العصر الخديوي الجزء السادس

51 / سلافة النديم

(سلافة النديم في منتخبات السيد عبد الله النديم) هو عنوان كتاب يضم قسما من أعمال الأديب والكاتب وخطيب الثورة العرابية عبد الله بن مصباح بن إبراهيم نديم الإدريسي الحسني الذي ولد بالإسكندرية عام 1261 هـ / 1843 م وتوفي في إسطنبول عام 1314 هـ / 1896 م ، وهو من رواد الكتابة الساخرة في الأدب العربي وله بصمة كبيرة في تطور الكتابة النثرية في العصر الخديوي باتجاه التخلص من السجع والمحسنات البديعية كما كان له دور كبير في الحياة السياسية والإصلاح الاجتماعي والعمل الأهلي.

وفي نهاية عام 1882 م تم نفي زعماء الثورة العرابية خارج البلاد بعد محاكمتهم ما عدا واحد فقط وهو عبد الله النديم والذي اختفى ولم يعثر له على أثر طوال تسع سنوات كاملة حتى أشيع بأنه قتل أو هرب للخارج ، لكن الحقيقة أن النديم طوال تلك الفترة كان يعيش متخفيا في أرياف وسط الدلتا حيث الحماية الكاملة من أهالي المحلة الكبرى وأجوارها بل إنه تزوج أثناء تلك الفترة من ابنة الحاج مصطفى منى أحد كبار التجار في المحلة وهي التي رافقته في رحلة الأهوال والصعاب ووقفت معه بشجاعة.

وقد كانت رحلة النديم في التخفي أسطورية ويضرب بها المثل حيث تخفى في زي المتصوفة وغادر القاهرة ليلا عن طريق النيل إلى ميت غمر ثم المنصورة ثم عبر إلى مديرية الغربية ونزل بقرية ميت الغرقا (ميت الكرما الحالية) حيث استضافه صديقه الشيخ سعيد الأزهري وشيخ الصوفية شحاتة القصبي والذي رتب له الانتقال إلى قرية العتوة القبلية حيث استضافه عمدتها الحاج محمد الهمشري ثلاث سنوات ومنها إلى كوم الطويل حيث تنكر في هيئة شيخ من الحجاز بمعونة صديقه سيد المغازي.

بعد ذلك انتقل إلى المحلة الكبرى متنكرا في هيئة تاجر مغربي حيث قضى فيها عشرين يوما في إحدى الوكالات التجارية في حماية الحاج مصطفى منى الذي كتم أمره وأعانه وزوجه ابنته ، ولا نعرف هل كانت قصة حب أم زواج تقليدي لكنه يثني على مواقف زوجته في تحمل الشدائد وفي نفس الوقت يحكي بسخريته المعهودة عن كثرة المشاجرات الزوجية معها وكيف أنها في إحدى المرات ضربته في فمه بقبضتها فكسرت له أسنانه وأنه فكر أن يسلم نفسه للإنجليز هربا من نكد الحياة الزوجية  !!

انتقل بعدها مع زوجته إلى سنهور عند سيد أحمد أفندي عبد الخالق ثم ذهب معها إلى القرشية ضيفا على أحمد بك المنشاوي متنكرا في هيئة عالم يمني ومنه إلى منزل صديقه الأديب الفلسطيني محمد التميمي ، بعد ذلك رحل إلى الدلجمون ثم البكاتوش في ضيافة عمدتها إبراهيم حرفوش ونزل بمنزل الحاج إسماعيل الكردي وبمعونة جاره أحمد جودة الذي كان يرافقه ويحميه ثم رحل إلى شباس الشهداء عند محمد معبد الحلاق ومنها إلى دسوق عند صديقه الشاعر محمد شكري المكي كاتب المركز.

عانى النديم كثيرا من الصعاب في رحلته تلك فأحيانا كان يتخفى في سراديب تحت الأرض بالشهور وكان يصنع الحبر فيها من هباب الفرن حيث كتب خلال تلك السنوات أكثر مما كتب قبلها وضاع بسبب الإنجليز فيقول : ” وقد تم لي الآن عشرون مؤلفا بين صغير وكبير فانظر إلى آثار رحمة الله اللطيف الخبير كيف جعل أيام المحنة وسيلة للمنحة والمنة ” ، وهو يثني على وفاء الناس وحبهم للعرابيين رغم أن السلطات وقتها أعلنت عن مكافأة ألف جنيه لمن يرشد عنه وهو مبلغ مهول في تلك الفترة.

ويبدو أنه فقد حذره عندما ذهب مع زوجته في زيارة إلى قرية الجميزة في ضيافة عمدتها الشيخ عبد الغني حيث اشتبه به أحد العملاء السريين وأبلغ عنه فألقي القبض عليه في عام 1891 م ، ومثل للتحقيق أمام رئيس نيابة طنطا قاسم بك أمين (الكاتب المعروف بعد ذلك) والذي عامله معاملة طيبة وأعطاه مالا وتم إرسال زوجته معززة مكرمة إلى المحلة الكبرى وأفرج عن جميع المتسترين عليه ثم نفي إلى يافا وسافر بعدها إلى إسطنبول حيث توفي فيها عام 1896 م ودفن في مقبرة يحيى أفندي.

ولم تفارقه روحه الساخرة في المنفى حيث تم منعه من الكتابة السياسية فاستبدلها بالكتابة الهزلية الساخرة حيث اصطدم بأحد أفراد حاشية السلطان عبد الحميد وهو شيخ الصوفية أبو الهدى الصيادي مستشار السلطان ، فأطلق عليه لقبا بديلا وهو أبو الضلال وكتب فيه كتاب (المسامير) حيث أظهر الشيطان شخصية مهزومة فاشلة أمام زعيم الأشرار (أبو الضلال) ورتب الكتاب على في مقدمة و تسعة مسامير فكان كتابه أحد نفائس فن الهجاء في التاريخ العربي وشفى به غليله وهو آخر ما كتب.

وقد ترجم له جورجي زيدان في كتابه تراجم مشاهير الشرق في القرن التاسع عشر فقال : ” السيد عبد الله نديم ، قد لخصنا ترجمة المرحوم السيد عبد الله نديم من سيرةٍ مطولةٍ بقلم حضرة صديقه الوفي أحمد أفندي سمير.

نشأته الأولى : هو عبد الله بن مصباح بن إبراهيم وينتهي نسبه إلى إدريس الأكبر من أسباط الحسن بن علي ، وُلد بالإسكندرية سنة ١٢٦١ ﻫ / ١٨٣٤ م فحفظ القرآن الكريم قبل أن يبلغ التاسعة وكان أبوه وسطًا في اليسار فلما رأى ذكاءه ونجابته أدخله مدرسة جامع الشيخ إبراهيم باشا فقرأ على أكابر الأشياخ فأتقن فقه الشافعي والأصول والمنطق وعلوم الأدب اللسانية وهو في سن المراهقة.

فأخذ من ذلك الحين يقول الشعر الرقيق والنثر المسجوع المحكم فما لبث أن سارت الأمثال ببدائع آدابه وتسابَق بلغاء الكتَّاب والشعراء إلى مطارحته ، وكانت الكتابة إلى ذلك العهد قاصرة على السجع فتوخى المترجم فيها أساليب جديدة في الإنشاء فاق فيها المتقدمين وأعجز المتأخرين تشهد بذلك رسائله الأدبية ومؤلفاته التي تبلغ نحو مائة مؤلفٍ في فنونٍ مختلفة فُقد أكثرها سرقةً أو اغتصابًا أو حرقًا أو إغراقًا في مياه النيل كما سيأتي تفصيله.

وكان رحمه الله  منذ ترعرع جريئًا مقدامًا يميل إلى ركوب الأخطار ومعاناة الشدائد سعيًا وراء المعالي وقد رأى أن ذلك لا يُنال عفوًا فكان أول ما بدأ به من تلك المطالب المعجزة أنه نظر في الوجود نظرة باحثٍ مدقق فتبين له أن الاشتغال بالعلم ربما عاقه عن بلوغ مقصده ، فتعلَّم صناعة التلغراف وأتقنها في أقلَّ مما يُتصور من الزمن كأن الكهرباء لم توجد إلا لتزاحم خاطره في السرعة فلم يمضِ عليه بضعة أسابيع حتى استُخدم تلغرافيًّا (أو تلغرافجيًّا) في مكاتب مختلفة أهمها مكتب تلغراف القصر العالي الخاص على عهد عزيز مصر المغفور له إسماعيل باشا الخديوي الأسبق.

ولم تكن وفرة الأعمال عائقة له عن التحصيل فقد كان يغتنم نوبة فراغه من العمل فيتردد إلى الجامع الأزهر يطالع مع بعض رفاق شبيبته الدروس التي كانوا يشتغلون بها وأخَص هؤلاء الرفاق العلَّامة الشيخ حمزة فتح الله المفتش الأول للغة العربية بنظارة المعارف المصرية ، ثم طرأ ما أوجب انفصاله عن الخدمة فاتصل بكثيرٍ من المقربين والعظماء فكانت له معهم مجالس مشهودة حضرها أفاضل الشعراء والمنشئين وناظروه وطارحوه نظمًا ونثرًا فظهر عليهم جميعًا.

ثم قصد المنصورة ترويحًا للنفس ورأى أن التجارة خير رياضةٍ له فأنشأ هنالك متجرًا فراجت سوق بضاعته رواج آدابه ، ولكن كرمه تغلب على رأس المال والربح ففقدهما جميعًا وكان بيته ومتجره كعبة يحج إليها رجال الأدب وكانوا يتحدثون بمعجز رسائله ومحرراته نظمًا ونثرًا.

نشأته السياسية : ثم عاد إلى الإسكندرية أوائل سنة ١٨٧٩ م وهنالك أخذت شمس حياته السياسية تبدو، فكان أول سعيه في هذا السبيل أن اجتمع بصديقيه المخلصين محمد أفندي أمين باشكاتب محكمة أسيوط الأهلية ومحمود واصف أفندي أحد جامعي كتاب سلافة النديم ومحرر جريدة العدل وكانا وقتئذٍ من مؤسسي جمعية مصر الفتاة فكان الأول نائب رئيسها، والثاني كاتم أسرارها ، فتعرف ليلة اجتماعه بهما بالمأسوف عليهما أديب أفندي إسحاق وسليم أفندي النقاش صاحبَي جريدتي مصر والتجارة وتعرف بكثيرٍ من أعضاء هذه الجمعية وشرع في بث أفكاره بما كان ينشره في تينك الجريدتين.

ثم رأى أن جمعية مصر الفتاة سرية يُخشى عليها من الحكومة فأقنع صديقيه المشار إليهما بالانفصال عنها فانفصلا وتبعهما كثير من أعضائها ثم ذاكرهما في إنشاء جمعية علنية تسعى فيما يعود على الوطن وأهله بالمنفعة الحقيقية فاستصوبا رأيه ، وشرع منذ ذلك الحين في تأليف قلوب أهل الثغر علمًا بأن المرء قليل بنفسه كثير بإخوانه فتألَّفت الجمعية الخيرية الإسلامية في آخر ولاية المغفور له إسماعيل باشا والقلوب واجفة والأفكار مضطربة وقد خرست الألسنة وغُلَّت الأيدي إلى الأعناق.

حتى دنت ساعة الفرج بولاية المرحوم محمد توفيق باشا فقُرَّت العيون وهدأت الأفكار فقام المترجم يُثبِّت دعائم دعوته ويبث في الأذهان فوائد الاجتماع بلسان طلق فبرزت الجمعية الخيرية بمساعيه في ثوب الائتلاف وتسارع أعيان الثغر ووجهاؤه للانتظام في سلكها ، وكانت هي أول جمعيةٍ إسلاميةٍ أُسست في القُطر المصري وكانت ترمي إلى غرضٍ واحد هو تربية الناشئة وبث روح المعارف فيهم لترقية الأفكار وتطهير الأخلاق من دنس الجهالة.

فأنشأت هذه الجمعية مدرسة لتعليم الأيتام وأبناء الفقراء مجانًا فسعى المترجم جهده حتى أكسبها عناية أمير البلاد فجعلها تحت رئاسة ولي عهده ووريث تاجه إذ ذاك وهو خديونا الحالي ـ أطال الله عمره ـ فكان ذلك أدعى لنشاط رجالها وزيادة اهتمامهم فسعَوْا في توسيع دائرة المدرسة واستحضروا لها فضلاء المعلمين من العرب والإفرنج ، وأقاموا المترجم مديرًا لها فوضع لها أساسًا مُحكمًا وعلَّم فيها الإنشاء وعلوم الأدب فنمت وزهت حتى زاد عدد الطلاب فيها على الثلاثمائة في زمنٍ وجيز ورتبت لها نظارة المعارف ٢٥٠ جنيهًا كل عام.

فلما رأى المترجم أن غرسه قد كاد يُثمر استرحم المغفور له الخديوي السابق أن يُنعم على الجمعية بالمدرسة البحرية لاتساعها وجودة موقعها فأجابه إلى ما طلب ، ولقد بلغت هذه المدرسة من الشهرة وبُعد الصيت على قِصر المدة ما لم يبلغه غيرها في أزمانٍ متطاولة ونالت من الْتفات المرحوم توفيق باشا ونجليه الكريمين سمو الخديوي الحالي ودولة شقيقه ما رفع قدرها ونشَّطها وزادها زهوًا ونماءً ، مع ما كان يبذله صاحب الترجمة من العناية في عقد الحفلات العامة في بهرة المدرسة يحضرها كبار القوم وسراتهم فيسمعون المطرب والمغرب منه ومن تلامذته ثم ينصرفون ولا حديث لهم إلا ترداد ما سمعوه من العبارات الآخذة بمجامع القلوب.

وفي تلك الأثناء مثَّل المترجم بالإسكندرية حالة البلاد وكيف يكون الوصول إلى الشهامة والمروءة بروايتيه المشهورتين باسمَي الوطن والعرب مثَّلهما هو وتلامذته في ملهى زيزينيا بحضرة ساكن الجنان الخديوي السابق فكان لهما في نفسه من حُسن الوقع ما بعثه على أن يدفع من ماله الخاص مائة جنيهٍ مساعدةً للجمعية ، ولكن الحسد جرَّ بعض ذوي النفوذ إلى الإيقاع بالنديم ففُصل عن الجمعية وأُقيل من إدارتها.

وكان قبل ذلك قد ترك الكتابة الأدبية واشتغل بالتحرير السياسي على الأسلوب الحديث بلا سجعٍ ولا تقفية فكان يحرر في جريدتي المحروسة والعصر الجديد اللتين صُرِّحَ للمرحوم سليم أفندي النقاش بإصدارهما عقيب إلغاء (التجارة ومصر) وإبعاد المرحوم أديب أفندي إسحاق إلى خارج مصر فجاء فيهما بالمعجب والمطرب ، وما زال كذلك حتى استدعى صاحبهما من بيروت الكاتبين الفاضلين سليم أفندي عباس والمرحوم فضل الله أفندي الخوري فترك لهما أمر هاتين الجريدتين وأنشأ (التنكيت والتبكيت) وهي جريدة أسبوعية ظاهرها هزل وباطنها جد فأودعها ما لم يسبقه أحد من كُتَّاب العرب إليه.

ثم استبدلها ﺑالطائف على ما قضت به المناسبات الزمانية قبيل الثورة العرابية ، وكانت الطائف سياسية محضة بلغت من الشهرة ما لم تبلغه جريدة قبلها من التأثير على الأذهان ، ثم اغتصبها منه أمراء الجند أثناء الثورة ولم يدَعوا له منها غير الاسم فكانوا ينشئون فيها ما يشاءون دون أن يَقدر على رد واحدٍ منهم حتى انطفأت جمرة تلك الثورة فاختفى.

أما قيامه بنصرة الحزب الوطني فسببه أنه لاقى من معاملة الحكومة له ولغيره ما يدل على تفضيلها الأجنبي لخدمتها على الوطني ، واتفق ظهور نيران الثورة فأصابت منه هوًى في الفؤاد فتمكنت لأنه سمع رجالًا تنادي بطلب الإصلاح وتعقد الاجتماعات العلنية مجاهرة بمقاصدها في أهم الصحف حتى اتفقت الآراء على أن في مصر حزبًا وطنيًّا لا همَّ له إلا انتشال البلاد من وهدة الخراب ، فكانت رسل الحزب العسكري تتردد على المترجم ورؤساؤه يكرمونه ويعظمونه فما زالوا به حتى انضم إليهم فوَسَمُوه بخطيب الحزب الوطني واتخذوا جريدته مجالًا لأقلام كثيرين منهم ومظهرًا لأفكارهم ولكنه كان يتأفَّف سرًّا من وقوعه في تلك الورطة فإذا خلا بأحدٍ من أخصائه أظهر له حقيقة ما يُضمر وأنبأه بمصير تلك الحال.

ولم يمضِ بضعة أسابيع حتى هاجت القاهرة وماجت إذ أنبأها البرق بضرب الإنكليز للإسكندرية في ١١ يوليو سنة ١٨٨٢ م وانتشاب الحرب بينهم وبين عرابي ، فقام المترجم مع محمود باشا سامي البارودي وغيره من رؤساء الجند المتخلفين إلى الإسكندرية فوجدوا الجيش المصري يتأهب لمغادرتها إلى كفر الدوار بعد أن صارت معالمها دوارس فباتا (هو وسامي) في منزل المترجم.

فلما كانت ما يسمُّونه بواقعة التل الكبير في ١٥ من شهر سبتمبر سنة ١٨٨٢ م وقت السحر فرَّ عرابي وأخوه وعلي الروبي وتبعهم المترجم فجاءوا القاهرة في الساعة الرابعة بعد الظهر وساروا توًّا إلى قصر النيل مركز نظارة الحربية إذ ذاك ، فتألَّف وفد ليسيروا إلى الإسكندرية يلتمسون العفو من الخديوي والنديم في جملتهم ولكنه لم يصل الإسكندرية بل عاد من كفر الدوار واختفى من ذلك الحين.

فقضى عشر سنواتٍ مختفيًا في مديرية الغربية بين ميت الغرقا والعتوه والجميزة وغيرها فيتنكر تارة بزي الدراويش وطورًا بزي المغاربة أو غيرهم والحكومة تبث العيون والأرصاد للقبض عليه وهو أقرب إليها من حبل الوريد ، فلما أعيتها الحيلة جعلت لمن ينبئها بمكانه مكافأة مقدارها ألف جنيه وكان العارفون بمكانه كثيرين ولكنهم حافظوا على ولائه فأخفَوْه مكرمًا معززًا حتى قُبض عليه في شهر نوفمبر سنة ١٨٩١ م أواخر ولاية المرحوم توفيق باشا فجيء به إلى طنطا حيث حُبس أيامًا.

وسُئل عن موجب اختفائه فأوضحه بما لا يخرج عما تقدم فعفا الجناب الخديوي عنه ولكنه أمر بإبعاده إلى حيث يشاء من البلاد غير المصرية ، فاختار يافا من ثغور فلسطين فسافر إليها بإكرام وأقام هناك مدة ثم أزمع السياحة في تلك البلاد المقدسة فخرج من يافا في مارس سنة ١٨٩٢ م مع صديقٍ له إلى جبل الطور المسمى جبل جارزيم وزار مقام العزيز هناك وقبور كثيرين من الأنبياء ومرَّ بأماكن كثيرةٍ من جملتها نابلس ومدينة الخليل وبيت لحم والمسجد الأقصى ثم عادا إلى يافا.

وفي تلك السنة (١٨٩٢ م) تولى الأريكة الخديوية سمو العزيز عباس باشا الثاني فعفا عن المترجم فعاد من يافا إلى القاهرة وظل مترددًا بينها وبين الإسكندرية أكثر من شهر ثم اتخذ الأولى موطنًا ، وأنشأ بها مجلته العلمية الأدبية التهذيبية (الأستاذ) فنالت من الشهرة والانتشار في شهورٍ ما لم تنله سواها بأعوام وكان لها تأثير شديد في أفكار الأمة على اختلاف نِحَلها ، ثم ألغيت لأسباب يعلمها كل متدبر لأن العهد بها غير بعيد.

وكُلِّف المترجم بالخروج من مصر فغادرها ثانية إلى يافا ودفعت له الحكومة المصرية أربعمائة جنيهٍ يعتد بها لسفره ورتبت له ٢٥ جنيهًا كل شهر على شرط أن لا يكتب شيئًا في الجرائد يختص بسياسة مصر ، فلبث أربعة أشهر في يافا ثم أعيد منها بإرادةٍ سلطانية فرجع إلى الإسكندرية وأقام فيها أيامًا قابل في خلالها صاحب الدولة الغازي مختار باشا المندوب السلطاني العالي فساعده هذا على المسير إلى الآستانة فسافر إليها ، وصدرت الإرادة السلطانية بتعيينه مفتشًا للمطبوعات بالباب العالي وترتيب ٤٥ جنيهًا مجيديًّا له كل شهرٍ فوق ما كان يتقاضاه من الحكومة المصرية وكان ينفقها كلها في سُبُل الخيرات والبر بالأهل والأقارب والأصدقاء.

وقد نال لدى المقام السلطاني الحظوة الكبرى وتعرَّف بكثيرٍ من الوزراء وأرباب المظاهر العلمية ولكنه اختص بالملازمة والمودة الإمام العلَّامة الفيلسوف السيد جمال الدين الأفغاني فاتصلت بينهما أسباب الألفة وتمكَّنت منهما روابط الاتحاد حسًّا ومعنًى ، وقد بلغ تعلق السيد جمال الدين به وجميل اعتقاده فيه أنه أصبح وأمسى يعجب بقوة حجته في المناظرة والجدل وسرعة بديهيته في التحضير حتى صرَّح في عدة مجالس بأنه ما رأى مثل النديم طول حياته في توقُّد الذهن وصفاء القريحة وشدة العارضة ووضوح الدليل ووضع الألفاظ وضعًا محكمًا بإزاء معانيها إن خطب أو كتب.

وقد كان يودُّ الرجوع إلى مصر ليقضيَ بها بقية أيامه فلم تتِح المنية ذلك فداهمته بمخالبها فقضى بداء السل الرئوي في ١١ أكتوبر سنة ١٨٩٦ م فأمر جلالة السلطان أن يحتفل بمشهده على نفقة الجيب الشاهاني الخاص ، فسار أمام نعشه فرقتان من الجيش وفرقة من الشرطة وتلامذة المكتب السلطاني وعدة من الوجوه والكبراء والعلماء يتقدمهم السيد جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد ظافر شيخ السلطان والسيد عبد الرحمن الجزولي حتى دفنوه في باشكطاش ، ولقد مات المترجم ولم يورِّث أهله إلا الحزن والعناء لأنه كان يقبض مرتبه من مصر والآستانة فلا يمضي عليه بضعة أيام حتى يفرغ من توزيعه على الأقارب والأباعد دون نفسه.

أما أخلاقه فإنه كان برًّا بوالديه وذوي قرابته وقصَّاده ولو لم يكن يعرفهم فما أقرض أحدًا شيئًا وطالبه به ولا رد يومًا سائلًا ولا خضع لعظيمٍ قط وإنما كان يلين ويتواضع لصغار الناس وأوساطهم وكان ذكيًّا فطنًا قوي الحافظة فصيحًا جريئًا شاعرًا مطبوعًا وكاتبًا ناثرًا.

مؤلفاته وكتاباته : ومن مؤلفاته الكثيرة ديوان شعرٍ يشتمل على نحو أربعة آلاف بيتٍ نظمها وشبابه باسم الثغر طلق المحيا ، وديوان آخر في نحو ثلاثة آلاف بيت ، وروايتا الوطن والعرب ، ورسائل أدبية مسجوعة لم تصل أيدي جامعي السلافة منها إلا إلى أربع عشرة رسالة بعد السعي الكثير ومكابدة العناء الجزيل ، وكان ويكون (وهو الذي طبع بعضه في الأستاذ).

وواحد وعشرون كتابًا في فنونٍ مختلفة قطع لأجلها أيام حرب الاختفاء رقاب الفراغ بسيوف الأقلام منها ديوان شعرٍ يحتوي على ما يقارب عشرة آلاف بيت وهو الآن محجور عليه في الآستانة ، ومنها النخلة في الرحلة ، والاحتفاء في الاختفاء ، والشرك في المشترك ، وكتاب في المترادفات، وآخر في اللغة سمَّاه موحد الفصول وجامع الأصول ، والفرائد في العقائد ، واللآلئ والدرر في فواتح السور ، والبديع في مدح الشفيع ، وأمثال العرب ، وغير ذلك.

وقد فُقد كثير من مؤلفاته ومنظوماته حرقًا أو ضياعًا أو اغتيالًا على أن شقيقه عبد الفتاح أفندي نديم وصديقه محمود أفندي واصف قد عُنيا في جمع ما تيسَّر من ذلك في كتاب سمياه (سلافة النديم في منتخبات السيد عبد الله نديم) وطبعاه فمن أراد الاطلاع على ما كتبه النديم أو نظَمه أو خطبه فعليه بالسلافة “.

وفي كتابه الأزهر وأثره في النهضة الأدبية الحديثة تحدث محمد كامل الفقي تأثير النديم في عالم الأدب والسياسة وتناول كتاباته النثرية وأشعاره بالنقد والتحليل فقال : ” شخصيته : تبدو عظمة الشخصية في كل مظاهر النديم وفي جميع مراحل حياته فلقد كان أكبر من أن يدل عليه في كل أمر يتصل به إنما تنطق شخصيته وتطالعك قوتها وبروزها حتى تعجب لها ، تبرز شخصية النديم في كتابته وخطابته وأحاديثه ولقد أشرب حب جمال الدين وتشربت مبادئه إلى شغاف قلبه فنم عن الإيمان بها كتابة وخطابة وحديثا، وما كان للحكومات المتوالية أن تضيق الفذة من معاني النحوة والشجاعة والثورة، وهو هو النافذ إلى القلوب إذا خطب أو كتب لأن التأثر به كان من بيانه ووجدانه أو هما معا.

ولقد تظهر شخصية النديم في وطنيته الجارفة التي لا تبالي بقوة في الأرض والتي تزيدها المحن مضاء وعزما ، لقد فنى في الثورة العرابية ووهب لهما نفسه وحسه ولو اقتصر وفاؤه لها على الدعوة لها ومؤزارتها والجهد في نجاحها لكان كأحد أبطالها لا يتميز منهم إلا بفصاحته ولكنه امتاز بالوفاء للثورة بعد فشلها وإخفاقها فإن دعاة الثورة وأنصار كل حركة يتنكرون لها بعد الهزيمة ولكن النديم من الشخصيات القليلة التي أخلصت للثورة في محنتها وهذا ما يسمو به إلى مصاف الأبطال.

وهو الزعيم الوحيد بين العرابيين الذي استمر في جهاده السياسي ونضاله عن مصر في عهد الاحتلال وهي ميزة كبرى انفرد بها دون بقية الزعماء الذين أثرت فيهم الهزيمة فوهنت لها روحهم المعنوية وانطفأت فيهم شعلة الأمل والحماسة والجهاد ، أما هو فقد ظل على جادته واستمر يجاهد ويناضل حتى آخر نسمة من حياته وهذا وحده يدلك على مبلغ علو نفسه وقوة شخصيته إذا لم تنل منه الشدائد ولم يضعف إزاء المحن والكوارث ولم يعرف اليأس إلى قلبه سبيلا

تأثر مصطفى كامل النديم : لا ريب في أن كثير من الناس قد تأثر بالنديم في دعوته وأنه جذب إليه جمهرة ممن وجدوا فيه مثلا لجهارة الرأي وفصاحة القول فمثل النديم من يكون مدرسة يتخرج فيها الناهضون ، ولقد كان ممن أوحى النديم إليهم ولقنهم مضاء العزم الزعيم الشاب المغفور له مصطفى كامل فقد عرف النديم فيه روح الثورة وطالعته من مواهبه أمارات الزعامة. واستهوى النديم جمهرة من الشباب الأحرار كان مصطفى كامل في طليعتهم وفي مقدمة الذين وثقوا اتصالهم به وكان من نتائج هذا الاتصال أن اكتسب مصطفى بعض صفات النديم وتلقى عنه فكرة الاتفاق مع الخديو حتى تسهل الدعوة إلى الاستقلال وكان من أول ثمرات هذه الفكرة أن أقيم احتفال سنوي في عيد الجلوس.

ويقول تشارلز آدمس : (لما عاد السيد عبد الله النديم من يافا في المرة الأولى سنة ١٨٩٢ سمع بمصطفى كامل الذي كان حينذاك طالبا بدأ يحرر في الصحف ويهيج الطلاب فبحث السيد عبد الله نديم عن ذلك الوطني الشاب وقص عليه قصته وروى ما مر عليه من حوادث وليس من شك في أنه غرس في نفسه آراءه المتطرفة).

خطابته : كان النديم خطيبا مفوها بليغ التأثير نافذ القول قوي الأداء جهير الصوت يرتحل فلا يعجبه الارتجال ويفجؤه الموقف فلا يزيده إلا حسنا يملك مشاعر السامعين بحسن أسلوبه وعذوبة صوته ولا غرو أن لقب بحق (خطيب الثورة العرابية) ولقد لقب بحق خطيب الشرق كما لقب بخطيب الحزب الوطني.

كان من النافخين في ضرام الثورة العرابية ولما تأججت جمراتها كان خطيبها الفذ وفارسها المعلم وكان خلابا في خطابه غلابا في جدله قويا في برهانه رائعا في بيانه وقد أعانه على ذلك جرأة قلبه وإقدام نفسه وصفاء قريحته وتوقد خاطره في الأدب وتمكنه من الفصاحة ، ومما يؤثر عن السيد جمال الدين الأفغاني أنه قال : ما رأيت طوي حياتي مثل النديم في توقد الذهن وصفاء القريحة وشدة العارضة ووضوح الدليل ووضع الألفاظ وضعا محكما بإزاء معانيها إذا خطب أو كتب.

ويصفه السيد رشيد رضا بأنه اشتهر من بين تلاميذ جمال الدين بخطابة التهييج في عهد الثورة العرابية فكاد يسعر نارها ، ولم تك تصلح إلا له ولم يك يصلح إلا لها فإنه ذو خلابة وغلو ولا يهيج العامة إلا الغلو ، ويقول الأستاذ أحمد سمير مترجمه في صدر مختاراته المعروفة بسلاقة النديم : ويعلم الله أني ما رأيت طول حياتي أخطب منه على كثرة من سمعت في الشرق والغرب من كبار الخطباء الذين تضرب ببلاغتهم وقوة براهينهم الأمثال.

كتابته : كان النديم أحد الذين حرروا الكتابة من قيود السجع والصنعة وجروا بها مجرى السهولة والتدفق وقد كانت كتابته مطبوعة بطابع الوضوح والإشراق والتسلسل وكانت صورة ناطقة تمثل المجتمع المصري والحياة الفكرية في مصر ، وقد أعانه على ذلك صفاء نفسه من التعقيد وسهولة منحاه وميله إلى الفكاهة والنكتة التي هي من جوانب الحياة المصرية وأغلب ما يتسم بهذا الطابع إنما هو كتابته الصحفية فقد جاءت سهلة العبارة واضحة المعنى مسترسلة الأسلوب فكان إذا كتب فإنما يرتجل الخطابة لسهولة منحاه وتدفق كلامه وسهولة عباراته.

على أن تعقيد التراكيب والتواء الغرض وخشونة العبارة كل ذلك لا يلائم رسالته الصحفية ولا يعنيه على معالجة الشئون المختلفة التي كان يتناولها قلمه في صحف غيره ثم في صحفه ، ولو أنه جاء مستغلقا مبهم الغرض،ملتوي الأسلوب لما اتسقت له هذه المكانة المحسودة وتلك الشهرة الذائعة ، ومما امتاز به النديم أسلوبه الساخر اللاذع فقد كان يودع كتابته الحقيقة المرة والمغزى الموجع دون أن يصخب أسلوبه أو يثير في متجهه ضجة.

على أن النديم يسهل ويتبسط ويرق أسلوبه ولكنه يتصفح في عبارته ويتأنق في صياغته ويشك السجع ويمر بالمحسن لمامًا إذا أراد مجاراة الأدب في زمانه فيأتي بما يشاكل أدب أقرانه مطبوعا بطابع التجويد والصنعة في رسالة إخوانية أو خطبة منبرية يحررها أو مقامة أدبية يصنعها إذا كتب في هذا الضرب من الكتابة نهج نهجا متبعا لأن هذه الأساليب ليست من عمل الفطرة والارتجال ولا بد لها من قالب متفق عليها في أساليب المتقدمين ، وللنديم مقالات قريبة من اللغة العامية في صحفة مثل مصري تفرنج وغيرها من هذا النوع وصف فيها الرذائل الفاحشة ونقد أحوال المجتمع وغيرها.

شعره : نستطيع أن نقول إن النديم كان خطيبا مطبوعا ولكنه لم يكن شاعرًا مطبوعا وذلك لأن النديم رجل ثورة والثورة لها خطباء فحول تعتمد عليهم وكتاب أفذاذ تنهض بهم ، ولكن ليس لها من شعراء من يغني هذا الغناء فما كان الشعر متسعا لهذه الأفكار الهائجة وتلك الخواطر الصاخبة اتساع الكتابة والخطابة لذلك ، نعم قد يتأتى للشاعر المقتدر أن يودع قريضه الخواطر الثائرة ولكن الخواطر الثائرة شيء والتحريض شيء آخر يتطلب أقوى من الشعر وسيلة وأداة وأفسح منه ميدانا ومجالا فقيود الشعر تحدمن انطلاق الفكر وتضع التعبير موضعا ملتزمًا على أن الشعر لخواص الناس والطبقة العليا منهم في الفهم والإدراك فإذا أثار الشاعر بشعره فإنما يثير الخاصة ولا يبلغ من العامة مبلغا ينهضهم على ما يريده الرجال الثائرون.

زجله : للنديم كثير من الزجل المطبوع الذي يمثل الحياة الاجتماعية في مصر بأسلوبه الدارج وتركيبه العام، وقد كان غزير النبع لا يغيض معينه منه ولا تعيا به قريحته ، وإذا كان الزجل المرتجل يعتمد على البديهة،وشدة العارضة فإن النديم كان آية الآيات في ذلك حتى إنه لتعرض لمواقف الزجل المرتجلة ويقوم على مناظرة المتمهرين فيه يكون أكثرهم غلبا وأعلاهم كعبًا ، وقد ذكر في مجلته الأستاذ قصة تشهد باقتداره على الزجل ومعاطاته على طريق الارتجال وتفوقه على الذين جودوه وتفرغوا له “.

52 / العروة الوثقى

(العروة الوثقى) هو عنوان الجريدة التي أصدرها في باريس رائد الإصلاح السياسي في العالم الإسلامي السيد جمال الدين الأفغاني وذلك في رد فعل على ما حدث في مصر من إخفاق للثورة العرابية وما تبعه من مساوىء الاحتلال البريطاني لها ، وكانت علاقة الأفغاني بالنخبة المصرية المثقفة قد توثقت خلال السنوات العشر التي قضاها بالقاهرة وانتهت بترحيله من البلاد بعد أن بث الروح الثورية في نفوسها.

ولذا كتب في فاتحة الجريدة مقالة يقول فيها : ” بلغ الإجحافُ بالشرقيين غايتَه ووصل العدوانُ فيهم نهايتَه وأدرك المتغلبُ منهم نكايتَه خصوصًا في المسلمين منهم ، فمنهم ملوكٌ أُنزِلوا عن عروشهم جورًا وذوو حقوق في الإمرة حُرموا حقوقهم ظلمًا وأعزاء باتوا أذلاء وأجلاء أصبحوا حقراء وأغنياء أمسَوا فقراء وأصحاء أضحوا سقامًا وأُسود تحولت أنعامًا ، ولم تبق طبقة من الطبقات إلا وقد مَسَّهَا الضر من إفراط الطامعين في أطماعهم.

خصوصًا من جراء هذه الحوادث التي بذرت بذورها في الأراضي المصرية من نحو خمس سنوات بأيدي ذوي المطامع فيها حملوا إلى البلاد ما لا تعرفه فدهشت عقولها وشدوا عليها بما لا تألفه فحارت ألبابها وألزموها ما ليس في قدرتها فاستعصتْ عليه قواها وخضدوا من شوكة الوازع تحت اسم العدالة ليهيئوا بكل ذلك وسيلة لنيل المطمع ، فكانت الحركة العرابية العشواء فاتخذوها ذريعة لما كانوا طالبين فاندفع بهم سيلُ المصاعب بل طوفان المصائب على تلك البلاد، وظنوا بلوغ الأرب ولكن أخطأ الظن وهَمُّوا بما لم ينالوا.

لم تكد تخمد تلك الحركة في بادئ النظر حتى خلفتْها حركةٌ أُخرى وفُتح بابٌ كان مسدودًا وقام قائم بدعوةٍ لها المكانة الأولى في نفوس المسلمين بل هي بقية آمالهم ، ولا ندري الآن ماذا تستعقبه هذه الحركة الجديدة وربما يوجَد من يدري أن مسببيها في حيرة من تلافيها ، نعم إنهم غرسوا غرسًا إلا أنهم سيجنون أو هم الآن يجنون منه حنظلًا ويطعمون منه زقومًا.

لا جرم هذه هي العواقب التي لا محيص عنها لمن يغالي في طمعه ويغلغل في حرصه ولو أنهم تركوا الأمر من ذاك الوقت لأربابه وفوضوا تدارُك كل حادث للخبراء به والقادرين عليه العَارِفين بطرق مدافعته أو اقتناء فائدته لحفظوا بذلك مصالحهم، ونالوا ما كانوا يشتهون من المنافع الوافرة بدون أن تزل لهم قدمٌ أو ينكس لهم علم.

غير أنهم ركبوا الشَّطَط وغَرَّهم ما وجدوا من تفرق الكلمة وتشتُّت الأهواء وهو أنفذُ عواملهم وأَقْتَلُها وما علموا أنه وإن كان ذريع الفتك إلا أنه سريع العطب ، وما أسرع أنْ يتحول عند اشتداد الخطوب إلى عامل وحدة يسدد لقلوب المعتدين فإن بلاء الجور إذا حل بشطر من الأمة وعوفي منه باقيها كانتْ سلامة البعض تعزية للمصابين وحجاب غفلة للسالمين يحول بينهم وبين الإحساس بما أصاب إخوانهم أما إذا عَمَّ الضرر فلا محالة يحيط بهم الضجر ويعز عليهم الصبر فيندفعوا إلى ما فيه خيرهم ولا خير فيه لغيرهم.

إن الحالة السيئة التي أصبحت فيها الديار المصرية لم يسهل احتمالها على نفوس المسلمين عمومًا ، إن مصر تعتبر عندهم من الأراضي المقدسة ولها في قلوبهم منزلةٌ لا يحلها سواها نظرًا لموقعها من الممالك الإِسلامية ولأنها بابُ الحرمين الشريفين فإنْ كان هذا الباب أمينًا كانتْ خواطر المسلمين مطمئنة على تلك البقاع وإلا اضطربتْ أفكارُهم وكانوا في ريب من سلامة رُكن عظيم من أركان الديانة الإِسلامية.

إن الخطر الذي أَلَمَّ بمصر نغرت له أحشاء المسلمين وتكلمت به قلوبهم ولن تزال آلامه تستفزهم ما دام الجرح نغارًا ، وما هذا بغريب على المسلمين فإن رابطتهم الملية أقوى من روابط الجنسية واللغة وما دام القرآنُ يُتلى بينهم وفي آياتِهِ ما لا يذهب على أفهام قارئيه فلن يستطيع الدَّهْر أن يذلهم.

إن الفجيعة بمصر حركتْ أشجانًا كانت كامنة وجَدَّدَتْ أحزانًا لم تكن بالحسبان وسرى الألمُ في أرواح المسلمين سريانَ الاعتقاد في مداركهم وهم من تذكار الماضي ومُراقبة الحاضر يتنفسون الصعداء ، ولا نأمن أن يصير التنفُّس زفيرًا بل نفيرًا عامًّا بل يكون صاخَّةً تمزق مسامع من أصمه الطمعُ.

إن أولى المتغلِّبِين بالاحتراس من هذه العواقب جيلٌ من النَّاس لا كتائب له في فتوحاته إلا المداهاة ولا فيالقَ يسوقُها للاستملاك سوى المُحاباة ولا أَسِنَّة يحفظ بها ما تمتد إليه يده إلا المراضاة يظهر بصور مختلفة الألوان متقاربة الأشكال كحافظ عروش الملوك والمُدافع عن ممالكهم ومثبت مراكز الأمراء ومُسَكِّن الفتن ومخلِّص الحكومات من غوائل العصيان وواقي مصالح المغلوبين.

فكان أول ما يجب عليه ملاحظته في سيره هذا أن لا يأتي من أعماله بما يهتك هذا الستر الرقيق الذي يكفي لتمزيقه رجع البصر وكر النظر وأن يتحاشى العنف مع أمة يشهد تاريخها بأنها إذا حنقت خنقت ، وليس له أن يغتر بعدم مكنتهم وهو يعلم أن الكلمة إذا اتحدت لا تعوزها الوسائط ولا يعدم المتحدون قويًّا شديد البأس يساعدهم بما يلزمهم لترويج سياسته وإن المغيظ لا يبالي في الإيقاع بمناوئه أسلم أو عطب فهو يضر ليضر إن مسه الضر.

إلا أن غشية النهم ذهبت بعقول المنهومين ووقرتْ أسماعهم عن حسيس الهمسات المتراسلة من الهند إلى مكة ومن مكة إلى مصر والكرير الممتد من مصر إلى مكة ومن مكة إلى الهند وكلها تتلاقى بين تراقي المغرورين بقوتهم المسترسلين في جفوتهم.

إن الرزايا الأخيرة التي حلتْ بأهم مواقع الشرق جددت الروابط وقاربتْ بين الأقطار المتباعدة بحدودها المتصلة بجامعة الاعتقاد بين ساكنيها فأيقظتْ أفكار العقلاء وحولتْ أنظارهم لما سيكون من عاقبة أمرهم ، مع ملاحظة العلل التي أدتْ بهم إلى ما هم فيه فتقاربوا في النظر وتواصلوا في طلب الحق وعمدوا إلى معالجة الحق وعلل الضعف راجين أن يسترجعوا بعض ما فقدوا من القوة ومؤملين أن تمهد لهم الحوادث سبيلًا حسنًا يسلكونه لوقاية الدين والشرف ، وإن في الحاضر منها لنهزة تغتنم وإليها بسطوا أكفهم لا يخالونها تفوتهم ولئنْ فاتتْ فكم في الغيب من مثلها وإلى الله عاقبة الأُمور.

تألفتْ عصبات خير من أولئك العقلاء لهذا المقصد الجليل في عدة أقطار خصوصًا البلاد الهندية والمصرية ، وطفقوا يتحسسون أسباب النجاح من كل وجه ويوحدون كلمة الحق في كل صقع لا ينون في السعي ولا يقصرون في الجهد ولو أفضى بهم ذلك إلى أقصى ما يُشفق منه حيٌّ على حياته.

 ولما كانتْ بدايتهم تستدعي مساعدة من يضارعهم في مثل حالهم رأوا أن يَعقدوا الروابط الأكيدةَ مع الذين يتململون من مُصابهم ويحبون العدالة العامة ويُحامون عنها من أهالي أوروبا وكتبوا على أنفسهم النظرَ في أمر السلطة العامة الإِسلامية وفروض القائم بها ، وبما أن مكة المكرمة مبعث الدين ومناط اليقين وفيها موسم الحجيج العام في كل عام يجتمع إليه الشرقي والغربي ويتآخى في مواقعها الطاهرة الجليل والحقير والغني والفقير كانت أفضل مدينة تتواردُ إليها أفكارُهم ثم تنبث إلى سائر الجهات والله يهدي من يشاء إلى سواء السبيل.

ولَمَّا كان نيل الغاية على وجه أبعدَ من الخطر وأقربَ إلى الظفر يستدعي أن يكون للداعي في كل قلب سليم نفثةُ حق ودعوة صدق طلبوا عدة طرق لنشر أفكارهم بين مَنْ خفي عن شأنهم من إخوانهم واختاروا أن يكون لهم في هذه الأيام جريدة بأشرفِ لسان عندهم وهو اللسان العربي ، وأن تكون في مدينة حرة كمدينة باريس ليتمكنوا بواسطتها من بَثِّ آرائهم وتوصيل أصواتهم إلى الأقطار القاصية تنبيهًا للغافل وتذكيرًا للذاهل.

فرغبوا إلى السَّيِّد جمال الدين الحسيني الأفغاني أن ينشئ تلك الجريدة بحيث تتبع مشربهم وتذهب مذهبهم، فلَبَّى رغبتَهم بل نادى حقًّا واجبًا عليه لدينه ووطنه ، وكلف الشيخ محمد عبده أنْ يكون رئيسَ تحريرها فكان ما حمل الأول على الإجابة حمل الثاني على الامتثال وعلى الله الاتكال في جميع الأحوال “.

وقد ترجم له أدهم آل الجندي في كتابه أعلام الأدب والفن فقال : ” جمال الدين الأفغاني (1838 ـ 1897 م) ، مولده ونشأته : هو السيد محمد جمال الدين الحسيني بن السيد صفتر ينتمي إلى أسرة عريقة النسب كانت تحكم قسماً من أراضي الدولة الأفغانية في خطة (كنر) من أعمال كابل ، وقد نزع السيادة من أيديها (روست محمد خان أمير الأفغان) وأمر بنفي السيد صفتر وأسرته إلى مدينة كابل ، ويتصل نسبه بالسيد علي الترمذي المحدث الشهير ويرقى إلى الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب.

ولد المترجم في مدينة (أسعد أباد) التابعة لخطة كنر سنة 1254 ﻫ ـ 1838 م وتلقى العلوم العقلية والنقلية في كابل حتى استكمل دروسه في الثامنة عشرة من عمره ، وقد سافر إلى الهند وأتقن العلوم الرياضية على الطريقة الأوروبية ومنها ذهب في سنة 1858 م إلى الحجاز لأداء فريضة الحج فوقف على كثير من عادات الأمم التي مر بها في سياحته.

في خدمة الحكومة : وبعد عودته إلى وطنه انتسب إلى خدمة الحكومة مدة إحدى عشر سنة ثم لأمور سياسية اضطر أن يفارق بلاده ، فارتحل عن طريق الهند إلى القطر المصري على نفقة الحكومة الإنكليزية ومنه إلى عاصمة تركيا وفيها لقي ضروب الحفاوة والتكريم وعين عضوا في مجلس المعارف وأشار إلى طرق توسيع نطاق العلوم ، وقد خالفه فيها زملاؤه في المجلس المذكور وكلفه الصدر الأعظم للخطابة في دار الشورى فارتجل خطبته في الصنائع غالى فيها إلى حد أن أدمج النبوة في عداد الصناعات المعنوية فشغب عليه طلبة العلم مما ألجأ الصدر إلى إبعاده عن تركيا.

إلى مصر: وفي 22 آذار سنة 1871 م توجه إلى وادي النيل حيث عينت له الحكومة المصرية راتباً شهريًّا ، وهناك التف حوله كثير من طلبة العلم الذين قرؤوا عليه ونقلو عنه وأذاعوا بين طبقات المصريين فنون الكلام الأعلى والحكمة النظرية وعلم الهيئة الفلكية وعلم التصوف وأصول الفقه الإسلامي ، ولذلك دعاه تلامذته بفيلسوف الشرق وفاخروا به سائر علماء عصره.

كانت مدرسته بيته من أول ما ابتدأ إلى آخر ما اختتم ولم يذهب إلى الأزهر مدرساً ولا يوماً واحداً وكان يزور الأزهر في يوم الجمعة ، ثم وجه عنايته لحل عقل الأوهام عن قوائم العقول وحمل تلامذته على العمل في الكتابة وإنشاء الفصول الأدبية والحكمية والدينية فاشتغلوا وبرعوا وتقدم فن الكتابة في مصر بسعيه.

نفيه من مصر : كان ذا إلمام واسع في الشؤون السياسية إلا أنه كان متطرفاً في حرية الأفكار إلى درجة متناهية فأخذ يعقد الاجتماعات السرية والعلنية ويلقي الخطب المثيرة ويحض الفلاحين على الاقطاعيين الذين يأكلون ثمرة أتعابهم ، فقبض عليه في شهر أيلول سنة 1879 م وعلى من كان في حلقته وأرسل هو وخادمه الأمين (أبو تراب) مخفورين إلى السويس ، وأتاه السيد النقادي قنصل إيران بذلك الثغر ومعه نفر من تجار العجم وقدموا له مقداراً من المال ليستعين به على قضاء حوائجه فرده وقال لهم : (احفظوا المال فأنتم إليه أحوج إن الليث لا يعدم فريسته حيثما ذهب) ، ونزل إلى الباخرة ميمماً البلاد الهندية وأقام في مدينة (حيدر أباد الدكن).

في باريس : ولما قدحت شرارة الثورة العرابية بمصر كلفته الحكومة الإنكليزية إلى الإقامة في مدينة كلكتا حتى استتب الأمن في وادي النيل ، ثم رخص له بالسفر إلى حيث شاء فجاء أوروبا وأقام في باريز نيفاً وثلاث سنين ، وهناك اجتمع بالإمام محمد عبده المصري وأنشأ معه (جريدة العروة الوثقى) لدعوة المسلمين إلى الاتحاد سياسيًّا ودينيًّا تحت لواء الخلافة الإسلامية فنشر منها ثمانية عشر عدداً ثم قامت الموانع دون استمرارها ، وكتب في جرائد باريس فصولاً سياسية وجرت له أبحاث فلسفية في (العلم والإسلام) مع رينان الكاتب الفرنسي الذي شهد له بقوة البرهان وغزارة المعارف ، ثم سافر إلى لندن بدعوة من اللورد شرشل واللورد سالسبري ليطلعا على رأيه في (المهدي) وظهوره في السودان.

دعوته إلى طهران : استقدمه الشاه ناصر الدين إلى طهران فسار إليها وأكرم وفادته وجعله وزيراً للحربية فنال لدى أمراء تلك البلاد وسراتها وعلمائها منزلة سامية فخشي الشاه من نفوذه ، وأدرك المترجم ارتياب الشاه منه فاستأذنه في السفر تبديلاً للهواء فسافر إلى روسيا واختلط بمشاهير أرباب العلم والسياسة فيها وكتب في صحفها فصولاً طويلة تبحث في أحوال الدول الفارسية والأفغانية والعثمانية والروسية والإنكليزية كان لها تأثير عظيم في عالم السياسة.

في معرض باريس : ولما فتح معرض باريس لسنة 1889 م سافر المترجم إليها فالتقى بالشاه في ميونيخ عائداً من باريس فدعاه الشاه إلى مرافقته فأجاب الدعوة وسار في معيته إلى فارس ، فلم يكد يصل إلى طهران حتى عاد الناس إلى الاجتماع به والانتفاع بعلمه والشاه لا يرتاب من أمره كأن سياحته في أوروبا محت كثيراً من شكوكه فكان يقربه منه ويستشيره ويوسطه في قضاء كثير من مهام حكومته فشق ذلك على أصحاب النفوذ ، وأحس جمال الدين بارتياب الشاه منه، فاستأذنه بالسفر إلى بلده (شاه عبد العظيم) على بعد 20 كيلو متراً من طهران فأذن له.

فتبعه جم كبير من العلماء والوجهاء وكان يخطب فيهم ويستحثهم على إصلاح حكومتهم فلم تمض ثمانية أشهر حتى ذاعت شهرته في أقاصي بلاد الفرس وشاع عزمه على إصلاح إيران ، فخاف الشاه ناصر الدين عاقبة ذلك فأنفذ إلى الشاه عبد العظيم خمس مئة فارس قبضوا على جمال الدين وكان مريضاً، فحملوه من فراشه وساقوه يخفره خمسون فارساً إلى حدود المملكة العثمانية فعظم ذلك على مريديه في إيران فثاروا حتى خاف الشاه على حياته ، وقد مكث في البصرة ريثما عادت إليه صحته ثم سافر إلى لندن فتلقاه الشعب الإنكليزي بالإكرام ودعي إلى مجتمعاتهم السياسية وأنديتهم العلمية ليروه ويسمعوا حديثه.

دعوته إلى الأستانة : ودعي للحضور إلى الأستانة وتشرف بمقابلة جلالة السلطان سنة 1892 م فطاب له فيها الإقامة لما لاقاه من التفات السلطان وإكرام العلماء ورجال السياسة له ، ومازال فيها معززاً مكرماً وجيهاً حتى داهمه السرطان في فكه وامتد إلى عنقه.

مؤلفاته : ليس له من التآليف المطبوعة سوى (تتمة البيان في تاريخ الأفغان) ، كان يكره الكتابة ويتثاقل منها فإذا رام إنشاء مقالة ألقى على كاتب من مثل إبراهيم اللقاني إلقاء قلما يراجعه ويصلحه، فيجيء من أول وهلة مسبوكاً مفرغ المعاني بقوالب لفظ لا تنقص عنها ولا تزيد ، وكان يقيم في أواخر أيامه بقصر في (نشأت طاش) بالأستانة أنعم عليه به السلطان وفيه الأثاث والرياش وخصص له راتباً قدره (75) ليرة عثمانية في الشهر.

أطواره : كان أديب المجلس كثير الاحتفاء بزائريه على اختلاف طبقاتهم وذا عارضة وبلاغة ، لا يتكلم إلا اللغة الفصحى خطيباً مصقعاً لم يقم في الشرق أخطب منه رزيناً كتوماً حر الضمير صادق اللهجة عزيز النفس وديعاً مع أنفة وعظمة ثابت الجأش ، وكان راغباً عن حطام الدنيا لا يدخر مالاً ولا يخاف عوزاً حاد المزاج سريع الملاحظة يكاد يكشف حجب الضمائر قوي الحجة ذا نفـوذ عجيـب على جلسائه ، وقـد تعلـم اللغـة الفرنسـية في أقل من ثلاثة شهور بلا أستاذ إلا من علَّمه حروف هجائها في يومين.

علومه : كان واسع الاطلاع في العلوم العقلية والنقلية وخاصة الفلسفة القديمة وفلسفة تاريخ الإسلام والتمدن الإسلامي وسائر أحوال الإسلام ، وكان يعرف اللغات الأفغانية والفارسية والعربية والتركية والفرنسية جيداً مع إلمام باللغة الإنكليزية والروسية.

آماله وأعماله : كانت غايته المثلى هي توحيد كلمة الإسلام وجمع شتات المسلمين في سائر أقطار العالم في حوزة دولة واحدة إسلامية تحت ظل الخلافة العظمى ، وقد بذل في هذا المسعى جهده وانقطع عن العالم من أجله فلم يتخذ زوجة ولا التمس كسباً ولكنه مع ذلك لم يتوفق إلى ما أراده فقضى ولم يدوّن من بنات أفكاره إلا رسالة في نفي مذهب الدهريين ورسائل متفرقة في مواضيع مختلفة ولكنه بث في نفوس مريديه روحاً حية حركت هممهم وحددت أقلامهم فانتفع الشرق بمواهبه.

وفاته : لقد داهمه السرطان في فكه في أواخر سنة 1896 م وامتد إلى عنقه ، وفي التاسع من شهر آذار سنة 1897 م ارتقى إلى منازل الخلود واحتفل بجنازته ودفن في مدفن (شيخار مزارلغى) قرب نشان طاش ونقش على قبره : هذا جمال الدين أمسى نازلا .. جدثاً تضمن منه أيَّ دفين .. قدرٌ به عم البكاء على امرئ ..        فقدت به الدنيا جمالَ الدين “.

53 / مذكرات الإمام محمد عبده

ينتسب الإمام الشيخ محمد عبده من جهة والدته إلى أحد فروع قبيلة بني عدي التي سكنت منذ العصر الفاطمي في قرية محلة علي وهي حصة شبشير الحالية بمركز طنطا كما ذكر هو في مقدمة مذكراته ، وهي السيدة جنينة بنت إبراهيم العدوي من عائلة السيد عثمان العدوي الكبير حيث تزوجت والده عبده حسن خير الله التركماني الأصل ويرجع نسبه إلى عائلة خير الله التي استوطنت قرية محلة نصر بمركز شبراخيت بمحافظة البحيرة منذ وقت طويل.

ولد الأستاذ الإمام في بلدة والدته حيث كان والده قد غادر بلدته بسبب وشاية من عائلة منافسة عند الحكومة ، وفي مكتب القرية حفظ القرآن وتعلم القراءة والكتابة ، ثم انتقل إلى الجامع الأحمدي في طنطا ، فإلى الجامع الأزهر بالقاهرة ، لتلقي العلم ، على أن طرق التدريس التي كانت متبعة حينذاك في الأزهر لم ترقه. حتى إذا جاء السيد جمال الدين الأفغاني إلى مصر ، اختلط به ، وأخذ عنه كثيرا من مبادىء الفلسفة والمنطق ، وتدرب على الكتابة في الصحف السياسية. فلما نفي السيد الأفغاني بعد ذلك من البلاد ، كان مما قال لمريديه : «قد تركت لكم الشيخ محمد عبده ، وكفى به لمصر عالما».

وعمل الأستاذ الإمام مدرسا في المدارس الأميرية ، ومحررا في «الوقائع المصرية». وتولى الكتابة في بعض دواوين الحكومة. حتى قامت ثورة العرابيين فاتهم بممالأتهم ونفي من مصر ، فأقام بسوريا ست سنين ألقى خلالها كثيرا من الدروس. ثم نزح إلى باريس حيث أصدر مع السيد جمال الدين جريدة «العروة الوثقى». وبعد العفو عنه وعودته إلى مصر عين مستشارا في محكمة الاستئناف الأهلية ، وعضوا في مجلس إدارة الأزهر ، ثم أسند إليه منصب مفتي الديار المصرية.

ويعد الشيخ محمد عبده حامل لواء الإصلاح الديني في العالم الإسلامي في العصر الحديث ، فقد قضى حياته في تنقية الدين من الشوائب التي طرأت عليه ، وتقريب المسلمين من أهل التمدن الحديث ليفيدوا من ثمار مدنيتهم ، وكذلك اشتهر بصراحته في فتاواه الدينية ، وتفسيره القرآن بما يطابق أحكام العقل ، ويحل الإسلام من قيود التقليد ، وقد طالما هاج عليه جماعة الجامدين وأنصار بقاء القديم على قدمه ، ولكنه لم يعبأ بهم ، ومضى في سبيله قدما لتحقيق برنامجه الإصلاحي العظيم.

تولى الأستاذ الإمام منصب القضاء فعين في ٧ يونية ١٨٨٨ نائب قاض بمحكمة بنها ، ثم رقي قاضيا من الدرجة الثانية بمحكمة المنصورة ، فقاضيا من الدرجة الأولى بمحكمة مصر من ٧ يناير ١٨٩٢ ، وفي ٢١ نوفمبر ١٨٩٥ رقي نائب مستشار بمحكمة الاستئناف ، ـ ولم يكن يوجد غيرها ـ وظل بها إلى أن وقع عليه الاختيار مفتيا للديار المصرية في ٥ يونية ١٨٩٩.

كان الأستاذ الامام قاضيا بمحكمة عابدين ـ وكانت أهم محاكم العاصمة في ذلك الحين ـ فاطمأن الكافة إلى قضائه ، وقال فيه ذوو الرأي من أهل عصره : «إنهم لا يذكرون إن كرسي القضاء في تلك المحكمة قد ازدان بمثله وأن الوقار والهيبة والجلال كانت تفيض في أفقها» وقال فيه أحد شيوخ المحامين رحمة الله عليه : «كان محمد عبده يصدر الحكم ويشفعه أو يسبقه بدروس ومواعظ يلقيها على المحكوم عليه أمام الجمهور إلقاء يشعر الجماهير والمحكوم على نفسه أنهم في حضرة أب ومصلح كبير.

وترجع صلة محمد عبده بجمال الدين الأفغاني (١٢٥٤ ه‍ ـ ١٨٣٩ م ـ ١٣١٤ ه‍ ـ ٩ مارس ١٨٩٧ م) ـ إلى شهر المحرم عام ١٢٨٨ ه‍ ـ ٢٢ مارس ١٨٧١ م ، حين نزل جمال الدين مصر ، وكان يعرفها من قبل قليلا ، ولكنه في هذه المرة اندمج في حياتها الأدبية والاجتماعية ، وتردد على دار إبراهيم بك المويلحي ، وكانت قائمة في حارة الأمير حسين بشارع محمد علي ، وهي في ذلك الوقت ندوة المفكرين والعظماء والقادة ، فلما أجرى عليه رياض باشا رزقا شهريا قدره عشرة جنيهات مقابل بقائه في مصر ولو لم يؤد عملا ، استأجر منزلا في حارة اليهود.

ويقول الشيخ محمد عبده : إن طلاب العلم عرفوا الأفغاني عند ذلك و «اهتدوا إليه واستوروا زنده فأوري ، واستفاضوا بحره ففاض درّا ، وحملوه على تدريس الكتب فقرأ من الكتب العالية في فنون الكلام الأعلى والحكمة النظرية طبيعة وعقلية ، وفي علم الهيئة الفلكية وعلم التصوف وعلم أصول الفقه الإسلامي ، وكانت مدرسته بيته من أول ما ابتدأ إلى آخر ما اختتم». وفي هذه المرة بقي جمال الدين في القاهرة فترة أطول ، وهي الفترة التي كون فيها مدرسته وبث فيها رسالته ، واتصل بتلميذه وصفيه الشيخ محمد عبده.

بقي الشيخ جمال الدين يدرس ويدعو دعوته الإصلاحية ، ويشارك في كل أمر ذي خطر من حياة مصر في ذلك العهد أكثر من ثماني سنين حتى نفي الشيخ من مصر ف سنة ١٢٩٦ ه‍ إلى الهند مرة اخرى.

ويقول الشيخ الباقوري : إن أحدا لا يستطيع إلا أن يرى في الأستاذ الإمام قائدا زعيما يحرص أشد الحرص على إيقاظ الرأي العام وتنبيهه من غفوته بشتى الأساليب ومختلف الوسائل ، حتى يكون له أن يميز ما للحاكم من حق الطاعة على الشعب وما للشعب من حق العدل على الحاكم ، لأن الحاكم بشر يصيب ويخطىء. ، ويقظة الرأي العام من طريق الصحافة النزيهة والتربية الاجتماعية السليمة وإعداد القادة المستنيرين الغيارى على صالح الأمة ، هي الوسيلة القادرة بالقدرة على تقصي الحقائق ودرس المسائل درسا وافيا وإبداء الرأي في أمانة وإخلاص.

ولئن كان الأستاذ الإمام قد سلك في بيروت عاصمة لبنان الشقيق مسلكا قرب فيه بين مختلف المذاهب والأفكار والطوائف ، فإن عمله في مصر بعد أن عاد من المنفى لم يكن أقل قدرا من عمله في لبنان ، فقد عمل على دعم الوحدة الوطنية في لبنان ، وكان كثير من شيوخ الأمة في ذلك الوقت على مثل رأيه السياسي كسعد زغلول ، وحسن عاصم ، ومحمود سليمان وغيرهم من رجال حزب الأمة ، ولكنه هو جم من هذه الناحية أكثر مما هو جم أصدقاؤه الذين كانوا على مثل رأيه ، لأن الخديو عباس كان يؤلب عليه أكثر مما يؤلب عليهم ، ثم لأن الناس اعتادوا أن يروا علماء الدين بعيدا عن السياسة.

لقد كان الشيخ محمد عبده ـ بما وهبه الله من غزارة علم وبعد نظر وقوة نفس ورحابة صدر ـ شيئا كبيرا لا يقدره حق قدره إلا أولئك الذين يتخلصون من كبرياء الغرور ، وتسلط النزوات فيحكمون عليه بأنه إن لم يكن أفضل زعيم حكيم فإنه في الصدارة من حكماء الزعماء الذين تحتاج إليهم الأمم إبان نهضتها وعلى طول تاريخها ، بحيث تخسر الإنسانية كثيرا بالتجهم لهم والتهجم عليهم في حياتهم وبعد مماتهم.

وليس يخفى ما كان الشيخ قد لقي من العنت ودناءة الخصومة وعقوق قومه له وجحود فضله عليهم ، فكانت حربهم له من جهات متعددة ، فالخديوي عباس يتخذ السيد توفيق البكري وغيره وسيلة للإفساد بينه وبين رجال الأزهر وتحريض أعضاء مجلس الإدارة على الاستقالة حتى يحل محلهم من يكرهون الشيخ لكي يقفوا في سبيله. وكثير من شيوخ الأزهر يخاصمونه لانه كان لا يكف عن الدعوة إلى تحرير الأفكار من قيود التقليد حتى يكون للمفكرين أن يفهموا الدين على طريق سلف الأمة قبل ظهور الخلافات المذهبية.

ولا ريب في أنه أيقظ الشعور الديني وأشعر المسلمين بأن عليهم أن يهبوا من رقدتهم لإصلاح نفوسهم وإكمال نقصهم غير معتمدين على الفخر بماضي أسلافهم ، بل ساعين إلى أن يبنوا من جديد لحاضرهم ومستقبلهم في حياتهم كما بنى أسلافهم.

فهو أبدا داع إلى أن العقل يجب أن يحكم كما يحكم الدين ، فالدين عرف بالعقل ولا بد من اجتهاد يعتمد على الدين وعلى العقل معا حتى يستطيع المسلمون أن يواجهوا الاوضاع الجديدة في المدينة الجديدة مقتبسين منها ما يفيد وينفع ، وإذا كان المسلمون لا يستطيعون ان يعيشوا في عزلة فلا بد لهم من أن يتسلحوا بما يتسلح به غيرهم ، واكبر سلاح في الدنيا هو العلم. واكبر عمدة في الأخلاق ، هو الدين ومن حسن حظ المسلمين إن دينهم يشرح للعلم صدره حاضا عليه غير ضائق بالأخلاق الفاضلة التي تدعو إليها المدنية الحاضرة.

ان الشيخ ـ مع هيبته وحدته ـ كان طيب القلب سليم الصدر وفيا لأصدقائه لطيف الحديث سمح النفس ينصف الناس في الحق حتى من نفسه. ومن أعجب ما يعجب له الذين يحبون أن يعرفوه على حقيقته أن يطلب إلى فاضل من فضلاء علماء المسلمين النيل منه حتى يتخذ من ذلك ذريعة إلى تعيينه شيخا لعلماء مدينة الاسكندرية فتتهيأ بذلك له السبيل إلى إصلاح الأزهر من مدينة الاسكندرية وقد عجز عن ذلك الإصلاح في مدينة القاهرة

وذلك ـ على ما يروى السيد رشيد رضا ـ أن الإمام أشار على الأستاذ الشيخ محمد شاكر قاضي قضاة السودان أن يظهر السخط عليه لاستمالة الخديو تمهيدا لتعيينه شيخا لعلماء مدينة الإسكندرية ، إذ كان من المعروف لدى الخديو أن الشيخ محمد شاكر هو من حزب الشيخ محمد عبده ومن رجاله وأنه هو الذي اختاره للسودان وسعى لجعله قاضي القضاة فيه ، وبهذه الحيلة من الرجلين الكبيرين محمد عبده ومحمد شاكر لطف الله بعباده العلماء وأراد ألا يبقى حالة الإسكندرية على ما كانت عليه من الخلف وتعطيل الأعمال فتقرر انتخاب الشيخ شاكر شيخا لعلماء الإسكندرية وصدر الأمر العالي بذلك في ٢٦ إبريل سنة ١٩٠٤. ولا يجهل الناس أن هذه منقبة للأستاذ الإمام تذكر في تاريخه كما تذكر كبار المناقب لكبار المصلحين.

ويقول الشيخ مصطفى عبد الرازق : لم يكن الإمام أول من أحدث في الأزهر حركة تجديد ، فإن حركة التجديد الأولى ترجع إلى عهد قبل ذلك ، ومن مظاهر هذه الحركة اختيار شيوخ الأزهر من الأذكياء ذوي الوجاهة وحسن السياسة من غير مراعاة لما كانت تجري به التقاليد في هذا الباب ، فإن الشيخ مصطفى العروسي الذي ولي مشيخة الأزهر من سنة ١٢٨١ ه‍ إلى ١٢٨٧ ه‍ ـ ١٨٦٤ م ـ ١٨٦٩ م والشيخ محمد العباسي المهدي الذي اختير على أثره شيخا للأزهر سنة ١٢٨٧ ه‍ ١٨٧٠ م لم يكونا من أسن شيوخ عصرهما ، ولا من أوفرهم شهرة بالتدريس والعلم.

وقد أبطل الشيخ العروسي كثيرا من البدع الدينية وأقال جماعة ممن يدرسون في الأزهر بلا استحقاق وعزم على عمل امتحان لمن يريد التدريس ففاجأه العزل من منصبه ، وجاء من بعده الشيخ المهدي فوضع سنة ١٢٨٨ ه‍ ـ ١٨٧١ م أول قانون للأزهر يحصر مواد الدروس ويبين طريقة الامتحان ، وفي عهده عني بإصلاح الأزهر ليصل بذلك إلى إصلاح المحاكم الشرعية .. فالغرض من هذا الإصلاح كان تخريج قضاة المحاكم الشرعية تخريجا نظاميا تتم به المشاكلة مع صورة التخريج لقضاة المحاكم المدنية.

وهذا الاتجاه في إصلاح الأزهر هو بعينه ما أعرب عنه الخديوي عباس في خطبته بقصر عابدين في حفلة الإنعام بالخلعة على الشيخ عبد الرحمن الشربيني شيخ الأزهر سنة ١٣٢٣ ه‍ ـ ١٩٠٥ م وهي الخطبة التي استقال على أثرها الشيخ محمد عبده وصديقه الشيخ عبد الكريم سلمان من مجلس إدارة الأزهر. قال الأمير ـ على ما جاء في الجزء الأول من تاريخ الأستاذ الإمام : إن كل ما يهم الحكومة من الأزهر شيئان : الأول استتباب الأمن فيه وهو ما أوصى به دائما ، والثاني تخريج القضاة الشرعيين .. ويوشك أن يكون كل تغيير في الأزهر توجهه الحكومات قائما على مثل هذا الأساس. أما الشيخ محمد عبده فقد أراد بنهضة الأزهر غاية هي الجديرة بأن تسمى إصلاحا.

كان الشيخ محمد عبده يرى أن إصلاح الأمة لا يكون إلا بإصلاح عقولها وقلوبها بالعلم الصحيح والدين الصحيح والسبيل إلى ذلك إحداث نهضة دينية وعلمية معا ، والأزهر هو أخصب مكان لهذه النهضة فإن الحياة إذا انبعثت فيه سرت مسرعة في جسم الأمة وفي الشرق الإسلامي كله ، وقد اتصل الشيخ محمد عبده بالخديوي عباس الثاني وأوحى إليه أن ينهض لإصلاح الأزهر نهضة قوية تحيي الشرق الإسلامي لأن الأزهر قبلة المسلمين في أقطار الشرق المختلفة وأقنعه بأن ذلك يرفع شأن مصر في الشرق كله ويجمعه حول الشعب المصري ويخلد له في المصلحين ذكرا.

واستمع عباس لنصح الناصح فتوجه بكل عزمه لإصلاح الأزهر على مبادىء الشيخ محمد عبده ، وفي ٧ رجب سنة ١٣١٢ ه‍ ـ ١٨٩٥ م صدر أمر عال بتشكيل مجلس إدارة للأزهر من أعضائه اثنان من موظفي الحكومة هما الشيخ محمد عبده والشيخ عبد الكريم سلمان.

وأخذ مجلس الإدارة في وضع ما لا بد منه من نظم تقر العدل وتمحو ما كان سائدا من الفوضى ، وتبعث على الجد في تحصيل العلم النافع وترشد الى أساليب الدرس القويمة. كل ذلك في غير مساس بحرية التعليم ، وبلا إسراف في العناية بالأشكال والصور. ويقول الشيخ عبد الكريم سلمان في كتاب أعمال مجلس إدارة الأزهر عند الكلام على مشروع نظام التدريس والامتحان الذي وضعه المجلس : «وفي كل باب من هذه أحكام فسيحة تتوجه كلها إلى مقصد واحد هو تحصيل جواهر العلوم الدينية في زمن محدود بطريقة سهلة التناول والتحلي بثمرة تلك العلوم وهي محاسن الاخلاق والأعمال».

وكتاب الشيخ عبد الكريم سجل مفصل لأعمال مجلس الإدارة يهدي القارىء الى الفرق بين وجهة الإصلاح في عهد الشيخ عبده التي كانت ترمي إلى احداث نهضة علمية دينية يكون الأزهر حامل لوائها ، وبين الإتجاهات الأخرى.

ومن حضر بعض عهد الإمام في الأزهر شهد ذلك المعهد العتيق يبعث من مرقده حيا يضطرم بالشباب والأمل ورأى نهضة صحيحة في الدراسات الأدبية ودراسة العلوم العقلية وعلوم الدين والعلوم الحديثة .. نهضة تحتفظ بأحسن ما في معارف الأزهر وتقاليده التعليمية وتقتبس خير ما في النظم والمعارف الحديثة وأخذ الشيخ محمد عبده يبث في العقول مذاهبه وآراءه في كتبه ورسائله ، وفي دروسه ومحاضراته التي كانت تجتذب بطرافتها وسمو أفكارها وخلابة بيانها كل الطبقات المثقفة من أزهريين وغير أزهريين.

وجملة مذهبه الديني أن الاسلام دين بساطة ويسر يلائم الفطرة ويوافق العقل ، وأنه قد جاء بعقائد سليمة لا تعلو على متناول الفكر الانساني وجاء بأصول للفضيلة والخير تغري بالصالحات وتوفر للإنسان حريته وكرامته وتبعثه للنشاط والكمال في كل نواحي الحياة. ، فهل رأيت تسامحا مع الفلاسفة والحكماء أوسع من هذا؟ وهل يليق بالحكيم أن يكون من الحمق بحيث يقول قولا لا يحتمل الإيمان من وجه واحد من مائة وجه؟».

كانت العقول المتعطشة الى الحرية تتهافت على هذا الداعي إلى حرية العقول ، وتثور على قيودها وأغلالها ، لكن أكثر العقول قد ألفت سجنها واطمأنت إليه ، فهي تنزعج لهذه الصيحة الجديدة وتدفعها بكلتا اليدين. وأصبح الأزهر ميدانا لصراع محتوم بين مذهب الشيخ محمد عبده ومذهب الشيوخ الجامدين ، وكان هذا الصراع نفسه آية حياة وانتعاش وتنبه فكري.

وأنشأ الشيخ عبده في بضع سنين جيلا طموحا للفهم المستقل ، عزوفا عن التقليد يشعر بالكرامة الإنسانية ، ويلتمس المثل العليا في الحياة الدنيا وفي الآخرة. وكان ذكر الشيخ عبده يطير في الآفاق مقرونا بذكر النهضة الإصلاحية التي استرعت الأنظار ، وقد تحركت نوازع الحقد والحسد في أنفس لا ترضى عن الشيخ ولا عن دعوته ، فكادوا له من كل سبيل ، حتى اضطر إلى الاستقالة من منصبه في الأزهر في مارس سنة ١٩٠٥ م ـ المحرم سنة ١٣٢٣ ه‍.

وتوفي الشيخ في الحادي عشر من يوليو عام ١٩٠٥ ـ ٧ جمادى الأولى ١٣٢٣ ه‍ بعد جهاد طويل في سبيل إصلاح الأزهر ، وفي سبيل الاصلاح الديني والإسلامي في كل وطن عربي ولا سيما في مصر قلب الإسلام الخافق. ، الترجمة منقولة من كتاب (الأزهر في ألف عام) تأليف محمد عبد المنعم خفاجي وكتاب مذكرات الإمام محمد عبده.

54 / ديوان البارودي

(رب السيف والقلم) هو اللقب الذي عرف به الشاعر الكبير والزعيم الوطني الثائر محمود سامي باشا بن حسن حسين بن عبد الله البارودي المصري الذي ولد بالقاهرة عام 1255 هـ / 1839 م وتوفي فيها عام 1322 هـ / 1904 م ، وهو رائد مدرسة الإحياء والبعث في الشعر العربي وأحد أبرز زعماء الحركة العرابية حيث تولى في حكوماتها منصب وزير الحربية ثم رئاسة الوزراء ، وله ديوان شعر (جزآن)  ومختارات البارودي (أربعة أجزاء) وهو أول من كتب مقدمة لديوانه الشعري في العصر الحديث.    

وهو جركسي الأصل من سلالة المقام السيفي نوروز الأتابكي (أخي برسباي) ونسب إلى بلدة إيتاي البارود بمصر حيث كان لأحد أجداده في عهد الالتزام بها ، تعلم في المدرسة الحربية ورحل إلى الأستانة فأتقن الفارسية والتركية وكان من قواد الحملتين المصريتين لمساعدة الباب العالي الأولى في ثورة كريد سنة ١٨٦٨ والثانية في الحرب الروسية سنة ١٨٧٧ ، نفي إلى جزيرة سيلان لمدة سبعة عشر عاماً تعلم الإنجليزية في خلالها وترجم كتباً إلى العربية وكفَّ بصره وعفي عنه سنة ١٣١٧هـ‍ فعاد إلى مصر.

ومن أشهر قصائده الشعرية مناجاته لطيف ابنته سميرة وقد اشتاق إليها في منفاه حيث قال : تَأَوَّبَ طَيْفٌ مِنْ سَمِيرَةَ زَائِرٌ .. وَمَا الطَّيْفُ إِلَّا مَا تُريهِ الْخَوَاطِرُ .. طَوَى سُدْفَةَ الظَّلْمَاءِ وَاللَّيْلُ ضَارِبٌ .. بِأَرْوَاقِهِ وَالنَّجْمُ بِالأُفْقِ حَائِرُ .. فَيَا لَكَ مِنْ طَيْفٍ أَلَمَّ وَدُونَهُ .. مُحِيطٌ مِنَ الْبَحْرِ الْجَنُوبِيِّ زَاخِرُ .. تَخَطَّى إِليَّ الأَرْضَ وَجْدَاً وَمَا لَهُ .. سِوَى نَزَواتِ الشَّوقِ حَادٍ وَزَاجِرُ .. أَلَمَّ وَلَمْ يَلْبَثْ وَسَارَ وَلَيْتَهُ .. أَقَامَ وَلَوْ طَالَتْ عَلَيَّ الدَّيَاجِرُ .. تَحَمَّلَ أَهْوَالَ الظَّلامِ مُخَاطِراً .. وَعَهْدِي بِمَنْ جَادَتْ بِهِ لا تُخَاطِرُ.

وقال في نقد الخديوي : يَوَدُّ الْفَتَى أَنْ يَجْمَعَ الأَرْضَ كُلَّهَا إِلَيْهِ وَلَمَّا يِدْرِ مَا اللهُ صَانِعُ .. فَقَدْ يَسْتَحِيلُ الْمَالُ حَتْفًا لِرَبِّهِ وَتَأْتِي عَلَى أَعْقَابِهِنَّ الْمَطَامِعُ .. أَلا إِنَّمَا الأَيَّامُ تَجْرِي بِحُكْمِها فَيُحْرَمُ ذُو كَدٍّ وَيُرْزَقُ وَادِعُ .. فَلا تَقْعُدَنْ لِلدَّهْرِ تَنْظُرُ غِبَّهُ عَلَى حَسْرَةٍ فَاللهُ مُعْطٍ وَمَانِعُ .. فَلَو أنَّ مَا يُعْطِي الْفَتَى قَدْرُ نَفْسِهِ لَمَا بَاتَ رِئْبَالُ الشَّرَى وَهْوَ جَائِعُ .. وَدَعْ كُلَّ ذِي عَقْلٍ يَسِيرُ بِعَقْلِهِ يُنَازِعُ مِنْ أَهْوَائِهِ مَا يُنَازِعُ .. فَمَا النَّاسُ إلَّا كَالَّذِي أَنَا عَالِمٌ قَدِيمًا وَعِلْمُ الْمَرْءِ بِالشَّيءِ نَافِعُ .. وَلَسْتُ بِعَلَّامِ الْغُيُوبِ وإنَّمَا أَرَى بِلِحَاظِ الرَّأْيِ مَا هُوَ وَاقِعُ.

وقد استهل ديوانه بقوله : ” وبعد فإن الشعر لمعة خيالية يتألق وميضها في سماوة الفكر فتنبعث أشعتها إلى صحيفة القلب فيفيض بلألائها نورًا يتصل خيطه بأسلة اللسان فينفث بألوان من الحكمة ينبلج بها الحالك ويهتدي بدليلها السالك ، وخير الكلام ما ائتلفت ألفاظه وائتلقت معانيه وكان قريب المأخذ بعيد المرمى سليمًا من وصمة التكلف بريئًا من عشوة التعسف غنيًّا من مراجعة الفكرة فهذه صفة الشعر الجيد.

فمن آتاه الله منه حظًّا وكان كريم الشمائل طاهر النفس فقد ملك أعنة القلوب ونال مودة النفوس وصار بين قومه كالغرة في الجواد الأدهم والبدر في الظلام الأيهم  ، ولو لم يكن من حسنات الشعر الحكيم إلا تهذيب النفوس وتدريب الأفهام وتنبيه الخواطر إلى مكارم الأخلاق لكان قد بلغ الغاية التي ليس وراءها لذي رغبة مسرح وارتبأ الصهوة التي ليس دونها لذي همة مطمح ، ومن عجائبه تنافس الناس فيه وتغاير الطباع عليه وصغو الأسماع إليه كأنما هو مخلوق من كل نفس أو مطبوع في كل قلب.

فإنك ترى الأمم على اختلاف ألسنتهم وتباين أخلاقهم وتعدد مشاربهم لهجين به عاكفين عليه لا يخلو منه جيل دون جيل ولا يختص به قبيل دون قبيل ، ولا غرو فإنه معرض الصفات ومتجر الكمالات ولقد سمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه قول زهير بن أبي سلمى : فإن الحق مقطعه ثلاث يمين أو نفار أو جلاء ، فجعل يعجب من معرفته بمقاطع الحكمة وتفصيلها ، وللشعر رتبة لا يجهلها إلا من جفا طبعه ونبا عن قبول الحكمة سمعه فهو حلية يزدان بجمالها العاطل وعوذة لا يتطرق إليها الباطل.

ولقد كنت في ريعان الفتوة واندفاع القريحة بتيار القوة وألهج به لهج الحمام بهديله وآنس به أنس العديل بعديله لا تذرعًا إلى وجه أنتويه ولا تطلعًا إلى غُنم أحتويه وإنما هي أغراض حركتني وإباء جمح بي وغرام سال على قلبي فلم أتمالك أن أهبت فحركت به جرسي أو هتفت فسريت به عن نفسي ، كما قلت : تكلمت كالماضين قبلي بما جرت به عادة الإنسان أن يتكلما .. فلا يعتمدني بالإساءة غافل فلا بد لابن الأيك أن يترنما.

وقد يقف الناظر في ديواني هذا على أبيات قلتها في شكوى الزمان فيظن بي سوءًا من غير روية يجليها ولا عذرة يستبينها فإني إن ذكرت الدهر فإنما أقصد به العالم الأرضي لكونه فيه من قبيل ذكر الشيء باسم غيره لمجاورته إياه كقوله تعالى : وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ أي أهل القرية ، وكما قال أبو كبير عامر بن حليس الهذلي : عجبت لسعي الدهر بيني وبينها فلما انقضى ما بيننا سكن الدهر ، فإنه أراد بسعي الدهر سعي أهل الدهر بالنمائيم والوشايات فلما انقضى ما كان بينهما من الوصل سكنوا وتركوا السعاية ولهذا أمثلة كثيرة.

لا أقول ذلك تبرؤًا من الوهم ولا اعتمادًا على صحة الفهم فإن المرء وإن كثر إحسانه لا يسلم من الزلة لسانه وقل من توغل من حرجات القريض فنجا قبل أن يغص بالجريض ، ولقد ذكرت مرة قول أبي المنهال بن بقيلة الأكبر : وإنما الشعر لب المرء يعرضه على المجالس إن كيسًا وإن حمقا .. وإن أشعر بيت أنت قائله بيت يقال إذا أنشدته صدقا ، ثم عرض لي قول الحطيئة : الشعر صعب وطويل سلمه إذا ارتقى فيه الذي لا يعلمه .. زلت به إلى الحضيض قدمه والشعر لا يسطيعه من يظلمه ، يريد أن يعربه فيعجمه.

فعزمت على الإقصار قبل الإحصار تفاديًا من خطأ ربما عرض أو ناقد ربما اعترض ، بيد أني راجعت المخيلة لأسبر هذه الدخيلة علمًا أن للنفس طفرة وللوهم عند التوجس نفرة فأشفقت من هذا العزم بعد الإصرار والجزم ، ولست بأول من عدل عن رأيه وثاب عن متابعة وأيه فهذا عمر بن أبي ربيعة لم يطق أن يغالب الطبيعة وقد كان ركب من قحمة اليمين عقبة ألا يلوك بيتًا إلا أعتق رقبة فلم يلبث أن هاج به الحنين وعلق بمدارج أنفاسه الأنين فقال كلمته التي أولها :  تقول وليدتي لما رأتني طربت وكنت قد أقصرت حينا.

ثم أعتق لكل بيت عبدًا ولم يجد من المقال بُدًّا ، ولا بدع فللإنسان فتون بشعره وولوع ببنات فكره ولولا ذلك ما دون الناس أشعارهم ولا اتخذوا حلية الأدب شعارهم كيف لا ؟ ، وبقاء الذكرى حياة الأبد وحب الخلود أطمع لقمان في لبد ، وإني وإن لم أكن من فرسان هذه الغارة ولا من رماة الحدق في مثل هذه القارة فالتخلق بأخلاق الكرام محمدة والتعلق بأذيال الخمول مفسدة ، ولله در من قال : عليَّ السعي في طلب المعالي وليس عَلَيَّ إدراك المرام ، والله أسأل أن يلهمني الصواب ولا يحرمني الثواب إنه أكرم مسئول وأفضل مأمول آمين “.

وقد ترجم له جورجي زيدان في كتابه تراجم مشاهير الشرق في القرن التاسع عشر فقال : ” محمود باشا سامي البارودي ، أصله : لم تخلُ مصر في عصر من عصورها القديمة أو الحديثة من طبقة في أهلها من (الْمُوَلَّدِين) وهم المولودون فيها من آباء غرباء حتى في عهد الفراعنة والأرجح أن الفراعنة أنفسهم غرباء الأصل ، وتوالى في وادي النيل طبقات شتى من المولدين ممن نزح إليها على اختلاف عصورها وفيهم الفرس واليونان والرومان والعرب والترك والبربر والجركس والأرمن والديلم وغيرهم.

وكل فئة إذا طال مكثها عدت نفسها وطنية وعدت القادمة بعدها غريبة ، وآخر فئة توالدت في مصر الجركس والأتراك من بقايا المماليك والغالب في المولَّدين من هؤلاء غموض منشئهم لأن رباط العائلة كان ضعيفًا فيهم والرجل منهم إنما ينتسب إلى مالكه أو رئيسه أو يعرف بلقب يلقبونه به فلم يعد تحقيق تلك الأصول ممكنًا فيهم.

والبارودي صاحب الترجمة من مولَّدِي الجركس بمصر ، ويؤخذ من صحيفة كانت عنده نشرتْها مجلة المنار أنه ينتسب إلى نوروز الأتابكي الملكي الأشرفي ، ولعله أحد رجال الأشرف قايتباي المحمودي المتوفي سنة ٩٠١ ﻫ ، ونستغرب ثبوت هذه النسبة للأسباب التي قدمناها من ضياع اسم العائلة عندهم حتى نوروز هذا فإنه لا ينتسب إلى أبيه وإنما يعرف بانتسابه إلى الملك الأشرف ومنها اسمه (الملكي الأشرفي).

وقد كان في هذا العصر جماعة يعرفون بهذا الاسم كل منهم ينتسب إلى صاحبه مثل نوروز المنصوري نسبة إلى الملك المنصور ونوروز التمرعلائي الأشرفي برسباي نسبة إلى الملك الأشرف برسباي وقس على ذلك ، وقد بلغنا نقلًا عمن عرف البارودي وعاشره أنه كان شديد الحرص على معرفة نسبه وتتبعه إلى أصله فبذل مبلغًا طائلًا من المال في سبيل البحث عنه في أنحاء القطر ومراجعة النصوص والسؤال من أهل العلم والسن ، قالوا إنه أنفق في ذلك نحو ثلاثة آلاف جنيه.

على أننا لا نرى لصحة هذه النسبة البعيدة أو فسادها دخلًا في تقدير فضل الرجل لأن المرء بأصغريه وبما يحدث على يديه ، ولكن المشهور أن الفقيد هو محمود باشا سامي بن حسن بك حسني وكان أبوه هذا من أمراء المدفعية في الجيش المصري وجده عبد الله بك الجركسي من الكشاف في أوائل عهد محمد علي ، والكاشف يشبه مأمور المركز اليوم وإنما أضيف اسمهم لفظ البارودي نسبة إلى إيتاي البارود لأنها كانت في التزام أحد أجداده في عصر الالتزامات.

نشأته الأولى : ولد صاحب الترجمة في سراية بباب الخلق سنة ١٨٤٠ م وتلقى مبادئ العلم في المدارس الحربية التي أنشأها محمد علي وخرج من المدرسة سنة ١٨٥٥ م في أوائل ولاية سعيد باشا ، وكان من نعومة أظفاره ميالًا إلى الأدب والشعر فرغب في آداب اللغة العربية فأحرز منها شيئًا كثيرًا وظهرت ثمار قريحته وامتاز شعره بالسهولة والبلاغة من عهد شبابه على قلة النابغين من الشعراء في ذلك الحين فهو من أقوى أركان النهضة الشعرية الأخيرة بمصر.

وكان مع ذلك كبير المطامع في طلب العلى ـ وذلك نادر في الشعراء لرقة إحساسهم ولف مزاجهم وانصراف قرائحهم إلى الخيال ـ ولم يبالِ بركوب البحار في طلبها ، فرحل إلى الآستانة يلتمس بها منصبًا وكان يتكلَّم التركية وهي لغة أهل الطبقة العليا بمصر في ذلك الحين ولا تزال عند بعضهم إلى الآن فانتظم في كتابة السر بنظارة الخارجية.

وكانت اللغة التركية يومئذٍ في إبان نهضتها فتبحر في أدبها وشعرها حتى نظم فيها القصائد ، وتعلم الفارسية لمطالعة آداب الفرس وأشعارهم ونفسه تحِن إلى مصر حنين كل من يقيم فيها ويتعود ماءها وإقليمها ، فاتفق أن الخديوي إسماعيل باشا شخص إلى الآستانة سنة ١٨٦٣ م على أثر ارتقائه الأريكة الخديوية فدخل صاحب الترجمة في بطانته ورجع معه إلى مصر وعاد إلى الخدمة العسكرية فترقى في سنة واحدة إلى رتبة بيكباشي ، وانتدب مع جماعة من الضباط لمشاهدة بعض الحركات العسكرية في فرنسا وسافر منها إلى لندرا وعاد إلى مصر فرقاه الخديوي سنة ١٨٦٥ م إلى رتبة قائمقام في آلاي الفرسان ثم إلى رتبة أميرالاي.

سيرته السياسية : لو أردنا تفصيل ما تقلَّب فيه من المناصب لطال بنا الكلام فنقول بالإجمال إنه ذهب في جملة الجيش المصري الذي أرسلته مصر لمساعدة الدولة العلية في إخماد ثورة كريد سنة ١٨٦٨ م ولما رجع ألحق بالحرس الخديوي (الياوران) فأحبه إسماعيل وزاده من قربه فجعله كاتب سره الخاص ثم عاد إلى العسكرية بعد سنتين ، وكان الخديوي ينتدبه في كثير من الأمور الهامة إلى الآستانة وغيرها حتى إذا انتشبت الحرب بين الدولة العلية والروس سنة ١٨٧٧ م أنفذت مصر نجدة من جيشها كان المترجم في جملتها مع فرقته وعند رجوعه رقي إلى رتبة لواء.

ولم تمنعه رتبه العسكرية من الخدمة في المناصب الإدارية فعيِّن سنة ١٨٧٩ م مديرًا للشرقية واضطربت مصر يومئذ وهي السنة التي أقيل فيها إسماعيل فسبق إقالته إثارة الخواطر بالمنافسة التي جاشت في نفوس الأمراء على الولاية وبما كان من تداخل الدول الإفرنجية بشئون مصر الإدارية ، فانتدبت الحكومة صاحب الترجمة لرئاسة الضبطية فحفظ الأمن وهدأ الخاطر فلما أقيل إسماعيل وتولى المغفور له توفيق باشا الخديوي السابق أعاده إلى المناصب الإدارية فجعله وزيرًا وقلَّده نظارة الأوقاف فأصلح شئونها ونظَّمها.

والمرء يتقلب في مناصب شتى ولا بد من شيء يعلق به ذهنه مما ترتاح إليه نفسه أو يدفعه إليه ميله ولهذا الميل دخلٌ كبير في شئون الأمم لأن الملك أو الأمير إذا كان ميالًا ـ مثلًا ـ للعلم نشَّط أهله ورفع شأنه وإذا كان من أهل اللهو رغب الناس في الملاهي ويقال نحو ذلك في سائر المناصب الإدارية ، وقد تقدَّم أن المترجم كان مغرمًا من صغره بالعلم والأدب فاهتم في أمر الكتب المبعثرة في المساجد وجمعها في مكان واحد فلما أخذ المرحوم علي باشا مبارك في إنشاء دار الكتب الخديوية كانت هذه الكتب من جملة ما نقلوه إليها.

فلما تحركت الخواطر وهبَّت النفوس في الثورة العرابية كان لصاحب الترجمة شأن كبير في ذلك والناس بين متهِم ومبرِّئ ، وخلاصة رأينا في المترجم أنه كان من جملة المنشطين للحزب الوطني في مطالبهم سرًّا لأنه كان ناظرًا للأوقاف كما تقدم فكان يحضر مجلس النظار وهواه مع العرابيين وهو يعتقد أن مطالبهم عادلة ، ورجال المطامع يغتنمون هذه الفرص لنيل المناصب الكبرى وكثيرًا ما كانت أمثال هذه الحركات سببًا في انتقال الملك من دولة إلى دولة إذا وافقت الأحوال وتوافرت الرجال وفي تاريخ مصر أمثلة كثيرة من هذا النوع.

أما المترجم فقد كان طامعًا في منصب الوزارة وما وراءه فكان ينقل إلى عرابي ورفاقه من قرارات ذلك المجلس وأبحاثه ما يتعلق بهم ليحذروه أو يتهيئوا للقائه مما يطول شرحه ، وقد نجح فيما كان يؤمله فتولى نظارة الجهادية ثم رئاسة النظار فكان له النفوذ الأعظم في تلك الثورة ، وأما عرابي فقد تصدر لها وتظاهر بها عن صدق نية وبساطة وهي بالحقيقة نهضة سياسية عمرانية لو أحسن أصحابها استخدامها أو لو تصرفوا فيها بالحكمة والتؤدة لعادت بالنفع على الحكومة والأهالي ولكنهم اختلفت أغراضهم وتباينت مطامعهم وغفلوا عن العواقب ولم يكن ليغفل عنها الدرب الحازم ولكن قدر فكان.

فلما دخل الإنكليز مصر وقبضوا على العرابيين وحاكموهم كان صاحب الترجمة من جملة الذين حكم عليهم بالنفي إلى سيلان مع زعيم الثورة ، وما زال هناك حتى أرجع في جملة الذين أرجعوا منذ بضعة أعوام واختصه الجناب الخديوي بإرجاع حقوقه ورتبته وظل بين أهله وذويه حتى توفاه الله في ١٢ ديسمبر سنة ١٩٠٤ م وقد كُفَّ بصره.

هذه خلاصة سيرته السياسية ، وأما سيرته الأدبية فمجملها أنه كان محبًّا للأدب مطبوعًا على الشعر وشعره من الطبقة الأولى بين شعراء العصر بمصر وكلهم يعترفون له بالتقدم والفضل ، وله منظومات رنانة سارت بذكرها الركبان ومنها ما جرى مجرى الأمثال وفي جملتها قصيدة في السيرة النبوية تدخل في نحو ست مائة بيت على روي البردة مطلعها : يا رائد البرق يمِّم دارة العلم واحد الغمام إلى حي بذي سلم

وإليك أمثلة مما بلغ إلينا من منظوماته ، قال في وصف الليل من قصيدة بعث بها من جزيرة سيلان إلى الأمير شكيب أرسلان : وترى الثريا في السماء كأنها حلقات قرط بالجمان مرصع .. بيضاء ناصعة كبيض نعامة في جوف أدحيٍّ بأرض بلقع .. وكأنها أكر توقد نورها بالكهرباءة في سماوة مصنع .. والليل مرهوب الحمية قائم في مسحة كالراهب المتلفع .. متوشح بالنيرات كباسل من نسل حام باللجين مدرع .. حسب النجوم تخلفت عن أمره فوحى لهن من الهلال بإصبع.

ونظرا لما فطر عليه من الميل إلى الجندية فقد أجاد كثيرًا في نظم الفخريات ومنها أبيات يتمثل بها الناس كقوله من قصيدة عارض بها قصيدة أبي فراس : من النفر الغرِّ الذين سيوفهم لها في حواشي كل داجية فجرُ .. إذا استل منهم سيدٌ غرب سيفه تفزعت الأفلاك والتفت الدهرُ ، ونظرًا لمنزلته الرفيعة في نفوس الشعراء فقد اجتمعوا على ضريحه في الإمام الشافعي يوم الأربعين من وفاته ورثوه وأبَّنوه مما لم يسبق له مثيل إلا ما يقال عن توافد الشعراء لرثاء المعري على قبره “.

55 / ما هنالك

(ما هنالك) هو عنوان كتاب في نقد النظام السياسي للسلطنة العثمانية في العصر الخديوي من تأليف الكاتب والصحفي إبراهيم بك بن عبد الخالق بن إبراهيم بن أحمد المويلحي الذي ولد بالقاهرة عام 1262 هـ / 1845 م وتوفي فيها عام 1323 هـ / 1905 م ،  وترجع جذور عائلته إلى بلدة المويلح بالحجاز والتي قدم منها جده الأكبر أحمد المويلحي في عهد محمد علي باشا وعمل بالتجارة واستقر في مصر.

وقد عمل المؤلف في التجارة وفي الوظائف الحكومية وبدأ مبكرا في تجاربه الصحفية فأسس مع صديقه عثمان بك جلال جريدة نزهة الأفكار وعندما نفي الخديوي إسماعيل التحق به وصار كاتبه الخاص في المنفى ، وقد عرف المويلحي بانحيازه للعرابين وبصداقته لكل من السيد جمال الدين الأفغاني والإمام محمد عبده واشترك معهم في تحرير مجلة العروة الوثقى ، ثم قضى في إسطنبول عشر سنوات اطلع فيها على أحوال الباب العالي. 

ولما عاد بعدها لمصر نشر سلسلة من المقالات في صحيفة المقطم في عام 1895 م تحت عنوان (ما هنالك) بتوقيع مبهم (يقتصر على حرف الياء) تناول فيها بالنقد اللاذع أحوال السلطنة هادفا إلى النصح والإصلاح ، ثم جمعها وأصدرها كتاب عام 1896 م عن دار المقطم يقع في 255 صفحة من القطع المتوسط ولم يجرؤ على وضع اسمه على الغلاف خوفا من السلطان وكتب بدلا من ذلك عبارة (لأديب فاضل من المصريين).

ويحكي حفيده إبراهيم قصة حياته وتجاربه الصحفية العديدة ورحلاته الخارجية وعلاقته بالسطلة الحاكمة في كل من مصر والآستانة وذلك في مقالين نشرا له بمجلة الرسالة (في العددين 249 ، 250) حيث جاء فيها :

السيد إبراهيم المويلحي بن السيد عبد الخالق بن السيد إبراهيم بن السيد أحمد بن السيد الشريف مصطفى وكيل المويلح ، ينتهي نسبه إلى الحسين من جهة أبيه والى الحسن من جهة أمه فأسره المويلحي يمتد نسبها إذن إلى الصادق (محمد ﷺ) وإلى الصديق (أبي بكر) وهذا النسب ثابت ثبوتاً قضائياً يرجع إلى أحكام شرعية مصرية لا إلى مجرد (الثبوت الإداري) المعروف في مصر.

والمويلحي نسبة إلى المويلح (بلدة في جزيرة العرب على شاطئ البحر الأحمر كانت تابعة لمصر في عهد (علي بك الكبير) حتى سنة 1892 ميلادية ثم ضمت إلى ولاية الحجاز ، وقد انقسمت هذه الأسرة قسمين أحدهما في مصر والآخر في المويلح وأول من وفد إلى مصر من المويلحيين السيد أحمد المويلحي بعد خدمة أداها لمحمد علي باشا الكبير في تسكين فتنة الوهابيين ثم أقام بها وأسس بيتاً تجارياً بجهة التربيعة بالقاهرة

ورزق السيد أحمد المويلحي بالسيد إبراهيم المويلحي جد صاحب هذه الترجمة ، فشب على حب الأدب وأولع به وكان لا يخلو مجلسه من الأدباء والشعراء يطارحهم ويذاكرهم ، فكانت ألسنة الوجهاء تلهج بذكر أدبه وشعره حتى بلغ أمره (حبيب أفندي) كخيا المغفور له (محمد علي باشا) فجعله كاتبه ، ولقد أدى إبراهيم خدمة جليلة لوالي مصر (محمد علي) فحفظها له البيت الخديوي فانتفع بها المترجم له حالة عسره كما سيتبين لك فيما بعد.

ورزق السيد إبراهيم بالسيد عبد الخالق الذي انتحى ناحية الاشتغال بالتجارة فشب على حبها وأفرغ همه فيها فذاعت شهرته بصناعة نسج الحرير التي كانت رائجة بمصر في ذاك الوقت فجمع ثروة طائلة ، ثم انجب ولدين هما إبراهيم صاحب هذه الترجمة وعبد السلام واستقر رأيه على أن يجعل من إبراهيم رجلاً تجارياً ، فبعد تعليمه العلوم الابتدائية في البيت أخذ يوجه نحو الاشتغال بالتجارة وأبقاه في محله التجاري وأرسل أخاه عبد السلام إلى الأزهر ليكون عالماً.

ولكن شاءت إرادة الله أن يكون إبراهيم هو العالم والأديب وأن يتفرغ عبد السلام فيما بعد للتجارة ومزاولتها فنهض فيها نهضة إبراهيم في العلم والأدب ، فكان إبراهيم مولعاً بالأدب والشعر منذ حداثة سنه وقد ورث ذلك عن جده إبراهيم ومن حسن حظه أن كان بجوار محله التجاري عطار لم يحضرني أسمه كان من العلماء الأعلام الذين لم تتغلب عليهم التجارة فتنسيهم العلم فتتلمذ عليه إبراهيم بغير علم من والده فدرس عليه علوم الأدب والبلاغة والنحو والعروض حتى نبغ فيها.

ومن نوادر ما يروي عن رغبته في العلم والتحايل على الحصول عليه أنه كان معه بواب للمحل يدعى (علي الأشموني) فكان يتفق معه على أن يقف على ناصية الطريق حتى إذا ما رأى والده السيد عبد الخالق مقبلا نحو متجره راكباً مطيته يهرع إلى السيد إبراهيم المنشغل بدرسه ليقطع عليه لذة الدرس وينبهه إلى حضور والده السيد عبد الخالق فيذهب إلى المتجر متظاهراً بمداومة العمل ، وما كان يخطر له ولا والده أنه سيجعل الأدب مهنته وهي يومئذ مهنة الفقراء ولكن الأقدار ساقته إلى الاشتغال بها فكان من اعظم نوابغها.

وظل إبراهيم في حجره والده آمناً سعيداً حتى توفي الوالد سنة 1282 هجرية (1865 ميلادية) فتولى هو تجارة أبيه وقبض على ثروته التي تبلغ ثمانين ألفاً من الجنيهات ، وجرى على خطته في العمل حيناً فازداد تقدماً وصار عضواً في مجلس التجار وعضواً في مجلس مصر الابتدائي ، ولا يفوتن القارئ أن كل هذه المشاغل لم تحل دون ميله للأدب والشعر إذ كانت هذه الملكة تنمو فيه شيئاً فشيئاً بين مشاغل السياسة والإدارة والتجارة فاتفق مع المرحوم (عارف باشا) أحد أعضاء مجلس الأحكام وصاحب المآثر الكبرى في نشر الكتب على تأسيس (جمعية المعارف) وكانت جل همها نشر الكتب النافعة وتسهيل إقتنائها.

ثم أنشأ (إبراهيم بك) مطبعة باسمه سنة 1285 هجرية (1868 ميلادية) لتطبع تلك الكتب وتعد من أقدم المطابع المصرية وكانت كثرة العمل فيها تدفع الجمعية إلى طبع جزء من كتبها في بعض الأحيان بمطابع أخرى ولا سيما (المطبعة الوهبية) ، ولا شك في أن هذه الجمعية كانت صاحبت اليد الطولى في نشر كثير من الكتب القيمة ككتاب تاج العروس وأسد الغابة ورسائل بديع الزمان وسلوك المماليك وألف با ومحاورات الأدباء والشعراء والبلغاء وغيرهما مما جعل لهذه الجمعية شأناً في تاريخ النهضة الدبية الحديثة.

أما صاحب الترجمة ففي السنة الثانية من إنشاء مطبعته اتحد مع محمد عثمان جلال بك لإصدار جريدة عربية سماها (نزهة الأفكار) ولم يكن من الصحف العربية يومئذ بمصر إلا جريدة وادي النيل والجريدة الرسمية ، ولسوء الحظ لم يصدر منها إلا عددان ثم اظهر المرحوم شاهين باشا للخديو إسماعيل تخوفه مما سوف تثيره مقالاتها من الأفكار وتولده من الفتن ، فأصدر الخديو أمراً بإلغائها وظلت المطبعة على ما هي عليه من طبع الكتب الأدبية والتاريخية والفقهية لجمعية المعارف كما كان يطبع المترجم كتباً على نفقته الخاصة.

وكانت مضاربات البورصة حديثة العهد بمصر وقد تشدق الناس بمعجزاتها في سرعة الإثراء ، ولما كان إبراهيم طلاباً للعلا لم يكتف بما عنده من الرزق الواسع وحدثته نفسه بطلب المزيد فاندمج في صف المضاربين يربح تارة فيطمع في المزيد ويخسر أخرى فيطلب التعويض ، وما هلت سنة 1289 هجرية (1872 ميلادية) حتى أستنزف ثروته وأثقل بالديون وكاد البيت يتزعزع فرأى الخديو إسماعيل من اللازم أن يقيم أود ذلك البيت المشهور بعزة وجاهه فقال لشريف باشا وثابت باشا : (إن ما سأصنعه لهذا البيت واجب على ذمتنا فإن جدهم خدم جدي خدمات جليلة).

ثم طلب استدعاء إبراهيم وعبد السلام فلما مثلاً بين يديه قال : من منكما الأكبر ؟ ، فقال إبراهيم : عبدكم يا مولاي ، فسأله : كيف تسير أعمالكما التجارية بعد موت أبيكما ؟ ، فقال إبراهيم : إن علمها عند عبد السلام (وقد ذكرنا من قبل أنه هو الذي مارس التجارة وأدارها) لأني انقطعت للعلم والأدب ، فالتفت الخديو إلى عبد السلام فتقدم وبسط الحالة التجارية والمالية وهنا تناول الخديو ورقة وخط فيها بيده الكريمة سطرين وناولها إبراهيم ليسلمها لرئيس الديوان.

وبعد أن قام الأخوان بواجب الشكر ذهبا تواً إلى حيث أمرا وهما لا يعلمان ما خبأته لهما الأقدار ! ، وكم كانت دهشتهما عند ما علما أن بالورقة أمراً كريماً بتعيين إبراهيم عضواً في مجلس الاستئناف براتب شهري قدره أربعون جنيهاً وبصرف أربعة آلاف جنيه لعبد السلام ليسدد ما عليهما من ديون وليتمكن من إقامة ما أعوج من شئون التجارة وبالإنعام على كل منهما برتبة بك من الدرجة الثانية.

ولم يكتف إسماعيل باشا بكل هذا بل أبى عليه كرمه إلا أن يصدر أوامره إلى جميع من في قصوره من النساء بأن يعدلن عن لبس الأنسجة الأوربية إلى الأنسجة المصرية من صنع المويلحي وألا يدخل تشريفات السيدات سيدة مرتدية غير هذه المنسوجات كما أمر بصنع كمية كبيرة منها لإرسالها إلى معرض فينا في تلك الأيام ، وما زال المترجم له في وظيفته بمجلس الاستئناف حتى آلت رياسته إلى المرحوم حيدر باشا يكن فوقع بينهما شقاق انتهى باستقالة إبراهيم بك.

ولكن عناية الخديو إسماعيل ما زالت ترعاه فأمر بإعطائه مصلحة تمغة (المشغولات والمنسوجات) على سبيل الالتزام (الاحتكار) على أن يؤدي للحكومة جعلا ، ولما سقطت وزارة نوبار باشا سنة 1296هـ سنة 1879م التي كان فيها عضوان أجنبيان وخلفتها وزارة شريف باشا المعروفة باسم الوزارة الوطنية وهمت بإنشاء اللائحة الوطنية لتأسيس مبادئ الحكومة الدستورية  وقع الاختيار على المترجم له لوضع هذه اللائحة.

ولما أن استقرت الوزارة الجديدة طلب المرحوم راغب باشا ناظر المالية وقتئذ من الخديو إسماعيل أن يكون إبراهيم بك معه في المالية لما يتوسمه فيه من النجابة والنباهة وعلو الهمة وسداد الرأي ، فلم يمانع الخديو وسر بهذا الاختيار وأصدر الأمر بتعيينه ناظراً للقلم العربي بها وهنا تجلى نبوغه وظهرت جدارته فأحيلت إليه نظارة قلم (العرضحالات) مع ملاحظة (قلم تركي المالية) وعين عضواً في مجلس تسديد الديون السائرة.

ولما تنازل الخديو عن العرش سنة 1879 م كما هو معروف وصدرت أوامر السلطان بنفيه طلب الإذن من السلطان بالإقامة في استانبول أو أزمير فلم يصادف هذا الطلب قبولاً ، فلما علم الملك أومبرتو ملك إيطاليا بهذا الرفض طيب خاطر صديق والده ووضع تحت تصرفه سراي الفافوريتا بضواحي نابولي ، على أن هذا النفي لم ينسه ذكر إبراهيم فبعث يستقدمه إليه.

فلبى إبراهيم الأمر واستعفى من مناصبه وظل في معية إسماعيل بضع سنوات كان يقوم في أثنائها بوظيفة كاتب يده (سكرتيره العربي) يكتب عنه الرسائل إلى الملوك والأمراء ، كما كان يقوم بالتدريس لنجله سمو البرنس احمد فؤاد (المغفور له صاحب الجلالة فؤاد الأول) وقد أرسل إبراهيم بك كتاباً إلى أبنه المرحوم السيد محمد بك المويلحي بتاريخ 15 مارس سنة 1880 يطلب منه الإسراع بإرسال بعض كتب النحو الصغيرة لهذا الغرض.

وفي نفس هذه السنة أي سنة 1880م أنشأ جريدة (الاتحاد) بإيطاليا واصدر منها ثلاثة أعداد كانت مقالاتها شديدة اللهجة على سياسة الدولة العلية مما جعل السلطان عبد الحميد يطلب من سفارته بإيطاليا إيفاد مندوب من قبلها لدى الخديو إسماعيل ليرجوه أن يأمر (سكرتيره) بالكف عن نشر تلك الجريدة.

وفي أثناء إقامة الأسرة الخديوية بإيطاليا مرضت إحدى الأميرات من زوجات سمو الخديو إسماعيل (بالروماتزم) ووصف لها الأطباء بلدة (بورسة) خشية عليها من المكث في الجو الذي هي فيه فأشكل الأمر على الخديو وبث همه إلى (سكرتيره) وطلب منه أن يكتب لجلاله السلطان عبد الحميد رسالة يشرح له فيها حالة المريضة بذلك الأسلوب المتين الساحر.

فكتب إبراهيم بك رسالته المشهورة عن لسان الخديو إسماعيل التماساً لدخول حرمه الآستانة وأفرغ فيها كل أوتي من بيان ، ولما ترجمت وعرضت على السلطان عبد الحميد تأثر بها وأرسل برقية إلى سفيره في إيطاليا بدعوة حرم الخديو إسماعيل إلى الآستانة للاستشفاء بمياه (بورسة) المعدنية.

ثم سافر إبراهيم بك إلى باريس سنة 1884 م وحرر العدد الرابع من جريدته (الاتحاد) بعد صمت أربع سنوات وطبع منها أعداداً كثيرة ، وكانت أشد لهجة من أخواتها فاستشاط السلطان غيظاً وحنق على إبراهيم حتى أنه أرسل إلى أسعد باشا سفير الدولة العلية في باريس بمذكرة مستعجلة يريد بها إبلاغ رغبته إلى الخديو إسماعيل بأن يأمر سكرتيره (إبراهيم بك) بالكف نهائياً عن إصدار جريدة (الاتحاد) المحررة تحت رعاية سموه.

فلما تفاوض أسعد باشا مع الخديو اعلمه بأن لا بد له فيها مطلقاً وأنه برئ من تلك الظنون فما كان من السفير العثماني إلا أن طلب من الحكومة الفرنسية بناء على رغبة السلطان نفي المترجم له من فرنسا ، ولما كان هذا النفي غير مسبوق بأي محاكمة فقد انبرى المسيو بوددي مورسلي يدافع عن إبراهيم ويستنكر وقوع مثل هذا الإجراء ويأخذ على وزير الداخلية الفرنسية تسليم إبراهيم لأسعد باشا بهذه السهولة في مقال نشر في حينه في جريدة (الفيجارو) عدد 331 سنة 1884 م اختتمه بقوله :

(إني أسأل بصراحة المسيو ولدك روسو عن الضرر الذي يسببه وجود إبراهيم بك في باريس أم هل فقد بلدنا الجمهوري (حق الإقامة) فيه وأضحى غير قادر على منح الضمان الكافي للمحكوم عليهم سياسياً ! وإلا فما هو الأمان الذي يمكن أن يجده عندنا كل غريب فقد حق التمتع بمصالح بلده ؟ ألا يظن حضرة وزير الداخلية أنه من السذاجة أن ننال بسهولة وبدون محاكمة إبعاد صحفي فرنسي غير راض عن سياستنا الحالية من استنبول أو لندرة مثلاً لأنه يصدر جريدة عدائية هناك ؟! إن القبض على إبراهيم بك ونفيه بدون محاكمة لا يعد فقط عملاً استبدادياً بل أمراً منكراً ربما استحق الاستجواب عنه في البرلمان).

فلما رأى إبراهيم بك نفسه مرغماً على ترك فرنسا بأمر السلطان سافر تواً إلى (بروكسيل) فكتب إليه السيد جمال الدين الأفغاني لما كان بينهما من روابط الصداقة أيام كانا في مصر يشير عليه بالتوجه إلى لندرة ليتحدا في الدفاع عن حقوق الأمة ونصرة الدين ، فاستصوب إبراهيم هذه الفكرة ولاسيما أنه كان غيوراً على دينه شديد الحب لوطنه فأبحر إلى (لندرة) وتسنى له التعرف هناك باللورد تشرشيل واللورد سالسبوري وأخذ يعاون السيد جمال الدين في تحرير (العروة الوثقى) وأنشأ لنفسه جريدة (الأنباء) ثم (عين زبيدة) وأفاض فيهما ولاء خالصاً للسلطان وأظهر حرصاً على صيانة الدولة بانتقاده الشديد لسياسة غلادستون نحو الدولة العلية في ذاك الوقت.

وبلغ مسامع السلطان عبد الحميد أمر هاتين الجريدتين فسر من خطة إبراهيم هذه وأرسل إليه يستقدمه بواسطة سفيره في لندرة ، ولما كان إبراهيم بك لا يتوقع هذا العفو السريع سنة 1303 هـ / 1885 م ظن أنها مكيدة من السلطان ليتمكن بها من الانتقام منه فامتنع من الذهاب إليه وكلف ابنه السيد محمد بك المويلحي – الذي كان بصحبته في إنجلترا – السفر إلى استنبول ليستطلع جلية الأمر ، فتوجه محمد بك إلى الآستانة عن رغبة والد، وأرسل إليه خطاباً يطمئنه فيه من جهة السلطان.

فدخل إبراهيم بك الآستانة وكتب إلى جلالة السلطان الخطاب الآتي يشكره فيه على عفوه عنه ويعتذر عن تأخره في المثول بين يدي جلالته .. وبعد أيام طلب السلطان مثوله بين يديه فأكرم مقابلته وعينه عضواً في مجلس (انجمن المعارف) سنة 1303 هـ / 1885 م وكان ناظرها وقتئذ العالم الجليل المغفور له صاحب الدولة منيف باشا فقدر إبراهيم حق قدره وقربه إليه وعرفه بالشيخ الشنقيطي اللغوي الشهير وتصادق المترجم له مع إبراهيم بك ادهم صاحب جريدة (الحقائق) التي كانت تصدر في استانبول فكان ينشر فيها وصف جلال الموكب السلطاني في كل مرة يذهب فيها لتأدية فريضة الجمعة.

ومكث إبراهيم بك في وظيفته هذه عشر سنوات تقريباً من سنة 1885 هـ / 1895 م حدث في أثنائها أن كتب بعض الجواسيس إلى السلطان عبد الحميد تقريراً جاء فيه أن إبراهيم بك لا يزال يراسل الجرائد في مصر خفية بما لا يتفق وسياسة السلطان ! فما كان من جلالته إلا أن أرسل إلى صاحب العطوفة (كامل بك) ناظر الضبطية لاستجواب صاحب الترجمة والتحقيق معه فيما وصل إلى السلطان.

ولقد كان هذا الجاسوس صادقاً في تقريره وهكذا كانت خطة إبراهيم بك في جميع مراحل حياته السياسية لا يعرف التملق ولا التزلف ولم تُحِده تلك الرتب والإنعامات الشاهانية عن طريقته المثلى في حبه لمصلحة البلاد والدفاع عنها وانتصاره لها وقد رأى شطط السياسة من جراء ما يزينه الملتفون حول عرش جلالته فأخذ ينشر مقالاته الانتقادية في المقطم وكان يذيلها بإمضائه المستعار : (أحد العثمانيين الأفاضل).

وكان إبراهيم بك في اليوم الذي قبض عليه فيه يحمل مسودة مقالة كان يريد نشرها فأسقط في يده واخذ يجهد فكره في التخلص منها بأية وسيلة ! واتفق أن كان الناظر في هذه الساعة مشغولا بتحقيقات أخرى – وما اكثر التحقيقات في الآستانة – فأمر بإبقائه في غرفة تجاور غرفة التحقيق ريثما ينتهي من استجواب الذين بين يديه ، ففكر إبراهيم بك وهو المنعزل في الغرفة أن يتخلص من المقالة التي في جيبه خشية تفتيشه فهم بحرقها فحدثته نفسه أن رائحة الدخان قد تبعث الشك في إدانته كما خشي تمزيقها خوف وصول بعض وريقاتها إلى بعض الجواسيس المنتشرين بدار الضبطية.

وبينا هو في شغل شاغل إذ سمع صياح ديك فنظر حوله فرأى نافذة صغيرة بحواجز حديدية ففتح زجاجها وأطل من بين قضبان النافذة فرأى ذلك الديك وحوله أفراخ كثيرة ينقرن في الأرض بحثاً عن القوت فما كان منه إلا أن أخذ يقطع الورقة قطعاً صغيرة ويضعها في فمه حتى تمتزج بلعابه فيمضغها حتى تصير على شكل الحب ثم يرمي بها إلى الأفراخ فتتسابق إلى ابتلاعها حتى أتت على آخرها ، واغلق النافذة وحمد الله وبعد ساعة تقريباً اقتيد إبراهيم بك إلى غرفة التحقيقات وابتدئ بتفتيشه فلم يعثروا على شئ وبعد مناقشات طويلة أسفر التحقيق عن براءته مما جاء في تقرير الجاسوس ، وطير الخبر إلى جلالة السلطان فأمر باستدعائه إلى (المابين) وأنعم عليه بالرتبة الأولى من الصنف الثاني سنة 1311 هـ / 1893 م وصاحبها يلقب بسعادتلو أفندم وهي توازي رتبة الميرميران الملكية التي يلقب صاحبها بلقب (باشا).

وفي نفس هذه السنة قدم الخديو عباس الثاني ومعه بعض الوجهاء من المصريين لزيارة الآستانة والتشرف بمقابلة جلالة السلطان لعرض الشكر والعبودية على أعتاب الخلافة السنية فرأى إبراهيم بك من واجبه كمصري مقيم في استنبول أن يتشرف بمقابلة سمو الخديو عباس ، فذهب إلى القصر الكائن بدفتر دار بروني الذي يقيم فيه سموه ولكن محمود باشا شكري أشار على سمو الخديو عباس باشا الثاني لشيء في نفسه من جهة إبراهيم أن يمتنع عن مقابلته تجنباً لخطره وسطوة قلمه فسوف الخديو تحت هذا التأثير مقابلة إبراهيم الذي خرج حامقاً والشرر يتطاير من عينيه !

ولما كان يعلم أن جلالة السلطان سيدعو سمو الخديو والوفد الذي جاء معه إلى سراي يلدز مرت بخاطره فكرة جهنمية يستطيع بها تحريك غضب عبد الحميد عليهم أجمعين ! فحرر عريضة من تلقاء نفسه اختلقها اختلاقاً كأن هؤلاء الوجهاء يرومون رفعها إلى الأعتاب الشاهانية وبعث بها إلى المقطم فنشرها والتقطتها التلغرافات الأجنبية وترجمتها الصحف الإنجليزية وعلقت عليها ما شاءت أن تعلق.

وذهب سفير إنجلترا في تركيا بأمر من رئيس الوزارة الإنجليزية إلى الصدر الأعظم ليستفسر عما أجاب به السلطان على هذه العريضة التي قد تسبب توتر العلاقات بين بريطانيا العظمى والدولة العلية ، فحدث من جراء هذه العريضة أن امتنع السلطان عن الإنعامات التي كان يرغب في الإنعام بها على من كان بمعية سمو الخديو كما هي العادة في مثل هذه الظروف إرضاء لخاطر إنجلترا حتى لا تعتقد أن لهذه العريضة أثراً في نفسه.

وفي أوائل سنة 1895 م سئم العيشة في جو استنبول المكتظ بالجواسيس المختنق بالفتن والوشايات وشعر بالحنين إلى وطنه بعد طول الغربة فعزم على الرحيل إلى مصر ودبر طريقة سفره في الخفاء على باخرة بخارية قادته إلى الإسكندرية ، ولما علم جلالة السلطان عبد الحميد بخبر اختفائه وسفره إلى مصر بدون أن يقدم استقالته بعث يستعلم بواسطة مختار باشا المندوب فوق العادة للباب العالي عن السبب الذي جعل إبراهيم بك يترك وظيفته في (أنجمن المعارف) فأبدى إبراهيم أسفه لمختار باشا وافهمه أن قدومه إلى مصر إنما هو من باب الحنين إلى الوطن والشوق إلى رؤية ابنيه محمد وخليل وأنه لا يدري كيف يشكر السلطات على نعمه.

ولما كان إبراهيم بك مشغوفا بالتحرير أخذ ينشر في المقطم من وقت إلى آخر مقالته الانتقادية فيما رآه في الآستانة العلية مدة إقامته فيه تحت عنوان (ما هنالك) ثم جمعها وطبعها كتابا سنة 1896 ميلادية فبعث السلطان عبد الحميد بأمره بإرسال جميع النسخ التي في حيازته إلى (المابين) ! فخضع إبراهيم لأمر جلالته وأرسلها جميعاً إليه ما عدا بضع نسخ كان قد وزعها على عائلته وأصدقائه لذلك يندر وجوده.

وفي سنة 1898 م أنشأ جريدة أسبوعية سماها (مصباح الشرق) وقفها على خدمة الأدب ونصرة الدين والدفاع عن حقوق الدولة العلية وكان يعاونه في تحريرها أبنه السيد محمد بك المويلحي ، وكان طلاب الأزهر يقفون على باب المطبعة الساعات الطويلة ينتظرون صدور أعدادها بفارغ الصبر وكانت تباع بقرش صاغ واحد وكان يعز مطلبها في اليوم الثاني من صدورها حتى كانت تشترى بخمسة قروش.

وكان إبراهيم بك يسافر من وقت إلى آخر للآستانة لمرض ولائه على الأعتاب الشاهانية وليتسنى له الإطلاع بنفسه على ما في الجو السياسي من أخبار ، فكان في كل مرة يعود مثقلا بالإنعامات والعطايا حتى نال الرتبة الأولى من الصنف الأول وصاحبها يلقب بسعادتلو أفندم حضر تلري وهي توازي رتبة (روم ايللي بكلربكي) الملكية لكنها تتقدم عليها في التشريفات ، وقد نال حظوة عليا لدى حضرة صاحب السمو الخديو عباس الثاني حتى إنه كثيراً ما كان يكلفه بأعمال سياسية هامة فكان يقوم بها خير قيام فنال بذلك ثقته ولم يقف دون رغبة سموه إلا مرة واحدة غضب عليه فيها بضعة أشهر ثم رضى عنه فيها.

 وفي سنة 1903 كف عن إصدار الجريدة فجأة ! وهكذا كان إبراهيم بك يعطل كل جريدة ينشئها إذا نال منها غرضه ، وكان يرسل في بعض الأحيان بمقالاته السياسية إلى بعض الجرائد كالمؤيد والمقطم عندما كان يرى أن حقاً للأمة هضم ، ثم أنشأ جريدة (المشكاة) باسم ابنة السيد خليل بك المويلحي وحمدي بك يكن ولم يصدر منها إلا أربعة أعداد فقط سنة 1905 ، وفي أواخر سنة 1905 اعتلت صحته فاعتزل السياسة ليعالج مرضه حتى وافته المنية في 29 يناير سنة 1906.

ولقد كان المرحوم سريع الخاطر طيب اللسان، شديد الميل إلى النقد والمداعبة لا يفرق في ذلك بين قريب أو صديق حتى قيل فيه : (لم ينج من قوارص قلمه إلا الذي لم يعرفه) ، وكان سريع الفهم قوى الإحاطة بخفايا الأمور وغوامض السياسة ، ولقد تقلب في أعمال كثيرة بين تجارية وحكومية وصحافية وسياسية لكنه لم يبلغ الهدف الذي كان يرمي إليه في كل واحد منها مع شدة ذكائه وحدة ذهنه ولعل السبب في عدم ثباته هذا يرجع إلى طموحه إلى النجاح السريع ورغبته في بلوغ الدرجات العلى طفرة واحدة فأنه لو ثبت في عمل واحد لبلغ أوجه ، ويجمل بنا أن نقول قبل أن نختم ترجمته إنه كان مشغوفاً بتعلم اللغات الأجنبية حتى حذق التركية ومهر في الفرنسية وتعلم الإنجليزية في آخر سني حياته عليه رحمة الله.

56 / العيون اليواقظ

(العيون اليواقظ في الأمثال والمواعظ) هو عنوان الديوان الشعري للأديب والمترجم عثمان بك جلال المصري الذي ولد في قرية ونا القس بالصعيد عام 1245 هـ / 1829 م وتوفي بالقاهرة عام 1316 هـ / 1898 م ، ويضم هذا الديوان قصائد غير تقليدية لأنها تعريب لعدد من القصص الأجنبية وإعادة صياغتها في قالب شعري يغلب عليه البساطة في النظم ، وهو من رواد الكتابة القصصية والروائية وأول من كتب أعمالا مسرحية لتعرضها الفرق الفنية أمام الجمهور.

وقد ذكره جورجي زيدان في كتابه تاريخ آداب اللغة العربية فقال : ” عثمان بك جلال المصري توفي سنة ١٨٩٨  / ١٣١٦ ﻫ ، كان أديبًا مطَّلِعًا على آداب الإفرنج وارتقى في مناصب الحكومة الكتابية واستصحبه الخديوي السابق في رحلته في القطر المصري وتولى القضاء في محكمة الاستئناف ، وله مؤلفات هامة بالنظر إلى هذه النهضة نعني أنه وضع الروايات التمثيلية في لغة العامة.

أهمها رواية ترتوف لمولير الفرنساوي وضعها في قالب عربي بلغة عامة مصر وسماها الشيخ متلوف شُخِّصت على المراسح سنة ١٩١٢ وطُبِعت ونُشِرت ، أمثال لافونتين نقلها إلى العربية ووضعها في شعر عربي وسماها العيون اليواقظ في الأمثال والمواعظ طُبِعت بمصر ، السياحة الخديوية في الأقاليم المصرية أرجوزة طُبِعت بمصر سنة ١٢٩٧ﻫ ، رواية بول وفرجيني منقولة عن الفرنساوية ، وغيرها “.

وجاءت ترجمته بالتفصيل في الموسوعة العربية ومنها : ” محمد بن عثمان بن يوسف الحسيني نسباً الجلالي لقباً مترجم وناظم وزجّال وكاتب وهو من واضعي أسس القصة والرواية المسرحية في مصر ولد في (ونا القس) من أعمال بني سويف ، تدرّج في الدراسة إلى أن اختاره رفاعة رافع الطهطاوي لنباهته وأدخله مدرسة الألسن بالقاهرة فتعلّم فيها اللغة الفرنسية وعلوم العربية بما فيها علوم الشعر وسواه.

ثم انتدب في سنة 1261 هـ لتعليم اللغة الفرنسية لرجل في الديوان الخديوي اسمه زايد أفندي مما أتيح له فيما بعد أن يتقلّب في مناصب كثيرة في بعض الوزارات وخاصة في عصر الخديوي إسماعيل إذ خطا جلال خطوات واسعة في مدارج  الرقي في دواوين الدولة وأصبح رئيساً للمترجمين بديوان البحرية ثمّ عُيّن قاضياً بمحكمة الاستئناف بالقاهرة ، وقد منحته الحكومة الفرنسية في  29 آب / أغسطس 1886 اعترافاً منها بجهوده الجبارة في ترجمة قسم من الأدب الفرنسي إلى العربية نيشان الأكاديمية من رتبة ضابط.

لمحمد عثمان جلال مؤلفات كثيرة ولكنّ معظمها مترجم عن الفرنسية ومع ذلك فإن ترجماته منقولة شعراً وخاصة أعمال الشاعر الفرنسي لافونتين والروايات المسرحية وهذا مما يشير إلى أنّ جلالاً كان شاعراً ، وهو من المجددين الأوائل في بنية القصيدة لأنه أقامها على المزدوجات وأمثالها فضلاً عن ا للغة البسيطة وانتشار الروح  المصرية في كتاباته مترجمة ومؤلفة.

من أعماله : عطّار الملوك ترجمه عن الفرنسية ونشره سنة 1261 هـ وهو كتاب في العطريّات من مياه وزيوت وأدهان وأمثالها ، العيون اليواقظ في الأمثال والمواعظ وهو قصص للأطفال للشاعر الفرنسي لافونتين نظمها على ألسنة الحيوانات على نسق كتب كليلة ودمنة لابن المقفع ، والصادح والباغم وفاكهة الخلفا وقد نشر الكتاب سنة 1894 وهو يحتوي على مئتي حكاية بنى جلال معظمها على المزدوجات الشعرية.

أما مؤلفه الثالث الأربع روايات في نخب التياترات وقد ترجمه شعراً باللهجة المصرية بقصد التمثيل وهي من كوميديا موليير وقد أعاد طباعتها الدكتور محمد يوسف نجم في كتاب يضمّ الكوميديات الخمس التي مصّرها جلا، وهي الشيخ متلوف والنساء العالمات ومدرسة الأزواج ومدرسة النساء والثقلاء ، وقد مثل هذه الروايات المسرحية جورج أبيض وقدّمتها أيضاً فرقة أولاد عكاشة على خشبة المسرح في مصر.

وله أيضاً : الروايات المفيدة في علم التراجيده ترجمها عن راسين ، ومسرحية السيد لكورنيي ، والأماني والمنة قصة ترجمها عن بر نار دين ده سان بيير ، كما ترجم رواية إسكندر الأكبر ورواية بول وفرجيني ، وله أرجوزة في تاريخ مصر سماها السياحة الخديويّة في الأقاليم البحرية ، وتطبيق تعليم الأسلحة على الطريقة الجديدة ، ونصائح عمومية في فنّ العسكرية ، والتحفة السنية في لغتي العرب والفرنسية ، وديوان الزجل والملح والفكاهات ، وديوان الشعر “.

وذكره عمر الدسوقي في كتابه ف الأدب الحديث وتناول أعماله الأدبية بالنقد والتحليل فقال : ” محمد عثمان جلال ، وهو مصريٌّ من صميم الريف ولد في ونا القس بمديرية بني سويف سنة ١٨٢٨ ، وتلقى العلم في مدرسة قصر العيني ثم في مدرسة الألسن وكان من نبهاء تلامذة رفاعة الطهطاوي وشغل عدة مناصب حكومية وكان آخر ما تولاه منها منصب القضاء في المحاكم المختلطة سنة  ١٨٨١، وتوفي سنة ١٨٩٨ عن سبعين سنة.

امتاز محمد عثمان جلال بأنه يمثِّل الروح المصرية أتَمَّ تمثيلٍ في خفتها وحبها للنكتة ومرحها الجم ، وقد اختلط كثيرًا بالعامة وعرف أمثالهم ونوادرهم ومواعظهم وعرف كذلك ميولهما الفطرية وحبهم للقصص العربية ، وامتاز أيضًا بأنه كان أديبًا مطبوعًا ثائرًا على المدرسة التقليدية التي تحاكي أدب القديم في محسناته وفخامته وموضوعاته فكان يعتمد أولًا على تجربته الشخصية يستوحيها ويتسلهمها ويعبر عما يحسه وعما يهديه إليه فكره.

فهو في أدبه يمثل القاهرة والريف المصريّ لا بغداد ولا قرطبة ولا البلاد العربية وصحراءها وهذا لعمري هو الأدب الصادق ، ولولا ما شاب أدبه من إسفافٍ في اللفظ وجنوحٍ إلى العامية إفراطًا منه في مصريته لكان من أفذاذ الأدباء المصريين وأصحاب المبادئ في الأدب ، وقد نقد في كتابه العيون اليواقظ هؤلاء الذين يدعون إلى الأدب التقليديّ ولا يستلهمون مشاعرهم الخاصة، وأساليبهم المبتكرة :

يقولون ما هذا الكتاب وما به .. أكاذيب أقوال البهائم في قبح .. وقد زعموا أن البلاغة لم تكن .. بأحسن مما قيل في القد والرمح .. وتشبيه لون الخد بالورد واللظى .. وتمثيل نور الوجه إن لاح بالصبح ، وقد غالى في مصريته وثورته على الأدب القديم فأكثر من استعمال العامية سواء في كتبه الموضوعة أو في ترجمته للروايات المسرحية.

ومن أشهر كتبه التي تمثل هذه الروح المصرية المرحة وتدل على شدة تأثره بعامة الشعب في أمثالهم كتابه الذي أشرنا إليه سابقًا وهو العيون اليواقظ في الأمثال والمواعظ الذي ترجم به أمثال لافونتين La Fontaine شعرًا.

وقد شحنه محمد عثمان جلال بكثير من الأمثال العامية من مثل قوله : فإنما تأخذ من سماطي .. ما تأخذ الريح من البلاط ، وقوله : واحذر مدى الأيام كل ساهي .. فإن تحت رأسه الدواهي ،  وقوله : إن كان بالتوت غضبان .. هلبت يرضيه شرابه .. وقوله : صدقني حاجة ما تهمك .. وصى عليها جوز أمك.

ولغته في هذا الكتاب إما عامية دراجة أو عربية قريبة من العامية ومن أمثلة هذه القصص قوله : كان البخيل عنده دجاجة .. تكفيه طول الدهر شر الحاجة .. في كل يوم مر تعطيه العجب .. وهي تبيض بيضة من الذهب .. فظن يوما أن فيها كنزًا .. وأنه يزداد منه عزًّا .. فقبض الدجاجة المسكين .. وكان في يمينه سكين .. وشقها نصفين من غفلته .. إذ هي كالدجاج في حضرته .. ولم يجد كنزًا ولا لقيه .. بل رمة في حجره مرمية .. فقال لا شك بأن الطمعا .. ضيع للإنسان ما قد جمع.

وقد كان لهذا الكتاب تأثير كبير في أدب الأطفال في عصرنا الحاضر ولا يكاد يخلو كتاب من كتب الأطفال من قصة مأخوذة منه بنصها أو محرَّفَة بعض التحريف أو منثورة ، بل إن بعض المشتغلين بكتب الأطفال لم يتحرجوا في أن ينسبوا بعض قصصه إلى أنفسهم وعلى مواله نسج شوقي كثيرًا من القصص الرمزية أو قصص الحيوان ، ويقال إن قصص لافونتين هذه التي ترجمها محمد عثمان جلال مأخوذة من قصص إيسوب.

هذا وقد ترجم عثمان جلال بعض رويات موليير الهزلية الأربع روايات من نخب التياترات منها رواية ترتوف وسماها الشيخ متلوف ومثلت مرارًا على المسرح المصري ومنها النساء العالمات وقد مصَّرَ أشخاص هذه الروايات وكتبها باللغة العامية ، وترجم كذلك بعض رويات راسين وسماها الروايات المفيدة في علم التراجيدة وقد قال في مقدمتها : وجعلت نظمها يفهمه العموم فإن اللغة الدراجة أنسب لهذا المقام وأوقع في النفس عند الخواص والعوام.

وألَّفَ محمد عثمان جلال روايةً بالعامية عن الخدم والمخدومين ، ويقول الاستاذ العقاد عن ملكة عثمان القصصية عند الحديث عن هذه الرواية : قد كان له ملكة قيمة في فن القصة والرواية المسرحية فكانت هذه الملكة تنزع به إلى نظم الزجل غالبًا والشعر أحيانًا في وصف ما يقع له من النوادر والفكاهات والرياضيات ومن ذلك زجله في الأزهار وزجله في المأكولات وأقوم منهما كليهما روايته المسرحية عن المخدومين والخدم وهي باكورة في وضع الروايات المصرية وتمثيل البيت المصريّ والمجتمع الوطني يندر ما يقاربها في بابها بين روايات هذا الجيل ، وبحقٍّ يسمى محمد عثمان جلال أبا المسرحيات الوطنية في العصر الحديث وقد يحار المرء في تحليل هذا الاتجاه الذي انحرف إليه عثمان جلال وإيثاره اللغة العامية مع تمكنه من اللغة الفصحى.

أما الدكتور طه حسين فيرى أن ذلك لضعفه في اللغة العربية وذلك حين يقول : فأخذ الذوق يتغير وكان تغيره قويًّا ظهر في مظهرين مختلفين أحدهما إيثار اللغة العامية على لغة الأدب العصريّ والآخر إيثار اللغة القديمة والأساليب القديمة على لغة العصر وأساليبه ورأينا رجلًا كعثمان جلال قد أعجبه الأدب الفرنسيّ وأراد أن ينقل إلى قومه صورًا منه ولم يكن من الأدب القديم على حظٍّ قويٍّ ورأى أن الأدب العصريَّ أدنى إلى الموت من أن يحتمل هذا الأدب الفرنسيّ فيترجم لقومه أو قل ينقل إلى قومه تمثيل موليير في الزجل العاميّ لا في الشعر العربيّ.

على أن هذا الكلام على ما به من وجاهةٍ لا يؤخذ على إطلاقه فمحمد عثمان جلال قد ترجم بول وفرجيني كما سنذكر فيما بعد بأسلوب عربيٍّ فصيحٍ كما قال كثيرًا من الشعر باللغة الفصحى ، فهو لم يكن بهذه المنزلة من الضعف اللغويّ حتى يعجز عن ترجمة أمثال لافونتين وهزليات موليير ومآسي راسين ويضع رواية باللغة العامية.

ولعل من الأسباب غير ما ذكره الدكتور طه حسين عِظَمِ تأثره بالروح المصرية في كل شيء وتعصبه للهجة العامية التي هي لغة جمهرة الشعب وقد يكون ذلك لغرض تجاريٍّ بحت إذ لم يجد الأدب الرفيع سوقًا رائجةً فأقبل على التحدث إلى جمهرة الشعب باللغة التي يفهمونها لعلهم يقبلون على كتبه ، وليس أدل على رواج هذه الكتب التي تكتب بالعامية من قول الشيخ محمد عبده : ومنها الكتب المضرة بالأدب والأخلاق كتب الأكاذيب الصرفة وهي ما يذكر فيها تاريخ أقوام على غير الواقع وتارةً تكون بعبارةٍ سخيفةٍ مخلةٍ بقوانين اللغة ومن هذا القبيل كتب أبو زيد وعنترة العبسيّ وإبراهيم بن حسن والظاهر بيبرس والمشتغلون بهذا القسم أكثر من الكثير وقد طبعت كتبه مئات المرات ونفق سوقها ولم يكن بين الطبعة والثانية إلّا زمن قليل.

ويقول عثمان جلال مؤيدًا هذا الرأي حين حاول نشر العيون اليواقظ : واشتغلت بإتمام العيون اليواقظ وعرضتها على الوالي بواسطة المرحوم مصطفى فاضل وكان أوصلني إليه محمد علي الحكيم فما أثمر غرسها ، فاتفقت مع فرنساويّ له مطبعة من الحجر يسمى يوسف بير وعهدته بطبعها فتعهد ثم أخلف ما وعد فكلفت مطبعة أكبر من مطبعته وصرفت عليها ما جمعت ونشرتها ثم بعد الحمار وبعتها وقلت في ذلك : راجي المحال عبيط .. وآخر الزمر طيط .. والناس فاثنان بخت .. مروج وقليط .. والعلم من غير حظ .. لا شك جهل بسيط.

وقد يكون من الأسباب التي دعته إلى ترجمة المسرحيات وكتابتها باللغة الدارجة إقبال الفرق التمثيلية على هذا النوع دون سواه ولا سيما بعد أن أغلقت أبواب الأوبرا التي كان يشجعها إسماعيل ويهب الممثلين فيها والمؤلفين لها بعض المال ويحضر الروايات بنفسه ، وكان التأليف حينذاك باللغة الفصحى فلما أغلقت الأوبرا أبوابها إذ عد التمثيل ترفًا وإسرافًا وأنشئت الفرق الخاصة واعتمدت على الجمهور اضطرت إلى مجاراته في لغته وإلى التأليف له بالعامية حتى يقبل على مسارحها.

وإذا أحسنَّا الظن بعثمان جلال قلنا : إنه جارى المصلحين في نزولهم إلى مستوى الشعب حتى يكون لكلامهم أثره ولم ينظروا للأدب إلّا بمقدار ما يؤثر في النفوس وقد رأى عثمان جلال انتشار الأدب الرخيص وإقبال الجمهور على سماعه في المقاهي من أمثال قصة أبو زيد وعنترة والظاهر بيبرس وغيرها فأثر أن يوجد لهم أدبًا اسمى موضوعًا ولكن لابد من كتابته باللغة التي يفهمونه، ولا سيما حين منعت الحكومة طبع كتب الأدب الرخيص إذ وجدت فيها ضررًا عظيمًا ولبَّت نداء المصلحين بمنع تداولها وربما كان من حسن الظن بعثمان جلال أنه قلَّدَ أدباء الغرب في إنطاقهم أشخاص رواياتهم بلهجاتهم المألوف، ورأى أنه ليس من المعقول أن ينطق الخادم مثلًا اللغة العربية الفصحى ولما كان جمهرة أبطاله من عامة الشعب لجأ إلى العامية لتكون شخصياتهم مطابقة لواقع الحياة خاليةً من التكلف والصنعة.

ومهما يكن من أمرٍ فإن هذا النوع من الأدب لم يكتب له الخلود لأن اللغة العامية وإن كانت قريبةً من الشعب تنبض بالحياة وتجدد كل يوم فهي لغةٌ لا أصل لها ولا نظام ولا قاعدة ولذلك أهمل كل ما كتب بها ، وإن كنت لا أبرئ محمد عثمان جلال من مملأته للإنجليز في حملتهم على اللغة العربية وترويجهم للغة الدارجة لأنه كان إبَّان عصر القوة – عصر إسماعيل – يكتب بالفصحى فلما انقضى هذا العهد ورأى المحتلين يشجعون اللغة العامية ويعاضدهم المبشرون والمستشرقون أمثال مارتمان Martman ويشجعونه على الكتابة والتأليف باللغة العامية وهم أصحاب الحول والطول وعلى طريقته تلك.

وقد كان لمحمد عثمان جلال ومسرحياته وكتابته باللغة العامية أثرٌ في الجيل الذي أتى بعده إذ حذا حذوه هيكل في رواية زينب التي نشرها أول الأمر سنة ١٩١٤ باللغة العامية ومحمد تيمور ومحمود تيمور فيما أخرجا من قصص ، ولكن زينب أهملت كذلك لأنها كتبت بالعامية ويقول الأستاذ المازني في شأنها : وأعتقد أن الدكتور هيكل يوافقني الآن على ذلك أنه لو كتبها باللغة الفصحى – فإن فيها عاميًّا غير قليل – لكان أثرها أسرع في إزخار هذا التيار الجديد.

ولم يجرؤ هيكل كما لم يجرؤ من قبله محمد عثمان جلال وقد كتبا باللغة العامية على الجهر بأنهما ألفا هذه الروايات العامية وإلّا انحطت منزلتهما الأدبية ، ولذلك نرى عثمان جلال يرمز إلى اسمه بالحروف الأولى م.ع.ج على الروايات المفيدة في علم التراجيدة والأربع روايات من نخب التياترات ، كما يكني هيكل عن نفسه حين نشر زينب” لأول مرةٍ بقوله : زينب – مناظر وأخلاق ريفية – بقلم مصري فلاح ، ذلك لعلمهما بأن اللغة العامية ليست لها مكانة وأنهما يحاولان بعثها وخلقها ولكن هيهات.

ومن الكتب التي ترجمها محمد عثمان جلال عن الفرنسية رواية بول وفرجيني للكاتب الفرنسيّ برناردين دي سان بييروقد صبغها عثمان جلال بالصبغة المصرية كعادته وسماها (الأماني والمنة في حديث قبول وورد جنة) وتصرف فيها بالزيادة والنقصان ولكنه حرص في كثير من الأحيان على روح الرواية وأصلها ، وقد قال في تصدير الكتاب : أخرجته من الطباع الإفرنجية وجعلته على عوائد الأمة العربية فمن تصحفه بعين النقد رأى القد على القد ومن قاسه بمقياس المقابلة وطبق آخره وأوله رأى فذًّا قرن بتوأم وعلم أن من ترجم فقد ترجم ثم كتبته على ورق الحنة وسميته قبول وورد جنة لمقارنة مخرج الاسمين ومطابقته في لفظة اللغتين.

ولقد ترجمت هذه الرواية بعد ذلك عدة تراجم أشهرها ترجمة المنفلوطي التي سماها (الفضيلة) وقد خلع عليها ثوبًا قشيبًا من أدبه وأسلوبه وترجمته يغلب عليها الروح الأجنبيّ وينقصها الروح المصريّ الذي اشتهر به عثمان جلال ، وكان لعثمان جلال الفضل في تنبيه الأدباء إلى هذه الرواية وحاول كثير منهم ترجمتها كما ذكرنا وقد التزم عثمان جلال الأسلوب المسجوع والقصير الفقرات السهل العبارة واستمع إليه يصف حال ورد جنة قبل فراقها لقبول وسفرها إلى خالتها :

ولما جاء العشاء وجلس الكل على المائدة وكان جلوسهم بغير فائدة إذ كان لكل شأن يغنيه وشاغل يشغله ويلهيه ويأكلون قليلًا ولا يقولون قليلًا ، ثم ما أسرع ما قامت ورد جنة أولًا وجلست في مكانٍ غير بعيدٍ في الخلاء فتبعها قبول وجلس بجانبها ومكثت تراقبه ومكث يراقبها وانقضت عليهما ساعة وهما ساكنان ولبعضهما ملتفتان.

وكانت ليلة نيرة ذات سماء مقمرة زائدة الإتحاف والألطاف لا يرسمها رسام ولا يصفها وصاف قد نزل البدر منها منزلة القلب ونشر أشعته على الشرق والغرب فما يستره إلّا أثر الضباب وبعض سحاب كأنه حين تجلى على بساط الخضرة بدرٌ عليه من الفضة بدرة ، وكان الريح ممسكًا نفسه والليل مطلقًا همسه فلا يسمع في الغابات ولا في الوديان لا صوت إنسانٍ ولا صوت حيوان إلّا مناغاة الطيور في أوكارها ومداعبتها مع صغارها، مسرورين بضيائه وسكون الجو في جميع أرجائه.

وكان عثمان جلال كثيرًا ما ينطق قبول وورد جنة بالشعر العربيّ الفصيح مع اعترافه بأنها (لم يتعلما الكتابة ولا القراءة) بل نشأ على السذاجة والبراءة فلا يفكران في أزمانٍ مضت ولا ليالٍ انقضت بل قام بعقولهما الصغيرة أن الدنيا قد انحصرت في هذه الجزيرة،وأن لا لذة لهما فوق لذتهما ولا شغل إلّا حب أمهاتهما).

ومن ذلك الشعر قول ورد جنة تذكر لهف الأمهات على أولادهن ولذلك قبل أن تسافر إلى خالتها لتبتدئ تعلمها الدنيا : يا ويح قلبي على نساء .. قد لقبوهن بالأمهات .. يحملن طول الزمان هَمًّا .. على البنين أو البنات .. وكل خير لهن ماضٍ .. وكل ضيرٍ لهن آتٍ .. ما تم حظٌّ لهن إلّا .. بدَّلَه الله بالممات ، فقال لها قبول وقد أحسن أن يقول : وحق حبي لك يا أختاه .. وما اعترى قلبي وما أتاه .. لترين اليوم أمهاتنا .. ولنبيتن معًا في بيتنا.

وأسلوب عثمان جلال في بول وفرجيني كما ترى من الأساليب الخالية من التعقيد والتي تنطلق في يسر ورشاقة ويدل على تمكنه من اللغتين الفرنسية والعربية فقد حصر على الأصل كل الحرص وأداه بخير أداء ولولا تمصيره لأشخاص الرواية وجعله الكنيسة مسجدًا وبرج ناقوسها مئذنة وصبغها بالصبغة المصرية الخالصة لجاءت ترجمته مثلًا في الترجمة إذ أضفى عليها من الأمانة وخفة الظل وسهولة اللفظ شيئًا كثيرًا.

57 / ثمرات الحياة

(ثمرات الحياة) هو عنوان الديوان الشعري للكاتب والأديب والشاعر والصحفي حسن حسني باشا بن حسين عارف الطويراني الذي ولد بالقاهرة عام 1266 هـ / 1849 م وتوفي في إسطنبول عام 1315 هـ / 1897 م ، وهو من جذور تركية ولذا اشتهر بمناصرة الدولة العثمانية والدفاع عن القومية التركية وأسس عددا من المجلات وله نزعة إسلامية واضحة.

ذكره جورجي زيدان في كتابه تاريخ آداب اللغة العربية فقال : ” حسن حسني الطويراني توفي سنة ١٨٩٧  / ١٣١٥ ﻫ يتصل نسبه بأمير من أمراء الأتراك في مكدونية وُلِد في القاهرة سنة ١٨٥٠ وأقام في الأستانة مدة أنشأ فيها عدة جرائد ومجلات ثم جاء القاهرة وأنشأ جرائد أخرى تعطلت كلها الآن.

وألَّف كتبًا كثيرة بالعربية والتركية تُعَدُّ بالعشرات نشر كثيرًا منها في مجلاته وجرائده وكان كثير النظم سريع الخاطر ، وله عدة دواوين لكل منها اسم، منها ثمرات الحياة في مجلدين وشطحات قلم وطوالع الآمال وغير ذلك ، ونال رتبة أمير الأمراء (باشا) وتوفي بالأستانة سنة ١٨٩٧  / ١٣١٥ ﻫ وكان واسع الاطلاع في تاريخ الدولة العثمانية وأحوالها “.

ذكره الزركلي في كتابه الأعلام فقال : ” حسن حسني (باشا) بن حسين عارف الطويراني ، شاعر منشئ تركي الأصل مستعرب ولد ونشأ بالقاهرة وجال في بلاد إفريقية وآسية والروم وأقام بالقسطنطينية إلى أن توفي ، كان أبي النفس بعيدا عن التزلف للكبراء في خلقته دمامة وكان يجيد الشعر والإنشاء باللغتين العربية والتركية وله في الأولى نحو ستين مصنفا وفي الثانية نحو عشرة وأكثر كتبه مقالات وسوانح.

ونظم ستة دواوين عربية وديوانين تركيين وأنشأ مجلة (الإنسان) بالعربية ثم حولها الى جريدة فعاشت خمسة أعوام ، من كتبه العربية ثمرات الحياة (مجلدان كله من منظومه) والنشر الزهري (مجموعة مقالات له) ورحلة إلى السودان (بخطه في المكتبة العربية بدمشق) ، وفي شعره جودة وحكمة وللشهيد عبد الغني العريسي (المختار من ثمرات الحياة) استوفى فيه ترجمته وأسماء أكثر كتبه العربية “.

وفي مجلة الرسالة العدد 546 ترجمة وافية للطويراني للأستاذ محمد عبد الغني حسن يقول فيها : ” من سير الرجال ، حسن حسني الطويراني الصحافي الكاتب الشاعر ١٨٥٠ – ١٨٩٧ ميلادية للأستاذ محمد عبد الغني حسن.

سأل الأديب على الشوكاني من بغداد في العدد (٥٤٤) من الرسالة عن الصحافي الشاعر حسن حسني الطويراني ، ورجا من قراء الرسالة أن يتفضل أحدهم بأن يروي قصة هذا الشاعر المغمور (في نظر السائل المحترم) ، وعجيب جداً أن ينسى أديب عربي مشهور وصحافي ذائع الصيت وشاعر قوي العبارة ولما يمض على وفاته نصف قرن كامل فكيف إذا خب المطى به عشرات القرون ؟

ولعل للسائل عذراً في ذلك، فنحن هنا – أعني في الشرق – ننسى ونمعن في النسيان حتى يفتح الله علينا برجل عربي مستشرق ينبهنا ويوقظنا من غفلاتنا الطوال ويأخذ بأيدينا – أو بيده هو – على مواضع من تاريخنا وسير رجالنا والأمثلة على ذلك كثيرة

على أن للسائل الفاضل فضلاً في سؤاله فقد أتاح لي فرصة للتعريف برجل كاد النسيان يطوي مساحبه على ذكره لولا أشتات جمعتها من هناك ومن هنا وتعبت فيها راجعاً أكثر من كتاب ما بين تاريخ الصحافة العربية للكونت فيلب طرازي والأعلام للزركلي وتاريخ آداب اللغة العربية لجورجي زيدان وديوان ولي الدين يكن وفارس الشدياق للشيخ بولس مسعد ديوان العقد للشيخ إبراهيم اليازجي وغيرها.

والمترجم له مصري بمولده تركي بأصله ويرجع إلى أسرة تركية كريمة تنتهي إلى علي باشا الكبير أحد أمراء الأتراك في مقدونية ولقد شهدت القاهرة مولده سنة ١٨٥٠ كما شهدت القسطنطينية وفاته سنة ١٨٩٧ فعاش في هذه الدنيا سبعة وأربعين عاماً ملأها بالبحث والتحصيل في أول حياته والتأليف والتصنيف في بقية عمره ، وهو فيما بين ذلك يتنقل من أرض إلى أرض وتسلمه بلد إلى بلد لا تثنيه مشقة في سفر ولا يصده عناء في رحلة فطاف في كثير من بلاد آسيا وأفريقية وأوربا الشرقية ويعبر هو نفسه عن تطوافه  بقوله :

شرَّق النسر وغرَّبْ .. وتتركْ وتعرَّبْ .. فتحرى وتدرب .. وتناءى وتقرب .. ولئن أطري وأطرب .. فهو نصاح مجرب .. وهو إن أعرب أغرب … وهو إن أعجم أعرب ، وهو في ذلك يذكرنا بالأعشى في قوله: وطوفت للمال آفاقه .. عمان فحمص فأوريشلم .. أتيت النجاشي في أرضه .. وزرت النبيط وأرض العجم.

وفي سن الثلاثين كانت قد انعقدت له شهرة لا بأس بها في الشعر والأدب والكتابة فأقام في القسطنطينية وأخذ يحرر في صحفها المشهورة ما بين عربية وتركية فلقد كان بارعاً في اللغتين متفوقاً فيهما حافظاً للكثير من روائع أدبهما.

وكان في الرجل نزعة دينية قوية فأنشأ في العاصمة التركية مجلة (الإنسان) سنة ١٨٨٤ وكانت تصدر في كل شهر مرتين في أربع وعشرين صفحة لخدمة الإسلام أولاً ولخدمة العلوم والفنون والزراعة والصناعة ثانياً ولكن الحوادث دعتها إلى الاحتجاب بعد أن ظهر منها ١٩ عدداً ولكنها عادت بعد سنة تقريباً إلى الظهور في شكل جريدة أسبوعية وظلت إلى سنة ١٨٩٠ حينما عطلها صاحبها بنفسه مختاراً ليعود إلى مصر مستأنفاً جهاده في سبيل الصحافة العربية.

ومن الصحف التي حررها المترجم له في القسطنطينية جريدة الاعتدال وخاصة في أول إنشائها وجريدة السلام ، والأولى كان يملكها أحمد قدري المترجم العربي للسلطان عبد الحميد والثانية كانت للحاج صالح الصائغي وهما عربيتان أما الجرائد التركية التي اشترك في تحريرها فأهمها ارتقا وزمان.

وكان للمترجم له نشاط عجيب في إصدار الصحف وتحريرها كما كان نشاطه في التأليف أعجب ، وما ظنك برجل صحافي يشتغل بالسياسة والتحرير ومشكلات عصره ويطالع قراءه كل يوم أو كل أسبوع أو أسبوعين بمقال في الصحيفة التي يعمل فيها أو يملكها ثم يجد من الوقت ما يتسع لتأليف ستين كتاباً في اللغة العربية وعشرة في اللغة التركية ؟ ، وبعض هذه الستين مطبوع وبعضها مخطوط وبعضها في مجلد واحد وبعضها في ستة مجلدات مثل كتابه (صولة القلم في دولة الحكم).

ومناحي الرجل في التأليف تظهر عليها الروح الإسلامية القوية فقد كان مستقيم العقيدة متين الدين وكان فيه حكمة مضيئة ونظرة إصلاحية صحيحة أليس من كتبه (النصيح العام في لوازم عالم الإسلام) ثم ألا يذكرنا هذا الكتاب بكتاب الأمير شكيب أرسلان (لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم) ؟ ، وله فوق ذلك كتاب (الصدع والالتئام في أسباب انحطاط وارتقاء الإسلام) وكتاب (الإخاء العام بين شعوب أهل الإسلام) ولكن هذه الأخوة التي سعى إليها صاحبنا كانت في ظل الحكم التركي حتى على قساوته وظلامه فقد كان داعية له في كل ما يكتب مدافعاً عنه في كل مناسبة

فلما قام الشيخ إبراهيم اليازجي اللغوي المشهور في الثورة العربية المصرية داعياً إلى تنقص الترك والإشادة بذكر العرب في قصيدته السينية المشهورة قام حسن حسني الطويراني يرد عليه بقصيدة من البحر والقافية يقول فيها : دع عنك خائنة الوساوس .. فالذل عاقبة الدسائس .. واخش الكلام فكم جنبت .. حرب البسوس وسبق داحس .. ماذا تريد بشِّنها .. دهياء توحش كل آنس ؟؟

ولكن قصيدة اليازجي كانت قاسية على الترك شديدة اللهجة ففيها يقول : قوم لقد حكموا بكم .. حكم الجوارح في الفرائس .. كم تأملون صلاحهم .. ولهم فساد الطبع سائس .. ويغركم برق المنى .. جهلاً وليل اليأس دامس .. أو ما ترون الحكم في .. أيدي المصادر والمماكس .. وعلى الرشى والزور قد .. شادوا المحاكم والمجالس.

وكان اليازجي في أثناء الثورة العرابية واقفاً للترك بالمرصاد يحط من أقدارهم ويصف من أفعالهم ما يبغضهم إلى العرب ، ولعل أعنف قصائد اليازجي – والشيء بالشيء يذكر قصيدته البائية التي يقول فيها : أقداركم في عيون الترك نازلة .. وحقكم بين أيدي الترك مُغتصبُ .. فليس يدري لكم شأن ولا شرف .. ولا وجود ولا اسم ولا لقب .. فيا لقومي وما قومي سواء عرب .. ولن يضيَّع فيهم ذلك النسب ، والقصيدتان في ديوان العقد لإبراهيم اليازجي ص ٥٦ ـ ٥٩.

وكانت في أخلاق الطويراني شدة وحدة في المزاج ولعله رحمه الله كان قليل البقاء على حال واحدة فكنت تراه اليوم في جريدة وتراه غداً في غيرها لا تقلباً منه في مبدئه ، ولكن تعصباً منه في رأيه أو ترفعاً منه في الزلفى لحاكم أو الخضوع لذي جاه ذلك هو السر في تعطيل بعض الصحف التي أصدرها.

ولا يزال سجل الصحافة المصرية – إن كان لها سجل ! – يذكر لصاحبنا جريدة النيل ومجلات الشمس والزراعة والمعارف والأولى أنشئت في القاهرة في أواخر سنة ١٨٩١ أي بعد عودته إلى مصر من القسطنطينية بعام واحد أما الشمس والزراعة فقد أنشأهما سنة ١٨٩٤ والثانية أسبق من الأولى ببضعة أشهر في الظهور.

كان لصاحبنا علاقات طيبة مع أفضل الرجال في زمانه كما كان له صلات ود مع أعظم الأدباء في عصره ولم يكن في قلمه تلك الصرامة والسلاطة التي امتاز بها رجل كأحمد فارس الشدياق صاحب مجلة الجوائب ، إلا أن العلاقة بين الرجلين الكبيرين كانت أمتن ما تكون الصلة وأحكم ما تكون ارتباطاً فقد رثى الطويراني أحمد فارس الشدياق حين وفاته سنة ١٨٨٧ م بقصيدة بائية من البحر البسيط وأرخ في الشطر الأخير منها وفاته سنة ١٣٠٥ من التاريخ الهجري.

كما نعاه في مجلة (الإنسان) التي كان يصدرها في القسطنطينية يومئذ في عبارات من السجع الذي كان طابع الكتابة العربية في ذلك الحين ، إلا أنه في بعض مواضع من النعي عاد إلى الكلام المرسل (غير المسجوع) كقوله فيه (حكيم السكوت وقور الكلام متواضع الجانب عميق الفكر قوي الحجة كبير الهمة .. إذا رأيته رأيت علماً متجسما ومكارم أخلاق قد حلت فاستحالت إنساناً كاملاً).

ولما مات حسن حسني الطويراني باشا رثاه الشعراء ولم يرثه أمير البيان شكيب أرسلان مع أنه رثى فارس الشدياق قبله ورثاه الشاعر الرقيق ولي الدين بك يكن بقصيدة تبلغ سبعة عشر بيتاً قال فيها : يا قبر عندي طية عرضت .. لمن استضفت فزحزح السترا .. قد كنت قبل اليوم أقصده .. أهدي إليه النظم والنثرا .. لا تطرحنَّ وإن ثوى (حسن) .. بعد المداغ فوقه الصخرا .. أبكيك ما ذكر الورى أثراً .. ووعى الخلود لفاضل ذكرا .. أبكيك ما جرت البراعة في .. ميدانها واستطردت سطرا.

والقصيدة في ديوان ولي الدين يكن ص ٦٩ وفي البيت السابع منها نقص وصحته:  قال النعاة طوى الردى حسنا .. قلت اندبوه فقد طوى الدهرا ، وبعد هذا البيت بيت ثامن لم يرد في الديوان والتصويب عن الكونت فيليب طرازي وهو : وطوى الطبيعة بعده وطوى .. ما بعدها حتى طوى النشْرا ، هذه لمحة خاطفة عن حياة حسن حسني الطويراني باشا وفي العدد الآتي من الرسالة أرجو أن يتسع المقام لدراسة شعره بشيء من التفصيل “.

وفي العدد 547 من نفس المجلة دراسة نقدية وافية عن شعر الطويراني لنفس الكاتب حيث يقول : ” أسلفت القول في العدد الماضي من (الرسالة) عن ترجمة حسن حسني الطويراني باشا الشاعر الصحافي المصري المولد، والتركي الأصل، واليوم أكتب هذه الكلمة – وفاء بالوعد – في شعره الذي جمع في ديوانه (ثمرات الحياة)

وديوان الطويراني ضخم الحجم مملوء بكثير من القصائد الطوال والمقطوعات والموشحات والأدوار والزجل وقد طبع بمطبعة إدارة الوطن سنة 1300 هـ ، ثم سافر الشاعر إلى الآستانة في العام نفسه ووكل أمر الإشراف على طبع الديوان إلى نائب له فلم يعتن بتصحيح الجزء الثاني، فحصلت غرائب في التحريف والتصحيف والسهو وفقدت أصول الديوان حين وصل الطبع إلى صفحة 216 وهنا علم الشاعر بما حصل فبعث بنسخة أخرى من الأصول لتتميم الأبيات.

وبقي في الآستانة ثماني سنوات والديوان لم يكمل طبعه فعاد إلى الإسكندرية في 20 ذي الحجة سنة 1308 ووصل إلى القاهرة في الثاني والعشرين من الشهر نفسه ، ولما استراح من السفر أخذ يصحح الديوان استنجازاً لإخراجه (ولكنه وجد أن تصحيح الأخطاء يستلزم صرف الأوقات المديدة وتحمل المشاق العديدة وأن الاهتمام بتصحيح ما وقع فيه من الخطأ الخطل شيء زائد على الأمل والعمل) فختمه بمعذرة إلى القراء وأنجزه وأخرجه في 20 محرم سنة 1309 هـ.

ويظهر في شعر الديوان والإمعان في مطالعته أن الشاعر متأثر بالمذهب التقليدي إلى حد كبير فهو يحذو حذو شعراء عصره الذين كانوا أصداء بالية للشعر العربي القديم فأغراضهم أغراض السابقين وأبوابهم ومذاهبهم هي أبواب الأولين ومذاهبهم مع اختلاف الأحوال وتباين المقتضيات ، ولم لا يكون شعراء عصر الطويراني كذلك وأمامهم محمود سامي البارودي باشا كان مقلداً إلى حد بعيد حتى في مطالعه ومواقفه وتشبيهاته بل في عباراته ؟ ، ولكن البارودي كان يمتاز عليهم جميعاً بالطبع العربي الأصيل في قرض الشعر فهو بارع في المحاكاة حتى ليخيل إليك وأنت تقرؤه أنك تقرأ شعراً قديماً لم تفسده لوثة الأعاجم وفساد الملكات.

ويظهر المذهب التقليدي في شعر الطويراني واضحاً حتى في طريقة تبويبه للديوان فقد قسمه إلى أربعة وعشرين باباً : الأول منها في الإلهيات وقدمه لشرف موضوعه وهو الحمد والثناء على الله تعالى مفيض هذا الوجود ، ولم يعد في هذا الباب أن يكون (نظاماً) لا شاعراً فلم يصل إلى أعماق الوجود ولم تتجل عليه فيوض الحكمة وإشراقاتها ولم تزد إلاهياته على أن تكون خطوات عابرة نظمها في قالب من قوالب عصره وقد حاولت أن أعرض أحسن ما في هذا الباب، فلم أجد غير هذه الأبيات :

يا مالك الروح يشقيها ويسعدها .. وحافظ الجسم إفناء وإبقاء .. أوجدت من عدم روحي وكنت لها .. أوقات لم أدر فيها الطين والماء .. متعتني في صفاء النفس منفرداً .. مطهراً لم أخف رجساً وبأساء.

أما الباب الثاني ففي المدائح النبوية وسماها (النبويات) كما سميت قصائد الكميت بالهاشميات وهي قصائد ليس لها في الشعر من شرف إلا أنها صنعت للرسول عليه السلام ! فلا نجد فيها قوة حب الكميت ولا متانة البوصيري وحكمته في ثنايا المديح.

والباب الثالث في الحماسة والفخر وقدم هذا الباب (لعلة وفاء حقوق النفس التي لا تعرف حق غيرها إلا بعد معرفة ناموسها فإن النفس إذا جهلت حقها جهلت حقوق غيرها بالطبع فلم تقم بها) ، وهذا تعليل لطيف لشعر الفخر ولكن يشترط ألا يغالي فيه وإلا صار إسرافاً وكذباً ولقد أسرف الطويراني في هذا الباب إسرافاً كثيراً ووضع فيه ما ليس منه كالأبيات التالية التي هي أشبه بشعر الحكم منها بشعر الحماسة : 

الناس في الدهر أنباء وأخبار .. والكون كونان أعيان وآثار .. لا خير في العيش إن لم يصطحب شرفاً .. ولا اقتحام الردى دون العلا عار .. اعمل مع الصبر ما يرضى الكمال به .. وكتم مصابك إن الدهر دوار .. لا يرغم الدهر إلا من يطيش له .. فاعتز بالنفس إن خانتك أنصار ، وقد يكون في هذا الكلام فخر خفي فهو يأمر الناس بما كمل هو به نفسه من اصطحاب الشرف واقتحام الردى والصبر وكتمان المصاب والاعتزاز بالنفس حين يخون النصير.

وأكثر ما يفتخر الطويراني في هذا الباب بآبائه الترك فهو يتعصب لهم على العرب الذين حفظ لغتهم وآمن بنبيهم وقد يصل به التعصب إلى إنكار كل فضيلة للعرب وتجريدهم من كل مكرمة ، ولا شك أن الأحوال السياسية في عصره والخلاف بين العرب والترك ومحاولة الأولين التخلص من حكم الآخرين وقيام الشعراء من العرب بمهاجاة الترك لا شك أن ذلك كله كان حافزاً للطويراني على الاجتراء على العرب وتنقصهم ووجد في صحفه ومجلاته التي أنشأها أو اشترك في تحريرها مجال الكلام واسعاً فأحفظ ذلك عليه كثيراً من الشعراء العرب كالشيخ إبراهيم اليازجي.

ولقد نقل الطويراني الخلاف بين العرب والترك إلى خلاف بين الأصل السامي والأصل اليافثي فهو يقول : أرى الفخر للأتراك من عهد يافث .. ومن عهد افراسياب ليس مرسغاً .. فلا شهم في الدنيا كجنكيز قاهر .. ولا ثأر أغلى من طغا جار إذ طغى ، ويقول من قصيدة أخرى:  فإنا بنو عثمان لا الضيم عندنا .. يعان ولا يوماً على جارنا يقضى ، وهو هنا يرد على ما رماهم به العرب من الظلم ونقض الجوار.

ولما استفزه اليازجي بالشعر المر الموجع في تعداد مظالم الترك رد بقصيدة ميمية طويلة خانته فيها لباقته فرمى العرب بما لا يليق أن ترمى به أمة كريمة عزيزة من دولة كان يرتفع فوقها علم الخلافة الإسلامية حيث قال : ملكناكم حيناً سوائم جهلا .. تتيهون في دوِّ الهوان نعائما .. فلما اكتسى العاري وأشبع جائع .. وأصبح مخدوماً فتى كان خادماً .. جهلتم حقوق الترك وهي جليلة .. ولم تحفظوها، شيمة الحر أنعما .. وشوهتم الحسنى بما قد بدا لكم .. وقلتم كذا كنا وكنتم وبئس ما.

وقد طالت هذه القصيدة وجمح القلم من يد صاحبها ولكنه عاد في النهاية فلطف الكلام بقوله: وقد أنزل الله المؤاخاة بيننا .. فلا تجعلوها أخوة تسفك الدما .. وأنا بكم حقاً كما أنتم بنا .. كلانا أخ في الدين يبغي التلازما .. ولا فضل إلا بالتقى وهو بيننا .. سواء وفضل الله خص وعمما .. وكل أبوه في الحقيقة آدم .. فمن شاء تذليلا لأصل فآدما .. وأما نبي الله فالكل قومه .. وأكرمه من لم يسئه وأكرما .. نصحت بني مصر وحذرت كلهم .. وقلت المقال الحق لكن تجرما ، ولو سلك الطويراني هذا المسلك الرقيق من أول الأمر ما تأججت نار المهاجاة بين شعبين أخوين مسلمين يرجى من تآلفهما للإسلام خير كثير

أما قصيدته السينية التي رد بها على سينية الشيخ إبراهيم اليازجي ففيها من الفخر كثير ولكن فيها على العرب تجنياً صارخاً ومنها هذه الأبيات : والترك نيران اللظى فاقدم ورم إن كنت قابس .. والترك قد تركوا أباك ومثله بالخزي ناكس .. ولولا بنو عثمان ما نبست لشرقي نوابس .. سهروا ونمتم والتقوا وحشا وأمسيتم أوانس .. برزوا لساعرة الوغى وهمامكم كالظبي كانس ، ولكن هذه الأيام قد ولت وانتهى زمان الملاحاة ونرجو أن يكون المسلمون على اختلاف أجناسهم قوة يعمل حسابها ويخشى بأسها ولعلهم فاعلون ذلك إن شاء الله.

أما فخر الطويراني بنفسه لا بجنسه فكثير في شعره وقد أعانه على ذلك نفس أبيه وهمة قوية فقد تنقل في البلاد وطوف في الآفاق ولقي الخير والشر وشرب الحلو والمر ولكنه ظل عزيز النفس ، اسمعه يقول : على أنني إن لان قومي ظالم وإن طالبوني بالتذلل ظالم .. وأني لأستلقي الكريهة باسما وأجهل عقباها وأني لعالم ، إلا أنه قد يغرق في الفخر ويغالي فيه على عادة شعراء عصره ، فترى الإسراف فيه واضحاً والكذب فيه ظاهراً كقوله : خلقت للسيف والقرطاس والقلم فالدهر عبدي وأهل الدهر من خدمي ، والشطر الثاني سخيف مرذول وما أشبهه في السخف بقول ابن سناء الملك : وأنك عبدي يا زمان وأنني على الرغم مني أن أرى لك سيداً.

وسبحان من غير نظم شعراء اليوم إلى الفخر فلو أن واحداً منهم قال مثل هذا القول لقال الناس هذا ناظم كذاب ! ، أما باب المديح فيشمل جزءاً كبيراً من الديوان فقد مدح السلطان عبد العزيز والسلطان عبد الحميد والخديو إسماعيل باشا والخديو توفيق باشا كما كانت له مدائح وصلات أدبية ومكاتبات ومساجلات مع إسماعيل بك عاصم والأديب الشيخ أحمد أبو الفرج الدمنهوري والشاعر الأديب عبد الله فريح.

أما غزله فيظهر فيه التصنع والتقليد للقدماء حتى في الوقوف على الأطلال والبكاء عليها وذكر المرابع والعيس والأماكن العربية كمنعرج اللوى فيقول : تعرفت أطلال الحمى بعد مجهل .. فأوقفت عيسي بعد طول الترحل ، ويقول : سقى الله صوب القطر منعرج اللوى .. وحسبي به دار الشبيبة والهوى ، ويقول : أمن دار سلمى دراسات المعاهد .. بكيت طلولا بَعْدَ بُعْدِ المعاهد ، ويقول : بانت سعاد فرغد العيش منكود .. وودعت فجليد القلب مكمود ، وشتان بين المحاكاة والطبع وبين الصوت والرجع !  

وشعر الطويراني لم يسلم من الزحافات والعلل والضرورات الشعرية التي لجأ إليها لجوءاً كثيراً فهو يمد المقصور ويقصر الممدود ويجزم المرفوع ويسكن أواخر الكلمات فلا يعربها ويقطع همزة الوصل ويصل همزة القطع ويأتي بعيوب السناد ويمنع المصروف من الصرف كقوله في صفحة 242 : والورق تسجع في الغصون كأنما هاتيك غيد وتلكم الأوتار ، فمنع من الصرف كلمة غيد وحقها التنوين.

وقوله في ص 9 : لأن التلازمْ بين ذات وعارض من الكون لا يخفى لمن يتبصر ، بإسكان الميم من كلمة التلازم ، وقوله في ص 17 : يا نبي الهدى عليك سلام لا ابتداء له ولا انتهاء ، بقطع همزة الوصل من كلمة انتهاء ، وقوله ص 8 : يا إله الخلق ارحم عاجزاً مد للألطاف نحو الباب يد ، بقطع همزة الوصل من الفعل ارحم ، وقوله : ولا والله لا في العلم خير ولا في الجهل شرُّ ولا مخاوف ، فمنع كلمة شر من التنوين وذلك قبيح ولو قال (ولا في الجهل شرٌّ أو مخاوف) لسلم من الضرورة القبيحة.

والطويراني نسبة إلى طويران وهي بلد وكان يكاتب ابن عمه علي بك عطا الله وهو فيها ، وبعد فقد أتاح لي الأديب الفاضل علي الشوكاني ببغداد كتابة مقالين عن الشاعر الصحافي التركي المصري حسن حسني الطويراني باشا فله الشكر على ما أتاح ولصديقي محمود بك نصير نائب المنصورة أجزل الشكر على تفضله بإعارتي ديوان الشاعر فلولا ذلك ما ظهر هذا المقال “.

58 / نجعة الرائد

(نجعة الرائد وشرعة الوارد في المترادف والمتوارد) هو عنوان كتاب في الأدب العربي من تأليف الأديب والصحفي إبراهيم ناصيف اليازجي الذي ولد في لبنان عام 1263 هـ / 1847 م وتوفي بالقاهرة عام 1324 هـ / 1906 م ، وهو من رواد فكرة القومية العربية والده هو الأديب والشاعر نصيف اليازجي المتوفي عام 1871 م وأخوه هو خليل اليازجي رائد الشعر المسرحي بالشام والمتوفي عام 1889 م ، وقد رحل المؤلف إلى مصر للعمل في الصحافة وتأسيس مجلة الضياء.

وقد ذكره الزركلي في كتابه الأعلام فقال : ” إبراهيم اليازجي (١٢٦٣ – ١٣٢٤ هـ / ١٨٤٧ – ١٩٠٦ م) ، إبراهيم بن ناصف بن عبد الله بن ناصف بن عبد الله بن ناصف بن جنبلاط بن سعد الْيَازِجِيّ الْحِمْصِيّ نصراني الديانة وُلِد في بيروت ، هاجر إلى مصر ١٨٩٤ وتوفي في ٢٢ كانون الأول بالقاهرة ونُقِل رفاته إلى بيروت كان رزقه من شقّ قلمه فعاش فقيرا غنيّ القلب أبيّ النفْس.

أديب لغويّ من أئمة النهضة الأدبية واللغوية درس على أبيه ناصف اللغةَ والأدبَ ودرس العبريّة والسُّريانيّة والفرنسية والإنكليزية وأخذ بطرَف من الألمانية ، علّم في المدرسة البطريركيّة ببيروت واشتغل بالصحافة ونظم الشعر وبرع في النثر ، صنع بيده أمهات الأحرف العربية للمطابع ، نقّح نصوص العهد القديم التي ترجمها الآباء اليسوعيّون ، أصدر مجلة البيان مشتركة مع بشارة زلزل عاشت سنة.

ثم أصدر مجلة الضياء وحرر القسم الأكبر منها فعاشت ثمانية أعوام ومما امتاز به جودة الخط والرسم والنقش والحفر ، له : نجعة الرائد وشرعة الوارد في المترادف والمتوارد في مجلدين ، العَرْف الطيب في شرح ديوان أبي الطيب ، ديوان شعر اسمه (العقد) ، شرح الطراز المعلم مطالع السعد لمطالع الجوهر الفرد “.

وقد استهل كتابه بمقدمة يقول فيها : ” بِسْمِ اللَّهِ الْمُبْدِئِ الْمُعِيدِ ، الْحَمْد لِلَّهِ الَّذِي تَرَادَفَتْ سَوَابِغ آلائِهِ وَتَوَارَدَتْ أَلْسِنَة الْخَلْقِ عَلَى حَمْد نَعْمَائِهِ وَبَعْد فَإنَّ مَنْ اِطَّلَعَ عَلَى الْمَأْثُورِ مِنْ كَلامِ الْعَرَبِ وَاسْتَقْرَى مَا جَاءَ بَعْدَهُمْ مِنْ كَلام الْمُتَرَسِّلِينَ مِنْ فُحُول عُلَمَاءِ الأَدَبِ وَتَدَبَّرَ مَا لَهُمْ فِي أَسَالِيبِ اللُّغَةِ مِنَ الاتِّسَاعِ وَالإِبْدَاع وَالتَّلاعُب بِقَوَالِب اللَّفْظ لإِبْرَازِ صُوَرِ الْمَعَانِي حَاسِرَة دُونَ قِنَاعٍ أَيْقَنَ أَنَّ هَذِهِ اللُّغَةَ قَدْ اِنْفَرَدَتْ عَنْ سَائِرِ اللُّغَاتِ فَصَاحَةً وَبَيَانًا كَمَا اِنْفَرَدَ أَرْبَابُهَا فِي مَذَاهِب الْبَلاغَة تَبَسُّطًا وَافْتِنَانًا.

وَحَسْبُ النَّاظِر أَنْ يُسَرِّحَ طَرْفَهُ فِي بَلِيغ منقولها وَيَتَأَمَّل مَا جَاءَ مِنْ الْبَدَائِعِ فِي مُحْكَم فُصُولِهَا مِنْ مِثْل مَقَالَة النُّعْمَان لِكِسْرَى فِي النَّضْحِ عَنْ أَحْسَاب الْعَرَب وَمَا وَرَدَ عَنْ الإِمَامِ عَلِيّ مِنْ نَوَابِغ الأَمْثَالِ وَرَوَائِع الْخُطَبِ وَمَا جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ أَقْوَال مَصَاقِع الْخُطَبَاء فِي صَدْرِ الإِسْلامِ مِنْ مِثْل زِيَاد وَالْحَجَّاج وَسِوَاهُمَا مِنْ أُمَرَاءِ الْكَلامِ ثُمَّ مَا وَشَّتْهُ أَقْلام بُلَغَاء الْكُتَّاب مِنْ مِثْل عَبْد الْحَمِيد وَمَنْ قَفَا إِثْرَهُ كَابْن الْمُقَفَّع وَالصَّاحِب وَابْن الْعَمِيدِ إِلَى أُنَاسٍ لا يَأْخُذُهُمْ الإِحْصَاءُ مِمَّنْ ذَهَبُوا كُلّ مَذْهَبٍ فِي صِنَاعَة التَّحْبِير وَالإِنْشَاء.

فَإنَّهُ يَجِدُ هُنَالِكَ مَا يَرُوعُ فُؤَادَهُ عَجَبًا بَلْ يَمْلِكُ حَوَاسَّهُ طَرَبًا مِنْ أَلْفَاظٍ كَأَنَّهَا قِطَعُ التِّبْرِ إِلا أَنَّهَا الشَّمَعُ طَوَاعِيَة وَلَيَانًا وَمَعَانٍ كَأَنَّهَا أُخَذ السِّحْر إِلا أَنَّهَا الصُّبْحُ وُضُوحًا وَبَيَانًا بَلْ يَتَمَثَّلُ بَيْنَ يَدَيْهِ رِيَاضًا مُدَبَّجَة الأَزْهَار وَجِنَانًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ قَدْ صَاحَتْ بَلابِل الْفَصَاحَةِ عَلَى أَفْنَان خَمَائِلهَا الضَّافِيَة الظِّلال وَلاحَتْ وُجُوهُ الْمَلاحَةِ فِي غُدْرَان مَنَاهِلهَا الصَّافِيَة الزُّلال وَفَاغَمَتْ نَسَمَاتُ مَعَانِيهَا الْعَذْبَة ثُغُورَ فَوَاغِي أَلْفَاظهَا الْعَبْهَرِيَّة فَابْتَسَمَتْ عَنْ بِيض ل آلِئ رَطْبَة تُزْرِي بِحَبَائِك الْفَرَائِد الدُّرِّيَّة بَلْ بِحُبُك الْفَرَاقِد الدِّرِّيَّة.

وَإِنَّمَا الْفَضْلُ فِي ذَلِكَ كُلّه لِلُّغَةِ إِذْ هِيَ الْقَالَب الَّذِي بِهِ تَلْبَسُ الْمَعَانِي أَشْكَالهَا وَاللِّبَاس الَّذِي تَسْتَوْفِي بِهِ زِينَتهَا وَجَمَالهَا وَقَدْ كَانُوا هُمْ الْمَالِكِينَ لأَعْنَاقِهَا الْمُتَصَرِّفِينَ فِي وَضْعِهَا وَاشْتِقَاقِهَا يُقَلِّبُونَهَا عَلَى وُجُوه شَتَّى مِنْ الاسْتِعَارَةِ وَالْكِنَايَةِ وَسَائِر فُنُونِ الْمَجَازِ بِحَيْثُ تَجِدُ لِلْمَعْنَى الْوَاحِدِ عِدَّة قَوَالِبَ تَتَرَاوَحُ بَيْنَ الإِطْنَابِ وَالإِيجَازِ إِلَى حَدٍّ يَسِمُ غَيْرهَا مِنْ اللُّغَاتِ بِطَابَعِ الإِعْجَازِ.

بَيْدَ أَنَّ اللُّغَةَ لَمْ تَبْلُغْ هَذَا الْمَبْلَغ مِنْ الْكَمَالِ وَالاتِّسَاعِ فِي وُجُوهِ الاسْتِعْمَالِ إِلا بَعْدَ أَنْ تَعَاقَبَ عَلَيْهَا مَا شَاءَ اللَّهُ مِنْ الأَزْمِنَةِ تَلا فِيهَا الْبَلِيغُ الْبَلِيغَ إِلَى أَنْ اِسْتَتَبَّتْ لَهَا هَذِهِ الْمَزِيَّة الْبَيِّنَة وَتَتَابَعَ اِسْتِعْمَالُهَا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى رَسَخَتْ مَلَكَتُهَا فِي الأَلْسِنَةِ ثُمَّ تَلَقَّاهَا الْمُتَأَخِّرُونَ عَنْ الْمُتَقَدِّمِينَ بِتَكَرُّرِ الرِّوَايَةِ وَتَتَابُعِ السَّمَاعِ وَحَمْل الْقَرَائِح عَلَى مُحَاكَاتِهَا بِمَا اِسْتَقَرَّ مِنْ هَيْئَتِهَا فِي الطِّبَاعِ فَلَمْ تَبْرَحْ نَازِلَة مِنْهُمْ مَنْزِلَتهَا مِنْ أَرْبَابِهَا بَيْدَ أَنَّهَا اكْتَسَتْ نَاعِم الْخَزّ بَعْد خَشِن جِلْبَابهَا فَكَانَتْ بِهَا نَجْوَى الضَّمَائِرِ فَضْلا عَنْ حَدِيثِ الأَقْلامِ فِي الدَّفَاتِرِ أَوْ نُطْق الأَلْسِنَةِ عَلَى الْمَنَابِرِ.

حَتَّى إِذَا غَرَبَتْ شَمْسُ ذَلِكَ الْعَصْرِ وَانْقَلَبَتْ حَال ذَوِيهَا بَطْنًا لِظَهْرٍ أَلْقَى الدَّهْر حَبْلهَا عَلَى غَارِبِهَا بَعْد إِذْ تَجَاوَبَ صَدَاهَا بَيْنَ مَشَارِقِ الأَرْضِ وَمَغَارِبهَا فَأَقْفَرَتْ أَوْدِيَتُهَا وَتَقَوَّضَتْ أَنْدِيَتهَا وَخَرِسَتْ شِقْشِقَة خَطِيبهَا وَمِنْطِيقِهَا وَجَفَّتْ أَقْلام كُتَّابهَا بَعْدَ أَنْ جَرِضَتْ بِرِيقِهَا وَطُوِيَتْ مَهَارِقُهَا فَهِيَ الْيَوْمَ مِنْ مُودَعَاتِ الْخَزَائِنِ وَقَدْ أَصْبَحَتْ فِي جُمْلَة الدَّفَائِن.

اللَّهُمَّ إِلا أَلْفَاظًا نَدَرَتْ عَلَى أَلْسِنَةِ الشُّعَرَاءِ يَتَدَاوَلُونَهَا فِي أَغْرَاضِهِمْ مِنْ نَحْوِ التَّشْبِيبِ وَالاسْتِجْدَاءِ وَالْمَدْحِ وَالرِّثَاءِ هِيَ جُلّ مَا وَصَلَ إِلَيْنَا مِنْ رَشْحِ ذَلِكَ الْمَعِينِ الْمُتَدَفِّق وَمَا أَقَلَّهُ ثَمَدًا لا يَقْصَعُ غُلَّة صَادٍ وَلا يُعِيدُ بِلَّة مَنْطِق وَمَا خَلا ذَلِكَ فَإِنَّ الْكَاتِبَ مِنَّا لا يَجِدُ إِلا هَذِهِ الأَلْفَاظ الْمُبْتَذَلَة وَالأَوْضَاع الْعَامِّيَّة وَقَدْ يُخْطِئُ غَرَضه مِنْهَا فَيَلْجَأُ إِلَى الْكَلِمَاتِ الأَعْجَمِيَّة فَضْلا عَنْ أَنَّهُ لا يُلْفِي لِلْمَعْنَى الْوَاحِدِ إِلا لَفْظًا لا يَتَعَدَّاهُ وَوَجْهًا مِنْ التَّعْبِيرِ لا يَجِدُ السَّبِيل إِلَى سِوَاهُ.

عَلَى أَنَّنَا لا نُنْكِرُ أَنَّ اللُّغَةَ فِي هَذَا الْعَصْرِ قَدْ انْتَعَشَتْ مِنْ عِثَارِهَا وَأَخَذَ الْمُتَأَدِّبُونَ فِي إِحْيَاء مَا دُرِسَ مِنْ مَعَالِمِهَا وَطُمِسَ مِنْ آثَارِهَا وَنَشِطَتْ هِمَمُهُمْ لِلطَّبْعِ عَلَى غِرَارِ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ أَهْلِ هَذَا اللِّسَان وَتَحَدِّي كُبَرَاء الْكُتَّابِ فِي مَجَالِ الْبَلاغَةِ وَمَجْلَى الْبَيَان.

بَيْدَ أَنَّهُمْ رُبَّمَا قَعَدَتْ بِهِمْ الذَّرَائِع عَنْ الْوُقُوعِ عَلَى ضَالَّتِهِمْ مِنْ اللَّفْظِ الْفَصِيحِ وَأَعْوَزَتْهُمْ الْقَوَالِب فِي تَصْوِير مَا يَتَمَثَّلُ لَهُمْ مِنْ الْخَوَاطِرِ عَلَى الأُسْلُوبِ الْعَرَبِيِّ الصَّحِيحِ إِذْ الْعَرَبِيَّة الْيَوْمَ لُغَة أَقْوَام لَسْنَا مِنْهُمْ وَإنْ لَمْ يَكُنْ غَيْرنَا أُولَئِكَ الأَقْوَام وَقَدْ دَرَجُوا وَدَرَجَتْ مَعَهُمْ فَلَمْ تَغْنَ بِنَا وَلَمْ نَغْنَ بِانْتِمَائِنَا إِلَى اللَّحْمِ وَالْعِظَامِ ، وَلِذَلِكَ رَأَيْتُ أَنْ أَخْدِمَ الْمُشْتَغِلِينَ بِهَذِهِ الصِّنَاعَةِ وَإِنْ كُنْتُ أَقَلَّهُمْ بِضَاعَة بِأَنْ أَجْمَعَ لَهُمْ مِنْ مُتَرَادِفِ أَلْفَاظِ هَذِهِ اللُّغَةِ وَتَرَاكِيبهَا مَا يَجْعَلُ نَادَّهَا مِنْهُمْ عَلَى حَبْل الذِّرَاع وَيُسَدِّدُ أَقْلامهمْ لِلْجَرْي عَلَى مُحْكَمِ أُسْلُوبِهَا بِمَا يُهَيِّئُ لَهُمْ مِنْ بُعْد الْمُتَنَاوَل وَانْفِسَاح الْبَاع.

وَقَدْ نَسَقْتُ مَا جَمَعْتُهُ مِنْ ذَلِكَ فِي هَذَا الْكِتَابِ وَرَتَّبْتُهُ عَلَى الْمَعَانِي دُونَ الأَلْفَاظِ لِتَسْهُل أَصَابَة الْغَرَض مِنْهُ عَلَى الطُّلابِ وَجَعَلْتُ مَدَار الْكَلامِ فِيهِ عَلَى الإِنْسَانِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ الصِّفَاتِ وَالأَفْعَال وَمَا يَكْتَنِفُهُ مِنْ الأَشْيَاءِ وَيَعْرِضُ لَهُ مِنْ الشُّؤُونِ وَالأَحْوَالِ وَوَصْف مَا يَجِدُهُ فِي مُزَاوَلَة الأُمُورِ وَمُعَالَجَة الأَشْيَاءِ وَمَا يَنْتَظِمُ بِهِ حَالُ مُجْتَمَعِهِ مِنْ أَحْكَامِ السِّيَاسَةِ وَالْقَضَاءِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَعَانِي الَّتِي تَعْرِضُ فِي طَرِيق الْقَلَم أَوْ يَحُومُ حَوْلَهَا طَائِر الْفِكْر مِمَّا يَتَمَثَّلُ لِخَاطِرِ الْمُنْشِئِ وَفَهْم الْمُعَرِّبِ وَتَتَنَاوَلُهُ أَغْرَاض الْكِتَابَةِ وَالشِّعْر.

وَقَدْ اِسْتَكْثَرْتُ لِكُلّ وَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الْمَعَانِي مَا اِسْتَطَعْتُ مِنْ الْقَوَالِبِ وَلَمْ أَتَجَاوَزْ فِي تَخَيُّرِهَا الْفَصِيح الْمَأْنُوس مَنْ كُلِّ مَا يَجُوزُ اِسْتِعْمَالُهُ لِلْكَاتِبِ بِحَيْثُ يَجِدُ الطَّالِب مِنْهَا مَا شَاءَ مِنْ مُفْرَد وَمُرَكَّب وَحَقِيقَة وَمَجَاز وَكُلّهَا طَالِعَة مِنْ مَلْبَسَيْ الرِّقَّة وَالْجَزَالَة فِي أَبْهَى طِرَاز وَقَسَّمْتُهَا إِلَى اِثْنَيْ عَشَرَ بَابًا تَنْطَوِي تَحْتَهَا أَغْرَاضُ الْكِتَابِ وَكُلّ بَابٍ مِنْهَا يَتَفَرَّعُ إِلَى عِدَّةِ فُصُولٍ وَهَذِهِ سِيَاقَة الأَبْوَاب.

الْبَاب الأَوَّل فِي الْخَلْقِ وَذِكْر أَحْوَال الْفِطْرَةِ وَمَا يَتَّصِلُ بِهَا ، الْبَاب الثَّانِي فِي وَصْفِ الْغَرَائِزِ وَالْمَلَكَاتِ وَمَا يَأْخُذُ مَأْخَذَهَا وَيُضَافُ إِلَيْهَا ، الْبَاب الثَّالِث فِي الأَحْوَالِ الطَّبِيعِيَّةِ وَمَا يَتَّصِلُ بِهَا وَيُذْكَرُ مَعَهَا ، الْبَاب الرَّابِع فِي حَرَكَات النَّفْس وَانْفِعَالاتِهَا وَمَا يَلْحَقُ بِذَلِكَ ، الْبَاب الْخَامِس فِي الأُصُولِ وَالأَنْسَابِ وَالطَّبَقَاتِ وَمَا يَتَّصِلُ بِهَا وَيُضَافُ إِلَيْهَا ، الْبَاب السَّادِس فِي الْعِلْمِ وَالأَدَبِ وَمَا إِلَيْهِمَا.

الْبَاب السَّابِع فِي سِيَاقَة أَحْوَال وَأَفْعَال شَتَّى مِمَّا يَعْرِضُ فِي الأُلْفَةِ وَالْمُجْتَمَع وَالتَّقَلُّبِ وَالْمَعَاشِ ، الْبَاب الثَّامِن فِي مُعَالَجَةِ الأُمُورِ وَذِكْرِ أَشْيَاءَ مِنْ صِفَاتِهَا وَأَحْوَالِهَا ، الْبَاب التَّاسِع فِي السَّائِسِ وَالْوَازِعِ وَمَا يَعْرِضُ فِي الْمُجْتَمَعِ مِنْ الْفُتُوقِ وَالْفِتَن وَتَدَارُكِهَا ، الْبَاب الْعَاشِر فِي الأَرْضِ وَجَوِّهَا وَذِكْر مَا يَتَعَلَّقُ بِهِمَا مِنْ الْحَوَادِثِ ، الْبَابُ الْحَادِيَ عَشَرَ فِي الدَّهْرِ وَأَحْوَاله ، الْبَاب الثَّانِيَ عَشَرَ فِي الشُّؤُونِ الأُخْرَوِيَّةِ.

وَلَمَّا تَمَّ جَمْعُهُ عَلَى هَذَا النَّسَقِ سَمَّيْتُهُ نُجْعَة الرَّائِد وَشِرْعَة الْوَارِد فِي الْمُتَرَادِفِ وَالْمُتَوَارِدِ ، وَأَنَا أَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَكُونَ قَدْ وَهَبَ فِيهِ مِنْ السَّلامَةِ مَا يُكْسِبُهُ رِضَى الْمُنْصِفِينَ مِنْ جَهَابِذَةِ الأَدَبِ وَأَنْ يُقَيِّضَ مِنْ الانْتِفَاعِ بِهِ مَا لا يُؤْسَفُ فِي جَنْبِهِ عَلَى نَصَبٍ إِنَّهُ تَعَالَى بِذَلِكَ كَفِيلٌ وَهُوَ حَسْبُنَا وَنِعْمَ الْوَكِيل “.

وقد ترجم له جورجي زيدان في كتابه تراجم مشاهير الشرق في القرن التاسع عشر فقال : ” الشيخ إبراهيم اليازجي ، وُلد (رحمه الله) في ٢ مارس سنة ١٨٤٧م في بيروت ونشأ فيها وتلقى مبادئ العلم على أبيه اليازجي الكبير ولا سيما أصول اللغة وقواعدها ، على أن أكثر ما اكتسبه من العلوم واللغات إنما قرأه على نفسه واكتسبه بجده وذكائه ، وقد ورث الخيال الشعري عن أبيه، فنظم الشعر وهو صبيٌّ وزاول النظم في شبابه فلما قارب الكهولة عدل عنه إلى الاشتغال بسواه إلا ما قد ينظمه لحادثٍ أو باعث.

وكانت قد اشتُهرت منزلته في جودة النظم فتقاضى إليه الأدباء يستفتونه أو يستشيرونه أو يُحكمونه في قصيدةٍ أو مسألة ولم يكن مجلسه يخلو من بحثٍ أدبيٍّ أو شعري ، فتحدق به حلقة من أدباء بيروت ولبنان وكلهم آذان تسمع ما يتلوه عليهم أو يصدر حكمه فيه من شعرٍ أو نثر غير ما كان يرد عليه في هذا الشأن من رسائل الشعراء وغيرهم مما كاد يستغرق وقته ويشغله عن سواه ، فصمم على ترك الشعر وتفرَّغ لدرس اللغة وآدابها وعلومها فعكف على المطالعة فدرس الفقه الحنفي على الشيخ محيي الدين اليافي أحد مشاهير أئمة بيروت.

وكانت الصحافة البيروتية في أوائل نهضتها ومن جرائدها يومئذٍ (النجاح) فعُهد إليه بتحريرها سنة ١٨٧٢ م فظهر اقتداره على الإنشاء العصري مما لم يعهد الناس مثله في المرحوم أبيه فضلًا عن تمكُّنه من قواعد اللغة ومعاني ألفاظها ، وكان المرسلون الأميركان لما أرادوا نقل التوراة إلى اللسان العربي في أواسط القرن الماضي استعانوا في تنقيح مسوداتها وضبط عبارتها من حيث اللغة والإعراب بالمرحومين الشيخ ناصيف والمعلم بطرس البستاني ثم بالشيخ يوسف الأسير ولكنهم التزموا الترجمة الحرفية ولم يبيحوا للمصححين التصرُّف بالأسلوب فجاءت عبارة ترجمتهم ضعيفة.

ثم عمد الآباء اليسوعيون إلى ترجمة الكتاب المقدس ترجمة كاثوليكية فاستعانوا بالشيخ إبراهيم وفوَّضوا إليه تنقيح العبارة من حيث الإنشاء فضلًا عن الضبط النحوي واللغوي فقضى في ذلك وفي تصحيح كتبٍ أخرى تسع سنين ، وقد درس اللغة العبرانية على نفسه لتطبيق عبارة التعريب على الأصل فجاءت ترجمة اليسوعيين أصح ترجمات التوراة العربية لغة وأفصحها عبارة وأجزلها أسلوبًا.

ويصدق ذلك على الخصوص في العهد القديم أما العهد الجديد فقد أخبرنا (رحمه الله) أنهم لم يطلقوا يده في تنقيحه كما يشاء وكان في أثناء ذلك وبعده يُعلِّم المعانيَ والبيان وآداب اللغة في المدرسة البطريركية فتخرَّج عليه جماعة من أذكياء الشبان اشتُهر بعضهم بالصحافة، وبعضهم بالتجارة أو الإدارة وتمم بعض ما تركه والده غير كاملٍ من المؤلفات أو الشروح وأشهرها ديوان المتنبي ، وكان والده قد علَّق على بعض أبيات المتنبي شرحًا موجزًا، فعكف هو على إتمامه سنة ١٨٨٢ م فأتمه في أربع سنوات شرحًا وطبعه وهو مشهور بضبطه وما ألحقه به من النقد الشعري.

وكانت الصحافة السورية قد نمت وظهرت مجلة الجنان ثم مجلة المقتطف وتحدث بهما وبما استفادوه منهما فأحب الشيخ الرجوع إلى الصحافة العلمية ، وكان الدكتور بوسط الجراح الشهير قد أنشأ في بيروت مجلة طبية سمَّاها (الطبيب) فاتحد الشيخ مع صديقيه المرحوم الدكتور بشارة زلزل والدكتور خليل سعادة نزيل القاهرة وأصدروا الطبيب معًا سنة ١٨٨٤ م نشر فيه الشيخ ـ فضلًا عما كان يكتبه زميلاه من المقالات الطبية والعلمية ـ مقالاتٍ لغويةً وأدبيةً إنشاؤها من الطبقة الأولى ، وحجب الطبيب عن قرائه في السنة التالية ثم استأنف إصداره الدكتور إسكندر بك البارودي ولا يزال يصدر في بيروت حتى الآن.

ترك الشيخ تحرير الطبيب ونفسه تتطلب الشهرة الصحافية ورأى الآداب العربية والصحافة قد تحولتا إلى مصر بما أطلق فيها من حرية الأقلام والأقوال فعزم على المجيء إليها لإنشاء مطبعةٍ ومجلةٍ علمية ، واتفق على ذلك مع الدكتور زلزل شريكه في الطبيب فبرح الشيخ مدينة بيروت سنة ١٨٩٤ م وعرج ببلاد الإفرنج أعدَّ بها بعض ما يقتضيه مشروعهم من الآلات ونحوها ، ثم جاء القاهرة وأنشأ مع زميله المشار إليه مطبعة البيان وأصدر مجلة البيان سنة ١٨٩٧ م ثم حجباها بعد سنةٍ وافترقا.

واستقل الشيخ بإنشاء (الضياء) سنة ١٨٩٨ م وهي مجلة علمية أدبية صحية صناعية اشتُهرت بمتانة إنشائها وفصاحة عبارتها وبلاغة أسلوبها كما سنبينه وما زالت تصدر حتى حال الأجل دون إصدارها بعد انقضاء عامها الثامن ، وكان (رحمه الله) قد أصيب بداء الروماتزم في أواخر الصيف الماضي بعد تحرير آخر أعدادها فلما استبطأ الشفاء أعلن توقيفها ريثما يبلُّ من الداء ، وما علم أنه الداء الأخير ففاضت روحه في المطرية بعد ظهر ٢٨ ديسمبر سنة ١٩٠٦م وهو في الستين من عمره ولم يتزوج.

ولم يبق من بيت اليازجي إلا الشيخ حبيب ابن أخيه الشيخ خليل فاحتفل أصدقاؤه ومريدوه بدفنه في اليوم التالي احتفالًا يليق بمنزلته فحملوا جثته بقطر خاص من المطرية إلى القاهرة ومشى في جنازته من المحطة جمهور كبير من خاصة الأدباء والوجهاء وأوصوا أن يرجئوا التأبين إلى يومٍ آخر يُعيَّن في وقتٍ آخر ، ثم احتفل في تأبينه بعض المحافل الماسونية بمصر والإسكندرية فضلًا عن حفلات التأبين وغيرها.

وأمر سمو الخديوي سر تشريفاتي سموه أن يكتب إلى الشيخ حبيب كتاب تعزية، هذا نصه : جناب الفاضل الشيخ حبيب اليازجي لما علم جناب الخديوي العالي بتعظيم رزء اللغة العربية وآدابها لانتقال العلَّامة الشيخ إبراهيم اليازجي من هذه الديار الفانية إلى الدار الباقية أظهر مزيد أسفه على انقضاء تلك الحياة الطيبة الحافلة بجلائل الخدم للعلوم العربية في القطرين مصر والشام وأمرني سموه الفخيم أن أُبلغ جنابكم وسائر أعضاء الأسرة اليازجية تعزيته السامية وإني أشترك مع قراء العربية في تقديم واجب التعزية إلى حضراتكم (سر تشريفاتي الخديوي أحمد زكي)

والفقيد (رحمه الله) حائز على الوسام العثماني من جلالة السلطان وعلى نوط العلوم والفنون من جلالة ملك أسوج ونروج وانتدبته كلٌّ من الجمعية الفلكية في باريس وفي أنفرس والجمعية الفلكية الجوية في السلفادور أن ينتظم في عضويتها “.

ويستطرد زيدان فيذكر أهم إسهاماته في مجال الطباعة في مصر فيقول : ” وأدخل في الطباعة العربية بعد قدومه مصر صورًا للحركات الإفرنجية يحتاج إليها المعرِّبون في التعبير عن الحركات الخاصة بها التي لا مقابل لها في العربية ، ولمَّا أرادت الحكومة المصرية صنع حروف مطبعة بولاق سنة ١٩٠٣ م على قاعدة مختصرة مفيدة كانت الأبصار متجهة إلى الشيخ لأنه أقدر من يستطيع ذلك بالدقة والرونق ولو فوضت إليه هذا العمل لأحسنت صنعًا واستثمرت قريحته ثمرًا نافعا للغة العربية على الإجمال.

أما آداب اللغة العربية فقد خدمها الشيخ خِدَمًا ذات بالٍ بما ألَّفه أو نقَّحه أو انتقده أو وضعه في المصطلحات الجديدة وإليك البيان : فمؤلفاته أكبرها (الضياء) وقد ظهر منه ثمانية مجلدات وفيها مقالات في مواضيع شتى من جملتها مقالات ضافية في انتقادات لغوية يحسن أن يعاد طبعها على حدةٍ خدمةً لهذا اللسان وهي : اللغة والعصر ، لغة الجرائد فقد انتقد بها ما هو شائع في الصحف السيارة من الغلط اللغوي ، مقالة في التعريب بيَّن بها شروط التعريب وتاريخ ذلك من صدر الإسلام ، أغلاط العرب القدماء ، اللغة العامية واللغة الفصحى ، أصل اللغات السامية ، نقد لسان العرب وهو بحث طويل انتقد به الطبعة المتداولة من معجم لسان العرب ، أغلاط المولدين بيَّن فيها ما وقع للمولدين من الغلط اللغوي في صدر الإسلام إلى الآن وفي جملة ذلك ما وقع للمرحوم والده ثم ذكر ما وقع هو نفسه فيه من الخطأ في بعض المواضع.

فهذه المقالات وغيرها من الأبحاث اللغوية كمقالتيه في المجاز والنبر في اللفظ العربي وغيرهما مما ظهر في البيان والطبيب لو جُمعت لزاد مجموعها على مائتي صفحة ، وفي الضياء مقالات فلكية في القمر وحركاته والزهرة والمريخ والشمس والمشتري وقياس الأجرام السماوية وما وراء نبتون وتكوُّن العالم الشمسي وسعف الشمس وغيرها مما يدخل في مائة صفحة أو مائتين ، ومن مؤلفاته التي ظهرت كتاب نجعة الرائد في المترادف والمتوارد من ألفاظ اللغة العربية وتراكيبها في مجلدين.

وكان (رحمه الله) قد شرع من سنوات عديدة في وضع معجم للغة العربية يشتمل على المأنوس من كلام العرب الأولين وعلى ما طرأ من موضوعات المولدين والمحدثين مقتصرًا على الفصيح دون المولد والمحدث في الاصطلاح وسمَّاه (الفرائد الحسان من قلائد اللسان) ، وقد شغلته العوائق عن إتمامه وكنا نحسب موادَّه مجموعة كلها أو بعضها فإذا هي تعاليق على حواشي الكتب وبعض المذكرات في أوراق متفرقة لا يستطيع جمعها أو تأليفها سواه فذهب الأمل بظهور ذلك الكتاب المفيد.

أما ما صححه من الكتب فأهمها ترجمة التوراة اليسوعية التي تقدم ذكرها وفيها خدمة كبرى في ضبط لغة المسيحيين لاكتساب الملكة الصحيحة بمطالعتها من صغرهم ، ومما صححه وهذَّب عبارته تاريخ بابل وآشور تأليف جميل أفندي مدور ونفح الأزهار في منتخبات الأشعار ودليل الهائم في صناعة الناثر والناظم للمرحوم شاكر البتلوني وعقود الدور في شرح شواهد المختصر للمعلم شاهين عطية،ورسالة الغفران.

غير ما صححه أو اختصره أو شرحه من كتب المرحوم والده كمختصر نار القري ومختصر الجمانة لمطالع السعد ومطالع الجوهر الفرد والعرف الطيب في شرح ديوان أبي الطيب وغيرها ، ومن آثار علمه أنه انتقى ألفاظًا اصطلاحية لما حدث من المعاني العلمية بنقل العلوم الحديثة إلى اللغة العربية بما عُرف به من سلامة الذوق في اختيار الألفاظ “.

59 / جغرافية مصر والسودان

عرفت مصر في تاريخها مدنا وبلدات سميت على أسماء أشخاص من الحكام والقادة مثل الإسكندرية والظاهرية والإسماعيلية والإبراهيمية وغيرها ، لكن واحدة من البلدات المصرية وهي (المدينة الفكرية) عاصمة مركز أبو قرقاص بمحافظة المنيا حاليا قد سميت على اسم واحد من كبار المؤلفين وهو أمين باشا فكري صاحب أهم مراجع الجغرافيا بمصر في العصر الخديوي وهو كتاب (جغرافية مصر والسودان) الذي تناول فيها أقاليم وادي النيل بالتفصيل.

ويرجع سبب تسمية الفكرية بهذا الاسم إلى أسباب تاريخية أدت لحدوث تغيرات كبرى في هذه المنطقة ، ففي العصر المملوكي نزلت عشائر من عرب بني عبيد وبني خيار وبني خالد وبني سعيد وبني موسى وبني حسن في أجوار قرية أبو قرقاص القديمة وتأسست قرى لهم ثم أقيمت على زمام قرية بني عبيد كل من قريتي أولاد جويد والسنبلاوين وامتد زمامها الزراعي حتى زمام أبو قرقاص والتي صارت بعد ذلك تابعة لأراضي تفتيش الدائرة السنية.

وفي عام 1895 م تولى نظارة الدائرة السنية أمين باشا فكري فقرر تأسيس مدينة جديدة في وسط الزمام للإشراف على مزارع ومعاصر القصب ومصنع السكر التابعة للدائرة في المنطقة وسميت باسمه (المدينة الفكرية) ، وهو محمد أمين باشا بن عبد الله فكري باشا بن محمد بليغ الذي ولد بالقاهرة عام 1273 هـ / 1856 م وتوفي فيها عام 1316 هـ / 1899 م ، وهو من فضلاء مصر وأعيانها عمل بالقضاء ثم محافظا للإسكندرية ثم ناظرا للدائرة السنية ، وله مؤلفات منها إرشاد الألبا إلى محاسن أوروبا وجغرافية مصر والآثار الفكرية جمع فيه كتابات والده من شعر ونثر.

ويفصل ذلك محمد رمزي بك في كتاب القاموس الجغرافي للبلاد المصرية حيث يقول : ” المدينة الفكرية : ” تكونت من الوجهة الإدارية في سنة 1897 باسم المدينة الفكرية نسبة إلى أمين باشا فكري الذي كان مديرا للدائرة السنية في ذاك الوقت ، وقد كان ديوان تفتيش أراضي الدائرة السنية بأبو قرقاص واقعا بها بجوار محطة أبو قرقاص.

وفي سنة 1933 صدر قرار من وزارة المالية بفصل المدينة الفكرية بزمام خاص من أراضي نواحي أبو قرقاص ونزلة أولاد جويد والسنبلاوين ومنهرى وبذلك أصبحت ناحية قائمة بذاتها من الوجهتين الإدارية والمالية ، ولوقوع الفكرية بجوار محطة أبو قرقاص وبعد سكن أبو قرقاص عنها فقد أنشىء بها ديوان مركز أبو قرقاص ومكاتب المصالح الأخرى فأصبحت الفكرية مقرا لديوان مركز أبو قرقاص من سنة 1897 التي أنشىء فيها المركز المذكور  “.

أما أبو قرقاص فهي قرية قديمة اسمها الأصلي بوقرقس وحرفت بعد ذلك إلى أبو قرقس ثم أبو قرقاس ، وجاء عنها في الخطط التوفيقية : ” بوقرقاص : بلدة فى غربى النيل من مديرية المنية فى جنوب منهروا بقدر ألف ومائتين وخمسين مترا وتجاه بنى حسن الأشراف التى فى البر الشرقي ، وفيها مساجد ونخيل وأبنيتها باللبن والآجر على دور وعلى دورين .

وفيها جفلك للدائرة السنية مشتمل على عصارات لقصب السكر وبجواره مساكن المستخدمين وعنده محطة للسكة الحديد وهناك على الإبراهيمية كبري من الخشب لمرور الوابورات ، وفى فوريقتها أربع عصارات جيدة فرنساوية يتحصل بها كل يوم من أيام دورانها سبعمائة قنطار سكر أبيض ، وخمسمائة وخمسون قنطارا سكر أحمر نمرة اثنين ، وخمسون قنطارا سبيرتو “.

ذكره الزركلي في كتابه الأعلام فقال : ” أَمِين فِكْري ، محمد أمين (باشا) بن عبد الله فكري ابن محمد بليغ من فضلاء مصر وأعيانها مولده ووفاته بالقاهرة درس علم الحقوق في فرنسة وعين قاضيا بمحكمة الاستئناف الأهلية فمحافظا للإسكندرية فناظرا للدائرة السنية ، له كتب منها إرشاد الالبا إلى محاسن أوربا وجغرافية مصر و الآثار الفكرية (جمع فيه ما لأبيه من نظم ونثر) ، قلت : واقتنيت من أوراقه كراريس بخطه جاء في أولها بعد البسملة دفتر سياحة محمد أمين فِكْري وسائر تنقلاته وأحواله ابتدأها بسياحة بحر الروم “.

وترجم له جورجي زيدان في كتابه تراجم مشاهير الشرق في القرن التاسع عشر فقال : ” أمين باشا فكري ، ولد أمين باشا في القاهرة سنة ١٢٧٢ ﻫ / ١٨٥٦ ، وربِّي في حجر والده المرحوم عبد الله باشا فكري ـ وستأتي ترجمته بين الشعراء ـ وكان يومئذٍ في جملة مستخدمي الدائرة السَّنِيَّة على عهد المغفور له سعيد باشا.

فلما بلغ أَشُدَّه أدخله والده المدارس الأميرية على عهد المرحوم إسماعيل باشا الخديوي الأسبق ففاق أقرانَه ذكاء واجتهادًا فكان امتيازه هذا داعيًا إلى إرساله في جملة الشبان الذين أرسلهم إسماعيل باشا إلى آكس بفرنسا لتلقي علم الحقوق ، فعاد من المدرسة حاملًا الشهادة الناطقة بتبرزه في هذا الفن فتعيَّن في المحكمة المختلطة ثم ولَّاه الخديوي السابق رئاسة النيابة في مصر سنة ١٨٨٨ م.

وقد عرفناه في هذا المنصب نزيهًا نشيطًا قدوة العاملين ومثال اللطف والدعة وهو مع ذلك لا يفتر عن المطالعة والبحث فألَّف في أثناء ذلك كتابًا مطولًا في جغرافية مصر والسودان وهو أطول جغرافية في بابها ، ثم تعين سنة ١٨٨٩ م قاضيًا في محكمة الاستئناف الأهلية فلم تزدد الحكومة إلا ثقة به واعتمادًا عليه.

وفي السنة التالية انتدبت المرحوم والده لرئاسة الوفد العلمي المصري في المؤتمر الذي انعقد في عاصمة أسوج إذ ذاك فصحبه نجله صاحب الترجمة في جملة أعضاء الوفد فشاهد أوروبا ودرس أحوالها فلما عاد كتب رحلة والده هذه وسماها إرشاد الألباء إلى محاسن أوروبا طبعت بمصر سنة ١٨٩٢م في كتاب ضخم.

ثم رأت الحكومة المصرية أن تنتدب لخدمة مصالحها الإدارية رجالًا من أهل القضاء فكان صاحب الترجمة في جملة من تولى مصالح الإدارة فتولى محافظة الإسكندرية مدة اكتسب بها قلوب أهل الإسكندرية كافة ثم انتدب لنظارة الدائرة السنية سنة ١٨٩٥ م.

وما زال عاملًا فيها حتى داهمه المرض فقضى مأسوفًا عليه في ١٧ يناير الماضي عن ٤٤ عامًا على أثر مرض كان يتردد إليه حينًا بعد آخر وعاوده هذا العام فتحسنت حالته وعاد إلى مطالعة أوراق أشغاله في منزله والكل فرحون بصحته فبات ليلة ١٧ يناير والأمل ملء صدورهم فأصبحوا فإذا هو فاضت روحه وهم لا يشعرون وكانت وفاته بعارض لا علاقة له بالعلة الأصلية.

ومن مآثره ـ فضلًا عن الجغرافية المتقدم ذكرها وكتاب إرشاد الألباء ـ أنه عني بنشر مآثر المرحوم والده فجمع منظوماته ورسائله في كتاب سماه الآثار الفكرية وطبعه ونشره ، وله كثير من الرسائل والمنظومات ولو مُدَّ في أجله وأوتي صحة لجاء بما يخلد ذكره لأنه كان أهلًا للعمل بما طبع عليه من الذكاء والنشاط ولكن المنون عاجلته “.

وقد ذكر في مقدمة كتابه الذي صدر عام 1879 م أنه سار فيه على نهج علي باشا مبارك في الخطط التوفيقية وذلك من حيث الاهتمام بالوصف السكاني وتراجم الأعلام وليس مجرد الوصف الجغرافي فقط ، على سبيل المثال تحدث عن بلدات محافظة الغربية قائلا : ” ومنها محلة أبي علي القنطرة غربي سمنود على نحو ساعة وربع وبها وابور حلاجة وعصارة قصب ومن صنايع أهلها غزل الكتان ونسجه.

ومنها المحلة الكبرى ويقال لها محلة الدقلا وفي بلاد مصر نحو مائة بلدة يقال لكل منها المحلة منها هذه تعرف بالمحلة الكبرى وهي غربي التي قبلها على نحو نصف ساعة في الجانب الغربي لبحر الملاح وفي غربيها تل قديم يقال له تل الواقعة يؤخذ منه السباخ ، ويصنع بها أنواع من المنسوجات مشهورة مثل الملاءة والعصبة والكوفية والناموسية والمناشف والمناديل والبيارق ونحو ذلك ولها أسواق أسبوعية في السبت والأحد والجمعة.

وبها مدبغة وحمامات واسبتالية ومعاصر للزيت ونحو 50 مسجدا وزاوية و24 سبيلا و7 وابورات و6 جناين وكثير من المكاتب ومعبد لليهود قديم يأتون إليه كل سنة للتعبد والزيارة  وتجدد في سنة 1180 على طرف جماعة منهم وبها كنيسة للقبط يقال إنها من قبل الهجرة وتجددت في السنة المذكورة.

وغالب أهلها أرباب صنايع وفي وسطها خليج ونشأ بها جماعة من أفاضل الناس منهم العلامة جلال الدين محمد بن أحمد المحلي المتوفي سنة 864 وفي خلاصة الأثر أن منها الشيخ عبد الرحمن المحلي الشافعي ومنها الشيخ منصور بن علي السطوحي المتوفي سنة 1066 وكلاهما نزيل دمياط وفي تاريخ الجبرتي منها الشيخ حسين المحلي الفرضي الرياضي الشافعي المتوفي سنة 1170 ومنها ابن الرعاد الأديب.

ومنها كفر الشيخ حجازي شرقي بحر شربين على نحو ساعة وربع من غربي سمنود وبها كثير من الماشية والحدائق وجامع بمأذنة وثلاث وابورات ولها شهرة في زرع القطن وأرضها جيدة ومنها الشيخ حسن الكفراوي صاحب شرح الأجرومية المشهور بشرح الكفراوي توفي سنة 1202 “.

60 / مذكرات نوبار باشا

أول رئيس حكومة في مصر هو نوبار باشا وذلك بعد الانتقال من نظام النظارات إلى نظام الوزارات في عام 1878 م في عهد الخديوي إسماعيل ، وهو أرمني الأصل ولد في سميرنا بالأناضول عام 1240 هـ / 1825 م وتوفي في باريس بفرنسا عام 1317 هـ / 1899 م ، بدأ عمله مترجما للوالي محمد علي باشا ثم سكرتيرا للقائد إبراهيم باشا ثم شغل مناصب عدة بالداخل والخارج وقام بأدوار سياسية هامة من أشهرها إصدار الفرمان العثماني بمنح لقب الخديوي إلى إسماعيل باشا وحصر ولاية العرش في ذريته.

ولذا تعد مذكراته من أهم السجلات التاريخية حيث كان شاهد عيان على الحقبة الخديوية كلها حيث خدم مع كافة الحكام طوال نصف قرن بل كان مشاركا في كثير من الأحداث وصانعا لها ، وارتبط نشاطه بالكثير من المشروعات مثل قناة السويس والسكة الحديدية وتولى كلا من نظارة المالية ونظارة التجارة ونظارة الأشغال العمومية ونظارة الخارجية ، وتمتع بعلاقة طيبة كع الدوائر الأوروبية النافذة ورشح ليكون حاكما عاما على بلغاريا وسميت باسمه ترعة النوبارية في البحيرة.

ويستهل نوبار باشا مذكراته بمقدمة صغيرة يقول فيها : ” إن من يرى مصر منذ أربعين عاما لا يسعه إلا أن يندهش من التحولات والإصلاحات التي حدثت بها ، إنه عالم جديد هذا الذي يظهر إلى من يرجع ؟ وما السبب في هذا التحول ؟ وكيف حدث ؟

ما أن يتعلق الأمر بمصر الحديثة فإنه يجب دائما الرجوع إلى محمد علي الكبير ، إنه هو الذي حولها وفتح لها أبواب المدنية الحديثة والمنافسة مع أوروبا ومن خلال الأبواب التي فتحها محمد علي جرت الأحداث ودخلت الأفكار التي أكملت العمل الذي بدأه ، وقد وجدت نفسي مدعوا لأداء دور في هذه الأحداث بل ووجدت نفسي واحدا من الذين ابتكروا كثيرا من هذه الأفكار.

والآن وقد وصلت إلى عمر لا يعني معه المستقبل شيئا كثيرا بالنسبة لي سوف أعيش وأعايش هذه الذكريات والأحداث التي كنت أنا نفسي شاهدا عليها وسوف أترك لنفسي العنان كي أبحر معها وسط تيار أفكاري ، نوبار مدينة كان الفرنسية نوفمبر 1890 “.

وقد ترجم له جورجي زيدان في كتابه تراجم مشاهير الشرق في القرن التاسع عشر فقال : ” نوبار باشا ، امتازت مصر عن سائر ممالك الأرض بتعدد الجنسيات واختلاط أهلها بسائر أصناف الناس وقد خدم حكومتها رجال من أمم شتى وفيهم الفرنساويون والإنكليز والألمان وغيرهم من أمم أوروبا والأتراك والأرناءوط والأرمن والشركس والسوريون وغيرهم من رعايا الدولة العليَّة.

وقد تناوب رئاسة وزارتها من أول عهد العائلة الخديوية إلى أمد غير بعيد ثلاثة من كبار الوزراء اثنان تركيان هما المرحوم شريف باشا وصاحب الدولة رياض باشا وواحد أرمني هو نوبار باشا صاحب الترجمة ، وقد اشتهر الأرمن بالإقدام وعلو الهمة والذكاء والثبات وقضت عليهم بيئتهم بالاغتراب وتجشم الأسفار التماسًا للرزق بعرق الجبين والصبر والمواظبة فلم يعدموا حيثما حلُّوا نصيبًا حسنًا من ثمار أتعابهم ، فنبغ بينهم رجال اشتهروا بالسياسة وآخرون بالثروة ومنهم في الآستانة جماعة كبيرة من أهل اليسار ، وجاء بعضهم مصر على عهد المغفور له محمد علي باشا فتولوا أعظم المناصب الإدارية وخدموا الحكومة المصرية خدمات تستحق الاعتبار أشهرهم بوغوص بك وأرتين بك ونوبار باشا.

وُلد نوبار باشا في أزمير من أعمال آسيا الصغرى سنة  ١٨٢٥ ، وتلقى العلم في مدارس سويسرا ثم فرنسا فخرج من المدرسة وهو في السابعة عشرة من عمره ونفسه تتطلب المعالي فقدم الديار المصرية سنة ١٨٤١ ، وقد حبَّب إليه الإقامة فيها بوغوص بك وكان ناظرًا للتجارة والأمور الخارجية فيها على عهد المغفور له محمد علي باشا وكان من ذوي قرابته فقدمه إلى محمد علي فعيَّنه سكرتيرًا للأمور الأجنبية ، ثم صار سنة ١٨٤٤ سكرتيرًا ثانيًا ومترجمًا في مجلس محمد علي ، ولم يمضِ قليل حتى ظهرت نجابته وعُرِف قدره فارتقى إلى رتبة سكرتير أول ومترجم للمغفور له إبراهيم باشا ولما شخص هذا القائد العظيم إلى أوروبا لتبديل الهواء سنة ١٨٤٥ سار نوبار في معيته وشهد ما لاقاه إبراهيم هناك من الحفاوة والإكرام.

وفي سنة ١٨٤٨ تُوفِّي محمد علي وإبراهيم وارتقى عباس باشا الأول إلى منصة الأحكام فأدخل نوبار في خدمته كما كان عند عمه إبراهيم ورقَّاه إلى الرتبة الثانية مع لقب بك ، وحدث خلاف يتعلق بحقوق ورثة الأريكة المصرية فأنفذه عباس باشا إلى لندرة سنة ١٨٥٠ لإثبات تلك الحقوق فعاد منها ظافرًا فعرف عباس باشا له ذلك فلم يصبر على مكافأته فسماه وزيرًا وهو في فينَّا ، وما زال في هذا المنصب حتى تُوفِّي هذا الوالي سنة ١٨٥٤ وتولى عمه سعيد فأسرع هذا إلى خلعه ولم تمضِ سنتان حتى استقدمه وعهد إليه إنشاء مصلحة تتولى شئون البضائع الصادرة إلى الهند فقام بتلك المهمة قيامًا دل على ذكائه وحكمته.

فلما تولى إسماعيل باشا الخديوي الأسبق سنة ١٨٦٣ انتدبه للمسير إلى الآستانة لهذا الشأن وللمفاوضة بأمور أخرى هامة فلما عاد أنعم عليه إسماعيل باشا بالرتبة المتمايزة وبعد قليل نال رتبة اللواء من السلطان عبد العزيز أثناء مروره بالإسكندرية في سياحته إلى أوروبا ، ولم يزدد إسماعيل باشا إلا ثقة في نوبار واعتمادًا عليه فلما نشأت مشكلة قنال السويس بين الحكومة المصرية وشركة القنال سنة ١٨٦٤ عهد إليه السعي في حلها فسوَّى ذلك على أسلوب رضي به الفريقان فعينه إسماعيل باشا عند عودته ناظرًا للأشغال العمومية وفي سنة ١٨٦٦ وكَّل إليه وزارة الخارجية.

وفي السنة التالية دارت المخابرات بين الباب العالي وإسماعيل باشا بشأن وراثة الحكم وكانت لا تزال في أكبر أعضاء العائلة وإسماعيل يريد حصرها في نسله ، فأنفذ نوبار باشا إلى الآستانة لتسوية ذلك فعاد إليه بالفرمان القاضي بترقيته إلى رتبة الخديوية مع توسيع دائرة استقلاله وحصر الحكومة في نسله.

وفي تلك السنة شخص نوبار باشا إلى أوروبا مندوبًا مفوضًا من إسماعيل باشا لمخابرة الدول العظمى في إنشاء محاكم مختلطة تقوم مقام المحاكم القنصلية التي كانت مرجع محاكمة الأجانب في ذلك الحين ، فقضى في سعيه هذا سبع سنوات يتردد في أثنائها بين ممالك أوروبا ويفاوض عظماءهما وملوكها والخزينة المصرية مفتوحة بين يديه فأنفق أموالًا طائلة ولكنه عاد مظفرًا غانمًا ، وكان قد عهد إليه سنة ١٨٦٧ أيضًا النيابة عن الحكومة المصرية في مؤتمر النقود في باريس فحضره ، ولما قضى مهمته في إنشاء المحاكم المختلطة عام ١٨٧٤ اعتزل الأعمال مدة ثم عاد إليها.

وأصاب مصر في أثناء ذلك أزمة مالية مما تراكم عليها من الديون لما أتاه إسماعيل من النفقات في سبيل عمارة القاهرة وغيرها كما هو مشهور حتى أفضى الأمر إلى مراقبة الدول والسعي في غل يديه وضبط الميزانية والاقتصاد فيها ، ورأت الدول أن تقيد حكومته بالشورى فاقترحت عليه تشكيل مجلس النظار على ما هو عليه الآن فلم يرَ إسماعيل خيرًا من نوبار لتشكيل ذلك المجلس فاستقدمه إليه وكلفه بذلك سنة ١٨٧٨ ، فألَّفه وجعل في جملة أعضائه عضوين أجنبيين أحدهما إنكليزي وهو المستر ولسن والآخر فرنساوي وهو المسيو دي بليفير يراقبان سير الأعمال بالنيابة عن إنكلترا وفرنسا.

ولكن ذلك لم يكن ليرضي إسماعيل باشا فلم تمضِ على تلك الوزارة الشورية سبعة أشهر حتى حلها إسماعيل فحدثت ثورة عسكرية نسبها إلى الوزيرين الأجنبيين وحمل نوبار على خلعهما ليلقي تبعة الأمر عليه فاستعفى نوبار ، وكان ما كان على أثر ذلك من تداخل الدول في خلع الخديوي فصدر الأمر الشاهاني في ٢٦ يونيو سنة ١٨٧٩ بخلع إسماعيل باشا وتولية نجله المغفور له توفيق باشا الخديوي السابق ، وسافر نوبار باشا من مصر على أنه كان يتردد إليها حينًا بعد آخر فحدثت الثورة العرابية وعقبتها الحوادث السودانية فظهر المهدي وفتح كردوفان ونوبار باشا معتزل الأعمال مشتغل بأحواله الشخصية.

ثم استفحل أمر المهدي وأشارت إنكلترا إلى الحكومة المصرية سنة ١٨٨٤ بإخلاء السودان والتخلي عنه للدراويش وكانت الوزارة المصرية إذ ذاك برئاسة المرحوم الطيب الذكر شريف باشا فلم يوافق إنكلترا على مشورتها فألحَّت عليه ففضَّل الاستقالة على ركوب ذلك الخطأ ، فاستقدم الخديوي نوبار باشا وعهد إليه بتشكيل وزارة جديدة فشكلها وتولى هو أيضًا نظارة الخارجية ووافق إنكلترا على إخلاء السودان وما زال في ذلك المنصب إلى ٧ يونيو سنة ١٨٨٨  فاستقال منه ، وانقطع إلى خصوصياته حتى أصابه المرض الأخير فسافر إلى أوروبا للاستشفاء فأدركه القدر المحتوم هناك فنُقلت جثته إلى مصر ودُفنت فيها بما لاق بمقامه من الإكرام والوقار.

فترى مما تقدم أن صاحب الترجمة خدم الحكومة المصرية خدمات ذات بال فعاصر كل ولاتها من محمد علي باشا إلى الخديوي الحالي عباس باشا الثاني وهو يعمل بنشاط وحكمة فلم يقم فيها مشروع عظيم إلا كانت له فيه باع طولى ، وقد نال من رتب الدولة العليَّة إلى رتبة المشيرية وحاز نياشين شتى منها نيشان أوفيسيه دي لجيون دونور من الحكومة الفرنساوية وغير ذلك ، وكان رحمه الله ذكيًّا حازمًا حسن السياسة ليِّن العريكة وقد أحرز ثروة طائلة وهو يُعَدُّ من أغنى سكان وادي النيل وكان كريمًا غيورًا على مصلحة أبناء جلدته فنال الأرمن في أيام وزارته مساعدات كثيرة بذل لهم فيها المال الكثير “.