لعبة الأمم

1 / حريم السلطان

منذ نهاية القرن الخامس عشر الميلادي هيمنت أوروبا على العالم كله حيث قام الأوروبيون بغزو العالم الجديد في الأمريكتين واستعمار أفريقيا واحتلال الهند وأجزاء واسعة من الصين وجنوب شرق آسيا بفضل قوتها العسكرية وكذلك توسعت روسيا الأوروبية باتجاه سيبيريا والقوقاز وتركستان وذلك قبل عصر النهضة والثورة الصناعية بفترة طويلة ، وامتد تأثيرها في العالم العربي منذ وقت مبكر في زمن العثمانيين ..

عدد كبير من الأسرات المحلية الحاكمة كانت أوروبية الأصل .. في العراق أسرة سليمان باشا الكبير من أصول جورجية وفي الشام أسرة أحمد باشا الجزار من أصول بوسنية وفي مصر أسرة محمد علي باشا من أصول ألبانية وفي ليبيا أسرة القرامنللي من أصول أرمينية وفي تونس أسرة مراد باي من جزيرة كورسيكا وأسرة حسين باي من كريت اليونانية وفي الجزائر أسرة خير الدين بربروسا من سباهية جزيرة ميدلي ..

ويرجع سبب ذلك أن الدولة العثمانية تعتبر نصف أوروبية وعاصمتها الآستانة تقع في قارة أوروبا بين شطريها الأناضول التركي والبلقان الأوروبي ، ومنذ وقت مبكر كان البلاط العثماني خاضعا للتأثيرات الأوروبية لكن من ناحية أخرى حيث كانت الهيمنة في الحرملك للنساء الأوروبيات بصورة طاغية ، حكم السلطنة ستة وثلاثون سلطانا منهم أربعة فقط كانت أمهاتهم من الأتراك والباقون جميعا من أمهات أوروبيات ..

ثمانية من أمهات السلاطين من العرق السلافي (روسيا وأوكرانيا وصربيا وبلغاريا ومنهم واحدة يهودية من بولندا) وسبعة من اليونانيين (بيزنطة قبل الفتح وكريت واليونان) وسبعة من سائر أوروبا (ألبانيا وإيطاليا وفرنسا ومنهم واحدة كانت تمت بصلة قرابة لزوجة نابليون بونابرت) وثمانية من القوقاز (جورجيا وأبخازيا والقرم وشركيسيا) .. عدد كبير منهم تولى موقع السلطانة الأم وشارك في إدارة الدولة وتوجيه زمامها ..

ولذلك ليس من العجيب أن ينتصب في أوكرانيا تمثال ليخلد ذكرى واحدة من أهم هؤلاء السيدات وهي ألكساندرا أنستازيا ليسوفسكا واسم شهرتها روكسلانا وهي زوجة السلطان سليمان القانوني ووالدة السلطان سليم الثاني والتي عرفت في البلاط العثماني باسم السلطانة خرم شاه وعرفت في مسلسل حريم السلطان باسم هويام حيث نسب إليها حبك المؤامرات والدسائس حتى صارت الحاكم الفعلي في الباب العالي ..

2 / الكراسي الموسيقية

في أوائل القرن العشرين بدأت اليابان في توسيع نطاق نفوذها في قارة آسيا ورفعت شعار (آسيا للآسيويين) بهدف التواصل مع الهند الصينية وأرخبيل الملايو ثم تبنت قضية الإيجور في تركستان الشرقية نكاية في الصين وقررت دعمهم لإنشاء مملكة تركية في الإقليم ورشحت للجلوس على عرشها الأمير محمد عبد الكريم بن محمد سليم بن السلطان عبد الحميد الثاني العثماني والذي سافر إلى اليابان ومنها إلى تركستان لكن المشروع فشل بسبب غزو الصين للمنطقة ثم قتل الأمير في ظروف غامضة ..

وفي ألبانيا التي استقلت حديثا عن الدولة العثمانية بدأت الدول الأوروبية تبحث لها عن ملك ورشح لذلك الأمير محمد برهان الدين بن السلطان عبد الحميد لكنه اعتذر بسبب عدم تنازله عن حقه في العرش العثماني (والذي فقد للأبد بعد سنوات على كل حال) ، ورشحت إيطاليا الأمير أحمد فؤاد بن الخديوي إسماعيل وذلك لكونه ألباني الأصل لكن بقية الدول خشيت من انفراد إيطاليا بالسيطرة على ألبانيا فرفض وتم اختيار أحد النبلاء الألبان وهو الأمير أحمد زوغو ليجلس على عرش المملكة الناشئة ..

بعد ذلك ترشح الأمير محمد برهان الدين لتولي عرش العراق بناء على رغبة عدد من أعيان البلد لكن بريطانيا عارضت ذلك ودعمت بدلا منه الشريف فيصل بن الحسين الهاشمي الذي فقد عرشه في دمشق بعد الغزو الفرنسي ومعركة ميسلون ومن ثم انتقل إلى بغداد ليؤسس هناك المملكة العراقية الهاشمية ، وأما الأمير أحمد فؤاد فقد جلس على عرش السلطنة المصرية خلفا لأخيه الأكبر السلطان حسين كامل بدعم بريطاني واضح ثم تحولت مصر إلى مملكة وتغير لقبه إلى الملك أحمد فؤاد الأول ..

أما في اليونان فقد كانت الظروف مشابهة لذلك من فترة أقدم عندما استقلت عن العثمانيين ونصب على عرشها أمير ألماني هو أوتو الأول بن لودفيج ملك بافاريا وحكم البلاد لمدة ثلاثين عاما ثم عزل ، وترشح للعرش الأمير البريطاني ألبرت ابن الملكة فيكتوريا لكن استقر الأمر على اختيار الأمير الدانماركي جورج الأول ابن الملك كريستيان التاسع ملك الدانمرك وحكمت سلالته حتى قيام الجمهورية في اليونان وهو جد الأمير فيليب (زوج الملكة إليزابيث ووالد الملك البريطاني الحالي تشارلز الثالث) ..

3 / أبو طبق

تمتع الولاة العثمانيون في مصر بالسلطة الحقيقية قرابة نصف قرن فقط هي فترة حكم السلطان سليمان القانوني ثم تحول دورهم تدريجيا إلى وظيفة رمزية تشبه الحاكم العام البريطاني في مستعمرات العالم الجديد ، وكانت السلطة الفعلية في يد الأمراء المماليك (البكوات) والذين منحوا حق حكم عواصم الولايات الكبرى (الشرقية والغربية والبحيرة وجرجا) ومعهم حاكم القاهرة الذي عرف وقتها بلقب (شيخ البلد) ، وكانت القلعة مسرحا للصراع الشرس بين الباشا والبكوات حتى صارت الغلبة لهم أخيرا ، وقد فصل ذلك جورجي زيدان في كتابه مصر العثمانية نقلا عن المؤرخين المعاصرين للأحداث فيقول :

(فكان الباشا من هؤلاء آلة يديرها البكوات كيف شاءوا ولم يكن لديه من الأعمال إلا مخابرة القسطنطينية سرًّا بما كان يقع بين هؤلاء البكوات من الخلاف وما كانوا يتداعون إليه من الخصام ، وواجباته المهمة أن يستلم الجزية من الحكومة المصرية ويرسلها إلى الآستانة إذا تمكن من قبضها .. فكانت ولاية مصر منصبًا يستحي العقلاء من قبوله لأنهم كانوا يعتبرونها منفًى استحقه الباشا أو الوزير الذي يرسل إليها وكان يعلم قبل خروجه من الآستانة أنه إذا لم يكن راضيًا بما يرضاه شيخ البلد لا يلبث أن يصله منه رسالة ينقلها ناقل يقال له الأوطة باشي وفيها الأمر بعزله أمر لا مرد له ولا مجال للمدافعة بعده ..

وكيفية ذلك أن شيخ البلد ورجاله إذا رأوا في تصرف الباشا ما يوجب الشك اجتمعوا اجتماعًا عموميًّا في الديوان وقرروا عزله ، وكتبوا بذلك أمرًا يسلمونه إلى الأوطي باشي ليوصله إلى الباشا فيحمله ويسير على حمار ـ لأن القانون لا يسمح له بركوب الخيل أو البغال ـ وبين يديه فرمان العزل ، فإذا مرَّ بالأسواق على هذه الصورة علم الناس أنه ساعٍ في أمر هام فيه عزل فيهرولون وراءه ولا يزال سائرًا في عرض الطريق قائدًا لتلك الجماهير نحو القلعة ، ومن واجبات أي جندي لقيه في تلك الحال أن يرافقه اتقاء ما يخشى حدوثه عند وصوله القلعة ..

فإذا وصل القلعة يدخل على الباشا ثم يجثو أمامه باحترام ووقار وعندما ينهض يطوي السجادة التي كان جاثيًا عليها وينادي بأعلى صوته : « انزل يا باشا » ، وعند طي السجادة والتلفظ بهذه العبارة تسقط كل حقوق الباشا ولا يبقى له أقل سلطة على الجنود التي كانت قبل بضع دقائق تحت أمره وتصير تحت أمر الأوطة باشي ، وكانوا يسمونه « أبو طبق » لأنه كان يلبس على رأسه قبعة مثل الطبق ، والباشا يقف ممتثلًا يسمع تلاوة الفرمان سواء كان منطوقه بعزله أو بقتله فلا يسعه إلا الطاعة التامة ، على مثل ذلك كانت معاملة باشوات مصر) ..

4 / تشكيل الواقع المعاصر

الحاضر هو امتداد الماضي لا شك في ذلك ، لكن الواقع المعاصر في العالم كله قد تشكل في فترة معلومة وهي بداية القرن الخامس عشر الميلادي والتي شهدت نقاط تحول فارقة في كافة أنحاء الكوكب مما ترتب عليه إعادة رسم المشهد الديموغرافي والسياسي في القارات كلها ، وكانت أوروبا بالطبع مركز هذا التغيير حيث عانت من الصراعات الدينية والقومية التي لعبت دورا في تشكيل القارة ومهدت لظهور عصر النهضة ومن ثم الهيمنة الأوروبية على العالم ..

في هذه الفترة بدأت الكشوف الجغرافية ومعها استعمار العالم الجديد في الأمريكتين حيث اكتسبت أمريكا اللاتينية طابعها من غزو الأسبان والبرتغاليين بينما تشكلت نواة الولايات المتحدة من المستعمرات البريطانية على الساحل الشرقي لقارة أمريكا الشمالية ، في نفس التوقيت كانت دوقية موسكو تنتفض على حكم خانات المغول وتتوسع على حسابهم ثم تغزو سيبيريا والقوقاز لتؤسس إمبراطورية روسيا القيصرية والتي صارت دولة أوروآسيوية ..

وخضعت آسيا الإسلامية للممالك التي حددت طابعها القومي والمذهبي مثل الدولة الشيبانية في تركستان والدولة الصفوية في فارس والدولة العثمانية في الأناضول والتي توسعت باتجاه البلقان وصارت نصف أوروبية ، وفي الهند كانت نشأة الإمبراطورية المغولية التي تركت أثرها في التكوين الثقافي في منطقة شبه القارة الهندية ، وفي الصين انتهى حكم أسرة مينج الوطنية لصالح أسرة شينج التي أسسها الغزاة المنشوريون وحكمت حتى العصر الحديث ..

وشهد الشرق الأقصى صراعات بين كوريا واليابان وحرب بين بورما وسيام (تايلاند) وغزو فيتنام لجارتها كمبوديا ونشأة عدد من الممالك في أرخبيل الملايو كانت سببا في تشكيل الواقع القومي والديني ثم بدأت طلائع الغزاة الأوروبيين ، وفي أفريقيا جنوب الصحراء انتهت الممالك الوطنية في المنطقة المدارية وحوض الكونغو لصالح قوى الاستعمار الأوروبية التي سيطرت على المنطقة تباعا واقتسموها بينهم مستغلين ثرواتها الطبيعية والبشرية لحسابهم ..

أما العالم العربي فقد خضع في تلك الفترة للعثمانيين ما عدا عمان والمغرب وإن كان كلاهما قد استعان بالباب العالي لمقاومة الغزو الفارسي والبرتغالي والأسباني طوال تلك الفترة ، ورغم أن معظم أقاليم الوطن العربي كانت تتمتع بحكم ذاتي بسبب ضعف السلطة المركزية في الآستانة إلا أن المنطقة كلها من المحيط إلى الخليج كانت رسميا وفعليا موحدة تحت وصاية دولة واحدة طوال أربعة قرون تواصلت خلالها اقتصاديا وثقافيا واجتماعيا أكثر من ذي قبل ..

5 / اللغة البلجيكية

لا يوجد شيء اسمه اللغة البلجيكية لأن بلجيكا تضم أغلبية هولندية وأقلية فرنسية دفعت بهم الظروف التاريخية للعيش معا في هذه الدولة ، ويرجع ذلك إلى زمن الإصلاح الديني في أوروبا عندما قرر الجزء الشمالي من هولندا تبني المذهب البروتستانتي والاستقلال عن التاج الأسباني بينما قرر الجزء الجنوبي من البلاد الاستمرار في الانتماء للكاثوليكية ونتج عن ذلك نشأة هولندا بحدودها الحالية في الجزء الشمالي ..

أما الجزء الجنوبي فكان يتكون من إقليم الفلاندرز وفيه السكان الهولنديون الكاثوليك وإقليم الوالون وفيه الأقلية الفرنسية الكاثوليكية حيث اتحد الطرفان للاستقلال عن هولندا ، وكانت الهوية الدينية في تلك الفترة هي أساس الانتماء القومي فدخلت فرنسا على الخط لمؤازرة قضية الكاثوليك ودعم وحماية الأقلية الفرنسية من اضطهاد البروتستانت حتى تحقق النصر وانفصلت الأقاليم الجنوبية بعد صراعات مسلحة ..

وبسبب ذلك هيمنت الأقلية الفرنسية على الحكم والثقافة والاقتصاد في بلجيكا حتى صارت العاصمة بروكسل مدينة فرنسية وسط إقليم الفلاندرز الهولندي ، وتطور إقليم الوالون الجنوبي ولحق بالثورة الصناعية مبكرا بينما ظل إقليم الفلاندرز الهولندي في مستوى اقتصادي متدني وظل ريفيا معتمدا على الزراعة ، وبمرور الوقت ضعفت فكرة الهوية الدينية وظهرت بدلا منها الهوية اللغوية القومية وبدأت تدب النزاعات ..

دخلت هولندا على الخط هذه المرة لمؤازرة الهولنديين في إقليم الفلاندرز والذي خاض نضالا عكسيا طوال عشرات السنين حتى ينتزع حقوقه من الأقلية الفرنسية وانتهى في منتصف القرن العشرين بإقرار مبدأ الحكم الذاتي لكلا الإقليمين ومراعاة الخصوصية اللغوية في الثقافة والتعليم فيهما كما تقرر أن يكون مجلس الوزراء والبرلمان مناصفة بين الطرفين وهو أقصى ما استطاعت الأغلبية الهولندية الحصول عليه ..

وبسبب هذه الازدواجية في اللغة تعرضت وحدة الدولة للتهديد حتى جاءت دعوات تأسيس الاتحاد الأوروبي لتكون القشة التي تعلقت بها بلجيكا بهدف تذويب هذه الاختلافات في المحيط الأوروبي الكبير ، ولذلك تحولت بروكسل إلى مقر لمعظم مؤسسات الاتحاد الأوروبي وقدمت نفسها باعتبارها خط التماس بين أوروبا الجرمانية في الشمال وأوروبا اللاتينية في الجنوب لتكون عاصمة فعلية للقارة الأوروبية الموحدة ..

6 / الحرب .. عندما يخسر الجميع

انتهت الحرب العالمية الأولى بفوز دول الحلفاء على دول المركز لكن الخسارة حاقت بالجميع .. في الطرف المهزوم انهارت إمبراطورية النمسا والتي كانت تشكل المرحلة الأخيرة من الكيان التاريخي المعروف باسم الإمبراطورية الجرمانية الرومانية المقدسة والذي استمر قرابة ألف عام متمتعا بالسلطة الدينية والزمنية حيث خسرت كافة أقاليمها وتراجعت إلى حدودها الحالية وتم إلغاء الملكية وإعلان الجمهورية النمساوية ..

وفي نفس الطرف انهارت الإمبراطورية العثمانية والتي تشكل أخر سلسلة من دول الخلافة الإسلامية وفقدت كافة أقاليمها بعد أن عجزت عن الدفاع عنها وتقلصت حدودها إلى هضبة الأناضول وكادت تفقد عاصمتها التاريخية اسطنبول ، وتم إلغاء السلطنة ثم الخلافة وإعلان الجمهورية التركية بعد أن دفعت البلاد ثمنا باهظا لرعونة حكومة حزب الاتحاد والترقي وقرارها العشوائي بدخول حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل ..

الطرف المنتصر أيضا لم يكن أفضل حالا حيث تسببت الحرب وتداعياتها من انهيار إمبراطورية روسيا القيصرية ودخولها في حرب أهلية انتهت بسيطرة الشيوعيين على الحكم والقضاء على أسرة رومانوف الحاكمة التي كانت رمزا للدولة ، وفي فرنسا لم تحدث تغيرات سياسية لكن العبء الاقتصادي كله وقع عليها حيث كان الشمال الفرنسي المسرح الأساسي للمعارك وتعرض للتدمير الشديد طوال سنوات الحرب ..

وفي الحرب العالمية الثانية كانت بريطانيا في الجانب المنتصر واليابان في الجانب المهزوم لكن تشابهت مصائر كل منهما ، فقدت اليابان إمبراطوريتها الاستعمارية وتراجعت حدودها إلى الجزر الأصلية مع الاحتفاظ بالحكم الرمزي للأسرة الإمبراطورية الحاكمة ، بريطانيا كذلك فقدت إمبراطوريتها التي لا تغيب عنها الشمس وتراجعت حدودها إلى الجزيرة الأصلية حيث الحكم الملكي الرمزي الذي يشير للأمجاد الغابرة ..

في نفس الحرب دول أخرى كادت تعصف بها الأماني حيث عرض هتلر على كل من تركيا وأسبانيا الدخول معه في المحور مقابل استعادة أمجادهم الإمبراطورية السابقة لكن صوت العقل تغلب في النهاية ووقفت الدولتان على الحياد فتحققت لهما النجاة من ذلك الأتون المستعر ، ربما كان مسار التاريخ سوف يتغير إذا دخلت كل منهما هذه الحرب لكن يبدو أن القادة وقتها قد تعلموا من التاريخ أن الحرب يخسر فيها الجميع ..

7 ألوان العلم

يمثل العلم في الدولة الحديثة واحدا من أهم رموزها الرسمية وكذلك هو المعبر عن هويتها الوطنية ، ورغم تعدد الألوان والرموز على أعلام الدول المختلفة إلا أن هناك مشتركات كثيرة تجمع دول العالم في ذلك وأكبر مثال على ذلك النجمة الخماسية التي توجد في كثير من الأعلام لكن لها دلالات مختلفة فهي مثلا ترمز لعدد الولايات مثل العلم الأمريكي أو ترمز للحزب الشيوعي مثل الصين وغيرها ..

وتستعمل الرموز الدينية بشكل كبير وأهمها الصليب والهلال والشمس حيث يوجد الصليب على أعلام أكثر من ثلاثين دولة خاصة في أوروبا الشمالية وأوقيانوسيا وأشهرهم علم بريطانيا ذي الصلبان الثلاثة ، أما الهلال فيوجد في دول آسيا الإسلامية في المنطقة الممتدة من باكستان وحتى تركيا مقترنا بالنجمة الخماسية بينما توجد الشمس في دول الشرق الأقصى ومن أشهرها علم اليابان وتايوان والفلبين ..

ورغم وجود الهلال والنجمة في بعض الدول العربية إلا أن معظمها استمدت أعلامها من علم الثورة العربية الكبرى وعلم التحرير العربي ذي الألوان الأحمر والأبيض والأسود مضافا إليهم الأخضر أحيانا مع رموز محلية مثل السيف أو الخنجر ، وفي أوروبا نجد شعارات النبالة (القلاع والدروع) في أسبانيا والبرتغال وكذلك الألوان الثلاثية المستمدة من علم الجمهورية الهولندية والثورة الفرنسية ..

وتهيمن الرموز التاريخية أيضا مثل عجلة الدارما على علم الهند أو دائرة الين واليانج في كوريا الجنوبية ومنغوليا أو المعبد البوذي في كمبوديا أو رموز محلية من الحيونات والنباتات في دول أخرى مثل كندا ولبنان وسيريلانكا وبوتان والمكسيك ، وقد تحتفظ مجموعة دول بعلم مشترك مثل روسيا والدول السلافية وكذلك بعض دول أمريكا اللاتينية التي كانت موحدة سابقا مثل فنزويلا وكولومبيا والإكوادور ..

وهناك أعلام مميزة مثل الكرة في علم البرازيل وشمس آيار في أورجواي والأرجنتين وخريطة قبرص في علمها ونيبال ذات العلم المثلث المميز ، أما كرنفال الألوان الكبير فهو موجود في أعلام الدول الأفريقية المستوحاة من علم أثيوبيا حيث تحتوي بعض الأعلام على ستة ألوان مثل جنوب السودان وجنوب أفريقيا وناميبيا مع عدد هائل من الرماح والدروع الأفريقية والحيوانات والطيور المحلية ..

8 / الرئيس محمد عرفان

رئيس جمهورية غويانا التعاونية هو الدكتور محمد عرفان علي (أبو زايد) والذي تولى مقاليد الحكم في البلاد منذ ثلاثة أعوام في دولة تقع في قارة أمريكا الجنوبية مجاورة لكل من البرازيل وفنزويلا وسورينام والتي كات تعرف في الماضي باسم مستعمرة غيانا البريطانية ، وليس هناك وجه للغرابة في ذلك لأن أكثر من نصف سكان هذه الدولة هم أصلا من الهنود والباكستانيين وثلثها من الأفارقة والباقي من السكان الأصليين من قبائل الأرواك (من الهنود الحمر) وأقلية ضئيلة من أصول أوروبية ..

وهذا الخليط المتنوع هو نتاج حركة الكشوف الجغرافية واحتلال العالم الجديد ونقل البشر عبر القارات في الحقبة الاستعمارية ، ومن الطبيعي أن يكون خمس السكان مسلمين ونسبة أكبر من الهندوس تبعا لأصولهم الأولى من شبه القارة الهندية التي كانت تضم مسلمين وهندوس ، وهذا أيضا متكرر في دولة سورينام المجاورة التي كانت مستعمرة هولندية بسبب وجود قطاع كبير من السكان من أصول أندونيسية أحضروا للعمل بعد ثورة الأفارقة هناك ضد الهولنديين ولذلك تبلغ نسبة المسلمين فيها قرابة ربع السكان ..

وفي غيانا الفرنسية المجاورة يختلف الوضع قليلا حيث غالبية السكان ينحدرون من عرق مختلط نتج عن تزاوج الأوروبيين مع الأفارقة مع أقلية من الهنود الحمر من الأرواك ، وهذا الأمر شائع في كل دول الكاريبي خاصة في جمهورية الدومينيكان التي تشغل الجزء الشرقي من جزيرة هسبانيولا بينما الجزء الغربي منها تشغله جمهورية هاييتي والتي ينحدر السكان فيها من أصول أفريقية خالصة حيث كانت أول دولة تستقل عن فرنسا بعد ثورة دموية قام بها الأفارقة العبيد أثناء الثورة الفرنسية ..

وفي أمريكا اللاتينية نجد تنوعا في الأعراق حيث تزاوج الأوروبيون مع الهنود الحمر في بعض البلاد مثل المكسيك وباراجواي فنتج شعب جديد أطلق عليه (مستيزو) بينما هيمن الهنود الحمر على مناطق أخرى مثل الإكوادور وبيرو وبوليفيا وجواتيمالا ، أما في مناطق أخرى مثل الأرجنتين وأورجواي وكوستاريكا فقد هيمن الأوروبيون وأبادوا السكان الأصليين تماما وهناك دول تعايشت فيه الاعراق المتنوعة مثل البرازيل وتشيلي وكوبا وفنزويلا وكولومبيا مع تفاوت في نسبة المكونات المختلفة ..

9 / ماذا لو ؟؟

ماذا لو هزمت روسيا في الحرب الحالية هزيمة ساحقة وأدى ذلك إلى انهيار الاتحاد الروسي ، ذلك الكيان العملاق المكون من أكثر من ثمانين وحدة صغيرة ما بين جمهوريات فيدرالية وأقاليم قومية ومقاطعات اتحادية ومناطق حكم ذاتي في أوروبا وآسيا بالإضافة إلى عدد من الدول المجاورة التابعة لها ، من البديهي أن أول نتيجة لهذا الانهيار هو قيام كل من أوكرانيا وبولندا بابتلاع دولة روسيا البيضاء وربما التقدم لاحتلال جزء عازل من روسيا نفسها ..

برميل البارود الأكبر هو منطقة القوقاز التي سوف تتحرر وتستعيد استقلالها وغالبية سكانها مسلمون في جمهوريات داغستان والشيشان وأنجوشيا وقبردينو بلقاريا وقراتشاي شركيسيا وأديغا ، وهذه المنطقة متنوعة القوميات ولها تاريخ من التوتر بين الشعوب التركية والشعوب القوقازية فضلا عن وجود أقلية روسية مهيمنة سوف تتعرض لانتقام مؤكد وهو ما سوف يتيح فرصة تاريخية لتدخل تركيا وبسط نفوذها على القوقاز وتعويض الفراغ الناتج عن ذلك ..

وأثناء هذا التمدد سوف تنفجر الصراعات مجددا في القوقاز وربما تصبح أرمينيا أول دولة تمحى من على الخريطة ما لم تسارع أوروبا لحمايتها حيث يصر الأوروبيون على اعتبارها مع جورجيا جزء من أوروبا عكس حقائق الجغرافيا وهو انتماء انتقائي لأن أوروبا لا تعترف بنفس الشيء لدولة أذربيجان المجاورة ، وإلى الشمال قليلا سوف تستقل دولة كالميكيا التي ينحدر سكانها من الغزاة المغول وتصبح أول دولة أوروبية تدين رسميا بالديانة البوذية ..

الأهم من ذلك هو استقلال جمهوريتي تتارستان وبشكورستان في حوض نهر الفولجا حيث تقع مدينة قازان إحدى العواصم التاريخية لإمبراطورية الجموع الذهبية المغولية وسكانها حاليا من التتار المسلمين مع أقلية روسية مهددة بالفناء ، وسوف تسعى الدولتان تلقائيا لإزالة الحواجز بينهما وبين جمهورية كازخستان والتي سوف تضطر للتمدد حتى نهر الفولجا حيث من الموكد أنها سوف تستعين بنفوذ تركيا الذي سوف يتعاظم في ذلك الفضاء الفسيح ..

وسوف ينتج عن ذلك فصل روسيا الأوروبية عن سيبيريا الآسيوية وهي منطقة شاسعة قليلة السكان بها قدر هائل من الثروات الطبيعية وهو ما سيفتح شهية الصين للتوسع شمالا والاستيلاء على الأقاليم المتاخمة لها ، أيضا لا بد أن اليابان سوف تستعيد جزيرة سخالين المحتلة وربما تطمع فيما هو أكثر وتضع عينها على منشوريا الروسية .. أيضا ماذا عن الولايات المتحدة التي يفصل مضيق صغير أراضيها في ألاسكا عن منطقة الجليد الدامي ..

10 / تركستان الكبرى

المنطقة الممتدة من إسلام آباد في باكستان شرقا وحتى إسلام بول (إسطنبول) غربا هي مهد الحضارة الإسلامية الكلاسيكية والمتأثرة بالثقافة الفارسية في آدابها ولغاتها لكنها من الناحية السياسية كانت تحت هيمنة القوة العسكرية الضاربة للشعوب الطورانية التي فرضت نفسها على الأحداث رغم قلة عددها النسبي مقارنة مع شعوب حوض نهر السند أو الشعوب الإيرانية المنتشرة في الهضبة الآسيوية ..

منذ وقت مبكر تأسست الدول ذات الأصول التركية مثل الدولة الغزنوية والغورية في أفغانستان وجبال الهندوكوش والبنجاب وخلفتهم سلطنة دلهي في الهندوستان ، وفي وسط آسيا تلألا نجم السلاجقة وهم من الأتراك الغز وامتدت دولتهم الكبرى في كل من مكران وخراسان وفارس وأذربيجان والعراق والشام والأناضول وتفرع عنها كل من الدولة الخوارزمية والزنكية والأرتقية والدانشمندية ..

وفي بغداد حاضرة الخلافة العباسية صار القواد الأتراك هم أصحاب الرأي الأول منذ عهد المعتصم وبنيت لهم مدينة سامراء لتكون مقرا لهم وحدهم وتقاسموا الحكم في ولايات الدولة ، وفي مصر والشام والحجاز حكم الأتراك ممثلين في الطولونيين والإخشيديين وعدد من وزراء الفاطميين ثم السلطنة المملوكية ثلاثة قرون (المماليك البحرية وهم من الأتراك والمماليك البرجية وهم من الشراكسة) ..

ومع الغزوات المغولية تأسست كل من أسرة يوان في الصين وإمبراطورية المغول في الهند ودولة الجموع الذهبية التترية في روسيا وحوض الفولجا والأيلخانة في غرب آسيا وخانات الشيبانيين في سمرقند ، وفي إيران حكم الأتراك ممثلين في الأفشاريين والقاجاريين والصفويين بالتزامن مع قيام الدولة العثمانية في الأناضول حيث شمل المد التركي كلا من البلقان والقوقاز والقرم والبلاد العربية ..

وقد دخلت الشعوب التركية والمغولية في الإسلام تباعا رغم أنها كانت هي الأقوى عسكريا مقارنة بالدول الإسلامية وتفاعلت مع اللغة العربية التي تسللت إلى اللغات التركية وشكلت ثلث مفرداتها ، وفي الواقع المعاصر يمثل فضاء النفوذ التركي آسيا الإسلامية والتي تنتهي أسماء الدول فيها بمقطع (ستان) من أول تترستان وداغستان غربا وحتى أوزبكستان وكازخستان شرقا (بلاد تركستان الكبرى) ..