العثماني إلى منزل إبراهيم بك حيث اجتمع بالأمراء هناك وتقابل للمرة الأولى مع كل من السيد عمر مكرم نقيب الأشراف والشيخ عبد الله الشرقاوي شيخ الجامع الأزهر والشيخ محمد البكري والشيخ أبو الأنوار السادات والشيخ محمد الأمير.
طال الحديث في اجتماع الزعامات الشعبية وأمراء المماليك والوالي العثماني وشدد العلماء على تلبية مطالب الشعب ، ولما طال بهم الوقت في الأخذ والرد أحس الناس بالمماطلة فتعالى هتافهم الله أكبر الله أكبر ، وبدأوا يقيمون المتاريس وعلت أصواتهم مطالبة بالعدل ورفع المظالم واضطر المماليك للخضوع لأول مرة لإرادة الشعب وانتهى الاجتماع على أساس أن أمراء المماليك قد تابوا ورجعوا والتزموا بما اشترطه العلماء عليهم وتم الصلح بينهم بالشروط التالية :
أن يدفع أمراء المماليك ما كانوا قد اغتصبوه من الشعب ومقداره سبعمائة وخمسين كيساً وأمر المشايخ بتوزيعها على أهل بلبيس وبعض فقراء القاهرة ، استئناف إرسال غلال الحرمين التي كانوا قد امتنعوا عن إرسالها وإعادة صرف غلات الشون وأموال الرزقة التي كانوا قد استولوا عليها ، واستئناف أداء العوائد المقررة لأهل الحجاز التي كانت تتكفل مصر الإسلامية بها بشكل دائم ، إبطال المكوس الجديدة وعدم فرض أي ضرائب بدون وجه حق وبدون استشارة العلماء وزعامات الشعب ، أن يكفوا أتباعهم عن امتداد أيديهم إلى أموال الناس ، أن يسيروا في الناس سيرة حسنة.
وحتى يضمنوا تنفيذ كل هذه الشروط طلب الزعماء من القاضي الذي كان حاضراً بالمجلس كتابة حجة عليهم تحتوي كل الشروط السابقة وفرمن عليها الباشا (من فرمان بمعنى وافق) وختم عليها إبراهيم بك بخاتمه ، ولما لم يكن مراد بك حاضراً للاجتماع فقد حرص عمر مكرم على ضرورة أن يقوم بتوقيعها وأقترح إرسالها إليه للتوقيع عليها فختمها بخاتمه وتعهد بتنفيذ ما جاء بها.
وما إن وُقِعت الحجة بخاتم إبراهيم بك ومراد بك ووقع عليها الباشا العثماني بنفسه أمام زعامات الشعب حتى رجع المشايخ ومن حولهم العامة وخرج الناس يهتفون : الله أكبر جاء الحق وزهق الباطل ، وفتحت الأسواق من جديد وسكنت الأحوال ، وقد حررت الوثيقة في 27 من ذي الحجة سنة 1209 هجرية الموافق 15 يوليو سنة 1795 ميلادية وهي مسجلة في سجلات الديوان العالي.
نص الحجة : وثيقة تبين استجابة الديوان والأمراء المماليك لمطالب العلماء كممثلين للشعب برفع المظالم الواقعة على الشعب ، مصدر الوثيقة أرشيف المحكمة الشرعية سجل الديوان رقم ص 300 مادة 473 نسختان (أشار عبد الرحمن الجبرتي إلى هذه الوثيقة وأسباب الحوادث التي أدت إليها في تأريخه لحوادث ذي الحجة 1209 هـ يوليو 1795 م ) نسختان :
” هو أنه بمصر المحروسة مدينة أهل الولاية المقربين وعلامة العاملين وسنة الراشدين شرفها الله تعالى إلى يوم الدين ، بين يدي سيدنا ومولانا شيخ مشايخ الإسلام علامة الأنام قاموس البلاغة ونبراس الأفهام أشرف السادة الموالي الأعالي الأئمة الكرام الناظر في الأحكام الشرعية قاضي القضاة يومئذ بمصر المحمية ، الموقع الكريم أعلاه دام علاه آمين.
مضمونه بحضرة كل من سيدنا ومولانا الإمام الأعظم والملاذ الأفخم الأكرم قطب دايرة الزمان وفريد العصر والأوان المحفوظ من الله الرحيم الرحمن ، خاص خواص أصحاب السعادة والصلاح خلاصة أعيان أرباب التقى والفلاح قرة أعين أهل الورع والزهد واسطة أصحاب الخشوع والرشد أستاذ أهل الطريقة وملاذ أهل الحقيقة سيد السادات ومعدن الفضل والجود والسيادات من به وبأسلافه نتوسل إلى الله الملك الغفار ، السيد الشريف الطاهر العفيف الشيخ محمد أبو الأنوار شيخ السجادة الشريفة الوفوية وصاحب الكنية المنيفة المصطفوية الحميدية حالا زاده الله عزا وإجلالا آمين.
وسيدنا ومولانا فخر سادتنا بني الصديق وكوكب سما مجدهم على التحقيق فرع الشجرة الشريفة الصديقية من به وبأسلافه نتوسل إلى الله الملك الغفار الجليل ، مولانا السيد الشريف الشيخ خليل البكري الصديقي الأشعري آل الحسن شيخ سجادة أجداده بني الصديق حالا.
وسيدنا ومولانا فخر أعزة الأئمة الأشراف الفضلا العظام سلالة آل بني عبد مناف الفخام فرع الشجرة الزكية والعصابة الهاشمية الفاخرة الواثق بربه المعيد المبدي ، مولانا السيد الشريف عمر أفندي نقيب السادة الأشراف بمصر حالا زاده الله عزا وإجلالا.
وسيدنا ومولانا الشيخ العالم العلامة الهمام أوحد الأفاضل العظام مفيد الطالبين بإفهام عمدة المحققين وقدوة العلما العاملين زين الشريعة والملة والدين ، مولانا الشيخ عبد الله الشرقاوي الشافعي شيخ مشايخ أهل الإفادة والإفتى والتدريس بالجامع الأزهر حالا.
وسيدنا ومولانا الشيخ الإمام العلامة الهمام أوحد الأفاضل العظام سيبويه الزمان وفريد العصر والأوان مولانا الشيخ شمس الدين محمد الحريري الحنفي الأزهري مفتي السادة الحنفية بمصر حالا ، وسيدنا ومولانا الشيخ الإمام العالم العلامة الهمام أوحد الأفاضل الكرام صدر المدرسين العظام مفيد الطالبين بإفهام مولانا الشيخ شمس الدين محمد الشهير نسبه الكريم بالأمير المالكي الأزهري مفتي السادة المالكية بمصر حالا.
وسيدنا ومولانا الشيخ الإمام العلامة الهمام أوحد الأفاضل العظام صدر المدرسين الكرام مفيد الطالبين بإفهام مولانا الشيخ زين الدين مصطفى الشهير نسبه الكريم بالصاوي الشافعي الأزهري عين أعيان أهل الإفادة والإفتى والتدريس بالجامع الأزهر حالا ، وسيدنا ومولانا الشيخ الإمام العلامة الهمام أوحد الأفاضل العظام مولانا الشيخ زين الدين عبد المنعم الغماري المالكي عين أعيان أهل الإفادة والإفتى والتدريس بالجامع الأزهر حالا.
وسيدنا ومولانا الشيخ الإمام العلامة الهمام أوحد الأفاضل العظام صدر المدرسين الكرام مولانا الشيخ شهاب الدين أحمد العريشي الحنفي عين أعيان أهل الإفادة والإفتى والتدريس بالجامع الأزهر ، والشيخ الإمام العلامة الهمام صدر المدرسين الكرام مولانا الشيخ برهان الدين إبراهيم السجيني الشافعي الأزهري عين أعيان أهل الإفادة والإفتى والتدريس بالجامع الأزهر حالا.
والشيخ الإمام العلامة الهمام صدر المدرسين الكرام مولانا الشيخ زين الدين حسين المنصوري الحنفي عين أعيان أهل الإفادة والإفتى والتدريس بالجامع الأزهر حالا ، والشيخ الإمام العلامة زين الدين سالم بن مسعود الفوي المالكي الأزهري عين أعيان أهل الإفادة والتدريس وشيخ رواق السادة المغاربة المجاورين بالجامع الأزهر ، عمت بركاتهم وأدام الله النفع بوجودهم آمين.
بمنزل قدوة الأمرا العظام كبير الكبرا الفخام صاحب العز والقدر والهمة والمجد والاحترام المقر الكريم العالي حايز رتب المفاخر والمعالي ، مير اللوا السلطاني الشريف مولانا الأمير إبراهيم بيك الكبير محمد (أي تابع محمد أبو الدهب) قايمقام بمصر المحروسة سابقا وأمير الأمرا بها حالا.
وقدوة الأمرا الكرام كبير الكبرا الفخام المقر الكريم العالي حايز رتب المفاخر والمعالي مولانا الأمير أيوب بك الكبير أمير الحاج الشريف المصري سابقا (محمد) ، وقدوة الأمرا الكرام كبير الكبرا الفخام المقر الكريم العالي حايز رتب المفاخر والمعالي مولانا الأمير إبراهيم بيك مير الحاج الشريف المصري سابقا وحاكم ولاية دجرجا سابقا (محمد) ، وقدوة الأمرا الكرام صاحب العز والمجد والاحتشام مير اللوا الشريف السلطاني مولانا الأمير سليمان بيك (محمد) حاكم ولاية دجرجا سابقا.
وافتخار الأمرا الكرام عين أعيان ذوي الوقار الفخام مير اللوا الشريف السلطاني مولانا الأمير أحمد بيك (محمد) حاكم ولاية المنوفية سابقا ، وافتخار الأمرا العظام عمدة ذوي الوقار الفخام الجانب العالي حايز رتب المفاخر والمعالي مولانا الأمير عثمان بيك (مراد) حاكم ولاية دجرجا سابقا ، وقدوة الأمرا الكرام عمدة أولي الشأن الفخام مير اللوا الشريف السلطاني مولانا الأمير قاسم بيك (عثمان) ، والجناب العالي الأمير ذو الفقار أغا أغات مستحفظان قلعة مصر المحروسة حالا.
والجناب المكرم والمخدوم المعظم الأمير صالح أغا وكيل دار السعادة العظمى بمصر حالا (محمد) ، وفخر الأكابر وكمال الأعيان عين أعيان ذوي المفاخر والشأن الجناب الكريم الأمير علي كتخدا طايفة مستحفظان قلعة مصر المحروسة حالا ، والجناب المكرم الأمير إبراهيم كتخدا باش اختيار مناو ، والأمير عثمان كتخدا طايفة عزبان قلعة مصر حالا ، والجناب المكرم الأمير مصطفى كتخدا باش اختيار عزبان ، والجناب المكرم الأمير أحمد أغا باش اختيار طايفة المتفرقة ، والجانب المكرم الأمير مصطفى أغا باش اختيار متفرقة.
والجناب المكرم الأمير علي كتخدا الجاويشية ، والأمير علي أغا اختيار طايفة جاويشيان (سليم) ، والجناب المكرم الأمير أحمد أغا اختيار طايفة جاويشيان (غانم) ، والجناب المكرم الأمير يوسف باش جاويش جمليان ، والجناب المكرم الأمير يوسف أفندي كاتب كبير جمليان ، والجناب المكرم الأمير سليمان جوربجي باش اختيار تفكجيان (البرديسي) ، والأمير أحمد أفندي كاتب صغير تفكجيان ، والجناب المكرم الأمير حسن باش جاويش جراكسة ، والأمير محمد جوربجي باش اختيار جراكسة.
واطلاعهم وشهادتهم على ما يأتي ذكره فيه ، بعد أن توافق كل من ساداتنا أرباب السجاجيد وساداتنا علماء الإسلام مصابيح الظلام متع الله بوجودهم الأنام مع كامل الأمراء الكرام المعين أسماؤهم بأعاليه ، علي تنزيل جوامك المسلمين المطلوبة من المال الميري ، وإجرا جرايات المستحقين وعلوفات الفقراء والمساكين وإجراء منورية الجامع الأزهر ومحفل العلم الشريف الأنور وجراياته من وقفه الخاص به ولا يؤخذ له شيء من المكوس والمظالم وإجرا ملايل الحجج وتعلقاته حكم قديمها على ما هي عليه من زمن الملوك والسلاطين.
ومنع التفاريد علي البلاد والرعايا والفقراء ، ومنع ترك الكشاف الجائرة في بلاد الله التي خربوها ونهبوها ودمروها ، وإزالة العلنجية من مصر القديمة لإيذائهم المسلمين ، وأن لا يزاد على دفتر المرحوم الأمير محمد بيك أبو الدهب قايمقام مصر كان في رفع المظالم وأن جميع ما أحدثه المرحوم الأمير إسماعيل وغيره يزال من أصله بالكلية ، وأن ترفع المكوس الجارية في البنادر والموارد وما جعل علي المآكل والمشارب ، وإزالة جميع الحوادث والمظالم من جميع الأقطار المصرية.
والتزموا ألا يتعرض أحد منهم إلي السادة الأشراف القاطنين بجميع البلاد لا بشكوى ولا بأذية ولا بضرر ولا بوجه من الوجوه وأن ينتهي أمرهم في حوادثهم الخاصة بهم إلي أفنديهم ونقيبهم في سائر الأقطار والأزمان ، وألا يتعرض أحد منهم لنواب الشريعة المحمدية بوجه يضر بهم وأن ينتهي أمرهم في كامل حوادثهم المتعلقة بهم إلي أفنديهم مولانا شيخ الإسلام قاضي عسكر أفندي بمصر في جميع الأزمان ، وأن يقوموا بعمارة السواقي الموصلة المياه إلى القلعة وإدارتها بحضرة الوزرا والفقها وشرب المسلمين القاطنين بها ، وعدم إنزال الغلال من الديار المصرية إلى بلاد الكفرة والمشركين أعداء الدين ، وأن يحدث حادثة من الآن إلى ما يستقبل من الزمان.
فأجابوا حضرة الأمرا الكرام المعين أسماؤهم بعاليه بالسمع والطاعة وعدم مخالفة الجماعة وأن يبطلوا هذه المظالم الحادثة التي أضرت بالإسلام والمسلمين وأبادت أموال الفقراء والمساكين وحصل فيها الضعف والجور المبين ، وامتثلوا جميعاً ما طلب منهم وأشير له عليهم وعاهدوا الله سبحانه وتعالي علي ألا يعودوا إلي تلك الأفعال ، وكل من خالف ذلك أو توقف في دفع ما يترتب عليه أو سعي في إبطال شيء من ذلك فيكون علي ساداتنا أرباب السجاجيد وعلما الإسلام والأمرا قهره واستخلاص كامل ما هو مطلوب منه لأربابه كائن من كان.
عملا في ذلك بالفرمان الشريف الواجب القبول والتشريف المكتب باللغة العربية والوارد في شأن ذلك من حضرة سيدنا ومولانا الوزير المعظم والدستور المكرم والمشير المفخم من تناه بمقصده الجميل غايات مصالح الإسلام وفاهت بمحامده السنية الأقلام صاحب السعادة مولانا الوزير الحاج صالح باشا كافل الديار المصرية حالا يسر الله له من الخيرات ما يريد وما شاء ، المقيد بسجل الباب العالي بمصر المحفوظ بخزينة السجلات العامرة والمؤرخ بيوم تاريخه أدناه توافقا صحيحا شرعيا عن طيب قلب وانشراح صدر لما علم كل منهم في ذلك من الحظ والمصلحة باعتراف كل منهم بذلك بحضرة شهوده ومن ذكر أعلاه في يوم تاريخه الاعتراف الشرعي.
ولما تم الحال على هذا المنوال أشهد على نفسه كل من افتخار الأمرا الكرام كبير الكبرا الفخام المقر الكريم العالي الأمير إبراهيم بيك الكبير المشار إليه ، وافتخار قدوة الأمرا الكرام كبير الكبرا الفخام صاحب العز والقدر والمجد والاحتشام المقر الكريم العالي والكوكب المنير المتلالي حايز رتب المفاخر والمعالي مير اللوا الشريف السلطاني مولانا الأمير مراد بيك (محمد) أمير الحاج الشريف المصري سابقا ، شهوده الإشهاد الشرعي وهما بأكمل الأوصاف المعتبرة شرعا أن عليهما القيام في كل سنة بجريان كامل ما نص وشرح بأعاليه بقدر الإمكان والاستطاعة القيام الشرعي بالطريق الشرعي.
فطوبى للذين آمنوا وعملوا الصالحات واجتهدوا في استخلاص حقوق عباد الله ودفعها لهم بما أمر الله فمن فعل ذلك مجتهدا في طاعة الله ممتثلا لأوامر الله مجتنبا للنواهي فهو من الفائزين عند الله يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم لقوله تعالى في كتابه العزيز : إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا ، وأما من أعان على مصالح ذلك وسعى في إجراء كامل ما نص وشرح بأعاليه برد الله مضجعه ولقنه حجته وجعله من الآمنين الفائزين الفرحين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
ولما تم ذلك على الوجه المستور حكم مولانا أفندي المشار إليه بموجب ذلك وأمر بكتابته وقيده بالسجل المحفوظ ضبطا للواقع ليراجع به عند الاحتياج إليه والاحتجاج به حكما وأمرا شرعيين وعلى ما جرى وقع التحرير ، في سابع عشرين شهر الحجة الحرام ختام سنة تسع ومايتين وألف ، كتبه الشيخ عبد الوهاب الداودي 27 الحجة 1209 هـ / 15 يوليو 1795 م “.
سيرة السيد عمر مكرم : ولد سنة 1164 هـ / 1750 م في أسيوط من أسرة شريفة النسب تنتهي إلى الأدارسة ، وانتقل إلى القاهرة للدراسة في الأزهر وعُني بالفقه وتخرج في الأزهر واقتنى مكتبة كبيرة ما زال جزء منها محفوظاً في دار الكتب المصرية باسمه ، لكنه لم يشتغل بتأليف الكتب ولا بالدروس لأنه كان بطبعه ميالاً إلى المشاركة في الشأن العام وسياسة الشعب والاهتمام بأمور المجتمع المصري.
وكانت بداية بروز السيد عمر مكرم لما اختل الأمر في الديار المصرية بوقوع التنازع بين أمراء المماليك وتسابقهم في ظلم الشعب فأرسلت الدولة العثمانية حسن باشا الجزائرلي لتأديب المماليك خاصة الأميرين مراد وإبراهيم اللذين فَرّا إلى الصعيد ، فلما عاد حسن باشا إلى بلاده سنة 1205 هـ / 1791 م توسط الأميران لدى الحكومة العثمانية في القاهرة ليعودا إليها وكان رسولهما في هذا هو السيد عمر مكرم لصداقة بينهم فنجح في مهمته وعاد الأميران للحكم.
وبعد ثلاث سنوات من هذه الحادثة توفي السيد محمد البكري نقيب الأشراف وشيخ السادة البكرية ولم يكن له عقب فأسند الأميران نقابة الأشراف إلى السيد عمر مكرم عرفاناً بالجميل ووفاءً له وكان ذلك سنة 1208 هـ / 1793 م وكان هذا بداية ظهوره في المجتمع المصري.
ثم عظم شأنه بعد ذلك إذ أن الأميرين عادا إلى سيرتهما القبيحة وظلمهما للشعب فثار الشعب المصري عليهما سنة 1209 هـ / 1795 م وكادت تحدث فتنة فاجتمع الأمراء والباشا التركي في بيت الأمير إبراهيم وتعهد الأميران مراد وإبراهيم وسائر الأمراء بكف أيديهم عن الشعب وتحري العدل ورفع المظالم وصرف الأموال إلى مستحقيها وإرسال مخصصات الحرمين ورفع الضرائب المستحدثة وأن يسيروا في الحكم سيرة حسنة ، وكُتبت وثيقة بذلك وخُتمت من قِبَل الأميرين ومن الباشا التركي وكان السيد عمر مكرم ممن اشترك في كتابة هذه الوثيقة وهذا مما رفع من مكانته بين قومه.
السيد عمر مكرم والحملة الفرنسية على مصر : ولما احتل الفرنسيون مصر سنة 1213 هـ / 1799 م هرب الأميران مراد وإبراهيم بعد معركة قصيرة مع الفرنسيين وتركا الشعب المصري لمصيره ، وهنا نادى السيد عمر مكرم في المصريين بالجهاد وصعد إلى القلعة ونشر علماً كبيراً كان يُسمى (البيرق النبوي) ونـزل من القلعة إلى بولاق والناس حوله ألوف مؤلفة يحملون العصي والنبابيت وهم يهللون ويكبرون وقد امتلأوا حماسة وحباً للجهاد لكن ما الذي تغنيه قوتهم وعتادهم الضعيف أمام أسلحة الفرنسيين الحديثة خاصة أن جيش المماليك قد هُزم ولاذ بالفرار ؟!
وهنا رأى المشايخ مثل الشرقاوي شيخ الأزهر والشيخ السادات أن يستسلموا ويسلموا البلد للفرنسيين لكن عمر مكرم رفض أن يدخل القاهرة وآثر أن يصحب جيش إبراهيم بك في تقهقره إلى الشمال نحو المنصورة ثم إلى سيناء فالشام وجيش الفرنسيين يتبعهم.
ثم لجأ عمر مكرم إلى يافا وبقي فيها حتى فتحها نابليون الذي حرص على إكرامه وإعادته إلى مصر عن طريق دمياط ، ودخل القاهرة بعد غياب ثمانية أشهر فلم يشهد ثورة المصريين الأولى على الفرنسيين التي وقعت بعد ثلاثة أشهر من الاحتلال إنما شهد الثورة الثانية.
ولما عاد إلى مصر رفض أن يشترك في ديوان الحكم الذي أقامه الفرنسيون لتسيير أمور المصريين ، ولم يطلب استرجاع مكانه في نقابة الأشراف ولا في نظارة الأوقاف اللتين كان يديرهما من قبل ولم يرض أن يطلب من الفرنسيين أن يردوا له أملاكه التي صادروها عزةً وأنفةً ورفضاً للاحتلال.
ثورة القاهرة الثانية على الفرنسيين : في 23 شوال سنة 1214 هـ / مارس 1800 م ثار المصريون على الفرنسيين ثورتهم الثانية وقصد الشعب السيد عمر مكرم ينادونه ويهتفون باسمه فلم يخيب ظنهم وسارع بالنـزول إلى الشوارع وقاد الثورة الشعبية ومعه بعض الأمراء والكبراء والشجعان وأمر أهل القاهرة ببذل الأموال فسارعوا لتلبية أمره ، وتحرك السيد عمر مكرم من شارع إلى آخر ومن موقع إلى موقع يحمس الناس ويثبتهم ويشد من عزيمتهم.
ولما وقع الصلح أخرج الفرنسيون بقايا عسكر الترك من مصر وأباحوا لمن أراد من المصريين أن يخرج معهم فخرج السيد عمر فيمن خرج مؤثراً الغربة وتحمل المشاق على البقاء في بلاده وهي محتلة وذلك هو خروجه الثاني في أول ذي الحجة سنة 1214 هـ / 25 ابريل 1800 م بعد سبعة وثلاثين يوماً من الجهاد وإغلاق أبواب القاهرة في وجه الفرنسيين الذين دكوها بالقنابل من القلاع المشرفة عليها.
ولما خرج السيد من مصر إلى الشام نُهب بيته كما نُهبت بيوت سائر الأمراء الذين آثروا الخروج على البقاء ، ثم لما رجع الجيش العثماني إلى مصر بمعونة الإنجليز لطرد الفرنسيين منها رجع معهم السيد عمر مكرم واستقبلته القاهرة استقبالاً حافلاً وصار رجل مصر وزعيمها الشعبي وعادت إليه زعامة نقابة الأشراف.
عمر مكرم يُنَصِّب محمد علي حاكماً على مصر :لما خرج الفرنسيون من مصر سنة 1215 هـ / 1801 م عاد أمراء المماليك إلى عادتهم المذمومة في ظلم الناس واضطهادهم وصاروا بحيث يقاتل بعضهم بعضاً ، وكان في مصر والٍ عثماني اسمه أحمد خورشيد باشا لكنه لم يستطع ضبط الأمور وكان محمد علي رئيساً لجند الأرناؤوط (الألبان) وكان بين الأرناؤوط والمماليك نزاع وبينهما وبين الوالي التركي وجيشه نـزاع.
وحدثت حوادث يطول ذكرها لكن العلماء وعلى رأسهم السيد عمر مكرم رأوا أن أفضل من يلي حكم مصر هو محمد علي لما رأوا من هدوئه وحسن ضبطه للأمور ودهائه وقوته ، فاستقر رأي العلماء على تنصيب محمد علي حاكماً علي مصر فدخل عليه السيد عمر مكرم والشيخ الشرقاوي وعرضا عليه ما اتفقوا عليه فتردد محمد علي ثم وافق فألبساه لباس الحاكم آنذاك وبايعاه نيابة عن الشعب في سنة 1220 هـ / 1805 م وكانت هذه الحادثة فريدة في تاريخ مصر لم تتكرر قبل ذلك أو بعده.
ولم يقبـل الوالي أحمد خورشيد هذا الذي جرى لكنه أُجبر عليه إجباراً وتصدر السيد عمر في هذه الحوادث كلها ومما يظهر عمق فهم السيد عمر وثقته بما صنع ما جرى بينه وبين رسول الوالي التركي أحمد خورشيد الذي أرسله ليناقش السيد عمر فيما صنعه فقال له الرسول : كيف تثورون على مَن ولاه السلطان عليكم وقد قال الله تعالى : (يا أيها الذين ءامنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم).
فقال له السيد : اعلم أن أولي الأمر هم العلماء وحملة الشريعة والسلطان العادل وهذا الحاكم الذي أرسلكم ما هو إلا رجل ظالم وقد كان لأهل مصر دائماً الحق في أن يعزلوا الوالي إذا أساء ولم يرض الناس عنه إن السلطان أو الخليفة نفسه إذا سار في الناس سيرة الجور والظلم كان لهم خلعه وعزله ، فقال الرسول : وكيف يجوز لكم حصارنا ومعاملتنا معاملة الخوارج الكفرة ؟ ، فقال السيد عمر : إننا نقاتلكم لأنكم عصاة قد خرجتم على الحق ، ومن هذه المناقشة يتبين عظم مكانة السيد عمر وطاعة الناس له ولجوئهم إليه.
ثم حدثت حوادث عديدة كادت تودي بمحمد علي في بدايات حكمه لكن السيد عمر مكرم استطاع أن يتجاوز عواقبها بسلام واستطاع تثبيت حكم محمد علي لمصر خاصة بعد أن عزلت الدولة العثمانية محمد علي بعد سنة تقريباً من ولايته وطلبت منه أن يتولى ولاية سلانيك عوضاً عنها ، لكن السيد عمر استطاع أن يجمع العلماء والكبراء وكتبوا كتاباً للسلطان العثماني يخبرونه بأنهم لا يرضون لحكم مصر إلا محمد علي باشا ورضخ السلطان لطلبهم بعد حوادث عديدة وثبت محمد علي حاكماً لمصر.
ولما تولى محمد علي حكم مصر بمساعدة السيد عمر مكرم عظم شأنه وقال الجبرتي في شأن علوّ مقدار السيد عمر مكرم أوائل زمن محمد علي باشا : وارتفع شأن السيد عمر وزاد أمره بمباشرة الوقائع (أي الحروب) وولاية محمد علي باشا وصار بيده الحل والعقد والأمر والنهي والمرجع في الأمور الكلية والجزئية.
السيد عمر مكرم والحملة الانجليزية على مصر (حملة فريزر) : نزل الانجليز على الشاطئ المصري سنة 1222 هـ / 1807 م واحتلوا الاسكندرية وتحركوا شرقاً لاحتلال بلدة رشيد لأنهم كانوا يريدون سلوك الطريق نفسه الذي سلكته الحملة الفرنسية قبل نـزولهم بتسع سنوات تقريباً لكن حامية رشيد والأهالي فيها قاوموا أروع المقاومة ووقفوا سداً منيعاً أمام دخول الانجليز بلدتهم وأرسلوا استغاثات للقاهرة لنجدتهم ، ولما رأى عمر مكرم ذلك عمل شيئاً فريداً رائعاً عبر عنه المؤرخ المصري الجبرتي بقوله : نبّه السيد عمر النقيب على الناس وأمرهم بحمل السلاح والتأهب لجهاد الانكليز حتى مجاوري الأزهر أمرهم بترك حضور الدروس وكذلك أمر المشايخ بترك إلقاء الدروس.
وعلق المؤرخ المصري الرافعي على ذلك بقوله : فتأمل دعوة الجهاد التي بثها السيد عمر مكرم والروح التي نفخها في طبقات الشعب فإنك لترى هذا الموقف مماثلاً لموقفه عندما دعا الشعب إلى التطوع لقتال الفرنسيين قبل معركة الأهرام ثم تأمل دعوته الأزهريين إلى المشاركة في القتال تجد أنه لا ينظر إليهم كرجال علم ودين فحسب بل رجال جهاد وقتال ودفاع عن الزمان فعملهم في ذلك العصر كان أعم وأعظم من عملهم اليوم.
بدايات الجفوة بين السيد عمر مكرم ومحمد علي باشا : وكان محمد علي غائباً في الصعيد فلما عاد استأذنه السيد عمر في الجهاد هو ومن معه فرفض وأخبره بأن الواجب قد سقط عنهم وأن هذه مسؤولية الجيش وأن مسؤولية الشعب هي إعداد الأعلاف للدواب التي ستخرج إلى رشيد !! فوجم السيد عمر من هذه الكلمة غير اللائقة وحملها بغم وهم وعاد أدراجه وهو ضيق الصدر.
ثم فترت العلاقة بين السيد عمر مكرم ومحمد علي باشا وساعد على فتورها أكثر أن محمد علي أخذ من المصريين الضرائب الفادحة وأنزل فيهم من المظالم شيئاً كثيراً فغضب عليه السيد ورأى أنه قد أخَلّ بالشرط الذي أُخذ عليه يوم توليته الحكم وهو أن يسير بالعدل ويقيم الأحكام والشرائع ويقلع عن المظالم وألا يفعل أمراً إلا بمشورة العلماء وأنه متى خالف الشروط عزلوه ، وبسبب هذا فترت العلاقة بينهما أكثر من ذي قبل فلم يَعُد السيد عمر يتردد على محمد علي باشا كما كان يصنع قبل ذلك.
نفي السيد عمر مكرم : ثم صار السيد عمر مكرم يجاهر بمعارضة محمد علي باشا بين الناس وأبدى السخط والتذمر من تصرفات محمد علي باشا واستمرت الجفوة بينهما عامين طويلين حتى حدثت حادثتان ضخمتا الخلاف وصعدتا به إلى درجات خطيرة ، وأولاهما أن محمد علي باشا كُلف من قِبل الدولة العثمانية بحرب الوهابييـن في نجد فاقتضى هذا منه أن يجمع المال الكثير من الشعب.
وثانيهما أن أحد المشايخ سُجن ظلماً فرأى خواص المشايخ والكبراء وفي مقدمتهم السيد عمر مكرم أن في هذا مساساً بالاتفاق مع محمد علي باشا وقت تنصيبه والياً على مصر بأن يسير بالعدل ، وأن في هذا خلافاً للوثيقة التي وُقعت في بيت الأمير إبراهيم قبل الحملة الفرنسية على مصر ومجيء محمد علي حاكماً بمدة ونصت على السير في الناس بالعدل.
فاجتمعوا في الأزهر يتذاكرون في السبل الكفيلة بردع محمد علي والعامة حولهم يصيحون ويهمون بالثورة وخلص الأمر إلى كتابة وثيقة تُضمن الشكاوى من محمد علي وترسل إلى رئيس الديوان ليسلمها إليه ، فراع ذلك الاجتماع محمد علي وعلم برئاسة عمر مكرم له فزاده ذلك تغيظاً عليه وطلب من المشايخ الموقعين على الوثيقة الحضور عنده للمناقشة فذهبوا إلا السيد عمر رفض أن يذهب إليه.
ولما ذهب المشايخ صار بعضهم يطعن في السيد عمر مكرم وقال عنه بعضهم : ما هو إلا صاحب حرفة أو جابي وقف يجمع الإيراد ويصرفه على المستحقين وليس له قدر إلا بمؤازرتنا فإذا نحن تخلينا عنه لم يكن له بعد انصرافنا قدر ولا خطر ، وهكذا يفعل الحسد والتنازع وبهذا الموقف الذي استغله محمد علي ضُرب أول إسْفين بين المشايخ وتراجع قدرهم بعد ذلك فلم يستطيعوا استعادة هيبتهم إلى يوم الناس هذا واستطاع محمد علي أن يقلم أظافرهم جميعاً بعد خذلانهم السيد عمر مكرم ونقض اتفاقهم معه الذي كان في الأزهر.
وتشدد الشيخ عمر في موقفه بعد ذلك وصار يجهر بعدائه لمحمد علي ويقول : كما أصعدته للحكم فإني قدير على إنـزاله منه !! ، والتمس محمد علي رضا السيد عمر بكل طريقة حتى أنه حاول أن يهديه الأموال الكثيرة ورجاه أن يعدل عن طريقته لكن السيد عمر مكرم يرفض أن يتنازل عن موقفه إلا بعد أن يعلن محمد علي عن توقفه عن جباية الضرائب بحسب إرادته ومشيئته دون الرجوع إلى زعماء الشعب.
وبينما الأمر على ذلك حدثت حادثة كانت القشة التي قصمت ظهر البعير وهي أن محمد علي أعدّ (كشف حساب ) ليرسله إلى الدولة العثمانية ليبين لها أنه صرف الأموال التي جباها من الشعب بناء على أوامر قديمة منها منذ أن كان الصدر الأعظم ـ رئيس وزراء الدولة العثمانية ـ يوسف باشا في مصر زمن خروج الفرنسيين منها ، وطلب من المشايخ التوقيع على كشف الحساب فقبلوا ورفض السيد عمر مكرم وبرر رفضه بأن الضرائب المعتادة كانت كافية لكل ما قام به محمد علي من الأعمال العامة وأنه لا يستطيع أن يشهد إلا بالحق الذي يعتقده وهو أن الضرائب التي فرضها محمد علي زائدةً على ما كان من قبل لا داعي لها.
فغضب محمد علي وطلب اجتماع المشايخ فحضروا إلا السيد عمر وهناك أعلن خلعه من نقابة الأشراف ونفيه إلى دمياط وكان ذلك سنة 1224 هـ / 1809 م فامتثل للأمر ، وللأسف فإن جماعة من العلماء قاموا بكتابة محضر إلى الدولة العثمانية يدافعون عن نفي محمد علي باشا السيد عمر مكرم واتهموه باتهامات غير صحيحة لكنهم بعد نفيه ذاقوا وبال صنيعهم وصدق قول الجبرتي فيهم وفي السيد عمر : كان ظلاً ظليلاً عليهم وعلى أهل البلد يدافع عنهم ولم يزالوا بعده في انحطاط.
وقضى السيد عمر مكرم قرابة ثلاث سنوات في دمياط بنى فيها نـزلاً لنـزول التجار الذين كانوا يقصدون ميناءها من سائر البلدان ثم تحول إلى طنطا فبقي فيها خمس سنوات تقريباً إلى أن عفا عنه محمد علي وأعاده إلى القاهرة بعد أن طلب السيد عمر منه أن يحج ، ثم أرسل له محمد علي خطاباً لطيفاً قال له فيه :
(إلى مطهر الشمائل سَنِيِّها حميدَ الشؤون وسميّها سلالة بيت المجد الأكرم والدنا السيد عمر مكرم دام شأنه أما بعد قد بلغنا نجلكم عن طلبكم الإذن في الحج إلى البيت الحرام وزيارة روضته عليه الصلاة والسلام للرغبة في ذلك والترجي لما هنالك وقد أذنّا لكم في هذا المرام تقرباً لذي الجلال والإكرام ورجاء لدعواتكم بتلك المشاعر العظام فلا تَدَعوا الابتهال ولا الدعاء لنا بالقال والحال كما هو الظن في الطاهرين والمأمول من الأصفياء المقبولين …) ، وعاد السيد عمر إلى القاهرة التي ارتجت فرحاً بمقدمه ، وخرج عامة الشعب إلى بولاق لتحيته ، بعد تسع سنوات من نفيه.
نفي السيد عمر مرة أخرى : وبعد ثلاث سنوات من عودة السيد عمر من المنفى حدثت حادثة استدعت إعادة نفيه وهي أن الدولة العثمانية طلبت من محمد علي تموين بعض سفنها التي تحارب اليونانيين في جزيرة كريت وذلك سنة 1237 هـ / 1822 م فاضطر محمد علي لفرض ضرائب على الشعب الذي هاج وماج وهتف باسم السيد عمر مكرم الذي لم يكن قادراً على الاستجابة لطلبهم لكبر سنه وضعف قوته لكن محمد علي خاف من تجدد الفتن فبادر بنفيه إلى طنطا لكنه لم يبق في منفاه طويلاً إذ توفي في السنة نفسها عن ثلاث وسبعين سنة ودفن في قرافة القاهرة رحمه الله تعالى وغفر له.
وبتنحية السيد عمر مكرم تنتهي مرحلة من أهم مراحل مصر الحديثة ، ويُجهض عمل من أهم الأعمال التي مَرّت على ديار العرب في القرنين الأخيرين ألا وهو مشاركة العلماء الحكام في إدارة شأن العامة وتوجيههم ومشاركة العلماء في اختيار الحكام ليكونوا معهم أولياء الأمور ، ولا أعلم أنه قام في ديار العرب في العصر الحديث عمل مشابه لما كان في مصر ولو قُدر لتلك المشاركة أن تمضي إلى نهايتها لتغير تاريخ العرب والمسلمين بل العالم كله ولله الأمر من قبل ومن بعد.
وقد تمنيت أن يلاين السيد عمر مكرم محمد علي قليلاً وأن يداريه شيئاً من المداراة حتى يحصل منه على أكبر قدر ممكن من المكاسب للبلد والشعب فإن الصدام بينهما لم يكن من المصلحة أبداً لكن هكذا جرى الأمر والحمد لله على كل حال ، وأختم بما قاله المؤرخ المصري عبدالرحمن الرافعي في السيد عمر مكرم فإنه معبر عن حاله أحسن التعبير : كان للشعب زعماء عديدون يجتمعون ويتشاورون ويشتركون في تدبير الأمور ولكلٍ منهم نصيبه ومنـزلته ولكن من الإنصاف أن يُعرف للسيد عمر مكرم فضله في هذه الحركة فقد كان بلا جدال روحها وعمادها.

2 / تحفة الناظرين
(تحفة الناظرين فيمن ولى مصر من الملوك والسلاطين) هو عنوان كتاب مختصر في التاريخ يتناول حكام مصر وولاتها من تأليف الإمام الأكبر عبد الله بن حجازي بن إبراهيم الشرقاوي الشافعي شيخ الجامع الأزهر الذي ولد في قرية الطويلة بالشرقية في عام 1150 هـ / 1737 م وتوفي بالقاهرة عام 1227 هـ / 1812 م ، وهو كبار المؤلفين في مجالات عدة ومن زعماء الحركة الوطنية وتولى رئاسة الديوان زمن الحملة الفرنسية.
ويستهل المؤلف كتابه بمقدمة يشرح فيها أسباب تأليفه الكتاب فقال : ” أما بعد ، فيقول كثير المساوي عبد الله بن حجازي الشهير بالشرقاوي أنه لما حل الركاب الصدر الأعظم والوزير الأفخم والدستور الأكرم حضرة مولانا الوزير يوسف باشا بلغه الله تعالى من المبرادات ما شاء بمدينة بلبيس في شهر رمضان المعظم سنة أربع عشرة ومائتين بعد حصول الصلح بينه وبين طائفة الفرنساوية في قلعة العريش وذهبت مع بعض علماء مصر للإقامة.
طلب مني بعض الإخوان من أتباع ذلك الصدر الأعظم أن أجمع كتابا متضمنا لواقعة الحال المذكورة فأجبته إلى ذلك مستعينا بعون القادر المالك وذكرت فيه ما يتعلق بمصر وحكامها من أول الزمان إلى وقتنا هذا وسميته تحفة الناظرين فيمن ولي مصر من الولاة والسلاطين ، ورتبته على مقدمة وثلاثة أبواب ، المقدمة في فضائل مصر وما ورد فيها من الآيات والأخبار ومن كان فيها من الأنبياء والصديقين وغير ذلك.
الباب الأول في خلافة الخلفاء الأربعة ومن ولي بعدهم وهو الحسن بن علي وفي دولة بني أمية والدولة العباسية ومن ولي مصر من نواب الخلفاء والدولتين المذكورتين ومن دخل في ذلك بالتغلب من ابن طولون والإخشيدية ، الباب الثاني في دولة الفواطم والدولة الأيوبية والدولة التركية المعروفين بالمماليك البحرية ودولة الجراكسة ، الباب الثالث في دولة آل عثمان المؤيد بالنصر في كل وقت وأوان أدام الله بقاءها ما دام الفرقدان بجاه سيد ولد عدنان وفيمن تصرف في مصر من نوابهم وإيراد أخبارهم ومدة مقامهم بالديار المصرية وأحكامهم “.
وقد ذكره عبد الرازق البيطار في كتابه حلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر فقال : ” الشيخ عبد الله بن حجازي بن إبراهيم الشافعي الأزهري الشهير بالشرقاوي ، العلامة النحرير والفهامة الشهير والأصولي الفقيه والفاضل النبيه شيخ الإسلام وعمدة الأنام من طلع في فلك الأزهر بدراً وتقدم على صلة الأفاضل ذوي الفضائل علماً وجلالة وقدرا فكان في جبهة الدهر غرة ولأهل العصر روضة فرح ومسرة.
ولد ببلدة تسمى الطويلة بشرقية ببلبيس في حدود الخمسين بعد المائة والألف ونشأ على غاية الكمال واللطف فلما ترعرع وحفظ القرآن قدم إلى الجامع الأزهر المصان ، وسمع من الملوي والجوهري الحفني والدمنهوري ومن الشيخ يوسف الحفني والبليدي ومحمد الفارسي وعلي الصعيدي وعمر الطحلاوي وعطية الأجهوري ، وسمع الموطأ على علي بن العربي الشهير بالسقاط وأخذ الطريقة على الشيخ محمود الكردي بكمال الاحتياط ودرس الدروس بالجامع الأزهر وقرأ بغيره أيضاً وتحقق ودقق وحرر.
وله تأليفات دالة على علو قدره ورفعة مقامه وسمر ذكره من ذلك حاشية على التحرير وشرح نظم الشيخ يحيى العمريطي وشرح العقائد المشرقية والمتن له أيضاً وشرح مختصر في العقائد والفقه والتصوف مشهور في بلاد داغستان وشرح رسالة عبد الفتاح العادلي في العقائد ، ومختصر الشمائل وشرحه له ورسالة في لا إله إلا الله ورسالة في مسألة أصولية في جمع الجوامع وشرح الحكم والوصايا الكردية في التصوف وشرح ورد السحر للبكري ومختصر المغني في النحو وغير ذلك.
وبعد موت الشيخ العروسي حولت إليه مشيخة الأزهر إلا أنه كان له معارضون كثيرون فلم يتركوا له راحة لدعوى استحقاقها للشيخ مصطفى الصاوي وبقي هذا الاختلاف وعدم الراحة إلى أن توفي الشيخ مصطفى الصاوي فسلمت للمترجم من غير منازع ، ولم يزل في منصبه مع اختلاف وشقاق من واقعات اقتضاها الحال إلى أن مرض مدة ومات يوم الخميس ثاني شهر شوال سنة سبع وعشرين ومائتين وألف وصلي عليه بالأزهر ودفن في مدفنه الذي بناه لنفسه ومقامه شهير رحمة الله تعالى عليه “.
وترجم له الجبرتي في كتابه عجائب الآثار في التراجم والأخبار وذلك في وفيات سنة 1227 هـ فقال : ” أما من مات في هذه السنة ممن له ذكره فمات الشيخ الإمام العلامة والنحرير الفهامة الفقيه الأصولي النحوي شيخ الإسلام والمسلمين، الشيخ عبد الله بن حجازي بن إبراهيم الشافعي الأزهري الشهير بالشرقاوي شيخ الجامع الأزهر.
وُلد ببلدة تسمى الطويلة بشرقية بلبيس بالقرب من القرين في حدود الخمسين بعد الماية وتربى بالقرين فلما ترعرع وحفظ القرآن قدم إلى الجامع الأزهر وسمع الكثير من الشهابين الملوي والجوهري والحفني وأخيه يوسف والدمنهوري والبليدي وعطية الأجهوري ومحمد الفاسي وعلي المنسفيسي الشهير بالصعيدي وعمر الطحلاوي ، وسمع الموطأ فقط على علي بن العربي الشهير بالسقاط وبآخره تلقن بالسلوك والطريقة على شيخنا الشيخ محمود الكردي ولازمه وحضر معنا في أذكاره وجمعياته ودرس الدروس بالجامع الأزهر وبمدرسة السنانية بالصنادقية وبرواق الجبرت والطيبرسية وأفتى في مذهبه وتميز في الإلقا والتحرير.
وله مؤلفات دالة على سعة فضله من ذلك حاشيته على التحرير وشرح نظم يحيى العمريطي وشرح العقايد المشرقية والمتن له أيضًا وشرح مختصر في العقايد والفقه والتصوف مشهور في بلاد داغستان وشرح رسالة عبد الفتاح العادلي في العقايد ، ومختصر الشمايل وشرحه له ورسالة في لا إله إلا الله ورسالة في مسألة أصولية في جمع الجوامع وشرح الحكم والوصايا الكردية في التصوف، وشرح ورد سحر للبكري، ومختصر المغني في النحو وغير ذلك.
ولما أراد السلوك في طريق الخلوتية ولقنه الشيخ الحفني الاسم الأول حصل له وله جذب واختلال في عقله ومكث بالمارستان أيامًا، ثم شُفي ولازم الإقرا والإفادة، ثم تلقن من شيخنا الشيخ محمود الكردي وقطع الأسماء عليه وألبسه التاج وواظب على مجالسته ، وكان في قلة من خشونة العيش وضيق المعيشة فلا يطبخ في داره إلا نادرًا وبعض معارفه يواسونه ويرسلون إليه الصحفة من الطعام أو يدْعونه ليأكل معهم ولما عرفه الناس واشتُهر ذكره فواصله بعض تجار الشوام وغيرهم بالزكوات والهدايا والصلات فراج حاله وتجمل بالملابس وكبر تاجه.
ولما تُوُفِّيَ الشيخ الكردي كان المترجم من جملة خلفاه وضم إليه أشخاصًا من الطلبة والمجاورين الذين يحضرون في درسه يأتون في كل ليلة عشا يذكرون معه ويعمل لهم في بعض الأحيان ثريدًا ويذهب بهم إلى بعض البيوت في مياتم الموتى وليالي السبح والجمع المعتادة ومعهم منشدون ومولهون ومن يقرا الأعشار عند ختم المجلس فياكلون العشا ويسهرون حصة من الليل في الذكر والإنشاد والتوله وينادون في إنشادهم بقولهم : يا بكري مدد يا حفني مدد يا شرقاوي مدد ، ثم يأتون إليهم بالطاري وهو الطعام بعد انقضا المجلس ثم يعطونهم أيضًا دراهم.
ثم اشترى له دار بحارة كتامة المسماة بالعينية وساعده في تمنها بعض من يعاشره من المياسير وترك الذهاب إلى البيوت إلا في النادر ، واستمر على حالته حتى مات الشيخ أحمد العروسي فتولى بعده مشيخة الجامع الأزهر فزاد في تكبير عمامته وتعظيمها حتى كان يضرب بعظمها المثل.
ولما حضرت الفرنساوية إلى مصر في سنة تلات عشرة ومايتين وألف ورتبوا ديوانًا لإجرا الأحكام بين المسلمين جعلوا المترجم ريس الديوان وانتفع في أيامهم بما يتحصل إليه من المعلوم المرتب له عن ذلك وقضايا وشفاعات لبعض الأجناد المصرية وجعالات على ذلك واستيلاء على تركات وودايع خرجت أربابها في حادثة الفرنساوي وهلكوا.
واتسعت عليه الدنيا وزاد طمعه فيها واشترى دار ابن بيرة بظاهر الأزهر وهي دار واسعة من مساكن الأمرا الأقدمين ، وزوجته بنت الشيخ علي الزغفراني هي التي تدبر أمره وتحرز كل ما يأتيه ويجمعه ولا يروح ولا يغدو إلا عن أمرها ومشورتها وهي أم ولده سيدي علي الموجود الآن ، وكانت قبل زواجه بها في قلة من العيش فلما كثرت عليه الدنيا اشترت الأملاك والعقار والحمامات والحوانيت بما يغل إيراده مبلغًا في كل شهر له صورة.
وعمل مهمًا لزواج ابنه المذكور في أيام محمد باشا خسرو سنة سبع عشرة ومايتين وألف ودعا إليه الباشا وأعيان الوقت فاجتمع إليه شي كثير من الهدايا ولما حضر إليه الباشا أنعم على ابنه بأربعة أكياس عنها تمانون ألف درهم وذلك خلاف البقاشيش.
واتفق للمترجم في أيام الأمرا المصرية أن طايفة المجاورين بالأزهر من الشرقاويين يقطنون بمدرسة الطيبرسية بباب الأزهر وعمل لهم المترجم خزاين برواق معمر فوقع بينهم وبين بعض المجاورين بها مشاجرة فضربوا نقيب الرواق ، فتعصب لهم الشيخ إبراهيم السجيني شيخ الرواق على الشرقاويين ومنعوهم من الطيبرسية وخزاينها وقهروا المترجم وطايفته فتوسط بامرأة عمياء فقيهة تحضر عنده في درسه إلى عديلة هانم ابنة إبراهيم بك فكلمت زوجها إبراهيم بك المعروف بالوالي بأن يبني له مكانًا خاصًّا بطايفته فأجابه إلى ذلك.
وأخذ سكن أمام الجامع المجاور لمدرسة الجوهرية من غير ثمن وأضاف إليه قطعة أخرى وأنشأ ذلك رواقًا خاصًّا بهم ونقل إليه الأحجار والعامود والرخام الذي بوسطها من جامع الملك الظاهر بيبرس خارج الحسينية وهو تحت نظر الشيخ إبراهيم السجيني ليكون ذلك نكاية له نظير تعصبه عليه ، وعمل به قوايم وخزاين واشترى له غلالًا من جرايات الشون وأضافها إلى أخباز الجامع وأدخلها في دفتره يستلمها خباز الجامع ويصرفها خبز قرصة لأهل ذلك الرواق في كل يوم ووزعها على الأنفار الذين اختارهم من أهل بلاده.
ومما اتفق للمترجم أن بخارج باب البرقية خانكاه أنشأتها خوند طغاي الناصرية بالصحرا على يمنة السالك إلى وهدة الجبانة المعروفة الآن بالبستان وكان الناظر عليها شخص من شهود المحكمة يقال له ابن الشاهيني فلما مات تقرر في نظرها المترجم ، واستولى على جهات إيرادها.
فلما ولج الفرنساوية أراضي مصر وأحدثوا القلاع فوق التلول والأماكن المستعلية حوالي المدينة هدموا منارة هذه الخانكاه وبعض الحوايط الشمالية وتركوها على ذلك، فلما ارتحلوا عن أرض مصر بقيت على وضعها في التخرب وكانت ساقيتها تجاه بابها في علوة يصعد إليها بمزلقان ويجري الماء منها إلى الخانكاه على حايط مبني وبه قنطرة يمر من تحتها المارون وتحت الساقية حوض لسقي الدواب ، وقد أدركنا ذلك وشاهدنا دوران الثور في الساقية.
ثم إن المترجم أبطل تلك الساقية وبنى مكانها زاوية وعمل لنفسه بها مدفنًا وعقد عليه قبة وجعل تحتها مقصورة بداخلها تابوت عالٍ مربع وعلى أركانه عساكر فضة وبنى بجانبها قصرًا ملاصقًا لها يحتوي على أروقة ومساكن ومطبخ وكلار ، وذهبت الساقية في ضمن ذلك وجعلها بيرًا وعليه خرزة يملون منها بالدلو ونُسيت تلك الساقية وانطمست معالمها وكأنها لم تكن ، وقد ذكر هذه الخانكاه العلامة المقريزي في خططه عند ذكر الخوانك.
يقول الحقير : إني دخلت هذه الخانكاه في أواخر القرن الماضي فوجدت بها روحانية لطيفة وبها مساكن وسكان قاطنون بها وفيهم أصحاب الوظايف مثل المؤذن والوقاد والكناس والملا ، ودخلت إلى مدفن الواقفة وعلى قبرها تركيبة مكن الرخام الأبيض وعند راسها ختمة شريفة كبيرة على كرسي بخط جليل وهي مذهبة وعليها اسم الواقفة رحمها الله تعالى فلو أن الشيخ المترجم عمر هذه الخانكاه بدل هذا الذي ارتكبه من تخريبها لكان له بذلك منقبة وذكر حسن في حياته وبعد مماته وبالله التوفيق.
وللمترجم طبقات جمعها في تراجم الفقها الشافعية المتقدمين والمتأخرين من أهل عصره ومن قبلهم من أهل القرن الثاني عشر ، نقل تراجم المتقدمين من طبقات السبكي والإسنوي وأما المتأخرون فنقلهم من تاريخنا هذا بالحرف الواحد وأظن أن ذلك آخر تأليفاته ، وعمل تاريخًا قبله مختصرًا في نحو أربعة كراريس عند قدوم الوزير يوسف باشا إلى مصر وخروج الفرنساوية منها وأهداه إليه عدد فيه ملوك مصر وذكر في آخره خروج الفرنسيس ودخول العتمانية في نحو ورقتين وهو في غاية البرود وغلط فيه غلطات منها أنه ذكر الأشرف شعبان ابن الأمير حسين بن الناصر محمد بن قلاوون فجعله ابن السلطان حسن ونحو ذلك.
ولم يزل المترجم حتى تعلل ومات في يوم الخميس ثاني شهر شوال من السنة وصُلي عليه بالأزهر في جمع كثير ودُفن بمدفنه الذي بناه لنفسه كما ذُكر ووضعوا على تابوته المذكور عمامة كبيرة أكبر من طبيزيته التي كان يلبسها في حياته بكثير وعمموها بشال أخضر وعصبوها بشال كشميري أحمر ، ووقف شخص عند باب مقصورته وبيده مقرعة يدعو الناس لزيارته ويأخذ منهم دراهم.
ثم إن زوجته وابنها ومن يلوذ بهم ابتدعوا له مولدًا وعيدًا في أيام مولد العفيفي وكتبوا بذلك فرمانًا من الباشا ونادى به تابع الشرطة بأسواق المدينة على الناس بالاجتماع والحضور لذلك المولد ، وكتبوا أوراقًا ورسايل للأعيان وأصحاب المظاهر وغيرهم بالحضور وذبحوا ذبايح وأحضروا طباخين وفراشين ومدوا أسمطة بها أنواع الأطعمة والحلاوات والمحمرات والخشافات لمن حضر من الفقها والمشايخ والأعيان وأرباب الأشاير والبدع ونصبوا قبالة تلك القبة صواري علقوا بها قناديل وبيارق وشراريب حمرا وصفرا يلوحها الريح.
واجتمع حول ذلك من غوغاء الناس وعملوا قهاوي وبياعي الحلوى والمخللات والترمس المملح والفول المقلي ودهسوا ما بتلك البقعة من قبور الأموات وأوقدوا بها النيران وصبوا عليها القاذورات مع ما يلحقهم من البول والغايط ، وأما ضجة الأوباش والأولاد وصراخهم وفرقعتهم بالبارود وصياحهم وضجيجهم فقد شاهدنا به ما كنا نسمعه من عفاريت الترب وضرب المثل بهم، فهم أقبح منهم فإن العفاريت الحقيقية لم نرَ لهم أفعالًا مثل هذه “.

3 / ثمر الثمام
من زعماء الحركة الوطنية بمصر مفتي السادة المالكية الشيخ محمد الأمير الكبير الذي ولد في قرية سنبو بصعيد مصر عام 1154 هـ / 1741 م وتوفي بالقاهرة عام 1232 هـ / 1816 م ، وهو من رجال الطريقة الشاذلية ومن كبار المؤلفين في الفقه والأدب والتصوف وله كتاب ضخم في المذهب المالكي عرف باسم (مجموع الأمير) صار عمدة الفقاء المالكية وقتها وأثنى عليه الشيخ علي الصعيدي العدوي وأوصى بالرجوع إليه والنقل عنه ، وله كتاب في الأدب الصوفي وهو بهجة الأنس والائتناس شرح زارني المحبوب في رياض الآس.
ومن مؤلفاته القيمة في اللغة العربية كتاب (ثمر الثمام شرح غاية الإحكام في آداب الفهم والإفهام) وهو شرح لكتاب غاية الإحكام الذي صنفه العلامة الشيخ العلامة الفقيه المحدث عمر بن علي بن يحيى بن مصطفى الطحلاوي المالكي الأزهري المتوفي عام 1181 هـ ، ويتناول الكتاب (مراعاة قانون التفهم والإفهام) وهو الخاص بالألفاظ ومدلولاتها اللغوية خاصة في النصوص الفقهية التي تحتمل المصطلحات فيها معاني مختلفة تحتاج إلى الضبط ، وقد أتم الكتاب عام 1185 هـ وبدأه في حياة الإمام الطحلاوي وشيخهما العلامة المحقق العدوي الصعيدي.
ويشرح ذلك محقق الكتاب قائلا : ” فالفهم والتفهُّم والإفهام والتفهيم هي الباعث والغاية في كلٍّ من المتن والشرح ، والمراد بالفهم ما يخصُّ المرء من علْم المسائل التي يبحث فيها ، والتفهُّم فهْمُ المعلوم شيئاً فشيئاً ، والمراد بالإفهام توصيل المعلوم للغير ، والتفهيم إيصالُ ذاك المعلوم شيئاً فشيئاً ، والكتاب إنما هو بيان لما يجب على المتفهِّم والمفهِّم أن يعلمه في حل العبارات وطرق فهمها عموماً دون تخصيص فن دون فن وموضوع الفهم والإفهام ذو شأن وخطر فكم زلت الأقدام وتشعبت الأنام وتقطعت الأرحام لتعدد الأفهام “.
ويستهل المؤلف كتابه بمقدمة يقول فيها : ” بسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَبهِ نستعَينُ ، الحمدُ لله الذي جعلَ لكلِّ شيءٍ آداباً وأشهدُ أنْ لا إلله إلا الله ربّاً علَّمنا للمسبَّباتِ أسباباً وأنَّ محمداً عبدُهُ ورسوله المبعوثُ لكلِّ خيرٍ باباً صلى الله وسلم عليه وعلى آلهِ أصحاباً وأحباباً ، أما بعدُ فهذا (ثمرُ الثُّمامِ) شرح لغايةِ الإحكامِ في آداب الفهم والإفهام نتيجةُ فكر قُرَّةِ العين المُبرَّإِ إن شاء الله تعالى من كلِّ شين مولانا الفهَّامةِ الفاضل والعلاَّمة الكامل سيدي الشيخِ محمدٍ سبطِ الشيخ عبدِ اللطيف الطحلاوي أبعدَ اللهُ عنَّا وعنه المساوي حملني عليه مَن لا تسعني مخالفتُه “.
وقد ذكره عبد الرازق البيطار في كتابه حلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر فقال : ” الشيخ محمد بن محمد بن عبد القادر بن عبد العزيز المالكي الأزهري الشهير بالأمير الكبير العالم العلامة الفاضل الفهامة صاحب التحقيقات الرائقة والتأليفات الفائقة شيخ شيوخ أهل العلم وصدر صدور أهل الفهم المتفنن في العلوم كلها نقليها وعقليها وأدبيها ، إليه انتهت الرياسة في العلوم بالديار المصرية وباهت مصر ما سواها بتحقيقاته البهية استنبط الفروع من الأصول واستخرج نفائس الدرر من بحور المعقول والمنقول وأودع الطروس فوائد وقلدها عوائد وقرائد.
وشهرته بالأمير إنما جاءته من جده الأدنى أحمد وسببه أن أحمد وأباه عبد القادر كان لهما أمرة بالصعيد وأخبر المترجم عن نفسه أن أصلهم من المغرب نزلوا بمصر عند سيدي عبد الوهاب أبي التخصيص كما أخبر عن ذلك وثائق لهم ثم التزموا بحصنه بناحية سنبو وارتحلوا إليها وقطنوا بها وبها ولد المترجم ، وكان مولده في شهر ذي الحجة سنة أربع وخمسين ومائة وألف بإخبار والديه وارتحل معهما إلى مصر وهو ابن تسع سنين وكان قد ختم القرآن فجوده على الشيخ المنير على طريقة الشاطبية والدرة.
وحبب إليه طلب العلم فأول ما حفظ متن الآجرومية وسمع سائر الصحيح والشفاء على سيدي علي بن العربي السقاط وحضر دروس أعيان عصره واجتهد في التحصيل ولازم دروس الشيخ الصعيدي في الفقه وغيره من كتب المعقول ، وحضر على السيد البليدي شرح السعد على عقائد النسفي والأربعين النووية واستمع الموطأ على هلال المغرب وعالمه الشيخ محمد التاودي بن سودة بالجامع الأزهر سنة وروده بقصد الحج.
ولازم المرحوم حسنا الجبرتي سنين وتلقى عنه الفقه الحنفي وغير ذلك من الفنون كالهيئة والهندسة والفلكيات والأوفاق والحكمة بواسطة تلميذه الشيخ محمد بن إسماعيل النفراوي المالكي وكتب له إجازة مثبتة في برنامج شيوخه ، وحضر الشيخ يوسف الحفني في آداب البحث وبانت سعاد وعلى الشيخ محمد الحفني أخيه مجالس من الجامع الصغير والشمائل والنجم الغيطي في المولد وعلى الشيخ أحمد الجوهري في شرح الجوهرة للشيخ عبد السلام وسمع منه المسلسل بالأولية ، وتلقى عنه طريق الشاذلية من سلسلة مولاي عبد الله الشريف وشملته إجازة الشيخ الملوي وتلقى عنه مسائل في أواخر أيام انقطاعه بالمنزل.
ومهر وأنجب وتصدر لإلقاء الدروس في حياة شيوخه ونما أمره واشتهر فضله خصوصاً بعد موت أشياخه وشاع ذكره في الآفاق وخصوصاً بلاد المغرب وتأتيه الصلات من سلطان المغرب وتلك النواحي في كل عام ووفد عليه الطالبون للأخذ عنه والتلقي منه ، وتوجه في بعض المقتضيات إلى دار السلطنة وألقى هناك دروساً حضره فيها علماؤهم وشهدوا بفضله واستجازوه فأجازهم بما هو مجاز به من أشياخه.
وصنف عدة مؤلفات اشتهرت بأيدي الطلبة وهي في غاية التحرير منها مصنف في فقه مذهبه سماه المجموع حاذى به مختصر خليل جمع فيه الراجح في المذهب وشرحه شرحاً نفيساً وقد صار كل منهما مقبولاً في أيام شيخه العدوي حتى كان إذا توقف شيخه في موضع يقول هاتوا مختصر الأمير وهي منقبة شريفة وشرح مختصر خليل وحاشية على المغني لابن هشام وحاشية على الشيخ عبد الباقي على المختصر.
وحاشية على الشيخ عبد السلام على الجوهرة وحاشية على شرح الشذور لابن هشام وحاشية على الأزهرية وحاشية على الشنشوري على الرحيبة في الفرائض وحواش على المعراج وحاشية على شرح الملوي على السمرقندية ، ومؤلف سماه النيرين فيما يتعلق بالقدرتين وإتحاف الإنس في الفرق بين اسم الجنس وعلم الجنس ورفع التلبيس عما يسأل به ابن خميس وثمر الثمام في شرح آداب الفهم والإفهام وحاشية على المجموع وتفسير سورة القدر.
ومن نظمه قوله متغزلاً : أيها السيد المدلل ضاعت .. في الهوى ضيعتي وأنسيت نسكي .. يا لك الله لا تمل لسوائي .. وتحكم ولو بما فيه فتكي .. وانظر الحق في علو غناه .. كل شيء يمحوه غير الشرك .. يا حسن لون الشمس عند غروبها .. في روض أنس نزهة للأنفس .. فكأنه وكأنه في ناظري .. ذهب يجول على بساط سندس ، وله أيضاً : تخيلت أن الشمس والبحر تحتها .. وقد بسطت منها عليه بوارق .. مليح أتى المرآة ينظر وجهه .. ففي وجهها من وجهه الضوء دافق.
وله أيضاً : يا مالك القلب من بين الملاح وإن .. توهم الغير أن القلب مشترك .. إني أغار على حظي لديك فغر .. أيضاً على قلب صب فيك مرتبك .. وقل لهم ينتهوا عما تسوله .. نفوس سومهم طرق الردى سلكوا .. توهموا أنهم حلوا وقد ملكوا .. ويعلم الله ما حلوا وما ملكوا .. يا سيد الكل يا قطب الجمال ومن .. في دولة الحسن يروى أنه الملك .. ما كان قلبي يهوى الغير يا أملي .. فابعث رميمي إذ أهل الهوى هلكوا .. واسقط البين وارفع حجب شأنك لي .. ليشتفى خاطر الفكر يعترك .. بلطف ذاتك لا تقطع رجاء فتى .. على عيوب له بالعهد يمتسك.
وله أيضاً : دع الدنيا فليس بها سرور .. يتم ولا من الأحزان تسلم .. ونفرض أنه قد تم فرضاً .. فغم زواله أمر محتم .. فكن فيها غريباً ثم عبي .. إلى دار البقا ما فيه تغنم .. وإن لا بد من لهو فلهو .. لشيء نافع والله أعلم ، وله غير ذلك من النظم المليح والذوق الصحيح واللسان الفصيح ، وكان رحمه الله رقيق القلب لطيف المزاج ينزعج طبعه من غير انزعاج يكاد الوهم يؤلمه وسماع المنفر يوهنه ويسقمه.
ولا زال تضعف قواه وتتراخى أعضاه وتزيد شكواه ويتراخى ويتعلل ويزداد أنينه ومرضه ويتحمل وداعي المنون يدعوه ولا يدعه ويرفعه على كاهل الرحيل ولا يضعه إلى أن توفي يوم الاثنين عاشر ذي القعدة الحرام سنة اثنتين وثلاثين ومائتين وألف من هجرة سيد الأنام ، وكان له مشهد قد انتهى فيه الاجتماع والازدحام ودفن في الصحراء بجوار مدفن الشيخ عبد الوهاب العفيفي بالقرب من عمارة السلطان قايتباي وكثر عليه الأسف ولم يكن مثله فيمن خلف “.

4 / عجائب الآثار
(عجائب الآثار في التراجم والأخبار) هو عنوان المرجع التاريخي الكبير الذي صنفه المؤرخ الجليل عبد الرحمن بن حسن الجبرتي الذي ولد بالقاهرة عام 1167 هـ / 1754 م وتوفي فيها عام 1237 هـ / 1822 م وهو غني عن التعريف وأشهر من نار على علم ، نشأ في بيت علم وفضل وعاصر فترة هامة من تاريخ مصر شهدت التحول الكبير بين العصر العثماني وعصر أسرة محمد علي مرورا بالحملة الفرنسية حيث كان شاهد عيان على أحداثها ومشاركا في ديوان الإدارة المختص بشئون الحكم وقتها فجاءت مؤلفاته دقيقة في معلوماتها عظيمة في بابها.
وكان الجبرتي أول الأمر من المشتغلين بعلم التاريخ على طريقة الاقدمين فلما حدث الغزو الفرنسي لمصر بقيادة نابليون بونابرت وهو في الرابعة والأربعين من عمره أدرك بثاقب فكره أن هذا الحدث ليس عاديا مثل غيره من الأحداث التاريخية العابرة وإنما هو منعطف حاد في مسار التاريخ والسياسة ، ولذا فإنه ترك الكتابة التاريخية وقتها مؤقتا واشتغل بتدوين يوميات الوقائع والأحداث في الفترة التي قضاها الفرنسيون في مصر وهي ثلاث سنوات من سنة 1798 م وحتى سنة 1801 م شاملة أدق التفاصيل خاصة ثورات الشعب المصري في الأقاليم.
وقد أطلق عليه اسم (مظهر التقديس بزوال دولة الفرنسيس) وقام بإهداء نسخة منه إلى الصدر الأعظم يوسف ضيا باشا الذي قاد الجيش العثماني باتجاه الديار المصرية بعد رحيل الفرنسيين حيث احتوى الكتاب على وصف الجوانب السياسية ونظام الحكم في فترة حكمهم وكذلك الجوانب الاجتماعية وسلوكهم العام وثقافتهم ، وقد نال الكتاب استحسان العوام والحكام على السواء وحظي بشهرة واسعة فحمله الوزير العثماني إلى الآستانة بتركيا وعرضه على السلطان العثماني سليم الثالث الذي أمر كبير أطبائه مصطفى بهجت بنقله إلى اللغة التركية فتمّ ذلك في عام 1807 م.
ويقول الجبرتي عن ذلك في مقدمته : ” ولقد كنت سطرت ما حصل من الوقائع من ابتداء تملك الفرنسيس لأرض مصر إلى أن دخلها مولانا الوزير في أوراق غير منظومة في سلك الاجتماع والاتفاق ، وكثيرا ما كان يخطر ببالي وإن لم يكن ذلك من شأن أمثالي أن أجمع افتراقها وأكسبها بالترصيف اتساقها ليكون ذلك تاريخا مطلعا اللبيب على عجائب الأخبار وغرائب الآثار تذكرة بعدنا لكل جيل وإحاطة بهذا الخطب الجليل فيتأسى إذا لحقه مصاب ويتذكر بحوادث الدهر (إنما يتذكر أولوا الألباب) فإن هذه الحوادث غريبة في بابها متنوعة في عجابها.
وكان ممن اعتنى أيضا بجمع بعض تلك الأخبار ونقل غرائب هاتيك الآثار قطب الفضلاء تاج النبلاء ذو الذكاء المتوقد والفهم المسترشد الناظم الناثر الآخذ من العلوم العقلية والأدبية بحظ وافر صاحبنا العلامة حسن بن محمد الشهير بالعطار نظمنا الله وإياخ في سلك الأخيار ، فضممت ما نمقه مع بعض من منظومه ومنثوره بحسب المناسبة إلى هذا السفر لينتظم معنا في سلك حسن الذكر وسميناه (مظهر التقديس بذهاب دولة الفرنسيس) ، وإنا لنرجو ممن اطلع عليه وحل بمحل القبول لديه ألا ينسانا من صالح دعواته وأن يغضي عما عثر عليه من هفواته “.
وقد حفز هذا الثناء والتكريم الذي قوبل به كتاب الجبرتي على أن يجمع تاريخ مصر الذي انشغل به منذ خمسة عشر عاماً في كتاب واحد ولذا فقد عقد العزم على كتابة تاريخ مصر الكامل جاعلاً كتابه (مظهر التقديس بزوال دولة الفرنسيس) أحد فصوله الرئيسية ، فقسم الكتاب إلى ثلاثة أجزاء : الجزء الأول حتى آخر عام 1189 هـ والثاني حتى آخر عام 1212 هـ والثالث حتى آخر عام 1220 هـ وأسماه (عجائب الآثار في التراجم والأخبار) والمعروف بتاريخ الجبرتي وقد انتهى من تدوين هذه الأجزاء الثلاثة في عام 1236 هـ / 1822 م.
وقد اجتهد في البحث والتدوين خاصة في فترة المئة سنة الماضية عليه أي من عام 1070 هـ حتى 1170 هـ حيث حرص على أن يدون الأسماء من الدواوين الرسمية أما بعد ذلك فهو عليه هيّن حيث يقول في شرح ذلك : إنها تستبهم عليّ المئة الماضية إلى السنة السبعين وأما ما بعدها فأمور شاهدتُها وأناس عرفتهم على أني سوف أطوف بالقرافات وأقرأ المنقوش على القبور وأحاول جهدي أن أتصل بأقرباء الذين ماتوا فأطلع على إجازات الأشياخ عند ورثتهم وأراجع أوراقهم إن كانت لهم أوراق وأسأل المعمرين ماذا يعرفون عمن عايشوهم.
وقد عايش الجبرتي الفترة الأولى من حكم محمد علي باشا ووقف موقف المعارضة لحكمه محمد علي باشا وظل سنوات يترقب ما ستؤول إليه الأحداث في عهد هذا الرجل وكان خلال ذلك يرصد كل شيء ويدوّن الحوادث والمتفرقات ويسند كل ما يقول ويدون إلى مصدر ثقة أو شاهد عيان سماع عاصر الحدث أو سمع عنه ، وكان يحرص أن يعاين الأحداث العامة بنفسه ليتوخى الصدق ويتجنب نقل الأخبار الكاذبة.
وقد تعرّض الجبرتي في سياق ذلك لكل شيء فقد ذكر الأحوال الاقتصادية من زراعة وتجارة وفلاحة وإلى أنواع النقود المتداولة في الدولة وإلى الأسعار وأنواع المقايضات التي كانت تحكم العلاقات التجارية ، وتعرض إلى الحياة الاجتماعية بكل ما فيها من أحوال شخصية وعادات أسرية وقيم سائدة في المجتمع آنذاك كما تعرض إلى الحياة الدينية والثقافية وأخبار الأدباء والعلماء المشهورين والمشايخ البارزين.
وقد استهل كتابه القيم بمقدمة يقول فيها : ” بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله القديم الأول الذي لا يزول ملكه ولا يتحول خالق الخلائق وعالم الذرات بالحقائق مفنى الأمم ومحيي الرمم ومعيد النعم ومبيد النقم وكاشف الغمم وصاحب الجود والكرم لا إله إلا هو كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجون واشهد أن لا إله إلا الله تعالى عما يشركون وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله إلى الخلق أجمعين المنزل عليه نبا القرون الأولين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ما تعاقبت الليالي والأيام وتداولت السنين والأعوام.
وبعد ، فيقول الفقير عبد الرحمن بن حسن الجبرتي الحنفي غفر الله له ولوالديه وأحسن إليهما وإليه إني كنت سودت أوراقا في حوادث آخر القرن الثاني عشر وما يليه من أوائل الثالث عشر الذي نحن فيه جمعت فيها بعض الوقائع إجمالية وأخرى محققة تفصيلية وغالبها محن أدركناها وأمور شاهدناها واستطردت في ضمن ذلك سوابق سمعتها ومن أفواه الشيخة تلقيتها وبعض تراجم الأعيان المشهورين من العلماء والأمراء المعتبرين وذكر لمع من أخبارهم وأحوالهم وبعض تواريخ مواليدهم ووفياتهم.
فأحببت جمع شملها وتقييد شواردها في أوراق متسقة النظام مرتبة على السنين والأعوام ليسهل على الطالب النبيه المراجعة ويستفيد ما يرويه من المنفعة ويعتبر المطلع على الخطوب الماضية فيتأسى إذا لحقه مصاب ويتذكر بحوادث الدهر إنما يتذكر أولو الألباب فإنها حوادث غريبة في بابها متنوعة في عجائبها وسميته عجائب الآثار في التراجم والأخبار وأنا لنرجو ممن اطلع عليه وحل بمحل القبول لديه أن لا ينسانا من صالح دعواته وإن يغضى عما عثر عليه من هفواته “.
ويقول في علم التاريخ : ” اعلم أن التاريخ علم يُبحث فيه عن معرفة أحوال الطوايف وبلدانهم ورسومهم وعاداتهم وصنايعهم وأنسابهم ووفاتهم وموضوعه أحوال الأشخاص الماضية من الأنبيا والأوليا والعلما والحكما والشعرا والملوك والسلاطين وغيرهم ، والغرض منه الوقوف على الأحوال الماضية من حيث هي وكيف كانت وفايدتُه العبرة بتلك الأحوال والتنصُّح بها وحصول ملكة التجارب بالوقوف على تقلبات الزمن ليحترز العاقل عن مثل أحوال الهالكين من الأمم المذكورة السالفين ويستجلب خيار أفعالهم ويتجنب سوء أقوالهم ويزهد في الفاني ويجتهد في طلب الباقي “.
ويستطر قائلا : ” ولما عزمت على جمع ما كنت سودته اردت أن اوصله بشيء قبله فلم أجد بعد البحث والتفتيش إلا بعض كراريس سودها بعض العامة من الأجناد ركيكة التركيب مختلة التهذيب والترتيب وقد اعتراها النقص من مواضع في خلال بعض الوقائع ، وكنت ظفرت بتاريخ من تلك الفروع لكنه على نسق في الجملة مطبوع لشخص يقال له أحمد حلبي بن عبد الغني مبتدئا فيه من وقت تملك بني عثمان للديار المصرية وينتهي كغيره ممن ذكرناه إلى خمسين ومائة وألف هجرية.
ثم أن ذلك الكتاب استعاره بعض الأصحاب وزلت به القدم ووقع في صندوق العدم ومن ذلك الوقت إلى وقتنا هذا لم يتقيد أحد بتقييد ولم يسطر في هذا الشأن شيئا يفيد فرجعنا إلى النقل من افواه الشيخة المسنين وصكوك دفاتر الكتبة والمباشرين وما انتقش على احجار ترب المقبورين وذلك من أول القرن إلى السبعين وما بعدها إلى التسعين أمور شاهدناها ثم نسيناها وتذكرناها ومنها إلى وقتنا أمور تعقلناها وقيدناها وسطرناها إلى أن تم ما قصدنا باي وجه كان وانتظم ما أردنا استطراده من وقتنا إلى ذلك الأوان.
وسنورد أن شاء الله تعالى ما ندركه من الوقائع بحسب الامكان والخلو من الموانع إلى أن يأتي أمر الله وإن مردنا إلى الله ولم اقصد بجمعه خدمة ذي جاه كبير أو طاعة وزير أو أمير ولم أداهن فيه دولة بنفاق أو مدح أو ذم مباين للأخلاق لميل نفساني أو غرض جسماني وأنا استغفر الله من وصفي طريقا لم اسلكه وتجارتي برأس مال لم أملكه
وأنا أستغفر الله من وصفي طريقًا لم أسلكه وتجارتي براس مال لم أملكه ، شعر : كَمَنْ يَحْدُو وَلَيْسَ لَهُ بَعِيرُ وَمَنْ يَرْعَى وَلَيْسَ لَهُ سَوَامُ .. وَمَنْ يَسْقِي وَقَهْوَتُهُ سَرَابٌ وَمَنْ يَدْعُو وَلَيْسَ لَهُ طَعَامُ ، هذا مع اعترافي بقصور الباع وفتور الطباع في قوانين المعاني الغريبة ودواوين المتاني الأدبية ، ما لي وللأمر الذي قلدته مال الذباب وطعمة العنقاء ، أبكي لعجزي وهو يبكي ذله شتان بين بكائه وبكائي “.
وقد ذكره علوي بن عبد القادر السقاف في الموسوعة التاريخية وذلك في أحداث العام الهجري 1241 العام الميلادي 1825 فقال : ” هو عبدُ الرحمن بن حسن بن إبراهيم الجبرتي وُلِدَ في القاهرة عام 1753م والجبرتي نسبةً إلى بلدة جبرت، وهي بلاد زَيلَع في الحبشة ، كان والِدُه من كبارِ العُلَماء الفَلَكيين، وحصل على ثروةٍ كبيرةٍ مِن عمله في التجارة وقد رُزِق بنيِّف وأربعين ولدًا ذكَرًا فعاش الجرتي وسطَ أسرة ثرية، وكان تلميذًا لوالِدِه في مختلف المعارفِ كما درس الجبرتي في الأزهر وبرَعَ في العلومِ العصريَّة وفي التاريخ.
عُيِّنَ الجبرتي كاتبًا في الديوان لَمَّا دخل الفرنسيون إلى مصر وانقطع بعدئذٍ للتأليف وقد عاصر أحداثًا هامَّةً جدًّا ، وكان الجبرتي ممن تأثَّروا بدعوةِ الشيخ محمد بن عبد الوهاب في مصرَ بل ويُعدُّ من أشَدِّ المتأثِّرين بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وكان يرى أن الأتراكَ قد ارتكبوا خطأ كبيرًا عندما حاربوا دعوةَ الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأنصارَها ممَّا دفع محمد علي باشا إلى التضييق عليه بل والسَّعي للتخلص منه.
وقد اشتهر بتاريخِه المعروف باسمِه (تاريخ الجبرتي) الذي عنوانُه (عجائب الآثار في التراجم والأخبار) ابتدأه بحوادث سنة 1100 هـ وانتهى سنة 1236 هـ ، وله (مَظهَرُ التقديس بزوال دولة الفرنسيس) وتوفي في مصر.
وقيل إنه مات متأثرًا بقتل محمد علي باشا لابنِه خليل بسبَبِ موقفه المعارِضِ مِن حكم محمد علي وثورتِه على الدولة العثمانية وأنَّ محمد علي أمره بكتابة كتابٍ لِمَدحه فرفض الجبرتي فهدَّده فرفض أيضًا مما جعله يقوم بقتلِ ابنه خليل ، فظل الجبرتي يبكي ابنَه حتى كفَّ بَصَرُه ولَزِمَ بيته بعد تلك الفاجعة التي ألَمَّت به لا يقرأُ ولا يكتُبُ ولا يتابِعُ الأخبارَ حتى توفِّيَ بعد مقتَلِ ولده بحوالي ثلاث سنوات “.
وذكره جورجي زيدان في كتابه تاريخ آداب اللغة العربية فقال : عبد الرحمن الجبرتي المصري المتوفى نحو سنة ١٨٢٥ / ١٢٤٠ﻫ ، هو عبد الرحمن بن حسن الجبرتي صاحب التاريخ المشهور باسمه، أصله من جبرت وهي الزيلع في الحبشة وكان والده حسن بن برهان الدين من كبار العلماء الفلكيين ترجمه عبد الرحمن في كتابه بين وفيات سنة ١١٨٨ﻫ وله مؤلفات في الفلك والرياضيات وشروح عدة مؤلفات في المكتبة الخديوية.
أما المؤرخ عبد الرحمن فهو ابن حسن هذا وقد درس في الأزهر وتمكَّن من علوم عصره ، ولما جاء الفرنساويون مصر تعيَّن كاتبًا في الديوان وانقطع بعدئذٍ للتأليف وقد بلغ السبعين من العمر ، وعاصر أهم الحوادث التي جرت في أواخر القرن ١٨ وأوائل القرن ١٩ ، وفي سنة وفاته اختلاف كان المظنون أنه توفي سنة ١٢٣٧ﻫ ولكنَّا وقفنا على نسخة من تاريخه في مكتبة محمد بك آصف بمصر جاء في آخرها أنه تم تبيضها سنة ١٢٣٧ﻫ وعلى هامشها ما نصه بخط واضح :
بلغ مقابلةً وقراءةً على مؤلفه من أوله إلى آخره في يوم السبت المبارك ١٤ ربيع أول سنة ١٢٤٠ﻫ بمرأى ومسمع من مؤلفه متع الله الوجود بطول حياته ولا أحرمنا والمسلمين من صالح دعواته وعدد بركاته إنه سميع قريب مجيب رقمه بيده الفانية أحمد بن حسن الرشيدي الشافعي الشهير بصوبع.ا.ﻫ. ، فيؤخذ من ذلك أن الجبرتي توفي سنة ١٢٤٠ﻫ أو بعدها خلافًا للمشهور وله مؤلفات أهمها :
عجائب الآثار في التراجم والأخبار : ويُعرَف بتاريخ الجبرتي، أرَّخ فيه القرنين ١٢ و١٣ للهجرة إلى السنة ١٢٣٦ﻫ وذكر أهم حوادثهما يوميًّا حسب وقوعها، وأهمية هذا الكتاب أن صاحبه عاصر تلك الحوادث وشاهد أكثرها شهادة عين ودوَّنها يومًا فيومًا ولا سيما أخبار الحملة الفرنساوية وأوائل ولاية محمد علي باشا.
بدأ بفذلكة تاريخية إلى سنة ١١٤٢ﻫ ثم ذكر وفيات الأعيان من سنة ١١٠٠ ـ ١١٤٢ﻫ ثم أخذ يسرد الحوادث حسب وقوعها يوميًّا وكلما فرغ من حوادث سنة ذكر الذين توفوا فيها وترجمهم ، ويُعَدُّ من حيث الحوادث التاريخية المصرية كالتكملة لتاريخ ابن إياس.
طُبِع تاريخ الجبرتي سنة ١٢٩٧ﻫ وبعدها في أربعة مجلدات ويقال إنه طُبِع طبعة قبل هذه صادرتها الحكومة لأن فيها طعنًا في أعمال محمد علي باشا رأس الأسرة الخديوية ثم أصدرت الحكومة هذه الطبعة بعد حذف الطعن وكل ما ظهر من الطبعات منقول عنها ، وقد نُقِل هذا التاريخ إلى الفرنساوية بقلم شفيق بك منصور وعبد العزيز بك كحيل ونقولا بك كحيل وإسكندر بك عمون وطُبِع في القاهرة سنة ١٨٨٨.
مظهر التقديس بذهاب دولة الفرنسيس : تقدَّم ذكره بين مؤلفات العطار طُبِع بمصر ونُقِل إلى التركية في الأستانة سنة ١٢١٧ﻫ وتُرجِم إلى الفرنساوية، وطُبِع في باريس “.
وترجم له الزركلي في كتابه الأعلام فقال : ” الجَبَرْتي ١١٦٧ – ١٢٣٧ هـ / ١٧٥٤ – ١٨٢٢ م عبد الرحمن بن حسن الجبرتي : مؤرخ مصر ومدوّن وقائعها وسير رجالها في عصره ، ولد في القاهرة وتعلم في الأزهر وجعله (نابليون) حين احتلاله مصر من كتبه الديوان ، وولي إفتاء الحنفية في عهد محمد عليّ وقتل له ولد فبكاه كثيرا حتى ذهب بصره ولم يطل عماه فقد عاجلته وفاته مخنوقا.
وهو مؤلف (عجائب الآثار في التراجم والأخبار) أربعة أجزاء ويعرف بتاريخ الجبرتي ابتدأه بحوادث سنة ١١٠٠هـ وانتهى سنة ١٢٣٦ هـ وقد ترجم إلى الفرنسية ، وله (مظهر التقديس بذهاب دولة الفرنسيس) في جزأين وترجم إلى الفرنسية وطبع بها ، ونسبة الجبرتي إلى (جبرت) وهي الزيلع في بلاد الحبشة ولخليل شيبوب كتاب (عبد الرحمن الجبرتي) في سيرته “.
وفي مقدمة كتابه طبعة دار هنداوي جاء فيها : ” عبد الرحمن الجبرتي : أحد كبار المؤرخين في التاريخ العربي والإسلامي عاصر الحملة الفرنسية على مصر ودَوَّن وقائعها في كتابه الشهير عجائب الآثار في التراجم والأخبار والذي يعد أحد أهم المراجع التاريخية لتلك الفترة ، ولد عبد الرحمن بن حسن برهان الدين الجبرتي عام ١٧٥٤م ، ينحدر نسبه من أصول هاشمية ، كان والده أحد أعلام الأزهر الشريف في عصره وعلى جانب كبير من الثراء حيث كان له ثلاثة بيوت ومكتبة مليئة بالكتب القيِّمة والمخطوطات النادرة.
وقد نشأ عبد الرحمن في هذا البيت العامر بالعلم والدين وكان الذَّكَر الوحيد الذي عاش لأبيه فاهتم به كثيرًا ودفعه باتجاه تحصيل العلم فحفظ الصغير القرآن الكريم وهو في سنِّ الحادية عشرة، كما كان يحفظ الأحاديث والروايات والأخبار التي ترد على ألسنة العلماء الذين كانوا يترددون على منزل أبيه ، وقد ساعد الجبرتي في تحصيل العلم تلك الثروة الكبيرة التي ورثها عن أبيه، فكانت لديه رغبة عارمة للمعرفة والاطلاع والترحال حيث تنقل في أنحاء مصر المحروسة واتصل بالكثير من علماء عصره كما جالس عامة الناس وعرف ما يعانونه من شظف العيش.
وقد أهَّلته هذه الإحاطة الكبيرة بأخبار البلاد والعباد لأن يكون صاحب معرفة موسوعية ونظرة بانورامية على عصره؛ ما جعل رؤيته التاريخية تتمتع بمصداقية كبيرة لدى من خلفه من علماء التاريخ ، ظل الجبرتي موجهًا اهتمامه إلى التاريخ، حتى أتت الحملة الفرنسية على مصر عام ١٧٩٨م وكان عمره آنذاك أربعة وأربعين عامًا منذ ذلك الحين انصرف إلى تسجيل كل ما يرد من أخبارها أقوالًا وأفعالًا.
وقد شملت ملاحظات الجبرتي حول الحملة الأبعاد السياسية والاجتماعية والجوانب التنظيمية للجيش الفرنسي وقد ساعده في ذلك أنه كان يتردد على المنشآت الفرنسية في مصر وكان يلتقي ببعض رجالهم ، وفور جلاء الحملة الفرنسية انشغل الجبرتي بكتابة تاريخ مصر وقد عُرف عنه معارضته لمحمد علي باشا فقد طلب منه محمد علي أن يكتب كتابًا في مدحه ولكن الجبرتي رفض ذلك فهدده فرفض الجبرتي الانصياع تحت التهديد وكان من عاقبة ذلك أن قُتل ابنه كما يشير المؤرخون فهدَّته الفاجعة وظل يبكي على ابنه حتى فقد بصره وتوفي بعده بثلاث سنوات “.

5 / ديوان الصاوي
من زعماء المقاومة الشعبية في مصر أواخر العصر العثماني الشاعر والأديب والفقيه الشيخ مصطفى بن أحمد الصاوي الشافعي المتوفي بالقاهرة عام 1216 هـ / 1801 م وهو من مواليد مدينة السويس لأسرة من كبار التجار ويرجع في نسبه (الصاوي) إلى قرية الصوة من أعمال الشرقية والتي ينحدر منها والده ، وله قصائد كثيرة رواها الجبرتي في كتابه عجائب الآثار في التراجم والأخبار تتناول مناسبات مختلفة وأغراض متعددة مثل المدح والغزل والوجدانيات وتصوير اجتماع الصحب والأحبة والوصف والإخوانيات والتأريخ الشعري وله عدد من الرسائل والحواشي في الفقه والمنطق وغيرهما.
وقد ترجم له عبد الرازق البيطار في كتابه حلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر فقال : ” الشيخ مصطفى بن أحمد المعروف بالصاوي الشافعي الأزهري ، العمدة الإمام خاتمة العلماء الأعلام ومسك ختام الجهابذة ذوي الأفهام ومن افتخر به عصره على الأعصار وصاح بلبل فصاحته في الأمصار يتيمة الدهر وشامة وجه أهل العصر العالم المحقق والنحرير المدقق بديع الزمان والتاج المرصع على رؤوس الأقران الناظم الناثر والفصيح الباهر.
كان والده من أعيان التجار بمصر وأصل مرباهم بالسويس بساحل القلزم ، وصاوي نسبة إلى بلدة بشرقية بلبيس تسمى الصوة على غير القياس وهي بلدة والده ثم انتقل منها إلى السويس وكان يبيع بها الماء.
وولد بها المترجم فارتحل به إلى مصر وسكن بحارة الحسينية مدة وأتى بولده المترجم إلى الجامع الأزهر واشتغل بالقراءة فحفظ القرآن والمتون واشتغل بالعلم وحضر دروس الأشياخ ولازم الشيخ عيسى البراوي وتخرج به ومهر وأنجب وأقرأ الدروس وشهد له الفضلاء ، وكان لطيف الذات مليح الصفات رقيق حواشي الطبع مشاراً عليه في الإفراد والجمع مهذب الأخلاق جميل الأعراق اللطف حشو إهابه والفضل لا يلبس غير جلبابه ، لو مثل اللطيف جسما .. لكان للطف روحا.
إذا نزل بناد ارتحلت الهموم وارتضع من أخلاف أخلاقه نبت الكروم ، تقاريره عذبة رائقة وتحاريره فائقة ذهنه وقاد ونظمه مستجاد فمن نظمه قوله : أقبل الأنس يجتلي بسرور وتولى الحزن الذي نحن فيه .. وتناءت همومنا بعد قرب وتناهت لذات ما نرتجيه .. واجتمعنا بليلة هي تزري بالضحى إذ صحا وما قد يليه .. ودت الشمس أن يكون لها مثل ضيا حسنها فما نرتضيه .. واجتلونا المدام أشهى مدام مع نديم يا حسن ما نجتليه .. حيث كانت أكوابنا كنجوم كلما قد شربتها قلت إيه .. واحتسينا كاساتها فطربنا بشذاها وراق ما نحتسيه.
واجتنينا من نظم در حبيب نثره رائق كخمرة فيه .. فرعى الله ليلة قد تقضت بالهنا والمنى وعز وتيه .. وسقى الله عهدنا قطر سحب رائقات تجلو المرابع تيه .. مذ صفا ودنا برغم حسود مع كيد العذول ذي التشويه .. يا لها ليلة حكت جنة الخلد وفيها ما نفسنا تشتهيه .. ليلة الأنس هل تعودي لصب صبة الوجد دائماً تعتريه .. تجمعي شمله بأحمد من قد حمد الله فعل ما يصطفيه .. هاك تجلى إليك خدود عروس ثوبها العز والبها ترتديه .. وهي تتلو عليك يا خير مولى ليس مهري سوى الرضا فاعطنيه.
وله أيضاً : نزلنا بهذا القصر والنيل تحته .. فلله قصر قد تعاظم بالمد .. مع العالم النحرير أكرم ماجد .. إمام همام جامع علم فرد .. فأين ابن هاني من فصاحة نطقه .. وأين أويس لا يضاهيه في الزهد .. تأمل فما أثر كعين مشاهد .. وأبصر فما قرب لديه كما البعد .. وما هو إلا البحر لكنه حلا .. وما هو إلا البر بالدين والعهد .. وأعني به شيخي البراوي من به .. تحلى زمان العز في الجيد بالعقد.
ومنها : أقول لمن رام الوصول لقدره .. تمنيت أمراً مستحيلاً بلا حد .. فهذا مقام ليس يعطى لغيره .. وحاشاه أن يحصى بسرد ولا عد .. فيا أيها الملتاذ إن رمت علمه .. تحدث عن البحر المحيط عن الجهد .. ومن لي وقد قصرت في مدح سيدي .. ومعظم إسنادي وذي الحل والعقد .. كذلك مولانا الشريف محمد .. هو العلوي الأصل قد فاز بالسعد .. وينسب للمختار أشرف مرسل .. عليه صلاة الله طابت كما الند.
وله : لحاظك تزري بالحسام المهند .. وريقك لا يرويه غير المبرد .. وطرفك ذا السفاك قد سفك الدما .. وقدك ذا السفاح في الصب معتدي .. فيا وجهه كم قد هديت لحسنه .. ويا شعره كم قد أضليت مهتدي .. ومالي لا أصبو بضوء جبينه .. وثغر شهي باللآلي منضد .. ولام عذاريه تدور بخده .. كنمام آس مع بنفسجه الندي .. وخضرة ريحان بعارضه الذي .. يعارض قلبي في هواه وأكبدي .. يريك ربيعاً بالبهاء بنانه .. على ورد خديه الزهي المورد.
أروم حياة وهو يطلب قتلني .. بسيف معد للقتال ومرصد .. فيا حسن لولاك ما كان محسن .. فأحسن لمضنى ساهر الجفن مسهد .. يبيت يعاني أعظم السقم دائما .. سلوا ليلة واستشهدوا الشهب تشهد .. ويسند إرسال السحاب لدمعه .. مسلسل أحزان بوجد مجدد .. يقول العذول ارجع فإني ناصح .. ورأيي لا يروى سوى عن مسدد .. فقلت له دعني فرأيك فاسد .. وقولك بهتان بزور مفند.
وله : من لمضنى أحشاؤه تتلاهب .. ما الفضا مثلها ولا يتقارب .. جفنه ساهر وحزن جفاه .. مستمر ودمعه يتساكب .. يا خليليه من حوادث دهر .. حاربته فصار يدعى المحارب .. لو رآه المتيمون لصاحوا .. ما لهذا بالصد أضحى يعاقب .. فرعاه الإله من مستهام .. ما أراد الوصال إلا يراقب .. وحبيب ممنع ذو جمال .. وطبيب لمهجة الصب ماطب .. حسن محسن بذات وفعل .. كل حسن لذاته يتناسب .. حيثما وجهه له حسنات .. إن جنى الذنب فهو ليس يحاسب .. يا غزالاً رفقاً بصب كئيب .. قد نآه الزمان ممن يحابب .. وخف الله من محبيك وارحم .. من تلظى وغير شكلك ماحب.
ولما عمر الشيخ عبد الرحمن الجبرتي داره التي بالصنادقية بالقرب من الأزهر سنة إحدى وتسعين ومائة وألف عمل المترجم أبياتاً وتاريخاً رقمت بطراز مجلس العقد الداخل وهي : خليلي هذا الروض فاحت زهوره .. ولاح على الأكوان حقاً ظهوره .. وزاد ثناءً عبّق الجو طيبه .. فمنك عبير المسك طاب عبوره .. سما في سماء الكون فابتهج العلا .. برفعته وازداد سراً سروره .. ألم تر أجسام الوجود تراقصت .. وجاء التهاني باسمات ثغوره .. مكان على التقوى تأسس مجده .. ومن سور التوفيق والهدي سوره.
وفردوس عدن فاح فوح نسميه .. وحفته ولدان النعيم وحوره .. ومجلس أنس كل ما فيه مشرق .. ومقعد صدق قد تسامى حبوره .. بناء يروق العين حسن جماله .. ورونقه يشفي الصدور صدوره .. ومن مجد بانيه تزايد بهجة .. وقلد من در المعاني نحوره .. عزيز بنى بيت المكارم فانثنت .. تغني به حمداً ومدحاً طيوره .. وأحيا رسوم المجد والفخر والتقى .. وزانت بأعلام الكمال سطوره .. فلا زال فيه الفضل تسمو شموسه .. وتنمو على كل البدور بدوره .. ودام به سعد السعود مؤرخاً .. حمى العز بالمولى الجبرتي نوره.
وله في صيوان : وصيوان حوى غراً وفخرا .. عليه من البها حسن متمم .. كروض الأنس فيه الورق غنت .. وبلبال السرور لها ترنم .. على الإيوان يزهو بارتفاع .. ويهزو بالخيام وبالمخيم .. فتحسبه وذا الإشراق فيه .. سماء الجود قد ظلت مكرم .. يقول السعد في تاريخه بي .. على مجد الوزير العز خيم.
ومن نثره ما كتبه تقريظاً على المؤلف الذي ألفه العلامة الشيخ محمد عبد اللطيف الطحلاوي الذي ضاهى به عنوان الشرف للعلامة السيوطي قوله : حمداً لمولى يضيق نطاق المنطق عن شكره ويعجز لسان اللسن عن الإفصاح بذكره يدني لب الموحد إلى فهم مقامات التوحيد ويعرفه سبل التهجد والتحميد ويسعده بنهاية الوصول، إلى مقاصد فهم الأصول ، وصلاة وسلاماً على المحمود بأكمل ثناء الممدوح بأجمل ضياء وسناء وعلى آله وأصحابه وأتباعه وأحبابه ما ألف كتاب وكللت تيجان الربا بلآلئ السحاب.
أما بعد فقد سرحت طرفي في رياض هذا التأليف الرائق وفرحت بصري بالمشاهدة لمحاسن هذا التصنيف الفائق واقتطفت بيدي ثمرات أوراقه واستضأت بأنوار إشراقه وحليت سمعي بدرر فوائده وفكري بغرر عوائده ، وعرضت على فهمي لآلئ جواهره فلاحت لعيني بدور زواهره فإذا هو عقد نظم من درر العلوم وتحلت به غواني الفهوم رشيق الألفاظ والمعاني رقيق التراكيب والمباني لم ينسج ناسج على منواله ولم يأت بليغ بمثاله.
قد أفحم فصحاء الرجال وألقت له البلغاء العصي والحبال وأعجز الفصحاء كبيراً وصغيرا فلا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ، يفوق بحسنه كل مؤلف ويروق برونقه على كل مصنف جمع فيه من العلوم أشرفها وأشرقها ومن المعارف أرقها وأروقها فهو مجموع جامع مانع وروض يافع يانع فلا شك أنه صنعة قادر وصبغة لبيب ماهر ، وكيف لا وهو العلامة الإمام الفهامة الهمام المحقق الفاضل المدقق الكامل جامع شمل المعارف حائز أنواع اللطائف وحيد الكمالات اللدنية وفريد المحاسن الخلقية والخلقية مولانا الشيخ محمد عبد اللطيف الطحلاوي.
قابل الله صنيعه بحسن القبول وبلغه من خير الدارين كل مأمول وأدام الكريم النفع بوجوده وأقام لديه جزيل إحسانه وجوده الكامل كرت الليالي ومرت الأيام وقطر غيث الغمام ، والحمد لله وحده وصلى الله على من لا نبي بعده ، ومن نثره أيضاً هذه المراسلة : بسم الله الرحمن الرحيم نحمدك يا من أجريت المقادير على وفق الإرادة وجعلت المطالب سبباً للإفادة والاستفادة، ونشكرك على ما أوليتنا من سوابغ الإحسان ومنحتنا من سوابق الفضل والامتنان ونصلي ونسلم على نبيك سيد ولد عدنان ، إلى آخره.
وأيضاً : إن أحلى ما تحلت به تيجان الرسائل وأعلى ما تجلت به مظاهر المقاصد والوسائل وأبهى ما رقمه البنان من بديع المعاني والبيان وأشهر ما فاهت به الأقلام وفاحت به نوافح مسك الختام إهداء تسليم تفوح فوائح المسك من طيب نشره وتلوح لوائح الإقبال من وجوه بشره وتبتسم ثغور الأماني من شمائل شموله وتتنسم نسمات التهاني من إقباله وقبوله.
وإسداء تحيات يعبق شذاها ويشرف نورها وضياها تفوق الشموس نوراً وتروق الخواطر منها سرورا نقدم ذلك ونهديه ونظهره ونبديه لحضرة ذوي المهابة والفخار والعلو والاقتدار الجامعين بين المتاجر والمفاخر الحائزين لجمال الأول والآخر القاطنين بخير البلاد القائمين بمصالح العباد مصابيح الدنيا وبهجتها وكواكب البلاد وتحفتها حماة حرم يجبى إليه الثمرات وزينة محل تقضى به الحاجات عين أعيان المكاسب والتجارة وزين أبناء المطالب والإشارة نعني بذلك فلاناً وفلانا، أسبغ الله عليهم سوابغ الإنعام وأسبل عليهم حلل الجود والإكرام وأصلح لهم الأحوال وبلغهم الأماني والآمال وبسط لهم الأرزاق وحباهم بلطفه الخلاق.
أما بعد بسط كف الرجاء ومد سواعد القصد والالتجاء بدعوات مقرونة بالإنابة ليس لها حاجب عن أبياب الإجابة ، فمما يعرض عليكم وينهى بعد السلام إليكم أنه قد وصل إلينا رقيمكم المكنون المحتوي على الدر المصون فشممنا منه نفحات مكية حرمية ونسيمات سحرية بهية فتعطرنا بطيب مسكها الأذفر وتطيبنا بعبير عنبرها الأزهر وذكرتم أنه بذلتم المجهود في طلب المقصود ، إلى آخره.
وله غير ذلك كثير وحاله وفضله شهير ولم يزل يملي ويفيد ويقرر ويعيد، حتى قطفت يد الأجل نواره وأطفأت رياح المنية أنواره وذلك يوم الاثنين الرابع والعشرين من شهر ذي القعدة الحرام سنة ست عشرة ومائتين وألف ، ورثاه الشيخ إسماعيل الزرقاني بقوله : تداولت الأيام بالعسر واليسر .. وتلك شؤون الحق في مطلق الدهر .. فكيف أرى قلبي على فقد ألفه .. حزيناً ودمع العين من فيضه يجري .. فقال لنا في سيد الخلق أسوة .. فقد دمعت عيناه حزناً كما تدري .. وهذا الذي أمسى حليف ضريحه .. إلى فضله تصبو الأنام مدى العمر.
إمام له فضل الرواية والحجا .. فمن نقله يملي ومن عقله يقري .. قوى فهمه صارت بنور معيدها .. ترى من مبادي الحال عاقبة الأمر .. عتبت على الأيام في نثر عقدها .. وقد غاب من أثنائه معدن الدر .. فقالت ومالي ذاك حبر موفق .. أحب لقاء الله أسرع للأجر .. تلقته أملاك النعيم تحفه .. وتنقله من ورد نهر إلى قصر .. إلى أن يرى وجه العزيز مكانه .. ويبقى حميداً في الترقي مع البشر .. بمقعد صدق صار عند مليكه .. فيا مصطفاه فزت مرتفع القدر “.

6 / ديوان الخشاب
كاتب الديوان في زمن الحملة الفرنسية هو الشاعر والأديب إسماعيل بن سعد الخشاب المتوفي عام 1230 هـ / 1815 م وهو من كبار شعراء الموشحات والأزجال في زمنه وله مدائح كثيرة في رجالات عصره ومنهم الشيخ محمد أبو الأنوار السادات الذي كانت بينه وبين الشاعر علاقة مودة وصحبة ، وله ديوان شعر صغير وعدد من المؤلفات منها كتاب أخبار أهل القرن الثاني عشر تاريخ المماليك في القاهرة وكتاب حوادث الزمان ووقايع الديوان وكتاب خلاصة ما يراد من أخبار الأمير مراد.
وذكر جورجي زيدان في كتابه تاريخ آداب اللغة العربية أن الفرنسيين أتوا معهم بمطبعة عربية كانوا يطبعون فيها منشوراتهم وأوامرهم وهي أول مطبعة عربية دخلت هذا القطر وتولى إدارتها المستشرق مارسل وأنهم أنشئوا ديوانًا للقضاء بين المسلمين وأنهم كانوا يدوِّنون ما يقع فيه كل يوم بيومه ويطبعون من ملخصه نسخًا يفرقونها في الجيش بالقاهرة وخارجها وفيها الحوادث الرسمية ، وقد عيَّنوا السيد إسماعيل الخشاب لتدوين تلك الحوادث في النشرة المذكورة كالجريدة العسكرية لنشر الأوامر الرسمية وسمَّوها (التنبيه) فهي بهذا المعنى أول جريدة عربية رسمية لكنها عسكرية وأما أول جريدة رسمية عربية عامة فهي الوقائع المصرية.
وقد ترجم له الجبرتي في كتابه عجائب الآثار فقال : ” البليغ النجيب والنبيه الأريب نادرة الزمان وفريد الأوان أخونا ومحبنا في الله تعالى ومن أجله السيد إسماعيل بن سعد الشهير بالخشاب ، كان أبوه نجارًا ثم فتح له مخزنًا لبيع الخشب تجاه تكية الكلشني بالقرب من باب زويلة ووُلد له المترجم وأخوه إبراهيم ومحمد وهو أصغرهما فتولع السيد إسماعيل المترجم بحفظ القرآن ثم بطلب العلم ولازم حضور السيد علي المقدسي وغيره من أفاضل الوقت وأنجب في فقه الشافعية والمعقول بقدر الحاجة وتثقيف اللسان والفروع الفقهية الواجبة والفرايض.
وتنزل في حرفة الشهادة بالمحكمة الكبيرة لضرورة التكسب في المعاش ومصارف العيال وتمسك بمطالعة الكتب الأدبية والتصوف والتاريخ وأولع بذلك وحفظ أشيا كثيرة من الأشعار والمراسلات وحكايات الصوفية وما تكلموا فيه من الحقائق حتى صار نادرة عصره في المحاضرات والمحاورات واستحضار المناسبات والماجريات وقال الشعر الرايق ونثر النثر الفايق.
وصحب بسبب ما احتوى عليه من دماثة الأخلاق ولطف السجايا وكرم الشمايل وخفة الروح كثيرًا من أرباب المظاهر والريسا من الكتاب والأمرا والتجار وتنافسوا في صحبته وتفاخروا بمجالسته ومنهم مصطفى بك المحمدي أمير الحاج وحسن أفندي الغربية وشيخ السادات وغيرهم من الأماثل فيرتاحون لمنادمته وينتقلون على طيب مفاكهته وحسن مخاطبته ولطف عباراته وكان الوقت إذ ذاك غاصًّا بالأكابر والريسا وأرباب الفضايل والناس في بلهنية من العيش وأمن من المخاوف والطيش.
وللمترجم رحمه الله قوة استحضار في إبدا المناسبات بحسب ما يقتضيه حال المجلس فكان يجالس ويشاكل كل جليس بما يُدخل عليه السرور في الخطاب ويجلب عقله بلطف محادثته كما يفعل بالعقول الشراب.
ولما رتب الفرنساوية ديوانًا لقضايا المسلمين تعين المترجم في كتابة التاريخ لحوادث الديوان وما يقع فيه من ذلك اليوم لأن القوم كان لهم مزيد اعتنا بضبط الحوادث اليومية في جميع دواوينهم وأماكن أحكامهم ثم يجمعون المتفرق في ملخص يرفع في سجلهم بعد أن يطبعوا منه نسخًا عديدة يوزعونها في جميع الجيش حتى لمن يكون منهم في غير المصر من قرى الأرياف فتجد أخبار الأمس معلومه للجليل والحقير منهم.
فلما رتبوا ذلك الديوان ـ كما ذكر ـ كان هو المتقيد برقم كل ما يصدر في المجلس من أمر أو نهى أو خطاب أو خطا أو صواب وقرروا له في كل شهر سبعة آلاف نصف فضة ، فلم يزل متقيدًا في تلك الوظيفة مدة ولاية عبد الله جاك مِنُو حتى ارتحلوا من الإقليم مضافة لما هو فيه من حرفة الشهادة بالمحكمة وديوانهم هذا ضحوه يومين في الجمعة فجمع من ذلك عدة كراريس ولا أدري ما فعل بها.
وبعد أن رجع صاحبنا العلامة الشيخ حسن العطار من سياحته مازج المذكور وخالطه ورافقه ووافقه ولازمه فكان كثيرًا ما يبيتان معًا ويقطعان الليل بأحاديث أرق من نسيم السحر وألطف من اتساق نظم الدرر ، وكثيرًا ما كانا يتنادمان بداري لما بيني وبينهما من الصحبة الأكيدة والمودة العتيدة فكانا يرتاحان عندي ويطرحان التكلفات التي هي على النفس شديدة ويتمثلان بقول من قال : فيَّ انقباض وحشمة فإذا رأيت أهل الوفا والكرم .. أرسلتُ نفسي على سجيتها وقلت ما قلت غير محتشم.
ثم يتجاذبان أطراف الكلام فيجولان في كل فن من الفنون الأدبية والتواريخ والمحاضرات فتارة يتشاكيان تغير الزمان وتكدر الإخوان وأخرى يترنمان بمحاسن الغزلان وما وقع لهما من صد وهجران ووصل وإحسان ، فكانت تجري بينهما منادمات أرق من زهر الرياض وأفتك بالعقول من الحدق المراض وهما حينئذٍ فريدا وقتهما ووحيدا عصرهما لم يُعزَّزا في ذلك الوقت بتالت إذ ليس من يدانيهما فضلًا عن مساواتهما في تلك الشئون التي أربت على المتاني والمتالت واستمرت صحبتهما وتزايدت على طول الأيام مودتهما حتى تُوُفِّيَ المترجم.
وبقي بعده الشيخ حسن فريدًا عمن يشاكله ويناشده ويتجارى معه ويحاوره فسكت بعد حسن البيان وترك نظم الشعر والنثر إلا بقدر الضرورة ونفاق أهل العصر وذلك لتفاقم الخطوب وتزايد الكروب وفقد الإخوان وعدم الخلان ، واشتغل بما هو خير من ذلك وأبقى ثوابًا فيما هنالك من تقدير العلوم وتحقيقها والتأليفات المتنوعة في الفنون المختلفة وتنميقها وهو الآن على ما هو عليه من السعي في خدمة العلم وإقرا الكتب الصعبة وله بذلك شهرة بين الطلاب.
وقد جمع المذكور للمترجم ديوان شعره وهو صغير الحجم له شهرة بين المتأدبين بمصر ولهم به عناية ووفور رغبة ، وقد كان قبل تملك الفرنسيس لمصر كان للمترجم تردد على شيخ السادات المكنى بأبي الأنوار المُتَوَفَّى في العام قبل الماضي واستغرق كل شعره في مديحه وكان له فيه غلو زايد وتأدب في الجلوس والحديث انتُقد فيه وليم عليه هذه الأمور حتى كان لا يخاطبه إلا بضمير الغيبة حتى ربما وقع ذلك في بعض آيات وأحاديث كما قدمنا الإشارة بذلك في ترجمته وكان ذلك يوافق غرضه لما جُبل عليه من التعاظم.
وقد كان جلساه لما رأوا محبته لذلك يتشبهون بالمترجم في سلوك هذه الشئون مع أنه لا داعي ولا باعث لارتكاب هذه المعاصي طلبًا لمرضاة من هو كثير التلون على جلساه وإنما الناس شأنهم التقليد وفي طباعهم الميل إلى أرباب الدنيا ولو لم ينلهم منها شي ولم يكن للمترجم شي يعاب به إلا هذه الارتكابات.
ولما وردت الفرنساوية لمصر اتفق أن علق شابًّا من ريسا كتَّابهم كان جميل الصورة لطيف الطبع عالمًا ببعض العلوم العربية مايلًا إلى اكتساب النكات الأدبية فصيح اللسان بالعربي يحفظ كثيرًا من الشعر ، فلتلك المجانسة مال كلٌّ منهما للآخر ووقع بينما توادد وتصافٍ حتى كان لا يقدر أحدهما على مفارقة الآخر فكان المترجم تارة يذهب لداره وتارة يزوره هو ويقع بينهما من لطف المحاورة ما يُتعجب منه وعند ذلك قال المترجم الشعر الرايق ونظم الغزل الفايق.
فمما قاله فيه : علقته لؤلؤي الثغر باسمه فيه خلعت عذاري بل حُلا نُسكى .. ملَّكته الروح طوعًا ثم قلت له مني ازديارك لي أفديك من ملك .. فقال لي وحميَّا الراح قد علقت لسانه وهو يثني الجيد من ضحك .. إذا غزا الفجر جيش الليل وانهزمت منه عساكر ذاك الأسود الحلك .. فجاءني وجبينُ الصبح مشرقة عليه من شغف آثار معترك .. في حلة من أديم الليل رَصَّعها بمثل أنجمه في قبة الفلك .. فخلت بدرًا به حفَّت نجوم دجا في أسود من ظلام الليل محتبك .. وافى وولَّى بعقل غير مختبل من الشراب وسِتر غير منتهك
وله في آخر يسمى ريج : أدِرها على زُهر الكواكب والزَّهْر وإشراق ضوء البدر في صفحة النهر .. وهات على نغم المتاني فعاطني على خدك المحمر حمراء كالجمر .. وموِّه لجين الكاس من ذهب الطِّلا وخضِّب بناني من سنا الراح بالنبر .. وهاك عقودًا من لآلي حُبابها فم الكاس عنها قد تبسَّم بالبشر .. ومزقْ رداء الليل وامحُ بنورها دجاه وطُف بالشمس فينا إلى الفجر .. وأصلِ بنار الخد قلبي وأطفه ببرد ثناياك الشهية والثغر .. أريج ذكى المسك أنفاسُك التي أريجُ شذاها قد تبسَّم عن عطر .. معنبرة يسري النسيم بطيبها فتغدو رياض الزهر طيبة النشر.
وبي ذابل الأجفان كالبيض طرفه مكحلة أجفانه السود بالسِّحر .. رشا فاتك الألحاظ عيناه غادرت فؤاديَ في دمعي دمًا سائلًا يجري .. طويلُ نجادِ السيفِ ألمى محجَّب شقيق المها زاهي البها ناحل الخصر .. رقيق حواشي الطبع يغني حديثهُ عن اللؤلؤ المنظوم والنظم والنثر .. يعير الرماح اللِّينَ عادلُ قدِّه ويُزْري الدراري ضوء مبسمه الدر .. ويحكيه أغصان الربا في شمايل فيرفل في أثواب أوراقها الخضر .. وفوقَ سَنَا ذاك الجبين غياهب من الشَّعر تبدو دونها طلعة البدر .. ولما وقفنا للوداع عشيَّةً وأمسى بروحي يوم جَدَّ النَّوى سَيْري .. تباكى لتوديعي فأبدى شقايقًا مكللة من لؤلؤ الطل بالقَطر.
ولما نظم الشيخ حسن موشحته التي يقول فيها شعرًا : أما فؤادي فعنك ما انتقلا .. فلم تخيرت في الهوا بدلا فاعجب .. يا معرضًا عن محبة الدنفِ .. ومغرمًا بالجمال والصلفِ .. ومن به زاد في الهوى شغفِي .. أما كفى يا ظلوم ما حصلا حتى جعلت الصدود والمللا مذهب .. فتش فؤادي فليس فيه سوى .. شخصك أيها المليح ثوى .. قد ضل قلبي بسكنه وغوى .. وهكذا من يحب معتدلا لم يلق إلا تأسفًا وقلا مشرب
وهي طويلة مذكورة في ديوانه عارضه المترجم المذكور بقوله في معشوقه الذي ذكرناه : يهتز كالغصن ماس معتدلا أطلع بدرًا عليه قد سدلا .. غيهب يُزري بسمر الرماح أن خطرا .. ساحر جفن لمهجتي سحرا .. علم عيني البكا والسهرا .. فكيف أبغي بحبه بدلا وليس لي عنه جار أو عدلا. مهرب .. وضاح نور الجبين أبلجه .. أغيد عذب الرضاب أفلجه .. وجه غرامي عليه متجه .. فلست أصغي لعاذل عذلا كلا وعنه فلا أحول ولا أرغب ، وبقيتها في ديوانه ، وقال أيضًا وهو مما يعتني به : أدرها على زهر الكواكب والزهر وإشراق نور البدر في صفحة النهر ، إلى آخرها.
ولم يزل المترجم على حالته ورقته ولطافته مع ما كان عليه من كرم النفس والعفة والنزاهة والتولع لمعالي الأمور والتكسب وكثرة الإنفاق وسكنى الدور الواسعة والحزم ، وكان له صاحب يسمى أحمد العطار بباب الفتوح تُوُفِّيَ وتزوج هو بزوجته وهي نَصَف وأقام معها نحو تلاتين سنة ولها ولد صغير من المُتَوَفَّى فتبنَّاه ورباه ورفَّهه بالملابس وأشفق به أضعاف والد بولده ولما بلغ عمل له مهمًا وزوَّجه ودعا الناس إلى ولايمه وأنفق عليه في ذلك إنفاقًا كثيرة.
وبعد نحو سنة تمرَّض ذلك الغلام أشهرًا فصرف عليه وعلى معالجته جملة من المال ومات فجزع عليه جزعًا شديدًا ويبكي وينتحب وعمل له مأتمًا وعزا واختارت أمه دفنه بجامع الكردي بالحسينية ورتبت له رواتب وقراء ، واتخذت مسكنًا ملاصقًا لقبره وأقامت به نحو التلاتين سنة مع دوام عمل الشريك والكعك بالعجمية والسكر وطبخ الأطعمة للمقرين والزايرين ثم ملازمة الميت واتخاذ ما ذكر في كل جمعة على الدوام والمترجم طوع يدها في كل ما طلبته وما كلفته به تسخيرًا من الله تعالى.
وكل ما وصل إلى يده من حرام أو حلال فهو مستهلك عليها وعلى أقاربها وخدمها لا لذة له في ذلك حسية ولا معنوية لأنها في ذاتها عجوز شوها وهو في نفسه نحيف البنية ضعيف الحركة جدًّا بل معدومها ، وابتُلي بحصر البول وسلسه القليل مع الحُرقة والتألم استدام بها مدة طويلة حتى لزم الفراش أيامًا.
وتُوُفِّيَ يوم السبت ثاني شهر الحجة الحرام بمنزله الذي استأجره بدرب قِرْمز بين القصرين وصلينا عليه بالأزهر في مشهد حافل ودُفن عند ابنه المذكور بالحسينية ، وكثيرًا ما كنت أتذكر قول القائل : ومن تراه بأولاد السوى فرحًا في عقله عَزِّه إن شئت وانتدب .. أولادُ صلب الفتي قلَّت منافعهم فكيف يلمح نفع الأبعد الجُنُب ، مع أنه كان كثير الانتقاد على غيره فيما لا يداني فعلَه وانقياده إلى المرأة وحواشيها ، نسأل الله السلامة والعافية وحسن العافية كما قيل من تكملة ما تقدم : فلا سرور سوى نفع بعافية وحسنُ خَتْم وما يأتي من الثغب .. وأمنُ نُكْر نكير القبر ثمة ما يكون بعد من الأهوال والتعب “.

7 / حاشية الدسوقي على مختصر المعاني
اهتم علماء اللغة العربية في كل العصور بعلم البلاغة وتطورها عبر العصور المختلفة وكتبوا في ذلك المؤلفات العديدة ومنها كتاب حاشية الدسوقي على مختصر المعاني الذي صنفه العلامة الشيخ محمد بن عرفة الدسوقي المالكي المتوفي بالقاهرة عام 1230 هـ / 1815 م ، والكتاب هو شرح كتاب أسبق منه هو مختصر المعاني الذي صنفه سعد الدين التفتازاني المتوفي عام 792 هـ وهو بدوره شرح كتاب تلخيص مفتاح العلوم للعلامة جلال الدين القزويني المتوفي عام 793 هـ والذي يعد عمدة مراجع علم البلاغة.
وقد استهل المؤلف كتابه بمقدمة يقول فيها : ” الحمد لله العلى الأعلى موجد الأشياء بعد فنائها فله المجد الأسنى أحمده على ما ألهمناه من معانى البيان وعلمنا من لوامع التبيان ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك المنان وأشهد أن محمدا عبده ورسوله سيد ولد عدنان صلّى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين أعجزوا ببلاغتهم فرسان البلغاء فى كل ميدان.
وبعد ، فيقول العبد الفقير المضطر لإحسان ربه القدير محمد بن عرفة الدسوقى نظر الله بعين لطفه إليه وغفر له ولوالديه : هذه فوائد شريفة وتقييدات لطيفة على شرح العلامة الثانى سعد الملة والدين التفتازانى لتلخيص (المفتاح) اقتطعتها من تقارير مشايخنا المحققين ومن زبد أرباب الحواشى والشارحين وإن لم أكن من فرسان هذا الميدان، لكن رجوت العفو بدعوة صالح من الإخوان ، وبالله أستعين وعليه التكلان فى سلوك سبيل الرشاد فى كل شان “.
وقد ذكره محمد علي مخلوف في كتابه شجرة النور الزكية في طبقات المالكية فقال : ” شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عرفة الدسوقي الأزهري ، ولد بدسوق العلامة الأوحد الفهّامة الأمجد محقق عصره ووحيد دهره الجامع شتات العلوم المنفرد بتحقيق المنطوق والمفهوم بقية الفصحاء والفضلاء المتقدمين والمميز عن المتأخرين ، حضر مصر وحفظ القرآن وجوّده على الشيخ محمد المنير ولازم حضور دروس المشايخ كالصعيدي والدردير والجناجي وحسن الجبرتي ومحمد بن إسماعيل النفراوي وتصدر للتدريس وأتى بكل نفيس وأفاد وأجاد.
كان فريداً في تسهيل المعاني وتبيين المباني يفك كل مشكل بواضح تقريره ويفتح كل مغلق بفاتح تحريره ودرسه مجمع أذكياء الطلاب والمهرة من ذوي الأفهام والألباب مع لين جانب ودين متين وحسن خلق وعدم تصنع وإطراح تكلف جارياً على سجيته لا يرتكب ما يتكلفه غيره من التعاظم وفخامة الألفاظ ولهذا كثر الآخذون عليه والمترددون إليه منهم أحمد الصاوي وعبد الله الصعيدي وحسن العطار.
له تآليف رزق فيها القبول واضحة العبارة بألطف إشارة سهلة المأخذ ملتزمة بتوضيح المشكل منها حاشية على مختصر السعد وحاشية على الدردير على المختصر وحاشية على شرح الجلال المحلي على البردة وحاشية على كبرى السنوسي وعلى صغراه وحاشية على شرح الرسالة الوضعية ولم يزل على حالته في الإفتاء والتدريس والإفادة وخطه حسن إلى أن توفي في ربيع الثاني سنة 1230 هـ / 1814 م وصلّى عليه بالأزهر في مشهد حافل ودفن بتربة المجاورين.
ورثاه أمثل من عنه أخذ وأكبر من له تلميذ العلامة الفهّامة حامل لواء الإنشاء البديع والنظم الذي هو كزهر الربيع الشيخ حسن العطار بقصيدة غراء أولها : أحاديث دهر قد ألم فأوجعا .. وحل بنادي جمعنا فتصدعا .. لقد سأل فينا البين أعظم صولة .. فلم يُخل من وقع المصيبة موضعا ، وآخرها : فقدناه لكن نفعه الدهر دائم .. وما مات من أبقى علوماً لمن وعا .. فجوزي بالحسنى وتوج بالرضا .. وقوبل بالإكرام ممن له دعا “.
وقد ترجم له الجبرتي في كتابه عجائب الآثار فقال : ” العلامة الأوحد والفهامة الأمجد محقق عصره ووحيد دهره الجامع لأشتات العلوم والمنفرد بتحقيق المنطوق والمفهوم بقية الفصحا والفضلا المتقدمين والمتميز عن المتأخرين، الشيخ محمد بن أحمد بن عرفة الدسوقي المالكي ، وُلد ببلدة دسوق من قرى مصر وحضر إلى مصر وحفظ القرآن وجوَّده على الشيخ محمد المنير ولازم حضور دروس الشيخ علي الصعيدي والشيخ الدردير وتلقَّى الكثير من المعقولات عن الشيخ محمد الجناحي الشهير الشافعي وهو مالكي.
ولازم الوالد حسن الجبرتي مدة طويلة وتلقى عنه بواسطة الشيخ محمد بن إسماعيل النفراوي علم الحكمة والهيئة والهندسة وفن التوقيت وحضر عليه أيضًا في فقه الحنفية وفي المطول وغيره برواق الجبرت بالأزهر ، وتصدر للإقرا والتدريس وإفادة الطلبة وكان فريدًا في تسهيل المعاني وتبيين المباني يفك كل مشكل بواضح تقريره ويفتح كل مغلق برايق تحريره ودرسه مجمع أذكيا الطلاب والمهرة من ذوي الأفهام والألباب مع لين جانب وديانة وحسن خلق وتواضع وعدم تصنع وإطراح تكلف جاريًا على سجيته لا يرتكب ما يتكلفه غيره من التعاظم وفخامة الألفاظ ولهذا كثر الآخذون عليه والمترددون إليه.
وله تأليفات واضحة العبارات سهلة المأخذ ملتزمة بتوضيح المشكل فمن تآليفه حاشية على مختصر السعد على التلخيص وحاشية على شرح الشيخ الدردير على سيدي خليل في فقه المالكية وحاشية على شرح الجلال المحلي على البُردة وحاشية على الكبرى للإمام السنوسي وحاشية على شرحه للصغرى وحاشية على شرح الرسالة الوضعية ، هذا ما عُني بجمعه وكتابته وبقي مسودات لم يتيسر له جمعها.
ولم يزل على حالته في الإفادة والإلقا والإفتا وخطه حسن وخلقه أحسن إلى أن تعلل وتُوُفِّيَ يوم الأربع الحادي والعشرين من شهر ربيع الثاني وخرجوا بجنازته من درب الدليل وصُلِّي عليه بالأزهر في مشهد حافل ودُفن بتربة المجاورين بالمدفن الذي بداخل المحل الذي يسمى بالطاولية ، وقام بكلفة تجهيزه وتكفينه ومصاريف ومدفنه الجناب المكرم السيد محمد المحروقي وكذلك مصاريف الميتم بمنزله وأرسل من قيَّده لذلك من أتباعه بإدارة المطبخ ولوازمه من الأغنام والسمن والأرز والعسل والحطب والفحم والقهوة وجميع الاحتياجات للمقرين ومن يأتي لتعزية أولاده جزاه الله خيرًا.
واستمر إجراه لذلك في التلات جمع المعتادة بالمنزل وما يعمل في صبح يوم الجمعة بالمدفن من الكعك والشريك الذي يفرق على الفقرا والحاضرين والتُّربيَّة والخدمة ، وقد رثاه أمثل من عنه أخذ وأكمل من له تتلمذ صاحبنا العلامة وصديقنا الفهامة المنفرد الآن بالعلوم الحكمية والمشار إليه في العلوم الأدبية صاحب الإنشاء البديع، والنظم الذي هو كزهر الربيع الشيخ حسن العطار حفظه الله من الأغيار بقوله شعرًا :
أحاديثُ دهر قد ألمَّ فأوْجعا وحلَّ بنادي جمْعِنا فتصدَّعا .. لقد صال فينا البَينُ أعظمَ صولة فلم يخل مِن وقْع المصيبة مَوضِعا .. وجاءت خُطوب الدهر تَتْرَى فكلما مضى حادثٌ يعقُبْه آخرُ مسرعا .. وحلَّ بنا ما لم نكُن في حسابه من الدهر ما أبكى العيونَ وأفزعا .. خطوبُ زمانٍ لو تمادى أقلُّها بشامخ رَضْوَى أو ثَبِير تضعضعا .. وأصبح شأنُ الناس ما بينَ عايد مريضًا وثانٍ للحبيب مشيِّعا .. لقد كان روضُ العيش بالأمس يانعا فأضحى هشيمًا ظلُّه متقشِّعا .. أيحسنُ أن لا يبذل الشخص مهجةً ويبكي دمًا إن أفْنَتِ العينُ أدمُعا ؟ .. وقد سار بالأحبابِ في حينِ غفلةٍ سريرُ المنايا عاجلًا مُتسرِّعا .. وفي كل يوم روعةٌ بعد روعةٍ فَلِلَّهِ ما قاسى الفؤاد ورُوِّعا.
عزاءً بني الدنيا بفقد أَيِمَّة لكأسِ مريرِ الموت كلٌّ تجرَّعا .. يمينًا لقد جلَّ المصاب بشيخنا الدْ دُسوقي وعاد القلبُ بالهَمِّ مُتْرعا .. وشابتْ قلوبٌ لا مفارق عندما تنكَّرَتِ الأسماعُ صوتَ الذي نعَى .. فلِلناس عذرٌ في البكاءِ وللأسى عليه، وأمَّا في السواء فتجْزعا .. وكيف وقد ماتتْ علومٌ بفقدهِ لقد كان فيها جهبذيًّا سَميذَعا .. فمن بَعْدَه يجلو دُجنَّة شبهةٍ ويكشفُ عن سِتر الدقائق مُقنعا؟ .. وإنْ ذو اجتهادٍ قد تعثَّر فهمُه فيا ليت شعري من يقولُ له لعا .. يقرر في فنِّ البيان بمنطق بديع معانيه يتوِّج مسمعا .. وسار مسيرَ الشمس غر علومه ففي كل أُفْق أشرقتْ فيه مطلعا .. وأبقى بتأليفاته بيننا هُدى بها يسلك الطلاب للحق مَهْيعا .. وحلَّ بتحريراته كلَّ مُشكِل فلم يبقَ للإشكال في ذاك مطمعا.
فأي كتابٍ لم يفكَّ ختامه إذا ما سواه من تعاصيه ضيَّعا .. ومن يبتغي تَعْداد حُسْن خصاله فليس ملومًا إن أطال وأشبعا .. فلَلصدق عونٌ للمقال فمن يقُل أصاب مكانُ القول فيه مُوَسعا .. تواضع للطلاب فانتفعوا به على أنه بالحِلم زاد ترفُّعا .. وكان حليمًا واسع الصدر ماجدًا تقيًّا نقيًّا زاهدًا مُتورعا .. سعى في اكتساب الحمد طول حياته ولم نرَه في غير ذلك قد سعَى .. ولم تُلهه الدنيا بزخرفِ صورةٍ عن العلم كيما أن تَغُرَّ وتَخْدَعا .. لقد صرف الأوقاتَ في العلم والتُّقى فما إن لها يا صاح أمسِ مضيعا .. فقدناه لكن نفعُه الدهرَ دايمٌ وما مات من أبقى علومًا لمن وعَى .. فَجُوزِيَ بالحسنى وتُوِّج بالرِّضَى وقُوبِلَ بالإكرام ممن له دعا “.

8 / تحفة المستيقظ الآنس
(تحفة المستيقظ الآنس في نزهة المستنيم الناعس) هو عنوان مجموعة قصصية تعد من بواكير الكتابة الروائية في ذلك العصر وهي من تجميع وكتابة الشيخ محمد المهدي الحنفي الذي ولد بالقاهرة عام 1150 هـ / 1736 م وتوفي فيها عام 1230 هـ / 1815 م ، وهو من جذور قبطية حيث كان والده أبيفانوس من الموظفين لدى سليمان بك الكاشف من أعوان علي بك الكبير لكنه أسلم صغيرا والتحق بالشيخ الحفني وتعلم في الأزهر حتى صار من كبار العلماء فيه ومن رموز البلاد في زمن الحملة الفرنسية حيث كان من أهم العاملين في الديوان الذي أنشأه نابليون لإدارة شئون مصر وقتها.
وقد أهدى المؤلف النسخة الوحيدة لكتابه والمكتوبة بخط يده إلى صديقه المترجم الفرنسي جان جوزيف مارسيل (1776 ـ 1854 م) والذي ذهب إلى مصر بصحبة الحملة الفرنسية حيث كان مكلفا وقتها بإدارة المطابع ، وقام مارسيل بترجمتها ونشرها في باريس بوصفها تحاكي الليالي العربية (ألف ليلة وليلة) التي كانت محل اهتمام الأوروبيين وأطلق عليها اسم : حكايات الشيخ المهدي contes du cheykh el_mahdy ، وتنقسم إلى الجزء الأول (الليالي العشر التعيسة) وصدر في فرنسا العام 1828 م والجزء الثاني الذي صدر بعدها بسنوات في مجلدين هما أولا جلسات المورستان وثانيا الحكايات.
يقول مارسيل : ” تعرفت على كثير من أعيان القاهرة لكني عاشرت على الأخص الشيخ المهدي فكانت علاقاتنا مستمرة ومصطبغة بصبغة الصداقة ، وبينما كنا نتحدث في أحد الأيام عن الأدب العربي كلمته عن كتاب ألف ليلة وليلة فقال لي : هذا كتاب يرجع إلى زمن قديم جدًّا وعلى كل حال فقد اقتدى به كثير من الكتاب في تأليف ما يشابهه وإني شخصيًّا أملك مخطوطًا من هذا النوع ، فأظهرت له رغبتي في قراءة هذا المخطوط فأتى به في اليوم التالي وأهداه إليَّ راجيًا مني قبوله وهذا المخطوط كتبه بيده وإني أعتقد أن الشيخ المهدي هو مؤلفه على رغم عدم اعترافه هو بذلك “.
وتحكي الرواية عن عبد الرحمن الإسكندراني الشاب الذي ورث عن أبيه مالًا وفيرًا لكنه فضل أن يهب نفسه للعلم ويحلم أن ينتفع الناس بعلمه لكنهم سرعان ما ينامون كلما بدأ يحدثهم في أمر هذا العلم ، وحين تزوج فتاةً هي بنت رجل (شريف) وأثناء حفل الزفاف حاول أن يحدث المعازيم بعلمه لكنهم ناموا جميعًا باستثناء شقيق العروسة وخلال حديث عبد الرحمن مع المستيقظ الوحيد أخطأ وسب الأشراف فأغضب شقيق العروسة وتعالت صيحاتهما فاستيقظ المدعوون النيام وتم سجن عبد الرحمن ، وحين يخرج يكتشف أن زوجته طيبة وتقف إلى جانبه لكنها أيضًا لا تنصت إليه مما اضطره إلى الزواج بأخرى وهكذا حتى يُجن ويدخل المارستان.
وتبدأ الرواية ببداية شيقة على لسان الراوي الذي يحكي أنه كثير الأسفار إلى دمشق وجدة وطرابلس الغرب وإنه ذهب إلى مكة المكرمة لأداء فريضة الحج ، ثم يقص كيف أنه ذات مساء وهم في الصحراء بعد أن اجتازوا جبل الطور وتهيأوا للراحة إذا برجل يمر بالقافلة وقد بدا عليه البؤس والإملاق فدعا له بطعام وسأله عن سر ما هو عليه من بؤس فأجاب الرجل : واأسفاه يا سيدي إنها قصة طويلة سأقصها عليك في عشر ليال متتابعات ، وبعد أن يأذن له الراوي يبدأ هذا البائس في قص حكاية الليلة الأولى التي تحمل عنوان (الليلة الأولى من حكايات عبد الرحمن الإسكندراني) وفيها يقول بإيجاز :
” لقد ولدت بالإسكندرية وكان أبي الحاج علي المختار من أثرياء التجار بالمدينة وكانت معظم تجارته مع الفرنجة وقد ماتت أمي عند ولادتي ولذا هجر أبي التجارة واشترى له بيتا في باب زويلة وانتقل للقاهرة عدد من أقربائنا ، وبعد وفاة أبي وكان عمري إذ ذاك خمسا وعشرين سنة أصبحت وارثا لثروة كبيرة ولم أكن ميالا للملذات ولا للأسفار واستشرت أصحابي فيما أنا فاعل بهذه الثروة فنصحني أحد الشيوخ بأن أثقف نفسي ومن ثم أقبلت على اقتناء الكتب ” ، وهكذا تمضي الأحداث ما بين مغامرات وأسفار ثم يدخل عبد الرحمن في خدمة الراوي وبعد وفاته يعثر الراوي في متاعه على كراسات تتضمن حكاية دخوله المارستان وقصص أخرى.
وقد ترجم له الجبرتي في كتابه عجائب الآثار في التراجم والأخبار فقال : ” الأستاذ الفريد واللوزعي المجيد الإمام العلامة والنحرير الفهامة الفقيه النحوي الأصولي الجدلي المنطقي الشيخ محمد المهدي الحفني ، ووالده من الأقباط وأسلم هو صغيرًا دون البلوغ على يد الشيخ الحفني وحلت عليه أنظاره وأشرقت عليه أنواره وفارق أهله وتبرأ منهم وحضنه الشيخ ورباه وأحبه واستمر بمنزله مع أولاده واعتنى بشأنه وقرا القرآن.
ولما ترعرع اشتغل بطلب العلم وحفظ متن أبي شجاع وألفية النحو والمتون ولازم دروس الشيخ وأخيه الشيخ يوسف وغيرهما من أشياخ الوقت مثل الشيخ العدوي والشيخ عطية الأجهوري والشيخ الدردير والبيلي والجمل والخِرْشي وعبد الرحمن المقري والشرقاوي وغيرهم ، واجتهد في التحصيل ليلًا ونهارًا ومهَر وأنجب ولازم في غالب مجالس الذكر عند الشيخ الدردير بعد وفاة الشيخ الحفني وتصدر للتدريس في سنة تسعين وماية وألف.
ولما مات الشيخ محمد الهلباوي سنة اتنين وتسعين جلس مكانه بالأزهر وقرا شرح الألفية لابن عقيل ولازم الإلقا وتقرير الدروس مع الفصاحة وحسن البيان والتفهيم وسلامة التعبير وإيضاح العبارات وتحقيق المشكلات ونما أمرُه واشتُهر ذكره وبَعُد صيتُه ، ولم يزل أمره ينمو واسمه يسمو مع حسْن السَّمْت ووجاهة الطلعة وجمال الهيئة وبشاشة الوجه وطلاقة اللسان وسرعة الجواب واستحضار الصواب في ترداد الخطاب ومسايرة الأصحاب.
وصاهر الشيخ محمد الحريري الحنفي على ابنته وأقبلت عليه الدنيا وتداخل في الأكابر ونال منهم حظًّا وافرًا بحسن معاشرته وحلاوة ألفاظه وتنميق كلماته ويقضي أشغاله منهم ومن حواشيهم وحريماتهم ويخاطب كلًّا بما يليق به ويناسبه ، واتحد إسماعيل بك كتخدا حسن باشا الجزايرلي وعاشره وأكثر من الترداد عليه فلما أتته ولاية مصر واستقر بالقلعة واظب على الطلوع والنزول إلى القلعة ويبيت عنده غالب الليالي وأنعم عليه بالخلع والعطايا والكساوي ورتب له وظايف في الضربخانة والسلخانة والجوالي.
ووقع في ولايته الطاعون الذي أفنى غالب أُمرا مصر وأهلها وذلك سنة خمس ومايتين وألف فاختص بما أحبه مما انحل عن الموتى من إقطاعات ورزق وغيرها وزادت ثروته ورغبته وسعيه في أسباب تحصيل الدنيا وعانى الشركات والمتاجر في كثير من الأشيا مثل الكتان والقطن والأرز وغير ذلك من الأصناف ، والتزم بعده حصص بالبحيرة مثل شابور وخلافها بالمنوفية والجيزة والغربية وابتنى دارًا عظيمة بالأزبكية بناحية الرويعي بما يقابلها من الجهة الأخرى عند الساباط.
ولما حضرت الفرنساوية إلى الديار المصرية وخافهم الناس وخرج الكثير من الأعيان وغيرهم هاربًا من مصر تأخر المترجم عن الخروج ولم ينقبض كغيره عن المداخلة فيهم بل اجتمع بهم وواصلهم وانضم إليهم وسايرهم ولاطفهم في أغراضهم وأحبوه وأكرموه وقبلوا شفاعته ووثقوا بقوله ، فكان هو المشار إليه في دولتهم مدة إقامتهم بمصر والواسطة العظمى بينهم وبين الناس في قضاياهم وحوايجهم وأوراقه وأوامره نافذة عند ولاة أعمالهم حتى لقب عندهم وعند الناس بكاتم السر.
ولما رتبوا الديوان الذي رتبوه لإجراء الأحكام بين المسلمين في قضاياهم ودعاويهم كان هو المشار إليه فيه وخَدَمة الديوان الموظفين فيه تحت أوامره وإذا ركب أو مشى يمشون حوله وأمامه وبأيديهم العصي يوسعون له الطريق ، وراج أمره في أيامهم جدًّا وزاد إيراده وجمعه واحتوى بلادًا وجهات وأرزاقًا وأقاموا وكيلًا عنهم في أشيا كثيرة وبلاد وقرى يُجبى إليه خراجها ويصرف عنها ما يصرفه ويأتيه الفلاحون منها ومن غيرها بالهدايا والأغنام والسمن والعسل وما جرت به العادة ويتقدمون إليه بدعاويهم وشكاويهم ويفعل بهم ما كان يفعله أرباب الالتزامات من الحبس والضرب وأخذ المصالح.
وصار له أعوان وأتباع وخدم من وُجها الناس ومَن دونهم يرسل منهم لجبي الأموال من القرى وفي مراسلاته في القضايا العامة ويبعث الأمان للفارين والهاربين من الفرنسيس الراحلين إلى بلاد الشام والمختفين بالقرى من الأجناد وغيرهم فيرسل إليهم أوراقًا بالعود إلى أوطانهم إما باستدعاهم وطلبهم ذلك وإما من باب الشفقة والمعروف منه عليهم ويحمي دورهم وحريمهم ويمانع عنهم في غيابهم ويكون له المنة العظيمة التي يستحق بها الجوايز الجزيلة.
وبالجملة فكان بوجوده وتصدره في تلك الأيام النفع العام سد بعقله ثقوبًا واسعة الخروق وداوى برأيه جروحًا وفتوقًا لا سيما أيام الهيازع والخصومات والتنازع وما يكدر طباع الفرنساوية من مخارق الرعية فيتلاقاه بمراهم كلماته ويسكن حدتهم بملاطفاته.
ولما مضت أيامهم وتنكست أعلامهم وارتحلوا عن الأقطار المصرية ووردت الدولة العثمانية كان المترجم أعظم المتصدرين في مقابلتهم وأوجه الوجها في مخاطبتهم ومكالمتهم ولم يتأخر عن حالته في ظهوره ولازمهم في عشيانه وبكوره وبهرهم بتحيله واحتياله واسترهبهم بسحره وحباله ، واتحد بشريف أفندي الدفتردار وواظبه الليل والنهار وتمم معه أغراضه في جميع تعلقاته وتقرير وظايفه والتزاماته ومسموحاته واستجد غير ذلك مما ينتقيه من الديوان وكل ذلك من غير مقابلة ولا حلوان.
وتزوج بعدة زوجات ورُزق أولادًا ذكورًا وإناثًا فمنهم الشيخ محمد أمين وهو من ابنة الشيخ الحريري وتمذهب حنفيًّا على مذهب جده ، وآخر يسمى محمد تقي الدين تُوُفِّيَ في حياة والده من نحو خمس عشرة سنة أو أكثر عن نحو عشرين سنة وكان مالكيًّا بإشارة أبيه ، والشيخ عبد الهادي وتُوُفِّيَ بعد أبيه وكان شافعي المذهب وعقدوا له درسًا بعد موت أبيه فلم تطل أيامه ، وزوَّج أولاده وبناته وعمل لهم مهمات وأفراحًا استجلب بها هدايا من أعيان المسلمين والنصارى والنسا الأكابر والتجار وغيرهم.
ثم احترقت داره التي أنشاها بالأزبكية في حرابة الفرنساوية مع العثمانيين والمصريين عند مجي الوزير المرة الأولى فشرع في بنا دار عند باب الشعرية ولم يتمها بل تركها وأهملها وهي منهدمة ولم يُحدث بها شيًّا من الأبنية ، ثم إنه تزوج بابنة الشيخ أحمد البشاري وكانت تحت بعض الأجناد في دار جهة التبانة بالقرب من سوق السلاح وسويقة العزى يذهب إليها في بعض الأحيان.
واشترى دارًا عظيمة بناحية الموسكي وكانت لبعض عَتْقَى بقايا الأمرا الأقدمين وهي دار واسعة الأرجا ذات رحبتين متسعتين والرحبة الخارجة التي يسلك إليها باب الزقاق الكبير على ظهر قنطرة الخليج التي تُعرف الآن بقنطرة الحفناوي لقربها من داره ، وبهذه الدار مجالس وقيعان متسعة ومن جملتها قاعة عظيمة ذات تلات لواوين مفروشة أرضها وحيطانها بأنواع الرخام الملون والقيشاني مطلة على بستان عظيم مغروس بأنواع الأشجار وهو أيضًا من حقوق الدار ، وتنتهي حدود هذه الدار إلى حارة المناصرة وإلى كوم الشيخ سلامة وحارة الإفرنج من الناحية الأخرى.
ولما عمل بزارها وعقد عقد شراها من أصحابها ودفع لهم بعض دراهم يقال لها العربون وكتب حجة المشتري وسكنها أخذ يوعدهم بدفع الثمن ويماطلهم كعادته في دفع الحقوق ثم تركهم وسافر إلى دمياط وجعل يطوف البلاد التي تحت التزامه وغيرها مثل المحلة الكبيرة وطندتا وإسكندرية وغاب نحو الخمس سنوات ، ومات في غيبته بعض أصحاب الدار التي اشتراها منه وبقي من مستحقيها امرأة فكانت تتظلم وتشتكي وتراسله فأعرضت أمرها لكتخدا بك والباشا إلى أن حضر إلى مصر وقبضت منه ما أمكنها من ثمن استحقاقها.
وبنى ابنه المسمى بأمين بقطعة من أرضها دارًا جهة حارة المناصرة وهي مطلة على البستان ومختلطة به ونافذة إليه وجعل لها بابًا من المناصرة ينفذ منه إلى الأزبكية وقنطرة الأمير حسين أنفق عليها جملة كبيرة من المال بحيث إن المرخمين أقاموا في شغلهم نحو أربع سنوات خلاف من عداهم من أرباب الأشغال وتجهيز الأدوات من الأخشاب وغيرها من أنواع الاحتياجات ، ويتعاطى ابنه المذكور التجارة أيضًا والشركة في كثير من الأصناف خلاف الإيراد الواسع الخاص به.
ولما رجع المترجم من سرحته إلى مصر أقام مصاحبًا ليسير الخمول وتقيد لإلقاء الدروس بالأزهر أشهرًا ويعاني مع ذلك الاشتغال والتولع بعلم ومطالعة ما صُنِّف فيها ويدبر مع بعض أصحابه في دورهم بإغراه من مالهم إلى أن بدت الوحشة بين الباشا والسيد عمر مكرم فتولى كِبْر السعي عليه سِرًّا هو وباقي الجماعة حَسَدًا وطمعًا ليخلص لهم الأمر دونه حتى أوقعوا به كما تقدم ذكر ذلك في حوادث سنة أربع وعشرين ، وفي أثنا هذه الحادثة طلب من الباشا إذنًا في قبض استحقاقه من ثمن غلال الأنبار في مدة غيابه فأمر بدفعها له من الخزينة نقدًا بالثمن الذي قدره لنفسه وهو خمسة وعشرون كيسًا.
وفي اليوم الذي خرج فيه السيد عمر مكرم أنعم عليه الباشا أيضًا بنظر وقف سنان باشا ونظر ضريح الشافعي بعرضه له بطلب النظرين وكانا تحت يد السيد عمر يتحصل منهما مال كثير ، وعند ذلك رجع إلى حالته الأولى التي كان قد انقبض عن بعضها من كثرة السعي والترداد على الباشا وأكابر دولته في القضايا والشفاعات وأمور الالتزام والفايظ والرزق والأطيان وما يتعلق به في بلاد الصعيد والفيوم ومحاسبة الشركا.
وازدحمت عليه الناس وشرع يقرا بالأزهر فإذا حضر اجتمع حول درسه طابق من الناس فإذا فرغ تكبكب عليه أرباب الدعاوى والفتاوى فيكتب لهذا ويوعد ذلك ويسوِّف آخر ويذهب مع مَن يريد أن يذهب معه لحاجته فيقطع نهاره وليله طوافًا وسعيًا وذهابًا وإيابًا لا يستقر بمكان ، ولا يعثر به صاحب حاجة إلا نادرًا ولا يبيت من بيوته إلا في الجمعة مرة أو مرتين ويتفق مجيه إلى داره بعد العشا الأخيرة وغالب لياليه في غيرها.
وإذا غاب لا يعلم طريقه إلا بعض أتباعه فيذهب إلى بولاق مثلًا فيقيم بها عدة أيام وليالي ينتقل في الأماكن عند شركاه ومن يعاملهم من الأمنا والخصاصين والأبزار وغيرهم أو يذهب إلى بلدة نهية بالجيزة أو غيرها فيقيم أيامًا أيضًا وهكذا دأبه قديمًا ، وإذا قيل له في ذلك قال : أنا بيتي ظَهر بغلتي.
وعلى ما كان فيه من الغنى وكثرة الإيراد والمصرف تراه مفقود اللذة عديم الراحة البدنية والنفسية وإنما ذلك لأولاده والمقيمين أيضًا بداره ، ويتفق أنه يذبح بداره التلاتة أغنام لضيوف النسا عند الحريم ولا يأكل منها شيًّا بل يتركها ويذهب إلى بعض أغراضه ببولاق مثلًا ويتغذى بالجبن الحلوم أو الفسيخ أو البطارخ ويبيت بأي مكان ولو على نخ حصير في أي محل كان.
ولما مات الشيخ سلميان الفيومي عن زوجته المعروفة بالسحراوية وكانت من نسا القدما مشهورة بالغنى وكثرة الإيراد تزوجت بالشيخ الفيومي حماية لمالها وكانت طاعنة في السن فاشترت له جارية بيضاء وأعتقتها وزوَّجتها له ولم يدخل بها ومات عنهما وعن زوجته الأخرى ، ثم ماتت السحراوية المذكورة لا عن وارث في غضون طنطنة المترجم فوضع يده على دارها ومالها وجواريها وتعلقاتها من عقار والتزام وغيره وزوج الجارية لابنه عبد الهادي وكأنها سقطت بمالها ونوالها في بير عميق.
ولما جرد الباشا وعين العساكر إلى الحجاز مع ابنه طوسون باشا اختار أن يصحب معه من أهل العلم فكان المتعين لذلك المترجم مع السيد أحمد الطهطاوي وأنعم عليه بأكياس وترحيله للنفقة فلما وقعت الهزيمة بالصفرا رجع مع الراجعين ، ولما تُوُفِّيَ الشيخ الشرقاوي تعين المترجم لمشيخة الجامع ثم انتقضت عليه وقلدوها الشيخ الشنواني كما تقدم ذكر ذلك فلم يظهر إلا الانشراح وعدم التأثر من الانكساف وحضر إليه الشيخ الشنواني فخلع عليه فروة سمور خاص وزاد في إكرامه.
وبآخره تملك دارًا بالكعكيين على شريطته في مشترواته وهي التي كانت سكن الشيخ الحفني قبل سكناه بالموسكي ثم تملكها الشيخ المرحوم عبد الرحمن العريشي ثم ابن الخنفري ثم لا أدرى لمن آلت بعد ذلك ، فلما أخذها شرع في تجديدها وتعميرها وفتح بها مرمة واسعة وأحضر أخشابًا كثيرة وأحجارًا وبلاطًا ورخامًا ، وبجانبها زاوية قديمة بها مدافن فهدمها وأدخلها في الدار وأخرج عظام الموتى من قبورهم ودفنهم بتربة المجاورين كما أخبرني عن ذلك من لفظه.
وعمل مكان الزاوية قاعة لطيفة بخارجها فسحة يتوصل إليها من حوش الدار وجعل مكان القبور مخابي وعليها طوابق وأسكن في تلك الدار إحدى زوجاته وهي التي كانت الشيخ الدنجيهي الدمياطي تزوج بها بدمياط وأحضرها إلى مصر وأسكنها بهذه الدار ومعها ضرتها التي كانت من شابور ، وأكثر من المبيت فيها مع استمرار العمارة.
فلما كان في آخر المحرم توعك أيامًا ثم عُوفِي وذهب إلى الحمام وهناه الناس بالعافية ومشى إلى جيرانه يتحدث عندهم كعادته مثل الخواجا سيدي محمد بن الحاج طاهر والسيد صالح الفيومي فخرج ليلة الجمعة التاني من شهر صفر وذهب عند عثمان بن سلامة السناري فتحدث عندهم حصة من الليل وتفكهوا ، ثم قام ذاهبًا إلى داره ماشيًا على أقدامه وصحبته صاحبنا الشيخ خليل الصفتي يحادثه حتى وصل إلى داره المذكورة وانصرف الشيخ خليل إلى داره أيضًا ومضى نحو ساعة وإذا بتابع الشيخ المهدي يناديه ويطلبه إليه فقام في الحين ودخل إليه فوجده راقدًا في المكان الذي ينبش منه القبور فجس يده فقال له النسا : إنه ميت ، وأخبرت زوجته أنه جامعها ثم استلقى وفارق الدنيا.
وأرسلوا إلى أولاده فحضروا وحملوه في تابوت إلى الدار الكبيرة بالموسكي ليلًا وشاع موته وجُهِّزَ وصُلِّي عليه بالأزهر في مشهد حافل جدًّا ودُفن عند الشيخ الحفني بجانب القبر (فسبحان الحي الذي لا يموت) فرحم الله عبدًا زهد في الفاني وعمل لما بعده ونظر إلى هذه الدار بعين الاعتبار نسأله التوفيق والقناعة وحسن الخاتمة عن نحو خمس وسبعين سنة.
وحاصل أمر المرحوم المترجم أنه كان من فحول العلما يدرس الكتب الصعاب في المعقول والمنقول بالتحقيق والتدقيق ويقررها بالحاصل وانتفع عليه الكثير من الطلبة منهم الآن مدرسون مشتهَرون ومميزون بين نُظراهم من أهل العصر ولو استمر على طريقه في الدنيا لكان نادرة عصره ، وأدَّاه ذلك إلى قطع الاشتغال وإذا شرع في الإقرا فلا يتم الكتاب في الغالب ويحضر الدرس في الجمعة يومًا أو يومين ويهمل كذلك ولم يصنف تأليفًا ولا رسالة في فن من الفنون مع تأهله لذلك ولم يعانِ الشعر والنظم ونثره في المراسلات ونحوها متوسط في بعض القوافي السهلة وتقيد بقراة الحكم لابن عطا الله بعد العصر في رمضان التلات سنين الأخيرة “.

9 / المفاخرة بين الماء والهواء
(المفاخرة بين الماء والهواء) هو عنوان رسالة أدبية لطيفة تدور في قالب مجازي من تأليف العلَّامة الأديب والشاعر النَّاثر أديب الفقهاء وفقيه الأُدباء الشيخ شهاب الدِّين أبو العبّاس أحمد بن عبد اللطيف بن أحمد بن محمَّد البربير الحسني والذي ولد في دمياط سنة 1160 هـ / 1747 م وتوفي في دمشق سنة 1226 هـ / 1811 م ، وهو من عائلة دمياطية من جذور شامية حيث كانت دمياط ورشيد طوال العصر العثماني من مراكز التجارة مع موانىء الشام وسكنتها عائلات منهم زمنا طويلا حيث كان التبادل السكاني طبيعيا بحكم النشاط الاقتصادي.
وعائلة البربير في الأصل بيروتية الموطن إلاَّ أن بعض أجدادهم انتقلوا إلى مصر ونزلوا في بلدّتي دمياط ورشيد حيث زاولوا الأعمال التجارية ، والبربير كلمة إيطالية كانت تطلق على الحلاق الذي كان يمارس الفصد ويضع الضمادات ونحو ذلك من أعمال الطب الشعبي ، وعائلة البربير عُرفت قديمًا باسم آل القحف ثم أهمل هذا الاسم واشتهر الاسم الجديد لأن أحد أجداد هذه العائلة كان يلازم حلاقًا يمارس الطب على عادة أهل ذلك الزمان يسمى البربير.
وكان والده من كبار التجار في دمياط ولمّا نشأ أخذ بطلب العلم فحفظ القرآن الكريم صغيرًا على الشيخ قاسم بن داود ثمَّ لمَّا بلغ اثنتي عشرة سنة حفظ ألفية ابن مالك وحضر شرحها لابن عقيل على الشيخ عبد الحيّ بن فتح الله ، وعند الثالثة عشرة تعلق بنظم الشعر فصار يشبب ويتغزَّل فاعترض عليه في دعوى الصبابة بعض الأُدباء فأنشد : لقد أنكر اللاحيَ شُجوني وصَبوَتي .. لكوني صغيرًا قلتُ لا تُنكروا الفضلا .. رآني الهوى طفلاً فمازَحَ مُهجتي .. ومِنْ عادةِ المزَّاحِ أن يألفَ الطفلا.
ثم حضر قراءة المنهج وتفسير البيضاوي على الشيخ محمَّد الدنهيجي وجمع الجوامع على الشيخ عبد السلام أبي النصر وتجريد الخطيب وابن قاسم مرارًا على الشيخ عبد الحي وقرأ عليه أيضًا مختصر السعد والسُّلَّم للأخضري وغيره ، وحضر على الشيخ مصطفى المحلي – الشهير بالسَّقَّا – شرح الهدهدي وشرح اللقَّاني على الجوهرة والاستعارات لعصام ، وحضر على الشيخ أحمد البستاني في العَرُوض والفرائض والأشموني على الألفية ، ومن شيوخه المصريين الشيخ أحمد الجوهري المتوفى سنة ١٢١٤ هـ ومن أعظمهم مكانة في نفسه وتأثيرًا على سلوكه وثقافته السيد محمَّد مرتضى الزبيدي (شارح القاموس) المتوفى بمصر سنة ١٢٠٥ هـ فقد أخذ عنه علم الحديث بمصر.
وفي سنة ١١٨٣ هـ / ١٧٦٩ م هاجر إلى بيروت موطن آبائه وأجداده بعد أن مرَّ بدمشق لفترة وجيزة وفي بيروت تزوج ثم ما لبث أن طلق زوجته فانضاف ذلك إلى غربته عن أهله فأنشد معبرًا عن حاله : لقد غرَّني إبليسُ قومي بقولِهِ .. تغرَّبْ عن الأوطان في طلبِ المجدِ .. كما غرَّ إبليسُ الشياطينِ آدمًا .. وأخرجَهُ بالمكرِ من جنَّة الخُلدِ ، وقد طلب منه الأمير يوسف الشهابي أن يتولى الفتوى والقضاء في بيروت فامتنع الشيخ البربير عن ذلك حتى أقنعه الأمير بالموافقة غير أنَّ الشيخ وضع شروطًا لقبوله فإذا أخلَّ الأمير بإحداها اعتزل المنصبين.
وكانت الشروط هي : أن لا يتصدَّى الأمير للدعوى بعد أن يكون هو فصلها بمجلس قضائه وأن يأمر بتنفيذها دون إبطاء ، إذا كانت الخصومة بين الأمير وبين أحد المواطنين العاديِّين وكان الحكم ضد الأمير فإنَّ على الأمير أن ينقِّذ ما أمر به الشرع الحنيف ، أن يبعث الأمير من قِبله أحد أتباعه ويجلس في المحكمة لتحصيل ما على الدعوى من الرسوم المقرَّرة بين القضاة ، أن لا يلتزم الشيخ البربير بارتداء الزيّ المقرَّر للقضاة من لبس العمامة والفَرَجيَّة (وهي الجبة التي كانت خاصة بالقضاة تمييزًا لهم عن بقية العلماء).
وقد نزل الأمير عند رغبة الشيخ وتعهد بالتزام الشروط التي طلبها ، لكن الشيخ كان يتمنى أن يخل الأمير بشرط حتى يتخلص من هذا المنصب الذي قَبِله على مضض ولم يكن يخفي تبرمه وضيق صدره فمما نظمه مُعبرًا عن ذلك قوله : قد عَدَلْنا وما عَدَلْنا بغَيٍّ .. وحكَمْنا بأمرِ ربِّ السماءِ .. فشكا الناسُ حُكمَنا ولَعمري .. قلَّ مَن يرتضي بحكمِ القضاءِ.
وقوله : رماني زماني بما يجهدُ … فمن ذا أرومُ ومن أقصدُ .. وأوقفني في القضاءِ القضا .. وما كنتُ أحسبه يوجدُ .. وظيفةُ كرْبٍ لأثقالها .. تراني لموتي الرَّدَى أحمدُ .. وحسبي انقلابُ صديقي بها .. عدوًّا إذا فاته المقصدُ .. فباطنها الذُّلّ والابتلا .. وظاهرها العزُّ والسُّؤددُ .. وإذ ليس دأبي ولا ديدني .. ولا أرتضيه ولا أعمدُ .. وصعبٌ على المرء تكليفُهُ .. أمورًا خلاف الذي يَعْهَدُ
ولم تلق هذه المنظومات لدى الأمير أذن صاغية مما اضطر الشيخ أن يوجه للأمير قصيدة مطولة ضمَّنها رجاءه بإلحاح لِإعفائه من هذا المنصب واصفًا نفسه بالظلم وعدم الأهلية لتولي هذا المنصب فمما قاله فيها : تنبَّه أخي فماذا العمى .. وقد بَلَغَ السيلُ أعلى الرُّبى .. تواريتَ في جُنح ليل الذنوب .. ولم ترَ إشراق فجر الدُّجى .. فكيف رضيتَ ترى قاضيًا .. وفوقكَ بالقهر قاضي السما .. وكيف عجزتَ يحمل القميص .. وتقوى على حمل حقِّ الملا .. وأصبحتَ بالظلم في غاية .. ومرتبةٍ ما لها منتهى.
وقال : أما في الأُلى سلفوا عبرة … لمثلكَ دلَّت على ما نأى .. فأينَ القضاةُ وأين الملوك .. وأين الحُليُّ وأين الحُلى .. وأينَ الأحاديثُ في سردها .. وقد أنبأتكَ بذمِّ القضا .. فإن قلتَ إني امرؤٌ عادلٌ … فلا تنس من حام حول الحم” .. درءُ المفاسدِ تقديمهُ .. على جلب مصلحةٍ يرتضى .. وإن قلتَ إني أمرؤٌ منكرةٌ .. عليها فدونكَ رحب الفضا .. وكلُّ مَنْ تخلفُهم للذي .. أحاط بما كان تحت الثرى .. فقد رزَقَ الطير في وكرهِ .. وخصَّ الجنينَ بِطيبِ الغِذا .. وعشْ باليسير وأكل الشعير .. وترك الحرير ولبس العبا .. فذلك أهونُ من بيع دينكَ .. يا غافلاً بدين الدُّنى.
فلما أن اطلع الأمير يوسف الشهابي على هذه الأبيات دخلت قلبه خشية الله فبادر إلى إعفاء الشيخ من القضاء وعيَّن له مرتَّبًا يكفيه، فامتدحه الشيخ البربير بقوله : أميرُنا أَكرِمْ من حاتمٍ .. له بَنانٌ ضاق عنها الفضا .. بحلمهِ أدركتُ ما أشتهي .. وقد كفاني الله شرَّ القضا ، وقال أيضًا : أميرٌ عظيم لهُ رتبةٌ .. على غيره صعبةُ المُرتَقَى .. قصرتُ ثنائي على وصفهِ .. وأعطيتُهُ في الورى مَوْثِقا .. ولا غروَ في كونِهِ وارثًا .. ثنائيَ دون الورى مطلقا .. فقد أعتقَ القلب من كربِهِ .. وصحَّ الولاءُ لمَنْ أعتقَا.
وبعد ذلك أنشأ مكتبًا (كُتَّابًا) لتعليم الأولاد قانعًا بما يناله منه من الرِّزق الكفاف إلاَّ أنه لم يسدّ حاجته وافتقر ، وفي سنة ١١٩٥ هـ تعرضت بيروت لعدوان من قراصنة روس مما حمل أهلها إلى النزوح عنها إلى حيث يجدون الأمن والطمأنينة فعزم الشيخ على الرحيل إلى دمشق ورغب في سكناها ورأى أنها خير البلاد ، فلما قصدها نزل ضيفًا على الشيخ محمد بن خليل المرادي مفتي دمشق مؤلف كتاب (سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر) المتوفى سنة ١٢٠٦ هـ ، فلمَّا دخل عليه مدحه بقصيدة طرب لها ورفع شأنه عنده فأكرمه وشمله برعايته.
ثم سكن الصَّالحية واستقرَّ بها وأُعجب بها غاية الِإعجاب وذكرها بشعره مادحًا يقول : قد ظفرنا بعيشةٍ مَرضيَّة مُذْ حللْنا في جنَّةِ الصالحيّةْ .. ورأينا الزهورَ تبسم لطفًا عن ثنايا من الندى لؤلؤيّةْ .. وجواري السحاب جلَّلَتِ الأرضَ ببُسْطٍ من غزلها سندسيّةْ .. رقص الماءُ من غنا الطير حتى نقَّطَتْه أوراقُها الذهبيّةْ .. وجهُ روضٍ يريك نجلَ عيونٍ وخدودًا من زهره عندميّةْ .. وقدودًا من الغصونِ نشاوى من طلا الطلِّ بُكرة وعشيّةْ .. حبَّذا حبَّذا معاني مغانٍ كبروجٍ حَوت نجومًا مُضِيّةْ ، وبعد استقراره بدمشق تزوج مرة ثانية ولكنه لم يُرزق من زواجه هذا بولد وتوفي رحمه الله ولم يترك ذرية.
وللشيخ أحمد البربير شعر كثير ضمنه كتبه وفي رسالتنا التي نقدِّم لها شيء من ذلك ومن جميل ما قال قوله في التوحيد : لقد آمنتُ بالله .. وأصبحتُ به آمِنْ .. هو الأولُ والآخِر .. والظاهرُ والباطِنْ ، وقوله في كبح الشهوات : إنَّ الذينَ يجاهدون .. النفسَ شبّانًا وشيبا .. مَنَّ الِإله بنصرِهمْ .. وأثابهم فتحًا قريبا ، وقال مادحًا أهل دمشق مضمنًا كلامه أسماء بعض كتب الحديث النبوي : رعى الله في الدنيا أفاضل جِلَّقٍ .. فكم عمَّني منها سرورٌ وإكرامُ .. أناسٌ وجدنا من شمائلها الشِّفا .. مصابيحُ هدي عَينُ مشكاتها الشَّامُ ، وقال يهجو شاعرًا ويعيره بسوء ظنه : سمعتُ شِعرَ شاعرٍ .. يُشبهُ صوتَ الجُلجُلةْ .. ألفاظُهُ مُهملةٌ .. لكنَّها مُستعملةْ.
ومن شيوخه الذين أخذ عنهم بدمشق المحدِّث الشيخ محمَّد الكزبري (المتوفى ١٢٢١ هـ) والشيخ أحمد العطار (المتوفى ١٢١٨ هـ) والشيخ حسين المدرس (المتوفى ١٢٢٥ هـ) والشيخ مصطفى الصلاحي (المتوفى ١٢٦٥ هـ) وغيرهم من علماء ذلك العصر في دمشق والوافدين عليها ، ولقد كان لما بلغه البربير من مكانة رفيعة في العلوم الشرعية واللغة العربية وآدابها الأثر بأن يقصده طلبة العلم لينهلوا من مَعين علومه وغزير أدبه.
فممن تلقى عنه : الشيخ عبد اللطيف فتح الله، الذي تسلم الفتوى ببيروت مدة طويلة حتى غلب عليه لقب المفتي وأصبح هذا اللقب عَلَمًا عليه وعلى عائلته من بعده حتى اليوم توفي ببيروت سنة ١٢٦٥ هـ (١٨٤٤ م) ، الشيخ أحمد الأغرّ الذي تولى القضاء والِإفتاء ببيروت أيضًا توفي بها سنة ١٢٧٤ هـ (١٨٥٧ م) ، الشيخ قاسم بن محمَّد تلحوق من عائلات مشايخ الدروز ، الشيخ قاسم بن بشير جنبلاط من زعماء العائلات الدرزية.
وقد ترجم له الشيخ عبد الرزاق البيطار في كتابه حلية البشر قائلاً : ” سهم الأغراض والأماني وكنانة البيان والمعاني ذو الأدب الباهي الباهر والأرب الزاهي الزاهر والنفس الزكية والأخلاق المرضية من تستعذب النفوس نثره وتستطيب نظمه وشعره فلا ريب أنه العمدة الإمام والنخبة القطب الهمام الذي ما رأى أحد مثله في مصر وشام ، أقبل على الترقي بهمة قوية إلى أن صار فرداً يشار إليه وعمدة في المشكلات يعتمد عليه وشهد له مشايخه بالفضل وإنه لما يثنى عليه به مستحق وأهل “.
وقال عنه الشيخ محمَّد جميل الشطي في كتابه روض البشر : ” العالم الفاضل الأديب الشاعر المُجيد المُفلِق الناظم الناثر المفنن الأوحد ” ، وقال عنه الشيخ محمَّد عبد الجواد القاياني في رحلته نفحة البشام في رحلة الشام : ” السيد أحمد البربير عالم فاضل نحرير من كبار العلماء المشاهير له مؤلفات جليلة ومصنفات جميلة في العلوم العربية والفنون الأدبية “.
وذكره تلميذه مفتي بيروت العلاَّمة عبد اللطيف فتح الله في ديوانه حيث قال مادحًا جنابَ قُرَّة عين الأُدباء الكرام وواسطةِ عقد الجهابِذَةِ الفخام حضرةَ شيخِهِ السيد أحمد البربير وكان إذ ذاك حضرَ من دمشقَ الشام سنة ١١٩٨ هـ فقال : شَمْسُ الكَمَالِ كَسَا بَيْرُوتَنَا حُلَلاً .. مِنْ نُورِ طَلْعَتِهِ لَمَّا حَلاَ وَحُلاَ .. غَزَالُ سِرْبٍ غَزَا الأَلْبَابَ نَاظِرُهُ .. وَثَوْبُ سُقْيم لِجِسْمِي بِالْهَوَى غَزَلاَ .. بَدْرُ الجَمَالِ جَمَالُ الْبَدْرِ حَلَّ بِهَا .. قَدْ حَلَّ بُرْجَ الْعُلَى وَالْعِزّ مُكْتَمِلاَ .. الْجَوْهَرُ الْفَرْدُ عَقْدُ الْمَجْدِ مَنْ نُظِمَتْ .. بِهِ الْفَضَائِلُ حَتَّى زَيَّنَ الْفُضَلاَ.
ومن مؤلفاته الأخرى : تشطير البردة ، شذور الياقوت والمرجان فيما حواه اسم سليمان من الفضائل الحسان وهو في تاريخ سليمان باشا الملقب بالعادل والي عكا ، الفصيحة العجما في الكلام على حديث (أحبب حبيبك هونًا ما) ، اقتباس آي القرآن في مدح عين الأعيان وهي اقتباسات شعرية في بعض آي الذكر الحكيم في مدح صديقه السيد عبد الرحمن العمادي المرادي مفتي الأحناف بدمشق ، دلائل الِإعجاز في الأحاجي والمعمَّى والألغاز وهي رسالة ألَّفها برسم الأمير حسن الشهابي وبدأها بالمعمى باسم حسن.
وله قصيدة بديعية وهي منظومة شعرية شرحها شيخه الشيخ مصطفى الصلاحي ، مقامات البربير توجد منه نسخة بدار الكتب المصرية بالقاهرة ، تحقيق ظهور المهدي ألفها سنة ١٢٢٣ هـ ، سيرة حياته الذاتية بقلمه ، زهر الغيضة في ذكر الفيضة رسالة وصف فيها فيضان نهر بردى الذي أغرق دمشق سنة ١٢٥٦ هـ ، طبعها الشيخ محمَّد أحمد دهمان ،
وله كتاب الشرح الجليّ على بيتي الموصليّ وهو موسوعة ضخمة تناول فيها المؤلف عشرات الموضوعات من العلوم والمعارف في أبواب اللغة وفنون الأدب والشعر والفقه والتفسير وغيرها وذلك من خلال شرحه لبيتي شعر قالهما الشيخ عبد الرحمن بن إبراهيم الموصلي المتوفى ١١١٨ هـ وهما : إنْ مرَّ والمرآة يوماً في يدي .. من خَلْفِه ذو اللُّطف أسمى من سَما .. دارت تماثيلُ الزجاج ولم تزلْ .. تقفوه عَدْوًا حيث سَار ويمَّما .. وقد ألف البربير هذا الكتاب استجابة لطلب صديقه محمَّد بك العظم الذي سأله شرحهما وحل رمزهما ، والكتاب طبع سنة ١٣٠٢ هـ بالمطبعة الأدبية ببيروت تولى طبعه الشيخ محمَّد بن عمر البربير ثم أعاد طبعه مرة ثانية الطبيب نسيب البربير مؤسس مستشفى البربير ببيروت لدى المكتب الإِسلامي.
تُوُفِّي الشيخ البربير رحمه الله تعالى بالصالحية بدمشق ليلة الخميس الثامن عشر من ذي الحجة ختام سنة ١٢٢٦ هـ ودفن بسفح جبل قاسيون في مدافن بني الزكي وقد رثاه تلميذه مفتي بيروت الشيخ عبد اللطيف فتح الله حيث قال : ما للحمائمِ لا تكادُ تطيرُ .. ما للأراضي بالأنامِ تَمورُ .. ما للجبالِ الشامخاتِ تَدَكْدَكَتْ .. وأبو قُبَيسٍ قد هوَى وثبيرُ .. ما للنفوسِ تكادُ تُزهَقُ لَوعةً .. ولها شهيقٌ قد علا وزفيرُ .. ما للعيونِ دموعُها مصبوبةٌ .. مثلُ الدماءِ على الخدودِ تسيرُ.
ومنها قوله : وضريحُه في روضةٍ قد أنورت .. بضريحِ محيي الدين وهو منيرُ .. بجواره قد حلَّ وهو ضجيعُهُ .. نِعمَ الجوارُ وكم له تأثيرُ .. فعليه رضوان ورحمةُ ربِّهِ .. ما غرَّدت فوقَ الغصونِ طيورُ .. أو ما ابنُ فتح الله أنشدَ راثيًا .. ما للحمائمِ لا تكادُ تطيرُ.

10 / قاموس إلياس
أول قاموس عربي فرنسي هو قاموس إلياس الذي كتبه إلياس بقطر وهو من رواد المترجمين في تاريخ مصر الذي ولد في أسيوط عام 1784 م وتوفي في باريس عام 1821 م ، ذكره الزركلي في كتابه الأعلام فقال : ” إلياس بقطر ، مترجم عن الفرنسية وإليها مصري قبطي ولد بأسيوط ومات بباريس ، كان من أعضاء المجمع العلمي المصر الّذي أنشأه الفرنسيون أيام احتلالهم مصر وخدم جيشهم بالترجمة وسافر معهم عند رحيلهم فعين بباريس مدرسا للعربية في المكتبة الملكية Bibliothegue de Roy وصنف (قاموس بقطر) عربي فرنسي مجلدان ، وله (مختصر في الصرف) لتعليم التلاميذ بمدرسة اللغات الشرقية في باريس “.
وذكره عبد الرحمن بدوي في موسوعة المستشرقين فقال : ” بقطر (إلياس) ELLIOUS BOCTHOR (1821-1784) ، مصري قبطي التحق بجيش نابليون في مصر مترجماً وغادر مصر بعودة الحملة الفرنسية إلى فرنسا وعين في كرسي اللغة العامية العربية في مدرسة اللغات للشباب على Ecole des jeunes langues في باريس ، وكانت مهمتها تعليم اللهجات العامية الموجودة في البلاد العربية للشباب الفرنسيين الذين سيعملون في القنصليات الفرنسية في البلاد العربية.
وكان بقطر هذا أول من شغل هذا الكرسي في تلك المدرسة وتلاه بعد وفاته المبكرة في 1821 وهو في السابعة والثلاثين من عمره – آرمان يپیرکوسان دي پرسفال (1795 – (1871) مؤلف کتاب (بحث في تاريخ العرب قبل الإسلام) ، ويرسفال هو الذي أشرف على طبع القاموس Dictionnaire français-arabe الفرنسي – العربي 1828-29 Paris في مجلدين والطبعة الرابعة في باريس 1868 تأليف الياس بقطر “.
وقال عنه ماجد كامل عضو اللجنة الباباوية للتاريخ الكنسي في دراسة له : يمثل العالم المصري إلياس بقطر أهمية كبيرة في تاريخ الدراسات الاستشراقية فهو صاحب أول قاموس فرنسي – عربي وهو القاموس المعروف بقاموس إلياس وهو ليس قاموس إلياس العصري المتداول بيننا حاليا ، وورد في كتاب رمزي تادرس (الأقباط في القرن العشرين) قوله : ” النابغة والعلامة الكبير الذي تفتخر به الأمة المصرية ولد في مدينة أسيوط في 12 أبريل 1774 من ابوين شريفين عرفا بعراقة نسبهما وكرم محتدهما.
وقد طالع والده في وجهه منذ طفولته توقد الذهن وحسن الذاكرة فأحبه وزاد في الاعتناء بتربيته وتعليمه فخرج من طفولته نشيطا اليفه الكتاب وسميره القلم وشب عالما زكيا ملأ وادي النيل علما وفضلا وملأ حياته اجتهادا وعملا ، وما أن بلغ العشرين من العمر نزح معه عمه الجنرال يعقوب إلى بني سويف ثم القاهرة وقد خطر له ان يدرس اللغة الفرنسية لغة العلماء والشعراء فدرسها ورسخت قدمه فيها فبهر المصريين بقاموسه فما أحقه أن يقال لاروس مصر وان عاش قبل لاروس وألف قبله ونبغ فيه قبل ولادته.
وقد تقلب في وظائف كثيرة فكان فيها مثال العالم النشيط والموظف العامل ، رأي فيه نابليون حين احتلاله لوادي النيل استعدادا وكفاءة واقتدار في اللغة الفرنسية فعينه مترجما لجيشه ثم سكرتيرا خاصا له ثم عضوا في المجمع العلمي المصري الذي الفه الفرنسيون فخدمه وخدمهم أجل خدمة.
والمترجم علي ما وصف به كان كاتبا في اللغة الفرنسية من أرسخ الكتبة ملكة ومترجما من أبرع المترجمين ونابغة يثبت نبوغه انفراده بالعلم في وقت كان فيه رجال مصر لا يفقهون لغة من لغات الأجانب علي الاطلاق ، قضى رحمه الله حياته بين المحابر والمكاتب فوق طاولة كان ينيرها علمه ويملأها أمله فلم يألف النوم الكثير ولم يألف السرير الا بضع ساعات من الليل الطويل فكان لا يريد إلا أن يكون عالما فاضلا فعاش كما أراد ومات مخلدا إلى الذرية والأجيال القادمة.
عرف الفرنسيس قدره واختبروا علمه وفضله مما دعاهم إلى استصحابه مع عمه الجنرال يعقوب حين خروجهم من هذه الديار إلى فرنسا وعينوه مترجما في نظارة حربيتهم فرئيسا للقلم الترجمة بها عام 1805 وهو أول مصري شهد له الفرنسيس أنفسهم بالذكاء والعلم فكان يدعوه نابليون بصديقه وولده وكليبر بنابغة مصر وشاتوبريان بالنابغة الحكيم ، وقد أخذ وهو في باريس يحيي ليله بنهاره في العلم والعمل فالف كتبا للتعليم وكتب كثيرا من المقالات العلمية والأدبية لم تزل محفوظة إلى اليوم في مكتبة باريس ثم عكف علي وضع قاموسه المشهور بقاموس بقطر أتمه في عامين وهو اول قاموس ظهر بلغتي العرب والفرنسيس.
وما إن أتم تاليفه حتي انتكست صحته وعاجلته المنية في غضون عام 1811 حيث نام علي سريره الاخير بعد حياة كلها جهاد وعمل دون ان يطبع مؤلفه فعني المسيو كوسين دي برسفال العالم الفرنسي بطبعه ونوه بفضل المؤلف في خطبة صدر بها القاموس المشار إليه مما يثبت لنا جليا ان اللياس يقطر أول الناطقين بلغة الفرنسيس في الجيل الثامن عشر حيث كان العلم مريضا والجهل فاشيا.
ومن صفاته أنه كان أشد الناس ثباتا في العمل وأقدرهم علي الصبر وتدل عليه أعماله علي ذكاء وشرف محتد ولين عريكة وحب للعلم والعلماء وحسبنا في هذه الكلمات الصغيرة أن يقرأها أحفادنا ولو بعد أجيال طويلة ليخلدوا اسم هذا الرجل العظيم والنابغة الحكيم الذي بقي منسيا زمانا كبير.
وكتب عنه المؤرخ الكبير جاك تاجر في كتاب (حركة الترجمة بمصر خلال القرن التاسع عشر) حيث قال عنه : ” ولد في أسيوط سنة 1784 من أب قبطي ولما بلغ الخامسة عشر من عمره ألحق بقيادة الجيش الفرنسي مترجما وسافر إلى فرنسا مع سائر رجال الحملة وعين سنة 1812 لترجمة الكتب المودعة محفوظات وزارة الحربية ثم الحق بالجيش مترجما وألغيت وظيفته سنة 1814 ، وفي سنة 1817 أجيز له تدريس اللغة العربية العامية بمدرسة اللغات بباريس وتوفي سنة 1821 ، ألف معجما عربيا فرنسيا طبع سنة 1864 بباريس وراجعه وأضاف إليه زيادات الأستاذ دي بيرسيال في سنة 1896 وأضاف إليه زيادات عبيد جلاب ونشر في جزئين “.
وكتب عنه محمود المقداد في كتاب (الدراسات العربية في فرنسا ) حيث قال : ” ولقد عين فيه (أي في المدرسة الوطنية للغات الشرقية الحية) لاجيء مصري ثالث هو الياس بقطر سنة 1820 وكان أيام الحملة الفرنسية يعمل مترجما في الجيش الفرنسي بمصر ، وكان موضوع تعليمه هو العربية العامية غير أن حبل العمر لم يمتد به طويلا إذ توفي سنة 1821 تاركا خلفه قاموسا فرنسيا عربيا نشره فيما بعد المستعرب الفرنسي الذي خلفه في كرسي العربية العامية وهو كوسان دي برسفال الابن الذي تحدث عنه رفاعة الطهطاوي في كتابه (تخليص الابريز) وسماه (كوسين دي برسيفال) ووصفه بأنه مدرس اللغة العربية المتداولة في المحاورات الشهيرة باسم الدارجة عند العامة بدار كتب خانة السلطانية بباريس “.
ومن المراجع الحديثة التي كتبت عنه كتاب (تاريخ الترجمة في عهد الحملة الفرنسية) للدكتور جمال الدين الشيال الذي يقول عنه إنه عندما جاءت الحملة الفرنسية علي مصر كان سنه وقتها يبلغ 15 سنة فاتصل بهم وتعلم منهم اللغة الفرنسية ثم سافر معهم إلى فرنسا حيث أقام في مرسيليا حتى عام 1812 ثم استدعي بعدها إلى باريس حيث عهد إليه بترجمة بعض الوثائق العربية الخاصة بالحملة الفرنسية إلى اللغة العربية.
وشارك العلماء الفرنسيين في تحقيق الأسماء العربية الواردة في بعض المصورات الجغرافية المعدة للنشر في موسوعة (وصف مصر Description de L Egypt ) وعمل في ذلك الحين علي وضع قاموس فرنسي عربي ، وفي سنة 1812 ـ وكان في السابعة والثلاثين من العمر ـ عمل مدرسا للغة العربية العامية بمدرسة اللغات الشرقية في باريس ولكن المنية عاجلته في تلك السنة بعد أن أنتهي من وضع قاموس فأشرف علي طبعه في باريس خلفه في تدريس اللغة العربية المستشرق الكبير كوسان دي برسيفال Caussin de Perceval في جزئين سنة 1829.
وكتب عنه الدكتور أنور لوقا (1927 ـ 2003) في موسوعة (من تراث القبط) حيث قال عنه إنه ولد في 12 أبريل 1784 وتلقى تعليمه الأولي كتاب الأقباط حيث تعلم الحساب وإمساك الدفاتر وبعدها اشتغل كاتبا في خدمة المعلم يعقوب (1745 ـ 1801) ، ثم خرج مع الفيلق القبطي وعندما حط رحاله في مرسيليا استهل إقامته بتشييع جنازة رئيسه وعائله المعلم يعقوب الذي توفي فجأة علي ظهر المركب فعمل بالترجمة والكتابة ثم دفعه طموحه للعمل كمترجم للمخطوطات العربية التي تحتفظ بها المكتبة الوطنية وكان يطمح في العمل بمدرسة اللغات الشرقية بباريس ولكن وجود الدون رفائيل Don Raphael الذي كان عضوا بالمجمع العلمي المصري وكبير مترجمي الديوان مما جعله علي اتصال مباشر بأعلى سلطة في فرنسا.
ولكنه قام بعمل جبار ورائد هو عمل قاموس فرنسي عربي يقوم علي أحدث الطرق العلمية المتبعة في إعداد المعاجم وكان النموذج المثالي أمامه هو المعجم الرصين الذي وضعته الأكاديمية الفرنسية ، وانكب بقطر علي العمل لمدة عشر سنوات تعلم خلالها اللغة اللاتينية وكان يقوم بإعطاء بعض الدروس الخصوصية في اللغة العربية للمبتدئين من الفرنسيين ؛كما كان يقوم بنسخ المخطوطات العربية حسب الطلب.
وكانت معظم الطلبات تأتيه من صديقه الحميم ميخائيل صباغ (1784 ـ 1816) الذي كان يعمل ناسخا بالمكتبة الوطنية في باريس وكان من بين المترددين عليه تلاميذ المستشرق الشهير سلفستر دي ساسي S. de Sacy الأستاذ بالكوليج دي فرانس للحصول علي نصوص عربية ولقد ارتبط به الياس بقطر بصداقة قوية ، ونظرا لكفاته العالية استعانت به وزارة الحربية لقراءة وترجمة عدد من الوثائق العربية الموجودة في محفوظاتهم وكان ذلك خلال عام 1814 ولكن تقلبات السياسة عصفت به فلقد الغيت وظيفته عقب سقوط نابليون بونابرت (1796 ـ 1821) في وقت كان فيه بقطر في أحوج ما يكون للمال من أجل إنجاز قاموسه.
ولكن جاءته فرصة عمل رائعة بعد استقالة الدون رفائيل من العمل بمدرسة اللغات الشرقية احتجاجا علي تقليص مرتبه فقرر الاستقالة والعودة إلى مصر وكان ذلك خلال عام 1816 فلم يجدوا أجدر من اليأس بقطر لملء فراغه فتم تعيينه مكانه والقي محاضرة افتتاحية في دار المكتبة الملكية في 8 ديسمبر 1919 أمام جمهور كبيبر من صفوة المستشرقين وأعضاء المجامع العلمية فبهرهم بعلمه حيث بدأ المحاضرة باستعرض تاريخ العلاقات الثقافية بين اوربا والشرق العربي حياه عليها العالم جومار المشرف علي نشر موسوعة وصف مصر.
ثم وضع منهجه لتدريس اللغة العربية لا بوصفها لغة قديمة كامنة في بطون الكتب بل لغة حية تؤدي جميع أغراض الكلام المعيشية وتعهد بإثراء حصيلة طلابه من خلال نصوص شعرية نابضة يقتطفها من كتب الرحالة العرب والشعراء والأدباء الكبار وأن يبني تدربيه علي شرح النصوص وتمارين المحادثة الشفوية والإملاء والإنشاء ، وامتد نشاطه إلى المشاركة في الحملة التربوية لتعليم المتقدمين والمبتدئين كما قام بترجمة الكتابات العربية المحفوظة في أحدي الكاتدرائيات في فرنسا وهي المهمة التي سبق أن فشل فيها كبار المستشرقين.
ولقد نجح بقطر في تثبيت أقدامه كأستاذ للغة العربية الدارجة في مدرسة اللغات الشرقية في خلال شهر يونية 1821 إلا ان القدر لم يمهله لكي يبدأ العام الدراسي الجديد حيث توفي فجأة في 26 سبتمبر 1821 نتيجة الأرهاق الشديد في العمل ولم يتعد من العمر إلا 37 سنة فقط ، أما عن قاموسه الشهير قامت أرملته بإسناده للأستاذ كوسان دي برسفال خليفة إلياس بقطر في منصبه كأستاذ للغات الشرقية فعكف علي تجميعه وتزويده بالمصطلحات الجديدة التي جمعها خلال رحلته إلى الشام أو أستقاها من المعاجم الفرنسية الحديثة وظهر المجلد الأول من العمل عام 1828 م (461 صفحة من عمودين) والثاني عام 1829 (435 صفحة).
ثم أعيد طبعه عدة مرات منها مرة في باريس عام 1848 ومرة اخري عام 1882 م ، ولقد استفاد منه كثيرا المستشرق الشهير كاترمير وجولي بفرنسا ثم دوزي في هولندا ، وفي مصر أصدر عبيد غلاب طبعة جديدة من قاموس الياس بقطر زودها بالمصطلحات العلمية الجديدة التي ظهرت في مجالات الهندسة والمصطلحات الطبيبة التي وضعها الدكتور محمود افندي رشدي خريج كلية باريس وقائمة المصطلحات الحربية التي وضعها الضابط محمد أفندي مختار.
وهكذا نجح الياس بقطر في تجديد شباب اللغة العربية وحقق بمفرده ما عجز عن تنفيذه فريق كامل من علماء المجامع العلمية المستقرة ومازال يحتفظ هذا القاموس بأهميته الكبيرة رغم مرور نحو 194 عاما علي صدوره منذ ظهور الطبعة الأولي عام 1828 ، ويذكر جمال الدين الشيال أن لبقطر بعض الكتيبات الأخري يمكن تلخيصها فيما يلي : مختصر في الصرف وضعه لتلاميذ مدرسة اللغات الشرقية في باريس وصدر عام 1821 م ، الرسالة التامة في كلام العامة ، المناهج في أحوال الكلام الدارج.