
1 / مذكرات سعد زغلول
اشتهر الزعيم الوطني الكبير سعد زغلول في عالم السياسة بفضل دوره الوطني الكبير في النضال ضد الاحتلال البريطاني وقيادته الوفد المصري المطالب بالاستقلال والتفاف جموع الشعب حوله في ثورة 19 حتى صار واحدا من الرموز التاريخية الكبرى ، وقد تحققت هذه الزعامة الفريدة بعد مراحل طويلة من الكفاح بدأت مع بواكير الشباب واستمرت خلال رحلة حياته التي دون قسما منها في مذكراته والتي تظهر الجانب الآخر منه وهو شخصية الأديب والكاتب التي ظلت تلازمه جنبا إلى جنب مع الحياة السياسية.
وتنقسم حياة سعد زغلول إلى أربع مراحل ، المرحلة الأولى تبدأ مع مولده عام 1858 م ثم التحاقه بالتعليم في الكتاب ثم في معهد دسوق الديني حتى عام 1873 م عندما انتقل إلى القاهرة ليدرس بالجامع الأزهر واتصل بكل من السيد جمال الدين الأفغاني ولقي منه التشجيع في مجال الكتابة السياسية فأبدع في ذلك ثم تتلمذ على يد الشيخ محمد عبده والذي اختاره ليكون معاونا له في تحرير جريدة الوقائع المصرية وكلفه بإدارة القسم الأدبي فيها.
وبرزت مواهبه أثناء أحداث الثورة العرابية حيث كتب مقالات لتعبئة الجماهير ومناصرة الثوار فقامت حكومة محمود سامي البارودي بتعيينه معاونا بنظارة الداخلية وتولى نقل الرسائل بين الإمام محمد عبده بالقاهرة وأحمد عرابي بجبهة القتال ، وانتهت هذه المرحلة عام 1883 م بمحاكمته واعتقاله ثم فصله من العمل الحكومي بعد اتهامه بالاشتراك في جمعية سرية تهدف للانتقام من أعداء الثورة العرابية واغتيالهم.
المرحلة الثانية من حياة سعد زغلول بدأت بعد خروجه من المعتقل حيث عمل بالمحاماة مدة تسع سنوات نبغ فيها فاختارته الأميرة نازلي فاضل وكيلا لأعمالها وحضر صالونها الأدبي والثقافي والذي كان يضم صفوة المجتمع وقتها ، ثم توسط له الإمام محمد عبده بعد عودته من منفاه ليلتحق بسلك القضاء وبعدها قرر إكمال دراسته للقانون في فرنسا وتزوج من السيدة صفية ابنه مصطفى فهمي باشا رئيس مجلس النظار.
وقام سعد بدعم الشيخ علي يوسف في تأسيس جريدة المؤيد ورافق الخديوي عباس حلمي الثاني في سفره إلى الآستانة وقام بدور كبير في الدعوة لإنشاء الجامعة الأهلية ودعم قاسم أمين في موقفه من تحرير المرأة ودعم صحيفة الجريدة التي أسسها أحمد لطفي السيد مع شقيقه أحمد فتحي زغلول والمعبرة عن فكر حزب الأمة الناشئ ، وفي عام 1906 م حظي بدعم مصطفى كامل لتوليه نظارة المعارف وذلك بعد حادثة دنشواي خلفا للإنجليزي دانلوب.
المرحلة الثالثة من حياة سعد بدأت مع توليه نظارة المعارف حيث قام بجهود كبرى في تعريب التعليم وزيادة عدد المدارس وزيادة عدد الطلاب المبعوثين للخارج وزيادة ميزانية الوزارة وإنشاء مدرسة القضاء الشرعي لتخريج قضاة المحاكم الأهلية فأعاد أمجاد علي باشا مبارك ، ثم انتقل إلى نظارة الحقانية عام 1910 م وقاد بدور في الإصلاح التشريعي والقانوني خاصة في مجال حرية الصحافة ثم دبت الخلافات بينه وبين الحكومة حول قضايا عديدة فقدم استقالته في عام 1912 م في أعقاب محاكمة الزعيم محمد فريد.
بعد ذلك رشح سعد نفسه لعضوية الجمعية التشريعية ثم أصبح وكيلها المنتخب بدعم من مختلف القوى السياسية واستمر ذلك حتى عام 1918 م حيث بدأت المرحلة الرابعة من حياته والمعروفة للجميع والتي شهدت تأسيس الوفد المصري ونفيه مع زملائه واندلاع ثورة 19 والنضال من أجل الاستقلال والدستور وتوليه رئاسة أول حكومة وطنية ثم رئاسة البرلمان حتى وفاته عام 1927 م ودفنه في ضريحه المعروف ببيت الأمة وسط القاهرة.
ذكره الزركلي في كتابه الأعلام فقال : ” سعد (باشا) بن إبراهيم زغلول ، زعيم نهضة مصر السياسية وأكبر خطبائها في عصره ولد في (إبيانة) من قرى (الغربية) بمصر وتوفي أبوه وهو في الخامسة فتعلم في كتّاب القرية ، ودخل الأزهر سنة 1290 هـ فمكث نحو أربع سنين واتصل بالسيد جمال الدين الأفغاني فلازمه مدة ، واشتغل بالتحرير في جريدة الوقائع المصرية مع الإمام الشيخ محمد عبده سنة 1298 هـ ونُقل منها إلى وظيفة (معاون بنظارة الداخلية).
ونشبت الثورة العرابية (سنة 1298 هـ – 1881 م) فكان ممن اشتركوا بها ، وقبض عليه سنة 1299 هـ بتهمة الاشتراك في جمعية سرية قيل إنها تسعى لقلب نظام الحكومة فسجن شهورا وأفرج عنه مبرءا ، وحصل على إجازة الحقوق فاشتغل بالمحاماة سنة 1301 هـ ونبه ذكره فاختير قاضيا فمستشارا ، وتولى وزارة المعارف فوزارة (الحقانية) فوكالة رياسة الجمعية التشريعية.
وانتخب سنة 1337 هـ – 1919 م رئيسا للوفد المصري للمطالبة بالاستقلال فنفاه الإنجليز إلى مالطة في 8 مارس 1919 فأصبح اسمه رمزا للنهضة القومية وعاد من المنفي بعد قليل ثم نفوه إلى جزائر سيشل سنة 1922 ، وتولى رياسة مجلس الوزراء سنة 1924 ورياسة مجلس النواب سنة 1925 و 1926 وتوفي بالقاهرة ، انفرد بقيادة الحركة الوطنية وتنظيمها ما بين سنتي 1919 و 1927 فكان رجل مصر ولسانها وموضع ثقتها وقبلة أنظارها.
وعمل المحتلون البريطانيون على إبعاد الجمهور المصري عنه ففشلوا ، وخالفه أنصار له وعارضه آخرون فما ازداد إلا شدة وقوة ، وهو أول سياسي مصري أسمع الغرب صوت (الجامعة العربية) فقال – وهو بلندن – يهدّد الإنجليز : (إن مصر تملك زرا كهربائيا إذا ضغطت عليه لبّتها بلاد العروبة جميعا) ، وكان يحسن الفرنسية تعلمها كبيرا كما فعل أستاذاه جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده قبله وله إلمام بالألمانية والإنكليزية.
وألف في شبابه كتابا في فقه الشافعية وجمعت في أواخر أعوامه خطبه ومختارات منها في كتابين مطبوعين ، ويضيق المجال هنا عن استيفاء سيرته وهي سيرة النهضة المصرية بعد الحرب العامة الأولى ، ومما كتب عنه : سعد زغلول سيرة وتحية لعباس محمود العقاد ، وتاريخ سعد باشا وكلماته لعباس حافظ ، وآثار الزعيم سعد زغلول لمحمد إبراهيم الجزيري ، وسعد زغلول لمصطفى فهمي الحكيم ، وعظمة سعد لمحمد الزين ، وسرّ عظمة سعد لعبد الرحمن البرقوقي “.
وقد تناول محمد كامل الفقي مراحل حياة سعد زغلول ومهاراته العديدة في كتابه الأزهر وأثره في النهضة الأدبية الحديثة حيث قال : ” سعد زغلول المتوفى سنة ١٣٤٧هـ / ١٩٢٧ م ، بيئة سعد ونشأته : ولد سعد في قرية من قرى مديرية الغربية تدعى إبيانة وكان أبوه إبراهيم زغلول عميد بلدته من سراتها ووالدة سعد هي السيدة مريم بنت الشيخ عبد بركات انحدرت من أسرة عريقة اتصل آباؤها بالولاة منذ محمد علي الكبير وجمعتهم المصاهرة بأمجد البيوت في إقليمي الغربية والبحيرة.
ورث سعد عن أبويه بنية الفلاح وصدق العزيمة وصلابة الحق وعوجل في السادسة من عمره بوفاة أبيه فحرم عطف الأبوة وعوض عنه الاعتماد على النفس ، ربي سعد بعد موت أبيه في كفالة أخيه الأكبر الذي استطلع فيه منذ صغره مخايل الذكاء وقرأ في محياه أمارات النباهة والطموح فأدخله المكتب ليتعلم القراءة ومباديء الدراسة وحفظ القرآن كي يتهيأ لإشخاصه إلى الجامع الأزهر ليتعلم به العلوم اللغوية والدينية ، دخل سعد مكتب القرية في السادسة من عمره وانتهى منه في الحادية عشرة من عمره وامتاز من أقرانه بخلتين لزمتاه طوال حياته هما الفهم والعزم فكان كما قيل يصحح ما يكتبه بعد قراءة واحدة ويفرض على نفسه واجبا دونه ما يفرضه المعلم.
ولما أتم حفظ القرآن وظل يتردد على الشيخ أحمد أبي رأس شيخ معهد دسوق الديني إذ ذاك ويتلقى عنه دروسا في النحو والفقه كما يتلقى أصول التجويد ، ثم صحت النية على إيفاده إلى الجامع الأزهر ليجد فيه من الثقافة ما يتوق إليه وقد طرب لرحلته إلى الأزهر ووفد إليه إذ كان إصلاحه قد حان حينه فقد كان ذلك في سنة ١٨٧١ م وهي السنة التي تولاه فيها الشيخ محمد العباسي المهدي وشرع في إصلاحه وتنظيمه ، وفي مطالع هذا العام قدم إلى القاهرة المصلح الخطير السيد جمال الدين الأفغاني يحمل دعوته الجريئة التي ملأت الأذهان والقلوب ، كان في الأزهر فريقان يتشاجران فريق المحافظين على القديم المتشبثين به وفريق النازعين إلى التجديد الداعين إليه.
نهل سعد من علم جمال الدين والشيخ محمد عبده وكان له من الانتفاع بعلمهما وتوجيههما أبلغ الأثر في حياته وكان زملاؤه في الأزهر إذ ذاك من طبقة الشيخ عبد الكريم سلمان والشيخ أبي خطوة فقيض له من هذه البيئة ما شجعه على المضي في الإصلاح المنشود للأزهر ، ودعي سعد للعمل مع هذه الطائفة على تحقيق الإصلاح المرجو فكتب منشورًا علقه في جنح الظلام على أعمدة الأزهر يبين الداء ويصف العلاج وقد قال حين رأى الأفغاني” لأول مرة هذا بغيتي ، ومما روى أن السيد جمال الدين استكتب تلاميذه موضوعا عن الحرية فبذ سعد أقرانه بكتابته وأعجب الأفغاني به حتى قال : من علامة نشأة الحرية في هذه الأمة ألا يجيد الكتابة فيها إلا ناشئ كهذا الفتى.
كان جمال الدين زعيما اجتماعيا مصلحا البيان أقوى دعائمه وأبلغ أسسه وتلاميذه وشيعته يجرون معه في هذا المضمار ، ومن ثم قد دلف سعد إلى هذا الميدان وأقبل على الخطابة والكتابة وتوفر على المطالعة قوى الرغبة صادق العزم وما هو إلا أن قرأ كتاب ابن مسكويه في تهذيب الأخلاق فقام بتلخيصه وهو حدث لما يناهز العشرين ، ثم نشط للكتابة في الصحف والخطابة في المجامع ثم عين رئيسا للقسم الأدبي بالوقائع المصرية ثم أشرقت كفايته وتجلت مواهبه وظهرت قدرته على نقد الأحكام وفهم القانون فانتقل إلى وظيفة معاون بوزارة الداخلية فنظر لقلم قضايا الجيزة ، ثم اندلعت الثورة العرابية فكان ممن أشعلوا نارها وخاضوا غمارها وهنا يبدأ جهاد تتقد فيه عزيمته وتكبر رجولته.
اشترك سعد في الثورة بقلبه الكبير وعزمه الجبار وناله من أذى الاعتقال وفقد الوظيفة ما ناله ، ولما نفي أصحابه الثائرون خطر له أن يعود إلى وظيفته أو يجد في الحكومة عملا فلم يقيض له ما أراد وإذ ذاك رغب في المحاماة على ما كانت توصم به إلى هذا الحين من التطاول والفحش واتخاذها تجارة قد يكون ربحها بغير الشرف والعفة وكأنه كان يريد أن يهيئ لها كرامة وشرفا جديدين ، ثم اتهم بأنه ألف جماعة سرية سماها جماعة الانتقام لتقتل الجواسيس الذين خانوا الثورة العرابية والرؤساء الذين نكلوا بالعرابيين فألقي القبض عليه ، وعلى الرغم أن دليلا لم يقم على اتهامه ظل معتقلا أكثر من ثلاثة أشهر لأن النية كانت متجهة إلى نفيه للسودان.
سعد المحامي : عاد سعد إلى المحاماة بعد خروجه من السجن فكان الآية الناطقة بالكرامة كما كان أبلغ الأمثال في قوة الحجة ورصانة الجدل ورسوخ المادة واتزان المنطق وانطلاق اللسان وحسن الأداة وشدة العارضة والعفة في القول ودقة الاستنباط وصحة الاستدال ، وقد سأله أحمد بليغ باشا في لجنة الامتحان عن واجبات المحامي فقال : درس القضية جيدا والدفاع عن الحق واحترام القضاء ، كان ذلك هدفه في المحاماة لم يقم عن الباطل مدافعا ولم يقف للحق قصما وما تكفل بقضية إلا وهو دارس متأهل ليدافع عن بينة وما درس قضية فوجد فيها القضاة أو وكلاء النيابة أو الخصوم ثغرة ينفذون منها إليه ، ومن عجيب أنه إذا لاحت له فرصة للصلح انتهزها وشجع موكله على المضي فيها ورد له مقدم الأتعاب الذي كان يقيده في (باب الأمانات) حتى إذا توفرت أسباب الصلح رد المال للموكل وقال : هذه أمانتك ردت إليك.
سما سعد بالمحاماة وبلغ بها أقصى درجات العظمة والكمال بلاغة وقوة وبرهان وأمانة عمل هي أسمى ما ينشده الشرفاء لهذه المهنة والقائمين عليها وكان سعد تمثل في قضية الفرد قضية الأمة وألهم أن لليوم ما بعده فشرف في المسلكين ووفى في القضيتين ، وإنك لترى أثر الأزهر واضحا فيما تميز به سعد المحامي فقد نضحت عليه البلاغة وطلاقة اللسان ودقة البحث وغزارة المادة وترتيب المنطق وتلك من أهم ما يمتاز به الأزهريون وكان من خصائصه الأمانة والنزاهة اللتان هما من ألزم الصفات لرجل نشأ في ظلال البيئة الدينية ، على أن دراسة الأزهريين والتفرغ فيها بالتروي والمثابرة للوصول إلى النتائج والتقصي الدقيق الذي هو من لوازم الدراسة الأزهرية كان من أقوى الأسباب التي أنجحت سعدا في مهنة المحاماة وجعلته سيد المحامين جميعًا.
سعد القاضي : ظل سعد يزاول المحاماة ثماني سنين أو تسعا كان فيها المثل الأعلى في الإيمان والبيان ثم سعى له أستاذه الشيخ محمد عبده فعين سعد نائب قاض بمحكمة الاستئناف ، وظل يرتقي في مناصب القضاء بما يعد طفرة ووثوبا وقد ابتهج المحامون والقضاة بتعيين سعد وكان في قضائه كما كان في دفاعه لم تسم إليه ريبة ولم يدنس يوما بظن.
سعد وزير المعارف : كانت الأفكار مبلبلة والخواطر هائجة والمصريون يضمرون للإنجليز شرا لأن الإنجليز بدأوا بالشر وبيتوا لهم أمرًا لأن بني التايمز جاءوا بشيء إمر وذلك عقب حادث دنشواي ، واتجهت سياسة الاحتلال إلى تهدئة الخواطر وتنحية النهم التي اكتنفت النيات البريطانية وخاصة ما اعتقده المصريون من أن الإنجليز يصدون عن تعليمهم وينحون الشباب المصريين عن التربية الصالحة والثقافة النافعة ، خشي الإنجليز خطر ما في الصدور ورأوا خلل الرماد وميض نار فعملوا على تهدئة الخواطر وتسكين الفتن وكان أول ما فعلوه أن دعي سعد ليتولى وزارة المعارف وهو الذي جاهر بنقد التعليم في مصر وصاح صيحات متصلة مطالبا بإصلاح التعليم وكان في طليعة الذين أسسوا الجامعة المصرية.
ولم تكن هذه أول مرة عرض فيها اسم سعد لتولية الوزارة فقد كان من المصريين المعروفين بالنزاهة والفصاحة وكان يخشى خطره من طول ما ينادي به في إنهاض الأمة والعمل على رقيها ، كان ترشيحه للوزارة من المطالب التي اشترك في طلبها المستر بلنت الشاعر الأرلندي المستشرق والشيخ محمد عبده ومحمد المويلحي بك في سنة ١٨٩١ م إذ كتبوا بذلك خطابا إلى اللورد كرومر ذكروا فيه اسمه مع تسعة آخرين من زعماء من الناهضين ، ولي سعد وزارة المعارف سنة ١٩٠٦ وكانت من قبله بيد المستشار الإنجليزي دنلوب يصرفها على هوى الاستعمار ومذهبه ويؤازره في ذلك أعوان فرنسيون وانكليز ويؤيده صنائع الاستعمار من المصريين الضعاف النفوس الذين رأوا السلطان في يد المحتل فهابوه ولم يرقبوا في الوطن إلا ولا ذمة.
أقام سعد في وزارة المعارف قرابة ثلاثة أعوام غير فيها وجه التاريخ ومضى في عمله قويا جبارا ذا شخصية ورأي ووطنية وطامن بسطوته بغي المستشار فلم يحس له من أثر ، ولن ينسى له الزمان أن نقل التعليم من اللغة الإنجليزية إلى اللغة العربية وقيض للدراسة ما تتطلبه من الكتب العربية النافعة ومهد السبيل لتحقيق هذه الغاية فترجمت كتب العلم الحديث إلى العربية ونشط المتعلمون للتدريس والتأليف فيها وزود المدارس بطائفة من المدرسين ليعاونوه على نشر الثقافة في صورتها العربية الجديدة ونقل التعليم إلى مرحلة نافعة مثمرة بعد أن ظل جامدًا في ظل الاحتلال والعبودية.
وكان من آثار سعد في وزارة المعارف أن أنشأ في سنة ١٩٠٧ م مدرسة القضاء الشرعي على نظام بديع وطريقة مثمرة فخرجت طائفة من العلماء البارزين والقضاة النابهين استمدتهم من نابغي الأزهريين ، كما أثبت وجود المصريين في الوظائف الضخمة بعد أن لم يكن له ظل فيها وهيأ لهم وظائف الإدارة والتفتيش واختار منهم وكلاء للمدارس الثانوية تمهيدا لترقيتهم إلى وظائف النظار وما بعدها ، ولا ينبغي أن تتجاهل الروح المعنوية والقوة الهائلة التي سكبها في نفوس المصريين من الاعتداد بالنفس والتربية الوطنية الصالحة واستماعه لكل شكاة وإنصافه كل مظلوم.
سعد وزير الحقانية (العدل) : استقالت الوزارة الفهمية التي كان سعد وزير معارفها في أواخر سنة ١٩٠٨ م وكانت وزارة الحقانية نصيب سعد في الوزارة التي خلفتها وكان الغرض من إسناد وزارة الحقانية لسعد التحجير عليه وتفادي الخلف معه لأنها وزارة التشريع والقضاء وهما من أعمال مجلس الوزراء مجتمعا لا من عمل الوزير وحده والقضاء من عمل المحاكم ولا شأن للوزير به إلا الإشراف من بعد عليه ، وإذن فقيام سعد على هذه الوزارة يراد منه نشدان أمنه وسلامه وتلافي ما يثيره وحي شخصيته ووطنيته من عقبات ومشاكل ولكن سعدًا عاش في هذه الوزارة يحمل معه نفسه وطريقته وظل يلبي ضميره ويعمل برأيه وتصرفه الخاص فجد في إصلاح نظم القضاء وتعقب القوانين القائمة بالتهذيب والتعديل حتى أصبحت تساوق الحاجة وتدارج روح العصر.
حفظ سعد للمحامي كرامته وللقاضي حرمته ولم يعبأ برأي متبع أو عرف مألوف ووقف العدالة من كل مظلوم ولم يتراجع ولم يقف عند حد الحذر والمجاملة حينما عرضت قضية من القضايا لمصادمة مرهوبة جمعت عليه كل قوة من البلاد المصرية لأنها مصادمة المال ومصادمة اللورد كتشنر ومصادمة الأمير عباس الثاني وهما قابضان على كل قوة فعلية أو شرعية في الحكومة ، وقصة هذه القضية أن أميرة مصرية تزوجت من فتى رومي مسيحي فصدر أمر الخديو بمحو اسمها من الأسرة وإحالة ملكها إلى قيم يشرف عليه ويقدم حسابه إلى وزارة الحقانية وكان هذا القيم من رجال الخديو وكان إلى جانب ذلك من الأصدقاء المقربين من كتشنر يصاحبه في غدوه ورواحه ويقضي معه شطرًا من شئونه فقد اجتمع الخديو واللورد على حبه تقديره.
لاحظ سعد في حساب هذا القيم أثناء مراجعته خللا ظاهرا استوقفه واستغضبه فأشار بعزله وإذ ذاك عز على كتشنر أن ينال ذلك أحد الأوفياء له وأن تذاع الهزيمة القاصمة للرجل الجبار فاستعدى على سعد حكومة لندن ، وبينما يترقب الرد وقعت بينه وبين سعد مشادة عنيفة خرج سعد منها ثائرا محنقا وقدم على إثرها استقالته ، وإذا كان بعض الناس يخضعون للمناصب ويغضون الطرف عن بعض الحقوق في سبيلها فإن سعد كان الأسد حق الأسد سما بالمناصب فجعلها أسباب خلوده وسجل فيها كريم وقفاته وروائع جهوده.
مراحل جهاده : صدر القانون بإنشاء الجمعية التشريعية وتطلعت إلى التمثيل فيها مواهبه واستشرقت إلى منبرها فصاحته ونزل ميدان الانتخاب بعيدا عن الأحزاب لكنه وحده القوة الهائلة وقد خطب في ناخبيه فشرح لهم بمنطقه الخلاب رسالته في الجمعية وما هو فاعل لو توجوه بثقتهم ولأول مرة في تاريخ الانتخابات بمصر سمعت الخطب الانتخابية وتقرب المرشحون إلى الناخبين ببيان الخطط التي ينوون اتباعها ، ظفر سعد بالنجاح مع أنه رشح نفسه في دائرة من دوائر العاصمة وكان في هذه الجمعية شعلة متقدة يخشى خطرها وكان فيها وفي مجلس النواب بعدها يمثل صفاء الذهن وإشراق الفكر فياض البيان بليغ الأداء جم الأدب عفيف اللسان وقد قال عن نفسه في هذا الصدد : لست شتامًا بل أقر وأعترف أمامكم بأنني عاجزًا أمام كل شتيمة فليس لي مطلقا قوة في هذا الميدان تدفعني لأن أنازل فيه أضعف إنسان.
شبت الحرب العظمى واندلع لهيبها في البلاد وأعلنت الأحكام العرفية ثم الحماية على مصر ونقض الإنجليز ما عاهدوا المصريين عليه وضيقوا الخناق على الأحرار واسترسلوا في الكيد والأذى والانتقام فدعا سعد ناديه ونفخ في الأمة من روحه وهو العلم الخافق والصوت المدوي ، وفي هذه الغاشية وتلك الوحدة المجمعة تألف الوفد المصري من أعلام الجهاد والوطنية وكان سعد زعيم هذا الوفد ينفحه القوة من مضائه والحكمة من بلائه وكان يقول قبل نفيه من مصر بأسبوعين لا بد لنا من قارعة وما هي إلا أيام قلائل حتى أعلن الإنجليز رغبتهم في تنقية الجو المصري من سعد فنفي إلى مالطة ومع نفر من أصحابه.
الثورة الجامحة : سرى هذا النبأ فاندلعت الثورة في كل مكان وفي كل وجدان وكانت ثورة قومية انتظم في عقدها طلبة الأزهر والمدارس وأفراد الشعب مسلمين ومسيحيين ، وبدأت السلطات تسرح سعدًا وأصحابه فشخصوا باريس مثوى مؤتمر الصلح حيث وافاهم أعضاء الوفد جميعا ولما لم يلق هذا المؤتمر لقضية مصر بالًا عاد بعض الأعضاء وبقي سعد في باريس ، وفي سنة ١٩٢٠ شخص إلى لندن ومعه بعض زملائه بدعوة من الحكومة البريطانية لمفاوضتها في المطالب المصرية وكان الإنجليز ممثلين في لجنة يرأسها لورد ملنر ، ولتشدد الجانب المصري في حقوقه لم تثمر هذه المفاوضات فعاد الوفد إلى مصر واحتفلت به الأمة كأنها طائر مد جناحيه لا خلاف لشيء منه على شيء منه بل كله على كله.
وظل سعد مدوي الصوت موصول الثورة حتى اضطرت السلطة إلى نفيه ثانية مع بعض رفاقه إلى جزيرة سيشل فلبثوا بها مدة نقل سعد بعدها إلى جبل طارق وأطلق من معه فشخص هو إلى فرنسا فمكث بها مدة ثم عاد إلى البلاد المصرية حيث كان الجهاد قد آتى شيئا من أكله ، فحصل على تصريح من الحكومة البريطانية في ٢٨ من فبراير سنة ١٩٢٢ م يخلي بين مصر وشئونها ويعترف فيه بأن مصر دولة مستقلة ذات سيادة إلا أن الإنجليز احتفظوا لأنفسهم ببعض الشئون ، وأعلن أثر ذلك الملك فؤاد استقلال مصر ثم أصدر الدستور في سنة ١٩٢٣ وكانت هذه خطوات موفقة في سبيل الاستقلال وبواكير طيبة من ممار الحرية لولا أن إحدى اليدين تسلب ما أعطت الأخرى.
وفي مطلع سنة ١٩٢٤ ألف سعد وزارته الشعبية حيث ظفر بالأغلبية النيابية ثم اعتزل الوزارة في ذلك العام وأسندت إليه رئاسة مجلس النواب وظل فيها حتى أغمده المنون في ٢٢ من شهر أغسطس سنة ١٩٢٧ فجزعت نفوس وفزعت قلوب وكان رزء مصر به أجل رزق وخطبها بوفاته أقدح خطب.
سعد الأديب : كان لسعد فطرة الأدب وموهبة البيان وملكة النقد ، اتفق له من روعة الخطابة ما تسامى إلى الإعجاز وكان له الأسلوب الكتابي الرائع ، وله في إصلاح الكتابة يد من أسبق الأيدي إلى التجديد في العصر الحاضر ولم تشغله السياسة مع احتوائها مشاعره وخواطره عن العناية باللفظ واختيار المعنى وتجويد الأسلوب، وكانت له في الأدب حصافة رأي ورجاحة فكر وأصالة قول ، وكانت مجالسه تضم الأدباء والكتاب والشعراء ، جرى أمامه الحديث في أساليب بعض الكتاب فقال رحمه الله : إنني أتناول أساليب هؤلاء الكتاب جملة جملة فإذا هي جمل مفهومة لا بأس بها في الصياغة والتركيب ولكنني أتتبع هذه الجمل إلى نهايتها فلا أخرج منها بنتيجة ولا أعرف مكان إحداها مما تقدمها أو لحق بها فلعل هؤلاء الكتاب يبيعون بالمفرق ولا يبيعون بالجملة.
وتحدث يوما عن الإيجاز والإطناب فقال : إن الإيجاز متعب لأنه يحتاج إلى تفكير وتعيين ولكن الإطناب مريح لأن القلب يسترسل فيه غير مقيد ولا ممنوع ، وقص قصة رجل كتب إلى صديق له رسالة مسهبة ثم ختمها بقوله : اعذرني من التطويل فليس لدي وقت للإيجاز ، ثم قال سعد : إن هذا الاعتذار قد يبدو عجيبا لمن لم يمارس الكتابة أما الذين مارسوها فهم يعلمون صعوبة الإيجاز وسهولة التطويل ، وذكرت أمامه المحسنات البديعية والتهالك عليها فقال : إن المحسنات حلية والشأن فيها كالشأن في كل حلية ينبغي أن تكون في الكتابة بمقدار وإلا صرفت الفكر عنها وعن الكتابة وعندي أن المقال الذي كله محسنات كالحلة التي كلها قصب لا تصلح للبس ولا للزينة.
وتحدث في مجلس ضم حافظا والعقاد وصروفا ونخبة من أعلام الأدب فقال : إن عيب صاحب هذا الكتاب كثرة الاستعارة ، ثم قال : ما أظن صاحبه يريد ما يقول لأن الذهن الذي يملك معناه عبارته بغير حاجة كثيرة إلى المجاز .. إنني أفهم الاستعارة للتوضيح والتمكن ولكني لا أفهم أن تكون هي قوام الكلام كله وكل استعارة عرفت وكثر استعمالها أصبحت كلاما واضحا وذهبت مذهب الأفكار المحدودة لأن الذهن يطلب الاستعارة ليستعين بها على التحديد فإذا وصل إلى التحديد كان في غنى عن الاستعارة وعن المجاز.
أما حديثه عن الشعر والشعراء فإنه مقل فيه لأن نفسه لم تستجب للشعر ، روي عنه أنه قال : إنما أحب الشعر السهل الواضح البين أما الشعر الذي يحوجني إلى التنجيم فلا أستطيبه ، وكان يرى أن شعر الحكمة أفضل الشعر وأعلاه ويقرأ للمتنبي ويحفظ له أبياتا كثيرة ويستشهد بها في بعض الأحاديث .. ومن رأيه من الأدب أيضا أنه لما كتب العقاد في كتابه مراجعات عن المنفلوطي وفضل الكتاب على المنشئين قال سعد : إن الإنشاء فيما يبدو له أعلى من الكتابة لأن الإنشاء خلق وابتداع ولا يشترط في الكتابة أن تكون كذلك فالمنشئ كاتب وزيادة والكاتب يأتي بشيء من عنده وقد يأتي ببضاعة غيره.
ومن آثار سعد الأدبية أن خلف ثروة من الكلمات الأدبية الخصبة تناقلها الناس وجرت مجرى الأمثال كقوله : (أخجلتم تواضعي) ، وكقوله في وصف بعض خصومه : (النكرات الشائعة والإمعات الضائعة) ، ومن تشبيهاته الرائعة ما حديث به بعد عودته من منفاه عن تصريح ٢٨ فبراير على أسلوبه في سرد الأمثال إذ قال : (هو ناقة البدوي التي تباع بمائة درهم وتباع التميمة التي في رقبتها بألف ولكن لا تباع الناقة بغير التميمة فما أملحها من صفقة لولا الملعونة في رقبتها).
ومن كلماته الشائعة : (الأمة مصدر السلطات ، الحق فوق القوة والأمة فوق الحكومة ، ويعجبني الصدق في القول والإخلاص في العمل وأن تقوم المحبة بين الناس مقام القانون ، ظهر لي أن العدالة الحقيقية لم توجد حتى اليوم في أي قانون من قوانين العالم وإنما تتفاضل القوانين فيما بينها بالعدالة النسبية ، ليس للحكومة أن تغضب كلما قلنا لها إنها مخطئة فإننا ما جئنا هنا لننبهها على خطئها ، إن الحكومة لم تحتكر الصواب لنفسها فلا ينبغي لها أن تستنكر مخالفتنا لها في رأيها بل إن وقوع الخلاف بيننا وبينها لازم من لوازم وجودها معنا وعرض مشروعاتها علينا بل إنها في حاجة إلى وقوع ذلك الخلاف لأنه هو الذي يكشف لها الصواب فيما يلتبس عليها وجه الصواب فيه من أعمالها ويوصلها إلى الحقيقة).
سعد الخطيب : خطابة سعد أبلغ معجزاته وأروع آياته وأبرز صفاته فقد كان خطيبا ساحرا يخلب الألباب ويهز المشاعر ولم تر مصر بل الشرق في التاريخ الحديث مثل سعد خطيبا ندي الصوت بليل اللسان زاخر الخاطر رائع البيان ، كان جم البديهة قاهر الحجة بليغ اللهجة يؤثر بفصاحته وسمته وهيمنته ويلائم بين الإقناع والامتناع ويتصرف في أفانين القول وغرائب الفكر وأطايب البيان برقة أسلوبه وجمال إيقاعه وتطريبه ، يبلغ النفوس العاتية فتخضع والرءوس المكابرة فتخشع ويسمعه المظلوم فيثور والظالم فيكاد يتقد غيظا وبينما تراه هادئا كتغريد الطير إذا بك تراه هائجا كغضبة البحر يجذب السامعين إليه ويطيعهم على شعوره وإحساسه فيضحكون مرة ثم يبكون أخرى ويطمعهم ثم يؤنسهم فما يزال يطوع أفكارهم ويلين قيادتهم حتى لا يدع لهم إرادة وذلك من بعض سحرة وأخذه.
أما بديهته وأما دعابته وجاذبيته فهو في كل ذلك آية الآيات ، كان عذب المنطق مسلسل الفكر مجود العبارة صحيح الإعراب غزير العلم يخطب فيهدي إليك ما يطربك من السياسة والقانون والأخلاق ، وقد أنكر عليه خصومه كل مواهبه ونالوا من فضائله ونواحي عظمته ما نالوا ولكن واحدا منهم لم ينكر عليه فصاحة منطقه وروعة خطابته وقوة أسره وعظيم تصرفه في البيان ، ولقد يكون سقيما نهكته العلة وليس له من القوة ما يمكنه من الحديث ولو خفض الصوت ولم يكثر ولكنه يحن إلى الخطابة على رغم دائه ويلج به الشوق لها فإذا به ينسل من علته ويتهادى على إعياء إلى منبره ثم يبدأ على ضعف واحتباس صوت فما يزال يعلو ويسترسل ويرتفع ويجلجل حتى لتراه في أشد ما يكون قوة وفتاء فكأنما لم يصبه من الداء قليل ولا أقل من القليل.
سعد الكاتب : نمت موهبة البيان في سعد وهو طالب في الأزهر وشبت معه القدرة على الكتابة وهو حدث يافع فشرع في مدارج شبابه يكتب مقالاته القيمة في صحف البرهان والحق ومصر المحروسة وغيرها من صحف ذلك العهد ، ولما اتصل بالإمام أعجب الإمام بأدبه ومواهبه وشخصيته واختاره لتحرير الوقائع كما قلنا فوجد سعد منها منبرا يدعو منه إلى الثورة والاستقلال الذي ملك عليه مشاعره ، وكانت له في الكتابة وترقيتها آثار ملموسة وربما جهل بعض الذين بهرتهم جوانب سعد السياسية أن له يدا في إصلاح الكتابة من أسبق الأيدي بالتحديد في الآداب العربية فقد كتب في الوقائع طائفة من مقالاته الفذة وأعاد البلاغ منذ سنتين نشرها وإن الأسلوب الذي كتبت به تلك المقالات يقارب أسلوب العصر في العلم والأدب ويخلو من عيوب ذلك العصر الذي كان التلفيق والتكلف ديدن كتابه ومنشئيه فكأن سعدا سبق الكتابة العصرية بجيل كامل وكان طليعة التجديد من خمسين سنة وليس هذا السبق على الآداب العربية بقليل.
ويتسم أسلوب سعد بالصفاء والوضوح وقوة الحجة وسطوع البرهان وتسلسل المنطق والتحلي بآيات من كتاب الله وأدب نبيه وهو أسلوب يجمع إلى إشراق بيانه غزارة العلم ودقة البحث ، ولعل للأزهر يدًا في توجيه يراعه وتزويدها بما هو من خصائص أهله قوة في الحجة ودقة في البحث وفيضا في البيان ، ومما أعاد البلاغ نشره من مقالات سعد كلمة نشرت في ١٢ من ديسمبر سنة ١٨٨١ بعنوان في الشورى والاستبداد.
مقالات سعد في البلاغ اليومي : وعلى ذكر مقالاته في الوقائع يلتفت الذهن إلى مقالاته في البلاغ اليومي فيما بعد فإن له في كليهما آثارا في نضج الصحافة وأدبها وسمو أسلوبها وبلاغ رسالتها ، رأى سعد أن وزارة زيور باشا أشد ما تكون عسفا وتعنتا ورأى في عهده مجافاة لروح الدستور وحكم الشورى فنشر في البلاغ سلسلة مقالات عنيفة ملتهبة بعنوان ثورة الوزارة على الدستور بتوقيع (س. أ.) وكان البلاغ يشير إلى كاتبها بأنه (إمام في البحث والبيان يشار إليه بالبنان) وطالما تشوف الناس لهذه المقالات ووقعت من نفوسهم موقع الإعجاب والرضى ثم كشف البلاغ الستار عن سعد وصرح بأنه صاحبها وأعاد نشرها تباعا.

2 / قصة حياتي
(أستاذ الجيل) هو اللقب الذي عرف به المفكر والسياسي المصري الكبير أحمد لطفي السيد باشا الذي ولد في برقين بالدقهلية عام 1872 م وتوفي بالقاهرة عام 1963 م وعمل وزيرا للمعارف ثم وزيرا للخارجية ثم نائبا لرئيس الوزراء في وزارة إسماعيل صدقي ونائبا في مجلس الشيوخ ورئيسًا لمجمع اللغة العربية ورئيسًا لدار الكتب ومديرًا للجامعة المصرية ، وهو الرجل الذي عاصر أحمد عرابي وجمال عبد الناصر معا مرورا بكل زعماء الحركة الوطنية حيث كان من القلائل الذي قدر لهم العمر المديد فكان شاهد عيان على تاريخ البلاد.
نشأ في أسرة ثرية والتحق بمدرسة الحقوق حيث تعرف على الشيخ محمد عبده الذي شجعه على إنشاء مجلة التشريع كما التقى بجمال الدين الأفغاني أثناء زيارته لإسطنبول سنة 1893 م وتأثر بأفكاره ، وبعد حصوله على ليسانس الحقوق عمل بالنيابة وتدرج في المناصب حتى عُين نائبًا للأحكام بالفيوم واشترك مع صديقه عبد العزيز فهمي في تأسيس جمعية سرية باسم (جمعية تحرير مصر) وعرف بها الخديوي عباس حلمي الذي تواصل معه عن طريق مصطفى كامل زميله السابق في مدرسة الحقوق للتعاون معا في مواجهة الاحتلال البريطاني.
تبنى أحمد لطفي السيد المفهوم الليبرالي لحرية الفرد مثل أوروبا وهو صاحب المقولة الشهيرة (الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية) ونادى بتحديد مفهوم للشخصية المصرية ودعا إلى تعليم المرأة حيث تخرجت في عهد رئاسته للجامعة أول دفعة من الطالبات ، وطالب باستقلال الجامعة وقدم استقالته حين تم إقصاء طه حسين عن العمل بها كما قدم استقالته مرة أخرى حين اقتحمت الشرطة حرم الجامعة ، وقام بتأسيس حزب الأمة صاحب شعار مصر للمصريين في عام 1907 م كما دعم تأسيس حزب الأحرار الدستوريين بعد الاستقلال.
وقد دون القسم الأهم من سيرته الذاتية في كتاب بعنوان (قصة حياتي) وتحدث فيه عن عمله بالقضاء والصحافة والسياسة والتعليم وكذلك علاقته برجالات عصره في مختلف المجالات ، وكتب آلاف المقالات في صحيفة الجريدة في الفترة من صدورها عام 1907 م وحتى احتجابها عام 1915 م نشرت بعد ذلك مختارات منها في جزأين بعنوان المنتخبات ثم في جزء ثالث بعنوان تأملات في الفلسفة والأدب والسياسة والاجتماع وجزء آخر بعنوان صفحات مطوية من تاريخ الحركة الاستقلالية كما ترجم عدة مؤلفات لأرسطو بعنوان الكون والفساد.
وفي كتابه قصة حياتي يتحدث عن نشأته الأولى فيقول : نشأت في أسرة مصرية صميمة لا تعرف لها إلا الوطن المصري ولا تعتز إلا بالمصرية ولا تنتمي إلا إلى مصر ذلك البلد الطيب الذي نشأ التمدن فيه منذ أقدم العصور وله من الثروة الطبيعية والشرف القديم ما يكفل له الرقي والمجد ، وقد ولدت في ١٥ يناير سنة ١٨٧٢ م بقرية برقين من أعمال مركز السنبلاوين بمديرية الدقهلية وهي قرية صغيرة كان تعدادها في ذلك الحين يبلغ مائة نفس ويشاع بين أهل الريف أن اسمها النزلة وربما سميت باسم برقين الفلسطينية وقد تضاعف سكانها فأصبح عددهم الآن نحو ألفي نفس ، وهم زراع ماهرون مشهورون بالجد والنشاط والاستقامة وقد اعتادوا أن ينطقوا القاف (جافًا) والجيم جيمًا معطشة كسائر أهالي مركز السنبلاوين وما زالت هذه اللهجة تغلب عليَّ في حديثي.
وكان والدي السيد باشا أبو علي عمدة هذه القرية كوالده علي أبو سيد أحمد وقد كان يجيد حفظ القرآن الكريم كله وعرف بشخصيته المهيبة وقوة شكيمته وعدالته في معاملته وعطفه على أهل قريته وغيرهم وأذكر أنه ما قسا يومًا عليَّ ولا وجه إليَّ كلمة نابية أو عبارة تؤلم نفسي بل كان طيب الله ثراه عطوفًا حكيمًا في تربية أبنائه يعتني بالقدوة الحسنة وحسن التوجيه والإرشاد ، ولما بلغت الرابعة من عمري أدخلني كتاب القرية وكانت صاحبته سيدة تدعى الشيخة فاطمة فمكثت فيه ست سنوات تعلمت فيها القراءة والكتابة وحفظت القرآن كله وكنت أجلس مع زملائي على الحصير ونصنع الحبر بأيدينا وإلى هذه السيدة يرجع فضل تنشئتي الأولى في تلك السنين.
ألحقت بمدرسة الحقوق سنة ١٨٨٩ م وكانت المدرسة وقتذاك يمكن أن تسمى كلية حقوق وكلية آداب معًا فقد كان الطلبة يدرسون فيها إلى جانب العلوم القانونية علومًا أدبية كآداب اللغة العربية وقواعد النحو والصرف والبيان والمعاني والبديع والعروض والقوافي وتفسير القرآن الكريم وآداب البحث والمناظرة والمنطق ، وكانت مدة الدراسة بها خمس سنوات وكان وكيلها عمر لطفي بك وكان يدرس لنا قانون العقوبات ومن أساتذتها مسيو تستو مدرس القانون المدني والأستاذ شارل ولوزينا والشيخ حسونة النواوي الذي تولى بعد ذلك مشيخة الأزهر وحفني ناصف بك وسلطان بك محمد ، وكنت في ذلك الحين أسكن في حارة (عمر شاه) التي يسكن بها الشيخ حسونة النواوي وكنت أتردد على منزله وكثيرًا ما يبعث إلي لأقرأ له درس الفقه الذي كان يلقيه في الأزهر في بكرة الغد.
وفي مدرسة الحقوق عرفني الشيخ محمد عبده والشيخ حسن الطويل وكانا مع الشيخ عبد الكريم سليمان في لجنة امتحان العلوم العربية ، وأذكر أنه في لجنة امتحان السنة الثالثة طلب منا أن نكتب في موضوع (حق الحكومة في معاقبة الجاني) فتناولت الموضوع من جميع نواحيه فكتبت المذاهب الأربعة التي أنشأها علماء الجنايات في شروحهم على قانون العقوبات ثم نقضت كل مذهب منها وخلصت في النهاية إلى أن الحكومة ليس لها حق معاقبة الجاني لأن كل حكومة نشأت بالقوة والقوة لا تعطي الحق وإنما الذي يعطيه هو العقد فقط وليس هناك أي عقد بين أية حكومة وبين أمتها !
ولما خرجنا من الامتحان وذكرت ذلك لزميلي محمود عبد الغفار أسف جدًّا لما فعلت وقال لي : يا لطفي أنا مش عارف فلسفتك دي حاتودينا فين ، وقد ألقى في روعي أني أخطأت في هذا العمل ووثقت أني سآخذ صفرًا على هذا الجواب ولكن حينما دخلت الامتحان الشفهي وجلست أمام اللجنة قال لي الشيخ محمد عبده : إني أهنئك بما كتبت وقد أعطيناك أعلى درجة لا على ثورتك على الحكومات ولكن على الإنشاء ، وأظن أن هذه الكلمة هي التي شجعتني على أن أنشئ فيما بعد مجلة التشريع بالاشتراك مع المغفور لهم إسماعيل صدقي (باشا) وإسماعيل الحكيم (بك) وعبد الهادي الجندي (بك) وعبد الخالق ثروت (باشا) ومحمود عبد الغفار ، ولقد هويت منذ كنت طالبًا في الحقوق الكتابة في الصحف فعاونت في جريدة المؤيد بترجمة تلغرافاتها الخارجية عندما كان الأستاذ محمد مسعود بك مريضًا.
وتحدث عن رحلته إلى الآستانة وهو طالب فقال : وفي صيف سنة ١٨٩٣ م سافرت إلى إستانبول وكنت ما أزال طالبًا بالحقوق فالتقيت بزميلي وصديقي المغفور له إسماعيل صدقي (باشا) ، وكان الخديو عباس حلمي الثاني يزور وقتئذ العاصمة العثمانية فكنا فيها نحن الاثنين كأنما نمثل الطلبة المصريين في الاحتفال بالخديو ، وذات يوم كنت سائرًا مع إسماعيل صدقي نتنزه على كوبري غَلَطَةَ وكان به شيء من القدم والتهدم فأخذ إسماعيل يتساءل : أين ميزانية الدولة ؟ وينتقد بطء التعمير والإصلاح ، ويظهر أنه كان يسير وراءنا دون أن نشعر جاسوس عثماني كما كانت الحال في ذلك الزمان فأبلغ رؤساءه هذا الانتقاد.
وبعد بضعة أيام ركبنا معًا حصانين وذهبنا للتفرج في بيوكدره ولما عدنا إلى المرفأ لنركب (الحميدية) إلى إستانبول قال لي إسماعيل صدقي : أرجو أن تنتظرني حتى أمر بأمين باشا ، فانتظرته على ضفة البوسفور حتى عاد من زيارته فوجدته ممتقع اللون واجمًا حزينًا فسألته عن أمره فأجاب : سأقول لك متى دخلت المركب ، ثم قال لي ونحن في (الحميدية) : إن أمين باشا كان في المابين (المعية السنية) فسمع من رجاله أن شابًّا مصريًّا اسمه إسماعيل صدقي تكلم ضد الدولة العلية وسياستها ، وكان جزاء من يثبت عليه ذلك أن ينفى في بغداد حتى يموت ولكن أمين باشا أجابهم : إن هذا الشاب الذي تعنونه ليس غير تلميذ صغير في المدرسة لا يعبأ بكلامه ، فقالوا له : إذن ما دام يهمك فليسافر في أول سفينة تقوم من إستانبول ، فسافر إسماعيل صدقي في صباح اليوم التالي ووصل إلى مصر في ١٢ يومًا ، أما أنا فبقيت في إستانبول مدة إجازة الصيف أتتلمذ على جمال الدين الأفغاني.
اشتغالي بالسياسة : في اليوم التالي لسفر إسماعيل صدقي (باشا) وكان ذلك في صيف سنة ١٨٩٣ مررت بأحد مقاهي الأستانة فلقيت فيها بعض المصريين وفيهم سعد زغلول بك (باشا) وكان وقتئذ قاضيًا بالاستئناف والشيخ علي يوسف وحفني بك ناصف وقد تأهبوا لزيارة السيد جمال الدين الأفغاني فصحبتهم إلى منزله ، وكنت أعرف طرفًا من حياته ولكني لم أكن قد اجتمعت به من قبل وكان قد ذاع صيته في الشرق الإسلامي كمصلح ديني وفيلسوف جليل وسياسي خطير ونزل مصر سنة ١٨٧١ وأقام بها حتى أواخر سنة ١٨٧٩ وعلى يديه نبغت طائفة من العلماء وكبار الكتاب في القطر المصري وقد رحل إلى الهند وإيران والعراق وأوربا ، ثم أقام في أواخر حياته بالأستانة فنزل ضيفًا على السلطان عبد الحميد في منزل يدعى (المسافرخانة) موفور العيش ووسائل الاطمئنان وقد قوبل من العلماء ورجال السياسة الأتراك بالحفاوة والإكرام وكان يخرج عصر كل يوم للرياضة والنزهة في أطراف المدينة على عربة سلطانية خاصة.
ولما ذهبت إليه مع إخواني ألفيته رجلًا مهيب الطلعة قوي الشخصية لا نظير له بين أهل عصره في علمه وذكائه وألمعيته وكان أبيض اللون ربعة ممتلئ البنية، أسود العينين نافذ اللحظ خفيف العارضين مسترسل الشعر جذاب المنظر يلبس عمامةً وجبةً وسراويلَ على زي علماء الأستانة وأظهر ما رأيته فيه سعة الاطلاع وقوة الحجة والإقناع فكان يستوي في مجلسه الطالب مثلي وأساتذته الحاضرون ، وفي اليوم التالي ذكرت لسعد زغلول رغبتي في التلمذة على السيد جمال الدين وسألته عن السبيل التي أسلكها لأكون تلميذًا له فأجاب سعد : اذهب اليه واطلب منه ذلك ، فقصدت إليه فما كدت أقبل عليه حتى قام لتحيتي كالمعتاد فقلت له : أنا لست زائرًا ولكني تلميذ ، فَسُرَّ رحمه الله بذلك وأخذ علي عهدًا بأن ألازمه طول إقامتي بالأستانة وقد فعلت.
جمعية سرية لتحرير مصر : أتممت الدراسة سنة ١٨٩٤ وحصلت على شهادة ليسانس الحقوق فعُيِّنْتُ في صيف ذلك العام أنا وجميع زملائي كتبة في النيابة بمرتب خمسة جنيهات في الشهر وكان تعييني في هذه الوظيفة لأول مرة بالقاهرة ثم نقلت إلى الإسكندرية فمكثت بها أشهرًا عينت بعدها سكرتيرًا للأفوكاتو العمومي حسن باشا عاصم ثم انتدبت معاونًا للنيابة ببني سويف وسرَّني ذلك لأني وجدت بها صديقي عبد العزيز فهمي (باشا) وكيل النيابة وقتئذ ، وفي سنة ١٨٩٦ عينت وكيلًا للنيابة بمرتب عشرة جنيهات وكان صديقي عبد العزيز ما زال بها أيضًا فأقمنا معًا في هذه المدينة وكنا نفكر في حالة مصر وما تعانيه من الاحتلال البريطاني وفي ذلك العام أنشأنا جمعية سرية غرضها تحرير مصر وكانت هذه الجمعية مؤلفة من عبد العزيز فهمي وأحمد طلعت رئيس النيابة (أحمد طلعت باشا فيما بعد) وحامد رضوان وكيل النيابة ومحمد بدر الدين وكيل النيابة والدكتور عبد الحليم حلمي وأنا ثم ضممنا إليها علي بهجت بك ومحمد عبد اللطيف الذي كان صيدليًّا بطنطا.
حزب وطني برياسة الخديو : وذات يوم كنت بالقاهرة بعد تأليف تلك الجمعية فالتقيت بمصطفى كامل فقال لي : إن الخديو عباس يعلم كل شيء عن جمعيتكم السرية وأغراضها وأظن أنه لا تنافي بينها وبين أن تشترك معنا في تأليف حزب وطني تحت رياسة الخديو ، فأجبته : لا مانع عندي من ذلك ، وأبلغ مصطفى الخديو هذا القبول واستأذن لي في مقابلة سموه وذهبت إليه فتحدث معي سموه عن أغراض الحزب الذي يريد تأليفه وطلب مني أن أسافر إلى سويسرا لكي أكتسب الجنسية السويسرية ثم أعود إلى مصر لأحرر جريدة تقاوم الاحتلال البريطاني والسبب في اختيار سويسرا دون أية دولة أن التجنس بجنسيتها قريب المنال لا يكلف الراغب فيه إلا إقامة سنة واحدة بها.
وكان الخديو عباس يظن وقتئذ أن فرنسا تستطيع أن تؤلب الدول على إنجلترا لتجلو عن مصر والذي أطمعه في ذلك زيارة المسيو ديلونكل النائب الفرنسي لسموه وَوَعْدُهُ له بذلك ، وبعدما خرجت من مقابلة الخديو عباس اجتمعت أنا ومصطفى كامل وبعض زملائنا في منزل محمد فريد وألفنا الحزب الوطني كجمعية سرية رئيسها الخديو وأعضاؤها مصطفى كامل ومحمد فريد وسعيد الشيمي ياور الخديو ومحمد عثمان (والد أمين عثمان باشا) ولبيب محرم (شقيق عثمان محرم باشا) وأنا ، ومن طرائف ما يذكر عن هذا الحزب أن الخديو كان اسمه بيننا (الشيخ) ومصطفى كامل (أبو الفداء) وأنا (أبو مسلم).
مصطفى كامل باشا : لا أريد أن أطيل القول في مصطفى كامل فحياته معروفة مشهورة ولكني أقول موجزًا : إن مصطفى كامل كان شعاره الوطنية ووسيلته الوطنية وغرضه الوطنية وكلماته الوطنية وكتابته الوطنية وحياته الوطنية حتى لبسها ولبسته فصار بينهما التلازم الذهني والعرفي فإذا ذكرت مصطفى كامل بخير فإنما تطري الوطنية وإذا قلت الوطنية فإن أول ما يتمثل في خيالك شخص مصطفى كامل كأنما هو والوطنية شيء واحد !
ولقد تمثل ذلك يوم وفاته في هذه المظاهرة التي لم نعرف لها في ذلك الزمان مثيلًا فقد اشترك جميع أفراد الأمة في أمر واحد على رأي واحد بصورة واحدة مع اختلافهم فيما عداه ، كل هذا دل على أن الشعور الذي قادهم ليس مذهبًا سياسيًّا ولا طريقة من طرائق المنازعة السياسية بل هو أعلى من ذلك هو التضامن القومي والجامعة الوطنية ، إن مصطفى كامل كان تمثال الوطنية ولقد دعوت في اليوم التالي لوفاته على صفحات الجريدة إلى إقامة تمثال له يشهد بالاعتداد بفضله في عمله وتخليدًا لذكره واعترافًا من الأمة لكل عامل يقف نفسه على خدمتها وتجسد لهذه الروح الطاهرة ، وقد شاعت هذه الفكرة بين جميع الطبقات وفتحنا الاكتتاب على صفحات (الجريدة) وتكلفنا بالقيام بهذا العمل ولو أننا لم نكن من حزبه السياسي لأن مصطفى كان مصريًّا لجميع المصريين.
أحمد عرابي باشا : في سنة ١٩١١ توفي أحمد عرابي باشا قائد الثورة العرابية التي نشبت سنة ١٨٨٢ أيام كنت صبيًّا في العاشرة من عمري ، ولما كان غفر الله له من نوابغ المصريين وقد لعب دورًا مهمًّا في تاريخ مصر أود أن أسجل رأيي فيه في هذه المذكرات : لقد كان مستقبل مصر طوع يدي هذا الرجل إن أصاب الفكرة وحزم الرأي وأتقن العمل جعله مستقبلًا سعيدًا وإن عجل ولم يتدبر وانقاد لشهواته أو شهوات زملائه وقعت مصر في التعاسة ومن نحس الطالع أن الذي جرى هو آخر الفرضين !
لعرابي حسنات قبل الثورة له حسنة رضيت عنها الأمة وفرحت بها رضيها الخديو توفيق باشا وسار عليها العمل ، تلك الحسنة الكبرى هي الدستور فالدستور المصري من عمله ومن صنع يده ومن آثار جرأته ، طلبه عرابي لا بوصف أنه عسكري ثائر ولكن بوصف أنه وكيل وكلته الأمة في ذلك فإن عريضة طلب الدستور كانت ممضاة من وجهاء الأمة ومشايخها ، فأما كون القوة العسكرية هي التي كانت الآلة لتنفيذ إرادة الأمة في ميدان عابدين فذلك إن لم يكن مشروعًا قانونًا فإنه مشروع بتقاليد الأمم لأنه هكذا جرى في كثير من البلاد وكان القائد للحركة الدستورية في كل بلد يحمل على الأكتاف ويهتف باسمه في الشوارع والنوادي والمجالس فعرابي حقق آمال الأمة بالدستور ولم يرتكب في ذلك جريمة ولم يسفك دمًا بل كانت الحركة في حقيقتها سلامًا لابسًا كسوة عسكرية.
لا يجوز لنا أن نغمط حق الرجل في إنالتنا الدستور بل يجب علينا أن نردد له ثناء آبائنا يوم صدر قانون الانتخاب وقانون مجلس النواب فإن كانوا بعد ذلك لم يستطيعوا حفظ مراكزهم أو إذا كانت إنجلترا أغلقت المجلس وألغت قانونه يوم دخولها فذلك ليس من خطأ عرابي المباشر ومع ذلك إذا كان في أخريات الأمر أو في عهد الثورة لم يحترم استقلال المجلس وضغط عليه بقوة السيف فذلك عمل آخر يحسب عليه بعد أن يحسب له كسب الدستور ، لعرابي سيئات بعد ذلك فيما يتعلق بخروجه على خديو هادئ من غير مصلحة عامة للأمة وفي عدم تقديره حالة أمته من القوة والضعف تقديرًا صحيحًا وفي الجهل بالمقارنة بين قوته الحربية وقوة إنجلترا وفي الانخداع ببعض المهيجين الإنجليز وبكلمات بعض نوابهم الأحرار.
ويتحدث عن نواة تكوين الوفد المصري للمطالبة بالاستقلال تحت عنوان الأصدقاء الخمسة فيقول : ولقد أصبحنا في بلادنا ندرك الحرية بمثلها الأعلى الذي يأتلف مع شرف الإنسان في هذا الزمان وصرنا نمتعض من كل فكرة ومن كل قانون ومن كل عمل يمس الحرية الشخصية أو يعطل استعمال الحرية المدنية في غير الحدود المتفق عليها في أعلى البلاد مدنيةً وأصبحنا كذلك نرى أن الحكومة المعقولة الوحيدة المطابقة لشرف الأمة هي حكومة الدستور وأن الطلبة الكبرى التي يجب أن توجه إليها قوى الشعب بأسره هي الاستقلال التام ، لهذا نهضنا نهضة مباركة وهدفنا هذا الغرض العظيم وبدأنا نحن الاصدقاء الخمسة سعد زغلول وعبد العزيز فهمي وعلي شعراوي ومحمد محمود وأنا نفكر في كيفية الاستفادة من المبادئ الأربعة عشر التي أعلنها الرئيس ويلسون رئيس جمهورية الولايات المتحدة ، تلك المبادئ الحرة التي تنص في جملتها على أن كل أمة مهما صغرت لها الحق في اختيار مصيرها وتقرير الحكم الذي ترضاه بمحض إرادتها وحريتها.
وفي نوفمبر سنة ١٩١٨ بدأنا نؤلف الوفد المصري واستقلت من دار الكتب المصرية وأخذنا نعمل في ذلك الحين على ما جاء في مذكرات صديقي عبد العزيز فهمي باشا ولا أستطيع بالضبط أن أروي الآن ما جرت به الحوادث من وقت تأليف الوفد وإن كنت قد كتبت بها يوميات لكني اضطررت لإحراقها كما سأقص هنا : بعد أن نفي إلى مالطة أصحابنا الأربعة سعد زغلول ومحمد محمود وإسماعيل صدقي وحمد الباسل قامت في البلاد ثورة عنيفة في أوائل سنة ١٩١٩ كانت من الخطر بحيث لم نكن نتوقعها حتى لقد ألفت في مديرية المنيا جمهورية برياسه الدكتور محمود عبد الرزاق بك الطبيب وقطعت سكة الحديد بينها وبين القاهرة وكذلك قيل عن تأليف جمهوريات في بعض مديريات الوجه البحري ، فدعتنا نحن أعضاء الوفد الباقين السلطة العسكرية للمثول أمامها في فندق سافوي وكان بين ضباطها العظام مستر إيموس فلما مثلنا أمامها وجه القائد العام إلينا الكلام محملًا إيانا مسئولية الثورة.
فكان جوابي على هذه التهمة : إن الوفد بريء منها وإن تبعتها تقع على السلطة العسكرية التي نفت أربعة من رجال الوفد المصري بلا ذنب أتوه إلا أن يطالبوا بحرية بلادهم ثم قابلت المظاهرات البريئة بالمترليوز فغضب أهالي البلاد لقتل أبنائهم وقاموا بهذه الحركة وإني أنصح للسلطة العسكرية أن تستدعي حسين رشدي باشا أو عدلي يكن باشا أو ثروت باشا ليؤلف وزراة تعمل على ترضية الأمة ترضية كافية وبهذا يقضى على الثورة ، وبعد لقائنا لرجال السلطة العسكرية بأيامٍ قلائلَ كنت مع صديقي عبد العزيز فهمي مجتمعين في منزل علي شعراوي فوفد علينا صديقنا الدكتور يوسف نحاس فقال لنا : إنه علم عن ثقة أن السلطة العسكرية الإنجليزية ستفتش بيوت أعضاء الوفد الباقين وتقبض على أربعة منهم لتقتلهم بالرصاص في اليوم التالي وتصادر أملاكهم ، على هذا الخبر قمت أنا وعبد العزيز باشا وركبنا سيارة شعراوي باشا وأوصلت عبد العزيز إلى منزله بمصر الجديدة وذهبت إلى بيتي بالمطرية فأحرقت كل أوراقي السياسية لأنه لم يكن عندي الوقت الكافي لفرزها وكان من بينها يوميات الوفد التي لم تخلُ صحيفة منها من ذكر رشدي باشا وعدلي وثروت باشا أحرقتها خوفًا عليهم من أن يصيبهم ما سيصيبنا من عنت واستبداد ونكال.

3 / مذكراتي
(مذكراتي) هو عنوان الكتاب الذي يضم المذكرات الشخصية لواحد من كبار رجال السياسة والاقتصاد في العصر الملكي وهو إسماعيل صدقي باشا الذي ولد بالإسكندرية عام 1875 م وتوفي بالقاهرة عام 1950 م ، والده هو أحمد شكري باشا من كبار رجال الحكومة في عهد الخديوي إسماعيل ومن أبناء البعثات الدراسية حيث عين في عدة مناصب منها مدير أسيوط ومدير إدارة عموم السودان وملحقاته ومحافظ القاهرة ووكيل وزارة الداخلية ، وأما وجده لوالدته فهو محمد سيد أحمد باشا الكاتب الخاص للوالي سعيد باشا والذي أقطعه تسعمائة فدان في بركة غطاس بالبحيرة.
تلقى تعليمه بمدرسة الفرير وأتقن اللغة الفرنسية ثم التحق بمدرسة الحقوق حيث كان زميلا لكل من مصطفى كامل وأحمد لطفي السيد وعمل أثناء دراسته بالصحافة ثم التحق بعد تخرجه بالعمل في النيابة ثم في البلدية وتدرج في المناصب حتى تولى وزارة الزراعة ، وشارك في أعمال الوفد مع سعد زغلول ونفي معه إلى مالطة ثم انضم إلى عدلي يكن في مفاوضاته مع اللورد كيرزون وتولى عدة وزارات مختلفة في العصر الملكي من أهمها وزارة المالية ثم تولى رئاسة الوزراء مرتين وأسس حزب الشعب وألغى دستور 23 فعرف بين معارضيه بلقب (عدو الشعب).
وكانت له نشاطاتٌ اقتصادية وقانونية فقد أصدر قانونًا بتخفيض إيجار الأرضي الزراعية كما قام بإنشاء بنك التسليف الزراعي وعمل على إنشاء عدة هيئات تدعم الاقتصاد المصري حيث كان يرى أن استقلال مصر ينبع من قوة اقتصادها واستقلاله ، وتولى التفاوض مع بيفن بعد الحرب العالمية الثانية وتعرض لمحاولتي اغتيال فاشلتين حيث إن سياساته لم تكن محل ترحيب من كثيرين كما كان على خلاف في أيامه الأخيرة مع الملك فاروق حيث انتقد تجاوزاته التي رأى أنها لا تتناسب مع مقام ملك دولة كبرى كمصر ولذلك شُيع بعد وفاته في جنازة بسيطة حسب الأوامر الملكية.
ويتعرض إسماعيل صدقي في مذكراته مراحل حياته المختلفة وأهم المواقف السياسية والوطنية وبدأها بمدرسة الحقوق حيث قال : دخلت مدرسة الحقوق وكان من زملائي في (الفصل) محمد توفيق نسيم وأحمد لطفي السيد ومن زملائي في المدرسة مصطفى كامل وعبد الخالق ثروت ، وكنت وتوفيق نسيم طول سني الدراسة نتناوب الأولية في الامتحانات فسنة أكون الأول وهو الثاني وأخرى بالعكس حتى كان امتحان ليسانس الحقوق سنة ١٨٩٤ فظفرت بالأولية وكان ترتيبه الثاني ، وقد اشتغلت بالصحافة أثناء دراستي بهذه المدرسة فحررت مع مصطفى كامل في مجلة (المدرسة) التي أنشأناها ثم أنشأت مع لطفي السيد مجلة (الشرائع) وهي مجلة قانونية فكنت أحرر فيها فصولًا في القانون والاقتصاد وكنت ميالًا بطبعي إلى المسائل الاقتصادية.
الهتاف بالدستور : وأذكر أنني وأنا بالسنة الثالثة بالحقوق اشتركت مع مصطفى كامل في تنظيم مظاهرة للطلبة للمطالبة بمنح البلاد الدستور فاجتمعنا أثناء مرور الخديو عباس حلمي أمام المدرسة وكانت وقتئذ في بنائها بشارع عبد العزيز فحييناه وهتفنا منادين بالدستور فلم يغضب الخديو لهذه المظاهرة ولا لهذا الهتاف بل ابتسم ورد التحية واعتبر ذلك تشجيعًا خفيًّا من سموه للطلبة وللحركة الوطنية التي كان يرعاها ، وقد كان الخديو عباس في ذلك الحين شابًّا ميالًا لتشجيع الشباب وقد طبع على تشجيع الحركة الوطنية ولذلك لم يكن غريبًا أن يبتسم وألا يغضب بل على العكس كان يرى في تقوية الحركة الوطنية تقوية لعرشه وتدعيمًا لسلطته الشرعية إذ كان الهدف هو جلاء المحتلين عن مصر وحصولها على حريتها واستقلالها.
ويحكي عن مشاركته في تأسيس الجامعة الأهلية فيقول : كانت سياسة الإنجليز في مصر ترمي إلى محاربة التعليم وبخاصة التعليم العالي لأنه ينير البصائر ويدفع المصريين إلى محاربة الاحتلال والتمسك بالحرية والاستقلال ، ولهذا عندما نجح مشروع إنشاء الجامعة المصرية الأهلية سنة ١٩٠٦ لم يصادف هوى في نفوسهم وقام اللورد كرومر يحاربه ويدعو إلى إنشاء الكتاتيب وينادي بأن الأمة في حاجة إلى التعليم الأولي قبل التعليم العالي ولكن القائمين بهذا المشروع لم يعبَئوا بذلك وساروا في طريقهم بل إنهم استفادوا من الدعوة إلى نشر التعليم الأولي.
وقد تألف مجلس إدارة الجامعة الأهلية وكنت أحد أعضائه وكان من زملائي فيه المرحومون عبد الخالق ثروت باشا ومحمد علوي باشا وإسماعيل حسنين باشا ومرقس حنا باشا وعلي بهجت بك وغيرهم ، وأجمع اختيارنا لرياسة الجامعة على الأمير أحمد فؤاد (الملك فؤاد الأول) وقد صادف ذلك ارتياحًا عامًّا لما عُرف به من تشجيع المشروعات العلمية والعمرانية ، وكان له الفضل في نجاح الجامعة المصرية قبل أن تُضم إلى الحكومة ثم بعد أن ضُمت وأصبحت بجهوده المشكورة من أكبر الجامعات ومن جهتي الشخصية يسرني أن أقول إنه كان أول اتصال لي بالمرحوم الملك فؤاد هذا الاتصال الذي نما وكان له أثره العظيم فيما بعد.
وأثناء توليه منصب سكرتير عام وزارة الداخلية حدثت واقع مقتل رئيس الوزراء بطرس غالي حيث رواها في مذكراته فقال : وفي ٢٠ فبراير سنة ١٩١٠ كنت جالسًا ظهرًا بمكتبي فأُخطرت بمقتل رئيس الوزارة بطرس غالي باشا على سلم وزارة الخارجية بمبنى وزارة الحقانية ، أشفقت من خطر هذا النبأ ووقع عندي موقعًا سيئًا وأسرعت إلى مكان الحادث فوجدت الرئيس منطرحًا في فناء الوزارة وحوله حسين رشدي باشا وعبد الخالق ثروت باشا النائب العام وأحمد فتحي زغلول وكيل الحقانية ووجدت إبراهيم الورداني وقد قبض عليه واستدعي الدكتور سعد الخادم فأخذ يسعف الجريح وكان في النزع الأخير فحُمل إلى مستشفى الدكتور ملتون.
ويلخَّص الحادث في أن بطرس باشا اعتاد أن يخرج من النظارة في الساعة الواحدة بعد الظهر فخرج في ذلك اليوم وكان يصحبه حسين رشدي باشا وثروت باشا وفتحي زغلول باشا ثم فارقهم عند السلم الخارجي وعندما هم بركوب العربة دنا منه الورداني متظاهرًا بأنه يريد أن يرفع إليه عريضة وأطلق عليه رصاصتين وما كاد يلتفت حتى أطلق عليه أربع رصاصات فسقط مضرجًا بدمائه بجوار عربته وحُمل إلى داخل الوزارة.
وكان محمد سعيد ناظر الداخلية (وزير الداخلية) قد ركب قطار الظهر إلى الإسكندرية ليقضي راحته الأسبوعية فاتصلت توًّا بمحمد محب باشا مدير الغربية إذ ذاك وطلبت إليه أن يبلغه بالحادث عند وصوله إلى طنطا ليعود إلى القاهرة فورًا ففعل ، وقد عز على الخديو عباس أن يُقتل رئيس وزرائه لما كان يتمتع به من ثقته ومحبته وذهب إلى المستشفى يستفسر عن حالته ودخل عليه في غرفته وقبَّله في وجهه والدموع تملأ عينيه وكان المصاب قد تنبه قليلًا فجعل يقول : العفو يا أفندينا متشكر العفو يا أفندينا متشكر ، وأجريت له عملية جراحية ولكن لم تأتِ الساعة الثامنة مساء حتى قضى نحبه.
وتناول في فصل خاص بداية أحداث ثورة 19 وتأسيس الوفد المصري فقال : كنت وقتئذ خارج الحكم أشتغل بالاقتصاد العام فوجدت من واجبي نحو وطني في هذه الظروف أن أتقدم لخدمته وأسعى مع الساعين للحصول على حقوقه فبدأت بوضع مذكرة ضافية باللغة الفرنسية بلغت ستين صفحة ضمنتها مطالب مصر من إنجلترا وعززتها بالوثائق والمستندات ، وكان الوفد المصري وقتئذ في دور التأليف وحدث أنني كنت في الإسكندرية مع دولة محمد سعيد باشا فاجتمعنا بالأمير عمر طوسون وفكرنا فيما يجب أن يعمل ورأينا من جهتنا أن نقوم بواجب الجهاد فاتصل بالمرحوم سعد زغلول باشا ما اعتزمناه فبعث إلينا واجتمعنا به في فندق شبرد بالقاهرة وتم الاتفاق على أن نتعاون معًا في الوفد المصري ، أصبحت منذ ذلك الحين عضوًا في الوفد فقدمت إليه المذكرة الفرنسية فناقشها ووافق عليها وكانت هذه المذكرة بعد شيء من التنقيح في بعض نواحيها وتلخيصها هي التي قدمها الوفد المصري بعدئذ إلى مؤتمر الصلح بفرساي.
لا بد من قارعة : كانت أعمالنا في مبدأ الحركة الوطنية مقصورة على تحرير الاحتجاجات والبيانات وكان الشعور الوطني متحفزًا ولكن لم تكن هناك أية حركة منا تلفت أنظار العالم ففي إحدى جلسات الوفد قلت لإخواني : إني أشعر أن مساعينا الحالية لا نتيجة لها ما لم يصحبها شيء يلفت الأنظار ، فقال سعد باشا : وماذا تعني ؟ ، قال لطفي السيد : يعني أن تقوم في البلاد قارعة ! ، فقال سعد بلهجته المعهودة التي كان يقلب فيها القاف كافًا : كارعة ماذا ؟ ، قلت : أعتقد يا باشا أننا لا نصل إلى حقوقنا بالكلام ، فسكت رحمه الله.
وحدث في نفس اليوم أننا كنا مدعوين إلى حفلة خيرية بالأوبرا الملكية وكنا وسائر أعضاء الوفد في تلك الأيام نتغدى معه على مائدته يوميًّا وكان معاشرًا أنيسًا لطيفًا وكان عطفه علينا كبيرًا ، وفي المساء ذهبنا معًا إلى الأوبرا وما كدنا نهلُّ عليها وندخل بابها حتى دوت أرجاؤها بالهتاف والتصفيق واستُقبلنا استقبالًا باهرًا دُهش منه سعد باشا وقال لي في المقصورة التي كنت فيها معه : بارك الله في هذه الأمة .. حقًّا يا إسماعيل لا بد من قارعة ،! ومن هذه الليلة بدأت الثورة الوطنية.
وفي يوم ٨ مارس سنة ١٩١٩ كنت أجلس إلى مكتبي في غرفة مجاورة لمكتب سعد زغلول بمنزله وكنت مشغولًا بالكتابة فجاءني خادم الدار ينبئني بحضور ضابط إنجليزي فأبلغت سعد باشا ثم قابلت الضابط فسألني عن اسمي ثم سأل عن سعد باشا فأوصلته إليه ثم سرت إلى مكتبي وأسررت إلى جورج أفندي دوماني بجمع الأوراق وإخفائها ، وكان الضابط قد طلب من سعد باشا أن يركب عربة عسكرية ثم دعاني إلى ركوب عربة أخرى وذهب بنا إلى ثكنة قصر النيل وفي الوقت نفسه كانوا قد قبضوا على محمد محمود باشا وحمد الباسل باشا وخصصوا لكل منا غرفة.
أمضينا ليلتنا في هذه الثكنة ، وفي الصباح طلبوا منا أن نستحضر من منازلنا ما يلزم لبضعة أشهر من أمتعة وملابس وسمحوا لكل منا باصطحاب خادم وأركبونا سيارات عسكرية نقلتنا إلى المحطة حيث كانت عربة خاصة في انتظارنا فسار بنا القطار إلى الناحية الشرقية ، لم نكن نعلم أين يكون منفانا فلما وصلنا إلى الإسماعيلية واتجه بنا القطار نحو بورسعيد تنفسنا الصعداء لأننا كنا نخشى أن يذهبوا بنا إلى الهند أو جزر الأوقيانوس أو جنوب أفريقا ، ثم أركبونا الباخرة كاليدونيا فسارت بنا حتى اجتازت تمثال ديلسبس ودخلت البحر الأبيض وفي هذه الأثناء صعد إلينا الضابط المكلف بحراستنا وأفهمنا أن وجهتنا مالطة.
وبعد الثورة انفصل إسماعيل صدقي عن سعد زغلول وساق في مذكراته مبرراته لذلك ثم عمل مع عدلي يكن في حكومته التي فاوضت الإنجليز وانتهت بالحصول على الاستقلال وفق تصريح 28 فبراير ثم عمل في حكومة عبد الخالق ثروت التي كانت مكلفة بوضع الدستور ، وفي فصول أخرى تناول فترة توليه رئاسة الوزارة عام 1930 م ومبرراته في تعطيل الدستور وتأسيس حزب الشعب ثم فصلا آخر حول مفاوضاته مع بيفن في حكومته الثانية عام 1946 م وحرص على أن يكتب عن الزعماء الثلاثة الكبار الذين عمل معهم وأبدى رأيه في كل منهم فقال :
سعد زغلول : كان سعد زغلول عندما عرفته أكبر مني سنًّا وأعلى مركزًا فكانت علاقتي به في بادئ الأمر علاقة صغير بكبير فقد كنت في أوائل حياتي مساعدًا للنيابة بينما كان هو مستشارًا في الاستئناف ثم اتصلت به في الحركة الوطنية ورافقته في الأسر بل تمتعت بتقديره وعرفت من صفاته ما يعرفه الصديق عن صديقه فشهدت فيه من كرم النفس ولطف الشمائل والترفع عن الصغائر ما جعله محل احترام أصدقائه وحبهم له وتعلقهم به هذا إلى شخصيته القوية وزعامته الوطنية التي كانت تسيطر على الجميع.
كان سعد زعيمًا وطنيًّا بكل ما تؤديه هذه الكلمة من المعاني ولو أن كلمة (زعيم) لا تمنع أنه كان سياسيًّا قديرًا وقائدًا ماهرًا في أوقات الشدائد وربانًا بارعًا صارع الأنواء والأمواج وواجه الأخطار فلم تؤثر في عزيمته ولم تزعزع من جبروت نفسه وإرادته ، وكانت شجاعته وبلاغته وسعة اطلاعه وكثرة تجاربه مما هيأ له التأثير العميق بين الجماهير فاشتد حبها له وإعجابها به وانقيادها لكل ما يبديه من رأي وإصغاؤها لكل ما يهتف به من قول فامتلك الأفئدة والنفوس وبقي طول حياته الزعيم الأكبر.
صحيح أنني اختلفت معه وصحيح أنه كان للرجل أخطاء ـ ومن ذا الذي لا يخطئ ـ وصحيح أنه كانت فيه عيوب ولكنها كما يقول الفرنسيون العيوب التي تلازم الصفات الكبيرة ، وقد قيل عني في باريس ما دعاه إلى تصديق عبارات ألقاها إليه بعض الواشين ولكن عندما تلاقينا ووقف على الحقيقة لم نلبث أن تفاهمنا ولم يكن بيني وبينه في بعض المواقف إلا ما يكون بين رجلين مختلفين في الرأي لمصلحة بلدهما فكنت أجله كل الإجلال وكان يشملني بتقديره حتى إذا زالت أسباب الخلاف عاد اتصالنا وتعاوننا معًا وقد بقي الاحترام والإجلال من جانبي والعطف والتقدير من جانبه حتى توفي رحمه الله وكانت أخريات أيامه تمتاز فيما يختص بشخصي بعطف شامل بل بمحبة فائقة فإذا ذكرته تمثلت أمامي مواهبه العظيمة التي فقدناها وخسرتها مصر من كل الوجوه.
عدلي يكن : شرفني عدلي باشا بصداقته ومحبته وكان كسعد باشا يكبرني سنًّا ومركزًا وقد كان وكيلًا معينًا للجمعية التشريعية وكان سعد وكيلًا منتخبًا وكان رئيسًا للوزارة التي فاوضت اللورد كرزون وكنت وزيرًا في تلك الوزارة ، ومع أنه رجل تعلم تعليم أولاد الذوات في القرن التاسع عشر ولم يكن يحمل شهادات عالية ولكنه عاش طويلًا في فرنسا ومرت به تجارب كثيرة وخالط كبار القوم وكان في مبدأ حياته سكرتيرًا لنوبار باشا رئيس الوزارة المصرية في عهد الخديوين وتقلب في عدة مناصب مما أتاح له أن يشهد حوادث عدة ويستفيد منها في سداد الرأي وقوة الحكم وبعد النظر.
كان عدلي باشا سياسيًّا حكيمًا بل هو في رأيي من أكبر رجال السياسة وكان على الرغم من ترفعه ومظهره الذي لا يدل على عزم وهمة صاحب إرادة قوية وهمة عالية ، وكانت صفته الكبرى اتزانه وصحة حكمه على الأشياء لأنه كان كثير التفكير يوازن بين كل الاعتبارات إذا شرع في اتخاذ قرار في أي موضوع ، وقد امتاز عدلي رحمه الله بالترفع عن الخصومات الحزبية الرخيصة ، ومع أنه ترأس حزبًا فلم يكن رجلًا حزبيًّا بل كان رجلًا قوميًّا عامًّا ولم تدفعه حزبيته في يوم من الأيام إلى مخاصمة أحد أو إلى الدخول في جدال شخصي هذا إلى نزاهته، وقدرته الكبيرة على التوجيه والإرشاد وكان يؤثر العمل المفيد الهادئ بعيدًا عن التأثر بالعواطف أو الاندفاع مع أهواء الجماهير ولم تكن وطنيته تسمح بالتفريط في أي حق من حقوق بلاده وقد رأيت كيف كان موقفه من مفاوضاته مع اللورد كرزون وكيف رفضها وطلق الوزارة بإباء وشمم.
عبد الخالق ثروت : أما المرحوم ثروت باشا فماذا أقول فيه وقد كان زميلًا وصديقًا لي منذ الصبا ومنذ كنا تلميذين في مدرسة الحقوق ؟! ، كان يسبقني بسنتين وقد عشنا صديقين ورفيقين طول الحياة وكان شعلة متوقدة من الذكاء والنبوغ ، ولا أذكر أنني رأيت شخصًا في ذكائه وألمعيته وقد أتاحت له ثقافته العالية وسعة اطلاعه أن يكون على جانب عظيم من الإلمام باللغات العربية والفرنسية والإنجليزية وأن يكون كاتبًا بليغًا ومشرعًا قانونيًّا من الطبقة الأولى ودستوريًّا من الطراز الأول.
ولي أن أقول اليوم : إنه لما قبلت الحكم في سنة ١٩٣٠ كان قد سبق لي التفاهم معه قبل وفاته في شأن تعديل الدستور حتى نتفادى ما يسمح به هذا الدستور من طغيان الأكثريات على الأقليات وقد وافقني على ذلك وأعتقد أنه لو كان حيًّا في ذلك الحين لكان أميل إلى التعديل منه إلى الإجراء الذي قامت به وزارة محمد محمود باشا من وقف الدستور والحياة النيابية لعدة سنوات ، وكان ثروت باشا إلى علمه وفضله جم التواضع راغبًا عن المظاهر وكان من طبقة أولئك الرجال ذوي الكرامة الذين لا يسعون وراء الحكم بل إن الحكم هو الذي يبحث عنهم ويسعى إليهم.
وكانت وطنيته صافية صريحة لا شائبة فيها بل كان متعصبًا في وطنيته وفي التمسك بحقوق أمته ودستور بلاده وقد لاقت وزارته الأولى نهايتها في نوفمبر سنة ١٩٢٢ بسبب موقفه الوطني الحازم أمام العناصر الرجعية التي كانت تحاول الكيد للدستور ، وكادت وزارته الثانية تستقيل بسبب أزمة المفتش العام الإنجليزي للجيش المصري وإصرار ثروت باشا على موقفه من إلغاء منصب هذا المفتش حتى إن المرحوم سعد زغلول باشا ـ وكان وقتئذ رئيسًا لمجلس النواب أيام الائتلاف ـ طلب مني أن أسعى لديه بما لي من صداقة معه ليخفف من غلوائه في هذا الظرف الدقيق.
ولصديقي المرحوم ثروت باشا من المواقف الوطنية الأخرى ما يشهد بحرصه الشديد على مصلحة بلاده وتضحياته في سبيل خدمتها ، وأذكر أنه رفض رياسة الوزارة حين عرضت عليه في فجر الثورة الوطنية سنة ١٩١٩ بعد استقالة رشدي باشا لعدم سماح الإنجليز للوفد المصري بالسفر إلى مؤتمر الصلح وذلك على الرغم من صغر سنه وعلى الرغم مما لهذا المركز من مقام عظيم وبخاصة في نظر الشباب مما كان محل إعجاب سعد باشا في ذلك الحين.

4 / مذكرات الشباب
(مذكرات الشباب) هو عنوان القسم الأول من المذكرات الشخصية للسياسي والأديب والصحفي والمؤرخ الدكتور محمد حسين هيكل باشا الذي ولد في كفر غنام بالدقهلية عام 1888 م وتوفي بالقاهرة عام 1956 م ، ويتناول هذا القسم حياة المؤلف منذ نشأته وحتى ثورة 19 وتأسيس حزب الأحرار الدستوريين ثم أتبعها بالقسم الثاني بعنوان (مذكرات في السياسة المصرية) في ثلاثة أجزاء والذي يتناول بالتفصيل حياة المؤلف في العصر الملكي ودوره السياسي ومناصبه المتعددة وينتهي مع قيام ثورة 52 واعتزاله العمل السياسي.
وله إنتاج كبير في مجال التأليف من أشهرها رواية زينب التي اعتبرها نقاد الأدب العربي الحديث أول رواية عربية بالمعايير المعاصرة وهو مؤلف كتاب حياة محمد الذي تناول فيه السيرة النبوية من منظور حداثي ، وله عدة كتب أخرى منها كتاب في منزل الوحي في أدب الرحلات حيث وصف فيه زيارته للأماكن المقدسة وكتاب تراجم مصرية وغربية تناول في السيرة الذاتية لعدد من مشاهير الشخصيات وله في مجال الأدب والفلسفة كتاب ثورة الأدب وكتاب شرق وغرب وكتاب قصص مصرية وكتاب هكذا خلقت.
نشأ المؤلف في أسرة ثرية تهتم بالعلم حيث التحق في صغره بالكتاب ثم مدرسة الجمالية الابتدائية ثم الخديوية الثانوية وبعدها مدرسة الحقوق ثم سافر إلى فرنسا حيث حصل على الدكتوراة في عام 1912 م وعمل بالصحافة حتى عام 1917 م ثم انتقل إلى التدريس بالجامعة حتى عام 1922 م ، ثم تفرغ للعمل السياسي فكان أحد أعضاء لجنة وضع دستور 23 ورئيس تحرير جريدة (السياسة) الناطقة باسم حزب الأحرار الدستوريين حيث صار المنظر الأول له والمتحدث باسمه على الحقيقة ثم تولى رئاسته عام 1943 م وحتى اعتزاله.
وقد تقلَّد عدة مناصب حكومية رفيعة منها وزير المعارف ثلاث مرات ووزير الشئون الاجتماعية مرة كما كان رئيسًا لوفد مصر في الأمم المتحدة عدة مرات ورئيسًا لمجلس الشيوخ من عام 1945 م وحتى عام 1950 م ، وهو من أبرز تلاميذ أحمد لطفي السيد ومن دعاة الليبرالية من جانبها النظري لكنه من الناحية العملية انحاز إلى حكومات عطلت الدستور والبرلمان وصادرت حق الأغلبية حيث ركز في كتاباته السياسية ومذكراته على التبرير لمواقف حزبه ودخل في خصومات ومعارك فكرية وسياسية مع حزب الوفد.
وفي المجال الفكري بدا أول الأمر متأثرا بالحداثة الغربية ثم تأثر بالحرب العالمية الأولى وما حدث فيها من دمار ورصد علاقة الغرب بالاستعمار وكذلك الأحداث التي أدت إلى قيام الحرب العالمية الثانية ونقد الحضارة الغربية وديمقراطيتها التي تكيل بمكيالين ، وقد عايش تأثيرات الأحداث العالمية على مصر وهويتها التي كانت موزعة بين الانتماء لدولة الخلافة العثمانية وبين دعاة الاستقلال الكامل عن كل من بريطانيا وتركيا بالإضافة إلى المتأثرين بالفكر الأوروبي ، وقد عبر في كتابه مذكرات الشباب عن هذه المرحلة الفكرية من عمره فقال :
تغير العالم بين سنة ١٩١٤ وسنة ١٩٢٤ وتغيرت مصر كذلك ، كانت مصر قبل الحرب وادعة تعمل في جد وتعالج فروع الحياة المختلفة وتسعى للإصلاح جهدها حاسبة دائمًا حساب الإنكليز ووقوفهم في وجه كل حركة وكل نزعة استقلالية أما مصر في سنة ١٩٢٤ فلا تزال في اندفاعها الذي بدأته سنة ١٩١٨ ونسيت فروع الحياة وعلاجها وقامت تطلب استقلالها التام وقد أتيح لها بفضل جهود أبنائها جميعًا أن تزحزح الإنكليز عن موقفهم موقف العنت في وجه كل إصلاح لكنها مع الأسف لم تفد من ذلك كثيرًا لأن الطوائف الصاخبة رفعت إلى منصة الحكم قومًا لا يعرفون الإصلاح ولا يقدرون ما يصلح حياة المجموع.
وتغيرت أنا أيضًا .. ومن ذا الذي لا يتغير ؟ انتقلت من حياة إلى حياة فإلى حياة ثم إلى حياة أخرى ، كنت في سنة ١٩١٤ الدكتور هيكل المحامي بالمنصورة وكنت سعيدًا تفيض بي المسرة معافى من المرض وحيدًا لا أُسأل عما أفعل ، وكنت أجد فراغًا من الوقت وطمأنينة إلى النفس يسمحان لي أن آخذ بنصيب فيما يحلو لي من ملذات الحياة وكانت القراءة وكان التفكير الحر أحب هذه الملذات لنفسي وأحلاها عندي ، وكنت ولا أزال في بدء الصبا وميعة الشباب لا أجد في الحياة إلا بسمات تفتر أحيانًا عن ضحكات وعن قهقهات وكان جو الوجود صفوًا تجاوب فيه الضحكة الضحكة ويلتقي فيه الابتسام بالابتسام ، فلما ارتحلنا إلى لبنان ثم حمي وطيس الحرب واضطرب نظام سير البواخر استشارني رفيقي الرافعي في أمر العودة حتى لا تؤخذ علينا المسالك ونحبس في دار الحرب فكان جوابي في ابتسام : إن خانتنا الباخرة فلن يخوننا ظهر الجمل.
ولم يكن أيسر من رحلتنا إلى لبنان يومئذٍ لم نفكر في جواز السفر لحظة لأنَّا لم نكن بحاجة إلى جواز سفر ولم نفكر في الالتجاء إلى الحكومة ولا في أمر الجمرك لأن الأفراد كانوا أحرارًا تحمي الحكومات حريتهم ولا تعتدي عليها ولم يَجُلْ بخاطرنا أنَّا نجد في طريقنا إلا ما نريد ما دمنا لا نريد شرًّا ولا نكرًا.
عدت ورفيقيَّ من لبنان بعد ثلاثة أسابيع قضيناها في ربوعها بعيدين عن ضجة السياسة جاهلين ميول الناس في مصر مكتفين بالأخبار تنقلها إلينا صحف بيروت في الصباح لتكذبها صحف بيروت في المساء ، عدنا على نفس الباخرة برنس عباس وكانت يومئذٍ مكتظة بالعائدين الذين قنعوا بالقليل من الوقت قضوه في أحضان الطبيعة مخافة أن يمتد لهيب الحرب إلى تركيا فتصبح العودة إلى مصر محفوفة بالخطر وتصبح الطبيعة الناضرة الباسمة كالحة عبوسًا ، ولم يكن للعائدين جميعًا حديث غير حديث الحرب ولم يكن لهم أمل إلا أن ينتصر فريق على فريق ذلك بأنهم وهم جميعًا من أمم محكومة كانوا يرجون في انتصار فريق على الآخر السبيل لحرية بلادهم وسعادتهم.
أما أنا فعدت إلى مصر أبعد ما يكون عن الميل لأي من الفريقين فلما رأيت الناس تتعسهم الأهواء وتتنازعهم الشهوات أبديت رأيي في وجوب وقوف المصريين موقف الحياد وأردت أن آخذ في الحركة السياسية الجديدة بمثل النصيب الذي كان لي قبلها ، لكن الحرب وما ترتب عليها من إعلان الأحكام العرفية الإنكليزية والمراقبة الصحفية وما أعقبها من إعلان إنكلترا حمايتها على مصر وتطور الظروف بعد ذلك تطورًا جعل كل تكهن بانتهاء الحرب عقيمًا ، ذلك كله جعلني أميل عن السياسة لآخذ بأسباب البحث العلمي فاستقصيت ما استطعت نظرية الجبر والاختيار وفكرة المسؤولية وكتبت ما استقر عنده رأيي ونشرته في المقتطف.
على أن هذا البحث لم يكفِ لسداد ميولي فاشتغلت بالتدريس في قسم العلوم الجنائية بالجامعة المصرية سنة ١٩١٧ وبالتدريس في هذا القسم وفي قسم الحقوق سنة ١٩١٨ وسنة ١٩١٩ وسنة ١٩٢٠ وسنة ١٩٢١ وسنة ١٩٢٢ وقد استغرق التدريس أوقات قراءتي وبحثي ، وكنت قد تزوجت سنة ١٩١٨ وكانت الحركة السياسية قد قامت سنة ١٩١٩ فأخذت فيها بنصيب جدي واشتركت مع إخواني الذين ألفوا الحزب الديمقراطي كما اشتركت مع العاملين من الشبان في مختلف نواحي الحركة ورُزقت ممدوح والحركة الوطنية في أشدها.
وفي سنة ١٩٢١ نشب الخلاف بين عدلي باشا وسعد باشا وكنت واقفًا على مقدماته وأسبابه وكنت عليمًا بخفاياه ومخبآته ، وكان سعد باشا قد بدأ يفكر تفكيرًا جديًّا في أن يكون وحده وكيل الأمة ورمز أمانيها وعنوان استقلالها والكل الذي تنبعث منه في البلاد كل حياة وكل فكرة وكل حركة فلم يكن بدٌّ من الوقوف في وجه هذا التيار الذي أودى بحياة الحركات الوطنية في كل أمة قام فيها ، وقد صادفت فكرتي هذه قبولًا لدى إخواني أعضاء الحزب الديمقراطي الذين رأوا معي ما في الدكتاتورية من قضاء محتوم على الفكرة الديمقراطية فوقفنا في صف الأقلية وقفنا نحن أعضاء الحزب الديمقراطي العاملين بعيدين عن الاتصال بأية هيئة سياسية حريصين كل الحرص على حريتنا محتفظين بما تقضي أنفة الشباب الاحتفاظ به لكن موقفنا هذا كان دقيقًا محفوفًا بالأخطار والمصاعب.
فقد كان من بيننا أعضاء قضت عليهم ميولهم الطائفية بالانضمام علانية إلى سعد باشا وكان من بيننا آخرون أغراهم حب المظهر والولع بالهتاف إلى السير في طريق الأولين وكان من بيننا كذلك أعضاء رأوا في التقرب من عدلي باشا ومن الحكومة سدادًا لشهوات تقابل شهوات الأولين وكان هؤلاء أشد إضرارًا بالحزب لأنهم أظهروه في نظر السواد بمظهر المنتمي للحكومة ، والله يعلم وعدلي باشا وسعد باشا يعلمان أنه كان حزبًا بعيدًا عن الانتماء لأية هيئة أو سلطة بعيدًا عن الخضوع إلا لما تملي به ضمائر المتقدمين من أعضائه وذممهم.
وكان من أثر هذا الانفراج في الميول بين أعضاء الحزب والبعض الآخر وابتعاد عدد غير قليل من الفريقين عن مركز قيادة الحزب أن ضعف سلطانه بعض الضعف لكنَّا استمسكنا بموقفنا فلما انقطعت المفاوضات الرسمية في سنة ١٩٢١ كان الحزب أول من أعلن فكرة عدم التعاون مع الإنكليز في ظل مذكرة ٣ ديسمبر ، ولما نُفي سعد باشا كان الحزب أشد هيئات الأمة حرصًا على التمسك بفكرة عدم التعاون لذلك ليس من الغلو في شيء أن يقال إن الحزب كان له أثر كبير في اقتناع الإنكليز بضرورة الاعتراف باستقلال مصر بل إن من الحق أن يقال إن الحزب الديمقراطي كان هو الهيئة الوحيدة التي أثبتت في تقريرها عن مشروع لورد ملنر ضرورة إعلان إنكلترا إلغاء الحماية والاعتراف بالاستقلال بصك منفرد كالصك الذي أعلنت به الحماية لأن الاستقلال حق طبيعي لا يجوز التعاقد عليه.
أعلنت إنكلترا إنهاء الحماية واعترفتْ باستقلال مصر فتألفت على أثر ذلك وزارة ثروت باشا وفكرتُ في تأليف لجنة لوضع الدستور من الأحزاب والهيئات المختلفة ، ولما خاطبتُ ثروت باشا في أمر تمثيل الحزب الديمقراطي في اللجنة أخبرني أنه لا يرى مانعًا على أن يبدي الحزب له في الأمر رأيًا بالقبول وليس هنا محل لذكر الأسباب التي منعت من قبول هذه الفكرة عند زملائي فالتحقت بإخواني أحمد بك أمين أستاذ القانون الجنائي بمدرسة الحقوق ومحمد بك متولي السكرتير العام المساعد لمجلس النواب حالًا ومحمود بك صادق القاضي بالمحاكم الأهلية والشيخ عبد العزيز البشري القاضي بالمحاكم الشرعية في سكرتارية لجنة الدستور حرصًا على تحقيق بعض مبادئ كنت حريصًا على أن تحقق.
ولما قاربت لجنة الدستور الانتهاء من عملها فكر عدلي باشا وأصحابه ومن بينهم أعضاء لجنة الدستور في تأليف حزب الأحرار الدستوريين وفي إنشاء جريدة السياسة ، وكان الدفاع عن الدستور قبل صدوره وبعد صدوره هو الفكرة الأساسية التي تألف الحزب من أجلها ودعيت يومئذٍ لرئاسة تحرير السياسة فلم أتردد في القبول لأني رأيت هذه الفكرة الجليلة من أشرف ما يدافع الإنسان عنه.
وكذلك انتقلت في هذه السنوات العشر من الدكتور هيكل المحامي بالمنصورة غير المسؤول إلَّا عن نفسه وعن عمله إلى الدكتور هيكل المحامي بمصر والمسؤول عن أهله وولده والأستاذ بالجامعة المصرية وإلى الدكتور هيكل رئيس تحرير السياسة ، وإذا صح ما قاله أناتل فرانس من أن الإنسان إذ ينتقل من حياة إلى حياة يموت حياة ليحيى حياة أخرى فقد ماتت لي في هذه السنوات العشر حيوات عدة واستبدلت بها حيواتٍ عدة كذلك ولست أدري أي هذه الحيوات خير، وقد تكون كلها متعادلة إن كانت تطورات نفسي واحدة في أطوار مختلفة.

5 / مذكرات هدى شعراوي
رائدة العمل النسوي في مصر الحديثة هي السيدة نور الهدى محمد سلطان المعروفة بلقب هدى شعراوي والتي ولدت بمدينة المنيا بالصعيد عام 1879 م وتوفيت بالقاهرة عام 1947 م ، وقد كتبت مذكرتها التي تناولت فيها كفاح الحركة النسائية المصرية بالإضافة إلى كثير من الأحداث السياسية فهي ابنة محمد سلطان باشا رئيس مجلس النواب في زمن الثورة العرابية وزوجها هو علي شعراوي باشا رفيق سعد زغلول في الوفد المصري والذي نسبت إليه بعد زواجها منه على طريقة الأوروبيين في تسمية المرأة المتزوجة.
وتحكي المؤلفة في كتابها (مذكرات هدى شعراوي) عن والدها وجذور عائلتها فقالت : ولقد عاش أبي صدر حياته بعيدًا عن المناصب الحكومية فقد كان عليه أن يرعى إخوته وأسرته ثم اختير مأمورًا لقسم قلوصنا وحاول أن يعتذر عنه فلم يجد إلا الإصرار ، وتدرج بعد ذلك ليصبح وكيلًا لمديرية بني سويف ثم مديرًا لها ثم مديرًا للفيوم ثم مديرًا لأسيوط ثم مديرًا للغربية ثم مفتشًا عامًّا للوجه القبلي ثم رئيسًا لمجلس النواب ومجلس شورى القوانين ثم قائم مقام الخديوي.
وقد سمعت من بعض أقاربنا نقلًا عن آبائهم وأجدادهم أن والدي من أصل عربي وقد استوطن أجداده أرض الحجاز وهاجر نفر منهم إلى مصر قبل عهد محمد علي باشا واتخذوها موطنًا لهم وتزوجوا من مصريات ، وعلى ما قيل كان جدي الحاج سلطان عميد الجيل الخامس من عائلته في مصر وكان ولعًا بالزراعة وبالأخص زراعة القصب واستخراج العسل الأسود ، وكان مشهورًا بالكرم وطيبة القلب ودماثة الخلق حتى إنه من كثرة استرساله في عمل الخير والبر ومن فرط تقواه كان يقول عنه معاصروه إنه ولي تشمل بركته أهله وكل من حوله.
أما والدتها فهي ابنة القائد جواتيش أحد زعماء المقاومة الشركسية ضد الروس في عام 1860 م فلما هزموا رحلت الأسرة إلى إسطنبول ثم أرسلت والدتها إلى مصر لتكون في رعاية خالها يوسف باشا صبري الذي كان في مهمة حربية بالسودان فعاشت في كنف ابنة علي بك راغب حتى تزوجت من محمد سلطان باشا ، وتحكي عن ذلك في مذكراتها فتقول : ومن الزائرين الذين كنا ننتظر قدومهم بلهفة وشوق جدتي وأخوالي وكانوا يأتون من تركيا كل سنة أو سنتين تقريبًا لزيارتنا ويغمروننا بهداياهم الكثيرة التي كانت تزيد على حاجتنا فنهدي منها للجيران والأصدقاء.
كانت جدتي على خلاف والدتي قصيرة القامة ليست بالبدينة أو النحيفة ناصعة البياض زرقاء العينين ترتدي الثياب البيضاء وتضع على رأسها طرحة بيضاء تتخللها ضفيرتان من شعرها الأبيض تكادان تعادلان جسمها طولًا وكانت تبدو في هذا البياض الشامل كالقديسة وكانت السماحة تشيع في محياها فتكسبها إشراقًا وطيبة ، ولقد أحببت جدتي كثيرًا وإن كنت لم أستطع التفاهم معها إلا بالإشارة لجهل كل واحدة منا بلغة الأخرى ولكن هذا ما كان ليمنعنا من تبادل العواطف وكانت تدللني ببعض كلمات وأغان شركسية ما زلت حتى الآن أحفظ الكثير منها.
وقد خاضت في حياتها الشخصية تجربة تركت أثرها في تفكيرها وآرائها حيث تزوجت مبكرا من ابنة عمتها علي شعراوي والذي كان يكبرها بأربعين عاما وله زوجة أخرى وبنات في مثل عمرها ، ولذلك شملت مذكراتها في النصف الأول منها سرد وقائع هذه التجربة بالإضافة إلى تبرير موقف والدها من العرابيين ، بينما شمل النصف الثاني منها دورها الوطني في ثورة 19 وتأسيس لجنة الوفد النسائية وعلاقتها بالزعيم سعد زغلول وزوجته وسبب التوتر في العلاقة معه ، ثم تناوت تأسيس الاتحاد النسائي وتبنيها لقضايا المرأة ومشاركتها في النشاط الدولي ولقائها بكل من موسوليني وأتاتورك وملك العراق فيصل بن الحسين ولم تتناول قضية زواج ابنها سرا من المطربة فاطمة سري والتي تحولت قصتهما بعد ذلك إلى فيلم سينمائي.
وتحكي في الفصل الرابع عشر عن دور زوجها في تأسيس الوفد المصري فتقول : انتهت الحرب العالمية الأولى عام ١٩١٨ وأعلن الرئيس ولسون مبادئه الأربعة عشر التي كانت تعطي الأمم حق تقرير مصيرها واختيار الحاكم الذي ترضاه ، وظلت مصر تترقب تطبيق هذه المبادئ عليها وبخاصة أنها قد ساعدت الحلفاء مساعدات قيمة جدًّا كان لها أثر كبير في نتائج الحرب وقد اعترف الإنجليز أنفسهم بقيمة هذه المساعدات ، ولما رأت مصر أنه لا يبدو أن إنجلترا ستفي بوعودها وأن الحالة سوف تبقى على ما كانت عليه تيقظ شعور رجالها وبدءوا يتهيئون لنبذ مجال الكلام وخوض مجال العمل وبدءوا ينبذون السياسة التي كانت مقصورة على تحرير الاحتجاجات وتشكل الوفد المصري ليتولى القيام بعمل إيجابي.
ويبدو أن التفكير في هذا الموضوع وفي وجوب وضع حد لهذه السياسة والخروج من عالم الاحتجاجات إلى العمل الإيجابي كان قد استولى على اهتمام كثير من رجالات مصر ودار الحديث بشأنه بين الأمير عمر طوسون وسعد زغلول باشا وعدلي يكن باشا وعلي شعراوي باشا ومحمد محمود باشا وحمد الباسل باشا وغيرهم من قادة الرأي في مصر ، وقد كان الأمير عمر طوسون في طليعة المشتغلين بهذه القضية لدرجة أن سعد باشا كان يفكر في إسناد رئاسة الوفد إليه ولكن الأمير لم يتمكن من الاشتراك في هذا العمل بعد أن صدرت إليه أوامر القصر بأن يعود إلى الإسكندرية وألا يتدخل في السياسة وكان ذلك نتيجة إيعاز السلطة الإنجليزية للقصر.
ولما كانت الجمعية التشريعية التي شكلت بمقتضى القانون الصادر في أول يوليو ١٩١٣ ما زالت قائمة حتى انتهاء الحرب العالمية الأولى فقد اتجهت النية إلى اختيار أعضاء الوفد المصري من بين أعضائها أو اختيار هيئة يزكيها هؤلاء الأعضاء وتخويل هذه الهيئة صفة الوكالة العامة فاستقل سعد باشا وأصحابه بتأليف الوفد ، وكان مما شجع هذه الفكرة ما عرضه علي باشا شعراوي من استعداده للقيام بكل ما يحتاجه سفر الوفد من نفقات لغاية أربعين ألف جنيه ووعد بدفع الباقي إذا لم تقم الأمة بدفع المال اللازم أو قصرت في دفع جانب منه.
وقد تكوَّن الوفد من حضرات أصحاب السعادة والعزة : سعد زغلول باشا ، علي شعراوي باشا ، عبد العزيز فهمي بك ، عبد اللطيف المكباتي بك ، محمد محمود باشا ، أحمد لطفي السيد بك ، إسماعيل صدقي باشا ، سينوت حنا بك ، حمد الباسل باشا ، جورج خياط بك ، محمد أبو النصر بك ، مصطفى النحاس بك ، الدكتور حافظ عفيفي بك.
وقد بقي الوفد المصري بعد تشكيله يرقب إعلان الهدنة ليبدأ كفاحه بإبلاغ بريطانيا مطالب مصر فلما أعلنت الهدنة يوم ١١ نوفمبر ١٩١٨ بادر سعد وأصحابه إلى طلب مقابلة السير ريجنالد ونجت المعتمد البريطاني فحدد لهم موعدًا يوم الأربعاء ١٣ نوفمبر في الساعة الحادية عشرة صباحًا حيث التقى به سعد زغلول باشا وعلي شعراوي باشا وعبد العزيز فهمي بك.
وقد بدأ السير ونجت هذا اللقاء التاريخي بقوله : إن الصلح اقترب موعده وبدأ العالم يفيق بعد غمرات الحرب التي شغلته زمنًا طويلًا والمصريون هم أقل الأمم تألمًا من أضرار الحرب وهم مع ذلك قد استفادوا منها أموالًا طائلة وعليهم أن يشكروا دولة بريطانيا العظمى التي كانت سببًا في قلة ضررهم وكثرة فائدتهم.
ورد عليه سعد زغلول باشا بقوله : ما تقول إن إنجلترا فعلت خيرًا لمصر فإن المصريين بالبداهة يذكرونه لها مع الشكر ولكنني أظن أنه لا محل لدوام الأحكام العرفية ولا لمراقبة الجرائد والمطبوعات وأن الهدنة وقد عقدت فإن المصريين لهم حق في أن يكونوا قلقين على مستقبلهم ، وقال السير ونجت : يجب ألا تتعجلوا وعليكم أن تكونوا متبصرين في سلوككم فإن المصريين في الحقيقة لا ينظرون للعواقب البعيدة ، ورد عليه سعد زغلول باشا : لا أستطيع الموافقة على ذلك.
وتدخل علي شعراوي باشا قائلًا : إننا في طلبنا الاستقلال لسنا مبالغين فيه فإن أمتنا أرقى من البلغار والصرب والجبل الأسود وغيرها ممن نالوا الاستقلال قديمًا وحديثًا ، فاعترض السير ونجت بأن نسبة الأميين في مصر كبيرة وهنا رد عليه عبد العزيز فهمي بك بأن هذه النسبة مسألة ثانوية فيما يتعلق باستقلال الأمم لأن الذين يقودون الأمم في كل البلاد أفراد قلائل وإن شروط الاستقلال التام متوفرة في مصر.
وقال السير ونجت : لقد كانت مصر عبدًا لتركيا أفتكون أحط منها لو كانت عبدًا لإنجلترا ؟! ، وهنا تصدى له علي شعراوي باشا قائلًا : قد أكون عبدًا لرجل من الجعليين وقد أكون عبدًا للسير ونجت الذي لا مناسبة بينه وبين الجعلي ومع ذلك لا تسرني كلتا الحالتين لأن العبودية لا أرضاها ولا تحب نفسي أن تبقى تحت ذلها ونحن كما قدمت نريد أن نكون أصدقاء لإنجلترا صداقة الأحرار لا صداقة العبيد.
وتذرع السير ونجت بحجة أن موقع مصر حربيًّا وجغرافيًّا يجعلها عرضة لاستيلاء كل دولة قوية عليها فأجابه سعد زغلول باشا بقوله : متى ساعدتنا إنجلترا على استقلالنا التام فإننا نعطيها ضمانات معقولة على عدم تمكين أي دولة من استقلالها والمساس بمصلحة إنجلترا ونحالفها على غيرها ونقدم لها عند الاقتضاء ما تستلزمه المحالفة من الجنود.
وأضاف علي شعراوي باشا : يبقى أمر آخر وهو حقوق أرباب الديون الأجانب فيمكن بقاء المستشار الإنجليزي حيث تكون سلطته هي سلطة صندوق الدين العمومي ، وأنهى السير ونجت اللقاء بقوله : لقد سمعت أقوالكم وإني أعتبر محادثتنا محادثة غير رسمية بل بصفة حبية فإني لا أعرف شيئًا عن أفكار الحكومة البريطانية في هذا الصدد !
وقد تدارس الثلاثة أثر هذه المقابلة فيما دار بينهم وبين السير ونجت حيث فهموا أن الحكومة البريطانية لا تفكر في المسألة المصرية قبل عقد الصلح وانتهائها من حل المشاكل المترتبة على الحرب وفهموا أيضًا أنها حتى لو فكرت في ذلك فليس في نيتها إلغاء الحماية والاعتراف باستقلال البلاد لما بدا من دهشة على السير ونجت عندما تناولوا معه الكلام عن الاستقلال.
ولما كانوا قد عرفوا من خلال حديثهم مع السير ونجت أنه لا يعرف بعد رأي حكومته في المسألة المصرية فقد انتهزوها فرصة ملائمة لطلب السفر إلى لندن للتباحث مع أولي الأمر هناك في المسألة وإطلاع الرأي العام عليها وقد كتب سعد وأصحابه إلى قيادة الجيش الإنجليزي مستأذنين في السفر ومطالبين بجوازات السفر في أقرب فرصة واتسعت حلقة المكاتبات بينهم وبين القيادة البريطانية ودار المندوب السامي.
وكانت وزارة حسين رشدي باشا في الحكم وقتئذ فطلبت التصريح لأعضاء الوفد بالسفر إلى مؤتمر الصلح فلم يوافق الإنجليز ورأت الوزارات أن تستقيل لهذا السبب ، وظل الوفد يطالب بالسماح له بالسفر دون جدوى وعزز طلبه وتضامن معه جميع الوزراء السابقين وكل أصحاب المكانة والكفاية في البلاد وأضربوا عن الاشتراك في تأليف أية وزارة وبقيت البلاد بلا حكومة فترة من الزمن.

6 / ربع قرن من السياسة في مصر
الزعيم مصطفى النحاس باشا هو واحد من رموز العمل الوطني المصري في النصف الأول من القرن العشرين حيث ولد في سمنود بالغربية عام 1879 م وتوفي بالقاهرة عام 1965 م وهو من الأعضاء المؤسسين للوفد المصري ممثلا عن الحزب الوطني ونفي مع سعد زغلول في المرة الثانية إلى سيشل ثم تولى سكرتارية حزب الوفد بعد تأسيسه ثم تولى رئاسة الحزب بعد وفاة سعد عام 1927 م وحتى عام 1953 م عندما تم حل الأحزاب ولذا كتب مذكراته تحت عنوان (ربع قرن من السياسة في مصر).
تخرج النحاس من مدرسة الحقوق عام 1900 م حيث عمل في مكتب الزعيم محمد فريد ثم التحق بسلك القضاء عام 1903 م وحصل على رتبة البكوية عام 1908 م ولعب دورًا هامًا خلال ثورة 19 حيث كان يعمل وقتها قاضيًا بمحكمة طنطا ووكيلًا لنادي المدارس العليا ، نظم مع عبد العزيز فهمي إضراب المحامين كما كان الوسيط بين لجنة الموظفين بالقاهرة وفرعها بطنطا فكان يحمل المنشورات داخل ملابسه ويقوم بتوزيعها هو ومجموعته على أفراد الشعب ونتيجة لنشاطه السياسي فُصل من منصب القضاء فعمل بالمحاماة.
وعلى مدار ربع قرن كان النحاس هو الزعيم الشعبي الأول في البلاد حيث تولى رئاسة الوزارة سبع سنوات على خمس فترات من أهمها الفترة التي عقد فيها معاهدة 36 مع البريطانيين والفترة التي تولى فيها أثناء الحرب العالمية الثانية بعد حادث 4 فبراير سنة 1942 م والفترة التي قام فيها بإلغاء معاهدة 36 وأطلق شرارة النضال الوطني المسلح عام 1951 م ، وتتناول المذكرات سردا تفصيليا لمؤامرات القصر وأحزاب الأقلية ضد الوفد وزعيمه إما بالإقالة المباشرة لحكومته أو بتزوير الانتخابات أو حل البرلمان وغيرها من الألاعيب.
وفي المذكرات يبرر النحاس موقفه من الانشقاقات الحادثة في حزب الوفد والتي نتج عنها تأسيس حزب الهيئة السعدية على يد أحمد ماهر ومحمود فهمي النقراشي ثم حزب الكتلة الوفدية على يد مكرم عبيد وكذلك خلافاته مع كل من عباس العقاد وفاطمة اليوسف وغيرهم من المشتغلين بالصحافة ، ويختتم المذكرات بذكر موقفه من حركة 23 يوليو عام 1952 م حيث قطع رحلته الخارجية وعاد إلى مصر مسرعا حيث قام بزيارة اللواء محمد نجيب في يوم 26 يوليو مهنئا له ومساندا رغم تحفظ صغار الضباط وبرودة استقبالهم له.
وتحفل المذكرات في أكثر من موضع بالإشارة إلى الروح الدينية لدى الزعيم مصطفى النحاس وحياته التي غلب عليها البساطة والتواضع كما حفلت بالكثير من المواقف الإنسانية والأحداث الشخصية على مدار حياته كما تناول فيها حوادث الاغتيال العديدة التي تعرض لها ، أما فترة النفي مع سعد زغلول فقد أفرد لها النحاس قسما منفصلا تحت عنوان (مذكرات النفي) فأكملت قصة حياته كاملة والتي انتهت باعتزال السياسة والاعتكاف في بيته حتى واقته المنية وخرجت جماهير الشعب الغفيرة تشيعه وقد بقي حيا خالدا في ذاكرة الأمة.
وقد سجل التاريخ له خطبته الشهيرة التي دعا فيها إلى إلغاء معاهدة 36 وبدء الكفاح المسلح ضد الاحتلال عام 1951 م حيث وقف في البرلمان وقال : ” حضرات الشيوخ والنواب المحترمين لقد انقضى وقت الكلام وجاء وقت العمل ، العمل الدائب المنتج الذي لا يعرف ضجيجاً أو صخباً بل يقوم على التدبير والتنظيم وتوحيد الصفوف لمواجهة جميع الاحتمالات وتذليل كل العقبات وإقامة الدليل على أن شعب مصر والسودان ليس هو الشعب الذي يٌكره على ما لا يرضاه أو يسكت عن حقه في الحياة.
أما الخطوات العملية التالية فستقفون على كل خطوة منها في حينها القريب وإني لعلى يقين من أن هذه الأمة الخالدة ستعرف كيف ترتفع إلى مستوى الموقف الخطير الذي تواجهه متذرعة له بالصبر والإيمان والكفاح وبذل أكرم التضحيات في سبيل مطلبها الأسمى ، يا حضرات الشيوخ والنواب المحترمين من أجل مصر وقعت معاهدة سنة 1936 ومن أجل مصر أطالبكم اليوم بإلغائها “.
وينقل في مذكراته حادثة طريفة تبين مكانة الوفد وزعيمه بين الجماهير عندما حضر مسرحية لفرقة الريحاني واستقبله الفنانون والجمهور بحفاوة بالغة أثارت توترا مع السراي والحكومة حيث يقول : ” ووصلنا إلى رأس البر في المساء نتحدث عن كرم ضيافة أسرة البدراوي وعظيم حفاوتهم مع أنهم لم يكن معظمهم في يوم من الأيام وخصوصا عميدهم سيد باشا من المنتمين للوفد أو هيئته.
لبيت دعوة الأستاذ نجيب الريحاني لحضور حفلة تمثيلية وقد استقبلنا الحاضرون استقبالاً كريمًا وكان معظم المصطافين يحضرون الحفل حتى ضاق بهم المسرح وما حوله ، وبدأت الفرقة في تمثيل رواية (حكم قراقوش) وهي تمثيلية فكاهية هادفة تصور كيف كان الحكام يستبدون بشعوبهم ويسومونهم العذاب وقد أجاد نجيب الريحاني وحسن فائق وبشارة واكيم وعبد اللطيف جمجوم وماري منيب وجميع أعضاء الفرقة ، أجادوا أدوارهم وأدوها بدقة وصفق لهم الجمهور تصفيقًا حادًا وأعلن إعجابه بهم أكثر من مرة وشجعت من جانبي الفرقة كلها وشكرت للريحاني دعوته اللطيفة.
وبعد أداء الفصل الأول وقبل رفع الستار عن الفصل الثاني تقدم بديع خيري وألقى زجلاً وطنيًا جميلاً حيا فيه الفن ونصراء الفن وعرج على تحيتي ولما وصل إلى قوله : وكفاية فخر بأن بين الشهود رفعة رئيس الوفد سيد البلد ، ضح الحاضرون بالتصفيق في حماسة وأخذوا يهتفون بحياة الوفد ورئيسه وحياة مصر واستقلالها هتافات مدوية ، وانتهت الرواية بعد منتصف الليل فهرع الحاضرون متزاحمين للتسليم علي وقد حييتهم وكررت لهم شكري كما كررت إعجابي بالتمثيل والممثلين وصافحت بديع خيري شاكرًا معجبًا وودعنا المتفرجون وظلوا يتابعونني حتى وصلت إلى الفندق.
فوجئت بأن محافظ دمياط يطلب مقابلتي في أمر عاجل فوافقت واستقبلته فإذا به يطلب إلي أن أساعده على أن ترحل فرقة الريحاني من المصيف في أقرب فرصة ذلك أن السراي الملكية قائمة على قدم وساق وأن من فيها كلهم ثائرون لأن بديع خيري قال في زجله (رفعة رئيس الوفد سيد البلد) وأن المسئولين رأوا في هذا تعريضًا بجلالة الملك على حد تعبير المحافظ وأنه أي المحافظ أراد أن ترحل الفرقة في هدوء وسلام فأبى الريحاني وقال إنه مرتبط بحفلات وقابض عربونها وعلم المصيفون بهذا الخبر فاجتمعوا واحتجوا وأصروا على ألا تبرح الفرقة المصيف إلا في الموعد الذي حددته من قبل ” ، وانتهى الأمر برحيل الفرقة وتحمل الحكومة وقتها لمبلغ التعويض للريحاني.
ويتحدث عن علاقاته المتعددة بالأدباء والكتاب ومنها زيارته للدكتور طه حسين والذي كان مختلفا مع توجهه السياسي فقال : ” استقبلني الدكتور طه وقدم إلي حرمه وهى سيدة فرنسية وولده مؤنس وابنته مرجريت ، ويعد أن شكرت له سؤاله عنى استفسرت منه عن المصحف الذى رأيته مفتوحاً فى ردهة منزله فأجاب کان ابنى يتلو على القرآن الكريم منه ، قلت : عجباً ، قال : وأى عجب فى هذا ألست مسلمًا أدين بدين الإسلام وأبنائى يتبعوننى على دينى.
فسكت قليلاً ثم عقبت على قوله : كان المعروف عنك أنك لست متديناً ولا تتقيد بدين هكذا قالوا عنك وهكذا اتهموك وقالوا أكثر من هذا أن تعليمك فى فرنسا قد أفسد ما تعودت عليه فى أسرتك ، فقال : لا أنا مسلم لكنى لست جامداً ومؤمناً لكن أفهم الإسلام على حقيقته لا كما يفسره الشيوخ المتزمتون ، ونادى ابنه فقدم لی مؤلفاً كان يعده للطبع وقال هذه نسخة منه فاقرأها ثم احكم بعد ذلك إن كنت مؤمناً أو ملحدا كما يقولون.
وأظنك لا تزال متأثراً بقضية الشعر الجاهلى الذى ضج من أجله الأزهر وأفتى بكفرى وإلحادى كأن مفتاح الجنة والنار فى أيديهم وأظنك تعلم أنه لولا تعنت الملك فؤاد وجموده وتعصب شيخ الأزهر وعلمائه لما قامت ضجة حول الشعر الجاهلى ولا استقال عبد العزيز باشا فهمى من وزارة الحقانية احتجاجاً على وأد حرية الرأى فى مهدها ، قلت أحسنت إذ شرحت لى وجهة نظرك وساقرأ الكتاب وأبدى لك رأيى فيه.
عكفت على قراءة الكتاب الذى قدمه لى الدكتور طه حسين وهو معنون بعنوان على هامش السيرة فوجدته تاريخاً طريفاً طريقة عرضه سهلة ميسرة وليس فيه زيغ ولا إلحاد فاتصلت به وأخبرته برأيى وأرسلت إليه النسخة فقد يحتاج إليها “.
ويتحدث عن ظروف قبوله الوزارة في أثناء الحرب العالمية الثانية بعد حادث 4 فبراير فقال : ” قصدت إلى دار السفارة البريطانية والظلام دامس وأنا متأثر من حالة الملك الشاب الذى انتظرنا الخير للبلد على يديه فأتلفته بطانة السوء وجلساء السوء وحدثت نفسى لعل ما وقع يكون درساً فيتعلم كيف يتحدى شعور الأمة ويعبث بمقدساتها ، ووصلت إلى السفارة وطلبت مقابلة السفير فحضر إلى فبادرته كيف تقحم اسمى فى إنذار رسمى لملك البلاد متخطيا بذلك نصوص المعاهدة المبرمة بين البلدين ، قال فى معركة الحياة أو الموت فى هذه الحالة يستباح كل شيء ، قلت أيستباح أن تسىء إلى تاريخ الناس وسمعة الناس ؟ ، قال كيف ؟
قلت بإنذارك الذى بعثته إلى الملك وقواتك ودبابتك التى حاصرت بها القصر ، قال اضطررت لأن أقوم بهذا العمل فقد حاولت قبل قيام الحرب بالنصيحة إلى الملك أن يطبق الدستور ويترك البلد تحكم طبيعياً فركب رأسه وتركته لأنه لم يكن ثمة خطر علينا فلما قامت الحرب ظننته سيتنبه من تلقاء نفسه ويحل الموقف فأبى فحاولت مرة ومرة بالحسنى فلم أفلح ولما رأيت الخطر محدقاً وجيوش المحور تعدت الحدود المصرية وأنا أعلم تمام العلم أنه باحتلال مصر ينتهى كل شىء ويكسب أعداؤنا الحرب فأرغمتى الظروف المحيطة بى إرغاماً على أن أوجه الإنذار وأن أقرن القول بالعمل لأرغمه على أن يصحح موقفه ویصحو من غفوته.
قلت إنك بهذا أسات إلى أبلغ إساءة وكلفتنى شططاً ، قال أعهد إليك الملك بتاليف الوزارة ، قلت نعم ، قال إذن ضمنا سلامة الجبهة الداخلية وكسبنا قوة لمقاومة جيش الأعداء ، فقلت له ومن أين لك أنى قبلت لقد اعتذرت له لأنى لا أقبل أن يلطخ اسمى ويسود تاريخى ، قال أو ترى إنقاذ بلدك يسيء إليك ، قلت لا إن تدخلكم السافر وإرغامكم الملك هو الذى أساء إلى قال ما كان يمكن غير الذى فعلت بعد أن صبرت طويلاً وأصبحت الحالة خطيرة والجيوش الألمانية على الحدود فأرجو أن تقبل تأليف الوزارة.
قلت إنك ترى فى قبولى الوزاة مصلحة لبلدك فأى مصلحة تعود على بلدى أنتم محتلون وأعداؤكم إذ حلوا محلكم فسيكونون محتلين ومصر بينكما كالمستجير من الرمضاء بالنار ، قال أرجو أن تقبل تأليف الوزارة ، قلت له إنى تحت ضغط الملك وإلحاحه أقبل تأليف الوزارة على شروط أطلبها منكم أنتم لأنكم أنتم السبب فى هذا الموقف.
قال وما شروطك ، قلت أولاً : أن تسحب الإنذار الذى بعثت به إلى الملك وأقحمت فيه اسمى وأن يسبق تأليف الوزارة كتاب أرسله إليك بأنه لا حق لبريطانيا بمقتضى معاهدة 1936 المبرمة بين البلدين أن تتدخل فى شئون مصر وتأليف الحكومات من صميم هذه الشئون وأن ترد على بخطاب رسمى تعترف فيه بهذا وتقرر سحب الإنذار.
ثانياً : أنت تعلم أن البلد فى حالة جوع وليس عنده لا دقيق ولا قمح ولا ذرة والشعب إذا جاع لا يهمه حزب الأغلبية الحاكم أو حزب الأقلية فإن الجوع كافر فلابد أن تحل هذه الأزمة قبل أن أقبل تأليف الوزارة.
ثالثاً : إن الحرب الدائرة الآن لا يعرف نتيجتها أحد فهى إما تنته لصالح الحلفاء أو لصالح المحور فإن انتهت لصالح المحور ضعنا نحن وأنتم لكن إذا انتهت لصالحكم ماذا يعود على مصر من فائدة عند انتصاركم ، قال اطلب ما تريد قلت له إنى أطلب فوق الشرطين السابقين تصريحاً رسمياً من الحكومة البريطانية أنه فى حالة انتهاء الحرب وانتصارها تجلى الجيوش البريطانية عن مصر بلا قيد ولا دون انتظار للموعد المحدد الذى نص عليه فى المعاهدة للجلاء وهو 1956.
فرد على قائلاً أما فيما يختص بالشرط الأول وهو سحب الإنذار فإنى أوافق على ما طلبت أما الشرط الثانى فإنى أعدك أنك إذا وافقت على قبول الوزارة فإن فى عرض البحر الأحمر الآن مركباً كبيراً عليه أكثر من خمسة آلاف طن من الدقيق الفاخر وسأصدر الأمر لها بأن تفرغ عبوتها فى السويس وأن تستولى الحكومة على الدقيق حتى تحل أزمة التموين ، أما الشرط الثالث فإنى لا أستطيع أن أتصرف فيه إلا إذا استشرت حكومتى لكنى أعدك أن أتصل فورا وأشير وأشرح الحالة كلها وأملى كبير فى أن أجيبك عن سؤالك الثالث بالموافقة.
خرجت من دار السفارة وعدت إلى قصر عابدين فوجدت الملك فى انتظارى فقصصت عليه ما دار بينى وبين السفير تفصيلاً فبرقت أساريره وظهر الفرح على محياه وقال (برافو برافو) أي واحد غيرك ما كان يستطيع أن يفعل جزءا مما فعلت وأنا أشكرك جدا وأرجو لك التوفيق “.
ويتحدث عن رفضه طلب الاحتلال باعتقال الشيخ حسن البنا أثناء الحرب العالمية الثانية فقال : ” واشتد هجوم روميل وتقدم بجيشه عبر الصحراء وجاء السفير وطلب مقابلتى على عجل وحدثني بأن مصلحة الحرب ومصلحة مصر الحربية يقتضيان اعتقال الشيخ حسن البنا رئيس جماعة الإخوان المسلمين وطالت المناقشة فى هذا الموضوع وأصر السفير على طلبه ومطاردة أنصاره لأنهم نشطون فى الدعوة للألمان ضد الإنجليز فعجبت لهذا الخبر أيعقل أن يكون رجل يراس جماعة دينية تدعو إلى الله وتؤيد احتلالا بدل احتلال.
فلما الح السفير قلت له اترك لى هذه المسالة لأحققها بنفسي وطلبت من مدير الشئون الدينية أن يستدعى الشيخ حسن البنا للاجتماع بي فأبدى فؤاد سراج الدين رغبته فى أن يجتمع أولاً بوكيل الإخوان أحمد السكرى وحدد لذلك موعداً فى داره فقابلته وأبدى لي أن كل التهم التى ينسبها إليهم الإنجليز مختلقة وأن دعوتهم خالصة لله وقال إن المرشد العام حسن البنا على أتم استعداد للقائي وشرح وجهة نظره ولك بعد ذلك الحكم عليه بما تشاء.
فأبديت رغبتي في الاجتماع به والتقيت به فى صباح يوم فى دار فؤاد سراج الدين لأنه فى وسط العمار وحضر الاجتماع فؤاد ومدير الشئون الدينية ومدير الصحافة وبدأت أتحدث مع الشيخ حسن البنا فشرحت له الموقف وخطورته وحساسية الإنجليز من ناحية وبينت له أن الألمان لو دخلوا فهم مستعمرون والإنجليز لو ظلوا فهم مثلهم وأن الذى يهمنا أن نحافظ على شعبنا فى هذه الظروف ونعمل جهدنا فى تجنب البلاد ويلات الحرب فلا نتحيز لهذا ولا ذاك.
ويعد أن انتهيت من حديثي شرع الشيخ فى الكلام فتحدث حديثاً دينياً روحياً خرج من قلبه فصادف هوى فى نفسى واسترحت إليه وأكد أنه وجماعته وأنصاره لا يهتمون إلا بأن تكون بلادهم حرة من كل استعمار خالصة من كل غل وأنهم مستعدون لجهاد أى دخيل وقتال أى معتد مهما كان وكانت جنسيته لأن تعاليم الإسلام علمتهم أن حب الوطن من الإيمان وأن من مات فى سبيل وطنه فهو شهيد وكان حديثه حديثاً صادقاً ثبت فيه روح الإسلام الحقيقية وتعاليمه.
فصرحت فى المجلس بأنى لن أعتقله ولن أمسه بسوء أو أقف حجر عثرة فى طريق دعوته ثم قلت له كل ما أطلبه منك أن تجعل دعوتك خالصة لله وأن تأمر أتباعك بألا ينشطوا ضد أى جهة من الجهات حتى إذا حان أوان الجهاد كنت معك ومؤيدك فى سبيل الكفاح لإعلاء كلمة الله وكررت أنى ما دمت على رأس الوزارة فلن يمسك سو وخرج مستريحاً ، وخاطبنى السفير وألح على فى اعتقاله ومصادرة أموال الجماعة والقبض على رؤسائها فرفضت وقلت له أنا مسئول عن تصرفات هذه الجماعة لكن لن أوافق على اعتقال مرشدها أو أحد أفرادها وأسرها السفير في نفسه ولم يعقب “.
وفي موضع آخر يتحدث عن زيارته للضباط الأحرار غداة الانقلاب العسكري عام 1952 م فقال : ” وركبت الطائرة مساء 26 يولية عائدا إلى القاهرة وكانت فرحتي بقيام الثورة أنستني تهيبي من ركوب الطائرات ، وبينما أنا أجلس على مقعدي إذ حضر الطيار وأخبرني أن فاروق قد وقع وثيقة بتنازله عن العرش لابنه أحمد فؤاد الطفل ورحل عن البلد فكانت فرحتي بهذا ألنباً فرحة غامرة وسروري كبيرً.
ووصلت إلى مطار القاهرة بعد منتصف الليل وكان في استقبالي أحمد أبو الفتح صاب جريدة المصري فسألته عن الأنباء فقص علي أن الثورة قامت يوم 23 يولية وقصد أحد أعضائها على دبابة من دبابات الجيش المصري إلى الإسكندرية ليخبر إخوانه بما ستقر عليه رأيهم وتعطلت الدبابة في طريق الإسكندرية الصحراوي عند استراحة (شل) ولكنه استطاع إصلاحها ويقول الذي كان يستقل الدبابة إنني لو تأخرت ساعة واحدة فوق ما تأخرت لما علم إخواني بما انتويناه في مصر ولاتخذ فاروق الحيطة لنفسه واستجلب قوات تحميه وكنا قد فشلنا فيما أردنا أن ننفذه.
وعرض علي أحمد أبو الفتح وفؤاد سراج الدين اللذين كانا بصحبتي أن أقصد إلى مبنى قيادة الجيش في كوبري القبة لأسلم على الضباط وأهنئهم بنجاح الثورة وقد سألت : اليس الوقت متآخرًا وغير مناسب ، فقال لي أحمد أبو الفتح إنهم ساهرون طول الليل وذهابك إليهم سيكون مفاجأة سارة لهم ، فوافقت وقصدنا إلى مبنى القيادة وانتظرت في الدور الأول وصعد أحمد أبو الفتح إلى الدور العلوي وغاب أكثر من نصف ساعة ثم عاد ودعاني إلى الصعود.
فصعدت ووصلت إلىٍ القاعة التي كان يجتمع فيها الضباط فاستقبلني محمد نجيب وتعانقنا وهنأت نجيبًا بنجاحهم في هذا العمل المجيد الخطير الذي سيغير مجرى التاريخ وسيجعل مصر تحيا حياة جديدة تشعر فيها بحريتها وتتمتع بدستورها وسيادتها وتستطيع أن تخرج الاستعمار من بينها وتستقل بشئونها ، وكنت على سجيتي فرحا مغتبطًا مسرورًا وبادلني نجيب التهنئة وشكرني على هذه الزيارة المفاجئة وأنها ستقوي من عزائمهم وتعينهم على تنفيذ ما بقي من برنامجهم.
وقد سألته عن البرنامج الذي رسموه لثورتهم فقال : إنه التخلص من الملك وحاشيته وقد تخلصنا منهم والحمد لله ونرجو الباقي الذي يتلخص في أن نحقق للبلاد جلاء القوات البريطانية عن مصر في أقرب فرصة ممكنة ومحاربة الفساد والاستقلال وحكم البلاد حكمًا دستوريًا صحيحًا وصيانة الدستور من العبث وتنظيف الإدارة الحكومية من الفساد واستغلال النفوذ ، ولما سمعت هذا البرنامج تضاعف سروري وأعلنت في صراحة تأييدي لهذه الحركة المباركة كما لاحظت أن نجيبا كان متحمسا مسرورا وهو يحدثني أما الضباط الذين كانوا في الحركة ولم أكن أعرفهم فقد استقبلوا حضوري بصمت وسكون عزوته إلى المفاجأة وعدم معرفتهم بي “.


7 / مذكرات الزعيم أحمد حسين
(مصر الفتاة) هو اسم أشهر الأحزاب الاشتراكية القومية في تاريخ مصر حيث يشكل من الناحية الفكرية حلقة وسيطة بين الحزب الوطني القديم الذي أسسه مصطفى كامل وبين تيار القومية العربية الذي تبنته ثورة يوليو ودعا إليها جمال عبد الناصر ، وقد ارتبط الحزب بحياة مؤسسه ومنظره الفكري الزعيم الثوري أحمد حسين الذي ولد بالقاهرة عام 1911 م وتوفي فيها عام 1982 م وهو شقيق المفكر عادل حسين ووالد الصحفي مجدي حسين.
التحق بمدرسة الجمعية الخيرية الإسلامية الابتدائية ثم مدرسة محمد علي الأميرية حيث أسس فيها جمعية مدرسية عرفت باسم جمعية نصر الدين الإسلامي ثم التحق بمدرسة الخديوية الثانوية وبرزت فيها مواهبه الأدبية والفنية ثم التحق بكلية الحقوق واشتهر فيها بالنشاط السياسي ، وفي عام 1931 م دشن أحمد حسين (مشروع القرش) بالتعاون مع زميله فتحي رضوان وذلك لدعم الصناعة الوطنية المصرية وبدأ بصناعة الطربوش رمز الهوية وقتها.
حقق المشروع نجاحا كبيرا واشترك فيه آلاف الشباب المصريين وتأسس مصنع جديد للطرابيش في العباسية فقام أحمد حسين في عام 1933 م بتأسيس جمعية مصر الفتاة واستلهم اسمها من مقولة مصطفى كامل (أريد أن أستخرج من مصر الهرمة مصر الفتاة) وهي متأثرة بجمعية تركيا الفتاة القومية ورفعت شعار (مصر فوق الجميع) على غرار الشعار الألماني الشهير وأسس جريدة الصرخة لتكون ناطقة بأفكاره فحققت انتشارا كبيرا بين القراء.
ومن شعارات الجمعية : لا تتحدث إلا بالعربية ولا تشتر إلا من مصري ولا تلبس إلا ما صنع في مصر واحتقر كل ما هو أجنبي وتعصب لقوميتك إلى حد الجنون ، وفي عام 1936 م تحولت الجمعية إلى حزب سياسي عرف باسم (حزب مصر الفتاة) وأتبع ذلك بتأسيس تشكيلات شبابية شبه عسكرية عرفت باسم (القمصان الخضر) ودخل في مناوشات مع تشكيلات حزب الوفد (القمصان الزرق) ودعا إلى تسمية الملك فاروق بلقب (أمير المؤمنين).
سافر أحمد حسين إلى ألمانيا عام 1938 م وعاد منبهرا بالتجربة النازية وتنبى الدعوة إلى التجنيد الإجباري العام في الجيش ومقاومة الاحتلال الإنجليزي بالقوة ونادى بأن تتولى القاهرة زعامة الشرق وأن يصبح الأزهر الناطق باسم الأمم الإسلامية ورفع شعارا له ثلاث كلمات (الله .. الوطن .. الملك) ، وبدأ بالاهتمام بالقضايا العمالية والتنظيمات النقابية وأصدر صحيفة (الاشتراكية) التي كان توزيعها يتجاوز وقتها مائة ألف نسخة.
ودعا أحمد حسين لتحريم تملك الأجانب واستئجارهم للأراضي بجميع أنواعها وتحريم تملك الأجانب للشركات ذات المنفعة العامة وتصفية شركة قناة السويس بوصف القناة مرفقا مصريا عاما ، وطالب البرنامج بوضع حد أعلى للملكية الزراعية وأن تلغى الضرائب المباشرة وغير المباشرة على السلع الأساسية للشعب وطالب بالإصلاحات في أجور العمال وتحديد ساعات عملهم بثماني ساعات يوميا ثم أطلق على حزبه لقب الاشتراكي.
تعرض أحمد حسين لاضطهاد الإنجليز أثناء الحرب العالمية الثانية فاعتقل لمدة عامين ثم خرج بعدها ليواصل نضاله ودعا للتغيير الثوري الشامل وساهم في تجميع أنصاره للتطوع في حرب فلسطين ثم هاجم الملك وقاد النضال المسلح ضد الاحتلال واشتبك معه في التل الكبير ، ثم اتهم بالضلوع في حريق القاهرة في يناير عام 1952 م فتم اعتقاله تمهيدا لمحاكمته وظل محبوسا حتى قيام انقلاب يوليو 1952 م حيث أفرج عنه بعدها بقليل.
تعرض مرة أخرى للسجن والتعذيب الوحشي في السجن الحربي أثناء أزمة مارس عام 1954 م والتي دار خلالها صراع على السلطة بين الرئيس محمد نجيب ورئيس الوزراء جمال عبد الناصر وذلك بسبب برقية أرسلها إلى الطرفين قال فيها : (إن مصر ليست ضيعة أو عزبة تتداولونها) ، وخرج بعدها إلى المنفى متنقلا بين سوريا والسودان حتى عام 1956 م عندما طلب العودة إلى مصر مقابل اعتزال العمل السياسي.
عمل أحمد حسين بالمحاماة مدة أربع سنوات ثم تفرغ للكتابة والتأليف وأصدر عدة كتب منها : (موسوعة تاريخ مصر) في خمسة أجزاء وعدد صفحاتها ألف وخمسمائة صفحة ، وكتاب إيماني ، وكتاب الأرض الطيبة ، وكتاب في الإيمان والإسلام ، وكتاب وراء القضبان ، وكتاب رسالة إلى هتلر ، وكتاب حكومة الوفد ، وكتاب واحترقت القاهرة ، وكتاب الاشتراكية ، وكتاب الطاقة الإنسانية ، وشرع في تفسير القرآن الكريم ولم يكمله.
وقد كتب مذكراته من أول نشأته ونضاله السياسي وحتى اعتقاله بعد حريق القاهرة وأضاف إليها يوميات فترة الاعتقال ووقائع المحاكمة حيث أضرب عن الطعام وتحدث عن معاناته وحزنه على وطنه حتى عاد إليه الأمل مع تواتر الأخبار بقيام حركة الجيش ، وتحدث عن هذه اللحظة الفارقة من تاريخ مصر وحياته الشخصية معا فقال :
يوم الثلاثاء 22 يوليو 1952 اليوم الخامس عشر من الاضراب : أصبحت نفسى تنازعنى للعدول عن الاضراب ولكننى لا اعرف السبيل ، فوجئت بالهلالى يؤلف الوزارة من جديد وعودة مرتضى المراغي وسلطان حافظ عفيفي ، جعلنى ذلك فى حالة سيئة جداَ وعدت الى تشبثى بالاضراب وحاول الأطباء بعد أن رأوا سوء حالتى أن يغذونى بالوسائل الصناعية فتشاجرت مع الجميع وطلبت من الممرضين أن يغادروا الحجرة وأن يغلقوا على الباب وقد ملئت بالغيظ .
وعاودنى الاصرار على مواصلة الاضراب ولذلك فلن أتناول نقط الكورامين هذا المساء وليكن الله فى عونى ، ان كل ما يحيط بى يدعو الى اليأس ولكنى أنظر دائماَ الى السماء وأهتف بالقادر ان يخلصنى وأن يخرجنى مما أنا فيه من ضيق .
فى المساء طالعت فى الصحف اقوال شهود النفى وهم على ماهر وادجار جلاد وجلال ندا وعلى الغاياتى فرضيت بعض الرضا لشهادة على الغاياتى التى تفيض اخلاصاَ ووفاء وشهادة جلال ندا الذى شهد بكل ما كنت أتمنى ان يشهد به ، أما على ماهر فقد صدمنى صدمة شديدة بشهادته الملتوية والتى حاول بها ان ينكر معرفتى بأكثر مما يعرف بعض أبناء شمال أفريقيا أو أبناء السودان .. ان على ماهر منافق عظيم فلا حول ولا قوة الا بالله.
يوم الاربعاء 23 يوليو 1952 : يا فرج الله ويا قوة الله ما هذه الأخبار التى فوجئت بها فى الصباح. انها رسالة الهية .. انها لفتة ربانية تصيح بى ايها النائم قم فقد نظر الله لآلامك وسمع لتضرعك .. ها هو يظهر قدرته ، ها هو يضرب .. يضرب بشدة على يد هؤلاء الطغاة الذين ظنوا أنهم آلهة فى الأرض. فتحت عينى فاذا بى أسمع من الموظفين حديثا يدل على ان شيئا ما يجرى ..
ثم قصوا على أنباء مثيرة .. أنباء لا تكاد تصدق ولكنها حقائق ، إن الجيش قد قام بحركة واحتل مدينة القاهرة وأذاع اللواء محمد نجيب نداء فى الاذاعة يعلن فيه بوصفه القائد العام للقوات المسلحة انه قام بعملية تطهير فى الجيش وكان ذلك يدل على أن شيئاَ خطيراَ سيقع ، وأعلنت حالة الطوارئ فى السجن ولم يخرج المسجونون الى الجلسة .. وهكذا وقع الحادث الذى كنت أتصور دائماَ إمكان حدوثه أن تؤجل القضية بعمل مادي كأن يمرض أحدالأعضاء فى المحكمة أو أن يصاب بحادث .. كنت أقترب من الله من لحظة لأخرى أن يحدث شئ من ذلك ، ولكن لم يدر بخلدى أبداَ أن يقع انقلاب ليكون هو سبب التأجيل.
وكانت حالتى الصحية قد وصلت الى أسوأ حالاتها، هبط ضغط الدم الى 90/70 وهى علامة جعلت الدكتور فى فزع، وتحالف الأطباء على أن أغذى ولو بالقوة .. وكانت هذه التطورات قد جعلتنى مستعداَ للعدول فعلا عن الاضراب ولكنى فى انتظار ما يحدث فى القضية، فقد تواصل المحكمة النظر فيها حتى فى غياب جميع المتهمين. وفجأة دخل على الدكتور حلمي مراد وزوجتى وكأنهما هبطا على من السماء فقد كان آخر ما أفكر فيه امكان أن يزورا نى فى هذا اليوم العصيب.
وسألت عن القضية فقيل انها تأجلت أسبوعاَ وكان هذا هو آخر ما أريد لكى أعدل عن اضرابى وبدأت أستمع الى تفاصيل ما يجرى فى الخارج وكيف احتل الجيش الداخلية والحدود والاذاعة وهو يرابط فى الطرقات وأننا بصدد انقلاب شامل. ولو كان باستطاعتى لسجدت لله شكراَ ولكن قلبى كان يسجد وروحى كانت تسبح وتهلل بحمده .. انه شعاع من النور جديد يضئ لى الظلمات ويقوى فى معنويتى. وتناولت كوبا من الشاى وشربته وكان ذلك أشبه بالقنبلة، لقد سرى البشر والفرح فى وجوه الجميع أطباء وممرضيين وسجانين وأقبل الجميع يهنئون .. ويغمروننى بدعواتهم .
يوم الخميس 24 يوليو سنة 1952 : انقشع الغبار وبدأت معالم المعركة التى جرت بالأمس تتجلى بكل تفاصيلها ونتائجها . ، هأنذا أجلس من جديد على فراشى لأكتب هذه المذكرات منذ يوم 17 حتى اليوم . ، نجحت حركة الجيش نجاحاَ كاملا ورائعاَ. سقطت وزارة نجيب الهلالى وتألفت وزارة على ماهر بناء على طلب الجيش . الجيش الآن هو سيد الموقف هو الذى طرد حيدر وعين محمد نجيب قائداَ عاما للقوت الملسحة وقد صدر أمر الملك بتعينه . هزيمة القصر ساحقة ليس فقط فى هذه الآونة. بل وفى المستقبل فقد كان الجيش هو آخر خطوط الدفاع وقد انهار الآن هذا الخط .
لقد أعلن قائد الجيش الجديد أنه سيكون فى خدمة الدستور وأن الجيش سيكون جيش الشعب لم يشر الى الملك من قرب أو بعد. لايمكن أن يسلم الملك بهذه السهولة .. على كل حال لقد أحنى رأسه هذه المرة للعاصفة ودعى على ماهر لتأليف الوزارة . المستقبل ملئ بالاحتمالات التى لا أول لها ولا آخر كل الذى أرجوه الآن من الله سبحانه أن يجعل هذا التطور الجديد نقطة تحول فى قضيتى. عجيب أمر على ماهر .. خاطبته فى التليفون يوم 24 يناير ودعوته لأن يكون رئيسا للحكومة فأصبح رئيسا لها فى 28 يناير ، وكان يشهد فى قضيتى فى يوم 23 يوليو وفى يوم 24 يوليو كان رئيساَ للوزارة .. انه لا يمكن أن يفكر فى ذلك بطبيعة الحال. اننى استقبله فى وزارته فى كثير من التحفظ لقد علمتنى الآلام والأيام أن أتحفظ . وانى أشعر اليوم بكثير من التحفظ وسأجعل كل همى منذ الآن متجها نحو القضية. فليكن الله فى عونى .
الجمعة 25 يوليو سنة 1952 : الله أكبر .. الله أكبر ، الى أى طريق نحن سائرون .. ماذا أعد لى الله فى مكنون علمه ، أيكون هذا الذى حدث هو الفصل النائم قم فقد نظر الله لآلامك وسمع لتضرعاتك .. ها هو يظهر أم أن الساعة لم تحن بعد .. لقد نمت بالأمس لأول مرة منذ ثلاثة أسابيع تقريبا نوما عميقا حتى اننى لم أصلى الفجر لأول مرة فى وقته ، ولم أسمع الأذان بل لم أسمع أجراس السجن وهى تدق ، وعندما فتحت عينى كان نور النهار يغمر المكان فصليت لله .. ودعوته وهو القادر .. دعوته وهو الذى أطعمنى بعد أن أجاعنى وأنامنى بعد أن أسهرنى وشفانى بعد ان أسقمنى .. دعوته وهو الذى يردنى الى الحياة .. الى الأمل .. دعوته وهو الذى احدث هذه الأحداث وقلب هذه الانقلابات.
وجاءت الصحف وكانت تحوى أجمل خبر طالعته منذ بدأ الانقلاب كانت تحوى نبأ اعتقال احمد طلعت وابراهيم امام والجزار و هؤلاء الذين لفقوا ضدى وعاشوا طوال عمرهم على الكيد لى وهم يتدرجون فى الرتب على حسابى، جاء الوقت الذى اعتقلوا فيه .. جاء الوقت الذى أحسوا فيه بلذعة الخوف والرعب وهم يساقون الى الاعتقال. أذاع عنهم محمد نجيب بلاغاَ أرى من حقه أن اثبته بنصه: الى شعب وادى النيل .. بعد أن تم بحمد الله للقوات المسلحة اقرار الأوضاع والأمن العام فى العاصمة نمى الينا من أوثق المصادر ان بعض ضباط القلم السياسى والقسم المخصوص بوزارة الداخلية يتآمرون على الآخلال بالأمن العام .. الذى تضامنا مع هيئات البوليس محافظة عليه ..
مما دعانا للقبض على الآتيين بعد : اللواء عبد المنصف محمود وكيل وزارة الداخلية اللواء أحمد بك طلعت حكمدار العاصمة اللواء محمد ابراهيم امام رئيس القسم المخصوص البكباشى محمد الجزار من القسم المخصوص ، ثم تحدث البيان بعد ذلك الى الشعب ، واذا علمت ان ابراهيم امام وأن الجزار بالذات هما اللذان عملا على تلفيق هذه القضية ضدى أدركت مقدار رحمة ربى ..مقدار النور الذى يرسله الى حياتى ..يارب ..يارب اجعل ذلك بدء الخير ..اجعل ذلك بدء الفرج ..اجعل ذلك بدء النصر ، ما أنا الا عبدك أنت وحدك تعلم من أنا ..ماذا فى جوارحى .. أنت وحدك الذى تقدر صدق طويتى ونواياى.
السبت 26 يوليو سنة 1952 : فى كل يوم نبأ مثير ، فى كل يوم نبأ خطير ، فى كل يوم وفى كل ساعة وفى كل دقيقة أسجد لله العلى القدير أن يجعلنى أعيش حتى أرى تحقيق الأحلام ، استقال بالأمس الياس اندراوس وانطونيو بوللى وحلمى حسين ويوسف رشاد وحسن عاكف وكل هذه الطغمة من حاشية الملك ، وأن هي الا لحظات حتي كانوا يعتقلون ، وهكذا ما حوكمت عليه بالأمس علي أنه جريمة عيب كبري في حق الملك قد أصبح هو فضيلة اليوم ، لقد حكم علي بالحبس سنة ونصف لهجومي علي هذا النفر وتلقيبهم بالعصابة والمناداة بتطهير البلاد منهم وها هم يستقيلون وها هم يقبض عليهم فالله أكبر الله أكبر الله أكبر.
وقيل ان حافظ عفيفي قد استقال وقبلت استقالته.. وهذا خبر اذيع أكثر من مرة ثم اتضح انه سابق لأوانه ولا جدال أن حافظ عفيفي في طريقه الي الاستقالة وضم الي المعتقلين من رجال القسم السياسي محمد يوسف ، وهؤلاء الثلاثة محمد يوسف والجزار وابراهيم امام هم أصحاب التقارير الثلاثة في قضيتي واعتقل مصطفي أمين وعلي أمين وكان آخر العهد بهما محاولتهما استغلال أقوال عبد الفتاح حسن ضدي فنشروا في الصفحة الاولي أن عبد الفتاح حسن يوجه الي اتهاما خطير ، لم أفرح لاعتقالهما ولم أحزن وان كنت أعتقد أن الشعب في منتهي الفرح لاعتقالهما.
وأفرج عن الأستاذ فتحي رضوان ويوسف حلمي وكنت أعتبر أن استمرار اعتقال فتحي رضوان هو مقياس لاستمرار سياسة القصر وخروجهما يدل علي أن القصر علي الأقل في هذه اللحظات لم يعد له وجود ، إن الشعب فرح جداً بهذا الانقلاب وسعيد به وكمادة المصريين لا يعرفون سوي التعبير بالكلام ولذلك فان هذه الموجة من الفرح والحماسة لمحمد نجيب لن تغنيه شيئا اذا بدأت العناصر المفسدة تتحرك ضده.
وليس هناك ما أخشاه الآن علي حركة محمد نجيب أكثر من خشيتي من علي ماهر شخصيا فهو رجل من رجالات القصر ومن حركة جيش بالتدريج ، أنه يقابل الآن رجال الأحزاب ويتحدث عن جمع الصفوف ، والصفوف عنده هى هيكل وإبراهيم عبد الهادى والوفد ، وهى ذات الدعوة السمجة التى طالما تحدث عنها ، الصفوف عند على ماهر ليست صفوف الشعب ولكنها صفوف الباشوات والكبراء ومادامت هذه النهضة المباركة.
عدت الآن الى تناول الغذاء وما خرجت من حالة الاضراب فى مرة من المرات الا وأحسست بمقدار الهوة التى كنت قد انحدرت اليها فأنا الآن فى حالة شديدة من الضعف لا أقوى على الحركة الا بصعوبة وبالرغم من أننى أتغذى منذ أربعة أيام فلازلت أذهب الى دورة المياه محمولا على مقعد متحرك ، ولقد حلقت ذقنى فأفزعنى منظرى بعد الحلاقة لقد وجدت وجهى أشبه الأشياء بالكاريكاتور فيه فجوات نتوءات من العظام وسأعمل ان شاء الله علي الذهاب الي جلسة يوم 30 فعسي أن أسترد بعض قوتي قبل هذا التاريخ ، أنا الآن شديد الثقة .. أريد أن أواجه القضية بأي صورة من الصور ، ولست أستطيع أن أتخيل كيف ستمضي الأمور في الجلسة المقبلة والأمور تتطور هذه التطورات الحادة.
منتصف ليل 26 يوليو سنة 1952 : الراديو يدوي علي البعد بأنباء لم يكن هناك عقل يتصورها منذ ساعات قلائل .. الملك فاروق يتنازل عن العرش لولى العهد الطفل أحمد فؤاد الثانى .. لقد أتانى الخبر منذ نصف ساعة بأن محمد نجيب يخطب فى الراديو وهو غاضب حانق والشعب يهتف فليسقط الملك عدو الشعب ، وكان هذا عجبا من أعجب العجب .. وبعد قليل جاء محدثي وهو منفعل ويصيح لقد تنازل الملك عن العرش .. وعلى الرغم من ضخامة هذا الخبر فلم يحرك فى نفسى ساكنا .. إنه ككل الأنباء الضخمة جداَ يقابلها الانسان بسكينة ، ومضيت أطالع فى إحدى القصص كأن لم يحدث شئ .. ولكن صوت الراديو ارتفع حتى تخطى جدران السجن وبدأت أسمع نبأ تنازل الملك وصوت فاروق وهو يعلن ذلك وعلى ماهر وهو يعقب .. واذن فالأمر جد .
وما كان يبدو مستحيلا منذ ساعات قد أصبح حقيقة مقررة ، هكذا تطورت الأمور فى أقل من خمسة أيام من حركة صغيرة محلية فى الجيش الى حركة واسعة شاملة أدت الى تنازل الملك عن العرش ، وفى هذه اللحظات .. ترى هل تذكر مصر أننى رهين السجن الآن متهما بهذه التهم الخطيرة لأننى كنت أول من تحدى فساد الملك فاروق .. هل يذكر الشعب أن الاشتراكية هى التى هتكت ستار هذا الملك المستهتر وتحدته حتى انتهى الأمر باقتلاعه ؟
إن الملك فاروق نفسه لن ينسى ذلك ما عاش .. وكل بطانته قد أعلمته أن أحمد حسين هو الذى كاد له ولذلك فقد أناخ على بكلكله ، والآن ماذا سيكون مصيرى .. ما هو مصير قضيتى ؟ ان ذلك هو الذى يشغل بالى .. وما جدوى كل هذه الأحدث اذا لم تنته بوضع حد لسجنى واتهامى .. ومرة أخرى اتجه صوبك يارب .. أنت وحدك الذى تعلم من أنا وأين مكانى من هذه الحوادث .. فما تكلمت الا بقوتك وما كتبت الا بدفعتك وما تصرفت الا بقدرتك .. فأما وقد وصلت الأمور إلى هذا الحد فأتم نعمتك على وأنقذنى .. خلصنى .. وأخرجنى من هذه الغمة مرفوع الرأس موفور الكرامة كما عودتنى دائما ..
يوم الأحد 27 يوليو سنة 1952 : قل اللهم مالك الملك تؤتى الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتزل من تشاء بيدك الخير انك على كل شئ قدير ، هكذا راح المقرئ يرتل بصوت جميل هذه الآية فى هذا الصباح والدموع تنحدر من عينى وقلبى ملئ بالعواطف ، انها ليست آية ترتل انها تصف هذا الانقلاب الذى تم بالأمس والذى أصبح اليوم حقيقة ، نزل فاروق عن العرش .. وبالأمس بارح مصر الى ايطاليا فالأمر حق .. حق .. ياسبحان الله العظيم .. يا سبحان الله القدير هل كان هناك انسان يجرؤ على تصور إمكان حدوث ذلك منذ أسبوع واحد فقط والملك فاروق هو ذروة السلطان والطغيان والجبروت ؟
ولكن فاروق ذهب .. ولكن فاروق رحل ورحلت معه الملكية فى مصر الى الأبد . . حقاَ لايزال هناك ملك وهو هذا الطفل فؤاد الثانى ولكن من الذى سيقيم له وزنا .. من الذى سيحافظ له على الملك .. ان الكلمة اليوم هى للشعب ، إن الأمة مصدر السلطان ، السيادة اليوم هى للشعب .. وهو ما جاهدت من أجله ، وتعذبت من أجله وحبست من أجله .. واتهمت هذا الاتهام من أجله ..
لقد انتصر كفاحى . . لقد تحققت نبوءاتى .. ولكنى لم أكن أتصور أن النهاية تأتى بهذه السرعة وبهذه البساطة وبهذه التفاهة ، لقد اقتلع فاروق الذى كان يظن أنه كالطود .. اقتلع فى بضع ساعات ولم تتحرك فى مصر كلها قطة واحدة لتدافع عنه .. كل من فى مصر انقلب ضده وخذله .. حراسه .. حاشيته أتباعه .. لقد وجد فاروق نفسه وحيداَ ولم يجد الا أن ينقذ نفسه وينقذ جلده وهذا هو ما وضع فيه همه فى آخر لحظه شأن كل جبان رعديد.
واليوم تنفجر كل قرى مصر وحيويتها .. واليوم يسكر الشعب بخمر الانتصار .. ولكن ماذا سيحدث فى المستقبل ، ماذا سيجرى ؟ يقع كل ذلك علمه عند الله ، ونحن .. أين مكاننا وسط هذه الأحداث .. نحن الذين مهدنا لها وحرضنا عليها ودفعنا أول المصريين ثمنها من حريتنا وسلامنا .. ما الذى ينتظرنا ، لست أشعر بذرة من القلق فالله الذى أحدث هذا الذى حدث هو الذى سيخرجنا بسلام ، هو الذى سيخرجنا فائزين .
ولأول مرة تلقيت تحية من بعض الزملاء من خارج السجن تحية الدكتور زيتون ، وطالعت فى الصحف إشارة الى مذكرة قدمها الحزب الاشتراكى الى محمد نجيب بعد الانقلاب ..اذن لقد بدأ اخواننا يشعرون بوجودهم .. فلنؤمل خيراَ .. لنسجد لله شكراَ .. لنبتهل الى الله .. لنبتهل الى الله.

8 / كنت رئيسا لمصر
أول رئيس جمهورية لمصر في العصر الحديث هو اللواء محمد نجيب الذي ولد في الخرطوم بالسودان عام 1902 م وتوفي بالقاهرة عام 1984 م وقاد حركة الضباط الأحرار بالجيش في ليلة 23 يوليو 1952 م للإطاحة بحكم الملك فاروق ، وقد كتب مذكراته الشخصية تحت عنوان (كنت رئيسا لمصر) وتحدث فيها عن مراحل حياته المختلفة ومشاركته في حرب فلسطين والفترة التي تولى فيها رئاسة مجلس الوزراء وقيادة مجلس الثورة ثم فترة الإقامة الجبرية بعد عزله.
والده ضابط مصري هو البكباشي يوسف نجيب ووالدته سودانية المنشأ مصرية الأصل اسمها زهرة أحمد عثمان وهي ابنة الضابط المصري الأميرالاي محمد بك عثمان الذي قتل في إحدى معارك الجيش المصري ضد الثورة المهدية وكانت أسرته تعيش في أم درمان ، وكان محمد نجيب الأخ الأكبر لتسعة أبناء وعاش مع والده الذي توفي وهو في الـثالثة عشر من عمره تاركا وراءه أسرة مكونة من عشرة أفراد وتلقى تعليمه الأولي في مدارس ود مدني ووادي حلفا بالسودان ومنها إلى الكلية الحربية بمصر.
بعد مرور شهر على تخرجه في الكلية الحربية بمصر سافر إلى السودان عام 1918 م والتحق بذات الكتيبة المصرية التي كان يعمل فيها والده ليبدأ حياته ضابطا في الجيش المصري بالكتيبة 17 مشاة ثم انتقل إلى سلاح الفرسان في شندي وبعد إلغاء الكتيبة التي كان يخدم فيها انتقل إلى فرقة العربة الغربية بالقاهرة ، ثم انتقل إلى الحرس الملكي في القاهرة عام 1923 م ثم انتقل إلى الفرقة الثامنة بالمعادي بسبب تأييده للمناضلين السودانيين ورقي إلى رتبة ملازم أول عام 1924 م ثم إلى رتبة اليوزباشي عام 1931 م حيث نقل إلى سلاح الحدود عام 1934 م في العريش.
أصبح ضمن اللجنة التي أشرفت على تنظيم الجيش المصري في الخرطوم بعد معاهدة 1936 م وأسس مجلة الجيش المصري عام 1937 م ورقي لرتبة صاغ عام 1938 ، وعقب حادث 4 فبراير 1942 م الذي حاصرت فيه الدبابات البريطانية قصر الملك فاروق لإجباره على إعادة مصطفى النحاس إلى رئاسة الوزراء قدم نجيب استقالته احتجاجا لأنه لم يتمكن من حماية ملكه الذي أقسم له يمين الولاء إلا أن المسؤولين في قصر عابدين شكروه بامتنان ورفضوا قبول استقالته.
اشترك محمد نجيب في القتال ضد القوات الألمانية عام 1943 م وفي عام 1944 م رقي إلى رتبة القائمقام وعين حاكما إقليميا لسيناء ثم رقي إلى رتبة الأميرالاي عام 1948 م حيث اشترك في حرب فلسطين من خلال معارك القبة ودير البلح وأصيب سبع مرات بينها ثلاث إصابات خطيرة ، وعقب الحرب عين مديرا لمدرسة الضباط ثم رقي إلى رتبة لواء في عام 1950 م ورشح وزيرا للحربية في وزارة نجيب الهلالي لكن القصر الملكي عارض ذلك بسبب شخصيته المحبوبة لدى ضباط الجيش.
انتخب محمد نجيب رئيسا لمجلس إدارة نادي الضباط في الأول من يناير عام 1952 م بأغلبية الأصوات ولكن الملك فاروق أمر بحل المجلس حيث كان ذلك أول اختبار حقيقي لقوة تنظيم الضباط الأحرار ، أما عن حياته الشخصية فقد تزوج نجيب من السيدة زينب أحمد وأنجب منها ابنته سميحة التي توفيت وهي في السنة النهائية من كلية الحقوق عام 1950 م وبعد طلاقه لزوجته الأولى تزوج السيدة عائشة محمد لبيب عام 1934 م وأنجب منها ثلاثة أبناء هم فاروق وعلي ويوسف.
وقد جاءت السيرة الذاتية له باختصار على الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية وفيها : محمد نجيب ، ولد في ٢٠ فبراير عام ١٩٠١ بالخرطوم ، التحق بالكلية الحربية بمصر في أبريل عام ١٩١٧ وتخرَّج في يناير عام ١٩١٨ ، حصل على شهادة البكالوريا عام ١٩٢٣ والتحق بكلية الحقوق ثم رُقِّي إلى رتبة ملازم أول عام ١٩٢٤ ، أول ضابط في الجيش المصري يحصل على ليسانس الحقوق عام ١٩٢٧ ثم دبلوم الدراسات العليا في الاقتصاد السياسي عام ١٩٢٩ ودبلوم الدراسات العليا في القانون الخاص عام ١٩٣١.
أصبح ضمن اللجنة التي أشرفت على تنظيم الجيش المصري في الخرطوم بعد معاهدة ١٩٣٦ ، في عام ١٩٤٤ عُيِّنَ حاكمًا إقليميًّا لسيناء وفي عام ١٩٤٧ كان مسئولًا عن مدافع الماكينة في العريش ، شارك في حرب فلسطين عام ١٩٤٨ وأصيب ثلاث مرات فمُنِح نجمة فؤاد العسكرية الأولى بالإضافة إلى رتبة البكوية لشجاعته ، عقب حرب فلسطين عُيّن مديرًا لمدرسة الضباط عام ١٩٤٨ ، ثم تعرَّف على تنظيم الضباط الأحرار من خلال الصاغ عبد الحكيم عامر.
بعد نجاح ثورة ٢٣ يوليو عام ١٩٥٢ والإطاحة بالملك فاروق اُخْتِير رئيسًا لمجلس قيادة الثورة ، شكل وزارته الأولى في ٨ سبتمبر عام ١٩٥٢ وتولى فيها منصب وزير الحربية والبحرية مع احتفاظه بالقيادة العامة للقوات المسلحة ، في ١٨ يونيو عام ١٩٥٣ أصبح نظام الحكم في مصر جمهوريًّا، وعُيّن اللواء محمد نجيب أول رئيس لمصر ، في ١٧ أبريل عام ١٩٥٤ تولى جمال عبد الناصر رئاسة مجلس الوزراء واقتصر دور محمد نجيب على رئاسة الجمهورية.
في ١٤ نوفمبر عام ١٩٥٤ عزله مجلس قيادة الثورة من مناصبه وتولى المجلس بقيادة جمال عبد الناصر كافة سلطاته ، ألف عدة كتب منها : رسالة عن السودان ، مصير مصر (باللغة الإنجليزية) ، كلمتي للتاريخ ، كنت رئيسًا لمصر ، توفي في ٢٨ أغسطس عام ١٩٨٤.
وقد استهل مذكراته بكلمة يشرح فيها دوافعه لنشر هذه المذكرات بعد أن طلب من أصدقائه القدامى فقال : “وقلبت أوراقي الخاصة وذاكرتي وقرأت ما نشرته من قبل وما نشر عني وأحسست فعلاً أن عندهم حق فهناك وقائع لم أجد من المناسب ذكرها وهناك تفاصيل تجاهلتها وهناك أسماء لم أنشرها ، وأدركت أنه بقى على واجب لابد من أدائه قبل الرحيل أن أكشف ما سترته وأزيح ما واريته وأكمل الصور التي أشرت لوجودها “.
ويتناول في أول المذكرات مراحل دراسته المختلفة خاصة في كلية جوردون بالسودان فقال : ” و أيام الدراسة في غوردن لم تكن هادئة و لا هانئة أبداً .. كنت طالباً في السنة الثانية بالكلية ( 1914 ) و جاء مستر سمسون مدرس اللغة الإنجليزية ليـُملي عينا قطعة إملاء جاء فيها : (إن مصر يحكمها البريطانيون) .. فلم يُعجبني ذلك و توقفت عن الكتابة و نهضت واقفاً وقلت له : (لا يا سيدي .. مصر تحتلها بريطانيا فقط ولكنها مستقلة داخلياً وتابعة لتركيا).
فثار المُدرس الإنجليزي و غضب و أصرَّ على أن أذهب أمامه إلى مكتبه ، و أمر بجلدي عشر جلدات على ظهري ، و استسلمت للعقوبة المؤلمة دون أن اتحرك أو أفتح فمي ، كنت متأثراً في ذلك الوقت بكتابات مصطفى كامل ، و كانت تلك الكتابات تُهرَّب سِراً من مصر إلى السودان .. وكنا نقرأها بعيداً عن الأعين و نحاول أن نقلِّد صاحبها على قدر المُستطاع “.
ويتحدث بمرارة عن حريق القاهرة في يناير عام 1952 م وسلوك الملك يومها حيث اللامبالاة والإصرار على استكمال احتفاله مع الضباط فقال : ” وبينما كانت القاهرة تحترق .. كان الملك يحتفل بالمولود الجديد من زوجته ناريمان صادق .كان ضيوف الملك من كبار قادة الجيش والبوليس في قصر عابدين ، و رغم معرفة الملك بما يجري في القاهرة خارج قصره .. فإنه لم يلغ الاحتفال ، و لم يأمر رجاله بالانصراف لمواجهة الحرائق “.
ويذكر يوم وداعه للملك فاروق وما دار بينهما من حوار قصير فعلق عليه قائلا : ” وعدت إلى ثكنات مصطفى باشا وأن لا أفكر سوى في العبارة الأخيرة التي قالها فاروق : (ليس من السهل ان تحكم مصر) ، ساعتها كنت أتصور أننا سنواجه كل ما نواجه من صعوبات الحكم باللجوء الى الشعب لكنني الآن أدرك أن فاروق يعني شيئا آخر لا أتصور أن أحدا من الذين حكموا مصر أدركوه وهو أن الجماهير التي ترفع الحاكم الى سابع سماء هي التي تنزل به إلى سابع أرض ، لكن لا أحد يتعلم من ذلك “.
ولا يخفي نجيب رأيه النهائي في رفاق الثورة بعد توليهم الحكم فيقول : ” كان للثورة أعداء .. و كنَّا نحن أشدهم خطورة !! ، كان كل ضابط من ضباط الثورة يريد أن يملك .. يملك مثل الملك .. و يحكم مثل رئيس الحكومة !! ، لذلك فهم كانوا يُسمُّون الوزراء بالسُعاة أو بالطراطير أو بالمحضرين ، و كان زملائهم الضباط يقولون عنهم : طردنا ملك و جئنا بثلاثة عشر ملكاً آخر !!
هذا حدث بعد أيام قليلة من الثورة ، هذا حدث منذ أكثر من 30 سنة .. و أنا أشعر اليوم أن الثورة تحوَّلت بتصرفاتهم إلى عورة !! و أشعر أن ما كنت أنظر إليهم على أنَّهم أولادي .. أصبحوا بعد ذلك مثل زبانية جهنم !! و من كنت أتصورهم ثواراً أصبحوا أشراراً !! فيارب لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا “.
ويواصل السرد حيث يصف حالة رفاقه الضباط في مجلس القيادة بعد أحداث ضباط المدفعية فقال : ” أصبح أعضاء القيادة في حالة خوف و فزع و توتر لا ينتهي كانوا يخشون من أي إنقلاب يُطيح بسلطانهم و بنفوذهم .. و كانوا على أتم الاستعداد ليفعلوا أي شيء لا يُوصِل غيرهم إلى السلطة ، وانتقلت أحاسيسهم المريضة و تصرفاتهم العصبية من داخل الجيش إلى خارجه .. فبعد يومين من اعتقال ضباط المدفعية صدر قرار حل الأحزاب السياسية .. و تشكل مجلس القيادة صراحة باسم مجلس قيادة الثورة .. وعادت الرقابة على الصحف .. وأُعِد مشروع قانون العمل والعمَّال الذي ينُص على إباحة الفصل و تحريم الإضراب “.
ويتحدث بعد ذلك عن واقعة تسببت في الخلاف بينه وبين المجلس فقال : ” و بعد يوسف صديق كان الضحية الثانية البكباشي حسني الدمنهوري الضابط باللواء الرابع .. اعترض حسني الدمنهوري هو الآخر على اعتقال ضباط المدفعية و طلب من رئيس الأركان اللواء محمد إبراهيم أن يُفسِّر له ما حدث .. فقبض عليه في منزله .. و حققت معه لجنة من عبد اللطيف البغدادي وعبد الحكيم عامر وزكريا محيي الدين وصلاح سالم ، و اتهموه بأنه كان يُعد مؤامرة للإنقضاض على مجلس القيادة و الإفراج عن الضباط المعتقلين !!
وعرفت من جمال عبد الناصر أن حسني الدمنهوري سيُحاكم أمام مجلس القيادة .. فاعترضت .. و قلت له : (كيف تكون الخصم و الحكم ؟!) .. لكنه قال : (فات الوقت .. إننا سنجتمع بعد ساعة واحدة ـ أي في الساعة السادسة صباحاً ـ و يُحسن أن يُحاكم الدمنهوري بهذه الصورة حتى لا تكون محاكمته خارجنا موضوعاً للإثارة في صفوف الجيش في هذا الوقت الحرج) ..
و رَأَس جمال عبد الناصر المحكمة التي حضرها كل أعضاء مجلس القيادة ماعدا يوسف صديق وعبد المنعم أمين وخالد محي الدين وأنور السادات ، و أصدَرَت الحكم بالإعدام .. و طلب مني التصديق عليه لكنني رفضت .. وحاول إقناعي ، إلا أنني صرخت فيه قائلاً : (إنني لا أريد أن أمضي في طريق مفروش بدماء الزملاء الضباط).
و اقتنعت بصحة موقفي أكثر عندما أخبرني اليوزباشي محمد أحمد رياض أنه شاهد البكباشي حسني الدمنهوري وهو يتعرض لتعذيب شرس وإهانة قاسية من صلاح سالم حتى يدفعوه للاعتراف بمؤامرة لم يرتكبها ولم يُفكِّر فيها !! وتحمَّل الدمنهوري كل هذا العذاب النفسي والبدني ورفض الاعتراف ، لقد أصبحنا مثل السمك نأكل بعضنا ! “.
ويختتم المذكرات بشعوره عندما تم إطلاق سراحه من الإقامة الجبرية بعد سنوات طوال فقال : ” قال لي السادات : أنت حر طليق ، لم أصدق نفسي هل أستطيع أن أخرج وأدخل بلا حراسة ؟ هل أستطيع أن أتكلم في الهاتف بلا تنصت ؟ هل أستطيع أن أستقبل الناس بلا رقيب ؟ لم أصدق ذلك بسهولة فالسجين في حاجة لبعض الوقت ليتعود على سجنه وفي حاجة لبعض الوقت ليعود إلى حريته.
وانا لم أكن سجينا عاديا كنت سجينا يحصون أنفاسه ويتنصتون على كلماته ويزرعون الميكرفونات والعدسات في حجرة معيشته ، وكنت أخشى أن أقترب من أحد حتى لا يختفي وأتحاشى زيارة الأهل والأصدقاء حتى لا يتعكر صفو حياتهم وأبتعد عن الأماكن العامة حتى لا يلتف الناس حولي فيذهبون وراء الشمس ، ولكن بعد فترة وبالتدريج عدت إلى حريتي وعدت إلى الناس وعدت إلى الحياة العامة.
ويا ليتني ما عدت فالناس جميعا كان في حلقها مرارة من الهزيمة والاحتلال وحديثهم كله شكوى وألم ويأس من طرد المحتل الإسرائيلي وبجانب هذه الأحاسيس كانت هناك أنات ضحايا الثورة الذين خرجوا من السجون والمعتقلات ضحايا القهر والتلفيق والتعذيب وحتى الذين لم يدخلوا السجون ولم يجربوا المعتقلات ولم يذوقوا التعذيب والهوان كانوا يشعرون بالخوف ويتحسبون الخطى والكلمات وعرفت ساعتها كم كانت جريمة الثورة في حق الإنسان المصري بشعة “.

9 / يوميات حرب فلسطين
الرئيس جمال عبد الناصر هو ثاني أهم حاكم في تاريخ مصر الحديثة بعد محمد علي باشا الكبير وهو المؤسس الفعلي للنظام الجمهوري فيها ورائد بعث القومية العربية في القرن العشرين وأحد مؤسسي حركة عدم الانحياز ومن كبار داعمي حركات التحرر الوطني في دول العالم الثالث ، ولم يترك مذكرات تتناول فترة حكمه وإنما كتبت مئات الكتب في ذلك ما بين مؤيد له ومعارض لكنه ترك مذكرات شخصية بالغة الأهمية تتناول يومياته في حرب فلسطين والتي كشفت الكثير عن حالة الجيش وقتها وما حدث من أخطاء استيراتيجية وتكتيكية وهو الدرس الذي كان يجب ألا يتكرر في نكسة يونيو.
وقد جاءت السيرة الذاتية له باختصار على الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية وفيها : ” جمال عبد الناصر ، ولد في ١٥ يناير عام ١٩١٨ بمحافظة الإسكندرية التحق بالكلية الحربية في مارس عام ١٩٣٧ وتخرّج في يوليو عام ١٩٣٨ ثم رُقِّي إلى رتبة ملازم أول عام ١٩٤٠ ، شارك في حرب فلسطين عام ١٩٤٨ وعقب عودته عُيِّن مدرسًا في كلية أركان حرب بعد أن اجتاز امتحانها.
في يوليو عام ١٩٤٩ تشكلت اللجنة التأسيسية للضباط الأحرار في منزله بكوبري القبة في سرية تامة ، وفي ٢٣ يوليو عام ١٩٥٢ نجح تنظيم الضباط الأحرار في القيام بثورة أطاحت بالملك فاروق وأُعلنت الجمهورية عام ١٩٥٣ ، في ١٧ أبريل عام ١٩٥٤ تولى رئاسة مجلس الوزراء واقتصر محمد نجيب على رئاسة الجمهورية.
استطاع بالوفد المصري المفاوض انتزاع الموافقة البريطانية على اتفاقية الجلاء في ١٩ أكتوبر عام ١٩٥٤ ، ترض لمحاولة اغتيال في ٢٦ أكتوبر عام ١٩٥٤ بميدان المنشية في الإسكندرية عندما كان يلقي خطابًا بمناسبة الاحتفال باتفاقية الجلاء ، أصبح رئيسًا للجمهورية في ٢٤ يونيو عام ١٩٥٦ .
تبنى فكرة إنشاء السد العالي الذي يمثل ملحمة وطنية سطرها المصريون ويُعد أعظم مشروع هندسي في القرن العشرين ، أعلن في ٢٦ يوليو عام ١٩٥٦ قرارًا بتأميم الشركة العالمية لقناة السويس البحرية شركة مساهمة مصرية ، أعلن في ٢٢ فبراير عام ١٩٥٨ اتحادًا يضم مصر وسوريا أُطلق عليه الجمهورية العربية المتحدة وقد تولى رئاستها.
أعلن تنحيه عن الحكم في ٩ يونيو عام ١٩٦٧ فقامت على إثر ذلك مظاهرات تطالب باستمراره في الحكم ، ألّف عدة كتب منها : فلسفة الثورة ، يوميات الرئيس جمال عبد الناصر عن حرب فلسطين ١٩٤٨ ، في سبيل الحرية ، توفي في ٢٨ سبتمبر عام ١٩٧٠ .
بعد الإعلان عن وفاته عمَّت مصرَ والوطنَ العربي حالةٌ من الصدمة وتعتبر جنازته أعظم الجنازات في القرن العشرين حيث خرجت الملايين في الشوارع للمشاركة بحضور رؤساء الدول العربية وكان رد الفعل العربي عامة هو الحداد وتدفق الآلاف من الناس في شوارع المدن الرئيسية في جميع أنحاء الوطن العربي “.
ويبدأ عبد الناصر مذكراته باليوم الذي سافر فيه إلى الجبهة بصحبة عبد الحكيم عامر وزكريا محيي الدين فقال : ” ولم يكد القطار يتحرك في اتجاه ميدان القتال حتى أصبح الركن الذي جلسنا فيه ـ عبد الحكيم وزكريا وأنا ـ أشبه ما يكون بغرفة عمليات حربية وفتحنا خريطة كبيرة بيننا وبدأنا نناقش الموقف وبدت أمامنا للوهلة الأولى فجوات كان يمكن أن يتسرب منها إلى خطوطنا خطر .
كان الجيش المصري يومها مكونا من تسع كتائب ولكن ثلاثاً منها فقط كانت قرب الحدود حينما صدر الأمر بدخول فلسطين وكانت هناك رابعة في الطريق ، وكنا نتساءل والقطار يندفع بنا إلى ميدان القتال : لماذا لم يحشد عدد كبير من الكتائب ما دمنا نريد دخول حرب فلسطين ، ولماذا لم يستدعَ الاحتياطي لكي تكون منه كتائب جديدة ترسل إلى الميدان على عجل ، ثم لماذا يصف البلاغ الرسمي الأول عمليات فلسطين بأنها مجرد حملة لتأديب العصابات الصهيونية.
وعلى أي حال فإن الحماسة لم تلبث أن ملأت الفجوات جميعاً وسدت ما بينها ولكن الإحساس بالفجوات المنذرة بالخطر لم يلبث أن عاد إلينا عندما وصل القطار بنا إلى العريش ، كان المظهر الخارجي للبلدة الغارقة في ظلام الليل الحالك يتلاقى في خيالنا مع الهيبة التي كنا نتصورها للقاعدة الخلفية لميدان العمليات ، ولكن المتناقضات كانت تصدمنا كلما تعمقنا داخل المظهر الخارجي إلى صميم العمل الحربي الذي كان يجب أن تقوم به القاعدة .
لم يكن هناك من يهتم بنا أو يرشدنا إلى ما يتعين علينا أن نصنعه ولم نكن ندري أين مواقع وحداتنا بالضبط حتى نستطيع أن نلحق بها ولم نجد أحداً يستطيع أن يرشدنا إلى هذه المواقع ، وذهبنا إلى رئاسة المنطقة ونحن نتصورها خلية نحل تئز بالحركة الدائبة ولكن رئاسة المنطقة لم يكن بها أحد كأنما هي بيت مهجور في بقعة من الأرض لا يسكنها بشر ، وحين عثرنا على أركان حرب المنطقة كان الشاب يبحث عن عشاء لنفسه واستضفناه على ما كان معنا من بقايا طعام وكانت أصوات ضحكاتنا وأحاديثنا تجلجل في البيت المهجور، وكانت لأصدائها في نفسي مشاعر غريب.
وجاءتنا الأخبار بعد العشاء بمواقع كتائبنا على وجه التخمين ، كانت الكتيبة التاسعة في غزة وكذلك الكتيبة الأولى أمّا الكتيبة السادسة التي كنت سأعمل أركان حرب لها فقد كانت لا تزال في رفح وإن كانت قد تحركت منها إلى عملية ضد مستعمرة الدنجور ثم عادت إليها مرة أخرى ، وافترقنا .. ركب عبد الحكيم وزكريا سيارة جيب إلى غزة وركبت أنا سيارة أُخرى إلى مواقع كتيبتي في رفح “.
ويتحدث بعد ذلك عن تحركه مع الكتيبة إلى غزة وبدء العمليات الحربية فيقول : ” وركبنا القطار إلى غزة وفي قلبي هموم وعلى أي حال فقد كان يخفف من همومي أني كنت أعلم أني سوف ألتقي بعبد الحكيم عامر في غزة وأني سأتسلم منه مواقعها فقد كان عليه كأركان حرب للكتيبة التاسعة التي تتولى العمل فيها أن يسلمني كأركان حرب للكتيبة السادسة المواقع التي سنحل فيها مكانهم ، وكان بيني وبين عبد الحكيم عامر حديث طويل في غزة ونحن نطوف بالمواقع التي كان عليه أن يسلمها لي .
كانت مواقع الكتائب الأربع في فلسطين يومها كما يلي : الكتيبة السادسة متحركة من رفح إلى غزة الكتيبة التاسعة تستعد لمغادرة غزة بعد وصول كتيبتنا إليها الكتيبتان الأولى والثانية متحركتان إلى الأمام في اتجاه المجدل على الطريق الساحلي ، وأذكر أنني صارحت عبد الحكيم عامر بهواجسي فقد كنت أحس أن هناك عملية بعثرة لقواتنا فنحن نتقدم على السهل الساحلي ونترك المستعمرات المحصنة وراء ظهرنا تهدد جناحنا الشرقي وخطوط مواصلاتنا.
وتركني عبد الحكيم عامر مع كتيبته المتقدمة إلى الأمام والتي كان عليها واجب في معركة دير سنيد وبعد أن سلمني ألف جنيه كانت في عهدته وكان علي أن أشتري بهذه الألف كل ما أستطيع شراءه من جبن وزيتون ، لم يكن لدى الجنود المتقدمين تعيينات طوارئ يعتمدون عليها في المراكز الأمامية حيث لا تستطيع الوجبات الساخنة أن تصل إليهم ولم يكلف أحد خاطره أن يفكر في أمر وجبات الطوارئ اللازمة للجنود المحاربين وكل الذي فعلوه أنهم بعثوا إلينا بألف جنيه وقالوا لنا : اشتروا جبنة وزيتون.
واشتريت كل ما كان في غزة من الجبن والزيتون وقلبي مجروح على الجندي الذي يهاجم المواقع الحصينة بجسده العاري ثم يجلس وقت الأكل في جحر كجحور الفيران يقرض قطعة من الجبن ، اشترينا كل ما عثرنا عليه منه في غزة بألف جنيه ألقوها إلينا وقالوا لنا : تصرفوا .. وكان قلبي المجروح يهتف بي في كل دقة من دقاته : (ليست هذه حربا) ، وبدأت وأنا في مكاني في غزة ألاحق تطورات معركة دير سنيد التي كانت قد بدأت.. ألاحقها دقيقة بدقيقة ، كنت أسمع دوي المدافع عن بعد وكان الجرحى من رجالنا يصلون أفواجاً بعد أفواج إلى مستشفى غزة .
وكانت ليلة 20 مايو (أيار) من أتعس ليالي حياتي قضيتها في مستشفى غزة العسكري والأَسرّة حولي كلها مليئة بجرحى معركة دير سنيد التي لا تزال مستمرة ، كل هذا وراديو القاهرة يذيع بلاغاً أصدرته القيادة العامة تقول فيه إن قواتنا احتلت مستعمرة دير سنيد واقتحمتها اقتحاماً رائعاً بالمشاة ، وكانت هذه كذبة مؤلمة فإن المستعمرة لم تكن قد احتلت بعد وإن كان الشيء الصحيح في البلاغ الرسمي هو أن المشاة كانت تقوم بعملية اقتحام رائعة .
وكانت في أعماقي ثورة على الذي كان يحدث أمام دير سنيد وتصل إليّ أخباره .. أي معركة هذه .. هذه التي يستهلك فيها جنود المشاة بهذه الطريقة المروعة .. في هجمات نهارية مكشوفة وأجساد عارية لا تحميها قوات مدرعة أمام تحصينات قوية ومدافع ماكينة متحفزة في أيدٍ مدربة ، صحيح أن موجات مشاتنا لم تتوقف كانت موجة منهم تسقط أمام النار فتجيء موجة بعدها غير هيابة ولا خائفة .. ولكن هل كنا نسوق جنودنا إلى معركة أم كنا ندفع بهم في غير رحمة إلى مجزرة .
كان الموقف في الميدان كله يظهر واضحاً لعيني وأنا في مكاني في غزة ، لقد انتهت معركة دير سنيد بعد تضحيات غالية بالنصر برغم كل المصاعب التي كانت تحيط بقواتنا ، وبعد المعركة صدرت الأوامر إلى الكتيبة الأولى بالتقدم إلى المجدل وتقدمت الكتيبة التاسعة إلى أسدود ثم صدرت أوامر جديدة إلى الكتيبة الأولى بالاتجاه شرقاً واحتلال عراق سويدان والفالوجة وبيت جبرين.
وكنت أكاد أفقد اتزاني وأنا أتابع هذه التطورات التي كانت تنشرها صحف القاهرة قبل أن تتحرك قواتنا طبقاً لها في الميدان ولم أكن أستطيع أن أدرك الهدف من هذه الأعمال جميعا ، لقد كان همّ قيادتنا أن تحتل أكبر مساحة من الأرض وكانت النتيجة أن الكتائب الأربع توزعت على خطوط طويلة وأصبحت قواتنا المبعثرة لا همّ لها إلاّ حماية نفسها ومواصلاته “.
وأكمل عبد الناصر سرد وقائع العمليات الحربية حيث انتقل مع كتيبته من غزة إلى أشدود فقال : ” والتقيت بعبد الحكيم في أسدود ، كان كما تركته لآخر مرة ابتسامته التي تبعث على الثقة وروحه الطليقة وقضينا معاً ليلة لا أنساها ، كان فراشه في حفرة في حديقة برتقال ووضعت فراشي في نفس الحفرة على الناحية الأُخرى من شجرة البرتقال ولم ننم طوال الليل ، كان الجو غريباً مثيرا كنا في أقصى المواقع الأمامية قرب العدو وكان جهاز اللاسلكي بجوار عبد الحكيم ينقل إليه التطورات دقيقة بدقيقة .
وعلمت من عبد الحكيم لأول مرة أن هجوماً سيقع في الغد على مستعمرة نيتساليم وأبديت لعبد الحكيم قلقي من أن يتكرر أمام نيتساليم ما حدث من قبل في دير سنيد وبدأ عبد الحكيم يهدئ قلقي قال لي إنه تعلم دروساً عن دير سنيد ، وقال لي إن روح الضباط الشبان عالية لدرجة أنه أجرى قرعة بين السرايا لكي يحدد أيها يقع عليها مهمة قيادة الهجوم ولكن قائد إحدى السرايا تطوع ورفض إجراء القرعة وكان هو اليوزباشي محمود خليف وكان أحد أفراد تنظيم الضباط الأحرار .
وتركني عبد الحكيم عند الفجر ومضى إلى المعركة وقضيت يوماً مشحوناً ، كان عليّ أن أرتب مواقع كتيبتنا في مواقعها الجديدة وكنت مشغولاً في الوقت نفسه بالذي يجري أمامنا إلى الغرب على الساحل في نيتساليم وكنت أتسقط أخبار المعركة ، وعند العصر جاءتنا الأخبار بأن الكتيبة التاسعة نجحت في عملهاوأنها استولت على مستعمرة نيتساليم وعلمت أن خليف قائد السرية المتقدمة قد استشهد وعلمت أن عبد الحكيم عامر لم يطاوعه قلبه فمضى مع السرية المتقدمة وأن شظية أصابته ولكنه سليم بخير ، وكانت تلك هي المعركة التي رقي فيها عبد الحكيم ترقية استثنائية في الميدان .
وقضينا الليلة والعدو يطلق علينا النار ونحن نبادله نيراناً بنيران ولكن خواطري لم تكن معي كانت تحلق فوق أرض الميدان كله كنت أقول لنفسي :ها نحن قد نجحنا في معركة نيتساليم إن روح الشجاعة لا تنقص ضباطنا وجنودنا إذن ولكن ذلك كان العامل المشجع الوحيد وفيما عداه كان الموقف كله يبعث على القلق ، كنت بخيالي أطوف الميدان كله فأجد قواتنا المبعثرة يقل تركيزها كلما اقتربت من الخط الأول لملاقاة العدو كانت منتشرة على مساحات واسعة من الأرض على عددها القليل وكانت كما قلت قد تحولت إلى نقط حراسة عليها أن تحمي نفسها ولم يكن هناك فائض قوات يمكن استخدامه في هجوم .
لم نكن نحارب كجيش وإنما تحولنا بعد دخول فلسطين إلى جماعات متفرقة على مراكز واسعة الانتشار وكانت النتيجة أن العدو نجح في تثبيتنا فيها واحتكر لنفسه حق الحركة وحشد القوات والهجوم علينا من حيث يريد ، وكنت أسأل نفسي وألح في سؤالها : لماذا فعل قائدنا ذلك .. لماذا شتت قواته وبعثرها بهذه الطريقة لماذا سمح لنفسه أن يندفع في خط طويل مكشوف من كل ناحية أمام العدو “.
ويلقي عبد الناصر باللوم على القادة في مصر لقبولهم الهدنة والتي خرقها العدو فيقول : ” في أول يوم للهدنة تحرك العدو فاحتل عِبْدِس التي كانت قرية عربية تكاد تكون متداخلة مع خطوطنا .. وتحرك العدو أيضاً فاحتل بيت داراس وتحرك العدو فاحتل الجسير وتحرك العدو فاحتل العسلوج وتحرك العدو فاحتل جولِس وتحرك العدو وحاول أن يدفع بعض قوافله المتسللة عبر خطوطنا إلى المستعمرات المحاصرة في النقب الجنوبي .
العدو إذن لم يأخذ الهدنة جدا لقد كانت بالنسبة له فرصة للتعزيز إنه يقفز تحت ستارها إلى مواقع حاكمةيستطيع منها ـ يوم تنتهي الهدنة ـ أن يبدأ عملياته من أكثر المراكز ملاءمة لأغراضه ، كان الموقف واضحاً لا خفاء فيه لمن يكلف خاطره فيلقي نظرة على الخريطة أو يتجه بعينيه عبر الناحية الأُخرى من خط القتال ومع ذلك لم يبد في قيادتنا ما يدل على أنها وعت المعنى الحقيقي لهذا الذي يجري أمامنا.
وكان الذي يشغلها على ما يبدو في ذلك الوقت هو إعداد التقارير الضافية عما جرى من يوم بدأت المعركة حتى فرضت الهدنة وكان أبرز ما اهتمت به قيادتنا وأسهبت في وصف تفاصيله هو كيف اقتحم الجنود مستعمرات العدو وهم يهتفون بحياة جلالة القائد الأعلى للجيش وهو ما لم يحدث بالقطع فإن الجنود المهاجمين كان يشغلهم من نيران العدو ما لا يمكن معه أن يخطر ببال واحد منهم أن يهتف لجلالة القائد الأعلى للجيش”.
ويتحدث بعد ذلك عن استئناف القتال والإصابة التي تعرض لها فقال : ” كان الموقع الجديد الذي يتعين علينا احتلاله لقطع مواصلات مجموعة المستعمرات الحاكمة على مدخل النقب مكشوفاً بطريقة مروعة أمام نيران مستعمرة نجْبا،وكذلك كان الطريق المؤدي إليه من أوله إلى آخره وجاءني قائد السرية التي كان عليها أن تذهب لاحتلال الموقع يقول لي : هذه العملية بلاهة وجنون.
وكنت في ضميري مقتنعاً بأن الذي يقوله لا يبتعد كثيراً عن الحقيقة ولكنني كنت في نفس الوقت أشعر بالأهمية الخطيرة المعلقة على تقاطع الطرق فإن عملية الاستيلاء على مستعمرة نجِبا رسمت خطتها كلها على أساس احتلال هذا الموقع ، وقلت لقائد السرية : سوف أذهب معك ، وخرجت معه ومع قوته وكانت الساعة الثالثة صباحا وعندما طلعت شمس الصباح كنا نحتل تقاطع الطرق وكان جنودنا يحفرون عليه مواقع يكمنون فيها وكان ثباتهم رائعاً رغم النار المركزة عليهم .
وبدأت معركة نجِبا وكانت السرية في مواقعها رابضة في غير حاجة إلي وقررت أن أعود إلى المعركة والتقيت عند نهاية الطريق المكشوف بأركان حرب اللواء وكان قادماً ليستطلع الموقف ودهش أركان حرب اللواء فلم يكن يتصور أن الطريق إلى مركز تقاطع الطرق مكشوفاً إلى هذا الحد ، ولم يكن هناك مفر من أن يركب حمالة مصفحة إذا أراد أن يعبر الطريق في وضح النهار وعدت معه في الحمالة المصفحة وقررنا العودة بعد قليل ثم وقعت حادثة من تلك الحوادث التي يتفنن القدر في حبك مواقفها.
سمعنا ضرباً قريباً منا في حقل الذرة وقال لي أركان حرب اللواء : هذا الذي يضرب قريباً منا هل يعتقد أن الدنيا خالية أمامه ، ثم اقترح قائد اللواء أن ننزل إلى حقل الذرة بالحمالة المصفحة نطارد الضاربين عن قريب في جوار مواقعنا وهبطت الحمالة إلى حقل الذرة وتجولت فيه وإذا السكون يسود وإذا الطلقات التي كانت تئز من داخله تلوذ بالصمت ، وتجولنا هنا وهناك وسط حقل الذرة ولا حس ولا خبر ولم يكن هناك ما يبرر أن نضيع وقتاً أكثر مما أضعنا في حقل الذرة فبدأت الحمالة تدور حول نفسها عائدة إلى الطريق.
وكانت هناك لحظة خطيرة كنت أعمل حسابها وأحسست بهاتف خفي يحذرني منها .. هذه اللحظة هي الثانية التي تعود الحمالة فيها فتصعد بمقدمتها على الطريق المرتفع عن حقل الذرة فإن سطح الحمالة كله في هذه الثانية سيكون معرضاً مكشوفاً أمام حقل الذرة ، ولم يكن الهاتف الخفي وهما وإن كنت لا أعرف على وجه التحقيق ما هو ، في نفس الثانية التي انكشف فيها سطح الحمالة وهي ترتفع إلى الطريق انطلقت المدافع الصامتة من حقل الذرة .
وفجأة أحسست بشعور غريب في صدري ، شيء ما صدمه صدمة خفيفة والتفت فوجدت صدري كله غارقاً بالدماء وأدركت على الفور أنني أصبت .. دخلت طلقة في صدري ناحية القلب وأخرجت منديلي من جيبي أحاول أن أوقف النزيف وروحي كلها يملؤها شعور غريب ، لم أكن خائفا ولم أكن نادما ولم أكن حزينا كان كياني كله سؤالاً واحدا : أهي النهاية ، ولم أجزع لهذا السؤال.
ولست أدري لماذا ذكرت لأول مرة منذ جئت إلى فلسطين ابنتيّ هدى ومنى وذكرت بيتي وذكرت أسرتي كيف سيكون وقع النبأ عليهم ، وفجأة ذكرت جنودي أيضا : كيف ستسير المعركة من غيري ماذا سيقول كل منهم عندما يصله الخبر ، وكانت في قلبي سكينة عجيبة وكان في روحي رضاء وصفاء “.

10 / البحث عن الذات
(البحث عن الذات) هو عنوان الكتاب الذي كتب فيه الرئيس أنور السادات مذكراته الشخصية وروى فيه رحلة نضاله الطويلة في سبيل استقلال مصر وما تعرض له من محن وابتلاءات على يد الاحتلال البريطاني والنظام الملكي ، والحقيقة أن حياته تشكل ملحمة درامية من بدايتها إلى نهايتها وقد صاغها بأسلوب أدبي فريد حيث عرف عنه مهارته في الكتابة واشتغاله بالصحافة في فترة شبابه كما كان الوحيد من الضباط الأحرار الذي عمل بالسياسة قبل الثورة وتعرض للاعتقال مرتين وفصل بسبب ذلك من الجيش.
وقد جاءت السيرة الذاتية له باختصار على الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية وفيها : ” أنور السادات .. ولد في ٢٥ ديسمبر عام ١٩١٨ بمحافظة المنوفية ، تخرّج في الكلية الحربية عام ١٩٣٨ ضابطًا برتبة ملازم ثانٍ وعُيِّن في مدينة منقباد جنوب مصر ، في ٦ يناير عام ١٩٤٦ زُجّ به في سجن القاهرة نتيجة اتهامه بالمشاركة في قتل أمين عثمان وزير المالية ، في عام ١٩٤٨ حُكم ببراءته وفي عام ١٩٥٠ عاد إلى عمله بالجيش ثم انضم إلى تنظيم الضباط الأحرار عام ١٩٥١ .
ألقى بيان ثورة ٢٣ يوليو عام ١٩٥٢ وأسندت إليه العديد من المناصب مثل رئيس مجلس الأمة (البرلمان) ورئاسة تحرير الجمهورية والأمين العام للمؤتمر الإسلامي العالمي ، اُنتُخب رئيسًا لمجلس الأمة الاتحادي عام ١٩٦٠ وعُيِّنَ رئيسًا لمجلس التضامن الأفروآسيوي عام ١٩٦١ ، اختاره الرئيس جمال عبد الناصر نائبًا له وعقب وفاته تولي رئاسة الجمهورية بالإنابة ، اُنتُخب رئيسًا للجمهورية بعد إعلان نتيجة الاستفتاء الشعبي في ١٧ أكتوبر عام ١٩٧٠ .
صاحب قرار العبور التاريخي في حرب أكتوبر عام ١٩٧٣ ، في ٥ يونيو عام ١٩٧٥ أعاد فتح قناة السويس أمام الملاحة العالمية وأقام منطقة بورسعيد الحرة كبداية لدخول مصر عصر الانفتاح الاقتصادي فضلًا عن إقامة العديد من المدن الجديدة خارج القاهرة ، في عام ١٩٧٧ اتّخذ قراره الحكيم والشجاع الذي اهتز له العالم بزيارة القدس ليمنح بذلك السلام هبة منه لشعبه وعدوه في آنٍ واحد ويدفع بيده عجلة السلام بين مصر وإسرائيل.
في عام ١٩٧٨ أسس الحزب الوطني الديمقراطي وتولى رئاسته ، ألّف عدة كتب منها : قصة الثورة كاملة ، صفحات مجهولة من الثورة ، يا ولدي هذا عمك جمال ، البحث عن الذات ، حصل على جائزة نوبل للسلام عام ١٩٧٨ ، اُغتيل في ٦ أكتوبر عام ١٩٨١ “.
ويستهل السادات مذكراته بمقدمة يقول فيها : ” أنا أنور السادات فلاح نشأ وتربى على ضفاف النيل حيث شهد الإنسان مولد الزمان أهدى هذا الكتاب إلى القارئ فى كل مكان ، إنها قصة حياتى التى هى فى نفس الوقت قصة حياة مصر منذ 1918 هكذا شاء القدر فقد واكبت أحداث حياتى الأحداث التى عايشتها مصر فى تلك الفترة من تاريخها ولذلك فأنا أروى القصة الكاملة لا كرئيس لجمهورية مصر العربية بل كمصرى ارتبطت حياته بحياة مصر ارتباطا عضويا منذ بدايتى إلى الآن وحياتى مثل حيا أى منا ليست فى الواقع إلا رحلة بحث عن الذات.
فكل خطوة خطوتها عبر السنين إنما كانت وما زالت من أجل مصر والحق والحرية والسلام ، هذه هى الصورة التى رسمتها منذ الطفولة والآن وأنا أنظر إلى بانوراما حياتى وحياة مصر تمتد أمام عينى بكل ما شهدته وما صاحبها من أحاسيس هل أستطيع أن أرى صورتى لنفسى وقد التقت بصورة مصر كما كنت أحلم بها من فوق سطح الفرن فى قريتى ميت أبو الكوم وأنا ما زلت صبيا فى العاشرة من عمره ؟ وهل يمكن أن أقول إن هذه الصورة قد تحققت أو على الأقل أصبح فى الإمكان التعرف عليها ؟ ، هذا ما أتركه للقارئ ليراه بنفسه “.
ولا يكتفي الكتاب بسرد الأحداث والوقائع وإنما يتضمن فصولا عديدة تحوي تعبيرات عن نوازعه الداخلية وفاسفته في الحياة خاصة الفترة التي قضاها في الزنزانة 54 أو خلافاته مع رفاق الثورة حيث يقول : ” إن الإنسان عقل و جسد و روح .. ولابد من الغذاء لكل من هذه العناصر حتى يتحقق السلام الروحى .. لجأت إلى المعرفة أنهل منها ولا أتوقف عن القراءة يوما .. فهذا الغذاء العقل وبالإيمان الذى لا يعرف الحدود روضت روحى أما الجسد فكانت وما زالت رياضته الوحيدة المشى على الأقدام أربعة كيلومترات كل صباح .
بهذا حاولت طوال فترة المعاناة أن أحافظ على السلام الروحى الذى أعتقد أنه ضرورة لا بد منها لكى يؤدى الإنسان رسالته على هذه الأرض كما يجب أن يؤديها ، قد يظن البعض أن التصالح مع النفس الذى هو ثمرة السلام الروحى يعنى الاستسلام للأمر الواقع أو على الأقل تقبله .. ولكن هذا صحيح فأنا لا أقبل الأمر الواقع كما هو بل أحاول دائما تطويعه و السمو به إلى ما هو أفضل ففى اعتقادى أن الإنسان يجب أن يعمل دائما و نصب عينيه مثل أعلى يريد أن يبلغه فبدون المثل الأعلى كيف تكون للإنسان رسالة .. وإذا خلت الحياة من الرسالة فلماذا نحياها و أى معنى لها ؟ “.
ويتحدث عن إيمانه المطلق بالحرية وكرامة الإنسان في أكثر من موضع ويختلف مع عبد الناصر في ذلك فيقول : ” على مستوى رجال الثورة كان الانفصال شماتة كبيرة في جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر ، أما على المستوى الشعبي فقد بدأت الناس تتململ وتسأل : لماذا حدث هذا ؟ ومن المسئول ؟ صحيح أن الانفصال قد سبقته بفترة وجيزة القوانين الاشتراكية تلك التي صدرت من أجل مصلحة الجماهير ولكن جموع الشعب كان مازال يفتقد شيئا هاما في حياته .. وهو الحرية .. فعندما لا يكون الإنسان آمنا على نفسه لا يمكن ان يعوضه شئ عن هذا ..
هذه حقيقة لم يدركها عبد الناصر إلى يوم أن مات .. كان يتصور أن الشعب مرتاح وسعيد وراض عن أسلوب الحكم لأن الناس عندما تراه كانت تهتف له وتهلل وتصفق .. ولكنه نسى أن في ضمير كل مواطن – حتى في الطبقات التي كان يعتقد انه يخدمها – حقيقة أساسية تطغى على كل حقيقة أخرى وهي الإحساس بالحاجة إلى الحرية والأمن “.
وعن استعداداته لمعركة العبور يقول : ” قرأت التقريرات مرة و مرات واستلفت نظرى ما جاء فيه من أن زيادة السكان بمصر وبالتالى زيادة الاستهلاك سوف يجعل الاقتصاد المصرى يصل إلى مرحلة الصفر فى خلال سنتين من سنة 1970 م على الأكثر ففزعت و لكنى اعتبرته دعاية من الغرب و أنه ضمن الحملة النفسية التى تشن علينا لكى نسلم لإسرائيل.
ولكن بعد أن توليت اكتشفت الحقيقة المرة فقد استدعيت وزير المالية و الاقتصاد د. حسن عباس زكى وسألته عن الموقف الاقتصادى فقال ببساطة : إن الخزينة فاضية .. وإننا نكاد نكون فى حالة إفلاس .. قلت له : كيف وصل الحال إلى هذا ؟ ألم تخبر جمال ؟ قال : أنا قعدت ألبس طاقية ده لده ولكن دلوقتى خلاص .
أرسلت و اقترضت 20 مليون جنية ولكن حسن عباس زكى قال لى إن هذا المبلغ لم ينفع كثيرا .. و كنت أذعر فعلا عندما أدركت أننا على وشك أن يأتى اليوم الذى لا نملك فيه رواتب الجنود المرابطين على الجبهة ومرتبات الموظفين فإذا جاء يوم و لم يقبضوا رواتبهم و عرفوا أن أهلهم فى مصر لا يجدون ما يأكلونه فسوف يتركون الجبهة وتنهار مصر .. طبعا كافحت واستعنت بكل مدد يمكن الإستعادة به.
ولم أشعر طوال سنة 71 و سنة 72 بحقيقة الكارثة ولكن قبل المعركة بخمسة أيام واجهت مجلس الأمن القومى بحقيقة اقتصادنا و بأنه تحت الصفر وهذا أمر لو صادف غيرى أو أى انسان لابد أن يخيفه ولكنى فكرت و قررت .. ولا اعتقد ان احدا مكانى سيجد الشجاعة لإصدار أى قرار ولكننى كنت على ثقة أن مفتاح كل شئ سياسيا و اقتصاديا و عسكريا هو أن نصحح هزيمة سنة 1967 م لكى نستعيد ثقتنا فى أنفسنا وثقة العالم بنا فلم يكن الوضع الاقتصادى سوى بعد واحد من أبعاد المشكلة .
لقد كان محو عار ومهانة هزيمة سنة 1967 م هو الأساس ، و كان تقديرى أننى حتى لو دفنت مع أربعين ألف من أبنائى فى القوات المسلحة ونحن نعبر القناة فسيكون ذلك أشرف لنا ألف مرة من أن نقبل هذا الإذلال و تلك المهانة و ستأتى الأجيال القادمة من بعدنا لنقول إنهم ماتوا بشرف فى المعركة ولابد أن يكملوها بعدنا “.
ويحكي عن ليلة السادس من أكتوبر وشعوره وقتها فيقول : ” الظهر جلست فى الشرفة وكان القمر مازال صغيرا وطلعته جميلة وانا اعشق الطبيعة المجرده ولا أحب المدينة ولا الزخرف ولا الأضواء ، كنت فى اقصى درجات السلام الروحى فرغم هذه اللحظة التى كنت مقبلا عليها كنت ارنو الى الغد موعد المعركة على انه مجرد يوم قدر لى الله ان اعيشه ولذلك دخلت المعركة دون ادنى انفعال او عصبية.
لم يكن يشغلنى سوى بعض التفاصيل التى لم تكن إلا مجرد رتوش حول المعركة وقد يعجب الناس إذا عرفوا ان ليلة المعركة كانت من أحسن الليالى التى نمتها فى حياتى ولذلك عندما استيقظت فى الصباح قمت بالتدريبات الرياضية اللازمة وسار برنامجى اليومى كالعادة وكان عقلى فى منتهى النشاط والراحة مستعدا لمسئوليات اليوم الجديدة “.
وحول انتهاء المعركة وقبوله وقف إطلاق النار يتحدث بوضوح وصراحة وواقعية ويقول : ” اتضح لى أن القمر الصناعى الأمريكى الذى كان يوصل المعلومات لإسرائيل ساعة بعد ساعة أخبرهم بنقل الفرقة المدرعة 21 من الضفة الغربية للقناة إلى الضفة الشرقية لمحاولة تخفيف الضغط على سوريا كما طلب و ألح الرئيس السورى حافظ الأسد ، و أقر هنا للتاريخ ان الاتحاد السوفيتى الذى يدعى وقوفه مع الحق العربى لم يبلغنا بشىء بواسطة اقمارهم الصناعية التى تتابع المعركة لحظة بلحظة.
ثم حدث تطور خطير بدأت أشعر به وأنا أتابع الحرب من غرفة العمليات ، لقد استخدم الجسر الجوى الأمريكى لنجدة إسرائيل مطار العريش لنزول الطائرات الأمريكية العملاقة التى تحمل الدبابات و كل الأسلحة الحديثة والعريش تقع خلف الجبهة ، وبدات الاحظ تطورا خطيرا فى معارك الدبابات التى اعترف الإسرائيليون أنفسهم بشراستها و كفاءة المصريين فى إدارتها كنت كلما أصبت لإسرائيل 10 دبابات أرى مزيدا من الدبابات.
لقد دخلت أمريكا الحرب لإنقاذ إسرائيل بعد النداء المشهور ـ إنقذوا إسرائيل ـ فى اليوم الرابع من المعركة وهى تستخدم بكل صراحة مطار العريش المصرى الذى يقع خلف الجبهة بكل وضوح لكى تحول الهزيمة الإسرائيلية إلى انتصار و تذكرت فى تلك اللحظات ما فعلته أمريكا على جبهة ألمانيا فى الحرب العالمية الثانية ثم على الجبهة اليابانية.
أما التطور الثالث و الخطير فهو أن أطلق صاروخان على بطاريتين مصريتين للصواريخ فعطلا البطاريتين تعطيلا كاملا ، و عرفت بعد ذلك أنه صاروخ امريكى جديد يسمى القنبلة التلفزيونية و أنه كان لا يزال تحت الاختبار فى أمريكا فأرسلته لنجدة إسرائيل ، لقد دخلت أمريكا بشكل مباشر الحرب لإنقاذ إسرائيل حتى بالأسلحة تحت الإختبار و قنبلة المافريك و أسلحة أخرى .
وأنا أعرف امكانياتى وأعرف حدودى .. لن أحارب أمريكا ، و لذلك بعد عودتى من غرفة القيادة كتبت للرئيس الأسد شريكى فى القرار برقية أخطره فيها أنى قررت الموافقة على وقف إطلاق النار ، وسجلت فى هذه البرقية موقفى و هو أنى لا أخاف من مواجهة إسرائيل و لكنى أرفض مواجهة الولايات المتحدة الامريكية وإنى لن أسمح أن تدمر القوات المصرية مرة أخرى فى حرب غير متكافئة وإننى مستعد أن احاسب أمام شعبى فى مصر وأمام الأمة العربية عن هذا القرار.
وفى هذه الليلة اتخذت القرار بوقف إطلاق النار فقد كان لى عشرة أيام أحارب فيها أمريكا وحدى بأسلحتها الحديثة التى لم يستخدم أغلبها من قبل على الساحة العسكرية وكان الموقف على غير ما يتصوره العالم كله و اتهمت من بعض الدول العربية انى جبان وقتها ، فقد كان اعتقاد الجميع فى العالم أن الاتحاد السوفيتى يقف إلى جانبنا وأنه قد أرسل الجسر الجوى لنجدتنا ولكن الموقف كان غير ذلك فى الواقع فأمريكا و إسرائيل فى مواجهتى والاتحاد السوفيتى فى يده الخنجر و يجلس وراء ظهرى ليطعننى فى أى لحظة عندما أفقد 85 % أو 90 % من سلاحى كما حدث فى سنة 1967 لكنى قرأت مخططهم جيدا و لن أترك لهم أولادى لقمة سهلة “.
ويصف زيارته للقدس عام 1977 م ولقائه مع عدد من المسئولين فيها بقوله : ” وصلت إسرائيل فى أقل من أربعين دقيقة استغرقتها رحلة الطائرة من مطار أبو صوير فى القناة الى مطار اللد ، لا احد يصدق و الذهول يسود .. بمجرد ان خطوت خارج الطائرة وجدتنى وجها لوجه امام جولدا مائير التى كانت فى امريكا ثم قطعت رحلتها و عادت ، بادلتها السلام ثم رأيت ديان ديان انا اعرفه لانه كان خصمى فى معركة 1973 م.
ثم قابلت ابا ايبان و بعده أريل شارون الجنرال الذى كان لدينا فى الثغرة قلت له إذا أتيت مرة آخرى الى الضفة الغربية للقناة فسيكون السجن فى انتظارك ! ، فقال : ابدا انا حاليا وزير الزراعة ، ثم رأيت بعد ذلك موردخاى جور رئيس الاركان الحالى الذى كان قد حذرهم قبل زيارتى بأننى اقوم بخدعة وأن الهدف من الزيارة هو تغطية هجوم وشيك ولذلك حينما رأيته قلت له أننى لا امارس الخداع الأخلاقى إطلاقا . . الخداع الاستراتيجى والخداع التكتيكى مقبول و لكننى لا يمكن ان أقبل الخداع الاخلاقى “.