العصر الخديوي الجزء الرابع

31 / الوسائل الأدبية

(الوسائل الأدبية في الرسالة الأحدبية) هو عنوان كتاب من تأليف الأديب والشاعر الشيخ عبد الهادي نجا الإبياري أحد أعلام اللغة العربية وآدباها في العصر الخديوي والذي ولد في بلدة إبيار بالغربية عام 1236 هـ / 1821 م وتوفي بالقاهرة عام 1306 هـ 1888 م ، ويتناول الكتاب المراسلات الشعرية والنثرية للمؤلف مع الأديب اللبناني الشيخ إبراهيم الأحدب وهو واحد من مؤلفاته العديدة التي أثرى بها المكتبة العربية في تلك الفترة.

ذكره جورجي زيدان في كتابه تراجم مشاهير الشرق في القرن التاسع عشر فقال : ” الشيخ عبد الهادي نجا الإبياري ، هو من أكبر علماء مصر في القرن التاسع عشر ومن أعظم كتَّابهم ومؤلفيهم وكان له شأن كبير في النهضة العلمية الأخيرة في القطر المصري.

وُلد في إبيار من أعمال الغربية بمصر السفلى سنة ١٢٣٦ ﻫ /١٨٢١ م ولم يكد يتلقى مبادئ القراءة حتى مال بكليته إلى الدرس والمطالعة فأحب والده ذلك الميل فيه فأخذ يلقنه العلم بنفسه فعلَّمه الأدب وسائر علوم اللغة العربية فأدرك منها في بضع سنين شيئًا كثيرًا ثم جاور في الأزهر مدة طويلة وقرأ على خيرة علمائه كالشيخ البيجوري والشيخ الدمنهوري وغيرهما.

ولم يطل الأمد حتى ذاع ذكره بين الناس على اختلاف طبقاتهم وتحدث القوم بعلمه وفضله فاستدعاه إسماعيل باشا الخديوي الأسبق وأثنى عليه وعهد إليه بتعليم أنجاله خاصة ومن جملتهم توفيق باشا الخديوي السابق ، وكان وهو في ذلك المنصب يتصدر للتدريس والإقراء في بيته وفي الجامع الأزهر وأخذ عنه كثيرون من الذين اشتُهروا بعدئذٍ بالعلم والفضل كالشيخ حسن الطويل والشيخ محمد البسيوني وغيرهما من أكابر علماء الأزهر.

ولما تولى المرحوم توفيق باشا أريكة الخديوية المصرية قرَّبه إليه وأحله محلًّا رفيعًا وجعله إمام المعية ومفتيَها فبقي على تلك الرتبة حتى تُوفِّي سنة ١٣٠٦ ﻫ / ١٨٨٨ م ، وكان رحمه الله طائر الشهرة قصده أهل عصره وكاتَبه كثيرون من فضلائه وله رسائل مدونة مع أكابر العلماء والشعراء كالشيخ أحمد فارس والشيخ ناصيف اليازجي والشيخ إبراهيم الأحدب وغيرهم.

وله مؤلفات كثيرة ربما زادت على أربعين مؤلفًا لم يُطبع منها إلا بعضها وأشهر ما طُبع منها :  سعود المطالع وهو كتاب جمع فيه واحدًا وأربعين فنًّا في شرح لغز باسم إسماعيل على نسق غريب وجعله تحفة للخديوي إسماعيل باشا وطُبع في بولاق سنة ١٢٨٣ﻫ في مجلدين عدد صفحاتهما نحو سبعمائة صفحة ، نفح الآكام في مثلثات الكلام طُبعت في مصر سنة ١٢٧٦ﻫ وهو تفسير الألفاظ التي تحتمل ثلاثة معانٍ باختلاف حركاتها.

الوسائل الأدبية في الرسائل الأحدبية هي مكاتبات في مواضيع لغوية أدبية جرت بينه وبين المرحوم الشيخ إبراهيم الأحدب في بيروت ، الكواكب الدرية في نظم الضوابط العلمية ، نيل الأماني في توضيح مقدمة القسطلاني ، الباب المفتوح لمعرفة أحوال الروح تصوف.

ومن مؤلفاته المهمة التي لم تُطبع : كتاب ترويح النفوس على حواشي القاموس ، القصر المبني على حواشي المغني ، صحيح المعاني في شرح منظومة البلياني ، الفواكه في الأدب ، الدورق في اللغة ، النجم الثاقب في المحاكمة بين البرجيس والجوائب وسبب وضعه أنه كان بين صاحب الجوائب المطبوعة في الآستانة والبرجيس المطبوع في باريس مناظرة في المسائل اللغوية أفضت إلى المشاحنة والتنافر ودام الأمر بينهما طويلًا، فكتب الشيخ عبد الهادي كتابه المشار إليه للفصل بينهما “.

وذكره محمد كامل الفقي في كتابه الأزهر وأثره في النهضة الأدبية الحديثة حيث قال : ” الشيخ عبد الهادي نجا الإبياري المتوفى سنة ١٣٠٦هـ / ١٨٨٨ م ، نشأته وحياته : هو عبد الهادي بن السيد رضوان نجا الإبياري نسبة إلى إبيار إحدى قرى الغربية الشهيرة ، ولد بها سنة ١٢٣٦هـ / ١٨٢١ م وما أن تعلم القراءة والكتابة حتى دفعه هواه إلى المطالعة والدرس.

وكان والده أحد علماء الأزهر وفضلائه فلما تنسم ذلك الميل فيه شرع يلقنه العلم ويعبد له طريق الأدب وعلوم العربية فبلغ منها في زمن يسير الحظ الموفور ، وقد حدث المترجم أنه حضر على والده في الحديث الجامع الصغير والبخاري والمواهب وفي التفسير الجلالين وفي الفقه إلى المنهج وفي النحو إلى الأشموني وفي الفرائض والتوحيد وغيرها جملة ، وألحقه والده بالأزهر فتلقى علومه على الأساتذة الفحول أمثال الشيخ محمد الباجوري والشيخ محمد الدمنهوري والشيخ محمد عليش شيخ المالكية وغيرهم.

وقد نبغ في سائر العلوم الأزهرية من دينية ولسانية وكان دائم الجد موصول الاطلاع لا يشغله عن التوفر على العلم شاغل حتى ذاع صيته وتحدث الناس بعلمه وأدبه وفضله ، وأنهى إلى مسامع الخديو إسماعيل علو شأنه فاستقدمه وأثنى عليه وعهد إليه في تعليم أنجاله خاصة وفيهم توفيق فثقفهم وعلمهم الآداب العربية وأدى ما كلف القيام به أبلغ أداء ، ولم يكن ذلك ليصرفه عن التدريس في الأزهر ومجالس العلم والأدب يعقدها في بيته ويأوي إليها النابهون ممن كان لهم بعد شأن يذكر كالشيخ حسن الطويل والشيخ محمد البسيوني البيباني.

ويؤخذ مما كتبه في بعض رسائله أن الود بينه وبين إسماعيل صديق باشا الشهير بالمفتش لم يكن ثابت الدعائم ومن ثم ألقى في نفس الخديو ما أغضبه فأوعز الخديو إلى بعض خاصته أن يكتب إليه ليرحل عن القاهرة فأقام ببلده حتى نكب إسماعيل صديق فعاد الخديو فاستدعاه وغمره بفضله ، ولما ولي الخديو توفيق عرش مصر بعد إسماعيل لم ينس فضل أستاذه عليه فأدناه منه وقربه إليه وأجله وأحله رفيع المكانة وأقامه للمعية مفتيا وإمامًا فظل كذلك حتى استأثر الله به.

مواهبه : عرف الشيخ عبد الهادي نجا في عصره بغزارة العلم وسعة المادة والتبحر في اللغة وعلومها حتى كان ثقة يرجع إليه في حل المشكلات وهو إلى جانب هذا الشاعر الناثر الحافظ الماهر ، وقد طارت شهرته في العالم العربي كله فدارت المكاتبات والمراسلات بينه وبين العلماء والأدباء والشعراء من أمثال الشيخ الأحدب والشيخ أحمد فارس الشدياق والشيخ ناصيف اليازجي وغيرهم ،وكانت له أياد غر وأقلام حداد في فنون الأدب العربي تذكر له بالشكر وتؤثر بالثناء.

نثره : مسرف في التكلف مولع بالصنعة مفتون بالزخرف والطلاء حريص على السجع مفرط فيه مترصد له يجتهد في حشد المحسنات البديعة ولو نبا بها الكلام ، ومن ثم مال أسلوبه إلى الإغراب وجنح إلى التعقيد وربما ضلت الفكرة في ثنايا ما تهالك عليه من هذا التعمل ولو أنه ارتضى لنفسه السهولة والوضوح وآثر البعد عن ذلك التكلف أو مسه برفق لكان له من غزارة مادته ومن كرم موهبته ما يسمو به إلى مصاف الكتاب البارزين الذين ترتاح النفوس لأدبهم ولكنه أغرق في مجاراة العصر وغالى في متابعته.

فمن نشره ما كتبه إلى الشيخ الأحدب : السيد حفظه الله شيخ الأحدب وفارسه الذي من خطاه في حلبته فقد أخطأ وأساء الأدب كيف لا وهو الذي بنى قصوره وشيدها وبين معالمه بعد الاندراس وجددها ورفع في سبيل البيان مناره ونصب أعلامه ابتداء ورفع أخباره وجلى عرائسه للخطاب من الخطبا وأبرز خرائده من الخدور أترابا عربا وتجمل بتفصيل ما أجمل من جمله وتفضل بتبيين ما تشابه منه توضيحا لسبله واستخرج من معدنه إبريزه فصفاه واستنتج ما ترشحت به العضلاء عن نتائج قضاياه إذ تمكن من تصريف رياح المعاني فهي تجري بأمره رخاء حيث أصاب وتميز من بين سادة العصر بأنه من أتاه الله الحكمة وفصل الخطاب فمتى فاه فاح عرف الحكم ورأيت لسان الحال له بالتفرد في لسان العرب قد حكم.

إلى أن قال : وبعد ، فما هذه الرسالة البديعة المثال البعيدة المنال ؟ اللآلئ في نحور حور أم كواكب مشرقة في ديجور، وحدائق أزهار أم رقائق أشعار ومعاني كواكب أتراب أم معاني فرائد آداب وثغور باسمة عن جمان أم زهور بديع في رياض بيان ؟ … إلخ.

ومن رسالة كتبها إلى السيد الحلواني : سيد ما الذي أوجب تناسيك لحبك الذي لم ينس لعهدك والذي لا يزال على ممر الأيام يرقب إلك ويرعى ودك وما الذي توهمته في صديقك الفقير الصادق حتى قطعت صدقات رسائلك عنه وهو بها وامق وبك واثق سيدي ما هذا التجني والإغضاء عني سيدي ما لعرائس كتبك عني استأخرت ولأوانس فضلك مني استنفرت وأني بها لرءوف، شغوف بحسنها الشفوف.

فأنت ترى أنه حريص على الجناس حتى ليحتال عليه ليوقعه في الكلمتين المتجاورتين مع تهافته على الطباق وتصيده ما استطاع من المجاز قبل أو نبا وتهالكه على الاستعارة ولو مجها الذوق كقوله في الرسالة الأولى تمكن من تصريف رياح المعاني ، وهو أيضا كثير الاقتباس من القرآن ليحلي به رسائله وتدور في كتابته المصطلحات العلمية متأثرًا بها ثم إذا نظرت في كلامه الذي يطول لم تجد فيه رفيع معنى ولا كبير غناء إنما هي ألفاظ محشودة للتقريظ وترادف متصل أعانه عليه غزارة مادة اللغة وتمكنه من أسرارها ودقائقها.

شعره : وشعره ميدان يتبارى فيه بحشد الزخرف اللفظي والمحسن البديعي ما عبدت له طريقه وأرخى له عنانه وقد عبث هذا الطلاء الذي يكلف به بالمعنى الشعري وضلت الفكرة في بيداء صنعته المسرفة ، ويلوح من تهالكه على المحسنات وإفراطه فيما يتناوله من المجاز والاستعارة أن ذلك مقصده الأسمى من الشعر وأنه لا شيء من التصوير الشعري بذي بال عنده وذلك مما لم يدع شيئا من شعره يستهوي النفوس وتتروح منه نسيم الشاعرية.

فمن شعره ما قاله متغزلا : اقطف ورود خدود الغيد بالقبل .. وقل وفاء بحق للهوى قبلي .. واخلع عذارك في خال العذار ولا .. تبال فالعذر عند الخال منه خلي .. وكن على حذر من أسهم عرضت .. لمن تعرض للألحاظ والمقل .. من أعين ما رنت ألا رمت مهجا .. تبيت في وهج منها وفي وهل .. تحيك ما غزلت ثوب الضنا فترى .. منها الحماسة للألفاظ في الغزل .. واهصر قدودا زهت ممشوقة فغدت .. معشوقة لغصون البان والأسل .. واضمم فؤادك فوق الخصر مختصرًا .. واجعل لنفسك كفلا ما من الكفل ..وان تشأ فارتشف من مبسم ضربا .. ولا تخف ضرب جد الشارب المثل .. وكرر الرشف تشف النفس من كيد .. وتطف من كبد نارا من القلل.

فهذه الأبيات لا يعفيك بيت واحد منها من محسن بديعي ولا يخلو أحدها من جناس خف أو ثقل وقد يتكرر تبعا لضرورة الشاعر وهي بعد ذلك خالية من الخيال الشعري الخصيب والروعة الشعرية التي تستهوي النفوس ، غير أن مادته اللغوية من أهم الأسباب التي مكنته من الألفاظ يصرفها على مقتضى هواه ومن ثم لم يعدم الجناس لتوفر مادته.

ومما قاله موجها إلى الشيخ ناصيف اليازجي : بنصيف قد أنصف الدهر بيروت فأضحت تتيه في ثوب سؤدد .. ولئن أصبحت تفاخر كل المدن أضحى لعمري الحال يشهد .. ما سمعنا بمثله عيسوبا يتحدى بمثل معجز أحمد .. ظم الدر والدراري في أحسن سمط من البيان ومهد .. ألمعي لكنه عيسوي كان أولى بفضل دين محمد .. لو تروى ارتووى بكوثره العذب وأروى ظماء من بات يجحد .. حكم مولى يقضي علينا بما شاء تعالى عن التولد سرمد .. دم حليف العلا نصيف بفضل لا يوازي وحسن حمد مؤيد ، والشاعر في هذه الأبيات أقل تهافتا على المحسنات ومن ثم كانت أغزر معنى وأوضح غرضا وأشهى مذاقا مع قلة حظها من الروعة ،

وكثرا ما يخضع الشعر للعلم فيقيد به مسائله ويودعه جواب سؤال أو دفع إشكال كما جاء في كتابه عقود الكواكب الدرية قوله : ويقضي واجب قد فات إلا بعشر قد أتت كالدر نظما .. فناذر حج دهر فات عاما وناذر صوم دهر فات يوما .. ونذر صلاة أول وقتها في أواخره بها يوما ألما .. وإحرام لداخل مكة إن نقل هو لازم من رام حتما .. وناذر أن يحرر كل عبد له والبعض مات ففات رغما .. ومن بجماع أفسد حجة ثم أفسد للقضا لم يقض حزما .. وناذر التصدق كل يوم بفاضل قوته فرآه عدما.

آثاره العلمية : له آثار كثيرة يذكر علي مبارك باشا في خططه أنها تنيف عن أربعين كتابا منها سعود المطالع فقد كان للأبياري رسالة تضمنت لغزًا في اسم الخديو إسماعيل فأودع كتاب سعود المطالع شرح هذه الرسالة وحل ذلك اللغز الذي تعجب إذ تراه استخراج منه خمسة وأربعين فنا على نسق غريب وهو كتاب قيم دل على قدرة مؤلفه ووقوفه على شوارد اللغة وأسرارها وهو واقع في سفرين كبيرين مطبوع في مطبعة بولاق سنة ١٢٣٨هـ.

النجم الثاقب : كتاب وضعه في الفصل بين صحيفة البرجيس التي كان يحررها بالعربية في باريس المرحوم سليمان الحريري التونسي وصحيفة الجوانب التي أنشأها الشيخ أحمد فارس في الآستانة وذلك في مؤاخذات لغوية وانتصارت في فنون إنشائية حكم الإبياري فيها بالتبريز لمنشيء الجوانب على محرر البرجيس وقد طبع هذا الكتاب على الحجر سنة ١٢٧٩هـ.

الوسائل الأدبية في الرسائل الأحدبية : وهو كتاب يضم طائفة من مراسلاته الأدبية وما وقع بينه وبين الأدباء المعاصرين من مراسلات ومكاتبات ولا سيما الشيخ الأحدب والسيد الحلواني طبع سنة ١٣٠١هـ  ، وقد صدره بخطبة ابتدأها بقوله : الحمد لله الذي أنزل علينا كتابا نقرأه وبشرنا بأنه تعالى على ممر الأيام يكلأه والصلاة والسلام على من حثت رسالته على اتباع ملة إبراهيم وأوتي من البلاغة والفصاحة ما لم يبلغ أحد من العالمين مبلغه العظيم وعلى آله الأجلة وصحبه الذين حذوا من الفضل حله.

ثم يقول : وأبهى ما ورد به خد الكتابة والخطابة ما دار بيني وبين نادرة العصر الذي تفعل آدابه البديعة بالعقول ما لا تفعله سلافة العصر حضرة المولى الأجل أديب الشام السيد إبراهيم الأحدب بلغه الله من الحظوظ كل مطلب فإليكها عرائس مجلوة من كشف لثامها ورشف رضابها استكمل الظرف والفتوه موسومة بالوسائل الأدبية في الرسائل الأحدبية واستطردت في خلالها ببعض ما كتب لي من أبناء العصر أو كتبته لبعض مما رأيت أن ترك قيده عبث محض وربما فسرت في خلال بعض الرسائل ما أودعته فيها من الإشارات لبعض المسائل الحكمية وأوضحت ما أومأت إليه من الفوائد التاريخية والأدبية ، والكتاب يقع في خمسين ومائة صفحة تقريبا من القطع المتوسط.

نفحة الأكمام في مثلث الكلام : وهو نظم رقيق يشتمل على الكلمات العربية المستعملة بفتح أولها وكسره وضمه يقول في مقدمته : قد نظمت منه ما وجدته .. مثلثا من بعد أن هذبته .. وما تركت حسبما ظننته .. شيئا وإن كان فبعض النزر .. معولا على أصول الأسما .. وتارك المختلفات رسما .. كمثل واوي مع بائي إذ ما .. هذا مثلث على ما أدري ، وهو يبدأ بذكر المفتوح ثم المكسور ثم المضموم كما قال : أبدأ بالمفتوح فيها أولا .. وبعده ذو الكسر فالضم ولا .. ثم أزيد البعض منها حيث لا .. حاجة للتكميل حسب اليسر .. وربما تركت ما قد اشتهر .. من المعاني أن يكن ثم أخر .. رتبتها على الحروف للنظر .. فيها لدى الحاجة لا بعسر ، والنظم واقع في ١١٩ صفحة وتم طبعه في السادس عشر من جمادى الأولى سنة ست وسبعين ومائتين وألف من الهجرة.

وله متن الكواكب الدرية في نظم الضوابط العلمية لعلوم وفنون مختلفة بذل فيه من العناء والتدقيق ما يستحق العجب فإنه ضبط مسائل في الفقه والنحو والصرف واللغة والسيرة والتاريخ والفلك وغيرها في نظم دقيق بارع دل على قدرة ناظمه وتبحره في شتى العلوم ، وفي آخره ما نصه كتبه ناظمه الفقير إلى رحمة سيده الغني عبد الهادي نجا الإبياري الشافعي غفر الله له ولوالديه والمسلمين آمين في يوم الجمعة الحادي والعشرين من شعبان سنة ١٢٩٩ تسع وتسعين ومائتين وألف ، وله كتاب المواكب العلية في توضيح الكواكب الدرية في الضوابط العلمية وهو كتاب قيم شيح به هذا المتن شرحًا دقيقا مستفيضا دالا على قدرته في علوم شتى ، والمتن والشرح مطبوعان في سفر واحد.

وله باب الفتوح لمعرفة أحوال الروح وهو كتاب يبحث في أمر الروح وحكمة خلقها قبل الأجساد وأصل نشأتها هذه الأمور التي كان المؤلف دائم التفكير فيها ضيق الصدر بها حتى أسفر له من الهند كتاب الأسفار للصدر الشيرازي وفيه من ذلك فوائد جمة وفرائد مهمة إلا أنها متفرقة فيه أيدي سبا بعبارات صعبة تشتت بها أفكار من لها صبا ، فلخصها المؤلف وقربها للأفهام وضم بعضها إلى بعض مراجعا في ذلك كتاب جليلة كالمواقف وشرحه والطوالع وشرح الإشارات وكشاف الاصطلاحات والمقاصد والتفسير والكبير وكبير اللقاني على جوهرته وغير ذلك فاجتمع عنده من كل ذلك ما شفى غليله وأودعه هذا الكتاب القيم وهو مطبوع بالمبطعة الخيرية سنة ١٣٠٤هـ واقع في ستة وتسعين ومائة صفحة من القطع المتوسط.

وله غير ذلك كتاب نيل الأماني في توضيح مقدمة القسطلاني ، والقصر المبني على حواشي المغني ، ودروق الأنداد في أسماء الأضداد جمع فيه أسماء الأضداد يقول عنه وهو كتاب جمعت فيه أسماء الأضداد ونظمتها في بسيطية سميتها دروق الأنداد في أسماء الأضداد ، وله ترويح النفوس على حواشي القاموس ، وصحيح المعاني في شرح منظومة البيباني ، ورشف الرغاب في المصطلح أيضا ، والحديقة في البيان ولها شرحان ،  وشرح كشف النقاب.

وزهرة الروابي شرح وضعية الإنبابي ، والمورد الهني وشرحه سرور المغني ، والفواكه الجنوية في الفوائد النحوية ، وسعود القرآن في نظم مشترك القرآن ، والثغر الباسم في مختصر حاشية الباجوري على ابن قاسم  ، وزكاة الصيام في إرشاد العوام ، وفاكهة الإخوان في مجالس رمضان ، والبهجة التوفيقية في اللغة والأدب ، وزهرة الحمدلة في الكلام على البسملة ، وحاشية حصن الحصين في علم الحديث ، وحجة المتكلم على متن مختصر النووي لصحيح مسلم.

هذه آثار أدبية ولغوية دالة على أبلغ قدره وأعظم براعة وأغزر مادة ولو أن هذه الكتب القيمة كانت مطبوعة معبدة السبيل لكان فيها أعظم النفع وأبلغ الجدوى ولكن كثيرًا منها لا يزال مخطوطا رهن مكتبة المؤلف “.

وترجم له علي باشا مبارك في كتابه الخطط التوفيقية الجديدة وذلك عند تكلمه على بلدة إبيار فقال : ” ومن علمائها الحبر الهمام وفخر العلماء الأعلام الإمام الأريب واللوزعى الأديب الشاعر النائر الحافظ الماهر العلامة الشيخ عبد الهادى نجا ابن العلامة الشيخ رضوان الأبيارى الشافعى الأزهرى محط رحال الأدب وقاموس لسان العرب.

ولد مدّ الله فى أجله سنة ست وثلاثين ومائتين وألف كما يؤخذ من عبارته الآتية وحفظ القرآن وجاور بالأزهر وتخرج على مشايخ عصره منهم شيخ الإسلام الشيخ إبراهيم البيجورى والشيخ محمد الدمنهورى والشيخ أحمد المرصفى والشيخ الشيبينى والشيخ مصطفى المبلط والشيخ محمد التاودى والشيخ فتح الله الخلوتى والشيخ الدمياطى والجزائرلى والشيخ محمد عليش شيخ المالكية والشيخ إبراهيم السقا.

ومن شبيبته إلى شيبه لم يشغله عن التدريس والتأليف شاغل مع كثرة إقامته ببلده ولم يتول شيئا من الوظائف إلا تعليم أنجال الخديو إسماعيل باشا ، وله من المؤلفات ما ينيف عن أربعين كتابا ، منها كتاب نفحة الأكمام فى مثلث الكلام وطرفة الربيع فى أنواع البديع والحديقة فى البيان ولها شرحان ، والقصر المبنى على حواشى المغنى مجلدان ، ونيل الأمانى شرح مقدمة القسطلانى ، ورشف الرّضاب فى المصطلح وشرحه كشف النقاب ، وزهر الروابى شرح وضعية الإنبابى ، والمورد الهنى وشرحه سرور الغنى ، والفواكه الجنوية فى الفوائد النجوية ، وصحيح المعانى شرح منظومة البيبانى في المصطلح.

وسعود القران فى نظم مشترك القرآن ، والثغر الباسم فى مختصر حاشية البيجورى على ابن قاسم ، وزكاة الصيام فى إرشاد العوام ، وفاكهة الإخوان فى مجالس رمضان ، والكواكب الدرية فى الضوابط العلمية ، والبهجة التوفيقية فى اللغة والأدب ، وزهرة الحمدلة فى الكلام على البسملة ، وحاشية حصن الحصين فى علم الحديث ، وسعود المطالع شرح سعود المطالع جزآن فى واحد وأربعين فنّا فى اسم إسماعيل ، وحجة المتكلم على متن مختصر النووى لصحيح مسلم نحو خمسين كراسة ، والنجم الثاقب فى المحاكمة بين برجيس والجوائب ، ودورق الأنداد فى جمع أسماء الأضداد وشرحه رونق الأسياد نحو أربعين كراسة.

قال فى ذلك الشرح عند قوله قال ابن رضوان الأبيارى : رضوان اسم أبى وأستاذى السيد رضوان بن محمد كان رحمه الله علم الكمال وروض الفضل والأفضال ذا ذهن لا يذيل نواره ولا تكسف أقماره واستحضار لا يفلت قنيصه ولا يخلق قميصه ولا تقصر معارفه ولا تحصر مصارفه مع تقى تتضوّع أردانه وورع لا تضعضع أركانه ونزاهة لا ترخص لها قيمة ولا تلين لها عزيمة وجدّ فى العبادة كلما قيل خلق ثوبه جدّ وحد من الزهد لا يبلغ حدّه فيه من معاصريه أحد لا تأخذه فى الله لومة لائم.

وقلما رأيته بالنهار إلا وهو صائم ولا بالليل إلا وهو قائم وكان من دأبه أن لا يذوق لإنسان طعاما قط ولا يغفل عن ذكر الله إلا وقت الدروس أو ضرورة الأكل فقط حتى إنه كان يسمع منه ذكر الجلالة حال النوم وشوهد له من الكرامات حيّا وميتا ما لا يعرف لأحد اليوم ، تخرج بالأزهر على العلامة الجوهرى صاحب النهج والأستاذ الشيخ الشرقاوى والقطب الدردير والهمام الأمير الكبير وغيرهم وأخذ القراءات عن الشيخ العبيدى شيخ الشيخ أحمد سلمونه شيخ القرّاء فى عصره.

وأخبرنى العلامة المرحوم شيخنا الشيخ القويسنى أنه صادف ابتداء مجاورته بالأزهر ابتداء مجاورة الشيخ وأنهما اصطحبا معا من حينئذ مطالعة وحضورا من سنة إحدى وسبعين ومائة وألف إلى مائتين وتسعة ، ولذا كان رحمه يلاحظنى كثيرا لذلك ويقول : أنت ابن أخى ، وحضرت أنا على الشيخ الوالد سحّت عليه سحائب الرحمة فى الحديث الجامع الصغير والبخارى والمواهب وفى التفسير الجلالين وفى الفقه إلى المنهج وفى النحو إلى الأشمونى وفى الفرائض والتوحيد وغيرهما جملة.

ثم انتقل إلى رحمة الله تعالى ليلة الجمعة فى رجب سنة إحدى وخمسين ومائتين وألف ، فجئت إلى الأزهر وجاورت به إلى سنة خمس وخمسين وكان سنى عند وفاته خمس عشرة سنة ودفن رحمه الله تعالى بمسجد الشيخ النجم بقبة ولده التى تحت المنارة ، والأبيارى نسبة إلى أبيار بلد أبى وأجدادى عدد أبنائها أربعة آلاف نفس وكسور.

وكانت قبل الآن من المدن العظيمة العامرة بالأعيان والأكابر والأفاضل ، وإلى أن عمل جسر الحديد كانت محل تخت القضاء يتبعها نحو مائة وخمسين بلدا ومركز حكومة قسمها وسوق عكاظ جميع ما حولها منوفية وغربية وبحيرة ، وبها من المساجد التى تقام بها الجمعة سبعة وبها مركز نقابة أشراف المنوفية كما فى بعض حجج عقاراتنا القديمة إذ يعنون فيها عن أحد أجدادنا السيد عامر نجا بنقيب أشراف المنوفية.

نبغ فيها نبغة من الأخيار وبزغ منها جملة من الشموس والأقمار منهم كما فى تاج العروس : أبو الحسين على بن إسماعيل الأبيارى روى عنه أبو طاهر السّلفى ومنهم أبو الحسن على بن إسماعيل بن عطية شارح البرهان فى الأصول كان ابن الحاجب من تلامذته والشيخ محمد القبانى ترجمه الشهاب فى الريحانة وأنشد له : وهيفاء تسقى الراح قالت لصبها .. الخ ، قال وله : رونق البدر فى صفا الماء لما  جعلته أيدى الصّبا كالأسارى .. شبه جام من لؤلؤ يتلألأ فوق صرح ممرّد من قوارى.

وله : لقد حلّ فى مصر بلاء من البرش به غدت الأرواح والمال فى أرش .. وكان بها حرث ونسل فمزقوا وأهلك ذاك الحرث والنسل بالبرش ، وفيه تورية بما يسميه الفلاحون برشا وهو حرث الأرض أول مرة ، ومنهم العلامة الشيخ فائد بن مبارك شارح الجامع الصغير والكنز وعم والدى المرحوم السيد على نجا له شرح مقدمة التثبت للسيوطى رأيته بخطه وعليه تقريظ للشيخ الدردير والشيخ الكفراوى وغيرهما ومختصر متن البخارى مع شرحه للقسطلانى.

ولم يزل بها ولله الحمد الآن من العلماء والصلحاء والأعيان وغالب أهلها حفظة للقرآن إذ كل من درج من أطفالها فإلى المكتب إلا أن ذلك تضعضع بسبب تسلط مشايخها المتلقبين بالأشراف على أولاد المكاتب أيتاما أو غير أيتام بعد أن كانوا فى أمن منهم إلى أن توطنا مصر ولذا قال من قال : غدت أبيار شر مدينة من .. أكابرها الذين طغوا شرورا .. فما للزور فيها قط زور .. وإن يك زورهم زورا كبيرا.

الزور الأول العاقل الرئيس والثانى لذة الطعام وطيبه والثالث الباطل ، وقال : أرى كل فضل بين أبناء أبيار كمثل سنمار بدا بسنمار .. وليس يجازى الفضل من شرفائها لعمرك إلا من جزاء سنمار ، السنمار بكسر السين المهملة والنون وتشديد الميم فى الأول اللص وفى الثانى القمر وفى الثالث رجل بنى للنعمان قصرا فى عشرين سنة لم يعمل مثله وجعل فيه حجرا إن أخرج منه انقض جميع القصر معه فلما تم بناه وأراه إياه ألقاه من أعلاه فضرب به المثل لمن يجازى على أحسن الأعمال بأسوء الجزاء.

ولبعضهم فيهم قصائد يستعذب السمع مبانيها لكنه يستغيث من عذاب معانيها ومقالات هى وإن كانت صحيحة لا شك فيها إلا أنه لعدم جراءة أحد على أمثالها يكذب خبر ناقليها ولله الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين انتهى “.

32 / ديوان علي أبو النصر

شاعر القصر في عهد محمد علي باشا وأسرته هو السيد علي أبو النصر المنفلوطي الذي ولد في بلدة منفلوط بالصعيد عام 1225 هـ / 1811 م وتوفي بها في عام 1298 هـ / 1880 م وله ديوان شعري كبير يضم مدائحه في العائلة الحاكمة حيث كان من أصحاب الحظوة والقرب ، وأوفده محمد علي إلى الباب العالي نيابة عنه لحضور إحدى المناسبات الكبرى كما اصطحبه الخديوي إسماعيل معه أثناء زيارته إلى دار السلطنة.

ذكره جورجي زيدان في كتابه تاريخ آداب اللغة العربية فقال : ” علي أبو النصر المنفلوطي توفي سنة ١٨٨٠ / ١٢٩٨ﻫ ، هو من نوابغ شعراء مصر في أواسط القرن الماضي وُلِد في منفلوط ، وفيه قريحة وقادة فنظم الشعر وهو غلام ونبغ في عصر إسماعيل وكان من المقربين إليه وقد نال جوائزه ومدحه ومدح غيره من أمراء الأسرة الخديوية ، ورافق الخديوي إسماعيل لما سافر إلى الأستانة في زمن السلطان عبد العزيز وسافر إلى الأستانة قبل ذلك موفدًا من محمد علي على عهد عبد المجيد وذاعت شهرته ، وله ديوان مرتَّب على حروف المعجم طُبِع بمصر سنة ١٣٠٠ﻫ فيه منتخبات من أكثر أبواب الشعر “.

وترجم له محمد كامل الفقي في كتابه الأزهر وأثره في النهضة الأدبية الحديثة وذلك في الفصل الخاص بالشعراء الأزهريين وتناول فيها إنتاجه الأدبي بالنقد والتحليل حيث قال : ” السيد علي أبو النصر المنفلوطي المتوفى سنة ١٢٩٨هـ /  ١٨٨٠ م.

نشأته وحياته : ولد بمنفلوط من أعمال مديرية أسيوط، وقدم إلى القاهرة صبيًّا ثم التحق بالأزهر بطلب العلم فيه وقد شب مفطورًا على حب الأدب والتزود من فنونه فبرع في قرض الشعر يافعا ونظم الأزجال حدثا ولم يلبث أن ذاع صيته وتسامع الناس به ، وكان طيب المفاكهة والمجالسة لطيف المسامرة والمؤانسة حاضر الذهن قوي الجدل لا يغلب في حوار ولا ينهزم في مناظرة وكانت له مطايبات حافلة بالنكت الأدبية مع الحشمة والحذر بما تأباه النفوس الأبية فكانت له مكانة عند أولي الأمر وذوي الجاه يجلون قدره ويلبون شفاعته.

اتصل بالبيت العلوي من عهد محمد علي إلى توفيق ورحل إلى القسطنطينية رحلتين أولاهما في عهد محمد علي سنة ١٢٦٢هـ حيث احتفل السلطان عبد المجيد بإعذار أنجاله وطلب من محمد علي أن يوفد للحفل وفدا من العلماء والأمراء فكان الشاعر في طليعة الذين أوفدهم محمد علي إلى القسطنطينية ، وقد مدح شيخ الإسلام بقصيدة استجادها إذ قدمها إليه وبكى متأثرا ببعض أبياتها ثم سأله هل قلت في القسطنطينية شيئا ؟ ، فأجابه بأن له بيتين يستحي أن يعرضهما لكونهما من زيف الكلام.

 فقال : نسمعهما إن شئت ، فقال : وكنا نرى مصر السعيدة جنة .. ونحسبها دون البلاد هي العليا .. فلما رأت دار الخلافة عيننا .. علمنا يقينا أنها لهى الدنيا ، فتبسم شيخ الإسلام وقال له : إن البيتين جيدان من جهة الأدب ولكنك في مدحك القسطنطينية فضلت مصر عليها لأنك جعلت مصر هي العليا والقسطنطينية هي الدنيا وفي علمك أن الدنيا تأنيث الأدون فيفيد النظم أن القسطنطينية دون مرتبة مصر ، فقال الشاعر مجيبا : حب الوطن من الإيمان.

وأما رحلته الثانية إليها فكانت في عهد الخديو إسماعيل سنة ١٢٨٩هـ حيث استصحبه إليها في خلافة السلطان عبد العزيز وكان مقدمهما القسطنطينية مثقفا مع الاحتفال بعيد الجلوس فأنشأ الشاعر قصيدة بليغة مطلعها : تبسمت الآمال عن لؤلؤ القطر .. ففاح شذاها في الحدائق كالعطر ، وكان مصراع تاريخها : جلوسك عيد الدهر أم ليلة القدر ، ومما اتسم به أنه كان راجح العقل نافذ الرأي عالما بالأحوال السياسية خبيرا بشئون الأمم محبا لتربية الأمة داعيا لتثقيفها ونضتها.

وكان شعره شتيتا غير مجموع حتى قيض له المغفور لهما محمد باشا سلطان وحسين بك حسني ناظر المطبعة الأميرية إذ ذاك فجمعا أشتاته وضما متفرقه ، وعهدا إلى المرحوم محمد أفندي الحسني رئيس مصححي المطبعة بجمعه في ديوان صدر بخطبة الأخير وبترجمة للشاعر بقلم المرحوم أحمد باشا خيري ناظر المعارف العمومية في ذلك الحين ، هذا عدا ماكان له من الطرف والملح والمواليا والأزجال وغير ذلك مما عبثت به يد التفريط والإهمال.

شعره : أقيس شعره بشعر عصره فأراه شبيها به موافقا له يتجه متجه وينزع نزعته وهو يميل إلى الجناس لكن في غير استكراه ويطلبه لكن في غير تكلف شديد ويوري غير أنه لا يلحف في رجاء التورية ولا يرتصد لطلبها ، وتدور الصنعة في شعره غير مفتون بها وإن تهيأت له فبغير إفراط ولا إسراف أما التاريخ الشعري فهو مغرى به متهافت عليه ملتزم له في الجمهرة العظمى في شعره ، فمن تجنيسه قوله : في الحان قد جس معسول اللمي وترا .. فانهض لتسمع ألحان الصبا وترى.

فقد أوقع الجناس بين الحان وهو محل بيع الخمر وألحان الصبا جمع لحن ، كما أوقعه بين الوتر الذي هو شرعة القوس ومعلقها الواقع مفعولا والفعل المضارع وترى مقرونا بواو العطف ويبدو لك تكلفة الجناسين إلا أنهما أقرب إلى القبول ، ومن تجنيسه أيضًا قوله : أبدًا تقلب فكرتي أبدى الأسى .. طوعا لأمر الدهر أحسن أو أسا ، فقد أوقع الجناس بين لفظ الأسى بمعنى الحزن والفعل الماضي أساء محذوف الهمزة ليتم الجناس بحذفها والجناس هنا مقصود للشاعر إلا أنه لم يبلغ من الثقل مداه.

ومن تجنيسه أيضًا قوله :  كم ذا أحاول نصحا بالعظات وفي .. ظني وجود سميع بالعهود وفي ، فالجناس بين حرف الجر في مقرونا بالواو ولفظ وفى الصفة المحذوف إحدى يائيه وهو أقل ثقلا من صاحبه الماضي ، ومن جناسه المقبول قوله : رياض المجد أهدت نفح طيب .. فقلت مهنئا يا نفس طيبي ، ويغرب أن يلتزم الجناس في مطالع قصائده وهو في هذا الموضع أكثر طلبا له واستشراقا إليه.

ومن التورية التي يستعملها في شعره : على مضض صبرت وكم أداري .. بتاريخ الغرام وأنت داري .. يجاذبني الهوى فأذوب وجدا .. ويسلبني النوى ثوب اصطباري .. وهذا لي دروا ما بي فلاموا .. كأن هوى الأحبة باختباري .. وإن سألوا عن اللآحي ودمعي .. أقول كلاهما لا شك جاري ، فقد ورى يقوله جاري عن اسم الفاعل من جرى بمعنى سال والاسم الذي هو بمعنى مجاور مضافا لياء المتكلم.

ويقول في رجل يدعي العلم يسعى النخلي : بروض الفضل أغصان .. خلت عن حلية الفضل .. سألناها أجابتنا .. دهتنا غلطة التخلي ، فيحتمل أن براد الشجر أو اسم الرجل ، ومما يؤدي به قوله : حروف ودي وسائل .. والد مع جار وسائل ، أي أن قطرات دمعة الشبيهة بالحروف وسائل تترضى الحبيب فقد جانس بين وسائل الأولى جمع وسيلة وسائل الثانية التي هي اسم فاعل من سال بمعنى جرى مقرونا بالواو ثم في وسائل الثانية تورية إذ يحتمل أن تكون اسم فاعل بمعنى جار أو اسم فاعل من سأل بمعنى طلب.

ومن شعره التاريخي قوله : يا من بطالعه الأسعى حوى شرفا .. يزين بدر علاه قبة الفلك .. أنت الذي بحلي الأخلاق زدت علا .. لا زلت ترقى بفضل المنعم الملك .. إسعاد نجمك إذ لاحت بشائره .. أرخت أوليت بكباشي وأنت زكي ، ولا شك أن هذا التاريخ أضعف هذا الشعر وحال دون روعته وجماله ولكنها سنة العصر الذي أغرق فته وغالى ، وله في تاريخ لحية : لماذا ازدهى روض المحاسن والبها .. وبدا به الريحان وهو شريف .. خط العذار كما تحب صحيفة .. تاريخها صان الجمال نظيف.

وهو شعر ضعيف متهافت كما ترى ، ومما لا أسيغه وصف الريحان بالشرف ولست أدري متى يكون الريحان شريفا أو غير شريف فلعل علم ذلك عند الشاعر وقد يقصد أن الريحان وهو أخضر الأغصان يبدو كالعمائم الخضر التي هي سمة الأشراف ، وقد يولع بالتاريخ فيجعل في كل شطر تاريخا كما قال : بشير الهنا لا حب بيمن قدومه .. بدور بها نور البثائر قد صفا.

وشعره إذ ذاك لا روعة فيه ولا تتنسم منه روح الشعر بحال غير أنه يتناول كثيرا من الأغراض في شعره ويتسع أفقه لألوان مختلفة من الشعر فيمدح ويهنئ ويرثي ويعتب ويشكو ويشكر ويتغزل ويصف وينصح ، وتجد في شعره الحكم والمدائح النبوية والقصائد الوطنية والخمريات بغير إغراق كما تجد فيه الوداع والحماسة ويتناول الألغاز يكثر منها فيجيء شعره بها معمى مستغلقًا ويطول نفسه في بعض القصائد حتى لتبلغ مائة بيت إلا أن شعره أقرب إلى شعر العلماء منه إلى شعر الفحول من الشعراء وشعره وسط بين الإجادة والغثاثة والضعف والقوة.

فمما قاله متغزلا : إلى الأوطان يجذبني الهيام .. ولي قلب يقليه الغرام .. وفي دمعي غرقت ونار وجدي .. بتذكار الديار لها ضرام .. ولى في كل منزه حديث .. إذا كررته ناح الحمام  .. وما عندي من الأشواق خاف .. ولو أبديته لبكى الغمام .. ويوم وداعهم كانت حياتي .. مكابرة وللدمع انسجام .. أراهم أينما كانوا بقلبي .. وزفي نومي وهي يغني المنام .. وقائلة إلام تحن شوقا .. وتعلو جسمك المضني السقام .. أتحسب أن من تهواه باك .. عليك ولو أضر بك الهيام.

فقلت له فديتك إن نومي .. علي لبعدهم أبدا حرام .. وهل يجدي أخا الوجد المعنى .. إذا ضنوا بزورته اعتصام .. دعيني فالنصيحة لو أفادت .. لضاع الحب وانقطع الملام .. كلفت بحبهم فألفت سهدي .. ولم يخطر على جفني المنام .. أهيم بهم ولي فيهم شجون .. إذا ظعنوا بقلبي أو أقاموا .. أخلائي احفظوا عني حديثا .. يسر به المقلد والإمام .. قتيل الشوق يحييه التداني .. وينعشه التواصل لا المدام .. فإن مر النسيم بكم سلوه .. فأخبار الهوى منه ترام .. وساعات الوصال كلمح طرف .. لدى المضني ويوم البعد عام.

هذه أبيات ساقها الشاعر متغزلًا فجاءت من أجود ما قاله رقة وخفة روح ووضوح أسلوب لم يسع الشاعر فيها وراء صنعة لفظية أو محسن من المحسنات البديعية ولم يمس طرفا من ذلك إلا الجناس الذي شكه شكا وتناوله برق في عجز البيت الأول بين قلب ويقلبه.

ومما قاله في شكوى الزمان : بشكوى الليالي كيف لا أتعلل .. وديمة دمعي دائما تتهلل .. رماني زماني في مكايد مكره .. وفي وهمه أني له أتذلل .. أكابد ما لا يستطاع من الأسى .. وأحمل منه فوق ما يتحمل .. وجربت أبناء الزمان بأسرهم .. فلم أر منهم من عليه يعول .. سالمت إخواننا بدا لي أنهم .. على نقض بنيان الصداقة عولوا .. فيا دهر ماذا تبتغي من مجرب .. وقد شاع في الآفاق أنك تجهل .. تقدم من لا يستحق وتزدري .. بمن هو أولى بالجميل وتعجل .. تبرأ من أهل المعارف والتقى .. وهم دولة الإسعادان كنت تعقل .. وقربت أرباب الجهالة للعلا .. كأنك لاستظارهم تتجمل.

فهذه الأبيات من أجود ما قيل في شكوى الزمان صدرت من الشاعر مصورة عبث الزمان به وتجهمه له وما يكابده من أساه الذي لا يستطاع وما يحمله مما يشق حمله وما لقيه من إخوان جربهم فلم ير فيهم من عليه المعول وما سالمهم لما بدا له من تعويلهم عن نقض الصداقة ونكث العهد ، وكان جميلا من الشاعر ما بينه ومن جهل الزمان من تقديم من لا يستحق والزرارية بمن هو أولى بالجميل وبراءة الزمان من أهل المعارف والتقى الذين هم دولة الإسعاد لو كان يعقل ذلك وتقريب أرباب الجهالة وإيثارهم بالعلا كأنه يتجمل لاستظهارهم ، فهي أبيات صادقة في شكوي الليالي وصدق التجربة وغدر الإخوان وعبث الزمان كل ذلك مسوق بأسلوب غير نازل ورصف رصين لم يتهالك على محسن ولا زخرف.

ومما قاله يمدح به النبي صلى الله عليه وسلم : إذا هتف بمدحتك الموالي .. وأنشد شعره فيك البديع .. وحدث عنك من يروي حديثا .. وصاغ من الثنا ما يستطيع .. فما بلغوا اليسير ولو أطالوا .. وكيف وأنت في الأخرى شفيع .. إليك شكايتي من كل ذنب .. وحصن حماك في حرز منيع .. ومن يرجوك يسعف بالأماني .. ومن قصد المشفع لا يضيع .. ملأت سرادقات الكون فضلا .. وجاهك سيدي جاه رفيع .. فمن للمذنبين سواك يرجى .. إذا ما استعظم الهول الفظيع.

وهو شعر سهل رصين تتمثل فيه روح الشاعر المؤمن الذي يلتمس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون له حرزا منيعا وشفيعا يغفر به كل ذنب وإن كان في نفسي شيء من اللفظ الأخير الفظيع.

وقال يعاتب بعض أصحابه : لعمرك ما البواتر كالعصي .. ولا الطرف المذلل كالعصي .. ولا فلق الصباح إذا تبدى .. لذي بصر يقابل بالعشي .. أراك رفعت أدنى الناس قدرًا .. وآثرت الدنى على علي .. شققت عصا الوفاق وبعت غبنا .. صواب الرأي بالخطأ الجلي .. وبدلت الأعزة من قريش .. وأبناء الأماجد بالبذي .. ستعرف ما جهلت إذا التقينا .. وبان لك الجبان من الكمي.

ولعل هذه الأبيات من أحسن شعره وأبلغه وأحفلها بالتشبيهات المحكمة وفيها جناس مقبول بين حرف الجر على وعلى تورية لطيفة في لفظ على الذي يحتمل أن يكون وصفا مقابلا للدنى وأن يكون مشيرا إلى اسم الشاعر السيد علي.

ومن رثائه قوله : أمطري أعيني الدوامي دواما .. إن غيث الكرام يأتي ركاما .. واستمدي من حبة القلب دمعا .. فلعل الدموع تروي أواما .. ومن المهد للجفون اكتحالًا .. ودعى عنك في الدياجي المناما .. واسكبي الدمع خفية وجهارا .. واستحلي من البكاء الحراما .. واقرئي في صحيفة الدهر سطرا .. نمقته يد القضا فاستقاما .. واكتبي ما جنته أيدي المنايا .. حيث لم تبق للأنام إماما.

فهذه من أصدق المرثيات وأرقها وأخصبها معنى وأحلفها تصويرا للجزع والأسى ، ولم يكن الشاعر منصرفا فيها إلى الطلاء اللفظي اللهم إلا ما يكلف به من الجناس في مطالع قصائده فإنه أوقع الجناس المتكلف بين الدوامي ودواما والكرام وركاما ولكنه لم يستنفد جمال الأبيات ولم يذهب بروعتها “.

وكتب عنه الأستاذ عمر الدسوقي في كتابه في الأدب الحديث فقال : ” ولم يكن أبو النصر شاعرًا فحسب ولكنه كان نديمًا أكثر منه شاعرًا ، وللمنادمة صفات كثيرة وهي صنعة شاقة أما هذه الصفات فمنها الإحاطة بالأدب القديم ورواية شعره ونثره ونوادره وأمثاله ثم الذكاء الحاد وسرعة البديهة ومعرفة دخائل النفوس ودراسة أحوالها المتباينة ، وأهم من هذا طبيعة مرحة قادرة على استلال سخائم النفوس وبعث الضحك مع الاحتفاظ بالوقار والمنزلة حتى لا يمتهن النديم ويهان.

وليس الضحاك أمرًا هينًا ولا سيما في مجلس أميرٍ عظيمٍ تشغله أعباء الحكم وتَحِزُّ به أزمات نفسية كثيرة والنفس الإنسانية يعتورها الحزن والسرور والانقباض والانشراح والغضب والرضا والمفروض في النديم أن يستطيع بعث الضحك في كل حالة ولا سيما في حالات الانقباض والحزن وأن يذهب بمرحه وأدبه ضُرَّ القلوب وتجهم الوجوه مع أنه إنسانٌ كسائر الناس له نفس تحزن وتنقبض وعقل يفتر ويخبو وقريحة تخمد وتتبلد أحيانًا ، ولهذا كانت مهمة النديم شاقة وعليه أن يخلق الجو المناسب لنكاته وأن يروض الناس على الضحك حين يطلق النكتة ولو لم تكن مستساغة وهذا فن يتقنه الموهوبون من الندماء.

ثم إن النديم صدًى للحوادث التي تحدث في مجلس الأمير أو العظيم يسجلها في أدبه فيقول الشعر في كل المناسبات الممكنة ، حين يرحل الأمير وحين يعود وحين يرتقي أحد أفراد الحاشية أو ينعم عليه بلقبٍ وحين يولد مولود جديد وفي الأعياد والأفراح والمآتم بل في غير ذلك من المناسبات المفاجئة والعارضة ، وإذا تصفحنا ديوان أبي النصر لم نجده شيئًا غير هذا وقلَّمَا يلتفت النديم لنفسه فيظهر لواعج حبها أو اهتزاز مشاعرها وعواطفها أو يلتفت إلى غير الأمير وحاشيته.

وشعر أبي النصر يمثِّلُ كذلك هذه المدرسة التي أثقل أدبها بأوضار القديم وآفاته فهو مولع بالمحسنات البديعية وبالتأريخ الشعري وبالألغاز وبالتشطير والتلاعب بالألفاظ والشعر في هذه المدرسة – كما ذكرنا – صناعة تظهر البراعة والقدرة على صياغةٍ معينةٍ تحقق غرضًا من هذه الأغراض وليس ترجمانًا عن همسات القلوب وأشجان النفوس وأحاديثها ومطية للخيال يحلق في سماواته الواسعة أو مفصحًا عن فكرة اختمرت في عقل الشاعر وأبت إلّا أن تظهر جليةً واضحةً كما يجب أن يكون الشعر.

ولم يكن مع هذا شعر السيد علي أبي النصر متين النسج قويّ العبارة بل هو وسط بين القوة والضعف وبذلك يكون خير مثال للنظامين أو العروضيين ، ومن شعره وقد أهدي إليه قدح : أهدى الحبيب لمن أحب .. قدحًا تحلى بالذهب .. لو أفرغت فيه الطلا .. لأطل ينظره الحبب .. قد راق منظر حسنه .. ودعا له داعي الطرب .. لا نظرت لشكله .. في رسم تيجان العرب .. قلبته وقبلته .. ووعدته بنت العنب .. ولأجله لولا التقى .. لخلعت أثواب الأدب .. وملأته راحًا بها .. ينفي عن الصب الوصب .. لكنني أودعته .. بخزنة تحوي الأدب .. ومدحت من أهداه لي .. ومنحته شكرًا وجب .. وجعلته بشرى المنى .. والدهر يأتي بالعجب “.

33 / ديوان الساعاتي المصري

الساعاتي هو اللقب الذي عرف به شاعر مصري من جذور تركية هو محمود صفوت بن مصطفى أغا الزيلع (نسبة إلى بلدة بالأناضول تسمى الزيله لي) والذي ولد بالقاهرة عام 1241 هـ / 1825 م وتوفي فيها عام 1298 هـ / 1880 م ، وله ديوان شعر كبير جمعه مصطفى رشيد بك وطبعه على نفقته وكتب له المقدمة كل من الأديب محمد بك المويلحي والأديب مصطفى لطفي المنفلوطي.

وقد شغل الساعاتي عدة مناصب في الدولة منها موظف بالمعية ثم موظف في مجلس الأحكام المصرية وكان بمثابة هيئة الاستئناف العليا وكان يرأسه الأمير إسماعيل في عهد سعيد ، ومدح من حكام مصر كلا من سعيد باشا والخديوي إسماعيل والخديوي توفيق ، وله قصيدة في المديح النبوي عرفت باسم بديعية الساعاتي يعارض فيها البوصيري.

ذكره جورجي زيدان في كتابه تاريخ آداب اللغة العربية فقال : ” الساعاتي المصري توفي سنة ١٨٨٠ / ١٢٩٨ﻫ ، هو محمود صفوت الزيلع نشأ في القاهرة وعاصر أبا النصر وتراسلا وكان أديبًا وشاعرًا ، وحج فأكرمه أمير مكة واستبقاه عنده مدة ثم عاد إلى مصر وتوفي فيها وله ديوان طُبِع سنة ١٩١٢ كاملًا وهو مرتَّب على المواضيع “.

وترجم له الزركلي في كتابه الأعلام فقال : ” مَحْمُود صَفْوَت ١٢٤١ – ١٢٩٨ هـ / ١٨٢٥ – ١٨٨١ م ، محمود صفوت بن مصطفى آغا الزيله لي الشهير بالساعاتي شاعر مصري ولد ونشأ بالقاهرة وتأدب بالإسكندرية ولما بلغ العشرين من عمره سافر لتأدية فريضة الحج فتقرب من الشريف محمد بن عون أمير مكة فأكرمه ولازمه في بعض أسفاره ورافقه في رحلاته إلى نجد واليمن ووصف كثيرا من وقائعه في شعره ، ولما عزل الشريف المذكور عن إمارة مكة وهاجر منها هاجر معه صاحب الترجمة إلى القاهرة.

واستخدم بديوان المعية (الكتخدائية) ثم بمعية سعيد باشا ثم عين عضوا في مجلس أحكام الجيزة والقليوبية إلى أن توفي ، اشتهر بالساعاتي لبراعته وولعه بعملها ولم يحترفها وكان حلو النادرة حسن المحاضرة مهيب الطلعة لم يتعلم النحو ولا ما يؤهله للشعر ولكنه استظهر ديوان المتنبي وبعض شعر غيره فنظم ما نظم ، له ديوان شعر ومزدوجات ومختصر ديوان الساعاتي “.

ذكره عبد العزيز عتيق في كتابه علم البديع فقال : ” الساعاتي المتوفى سنة ١٢٩٨ للهجرة ، هو الأديب الشاعر محمود صفوت الزيلع الشهير بالساعاتي ولد في القاهرة سنة ١٢٤١ من الهجرة ، وفي العشرين من عمره سافر إلى الحجاز لأداء فريضة الحج وهنالك نم فضله عليه فأكرمه أمير مكة الشريف محمد ابن عون وصحبه فظل ملازما له وسافر معه إلى غزواته في نجد واليمن ووصف كثيرا من وقائعه في شعره.

وعند ما عزل الشريف محمد بن عون عن إمارة مكة هاجر إلى مصر وفي صحبته الساعاتي ثم سافر معه بعد ذلك إلى القسطنطينية وفيها وقع بينه وبين الشيخ زين العابدين المكي تنافس أدبي ، وفي أوائل عام ١٢٦٨ للهجرة عاد إلى القاهرة فوظف بالحكومة وظل يتنقل من وظيفة إلى أخرى حتى فاجأته منيته سنة ١٢٩٨ للهجرة وهو عضو بمجلس أحكام الجيزة والقليوبية وشعره إذا قيس بشعر من تقدموه ببضعة قرون أو بشعر معاصريه أجود وأرقى.

وديوان الساعاتي مطبوع ، وله فيه قصيدة بديعية في مدح الرسول تبلغ مائة واثنين وأربعين بيتا التزم فيها تسمية أنواع البديع وعارض بها بديعية تقي الدين بن حجة الحموي وقد نظمها سنة ١٢٧٠ للهجرة واستهلها بقوله : سفح الدموع لذكر السفح والعلم .. أبدى البراعة في استهلاله بدم ، وقد جرى في نظمها عل طريقة ذكر النوع البديعي واتباعه بالبيت الذي بناه عليه.

وفيما يلي نموذج لذلك ، التورية : وكم بكيت عقيقا والبكاء على .. بدر وتوريتي كانت لبدرهم ، الجناس التام : أقمار تمّ تعالوا في منازلهم .. فالصب مدمعه صب لبعدهم ، المطابقة : قد طابقوا صحبتي بالسقم حين نأوا .. ولو دنوا لشفوا ما بي من الألم ، وقد عني بشرح هذه البديعية شرحا وافيا عبد الله باشا فكري “.

وكتب عنه الأستاذ عمر الدسوقي في كتابه في الأدب الحديث فقال : ” محمود صفوت الساعاتي ، وهاك مثلًا لشاعرٍ استطاع بمواهبه أن يفصح عن شخصيته وإن تراءت من بعيدٍ حائلة اللون غير واضحة المعالم تحاول جهدها أن تظهر من خلال هذه السدف الغليظة من التقاليد الموروثة في الشعر العربيّ ولا سيما عصور الركة والانحلال وقد أوتي حظًّا من اللسن والفصاحة فاستطاع أن يجيد في غير ما موضع من شعره حتى ليعده بعضهم طليعةً للنهضة الحديثة وممهدًا للطريق الذي سلكه الباردوي من بعد.

ولد الساعاتي بالقاهرة سنة ١٢٤١هـ / ١٨٢٥ م وظلَّ بها إلى أن بلغ الثانية عشرة ثم ارتحل إلى الإسكندرية فأقام بها ثمانية أعوام ، ولم يدخل الساعاتي الأزهر كما دخله علي أبو النصر وعلي الليثي ومحمد شهاب وعبد الله فكري وغيرهم بل يقال إنه لم يتعلم النحو وإنما استظهر ديوان المتنبي وكثيرًا من أشعار القدماء فاستقام لسانه وعظم مخزونه من الأدب وقد ظهر تأثير المتنبي في شعره واضحًا وكان بينه وبين النحاة مناقشات طويلة كما سنرى.

وكان تليمذًا للشيخ حسن قويدر يغشى مجلسه ويأخذ عنه الأدب وكان الشيخ قويدر غنيًّا كريمًا ومات سنة ١٨٤٥ وكانت سن الساعاتي حينئذ عشرين سنة ، وهذا كل ما نعلمه عن ثقافة هذا الشاعر وحياته حتى هذه السن وقد رثى الشيخ قودير بقصيدة مطلعها : بكت عيون العلا وانحطت الرتب .. ومزقت شملها من حزنها الكتب.

وفيها يقول وقد حشاها بالمبالغات السخيفة وهي ليست قوية النسج مما يدل على أنها من أوائل ما نظم : يا شمس فضل فدتك الشهب قاطبة .. إذ عنك لا أنجم تغني ولا شهب .. لما أصابك لا قوس ولا وتر .. سهم المنية كاد الكون ينقلب .. ما حيلة العبد والأقدار جارية .. العمر يوهب والأيام تنتهب .. لو افتدتك المنايا عندما فتكت .. بخيرنا لفدتك العجم والعرب .. وأمست لفقدك عين العلم سائلة .. ترجو الشفاء وأنَّى ينجح الطلب ، إلى آخر هذا النظم الذي ينبئنا بأن ذوق الشاعر لم يكن قد تهذَّب بعد وأنه يحاكي الشعراء المتأخرين في نسجهم الضعيف واستعاراتهم السمجة مثل (عين العلم سائلة) وغير ذلك.

وفي سن العشرين بدا له أن يحج إلى بيت الله الحرام وهناك اتصل بأشراف مكة آل عون فأكرموه واصطحبوه معهم في غزواتهم وحروبهم مع آل سعود وأمراء اليمن وظل بجوارهم خمس سنواتٍ يسجل انتصارتهم ويسبغ عليهم مديحه ، ولما عزل الأمير محمد بن عون عن إمارة مكة ورحل إلى الآستانة صحبه الشاعر ثمة ومكث معه قليلًا ثم تركه، ورجع إلى مصر ولسنا ندري سببًا لتركه أيئس من عودة الأمير إلى أريكته فأراد أن يبحث عن شخصٍ آخر يستظل بظله أم أن الأمير رأى نفسه معزولًا قليل المال فبرم بصحبة شاعرٍ يعوله وينفق عليه في غربته.

ولما عاد إلى إمارته لم يستدع شاعره الصداح وفي شعر الساعاتي ما يدل على أن القطيعة كانت من الأمير من مثل قوله يخاطبه : أوليتني الآلاء ثم تركتني .. مثل الذي حلت به اللأواء .. ما كان ذا أملي الذي أملته .. فيكم وأنتم سادة كرماء ، ويقول : وحبوتموني بعدها بقطيعة .. أكذا يكون تكرم وحباء ، وقال مرةً يعاتبه ويظهر يأسه منه وكأنه يودعه إلى غير رجعة : قضى العبد بعض الواجبات بقصده .. إليكم وقد جوزي بما هو أعظم .. ونال الذي قد كان يرجوه وانقضت .. أمانيه منكم والسلام عليكم.

وعلى الرغم من هذه القطيعة فقد ظل الشاعر يتحسر على أيامه الخاليات وعلى المودة المفقودة ويتعذر عن جرم لا ندري كنهه للشريف محمد ولأولاده من بعده عبد الله وحسين وعلي فيقول للشريف عبد الله : شددت بكم بعد الإله عزائمي .. فكنت عليهم بالعذاب شديدًا .. وإني أعيذ النفس بعد لعفوكم .. وإن جلَّ ذنبي أو مكثت بعيدًا ، ويقول مرة أخرى للشريف عبد الله : فإني لم أبرح على العهد مخلصًا .. وإن طال عهد البعد واشتقت معهدًا.

ويبدو أن الشريف عبد الله كان يصله على البعد ولكن كان يأمل أن يستدعيه لديه : يقلدني فضلًا عن البعد بيننا .. وأطمع حرصًا في شنوف المسامر ، ويتذلل للشريف حسين ويطلب العفو : أقلني وبادر بالجميل فإنني .. أرى العفو دومًا ممن صفات الأماجد ، ولما يئس الشاعر من صلاتهم والعودة إليهم بعد كل ما قدمه من زلفى ومن قصائد يرسلها إليهم في كل المناسبات قال للشريف حسين : عللت نفسي غرورًا بالمواعيد .. فكان تعليلها عنوان تفنيد .. إلى متى وإلى كم لا أرى زمني .. إلّا كذا بين تقريب وتبعيد .. قالوا ذكاؤك محسوب عليك كما .. يروى فقلت حديث غير مردود.

وما كان أغنى الشاعر عن هذه الضراعة والذلة وهذا الإلحاح المشين في الطلب وأغلب الظن أنه لم يكن يراه بهذا المنظار وإنما يقتفي آثار الألى عبدوا له طريق المدح والإلحاف في المسألة من لدن النابغة الذبياني حتى عصر إسماعيل ولم يجد في قوله هذا ما يخل بالكرامة أو يشين المروءة ونحن إنما نحكم عليه وعلى أمثاله من الذين طبعوا الشعر العربيّ بهذا الطابع لأننا في عصرٍ تغيرت فيه قيم الأشياء وصرنا نعتد بالأدب الشعبيّ القوميّ وبالشعور الخاص والعواطف الكامنة في نفس الأديب ونجوى خياله وروحه أكثر من التفاتنا إلى شعر المناسبات والسير في ركاب العظماء والتمدح بمناقب الأغنياء.

ولكننا نتساءل ألم يكن بمصر أمراء يكفون الشاعر لو تقرب منهم مؤنة هذا التسول ولماذا قصر في مدح إسماعيل إذا لم يثبه سعيد على مديحه إياه ثوابًا يرضيه وهل ثلاث قصائد تكفي في إسماعيل وهو من هو حدبًا على الأدب والأدباء وهو الذي أظل بعطفه العليين أبا نصر والليثي هما دون الساعاتي قدرةً على النظم ومتانة شعر وسمو خيال.

أيهما المقصر إسماعيل إذ لم يضم إلى حاشيته وندمائه هذا الشاعر أو الساعاتي إذ انصرف إلى مديح آل عون بمكة واشتهر بإخلاصه لهم وجعل شعره حبسًا عليهم إلّا القليل ورأى أن باب إسماعيل قد سبقه إليه شاعران آخران واحتلّا لدنه مكانةً ومقامًا فلم يشأ أن يدع طريقًا عرفه ونوالًا جربه وذاق حلاوته وينافس آخرين في أمرٍ لا يعرف مصيره فظلَّ على ولائه لآل عون يمدحهم في كل مناسبة إذا غزوا وإذا أبلوا من مرض وإذا ولد لهم مولود.

ويقول فيهم : أحبهم ما دمت حيًّا ديانةً .. وأرغب لكن عن سواهم ترفعًا .. وقد سار شعري بين شرق ومغرب .. فما اختيار غير البيت والآل موضعًا .. وما طار في الآفاق بدعًا مديحهم .. ولكنه نشر زكي تضوعًا ، وكان يرى أنهم هم الذين أطلقوا لسانه بعطاياهم وعلموه الشعر ولولاهم ما نظم قصيدًا : نظمت حالي ولولا سلك فضلكم .. ما كان قولي ولا فعلي بمتنظم .. علمتني الحمد والشكر الجزيل على .. فعل الجميل بما توليه من نعم .. ما كنت لولاكم أبغي الفوائد من .. نظم الفوائد في اسم ولا علم.

وعلى الرغم من هذا الولاء ومن دءوب الشاعر على مدحهم في كل مناسبة وهو عنهم بعيد فإنهم لم يستجيبوا لرجائه دعوته إليهم ولعل للمنافسات التي كانت بين الشاعر وبين بعض الحجازين أثرًا في هذه الجفوة فقلما خلت حاشية أمير عظيم سمح النفس سخي اليد من أمثال هؤلاء الحساد لكلِّ من نال لديه حظوةً أو نبغ وقصروا وما أمر المتنبي وسيف الدولة بمجهول ، ولقد بلى

الساعاتي بمثل ما بُلِيَ به المتنبي من هؤلاء النحاة الذين يحاولون الوقيعة بينه وبين ممدوحه كما فعلوا مع أبي الطيب من قبل لكنه انتصر عليهم في كل مرةٍ تعرضوا فيها لأدبه ، وأغلب الظن أنهم لم يتركوه يهنأ بهذه المنزلة وحاولوا جهدهم أن يزحزحوه عن مكانه.

وفي ذلك يقول معرضًا بهم : لا تعدلوا بالشعر كل معمم .. كالثور ذي القرنين بالإسكندر .. ما كل من يملي القصيدة ناظم .. قد ينتمي للشعر من لم يشعر .. لو كان فيهم شاعر لوقفت في .. ديوانه أدبًا، ولم أتكبر .. يا آل محسن لم يزل إحسانكم .. يدع الدنيء على حماكم يجتري.

بل يحاول أن يوقع بهم كما حاولوا الوقيعة به وأن يفسر بغضهم له لإخلاصه لآل عون : فما أبغضوا مثلي سدًى غير أنهم .. يعدون مدحي فيكم كالمأتم .. ألم تر حسانًا ولى أسوة به .. وما كان يلقى من عد آل هاشم .. إذا زعموا أني مع الفضل جاهل .. فقل لهم هاتوا فصاحة عالم .. فدعني من قول النحاة فإنهم .. تعدوا لصرف النطق في غير لازم .. وما أنا إلّا شاعر ذو طبيعة .. ولست بسرَّاقٍ كبعض الأعاجم “.

ويعرج على شعره فيقول في بعضه : قدمنا عند الكلام على الساعاتي والمدرسة التي ينتمي إليها بأن له شخصية في شعره وأن هذه الشخصية استطاعت البروز والوضوح على الرغم من كثافة التقاليد الشعرية الموروثة ، أجل استطاع أن يتخلص في بعض قصائده من المحسنات البديعية وأن يرتفع بديباجته عن درك الغثاثة والركة وأن يعبِّرَ عن شعره تعبيرًا واضحًا وأن يشعرك على الرغم من معانيه المطروقة بأنه أحسن التقليد وأضفى عليه شيئًا من نفسه ورووحه ومع كل هذا فمعظم شعره من ذلك النوع الذي ساد أيام المماليك وبني عثمان وقلما خلت قصيدة من تاريخ وتعمد للصناعة والزخرف.

ترى الشاعر يجيد في الحماسة ويقوى شعره وتشرق ديباجته اسمعه يقول مادحًا سعيدًا وقد عزم على زيارة المصطفى عليه السلام : ملأت قلوب العرب رعبًا فما دروا .. بعثت لهم بالكتب أم بالكتائب .. تركتهم في أمرهم بين صادق … وآخر في تيهٍ من الظن كاذب ، فهذه الديباجة القوية وهذه الفحولة قد طال انتظار الشعر العربيّ لها ولعل في حفظ الشاعر للمبتنبي ما جعله يجيد في الحماسة ووصف المعارك كما كان المتنبي يجيدها وهو يمدح سيف الدولة وقد شهد الساعاتي معارك آل عون مع أعدائهم كما شهد المتنبي معارك سيف الدولة مع الروم وغيرهم.

ومن الأغراض التي وُفِّقَ الشاعر للقول فيها العتاب وقد سلمت له أبيات جيدة في هذا الباب مثل قوله يعاتب آل عوان : إني على العهد القديم وإنما .. حظ الأديب عداوة الأرزاق .. عاملتموني بالجفاء رويدكم .. الورد ذو أرجٍ بلا إحراق ، والعتاب كما نعلم بابًا ليس جديدًا في الشعر العربيّ بل طرقه قبل الساعاتي كثيرون وأتت معانيه فيه مما وردت عند غيره من شعراء العتاب وكان الساعاتي أحيانًا يستعمل الكلام المألوف العاديّ في العتاب حتى يفهم المعاتب ما يقول.

وقد ظهرت شخصيته في نصائحه التي قدمها لممدوحيه والتفاته للشعب وطلب الرأفة به وحسن معاملته كقوله للشريف ابن عون : فما استقام عماد الملك منتصبًا .. إلّا إلى قائم بالعلم والعمل .. ودولة الجد ما انقادت ولا خضعت .. إلّا إلى عادل للشرع ممتثل >> ما راقب الله مولى في رعيته … إلّا وأدرك منها غاية الأمل .

ويطلب العفو لأعداء ممدوحه محاكيًا المتنبي في توسطه لدى سيف الدولة لبني كلاب فمن ذلك قوله : للسلم قد جنحوا فمنوا واصفحوا .. ما قتل نصفهم من الإنصاف .. وإذا أساءوا أحسنوا لمسيئهم .. وراعوا مقام بقية الأحلاف .. وإذا هم اقتتلوا وشدوا أصلحوا .. ما بينهم خير من الإجحاف

وكانت له دعابات طريفة تدل على روح مرحة وبديهة طيعة ونكتة رائقة وهذا طابع المصريين غالبًا لا يستطيعون عنه حولًا فمن ذلك قوله يعزي منافسه وحاسده الشيح زين العابدين المكيّ وقد نفقت فرسه في طريق جدة : قضت وهي تدعو فالق الحب والنوى .. بقلب كئيب دقه الحب والنوى .. فكيف يعزى الشيخ في الفرس التي .. به طوت الأسفار صبرًا على الطوى.

وقد تغنى الشاعر في بعض قصائده بمصر وأمجادها وإن لم يظهر من الروح الوطنية مثل الذي أظهره رفاعة الطهطاوي فمن ذلك قوله مادحًا إسماعيل : على أنها من جنة الخلد غيضة .. رياض بها عين وأنت ضياء .. فأبصرت فردوسًا تدانت قطوفها .. وللنيل فيها كوثر وشفاء .. ومصر هي الدنيا جميعًا وربها .. عزيز وأهلوها هم النجباء.

وكان الساعاتي يدرك أنه مطبوع على قول الشعر وأنه استطاع أن ينجو ببعض شعره من آفات القول وأوضار الشعر التي انتشرت في زمانه وقبل زمانه ويقول في هذا :  فلا تحسبني بالوضيع مكانهً .. في القائلين وما أقول هذاء ، ويقول : وما أنا إلّا ناظم در فكرتي .. ولم أنتحل فيما أقول وأسرق .. ويقول : وما أنا إلّا شاعر ذو طبيعة .. ولست بسراق كبعض الأعاجم.

على أن هذا كله لا يعفي الشاعر من أنه أراق ماء وجهه في الطلب حيث يقول مادحًا توفيق باشا : أريد ورودًا من نداكم لأرتوي .. كما يطلب الصادي على البعد موردا .. فسيرت آمالي دليل قصائدي … لنيل الأماني علَّ أبلغ مقصدا ، وأنه كان يرى الشعر ثمنًا للمال وأن المسألة بيع وشراء وأخذ وعطاء : مني المدائح والمنائح منكم .. لا غبن إن كليهما آلاء .. تعتاض من بذل النضار جواهرًا .. هذا بذلك وفي البقاء نماء.

وأنه أسرف في الصناعات اللفظية واستعمال المحسنات البديعية كما يدل على ذلك معظم شعره وقد نظم قصيدةً كاملةً في مدح الرسول – عليه السلام – معارضًا بها ابن حجة الحموي والبوصيري وكل بيت منها يشتمل على محسن بديعيّ وفيها يقول وقد بلغ عدد أبياتها مائة وخمسين بيتًا (براعة استهلال) : السفح الدموع لذكر السفح والعلم .. أبدى البراعة في استهلاله بدم ، التورية : وكم بكيت عقيقًا والبكاء .. بدر وتوريتي كانت لبدرهم ، الجناس التام : أقمار تم تعالوا في منازلهم .. فالصب مدمعه صب لبعدهم.

34 / فتح العلي المالك

(فتح العلى المالك  في الفتوى على مذهب الإمام مالك) هو عنوان كتاب في الأحكام الفقهية والتشريعات القضائية من تأليف مفتي المالكية في العصر الخديوي الإمام العلامة الشيخ محمد أحمد عليش المغربي المالكي الذي ولد بالقاهرة عام 1217 هـ / 1802 م وتوفي فيها عام 1299 هـ / 1882 م ، وقد تولى مشيخة المالكية في عام 1271 هـ وترك عددا ضخما من المؤلفات في الفقه والبلاغة وعلوم اللغة واتهم في آخر حياته بمناصرة الثورة العرابية فأخذ من داره وهو مريض محمولا لا حراك فيه وألقي في السجن حتى وافاه الأجل.

ذكره جورجي زيدان في كتابه تاريخ آداب اللغة العربية فقال : ” رجال القضاء وغيره في النهضة الأخيرة وهاك أشهر من نبغ من علماء القضاء والفقه والإدارة في أثناء هذه النهضة حسب سني الوفاة ونلتفت خصوصًا إلى رجال القضاء على العموم.

محمد عليش المغربي المتوفى سنة ١٨٨١ /  ١٢٩٩ ﻫ ، أصله من المغرب ووُلِد بمصر سنة ١٢١٧ﻫ وتفقه في الأزهر على أئمته في كل علوم عصره وتولى مشيخة المالكية واشتغل بالتأليف في الفقه وفروعه وأحكامه ذكر له صاحب الخطط التوفيقية عشرات من كتب بينها كثير من الحواشي اللغوية والأدبية.

منها : فتح العلما في الفتوى على مذهب مالك طبع سنة ١٣٠٠ في مجلدين ، حل المعقود من نظم المقصود في الصرف طُبِع بمصر سنة ١٢٨٢ﻫ ، حاشية الشيخ عليش على الصبان في البيان، طُبِعت بمصر سنة ١٢٩٩ “.

وترجم له علي باشا مبارك في كتابه الخطط التوفيقية الجديدة وهو يتحدث عن مشيخة المالكية فقال : ” فممن تولى مشيخة السادة المالكية الشيخ على الصعيدى المنسفيسى العدوى المتوفى سنة تسع وثمانين ومائة وألف ، ثم الشيخ أحمد الدردير العدوى الشهير بالولاية وتوفى سنة إحدى ومائتين وألف وكان مع ذلك شيخ رواق الصعايدة وناظر وقفهم ومفتيا وكلاهما مترجم فى الكلام على بنى عدى.

ثم بعده الشيخ محمد الأمير الكبير المتوفى سنة اثنتين وثلاثين ومائتين وألف ، ثم تولاها ابنه الشيخ محمد الأمير الصغير ، ثم الشيخ إبراهيم الملوانى ، ثم الشيخ عبد الله القاضى العدوي جمعت له مع مشيخة الرواق وتوفى سنة سبع وخمسين ومائتين وألف ، ثم بعده الشيخ حبيش المتوفى سنة إحدى وسبعين تقريبا.

ثم بعده شيخ الشيوخ أبو عبد الله الشيخ محمد عليش سار فيها بشهامة ثم بعد قليل حصلت نادرة منعتة من القيام بواجبها ، وقد ترجمه ابنه الشيخ محمد المالكى أحد مدرسى الأزهر ولم يستوف مناقبه ولا قرب من استيفائها فإنه المجدد فى هذا القرن ، فقال : إنه الإمام الجهبذ الوحيد الجامع بين العلم والتقوى الرافل فى حلل الزهد والورع المتجافى عن الشبهات والبدع فرع الشجرة النبوية وخلاصة السلسلة الهاشمية أستاذنا ومولانا الشيخ محمد بن الشيخ أحمد بن الشيخ محمد عليش ، ومنشأ تلقبه بعليش أن اسم جده الأعلى علوش أحد أجداد الغوث سيدى عبد العزيز الدباغ صاحب كتاب الذهب الإبريز.

قال المترجم فيما كتبه بطرة شرحه لقواعد الإعراب : إن الأصل الأول من الجهتين من فاس والأب ولادة طرابلس الغرب والأم ولادة مصر ، وقال فى حاشيته التيسير والتحرير على شرحه لمجموع المحقق الأمير : أخبرنى من يوثق به أن مدينة طرابلس ليس فيها من يسمى عليشا إلا جدى محمد وأولاده وأنه من فاس أقام بطرابلس فى رجوعه من الحج وتزوج بها وولد له بها أربعة ذكور ثم توفى بها فانتقلوا منها ومات عمى محمد بمكة المشرفة وكان من الأولياء العارفين وتوفى والدى وأخوه على وحسين بمصر ودفنوا بحارة الدوادارى بقرب الجامع الأزهر ،  وأخبرنى آخر يوثق به أن بأعمال فاس قبيلة من الأشراف يقال لها العلالشة فلعل جدى منها والله أعلم.

وأخبر المترجم أن والده لقبه فى صغره بمحمد حبيب ولكن شاع بين الناس اللقب الأول ، وأن ولادته كانت بحارة الجوار بجوار الجامع الأزهر فى شهر رجب الحرام سنة سبع عشرة ومائتين وألف هجرية وحفظ القرآن وسنه ثلاث عشرة سنة واشتغل بالعلم فى الأزهر ، وأدرك به الجهابذة كالشيخ محمد الأمير الصغير والشيخ عبد الجواد الشباسى والشيخ عوض السنباوى والشيخ مصطفى السلمونى والشيخ مصطفى البولاقى والشيخ فراج العمورى والشيخ محمد فتح الله والشيخ حسن حميدة العدوى والشيخ مقديشى المغربى السفاقسى ، وممن أجازه شيخ المالكية الشيخ إبراهيم الملوى والشيخ مصطفى البنانى صاحب التجريد على السعد والشيخ محمد حبيش شيخ المالكية وغيرهم رحمهم الله.

واشتغل بالتدريس فى الأزهر سنة اثنتين وثلاثين فلم يدع فنا إلا درسه وأفاد فيه حتى تخرج عليه جل أهل الأزهر أو كلهم فى وقته منهم الشيخ أحمد أبو السعود الإسماعيلى والشيخ منصور كساب العدوى والشيخ مخلوف المنياوى والشيخ محمد الحداد والشيخ محمد قطة العدوى كلهم مالكيون ، وممن أخذ عنه الأستاذ شيخ الجامع الأزهر الآن الشيخ محمد الإنبابى والشيخ أحمد الأجهورى والشيخ عبد الرحمن الشربينى والشيخ عبد الرحمن البحراوى الحنفى وغيرهم.

وله التآليف العديدة الجامعة المفيدة فمنها شرحه منح الجليل على مختصر الشيخ خليل فى أربعة مجلدات ضخام وحاشية عليه ثلاثة أجزاء وقد طبع بالحاشية على هامشه فى المطبعة الكبرى ببولاق ، وشرحه مواهب القدير على مجموع العلامة الأمير فى أربعة مجلدات ، وحاشيته عليه التيسير والتحرير أربعة أجزاء ، وحاشية على مجموع الأمير تسمى البدر المنير أربعة أجزاء ضخام ، وشرحه الجامع الكبير على مجموع الأمير بلغ فيه إلى باب الصيام فى أربعة أجزاء ، وحاشية تسمى هداية السالك على شرح أقرب المسالك للقطب الدردير وهى جزآن مطبوعة ، الجميع فى فقه مالك.

وله فتاوى فى التوحيد والفقه فى مجلدين ، وحاشية على شرح كبرى السنوسى تسمى القول الوافى السديد فى عقيدة أهل التوحيد فى مجلد ضخم ، وشرح على الكبرى أيضا يسمى هداية المريد لعقيدة أهل التوحيد وهو جزء لطيف وله عليه حاشية يرجى تمامها ، وشرح على منظومة سيدى أحمد المقرى المسماة بإضاءة الدجنة فى عقائد أهل السنة وهى خمسمائة بيت من بحر الرجز واسمه الفتوحات الوهبية على العقائد المقرية ، الجميع فى التوحيد.

ورسالة تسمى القول الفاخر فى بعض ما يتعلق بآية ﴿إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ فى نحو كراستين ، ورسالة تسمى كفاية المريد فى مناسك الحج نحو كراسة ، وحاشية تسمى القول المنجى على مولد البرزنجى نحو خمس كراريس طبعت فى المطبعة الكبرى ، ورسالة تسمى تقريب العقائد السنية بالأدلة القرآنية نحو كراستين طبعت مرارا ورسالة فى البسملة تشتمل على ثمانية عشر علما تسمى الإيضاح نحو ستة كراريس ، وخاتمة على مجموع الشيخ الأمير تسمى الكوكب المنير ثلاثة كراريس ، وخاتمة تسمى الدرر البهية على شرح ابن تركى على العشماوية نحو كراسة.

وخاتمة تسمى فتح الجليل على شرح ابن عقيل فى نحو كراستين ، وخاتمة تسمى جلاء الصدا على شرح قطر الندا فى نحو كراستين ، وحاشية على شرح الأشمونى على الألفية تسمى مواهب المالك وهى جزآن ، وحاشية تسمى وميلة الإخوان على رسالة العلامة الصبان فى فن البيان وهى مجلد واختصرها فى نحو اثنتى عشرة كراسة مطبوعة ، وشرح يسمى موصل الطلاب لقواعد الإعراب للشيخ يوسف البرناوى نحو ثمانى كراريس مطبوعة أيضا.

وشرح يسمى حل المعقود من نظم المقصود فى الصرف للشيخ أحمد عبد الرحيم الطهطاوى نحو عشرة كراريس مطبوع ، وحاشية تسمى القول المشرق على شرح ايساغوجى فى المنطق نحو ثمانى كراريس مطبوعة ، ورسالة فى الموجهات نحو ورقتين ، ورسالة تسمى بغية المبتدى وتذكرة المنتهى فى الفرائض نحو ست كراريس ، وشرح يسمى فيض المنان فى الحساب والفرائض على الدرة البيضاء فى الحساب للشيخ عبد الرحمن الأخضرى.

 وله تقييدات كثيرة فى فنون عديدة على كتب شتى ومع مواظبته على التدريس للمنقول والمعقول لا يترك قراءة الكتب الحديثية فى المسجد الحسينى مع تفسير غرائبها وحل مشكلها وبيان مجملها ، وتقلد حفظه الله مشيخة السادة المالكية والإفتاء بالديار المصرية فى شهر شوال سنة سبعين ومائتين وألف رحمه الله تعالى ونفع به العالمين بجاه سيد المرسلين ، حرر ذلك الفقير محمد عليش المالكى الأشعرى الشاذلى الأزهرى نجل الأستاذ المترجم المذكور ضاعف الله لها الأجور فى سنة أربع وتسعين ومائتين وألف.

وبالجملة فهو فريد هذا العصر علما وزهدا وورعا وكمالا وتمسكا بالأحكام الشرعية والشمائل النبوية لا ينطق إلا فيما يعنيه ولا يفعل ما لا ثواب فيه ما رآه راء إلا ذكر الله تعالى بقلبه ولسانه ومال إليه بجميع أركانه ، وله جلالة تهيب الأسود ومواعظ تقشعر منها الجلود لا يركن إلى أهل الجرائم ولا تأخذه فى الله لومة لائم ويغلب على الظن أنه من شبيبته إلى مشيبه لم يترك صلاة الجماعة وأكثر ما يكون ذلك مع جماعة المسجد الحسينى.

فحقا إنه اخترق المكاره التى حفت بها الجنة ، ومن ورعه أنه عند دخوله المسجد يضع نعله فى كيس خوفا من تنجيس المسجد وإن كان ذلك معفوا عنه ولا يشرب القهوة ولا يشم رائحة الدخان ولا يلبس ما فيه حرير أو نقد فيجتنب زر الطربوش وخلع الملوك والأمراء وموائدهم ، ولا يزال يشدد النكير على الشافعية فى تعدد الجماعات فى المساجد فى آن واحد وهم يقولون إن مذهبنا جواز ذلك فلا يسلم لهم ، وله ملاحظات جميلة جدا إذا سمع من يقرأ قرآنا تجده يبادر باستقباله ويستدبر القبلة له فى غير الصلاة وسئل فى ذلك فقال : إنه لا يسع أحدا يقرأ عليه فرمان الملك أن يسمعه وهو غير مستقبله بكليته.

وينكر أيضا على العلماء والطلبة فى مسكهم النعال بأيمانهم والمحافظ فى شمائلهم وفى بصقهم وامتخاطهم بين النعلين فى المساجد ويقول : إن النعال معفو عن نجاستها اللازمة لها من المنشى فى الطرقات فإذا بصق الإنسان فى النعل تنجس البصاق من نجاسة النعل وصار نجاسة طارئة غير معفو عنها ، وينكر على العلماء فيما اعتادوه من كتبهم فى المحاضر والتذاكر أن فلانا عالم محصل مستحق للوظائف مثلا والحال أنه ليس كذلك ويقول : هذه من شهادة الزور ، وهم يتساهلون فى ذلك ويرونه من قضاء حوائج الناس ، وينكر عليهم أيضا فى حضور ليالى السهر فى الأفراح والجنائز مع اشتمالها على ما لا يجوز أو ما لا يليق فإن أقل ما فيها عدم الإصغاء لقراءة القرآن ورفع الصوت عنده وهو لا يجوز.

ومات ابنه الجهبذ العلامة الفريد بالألمعية والتحصيل الشيخ عبد الله عليش سنة أربع وتسعين ومائتين وألف فلم يمكن أحدا من عمل الابرار المعتاد لموت علماء الأزهر ولم يمش أمام جنازته بقراءة البردة ونحوها ولم يجلس لقبول العزاء فيه بل قفل بيته وطرد القراء والفراشين الذين يخدمون فى الليالى وقال لهم : أنا لا أدرى ما فعل بابنى فى قبره حتى أعمل له ليالى كليالى الأفراح ولا أكون من الذين يحسبون أنهم يحسنون صنعا.

وله حدة المغاربة وشدة الصالحين ، أفتى الشيخ حسن العدوى مرة فى مسألة فرأى أنه أخطأ فيها ولم يرجع عن فتواه فشدد عليه ومنعه من القراءة بالأزهر ، وحاصلها أن الأمير عبد اللطيف باشا كان مفتشا فى الأقاليم بعد سنة سبعين وكان جبارا شديدا فقصد رجلا من أهل الجيزة ففر منه فأمسك أباه وطلبه منه فادعى الأب أنه لا يعرف لابنه مكانا خوفا على ابنه من الضرب الأليم فحلفه بالطلاق فحلف والحال أنه يعرف مكان ابنه ، فأفتى الشيخ العدوى بأنه مكره لا يلزمه الطلاق فأنكر عليه الشيخ عليش وقال : إن الإكراه بالنسبة للولد لا يكون إلا بخوف القتل لا بمجرد الإيلام الشديد بخلاف الخوف على النفس،

وانعقد لذلك مجلس من العلماء فى مدفن الكتخدا على عادتهم فى المهمات ، فحصل من الشيخ العدوى ما أوجب أن الشيخ يحكم عليه بعدم القراءة فى الأزهر فلم يمتثل الشيخ العدوى وجلس فى الدرس على عادته فذهب إليه الشيخ ليقيمه وتبعه بعض المغاربة ففر الشيخ العدوى وكسر المغاربة كرسيه وكان من جريد ، ثم إن الشيخ العدوى تواقع على الأمراء والمشايخ فعقدوا لذلك مجلسا فى القلعة وتعصبوا فيه على شيخ المالكية وانفض المجلس بالحكم عليه بأن لا يتولى الحكم فى شئ من تعلقات الوظيفة مع بقائها له ثم أعيد الشيخ العدوى للتدريس بالأزهر وأعيد له الكرسى خشبا واستمر الأمر على ذلك لا يلى شيخ المالكية شيئا من شؤون الوظيفة.

ولم يزل متفرغا للعبادة والتدريس والتأليف لا يهمه أمر والخشوع غالب عليه بل لا يفارقه فلا تراه إلا مطرقا رأسه فى سائر أحواله وإذا التفت التفت جميعا وصوته فى الدرس منخفض مع انكباب الناس عليه فيحضر درسه الحديث بالمسجد الحسينى نحو المائتين وقد بلغ عمره نحو الثمانين مع القوة والصحة فى جميع حواسه ، وهو رحمه الله تعالى كان طويل القامة عربى الوجه متسع الجبهة جميل اللحية له سمت حسن على سمت أصحاب رسول الله ﷺ ، وكان أوّلا يدرس فى الأزهر مع وظيفة درس فى المسجد الحسينى فلانخفاض صوته مع كثرة الازدحام ترك الدرس بالأزهر لعدم الإسماع ولازم المسجد الحسينى “.

35 / مقالة شكرية

رئيس المصححين في المطبعة الأميرية في العصر الخديوي هو الشيخ إبراهيم عبد الغفار الدسوقي الذي ولد في بلدة دسوق عام 1226 هـ / 1811 م وتوفي بالقاهرة عام 1300 هـ / 1883 م ، وله كتاب مطبوع يضم ما أبدعه نظماَ ونثراً في مديح الخديوي إسماعيل بعنوان (مقالة شكرية للحضرة الإسماعيلية على إنشاء دار الوراقة ذات البهجة والطلاقة) ، وله ديوان شعر يعبر عن ثقافته التقليدية وقد حصر الأستاذ أحمد موسى الخطيب قصائده في كتابه الشعر في الدوريات المصرية دار المأمون 1987.

ذكره جورجي زيدان في كتابه تاريخ آداب اللغة العربي فقال : ” المصححون في هذه النهضة كثيرون وأكثرهم لم تُذكَر أسماؤهم على الكتب التي صححوها لكن طائفة من كبارهم نبغوا حتى اقتربوا من المحررين  هاك أشهرهم : إبراهيم الدسوقي رئيس مصححي المطبعة الأميرية توفي سنة ١٨٨٣/١٣٠٠ﻫ هو أشهر المصححين العاملين في تلك النهضة وما زال عاملًا فيها من أوائل أيام محمد علي إلى أواخر أيام إسماعيل ، وُلِد سنة ١٢٢٦ﻫ في دسوق وانتقل إلى الأزهر فتلقى العلم فيه حتى صار أهلًا للتدريس.

وكان مطَّلِعًا على الأدب يقرض الشعر ولم يطل تدريسه بالأزهر فلما احتاج محمد علي إلى المصححين اختاروه لتصحيح الكتب الطبية في مدرسة أبي زعبل سنة ١٢٤٨ﻫ مع الشيخ محمد عمران الهراوي المتقدم ذكره،  وقد تمرن هناك على معرفة المصطلحات العلمية ثم نُقِل إلى مدرسة المهندسخانة وقد أتقن التصحيح فجعلوه رئيس المصححين فيها فصحح كثيرًا من الكتب الرياضية ، ولما استحالت هذه المدرسة في أول ولاية عباس الأول إلى مدرسة أخرى قريبة منها تعين لتعليم العربية وضبط النقل من الفرنساوية إلى العربية وتصحيح الكتب الرياضية.

ولما ألغيت هذه المدرسة في زمن سعيد باشا تعين للتصحيح في مطبعة بولاق فصحح عدة كتب طبية وكيماوية وكان يساعد في تحرير الوقائع المصرية واشترك في تحرير مجلة اليعسوب الطبية ، وارتقى في عهد إسماعيل إلى رئاسة التصحيح لعموم الكتب في تلك المطبعة ثم أحيل على المعاش حتى توفي سنة ١٣٠٠ﻫ ، وكانت له معرفة جيدة في المصطلحات العلمية اكتسبها بالمزاولة وكثيرًا ما كان يعمل عمل المحررين وعليه درس المستشرق لين الإنكليزي اللغة العربية “.

وترجم له محمد كامل الفقي في كتابه الأزهر وأثره في النهضة الأدبية الحديثة فقال : ” الشيخ إبراهيم الدسوقي المتوفى سنة ١٣٠٠هـ / ١٨٨٣م ، هو السيد إبراهيم الدسوقي الشهير بعبد الغفار من نسل موسى الدسوقي أخي سيدي إبراهيم الدسوقي بدسوق من أسرة تنتمي إلى الحسين بن عليّ أبي طالب رضي الله عنهم.

ولد ببلدة دسوق سنة ١٢٢٦هـ / ١٨١١ م ومات والده وهو صغير فحفظ القرآن ببلده وكان بها معهد ديني صغير يعتبر صورةً مصغرةً من الأزهر فتلقى بعض دروسه فيه ثم قدم إلى الأزهر فحضر دروسه على كثير من الأساتذة الأعلام أمثال الشيخ أحمد المرصفي والشيخ محمد عليش شيخ المالكية كما تلقى العلم عن علماء بلده أمثال الشيخ محمد عرفة الدسوقي والشيخ مصطفى البولاقي وقد أفاد من هؤلاء المعقول والمنقول.

ولكنه كان أكثر تأثرًا بالشيخين مصطفى البولاقي وأحمد المرصفي ، أما الأول فقد أخلص له لأنه من بلده وله به صلة قرابة وقد كان على رغم تبحره في العلوم الأزهرية ميّالًا إلى العلوم الرياضية كالحساب والهندسة والفلك وأدَّاه شغفه بهذه العلوم إلى مصادقة مشهوري الرياضيين كمحمود باشا الفلكي وأساتذة مدرسة المهندسخانة وبرع في هذه العلوم حتى ألَّفَ رسائل في الجبر والمقابلة وحساب المثلثات.

وأما الشيخ أحمد المرصفي فقد كان ذا نزعةٍ أدبية ٍإلى جانب نزعته الفقهية واسع الاطلاع عذب الحديث صحب أحد المماليك وسافر معه إلى الصعيد مدة عامين وقد اقتبس الدسوقي من شيخه هذا توجيهًا أدبيًا أجدى عليه في مستقبل حياته.

ظل الدسوقي يطلب العلم في الأزهر حتى تأهل للتديس فيه وكان له اعتناء زائد بفن الأدب وقرض الشعر ، وكان رقيق الحال بائسًا لم يرفه عنه التدريس ولم يبدد من بؤس وشظف عيشه ثم أسعده الحظ فعُيِّنَ مساعد مصحح للكتب الطبية بمدرسة أبي زعبل سنة ١٢٤٨ هـ / ١٨٣٢ م مع الشيخ محمد عمران الهراوي فكان أطباء هذه المدرسة يؤلفون ويترجمون ويطبعون ويساعد هو في تصحيح اللغة وتصحيح الطبع.

ثم نقل إلى مدرسة المهندسخانة فأصبح رئيس المصححين بها وكانت تدرس بهذه المدرسة علوم الكيمياء والجبر والحساب والطبيعة والمعادن والهندسة والظل والنظر وغير ذلك ، ولم تكن هنالك كتب في هذه المواد بل كان التلامذة يكتبون ما يسمعون من المدرسين في كراساتهم وتفوتهم أشياء كثيرة في تدوينهم ، ثم تقدمت المدرسة فأنشئت مطبعة حجر يطبع بها الأساتذة بعض كتبهم بأشكالها ورسومها.

ثم أنشئت في المدرسة مطبعة حروف بجانب الأولى وكان الدسوقي يقوم على تصحيح هذه الكتب جميعًا وانتقلت هذه المدرسة إلى بولاق فكُلِّفَ أمرين : أحدها أن يعلم فرقة من تلامذتها علم العربية وكيفية توفية الترجمة حقها عند النقل من اللغة الفرنسية إلى اللغة العربية.

ولما ألغيت هذه المدرسة في عهد سعيد باشا انتخب للتصحيح بالمطبعة الكبرى فصحح جملةً من كتب الطب والكيمياء وغيرها ، وكان مع ذلك يعمل في تحرير صحيفة الوقائع المصرية ، ثم صدر أمر الخديوي إسماعيل باشا بجعله رئيس المصححين لجميع الكتب التي تطبع بهذه المطبعة على اختلاف فنونها فأظهر براعةً ودقةً وأدى عمله على أكمل وجه وأحسنه ثم فصل منها ورُتِّبَ له معاش إلى أن استأثر الله به.

صلته بالمستر لين : حكى عن نفسه مقالةً فيما اتفق له مع بعض الأدباء الإنكليز تدل على براعته في الأدب وتمكنه من لسان العرب ، ثم ساق هذه القصة الممتعة الطريفة وخلاصتها أنه كان بانجلترا مستشرق إنجليزيّ يدعى لين تعلم في بلده ثم تخصص في الاستشراق وجد في التعلم والبحث حتى اعتلّ ونصح له الأطباء أن يرحل إلى مصر ليستشفي بجوها فكتب إلى صديق فرنسيٍّ يقال له فزسنل كان مقيمًا بمصر وبينه وبين الدسوقي صلة حتى أنه يقول عنه : إنه أريبٌ في لغته مدل في العربية بمعرفته وفصاحته حتى أنه شرع معي في عمل شواهد للصحاح لكنه لم يوفق بإتمامٍ للنجاح.

كتب لين إلى فزسنل هذا يسأله عن أديبٍ معروفٍ بعنايته للغة وكرم الطبع فكتب إليه يدله على الدسوقي وأنه الضالة التي ينشدها ، وكان قد سبق أن حضر لين إلى مصر وهو في شبابه سنة ١٨٢٥ م وجعل عنايته أن يدرس اللغة العربية في أهم مصادرها وأن يدرس أخلاق الشعب المصريّ وعاداته ومظاهر حياته فتنقل في الأحياء الوطنية وكتب مشاهداتٍ وتعليقاتٍ وعرضها على جمعية في انجلترا بعد عودته إليها فاستحسنتها وأشارت بطبعها ولكنه رأى أنها ناقصةٌ تحتاج إلى الكمال ، فعاد مرةً أخرى إلى مصر سنة ١٨٣٣ م وقضى بها قرابة عامين متنقلًا بين القاهرة والصعيد للوصول إلى غرضه واتصل بكبار المصريين وتردد على الشيخ العروسي والشيخ العطار وعكف على ترجمة كتاب ألف ليلة وليلة.

وقَدِمَ لين إلى مصر مرة ثانية في سنة ١٨٤٢ م وأقام بالأحياء الوطنية ليتم ما بدأ والتقى بالشيخ الدسوقي الصديق الذي يطلبه والمعين الذي ينشده وأعد مكتبةً ضخمةً يستعين بها على عمله ، واتفق مع الشيخ الدسوقي على برنامج يقيدان به وهو أن يقرأ كلَّ يومٍ نحو نصف كراسةٍ من شرح متن القاموس المسمى بتاج العروس للزبيدي مع البحث الدقيق والدراسة العميقة ومراجعة ما كان عنده من معتبرات اللغة الصحاح.

ثم يعود لين بعد انصراف الدسوقي إلى ترجمة ما فهمه إلى الإنجليزية فتيسر الترجمة مع القراءة واستمرا على ذلك سبعة أعوام أتمَّا فيها تسعة أعشار الكتاب وكان الدسوقي في طيلة هذه المدة موضع تقدير لين وإعجابه ، وقد رَتَّبَ لين للدسوقي نصيبًا شهريًّا من المال تقرَّ به عينه وكانت عشرتهما هادئة يحدوها الإخلاص ويسودها الوفاق والمحبة.

والدسوقي يحدث عن جهد لين وجده ونبوغه ونبوغ أسرته وما تضلع به من مهمةٍ علميةٍ ورسالةٍ ثقافيةٍ فهذان الابنان تعلمهما أمهما اللغتين الإيطالية والفرنسية ويقرأ لهما خالهما شرح ألفية ابن مالك لابن عقيل وأصغرهما وهو في الخامسة عشرة من عمره يجيد اللغة الهيروغليفية ، يقول الدسوقي : فانظر يا ذا الكسل الذي هو أحلى مذاقًا من العسل إلى هذا الاستعداد العجيب والجد الغريب.

ثم يعود لين إلى بلاده بعد أن قضى مع صاحبه العالم الأزهريّ حقبةً من الدهر ناضرةً في عيشة زاهية زاهرة ، ثم أنقضت تلك السنون وأهلها .. فكأنها وكأنهم أحلام ، ولم يغفل الدسوقي عن العشر الباقي من تاج العروس بعد سفر لين بل كان يقابل نسخته بالنسخ الأخرى ويصحح خطأه ويفسر غامضه وينهيه إلى قسيس إنجليزي يقيم بمصر إذ ذاك يدعى المستر ليد ليرسله إلى لين في انجلترا حتى تتم الكتابة.

وهذا الذي فعله الدسوقي مع لين إن هو إلّا جهد رائع ومقدرة فائقة وعلم يضطلع العزم النافذ والهمة البالغة ، وما من شك في أن الدسوقي أتيحت له بمخالطة المستشرق الإنجليزيّ في هذه المدة المتطاولة أن يقف على ثقافة جديدة وأن يطلع على أخلاق وعادات ما كانت تتيسر لغيره إلّا بالرحلة إلى إنجلترا ، وما من شكٍّ في أن المخالطة زادت في إدراكه وبسطت في أفق خياله ووهبت له وهو الأديب الحساس الفكر المثمر والخيال الطريف.

آثاره : خرجت من المطبعة الأميرية كتبٌ كثيرةٌ تحمل اسمه, فتجد آخر كل كتابٍ يقوم بتصحيحه خاتمةً يضعها بأسلوبه المسجع المشاكل لأدب عصره ، ولما كان لقبه الدسوقي كلمة لا يسهل معها السجع فإنه يحتال إلى إيجاد لفظة تشاكل هذا اللقب ويتحقق بها السجع وقد يهجر هذا اللفظ إلى سجعة أخرى أثقل منها صعوبة ليتأتى معها السجع كأن يقول في خاتمة ابن الأثير : يقول المتوسل إلى مولاه بالنبي المختار إبراهيم الدسوقي الملقب بعبد الغفار خادم تصحيح الكتاب والفنون بدار الطباعة ذات الطبع السليم المصون.

ويقول في آخر كتاب تزيين الأسواق : يقول المتوسل إلى مولاه بالقطب الحقيقي إبراهيم عبد الغفار الدسوقي ، وفي آخر شرح العكبري : يقول المتوسل إلى الله بالجاه الفاروقي إبراهيم عبد الغفار الدسوقي ، ومما صححه صحيح الترمذي وقد فرغ منه في أوائل شبعان سنة ١٢٩٢هـ ،  وله تقريظ في آخر الجزء الثاني من الكشاف يشتمل على ترجمة للزمخشريّ وقيمة تفسيره.

ومما صححه كتاب شرح التنوير على سقط الزند لأبي العلاء المعري ويقول في آخره ما نصه : يقول راجي غفران الأوزار إبراهيم الدسوقي الملقب بعبد الغفار تَمَّ طبع هذا الكتاب العذب المستطاب الجامع لأنواع اللطائف على ذمة جمعية المعارف المتوفرة دواعي مجدها المشرقة كواكب سعدها في ظلال من تحلت به مراتب الخديوية .. صاحب المناقب الشهيرة والعطاء الجزيل جناب مصر أفندي إسماعيل.

وكان طبع هذا الكتاب الفائق بهذا الشكل الجميل والأسلوب الرائق في المطبعة الزاهرة ذات الأدوات البهية الباهرة ببولاق مصر القاهرة مشمولًا بنظر من عليه أحاسن أخلاقه تثني جناب حسين بك حسني ، ولما حبست عن تصحيحه أدهم اليراعة انطلق يقرظه في ميادين البراعة فقال مؤرخًا تمام طبعه مثنيًا على حسن وضعه :

هات حدث عن البديع المجلي .. عن بديع القريض في كل فصل .. أحمد من أبو أبيه سليما .. ن المعري, وهو التنوخي الأصل .. مودع اللفظ, ساحرات المعاني .. في رقيق من الأساليب جزل .. ثم شَنَّفَ مسامعي بأغانٍ .. من لحون التنوير شرح لأصل .. فهو شرح بيانه للمعاني .. يسترقُّ النهي بأبدع قول .. ذو أساليب كالرياض تحلت .. بزهور من ياسمين وجل .. رق مبني وراق معنى وجلّى .. عن معان تتحكى سقيط الطل .. أحكمت ضبطه عصابة فضل .. لهمو بالفنون حسن تحلى .. أكسبته محلة الطبع حسنا .. وكسته ثوب الجلال المحلى.

إلى أن يقول : ثم لما تكامل الطبع فيه .. وكساه التمثيل أحسن شكل .. وجمالا وبهجة قلت أرخ .. تم طبع التنوير يزهو بحل ، هذا وقد وافقت طباعته المستحسنة أوائل صفر الخير سنة ١٢٨٦ من شهور هذه السنة والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات والصلاة والسلام على صاحب المعجزات وعلى أزواجه وذريته وآله وكل ناسج على منواله.

وصحح الدسوقي كتبا أخرى جاءت مختومة بكلمته الدالة على تصحيحه ككتاب منار الهدى في الوقف والابتداء وقانون ابن سينا في الطب وغير ذلك مما صححه فكان دليلًا على فضله وما بذله من الجهد المشكور في سبيل تنقية الكتب المختلفة من أخطائها “.

36 / مرشد الحيران

(أبو القوانين المصرية) هو اللقب الذي عرف به محمد قدري باشا الذي ولد في ملوي بالصعيد عام 1237 هـ / 1821 م وتوفي بالقاهرة عام 1306 هـ / 1888 م ، وهو صاحب أول مؤلفات في القانون في مصر الحديثة وعلى رأسها كتابه مرشد الحيران إلى معرفة أحوال الإنسان والذي رتب فيه الأحكام الشرعية على هيئة مواد قانونية على الطريقة الغربية ، وتدرج في المناصب حتى تولى وزارة الحقانية في عهد الخديوي توفيق.

ذكره جورجي زيدان في كتابه زيدان في كتابه تاريخ آداب اللغة العربية فقال : ” الكتب الشرعية التي صدرت في هذه النهضة أهمها كتاب الأحكام الشرعية في الأحوال الشخصية لقدري باشا وشرحها للشيخ محمد زيد الأبياني ومرشد الحيران لمعرفة أحوال الإنسان في أحكام المعاملات الشرعية لقدري باشا.

قدري باشا المصري توفي سنة ١٨٨٥  /  ١٣٠٣ﻫ ، هو من كبار رجال الحكومة المصرية وتقلب في كثير من مناصبها وكان واسع الاطلاع على المواد القانونية والشرعية فعهدت إليه الحكومة كثيرًا من المهام المتعلقة بنقل القوانين أو وضعها أو شرحها ، وهاك أهم آثاره :

قانون الجنايات والحدود ترجمه عن الفرنساوية تقدَّم ذكره ، الأحكام الشرعية في الأحوال الشخصية تقدم ذكره ، مرشد الحيران إلى معرفة أحوال الإنسان في الأحكام الشرعية على مذهب أبي حنيفة طبع سنة ١٣٠٨ﻫ ، قانون العدل والإنصاف للقضاء على مشكلات الأوقاف طُبِع مرارًا ، رسالة في الصرف منها نسخة في المكتبة الخديوية “.

وذكره الزركلي في كتابه الأعلام فقال : ” محمد قَدْري باشا ١٢٣٧ – ١٣٠٦ هـ / ١٨٢١ – ١٨٨٨ م ، من رجال القضاء في مصر ولد بها في (ملوي) وأصل أبيه من الأناضول وأمه مصرية حسنية تعلم بملوي والقاهرة ودخل مدرسة الالسن فأتم بها دروسه ، ونبغ في معرفة اللغات واختاره الخديوي مربيا لولي عهده وتقلب في المناصب فكان مستشارا في المحاكم المختلطة وناظرا للحقانية ثم وزيرا للمعارف فوزيرا للحقانية وهي آخر مناصبه وتوفي بالقاهرة.

من كتبه الدر المنتخب من لغات الفرنسيس والعثمانيين والعرب ومفردات في علم النباتات ومرشد الحيران (في المعاملات الشرعية) وقانون العدل والإنصاف للقضاء على مشكلات الأوقاف والأحكام الشرعية في الأحوال الشخصية والدر النفيس في لغتي العرب والفرنسيس وقطر أنداء الديم (في الأدب) وديوان شعره وتطبيق ما وجد في القانون المدني موافقا لمذهب أبي حنيفة وقانون الجنايات والحدود ترجمه عن الفرنسية “.

وترجم له الدكتور محمد حسين هيكل في كتابه تراجم مصرية وغربية وذكر بالتفصيل تدرجه الوظيفي ودوره في الكتابة القانونية والتشريعية حيث قال : ” محمد قدري باشا ، من الكتب ما ينبه ذكره ويعظم أثره بمقدار يجني على ذكر المؤلف حتى ليكاد يُعفِّي خبره ، من هذا الطراز كتب ثلاثة ما يغيب اسم واحد منها عن ذاكرة محامٍ ولا قاضٍ ولا طالب حقوق ولا رجل من رجال الشرع الإسلامي.

هذه الكتب الثلاثة هي: مرشد الحيران إلى معرفة أحوال الإنسان في المعاملات الشرعية على مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان وكتاب الأحكام الشرعية في الأحوال الشخصية وكتاب قانون العدل والإنصاف للقضاء في مشكلات الأوقاف.

بل إن معرفة هذه الكتب لا تقف عند رجال القانون والشرع بل تمتد كذلك إلى عدد عظيم من سواد الناس فقد نظمت ثلاثتها أحكام الشريعة على مذهب أبي حنيفة في تقنين ذي مواد يفي بحاجة كل من يهمه الوقوف على هذه الأحكام إذ يجدها مبوبة مرتبة مدققًا في اختيار ألفاظها حتى تعني مدلولاتها على صورة من التحديد الدقيق الذي يقضي به فن الفقه القانوني.

وهذه الكتب الثلاثة هي الأولى والأخيرة في بابها ولذلك نبه ذكرها وعظم أثرها وتناول الناس ما فيها بالدراسة فإذا سألت أكثرهم عن واضعها قيل لك هو قدري باشا لكن أكثر الناس لا يعلمون من أمر قدري باشا إلا اسمه وإلا أنه واضع هذه الكتب الثلاثة ، وقد يكون ذلك كافيًا لتاريخه فهذه الكتب الثلاثة هي في الحق أثر كافٍ لتخليد واضعه وإذا كان نابليون قد جعل من قانونه المدني عنوان مجده واعتبر ما إلى جانب ذلك من مجد النصر والظفر وحكمه العالم ثانويًا فكتب قدري باشا في تقنين أحكام الشرع في المعاملات والأوقاف والأحوال الشخصية عنوان مجد باقٍ على الزمان.

لكن، من كان قدري باشا ؟ وماذا كان تاريخ حياته ؟ ، لا بد أنه كان فقيهًا عظيمًا من علماء الأزهر معهد دراسة الشريعة الإسلامية وموضع العناية بها فالرجل الفذ الذي يقنن شريعة من الشرائع يجب أن يكون من أساطين رجال هذه الشريعة فليس طبيعيًّا أن يخرج هذا المعهد الألوف من العلماء والفقهاء ثم يكون من يقنن الشرع غيرهم ! ، غير أن الواقع أن قدري باشا لم يكن منهم ولم ينخرط في سلكهم ولم ينضم إلى زمرتهم وكتبه الفقهية هذه ليست كل تواليفه وإن كانت أبقاها وأخلدها فقد كانت تربيته ودراسته مدنية بحتة وكانت الوظائف التي تقلدها بعيدة عن أن تمس الأزهر الشريف أي مساس.

وقد ولد بملوي حوالي سنة ١٨٢١ من أب أناضولي هو قدري أغا الذي كان من أعيان بلد وزير كوبرلي ، وحين جاء إلى مصر أقطعه والي مصر بعض العزب بمركز ملوي على طريقة الالتزام التي كانت معروفة يومئذٍ فتزوج من مصرية أولدها ولده محمدًا وأدخله مدرسة صغيرة بملوي حتى إذا أتم الدراسة بها بعث به إلى القاهرة في مدرسة الألسن حيث أتم بها دراسته وعين فيها مترجمًا مساعدًا.

وكانت مدرسة الألسن هي المعهد الذي أسس لبث الثقافة الحديثة في مصر فقد أدرك أهل ذلك العصر إدراكًا تامًّا أن المدنية الغربية قوية التيار جارفته وأن الحضارة الإسلامية التي يمثلها الأزهر أصبحت غير قادرة على الوقوف في وجه هذا التيار كما أنها كانت قد جمدت على تعاليم لا تقبل أن تُطعَّم بالتعاليم الحديثة  فلا يمكن معالجة التوفيق بين المذهبين.

وكانت اللغات أو الألسن على ما كانوا يسمونها يومئذٍ هي موضع عناية مدرسة الألسن الكبرى فكانت تدرس فيها اللغات التركية والفارسية والفرنسية والإيطالية والإنجليزية ، وكانت العناية فيها باللغة العربية عناية فائقة يدل عليها ما وضعه الذين تخرجوا منها وما ترجموه من كتب ومؤلفات كثيرة ، قال قدري باشا صاحب هذه الترجمة في كتابه (معلومات جغرافية) الذي نشر في سنة ١٨٦٩ : (وقد ترجم تلاميذ هذه المدرسة أكثر من ألفي مجلد) ، وأتى بأسماء كثير ممن ترجموا والفنون التي ترجموا كتبها الغربية.

وكان القصد من تعليم هذه (الألسن) والقيام من بعد ذلك بترجمة الكتب في مختلف الفنون نقل الحضارة الغالبة إلى مصر ليتمكن أهلها من السير سيرة أهل أوربا ، ولعل أكثر ما ترجم إنما ترجم عن اللغة الفرنسية فقد تأثرت مصر بالثورة الفرنسية الكبرى كما تأثرت بها دول أوربا المختلفة ، وكان من أثر ذلك أن قام محمد علي باشا فيما بعد بحركة تشبه الحركة التي قام بها نابليون في فرنسا وكان مرجوًّا أن تؤتي خير الثمرات لولا أن تألبت أوربا على مصر وحرمتها يومئذٍ ثمرات الظفر كما وقفت بعد ذلك عائقًا في سبيل تقدمها تقدمًا يرفعها إلى الصف الذي يجب أن تشغله بين أرقى أمم الأرض وأقواها.

عُيِّن قدري باشا إذًا مترجمًا مساعدًا بمدرسة الألسن على أثر تمام دراسته بها وكان له ميل خاص لدراسة علوم الفقه ولمقارنة الشريعة الإسلامية بالقوانين الأوربية فكان لذلك يحضر بعض دروس الفقه بالأزهر وكان مكبًّا على مطالعة كتب الشرع منذ حداثة سنه ، لكن آثاره في ذلك لم تظهر إلا بعد سنين طويلة وبقيت الترجمة عمله الرسمي الذي كان يتقنه أيما إتقان ولذلك نقل من مدرسة الألسن إلى نظارة المالية مترجمًا لا مساعد مترجم.

ولما احتل إبراهيم باشا الشام عين شريف باشا واليًا لها فأخذ هذا الأخير قدري باشا (وكان ما يزال قدري أفندي) سكرتيرًا له ثم سافرا إلى الأستانة وعادا بعد ذلك إلى مصر وظلا متلازمين حتى عُيِّن قدري باشا أستاذًا للغتين العربية والتركية في مدرسة الأمير مصطفى فاضل باشا ، ثم اختاره الخديو مربيًا لولي العهد ثم عين بالمعية فالمعارف فمجلس التجار بالإسكندرية فرئيسًا لقلم ترجمة الخارجية.

وفي أثناء اشتغاله بالتدريس وضع عدة كتب في مواضيع مختلفة لكن أكثرها كان في اللغة العربية وأجروميتها ومفرداتها وكان معاجم عربية – فرنسية ، من ذلك الدر النفيس في لغتَي العرب والفرنسيس ويقع في سبعمائة صفحة ، والدر المنتخب من لغات الفرنسيس والعثمانيين والعرب ، وأجرومية في اللغة العربية ومختصر الأجرومية الفرنساوية مترجمة إلى العربية ، والمترادفات باللغة العربية والفرنساوية ، هذا عدا بعض كتب في التاريخ والجغرافيا ككتاب (معلومات جغرافية مصحوبة ببعض نبذ تاريخية لأهم مدن مصر جمعت وترجمت بالعربية لفائدة الشبيبة المصرية) وهذا الكتاب ثم طبعه في سنة ١٨٦٩.

يدل كثير من هذه الكتب على مبلغ تضلع قدري باشا في اللغتين العربية والفرنسية وعلى مقدرته الفائقة في الترجمة لذلك كان طبيعيًّا أن يدعى للاشتراك في التمهيد للعمل التشريعي العظيم الذي كانت الحكومة المصرية تفكر فيه والذي كان مقدمة لانتشار المحاكم المختلطة والمحاكم الأهلية ، فقد كان القضاء المصري في ذلك العهد منوطًا بالمجالس الملغاة التي كانت تحكم بالعرف وكانت تجمع من الرجال من قلت درايتهم بقواعد العدالة وإذ كانت مبادئ الثورة الفرنسية قد تسربت إلى مصر من طريق الحملة الفرنسية في سنة ١٧٩٨ ومن طريق الشبان المصريين الذين أوفدوا إلى فرنسا ثم عادوا إلى مصر.

فقد اتجهت الفكرة إلى تعريب القوانين الفرنسية التي وضعت أيام نابليون وعهدت الحكومة إلى جماعة من أفاضل المترجمين المصريين بهذه المهمة فعرَّب القانون المدني الفرنسي رفاعة بك رافع وعبد الله بك رئيس قلم الترجمة وأحمد أفندي حلمي وعبد السلام أفندي أحمد ، أما قانون المرافعات فعرَّبه أبو السعود أفندي وحسن أفندي فهمي أحد مترجمي وزارة الخارجية ، وعرب قدري باشا قانون العقوبات ، وعرب صالح مجدي بك قانون تحقيق الجنايات ، وجمعت هذه القوانين كلها وطبعت بالمطبعة الأميرية في سنة ١٢٨٣ﻫ.

وإذ كان ميل قدري باشا للفقه والتشريع يرجع إلى أيام الدراسة على ما قدمنا فقد صادف ذلك العمل هذا الميل ودفع بصاحبه إلى التفكير في تقنين أحكام الشريعة الإسلامية ، وزاده إمعانًا في هذا التفكير أن عهد إليه بالاشتراك في ترجمة قوانين المحاكم المختلطة إلى اللغة العربية مع اللجنة التي أنشئت في وزارة الحقانية للقيام بهذا العمل تمهيدًا لوضع تشريع جديد للمحاكم الأهلية التي أزمع إنشاؤها من يومئذٍ.

ولما كان التشريع للمصرين يقتضي التوفيق بين أحكام القانون المختلط الجديد الذي أخذ عن القانون الفرنسي وبين أحكام الشريعة الإسلامية التي كان عليها القضاء إلى يومئذٍ فقد اشتغل قدري باشا بهذه المقارنات فوضع كتابًا لم ينشر بعد وما تزال نسخته المخطوطة في دار الكتب المصرية عن (تطبيق ما وجد في القانون المدني الفرنسي موافقًا لمذهب أبي حنيفة) ، وجاء في مقدمته أنه (بيان المسائل الشرعية التي وجدت في القانون المدني مناسبة وموافقة لمذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان).

هذه الترجمة لقانون العقوبات الفرنسي ولقوانين المحاكم المختلطة وهذه البحوث المتصلة في المقارنات بين أحكام الشرع والقانون المدني الفرنسي مضافة إلى ميله الأصيل جعل من قدري باشا فقيهًا في القانون ، ولقد نقل من رياسة قلم ترجمة الخارجية مستشارًا بمحكمة الاستئناف المختلطة وظل في منصبه هذا إلى أن عين وزيرًا للحقانية في أول عهد المغفور له محمد توفيق باشا.

ثم استقال مع الوزارة وعاد بعد ذلك وزيرًا للمعارف ثم انتقل وزيرًا للحقانية من جديد وعمل في منصبه هذا على وضع القوانين للمحاكم الأهلية التي أريد إنشاؤها ، واشترك بنفسه في وضع القانون المدني وقانون تحقيق الجنايات والقانون التجاري ، وفيما كان لا يزال ناظرًا للحقانية صدرت لائحة ترتيب المحاكم الأهلية ، ثم أحيل إلى المعاش وصدرت القوانين التي اشتغل في وضعها أيام كان فخري باشا ناظرًا للحقانية.

كان طبيعيًّا إذًا أن ينصرف قدري باشا في الشطر التالي من حياته عن الاشتغال بما شغل به في الشطر الأول من ترجمة ونحو وصرف إلى العمل في القانون والتشريع ، وكان قدري باشا من طراز الذين يتوافرون بكل قوتهم على العمل ولا يملُّونه ولذلك وجه كل همه إلى تقنين مذهب أبي حنيفة بوضع الكتب الثلاثة التي ما يزال اسمه مقرونًا بها : مرشد الحيران (في المعاملات) والأحكام الشرعية في الأحوال الشخصية وقانون العدل والإنصاف في القضاء على مشكلات الأوقاف.

وقد ظلت هذه الكتب كلها مخطوطة إلى حين وفاته في ٢٠ نوفمبر سنة ١٨٨٦ ولم تطبع إلا بعد الوفاة بسنوات طويلة  وهي مع ذلك التي خلدت ذكره وما تزال سبب مجده ، هي هذا الجهد العظيم الذي لم يضطلع به من رجال الشرع الإسلامي أحد فاضطلع هو به وأداه على خير وجوهه واقتران اسمه بها دليل على أنها أثر خالد حقًّا ، فلقد كان في أعماله الأخرى ما يكفي ليجعل منه واحدًا من رجالات مصر وفي مقدمتهم ، كان يكفي اقتران اسمه بلائحة ترتيب المحاكم الأهلية وصدورها وكان يكفي أنه تقلد الوزارة ثلاث مرات في حياته وكانت تكفي كتبه الأخرى.

لكن مناصب الحكومة واقتران الذكر بقانون من القوانين أو عمل عام ناب فيه صاحب الذكر عن الحكومة لا يخلد اسم صاحب المنصب إلا على أنه اسم لا أكثر ، اسم من هذه الأسماء التي قد تصل إلى المناصب بالرياء أو الخديعة أو غير هذين من الأسباب الكثيرة الوضيعة التي يعتبرها بعض الناس حلية لهم وسلمًا يرتقون به درجات الحياة ، اسم مكون من حروف هجائية لا من أعمال جليلة، اسم جف على نقائص الحياة يلاشيها الموت ولا نصيب له من خير يبقى على الحياة أثره.

فأما هذه الكتب الثلاثة التي لم تظهر إلا بموت مصنفها فقد أعادت اسمه إلى الحياة متألقًا شديد الإشراق سقطت من حوله حياة المادة وضعفها وبقيت له حياة الروح المتصلة بالكون من أزله إلى أبده ، ويقول الذين عرفوا قدري باشا أيام حياته إنه مع إكبابه على العمل أشد الإكباب لم يكن من المتجهمين للحياة العابسين في وجهها بل كان ظريفًا غاية الظُّرف وكان يتقن الضرب على العود ، وكان لا يأبى أن يجلس مع إخوانه خريجي مدرسة الألسن في حفلة طرب يُسمِعهم من أنغام عوده ما يهون على النفس أعباء العمل.

وإنك لتجد أولئك الذين وهبتهم الطبيعة من قدرتها ما يجعلهم قوة عاملة ذات أثر خالد في العالم أحرص الناس على أن ينالوا من جوانب الطبيعة الباسمة حظًّا يعينهم على أداء الواجب العظيم الذي فرض الوجود عليهم أداءه، والذي يقتضيهم من الجهد ما ينوءون به لولا هذا الحظ القليل ، وما كان لأحد أن يأخذهم بذلك وهو أيًّا كان لونه ليس إلا رياضة لنفوسهم وأعصابهم أن يبهظها الجهد أو يأتي عليها الملال وإذا أبهظ الجهد قوى الأفذاذ الذين يقيمون العالم وحضارته فقد آن للملايين الذين يعيشون في كنف مواهب هؤلاء وينعمون بعلمهم أن تتحطم سعادتهم وأن تهدم حضارتهم.

وكان من قسوة القدر على قدري باشا أن كف بصره وأن انطفأ نور عينيه وكانتا قبل ذلك ذواتي جمال وحدَّة ، وقد سافر إلى النمسا أملًا في معالجة نفسه من هذا المرض ولم يمنعه عدم نجاحه في هذا من متابعة عمله الذي أخرج للناس في تقنين الفقه الشرعي كتبه الثلاثة ، وتوفي فأحدثت وفاته فراغًا في عالم النهضة القومية.

ولكن هذه النهضة كانت حين وفاته في منحدر أدى بها إلى وقوف تيار النشاط العظيم الذي قام به هو وزملاؤه فمن قبل سنة ١٨٨٦ كانت مصر قد أصيبت في مطامعها في الحرية بضربة لا تقل قسوة عما أصيبت به على أثر انتصارات محمد علي باشا على تركيا وكانت أوربا هي صاحبة الضربة الأولى وصاحبة الضربة الثانية ، ولن تزال كتب قدري باشا الثلاثة عنوان مجد لا يقل عظمة عن قانون نابليون ، ولئن ينس الناس من حياة قدري باشا كل شيء فلن ينسوا هذه الكتب الثلاثة وهي كافية لتقيم مجد رجال لا مجد رجل واحد “.

37 / نتائج الإفهام

الفلكي هو اللقب الذي اشتهر به محمود أحمد حمدي باشا الذي ولد في قرية الحصة بالغربية عام 1230 هـ / 1815 م وتوفي بالقاهرة عام 1302 / 1885 م وهو مهندس وفلكي وعالم في الرياضيات ومؤلف في عدة مجالات ، لتحق بمدرسة الترسانة البحرية والتي أنشئت في عهد محمد علي باشا على يد الفرنسي سيريزي خبير بناء السفن وكان يقوم بالتدريس فيها مدرسين فرنسيين وإيطاليين.

ثم التحق بعد ذلك بمدرسة البوليتكنيك وتخرج منها نهاية عام 1839 وكان أول دفعته وعين مدرسا للرياضيات برتبة الاسبران (ملازم) في مدرسة المهندسخانة ببولاق وكان مدرسا لمادة الجبر، وخلال فترة تدريسه ترجم عن الفرنسية أول كتاب باللغة العربية عن علم التفاضل والتكامل حيث كان يتقن الفرنسية ، ثم اتجه إلى دراسة الفلك وقد ألحق محمد على مرصدا فلكيا بالمهندسخانة وأوكل إلى محمود الفلكى إدارته وكان المرصد به ساعة فلكية وآلات رصد حديثة.

أعد محمود الفلكي بعنوان (نبذة مختصرة في تعيين عروض البلاد وأطوالها وأحوالها المتحيرة وذوات الأذناب واللحى) وقد صاغ هذا البحث بأسلوب علمي وهذا البحث محفوظ بدار الكتب المصرية ، وطلب منه محمد على بتحديد المساحات المنزرعة من الأرض لتحديد خراجها فاستطاع أن يعين خطوط الطول ودوائر العرض لنحو ثلاثين نقطة في الدلتا والوجه القبلي كما قام بقياس المساحات المنزرعة على أسس علمية لأول مرة في مصر.

في عام 1850 رشح محمود الفلكى لبعثة إلى فرنسا لدراسة الطبيعة وقد نشر وهو في باريس عدد من الأبحاث الفلكية والجيوفيزيقية في المجلات العلمية الأوروبية ، حصل على شهادته العليا في 1854 م أي بعد أربعة سنوات فقط من وصوله باريس ، تنقل بعدها بين العديد من العواصم والمدن الأوروبية ونجح في قياس شدة المجال للمركبة الأفقية للقوي المغناطيسية الأرضية في ثلاثين مدينة ألمانية وبلجيكية لصالح أكاديمية العلوم البلجيكية.

وبتكليف من الحكومة المصرية وسع منطقة أبحاثه لتشمل الجزر البريطانية وهولندا وفرنسا وبلجيكا عين فيها الميل المغناطيسي للمحصلة الكلية للمجال المغناطيسي الأرضى في خمس وأربعين محطة أرصاد في مدن هذه الدول ، وأنهى رصده بإيجاد خريطة دقيقة لهذه المنطقة الجغرافية وقارن بين النتائج التي توصل إليها ونتائج العالم الفلكى الأنجليزى ادوارد سايين عام 1837 والتي أقتصرت على الجزر البريطانية فقط فكان محمود الفلكى أول من خرج بنطاق أبحاثه عن نطاق الجزر البريطانية.

عاد محمود الفلكى من فرنسا في 18 أغسطس 1859 م في عهد سعيد باشا وتم انتخابه عضوا في المجمع العلمي المصري والذي قد أسسه نابليون بونابرت أثناء الحملة الفرنسية كما انتخب وكيلا للجمعية الجغرافية المصرية ثم أصبح بعدها رئيسا لها ، وقد أشرف على المرصد الفلكى بعد نقله من بولاق إلى العباسية كما قام برسم خريطة طبوغرافية للقطر المصري بتكليف من الحكومة المصرية استغرقت عشر سنوات.

كلف محمود الفلكي في عام 1860 م بطلب من علماء أوروبا والخديوى سعيد برصد كسوف الشمس وتسجيله وكانت منطقة الكسوف الكلى تبدأ من كليفورنيا وتمتد حتى جنوب أفريقيا عبر المحيط الأطلسي ، اختار محمود الفلكى مديرية نقلة في شمال السودان كموقع للرصد وسافر إلى هناك وأستطاع أن يرصد الكسوف لحظة بلحظة وسجله في تقرير بعثه إلى أكاديمية العلوم بباريس والتي أشادت به.

كتب محمود الفلكي بحثا بعنوان (في التنبؤ عن مقدار فيضان النيل قبل فيضانه) بعد أن جمع بيانات عن فيضان النيل من عام 1825 إلى عام 1864 م وقد أصبح بحثه هذا مرجع أساسي لتقديرات الرى في مصر ، ثم انتخب في المجلس العالمي الذي أولف في عهد وزارة شريف باشا كما أناب عن الحكومة المصرية في المؤتمر الجغرافي الذي عقد في مدينة البندقية عام 1881 م.

وقام الفلكي ببحث عن مدينة الإسكندرية وضع خلاله خرائط لمعالمها القديمة حيث نقب في حفائرها ليصبح أول مصري معاصر ينقب عن آثار الإسكندرية وموقع سورها القديم وقصورها ومتاحفها ومكتبتها القديمة وقد كتب بحثه بالفرنسية ، ويعتبر الفلكي أول عالم يضع أول دراسة علمية يخطط فيها لمعالم الإسكندرية القديمة بناء على ما اكتشفه في أعمال الحفر والتنقيب وقد أطلق اسمه على شارع بمدينة الإسكندرية تقديرا لأعماله الجليلة.

ومن أهم أعماله رسم خريطة الوجه البحري والتي قامت الحكومة بطبعها على نفقتها وعممتها على طبلة المدارس وظلت مرجعا أساسيا للدراسين في زمنه ، وقد أنعم عليه الخديوي إسماعيل برتبة المتمايز في عام 1287 هـ / 1870 م ، وفي عام 1882 م عين الفلكي في منصب وزير الأشغال العمومية في وزارة محمود سمي البارودي باشا ثم عين وكيلا لنظارة المعارف من عام 1882 م وحتى عام 1884 م في وزارة شريف باشا.

وقد ترجم له جورجي زيدان في كتابه تراجم مشاهير الشرق في القرن التاسع عشر  فقال : ” محمود باشا الفلكي 1220هـ – 1303هـ العالم الرياضي الفلكي المصري ، ولد رحمه الله في بلدة اسمها الحصة في مديرية الغربية سنة 1200هـ ، ولم يكد يترعرع حتى توفي والده فاحتضنه أخوه وكانت النجابة تتجلى في وجهه منذ صباه فأدخله أخوه في مدرسة الإسكندرية سنة 1240 هـ فأقبل على الدرس والمطالعة وأكب على اكتساب العلم بهمة ونشاط.

فلم تمض عليه بضع سنوات حتى نال رتبة بلوك أمين فانتقل من هذه المدرسة إلى غيرها من المدارس الأميرية المصرية وكان حيثما حل اشتهر بالنباهة والذكاء وخصوصا في الفنون الرياضية ، فلما أتم دروسه عينته الحكومة أستاذا للعلوم الرياضية والفلكية في مدرسة المهندسخانة وكانت إذ ذاك برئاسة لامبير بك فترقى فيها إلى رتبة صاغقول أغاسي أنعم بها عليه المغفور له محمد علي باشا الكبير سنة 1262هـ.

ولا يخفى ما كان للرتب من المنزلة إذ ذاك فكانت الحكومة لا تنعم على أحد برتبة ما لم يأت عملا عظيما يمتاز به عن أقرانه أو يقوم بخدمة ذات بال فحصول صاحب الترجمة على هذه الرتبة دليل على علو همته ورفع منزلته ، على أنها كانت داعيا إلى تنشيطه فأكب على التبحر في العلوم فاختارته الحكومة المصرية سنة 1851 م وبعثت به إلى أوروبا لإتمام علومه الرياضية والفلكية فثابر على ذلك تسع سنوات متوالية لازم في أثنائها مرصد باريس وكان لا يترك فرصة لا يستفيد بها شيئا حتى آن الامتحان فقدمه وحاز به قصب السبق.

فنال الشهادات وعاد ظافرا منصورا في عهد المغفور له سعيد باشا فأنعم عليه برتبة أميرالاي وكلفه رسم خريطة للديار المصرية فأخذ في مباشرة هذا العمل – وهو أول من باشره من المصريين – فرسم خريطة الوجه البحري رسما مدققا يدل على طول باعه ومهارته في التخطيط والهندسة ، وهي خريطة مشهورة باسمه يرجعون إليها عند التدقيق ولعلها أول مؤلف وضعه ثم أردفه بمؤلفات أخرى بين رسائل وكتب بعضها في العربية وبعضها في الفرنساوية.  

وهاك أسماءها ومواضيعها : الخريطة المتقدم ذكرها، وقد أشرنا إلى ما نالته من المنزلة الرفيعة ، رسالة في التقاويم الإسرائيلية الإسلامية نشرها سنة 1855 م بعد أن قدمها لمجمع العلوم في البلجيك ، وخلاصة موضوعها تعيين زمن ابتداء تاريخ اليهود وهو عندهم في 7 تشرين أول سنة 3761 قبل الميلاد ويريدون به اليوم الذي تمت الخليقة فيه والنظر في حدود يومهم وهو يبتدئ عندهم في الساعة السادسة إفرنكية مساء ويقسم إلى 24 ساعة وتقسم الساعة إلى 1080 قسما يقسم كل منها إلى 72 جزءا وبحث في أسبوعهم وشهرهم وسنتهم والأيام التي تبتدئ بها شهورهم وسنوهم مع تعيين أعيادهم ومقارنة تاريخهم بتاريخ الميلاد المسيحي.

رسالة في الحالة الحاضرة للمواد المغناطيسية الأرضية بباريس وضواحيها تلاها سنة 1856 م على المجمع العلمي الفرنساوي وقد أعد موادها أثناء تجواله في أوروبا ، كتاب في التقاويم العربية قبل الإسلام نشره سنة 1858 م وهو من أجل كتبه بحث فيه عن يوم ولادة صاحب الشريعة الإسلامية فوصل إلى نتيجة مآلها أنه ولد في 9 ربيع الأول الموافق 20 أبريل سنة 571 للميلاد.

ودقق النظر في حال التقويم قبل الإسلام فحكم بأنهم كانوا يعملون بالحساب القمري الصرف وبحث فيه أيضا عن عمر النبي عند وفاته فبلغ ستين سنة شمسية و 28 يوما أو 63 سنة قمرية و 3 أيام ، وارتأى أن العرب في جاهليتهم لم يكونوا يعرفون الساعات التي ينقسم إليها اليوم وهو رأى كوسين دي برسفال المؤرخ الفرنساوي وشوسن.

رسالة في الكسوف الكلي الذي ظهر بدنقلا في 18 يوليو سنة 1860 م وشاهده هو بنفسه هناك وكانت تلك الرسالة داعيا إلى اشتهاره بين علماء الفلك ، رسالة في الإسكندرية القديمة وصف بها تلك المدينة في أقدم أزمانها مستشهدا بما اكتشفه هو من شوارعها ومراسحها وأبنيتها وأرفق الكتاب بخارطة أوضح بها ذلك.

رسالة في الإيضاح عن أعمار الأهرام بحث فيها بحثا دقيقا فتبين له الغرض الأصلي من بنائها مطابقتها للشعرى ومن رأيه أن الأهرام إنما بُنيت لغرض فلكي قال مختار باشا المصري : وعلى ذكر هذه الرسالة يجدر بي إيراد عبارة هي في حد ذاتها صادرة عن أفكار شخصية فقد كنت موجودا مع المرحوم عند شروعه في أخذ مقاييس الأهرام وموقعها من التناسب الفلكي وأعلم علم اليقين بأنه وصل للاطلاع على الغرض من تشييدها إذ وجد تحكيمها في رسم يقابل بالضبط كوكب الشعرى عند طلوعه فكأن الآمر ببنائها أراد أن يجعلها مزولة يعرف بها يوم شم نسيم العلماء ولأجل تعريض جثث المدفونين فيها لموافاة صعود الكوكب المذكور فيسبغ عليه من آياته رحمة وغفرانا إذ ليس بخاف أن كوكب الشعرى كان عند الأقدمين وخصوصا المصريين من أجل المعبودات حتى عبر عنه بعضهم بإله الآلهة.

رسالة في التنبؤ عن ارتفاع النيل قبل ارتفاعه ، بحث في ضرورة إنشاء مرصد لمراقبة الحوادث الجوية في مصر ، رسالة في مقياس مصر ومكيالها وميزانها ومقابلة ذلك بالأقيسة الفرنساوية ، رسالة في مشابهة (كان) الناقصة بالفعل الفرنساوي Avoir ، رسالة في توحيد موازين العملة في القطر المصري، باشر كتابتها والموت حال بينه وبين إتمامها.

وتقلد محمود باشا الفلكي رحمه الله مناصب ذات شأن لا يتقلدها إلا نخبة أهل الفضل منها أنه ناب عن الحكومة المصرية في المجمع الجغرافي بباريس سنة 1875 م وفي البندقية سنة 1881 م ، وتقلب في مناصب الحكومة حتى بلغ مسند الوزارة فعهدت إليه نظارة الأشغال العمومية ولكن الحوادث العرابية التي داهمت هذا القطر سنة 1882 لم تمكنه من إدارة شئونها طويلا ثم عهدت إليه نظارة المعارف العمومية فلم شعثها ونظمها ورتب كثيرا من أقسامها فزهت المعارف على عهده وأضاءت البلاد بها وتولى رئاسة الجمعية الجغرافية الخديوية مدة.

وخلاصة القول أنه كان هماما حازما محبا لوطنه قضى سني حياته عاملا في خدمته مجاهدا في سبيل نشر المعارف بين أبنائه حتى توفاه الله فجأة سنة 1203هـ وهو محاط بالكتب والأوراق آسفا على مؤلفات كان في عزمه إتمامها فحال المنون بينه وبينها فشقت وفاته على أهل الوطن المصري فأبنه العلماء ورثاه الكتاب والشعراء بما دل على تقديرهم فضله حق قدره “.

38 / الوسيلة الأدبية

من أهم كتب النقد الأدبي في العصر الخديوي كتاب الوسيلة الأدبية للعلوم العربية من تأليف الأديب والشاعر الشيخ حسين بن أحمد المرصفي الذي ولد في قرية مرصفا بالقليوبية عام 1231 هـ / 1815 م وتوفي بالقاهرة عام 1307 هـ / 1889 م ، وقد كُف بصره وهو في الثالثة من عمره وحفظ القرآن في صباه ثم التحق بالأزهر ولما أجازه علماؤه تولى التدريس فيه وكان يقرأ لطلابه بالأزهر في النحو مغني اللبيب لابن هشام وكتب أعلام البلاغة ودواوين متقدمي الشعراء.

وعندما قررت نظارة المعارف في عهد علي باشا مبارك تنظيم محاضرات عامة تلقى في المدرج الكبير الذي كان يسمى دار العلوم بسراي درب الجماميز اختير طائفة من كبار العلماء في مختلف العلوم والفنون لإلقاء هذه المحاضرات ، وكان من بينهم المرصفي الذي بدأ منذ عام 1871 م يلقي محاضرتين في الأدب يومي الأحد والأربعاء من كل أسبوع ومنذ ذلك الحين ترك المرصفي التدريس بالأزهر ليتفرغ للتدريس في دار العلوم وليكون أول أستاذ بها للأدب العربي وتاريخه وقد تعلم المرصفي اللغة الفرنسية بطريقة برايل.

ذكره جورجي زيدان في كتابه تاريخ آداب اللغة العربي فقال : ” الشيخ حسين المرصفي المصري توفي سنة ١٨٨٩ / ١٣٠٧ﻫ ، هو الشيخ حسين بن أحمد المرصفي تلقى العلم في الأزهر وكان كفيف البصر وبلغ من ذكائه واجتهاده أنه تولى التدريس فيه ، وله مؤلفات هامة هي : الكلم الثمان في الأمة والوطن والحكومة والعدل والظلم والسياسة والحرية والتربية وهو يمثل حال الأمة المصرية في أيامه طُبِع سنة ١٢٩٨ﻫ ، الوسيلة الأدبية في العلوم العربية طُبِع بمصر سنة ١٢٩٦ﻫ “.

وترجم له ولوالده علي باشا مبارك في الخطط التوفيقية وذلك أثناء حديثه عن بلدة مرصفا فقال : ” وقد نشأ منها فى عصرنا هذا علماء وفضلاء من أجلهم الشيخ أحمد حسين المرصفى ويكنى بأبى الحلاوة ، أخبرنى ابنه الشيخ حسين أنه دخل المكتب بعد بلوغ سنة ثمان عشرة سنة فحفظ القرآن فى ستة أشهر واشتغل بالعلم حتى صار إماما فيه فى أقرب زمن.

وقد أخذ عن جماعة من فضلاء الأزهر فلازم الشيخ داود القلعاوى وسمع منه الكتب الستة وأخذ عن الشيخ الدمهوجى والشيخ الفضالى والشيخ القويسنى والشيخ الشرقاوى ، وكان رحمه الله زاهدا حافظا مائلا إلى حب العزلة لم ير فى وليمة إلا نادرا وكثيرا ما كان يدعوه الأمراء إلى منازلهم فلا يجيبهم وكان يزور الإمام الشافعى ماشيا على كبر سنه.

وكان رحمه الله مهيبا فى درسه بحيث لا يستطيع الطالب أن يرفع فيه صوته ولو بالسعال فإذا اعترى أحدا منهم السعال تحول وأخفى ذلك ما أمكن ، وكان فى مبدأ أمره سافر مع بعض مماليك العزيز المرحوم محمد على إلى أقصى الصعيد وأقام هناك سنتين ثم رجع وانقطع للعلم بالأزهر إلى أن توفى إلى رحمة الله تعالى وعمره اثنتان وسبعون سنة.

وقد ترك ابنه العلامة الشيخ حسينا من أجلاء العلماء وأفاضلهم له اليد الطولى فى كل فن وقل أن يسمع شيئا إلا ويحفظه مع رقة المزاج وحدة الذهن وشدة الحذق ، اجتهد فى التحصيل وحفظ المتون حتى متن جمع الجوامع وتلخيص المفتاح ، وتصدر للتدريس فقرأ بالأزهر كبار الكتب كمغنى اللبيب فى النحو لابن هشام وله تآليف مفيدة أجاد فيها وأفاد منها كتاب الوسيلة الأدبية فى علوم العربية جمع فيه نحو اثنى عشر فنا.

وتكلم باللسان الفرنساوى وقرأ الخط العربى والفرنساوى فى أقرب زمن مع انكفاف بصره وهو حروف اصطلح عليها اصطلاحا جديدا تدرك بالجس باليد ، وقد أنشأ الخديوى إسماعيل من ضمن ما أنشأ من المدارس مدرسة للعميان يتعلمون فيها هذا الخط مع فنون أخر ، وكان الشيخ حسين معلم العربية فى دار العلوم بالمدارس الكبرى وبمدرسة العميان “.

وذكره محمد كامل الفقي في كتابه الأزهر وأثره في النهضة الأدبية الحديثة وتناول مؤلفاته وإنتاجه الأدبي بالنقد التحليل فقال : ” الشيخ حسين المرصفي المتوفى سنة ١٣٠٧هـ / ١٨٨٩ م ، نشأته وحياته : هو الشيخ حسين المرصفي نسبة إلى مرصفا بلده بالقليوبية أنجبت بجمهرة من أعلام الفقه واللغة والأدب وكان والده الشيخ أحمد حسين المرصفي من أئمة العلم في عصره.

ولد المترجم له في مصر ونشأ بها وبعد أن أتم حفظ القرآن التحق بالجامع الأزهر فتلقى العلم على كبار شيوخه وما زال يكد ويبحث حتى صار من العلماء الفحول وتصدر للتدريس فقرأ بالأزهر أمهات الكتب في العلوم العربية كمغني اللبيب في النحو لابن هشام.

وكان رحمه الله مكفوف البصر وقد عرف منذ صغره بحدة الذهن وتوقد الذكاء وإذا صح ما قيل من أن والده حفظ القرآن في ستة أشهر فإن ذكاءه موروث عن أبيه وكان إلى ذلك جادا مثابرا شديد التوافر على كتب الأدب يرتوي من محاسنها ويستظهر من روائعها لم يسترح إلى الأدب الشائع في عصره ولم يرقه نهجه بل كان من أوائل من تفطنوا في هذه البلاد إلى قدر الأدب القديم.

وكان من حبه للأدب العربي القديم، وقدرته على تفهم أسراره وتذوق بلاغته يقرأ كثيرًا في كتب البلاغة العربية ودواوين الشعراء الفحول ويبذل جهده في استظهار ما يهتز له ويجيل قلمه على غرار ما بهره من هذه الآداب حتى استقام له بيانه الرصين ، وكان إلى جانب هواه بالأدب شديد الميل إلى العلوم العربية دائم البحث في أسرارها وتفهم دقائقها واكتناه خفاياها حتى صار في العلم بها حجة ثبتا.

وقد قرأ الخط العربي والفرنسي في أقرب زمن مع انكفاف بصره وهو حروف اصطلح عليها اصطلاحا جديدا تدرك بالجس باليد ، وتولى تدريس الأدب وعلوم العربية بمدرسة دار العلوم وتخرج على يديه طليعة الناهضين من أبنائها الشعراء والأدباء.

أثره في النهضة الأدبية : الشيخ حسين المرصفي شيخ الأدباء في ذلك العصر وأستاذ الطبقة الأولى من دار العلوم فقد تخرج عليه طلائع النابهين في هذه المدرسة من أمثال حفني بك ناصف وأترابه ، وكان قبلة الشعراء والأدباء في هذا العصر ينهلون من علمه وأدبه وينتفعون بتوجيهه وإرشاده ، صاحبه ولازمه أعيان البيان العربي فعرضوا عليه منظومهم ومنشورهم فنقح ما شاء له ذوقه وعلمه وهذب كثيرا من بيانهم وراضهم على ما تهدي إليه من الأدب العربي القديم الرصين.

انتفع بتوجيهه عبد الله فكري باشا فكان أحد تلامذته الذين أفادوا منه بل إن البارودي نفسه وهو زعيم النهضة الشعرية ورافع لوائها في العصر الحاضر كان أحد تلامذته الذين صاحبوه ولازموه ، علم المرصفي زعيم الشعراء اللغة العربية الفصيحة وهداه إلى الأساليب المجودة الفحلة وعرض عليه شعره فهذبته قريحته التي صقلها الأدب العربي وطبعها بطابعه الجميل وإن لصلة البارودي به لحديثا طريفا نمر به سراعا ولكنا أفضنا فيه حين تكلمنا عن شعر الأزهر وكيف أن الأزهريين كانوا أساتذة زعماء الشعر في العصر الحاضر.

وكان من أثره في الأدب فصوله الممتعة التي كان ينشرها في صحيفة روضة المدارس فقد رسم بها للأدباء أمثل الطرق في ممارسة البيان العربي الجزل وكان قدوة الكاتبين بطريقته العذبة التي تجمع بين الجزالة والسهولة ، أما أسلوبه فطلي رصين واضح فصيح لا يلم بالسجع إلا إلماما ولا تستهويه الصنعة التي يكلف بها أصحاب الأدب الفارغ فيستروا بزخرفها نقص أدبهم وفراغه ، وهو في سلاسته وترتيبه المنطقي أقرب ما يكون شبها بابن خلدون في مقدمته فهو بحق من أولئك الأفذاذ الأعلام الذين ردوا على اللغة في العصر الحديث ما كان لها من البهاء القديم في العصر القديم.

ومن حديث المرحوم الشيخ عبد العزيز البشري عنه قوله : ويقوم ذلك الكاتب الأديب المجدد فيلفت جمهرة الأدباء عن ذلك الأدب الضامر ويوجه أذهانهم وأذواقهم جميعا إلى الخالص المنتخل من أدب العرب في جاهليتهم وفي إسلامهم ويبعث لهم شعر أبي نواس وأبي تمام والبحتري وغيرهم من فحول الشعراء كما يدل على بيان ابن المقفع والجاحظ والصولي وأحمد بن يوسف وأضرابهم من متقدمي الكتاب فسرعان ما يصفو البيان ويجلو وسرعان ما يجزل القول ويعلو وسرعان ما تنفرج آفاق الكلام وتنبسط أسلات الأقلام في كل مقام وناهيك بغرس يخرج من ثماره إبراهيم المويلحي في الكتاب ومحمود سامي البارودي في الشعراء.

آثاره ومؤلفاته : ألف كتاب الوسيلة الأدبية للعلوم العربية ، وهو كتاب جليل القدر لا يستغني عنه أديب وقد شاع الانتفاع بما فيه من الآداب والعلوم ولا يزال منتجع الأدباء إلى يومنا هذا والكتاب جزآن يقع الثاني منهما في صفحات تربى على ثلاث أمثال الجزء الأول.

والوسيلة الأدبية مجموعة من الآداب والعلوم المختلفة من نحو وصرف وفقه وبيان ومعان وبديع وتاريخ ساقها المؤلف لتعليم الكتابة الإنشائية وترويض الملكات البيانية على غرارها ونهجها العربي الصحيح ، وهو يتبع في هذه الكتابة طريقة الشرح والإفاضة والتتابع والاستطراد فإذا ألم ببحث علمي وفي جوانبه وبسط في آفاقه ولم يدع فيه ما يحتاج إليه الباحث المتعقب وإذا أورد قصيدة أو خطبة شرح معانيها اللغوية شرحا دقيقا متمكنا ثم بين مراد الأديب مما قاله وتعرض له بشيء من أخباره وآثاره.

وقد يستطرد فيقرن المعنى بمشابه له أو مقارب منه أو مضاد له يفيض في كل ذلك بأسلوب رصين واضح فصيح وقد عمد فيما اختاره من آثاره عربية إلى روائع الأدب من شعر ونثر وخطب ورسائل ، فهو حسن الذوق في كل ما يهتدي إليه غزير المادة بما يفيض فيه قريب الشبه في مسلكه بالكتب التي هي أصول للأدب من أمثال الأمالي والكامل والعقد إلا أنه لم يغلب عليه ناحية خاصة تستأثر به وتدعه ضعيفا في غيرها مما يقدم عليه بحثه وشرحه ونقده وتعليقه وإنما هو في هذه النواحي جميعا المتمكن الذي يعدل بينها.

والوسيلة بجزئيها تتضمن تمهيدًا وأربعة مقاصد يشتمل كل منها على فصول ومقالات  ، فالتمهيد في بيان فضل العلم وتقسيم العلوم وتعريفات لعلوم العربية والأدب مع إفاضة بذكر الأمثلة ، والمقصد الأول في العقل وشرح أنواع المعقول ، والمقصد الثاني في تعريف اللغة وبيان الداعي لوضع علوم العربية ونهايته نهاية الجزء الأول ، والمقصد الثالث وهو أول الجزء الثاني يحتوي فنون البلاغة بإسهاب وشرح وإفاضة مع دقة وتحليل.

والمقصد الرابع وهو أوسع المقاصد وأكثرها بسطا يتضمن المكاتبة والتربية الأدبية والأدعية التي جرى السلف على استعمالها في مكاتباتهم ومكاتبات النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين ومكاتبة الملوك والأمراء والأدباء وفي الأمثال العربية وغير ذلك من البحوث الأدبية الممتعة ، وقد ختم الجزء الثاني بكلمة ضافية عن المرحوم عبد الله فكري باشا ومن أهم ما حواه الجزء الثاني حديثه عن البارودي الشاعر العظيم  ، والكتاب مطبوع بمطبعة المدارس الملكية بمصر من سنة ١٢٨٩ إلى سنة ١٢٩٢هـ.

وله كتاب الكلم الثمان : وهو رسالة شرح فيها كلمات جرت على ألسنة الناس في عهده وكثر ترديدهم لها ولهجوا بذكرها مما دعاه إلى بسطها وتبيينها كلفظ الأمة والوطن والحكومة والعدل والظلم والسياسية والحرية والتربية والإنسان والمربي وكيف يجب أن يكون وما به تكون التربية كتبها بأسلوبه الرصين الرشيق وهي مطبوعة بالمطبعة الشرقية بمصر سنة ١٢٩٨هـ.

وله أيضًا دليل المسترشد في الإنشا : وهو كتاب وضعه لتعلم طرق الإنشاء وأساليبها وكيفية افتتاح المراسلات والمكاتبات والموضوعات الإنشائية المختلفة وأورد فيه طائفة من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية ومكاتبات النبي صلى الله عليه وسلم وكتب خلفائه الراشدين إلى القياصرة والأكاسرة والعرب خاصتهم وعامتهم وجمهرة من القصائد والمقاطيع لمشهوري الشعراء من الطبقات الأولى الثلاث.

والكتاب يتضمن مقدمة تحتوي على ما يحتاج إليه المنشئ من معرفة مبادئ العلوم وتمييز بعضها عن بعض ثم يحتوي بحوثا قيمة في تعريف الكتابة وبيان طرق التعليم، والأغراض التي يحاول المنشئ أن تحسن بها صناعته، ويجود بها إنشاؤه  ، والكتاب مخطوط لم يطبع.

نماذج من إنشائه : كتب في الوسيلة الأدبية بعنوان تمهيد : اعلم أن الأدب معرفة الأحوال التي يكون الإنسان المتخلق بها محسوبًا عند أولي الألباب الذين هم أمناء الله على أهل أرضه من القول في موضعه المناسب له فإن لكل قول موضعا يخصه بحيث يكون وضع غيره فيه خروجا عن الأدب كما قال جرول” الشاعر المشهور بالحطيئة : فإن لكل مقام مقالا.

ومن الصمت وهو السكوت المقصود في موضعه فإن للصمت موضعا يكون القول فيه خلاف الأدب يرشد إلى ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : رحم الله امرأ قال خيرا فغنم أو سكت فسلم ،  وفي لامية الطغرائي : ويا خبيرا على الأسرار مطلعا .. أصمت ففي الصمت منجاة من الزلل ،  ولبعضهم : عجبت لأزراء العيي بنفسه .. وصمت الذي قد كان بالعلم أحزما .. وللصمت خير للعيي وإنما .. صحيفة لب المرء أن يتكلما ، والكلام المنبه على مواضع الأقوال وعلى مواضع الصمت كثير.

ومن الأحوال التي يكون التخلق بها أدبا وضع الأفعال في مواضعها كما قال الله تعالى وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله فتنبه سبحانه وتعالى على أن المطلوب العفو المصلح دون المفسد ، وقال النابغة الجعدي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ولا خير في حلم إذا لم تكن له .. بوادر تحمي صفوه أن يكدرا .. ولا خير في جهل إذا لم يكن له .. لبيب إذا ما أورد الأمر أصدرا.

والناس في الأدب متفاوتون تفاوتا عظيما فمن قرأ العلوم وطاف في البلاد وعاشر طوائف الناس بعقل حاضر وتنبه قائم وضبط جيد حتى عرف العوائد المختلفة والأهواء المتشعبة وميز الحسن منها وتخلق به يكون بالضرورة أكثر أدبا ممن قرأ وخالط ولم يطف وممن قرأ وطاف ولم يعاشر ، وموافقة جميع الناس أمر غير ممكن فإن الدين والعقل يمنعان من ارتكاب أمور لا يسر بعض ذوي الأهواء غيرها وأولئك هم السفهاء الذين لا ألباب لهم فهم بمنزلة قشور الأشياء التي لولا لبها لم تصلح إلا للنار أو ما أشبه.

وكتب في التخلق ببعض الأخلاق فقال : غير خاف أن التخلق بالكبر والخيلاء والعجب والتعاظم على الناس بما أفضل الله به على الإنسان من علم وجاه ومال أمر غير حسن لما حيلت عليه النفوس من الأباء والنفرة عمن يتعاظم عليها فما أكثر ما بدل حسن الود والتآلف بأشنع العداوة والتنافر، لكن لذلك موضع يكون فيه حسنا.

وبيانه أن من المشاهد كون النوع الإنساني محتاجا في حسن تعيشه وتحصيل أغراضه إلى ألفة ومودة وإنصاف بأن يحب المرء لأخيه ما يحب لنفسه فإذا خرج بعض الناس من الجمعية وسعى في الأرض فسادا وجب على الناس تأديبه بما يعيده إلى الصلاح ، وربما كان التكبر والزهو عليه أنكى له وأرجى لمئاب فكره وانحيازه إلى حيز الاستقامة كما ورد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى فارسا من أصحابه يمشي بين الصفين مختالا يميل يمينا وشمالا فقال : هذه مشية يكرهها الله تعالى إلا في هذا الموضع ، فقد علمنا أن للتكبر موضعا يكون فيه حسنا “.

39 / قصة المقدم علي الزيبق

في عام 444 هـ / 1052 م حدثت في بغداد اضطرابات سياسية ومذهبية تسببت في إنهاء حكم البويهيين وبداية حكم السلاجقة ، وأثناء هذه الفوضى حدث انهيار للسلطة في عاصمة الخلافة العباسية لكن واحدا من زعماء العيارين يدعى علي الزيبق تمكن من السيطرة على الأمور وضبط الأسواق لفترة مؤقتة وتمتع بشعبية لافته بين العامة حيث روي عن طائفة العيارين والشطار احترافهم للسرقة لكن من الأغنياء ليعطوها الفقراء .

وجاءت حكايات العيارين في كتابات المؤرخين حيث يشير المؤرخ عز الدين ابن الأثير في كتابه الكامل في التاريخ إلى أن علي الزيبق قد تمكن من الاستيلاء على السلطة في بغداد وجباية أسواقها فقد ذكر في حوادث سنة 444 هجرية قوله : ” وفيها حدثت فتنة بين السنة والشيعة في بغداد وامتنع الضبط وانتشر العيارون وتسلطوا أي تولوا السلطة وجبوا الأسواق وأخذوا ما كان يأخذه أرباب الأعمال وكان مقدمهم الطقطقي والزيبق “.

ودونت حكايات علي الزيبق وبطولاته في رواية ألف ليلة وليلة تحت عنوان : ” حكايات علي الزيبق وأبوه حسن راس الغول وما جرى لهما مع دليلة المحتالة وابنتها زينب النصابة ” ،  وكانت الدكتورة سهير القلماوي في دراستها (ألف ليلة وليلة ـ دراسة وتحليل) قد أشارت إلى وجود أبطال السيرة فيها وهم علي الزيبق وحسن راس الغول وفاطمة الشريفة وكذلك المجوس عباد النار دليلة المحتالة وابنتها زينب النصابة وسنقر الكلبي وغيرهم .

وعندما انتقلت كتابات ألف ليلة وليلة إلى مصر تمت إعادة صياغة القصة لتدور أحداثها بين بغداد والقاهرة وتغيرت أسماء الأبطال حيث صارت والدته هي فاطمة الفيومية وزعيمة المجوس دليلة العراقية المحتالة وصار سنقر الكلبي هو مقدم درك السلطنة ، وأضيف إليها شخصية أحمد الدنف وهو لص له حكايات في فن السرقة يطول شرحها أعدم بأمر قايتباي عام 891 هـ وأقيم له مولد سنوي بالقاهرة كما ذكر ابن إياس.

ورويت السيرة شفاهة في العصر العثماني حيث كانت تحمل دلالات سياسية واعتراض مبطن على الأحوال المعيشية والفساد المستشري للأمراء ، وحفلت بالكثير من العبارات العامية والمبتذلة والخادشة للحياء وكلمات السباب الشعبية الدارجة ، وقد جمعت كتابة في القرن التاسع عشر تحت عنوان : (كتاب قصة المقدم علي الزيبق الذي تفرد بالشطارة والعياقة على جميع من تقدم وسبق .. تأليف الكامل الحافظ أحمد بن عبد الله المصري) ..

والمؤلف هو الشيخ أحمد بن عبد الله المصري المتوفي بالقاهرة عام 1297 هـ / 1880 م ، وقد ذكره عمر رضا كحالة في كتابه معجم المؤلفين حيث قال : ” أحمد المصري‏ كان حيا قبل ١٢٩٧ هـ / ١٨٨٠ م أحمد بن عبد اللّه المصري ، قصصي من آثاره قصة المقدم علي الزيبق طبعت بمصر سنة ١٢٩٧ هـ فهرست الخديوية ٥ : ١١١ “.

وقد استهل المؤلف كتابه بمقدمة يقول فيها : ” بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين الذي فضل الخلق من بني آدم على ساير المخلوقات أجمعين وجعل سير الأولين عبرة للآخرين ليتعظ بسماعها كل عاقل فطين والصلاة والسلام على سيد المرسلين ، أما بعد فيقول الفقير إلى مولاه الراجي عفوه ورضاه الحافظ أحمد بن عبد الله :

هذا ما أثبته من قصة العايق المشهور والفارس المذكور المقدم علي الزيبق الذي تفرد بالشطترة زالزلاقة على جميع من تقدم وسبق وما جرى له مع المقدمين والعيار والعياق والشطار الذين حافظوا بغداد ومصر وباقي الديار وضربت بعياقتهم الأمثال في ساير الأقطار ، فأقول وما توفيقي إلا بالله العزيز الجبار “.

ويستعمل الكاتب في قصته مزيجا من الفصحى والعامية مثل وصفه للمقابلة الأولى بين السلطان والزيبق والوزير قيس في حكاية المدينة المرصودة حيث استعمل كلمة (العزيز) بدلا من السلطان وهو اللفظ الذي كان شائعا وقتها عند الكتاب في وصف الخديوي فيقول : ” فقال قيس أن الرأي عندي أن تنادي له في الأمان لأننا نخشى إن نحن ضاددناه بعد هذا اليوم يصير فينا أعظم من ذلك ، فأمر العزيز أن ينادى إلى الزيبق بالأمان وأن يحضر في عاجل الحال إلى الديوان فنادت المنادية بهذه المناداة وشاعت الأخبار في الأسواق والحارات.

وبلغ الزيبق هذا الخبر فدخل على أمه وأخبرها بما تجدد فقال سر يا ولدي في أمان الله ولا تخاف من أحد فلبس بدلة المقدمين وتوجه إلى الديوان ، فلما نظره قيس عرفه وقال إلى العزيز هذا هو الزيبق فنظره العزيز وقد تعجب من فعاله نظرا لصغر سنه هذا الزيبق على قد دعا إلى العزيز بطول العمر والدوام وسلم عليه بأفصح الكلام فقال له من تكون أيها الإنسان قال أنا عبد مولانا السلطان الذي أنعمت عليه في المقام وأرسلت له منديل الأمان فضحك العزيز وأمر له بالجلوس فجلس “.

ويلجأ المؤلف الحفاظ على طريقة كتابة القدماء في السجع والمحسنات لكن مع إهمال لقواعد النحو والإملاء مثل قوله وهو يصف الأميرة المخطوفة التي أنقذها البطل علي الزيبق : ” قال صاحب السيرة وأعجب ما اتفق أن هذه الصبية كانت من أجمل أهل زمانها وفريدة عصرها وأوانها فشاع ذكرها في جميع الأقطار وتحدثت في لطائفها ملوك تلك الديار فخطبتها الخطاب وكثرت عليها الطلاب وأبوها لا يسمح بزواجها لأنه كان يحبها ويودها وليس له من طاقة على فراقها وبعدها.

وبلغ خبرها إلى ملك العبيد والسودان وكان ملك رفيع القدر عظيم الشن كثير الرجال والأعوان فتعلق قلبه بوصفها واشتغل فكره بحسنها وظرفها وأرسل وزيره أن يخطبها من أبيها فرده خائب فغضب وقال لا بد لي أن أعمل على سرقتها وبعد ذلك أقتل أبوها وأخرب دياره ، ثم إنه استدعى بجماعة من العيارين  الأبطال وأوقفهم على ذلك الخبر وطلب منهم أن يسيروا إلى المدينة المرصودة ويدبرون له على سرقة بنت الملك بالحيلة وأنهم إذا فعلوا ذلك يعطيهم ما يشتهون “.

وفي نهاية حكاية المدينة المرصودة يصف المؤلف انتصار البطل وعودته مظفرا فيقول : ” وكان لقدومه يوم عظيم ما جرى مثله في جميع ديار مصر قد ضربت فيه الدفوف والطبلات وخفقت الأعلام وداخل الناس الفرح والمسرات ولما وصل إلى الديوان خرجت إلى لقاه جميع السادات والأعيان ثم دخل على العزيز وسلم عليه وقبل الأرض بين يديه وقدم له تلك الذخيرة فتعجب العزيز لما رآها لأنها كانت أعجوبة للناظرين.

ثم أمر له بالجلوس وأخذ يسأله عن قصته وما لاقى في سفرته فأخبره بجميع ما جرى له من الأول إلى الآخر وأطلعه على الباطن والظاهر فتعجب العزيز وهنأه بالسلامة وقال له أنت عين هذه الديار وسيد العياق والشطار ولا يقدر على مقاومتك أحد من الشجعان ، هذا وقد صار له عنده عز وشان وعلو المنزلة ورفعة المكان ، ثم  إنه التفت إلى صلاح الدين وقال له قد جاء الشاطر علي بالمطلوب الذي صار عليه الكلام فقم الآن وسلمه المقام “.

ويقول محقق المخطوطة الباحث الأستاذ محمد سيد عبد التواب : ” قبل خمس سنوات عثرت على نسخة نادرة من سيرة علي الزيبق المصري، والتي طُبعت في مصر في طبعة شعبية على ورق أصفر فرغ من طبعها بمطبعة السيد حسن العناني لعشرين خلت من رجب سنة 1297 هجرية الموافق 1880 م” وقد جاء على صفحة الغلاف الخارجي : كتاب قصة المقدم علي الزيبق الذي تفرد بالشطارة والعياقة على جميع من تقدم وسبق تأليف الكامل الحافظ أحمد بن عبدالله المصري.

وتحت العنوان رسم متخيَّل لعلي الزيبق ، والسيرة تقع في مائتين وثمانية وثلاثين صفحة من القطع المتوسط ومطبوعة طباعة حجر ولا يوجد سوى نسخة واحدة وهي التي بين يدي القاريء الآن بصفتها الغلف الخام منذ أكثر ما يقرب من قرن ونصف ، ورغم ركاكة الصياغة وكثرة الأخطاء النحوية والإملائية واللهجة العامية المصرية التي كتبت بها هذه الطبعة إلا أن قيمتها الكبرى في ندرتها والتي يمكن اعتبارها النسخة الأصلية لسيرة علي الزيبق المصري.

نبذة الناشر : هذه سيرة أشطر الشطار علي الزيبق في تراثنا الشعبي سيرة الثورة على غياب القانون وفساد الحكم ولصوص السلطة ومغتصبي أقوات الناس وأحلامهم ، وثيقة فنية بالغة الدلالة أطلقها الوجدان الشعبي يغوص في اعماق الحياة المصرية في بنيتها التحتية والفوقية فيكشف التناقضات الاجتماعية الصارخة ويعري جهاز الحكم في البلاد عبر ملاعيب وحيل علي الزيبق بلا قدرات خارقة ولا استعانة بساحر أو جني يناويء بها الحاكم ويكيد له ويقاومه ويقول باختصار شديد إن حالة البلاد متردية لأن حاميها حراميها “.

40 / ترويح النفوس ومضحك العبوس

(ترويح النفوس ومضحك العبوس) هو عنوان كتاب في الأدب الساخر يضم مجموعات نثرية من الحكايات والمواقف والأشعار والأزجال والنكات من تأليف الشيخ حسن الآلاتي المتوفي بالقاهرة عام 1306 هـ / 1889 م ، والكتاب هو تجميع لجلسات المؤلف مع ندمائه وأصدقائه في مقهى خاص بهم في حي الخليفة بالقرب من منطقة السيدة سكينة وسموها المضحكخانة الكبرى واشتهرت بين رواد الأدب الشعبي وقتها.

وقد طبع الكتاب في ثلاثة أجزاء يضم الجزء الأول منها فصلا في المتنزهات وأنواع المشمومات اللطيفة وذكر المشروبات وأصحاب المغاني وأرباب الحظ من نساء ضواحي الإسكندرية وقصيدة سماها (المنزعجة) والمقامة النقاوة في رحلة الملك أغا الحلاوة ، ويضم الجزء الثاني فصلا في زجل من وزن جديد من كلام الشيخ العنيد وأدوار في براءة ساحة الشيخ رمضان وعلم طلب لمفرج الكرب ومسكن الغضب وقضية محمود الزيات وما حصل له من الألطاف والعنايات وفصل في ذكر الحرامية ، أما الفصل والثالث فقد بدأه بإعلان سمين يطلع الشعرة من العجين.

وقد استهل الكتاب بمقدمة يقول فيها : ” بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله الذي أضحكنا بما أفاض علينا من السرور وأطعمنا اللوز مقشرا والبرتقان بلا قشر واللوز ليس عليه قشر فكل منهم وإن كان ما عليه قشر فهو مقشور والصلاة والسلام على من كان يمزح ولا يقول إلا حقا وعلى ساداتنا آله وأصحابه الذين كان وجه الزمان لهم طلقا ، أحمده حمد عبد بشر بالجنة فضحك وأشكره شكر من أنعم عليه ربه الملك وأسأله أن يغفر ذنوبي ويملأ من زلال عفوه ذنوبي.

اعلم أن الباعث لي على تأليف هذا الكتاب وصرفي في تأليفه ثلاثة أيام من عنفوان الشباب هو أني كنت مع جماعة من الإخوان أصلح الله لي ولهم الشأن وأسكنني وإياهم جنات مكان وكنا نكثر في بيوت بعضنا السهر ونغوص في بحور أفكارنا لطلب نفائس الدرر ، وكان منا السمير والنديم والنبيه والفهيم والفاضل والجاهل والناقص والكامل والألكن والفصيح والمريض والصحيح والشجاع والجبان والعزيز والمهان ، وكانت هيئتنا الاجتماعية وجلستنا الاختراعية مشتملة على سائر الفنون من معقول ومنقول وجد ومجون.

ولما زاد عددنا وكثر مددنا وضاقت علينا البيوت وكدنا من كثرتنا أن نموت اتخذنا مركزا أمينا وحصنا حصينا وهي قهوة لطيفة في شارع الخليفة ، ولما تم الانتظام ورضينا بهذا المقام سمينا هذه الجلسة الغرا بالمضحكخانة الكبرى وشاع صيتها في البلاد واشتهرت بين العباد وصارت تأتيها الناس من كل فج وكل من أهل البلاد بهذا الاسم لهج ، وربما كان يأتي الأمير في زي الضعيف الفقير فينظر منا كل عجيبة ويسمع كل غريبة فاجتمعنا يوما كما هي العادة وقد سلك كل منا أحسن جادة وأخذنا في ترديد الكلام بين نثر ونظام واتسع بيننا المجال وكثر القيل والقال “.    

وفي الجزء الثاني يبدأ بزجل هزلي ينادي فيه على قاضي الفجالة ويردد أدوارا حول حكاية امرأة دلالة حيث يقول : ” زجل من وزن جديد من كلام الشيخ العنيد ردا على الملحق ، وفيه أيضا نادرة مثل التي تقدمت لك فتعلم الفن من العنتيل ولا تغوص في البحر الطويل وإياك أن تكاتب العنيد بعد ذلك من غير استئذان تكون من الذين أكلوا السبع والضبع والمرستان ، مطلع الزجل يقول : اسمع يا قاضي الفجالة .. نادرة عن واحدة دلالة.

دور : لما رمت تردد الملحق .. كنت أتخطط وانتف واحلق .. تكتب لي وتجري ما تلحق .. ما تخاف من شيخ الزجالة .. اسمع يا قاضي الفجالة .. نادرة عن واحدة دلالة ، دور : خليك في المربط ما نطرشي .. لما نجي عمياني وطرشي .. برميك في برميل الطرشي .. تخلل مثل الزبالة .. اسمع يا قاضي الفجالة .. نادرة عن واحدة دلالة ، دور : خدلك دكان في خان جعفر .. بيع جلة ونيقة وكذب أخضر .. إن شفت البيعة دي تخصر .. تاجر في شاي ونخالة “.

وفي الجزء الثالث يبدأه بإعلان مثير يقول فيه : ” إعلان سمين يطلع الشعرة من العجين ، لما كان فن المفارقات فنا يشار إليه بأطراف العصي وينتعظ به الفاضل والجاهل والخصي وترتاح إليه الأرواح وترح نحوه الأشياح وترتع النفوس في ميادين فدادين لطائفه وتسبح في لجج بحار كنائفه وقطائفه ، لأنه فن ريج في هذا الزمان سوقه ونفرت في الخافقين عروقه وقد اعتنى به كثير من المتقدمين والمتأخرين.

فمنهم سيدنا عوكل بن عشرين ومنهم العالم المصون الذي له في هذا المقام فنون وأي فنون الشيخ ابن سودون ومنهم الشيخ المهفوف والتيس المكلوف صاحب هز القحوف شارح قصيدة الشيخ أبو شادوف وكثير من هؤلاء الأفاضل الفحول الذين لا يدرون في المعقول ولا في المنقول.

وكان أوسعهم في هذا المجال وأكذبهم في كل قيل وقال وأبدعهم في المفارقات وأزكمهم في المطابقات وأحسنهم في الأسلوب وأضحكهم للطوب وألطفهم في التآليف وأخرفهم في التصانيف تأليف العالم العلامة الداير في الدوامة الذي شهد بفضله وعلومه كل من في البيمارستان واعترف بأدبه وكماله نسمة واحدة من الرجال والنسوان مولانا وأستاذنا الشيخ حسن الآلاتي العنيد صاحب الفهم الجديد والطربوش الحديد والرأي السديد.

فمن أهم ما ألف وأحسن ما صنف شرحه المسمى بكربونات البتارخ على ديك المسارخ الذي سماه أستاذ الأساتذة وجهبذ الجهابذة (ترويح النفوس ومضحك العبوس) فاختر لنفسك ما يحلو ، ولما رأيناه موافقا لطبعه شرعنا في طبعه وفد حددنا له مواعيد لا نعلمها ومواقيت لا نفهمها الميعاد العاشر من وقتنا هذا إلى الآن يعطى مجانا.

الميعاد الخامس من باكر تاريخه إلى السنة الماضية يكون ثمنه مجهول ، الميعاد الأول لا يذكر إلا بعد مبيعه فيجب بل يثنوا بل يندب بل يباح لذوي الهمم الرائقة والأفهام الفائقة أن يبادروا إلى اقتناء تلك المساوي المشكورة والمساعي المأثورة قبل فوات المواعيد ودخول أيام العيد أفندم ، الإمضاء مصلحة عموم المضحكخانة ، تاريخه لا يعرف “.  

وقد ذكره أحمد أمين في كتابه قاموس العادات والتقاليد والتعابير المصرية وذلك في فصل بعنوان (ابن نكتة) يتناول الكتابة الساخرة وتتبع أهم مؤلفيها في العصور الإسلامية فقال : ” ولكن بحمد الله لم نعدم في المصريين من عنوا بهذا الباب ودوَّنوا فيه وقد أردت أن أتتبع التأليف في هذا الباب ومشاهير المضحكين في مصر من عهد الفتح الإسلامي ولكني وجدت ذلك يطول فاكتفيت بإلمامة يسيرة فيما يتعلق بهذا الباب في العصر الحديث.

وقد اتبعت هذه الطريقة فيما بعدُ على لسان الشيخ حسن الآلاتي ، وقد كان فكهًا لطيفًا وكان يجتمع مع بعض أصحابه في البيوت ويتسامرون ويتنادرون ويتكلمون في الجِدِّ والهزل ثم تسامع بهم الأصحاب فكثروا وضاقت عليهم البيوت فاتخذوا قهوة لطيفة في حي الخليفة بالقرب من السيدة سكينة وسموها المضحكخانة الكبرى وشاع صيتها في القاهرة وكان يأتيها الناس من كل ناحية بل كان يأتيها بعض الأمراء في زي الفقراء ليروا هذه الأعجوبة.

وكان يدير هذه الجلسة في القهوة جماعة من الظرفاء رئيسهم الشيخ حسن الآلاتي المذكور ، فيفتحون موضوعًا ويتنادرون عليه وينتقلون من باب إلى باب حتى يتقدم الليل ويتخلل أحاديثهم أحيانًا زجل وأحيانًا قصص وأحيانًا سباب … إلخ ، وقد مات الشيخ حسن الآلاتي سنة ١٨٨٩ م وألف من ذلك كله كتاب دوَّن فيه بعض ما كان يجري سماه ترويح النفوس ومضحك العبوس طبع في ثلاثة أجزاء.

وأظهر ما في هذا الكتاب من فنون المضحكات فن المفارقات فقد ارتقى على يد الشيخ حسن الآلاتي واستخدمه استخدامًا كبيرًا ، فيقول مثلًا في مطلق خطاب له : إلى السيد المهاب والضبع الوثاب الصادق الكذاب عالم العصر ومصلي الظهر وتارك العصر الجاهل بصلاة القصر الذي بني على ظهره مائة قصر أعز إخوان ذي المجد الرفيع الشأن من تهابه الخرفان ولا تحتقره الشجعان الضارب بالنقرزان قاهر ابن خلكان مولانا الشيخ رمضان ، والكتاب مملوء بالقصص والتنكيت وتهزؤ النحو بالإعراب الماجن والعرضحالات على طريقة الدعابة … إلخ.

وكان يعاصر حسن الآلاتي ويجري معه في هذا المضمار عبد الله نديم المتوفى سنة  ١٨٩٦ فقد أنشأ مجلة أسبوعية اسمها التنكيت والتبكيت كما أنشأ مجلة أخرى اسمها الأستاذ وفي كلتا المجلتين كان يمزج الجد بالهزل والكلم السياسي وينقد الحياة الاجتماعية في شكل فكاهي جذاب ، وتتابع هذا الباب فأنشئت جريدة حمارة منيتي وغيرها من المجلات إلى أن كان في أيامنا الكشكول ثم آخر ساعة … إلخ ، كل هذه مدرسة واحدة بعدت عن الأدب الكلاسيكي واتصلت بالأدب الشعبي وعُنِيَتْ بالنكت وبالتعبير اللاذع وبالنقد المخفف بالفكاهة “.

وذكره الزركلي في كتابه الأعلام لكنه أخطأ في تاريخ وفاته فقال : ” الآلاتي ، حسن بن علي الآلاتي الحكواتي متأدب مصري من ظرفاء الكتاب كف بصره كبيرا – وقيل صغيرا – تعلم في الأزهر ومال إلى الغناء فقالوا إنه أول من نهض بالغناء الحديث بما وضع من نظمه وما هذّب من مقول غيره.

وكان حاضرا النكتة أهداه أحد النظار (الوزارء) حذاء في يوم عيد فقال : روينا في الحديث (يستظل المؤمن يوم القيامة في ظل صدقته) ، وعني بنظم الزجل وجمع كناشا سماه (مضحك العبوس) ثلاثة أجزاء ، وكان الظن أنه توفي حوالي سنة ١٣٢٠ لمعاصرته عبد الله فكري باشا وطبقته ثم قرأت أنه زوج ابنة له في ربيع الآخر ١٣٥٥ وذكر ذلك في مطلع أحد أزجاله مولده ووفاته بالقاهرة “.