العصر العثماني الجزء السادس

51 /  القول الصريح في علم التشريح

من أهم الكتب العلمية التي صدرت بمصر في العصر العثماني كتاب (القول الصريح في علم التشريح) والذي يتناول التطبيقات العملية لعلم التشريح في المجال الطبي من الناحية التشخيصية والعلاجية ، وهو من تأليف شيخ الجامع الأزهر الإمام أبو المعارف شهاب الدين أحمد بن عبد المنعم بن يوسف بن صيام الدمنهوري الذي ولد في دمنهور بالبحيرة عام 1101 هـ / 1689 م وتولى مشيخة الأزهر عام 1182 هـ / 1767 م وتوفي في القاهرة عام 1192 هـ / 1778 م.

ويُبرز الكتاب مكانة علم التشريح كمدخل أساسي لدراسة الطب مؤكدًا أهمية هذا العلم في فهم تكوين جسم الإنسان وعلاقته بفروع الطب الأخرى ، واعتبر علم التشريح أساسًا لفهم وظائف الأعضاء والحفاظ على صحة الإنسان والتي هي من الكليات الخمس التي جاءت الشرائع بحفظها ، وتتناول فصول الكتاب تكوين الجسم البشري وأجزائه المختلفة وعلاقة أجزاء الجسم ببعضها البعض ودور علم التشريح في فهم الأمراض وتشخيصها وأهمية التشريح للجراحين والأطباء.

ومن مؤلفاته الأخرى في الطب كتاب (منظومة في علم الطب) وكتاب (الكلام اليسير في علاج المقعدة والبواسير) وكتاب (القول الأقرب في علاج لسع العقرب) وهو مخطوط بدار الكتب المصرية ، وقد كتب في مقدمته : ” حمداً لمن تفضل علينا بالإيجاد وبعد فهذه كلمات قليلة مشتملة على فوائد جليلة ومقدمة في وصف وكنية العقرب ومقصود في دفع السم يذكر فيها وصفات منها ما يحتوي الدار صيني (نبات) الذي ينفع من لسع العقرب والنعناع والثوم المطبوخ بالسمن النافع في لسع الزنبور والنحل والحية “.

ومن مؤلفاته في الكيمياء كتاب (الدرة اليتيمة في الصنعة الكريمة) وفي الجيولوجيا (كتاب عين الحياة في علم استنباط المياه) وفي الرياضيات والهندسة كتاب (إحياء الفؤاد بمعرفة خواص الأعداد) وكتاب (بيان المراد من نبذة في شأن الأعداد في علم الأريثماطيقية) وفي علم الفلك كتاب (عقد الفرائد فيما للمثلث من الفوائد) وفي علم المنطق كتاب (إتحاف ذوي الحاجات للاختلاط والموجهات).

وفي مجال البلاغة له كتاب (منتهى الإرادات من تحقيق عصام الاستعارات) وفي مجال الفراسة والتنجيم كتاب (الأنوار الساطعات على أشرف المربعات) وكتاب (إرشاد الماهر إلى كنز الجواهر) وفي التاريخ والتراجم كتاب (إتحاف المهتدين بمناقب أئمة الدين) ، بالإضافة إلى مؤلفات أخرى في التفسير والعقيدة والفقه والتجويد والقراءات ومصطلح الحديث واللغة العربية والنحو والأخلاق والسياسة. 

وكان الدمنهوري فقيهًا حنفيًا عالمًا باللغة وتصدر للإمامة والإفتاء وهو في الرابعة والثلاثين من عمره وظل يتعلم ويدرس في مجالات علمية متعددة مثل الهندسة والكيمياء والفلك وصنع الآلات ولجأ إليه مهرة الصناع يستفيدون من علمه وكان ينافسه في هذا المجال الشيخ حسن الجبرتي والد المؤرخ المعروف عبد الرحمن الجبرتي ، وقد وصفه معاصروه بأنه كان عالماً فذاً ومؤلفا عظيما وارتقى في مناصبه بالأزهر إلى أن أصبح شيخ الجامع الأزهر لمدة عشر سنوات ليكون أول طبيب يتولي المشيخة و كان يدرس بالمشهد الحسيني في شهر رمضان.

وقد ذكر الدمنهوري أساتذته في الطب والعلوم في مخطوطته الشهيرة (اللطائف النورية في المنح الدمنهورية) حيث يقول فيها : ” أخذت عن أستاذنا الشيخ علي الزعتري الحساب واستخراج المجهولات وما توقف عليها كالفرائض والمواريث والميقات ، وأخذت عن سيدي أحمد القرافي الحكيم بدار الشفاء بالقراءة عليه كتاب الموجز واللمحة العفيفة في أسباب الأمراض وعلاماتها وبعضًا من قانون ابن سينا وبعضًا من منظومة ابن سينا الكبرى ، وقرأت على أستاذنا الشيخ سلامة الفيومي أشكال التأسيس في الهندسة ، وقرأت على الشيخ محمد الشهير بالشحيمي منظومة في علم الأعمال الرصدية (الفلك) ورسالة في علم المواليد أعني الممالك الطبيعية وهي الحيوانات والنباتات والمعادن “.

وقد بدأ حياته بالدراسة في كتاب القرية فحفظ القرآن الكريم وتعلم مبادئ القراءة والكتابة ثم رحل إلى القاهرة والتحق بالأزهر صغيرًا وتلقى فيه العلوم الشرعية واللغوية على يد عدد من مشايخه الأزهر كالشيخ عبد الوهاب الشنواني وعبد الرؤوف البشبيشي وعبد الجواد المرحومي وعبد الدائم الأجهوري وغيرهم ، ودرس به الفقه على المذاهب الأربعة حتى أطلق عليه المذاهبي وأجازوه فيها ودرس كتب التفسير والحديث والمواريث الفقه والعلوم الحكمية وعلم الأصول والقراءات والتصوف والنحو والبلاغة وكان عالماً بمذاهب أئمة الفقه الأربعة.

وقد ترجم له محمد خليل الحسيني في كتابه سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر فقال : ” أحمد بن عبد المنعم بن صيام الشافعي الحنفي المالكي الحنبلي هكذا كان يكتب بخطه المصري الشهير بالدمنهوري الشيخ الامام العلامة الأوحد آية الله الكبرى في العلوم والعرفان المفنن في جميع العلوم معقولاً ومنقولاً ابو المعارف شهاب الدين ولد في حدود التسعين والف.

ونشأ طالباً للعلوم فأخذ عن جملة من العلماء كالشهاب أحمد الحليفي وعبد ربه الديوي ومنصور المنوفي وعبد الجواد الميداني وعلي أبي الصفا الشنواني ومحمد الغمري وعبد الوهاب الشنواني وعبد الرؤف البشبيشي وعبد الجواد المرحومي وعبد الدائم الاجهوري ومحمد بن عبد العزيز الحنفي الزيادي وأحمد بن غانم النفرأوي المالكي ومحمد الورزازي وأحمد بن محمد الهشتركي ومحمد بن عبد الله السجلماسي والسيد محمد سلموني المالكي والشهاب أحمد المقدسي الحنبلي.

وكان عالماً بالمذاهب الاربع أكثر من أهلها قرآءة وله اليد الطولى في سائر العلوم منها الكيمياء والأوفاق والهيئة والحكمة والطب وله في كل علم منها تآليف عديدة وتولى مشيخة الجامع الازهر بعد وفاة الشمس محمد الحفني وله من التأليف شرح على سلم الاخضري في المنطق وشرح على رسالة الاستعارات السمرقندية وشرح على أوفاق قلب القرآن وغير ذلك من التآليف وبالجملة فهو نسيج وحده في هذه الاعصار وكأنت وفاته سنة اثنين وتسعين ومائة والف “.

وذكره الزركلي في كتابه الأعلام فقال : ” أحمد بن عبد المنعم بن يوسف بن صيام الدمنهوري ، شيخ الجامع الأزهر وأحد علماء مصر المكثرين من التصنيف في الفقه وغيره ، كان يعرف بالمذاهبي لعلمه بالمذاهب الأربعة ، ولد في دمنهور وتعلم بالأزهر وولي مشيخته وكان قوالا للحق هابته الأمراء وقصدته الملوك وتوفي بالقاهرة.

من كتبه : نهاية التعريف بأقسام الحديث الضعيف ، والفيض العميم في معنى القرآن العظيم وإيضاح المبهم من معاني السلم (في المنطق) ، وحلية اللب المصون بشرح الجوهر المكنون (بلاغة) ، ومنتهى الإرادات في تحقيق الاستعارات ، وسبيل الرشاد إلى نفع العباد (مواعظ) ، والفتح الرباني بمفردات ابن حنبل الشيبانيّ ، وعين الحياة في استنباط المياه (رسالة) ، والقول الصريح في علم التشريح ، ومنهج السلوك في نصيحة الملوك ، وغير ذلك “.

وذكر رفاعة الطهطاوي في كتابه (مناهج الألباب) أن شيخ الجامع الأزهر الشيخ أحمد الدمنهوري قد درس العلوم العلمية ونقل قوله : ” أخذت عن أستاذنا الشيخ علي الزعتري – خاتمة العارفين بعلم الحساب و استخراج المجهولات و بما توقف عليها كالفرائض والميقات – وسيلة ابن الهائم و معونته في الحساب و المقنع لابن الهائم و منظومة الياسيني في الجبر والمقابلة و دقائق الحقائق في حساب الدرج و الدقائق للبسط المارديني في علم حساب الازياج .. وأخذت عن سيدي أحمد القرافي الحكيم بدار الشفاء بالقراءة عليه كتاب الموجز و اللمحة العفيفية في أسباب الأمراض و علاماتها و بعضا من قانون ابن سينا وبعضا من كامل الصناعة وبعضا من منظومة ابن سينا الكبرى و كلها في الطب “.

وتحدث الجبرتي عن لقائه به في كتابه عجائب الآثار فقال : ” اجتمع الفقير على المترجم قبل وفاته بنحو سنتين ولما عرفني تذكر الوالد وبكى وعصر عينيه وصار يضرب بيده على الأخرى ويقول : ذهب إخواننا ورفقانا ، ثم جعل يخاطبني بقوله : يا ابن أخي ادع لي ، وكان منقطعا بالمنزل وأجازني بمروياته ومسموعاته وأعطاني برنامج شيوخه ونقلته ، ولم يزل حتى تعلل وضعف عن الحركة ، وﺗﻮفي ﻳﻮم اﻷﺣﺪ ﻋﺎشر ﺷﻬﺮ رﺟﺐ ﻣﻦ اﻟﺴﻨﺔ المذكورة ، وﻛﺎن ﻣﺴﻜﻨﻪ ﺑﺒﻮﻻق وﺻُلي ﻋﻠﻴﻪ ﺑﺎﻷزﻫﺮ ﺑﻤﺸﻬﺪ ﺣﺎﻓﻞ ﺟﺪٍّا وﻗﺮئ ﻧﺴﺒﻪ إلى أبي ﻣﺤﻤﺪ اﻟﺒﻄﻞ اﻟﻐﺎزي ودﻓﻦ ﺑﺎﻟﺒﺴﺘﺎن ، وﻛﺎن آﺧﺮ ﻣﻦ أدرﻛﻨﺎ ﻣﻦ المتقدمين “.

52 / ترويح البال

(ترويح الباب وتهييج البلبال) هو عنوان الديوان الشعري للأديب والشاعر والمتصوف السيد عبد الرحمن العيدروس الذي ولد باليمن عام 1135 هـ / 1723 م وتوفي بالقاهرة عام 1192 هـ / 1778 م ، وقد جمع فيه مختارات شعرية من دواوينه وكتاباته الأخرى العديدة ومن أشهرها رسالة لطائف الجود في مسألة وحدة الوجود وكتاب تنميق الأسفار (جمع فيه ما جرى له مع بعض الأدباء في أسفاره) وكتاب تنميق السفر (فيما جرى عليه وله بمصر) ومنظومة العرف العاطر في معرفة الخواطر.

وقد استهل ديوانه بمقدمة قصيرة قال فيها : ” أما بعد ، فهذه قطعة من أشعاري المضمنة بعض أوطاري في تقلبات أطواري التقطت أكثرها من كتابي تنميق السفر وتنميق الأسفار اترويح البال وتهييج البلبال في حالتي المقام والترحال أو المقام والحال وقد مزجت غثها بسمينها ورخيصها بثمينها وحديثها بقديمها وخرزها بيتيمها وعلى كل حال فالناقد بصير ولا ينبئك مثل خبير وسميتها ترويح البال وتهييج البلبال “.

ومن أشعاره المشهورة قصيدة في مدح ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ سنة تسع وخمسين وجرى فيها على عادة القدماء في البدء بالغزل فقال : قسمًا بسوسن خده ووروده وبثغره الألمى وطيب وروده .. وبعسجد من وجنتيه وفضة من جسمه وبلؤلؤ في جيده .. وبأحمر من خده وبأسمر من قده وبأبيض من سوده .. وبنون حاجبه ونور جبينه وضحى محياه وليل جعيده .. بالنجم بل والبدر بل والشهب من أقراطه وحجولة وعقوده .. بالراح والياقوت والرمان من أردافه وشفاهه ونهوده.

بزمرد وسجنجل وملوز من شامتيه وصدره ووصيده .. وبكامل وبوافر من حسنه وطويله وبسيطه ومديده .. وسحاب عشق القلب مع وَسْمِيِّه ووليه وبروقه ورعوده .. وبظُلمه وبظَلمه وبخصره وبردفه وبنوده ونجوده .. وبناعس من جفنه وبنغمة فاقت على الشحرور من تغريده .. إن الملاح الغانيات بأسرها من حسنه الأشهى كبعض عبيده .. عشقي له وتغزلي فيه كما مدحي لسامي الحب في معبوده .. غوث بدايته نهاية غيره سار الورى بنزوله وصعوده .. مولاي عبد الله نجل السيد العباس مفرد دهره ووجوده.

ومن شعره قوله : حجاب وحسبي أن أقول حجاب ذهاب به يحلو لنا وإياب .. وراح وأما كاسها وحبابها خطاء بها يعلو الورى وصواب .. وحيرة قدس عمت الكل حبذا أناس لديها بالمحاضر غابوا .. وذات جمال إن ضللنا بشعرها هدتنا بوجه ما عليه نقاب .. وكشف ما كشف وكم ها هنا عنت أسود لها فوق المجرة غاب .. لك الله يا سلمى سلي عن صبابتي وصيب دموع ما حكته سحاب .. وجودي بموتي يا حياتي لكي به يعلي لكلي في الوجود جناب .. وما ثم ما يخفاك عني وإنما يلذ سؤال في الهوى وجواب .. إذا خاطبت معناك روى ترنحت بخمر جمال ما حكاه شراب .. وإن مثلت مرآك مالت كأنها بها حل من فيك الشهي رضاب.

وله أيضًا : طاب شربي لخمر تلك الكئوس فأدرها لنا حياة النفوس .. هاتها هاتها فقد راق وقتي بين روح به السرور جليسي .. هاتها فالزمان قد طاب حتى غطس القلب في الجمال النفيس .. واسقني يا حياة روحي وسري وامزجَنْها من ريقك المأنوس .. غبت عنِّي بها فدعني أغنِّي إن في ذا المقام حطيت عيسي .. صاح إني من سكرتي غير صاح فعلام الملأم للعيدروسي.

وقال مادحا الشيخ الحفناوي : سلام لم يزل من عيدروسي على الحفني مقدام الهموس .. جمال الدين والدنيا فأكرم بتاج الأوليا شمس الشموس .. شريف الذات والأوصاف صنوي حبيبي منيتي جالي عكوسي .. أخي في الحسن والمعنى جميعًا ملاذي عمدتي محيي النفوس .. أدام الله ذاك الغوث ذخرًا على رغم الأعادي والنحوس .. وأبقاه لنا حصنًا حصينًا لكي تحيا به كل الغروس .. به أنسي به صفوي دوامًا به روحي حوى أحلى لبوس .. وصلِّ الله مولانا على من به نسقي مصونات الكئوس .. وآل والصحاب ذوي المزايا وأرباب المعارف والدروس.

وقد ذكره الحسيني في كتابه سلك الدرر بأعيان القرن الثاني عشر فقال : ” الشيخ عبد الرحمن العيدروس ، عبد الرحمن بن مصطفى بن شيخ بن مصطفى بن زين العابدين بن عبد الله الشافعي الحسيني اليمني الشهير كأسلافه بالعيدروس الاستاذ العارف الكامل العالم العامل أحد الأولياء الراسخين والأصفياء العارفين العلامة الحبر المحقق النحرير صاحب الكرامات والمكاشفات مربي المريدين ومرشد السالكين قطب العارفين أبو الفضل وجيه الدين.

لد باليمن سنة خمس وثلاثين ومائة وألف وبها نشأ وقرأ وارتحل إلى مصر وتوطنها واستقبله أهلها ثم قدم دمشق لسنة اثنين وثمانين ومائة وألف ونزل بدار المولا حسين أفندي المرادي الكائنة بسويقة صاروجا فأكرمه وأحسن نزله هو وأخوه الوالد المرحوم وكانت أيامه بدمشق مواسم أفراح ولم يلبث بها الا قليلاً وعاد إلى مصر.

وثم في سنة احدى وتسعين ومائة وألف ارتحل للديار الرومية فدخل قسطنطينية وصار له هناك اعتبار واقبال ورتب له بعض العلائق بمصر وغيرها وعاد من طرف البحر فخرد من ساحل صيدا فاستقبله واليها الوزير أحمد باشا الجزار إذ ذاك وعاد لمصر ، وله تآليف لطيفة منها المنظومة المسماة بالعرف العاطر في معرفة الخواطر وغيرها من الجواهر وشرحها وفتح الرحمن بشرح صلاة أبي الفتيان ورسالتين في الطريقة النقشبندية وديوان شعر سماه ترويح البال وتهييج البلبال وغير ذلك وكان من أفراد العالم علماً وعملاً وقالاً وجالاً.

ومن شعره قوله : طاب شربي لخمر تلك الكؤوس .. فأدرها لنا حياة النفوس .. هاتها هاتها فقد راق وقتي .. بين دوح به السرور جليسي .. هاتها فالزمان قد طاب حتى .. غطس القلب في الجمال النفيس .. واسقني يا حياة روحي وسري .. وامزجنها بريقك المأنوس .. بين زهر الرياض في خير أنس .. هازم جيشه جيوش العبوس .. خمر أنس وخمر صفو وقرب .. لا خمور الهوى وخمر الخسيس .. خمرة قد شطحت مذ ذقت منها .. وبها قد كفيت كل العكوس ..  خمرة أطلقت قيود رسومي .. صار منها الفؤاد ذا تقديس .. خمرة الاتحاد أكرم بخمر .. نور كأساتها يزحزح بوسي.

غبت عني بها فدعني أغني .. إن في ذا المقام حطيت عيسى .. صاح إني من سكرتي غير صاح .. فعلام الملام للعيد روس .. صاح إن شئت أن تهني بأعلى .. معنوي الجمال والمحسوس .. لا زمن خمرتي ودونك حاني .. واغطسن في الهوى كمثل غطوسي .. آخر القول لم ينل كأس خمري .. غير من كان لابساً ملبوسي .. وعلى جدنا الرسول صلاة .. من آله مهيمن قدوس ، وله غير ذلك من النظم الباهر وبالجملة فقد كان نادرة عصره وفريد دهره وكانت وفاته بمصر سنة اثنين وتسعين ومائة وألف ودفن بها قدس الله سره “.

وترجم له الجبرتي في كتابه عجائب الآثار وذلك في وفيات سنة 1192 هـ  فقال : ” ومات شيخنا الإمام القطب وجيه الدين أبو المراحم عبد الرحمن الحسيني العلوي العيدروسي التريمي نزيل مصر، ولد بعد الغروب ليلة الثلاثا تاسع صفر سنة خمس وثلاثين وماية وألف.

والده مصطفى بن شيخ مصطفى بن علي زين العابدين بن عبد الله بن شيخ بن عبد الله بن شيخ بن القطب الأكبر عبد الله العيدروس بن أبي بكر السكران بن القطب عبد الرحمن السقاف بن محمد مولى الدويلة بن علي بن علوي بن محمد مقدم التربة بتريم بن علي بن محمد بن علي بن علوي بن محمد بن علوي بن عبد الله بن أحمد العراقي بن عيسى النقيب بن محمد بن علي بن جعفر الصادق بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، وأمه فاطمة ابنة عبد الله الباهر بن مصطفى بن زين العابدين العيدروس.

وأرخه سليمان بن عبد الله باجرمي بقوله : لله من سيد أتى بيوم سعيد .. ضاء الزمان به نعم الحبيب المجيد .. يا نعم من وافد بكل خير مديد .. إن الصفى المصطفى اللوذعي الرشيد .. تاريخ ميلاده أتى شريف سعيد ، وبها نشأ على عفة وصلاح في حجر والده وجده ، وأجازه والده وجده وألبساه الخرقة وصافحاه وتفقه على السيد وجيه الدين عبد الرحمن بن عبد الله بلفقيه وأجازه بمروياته.

وفي سنة ثلاث وخمسين وماية ألف توجه صحبة والده إلى الهند فنزلا بندر الشحر واجتمع بالسيد عبد الله بن عمر المحضار العيدروس فتلقن منه الذكر وصافحه وشابكه وألبسه الخرقة وأجازه إجازة مطلقة مع والده ووصلا بندر سورت واجتمع بأخيه السيد عبد الله الباصر ، وزارا من بها من القرابة والأوليا ودخلا مدينة بروج فزار محضار الهند السيد أحمد بن الشيخ العيدروس وذلك ليلة النصف من شعبان سنة واحد وستين، ثم رجعا إلى سورت وتوجه والده إلى تَرِيم وترك المترجم عند أخيه وخاله زين العابدين بن العيدروس.

وفي أثنا ذلك رجع إلى بلاد جادة وظهرت له في هذه السفرة كرامات عدة ثم رجع إلى سورت وأخذ إذ ذاك من السيد مصطفى بن عمر العيدروس والحسين بن عبد الرحمن بن محمد العيدروس والسيد محمد فضل الله العيدروس إجازة بالسلاسل والطرق وألبسه الخرقة ومحمد فاخر العباسي، والسيد غلام علي الحسيني والسيد غلام حيدر الحسيني والبارع المحدث حافظ يوسف السورتي والعلامة عزيز الله الهندي والعلامة غياث الدين الكوكبي وغيرهم.

وركب من سورت إلى اليمن فدخل تريم وجدد العهد بذوي رحمه وتوجه منها إلى مكة للحج وكانت الوقفة نهار الجمعة ثم زار جده ﷺ وأخذ هناك عن الشيخ محمد حياة السندي وأبي الحسن السندي وإبراهيم بن فيض الله السندي والسيد جعفر بن محمد البيتي ومحمد الداغستاني ، ورجع إلى مكة فأخذ عن الشيخ السند السيد عمر بن أحمد وابن الطيب وعبد الله بن سهل وعبد الله بن سليمان با جرمي وعبد الله بن جعفر مدهر ومحمد باقشير ، ثم ذهب إلى الطايف وزار الحبر بن عباس ومدحه بقصايد واجتمع إذ ذاك بالشيخ السيد عبد الله ميرغني وصار بينهما الود الذي لا يوصف.

وفي سنة ثمان وخمسين أذن له بالتوجه إلى مصر فنزل إلى جدة وركب منها إلى السويس وزار سيدي عبد الله الغريب ومدحه بقصيدة وركب منها إلى مصر وزار الإمام الشافعي وغيره من الأولياء ومدح كلًّا منهم بقصايد هي موجودة في ديوانه وفي رحلته ، وهرعت إليه أكابر مصر من العلما والصلحا وأرباب السجاجيد والأمرا وصارت له معهم المطارحات والمذاكرات ما هو مذكور في رحلته وممن أتى إليه زايرًا شيخ وقته سيدي عبد الخالق الوفائي فأحبه كثيرًا ومال إليه لتوافق المشربين وألبسه الخرقة الوفائية وكنَّاه أبا المراحم بعد تمنع كثير وأجازه أن يكني من شاء فكنى جماعة كثيرة من أهل اليمن بهذه الإجازة.

وفي سنة تسع وخمسين سافر إلى مكة صحبة الحج وتزوج ابنة عمه الشريفة علوية العيدروسية وسكن بالطايف وابتنى بالسلامة دارًا نفيسة ومدح الحبر بقصايد طنانة ، ثم عاد إلى مصر ثانيًا في سنة اثنتين وستين مع الحج فمكث بها عامًا واحدًا وعاد إلى الطايف ، وفي سنة أربع وستين أتاه خبر وفاة والده ثم ورد مصر في سنة ثمان وستين ومكث بها عامًا ثم عاد إلى مكة مع الحج ، وفي عام اثنتين وسبعين تزوج الشريفة رقية ابنة السيد أحمد بن حسني باهرون العلوية ودخل بها وولد منها ولده السيد مصطفى في سنة ثلاث وسبعين.

وفي سنة أربع وسبعين عاد إلى مصر بعياله صحبة الحج فألقى عصاه واستقر به النوى وجمع حواسه لنشر الفضايل وأخلاها عن السوى وهرعت إليه الفُضَلا للأخذ والتلقي وتلقى هو عن كل من الشيخ الملوي والجوهري والحفني وأخيه يوسف وهم تلقوا عنه تبركًا ، وصار أوحد وقته حالًا وقالًا مع تنويه الفضلا به وخضعت له أكابر الأمرا على اختلاف طبقاتهم وصار مقبول الشفاعة عندهم لا ترد رسايله ولا يرد سايله وطار صيته في المشرق والمغرب وفي أثنا هذه المدة تعددت له رحلات إلى الصعيد الأعلى وإلى طندتا وإلى دمياط وإلى رشيد وإسكندرية وفوة وديروط.

واجتمع بالسيد علي الشاذلي وكل منهما أخذ عن صاحبه وزار سيدي إبراهيم الدسوقي وله في كل هؤلاء قصايد طنانة ، ثم سافر إلى الشام فتوجه إلى غزة ونابلس ونزل بدمشق ببيت الجناب حسين أفندي المرادي وهرعت إليه عُلَمَا الشام وأدباها وخاطبوه بمدايح واجتمع بالوزير عثمان باشا في ليلة مولد النبي ﷺ في بيت السيد علي أفندي المرادي ، ثم رجع إلى بيت المقدس وزار وعاد إلى مصر وتوجه إلى الصعيد ثم عاد إلى مصر وزار السيد البدوي ثم ذهب إلى دمياط كعادته في كل مرة ثم رجع إلى مصر ثم توجه إلى رشيد ثم الإسكندرية.

ومنها إلى إسلامبول فحصل له بها غاية الحظ والقبول ومدح بقصايد وهرعت إليه الناس أفواجًا ورتب له في جوالي مصر كل يوم قرشان ولم يمكث بها إلا نحو أربعين يومًا وركب منها إلى بيروت ثم إلى صيدا ثم إلى قبرص ثم إلى دمياط وذلك غاية شعبان سنة تسعين ، ثم دخل المنصورة وبات بها ليلة ثم دخل مصر في سابع عشر رمضان ، وكان مدة مكثه في الهند عشرة أعوام وحج سبع عشرة مرة منها ثلاث بالجمعة وسفره من الحجاز إلى مصر ثلاث مرات وللصعيد ست مرات ولدمياط ثماني مرات.

وأنشدني شيخنا العلامة أبو الفيض السيد مرتضى قال : أنشدني السيد عبد الرحمن العيدروس لنفسه وأنا نزيله بالطايف سنة ست وستين وماية ألف قوله : تجلى وجود الحق في كل صورة لذا هو عين الكل من غير ريبة .. تجلى بنا المولى فنحن مظاهر لوحدته العليا فَجُلْ في طريقتي .. وما ثم غير باعتباره ظهوره بقاص ودان جل مولى الخليقة .. أخي أثبت الأعيان وانف وجودها وذق وحدة راقت لأهل الحقيقة .. وقل ليس مثل الله شيء وإنه السميع البصير اشهده في كل ريبة .. ونزه وشبه واعرف الكل كي ترى عرائس جمع الجمع في خير هيئة ، وهي طويلة ، قال : وأخبرني أنها من العقايد المكنونة ، وسألته عن قوله : أثبت الأعيان فقال : المراد إثباتها في العلم ، ولذا يعبر عنها بالأعيان الثابتة.

ووردت مراسلة من السيد سليمان بن يحيى الأهلي مفتي الشافعية بزبيد إلى المشار إليه بطلب الإجازة له ولأولاده فكتب إجازة غراء في منظومة بديعة دالية طويلة أكثر من أربعين بيتًا ، وله منظومات كثيرة ومقاطيع وموشحات مثبتة في دواوينه ومؤلفاته كثيرة منها : مرقعة الصوفية ستون كراسًا ومرآة الشموس في سلسلة القطب العيدروس خمسون كراسًا والفتح المبين على قصيدة العيدروس فخر الدين خمس وعشرون كراسًا.

وله عليها شرحان آخران أحدهما ترويح الهموس من فيض تشنيف الكوس وتشنيف الكوس من حميا ابن العيدروس وفتح الرحمن بشرح صلاة أبي الفتيان ست كراريس وذيل الرحلة خمس كراريس والترقي إلى الغرف من كلام السلف والخلف عشر كراريس والرحلة عشر كراريس ، والعرف العاطر في النفس والخاطر وتنميق السفر ببعض ما جرى له بمصر خمس كراريس وعقد الجواهر في فضل آل بيت النبي الطاهر ونفايس الفضول المقتطفة من ثمرات أهل الوصول ثماني كراريس.

والجواهر السبحية على المنظومة الخزرجية اثنتا عشرة كراسة والمنهج العذب في الكلام على الروح والقلب كراستان وديوان شعره سماه ترويح البال وتهييج البلبال عشر كراريس وإتحاف الخليل في علم الخليل أربع كراريس والعروض في علمي القافية والعروض أربع كراريس ، والنفحة الأنسية في بعض الأحاديث القدسية وحديقة الصفافي في مناقب جده عبد الله بن مصطفى وتنميق الطروس في أخبار جده شيخ بن عبد الله العيدروس وإرشاد العناية في الكتابة تحت بعض آية ونفحة الهداية في التعليق.

وله ثلاث كتابات على بيتي المعية وهما : أعط المعية حقها والزم له حسن الأدب .. واعلم بأنك عبده في كل حال وهو رب ، الأولى إرشاد ذي اللوذعية على بيتي المعية ، الثانية إتحاف ذوي الألمعية في تحقيق معنى المعية ، الثالثة النفحة الألمعية في تحقيق معنى المعية.

ونثر اللآلي الجوهرية على المنظومة الدهرية والتعريف بتعدد شق صدره الشريف وإتحاف الذايق بشرح بيتي الصادق ورفع الإشكال في جواب السؤال والإرشادات السنية في الطريقة النقشبندية والنفحة العلية في الطريقة القادرية وإتحاف الخليل بمشرب الجليل الجميل ، والنفحة المدنية في الأذكار القلبية والروحية والسرية وتمشية القلم ببعض أنواع الحكم وتشنيف الأسماع ببعض أسرار السماع ورفع الستارة عن جواب الرسالة والبيان والتفهيم لمتبع ملة إبراهيم ، وشرح بيتي ابن العربي وهما : إنما الكون خيال وهو حق في الحقيقة .. كل من يفهم هذا حاز أسرار الطريقة.

وتحرير مسألة الكلام على ما ذهب إليه الأشعري الإمام وفتح العليم في الفرق بين الموجب وأسلوب الحكيم وقطف الزهر من روض المقولات العشر ورشحة سرية من نفحة فخرية وتعريف الثقات بمباشرة شهود وحدة الأفعال والصفات والذات ورشف السلاف من شراب الأسلاف ، والقول الأشبه في حديث من عرف نفسه فقد عرف ربه وبسط العبارة في إيضاح معنى الاستعارة والمتن للعارف الطنتداوي وكتب عليه الشيخ يوسف الحفني حاشية ونفحة البشارة في معرفة الاستعارة وشرحه العلامة الشيخ محمد بن الجوهري.

ومتن لطيف في اسم الجنس والعلم وشرحه الشيخ أبو الأنوار بن وفا وتشنيف السمع ببعض لطايف الوضع وشرحه الشيخ عبد الرحمن الأجهوري شرحين مبسوطين وإتحاف السادة الأشراف بنبذة من كلام سيدي عبد الله باحسين السقاف وشرح على قصيدة بالحزمة وحاشية على إتحاف الذايق ، وشرح على العوامل النحوية لم يتم، وسلسلة الذهب المتصلة بخير العجم والعرب، وحزب الرغبة والرهبة والاستغاثة العيدروسية وشرحها الشيخ عبد الرحمن الأجهوري ومرقعة الفقها وذيل المشرع الروي في مناقب بني علوي لم يكمل والإمدادات السنية في الطريقة النقشبندية ، وغير ذلك.

ولما كثر عليه الواردون من الديار البعيدة وصاروا يتلقون عنه طرق الصوفية وكان هو في أغلب أوقاته في مقام الغطوس أمر شيخنا السيد محمد مرتضى أن يجمع أسانيده في كتاب فألف باسمه كتابًا في نحو عشر كراريس وسماها النفحة القدسية بواسطة البضعة العيدروسية وذلك في سنة إحدى وسبعين وقد نقل منها نسخ كثيرة وعم بها النفع.

ولم يزل يعلو ويرقى إلى أن توفي ليلة الثلاثاء ثاني عشر محرم من هذه السنة وخرجوا بجنازته من بيته الذي تحت قلعة الكبش بمشهد حافل وصُلي عليه بالجامع الأزهر وقُري نسبه على الدكة ، وصلى عليه الإمام الشيخ أحمد الدردير ودفن بمقام ولي الله العتريس تجاه مشهد السيدة زينب ورثي بمَرَاثٍ كثيرة ربما يأتي ذكرُها في تراجم العصريين ولم يخلف بعده مثله رحمه الله “.

53 / حاشية العدوي

أشهر مدونة فقهية للمذهب المالكي في العصر العثماني هي (حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني لرسالة ابن أبي زيد القيرواني) وهي من تأليف واحد من أشهر علماء بني عدي في القرن الثاني عشر الهجري وهو الإمام العلامة المحقق الشيخ أبو الحسن نور الدين علي بن أحمد مكرم الله المنسفيسي العدوي المالكي الذي ولد في بني عدي بالصعيد عام 1112 هـ / 1700 م وتوفي بالقاهرة عام 1189هـ / 1775 م ، واشتهر بين العامة والخاصة بالشيخ علي الصعيدي وكان معروفًا بهذا اللقب وسط علماء الأزهر الشريف واشتهر أيضاً بالمنسفيسي.

وقال عنه خير الدين الزركلي في (الأعلام) : ” علي بن أحمد بن مكرم الصعيدي العدوي .. ولد في بني عدي بالقرب من منفلوط في سنة 1112 هـ ‍/ 1700م بدرب السراجية من العائلة المعروفة بناحية بني عدي أولاد عليو وأصوله من منسفيس إحدى قرى مركز أبي قرقاص بالمنيا ومن هذه الأسرة المنسفيسية العدوية الشيخ مكرم الله المنسفيسى العدوى جد المترجم ومنهم الشيخ إبراهيم المنسفيسى العدوى رأيت خطه في كتاب مؤرخ بأول شهر صفر سنة 1142هـ 1729م وهو فقيه مالكي كبير ”.

وقد نشأ بالقرية وحفظ القرآن الكريم على يد الشيخ عبد الفتاح البدري وزميله الشيخ محمد الدردير وتلقى أوليات العلوم الشرعية والعربية عنهما في بني عدي ثم سافر ليجاور في الأزهر وسنه 11 سنة وتلقي عن كبار علماء الأزهر بجد وحرص واجتهاد إلى أن تصدر للتدريس والفتيا وما لبث أن صار علماً من الأعلام الكبار وله أكثر من عشرة مؤلفات وهو أول من وضع الحواشي في الفقه المالكي .. وقد نقلنا ترجمته من كتاب سلسلة أعلام بني عدي للمؤلف حسن علي حمزة.

والده هو الشيخ أحمد بن مكرم الله العدوي قال عنه الأستاذ محمد علي مخلوف : ” أصوله من منسفيس وهو والد الإمام العلامة المحقق الشيخ علي بن أحمد بن مكرم الله المنسفيسي العدوي الصعيدي المالكي وقد نشأ في بني عدي وحفظ بها القرآن الكريم وتلقى الدروس الدينية والعربية على يد العلامة الشيخ عبد الفتاح بن إبراهيم البدري العدوي رئيس مجلس الشرع في بني عدي يقال إنه مدفون في سفح الجبل الذي دفن في أعلاه عالم الصعيد الشيخ حسن بن أحمد رفاعي الهواري وقد توفى في الربع الأول من القرن الثاني عشر الهجري رحمه الله ” ..

ويقول الأستاذ أحمد أبو عليو : وقد عرف والده الشيخ مكرم الله بالعلم والتقوى ، أما والدته فهي السيدة فاطمة بنت العلامة الشيخ موسى الفرضي العدوي المالكي الأزهري وكانت تلقب بـلقب (سيتن) وقبرها غربي ضريح الشيخ محمد الحلبي بصحراء بني عدي الوسطانية وقد تزوجها الشيخ أحمد بن مكرم الله بإشارة شيخه العلامة الشيخ عبد الفتاح بن إبراهيم البدري العدوي المالكي رئيس مجلس الشرع ببني عدي الوسطانية لأنه قال لابنه الشيخ مكرم الله المنفيسى العدوي أرجو إذا تزوج ولدك هذه الفتاة أن تلد له غلاماً يحيى مذهب الإمام مالك بن أنس فتزوجها فكان الأمر كما قال إذ أنجب منها هذا الفقيه المالكي العظيم .. وخاله هو الشيخ علي بن موسى الفرضي العدوي وهو أحد تلاميذ العلامة الفقيه الشيخ علي الأجهوري المالكي.

أخذ الشيخ علي بن أحمد بن مكرم الله المنسفيسى العدوي علومه في الأزهر عن أساتذة أجلاء منهم : الشيخ محمد صلاح الدين شلبي البرلسي المتوفى في ليلة الخميس في السابع عشر من صفر الخير سنة 1154هـ أربع وخمسين ومائة وألف من الهجرة 1741م . والشيخ سالم النفراوي الضرير أحد تلاميذ الإمام الخرشي وقد توفى يوم السادس والعشرين من صفر الخير سنة 1168هـ ثمان وستين ومائة وألف من الهجرة  1754م . والشيخ محمد الصغير المغربي المتوفى في رجب سنة 1138هـ ثمان وثلاثين ومائة وألف من الهجرة 1725م. والشيخ محمد بن عبد الرحمن بن ذكرى المولود بفاس أخذ عن شيوخ المغرب وله تآليف منها النصير المكلف لسيدي أحمد زروق وشرح صلاة ابن مشيس.

وفى آخر عهد الشيخ علي الصعيدي العدوي بالطلب تلقى الطريقة الأحمدية عن العارف بالله الشيخ علي بن محمد الشناوي وواظب على الأوراد ووظائف العبادة كدأب كثير من العلماء الأزهريين قديماً وحديثاً إذ وضع الله لهم من محبة ومهابة فإن الذكر والعبادة يضفيان على العالم قوة عجيبة ويملآن النفوس بحبه ويجمعان القلوب عليه وقل أن يكون عالم غير متصل بالله إلا وهو فاشل في مهمة الدعوة إلى الله سبحانه .. قال عنه الجبرتي : تلقن الطريقة الأحمدية عن الشيخ علي بن محمد الشناوي ودرس بالأزهر وغيره وقد بارك الله في أصحابه طبقة بعد طبقة كما هو مشاهد.

وكتب عنه العالم الجليل الأستاذ الشيخ محمود النواوي : ” كان الشيخ علي الصعيدي العدوي من علماء الأزهر في القرن الثاني عشر الهجري وهو عهد كان الحكم فيه بمصر للأتراك العثمانية فشملوها بالعسف والجور والاستبداد وأطفأوا معالم العلم والتعليم في كل مكان سوى الأزهر الذي حفظه الله من كل يد ظالمة فلا تصل إليه لأن الله أراد به أن يبلغ رسالة الإسلام وأن يحفظ كتابه الكريم تشريفاً ميزه الله به وكرامة خلعها عليه كان الشيخ على الصعيدي العدوي من علماء ذلك العهد ”.

ويقول الأستاذ الدكتور محمد موسي الشريف : كانت العامة تعاني كثيراً من الظلم وصعوبات الحياة وتسلط الباشوات والمماليك على الناس والاستيلاء على أموالهم بحجج لا تكاد تنتهي وهذا ظهر بقوة منذ بدايات القرن الثاني عشر الهجري / الثامن عشر الميلادي ولم يكن للعامة بعد الله تعالى إلا أن يلجأوا إلى العلماء الذين لم يخيب أكثرهم ظن أولئك المساكين ووقفوا بقوة أمام جبروت الحكام وظلمهم وأستطيع أن أقول إن العلماء العاملين هم الذين كانوا يقودون الجماهير آنذاك ويحققون مطالبهم أمثال الشيخ علي الصعيدي العدوي ” ، ويقول الأستاذ محي الدين علي الطعمي : ” مؤلفاته في الحواشي سارت بذكرها الركبان منها حاشيته على شرح أبي الحسن على الرسالة في مجلدين ضخمين وأخرى على الخرشي وأخرى على الزرقاني “.

وكان الشيخ على الصعيدي العدوي في فقر يرشحه للتفرغ على أنه كان زاهداً يجود بكل ما يجد ولما قضى أجل التعليم وأنس من نفسه القدرة على الإفادة وأذن الشيوخ له بالتدريس تصدر له في أدب وتواضع وإكباب على الدرس والبحث فأفاد وأجاد وألف كتباً كثيرة من الحواشي التي كانت أكبر مظهر للعلم المتوارث في ذلك العهد التركي ، وقد تتلمذ على يده خلق كثير ممن أصبحوا من مشاهير العلماء وقد أحصاهم الأستاذ محمد على مخلوف فبلغ عددهم واحداً وعشرين عالماً ومن أبرزهم القطب الكبير الشيخ أحمد بن محمد بن أبي حامد الدردير العدوي.

ويقول الباحث الأستاذ مصطفي عبد الله خضر العسيلي : ” عددهم كثير لا يمكن حصره ” ، ومن مؤلفاته : (حاشية على ابن تركي على العشماوية في فقه المالكية .. حاشية على شرح الزرقاني للعزية في فقه المالكية .. حاشية على شرح أبي الحسن لرسالة بن أبي زيد القيرواني في فقه المالكية .. حاشية على الخرشي في فقه المالكية .. حاشية على شرح الزرقاني على مختصر خليل في فقه المالكية .. حاشية صغرى على شرح عبد السلام على الجوهرة في التوحيد .. حاشية كبرى على شرح عبد السلام على الجوهرة في التوحيد .. حاشية على الأخضري على السلم في المنطق .. حاشية على ابن عبد الحق على شرح البسملة لزكريا الأنصاري .. حاشية على شرح زكريا الأنصاري على ألفية العراقي في الحديث).

والشيخ علي الصعيدي هو مؤسس رواق الصعايدة الذي استقر فيه عدة مشايخ عدوية لكثرة العلماء به من ناحية عدي من زمن شيخ المشايخ علي الصعيدي العدوي بل الشائع أن الشيخ علي هو السبب في إجراء الخير العظيم العميم على يد الأمير عبد الرحمن كتخدا حتى أنه لحبه للصعايدة من أجل الشيخ العدوي جعل مدفنه بجوار هذا الرواق فإن ضريحه عليه سحائب الرحمة عن يمين الخارج من المقصورة إلى باب الصعايدة ويصعد إليه بنحو أربع درجات وهو محل جليل عليه قبة مرتفعة وعلى القبر تركيبة من الرخام منقوش عليها أسماء العشرة المبشرين بالجنة.

ويقول الأستاذ الدكتور محمد موسي الشريف : ” كان شديداً في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يحابي في إنكاره أحداً ” وكان علي بك الكبير يقبل يد الشيخ إذا دخل عليه وكان الشيخ يكتب شكاوى الناس في ورقة ويتكلم مع الأمير في كل شكوى منها فكان الأمير يتضايق منها فيصيح الشيخ في وجهه قائلاً : ” لا تأسف فالدنيا فانية وسيسألنا الله عن تأخرنا في نصحك إن لم نفعل ثم يمسك بيده ويقول : أنا خائف على هذه الكف من نار جهنم يوم الحساب ” ، ودخل عليه مرةً فشعر تلكؤاً من الأمير فخرج من عنده غاضباً فارتبك الأمير وحاول اللحاق به معتذراً فأبى الشيخ وأخذ يتلو قوله تعالى : (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون) وهكذا كان الشيخ أيضاً مع الأمير محمد بك أبو الذهب الذي جاء بعد علي بك الكبير.

وقال العالم العلامة العارف بالله تعالى سيدي أبو الربيع سليمان الحوت المالكي 1160 -1231 هـ في الروضة المقصودة في مآثر بني سودة في ترجمته مانصه : ” كان رحمه الله إماما في جميع الفنون مرجوعا إليه في المفروض والمسنون متبحرا متوسعا في أصول المذهب وفروعه قادرا على استخراج جزئياته من قواعده وأفراده من مجموعه مع الزهد والقناعة والصبر والخوف والإنابة والشكر محبا للعلم وأهله ساعيا في تحصيله بخيله ورجله مكبا على جملته إقراء وتصنيفا ..

إلى أن قال عازيا للإمام التاودي نفعنا الله به مانصه أطلعني ـ يعني الشيخ عليا الصعيدي ـ على حاشيته على الخرشي وعلى طرر شرع في كتبها على الزرقاني وأخرى على تفسير الجلالين واستجازني فأجزته وأجازني وذكر أنه يروي عن السيد محمد السلموني والشيخ عبد الله المغربي كلاهما عن الولي الصالح الشهير سيدي محمد الخرشي .. وهو صاحب عارضة قوية متمكن من المعقول والمنقول بعيد الصيت جميل الذكر من مفاخر المالكية بمصر وصلت حاشيته على الخرشي إلى المغرب فإذا هي ممتعة أنقالا ومباحث توفي رحمه الله – فيما أنهي إلي – سنة إحدى وتسعين بتقديم المثناة ومائة وألف “.

وقد توفي الشيخ علي الصعيدي في اليوم العاشر من رجب سنة 1189هـ / سبتمبر 1775م وذكر الجبرتي ترجمته في كتابه عجائب الآثار وذلك في وفيات هذه السنة فقال : ” مات الإمام الهمام شيخ مشايخ الإسلام عالم العلماء الأعلام إمام المحققين وعمدة المدققين الشيخ علـي بـن أحمـد بـن مكـرم اللـه الصعيـدي العـدوي المالكـي ولـد ببني عدي كما أخبر عن نفسه سنة اثنتي عشرة ومائة وألف.

وقدم إلى مصر وحضر دروس المشايخ كالشيخ عبد الوهاب الملوي والشيخ شلبي البرلسي والشيخ سالم النفراوي والشيخ عبد الله المغربي والسيد محمد السلموني ثلاثتهم عن الخرشي وأقرانه وكسيدي محمد الصغير والشيخ إبراهيم الفيومي ومحمـد بن زكريا والشيخ محمد السجيني والشيخ إبراهيم شعيب المالكي والشيخ أحمد الملوي والشيـخ أحمـد الديربـي والشيخ عيد النمرسي والشيخ مصطفى العزيزي والشيخ محمد العشماوي والشيخ محمد بن يوسف والشيخ أحمد الأسقاطي والبقري والعماوي والسيد علي السيواسي والمدابغي والدفري والبليدي والحفني وآخرين.

تلقن الطريقة الأحمدية عن الشيخ علي بن محمد الشناوي ودرس بالأزهر وغيره‏‏ وقد بارك الله في أصحابه طبقة بعد طبقة كما هو مشاهد وكان يحكي عن نفسه أنه طالما كان يبيت بالجوع في مبدأ اشتغاله بالعلم وكان لا يقدر على ثمن الورق ومع ذلك إن وجد شيئًا تصدق به‏ وقد تكررت له بشارات حسنة منامـًا ويقظـة.

ولـه مؤلفـات دالـة علـى فضلـه منهـا حاشيـة على ابن تركي وأخرى على الزرقاني على العزية وأخرى على شرح أبي الحسن على الرسالة في مجلدين ضخمين وأخرى على الخرشي وأخرى على شرح الزرقاني على المختصر وأخرى على الهدهدي على الصغرى وحاشيتان علـى عبـد السلام على الجوهرة كبرى وصغرى وأخرى على الأخضري على السلم وأخرى على ابن عبد الحق على بسملة شيخ الإسلام وأخرى على شرح شيخ الإسلام على ألفية المصطلح للعراقي وغير ذلك‏ .. وله شرح على خطبة كتاب إمداد الفتاح على نور الإيضـاح فـي مذهـب الحنفيـة للشيـخ السرنبلالـي .

وكان رحمه الله شديد الشكيمة في الدين يصدع بالحق ويأمر بالمعروف وإقامة الشريعة ويحب الاجتهاد في طلب العلم ويكره سفاسف الأمور وينهـى عـن شـرب الدخـان ويمنـع مـن شربـه بحضرتـه وبحضـرة أهـل العلـم تعظيمًا لهم‏ وإذا دخل إلى منزل من منازل الأمراء ورأى من يشرب الدخان شنع عليه وكسر آلته ولو كانت في يد كبير الأمراء‏‏ وشاع عنه ذلك وعرف في جمع الخاص والعام وتركوه بحضرته فكانوا عندما يرونه مقبـلا مـن بعيـد نبه بعضهم بعضًا ورفعوا شبكاتهم وأقصابهم وأخفوها عنه وإن رأى شيئًا منها أنكـر عليهـم وبخهـم وعنفهم وزجرهم حتى أن علي بك في أيام إمارته كان إذا دخل عليه في حاجة أو شفاعة أخبروه قبل وصوله إلى مجلسه فيرفع الشبك من يده ويخفوه من وجهه وذلك مع عتوه وتجبره وتكبره‏.

واتفق أنه دخل عليه في بعض الأوقات فتلقاه على عادته وقبل يده وجلـس فسكت الأمير مفكرًا في أمر من الأمور فظن الشيخ إعراضه عنه فأخذته الحدة وقال يـا من يا من يا من هو غضبك ورضاك على حد سواء بل غضبك خير من رضاك‏ وكرر ذلك وقام قائمًا وهو يأخذ بخاطره ويقول ‏:‏ أنا لم أغضب من شيء ويستعطفه‏ فلم يجبه ولم يجلـس ثانيـًا وخـرج ذاهبـًا‏ ثـم سـأل علـي بـك عـن القضيـة التـي أتـى بسببهـا فأخبـروه فأمر بقضائها‏

واستمر الشيخ منقطعًا عن الدخول إليه مدة حتى ركب في ليلة من ليالي رمضان مع الشيخ الوالـد (يقصد والده الشيخ حسن الجبرتي) فـي حاجة عند بعض الأمراء ومرا ببيت علي بك فقال له ادخل بنا نسلم عليه فقال يا شيخنا أنـا لا أدخل فقـال لا بـد مـن دخولك معي‏ فلم تسعه مخالفته وانسر بذلك علي بك تلك الليلـة سـرورًا كثيرا.

ولما مات علي بـك واستقل محمد بك أبو الذهب بإمارة مصر كان يجل من شأنـه ويحبـه ولا يـرد شفاعتـه فـي شـيء أبـدًا وكل من تعسر عليه قضاء حاجة ذهب إلى الشيخ وأنهى إليه قصته فيكتبها مع غيرهـا فـي قائمـة حتـى تمتلـئ الورقـة ثـم يذهـب إلـى الأميـر بعـد يوميـن أو ثلاثة فعند ما يستقر في الجلوس يخرج القائمة من جيبه ويقص ما فيها من القصص والدعاوى واحدة بعد واحدة ويأمره بقضاء كل منها والأمير لا يخالفه ولا ينقبض خاطره في شيء من ذلـك‏.

ولمـا بنـى الأميـر المذكور مدرستـه كـان المترجـم هـو المتعيـن فـي التدريـس بهـا داخـل القبـة على الكرسـي وابتـدأ بهـا البخـاري وحضـره كبار المدرسين فيها وغيرهم ولم يترك درسه بالأزهر ولا بالبرديكيـة‏ وكـان يقـرئ قبـل ذلـك بمسجـد الغريـب عنـد بـاب البرقيـة فـي وظيفـة جعلهـا لـه الأمير عبد الرحمن كتخدا وكذلك وظيفة بعد الجمعة بجامع مرزه ببولاق.

وكان على قدم السلف في الاشتغال والقناعة وشرف النفس وعدم التصنع والتقـوى ولا يركـب إلا الحمـار ويؤاسـي أهلـه وأقاربه ويرسل إلى فقرائهم ببلده الصلات والأكسية والبز والطرح للناس والعصائب والمداسات وغير ذلك‏ ولم يـزل مواظبـًا علـى الإقـراء والإفـادة حتـى تمـرض بخـراج فـي ظهـره أيامـًا قليلـة وتوفـي فـي عاشر رجب من السنة وصلي عليه بالأزهر بمشهد عظيم ودفن بالبستان بالقرافة الكبرى رحمه الله ولم يخلف بعده مثله “.

54 / نصيحة الأحباب

(نصيحة الأحباب) هو عنوان رسالة في التصوف والحكمة على طريق ابن عربي وابن عطاء الله كتبها المتصوف الكبير الشيخ أبو المواهب محمود بن محمد بن يزيد الكوراني الكردي الخلوتي الشافعي المتوفي بالقاهرة عام 1195 هـ / 1781 م ، وقد تتلمذ على يد أعلام الطريقة الخلوتية في عصره مثل الشيخ مصطفى البكري والشيخ محمد سالم الحفناوي كما قام عدد من تلاميذه بشرح هذه الحكم لتكون نبراسا لأبناء الطريقة ومنهم شيخ الأزهر الإمام عبد الله الشرقاوي.  

وقد ترجم له الجبرتي في كتابه عجائب الآثار فقال : ” توفي شيخنا الإمام العارف كعبة كل ناسك عمدة الواصلين وقدوة السالكين صاحب الكرامات الظاهرة والإشارات الباهرة شيخنا وأستاذنا الشيخ محمود الكردي الخلوتي ، حضر إلى مصر متجردًا مجاهدًا مجتهدًا في الوصول إلى مولاه زاهدًا كل ما سواه فأخذ العهد وتلقن الذكر من الأستاذ شمس الدين الحفني وقطع الأسما وتنزلت عليه الأسرار وسطعت على غرته الأنوار وأفيض على نفسه القدسية أنواع العلوم اللدنية.

وله رسالة في الحكم ذكر أن سبب تأليفه لها أنه رأى الشيخ محيي الدين العربي رضي الله عنه في المنام أعطاه مفتاحًا وقال له : افتح الخزانة ، فاستيقظ وهي تدور على لسانه ويرد على قلبه أنه يكتبها قال : فكنت كلما صرفت الوارد عني عاد إلي فعلمت أنه أمر إلهي ، فكتبتها في لمحة يسيرة من غير تكلف كأنما هي تملى على لساني من قلبي ، وقد شرحها خليفته شيخ الإسلام والمسلمين سيدي الشيخ عبد الله الشرقاوي شيخ الجامع الأزهر شرحًا لطيفًا جامعًا مانعًا استخرج به من كنوز معانيها ما أخفاها فلم يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.

وشرحها أيضًا أحد خلفايه الأستاذ العلامة السيد عبد القادر بن عبد اللطيف الرافعي البياري العمري الحنفي الطرابلسي شكر الله صنيعهما ذكر في أولها ترجمة الأستاذ كما سمعه من لفظه أن مولده ببلدة صاقص من بلاد كوران ، ونشأ في المجاهدة وهو ابن خمس عشرة سنة صايم الدهر محيي الليل كله في مسجد ببلدته معروف حتى اشتهر أمره وقصده الناس بالزيارة فهجر ذلك المكان وصار يأوي الخراب خارج بلدته بحيث لا يشعر به أحد.

وأخبرني غير مرة أنه كان لا يغمه بالليل إلا سماع صوت الديكة لإنذارها بطلوع النهار لما يجده في ليله من المواهب والأسرار ، وكان جل نومه في النهار وكثيرًا ما كان يجتمع بالخضر عليه السلام فيراه بمجرد ما ينام فيذكر الله معه حتى يستيقظ ، وكان لا يفتر عن ذكر الله لا نومًا ولا يقظة وقال مرة : جميع ما في كتب إحياء العلوم للغزالي عملت به قبل أن أطالعه فلما طالعته حمدت الله تعالى على توفيقه إياي وتوليته تعليمي من غير معلم.

وكان كثير التقشف من الدنيا يأكل خبز الشعير وفي بيته يصنع خبز خاص من دقيق البر ، وكثيرًا ما كان يلومه أخوه على ذلك وكان أخوه الكبير كثير اللوم له على ما يفعله من مجاهداته وتقشفاته ، ولما مات والده ترك ما يخصه من إرثه لهم وكان والده كثير المال والخير وعليق دوابه في كل ليلة أكثر من نصف غرارة من الشعير.

ولما صار عمره ثماني عشرة سنة رأى في منامه الشيخ محمد الحفناوي فقيل له : هذا شيخك ، فتعلق قلبه به وقصده بالرحلة حتى قدم مصر واجتمع به وأخذ عنه الطريق الخلوتية وسلك على يديه بعد أن كان على طريقة القصيري رضي الله عنه ، وقال له في مبدأ أمره : يا سيدي إني أسلك على يديك ولكن لا أقدر على ترك أوراد الشيخ القصيري فأقرأ أوراده وأسلك طريقتك ؟

فأجابه الشيخ إلى ذلك ولم يشدد عليه في ترك أوراد الشيخ القصيري لما عرفه من صدقه مع المذكور ، فلازمه مدة طويلة ولقنه أسماء الطريقة السبعة في قطع مقاماتها وكتب له إجازة عظيمة شهد له فيها بالكمال والترقي في مقامات الرجال وأذن له بالإرشاد وتربية المريدين ، فكان الشيخ في آخر أمره إذا أراد أحد أن يأخذ عنه الطريق يرسله إلى الشيخ محمود ويقول لغالب جماعته : عليكم بالشيخ محمود فإني لولا أعلم من نفوسكم ما أعلم لأمرتكم كلكم بالأخذ عنه والانقياد إليه.

ولما قدم شيخ شيخه السيد مصطفى البكري لازمه وأخذ عنه كثيرًا من علم الحقايق وكان كثير الحب فيه فلما رآه لا يقرأ أوراد الطريقة الخلوتية ويقتصر على أوراد القصيري عاتبه في ذلك وقال له : أيليق بك أن تسلك على أيدينا وتقرا أوراد غيرنا ؟ إما أن تقرأ أورادنا وإما أن تتركنا ، فقال : يا سيدي أنتم جعلكم الله رحمة للعالمين وأنا أخاف من الشيخ القصيري إن تركت أوراده وشي لازمته في صغري لا أحب أن أتركه في كبري ، فقال له السيد البكري : استخر الله وانظر ماذا ترى لعل الله يشرح صدرك ..

فشرح الله بعد ذلك صدره ولازم أوراد السيد البكري وأخذ من أوراد القصيري ما استطاع ، وبلغ من مجاهداته رضي الله عنه أنه لما ضعف عن القيام في الصلاة لعدم تماسكه بنفسه صنع له خشبة قايمة يستند عليها ولم يدع صلاة النفل قايمًا فضلًا عن الفرض ، ولم يدع صلاة الليل والوظايف التي عليه مرتبة في حال من الأحوال وكان لا ينام من الليل إلا قليلًا وكان ربما يمضي عليه الليل وهو يبكي وربما تمر عليه الليلة كلها وهو يردد آية من كتاب الله تعالى.

وكثيرًا ما كان يقتصر على الخبز والزيت ويُوكل في بيته خواص الأطعمة وكان غالب أكله الرز بالزيت وتارة بالسمن البقري وقل ما تراه في خلوته أو مع أصحابه إلا وهو مشغول في وظايف أوراد ، وقال لي مرة : ربما أكون مع أولادي ألاعبهم وأضاحكهم وقلبي في العالم العلوي في السماء الدنيا أو الثانية أو الثالثة أو العرش وكثيرًا ما كان تفيض على قلبه معرفة الحق سبحانه وتعالى فيجعل يبكي ولا يشعر به جليسه.

وقلت يومًا للعارف بالله تعالى خليفته سيدي محمد بدير القدسي من كرامات الأستاذ أنه لا يسمع شيًّا من العلم إلا حفظه ولا يزول من ذهنه ولو بعد حين ، فقال لي رضي الله عنه : بل الذي يعد من كرامات الشيخ أنه لا يسمع شيئًا من العلم النافع إلا ويعمل به في نفسه ويداوم عليه فقلت : صدقت هذا والله حاله.

والحاصل أن مناقبه رضي الله عنه لا تكاد تنحصر ، وكان لكلامه وقع في النفوس عظيم إذا تكلم كأنما كلماته خرزات نظمن في جيد حسناء لا ينطق إلا بحكمة أو موعظة أو مسايل دينية أو حكاية تتضمن جوابًا عن سؤال يسأله بعض الحاضرين بقلبه ولا تكاد تسمع في مجلسه ذكر أحد بسو ، وكان كثير الشفقة والرحمة على خلق الله لا سيما أرباب الذنوب والمعاصي كثير التواضع كثير الإحسان للفقرا والمساكين لا يمسك من الدنيا شيًّا جميع ما يأتيه ينفقه في طاعة الله.

ما أمسك بيده درهمًا ولا دينارًا قط آخذًا بالورع في جميع أموره ليس له هم إلا أمور الآخرة لا يهتم لشأن الدنيا أقبلت أو أدبرت كفاه الله مئونة الدنيا، عنده خادم يقبض ما يأتي له من الدنيا ويصرف عليه فلا يزيد ذلك على حاجته ولا ينقص شيًّا ، قال السيد شارح الرسالة : خدمته نحو عشر سنوات ما رأيته ارتكب صغيرة قط ،

وللأستاذ رضي الله عنه رسالة سماها السلوك لأبناء الملوك وهي صورة مكتوب من إملاه أرسله إلى رجل من أعيان المغرب يقال له ابن الظريف وكان الشيخ رضي الله عنه أرسل له جوابًا عن مكاتبة أرسلها فأرسل مراسلة أخرى والتمس الجواب ويكون متضمنًا بعض النصايح فأملى تلك المراسلة فبلغت نحو ست كراريس وصارت كتابًا عظيم النفع سارت به الركبان وانتفع به القاصي والدانِ.

وكتب عليه كثير من العلما منهم مولانا السيد عبد القادر شارح الرسالة تقريظًا وهي هذه القصيدة الفريدة : بحمدك يا مولاي يرتاح ناطقه وتبدو لأرباب اليقين بوارقه .. ومنك أتانا الفيض والفضل والهدى وجاد بمكنون اللدنيُّ وادقه .. ومن يك عن إذن تكلم بالهدى تحلت لآذان الأنام حقايقه ، كانت وفاة الأستاذ رضي الله عنه ثالث المحرم من هذه السنة وتولى غسله الشيخ سليمان الجمل وصلي عليه بالأزهر ودفن بالصحرا بجوار شيخه السيد مصطفى البكرى رضي الله عنهما “.

55 / الخريدة البهية

الخريدة البهية في العقيدة السنية هي أشهر منظومة في العقيدة بمصر في العصر العثماني وهي من تصنيف واحد من أعلام التصوف من بني عدي في القرن الثاني عشر الهجري وهو ولي الله تعالى أحمد بن أحمد بن أبي حامد العَدوي المالكي الأزهري الخَلْوَتِي الشهير بأحمد الدردير الذي ولد في بني عدي بالصعيد عام 1127 هـ / 1715 م وتوفي بالقاهرة عام 1201 هـ / 1786 م ، ويستهلها بقوله : يقول راجي رحمة القدير .. أي أحمد المشهور بالدردير .. الحمد لله العلي الواحد .. العالم الفرد الغني الماجد … إلخ.

وقد اكتسب لقبه (الدردير) حينما نزلت بالقرية إحدى قبائل العرب وكان كبيرهم رجل مبارك من أهل العلم والفضل والكرامات فاشتهر بين الناس وأصبح مقصدا لهم فى التزود بالعلم والعلوم الدينية وكان يدعى الدردير، ولم يجد الناس بالقرية من هو أحق واقرب فى العلم والتدين من الشيخ أحمد بن أبي حامد كى يلقبونه بلقب الدردير حبا وتفاؤلا به بالشيخ العالم الفقيه ومنذ ذلك اليوم والتصق اللقب به ولم يفارقه طوال حياته وحتى بعد وفاته.

قال عنه الجبرتى : ” كان أوحد وقته في الفنون العقلية والنقلية  شيخ أهل الإسلام وبركة الأنام أبو البركات  الشيخ أحمد بن أحمد بن أبي حامد العدوي المالكي الأزهريّ الخَلْوَتِيّ  الشهير بأحمد الدِّرْدِيرِ رضي الله عنه .. صاحب المؤلفات الكثيرة النافعة والتصنيفات الشهيرة المقنعة والرسائل العلمية الممتعة ” ..

وسوف ننقل ترجمته من صفحة الفقه المالكي نقلا عن عدد من المراجع والكتب حيث ورد فيها : ” وأشهر ألقاب سيدي أحمد الدردير المشهور بين العامة وطلبة ومشايخ الأزهر هو لقب (أبي البركات) ولم يكن هذا اللقب من فراغ أو محض مصادفة وإنما مما رآه الناس من خير وبركات كثيرة أجراها الله على يده وبسبب عبد من عباده الصالحين (سيدي أحمد) الذى لم يرد أحدا أبدا قصده فى مسألة أو قصده فى حاجة إلا وكان له فيها سعيا مباركا دءوبا حتى يقضى الله فيها أمرا كان مفعولا.

ومن هنا جاء لقب أبو البركات لما أحس به الناس من بركات كثيرة أصابتهم بفضل دعائه ، وروي عن أتباعه أنه لم ير أحد سيدي الدردير إلا وكان سائرا أو راكبا  دابته (الحمارة) ذاهابا أو آتيا من قضاء حاجة أحد ممن قصدوه .. فكان من الطريف أن من يقصده فى شئ يطلب منه فى بداية طلبه أن (يركب الحمارة ويشوف العبارة) حتى صارت هذه الجملة موروثا شعبيا فى حياة أبي البركات.

واستمرت بعد انتقاله لجوار رب العالمين فيقصد الناس مقامه ويقفون ويدعون الله بقلوبهم ويختمون الدعاء بالصلاة والسلام على خير الأنام سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ليوم الدين وبارك يارب العالمين ثم يقولون يا سيدى أحمد اركب الحمارة وشوف العبارة ومقصدهم هنا أنهم جاءوا قاصدين أحد أبواب الله فى الدعاء .. وركوب الحمارة معناه السعى فى قضاء الحاجة والعبارة معناها الحاجة التى طلبوها .. ولقد توارث الناس هذا الأمر فى زيارة المقام وانتشر فى حياته واستمر موروثا شعبيا بعد مماته .

وتقول الدكتورة سعاد ماهر فى موسوعتها الجليلة : (مساجد مصر وأولياؤها الصالحون) عن مسجد سيدى أحمد الدردير أنه يقع فى حي الدرب الأحمر بدرب الكعكيين بجوار مسجد سيدي يحيى بن عقبة وأقيم المسجد مكان الزاوية التى كان يتعبد فيها سيدي أبو البركات وبعد وفاته تم بناء المسجد مكان الزاوية.

ولازالت زاويته بالمسجد موجودة ومعروفة وبها مكتبة علمية تزخر بأمهات الكتب وهى المكتبة التى أسسها فضيلة الشيخ الجليل إسماعيل صادق العدوي الذى تولى إمامة المسجد قبل أن يتولى إمامة وخطابة الجامع الأزهر وحتى بعد توليه الأزهر لم يترك مسجد سيدي أحمد وإنما ارتبط به روحيا فكان دائم الجلوس والتعبد فى زاوية أبي البركات ويعطى الدروس بالمسجد حيث أولاه اهتماما خاصا منذ أن عرفه طالبا بالأزهر من خلال مؤلفاته الفقهية التى كانت ولا تزال تدرس لكل راغب علم وخاصة فى علوم المذهب المالكى كما أنه بنى لنفسه محرابا خاصا فى الجامع الأزهر برواق الصعايدة ليتعبد فيه بالجامع الأزهر.

وما يلفت النظر إلى أنه كان يبحث دائما عن عباداته ويجعل لها حسابا خاصا فلا يترك مكانا سيقيم فيه دون تهيئة أحد أركانه لصلواته وعباداته حتى لا يغيب عن ذكر وعبادة ربه لحظة وفى مسجده وبعد أن تتنسم عبير المسك بالمقام ويلف بك المكان تنتقل للحجرة المجاورة للمقام حيث يرقد السادة السباعية ورثة سيدي أحمد الدردير فى نشر علمه وعلومه والذين تولوا مشيخة الطريقة الخلوتية من بعده فمنهم وإليه تشعر بمداد الوصل.

وبالرجوع إلى سيرة سيدي الدردير فنجده حفظ القرآن وجوَّده وحُبِّب إليه طلب العلم فقدم الجامع الأزهر وحضر دروس العلماء الأجلاء وأخذ العلوم عن الشيخ الصعيدي ولازمه وانتفع به وأخذ عن الشيخ أحمد الصباغ وأخذ عن الملوي والحفني وأخذ طريق أهل التصوف عنه وصار من أكابر أهل التصوف في الطريقة الخلوتية.

وحسبما ذكر فضيلة العالم الجليل وترجمان أهل التصوف فى العصر الحديث فضيلة الدكتور عبد الحليم محمود شيخ الجامع الأزهر فى كتابه الذى ألفه فى سيرة سيدى أحمد تحت عنوان (أبو البركات .. سيدي أحمد الدردير) : ” حينما ورد الجامع الأزهر وحضر دروس العلماء وسمع الحديث المسلسل بالأَوَّلِية عن الشيخ محمد الدفراوي بشرطه وعلوم الحديث النبوي الشريف عن الشيخ أحمد الصباغ.

وتفقه علَى يد الشيخ عليّ الصعيدي العَدَ ويّ ولازَمه في كل دروسه حتى ظهرت نجابته ونباهته وتتلمذ ولازم الشيخ شمس الدين الحفني وبه تخرَّج في طريق القوم فتلقن الذكر وطريقة الخلوتية من الشيخ الحفني وصار من أكبر خلفائه ، وأخلَصَ في حب شيوخه مع كمال العبودية والزهد والفقه والديانة .. كان صوفيا نقيا سنيا زاهدا قوّاال للحق زجّارا للخلق عن المنكرات والمعاصي لا يهاب واليا ولا سلطانا ولا وجيها من الناس.

وحضر بعضَ دروس الشيخين الملَّوي والجَوْهري وغيرهما ولكن كل اعتماده وانتسابه على الشيخين الحفني والصعيدي وكان سليم الباطن مهذب النفس كريم الأخلاق .. ولما توفي الشيخ علي الصعيدي تعين سيدي أحمد الدردير شيخا على المالكية وفقيها وناظرا على وَقْف الصعايدة بل وشيخا على رواق الصعايدة بالأزهر بل شيخا على أهل مصر بأسرها في وقته حسًّا ومعنى فكان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر كلا من الراعي والرعية ويصدع بالقول مع صولة الحق ولا تأخذه في الله لومة الئم وله في السعي على الخير يد بيضاء “.

والدردير من أئمة المالكية ومن أقطاب الطريقة الصوفية الخلوتية التي أسسها كريم الدين الخلوتي المتوفى في مصر سنة 619 هـ ، والخلوتي نسبة إلى الخلوة الصوفية .. وتروي صفحة الفقه المالكي عددا من الروايات حول عظمة مواقف وكرامات أبي البركات الذى كان الله يفتح بفضل دعائه الأبواب المغلقة للمظاليم فى مصر وجاء فيها : ” وقبل أن يشرد بنا الذهن بعيدا فنقرأ ما كتبه عنه الجبرتى فى تاريخه الكبير وما سرده عنه من مواقف وحكايات تكشف لنا بعض قليل من شخصية سيدي أحمد الدردير التى مازالت جعبة التاريخ تبوح عنه بالقليل فى كل وقت وآوان.

أما ما خطه الجبرتى فى كتبه حيث روي عنه أن الوالي العثماني كان قد أجبر الناس على السخرة في عمل من أعماله وأغلق عليهم أبواب القلعة فاستنقذ الناس بأبى البركات لما عرفوه عنه بوقوفه فى وجه الحكام الطغاة فذهب الدردير مع الناس ووقف أمام الباب الكبير بالقلعة ودعا وأمّن الناس فوقعت المواصيد والأقفال ودخل القلعة وظل هكذا كلما وجد بابا مغلقا وقف أمامه وأخذ يدعو والناس من خلفه يؤمنون حتى وصل إلى الخزائن (المكان الذى حبس الوالى فيه الناس) فكان مشهورا عنه فتح الأبواب المغلقة بدعائه رحمه الله ورضي عنه ” ..

وقال الجبرتي في حوادث سنة 1161 هـجريا : ” وقعت حادثة في طائفة المغاربة المجاورين بالجامع الأزهر وذلك أنه آل إليهم مكان موقوف وجحد واضع اليد ذلك والتجأ إلى بعض الأمراء وكتبوا فتوى في شأن ذلك واختلفوا في ثبوت الوقف بالإشاعة ثم أقاموا الدعاوى في المحكمة وثبت الحق للمغاربة ووقع بينهم منازعات وعزلوا شيخهم وولوا آخر وكان المندفع في الخصومة واللسانة شيخاً منهم يسمى الشيخ عباس والأمير الملتجئ إليه الخصم يوسف بك.

فلما ترافعوا وظهر الحق على خلاف غرض الأمير حنق لذلك ونسبهم إلى ارتكاب الباطل فأرسل من طرفه من يقبض على الشيخ عباس المذكور من بين المجاورين فطردوا المعينين وشتموهم وأخبروا الشيخ أحمد الدردير فكتب مراسلة إلى يوسف بك تتضمن عدم تعرضه لأهل العلم ومعاندة الحكم الشرعي وأرسلها صحبة الشيخ عبد الرحمن الفرنوي وآخرين فعندما وصلوا إليه وأعطوه التذكرة نهرهم وأمر بالقبض عليهم وسجنهم بالحبس.

ووصل الخبر إلى الشيخ الدردير وأهل الجامع فاجتمعوا في صبحها وأبطلوا الدروس والأذان والصلوات وقفلوا أبواب الجامع وجلس المشايخ بالقبلة القديمة وطلع الصغار على المنارات يكثرون الصياح والدعاء على الأمراء وأغلق أهل الأسواق القريبة الحوانيت وبلغ الأمراء ذلك فأرسلوا إلى يوسف بك فأطلق المسجونين “.

ومما اشتهر عنه رضى الله عنه أنه كان مجاب الدعوة بسبب تحرّيه أكل الحلال وأنه كان لا يأكل طعاما فيه شبهة أبدا وإن دعاه أحد من الناس على طعام سأل عن مصدر رزقه ودَخْله ثم يقرر بعد ذلك إن كان يقبل الطعام أم لا وعن مواقفه فى تحرى الأكل الحلال يروى الجبرتى موقف سيدي أحمد الدردير مع الوالي العثماني الذى أصبح موقفه مشتهرا ومنتشرا يفخر به المالكية على بقية أصحاب المذاهب ويرفعون رؤوسهم وأعناقهم في سائر ربوع مصر فإذا ذُكر جَهْرُ العلماء بالحق ونطقهم بالصدق.

وتقول الرواية أن الوالي الجديد عندما عينه السلطان العثماني أراد أن يكون الأزهر هو أول مكان يزوره حتى يستميل المشايخ نحوه لعلمه بقدرتهم على تحريك ثورة الجماهير في أي وقت شاءوا وعند حدوث أول مظلمة لا يتوانون فى الوقوف مع المظلومين فى وجه الظالمين دون النظر لمنصب أو حسب ونسب الظالم .. فلما دخل الوالى الجامع ورأى الدردير جالسا مادًّا قدميه في الجامع الأزهر وهو يقرأ ورده من القرآن غضب لأنه لم يقم لاستقباله والترحيب به وقام أحد حاشيته بتهدئة خاطره بأن قال له : إنه مسكين ضعيف العقل ولا يفهم إلا في كتبه يا مولانا الوالي .. فأرسل إليه الوالي صرة نقود مع أحد الأرقاء فرفض الدردير قبولها وقال للرقيق : ” قل لسيدك من مدّ رجليه ليس له أن يمد يديه ” ..

ويروى أن الوالي دبر مكيدة بعد هذه الواقعة ببضعة شهور ليتخذ لنفسه ذريعة ليقتل الشيخ أو يحبسه على أقل تقدير فأقام مأدبة في القلعة ودعا إليها العلماء والمماليك والوجهاء والفقراء ونادى في الناس أن من تخلف عن دعوة الوالي فسوف يجلد أمام العامة في ميدان الأزهر .. وادَّعى أن رفض الدعوة أو قبولها مع عدم الأكل عصيان لولي الأمر كل ذلك وهو يَتَحَسَّب لرفض الدردير الأكل لعلمه أنه لا يأكل من طعام فيه شبهة حرام.

فذهب الدردير مع الناس وجلس على المأدبة التي فيها الوالي وجَعل مكانه أول مكان عن يمينه فقعد رحمه الله والغضب باد على وجهه وهو يدعو ويتمتم بكلام لا يسمعه أحد .. فنظر إليه الوالي وعنّفه أمام الناس وقال : أتعصي ولي الأمر يا شيخ أحمد ؟ أهكذا يأمركم القرآن والسنة ؟ .. أهكذا تعلمتم من السادة العلماء وهكذا تعلّمون طلاب العلم عندكم ؟ فأجابه سيدي أحمد رضي الله عنه : ” والله لولا علمي بأني إن تخلفتُ فسيتخلف خَلْق من الناس والطلاب وأتسبب في جلدهم ما كنتُ لَبَّيْتُ دعوتكم ولا جلست على موائدكم وأنتم تعرفون أني لا أحب القرب من السلاطين ولا العمل في الدواوين ولا أحب أن آكل شيئا لا أعرف من أين اكتُسب ولا ممن أُخذ وغُصب ”.

فقال الوالي وقد أدرك أنه بلغ غايته من الشيخ وأنه سوف يرتكب خطأ يسجن بسببه : ” أتزعم أن مالنا حرام يا شيخ أحمد وليس لديك بينة ولا دليل هذا قذف للناس واتهام لضمائرهم وأنتم معشر الفقهاء أعرف الناس بحكم القذف والتشهير .. فأجابه الدردير وقال على رؤوس الأشهاد : ” إن كنت تريد دليلا فهاك الدليل ” .. وأمسك رحمه الله تعالى في قبضته بحفنة من الأرز أخذها من الطبق وعصرها وقال : اللهم أظهر الدليل والحجة على عيون الناس .. فنزل منها دم كأنه دم إنسان.

وبلغت ذروة ذلك في عام 1200 هجرية عندما هاجم اتباع مراد بك حي الحسينية ونهبوا بيوت الناس فضجوا بالشكوى واستنجدوا بالشيخ .. وتعالت اصوات النداء ” يا عدوي ” من فوق مآذن الجامع الأزهر حيث عطلت الدراسة وأغلقت الأبواب واقيمت المتاريس وقرعت الطبول واعلن الشيخ انه سوف يهاجم بيوت المماليك كما يفعلون مع الناس فخافوا وذهبوا للشيخ واعادوا ما نهبوه .. وقد مرض رضى الله عنه أواخر أيامه ولزم الفراش مدة حتى توفي في السادس من شهر ربيع الأول سنة 1201 هـجريا الموافق 27 ديسمبر سنة 1786 م. وصلي عليه بالجامع الأزهر بمشهد عظيم حافل ودفن بزاويته التي أنشأها بجوار ضريح يحيى بن عقبة ..

وترك أبو البركات من بعده مجموعة كتب ورسائل من أجل ما ترك العلماء فى الفقه والشريعة والتصوف مازالت الجامعات الإسلامية فى مشارق الأض ومغاربها يدرسونها وينتفعون منها كما اشتهر رحمه الله تعالى بمنظومته الشعرية في جمع الأسماء الحسنى والتوسل بها إلى الله تعالى مثلما اشتهر بمؤلفاته وشروحه.

ومن مؤلفاته المعروفة : شرح مختصر خليل الذي هو عمدة الفقه المالكي أورد فيه خلاصة ما ذكره الأجهوري والزرقاني واقتصر فيه على الراجح من الأقوال .. أقرب المسالك لمذهب الإمام مالك متن في فقه المالكية فرغ من تأليفه سنة 1163هـ وطبع بالقاهرة عام 1321هـ ثم تعددت طبعاته بعد ذلك .. الشرح الصغير على أقرب المسالك وصل فيه إلى باب الجناية ثم أكمله تلميذه الشيخ مصطفى العقباوي وهذا الشرح هو الذي أقرَّه جميع المالكية في الفتوى وعليه مشهور المذهب المالكي والأقوال المعتمدة فيه واعتمده الشيوخ في تلقين المذهب للطلاب وفي الفتاوى على مذهب الإمام مالك وقد طبع في بولاق بالقاهرة سنة 1211هـ.

ومن مولفاته أيضا : نظم الخريدة السَّنيَّة في العقيدة السُّنيَّة في علم التوحيد على مذهب الأشاعرة وشرحها كذلك .. تحفة الإخوان في آداب أهل العرفان في التصوف .. شرح على ورد الأذكار للشيخ كريم الدين الخلوتي .. شرح مقدمة نظم التوحيد للسيد محمد كمال البكري .. رسالة في المعاني والبيان في علوم البلاغة .. رسالة أفرد فيها طريق حفص في القراءات .. رسالة في المولد النبوي الشريف.

رسالة في شرح قول الوفائية ” يا موالي يا واحد يا موالي يا دائم يا عليُّيا حكيم ” .. شرح على رسالة الشيخ البيلي في مسألة ” كل صالة بطلت على اإلمام بطلت على المأموم ” .. شرح على منظومة للشيخ أحمد البيلي في المستثنيات .. شرح على رسالة في التوحيد من كلام العلامة الدمرداش .. رسالة في الاستعارات الثلاث .. شرح على آداب البحث والتأليف .. شرح على الشمائل المحمدية ولم يتمه .. رسالة في صلوات شريفة اسمها المورد البارق في الصلاة على أفضل الخلائق.

التوجه الأَسْنَى بنظم الأسماء الحسنى وتسمى بمنظومة الدردير أو منظومة الأسماء الحسنى للدردير .. مجموعٌ ذكر فيه أسانيد الشيوخ الذين أخذ عنهم العلم .. شرح على رسالة قاضي مصر عبد الله أفندي المعروف بططر زاده في قوله تعالى {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ} الآية .. رسالة في متشابهات القرآن .. رسالة تحفة السير والسلوك إلى ملك الملوك .. العقد الفريد في إيضاح السؤال عن التوحيد .. متن الخريدة البهية في علم التوحيد .. تحفة السير والسلوك إلى ملك الملوك).

56 / ديوان قاسم المصري

من أهم الزجالين وشعراء الموشحات في العصر العثماني الأديب قاسم بن عطاء الله المصري المتوفي بالقاهرة عام 1204 هـ / 1790 م ، وله مقطوعات شعرية عديدة منها ما جاء في إطار المراسلات والمطارحات مع أدباء عصره ، ومن أشهر أبياته التي جرت على ألسنة العامة قوله في عام 1199 هـ : يا أهل مصر استبشروا .. فالله فرج كربكم .. وأتى الرخاء مؤرخا .. عام بفضل الله عم ، وذلك بمناسبة ما أصاب البلاد من المجاعة الشديدة عام 1198 هـ فتفاءل الناس بقوله كما يقول الجبرتي : فكان الفأل بالمنطق وأخذت الأشياء في الانحلال قليلا.

وقد ترجم له الجبرتي في كتابه عجائب الآثار وذكر جكلة من أزجاله فقال : ” الفاضل النحرير الذي وقف الأدب عند بابه ولاذت أربابه بأعتابه النبيه النبيل واللوذعي الجليل قاسم بن عطا الله المصري الأديب ، ولد بمصر وبها نشا وقرا في الفنون على بعض أهل عصره وحفظ الملحة والألفية وغيرهما واشتهر بفن الأدب والتوشيح والزجل وكان يعرف أولًا بالزجال أيضًا لإتقانه فيه وصار وحيد عصره في هذه الفنون بحيث لا يحاربه أحد مع ما لديه من الارتجال في الشعر مع غاية الحسن ، وأما في فن التاريخ فإليه المنتهى مع السلاسة والتناسب وعدم التكلف فيه.

وكان الشيخ السيد العيدروس رحمه الله تعالى يتعجب منه ويقول : هو ممن يلقنه جني ، ومن نوادره العجيبة هذان البيتان في تاريخ العام الجديد وهما يشتملان على ستة وثلاثين تاريخًا وهما : حارست عام اللقا ينجيك لي ملكًا زانت معاليك جرى العام فيك جيلي .. تلقى جمال طويل العمر صاينة يجلو صداك ترى في العز نجل علي ، ومدح المرحوم السيد أبا هادي الوفائي بقصايد طنانة وكناه أبا القبول وقربه إليه وأدناه ، ومن مدايحه في المولى المعظم السيد محمد أبي الأنوار بن وفا حفظه الله تعالى :

لبني الوفا لا شك خير الباب وبه السرور ونزهة الألباب .. باب غدا لأولي الولاية مركزًا وهو المحيط ومجمع الأقطاب .. يا آل طه إن لي في بابكم خدًّا أمرغه على الأعتاب .. ووسيلتي طول المدى بمحمد نجل الوفا من سائر الأوصاب .. السيد المولى السمي لجده اﻟمختار خير العجم والأعراب .. العالم العلم المنير ومن له شرف عليَّ لازم الإيجاب .. كشاف كنز العلم خازن دره روض العلوم ومنهج الطلاب ، وله فيه غرر قصايد فريدة ذكرها العلامة السيد حسن البدري العوضي في اللوايح الأنوارية والمدايح الأنوارية.

ومن فوايده التي انفرد بها عن أبناء عصره هذه الأبيات الستة : مولاي حزت مهابة وبلغت خير مآثر .. السعد جاءك مقبلًا صفو بحسن سرائر .. دامت لعزك بهجة بجمال وقتت باهر .. لا تخش كيد حواسد مولاك أكرم ناصر .. كن في سرور آمنًا وكفيت شر مناظر .. قد لاح عزك آهلًا بعلاك عبد القادر.

واجتمع يومًا في مجلس به جماعة من الأدبا كالشيخ محمد بن الصلاحي والشيخ عامر الزرقاني وكان الوقت مطيرًا وقد جادت السما فأعطت من قطر السحاب درًّا وعبيرًا فقال ابن الصلاحي مرتجلًا : لقدومكم ضحك الغما م فعلم العين البكا .. ما ذاك إلا أنه لنواك كفك قد حكى ، فقال المترجم في الحال : أفديك بالعينين يا نجل الصلاح مع الذكا .. هطل الغمام كأنه لعزيز جاهك قد شكا .. ثم أنشد ابن الصلاحي : نقط الطل باللآلي عروسًا جليت من جمالكم في منصه .. جعل الله جمعكم جمع تصحيـ ـح ليقضي المحب بالأنس فرصه.

وللمترجم تشطير أبيات ابن الصلاحي : هات لي قهوة الشفا من شفاهك أنت زاه والروض حسن انتزاهك .. لا تغرنك دلتي يا مفدى واسقنيها على فخامة جاهك .. عاطنيها يا أوحد العصر لطفًا وانعطافًا واعطف على أوَّاهك .. بالمعالي غدوت حلو المعاني وبديع المثال في أشباهك .. يا غزالًا لو صور البدر شخصًا لم يقايسك لا وحق إلهك .. وإذا ما وافاك كل مليح (ليضاهيك في البها لم يضاهك .. عاطنيها يا حب جهرًا ولا تخ تر زحافًا عن صبك المتناهك .. لا تشافه بها سواي ولا تفـش ملامًا فلذتي في شفاهك .. عاطنيها ولا تدع لي حراكًا واتخذها لعفتي عن مياهك .. أنا في الصحو لو تنبهت جهدي لست أقوى على كمال انتباهك .. هاتها والرخاخ في غفلات وقاع الرضا زهت من تجاهك .. ثم فرزن فأنت أفرس منهم لا تدعهم فيفتكوا في شياهك.

وكان المترجم في مجلس من الأدباء فكتب إلى ابن الصلاحي يستدعيه الحضور لذلك المجلس ما نصه : مولاي يا نجل الصلاحي فديت منا بالنواظر .. امنن وصحح جمعنا بجميل ذاتك والمآثر .. وإذا حضرت تفضلًا فاللطف عادات الأكابر .. نثر الغمام على الربا من فيضه يتم الجواهر .. ونريد نحظى عند نطق ـك بالفرائد والأزاهر.

وكتب للسيد محمد الطنبولي ما نصه : طلعت أنجم المسرة ترنو بعيون الهوى لبدر علاها .. وعليها من الغرام غمام فإذا ما بدا الهلال جلاها .. والفتى ابن الصلاح أعظم قدرًا من بدور الوفا وشمس علاها ، فكتب ابن الصلاحي مرتجلًا قبل حضوره : أتاني وذيل الأنجم الزهر يعثر وكف الثريا للفراقد تستر .. قد نثر الدر المنظم فازدرى بما كان من در السحائب يقطر .. وكيف ودر القطر در مبدد ونظمكم عقد من الروض مثمر .. فحرك شوقًا كان من قبل في الحشا كمينًا؛ لأن الشيء بالشيء يذكر .. فجئناكم سعيًا على العين لم يكن ليمنعني خوفًا ولا ما يعثر .. ولا زال هذا الجمع جمع سلامة وجمع أعاديه قليل مكسر.

وقال مشطرًا بيتي ابن الصلاحي : لقد حركت نفسي إلى ذلك الحمى مهامه عيس أنهلتها المهامه .. مراحم أبديها بغير مزاحم منزل تمت لي بهن منازه .. أنفسي مهلًا ليس بالسعي يبتغى مشارب فيها للرجال مشاره .. عليك بحسن الصبر يا نفس إنها مكارم حلت دونهن المكاره.

وللمترجم قصايد ومقاطيع ومدايح وموشحات وأزجال وتواريخ لا تحصى ولا تسبر ولا تعد ولا تستقصى وقد تقدم بعض منها في تراجم الممدوحين ومنها المزدوجة التي مدح بها الأمير رضوان كتخذا عزبان الجلفي ، والموشحات المشهورة بين أرباب الفن والأغاني وهو شيء كثير جدًّا ، توفي في يوم الجمعة خامس شوال من السنة وأرخ وفاته العلامة الشيخ عبد الرحمن البشبيشي  رحمه الله تعالى بقوله : در نظمي أرخوه قاسم في الخلد يرحل “.

57 / تاج العروس

(تاج العروس من جواهر القاموس) هو أضخم معجم في اللغة العربية يشمل في ثناياه اقتباسات أدبية وشواهد شعرية ومعلومات تاريخية وجغرافية ولغوية حتى صار بمثابة دائرة معارف كبرى ، وهو من تصنيف أبي الفيض محمد بن محمد بن عبد الرزاق الحسيني الواسطي الحنفي المعروف بلقب المرتضى الزبيدي والذي ولد في الهند عام 1145 هـ / 1732 م وتوفي في القاهرة عام 1205 هـ / 1790 م ويرجع في نسبه إلى الأشراف الحسينيين وهو عالم ولغوي ومحدث ونسابة عاش في مصر في العصر العثماني.    

أصله من واسط في العراق وولد في بلدة بلكرام بالهند ونشأ في زَبِيدٍ باليمن ورحل إلى الحِجاز وأقام بمِصر وبها توفي بمرض الطاعون ، اشتغل على المحدث محمد فاخر بن يحيى والدهلوي فسمع عليه الحديث وأجازه ثم ارتحل لطلب العلم فدخل مدينة زبيد وأقام بها مدة طويلة حتى قيل له الزبيدي وبها اشتهر ، وحجّ مرارًا وأخذ العلم عن نحو من ثلاث مئة شيخ ذكرهم في معاجمه الكبير والصغير وألفية السند وشرحها حتى قال عن نفسه في ألفيته : وقلَّ أن تَرَى كتابًا يُعتمَد .. إلا ولي فيهِ اتِّصالٌ بالسَّنَد.

دخل مصر في التاسع من صفر سنة 1167 هـ وسكن بحي الصاغة واتصل بشيوخ عصره فيها وتتلمذ على أيديهم ومنهم الشيخ علي المقدسي الحنفي والشيخ أحمد الملوي والشيخ علي الصعيدي العدوي والشيخ الجوهري والشيخ البليدي والشيخ المدابغي ، وقد تلقى عنهم وأجازوه وشهِدوا بعلمه وفضله وجَوْدة حفظه ، وحظي برعاية الأمير إسماعيل كتخدا عزبان واشتهر أمره وعرفه العامة والخاصة وسافر إلى الصعيد ثلاث مرات واجتمع بأعيانه وأكابره وعلمائه ونال التكريم والهدايا من شيخ العرب همام وإسماعيل أبو عبد الله وأبو علي وأولاد نصير وأولاد وافي.

قال عنه محدث بلاد الشام الوجيه عبد الرحمن الكزبري : ” إمام المسندين وخاتمة المحدثين ” ، وقال عنه الزركلي في ترجمته في متابه الأعلام : ” زاد اعتقاد الناس فيه حتى كان في أهل المغرب كثيرون يزعمون أن من حج ولم يزر الزبيدي ويصله بشئ لم يكن حجه كاملا ! ” ، وقال عنه الحافظ ابن عبد السلام الناصري المغربي في رحلته لما ترجمه فيها : ” ألفيته عديم النظير في كمال الاطلاع والحفظ واللغة والأنساب فهو والله سيوطي زمانه انخرق له من العوائد ما انخرق لابن شاهين وابن حجر والسيوطي ” ، وقال عنه عالم مصر الشمس محمد بن علي الشواني الأزهري : ” شيخ الإسلام علامة الأنام ناشر لواء السنة المحمدية وواصل الأسانيد النبوية أبو الجود وأبو الفيض “.

ومن مؤلفاته كتاب عقود الجواهر المنيفة في أدلة مذهب الإمام أبى حنيفة وكتاب رفع الشكوى وترويح القلوب في ذكر ملوك بني أيوب وكتاب إيضاح المدارك في الإفصاح عن العواتك وكتاب بلغة الأريب في مصطلح آثار الحبيب وكتاب تخريج أحاديث إحياء علوم الدين وكتاب حكمة الإشراق إلى كتاب الآفاق وكتاب عقد الجمان في بيان شعب الإيمان وكتاب تحقيق الوسائل لمعرفة المكاتبات والرسائل وكتاب جذوة الاقتباس في نسب بني العباس وكتاب الروض المعطار في نسب السادة آل جعفر الطيار وكتاب مزيل نقاب الخفاء عن كنى سادتنا بني الوفاء وكتاب العرائس المجلوة في ذكر أولياء فوة ، وله مجموعة أمالي (أي إملاءات من آثار وأشعار) ألقاها في مجلسه بزاوية القطب شمس الدين أبي محمود الحنفي.

وقد استهل كتابه تاج العروس بمقدمة ذكر فيها كافة المراجع التي اعتمد عليها حيث قال : ” بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم .. أَحْمَدُ مَنْ قَلَّدَنَا مِنْ عِقْد صِحاح جَوْهرِ آلائه وأَوْلَانا من سَيْب لُباب مُجْمَل إحسانه وإِعطائه وأَفاض علينا من قَامُوس بِرِّه المُحيط فائقَ كَرَمِه وباهرَ إسدائه ، وَأشْهد أَن لَا إِله إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ شَهَادَة يُورِدنَا صدقُ قولِها المأْنوسِ مَوْرِدَ أَحبابِه ومَشَارِبَ أَصفيائه.

وأَشهد أَن سيّدنا ومولانا مُحَمَّدًا السيِّدَ المُرتضَى والسَّنَد المُرتَجَى والرسولَ المُنتَقَى والحبِيبَ المجتَبَى المصباحُ المضيءُ المزهِر بمِشكاة السرِّ اللامع المَعْلَمِ العُجاب والصُّبحُ اللامع المُسفِرُ عَن خَبايا أَسرارِ ناموسِ الصِّدق والصَّواب مُستقْصَى مَجمَعِ أَمثال الحِكَم بل سِرّ أَلِفْ بَا فِي كلِّ بابٍ وكتَاب والأَساس المُحكم بتهذيب مَجدِه المتلاطِم العُباب صلى الله عَلَيْهِ وعَلى آلِه وأَصحابه خير صحْبٍ وَآل مَطالعِ العزّ الأَبديّ من موارٍ د الفخْر والكمال ومشارِقِ المجدِ والجَلال مَا أَعرَب المُعرِب عَن كلِّ مُغْرِب وسَحَب ذيْلَ إِعجازِه على كُل مُسْهِب ونطقَ لسانُ الفصيحِ فِي نِهَايَة جمهرةِ مَجدِهم الصرِيحِ المُرقِص المُطرِب وسلّم تَسْلِيمًا كثيرا كثيرا.

وَبعد ، فَإِن التصنِيف مِضمارٌ تنَصبُّ إِليه خَيلُ السِّباق من كلّ أَوْب ثمَّ تَتجارى فمِن شَاطٍ بَعيد الشأْوِ وَسَاعِ الخَطْو تَشخَص الخيلُ وراءَه إِلَى مُطهَّم سَبَّاقٍ فِي الحَلْبَة مِيفاءٍ على القَصَبة ، وَمن لاحقٍ بالأُخريات مُطَّرَح خلْف الأَعقاب مَلطومٍ عَن شَقِّ الغُبارِ مَوْسُوم بالسُّكَّيت المخلَّف ، وَمن آخذٍ فِي القَصْدِ مُتنزّل سِطَةَ مَا بَينهمَا قد انحرف عَن الرَّجَوَيْنِ وجَال بَين القُطرَيْن فَلَيْسَ بالسَّبَّاق المُفرِط وَلَا اللَّاحِق المُفرِّط.

وَقد تصدَّيتُ للانصباب فِي هَذَا المِضمار تَصَدِّىَ القاصِد بِذَرْعِه الرّابِع على ظَلْعِه فتدبَّرتُ فُنونَ العِلم الَّتِي أَنا كائنٌ بصَدَدِ تكمِيلِها وقائمٌ بإِزاء خِدْمَتِها وتَحصيلها ، فصادفتُ أَصْلَها الأَعظم الَّذِي هُوَ اللغةُ العربيَّةُ خَلِيقَة بالمَيْلِ فِي صَغْو الاعتناءِ بهَا والكدْح فِي تقويمِ عِنادِها وإعطاءِ بَداهةِ الوَكْدِ وعُلالَته إِيَّاهَا.

وَكَانَ فِيهَا كتابُ الْقَامُوس الْمُحِيط للْإِمَام مَجْدِ الدّين الشِّيرازي أجلَّ مَا أُلّف فِي الْفَنّ لاشْتِمَاله على كلِّ مُستحسَن من قُصارَى فصاحة العَرَبِ العَرْبَاء وبيضةِ منطِقها وزُبدة حِوارِها والرُّكْنَ البديع إِلَى ذَرابة اللِّسَان وغَرابَةِ اللَّسَن حَيْثُ أَوْجَزَ لفظَه وأشْبَعَ مَعْنَاهُ وقَصَّرَ عِبارَته وَأطَال مَغْزاه ، لَوَّح فأَغرَقَ فِي التَّصْرِيح وكَنى فأغنى عَن الإفصاح وقَيَّدَ مِن الأوابد مَا أَعرض واقتنصَ من الشوارد مَا أكثب إِذْ ارْتبط فِي قَرَنِ تَرتيب حُرُوف المعجم ارتباطاً جنحَ فِيهِ إِلَى وَطْءِ مِنهاجٍ أَبْيَنَ من عَمود الصُّبح غيرَ مُتجانِفٍ للتطويل عَن الإيجاز.

وَذَلِكَ أَنه بَوَّبَه فأَورَد فِي كلِّ بابٍ من الحروفِ مَا فِي أوّله الْهَمْز ثمَّ قَفَّى على أثرِه بِمَا فِي أَوّله الْبَاء وهَلُمّ جَرًّا إِلَى مُنْتَهى أبوابِ الْكتاب ، فَقدم فِي بَاب الْهمزَة إيّاها مَعَ الْألف عَلَيْهَا مَعَ الْبَاء وَفِي كلّ بابٍ إِيَّاهَا مَعَ الألفِ على الباءين وهلُمّ جرًّا إِلَى مٌنتَهَى فصولِ الْأَبْوَاب وَكَذَلِكَ رَاعى النَّمط فِي أوساطِ الكَلِم وأواخرِها وقدّم اللاحِقَ فاللاحق.

ولعَمْرِي هَذَا الكتابُ إِذا حُوضِر بِهِ فِي المحافل فَهُوَ بَهاءٌ وللأفاضل مَتى ورَدُوه أُبَّهة قد اخترق الْآفَاق مُشْرِّقاً ومُغَرِّبا وتدارك سَيرُه فِي الْبِلَاد مُصَعِّداً ومُصَوِّبا وانتظم فِي سلكِ التذاكِر وإفاضَةِ أَزْلامِ التناظُر ، ومَدّ بحرَه الكامِل البَسِيط وفاض عُبابُه الزاخِر المُحيط وَجَلَّت مِنَنُه عِند أهل الفنّ وبُسِطَتْ أَياديه واشتهر فِي المدارِس اشتهارَ أَبى دُلَفَ بَين مُحتضَرِه وبادِيه وخفّ على المدرِّسين أَمْرُه إِذْ تناولوه وقَرُب عَلَيْهِم مأْخَذُه فتداوَلُوه وتَنَاقَلُوه.

وَلما كَانَ إبرازُه فِي غَايَة الإيجاز وإيجازه عَن حدِّ الإعجاز تَصدَّى لكشف غوامضه ودقائقه رجالٌ من أهل الْعلم شكر الله سَعْيَهم وأدامَ نَفْعَهم فَمنهمْ من اقْتصر على شرح خُطبته الَّتِي ضُرِبت بهَا الْأَمْثَال وتداولها بالقَبولِ أهلُ الكَمال كالمُحِبِّ ابنِ الشِّحنة وَالْقَاضِي أبي الرّوح عِيسَى ابْن عبد الرَّحِيم الكَجَراتي والعَلاّمة مِيرزا عَليّ الشّيرازيّ.

وَمِنْهُم من تَقيَّد بِسَائِر الْكتاب وغرَّدَ على أفنانِه طائرُه المُستطاب كالنُّور عليِّ بن غَانِم المقدسيّ والعلاّمة سَعدي أَفَنْدِي وَالشَّيْخ أبي مُحَمَّد عبد الرءوف المَناويّ وسمّاه (القوْلَ المأْنوس) وَصَل فِيهِ إِلَى حرف السِّين الْمُهْملَة وَأَحْيَا رُفاتَ دارِس رُسومِه المُهملة كَمَا أَخْبرنِي بعضُ شُيوخ الأوان وَكم وجَّهْت إِلَيْهِ رائد الطّلب وَلم أقِف عَلَيْهِ إِلَى الْآن ، والسيّد الْعَلامَة فَخر الْإِسْلَام عبد الله ابْن الإِمَام شرف الدّين الحَسني مَلك اليَمن شَارِح (نظام الْغَرِيب) المتوفّى بحِصن ثُلا سنة ٩٧٣ وَسَماهُ (كَسْر الناموس) والبدْر مُحَمَّد بن يحيى القَرافي وَسَماهُ (بهجة النُّفُوس فِي المُحاكمة بَين الصّحاح والقاموس) جمعهَا من خُطوط عبد الباسط البَلْقِينِيّ وسَعدي أَفَنْدِي وَالْإِمَام اللّغَوِيّ أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن عبد الْعَزِيز الفَيْلالي المتشرّف بخلْعة الْحَيَاة حِينَئِذٍ شَرحه شرحاً حسنَا، رَقَى بِهِ بَين المحقّقين المقامَ الْأَسْنَى وَقد حدَّثنا عَنهُ بعضُ شُيُوخنَا.

وَمن أَجمع مَا كُتِب عَلَيْهِ مِمَّا سمعتُ ورأيتُ شرحُ شَيخنَا الإِمَام اللغويّ أبي عبد الله مُحَمَّد بن الطّيِّب بن مُحَمَّد الفاسيّ المتولّد بفاس سنة ١١١٠ والمتوفَّى بِالْمَدِينَةِ المنوَّرة سنة ١١٧٠ ، وَهُوَ عُمدتي فِي هَذَا الفنّ والمقلِّد جِيدي العاطل بِحُلَى تقريرِه المستحسن وشَرحُه هَذَا عِنْدِي فِي مجلّدين ضخمين.

وَمِنْهُم كالمستدرِك لما فَاتَ والمُعترِض عَلَيْهِ بالتعرُّضِ لما لم يَأْتِ كالسيد الْعَلامَة عليّ بن مُحَمَّد مَعصوم الحُسيني الفارسيّ وَالسَّيِّد الْعَلامَة مُحَمَّد بن رَسول البَرَزنجيّ، وَسَماهُ (رجل الطاووس) وَالشَّيْخ المَناويّ فِي مجلّد لطيف ، وَالْإِمَام اللّغَوِيّ عبد الله بن المَهديّ بن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن مَسْعُود الحواليّ الحِميريّ الملقب بالبحر من عُلَمَاء الْيمن الْمُتَوفَّى بالظهرين من بِلَاد حَجَّة سنة ١٠٦١ استدرك عَلَيْهِ وعَلى الجوهريّ فِي مُجَلد وأَتهَم صِيتُه وأَنجد وَقد أَدركه بعض شُيُوخ مَشَايِخنَا واقتبس من ضوء مشكاته السنا.

والعلامة ملاّ عَليّ بن سُلْطَان الْهَرَوِيّ وَسَماهُ (الناموس) وَقد تكفل شيخُنا بالرّدّ عَلَيْهِ فِي الْغَالِب كَمَا سنوضحه فِي أثناءِ تَحْرِير المطالب ، ولشيخ مَشَايِخنَا الإِمَام أبي عبد الله مُحَمَّد بن أَحْمد المسناوِيّ عَلَيْهِ كتابةٌ حَسَنَة وَكَذَا الشَّيْخ ابْن حجر المكّيّ لَهُ فِي التُّحْفَة مناقشات مَعَه وإيرادات مستحسنة ، وللشهاب الخفاجي فِي العِناية محاورات مَعَه ومطارحات ينْقل عَنْهَا شَيخنَا كثيرا فِي المناقشات ، وَبَلغنِي أَن الْبُرْهَان إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد الْحلَبِي الْمُتَوفَّى سنة ٩٠٠ قد لخّص الْقَامُوس فِي جزءٍ لطيف.

وآيم اللهِ إِنَّه لمَدْحضَه الأَرْجُل ومخبرَة الرِّجال بِهِ يتخلّص الخبيثُ من الإبريز ويمتاز الناكِصون عَن ذَوي التبرِيز ، فَلَمَّا آنست من تَناهِي فاقَةِ الأفاضل إِلَى استكشافِ غوامِضه والغوْص على مُشكِلاتِه وَلَا سيّما من انتدب مِنْهُم لتدريس علم غَرِيب الحَدِيث وإقراء الكُتب الْكِبَار من قوانين الْعَرَبيَّة فِي الْقَدِيم والْحَدِيث فنَاط بِهِ الرغبةَ كلُّ طَالب وعشا ضوءَ نارهِ كلُّ مُقتبِس ووجّه إِلَيْهِ النُّجعةَ كلُّ رائد ، وَكم يتلقّاك فِي هَذَا الْعَصْر الَّذِي قَرِعَ فِيهِ فِناءُ الْأَدَب وصَفِر إناؤه اللَّهُمَّ إِلَّا عَن صَرِمَة لَا يُسْئِر مِنْهَا القابِض وصُبابة لَا تَفْضُل عَن المُتبرِّض من دَهْماءِ المنتحلين بِمَا لم يُحسنوه المتشبِّعين بِمَا لم يَملِكُوه من لَو رجعْتَ إِلَيْهِ فِي كَشْفِ إِبْهَام مُعضِلةٍ لَفتَلَ أَصابِعه شَزْرا ولا حمرَّت دِيباجتَاه تَشُّررا أَو تَوقَّح فَأَساءَ جابةً فَافتضح وَتكشف عَواره.

قرَعْتُ ظُنبوب اجتهادي واستسعَيْتُ يَعْبوب اعتنائي فِي وضع شرحٍ عَلَيْهِ ممزوجِ الْعبارَة جامعٍ لموادّه بالتصريح فِي بعضٍ وَفِي الْبَعْض بِالْإِشَارَةِ وافٍ بِبَيَان مَا اختلَف من نُسخه والتصويب لما صحّ مِنْهَا مِن صَحِيح الأُصول حاوٍ لذِكْر نُكَتِه ونوادِره والكشفِ عَن مَعَانِيه والإنباه عَن مَضارِبه ومآخذه بصرِيح النُّقول والتقاطِ أبياتِ الشواهد لَهُ ، مستمدًّا ذَلِك من الْكتب الَّتِي يَسّر الله تَعَالَى بفضلِه وُقُوفِي عَلَيْهَا وحَصل الاستمدادُ عَلَيْهِ مِنْهَا ونقلْتُ بِالْمُبَاشرَةِ لَا بالوسائط عَنْهَا لَكِن على نُقصانٍ فِي بَعْضهَا نقصا متفاوتاً بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْقلَّة وَالْكَثْرَة وَأَرْجُو مِنْهُ سُبْحَانَهُ الزيادةَ عَلَيْهَا.

فأَوّل هَذِه المصنفات وأعلاها عِنْد ذَوِي البراعة وأَغلاها كتابُ الصِّحَاح للْإِمَام الْحجَّة أبي نصر الْجَوْهَرِي وَهُوَ عِنْدِي فِي ثَمَانِي مجلدات بِخَط ياقوت الرُّومِي وعَلى هوامشه التقييدات النافعة لأبي مُحَمَّد بن بَرِّيّ وَأبي زَكَرِيَّا التّبريزيّ ظَفرت بِهِ فِي خِزانة الْأَمِير أزبك ، والتهذيب للْإِمَام أبي مَنْصُور الأزهريّ فِي سِتَّة عشر مجلداً ، والمُحكم لِابْنِ سَيّده فِي ثَمَان مجلّدات ، وتهذيب الْأَبْنِيَة وَالْأَفْعَال لأبي الْقَاسِم ابْن القطاع فِي مجلدين.

ولسان الْعَرَب للْإِمَام جمال الدّين مُحَمَّد بن مُكرّم بن عليٍّ الإفْرِيقِي ثَمَان وَعِشْرُونَ مجلداً ، وَهِي النُّسْخَة المنقولة من مُسَوَّدة المُصَنّف فِي حَيَاته الْتزم فِيهِ الصِّحَاح والتهذيب والمحكم وَالنِّهَايَة وحواشي ابْن بَرّيّ والجمهرة لِابْنِ دُرَيْد ، وَقد حَدّث عَنهُ الحافظانِ الذهبيُّ والسُّبكيُّ ولد سنة ٦٣٠ وَتُوفِّي سنة ٧١١.

وتهذيب التَّهْذِيب لأبي الثَّنَاء مَحْمُود ابْن أبي بكر بن حَامِد التّنوخيِّ الأَرْمَوِيّ الدِّمشقيّ الشافعيّ فِي خمس مجلدات وَهِي مسوّدة المُصَنّف من وقف السميساطية بِدِمَشْق ظَفرت بهَا خِزانة الْأَشْرَف بالعنبرانيين ، الْتزم فِيهِ : الصِّحَاح والتهذيب والمحكم، مَعَ غَايَة التَّحْرِير والضبط المُحكم وَقد حدّث عَنهُ الْحَافِظ الذهبيُّ وترجمه فِي مُعجم شُيوخه ولد سنة ٦٤٧ وَتُوفِّي سنة ٧٢٣.

وَكتاب الغَريبين لأبي عُبيد الهَرَوِيّ k وَالنِّهَايَة فِي غَريب الحَدِيث لِابْنِ الْأَثِير الجَزريّ ، وكفاية المتحفّظ لِابْنِ الأَجدابيّ وشروحها ، وفصيح ثَعْلَب وشروحه الثَّلَاثَة: لأبي جَعْفَر اللبليّ وَابْن درسْتوَيْه والتدميري ، وَفقه اللُّغَة والمضاف والمنسوب كِلَاهُمَا لأبي مَنْصُور الثعالبي ، والعباب والتكملة على الصِّحَاح كِلَاهُمَا للرضِيّ الصاغانيّ ظَفرت بهما فِي خِزانة الْأَمِير صرغتمش.

والمصباح الْمُنِير فِي غَرِيب الشَّرْح الْكَبِير ، والتقريب لوَلَده الْمَعْرُوف بِابْن خطيب الدَّهْشة ، ومختار الصِّحَاح للرازيّ ، والأساس وَالْفَائِق والمستقصَى فِي الأمثالِ الثَّلَاثَة للزمخشريّ ،  والجمهرة لِابْنِ دُرَيْد فِي أَربع مجلدات ظَفرت بهَا فِي خِزانة المؤيّد ، وَإِصْلَاح الْمنطق لِابْنِ السّكّيت ، والخصائص لِابْنِ جنيّ وسر الصِّنَاعَة لَهُ أَيْضا ، والمُجمل لِابْنِ فَارس ، وَإِصْلَاح الْأَلْفَاظ للخطّابي ، ومشارق الْأَنْوَار للْقَاضِي عِيَاض ، والمطالع لتلميذه ابْن قرقول الأَخير من خزانَة الديري.

وَكتاب أَنساب الْخَيل وأَنساب الْعَرَب واستدراك الْغَلَط الثَّلَاثَة لأبي عُبيد الْقَاسِم بن سَلام ، وَكتاب السرج واللجام والبيضة والدرع لمُحَمد بن قَاسم بن عزْرَة الْأَزْدِيّ وَكتاب الْحمام وَالْهدى لَهُ أَيْضا ، وَكتاب المعرّب للجواليقي مُجَلد لطيف، ظَفرت بِهِ فِي خِزانة الْملك الأَشرف قايتباي رَحمَه الله تَعَالَى ، والمفردات للراغب الْأَصْبَهَانِيّ فِي مُجَلد ضخم ، ومشكل الْقُرْآن لِابْنِ قُتَيْبَة ، وَكتاب الْمَقْصُور والممدود وزوائد الأَمالي كِلَاهُمَا لأبي عَليّ القالي ، وَكتاب الأَضداد لأبي الطيّب عبد الْوَاحِد اللغويّ.

وَالرَّوْض الأُنف لأَبي الْقَاسِم السُّهيلي فِي أَربع مجلدات. ، وبغية الآمال فِي مستقبلات الْأَفْعَال لأبي جَعْفَر اللبليّ ، وَالْحجّة فِي قراآت الْأَئِمَّة السَّبْعَة لِابْنِ خالويه ، وَالْوُجُوه والنظائر لأبي عبد الله الْحُسَيْن بن مُحَمَّد الدامغانيّ ، وبصائر ذَوي التَّمْيِيز فِي لطائف كتاب الله الْعَزِيز ، والبُلغة فِي أَئِمَّة اللُّغَة وترقيق الأَسل فِي تصفيق العَسل وَالرَّوْض المسلوف فِيمَا لَهُ اسمان إِلَى الأُلوف والمثلثات الأَربعة للْمُصَنف ، والمزهر ونظام اللسد فِي أَسمَاء الأَسد وطبقات أَئِمَّة النَّحْو واللغة الثَّلَاثَة لِلْحَافِظِ السيوطيّ.

وَمجمع الأَنساب لأَبي الْفِدَاء إِسْمَاعِيل ابْن إِبْرَاهِيم البلبيسيّ الْحَنَفِيّ جمع فِيهِ بَين كتابَيِ الرشاطيّ وَابْن الأَثير ، والجزء الثَّانِي وَالثَّالِث من لباب الأَنساب للسمْعاني ، والتوقيف على مهمات التَّعْرِيف للمناوي ، وَألف بَا للأَلبّا لأبي الْحجَّاج الْقُضَاعِي البَلويّ ، وَكتاب المعالم للبلاذريّ ثَلَاثُونَ مجلدا ، وتبصير المنتبه بتحرير المشتبه لِلْحَافِظِ ابْن حجر العَسقلانّي، بِخَط سبطه يُوسُف بن شاهين. ، وَشرح ديوَان الهذليين لأبي سعيد السكريّ وَعَلِيهِ خطّ ابْن فَارس صَاحب المُجمل ، وَالْأول وَالثَّانِي والعاشر من مُعْجم ياقوت ظَفرت بِهِ فِي الخِزانة المحموديّة.

ومعجم الْبلدَانِ لأبي عُبيد البكريّ ، والتجريد فِي الصَّحَابَة والمغني وديوان الضُّعَفَاء الثَّلَاثَة لِلْحَافِظِ الذهبيّ ، ومعجم الصَّحَابَة لِلْحَافِظِ تَقِيّ الدّين ابْن فَهد بِخَطِّهِ ، والذيل على إِكْمَال الْإِكْمَال لأبي حَامِد الصابونيّ ، وتاريخ دمشق لِابْنِ عَسَاكِر خمس وَخَمْسُونَ مجلداً، وَبَعض أَجزَاء من تَارِيخ بَغْدَاد لِلْحَافِظِ أبي بكر الْخَطِيب والذيل عَلَيْهِ للبنداريّ، وَبَعض أَجزَاء من تَارِيخ ابْن النجّار ، وَكتاب الْفرق للحكيم الترمذيّ ، وَأَسْمَاء رجال الصَّحِيحَيْنِ لِلْحَافِظِ أبي الْفضل مُحَمَّد بن طَاهِر الْمَقْدِسِي وَلابْن رسْلَان أَيْضا.

وطبقات الْمُفَسّرين للداوُديّ ، وطبقات الشافعيّة للتاج السبكيّ وللقطب الخيضريّ ، والتكملة لوفيات النقَلة لِلْحَافِظِ زكيّ الدّين المنذريّ ، وَكتاب الثِّقَات لِابْنِ حبّان ، وَكتاب الْإِرْشَاد للخليلي ، والجواهر المُضِيَّة فِي طَبَقَات الْحَنَفِيَّة لِلْحَافِظِ عبد الْقَادِر الْقرشِي ، ولباب الأَنساب للسيوطي والذيل عَلَيْهِ للداوديّ ، وَمجمع الْأَقْوَال فِي مَعَاني الْأَمْثَال لمُحَمد بن عبد الرَّحْمَن أبي الْبَقَاء العُكبريّ ، ونزهة الأَنفس فِي الأَمثال لمُحَمد بن عَليّ العراقيّ ، وَشرح المقامات الحريريّة للشَّريشي.   

والوافي بالوفيات للصلاح الصَفدِيّ ، وَمن تَارِيخ الْإِسْلَام للذهبيّ عشرُون مجلداً ، وَشرح المعلقات السَّبْعَة لِابْنِ الأَنباريّ ، والحماسة لأبي تمّام حبيب بن أَوس الطائيّ الْمُشْتَملَة على عشرَة أَبْوَاب ، وَبَعض أَجزَاء من الْبِدَايَة وَالنِّهَايَة لِلْحَافِظِ عماد الدّين بن كثير ، والراموز لبَعض عَصْرِيِّي المصنّف ، والمثلّثات لِابْنِ مَالك ، وَطرح التثريب لِلْحَافِظِ وليّ الدّين العراقيّ ، والطالع السعيد، للأدفويّ ، والأنس الْجَلِيل لِابْنِ الحنبليّ ، والكامل لِابْنِ عديّ فِي ثمانِ مجلدات من خزانَة المؤيّد.

وحياة الْحَيَوَان للكمال الدَّميريّ وذيل السيوطيّ عَلَيْهِ ومستدركاته والإتقان فِي عُلُوم الْقُرْآن لَهُ أَيْضا ، وَالْإِحْسَان فِي عُلُوم الْقُرْآن لشيخ مَشَايِخنَا مُحَمَّد بن أَحْمد بن عقيلة ، وَشرح الشِّفَاء لِلشِّهَابِ الخفاجي وشفاء الغليل لَهُ أَيْضا ، وَشرح الْمَوَاهِب اللدُنّيّة لشيخ مَشَايِخنَا سيّدي مُحَمَّد الزُّرقاني ، وقوانين الدَّوَاوِين للأَسعد بن مَمّاتي ومختصره لِابْنِ الجيعان ، والخطط للمقريزيّ وَالْبَيَان وَالْإِعْرَاب عَمَّن بِمصْر من قبائل الْأَعْرَاب لَهُ أَيْضا.

والمقدمة الفاضليّة لِابْنِ الجوّانيّ نسابة مصر ، وجمهرة الأَنساب لِابْنِ حزم ، وعمدة الطَّالِب لِابْنِ عُتبة نسّابة الْعرَاق ، والتذكِرة فِي الطبّ للحكيم دَاوُد الْأَنْطَاكِي والمنهاج والتبيان كِلَاهُمَا فِي بَيَان العقاقير وَكتاب النَّبَات لأبي حَنيفة الدينوريّ ، وتحفة الأَحباب للْملك الغسانيّ ، وَغير ذَلِك من الْكتب والأجزاء فِي الْفُنُون الْمُخْتَلفَة مِمَّا يطول على النَّاظر استقصاؤها ويصعب على العادّ إحصاؤها ، وَلم آلُ جهداً فِي تحرِّي الِاخْتِصَار وسُلوك سَبِيل التنقية وَالِاخْتِيَار وَتَجْرِيد الأَلفاظ عَن الفَضلات الَّتِي يُسْتغْنَى عَنْهَا فِي حَطِّ اللثام عَن وَجْه المَعنى عِنْد ذَوي الأفكار.

 فجاءَ بِحَمْد الله تَعَالَى هَذَا الشرحُ واضحَ المَنهج كثير الْفَائِدَة سهْل السُّلوك مَوصول العائدة آمنا بِمِنَّة الله من أَن يصبح مثل غَيره وَهُوَ مطروح مَتْرُوك عظم إِن شاءَ الله تَعَالَى نفعُه بِمَا اشتملَ عَلَيْهِ وغَنِي مَا فِيهِ عَن غَيره وافتقر غيرُه إِلَيْهِ، وَجمع من الشواهد والأدلّة مَا لم يَجمَعْ مِثلُه مِثلَه ، لِأَن كل واحِدٍ من الْعلمَاء انْفَرد بقول رَوَاهُ أَو سَماعٍ أَدّاه فَصَارَت الفوائدُ فِي كتبهمْ مُفرَّقة وسارت أنجمُ الْفَضَائِل فِي أفلاكِها هَذِه مُغرّبةٌ وَهَذِه مُشرِّقة فَجمعت مِنْهَا فِي هَذَا الشرحِ مَا تَفرَّق وقرنت بَين مَا غرَّب مِنْهَا وَبَين مَا شرَّق.

فانتظم شَمْلُ تِلْكَ الأُصول والموادّ كُلِّها فِي هَذَا الْمَجْمُوع وَصَارَ هَذَا بمنزِلةِ الأَصْل وأُولئك بِمَنْزِلَة الْفُرُوع فجاءَ بِحَمْد الله تَعَالَى وَفْقَ البُغْيَة وَفَوق المُنْيَة بديعَ الإتقان صحيحَ الْأَركان سليما من لفظةِ لَو كَانَ ، حَللْتُ بِوَضْعِهِ ذِرْوَة الحُفّاظ وحَللت بجمعه عُقدةَ الأَلفاظ وَأَنا مَعَ ذَلِك لَا أَدّعي فِيهِ دَعْوَى فأَقول : شافَهْتُ أَو سَمِعت أَو شَددْتُ أَو رحَلت أَو أَخطأَ فلانٌ أَو أَصاب أَو غَلِطَ القائلُ فِي الْخطاب فكلُّ هَذِه الدَّعاوَى لم يَترك فِيهَا شيخُنا لقائلٍ مقَالا وَلم يُخْلِ لأَحدٍ فِيهَا مَجالا فَإِنَّهُ عُنِيَ فِي شرْحه عَمَّن رَوى وبَرْهن عَمَّا حَوَى ويَسَّر فِي خَطْبِه فادَّعى ولعمري لقد جَمع فأَوْعَى وأتى بالمقاصد ووَفى.

وَلَيْسَ لي فِي هَذَا الشَّرْح فضيلةٌ أَمُتُّ بهَا وَلَا وَسِيلَة أَتمسّك بهَا سوى أنني جمعتُ فِيهِ مَا تفرّق فِي تِلْكَ الكُتب من مَنْطُوق وَمَفْهُوم وبسطتُ القولَ فِيهِ وَلم أَشبَعْ باليسير وطالبُ العِلم مَنهوم ، فَمن وَقف فِيهِ على صَوابٍ أَو زلل أَو صِحّة أَو خَلل فعُهدتُه على المصنِّف الأول وحَمْدُه وذمُّه لأَصلِه الَّذِي عَلَيْهِ المُعوَّل لِأَنِّي عَن كلِّ كتابٍ نَقلتُ مَضمونه فَلم أُبدِّل شَيْئا فَيُقَال { فَإِنَّمَا إثمه على الَّذين يبدلونه } بل أَدَّيت الأَمانة فِي شرح الْعبارَة بالفَصّ وأوردتُ مَا زِدت على المؤلِّف بالنَّص وراعيت مناسَباتِ مَا ضَمَّنه من لُطف الْإِشَارَة ، فَلْيُعَدِّ من يَنقُل عَن شَرحي هَذَا عَن تِلْكَ الأُصول وَالْفُرُوع وليستغْن بالاستضواءِ بدُرِّيِّ بَيَانه الملموع فالناقلُ عَنهُ يَمُدّ باعَه ويُطلق لسانَه ويتنوَّع فِي نَقله عَنهُ لِأَنَّهُ ينقُل عَن خِزانَة.

وَالله تَعَالَى يشْكر مَنْ لَهُ بإلهام جمعه من منَّة وَيجْعَل بَينه وَبَين مُحَرِّفي كَلِمِه عَن مَواضعه واقيةً وجُنَّة وَهُوَ الْمَسْئُول أَن يُعاملني فِيهِ بفضله وإحسانه ويُعينني على إِتْمَامه بكرمه وامتنانه ، فإنني لم أقصد سوى حِفظِ هَذِه اللُّغَة الشَّرِيفَة إِذْ عَلَيْهَا مَدار أَحكامِ الْكتاب الْعَزِيز والسُّنّة النبويّة وَلِأَن العالِم بغوامضها يعلم مَا يُوَافق فِيهِ النيةَ اللسانُ وَيُخَالف فِيهِ اللسانُ النيّة وَقد جمعته فِي زمنٍ أَهله بِغَيْر لغته يفخرون وصَنعته كَمَا صنع نوح عَلَيْهِ السَّلَام الْفلك وَقَومه مِنْهُ يسخرون.

وسميته تَاج الْعَرُوس من جَوَاهِر الْقَامُوس ، وَكَأَنِّي بالعالم المنصِف قد اطّلع عَلَيْهِ فارتضاه وأَجال فِيهِ نظرة ذِي عَلَقٍ فاجتباه وَلم يلْتَفت إِلَى حُدُوث عَهده وقربِ ميلاده لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُستجاد الشَّيْء ويسترذل لجودته ورداءَته فِي ذَاته لَا لِقدَمِه وحُدوثه ، وبالجاهل المُشِطّ قد سَمِع بِهِ فسارع إِلَى تَمزيق فروته وتوجيه المَعاب إِلَيْهِ، ولمَّا يعْرفْ نَبْعَه من غَرَبِه وَلَا عَجم عُودَه وَلَا نَفض تهائمَه ونُجودَه وَالَّذِي غرَّه مِنْهُ أَنه عَملٌ محدثٌ وَلَا عمل قَديم ، وحسبك أَن الأشياءَ تُنتقد أَو تُبهرَج لِأَنَّهَا تَلِيدَة أَو طارِفة وَللَّه درُّ مَن يَقُول: إذَا رَضِيَتْ عَنّي كِرَامُ عشِيرَتِي .. فَلَا زَالَ غَضْبَاناً عَلَيَّ لِئامُها.

وأَرجو من الله تَعَالَى أَن يَرفع قدرَ هَذَا الشَّرْح بمنِّه وفَضْله وَأَن ينفع بِهِ كَمَا نَفع بأصلِه ، وَأَنا أَبرأ إِلَى الله عزّ وجلَّ من القُوَّة والحَوْل وإياه أَستغفر من الزَّلل فِي العَملِ وَالْقَوْل لَا إِلَه غَيره وَلَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُه وَصلى الله على سَيِّدنا محمدٍ وَآله وصحبِه وسَلَّم تَسْلِيمًا كثيرا “.

ذكره ابن إبراهيم البيطار الميداني الدمشقي في كتابه حلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر  فقال : ” السيد مرتضى الزبيدي بن محمد بن محمد بن محمد بن عبد الرزاق بن عبد الغفار بن تاج الدين بن حسين بن جمال الدين بن إبراهيم بن علاء الدين بن محمد بن أبي العز بن أبي الفرج بن محمد بن محمد بن محمد بن علي بن ناصر الدين بن إبراهيم بن القاسم بن محمد بن علي بن محمد بن عيسى بن علي بن زين العابدين بن الحسين السبط الإمام الفاضل والهمام الكامل.

قال صاحب عجائب الآثار في ترجمة هذا السيد المعدود من الأخيار ، هو علم الأعلام والساحر اللاعب بالأفهام الذي جاب في اللغة والحديث كل فج وخاض من العلم كل لج المذلل له سبل الكلام الشاهد له الورق والأقلام ذو المعرفة والمعروف وهو العلم الموصوف العمدة الفهامة والرحلة النسابة العلامة الفقيه المحدث اللغوي النحوي الأصولي الناظم الناثر.

ولد سنة خمس وأربعين ومائة وألف كما سمعته من لفظه ورأيته بخطه ، ونشأ ببلاده وارتحل في طلب العلم وحج مراراً واجتمع بالشيخ عبد الله السندي والشيخ عمر بن أحمد بن عقيل المكي وعبد القادر السقاف والمسند محمد بن علاء الدين المزجاجي وسليمان بن يحيى وابن الطيب واجتمع بالسيد عبد الرحمن العيدروس بمكة وبالشيخ عبد الله ميرغني الطائفي في سنة ثلاث وستين.

ونزل بالطائف بعد ذهابه إلى اليمن ورجوعه في سنة ست وستين فقرأ على الشيخ عبد الله في الفقه وكثيراً من مؤلفاته وأجازه ، وقرأ على الشيخ عبد الرحمن العيدروس مختصر السعد ولازمه ملازمة كلية وألبسه الخرقة وأجازه بمروياته ومسموعاته قال وهو الذي شوقني إلى دخول مصر بما وصفه لي من علمائها وأمرائها وأدبائها وما فيها من المشاهد الكرام فاشتاقت نفسي لرؤياها وحضرت مع الركب وكان الذي كان وقرأ عليه طرفاً من الإحيا وأجازه بمروياته.

ثم ورد إلى مصر في تاسع صفر سنة سبع وستين ومائة وألف وسكن بخان الصاغة وأول من عاشره وأخذ عنه السيد علي المقدسي الحنفي من علماء مصر وحضر دروس أشياخ الوقت كالشيخ أحمد الملوي والجوهري والحفني والبليدي والصعيدي والمدابغي وغيرهم ، وتلقى عنهم وأجازوه، وشهدوا بعلمه وفضله وجودة حفظه واعتنى بشأنه إسماعيل كتخدا عزبان وأولاه بره، حتى راج أمره وتورنق حاله.

واشتهر ذكره عند الخاص والعام ولبس الملابس الفاخرة وركب الخيول المسومة وسافر إلى الصعيد ثلاث مرات واجتمع بأكابره وأعيانه وعلمائه وأكرمه شيخ العرب همام وإسماعيل أبي عبد الله وأبي علي وأولاد نصير وأولاد وافي وهادوه وبروه ، وكذلك ارتحل إلى الجهات البحرية مثل دمياط ورشيد والمنصورة وباقي البنادر العظيمة مراراً حين كانت مزينة بأهلها عامرة بأكابرها وأكرمه الجميع واجتمع بأكابر النواحي وأرباب العلم والسلوك وتلقى عنهم وأجازوه وأجازهم.

وصنف عدة رحلات في انتقالاته في البلاد القبلية والبحرية تحتوي على لطائف ومحاورات ومدائح نظماً ونثراً لو جمعت كانت مجلداً ضخماً ، وكناه سيدنا السيد أبي الأنوار بن وفا بأبي الفيض وذلك يوم الثلاثاء سابع عشر شعبان سنة اثنتين وثمانين ومائة وألف وذلك برحاب ساداتنا بني الوفا يوم زيارة المولد المعتاد ، ثم تزوج وسكن بعطفة الغسال مع بقاء سكنة بوكالة الصاغة.

وشرع في شرح القاموس حتى أتمه في عدة سنين في نحو أربعة عشر مجلداً وسماه تاج العروس ، ولما أكمله أولم وليمة حافلة جمع فيها طلاب العلم وأشياخ الوقت بغيط المعدية وذلك في سنة إحدى وثمانين ومائة وألف وأطلعهم عليه واغتبطوا به وشهدوا بفضله وسعة اطلاعه ورسوخه في علم اللغة وكتبوا عليه تقاريظهم نظماً ونثرا.

فممن قرظ عليه شيخ الكل في عصره الشيخ علي الصعيدي والشيخ أحمد الدردير والسيد عبد الرحمن العيدروس والشيخ محمد الأمير والشيخ حسن الجداوي والشيخ أحمد البيلي والشيخ عطية الأجهوري والشيخ عيسى البراوي والشيخ محمد الزيات والشيخ محمد عبادة والشيخ محمد العوفي والشيخ حسن الهواري والشيخ أبي الأنور السادات والشيخ علي القناوي والشيخ علي خرائط والشيخ عبد القادر بن خليل المدني والشيخ محمد المكي والسيد علي القدسي والشيخ عبد الرحمن مفتي جرجا والشيخ علي الشاوري والشيخ محمد الخربتاوي والشيخ عبد الرحمن المقري.

والشيخ محمد سعيد البغدادي الشهير بالسويدي ، وهو آخر من قرظ عليه وكنت إذ ذاك حاضراً وكتبه نظماً ارتجالا وذلك في منتصف جمادى الثانية سنة أربع وتسعين ومائة وألف وهذا نصه : شرح الشريف المرتضى القاموسا .. وأضاف ما قد فاته قاموسا .. فقدت صحاح الجوهري وغيرها .. سحر المدائن حين ألقى موسى ، وقد ذكرت بعض التقريظات في تراجم أصحابها ومنها تقريظ الشيخ علي الشاوري الفرشوطي أذكره لما فيه من تضمن رحلة المترجم إلى فرشوط.

وقال سيدي الجبرتي في ترجمته للمترجم المرقوم وكتب للمرحوم الوالد يسأله الإجازة والتقريظ بقوله : أمولاي بحر العلم يا من سناؤه .. يفوق ضياء الشمس في الشرق والغرب .. ويا وارث النعمان فقهاً وحكمة .. وزهداً له قد شاع في البعد والقرب .. عبيدكم الظمآن قد جاء يرتجي .. ملاحظة منها يفوز قضا الأرب .. ويسأل في هذا الكتاب إجازة .. بتقريظه حتى يفوق على الكتب.

ولما أنشأ محمد بيك أبي الذهب جامعه المعروف به بالقرب من الأزهر وعمل فيه خزانة للكتب واشترى جملة من الكتب ووضعها بها أنهوا إليه شرح القاموس هذا وعرفوه أنه إذا وضع بالخزانة كمل نظامها وانفردت بذلك دون غيرها ورغبوه في ذلك، فطلبه وعوضه عنه مائة ألف درهم فضة ووضعه فيها.

ولم يزل المترجم بخدم العلم ويرقى في درج المعالي ويحرص على جمع الفنون التي أغفلها المتأخرون كعلم الأنساب والأسانيد وتخاريج الأحاديث واتصال طرائق المحدثين المتأخرين بالمتقدمين وألف في ذلك كتباً ورسائل ومنظومات وأراجيز جمة ، ثم انتقل إلى منزل بسويقة اللالا تجاه جامع محرم أفندي بالقرب من مسجد شمس الدين الحنفي وذلك في أوائل سنة تسع وثمانين ومائة وألف.

وكانت تلك الخطة إذ ذاك عامرة بالأكابر والأعيان فأحدقوا به وتحبب إليهم واستأنسوا به وواسوه وهادوه ، وهو يظهر لهم الغنى والتعفف ويعظهم، ويفيدهم بفوائد وتمائم ورقى ويجيزهم بقراءة أوراد وأحزاب فأقبلوا عليه من كل جهة وأتوا إلى زيارته من كل ناحية ورغبوا في معاشرته لكونه غريباً وعلى غير صورة العلماء المصريين وشكلهم ويعرف باللغة التركية والفارسية بل وبعض لسان الكرج فانجذبت قلوبهم إليه وتناقلوا خبره وحديثه.

ثم شرع في إملاء الحديث على طريق السلف في ذكر الأسانيد والرواة والمخرجين من حفظه على طرق مختلفة ، وكل من قدم عليه يملي عليه الحديث المسلسل بالأولية وهو حديث الرحمة برواته ومخرجيه ويكتب له سنداً بذلك وإجازة وسماع الحاضرين فيعجبون من ذلك ، ثم إن بعض علماء الأزهر ذهبوا إليه وطلبوا منه إجازة فقال لهم لا بد من قراءة أوائل الكتب واتفقوا على الاجتماع بجامع شيخون بالصليبة الاثنين والخميس تباعداً عن الناس.

فشرعوا في صحيح البخاري بقراءة السيد حسين الشيخوني واجتمع عليهم بعض أهل الخطة والشيخ موسى الشيخوني إمام المسجد وخازن الكتب وهو رجل كبير معتبر عند أهل الخطة وغيرها ، وتناقل في الناس سعي علماء الأزهر مثل الشيخ أحمد السجاعي والشيخ مصطفى الطائي والشيخ سليمان الأكراشي وغيرهم للأخذ عنه فازداد شأنه وعظم قدره واجتمع عليه أهل تلك النواحي وغيرها من العامة والأكابر والأعيان والتمسوا منه تبيين المعاني فانتقل من الرواية عن الدراية.

وصار درساً عظيماً فعند ذلك انقطع عن حضوره أكثر الأزهرية وقد استغنى عنهم هو أيضاً وصار يملي على الجماعة بعد قراءة شيء من الصحيح حديثاً من المسلسلات أو فضائل الأعمال ، ويسرد رجال سنده ورواته من حفظه ويتبعه بأبيات من الشعر كذلك فيتعجبون من ذلك لكونهم لم يعهدوها فيما سبق في المدرسين المصريين ، وافتتح درساً آخر في مسجد الحنفي وقرأ الشمائل في غير الأيام المعهودة بعد العصر فازدادت شهرته وأقبلت الناس من كل ناحية لسماعه ومشاهدة ذاته لكونها على خلاف هيئة المصريين وزيهم.

ودعاه كثير من الأعيان إلى بيوتهم وعملوا من أجله ولائم فاخرة فيذهب إليهم مع خواص الطلبة والمقرئ والمستملي وكاتب الأسماء فيقرأ لهم شيئاً من الأجزاء الحديثية كثلاثيات البخاري أو الدارمي أو بعض المسلسلات بحضور الجماعة وصاحب المنزل وأصحابه وأحبابه وأولاده وبناته ونسائه من خلف الستائر وبين أيديهم مجامر البخور بالعنبر والعود مدة القراءة ، ثم يختمون ذلك بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم على النسق المعتاد ويكتب الكاتب أسماء الحاضرين والسامعين حتى النساء والصبيان والبنات واليوم والتاريخ ويكتب الشيخ تحت ذلك : صحيح ذلك ، وهذه كانت طريقة المحدثين في الزمن السابق كما رأيناه في الكتب القديمة.

يقول الحقير إني كنت مشاهداً وحاضراً في غالب هذه المجالس والدروس ومجالس أخر خاصة بمنزله وبسكنه القديم بخان الصاغة وبمنزلنا بالصنادقية وبولاق وأماكن أخر كنا نذهب إليها للنزهة مثل غيض المعدية والأزبكية وغير ذلك ، فكنا نشتغل غالب الأوقات بسرد الأجزاء الحديثية وغيرها وهو كثير بثبوت المسموعات على النسخ وفي أوراق كثيرة موجودة إلى الآن.

وانجذب إليه بعض الأمراء الكبار مثل مصطفى بك الاسكندراني وأيوب بك الدفتردار فسعوا إلى منزله وترددوا لحضور مجالس دروسه وواصلوه بالهدايا الجزيلة والغلال ، واشترى الجواري وعمل الأطعمة للضيوف وأكرم الواردين والوافدين من الآفاق البعيدة ، وحضر عبد الرزاق أفندي الرئيس من الديار الرومية إلى مصر وسمع به فحضر إليه والتمس منه الإجازة وقراءة مقامات الحريري فكان يذهب إليه بعد فراغه من درس شيخون ويطالع له ما تيسر من المقامات ويفهمه معانيها اللغوية.

ولما حضر محمد باشا عزت الكبير رفع شأنه عنده وأصعده إليه وخلع عليه فروة سمور ورتب له تعييناً من كلاره لكفايته من لحم وسمن وأرز وحطب وخبز ورتب له علوفة جزيلة بدفتر الحرمين والسائرة وغلالاً من الأنبار وأنهى إلى الدولة شأنه ، فأتاه مرسوم بمرتب جزيل بالضربخانة وقدره مائة وخمسون نصفاً فضة في كل يوم وذلك في سنة إحدى وتسعين ومائة وألف فعظم أمره وانتشر صيته.

وطلب إلى الدولة في سنة أربع وتسعين فأجاب ثم امتنع وترادفت عليه المراسلات من أكابر الدولة وواصلوه بالهدايا والتحف والأمتعة الثمينة في صناديق ، وطار ذكره في الآفاق وكاتبه ملوك النواحي من الترك والحجاز والهند واليمن والشام والبصرة والعراق وملوك المغرب والسودان وفزان والجزائر والبلاد البعيدة وكثرت عليه الوفود من كل ناحية وترادفت عليه منهم الهدايا والصلات والأشياء الغريبة وأرسلوا إليه من أغنام فزان وهي عجيبة الخلقة عظيمة الجثة يشبه رأسها رأس العجل وأرسلها إلى أولاد السلطان عبد الحميد فوقع لهم موقعا.

وكذلك أرسلوا له من طيور الببغا والجواري والعبيد والطواشية فكان يرسل من طرائف الناحية إلى الناحية المستغرب ذلك عندها ويأتيه في مقابلتها أضعافها ، وأتاه من طرائف الهند وصنعاء اليمن وبلاد سرت وغيرها أشياء نفيسة وماء الكاري والمربيات والعود والعنبر والعطر شاه بالأرطال ، وصار له عند أهل المغرب شهرة عظيمة ومنزلة كبيرة واعتقاد زائد وربما اعتقدوا فيه القطبانية العظمى حتى أن أحدهم إذا ورد إلى مصر حاجاً ولم يزره ولم يصله بشيء لا يكون حجه كاملاً.

فإذا ورد عليه أحدهم سأله عن اسمه ولقبه وبلده وخطته وصناعته وأولاده وحفظ ذلك أو كتبه ويستخبر من هذا عن ذاك بلطف ورقة فإذا ورد عليه قادم من قابل سأله عن اسمه وبلده فيقول له فلان من بلدة كذا فلا يخلو إما أن يكون عرفه من غيره سابقاً أن عرف جاره أو قريبه فيقول له فلان طيب فيقول نعم سيدي ثم يسأله عن أخيه فلان وولده فلان وزوجته وابنته ويشير له باسم حارته وداره وما جاورها فيقوم ذلك المغربي ويقعد ويقبل الأرض تارة ويسجد تارة ويعتقد أن ذلك من باب الكشف الصريح.

فتراهم في أيام طلوع الحج ونزوله مزدحمين على بابه من الصباح إلى الغروب وكل من دخل منهم قدم بين يدي نجواه شيئاً ما أو تمراً أو شمعاً على قدر فقره وغناه وبعضهم يأتيه بمراسلات وصلات من أهل بلاده وعلمائها وأعيانها ويلتمسون منه الأجوبة فمن ظفر منهم بقطعة ورقة ولو بمقدار الأنملة فكأنما ظفر بحسن الخاتمة وحفظها معه كالتميمة ويرى أنه قد قبل حجه وإلا فقد باء بالخيبة والندامة وتوجه عليه اللوم من أهل بلاده ودامت حسرته إلى يوم ميعاده ، وقس على ذلك ما لم يقل.

وشرع في شرح كتاب إحياء العلوم للغزالي وبيض منه أجزاء، وأرسل منها إلى الروم والشام والغرب ليشتهر مثل شرح القاموس ويرغب في طلبه واستنساخه ، وماتت زوجته في سنة ست وتسعين فحزن عليها حزناً كثيراً ودفنها عند المشهد المعروف بمشهد السيدة رقية وعمل على قبرها مقاماً ومقصورة وستوراً وفرشاً وقناديل ولازم قبرها أياماً كثيرة وتجتمع عنده الناس والقراء والمنشدون ويعمل لهم الأطعمة والثريد والكسكسون والقهوة والشربات ، واشترى مكاناً بجوار المقبرة المذكورة وعمره بيتاً صغيراً وفرشه وأسكن به أمها ويبيت به أحياناً.

وقصده الشعراء بالمراثي فيقبل منهم ذلك ويجيزهم عليه ، ورثاها هو بقصائد وجدتها بخطه بعد وفاته في أوراقه المدشتة على طريقة شعر مجنون ليلى منها قوله : أعاذل من يرزأ كرزئي لا يزل .. كئيباً ويزهد بعده في العواقب .. أصابت يد البين المشت شمائلي .. وحاقت نظامي عاديات النوائب ، وقوله أيضاً : يقولون لا تبكي زبيدة واتئد .. وسل هموم النفس بالذكر والصبر .. وتأتي لي الأشجان من كل وجهة .. بمختلف الأحزان بالهم والفكر .. وهل لي تسل من فراق حبيبة .. لها الجدث الأعلى بيشكر من مصر.

ثم تزوج بعدها بأخرى وهي التي مات عنها وأحرزت ما جمعه من مال وغيره ، ولما بلغ ما لا مزيد عليه من الشهرة وبعد الصيت وعظم القدر والجاه عند الخاص والعام وكثرت عليه الوفود من سائر الأقطار وأقبلت عليه الدنيا بحذافيرها من كل ناحية لزم داره واحتجب عن أصحابه الذين كان يلم بهم قبل ذلك إلا في النادر لغرض من الأغراض وترك الدروس والإقراء واعتكف بداخل الحريم وأغلق الباب ورد الهدايا التي تأتيه من أكابر المصريين ظاهرة.

وللمترجم من المصنفات خلاف شرح القاموس وشرح الإحياء تأليفات كثيرة .. وللمترجم أشعار كثيرة جوهرية النفثات صحاح وعرائس أبيات ذات وجوه صباح، منها قوله من قصيدة يمدح بها الأستاذ العلامة شمس الدين السيد محمد أبا الأنوار بن وفا أطال الله بقاه، ويذكر فيها نسبه الشريف منها : مدحت أبا الأنوار أبغي بمدحه .. وفور حظوظي من جليل المآرب .. نجيباً تسامى في المشارق نوره .. فلاحت بواديه لأهل المغارب.

ونظمه كثير ونثره بحر غزير وفضله شهير وذكره مستطير ، وكنت كثيراً ما أجتلي وجه وداده وأوقد نار الفكرة بقدح واري زناده واستظل بدوحه المريع، واستمد من بحره السريع وأسامره بما يذكرنا عهود الرقمتين وأتنزه من صفات فضله وذاته في الربيعين .. وبالجملة فإنه كان في جمع المعارف صدراً لكل ناد حتى قوض الدهر منه رفيع العماد وأذنت شمسه بالزوال وغربت بعد ما طلعت من مشرق الإقبال.

وقد نعاه الفضل والكرم وناحت لفراقه حمائم الحرم وأصيب بالطاعون في شهر شعبان وذلك أنه صلى الجمعة في مسجد الكردي المواجه لداره فطعن بعد ما فرغ من الصلاة ودخل إلى البيت واعتقل لسانه تلك الليالي ، وتوفي يوم الأحد فأخفت زوجته وأقاربها موته حتى نقلوا الأشياء النفيسة والمال والذخائر والأمتعة والكتب المكلفة ثم أشاعوا موته يوم الاثنين.

ولم يترك ابنا ولا ابنة، ولم يرثه أحد من الشعراء ، وكان صفته ربعة نحيف البدن ذهبي اللون متناسب الأعضاء معتدل اللحية قد خط الشيب في أكثرها مترفهاً في ملبسه ويعتم مثل أهل مكة عمامة منحرفة بشاش أبيض ولها عذبة مرخية على قفاه ولها حبكى وشراريب حرير طولها قريب من متر وطرفها الآخر داخل طي العمامة وبعض أطرافه ظاهر ، وكان لطيف الذات حسن الصفات بشوشاً بسوماً وقوراً محتشماً مستحضراً للنوادي والمناسبات ذكياً لوذعياً فطناً ألمعياً روض فضله نضير وما له في سعة الحفظ نظير.

وكانت وفاته رحمه الله تعالى في شهر شعبان المعظم سنة خمس ومائتين وألف ، ودفن في جانب زوجته بالمشهد المعروف بالسيدة رقية في القبر الذي أعده لنفسه هناك كما تقدم جعل الله مثواه قصور الجنان ، وضريحه مطاف وفود الرحمة والغفران وعوضه جنة ونعمة وخيراً وأجراً وعوض المسلمين عنه خيراً وجمعنا جميعاً وإياه في مستقر رحمته آمين “.

58 / الكافية الشافية

(الكافية الشافية في علمي العروض والقافية) هو عنوان منظومة في علم العرض كتبها الأديب والشاعر والفقيه الشيخ أبو العرفان محمد بن علي الصبان المتوفي بالقاهرة عام 1206 هـ / 1792 م ثم أتبعه بشرح مفصل لها في كتاب مستقل عرف باسم (شرح الصبان على منظومته الكافية الشافية في علمي العروض والقافية) ، وقد كانت منظومة شهيرة في زمنه وعرفت بمطلعها الذي يبدأ بقوله : لك الحمد يا ربي وصل مسلما .. على المصطفى والآل من أحرزوا العلا .. وبعد فعلم الشعر فن مؤكد .. فبادر إليه واستمع فيه ما حلا.

ومن مؤلفاته حاشية على شرح الأشموني على الألفية (في النحو) وكتاب إتحاف أهل الإسلام بما يتعلق بالمصطفى وأهل بيته الكرام و كتاب إسعاف الراغبين (في السيرة النبوية) وحاشية على شرح الملوي على السلم (في المنطق) ورسالة في الاستعارات والرسالة البيانية وحاشية على شرح العصام على السمرقندية (في البلاغة) وحاشية على السعد (في المعاني والبيان جزآن) وكتاب مثلثات الصبان (في اللغة العربية) وغيرها في مجالات أخرى مثل أصل الفقه ومصطلح الحديث.

وقد استهل شرح للمنظومة بمقدمة قال فيها : ” بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي يسر لنا بمديد فضله سلوك عروض المعارف وبسط علينا بوافر كرمه من قوافي نعمه أصناف اللطائف والصلاة والسلام على سيدنا محمد السيد الكامل وعلى آله وصحبه بحور الفضائل ودوائر الفواضل ، أما بعد ، فيقول راجي الغفران محمد بن علي الصبان أحسن الله عمله وبلغه في الدارين أمله : هذا ما اشتدت إليه حاجة الطالبين من شرحي على منظومة الكافية الشافية في علمي العروض والقافية يوضح رموزها ويفتح كنوزها ويبين مرادها ويتمم مفادها مع فرائد يتيمة وفوائد عظيمة على وجه لطيف وأسلوب منيف ، والله أسأل أن يختم لنا بالإيمان إنه كريم حليم منان “.

وترجم له الجبرتي في كتابه عجائب الآثار فقال : ” الإمام الذي لمعت من أفق الفضل بوارقه وسقاه من مورده النمير عذبه ورايقه لا يدرك بحر وصفه الإغراق ولا تلحقه حركات الأفكار ولو كان لها في مضمار الفضل السباق ، العالم النحرير واللوذعي الشهير شيخنا العلامة أبو العرفان الشيخ محمد بن علي الصبان الشافعي ، ولد بمصر وحفظ القرآن والمتون واجتهد في طلب العلم.

وحضر أشياخ عصره وجهابذة مصره وشيوخه كما ذكر في برنامج أشياخه ، فحضر على الشيخ الملوي شرحه الصغير على السلم وشرح الشيخ عبد السلام على جوهرة التوحيد وشرح المكودي على الألفية وشرح الشيخ خالد على قواعد الإعراب ، وحضر على الشيخ حسن المدابغي صحيح البخاري بقراءته لكثير منه وعلى الشيخ محمد العشماوي الشفا للقاضي عياض وجامع الترمذي وسنن أبي داود وعلى الشيخ أحمد الجوهري شرح أم البراهين لمصنفها بقراءته لكثير منها.

وعلى الشيخ السيد البليدي صحيح مسلم وشرح العقايد النسفية للسعد التفازاني وتفسير البيضاوي وشرح رسالة الوضع للسمرقندي ، وعلى الشيخ عبد الله الشبراوي تفسير البيضاوي وتفسير الجلالين وشرح الجوهرة للشيخ عبد السلام ، وعلى الشيخ محمد الحفناوي صحيح البخاري والجامع الصغير وشرح المنهج ، والشنشوري على الرحبية ومعراج النجم الغيطي وشرح الخزرجية لشيخ الإسلام.

وعلى الشيخ حسن الجبرتي التصريح على التوضيح والمطول ومتن الجغميني في علم الهيئة ، وشرح الشريف الحسيني على هداية الحكمة قال : وقد أخذت عنه في الميقات وما يتعلق به وقرأت فيه رسايل عديدة وحضرت عليه في كتب مذهب الحنفية كالدر المختار على تنوير الأبصار وشرح ملا مسكين على الكنز ، وعلى الشيخ عطية الأجهوري شرح المنهج مرتين بقراءته لأكثره.

وشرح جمع الجوامع للمحلي وشرح التلخيص الصغير للسعد وشرح الأشموني على الألفية وشرح السلم للشيخ الملوي وشرح الجزرية لشيخ الإسلام والعصام على السمرقندية وشرح أم البراهين للحفصي وشرح الأجرومية لريحان أغا ، وعلى الشيخ علي العدوي مختصر السعد على التلخيص وشرح القطب على الشمسية وشرح شيخ الإسلام على ألفية المصطلح بقراءته لأكثره وشرح ابن عبد الحق على البسملة لشيخ الإسلام ومتن الحكم لابن عطا الله رحمهم الله تعالى أجمعين.

قال : وتلقيت طريق القوم وتلقين الذكر على منهج السادة الشاذلية على الأستاذ عبد الوهاب العفيفي المرزوقي وقد لازمته المدة الطويلة وانتفعت بمدده ظاهرًا وباطنًا ، قال : وتلقيت طريق ساداتنا آل وفا سقانا الله من رحيق شرابهم كوس الصفا عن ثمرة رياض خلفهم ونتيجة أنوار شرفهم على الأكابر والأصاغر ومطمح أنظار أولي الأبصار والبصاير أبي الأنوار محمد السادات ابن وفا نفحنا الله وإياه بنفحات جده المصطفى ، وهو الذي كناني على طريقة أسلافه بأبي العرفان وكتب لي سنده عن خاله السيد شمس الدين أبي الإشراق عن عمه السيد أبي الخير عبد الخالق عن أخيه السيد أبي الإرشاد يوسف عن والده الشيخ أبي التخصيص عبد الوهاب عن ولد عمه السيد يحيى أبي اللطف إلى آخر السند.

هكذا نقلته من خط المترجم رحمه الله تعالى ، ولم يزل المترجم يخدم العلم ويدأب في تحصيله حتى تمهر في العلوم العقلية والنقلية وقرا الكتب المعتبرة في حياة أشياخه وربى التلاميذ واشتهر بالتحقيق والتدقيق والمناظرة والجدل وشاع ذكره وفضله بين العلما بمصر والشام ، وكان خصيصًا بالمرحوم الشيخ الوالد اجتمع به من سنة سبعين وماية وألف ولم يزل ملازمًا له مع الجماعة ليلًا ونهارًا واكتسب من أخلاقه ولطايفه وكذلك بعد وفاته لم يزل على حبه ومودته مع الحقير ، وانضوى إلى أستاذنا السيد أبي الأنوار بن وفا ولازمه ملازمة كلية وأشرقت عليه أنواره ولاحت عليه مكارمه وأسراره.

ومن تآليفه حاشيته على الأشموني التي سارت بها الركبان وشهد بدقتها أهل الفضايل والعرفان وحاشية على شرح العصام على السمرقندية وحاشية على شرح الملوي على السلم ورسالة في علم البيان ورسالة عظيمة في آل البيت ، ومنظومة في علم العروض وشرحها ونظم أسما أهل بدر وحاشية على آداب البحث ومنظومة في مصطلح الحديث ستماية بيت ومثلثات في اللغة ، ورسالة في الهيئة وحاشية على السعد في المعاني والبيان ورسالتان على البسملة صغرى وكبرى ورسالة في مفعل ومنظومة في ضبط رواة البخاري ومسلم.

وله في النثر كعبٌ عليٌ وفي الشعر كاس ملي ، فمن نظمه في مدح الأستاذ أبي الأنوار بن وفا ويستعطف خاطره عليه لتقصير وانقطاع وقعا منه قوله : عبيد جنى ذنبًا ورحب الحمى حلا فهل من رضا عنه تجود به فضلا .. إليك أبا الأنوار قد أبت مخلصًا ومن ذا الذي يا سيدي قط ما زلا .. أعيذك أن يسعى لبابك عائد وتكسوه من أجل ذنب له ذلا .. أعيذك أن ترضى حقارة لائذ لسالف جرم تاب منه وإن جلا .. إذا أنت بالغفران والصفح لم تجُد فمن منه نرجو العفو والصفو والبذلا .. وكيف وأنت الصدر من سادة حووا مكارم أخلاق العلا ما طووا غِلا .. ومن معشرهم نسل أشرف مرسل دعا لجميل الصفح أكرِمْ بهم نسلا .. أولئك آل المصطفى وبنو الوفا كنوز الصفا مزن العلا الذي انهلا .. وهم بركات الكون شرقًا ومغربًا وغوث اللهافى والهداة لمن ضلا.

وله قصيدة فريدة مدح في الأستاذ الوالد تقدم ذكرها في ترجمته وغير ذلك تهنيات بأعياد ومواسم ومراث بعد وفاته ، وله ولد فيه تهنية بمولود سنة أربع وسبعين : نهنيك بالنجل السعيد الذي بدا من الغيب بالأفراح والسعد والندا .. أتاك فغنى بالهنا بلبل الرضا وقام على غصن المسرات منشدا .. وأشرق من أفق العلا كوكب المنى فأمسى ببشراك الزمان مغردا .. فطب سيدي نفسًا بما ترتجي له وقر عيونًا بالذي يكمد العدا .. فإن لسان المجد قال مؤرخًا نهنيك بالنجل السعيد الذي بدا.

وله أيضًا قصايد غرا في مدايح الأستاذ أبي الأنوار بن وفا مذكورة في المدايح الأنوارية ، ومن كلامه تهنية للأجل الشيح أبي الفوز إبراهيم السندوبي تابع السيد المشار إليه بقدومه من سفره : بروحي حبيبًا في محاسنه بدا فخرت له أهل المحاسن سجدا .. وراح يثنيه مدام دلاله فخلناه من راح الدنان تميدا .. ومر بنا في عسكر من جماله فقطع أحشاء وفتت أكبدا .. مليح أعار النيرين سناهما وعلم غصن البان كيف تأودا .. وشاكي سلاح يرهب الأسد لحظه ويرعب خطى القنا والمهندا .. وحلوا إذا ما افتر باسم ثغره أرانا عقيقًا حف درًّا منضدا.

وله في ديباجه سلام : يا نسيم الصبا تحمل سلامي لحبيب به شفاء سقامي .. وإليه بلغ تحية صب مستهام ما خان عهد الغرام .. لم يكن ناسيًا ودادًا قديمًا ولا ولا سامعًا ملام لئام .. ذو اشتياق إلى لقاء محب فاق نورًا على بدور التمام .. وجه مولى حاز المحاسن طرًّا فهو شمس الكمال بين الأنام ، وله أيضًا : ترحلتم عنا وشطت دياركم وبدلتمونا بالصفا غاية الكدرْ .. وأعدى علينا الشوق جيش خطوبه وأصبح حزب الصبر ليس له أثرْ .. فإن تسألوا عنا فإنا لبعدكم كجسم بلا روح وعين بلا بصرْ .. ولولا رجاء النفس لقيا حبيبها لما بقيت منا معان ولا صورْ.

وله متغزلًا : وحق صبح المحيا مع دجى الشعر وجنة الخلد مع راح اللمى العطر .. ومقلة بفنون السحر قد كحلت وقامة رشحتها خمرة الخفر .. وعرف عنبر خال وابتسام فم من اليواقيت عن ثغر من الدرر .. ما غير البعد عهدي في الغرام ولا نسيت ودًّا مضى في سالف العصر .. لي في المحبة شرع غير منتسخ ومذهب في التصابي غير مندثر .. إن كنت ملت إلى السلوان يا أملي فلا تمتعت من خديك بالنظر .. كيف السلو وأنت الروح في جسدي والعقل في خلدي والنور في بصري .. كيف السلو لظبي ما نظرت له إلا رأيت شقيق الشمس والقمر .. غصن من البان قد رقت شمايله فرق في حبه ذو البدو والحضر .. بديع حسن يقول الناظرون له تبارك الله ما هذا من البشر.

وله أيضًا : أهابك أن أجيبك لا لعجز ولكن المحبة أخرستني .. وأحتمل المكاره لا لذل ولكن الصبابة أحوجتني .. وقدري لست تجهله ولكن غرامي باعني لك بيع غبن .. فكن يا ابن الأكابر أهل عرف ولا تكثر عليَّ من التجني .. فلي جسم كساه الشوق سقمًا ولي قلب علاه كل حزن .. ولي في مذهب العشاق حال يطول بذكرها شرحي ومتني ، وله غير ذلك كثير وفضله شهير.

وكان في مبدا أمره وعنفوان عمره معانقًا للخمول والإملاق متكلًا على مولاه الرزاق يستجدي مع العفة ويستدر من غير كلفة ، وتنزل أيامًا في وظيفة التوقيت بالصلاحية بضريح الإمام الشافعي رضي الله عنه عندما جدده عبد الرحمن كتخدا وسكن هناك مدة ثم ترك ذلك ، ولما بنى محمد بك أبو الدهب مسجده تجاه الأزهر تنزل المترجم أيضًا في وظيفة توقيتها وعمر له مكانًا بسطحها سكن فيه بعياله فلما اضمحل أمر وقفه تركه واشترى له منزلًا صغيرًا بحارة الشنواني وسكن به.

ولما حضر عبد الله أفندي القاضي المعروف بططر زاده وكان متضلعًا من العلوم والمعارف وسمع بالمترجم والشيخ محمد الجناجي واجتمعا به أعجب بهما وشهد بفضلهما وأكرمهما وكذلك سليمان أفندي الريس فعند ذلك راج أمر المترجم وأثرى حاله وتزين بالملابس وركب البغال ، وتعرف أيضًا بإسماعيل كتخدا حسن باشا وتردد إليه قبل ولايته فلما أتته الولاية بمصر زاد في إكرامه وأولاه بره ورتب له كفايته في كل يوم بالضربخانة والجزية وخرجا من كلاره من لحم وسمن وأرز وخبز وغير ذلك وأعطاه كساوي وفراء وأقبلت عليه الدنيا وازداد وجاهة وشهرة.

وعمل فرحًا وزوج ابنه سيدي علي فأقبل عليه الناس بالهدايا وسمعوا لدعوته ، وأنعم عليه الباشا بدراهم لها صورة وألبس ابنه فروة يوم الزفاف وكذا أرسل إليه طبلخانته وجاويشيته وسعاته فزفوا العروس وكان ذلك في مبادي ظهور الطاعون في العام الماضي ، وتوعك الشيخ المترجم بعد ذلك بالسعال وقصبة الرئة حتى دعاه داعي الأنام وفجأه الحمام ليلة الثلاثا من شهر جمادي الأولي من السنة وصُلي عليه بالأزهر في مشهد حافل ودفن بالبستان تغمده الله بالرحمة والرضوان وخلف ولده الفاضل الصالح الشيخ علي بارك الله فيه ، مضت الدهور وما أتين بمثله ولئن أتى لعجزن عن نظرائه “.

59 / تغريد حمام الأيك

من شعراء الأقاليم في العصر العثماني الشاعر شمس الدين السبربائي الذي ولد في قرية سبرباي المجاورة لمدينة طنطا وتولى بها القضاء وتوفي فيها عام 1210 هـ / 1795 م ، واشتهر بقصائده التي تحكي الوقائع التاريخية في عصره ومنها قصيدة من بحر الطويل ضمنها ما وقع للأمير مصطفى بيك مولى محمد بيك فى طريق الحجاز حينما ولى إمارة الحاج سنة أربع وتسعين سماها (تغريد حمام الأيك فيما وقع لأمير اللوا مصطفى بيك).

وصنف جملة أراجيز منها أرجوزة فى تاريخ وقائع على بيك الكبير ومحمد بيك أبى الذهب ، وله مؤلفات كثيرة منها كتاب (الضوابط الجلية فى الأسانيد العلية) ألفها سنة ست وسبعين ومائة وألف وذكر فيها سنده عن الشيخ نور الدين أبى الحسن سيدى على ابن الشيخ الفاضل أبى عبد الله سيدى محمد المغربى الفاسى الشهير بالسقاط ، وصنف زايرجة مختصرة تدل على رسوخه فى المعارف وعلوم الرياضيات والتقويم.

وقد ترجم له الجبرتي في كتابه عجائب الآثار فقال : ” العمدة الفاضل المفوه النبيه المناضل الحافظ المجود الأديب الماهر صاحبنا الشيخ شمس الدين بن عبد الله فتح الفرغلي المحمدي الشافعي السبرباي نسبة إلى سبرباي قرية بالغربية قرب طندتا ، وبها ولد ونسبه يرجع إلى القطب سيد الفرغلي المحمدي من ولد سيدنا محمد بن الحنفية صاحب أبي تيج من قرى الصعيد وتفقه على علما عصره وأنجب في المعارف والفهوم وعانى الفنون فأدرك من كل فن الحظ الأوفر.

ومال إلى فن الميقات والتقاويم فنال من ذلك ما يرومه وألف في ذلك وصنف زيجًا مختصرًا دل على سعة باعه ورسوخه في الفن ومعرفة القواعد والأول ودقايق الحساب ونهج مسلك الأدب والتاريخ والشعر ففاق فيه الأقران ، ومدح الأعيان وذكرت كثيرًا من أشعاره في بعض تراجم الممدوحين ومنها المزدوجة المسماة بنفحة الطيب في محاسن الحبيب التي نظمها باسم الأمير حسن بك رضوان وقد ذكرتها في ترجمة الأمير المذكور.

وصاحبناه وساجلناه كثيرًا عندما كان يأتينا مصر وبطندتا في الموالد المعتادة فكان طودًا راسخًا وبحرًا زاخرًا مع دماثة الأخلاق وطيب الأعراق ولين العريكة وحسن العشرة ولطف الشمايل والطباع ، وكان يلي نيابة القضاء ببلده وبالجملة فكان عديم النظير في أقرانه لم أر من يدانيه في أوصافه الجميلة.

وله مصنفات كثيرة منها : الضوابط الجلية في الأسانيد العلية ألفه سنة ست وسبعين وماية وألف وذكر فيه سنده عن الشيخ نور الدين أبي الحسن سيدي علي بن الشيخ العلامة أبي عبد الله سيدي محمد العربي الفاسي المغربي الشهير بالسقاط ، وسليقته في الشعر عذبة رايقة وكلامه بديع مقبول في ساير أنواعه من المدح والرثا والتشبيب والغزل والحماسة والجد والهزل ، وله ديوان جمع فيه أمداحه ﷺ وسماه عقود الفرايد وقد قرظ عليه الشيخ عبد الله الإدكاوي في سنة تسع وسبعين وماية وألف بقوله :

هكذا من أراد نظم الفرايد أو نحا نحو حوك برد القصايد .. هكذا هكذا عقود المعاني لا عقود المخدرات الخرايد .. تلك صواغها البنان وهذي صاغها فكر شمس فضل الأماجد .. فرغلي الأروم نامي ذرا المجـد بديع الفهوم سامي المشاهد .. الأريب الذي أتاح له الله المعاني لذي العقول مصايد .. واللبيب الذي لقد قيد الله له في فريضه كل شارد .. من معان لو حاز منها أبو الطيـ ـب معنى لقال: حزت المحامد .. أو نحا نحوها الوليد لقلنا والدًا صرت يا سني الموارد .. أو شذا مثلها حبيب لحاز الـ ـحسن طرًّا وقد سما للفراقد.

أين منها بدايع ابن سنا الـ ـملك حسنًا ورونقًا ومقاصد .. أين منها ما زخرفوه من القو ل وقالوا: هنا محط الفوايد .. ذاك والله ضاع وصفًا وهذا ضاء إذ ضاع منى أسنى العوايد .. بمديح الذي قد اختاره الله رئيسًا على جميع الأعابد .. أحمد المصطفى الطهور فأم خير أم ووالد خير والد .. صلوات مطيبات توالى تربه ما صلى وسلم عابد .. وتعم الآل الكرام والصحا ب جميعًا ما خر لله ساجد.

وله في رثاء شيخه القطب الحفنى قصايد طنانة ، وله جملة أراجيز منها أرجوزة في تاريخ وقايع علي بك ومحمد بك سمعت من لفظه جملة منها ، وله قصيدة من بحر الطويل ضمنها ما وقع للأمير مصطفى بك مولى محمد بك في سنة أربع وتسعين في طريق الحجاز حين ولي أميرًا على الحج وهي بديعة سلسلة النظم حاوية وقايعه التي جرت له مع العربان ، ولحلاوتها أوردت منها جملة وسماها تغريد حمام الأيك فيما وقع لأمير اللوا مصطفى بك وهي هذه : 

إمارة حج البيت في سالف العصر هي المنصب الأعلى وحقك في مصر .. وخدمة وفد الله جل جلاله هي النعمة العظمى لمغتنم الأجر .. تنافس فيها الأولون وعظموا إمارتها في الخافقين مدى الدهر .. وقام بها الأهلون وافتخرت بها ملوك بني عثمان في البر والبحر .. وهان على الحجاج من فقد مالهم وما عندهم إنفاقه أنفس العمر .. وطاب لهم نوم العقنقل بعدما اسـ ـتراحوا على تلك الأرايك بالقصر .. ولذَّ لهم بعد الفرات ودجلة ونيل الهنا شرب الأجاج مع المر .. وصاموا وهاموا في جَمال حبيبهم وظلوا سكارى لا بكاس ولا خمر .. وأقلقهم صوت المنادي فأعلنوا إجابته في عالم الغيب والذر.

وفي عالم الملك المشاهد طلقوا منامهم شوقًا إلى البيت والحجر .. وشدوا على العيس الرحال وأخلصوا سرائرهم لله في السر والجهر .. وساروا وزند الشوق بين ضلوعهم له شرر أذكى لهيبًا من الجمر .. وخلوا ديار الأنس بعد مسيرهم يغرد فيها بلبل الدوح والقمري .. وفيها من الغادات كل خريدة إذا ابتسمت تغنيك عن طلعة الفجر .. وحجوا وطافوا البيت سبعًا وعرفوا وزاروا رسول الله ثم أبا بكر .. وعادوا إلى الأوطان ليس عليهم ذنوب ولا إثم كما جاء في الذكر.

وفي عام ألف ثم ثم وماءة وأربعة من بعد تسعين في الحصر .. تولى أمير الحج مفرد عصره كريم السجايا ذو المهابة والفخر .. أمير اللوا كنز الصفا مصطفى الوفا مبيد العدا بالمرهقات وبالسمر .. بديع الحلى مولى الأمير محمد أبي الذهب المحفوف بالعز والنصر .. أمير اللوا من كان سلطان عصره فريدًا وحيدًا بالتكلم في مصر .. وكان كبدر التم في أفق العلا وكان هلال السعد في غرة الدهر .. فسار على نهج العلا مصطفى الوفا وشيد أركان الإمارة بالفخر .. وشد جواد العزم والحزم والقوى وعظم شأن الحج في ذلك العصر.

وأنفق أموالًا عليه كثيرة وفاز بتحصيل الثواب مع الأجر .. وقضى شؤونا بالحجاز تعلقت وأحكمها بالعقل والنقل والفكر .. وقد وضع الأشياء طرًّا محلها ودبرها تدبير مجتهد حبر .. وجهز ما يحتاجه من ذخائر ووجهها نحو السويس على الظهر .. وسير منها جانبًا نحو جدة وأرسل باقيها إلى ينبع البر .. وقرر حقًّا في الوظائف أهلها وقلد أجياد المناصب بالدر .. وأمسى خلي البال بعد اشتغاله وأصبح بعد الكل في راحة السر .. وقد عملت أرباب دولة عزه على كل أمر مقتضاه بلا نكر.

وفي شهر شوال المبارك زينت لموكبه أطلال مصر من الفجر .. وسرت به الآفاق وابتهجت به جميع القرى والسعد وافى مع البشر .. وأضحت بقاع الأرض مخضرة الربا وأضحت رياض الزهر مبهجة الثغر .. وسلمه شيخ الكفانة محملًا قد افتخرت مصر به غاية الفخر .. ونالت بنو عثمان حظًّا به على جميع ملوك الأرض في البر والبحر .. وسار به كالبدر عند تمامه وأتباعه الأمجاد كالأنجم الزهر .. وماس به يهتز في حلة البها على صافن مثل النسيم إذا يسري.

وبين يديه الدفتدار من كل جانب أحاطت به مثل الكواكب بالبدر .. بأسلحة كالبرق تخطف عمر من دنا نحوه بالسوء والغدر والشر .. وما زال يسعى مع سلامة ربه بمحمل طه ذي الفتوحات والنصر .. إلى أن دنا من حصوة طاب ريحها ونسمتها تشفي العليل من الضر .. وأنزله فيها وبات بها وقد دعته إلى مصر دواعي الهوى العذري .. وأصبح فيها قائمًا هائمًا له حنين إلى الحورا وشوق إلى بدر .. وبات بها والقلب خيم باللوى وأم القرى ذات الفضائل والفخر.

وأصبح منها سائرًا متوكلًا على الله رب البيت والركن والحجر .. وفي بركة الحج الشريف أتى بها محط رحال الوفد من سائر القطر .. أقام بها حتى انقضت يا أولي النهي مهماته طرًّا وأعلن بالشكر .. وغلق واستوفى جميع الذي له وللعرب العربا من الذهب التبر .. وغلق أيضًا بعد ذا مال صرة أعدت لأشراف الحجاز مدى الدهر .. وأقبلت الحجاج من كل جانب عليه وأضحى ملجأ العبد والحر.

وفي سابع العشرين دقت طبوله وسار كبدر التم في رابع العشر .. وصحبته الحجاج طرًّا بأصرهم وزوار طه ملجأ الناس في الحشر .. وودعه شيخ الكنانة قائلًا تعود إلينا بالسلامة والجبر .. وتنظر مصر في السرور وفي الهنا ونحن بخير سالمين من الضر .. وبالحج فافعل كلما أنت أهله من الخير والإحسان والحلم والبر .. ولا تنسنا في البيت من صالح الدعا وفي حجر إسماعيل يا طيب النشر .. وفي عرفات والمحصب من منى وفي الروضة الغرا تجاه أبي بكر .. وفي ينبع مع بدر والقاع فاحترس من العرب العرباء في الورد والصدر.

ولا تأمن الصفرا ونقب عليهما فإنهما يا ذا العلا بقعة الشر .. وكل قليل يا أمير اللوى لنا فوجه بشيرًا عاقلًا كاتم السر .. ومن بعد ذا كل الصناجق أقبلت تميس دلالًا في ثياب الهوى العذري .. وعانقهم مذ عانقوه وودعوا وأدماعهم فوق المحاجر كالقطر .. وأحبابه طرًّا تقول له مع السلامة يا ذا العز والمجد والقدر ، وهي طويلة ، توفي المترجم في شهر ربيع الأول من السنة ببلده ودفن هناك رحمه الله تعالى “.

60 / ديوان الظهوري

من أشهر شعراء الأغاني والموشحات في العصر العثماني الشاعر والأديب إسماعيل أفندي الظهوري المتوفي بالقاهرة عام 1211 هـ / 1796 م وهو في الأصل صاحب متجر لبيع البن في خان الخليلي لكنه أغرم بالفن والأدب وبرع في نمط من الموشحات عرف بالأدوار ومفرده دور ، وكان مغرما بقضاء الأوقات الطيبة بين ربوع الأزبكية وحدائق القاهرة وبساتينها وكان يتنقل ما بين جزيرة الروضة وساحل بولاق أو شاطئ الخليج وقضى فترة من حياته في قرية أطواب بالصعيد.

وقد ترجم له الجبرتي في كتابه عجائب الآثار فقال : ” النبيه الأريب والفاضل النجيب الناظم الناثر المفوه إسماعيل أفندي بن خليل بن علي بن محمد بن عبد الله الشهير بالظهوري المصري الحنفي المكتب ، كان إنسانًا حسنًا قانعًا بحاله يتكسب بالكتابة وحسن الخط وقد كان جوَّده وأتقنه على أحمد أفندي الشكري وكتب بخطه الحسن كثيرًا من الكتب والسبع المنجيات ودلاليل الخيرات والمصاحف ، وكان له حاصل يبيع به بن القهوة بوكالة البقل بقرب خان الخليلي.

وله معرفة جيدة بعلم الموسيقى والألحان وضرب العود وينظم الشعر وله مدايح وقصايد وموشحات فمن ذلك قوله تهنئة للأمير حسن بك رضوان بقدومه إلى مصر من نفيته بالمحلة الكبرى وهي قوله : تهن بعود الملك والجاه والنصر وبالفوز والعلياء والعز والفخر .. ومس ميس تيه في ملابس عزة بعودك للأوطان منشرح الصدر .. لئن ساء فعل الدهر قدمًا فطالما أسر بأخرى من قبول ومن جبر .. وأعطى بلا من وأخلف ما مضى وأسعف بالحسنى وأذهب للضر.

وكان بعض أدبا مصر ألف مجموعًا في الألغاز ليعارض به بعض العصريين على طريق الإيجاز والإعجاز فما أجابه أحد لذلك فطلب من المترجم تقريظًا على حواشيه ليصون طلعته من عاذله وواشيه فكتب عليه : لله دَرُّكَ من بليغ ماهر جمع المعاني في بديع كتابه .. سحر العقول بلفظه وبلطفه وأبان في معناه عن أنسابه .. كلم كنظم العقد يحسن تحته معناه حسن الماء تحت حبابه .. أعددت للبلغاء تأليفًا غَدَا في فنه يسمو على أترابه .. وأراك نلتَ من الحجا حظًّا غدا لا يستطاع وصوله من بابه.

فأجاب ذلك الشاعر بقصيدة وأطال فيها ومطلعها : لله ثغر شفَّني برضا به كيما أفوز بنشق عرف رضابه ، فكتب إليه المترجم ثانيًا معرضًا له بقصيدته قوله : هذا الأديب اللوذعي ترى به جمل الفضائل وهي من أترابه .. وله المقال المستجاد بأسره وسواه نحثو وجهه بترابه .. ولقد رشفت زلال معنى لفظه والغير يقنعه لموع سرابه .. فاعجبْ له من شاعر متقادر سل المنام بلطفه وسرى به .. أنسى البدائع من بديع نكاته قسمت بلاغته على إعرابه.

وله موشحة على وزن موشحة الأديب العلامة ابن خطيب داريا الأندلسي وهي : ليت شعري يا أخلاء الهوى هل أرى بدري بحاني مؤنسي .. أم أقاسي عن زمان قد قسا ورمى أحشاي سهمًا عن قسي ، دور : يا سقى الله زمانًا قد مضى في مغالي مصر في عيش خصيب .. حيث بدري قد قضى لي ما قضى بالتداني إذا غفت عين الرقيب .. شب من تذكارها نار الغضى في فؤادي وتلافا في النحيب .. واعترتني دهشة حين جرى من دموعي سائلًا في الغلس .. وغدا قلبي كليمًا مذ سرى بارق في نحو ذاك المكنس.

دور : يا رياضًا حسنها زاه يشيق جاد في مثواك منهل السحاب .. كم مضى لي فيك من معنى أنيق حين كان اللهو مزهى الجناب .. هل ترى عيني محياك الشريق لابسًا برد التهاني والشباب .. وأرى بدري يناجيني على ذلك البسط الشهي السندس .. وأحلى صبر دهري بالمنى من معاه زاهيات الملبس ، دور : قد شربنا الصد كأسًا مترعًا حين صد الظبي عنا ونفر .. غصن بان غصنه قد أينعا مثمر بالدل حينا والخفر .. وجهه الفتان أمسى مبدعًا كل معنى رائق يسبي الفكر.

دور : يثني ما إن تبدى معجبًا بالعيون الفاتكات النعس .. ينهب الأرواح منا لاهيًا لم يراقب في ضعاف الأنفس ، دور : كيف لي صبر إذا اللاحي لحى في حبيب حسنه فاق الهلال .. بدر تم مخجل شمس الضحى جؤزري اللحظ ممشوق الدلال .. ما سقى الصب هواه فصحا من غرام قد عراه وخيال .. يوسف العصر معسول اللما كاحل الطرف شهي اللعس .. ترك الصب كليمًا عندما جال في النفس مجال النفس.

وقال متشوقًا إلى مصر وكان بقرية أطواب من أعمال الصعيد : سلام على مصر سلام شج حنا تبلغها أيدي النسيم لها عنا .. وأزكى تحيات على الروضة التي عليها لسان الجون بالمزن قد أثنى .. وحيا إلهي نيلها وظلالها وخلجانها والقرط إذا شنقت أذنا .. ومقياسها مني إليه رسالة معنبرة الأرجاء عاطرة عرنا .. وجبهتها والمنتهى ذكر أنه فوالله لَهْيَ الخلد بل أشبهت عَدْنا .. وفي مشتهاها تشتهي النفس لذة ومن صدرها عين الرقيب همت مزنا.

وقال أيضًا : وجاد الحيا أطلالهم وربوعهم وروى ثراهم من دموعي وعبرتي .. ولا زال ثغر البرق مبتسمًا لهم يبلغهم عني رسالة لوعتي .. أأحبابنا هل تسألوا الركب إن سرى عن الكبد الحراء أين استقرت .. وما كيف حالي واللجاجة والهوى وما للنوى حتى رمتني بغربتي .. فهل سبقت مني إلى الدهر خطة فلا توبة تمحو ذنوبي وعثرتي .. أبى الله ما ذنبي إليه سوى الحجا وذلك عند الدهر أكبر خطتي .. رمتني أيدي البين عن سهم قوسها أصابت فؤادي الهائم المتشتت .. ولم ترع حقي للوداع بوقفة أبث لها للربع جهد صبابتي.

وقال سامحه الله تعالى:  هل العيش إلا في اكتساب مآثم أو العمر إلا في اقتناء محارم .. أو الغنم إلا في ارتكاب كبيرة أو السكر إلا في ارتشاف مباسم .. سقى الله أيام البطالة أدمعًا من العين تجري كالغيوث السواجم .. زمان به كان السرور بخنصري ختامًا وكان الظبي فيه منادمي .. إذ العيش طلق والرياض بواسم عن النور لكن من شفاه الكمائم .. وسيري إلى تلك الدساكر سحرة وغنمي بها من طيبات مواسم .. وجرِّي ذيول التيه في عرصاتها جهارًا وضمي للقدود النواعم.

واتفق أن بعض الجهلة لبس عمامة ودخل على السيد عبد الرحمن العيدروس فقال السيد : حمل الثور جوزة السرطان ، فلم يتيقظ ذلك الشيخ لما أبداه السيد وظن أن ذلك مدح له فضمن هذا الشطر بعض شعراء المحلة الكبرى يخاطب فيها السيد العيدروسي فلما بلغ المترجم ذلك قال على روي ما قاله ذلك الشاعر المحلي : يا أديبًا قد حاز رق المعاني وبليغًا أبدى فنون البيان .. وظريفًا يسمو بكل نكات من بديع تزرى بعقد الجمان .. فقت نعتًا وفي وصف شيخ جهول أنفت منه أنفس الثقلان .. يدعي الشيخ أنه صار فردًا قلت صدقًا لكن على الصبان

وله تشطير لبيتي بعض القدماء : بالله يا قبر هل زالت محاسنه أم كيف رونقه والحسن والجور .. وحسن طرته ما شأن حالتها وهل تغير ذاك المنظر النضر .. يا قبر لا أنت لا روض ولا فلك يشوقنا منك ما نرجو وننتظر .. ولست في الحسن معشوقًا إلى أحد حتى تجمع فيك الحسن والقمر ، وله أيضًا تشطير على بيتين أنشدهما له الشيخ محمد الكراني الشاعر رحمه الله وهما : خبراني عن قهقهات القناني أنا منها في غاية الإيهام .. أترى ضحكها لبسط الندامى أم بكاءً على فراق المدام.

فقال مشطرًا : خبراني عن قهقهات القناني وابتهاج الربا بصوب الغمام .. واهتزاز الغصون في الروض لينًا أنا منها في غاية الإيهام .. أترى ضحكها لبسط الندامى أم سرور الجميع شمل الكرام .. أم خطا بالبلبل الدوح غنى بكاء على فراق المدام ، وللمترجم مقامة وقصيدة يداعب الشيخ علي عنتر الرشيدي أعرضنا عنهما لما فيهما من الهجو والذم وله غير ذلك ، توفي رحمه الله تعالى سنة إحدى عشرة ومايتين وألف “.