الشعر والشعراء

61 / الشوقيات

(أمير الشعراء) هو اللقب الذي أطلق على الشاعر الكبير أحمد شوقي علي أحمد شوقي (1868 ـ 1932 م) وهو صاحب الرقم القياسي في عدد الأبيات عبر تاريخ اللغة العربية حيث بلغ نتاجه الشعري ما لم يبلغه أيُّ شاعر عربي قديم أو حديث إذ تجاوز ثلاثةً وعشرين ألف بيت وخمسمائة ، وحققت أشعاره انتشارا كبيرا بسبب جودتها وقيمتها الأدبية واللغوية العالية وتحولت كثير من أبياته إلى أمثلة وشواهد تروى على ألسنة الشيوخ والخطباء والمدرسين.

وقد جمعت قصائده كلها في أجزاء أربعة عرفت باسم (الشوقيات) نسبة إليه ، وضم الجزء الأول أعماله في القرن التاسع عشر وتمت إعادة طبعه عام 1925 م واقتصر على السياسة والتاريخ والاجتماع ، أما الجزء الثاني فقد طبعه عام 1930 م واشتمل على الوصف والغزل ومتفرقات ، والجزء الثالث طبع بعد وفاة الشاعر في عام 1936 م وضم قصائد الرثاء ثم ظهر الجزء الرابع عام 1943 م وضم عدة أغراض منها التعليم والحكايات والأطفال.

وهو رائد المسرح الشعري الحديث حيث ألف كلا من : مصرع كليوباترا ، مجنون ليلى ، قمبيز ، علي بك الكبير ، عنترة ، الست هدى ، وله مطولة شعرية ضمها كتاب (دول العرب وعظماء الإسلام) تحتوي فصلاً عن السيرة النبوية وأراجيز تتناول عصور الإسلام الأولى ، وله في النثر بعض الروايات هي : عذراء الهند ، لادياس ودل و تيمان ، شيطان بنتاؤور ، ورقة الآس ، وله مقالات اجتماعية جمعت عام 1932 م في كتاب بعنوان أسواق الذهب.

ولد في حي الحنفي لعائلة من جذور مختلطة حيث كان جده لأبيه كرديا من السليمانية بشمال العراق وقدم إلى مصر صغيرا بتوصية من أحمد باشا الجزار إلى محمد علي باشا وكان يُحسن الكتابة فأدخله الوالي في معيّته وتقلّد مناصب رفيعة حتى عيّنه سعيد باشا أميناً للجمارك المصرية وتزوج من سيدة شركسية وأنجب ابنه الذي تزوج بدوره من فتاة ذات أصول يونانية تركية حيث كانت والدتها وصيفة في قصر الخديوي إسماعيل وعلى قدر من القراء والغنى.

وقد نشأ الشاعر في القصر تحت رعاية جدته تلك والتي اهتمت بتعليمه فتفوق ونبغ في حفظ الدواوين الشعرية ثم التحق بمدرسة الحقوق وانتسب إلى قسم الترجمة الذي كان قد أنشئ بها حديثًا ثم سافر إلى فرنسا في بعثة دراسية على نفقة الخديوي توفيق ، وهناك اشترك مع زملاء البعثة في تكوين (جمعية التقدم المصري) التي كانت أحد أشكال العمل الوطني ضد الاحتلال الإنجليزي وربطته حينئذ صداقة حميمة بالزعيم مصطفى كامل.

بعد ذلك عاد إلى مصر وانضم إلى ديوان الخديوي عباس حلمي الثاني وحظي بالقرب منه وعلت منزلته حتى عرف بلقب (شاعر الأمير) وخصص أشعاره لمدحه ومناصرة القضية الوطنية والوحدة الإسلامية مع الدولة العثمانية ، وبعد عزل الخديوي وإعلان الحماية البريطانية على مصر تم نفيه إلى أسبانيا لمدة خمس سنوات حتى انتهت الحرب وذلك بسبب أشعاره السياسية المؤثرة وعاد بعدها إلى مصر مناصرا للحركة الوطنية ومستقلا عن القصر.

وفي يوم الجمعة الموافق 29 أبريل 1927 م أقيم في دار الأوبرا القديمة في القاهرة مهرجان لتكريم أحمد شوقي اشترك فيه عدد كبير من الشعراء والأدباء من مختلف الأقطار العربية وقد بايعوه بإمارة الشعر العربي ، وألقى حافظ إبراهيم قصيدة يبايع فيها شوقي قال في أحد أبياتها : أمير القوافي قد أتيت مبايعًا .. وهذي وفود الشرق قد بايعت معي.

وهو أفضل من قدم شعر المديح النبوي في العصر الحديث ومن أشهر قصائده في ذلك (نهج البردة) التي يقول في مطلعها : ريم على القاع بين البان والعلم أحل سفك دمي في الأشهر الحرم ، وقال فيها عند وصف الإسراء والمعراج : أسرى بك الله ليلا إذ ملائكه والرسل بالمسجد الأقصى على قدم .. لما خطرت بهم التفوا بسيدهم كالشهب بالبدر أو كالجند بالعلم .. صلى وراءك منهم كل ذي خطر ومن يفز بحبيب الله يأتمم .. وقيل كل نبي عند مرتبة ويا محمد هذا العرش فاستلم.

ومنا الهمزية الشهيرة التي يقول في مطلعها : وُلد الهُدى فالكائناتُ ضياءُ وفمُ الزمان تبسُّمٌ وثناءُ .. الرُّوحُ والملأُ المَلائكُ حولَهُ للدِّين والدنيا به بُشراءُ .. والعرشُ يزهُو والحظيرةُ تَزدهي والمُنتهى والسِّدرةُ العَصماءُ .. وحديقةُ الفُرقان ضاحكةُ الرُّبا بالترجمان شذيَّةٌ غنَّاءُ .. والوحيُ يَقطر سلسلًا مِن سلسلٍ واللَّوحُ والقلمُ البديع رُواءُ .. نُظِمَت أسامي الرُّسْل فهْي صحيفةٌ في اللَّوح واسمُ محمدٍ طُغراءُ .. اسمُ الجلالة في بديع حروفهِ ألِفٌ هنالك واسمُ طه الباءُ.

ومنها قصيدته التي بدأ بالغزل على عادة العرب الأقدمين إذ قال في مطلعها : سلوا قلبي غداة سلا وثابا لعل على الجمال له عتابا .. ويسأل في الحوادث ذو صواب فهل ترك الجمال له صوابا ، وفيها يقول : وَكانَ بَيانُهُ لِلهَديِ سُبلاً وَكانَت خَيلُهُ لِلحَقِّ غابا .. وَعَلَّمَنا بِناءَ المَجدِ حَتّى أَخَذنا إِمرَةَ الأَرضِ اِغتِصابا .. وَما نَيلُ المَطالِبِ بِالتَمَنّي وَلَكِن تُؤخَذُ الدُنيا غِلابا .. وَما اِستَعصى عَلى قَومٍ مَنالٌ إِذا الإِقدامُ كانَ لَهُم رِكابا ، ومنها قوله : أبا الزهراء قد جاوزت قدري بمدحك بيد أن لي انتسابا ..  مَدَحتُ المالِكينَ فَزِدتُ قَدراً فَحينَ مَدَحتُكَ اِقتَدتُ السَحابا.

ومن أبياته المشهورة التي ضربت مثلا بأهمية الأخلاق قوله : والصدق أرفع ما اهتز الرجال له وخير ما عوّد ابناً في الحياة أب .. وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن همو ذهبت أخلاقهم ذهبوا ، ومنها قوله : قُم لِلمُعَلِّمِ وَفِّه التَبجيلا كادَ المُعَلِّمُ أَن يَكونَ رَسولا .. أَعَلِمتَ أَشرَفَ أَو أَجَلَّ مِنَ الَّذي يَبني وَيُنشِئُ أَنفُساً وَعُقولا .. سُبحانَكَ اللَهُمَّ خَير مُعَلِّمٍ عَلَّمتَ بِالقَلَمِ القُرونَ الأولى .. أَخرَجتَ هَذا العَقلَ مِن ظُلُماتِه وَهَدَيتَهُ النورَ المُبينَ سَبيلا.

ومنها في وصف بلاد الشام والثورة السورية ضد الاحتلال الفرنسي وفيها قوله في مطلعها : سَلامٌ مِن صَبا بَرَدى أَرَقُّ وَدَمعٌ لا يُكَفكَفُ يا دِمَشقُ .. وَمَعذِرَةُ اليَراعَةِ وَالقَوافي جَلالُ الرُّزْءِ عَن وَصفٍ يَدِقُّ ، وفيها يقول : نَصَحتُ وَنَحنُ مُختَلِفونَ دارًا وَلَكِن كُلُّنا في الهَمِّ شَرقُ .. وَيَجمَعُنا إِذا اختَلَفَت بِلادٌ بَيانٌ غَيرُ مُختَلِفٍ وَنُطقُ ، وفيها يقول : وَلِلحُرِّيَّةِ الحَمراءِ بابٌ بِكُلِّ يَدٍ مُضَرَّجَةٍ يُدَقُّ .. جَزاكُمْ ذو الجَلالِ بَني دِمَشقٍ وَعِزُّ الشَرقِ أَوَّلُهُ دِمَشقُ.

ومنها تشوقه لمصر في المنفى حيث قال : اِختِلافُ النَهارِ وَاللَيلِ يُنسي اُذكُرا لِيَ الصِبا وَأَيّامَ أُنسي .. وَصِفا لي مُلاوَةً مِن شَبابٍ صُوِّرَت مِن تَصَوُّراتٍ وَمَسِّ .. عَصَفَت كالصَّبَا اللَعوبِ وَمَرَّت سِنَةً حُلوَةً وَلَذَّةُ خَلسِ .. وَسَلا مِصرَ هَل سَلا القَلبُ عَنها أَو أَسا جُرحَهُ الزَمانَ المُؤَسّي .. كُلَّما مَرَّتِ اللَيالي عَلَيهِ رَقَّ وَالعَهدُ في اللَيالي تُقَسّي ، ومنها قوله : أَحرامٌ عَلى بَلابِلِهِ الدَوحُ حَلالٌ لِلطَيرِ مِن كُلِّ جِنسِ .. كُلُّ دارٍ أَحَقُّ بِالأَهلِ إِلّا في خَبيثٍ مِنَ المَذاهِبِ رِجسِ .. وَطَني لَو شُغِلتُ بِالخُلدِ عَنهُ نازَعَتني إِلَيهِ في الخُلدِ نَفسي.

ومنها معارضته لنونية ابن زيدون وقال في مطلعها : يا نائِحَ الطَلحِ أَشباهٌ عَوادينا نَشجى لِواديكَ أَم نَأسى لِوادينا ، وفيها قوله متشوقا لمصر : لَكِنَّ مِصرَ وَإِن أَغضَت عَلى مِقَةٍ عَينٌ مِنَ الخُلدِ بِالكافورِ تَسقينا .. عَلى جَوانِبِها رَفَّت تَمائِمُنا وَحَولَ حافاتِها قامَت رَواقينا ، وفيها قوله :  سَعياً إِلى مِصرَ نَقضي حَقَّ ذاكِرِنا فيها إِذا نَسِيَ الوافي وَباكينا .. كَنزٌ بِحُلوانَ عِندَ اللَهِ نَطلُبُهُ خَيرَ الوَدائِعِ مِن خَيرِ المُؤَدّينا .. لَو غابَ كُلُّ عَزيزٍ عَنهُ غَيبَتَنا لَم يَأتِهِ الشَوقُ إِلّا مِن نَواحينا .. إِذا حَمَلنا لِمِصرٍ أَو لَهُ شَجَناً لَم نَدرِ أَيُّ هَوى الأُمَّينِ شاجينا.

ومنها قوله في مدح الأزهر : قُمْ في فَمِ الدنيا وحيِّ الأزهرَا وانثُرْ على سَمعِ الزمانِ الجوهرَا .. واجعلْ مكانَ الدرِّ إن فصَّلتَهُ في مدحِه خَرَزَ السماءِ النيِّرَا .. واذكُرْه بعد المَسجدَينِ مُعظِّمًا لمساجدِ الله الثلاثة مُكبِرَا .. واخشع مَليًّا واقضِ حقَّ أئمَّةٍ طلعوا به زُهْرًا وماجوا أبحُرَا .. كانوا أجلَّ من الملوكِ جلالةً وأعزَّ سلطانًا وأفخمَ مَظهرَا .. زمنُ المَخاوفِ كان فيه جَنابُهم حَرَمَ الأمانِ وكان ظِلُّهم الذَّرا .. من كلِّ بحرٍ في الشريعةِ زاخرٍ ويُرِيكَهُ الخُلُقُ العظيمُ غضنفرَا.

ومن أشهر قصائده في الغزل قوله : مُضناكَ جَفاهُ مَرقَدُهُ وَبَكاهُ وَرَحَّمَ عُوَّدُهُ .. حَيرانُ القَلبِ مُعَذَّبُهُ مَقروحُ الجَفنِ مُسَهَّدُهُ ، وفيها قوله : جَحَدَت عَيناكَ زَكِيَّ دَمي أَكَذلِكَ خَدُّكَ يَجحَدُهُ .. قَد عَزَّ شُهودي إِذ رَمَتا فَأَشَرتُ لِخَدِّكَ أُشهِدُهُ .. وَهَمَمتُ بِجيدِكِ أَشرَكُهُ فَأَبى وَاِستَكبَرَ أَصيَدُهُ .. وَهَزَزتُ قَوامَكَ أَعطِفُهُ فَنَبا وَتَمَنَّعَ أَملَدُهُ .. سَبَبٌ لِرِضاكَ أُمَهِّدُهُ ما بالُ الخَصرِ يُعَقِّدُهُ .. بَيني في الحُبِّ وَبَينَكَ ما لا يَقدِرُ واشٍ يُفسِدُهُ .. ما بالُ العاذِلِ يَفتَحُ لي بابَ السُلوانِ وَأوصِدُهُ .. وَيَقولُ تَكادُ تُجَنُّ بِهِ فَأَقولُ وَأوشِكُ أَعبُدُهُ .. مَولايَ وَروحي في يَدِهِ قَد ضَيَّعَها سَلِمَت يَدُهُ.

ومنها قوله : سلوا كؤوس الطِلا هلْ لامسَتْ فاها واستخبروا الرّاح هل مسّتْ ثناياها .. باتَتْ على الرّوضِ تسقيني بصافيةٍ لا للسُّلافِ ولا للوردِ ريّاها .. ما ضرّ لو جعلَتْ كاسي مراشفَها ولو سقتْني بصافٍ من حُميّاها .. هيفاءُ كالبانِ يلتفُّ النسيمُ بها ويُلفِتُ الطيرَ تحتَ الوشيِ عِطْفاها .. حديثُها السّحرُ إلا أنَّهُ نغمٌ جرتْ على فمِ داوودٍ فغناها .. حمامةُ الأيكِ من بالشّجو طارحَها ومَنْ وراءَ الدُّجى بالشوقِ ناجاها.

ويقول في الخمر : رَمَضانُ وَلّى هاتِها يا ساقي مُشتاقَةً تَسعى إِلى مُشتاقِ .. ما كانَ أَكثَرَهُ عَلى أُلّافِها وَأَقَلَّهُ في طاعَةِ الخَلّاقِ .. اللَهُ غَفّارُ الذُنوبِ جَميعِها إِن كانَ ثَمَّ مِنَ الذُنوبِ بَواقي .. بِالأَمسِ قَد كُنّا سَجينَي طاعَةٍ وَاليَومَ مَنَّ العيدُ بِالإِطلاقِ .. ضَحِكَت إِلَيَّ مِنَ السُرورِ وَلَم تَزَل بِنتُ الكُرومِ كَريمَةَ الأَعراقِ .. هاتِ اِسقِنيها غَيرَ ذاتِ عَواقِبٍ حَتّى نُراعَ لِصَيحَةِ الصَفّاقِ .. صِرفاً مُسَلَّطَةَ الشُعاعِ كَأَنَّما مِن وَجنَتَيكَ تُدارُ وَالأَحداقِ.

وقد ترجم له الدكتور شوقي ضيف في كتابه الأدب العربي المعاصر في مصر فقال : ” في مهد من مهاد الترف والثراء وُلد شوقي سنة ١٨٦٩ لأب وأم تنحدر إليهما عناصر مختلفة فقد كان أبوه يجري فيه الدم العربي والكردي والشركسي ، وكانت أمه يجري فيها الدم التركي واليوناني إذ كان أبوها تركيًّا من بطانة إبراهيم ومن خلفوه إلى إسماعيل وأصبح في عهد الأخير وكيلًا لخاصته أما أمها فكانت يونانية من سبي إبراهيم في بلاد المورة.

فشوقي نشأ في بيئة أرستقراطية مترفة وأخذ يختلف منذ سنته الرابعة إلى الكُتاب ثم انتقل إلى المدارس الابتدائية والثانوية فكان ذلك فرصة له ليختلط بأبناء الشعب وحياتهم الديمقراطية ولكنه سرعان ما كان يعود إلى بيئته وما بها من نعيم الحياة.

ولما أتم تعليمه الثانوي في سنة ١٨٨٥ ألحقه أبوه بمدرسة الحقوق ليدرس فيها القانون وأُنشئ بها قسم للترجمة فالتحق به ، وفي هذه المدرسة تعرَّف إلى أستاذه في العربية الشيخ محمد البسيوني وكان قد أخذ يتفجر ينبوع الشعر على لسانه فأعجب به أستاذه وكان هو الآخر يجيد نظم الشعر إلا أنه لم يكن يفهم منه إلا مديح الخديو توفيق في المواسم والأعياد فدفع تلميذه في هذا الاتجاه.

وتخرج شوقي في قسم الترجمة سنة ١٨٨٧ فعينه توفيق بالقصر ثم أرسله في بعثة إلى فرنسا ليدرس الحقوق فانتظم في مدرسة بمبونبلييه لمدة عامين ثم انتقل إلى باريس وظل بها عامين آخرين حصل فيهما على إجازته النهائية وهُيئت له فرص مختلفة ليذرع فرنسا طولًا وعرضًا وليزور لندن وبلاد الإنجليز ، وكان طوال إقامته في باريس يشاهد مسارحها ويتصل بحياتها الأدبية وأقبل على قراءة فيكتور هيجو ودي موسيه ولافونتين ولامرتين وترجم للأخير قصيدة البحيرة شعرًا.

وعاد شوقي إلى مصر فعمل رئيسًا للقسم الإفرنجي بالقصر وسرعان ما أصبح شاعر عباس بل سرعان ما أصبحت له حظوة كبيرة عنده فقد جعل له تدبير كثير من الأمور وتصريفها وأصبح مقصد طلاب الجاه والرتب والألقاب ، وأمضى في هذا العمل الرتيب عشرين عامًا هي زهرة حياته ومن محاسن الصدف أنه تزوج من سيدة ثرية كانت مثالًا للزوجة الصالحة وقد رزق منها بابنيه علي وحسين وابنته أمينة.

وكان أهم ما يعجب عباسًا فيه مدائحه له في أعياد حكمه لمصر وفي كل مناسبة كبيرة تمر به وأخذ شوقي يدور معه في كل أهوائه السياسية فتارة يمدح له الخليفة العثماني الذي كان يبتغي رضاه وتارة يلوم الإنجليز ويندد بهم حين يغاضبهم وينازعهم بعض السلطان ، ولم يكن شوقي حينئذ يختلط بالشعب لذلك تفوق عليه حافظ في ميدان الوطنية وما يتصل بها من عواطف الجمهور السياسية إذ كان ابن الشعب وكان يحس آلامه في عمق وقوة.

ومن المحقق أن شوقي لم تكفل له حريته في هذه الحقبة إذ كان مشدودًا بحكم وظيفته إلى القصر وصاحبه ولكنه مع ذلك حاول أن يفرغ لنفسه ولفنه، فنظم على ألسنة الحيوان شعرًا على نسق ما قرأه في الفرنسية للشاعر لافونتين ، وحاول محاولة أروع من تلك المحاولة إذ قرأ عند بعض الشعراء الفرنسيين شعرًا تاريخيًّا رائعًا من مثل أساطير القرون لفيكتور هيجو فرأى أن ينظم على هذا المثال قصيدته الطويلة كبار الحوادث في وادي النيل وألقاها في مؤتمر المستشرقين الذي انعقد في سنة ١٨٩٤ واستمر طويلًا في هذا الاتجاه فنظم فرعونياته المشهورة في أبي الهول والنيل وتوت عنخ آمون وقصر أنس الوجود.

ومدَّ شعره إلى ينابيع الإسلام فاستقى منها قصائد رائعة في مديح الرسول من مثل الميمية التي عارض فيها بردة البوصيري كما استقى في شعره أحيانًا من ينابيع العروبة ، وكل ذلك معناه أنه كان يريد الانطلاق من قيود القصر وصاحبه والتحليق في آفاق أوسع وأرحب.

وأُعلنت الحرب العالمية الأولى وكان عباس غائبًا بتركيا فمنعه الإنجليز من دخول مصر وأقاموا عليها السلطان حسين كامل وأخذوا يُبعدون عن القصر من يستشعرون الولاء لعباس ، ولم يسكت شوقي بل نظم قصيدة تحدث فيها عن الحماية التي أعلنتها إنجلترا على مصر وقال فيها : إن الرواية لم تتم فصولًا ، فنفاه الإنجليز إلى إسبانيا وظل بها طوال الحرب هو وأسرته وهناك أخذ ينظم قصائده في أمجاد العرب ودولتهم الزاهرة التي اندثرت في الأندلس ويضمنها حنينًا شديدًا إلى وطنه.

ورجع إلى مصر، فوجد أرضها تخضبها دماء شبابنا في ثورتنا الوطنية الأولى ولم تلبث حريتنا أن رُدت إلينا كما ردت حرية شوقي إليه ، ومن هنا تبدأ الدورة الثانية في حياته الأدبية فإنه لم يعد يفكر في القصر ولا في وظيفته فيه فقد أصبح حرًّا طليقًا وهيأ له ثراؤه أن ينعم إلى أقصى حد بهذه الحرية فخلص لفنه ولشعبه وأخذ يغنيه أغاني وطنية رائعة ، ولم يكن يبدأ هذه الأغاني حتى بذ حافظًا الذي كان يتفوق عليه في هذا المجال قبل الحرب وقبل توظفه في دار الكتب المصرية ، ومرجع ذلك أن فنه كان أروع من فن حافظ فلما اتجه به إلى تصوير عواطفنا الوطنية وحياتنا السياسية بلغ من ذلك الغاية التي لا تمتد إليها الأعناق.

ولم يُغنِّ مواطنيه وحدهم أهواءهم وعواطفهم السياسية بل أخذ يغني الشعوب العربية أهواءها وعواطفها القومية وله في ثورات سوريا على الفرنسيين قصائد باهرة ولا نبالغ إذا قلنا إنه كان بشيرًا بفكرة الجامعة العربية التي تأسست من بعده فشعره في هذه الدورة من حياته يَفيض بالوَحْدَة العربية وأن العرب جسم واحد إذا اشتكى منه عضو تداعت له سائر الأعضاء بالسهر والحمى ، ومن أبياته الدائرة في نوادي العرب ومجالسهم قوله : ونحن في الشرق والفصحى بنو رحم ونحن في الجرح والآلام إخوان ، وقوله : كلما أنَّ بالعراق جريح لمس الشرق جنبه في عمانه.

وبمثل هذا الشعر الذي نظمه في العرب وبما نظمه من سياسيات ووطنيات في قومه احتل شوقي مكانة مرموقة في سِنيه الأخيرة ، فلما أعاد طبع ديوانه الشوقيات في سنة ١٩٢٧ أقيم له حفل تكريم عظيم اشتركت فيه الحكومة المصرية والبلاد العربية إذ قدمت منها وفود مختلفة تمجِّد شاعر مصر وتشيد بعبقريته ونبوغه ، وقد وضع الشعراء في هذا الحفل على مفرقه تاج إمارة الشعر لا في مصر وحدها بل في سائر الأقطار العربية وأعلن حافظ هذا التتويج أو هذه البيعة قائلًا : أميرَ القوافي قد أتيتُ مبايعًا وهذي وفود الشرق قد بايعت معي.

ولم تسترح نفس شوقي الكبيرة عند هذا الظفر العظيم بل طمحت إلى أن تحقق أملًا منشودًا كان يراود دعاة التجديد عندنا منذ أوائل القرن الحاضر وهو إدخال الشعر التمثيلي إلى دوائر شعرنا العربي فنظم مسرحياته التي تحدثنا عنها في غير هذا الموضع ولقيت نجاحًا منقطع النظير ، ورأى أن يصوغ بعض الأزجال للغناء فنظم منها طائفة بديعة من مثل زجله : النيل نجاشي حليوه أسمر .. عجب للونه دهب ومرمر ، غير أن قيثارة الشعر العربي لم تلبث أن سقطت من يده في أكتوبر سنة ١٩٣٢ فلبى داعي ربه مخلفًا لمصر والبلاد العربية تراثه الشعري الخالد “.

وكتب عنه أدهم آل الجندي في كتابه أعلام الفن والأدب فقال : ” لم يقم عند العرب شاعر أكثر إنتاجاً من شوقي فقد أخرج ديوانه المطبوع وهو في الثلاثين من عمره ومات وهو على أشد ما يكون نشاطاً إلى العمل فكانت أواخر سنيه أخصب أيام حياته ولم تقتصر آثاره على الشعر وإنما تجاوزته إلى النثر وقد طبع معظمها وبقي أقلها لم يطبع وقد فتح في الأدب العربي فتحاً جديداً برواياته التمثيلية.

وتطرق في شعره إلى التاريخ والسياسة فجاء شعره وفنه صور متناقضة لوجوه السياسة المتناقضة التي تقلب في أحضانها وامتزج شعره الاجتماعي بشعره السياسي والتاريخي ، وكان للدين أثر قوي في شعره اصطبغت به شتى قصائده كنهج البردة والهمزية النبوية في مدح الرسول الأعظم وفتح للوصف باباً رحباً في شعره.

أما شعره الغزلي فلم يبرع به كبراعته في غيره من الأغراض لأن الغزل من الوجدانيات التي ينبغي للشاعر أن يحس بتأثيرها في نفسه فإن لم يكن لألم الحب من سلطان على قلبه فهيهات أن يأتي بغزل عاطفي صادق من اللوعة ، وشوقي لم يكن من المتيمين المتألمين ولا من العشاق الروحانيين وهو في غزله مقلد متكلف يتمثل البها زهير في سهولة ألفاظه ولين تعابيره وخفة أوزانه.

كان يأسف أن يتخذ الشعر حرفة لكسب المادة وقد أعرب عن هذا الرأي في مقدمة ديوانه الأول ونعى على الشعراء الذين يضيعون شعرهم بالمديح ، ولكنه اعترف واعتذر بأنه قرع أبواب الشعر واصطنع المديح باعتباره شاعر الأمير وشاعريته مقيدة مرهونة بالمديح وفيها حظوة ورزق واسع.

مواهبه : هو الشاعر الذي بعثه الله نعمة عظمى أسبغها على أبناء العربية جميعاً ، لقد استحدث شوقي في العربية صيغاً أوفت على الغاية من حلاوة اللفظ ومتانة النسج وقوة الإشراق وأحسب أن قوة المعاني هي التي أرادته على هذا ودفعته إليه دفعا ً، تقرأ شعره فتتعاظمك هذه الكثرة من فاخر الشعر وبارع الصنعة ورائع البيان وقد قام برحلات كثيرة ورأى من صور الطبيعة ومن بدائعها ما لم يتهيأ رؤيته لغيره وقرأ لأئمة البيان في الغرب ما لا يكاد يملكه الإحصاء ، ولقد أساغ ما استعار واستطاعت شاعريته الفخمة أن تجلو منه ما شاء أن يجلو عربيًّا خالصاً وهذه دواوينه تزخر بهذه البدائع زخراً وأتى بالجوهر الرائع من حر الكلام.

كان يطيل أحياناً كثيرة في القصائد إطالة يحتاج معها إلى الكد في التماس القوافي فأية قوة بدنية هذه التي احتملت كل هذا المجهود الفكري ؟! ، أما الهجاء فلم يؤثر عنه فيه بيت واحد ولعل ذلك يعود إلى لطف نفسه وأنفته وعقيدته أن الزمان سيعفي على هذا الضرب الحقير من الشعر ولو عالجه لبرع فيه على أن الله تعالى كان ألطف به من أن يدليه في هذا الهوان.

قصائده الخالدة : لقد أصبح شعره إرث الخلود ونشيد البقاء فقد احتفت دمشق بأمير الشعراء في الأول من شهر آب سنة 1925 م وازدحمت قاعات المجمـع العلمي العربـي وباحاتـه واعتلى المنبر الأسـتاذ نجيب الريس صاحب جريدة القبس فناب عنه في إلقاء قصيدته الخالدة وضج الحفل طالباً أن يرى الشاعر فوقف إلى جانب الريس حتى أتم إلقاء القصيدة التي كانت من روائع نفثاته وقد طوق بها جيد دمشق على كر الدهور ومطلعها : قم ناج جلق وأنشد رسم من بانوا .. مشت على الرسم أحداث وأزمان ، ويتجلى في هذه الخريدة الفريدة ماضي العروبة والإسلام وما فيهما من مجد وعظمة وحضارة وإبداع.

على فراش الموت : لما قال شوقي في رثاء حافظ إبراهيم : قد كنت أرجو أن تقول رثائي يا منصف الموتى من الأحياء ، قال أصحابه : لقد آذنت شمس أمير الشعراء أن تغيب ، ومضت ثلاثة وثمانون يوماً بعد وفاة حافظ إبراهيم وفي صبيحة اليوم الرابع والثمانين ـ وهو يوم 13 تشرين الأول سنة 1932م ـ طوى الردى أمير الشعراء وانطفأ هذا النور العبقري الذي تألق أربعين عاماً في سماء آدابها فأعاد للشعر عصره الذهبي في قرنيه الثالث والرابع وكان عاملاً من أنشط العاملين في تقدم النهضة الأدبية.

وكانت ميزته البارزة أنه كلما تقدمت سنه تقدم شعره وسمت مواهبه فقد كان يعمل إلى آخر يوم من عمره ، وقد نصحه طبيبه كثيراً بالكف عن العمل والإنتاج ولكن العمل الأدبي له طبيعة والإنتاج الشعري له ديدن وقد استمر أكثر حياته يسهر الليل كاملاً واعتاد أن لا يطالع أو ينظم إلا بعد نصف الليل فكان ذلك سبباً من أسباب ضعف جسمه والتعجيل بآخرته وهو في الواحدة والستين.

آخر قصيدة له : ومما يبعث الأسى أن آخر قصيدة له قالها أنشدت صبيحة يوم وفاته فقد احتفلت جمعية القرش بافتتاح بناء مصح الطرابيش ونظم قصيدته لتلقى في هذا الاحتفال ، وفي الساعة العاشرة أثناء الاحتفال وصل نبأ وفاته فكتم أعضاء الجمعية النبأ ولما أتى دور قصيدة أمير الشعراء وقف الأستاذ عبد الله أباظة فألقاها وقد جاء فيها : الملك بالمال والرجال لم يبن ملك بغير مال .. والمال ركن الشعوب يؤوي إليه في السلم والقتال .. يا عصبة القرش قد صنعتم ما لم يقع قبلكم ببال “.

وقد وضعه عبد الرحمن الرافعي على رأس الشعراء الوطنيين وكتب عنه في كتابه (شعراء الوطنية) قائلا : ” أحمد شوقي شاعر الوطنية الأكبر .. بلغ الشعر الوطني ذروته على لسان شوقي وحافظ فلقد حملا لواء النهضة الشعرية في العصر الحديث وتغنَّيا بالوطنية ، وكان للحوادث الكبرى التي وقعت في مصر والشرق صداها في شعرهما وكلاهما كان له أثره وفضله في تغذية الحركة الوطنية بعيون الشعر الوطني سطع نجمهما في عصر واحد وغرَّدا في جيل واحد وانتقلا إلى جوار ربهما في عام واحد (١٩٣٢) ولم تمضِ على وفاة حافظ ثلاثة أشهر حتى لحق به شوقي في الرفيق الأعلى.

سُمِّي شوقي أمير الشعراء ولقب الأمير لم يعد يتفق والروح الديمقراطية ولم تعد الإمارة تُضفي على صاحبها منزلة محترمة هذا إلى أن شوقي أكبر من أن يُمجَّد بهذا اللقب فهل نُسمِّيه (سيد الشعراء) إن كلمة السيادة لغير الأمة لم تعد أيضًا تتفق والأوضاع الديمقراطية فهل نُسمِّيه (زعيم الشعراء) إنه ولا ريب أقدر شعراء عصره ، ولم يكن يُنازِعه في زعامة الشعر أحد من أنداده ومُعاصِريه فلقد عقدوا له لواء الزعامة وبايعوه عليها في المهرجان الذي أُقيمَ له بمصر سنة ١٩٢٧ وجمع أقطاب الشعراء من العالم العربي وخاطبه فيه صنوه حافظ بقوله : أميرَ القوافي قد أتيتُ مُبايِعًا وهذي وفود الشعر قد بايعَت معي ، على أن لقب زعيم الشعراء لا يكفي للتعريف به والتنويه بمكانته وخير لقب له أن يُسمَّى شاعر العربية الأكبر وأن نُسمِّيه في هذا الكتاب شاعر الوطنية الأكبر.

الوطنية في شعر شوقي : في قصائد شوقي يسطع نور الوطنية ويتأجج لهيبها وهو أغزر الشعراء مادة وأوسعهم إنتاجًا من هذه الناحية ولقد ظل يستلهم روح الوطنية طول حياته شابًّا وكهلًا وشيخًا بل إن شعره الوطني في شيخوخته كان أقوى منه في شبابه ، وقد يكون مرجع ذلك إلى تجرُّده من الاتصال بالقصر بعد خلع الخديو عباس حلمي كما أسلفنا ثم إلى نفيه من مصر في أوائل الحرب العالمية الأولى فأثار البعد عن الوطن شاعريته وجاد بأبدع قصائده في الحنين إلى مصر وحبه لها والهيام بها إلى درجة التقديس ، ومرجع ذلك أيضًا إلى تأصُّل عبقرية الشعر في نفسه فلم تُضعِفها السن ولم ينَل منها الزمن وظلت قوية تتدفق حيوية ونشاطًا.

والوطنية في شعر شوقي هي فيض الفطرة والإلهام وليست من صنع الظروف أو التكلف ولذلك جاءت قوية جارفة عميقة رائعة ، فتأمل في أول قصيدة له في ديوانه وهي التي قالها في المؤتمر الشرقي الدولي المنعقد بمدينة جنيف عام ١٨٩٤ ومطلعها : همَّت الفُلك واحتواها الماءُ وحداها بمن تُقِل الرجاءُ ، تجدها آية في شعر الملاحم أو الشعر التاريخي وتُحِس وأنت تقرؤها أنها قبس من نور الوطنية فهي سجل ناطق ﻟكبار الحوادث في وادي النيل وقد بلغ عدد أبياتها ثلاثمائة بيت إلا قليلًا (تسعين ومائتَي بيت) عرض فيها عرضًا أخَّاذًا بديعًا تاريخ مصر من أقدم العصور إلى عام نظمها أشاد بعظمتها ومجَّد مفاخرها وحنا عليها في كبواتها واستنزل السخط على كل من اعتدى عليها.

شوقي ومصطفى كامل : سارت نهضة الشعر في مصر إلى جانب النهضة الوطنية التي هبَّت لمقاومة الاحتلال ومن هنا جاءت صلة الزعيم مصطفى كامل بشعراء عصره وكانت دعوته الوطنية تلقى صدًى وتأييدًا في قصائدهم الغُر بحيث يمكن القول بأن الشعر لم يتألق في سماء مجده مثلما تألق في عهد مصطفى كامل ومحمد فريد.

وقد ظهر التجاوب بين دعوة مصطفى كامل وشعر شوقي وزاد في هذا التجاوب أن شوقي كان صديقًا حميمًا لمصطفى وكلاهما مُعجَب بصاحبه أيما إعجاب ولا غَرو فهما صنوان وفرسا رهان هذا في ميدان الوطنية والجهاد وذلك في دولة الشعر والبيان ، وكان شوقي يعتز بصداقته لمصطفى ومشاركته إياه في تعهده بالروح الوطنية وغرسها في نفوس الجيل وإلى ذلك يُشير في قصيدته عن ذكرى مصطفى سنة ١٩٢٥ إذ يقول فيها مُخاطِبًا الفقيد : أتَذكُر قبل هذا الجيل جيلًا سهرنا عن مُعلِّمهم وناما .. مِهارُ الحق بغَّضْنا إليهم شكيمَ القيصرية واللجاما .. لواؤكَ كان يَسقيهم بجامٍ وكان الشعر بين يديَّ جاما .. من الوطنية استبَقوا رحيقًا فضَضْنا عن مُعتَّقها الختاما.

وكان مصطفى يصف شوقي بأنه (الغدير الصافي في القاف الغاب يسقي الأرض ولا يُبصِره الناظرون) وكان يُخصِّص لقصائده أسمى مكان في (اللواء) وفي ذلك يقول شوقي في مرثاته الخالدة : قد كنتَ تهتف في الورى بقصائدي وتُجِل فوق النيِّرَين مكاني ، وزاره وهو على فراش مرضه الأخير فطلب إليه مصطفى أن يرثيه إذ أحس دنو أجله وفي ذلك يقول شوقي : وجعلتَ تسألني الرثاء فهاكه من أدمعي وسرائري وجَناني ، ويبدو الانسجام بين دعوة مصطفى كامل وشعر شوقي في كثير من قصائده.

رثاؤه لمصطفى كامل : ولما تُوفي مصطفى كامل سنة ١٩٠٨ رثاه شوقي بقصيدته الخالدة التي تُعَد أكبر مرثاة في تاريخ الأدب العربي ترجم فيها شعوره بالحزن والألم بآيات بينات تجلَّت فيها حكمة الشعر وقوة الوطنية وروعة البيان وقد نُشرَت يوم ٢٣ فبراير سنة ١٩٠٨ عقب وفاة الزعيم بثلاثة عشر يومًا فأثَّرَت في النفوس تأثيرًا عميقًا وجدَّدَت أحزان الأمة وحفظناها وحفظها الشباب وقتئذٍ عن ظهر قلب لأنها عبَّرَت عن شعورنا جميعًا في الرزء الفادح ، ننشرها كاملة لأنها قطعة من الشعر الوطني الخالد.

قال في مطلعها : المشرقانِ عليك ينتحبانِ قاصيهما في مأتم والداني .. يا خادم الإسلام أجر مُجاهِد في الله من خلد ومن رضوانِ .. لما نُعيتَ إلى الحجاز مشى الأسى في الزائرين ورُوِّع الحرَمانِ .. السكة الكبرى حيال رباهما منكوسة الأعلام والقضبانِ .. لم تألُها عند الشدائد خدمةً في الله والمختار والسلطانِ .. يا ليت مكة والمدينة فازتا في المحفلَين بصوتك الرنانِ .. ليرى الأواخر يومَ ذاك ويسمعوا ما غاب من قس ومن سحبانِ .. جارَ التراب وأنت أكرم راحل ماذا لقيتَ من الوجود الفاني “.

62 / ديوان حافظ إبراهيم

(شاعر النيل) هو اللقب الذي عرف به شاعر الشعب حافظ إبراهيم (1872 ـ 1932 م) أحد رواد مدرسة الإحياء والبعث في الأدب العربي المعاصر ، وقد عرف بهذا اللقب لأنه ولد في سفينة راسية في نهر النيل ولأنه كان يكثر في أشعاره من ذكر النيل واتخاذه رمزا لمصر كما اشتهرت عنه أبيات أرسها إلى أحمد شوقي في منفاه يقول فيها : عَجِبتُ لِلنيلِ يَدري أَنَّ بُلبُلَهُ صادٍ وَيَسقي رُبا مِصرٍ وَيَسقينا .. وَاللَهِ ما طابَ لِلأَصحابِ مَورِدُهُ وَلا اِرتَضَوا بَعدَكُم مِن عَيشِهِم لينا .. لَم تَنأَ عَنهُ وَإِن فارَقتَ شاطِئَهُ وَقَد نَأَينا وَإِن كُنّا مُقيمينا.  

وقد ذكره الزركلي في كتابه الأعلام فقال : ” محمد حافظ بن إبراهيم فهمي المهندس الشهير بحافظ إبراهيم شاعر مصر القومي ومدون أحداثها نيفا وربع قرن ، ولد في ذهبية بالنيل كانت راسية أمام ديروط وتوفي أبوه بعد عامين من ولادته ثم ماتت أمّه بعد قليل وقد جاءت به إلى القاهرة فنشأ يتيما ، ونظم الشعر في أثناء الدراسة ولما شبّ أتلف شعر الحداثة جميعا واشتغل مع بعض المحامين في طنطا فالقاهرة محاميا ولم يكن للمحاماة يومئذ قانون يقيدها.

ثم التحق بالمدرسة الحربية وتخرج سنة 1891 برتبة ملازم ثان بالطوبجية وسافر مع (حملة السودان) فأقام مدة في سواكن والخرطوم وألف مع بعض الضباط المصريين جمعية سرية وطنية اكتشفها الإنجليز فحاكموا أعضاءها ومنهم حافظ فأحيل إلى الاستيداع فلجأ إلى الشيخ محمد عبده وكان يرعاه فأعيد إلى الخدمة في البوليس ، ثم أحيل إلى المعاش، فاشتغل محررا في جريدة (الأهرام) ولُقب بشاعر النيل وطار صيته واشتهر شعره ونثره.

وكانت مصر تغلي وتتحفز ومصطفى كامل يوقد روح الثورة فيها فضرب حافظ على وتيرته فكان شاعر الوطنية والاجتماع والمناسبات الخطيرة وانقطع للنظم والتأليف زمنا وعين رئيسا للقسم الأدبي في دار الكتب المصرية سنة 1911 / 1329 هـ فاستمر إلى قبيل وفاته ، وكان قويّ الحافظة راوية سميرا مرحا حاضر النكتة جهوريّ الصوت بديع الإلقاء كريم اليد في حالي بؤسه ورخائه مهذّب النفس وفي شعره إبداع في الصوغ امتاز به عن أكثر أقرانه توفي بالقاهرة.

له : ديوان حافظ (مجلدان) ، والبؤساء (ترجم به جزءين من ال Miserables لفيكتور هيجو بتصرف) ، وليالي سطيح ، وكتيب في الاقتصاد ، والتربية الأولية (مدرسيّ مترجم) ، وشارك في ترجمة الموجز في علم الاقتصاد (عن الفرنسية) ، ولإبراهيم عبد القادر المازني شعر حافظ (رسالة في نقده) ولأحمد عبيد كتاب ذكرى الشاعرين حافظ وشوقي (في سيرتهما والمختار من شعرهما وما قيل فيهما) ولروفائيل مسيحة حافظ إبراهيم الشاعر السياسي ولحسين المهدي الغنام حافظ إبراهيم دراسة وتحليل ونقد ولأحمد الطاهر محاضرات عن حافظ إبراهيم “. 

وهو صاحب أعظم قصيدة في التغني باللغة العربية والتي قال في مطلعها : رَجَعتُ لِنَفسي فَاِتَّهَمتُ حَصاتي وَنادَيتُ قَومي فَاِحتَسَبتُ حَياتي .. رَمَوني بِعُقمٍ في الشَبابِ وَلَيتَني عَقِمتُ فَلَم أَجزَع لِقَولِ عُداتي .. وَلَدتُ وَلَمّا لَم أَجِد لِعَرائِسي رِجالاً وَأَكفاءً وَأَدتُ بَناتي .. وَسِعتُ كِتابَ اللَهِ لَفظاً وَغايَةً وَما ضِقتُ عَن آيٍ بِهِ وَعِظاتِ .. فَكَيفَ أَضيقُ اليَومَ عَن وَصفِ آلَةٍ وَتَنسيقِ أَسماءٍ لِمُختَرَعاتِ .. أَنا البَحرُ في أَحشائِهِ الدُرُّ كامِنٌ فَهَل سَأَلوا الغَوّاصَ عَن صَدَفاتي.

وهو صاحب أجمل قصيدة كلاسيكية تعبر عن مصر وتنطق بلسانها وهي التي قال في مطلعها : وَقَفَ الخَلقُ يَنظُرونَ جَميعاً كَيفَ أَبني قَواعِدَ المَجدِ وَحدي .. وَبُناةُ الأَهرامِ في سالِفِ الدَهرِ كَفَوني الكَلامَ عِندَ التَحَدّي .. أَنا تاجُ العَلاءِ في مَفرِقِ الشَرقِ وَدُرّاتُهُ فَرائِدُ عِقدي ، ويقول فيها : أَنا إِن قَدَّرَ الإِلَهُ مَماتي لا تَرى الشَرقَ يَرفَعُ الرَأسَ بَعدي .. ما رَماني رامٍ وَراحَ سَليماً مِن قَديمٍ عِنايَةُ اللَهُ جُندي .. كَم بَغَت دَولَةٌ عَلَيَّ وَجارَت ثُمَّ زالَت وَتِلكَ عُقبى التَعَدّي.

وهو صاحب أشهر بيت عن الأم في قصيدته التي يقول في مطلعها : كَم ذا يُكابِدُ عاشِقٌ وَيُلاقي في حُبِّ مِصرَ كَثيرَةِ العُشّاقِ .. إِنّي لَأَحمِلُ في هَواكِ صَبابَةً يا مِصرُ قَد خَرَجَت عَنِ الأَطواقِ .. لَهفي عَلَيكِ مَتى أَراكِ طَليقَةً يَحمي كَريمَ حِماكِ شَعبٌ راقي ، وفيها يقول : لا تَحسَبَنَّ العِلمَ يَنفَعُ وَحدَهُ ما لَم يُتَوَّج رَبُّهُ بِخَلاقِ ، وفيها : مَن لي بِتَربِيَةِ النِساءِ فَإِنَّها في الشَرقِ عِلَّةُ ذَلِكَ الإِخفاقِ .. الأُمُّ مَدرَسَةٌ إِذا أَعدَدتَها أَعدَدتَ شَعباً طَيِّبَ الأَعراقِ.

وقد رثاه رفيقه أمير الشعراء أحمد شوقي فقال : قَد كُنتُ أوثِرُ أَن تَقولَ رِثائي يا مُنصِفَ المَوتى مِنَ الأَحياءِ .. لَكِن سَبَقتَ وَكُلُّ طولِ سَلامَةٍ قَدَرٌ وَكُلُّ مَنِيَّةٍ بِقَضاءِ .. الحَقُّ نادى فَاِستَجَبتَ وَلَم تَزَل بِالحَقِّ تَحفِلُ عِندَ كُلِّ نِداءِ .. وَأَتَيتَ صَحراءَ الإِمامِ تَذوبُ مِن طولِ الحَنينِ لِساكِنِ الصَحراءِ .. فَلَقيتُ في الدارِ الإِمامَ مُحَمَّدًا في زُمرَةِ الأَبرارِ وَالحُنَفاءِ .. أَثَرُ النَعيمِ عَلى كَريمِ جَبينِهِ وَمَراشِدُ التَفسيرِ وَالإِفتاءِ .. فَشَكَوتُما الشَوقَ القَديمَ وَذُقتُما طيبَ التَداني بَعدَ طولِ تَنائي.

 وقد ترجم له الدكتور شوقي ضيف في كتابه الأدب العربي المعاصر في مصر فقال : ” حافظ إبراهيم .. كان يقيم في ديروط إحدى بلدان الصعيد حوالي سنة ١٨٧٠ طائفة من المهندسين المصريين للإشراف على قناطرها القائمة على النيل وكان من بينهم مهندس مصري صميم يسمى إبراهيم فهمي اختار لسكناه سفينة (ذهبي)” أقام فيها مع زوجته التركية هانم بنت أحمد البورصه لي.

وفي هذه الذهبية وُلد لهما على صفحة النيل حافظ ففرح به الأبوان وعاشا بجانبه هانئين إلا أن الدهر لم يلبث أن قلب لهما ظهر المجن فإذا الأب يموت وابنه يخطو على عتبة السنة الرابعة ، فانتقلت به أمه إلى القاهرة حيث كفله خاله وكان مهندس تنظيم، فرعاه وقام على تربيته وألحقه أولًا بالكُتَّاب ثم تحول به إلى مدارس مختلفة كان آخرها المدرسة الخديوية وتصادف أن نُقل خاله إلى بلدة طنطا فصحبه معه.

ولم يختلف في هذه البلدة إلى مدرسة بل أخذ يختلف إلى الجامع الأحمدي وكانت تُلقى فيه دروس على نمط ما يلقى في الأزهر وحافظ لا ينتظم في هذه الدروس بل يُلم بها من حين إلى حين في غير نظام ، وأخذ يتضح فيه ميله إلى الأدب والشعر فكان يطارح بعض الطلاب ويستعرض معهم طرائف الشعراء القدماء والمحدثين وخاصة البارودي.

وعلى هذا النحو مضى في حياته لا يحملها محمل الجد فمله خاله، وأشعره بملله فابتأس وأحس غير قليل من الألم وعزم على أن يبدأ محاولاته في كسب قوته ونوَّه بذلك في بيتين وجَّههما إلى خاله على هذا النحو : ثَقُلتْ عليك مئونتي إني أراها واهيه .. فافرَحْ فإني ذاهب متوجِّهٌ في داهيه ، وتوجه توًّا إلى المحاماة وكانت لا تزال مهنة حرة وكأنما أغرته بها ذلاقة لسانه وحسن منطقه فالتحق بمكاتب بعض المحامين إلا أن القلق عاوده.

وفجأة نجده راحلًا إلى القاهرة ليلتحق بالمدرسة الحربية وينتظم بين طلابها ويتخرج فيها سنة ١٨٩١ ويعين في وزارة الحربية ويظل بها ثلاث سنوات ثم ينقل إلى وزارة الداخلية فيمضي فيها عامًا وبعض عام ثم يعود إلى الحربية ويُدْعى إلى مرافقة الحملة الأخيرة إلى السودان وكانت بقيادة اللورد كتشنر فيرافقها على مضض ولا يكاد يضع قدمه هناك حتى يتبرم ويضج بالشكوى ويراسل الشيخ محمد عبده معلنًا تبرمه وسخطه ، وتقوم ثورة في الجيش فيشترك فيها ويُحاكَم ويُحكم عليه في سنة ١٩٠٠ بإحالته إلى الاستيداع ولا يلبث أن يطلب إحالته إلى المعاش.

وحافظ في كل هذه الأطوار التي مرت بنا في حياته قلق ضيق بعيشه فقد نشأ يتيمًا في أسرة متوسطة ولم يلبث أن اضطر إلى كسب قوته بنفسه وحاول أن ينظِّم حياته فدخل المدرسة الحربية وتخرج فيها ولكن سوء الطالع لازمه فأحيل إلى الاستيداع والمعاش.

وكانت شاعريته قد استوت له، وكان ذا نفس حساسة مرهفة الشعور فأحس بعمق بؤسه وحاول أن يشتغل في صحيفة الأهرام ولكنها أغلقت أبوابها من دونه فاتجه إلى الشيخ محمد عبده ولزمه حتى ليقول: ” فلقد كنت ألصق الناس بالإمام أغشى داره وأرِدُ أنهاره وألتقط ثماره “، وقد تعرَّف عن طريقه على الطبقة الممتازة من المصريين أمثال سعد زغلول وقاسم أمين وحسن عاصم ومصطفى كامل ولطفي السيد ومحمود سليمان وهي الطبقة التي كانت تفكر في الإصلاح الديني والاجتماعي والسياسي والتي لا تزال آثارها فاعلة في حياتنا المصرية.

وبذلك هيأ له اتصاله بالشيخ محمد عبده أن يعيش في البيئة الطامحة إلى الإصلاح وكان في الوقت نفسه يعيش في بيئة الشعب الفقيرة التي نشأ فيها ويختلط بها بحكم بؤسه ، وكانت قد نشأت فيها طائفة من الأدباء البائسين أمثال إمام العبد وكانوا يجلسون في مقاهي الأحياء الوطنية وينتقلون فيها بأدبهم وهي طبقة أوجدتها ظروف الحياة الحديثة فقد كان الشعراء والأدباء في القديم يرعاهم الملوك والخلفاء والأمراء وبطلت هذه السنة في العصر الحديث واضطر الأدباء والشعراء إلى أن يعتمدوا على أنفسهم في كسب أرزاقهم وسد حاجاتهم وسرعان ما تكونت بينهم هذه الطبقة البائسة التي أخذ يتنازع إمامتها في أول القرن إمام العبد وحافظ إبراهيم.

واضطر حافظ أن ينقطع إلى الطبقة الممتازة التي أشرنا إليها وكان خفيف الظل فقربوه منهم فكان يمدحهم ويتندر لهم ويضحكهم وينظم لهم الشعر في المناسبات المختلفة ، وكان أكثر هذه الطبقة من أبناء الفلاحين الذين وصلوا بفضل جهودهم إلى المناصب العليا في مرافق الدولة وكانوا يمتازون بشدة شعورهم بآمال الشعب وآلامه فكان حافظ يجد في صحبتهم لذة وكانوا يوسعون له في مجالسهم فكان يروي لهم الشعر القديم وينشئ لهم قصائد فيما ينزعون إليه من وجوه إصلاح.

وفي هذه الأثناء كتب (ليالي سطيح) وهي مقالات نثرية على طريقة المقامات صوَّر فيها على لسان سطيح الكاهن الجاهلي كثيرًا من عيوب الشعب الاجتماعية متأثرًا في ذلك أوضح التأثر بآراء الشيخ محمد عبده الإصلاحية ، وحاول أن يتعلم الفرنسية ولم يتقنها ومع ذلك ترجم البؤساء لفيكتور هيجو ولم يستطع أن يترجمها ترجمة دقيقة فاحتفظ بروحها وزاد فيها ونقص حسب ذوقه.

وأخيرًا ينقذه في سنة ١٩١١ حشمت باشا وزير التربية والتعليم حينئذ من هذه الحياة البائسة ويعيِّنه في القسم الأدبي بدار الكتب المصرية ويظل في هذه الوظيفة إلى سنة ١٩٣٢ ، وأخذت الوظيفة تغلُّ لسانه فلم يعد ينظم في شئوننا السياسية والاجتماعية كما كان شأنه قبل توظفه حتى إذا وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها ورُدت إلينا حريتنا أخذ يعود سيرته الأولى غير أنه كان – فيما يظهر – يخشى أن يُفْصَل من وظيفته فلم ينشر كثيرًا مما نظمه في الأحداث السياسية خشية أن يطرد من عمله ويحرم من قوته.

وأحيل إلى المعاش في عهد وزارة صدقي باشا وكانت الحريات مكبوتة فنظم كثيرًا من الشعر الثائر ولكنه لم ينشره على الملأ في الصحف بل ظل يخاف السجن ومن هنا كان ديوانه لا يشتمل على جميع ما نظمه بل إن جزءًا قيمًا منه – وخاصة في السياسة – ضاع ولم يصل إلينا ، على أن القدر لم يمهله بعد خروجه إلى المعاش إذ سرعان ما نعاه الناعون باكين فيه وطنيته ودماثته وتواضعه وسماحة نفسه وجمال عشرته.

وفي كتابه شعراء الوطنية اعتبره عبد الرحمن الرافعي من رواد الشعر الوطني الحماسي وقال عنه : ” هو صِنو شوقي في إحياء دولة الشعر ولئن تميَّز عنه شوقي بالزعامة كما أسلفنا في الحديث عن شوقي فإن حافظًا يمتاز عنه بأن نشأته وحياته كانت شعبية في حين كانت نشأة شوقي وحياته أرستقراطية فكان حافظ أقرب إلى روح الشعب ومشاعره وأقدر على تصوير آلامه التي شاركه فيها واكتوى بلهيبها فكان لذلك أبلغ في التعبير عنها ، وكانت عباراته أسهل وأقرب إلى إدراك معانيها من عبارات شوقي لأنه كان يُحِس إحساسًا قويًّا أنه يُخاطِب الشعب في مجموع مُثقَّفيه وقارئيه.

ضفَت الوطنية على شعر حافظ هالة من العظمة والمجد فقد كان بلا مراء خير ترجمان للشعب في أحاسيسه وآماله وخير مُواسٍ له في مآسيه وآلامه وتغنى بمصر والنيل في قصائده الغُر ولعل بقاءه في السودان عدة سنين ومشاهدته غدر الإنجليز هناك وتدابيرهم في تحقيق أغراضهم الاستعمارية قد زاده سخطًا على الاستعمار واستمساكًا بوحدة وادي النيل ، وتجلَّت هذه المواهب في شعره في شتى المناسبات حتى سُمِّي بحق شاعر النيل وهو إلى جانب ذلك شاعر الوطنية والاجتماع والأخلاق كان لا يفتأ يدعو قومه إلى التمسك بالأخلاق في جهادهم للحرية إذ يرى الأخلاق قوام الجهاد الصحيح وبلغت دعوته إلى الأخلاق حد التقريع في مخاطبته لبني وطنه ومجابهتهم بالحق الصريح.

الوطنية في شعر حافظ : تتجلى الروح الوطنية ويتألق نورها في شعر حافظ ولقد وجدت الحركة الوطنية في قصائده البديعة قوة تستمد منها الحماسة والصمود في الجهاد والثورة على الاحتلال ، كان شعره مَعينًا لا ينضب من الكفاح الوطني وكان حبه للوطن يملك عليه شغاف قلبه ويُلهِمه الذود عن حريته واستقلاله.

ولقد عبَّر عن هذه العاطفة المُلتهِبة بقوله من قصيدة له سنة ١٩٠٠ : متى أرى النيل لا تحلو موارده لغير مُرتهِب لله مُرتقِبِ .. فقد غدت مصرُ في حال إذا ذُكرَت جادت جفوني لها باللؤلؤ الرطبِ .. كأنني عند ذكرى ما ألمَّ بها قرمٌ تردَّد بين الموت والهربِ .. إذا نطقتُ فقاعُ السجن مُتكَأ وإن سكتُّ فإن النفس لم تطِبِ .. أيشتكي الفقرَ غادينا ورائحنا ونحن نمشي على أرض من الذهبِ ، وقوله في قصيدة له سنة ١٩٠٩ : لعمرك ما أرقتُ لغير مصر وما ليَ دونها أملٌ يُرامُ .. ذكرتُ جلالها أيام كانت تصول بها الفراعنة العظامُ .. وأيامَ الرجالُ بها رجال وأيامَ الزمانُ لها غلامُ.

حافظ ومصطفى كامل : عاصَر حافظ مصطفى كامل وكان صديقًا له مُعجَبًا بجهاده رغم صداقته وصلته بخصومه السياسيين ، وكان مصطفى شديد الإعجاب بشعره وأدبه وعندما ظهر الجزء الأول من ديوانه سنة ١٩٠١ قرَّظه في (اللواء) تقريظًا يدل على عظم تقديره لشاعر النيل وأسهب في الثناء عليه سنة ١٩٠٣ حين عرَّب كتاب البؤساء لفيكتور هيجو.

قصيدة حافظ في حفلة مدرسة مصطفى كامل : ويبدو إعجاب حافظ بمصطفى وجهاده في قصيدته التي ألقاها يوم ٢٩ نوفمبر سنة ١٩٠٦ في احتفال مدرسة مصطفى كامل تعليقًا على خطبة مصطفى ، قال في مطلعها : سمِعنا حديثًا كقَطر الندى فجدَّد في النفس ما جدَّدا .. وأضحى لآمالنا مُنعِشًا وأمسى لآلامنا مُرقِدا.

وقال يستثير في النفوس روح الأمل والحياة وهي الدعوة المُحبَّبة إلى الفقيد : فدَيناكَ يا شرقُ لا تجزعنْ إذا اليومُ ولَّى فراقِب غدا .. فكم محنة أعقبَت محنة وولَّت سراعًا كرجع الصدى .. فلا يُبئسنَّك قِيلُ العداة وإن كان قيلًا كحز المُدى .. أتُودَع فيك كنوز العلوم ويمشي لك الغرب مُسترفِدا .. وتُبعَث في أرضك الأنبياء ويأتي لك الغرب مُسترشِدا .. وتقضي عليك قضاة الضلال طوال الليالي بأن ترقُدا .. أتشقى بعهدٍ سما بالعلوم فأضحى الضعيف بها أيِّدا .. إذا شاء بزَّ السُّها سِره وأدرك من جريه المَقصدا.

قصيدة حافظ في حادثة دنشواي : لقيت حادثة دنشواي صداها في شعر حافظ فنشر في ٢ يوليو سنة ١٩٠٦ ـ أي بعد صدور الحكم فيها بخمسة أيام ـ قصيدته المشهورة عن الحادثة ندَّد فيها بسياسة الاحتلال وسبق بها شوقي بعام إذ إن شوقي لم يقُل قصيدته عن الحادثة إلا بعد عام من وقوعها.

قال حافظ في مطلع قصيدته مُخاطِبًا المحتلين : أيها القائمون بالأمر فينا هل نسيتم وَلاءنا والودادا  .. خفِّضوا جيشكم وناموا هنيئا وابتغوا صيدكم وجُوبوا البلادا .. وإذا أعوزَتكمُ ذات طَوق بين تلك الرُّبا فصيدوا العبادا .. إنما نحن والحَمام سواء لم تُغادِر أطواقنا الأجيادا .. لا تظنوا بِنا العقوق ولكن أرشِدونا إِذا ضللنا الرشادا .. لا تُقِيدوا من أمة بقتيل صادت الشمس نفسه حين صادا ، وقال يصف الحادثة وفظائع المحاكمة والتنفيذ : جاء جُهالنا بأمر وجئتم ضعفَ ضعفَيه قسوةً واشتدادا .. أحسِنوا القتل إن ضننتم بعفو أقصاصًا أردتمُ أم كيادا .. أحسِنوا القتل إن ضننتم بعفو أنفوسًا أصبتمُ أم جمادا.

رثاؤه لمصطفى كامل : في يوم ١١ فبراير سنة ١٩٠٨ حين شيَّعت مصر جنازة مصطفى كامل وقف حافظ على قبره وأنشد قصيدته الرائعة في رثائه قال : أيا قبرُ هذا الضيفُ آمالُ أمة فكبِّر وهلِّل والقَ ضيفَك جاثيا .. عزيزٌ علينا أن نرى فيك مصطفى شهيد العُلا في زهرة العمر ذاويا .. أيا قبر لو أنا فقدناه وحده لكان التأسي من جوى الحزن شافيا .. ولكن فقدنا كل شيء بفقده وهيهات أن يأتي به الدهر ثانيا .. فيا سائلي أين المروءة والوفا وأين الحِجا والرأي ويحَك ها هيا .. هنيئًا لهم فليأمنوا كل صائح فقد أُسكِت الصوت الذي كان عاليا .. ومات الذي أحيا الشعور وساقَه إلى المجد فاستحيا النفوس البواليا.

رثاؤه لمحمد فريد : نظم حافظ في رثاء محمد فريد قصيدة من غُرَر شعره ألقاها بصوته الجهوري في حفلة التأبين التي أقامها الحزب الوطني يوم الأربعين لوفاته (١٩ ديسمبر سنة ١٩١٩) فهزَّت مشاعر السامعين والمواطنين لما حوته من المعاني الرائعة والتقدير البالغ للزعيم الراحل ، قال : مَن لِيومٍ نحن فيه مَن لِغدْ مات ذو العزمة والرأي الأسَدْ .. حلَّ ﺑالجمعة حزنٌ وأسًى ومشى الوجد إلى يوم الأحدْ .. وبدا شِعري على قرطاسه لوعةً سالت على دمعٍ جمَدْ .. أيها النيل لقد جلَّ الأسى كُن مِدادًا لي إذا الدمع نفدْ .. واذبُلي يا زهرةَ الرَّوض ولا تَبسِمي للطَّل فالعيشُ نكدْ .. والزَم النَّوحَ أيا طَيرُ وَلا تبتهج بالشَّدوِ فالشدوُ حددْ .. فلقد ولَّى فريد وانطوى ركنُ مصرٍ وفتاها والسَّندْ.

ثورة سنة ١٩١٩ : حيَّا حافظ ثورة سنة ١٩١٩ في قصيدة نظمها عن أول مظاهرة للسيدات قُمنَ بها يوم ١٦ مارس ١٩١٩ احتجاجًا على عسف الإنجليز حيال المظاهرات السابقة وما ارتكبوه مع المتظاهرين من فظائع القتل والتنكيل ، وقد مجَّد حافظ شعور السيدات المتظاهرات وشجاعتهن وحمل في قصيدته حملة لاذعة على مسلك الجنود الإنجليز حيالَهن قال :

خرج الغواني يَحتجِجـنَ ورُحتُ أرقبُ جمعَهنَّهْ .. فإذا بهنَّ تخِذنَ من سود الثياب شعارَهنَّهْ .. فطلعنَ مثل كواكبٍ يسطعنَ في وسَط الدُّجنَّة .. وأخذنَ يجتزنَ الطريـ ـق ودارُ سعد قصدُهنَّهْ .. يمشين في كنف الوقار وقد أبنَّ شعورهنَّهْ .. وإذا بجيشٍ مُقبِل والخيلُ مُطلَقة الأعِنَّة .. وإذا الجنود سيوفُها قد صُوِّبت لنحورهنَّهْ .. وإذا المَدافع والبنادق والصوارم والأسنَّة .. والخيل والفرسان قد ضربَت نطاقًا حولهنَّهْ .. والورد والريحان في ذاك النهار سلاحهنَّهْ .. فتطاحَن الجيشان ساعاتٍ تشيب لها الأجنَّة .. فتضعضع النسوان والنسوان ليس لهن مُنَّة .. ثم انهزمنَ مُشتَّتات الشمل نحو قصورهنَّهْ “.

63 / ديوان مجد الإسلام

(الإلياذة الإسلامية) هو اللقب الذي أطلق على منظومة شعرية ملحمية بعنوان ديوان مجد الإسلام للشاعر أحمد محرم (1877 ـ 1945 م) وهو أحد رواد مدرسة الإحياء والبعث في الأدب العربي الحديث وأحد شعراء الوطنية المصرية ، وقد تناول فيها البطولات الإسلامية من خلال سيرة النبي (صلى الله عليه وسلم) وذلك في ثلاثة آلاف بيت صور فيها السيرة العطرة وفق ترتيبها الزمني ونظمها على وزن واحد واشتهرت في الوطن العربي والعالم الإسلامي وقال في مطلعها : املأ الأرض يا محمد نورًا .. واغمر الناس حكمة والدهورا .. حجبتك الغيوب سرًا تجلى .. بكشف الحجب كلها والستورا.

وقد ذكره الزركلي في كتابه الأعلام فقال : ” أحمد محرم بن حسن عبد الله شاعر مصري حَسَن الرصف نقيّ الديباجة تركيّ الأصل أو شركسيّ ، ولد في إبيا الحمراء من قرى الدلنجات بمصر في شهر (محرّم) فسمي أحمد محرَّم وتلقى مبادئ العلوم وتثقف على يد أحد الأزهريين وسكن دمنهور بعد وفاة أبيه فعاش يتكسب بالنشر والكتابة (مثالا لحظ الأديب النكد) كما يقول أحد عارفيه ، وحفلت أيامه بأحداث السياسة والأحزاب فانفرد برأيه مستقلّا عن كل حزب إلّا أن هواه كان مع الحزب الوطنيّ ولم يكن من أعضائه ، له ديوان محرم وديوان الإسلام أو الإلياذة الإسلامية (في تاريخ الإسلام شعرا) توفي ودفن بدمنهور “.

وترجم له أدهم آل الجندي في كتابه أعلام الأدب والفن فقال : ” أحمد محرم .. مولده ونشأته : هو أحد أعلام الشعر العربي الذين حفظوا وجوده وأقاموا عموده ومهدوا له السبيل إلى هذه النهضة ، هو ابن المرحوم حسن عبد الله من أصل تركي ولد سنة 1294 ﻫ ـ 1877 م وتلقى مبادئ القراءة والكتابة في مكتب قرية الدلنجات من أعمال مديرية البحيرة وحفظ القرآن الكريم في الثانية عشرة من عمره ثم تلقى دروسه في مدرستي العقادين الابتدائية والجيزة بالقاهرة ، وقد عني والده بتثقيفه فجاءه بطائفة من علماء الأزهر يدرِّسون له النحو والعروض وسائر العلوم العربية وعكف من ثم على التراث الأدبي العربي في مختلف عصوره دارساً وحافظاً ثم كوَّنته مدرسة الحياة الكبرى حكيماً اجتماعيًّا.

مواهبه : كان شاعراً مطبوعاً على الديباجة المشرقة والقافية المحكمة يطيل النظم في غير سقط ويبالغ في غير شطط ويتأنق في غير تكلف ، ومن آثاره نظمه (الإلياذة الإسلامية) وهو عمل وحده يكفي لتمجيده وتخليده وديوان شعر عنوانه (مجد الإسلام) ، ويعتبر في شعره نسيج وحده وأقرب الشعراء المعاصرين ديباجة من شعراء العرب وليس في طباع الشعراء طبع أدلَّ من طبعه وزميله الشاعر حافظ إبراهيم على جودة الإلقاء بالفصاحة الكاملة.

واستمع إلى قصيدته البليغة بعنوان (النفس الأبية) : ذكرتُ الهوى أيام يصفو فنحتسي ويضفو الصبى عن جانبيه فنكتسي  .. نقضي منانا من رياض وأوجُهٍ ونشفي صدانا من شفاهٍ وأكؤس .. لذاذات عيش صالح كنَّ أنعما    فأعقبن من حدثانِ دهر بأبؤس ..  طوينا بقاياها فغاضت من الأسى بقايا قلوب جازعات وأنفس .. خلت أربع الأهواء إلا من البلى يعفِّى بها آثار ملهىً ومجلس .. تعوضت عنها بالياً بعد مونق   وبُدلتُ منها مُوحشاً بعد مؤنس .. ألا هل لأيام الشبيبة رجعة فأطمع في ماضٍ من العيش مؤنسي .. تمتعت من دهري بظبي مربَّبٍ فقد عاد يرميني بسيْدٍ عَملَّس.

أقول لنفسي والأسى يستثيرها مكانك إن النفس بالنفس تأتسي .. ألم تعلمي أن الزمان بأهله يدور وأن الصفو نغبة مُحتس .. متى تطلبي ما ليس للدهر شيمةٌ تعاقي عن الأمر المروم وتحبسي. ، ومنها : إذا ضرَّسَ اللؤم الوجوهَ فشانها بقيت ووجهي وافرٌ لم يضرَّس .. وما راعني إلا حسود يعيبني     على ما يرى من طيب عودي ومغرسي ، ومنها : ولست كساعٍ بالأباطيل والرُّقى إلى الناس يزجيها بضاعة مفلس .. متى ما أقلْ قولاً فلست بكاذب أصادي به نفعاً ولا بمدلِّس.

وفاته : قبض إلى رحمة ربه على الفراش الذي ينسجه القدر للأدباء الأحرار الصابرين من الفاقة والمرض والوحشة بعد أن ظل اسمه لامعاً في سماء الأدب العربي زهاء نصف قرن ، والناظر في تاريخ الشعر الحديث يراه في الرعيل الأول من شعراء الأحياء الذين خلفوا البارودي على إرث الشعر فجددوا باليه وأنعشوا ذاويه ثم تخطفهم المنايا واحداً بعد واحد ومما يؤخذ على أحمد شوقي أمير الشعراء محاربته للشاعر المترجم في مواهبه وعبقريته بدلاً من تخفيف وطأة بؤسه وشقائه ، وفي اليوم السابع من شهر رجب سنة 1364 ﻫ ـ 13 حزيران سنة 1945 م وافاه الأجل “.

وحول دوافع الشاعر للإقدام على هذا العمل الخالد ما ذكره صلاح الدين محمد عبد التواب أستاذ بكلية اللغة العربية جامعة القاهرة وذلك في العدد السابع والخمسين من كتاب مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة حيث قال : ” ما زلنا بعد هذه القرون المتعاقبة نرى أدب الدعوة الإسلامية بيننا يعلو نداؤه وتتردد أصداؤه ليملأ الأسماع والأبصار فتخفق له القلوب وتستجيب له النفوس وهو يصل حاضرها بماضيها التليد.

وإذا كانت الأمثلة كثيرة في عصرنا الحديث تلك التي تؤكد أن أدب الدعوة الإسلامية إلى وقتنا هذا لم يمت ولن يموت ما بقيت رسالة الإسلام ودعوتها فإن المثل الذي بين أيدينا جدير بالإشادة والتقدير لأنه يبعث على الأمل ويؤكد أن نور الله لا يمكن أبداً أن ينطفئ من القلوب ، إنه ديوان (مجد الإسلام) للشاعر المسلم أحمد محرم الذي شاء الله لمؤلفه أن ينظمه ليستعيد شباب الأمة أمجاد أسلافهم ثم ليكونوا امتداداً من بعد لأولئكم السالفين.

أما عن أحمد محرم فقد ولد في القاهرة سنة سبع وسبعين وثمانمائة وألف ميلادية ونشأ منذ البداية نشأة عربية أزهرية وبرز في الشعر منذ صباه حتى أنه نال شهادة الامتياز بين شعراء النيل من لجنة التحكيم التي تولت أمر النظر في القصائد المقترحة على كبار الشعراء فيما كان يسمى عيد جلوس الخديوي سنة عشر وتسعمائة وألف (ميلادية) ونال عدة جوائز في مسابقات شعرية ونثرية أخرى اقترحتها الصحف والمجلات في فنون شتى وموضوعات مختلفة من سياسة الممالك وتربية الأمم وما تصدى كاتب ولا أديب لتعيين طبقات الشعراء إلا عرف له مكانه ووضعه في الصف الأول.

وأما عن العصر الذي عاشه أحمد محرم فقد سادت فيه نزعة إسلامية ظهرت بوضوح في كتاب العصر وقادته ومفكريه وانعكست أثارها على الشعر ولم يكن هناك بعين الشعراء المعاصرين وقتذاك – على اختلافهم وتباين نزعاتهم – من يخلو شعره من تلك النزعة من مدح للخليفة التركي والإشادة بفضله على المسلمين وحرصه على إعلاء كلمة الدين ، وهم يرون أن الخليفة هو الجامع لشمل المسلمين وأنه حين يحارب فإنما يحارب دفاعا عن الإسلام وتمسكاً بإعلاء كلمته بين الدول التي تتربص به وهم يدعون إلى اتحاد كلمة المسلمين في ظل راية الخلافة محذرين من الإصغاء إلى دعوة التفرقة التي لا تصيب الأمم الإسلامية جميعاً إلا بالشر .

وكان طبيعيا أن يهبَّ الشاعر أحمد محرم – وهو المسلم الغيور – ليقوم بدوره في مجال الدعوة الإسلامية ، وكانت فكرة ديوانه (مجد الإسلام) كامنة في نفسه ولكنها لم تخرج إلى مجال التنفيذ إلا بعد أن بعث أحد رجال الإسلام الغيورين الأستاذ محب الدين الخطيب صاحب مجلة (الفتح) إلى صديقه الشاعر أحمد محرم رسالته في الخامس والعشرين من ربيع الأول عام ثلاثة وخمسين وثلاثمائة وألف من الهجرة يقول فيها :

سيدي الأستاذ الجليل مفخرة البيان العربي وشاعر مصر الكبير الأستاذ أحمد محرم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد ، فإن من دلائل رضا الله عز وجل عن حركة الجهاد الضئيلة لوقف هذا الطغيان على الفضائل انشراح صدركم لتأييده وتصدقكم ببعض الوقت للوقوف في صفوفه ورب فارس واحد خير من ألف ، وكنت هممت أكثر من غير مرة أن أكتب إليكم أقترح عليكم مشروعاً كنا نحاول إقناع شوقي بك رحمه الله به ولكن خشيت أن يصرفكم ذلك عن معاني الجهاد الأخرى.

وهذا المشروع هو إرسال نظركم الكريم بين حين وآخر إلى مفاخر التاريخ الإسلامي الخلقية والعمرانية والسياسية والإصلاحية والحربية … الخ ، ونظم كل مفخرة منها في قطعة خالدة تنقش في أفئدة الشباب فإذا زخر أدبنا بكثير من هذه القطع على اختلاف أوزانها وقوافيها أمكن بعد ذلك ترتيبها بحسب تاريخ الوقائع وتأليف (إلياذة) إسلامية من مجموعها.

أليس من العار أن يكون للفرس الذين حفل تاريخهم زمن جاهليتهم بالشنائع ديوان مفاخر يغطى فيه البيان على العيوب ، ويشير الكاتب بذلك إلى (شاهنامة الفردوس) .. ثم يردف قائلا : وأن يكون لليونان زمن وثنيتهم وأوهامهم الصبيانية ديوان مفاخر (كالإلياذة) تتغنى بها الإنسانية إلى يوم الناس هذا ؟

ثم يواصل الكاتب حديثه إلى الشاعر أحمد محرم مبينا أن الإسلام هو الأولى بذلك (وهو الذي لم تفتح الإنسانية عينيها على أعلى منه رتبة وأعظم منه محامد) ، وما دام المؤرخون – في نظر الكاتب – قد قصدوا في جانب التاريخ الإسلامي ولم يعطوه حقه من التصحيح والإنصاف فإن (ما قصّر فيه) المؤرخون لا يستطيع أن يستدركه إلا الشعراء.

وكان هذا الخطاب هو الشرارة التي أججت شعلة الحماس في نفس الشاعر أحمد محرم فإذا به يقدم على ديوانه يعرض فيه خلاصة نقية للتاريخ الإسلامي في قالب شعري مكتمل الفن واضح الأداء قوي التعبير حتى يلفت شباب الإسلام إلى مفاخر تاريخهم وعظمة آبائهم وأسلافهم ويدفع عنهم عقدة النقص التي جعلتهم ينظرون إلى آثار الأمم الأخرى كما ينظر الأقزام إلى العمالقة.

وحشد أحمد محرم كل طاقاته الفنية وعكف على التاريخ الإسلامي يستخلص حقائقه ويستوعب مفاخره ويسجلها فناً عالميا عاليا يسنده الواقع وتؤكده حقائق التاريخ ، وكان أول ما بدأ به أحمد محرم في ديوانه الذي بلغت قصائده تسعاً وستين ومائة قصيدة كلها في تاريخ الإسلام والمسلمين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت أولى القصائد تحت عنوان : مطلع النور الأول من أفق الدعوة الإسلامية “.

وتناول الكاتب محتوى الديوان وعلق على قائلا : ” ويمضي الشاعر يسجل في ديوانه (مجد الإسلام) مواقف مشرفة للمسلمين وجهادهم في سبيل الدعوة الخالدة وكلها من النماذج الرفيعة التي يعتز بها المسلمون أينما كانوا وحيثما حلوا ومع كل نموذج من هذه النماذج الرائعة دعوة تهيب بكل مسلم ومسلمة على وجه هذه الأرض أن يكون واقع حياتهم على نمط ما كان عليه المؤمنون السابقون حتى يصل المسلمون حاضرهم بماضيهم فتكون حياتهم كلها حياة العزة والشرف والكرامة والإباء.

وينهي الشاعر ديوانه الكبير بحادث جلل في تاريخ الإسلام والمسلمين وهو يوم انتقال الرسول صلوات الله وسلامه عليه إلى رحمة ربه راضياً مرضياً ، ومع شدة وقع هذا الأمر على نفوس المسلمين فقد ذكره الشاعر في معرض حدث آخر كانت بدايته في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم ثم كانت نهايته المشرفة بعد وفاته عليه الصلاة والسلام وكأن الشاعر يريد أن يقول : لئن كان الرسول قد مات فإن رسالته كانت وستظل ماضية ودعوته بإذن الله ستكون باقية قوية ما حرص المسلمون على بقائها وقوتها “.

وقد اعتبره عبد الرحمن الرافعي من الشعراء الوطنيين في مصر ونقل الكثير من قصائده الحماسية في التغني بأمجاد مصر ومهاجمة الاحتلال البريطاني وذلك في كتابه شعراء الوطنية فقال : ” شاعر مُلهَم من شعراء الوطنية والأخلاق كان أدباء الجيل يضعونه في صف شوقي وحافظ ومطران وكان شيخ الشعراء إسماعيل صبري يتغنى بشعر هؤلاء الأربعة ويطيب له التحدث عنهم.

وامتاز محرم إلى جانب مكانته الشعرية بحرارة العاطفة وتذوقه للفن والجمال وقوة إيمانه وتأملاته العميقة الفلسفية واستمساكه طول حياته بمبادئه الوطنية فكان شعره كله وقفًا على هذه المبادئ ، لم ينحرف عنها يومًا في قصيدة أو في أي بيت من الشعر ظل مُقيمًا عليها وفيًّا لها في السراء والضراء فكان حقًّا مثلًا أعلى في الشعر والوطنية.

وكان مصطفى كامل يُعجَب به وبشعره ويُشيد به على صفحات اللواء ويُسميه نابغة البحيرة وبقي أحمد محرم على صلته به ووفائه له ولذكراه كما ظل وفيًّا لمبادئ الوطنية إلى أن توفاه الله في ١٣ يونيو سنة ١٩٤٥ ،  كان شاعرًا بفطرته وسليقته قال الشعر وهو في سن مُبكِّرة ومُعلَّقته التي يقول في مطلعها : منازل سلمى لا عدَتكِ الغمائمُ وإن درسَت بالجزع منك المعالمُ ، قد نظمها وهو في السادسة عشرة من عمره.

وطنيته في شعره : تتجلى روحه الوطنية التي ألهمَته الشعر أكثر ما تتجلى حين أصدر الجزء الأول من ديوانه سنة ١٩٠٨ فقد أهداه إلى (النيل) وكتب كلمة الإهداء في عنوان الكتاب (هدية النيل) وأعقبها بهذا البيت الذي يُترجِم عن وطنيته الأصيلة مُخاطِبًا النيل قال : وهبتُك مُلك القريض العتيد وذلك أفضلُ ما يوهَبُ ، وقال في مقدمة ديوانه يشرح المعنى الذي استوحاه في إهداء ديوانه إلى النيل :   

لقد جرى أكثر الكُتاب والشعراء على أن يُهدوا مؤلَّفاتهم إلى من شاءوا من ذوي الثروة والجاه تعرضًا لمؤازرتهم والانتفاع بهم وسط هذا الكساد الآخذ بأكظام الأدب في بلادنا ولكنني انصرفت بشعري عن تلك المواقف وبرئت إلى نفسي أن آخذ بهذه الأسباب على ما أعلم من وعورة مَسلكي وضيق مضطربي وما كنت في ذلك إلا جاريًا على سنتي في سياسة نفسي وتصريف ما آتي وأدع من أمور الحياة فما استظهرت بغيرِ أخٍ حفِي أو صديق صفِي ولا آثرتُ أن أُهدي ديواني إلى غير النيل ذلك الأب الذي وهبني نعمة الحياة وأفاض عليَّ هذه المِنَح والصلات.

فيا نيلُ أنت الهوى والحياة وأنت الأمير وأنت الأبُ .. ويا نيل أنت الصديق الوفي وأنت الأخ الأصدق الأطيبُ .. وأنت القريض الذي أقتفي فيزهى به الشرق والمغربُ .. فإن أهب الخصبَ هذه العقول فمما سننتَ لها تخصبُ .. وإن أنا أطربت هذه النفوس فصوتك لا صوتي المُطرِبُ .. تسيل فتندفق الرائعات وتجري فتستبق الجوَّبُ ، إلى أن قال : لئن فاتني الذهب المستفاض فما فاتني الأدب المُذهبُ .. وهبتُك مُلك القريض العتيد وذلك أفضل ما يوهبُ ، وقد ظهر الجزء الثاني من ديوانه سنة ١٩٢٠ “.

وكتب عنه الأستاذ عمر الدسوقي في كتابه (في الأدب الحديث) وتحدث عن اتجاهه الإسلامي وموقفه من الجامعة الإسلامية والدولة العثمانية فقال : ” أما أحمد محرم فقد جمع إلى حماسته الوطنية عاطفة دينية جياشة والدين – كما ذكرنا آنفًا – يدعو إلى العزة والكرامة والسيادة وقد صدق محرم حين قال : خلق العروبة أن تجد وتدأبا .. وسجية الإسلام أن يتغلبا.

كان أحمد محرم في أول أمره من دعاة الجامعة الإسلامية في ظل تركيا وقد عرفت موقف مصر من هذه الدعوة ممثلًا في شعرائها الذين أسلفنا الكلام عنهم وفي زعمائها الوطنيين ينظر بعضهم إلى هذه الفكرة نظرة دينية وينظر بعضهم إليها نظرة سياسية لأن إنجلترا الغاصبة لا تملك وثيقة دولية تؤيد بقاءها في مصر بينما قد اعترفت الدول جميعًا بمركز تركيا في هذه الديار ، وكان أحمد محرم يتعلق بتركيا لسببين ديني وجنسي.

استمع إليه يدعو المسلمين جميعًا إلى الالتفاف حول راية الخلافة : هبوا بني الشرق لا نوم ولا لعب .. حتى تعد القوى أو تؤخذ الأهب .. ماذا تظنون إلا أن يحاط بكم .. فلا يكون لكم منجى ولا هرب .. كونوا بها أمة في الدهر واحدة .. لا ينظر الغرب يومًا كيف نحترب .. ما للسياسة تؤذينا وتبعدنا .. عما يضم قوانا حين تقترب .. أغرت بنا الخلف حتى اجتاح قوتنا .. وطاح بالشرق ما نجني وترتكب ، ولم يكن يصدق أن تركيا ضعيفة وأنها سميت في عالم السياسة بالرجل المريض وأن الفساد قد دب في جسمها كله وأنها على وشك الانهيار إن لم تتداركها يد الله والإصلاح ، وليس يزول ملك الترك حتى .. تزول الأرض أو تهوى السماء.

ويرى أنهم أهل لأن يتولوا شئون الخلافة ويراعوا حقوقها فهم عنها الذادة الأشاوس وهم الذين انتهجوا خير منهج وفاته أنهم منذ أن خرجوا من ديارهم غازين للبلاد الإسلامية سبب نكبتها وما تردت فيه من جهل وذل وانحلال ضعفت بضعفهم وفسدت بفسادهم فانهارت بانهيارهم حتى صارت لقمة مستطابة لذائب الغرب ، لولا بنو عثمان والسنن .. شرعوا لما وضح السبيل الأقوم .. سطعوا بآفاق الخلافة فانجلى .. عنها من الحدثان ليل مظلم .. فهم ولاة أمورها وكفاتها .. وهم حماة ثغورها وهُم هُم.

وهو الشاعر الوحيد الذي دافع عن عبد الحميد وأسف أشد الأسف لما أصابه بعد عزله في سنة ١٩٠٩ وقد أهمه وأحزنه أن رأى بعض الناس قد شمتوا به وهم الذين كانوا يلهجون بحمده ويعيشون في نعمائه : كأن بغاة الجود والمجد لم تفد .. عليه ولم تهطل عليهم مواهبه .. كأن بغاة الشعر لم تغش بابه .. بمستعليات تزدهيها مناقبه .. كأن الأولى زانوا المنابر باسمه .. أحلوا بدين الله ما لا يناسبه.

ثم أخذ يدافع عنه بحمية وقد رأى الأعداء كثرًا وكل يعدد مثالبه : ألم يستطر يومًا لخطب مساور .. محافظة من أن تسوء عواقبه .. ألا راحم هل من شفيع أما كفى .. أكل بني الدنيا عدو يغاضبه .. أكل مآتيه ذنوب أكله .. عيوب ألا من منصف إذا نحاسبه ، ويحاول أن يبرئ عبد الحميد مما وصم به ويلقي التبعة على أتباعه وأعوانه وحاشيته فهم الذين غشوه وزينوا له الباطل وخوفوه الموت وافتروا عليه الكذب ولذلك هم أولى بالعقاب دون ، أليس الأولى غشوه أجدر بالأذى .. وأولى الورى بالشر من هو جالبه .. هم اكتفوه بالدسائس وافتروا .. من القول ما يصمى عن الرشد كاذبه .. وهم خوفوه الموت حتى كأنما .. يلاقيه في الماء الذي هو شاربه.

ولا ريب أن أحمد محرم كان يصدر في مثل هذا الشعر عن نظرة سامية لمنصب الخليفة وبعده رمزًا لآمال المسلمين ولا يريد أن تسوء سيرته في أذهان الناس فتنتقص الخلافة معه وتتزلزل مكانتها في النفوس ، وقد لام صديقه أحمد الكاشف لأنه نشر قصيدة تهجم فيها على تركيا بعد أن كان يمدحها ويمدح خلفاءها ويشيد بهمم جندها وبلائهم في الحروب ويصور هزائمهم انتصارات وسيئاتهم حسنات ويعيب عليه كيف يذم بني جنسه وفيه دم تركي وذلك حين يقول له : عذلت بني عثمان والعذل يؤلم .. وملت عن المدح الذي كنت تنظم .. يلي إنها الأوطان هاجك أنها .. بأدي بني التاميز نهب مقسم .. فجردت غضبًا ذا غرارين مخدمًا .. تسيل المنايا منه أو يقطر الدم .. حنانك في القوم الألي أنت منهم .. ورأيك في الأهل الذين هُم هُم.

ولما اشتدت الحركة الوطنية بمصر على يد مصطفى كامل وظهر من يدعو للقومية المصرية خالصة من دون الترك والإنجليز نرى أحمد محرم يلبي الدعوة قويًّا صريحًا جريئًا شأن المؤمن الذي لا يرهب إلا الله ولا يبالي أصابه الضر فيما يقول أم الخير ، وقد قال في الرد على خطبة كرومر التي رمى فيها المصريين بالتعصب وحمل على الإسلام حملة ظالمة قصيدة طويلة مطلعها : رويدك أيها الجبار فينا .. فإن الرأي ألا تزدرينا.

وطالما تغنى بحب مصر وأمجادها بعد أن يئس من تركيا وتحطم المثل الأعلى في نفسه وتقطعت الأسباب التي كانت تصله بها بعد إعلان الحماية على مصر ثم زوال الخلافة نفسها ، فإن يسألوا ما حب مصر فإنه .. دمى وفؤادي والجوانح والصدر .. أخاف وأرجو وهي جهد مخافتي .. ومرمى رجائي لا خفاء ولا نكر .. هي القدر الجاري هي السخط والرضا .. هي الدين والدنيا هي الناس والدهر .. بذلك آمنًا فيا من يلومنا .. لنا في الهوى إيماننا ولك الكفر ، ويقول في قصيدة أخرى : وهبت الصبا والشيب والشوق والهوى .. لمصر وإن لم أقض حق الهوى مصرًا.

وقد وقف من الأحزاب المصرية موقف الناصح الأمين لا يميل به الهوى إلى حزب دون آخر يمحضهم النصح ويستحثهم على الوحدة والتمسك بالأهداف العليا للقومية المصرية استمع إليه بنصح الوفد المصري حين ذهب لأوربا برئاسة سعد زغلول للدفاع عن القضية المصرية والمطالبة بحقوقها : وفد الكنانة هل حملت رجاءها .. أم قد حملت أمانة الأزمان .. الدهر عين والممالك ألسن .. النيل قلب دائم الخفقان .. قل للألى وزنوا الشعوب تذكروا .. في مصر شعبًا راجح الميزان .. وإذا رماك أولو الخصومة فارمهم .. بالحجة الكبرى وبالبرهان “.

64 / ديوان الخليل

(شاعر القطرين) هو اللقب الذي عرف به الشاعر خليل مطران (1872 ـ 1949 م) وهو لبناني الأصل هاجر إلى مصر في شبابه وقضي فيها حياته كلها وتوفي فيها وهو رائد المدرسة الوجدانية في الشعر العربي الحديث والتي تشكل مرحلة وسيطة بين المدرسة الكلاسيكية والمدرسة الرومانسية ، وقد أبدع في التجديد الشعري في الموضوعات والمعاني والأغراض الشعرية لكنه ظل محافظا على البناء التقليدي للشعر العمودي وعرف بعد ذلك بلقب (شاعر الأقطار العربية).

ومن أشهر قصائده (المساء) والتي يبث فيها شكواه من المرض والحب وقال في مطلعها : داءٌ ألَمَّ فَخِلْتُ فِيهِ شَفَائِي مِنْ صَبْوَتِي فَتَضَاعَفَتْ بُرَحَائِي .. يَا لَلضَّعِيفَيْنِ اسْتَبَدَّا بِي وَمَا فِي الظُّلْمِ مِثْلُ تَحَكُّمِ الضُّعَفَاءِ .. قَلْبٌ أَذَابَتْهُ الصَّبَابَةُ وَالْجَوَى وَغِلاَلَةٌ رَثَّتْ مِنِ الأَدْوَاءِ ، وقال فيها : يَا كَوْكَباً مَنْ يَهْتَدِي بِضِيائِهِ يَهْدِيهِ طَالِعُ ضِلَّةٍ وَرِيَاءِ .. يا مَوْرِداً يَسْقِي الوُرُودَ سَرَابُهُ ظَمَأً إِلى أَنْ يَهْلِكُوا بِظَمَاءِ .. يَا زَهْرَةً تُحْيِي رَوَاعِيَ حُسْنِهَا وَتُمِيتُ نَاشِقَهَا بِلاَ إِرْعَاءِ.

ذكره الزركلي في كتابه الأعلام فقال : ” خليل مطران خليل بن عبده بن يوسف مطران شاعر غواص على المعاني من كبار الكتاب له اشتغال بالتاريخ والترجمة ولد في بعلبك بسورية وتعلم بالمدرسة البطريركية ببيروت وسكن مصر فتولى تحرير جريدة (الأهرام) بضع سنين ثم أنشأ (المجلة المصرية) وبعدها جريدة (الجوائب المصرية) يومية ناصر بها مصطفى كامل (باشا) في حركته الوطنية واستمرت أربع سنوات وصنف (مرآة الأيام في ملخص التاريخ العام).

واشترك مع الشاعر حافظ ابراهيم في ترجمة الموجز في علم الأقتصاد (خمسة أجزاء عن الفرنسية) وترجم عدة روايات من تأليف شكسبير وكورناي وراسين وهيجو وبول بورجيه ، وعلت شهرته ولقب بشاعر القطرين وكان يشبه بالأخطل بين حافظ شوقي وشبهه المنفلوطي بابن الرومي في تقديمه العناية بالمعاني على العناية بالألفاظ وكان غزير العلم بالأدبين العربي والفرنسي رقيق الطبع ودودا مسالما قل أن ذكر أحدا بغير الخير ، وديوان شعره في أربعة أجزاء ، توفى بالقاهرة “.

واعتبره عبد الرحمن الرافعي من الشعراء الوطنيين في مصر وذلك في كتابه شعراء الوطنية فقال : ” خليل مطران شاعر الحرية .. شاعر الحرية والعروبة حمل لواء التجديد في الشعر نيفًا ونصف قرن من الزمان وبلغ الذروة في عالم الشعر والفن والبلاغة والخيال ، وُلِد سنة ١٨٧٢ في بعلبك إحدى المدن الشهيرة بلبنان ونشأ نزَّاعًا إلى الحرية سمحَ النفس كريم الخلق صفيَّ السيرة محبًّا للخير وديعًا في شَمَم وإباء معتزًّا بكرامته عيوفًا عن الصغائر.

ضاق صدرًا منذ صباه بجوٍّ يضغط على حرية الرأي والفكر فارتحل إلى باريس يُتمِّم فيها دراسته وعلومه وهناك ارتوى من مَناهل الآداب الغربية ، وإذ كانت شاعريته وليدة فطرته وسليقته فقد اتجهت نفسه بتأثير الأدب الفرنسي إلى التجديد في شعره فجمع بين البلاغة العربية والأساليب والمعاني الأوروبية ، ثم هاجَر إلى مصر واتخذها موطنه الثاني بل موطنه المختار أخلص لها وغرَّد في أكنافها وتعشَّق نيلها وأرضها وسماءها وهو ثالث الثلاثة الذين عاشوا معًا وانتهت إليهم زعامة الشعر في العصر الحديث شوقي وحافظ ومطران.

ألهمه حبُّ الحرية نظمَ القصائد الرائعة في تمجيدها والذود عنها والجهاد في سبيلها فكان من أعلامها الخالدين ، كان إنسانًا في شخصه وفي أخلاقه وفي شعره وأدبه ، كان في شعره يَنشُد الكمال، ويحلِّق في أجواء الحرية والوطنية ، كان يستلهم شعره من المُثل العليا، وفي ذلك يقول عن نفسه في الاحتفال بيوبيله الذهبي سنة ١٩٤٨ :

كان في الشعر لي مرامٌ خطيرُ فعدا طوقيَ المَرامُ الخطيرُ .. هائم في الوجود أسأله الوحـ ـيَ كما يسأل الغنيَّ الفقيرُ .. أكبَروني ولست أُكبِر نفسي أنا في الفن مُستفيدٌ صغيرُ .. لا يَضِق صدرُ شاعر بأخيه يكره الفضلُ أن تضيق الصدورُ .. والسموات لو تأمَّلتَ فيها ليس تُحصى شموسُها والبدورُ .. كل جِرم يعلو ويُصبِح نجمًا فله حيِّز وفيه بدورُ .. والنجوم التي تلوح وتخفى ربَواتٌ وما يضيق الأثيرُ.

وبهذه الروح العالية والنفس الصافية والود الخالص والإيثار والأريحية عاش محبوبًا من مُعاصِريه يُحِبهم ويُحِبونه وينشُد لهم الخير والكمال ، وقد أرَّخ في شعره الوطني العذب مراحل النهضة المصرية والشرقية وسجَّل حوادثها ووقائعها وترجم لرجالها وأشخاصها وغذَّى بقصائده الروح الوطنية جيلًا بعد جيل ، يمتاز شعره بسعة الخيال وجمال التصوير وبلاغة التعبير هذا إلى اقتباسه من آداب اللغة الفرنسية التي درسها وتمكَّن منها تمكُّنه من آداب اللغة العربية فجمع بين الثقافة العربية والثقافة الأوروبية وهو زعيم مدرسة التجديد في الشعر العربي وسار على نهجه تلاميذه ومُريدوه.

وقد عبَّر أبلغ تعبير وأرَقَّه عن منهج التجديد في شعره بقوله في مقدمة الطبعة الثانية لديوانه سنة ١٩٤٨ قال : هذا شعري وفيه كل شعوري هو شعر الحياة والحقيقة والخيال نظمتُه في مختلف الآونة التي تخلَّيتُ فيها عن العمل لرزقي نظمتُه مُصبِحًا ومُمسيًا مُنفردًا ومُتحدثًا مع عُشرائي وقيدتُ فيه زفراتي وأحلامي وسجلت بقوافيه أحداث زماني وبيئتي في دقة واستيفاء ، أُتابِع السابقين في الاحتفاظ بأصول اللغة وعدم التفريط فيها واستيحاء الفطرة الصحيحة وأتوسع في مذاهب البيان مُجاراةً لما اقتضاه العصر كما فعل العرب من قبلي.

أما الأمنية الكبرى التي كانت تجيش بي فهي أن أُدخِل كل جديد في شعرنا العربي بحيث لا يُنكَر وأن أستطيع إقناع الجامدين بأن لغتنا أم اللغات إذا حُفِظت وخُدِمت حق خدمتها ففيها ضروب الكفاية لتُجاري كل لغة قديمة وحديثة في التعبير عن الدقائق والجلائل من أغراض الفنون ، وإني لَأرجو أن يرى المُطلِعون على هذا الجزء الثاني وما يليه من أجزاء (ديوان الخليل) مصداقًا لدعواي.

وقال عنه صِنوه وصديقه حافظ يُشيد بنزعته في التجديد : هو في طليعة أولئك الذين خرجوا من أفق التقليد وصدَّعوا قيود التقييد وأوسعوا صدر الشعر العربي للخيال الأعجمي وأفسحوا فيه للقصص وتصوير الحوادث وطوَّفوا بسرد وقائع التاريخ ففتح بذلك فتحًا جديدًا شن فيه الغارة على أهل الحفاظ والتمسيك ، وكان من أركان المسرح العربي بما كتب لهذا المسرح وعرَّب فقد ترجم ليالي ألفريد دي موسيه ورواية هرناني لفكتور هيجو كما ترجم لكورنيل مسرحيات السيد وسينا وبوليكت وترجم روايات شكسبير هاملت ومكبث وعطيل وتاجر البندقية.

النهضة العربية : قال سنة ١٩٠٨ يُحيي نهضة الشعوب العربية : داعٍ إلى العهد الجديد دعاكِ فاستأنِفي في الخافقَين عُلاكِ .. يا أمة العرب التي هي أُمنا أي الفَخار نمَيتِه ونماكِ .. يمضي الزمان وتنقضي أحداثه وهواك منَّا في القلوب هواكِ .. إنا نُقاضي الدهرَ في أحسابنا بالرأي لا بالصارم الفتَّاكِ .. ومِلاكُ شِيمتنا الوفاء فإنه لِسعادة الأقوام خيرُ مِلاكِ .. آمالُنا آلامُنا أرواحُنا أشباحُنا يومَ الفداء فِداكِ .. بالعلم ننشر ما انطوى من مَجدنا وبه نُزكِّي في الورى ذِكراكِ ..

مطران ومصطفى كامل : كان بينه وبين الزعيم مصطفى كامل صداقةٌ وودٌّ داما طول العمر كان مُؤيدًا لدعوته نصيرًا لرسالته دافَع عنها في حياة مصطفى وظل وفيًّا لها بعد وفاته ، ويبدو مبلغ إعجابه به وتقديره لعبقريته في قصيدته التي أنشدها سنة ١٩٠٨ في حفلة الأربعين لوفاته وقد نشرها في ديوانه وصدَّرها في طبعته الأولى بهذه الكلمة التي تُعَد في ذاتها قصيدة من النثر المنظوم.

قال : مُصاب الشرق في رجُله المفرد وبطله الأوحد مصطفى باشا كامل ، أيتها الروح العزيزة إن في هذا الديوان الذي أختتمه برثائك نفحات من نفحاتك ودعوات من دعائك فإلى هيكلك المدفون بالتكريم تحية الأخ المُخلِص للأخ الحميم ووداع المُجاهد المتطوِّع للقائد العظيم ، وجعل عنوان القصيدة (حق الوطن وحق الإخاء) قال :أعلى مكانتَك الإلهُ وشرَّفا فانعم بطِيب جواره يا مصطفى .. اليومَ فُزتَ بأجرِ ما أسلفتَه خيرًا وكلٌّ واجدٌ ما أسلفا .. وجُزيتَ مِن فاني الوجود بخالد ومن الأسى الماضي بمُقتبَل الصفا “.

وقد ترجم له الدكتور شوقي ضيف في كتابه الأدب العربي المعاصر في مصر وتناول مدرسته الشعرية بالنقد والتحليل فقال : ” خليل مطران .. حياته : في أسرة عربية عريقة من أسر بعلبك في لبنان وُلد خليل عبده مطران لأب مسيحي كاثوليكي ولم تكن أمه ملكة الصباغ لبنانية الأصل بل كانت فلسطينية هاجر أبوها إلى لبنان فرارًا من اضطهاد الحاكم العثماني له في بلده واتخذها وطنًا وعنها ورث ابنها الشعر إذ كانت أمها شاعرة ، أما هي فكانت حصيفة راجحة العقل وظل يستشعر لها إلى آخر حياته حنانًا وحبًّا عميقًا مما يدل على أثرها العميق في تكوين شخصيته ، وإذا كان قد ورث الشعر عن أمه فقد ورث عن آبائه بغض الظلم والوقوف في وجه الجبارين.

ولما رأى فيه أبوه مخايل الذكاء اهتم بتعليمه فأرسله إلى الكلية الشرقية بزحلة ولا يزال اسمه منقوشًا على أحد مقاعدها إلى اليوم ولما أتم دروسها ألحقه أبوه بالمدرسة البطريركية للروم الكاثوليك في بيروت وفيها نهل اللغة العربية على أديب عصره إبراهيم اليازجي ، وفي ديوانه مرثية له أشاد فيها به إشادة رائعة افتتحها بقوله : رب البيان وسيد القلم وفَّيْت قسطك للعلا فنم.

وفي هذه المدرسة حذق الفرنسية على معلم فرنسي ولم يكد يتم دروسه فيها حتى أظهر موهبة غير عادية في نظم الشعر وصوغه وكانت نفسه أُشربت حب الحرية فأخذ يتغنى بشعر ضد العثمانيين الذين كانوا يحكمون وطنه حكمًا جائرًا وكان يخرج مع بعض رفاقه إلى مشارف بيروت وينشدون نشيد المارسيلييز الفرنسي ينفِّسون بما فيه من حب للحرية عن أمانيهم القومية ، ويقال إن أعوان الحاكم العثماني رموا فراشه بالرصاص في بعض الليالي ومن حسن حظه وحظ الأدب أن كان غائبًا فلم يصبه سوء إلا أن ذلك دفع أهله إلى أن يرسلوه إلى باريس حتى لا يغاضبهم الحاكم وحتى يكفوا ابنهم شر نقمته.

فنزل باريس في سنة ١٨٩٠ وعكف فيها على دراسة الآداب الفرنسية واتصل هناك بفريق من جماعة تركيا الفتاة وهم من حزب تألف في تركيا لمناهضة خليفتها عبد الحميد وسياسته الفاسدة ، وخشي على نفسه بعد هذا الاتصال من الرجوع إلى بلاده ففكر في النزوح إلى أمريكا الجنوبية متأسيًا ببعض من كان يهاجر إليها من مواطنيه وتعلم لذلك الإسبانية، إلا أنه لم يلبث أن عزم على الهجرة إلى مصر فنزلها في سنة ١٨٩٢ وكانت حينئذ ملجأ الأحرار من البلاد العربية ينزلون بها فرارًا من العثمانين وبطشهم.

ومن هذا التاريخ تبنته مصر واحتضنته حتى لفظ أنفاسه الأخيرة في سنة ١٩٤٩ ، وبدأ حياته فيها صحفيًّا بجريدة الأهرام ولم يلبث في سنة ١٩٠٠ أن أنشأ لنفسه مجلة مستقلة هي المجلة المصرية ثم حولها يومية وسماها الجوائب المصرية لكنه لم يلقَ النجاح الذي كان ينشده فأكب على الأعمال التجارية إلا أنه خسر كل ماله في بعض المضاربات وأظلمت الدنيا في عينه ، ومدت مصر الحانية عليه يدها إليه فعُين في الجمعية الزراعية الخديوية وأخذ يسهم في المجال الاقتصادي بأبحاث دقيقة كما أسهم من قبل في المجال الصحفي وجعله ذلك يتصل مباشرة بأحداث مصر المختلفة من اقتصادية وسياسية واجتماعية فكان صوته يدوِّي في هذه الأحداث.

وتدل دلائل مختلفة على أن ثقافته بالآداب الفرنسية كانت واسعة ولم يقف بها عند التأثير في شعره فقد طمح إلى النهوض بالمسرح المصري، وترجم لذلك عطيل وهملت وماكبث وتاجر البندقية لشكسبير ، ولعل ذلك ما جعل أولي الأمر يسندون إليه إدارة الفرقة القومية منذ سنة ١٩٣٥ حتى ينهض بمسرحنا وأدَّى في ذلك خدمات جُلَّى ، وأحيل إلى التقاعد ولكن ظلت مصر ترمقه وأقامت له في سنة ١٩٤٧ مهرجانًا أدبيًّا في دار الأوبرا تكريمًا له ولشعره وما أدى لوطنه الثاني بل وطنه الحقيقي من أعمال وآثار وجُمعت القصائد والخطب التي قيلت في تكريمه ونُشرت في مجلد ضخم اعترافًا بفضله وما أدى لمصر والعرب من روحه وعقله.

شعره : يجري في شعر خليل مطران كما يجري في شعر شوقي تياران من القديم العربي والجديد الغربي وهما إن كانا يتفقان في هذه الظاهرة العامة فإنها يختلفان بعد ذلك في كل شيء ذلك لأن خليل مطران لا يسرف على نفسه في الصب على القوالب القديمة فقد كان شوقي وخاصة قبل منفاه يبدو شاعرًا تقليديًّا فهو يُعْنَى أشد ما يعنى بمعارضة الأقدمين وهو يصرح بذلك ولا يخفيه كما كان يصنع سلفه البارودي.

أما خليل مطران فلم يلجأ إلى المعارضة والاحتذاء التام على قصائد العباسيين وغيرهم في الوزن والرَّوِيِّ بل كان يكتفي باللفظ الفصيح والمفردات السليمة من كل شائق في العربية ورائق ومعنى ذلك أنه يحتفظ بشخصيته إزاء القدماء بأكثر مما يحتفظ شوقي ، هو يأخذ منهم المادة ولكنه يدخلها إلى مخيلته ليحملها أفكاره ومعانيه ومن ثم لا يبدو التقليد واضحًا عنده بل لقد اندفع إلى التجديد حتى في الصياغة والأسلوب فلم يعد همه التمسك بأهداب القدماء لا في معانيهم ولا في تشبيهاتهم واستعاراتهم بل همه التعبير عما في نفسه تعبيرًا حرًّا مستقيمًا لا تحجبه تراكيب قديمة ولا أصداف خيال قديمة.

ومع ذلك تقرأ فيه فتشعر شعورًا واضحًا بأن صورة الشعر العربي لم تتغير لأنه يحتفظ بالأصول المسبوقة مع التحرر منها فهو يتابع في الظاهر والخارج ، أما في الباطن والداخل فإنه يجدد ويخالف ويعبر عما في نفسه تعبيرًا كاملًا يصور فيه معانيه العقلية والنفسية وشرح ذلك أجمل شرح في مقدمته لديوانه إذ يقول :   

شرعت أنظم الشعر لترضية نفسي حيث أتخلى أو لتربية قومي عند وقوع الحوادث الجلى متابعًا عرب الجاهلية في مجاراة الضمير على هواه ومراعاة الوجدان على مشتهاه موافقًا زماني فيما يقتضيه من الجرأة على الألفاظ والتراكيب لا أخشى استخدامها أحيانًا على غير المألوف من الاستعارات والمطروق من الأساليب ، ذلك مع الاحتفاظ جهدي بأصول اللغة وعدم التفريط في شيء منها إلا ما فاتني علمه ولم أكن مبتكرًا فيما صنعت فقد فعل فصحاء العرب قبلي ما لا يُقاس إليه فعلي فإنهم توسعوا في مذاهب البيان توسع الرشد والحزم.

فهو يعلن أنه يفك نفسه وشعره من القوالب الجامدة ويعود إلى الفطرة والسليقة وحسبه أنه تمثَّل مادة اللغة العربية وأنه لا يخرج على أصولها وهو بذلك يسير خطوة إلى الإمام في الدرب الذي سلكه البارودي وشوقي فقد كانا حريصين على القوالب القديمة وما يتصل بها من تشبيهات واستعارات ، أما هو فيرى من الواجب التخلص تمامًا من هذه القوالب والاكتفاء بالإطار بالعام ولكن لا تظن أنه تخلص وتحرَّر إلى آخر الشوط فقد كان يصنع ذلك في توازن بارع إذ احتفظ لشعره بالأوزان القديمة ولم يخرج عنها إلا إلى المزدوج والموشح والدوبيت وكل ذلك عرفه القدماء ، وهو كذلك في ألفاظه احتفظ فيها بالجزالة والرصانة اللتين احتفظ بهما البارودي وشوقي لذلك لا نكون مبالغين إذا وضعناه في هذه المدرسة المصرية التي كان يقوم شعرها على البعث والإحياء وإن كان يبدو أكثر من أفرادها تحررًا ولكن مما لا شك فيه أنه عاش على نفس المائدة التي بسطها البارودي للشعراء من بعده.

وقد يكون من أهم ما يوضح ذلك عند مطران كثرة نظمه في التهاني والأعراس والمواليد مما يندمج في الشعر العربي القديم ومما يظهر في دواوينه على شكل رُقع غريبة عن ذوق العصر ، ولعل الذي دفعه إلى ذلك ما فُطر عليه من رقة وشعور مرهف وميل متأصل في نفسه إلى مجاملة الناس من حوله ولذلك لا نعجب إذا وجدنا باب الرثاء في ديوانه أكثر الأبواب التي شغلته وهو باب قديم ومن المحقق أنه لا يبرز فيه على شوقي وحافظ بل إنهما يتفوقان عليه فيه تفوقًا ظاهرًا.

على كل حال لم ينفصل مطران عن القديم بل له عنده ظواهر مختلفة إذ يجري في شعره ولكنه لا يجري منفردًا بل يجري معه تيار جديد صب في شعره من الغرب وآدابه وكان يحس هذا التيار إحساسًا عميقًا وهو الذي دفعه للاحتفاظ بشخصيته فلم يفنَ في القديم بل مضى يجدد على ألوان شتى ، وكان من أهم ما اتجه إليه في تجديده أن يعبر تعبيرًا مستقيمًا عن أحاسيسه غير متكلف لتشبيهات القدماء واستعاراتهم على نحو ما يصنع شوقي وبذلك أحلَّ الشعورَ الدقيق محل الخيال وأعطى لشعره فسحة واسعة من الابتكار في المعاني والأفكار.

وتبع ذلك أن القصيدة عنده أصبحت تعبيرًا نفسيًّا متكاملًا وبعبارة أخرى أصبحت عملًا ذاتيًّا تامًّا فتجلت فيها الوَحْدَة الفنية وأصبحت في مجموعها تعالج موضوعًا واحدًا إذ لم يعد يسلك إلى موضوعاته الأدبية مقدمات القدماء ولم يعد ينهج نهجهم في بعثرة موضوعات مختلفة في القصيدة الواحدة بل القصيدة تقف عند تجربة نفسية خاصة والشاعر يصوغها في أبيات متعاقبة كل بيت فيها جزء في التجربة فلا نبو ولا شذوذ ولا تفكك بين الأبيات وإنما الالتحام والاتساق إذ هي خيوط في نسيج واحد أُحْكمت صياغته إحكامًا دقيقًا.

ومطران إنما يستمد في ذلك من نموذج القصيدة الغنائية عند الغربيين إذ تصل بين الأبيات فيها وَحْدَة عضوية تامة وليس هذا كل ما جاءه من الاتصال الأدبي والذهني بالغرب فقد شعر مثل أدبائهم – وخاصة عند أصحاب الرومانسية منهم – بآلام النفس البشرية وتغنَّى هذه الآلام غناء مليئًا بالحزن والشجَى ، وتمثِّل ذلك قصيدته الأسد الباكي وكذلك قصيدته في تشييع جنازة وهي جنازة عاشق انتحر يأسًا من عشقه كما تمثله قصيدة الجنين الشهيد الذي صور فيها حزن فتاة أغواها شاب ثم رماها في الطريق.

وهذا الجانب عند مطران يفوح على قارئه بشذى وجداني ينفذ إلى قلبه وأعماقه وهو يمد عين بصيرته فيه إلى عناصر الطبيعة على نحو ما يصنع شعراء الغرب فإذا هو يحيلها كائنات حية تنعكس عليها أحزانه وآلامه وحبه وعواطفه ونوازعه ، ومن أروع ما يصور ذلك كله عنده قصيدة المساء التي يستهلها بقوله : داء ألم فخلت فيه شفائي من صبوتي فتضاعفت بُرَحائي.

وهو يذكر لنا في مفتتحها أنه كان مريضًا مرضين مرض الحب والقلب ومرض الجسد وأشار عليه أصدقاؤه أن يعزِّي نفسه بالذَّهاب إلى الإسكندرية وهناك عاوده المرضان فبث شكواه ومزَج الطبيعة معه في هذه الشكوى فإذا كل ما فيها صورة من جروحه : ثاوٍ على صخر أصم وليت لي قلبًا كهذي الصخرة الصماء .. ينتابها موج كموج مكارهي ويفتها كالسقم في أعضائي .. والبحر خفَّاق الجوانب ضائق كمدًا كصدري ساعة الإمساء .. تغشى البرية كدرة وكأنها صعدت إلى عيني من أحشائي.

ويناجي صاحبته في وسط هذه الهموم التي تدافعت على نفسه وعلى كل ما في الطبيعة من حوله فيقول : ولقد ذكرتك والنهار مودِّع والقلب بين مهابة ورجاء .. وخواطري تبدو تجاه نواظري كَلْمَى كدامية السحاب إزائي .. والدمع من جفني يسيل مشعشعًا بسنا الشعاع الغارب المترائي .. والشمس في شفق يسيل نضاره فوق العقيق على ذرًى سوداء .. مرت خلال غمامتين تحدرا وتقطرت كالدمعة الحمراء .. فكأن آخر دمعة للكون قد مُزجت بآخر أدمعي لرثائي.

وهي قصيدة باهرة وبها كل طوابع الجديد عند خليل مطران فهي تجربة شعورية كاملة صب فيها نفسه المليئة بالأوجاع والآلام ولم يصبها فقط بل صب أيضًا عناصر الطبيعة من حوله بعد أن أودعها نفس القروح والأوصاب ، وتحتل الطبيعة في شعر مطران حيزًا واضحًا ومن أجمل قصائده وردة ماتت والنوارة أو زهرة المارغريت وبنفسجة في عروة ونرجسة ومن غريب إلى عصفورة مغتربة وهو فيها جميعًا يبتكر في المعاني فيحلل الأحاسيس ويأتي بأخيلة جديدة ويطوف بك في خواطر وخلجات إنسانية حزينة.

وليس هذا كل ما جاء به في شعره من تأثيرات غربية فقد حاكى الغربيين في اتجاه جديد لم تكن تعرفه العربية ولا نقصد اتجاه الشعر التمثيلي الذي جاء به شوقي إنما نقصد اتجاهًا آخر هو الاتجاه القصصي وليس قصص الحيوان الذي نجده عند شوقي وإنما القصص الدرامي الذي يتصل بالحياة الإنسانية ، وله فيه طرائف بديعة يستمدها من الحياة اليومية كقصة الجنين الشهيد التي أشرنا إليها ومثلها الطفلان وهي قصة طفلة ثرية عشقت طفلًا فقيرًا وظلت تذكره إلى الممات وفنجان قهوة وهي قصة ابنة أمير عشقت حارس أبيها.

وخليل مطران يسوق هذه القصص في أسلوب درامي لا عهد للعربية به ولا يقف بهذا الأسلوب عند الحوادث اليومية أو الخيالية بل يوسعه ويدخل فيه بعض حوادث التاريخ كالحرب بين فرنسا وألمانيا من سنة ١٨٠٦ إلى سنة ١٨٧٠ وهي من بواكير شعره فكأن هذا المنزع صحبه منذ تيقظت فيه مواهبه ، وكتب بعد ذلك قصيدة مقتل بزرجمهر وفتاة الجبل الأسود ونيرون ولا تلفتنا في هذه القصائد النزعة القصصية أو الدرامية وحدها بل تلفتنا أيضًا نزعة رمزية فيها فقد كتبها ليصور حياة الشعوب العربية المظلومة التي يظلمها المستعمرون وحكامها الجائرون.

فهو يعرض للطغاة وغدرهم بالشعوب ونراه يدعو دعوة حارة إلى الحرية والكرامة القومية ويستشير الحمية في الأمم الغربية من مثل قوله في قصيدة نيرون محرِّق روما المشهور وقد امتدت إلى أكثر من ثلاثمائة بيت : من يلم نَيْرُون إني لائم أمَّة لو كهرته ارتد كهرا .. أمة لو ناهضته ساعة لانتهى عنها وشيكا واثبجرَّا .. كل قوم خالقو نيرونهم قيصر قيل له أم قيل كسرى.

ومن هذا الشعر الرمزي قصيدته شيخ أثينا وفيها يصف استيلاء الرومان على أثينا وكأنه يحذر المصريين من مغبة الاحتلال الإنجليزي ومثلها قصيدته السور الكبير في الصين وفيها يستثير عزائم المصريين ضد الإنجليز المستعمرين في أثناء محاورة طريفة ، وشارك حافظًا وشوقي في كثير من الأحداث السياسية والاجتماعية وتبع شوقي ينظم في الآثار المصرية القديمة وتعظيم الفراعنة والإشادة بأمجادهم ومن أجمل قصائده في ذلك قصيدته (في ظل تمثال رمسيس) وهي من بدائعه، وفيها يقول : تاريخ مصر ورمسيس فريدته .. عِقدٌ من الدر منظوم بعقيان.

ولوطنه الأول لبنان شعر كثير في دواوينه يدل على شدة تعلقه به وكان كثيرًا ما يزوره وأروع قصائده فيه (قلعة بعلبك) وهو يستهلها بذكرياته السعيدة في الطفولة والشباب ثم يصف آثارها الفينيقية وصفًا بارعًا ، والحق أنه كان شاعرًا ممتازًا من شعراء النهضة الذين بثوا في الشعر العربي الحديث روح العصر متأثرين بالآداب الغربية مع دعمهم لوَحْدَة القصيدة ومع الاحتفاظ الشديد بمقومات شعرنا الأصيلة من الجزالة والقوة والمتانة “.

65 / ضوء الفجر

(ضوء الفجر) هو عنوان أول ديوان شعري صدر للشاعر عبد الرحمن شكري (1886 ـ 1958 م) وهو أحد رواد مدرسة الديوان في الأدب والنقد والتي أسسها في عام 1921 م مع رفيقيه عباس محمود العقاد وإبراهيم عبد القادر المازني ، وكانت تهدف إلى إحداث تجديد في الشعر العربية بعيدا عن الإطار التقليدي في الأغراض والتراكيب حيث تغليب الجانب العقلي والتأملي على الجانب العاطفي والحماسي مع تأثرها بالأدب الإنجليزي والشعر الغنائي.

وقد انفرط عقدها بسبب خلافات بينه وبين رفيقيه حول قضايا أدبية واتجه العقاد إلى الكتابة النثرية في مجال الفكر واتجه المازني إلى الصحافة والمقال وظل عبد الرحمن شكري هو المعبر عن هذا التجديد في المجال الشعري فأصدر سبعة دواوين كبرى ، ومن أشهر أشعاره قوله : تعلمني الأقدار أن أرحم الورى فقلبي لكل العالمين رحيم .. وأنظر في نفسي وأعرف عذرهم على شرّهم داء النفوس قديم .. وإن جميع الناس أهلي وإخوتي وإن كان فيهم جارم وذميم.

ويعبر عن مدرسته الشعرية في مقدمة ديوانه لآلىء الأفكار بقوله : ” ليس الشعر لغوًا تهذي به القرائح فتتلقاه العقول في ساعِ كلالها وفتورها فلو كان كذلك لما كان له هذا الشأن في حياة الناس، لا بل الشعر حقيقة الحقائق ولبُّ اللباب والجوهر الصميم من كل ما له ظاهر في متناوَل الحواس والعقول وهو ترجمان النفس والناقل الأمين عن لسانها فإن كانت النفس تَكْذِبُ فيما تُحِسُّ به أو تداجي بينها وبين ضميرها فالشعر كاذب وكل شيء في هذا الوجود كاذب والدنيا كلها رياء ولا موضع للحقيقة في شيء من الأشياء “.

وكتب عنه رفيقه عباس محمود العقاد بعد رحيله كلمات معبرة وذلك في مقالة نشرت بمجلة الهلال الصادرة في فبراير 1959 م وقال فيها : ” عرفت عبد الرحمن شكري قبل خمس وأربعين سنة فلم أعرف قبله ولا بعده أحدًا من شعرائنا وكتابنا أوسع منه اطلاعًا على أدب اللغة العربية وأدب اللغة الإنجليزية وما يترجم إليها من اللغات الأخرى ولا أذكر أنني حدثته عن كتاب قرأته إلا وجدت منه علمًا به وإحاطة بخير ما فيه.

وكان يحدثنا أحيانًا عن كتب لم نقرأها ولم نلتفت إليها ولا سيما كتب القصة والتاريخ وقد كان مع سعة اطلاعه صادق الملاحظة نافذ الفطنة حسن التخيل سريع التمييز بين ألوان الكلام فلا جرم أن تهيأت له ملكة النقد على أوفاها لأنه يطلع على الكثير ويميز منه ما يستحسنه وما يأباه فلا يكلفه نقد الأدب غير نظرة في الصفحة والصفحات يلقى بعدها الكتاب وقد وزنه وزنًا لا يتأتى لغيره في الجلسات الطوال “.

وقال عنه أيضا : ” لعبدالرحمن شكري فضل الرائد الذي سبق زمانه في عدة حسنات مأثورات فهو من أسبق المتقدمين إلى توحيد بنية القصيدة وإلى التصرف في القافية على أنواع التصرف المقبول فنظم القصيدة من وزن ومقطوعات متعددة القوافي ونظمها مزدوجات وأبياتاً من بحر واحد بغير قافية ملتزمة وتسنى له في جميع هذه المناهج أن ينظم الكثير من القصص العاطفية والاجتماعية قبل أن يشيع نظم القصص في أدبنا الحديث “.

ذكره الزركلي في كتابه الأعلام فقال : ” عبد الرحمن بن محمد شكري عياد شاعر مصري من أدباء الكتاب مغربي الأصل ، ولد في بورسعيد وتعلم بها وبالإسكندرية وبمدرسة المعلمين العالية في القاهرة وفي جامعة (شفيلد) بانجلترة ، وزاول التدريس في الإسكندرية (سنة ١٩١٢) ثم عين مفتشا في التعليم (١٩٣٥ – ١٩٣٨) ورأى أنه لم يعط حقه فيما كان يطمع إليه وتقدمه غيره فقلل من مخالطة الناس (١٩٣٩) وأحيل إلى المعاش (١٩٤٤) وأصيب بشلل في جانبه الأيمن في أيامه الأخيرة فتوفي بداره في الإسكندرية.

كان من دعاة التجديد في الأدب مع المحافظة على صحة الأسلوب وقوة التعبير ، ونشر سبع دواوين من نظمه في رسائل صغيرة ثم جمع ما تفرق من شعره في ديوان (٧٠٠ صفحة كبيرة) وله كتب نثرية منها : الاعترافات ، والثمرات ، والصحائف ، وقصة الحلاق المجنون ، ونظرات في النفس والحياة (نشرت فصوله في مجلة المقتطف ١٩٤٧ و ١٩٥١) ، وللدكتور أنس داود كتاب عبد الرحمن شكري “.

وقد ترجم له الدكتور شوقي ضيف في كتابه الأدب العربي المعاصر في مصر وتناول مدرسته الشعرية بالنقد والتحليل فقال : ” عبد الرحمن شكري .. حياته : في أسرة مغربية الأصل وُلد عبد الرحمن شكري لأب يُسمى محمد شكري عياد كان في أيام الثورة العرابية يشتغل معاونًا في (الضابطية) بالإسكندرية فاتصل برجال هذه الثورة وعلى رأسهم عبد الله نديم ولم يلبث أن انضم إليهم وعمل تحت لوائهم.

ولما أخفقت الثورة سُجن مع من سجنوا من الثائرين ثم عُفي عنه وظل بدون عمل مدة ثم عُين ضابطًا في معاونة محافظة القنال ببورسعيد ومكث في هذه الوظيفة بقية حياته ، ورُزق بابنه في هذه البلدة سنة ١٨٨٦ وتصادف أن مات كل أبنائه الذين يكبرونه فاهتم به اهتمامًا خاصًّا وعلق عليه أمانيَّ واسعة فألحقه أولًا بالكُتَّاب ثم نقله إلى المدرسة الابتدائية فالمدرسة الثانوية وتخرج فيها سنة ١٩٠٤.

وكانت في هذا الأب نزعة أدبية ولعل هذه النزعة هي التي عقدت الصلة بينه وبين أديب الثورة العرابية عبد الله نديم بل يقال إنه كان من أدباء هذه الثورة وكان النديم كثيرًا ما ينزل عليه ضيفًا بعد صدور العفو عنه كما كان ينزل عليه بعض أدباء العصر مثل الشيخ حمزة فتح الله ، وكان يصل ابنه بالرجلين كما كان يتعجل إيقاظ مواهبه بما يعرض عليه من كتابات العصر ومؤلفاته وخاصة كتاب الوسيلة الأدبية للشيخ المرصفي وكان في مكتبته ديوان ابن الفارض وديوان البهاء زهير فعكف عبد الرحمن على هذا كله ولم تلبث مخايل نبوغه أن تراءت لأستاذه في العربية الشيخ عبد الحكيم وهو لا يزال في المدرسة الثانوية فكان يشجعه ويُعجب بما يكتب وينظم.

والتحق بمدرسة الحقوق ولكنه لم يلبث أن فُصل منها بسبب تحريضه الطلاب على الإضراب استجابة لزعماء الحزب الوطني فترك التشريع ودراسة القانون واتجه إلى دراسة الآداب التي كانت تتفق وميوله وتحقيقًا لهذه الغاية التحق بمدرسة المعلمين العليا وتخرج فيها سنة ١٩٠٩ ، وقد التزم فيها الدرس الصارم للأدبين العربي والغربي وكان أكثر ما يعجبه من الأدب الأول كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصبهاني وديوان الحماسة لأبي تمام وديواني الشريف الرضي ومهيار فاقبل يعبُّ منها جميعًا ، أما الأدب الغربي فوجد بغيته منه في كتاب الذخيرة الذهبية الذي وُزِّع عليهم في مدرسة المعلمين وهو يضم أروع ما لشعراء الإنجليز من شعر غنائي.

وفي هذه الأثناء كان يكتب في صحيفة الجريدة التي يحررها لطفي السيد بعض ما ينشئه من مقالات ومن أشعار وهي الجريدة التي كانت تحمل راية التجديد حينئذ وكان يُقبل على الكتابة فيها شباب الأدباء من مثل محمد حسين هيكل وطه حسين ، ومقالاته فيها تدل على أنه يفهم الشعر في ضوء آراء النقاد الغربيين فهو يكتب عن عَلاقة الشعر بالفنون ونحو ذلك من موضوعات كانت تُعد حينئذ جديدة بل بدعًا جديدًا.

ونراه في سنة ١٩٠٩ ينشر أول ديوان له ويسميه (ضوء الفجر) ثم يذهب في بعثة إلى إنجلترا ويعود من البعثة سنة ١٩١٢ ويعين في مدرسة رأس التين الثانوية بالإسكندرية وينشر الجزء الثاني من ديوانه ويقدِّم له العقاد مقدمة رائعة سبق أن تحدثنا عنها في فصل الشعر وتطوره وتتعاقب أجزاء الديوان التي بلغت سبعة وقد ظهر الأخير منها في سنة ١٩١٩.

ويتقلب في وظائف وزارة التربية والتعليم بين النظارة والتفتيش ولا نراه يخرج ديوانًا بعد هذا التاريخ بل يكتفي بما ينشره من قصائد ومقالات في مجلات المقتطف والرسالة والثقافة والهلال وفي صحيفتي الأهرام والمقطم ، وأحيل إلى المعاش سنة ١٩٤٤ ولكن شعلة النشاط لم تخمد في نفسه فقد ظل يكتب في هذه الصحف والمجلات واختار بورسعيد – مسقط رأسه – ليمضي فيها بقية حياته ثم تركها إلى الإسكندرية وفيها لبَّى داعي ربه في ١٥ من ديسمير سنة ١٩٥٨.

شعره : شعر شكري تعبير واضح عن التقاء العقلين المصري العربي والغربي الإنجليزي وغير الإنجليزي وقد كان الشعراء قبله – ونقصد شعراء النهضة – يتصلون أكثر ما يتصلون بالأدب الفرنسي أما هو فأكثر صلته بالأدب الإنجليزي ، وأخذ نفسه – منذ أن كان طالبًا في مدرسة المعلمين – بالتعمق في هذا الأدب وبالقراءة الواسعة في الأدب العربي ، وتصادف أن قرأ مختارات الذخيرة الذهبية فرأى فيها نموذجًا جديدًا لشعر غنائي يخالف الصورة التقليدية للشعر العربي فليس فيه مديح ولا هجاء وإنما فيه التعبير الواسع عن العاطفة والتأمل الواسع في آمال البشرية وآلامها وكل ما يتصل بالحياة والطبيعة من أفكار وأنغام.

واستقرت هذه الصورة في نفسه فلم يعد يعجب بشعرنا التقليدي في أبوابه الكبيرة المعروفة وخاصة باب المديح وتصادف أن اطلع على كتاب الأغاني وديوان الحماسة لأبي تمام فأعجب بما فيهما من غزل وجداني لا تصنع فيه ولا تكلف واطلع على ديواني الشريف الرضي ومهيار فوجد فيهما نفس الغزل الطبيعي الذي يشف عن قلب صاحبه دون أي حجاب كثيف من طباق وجناس وغير ذلك من ضروب البديع.

حينئذ نزعت به نفسه أن يدخل الشعر من هذا الباب ومن الأبواب الواسعة التي فتحها أمامه شعراء كتاب الذخيرة الذهبية ، وديوانه الأول الذي نشره عقب تخرجه من مدرسة المعلمين وسماه ضوء الفجر يصور خير تصوير هذا الاتجاه الذي كان يعد ثورة في أوائل القرن ، والديوان يخلو خلوًّا تامًّا من المديح وفيه رثاء لزعماء الإصلاح الذين لبوا نداء ربهم وهم الشيخ محمد عبده ومصطفى كامل وقاسم أمين وهو رثاء من نوع جديد يقتصر فيه الشاعر على التفكير في الحياة والموت ولا نراه يصور حزن الشعب المصري كما صوره حافظ مثلًا في رثائه لهؤلاء الأعلام فهو مشغول بنفسه وبخواطره الذاتية.

إنه شاعر وجداني ذاتي بالمعنى الكامل الذي يفهمه الغربيون عن الشاعر الغنائي فالشعر نسيج نفسه وليس نسيج الأحداث السياسية والعواطف القومية ومن أجل ذلك كان أكثر النغم في الديوان نغم الحب وهو حب محروم فيه يأس وشجى ، ووراء هذا الحب تصوير واسع للنفس البشرية وأحاسيسها إزاء الكون والطبيعة وهي أنغام استمدها مما قرأه في الشعر الإنجليزي وقد طُبعت عنده كما طبعت عند أصحاب المنزع الرومانسي بالحزن والتشاؤم فهي تذيع أنات الشاعر ويأسه القاتل حتى ليقول في قصيدة بعنوان شكوى الزمان : لقد لفظتني رحمة الله يافعًا .. فصرت كأني في الثمانين من عمري.

وفي آخر الديوان قصيدة طويلة من الشعر المرسل الذي يتحرر فيه الشاعر من القافية على نمط ما هو معروف عن شكسبير وغيره من شعراء الغرب وفيها يصور أحزانه ومطامحه إلى حياة أكمل من هذه الحياة ، ويُرْسَل شكري في بعثة إلى إنجلترا فتتسع معرفته بالأدب الإنجليزي ولا يقف بقراءاته عند هذا الأدب بل يأخذ نفسه منذ هذا التاريخ بقراءة آداب الأمم الغربية المختلفة من فرنسية وألمانية وغير فرنسية وألمانية.

ويعود إلى مصر فتشتد الصلة بينه وبين شاعرين من طرازه وذوقه في فهم الشعر وما ينبغي أن يكون عليه في ضوء الأدب الإنجليزي وغيره من الآداب الغربية وهما إبراهيم عبد القادر المازني وعباس محمود العقاد ويؤلفون معًا هذا الجيل الجديد الذي ثار على شعرنا القديم كما ثار على شعر شوقي وغيره ممن كانوا يضطربون بين التقليد والتجديد.

ويأخذ شكري في إخراج دواوينه واحدًا تلو الآخر وتارة يقدم لما يخرج من دواوين وتارة يقدم له العقاد مما وصفناه في غير هذا الموضع ، وألف قصة سماها قصة الحلاق المجنون وفيها ما يدل على تأثره بالآداب الروسية حينئذ كما ألف الاعترافات وفيها تأثر واضح بما قرأه في الآداب الفرنسية من اعترافات جان جاك روسو وشاتوبريان وإن لم يجعلها على لسانه فقد نسبها إلى شخص رمز إليه بالحرفين م. ن. وهي اعترافات رائعة إذ كلها تحليلات وتأملات وقد وصف فيها الشباب المصري بأنه (عظيم الأمل ولكنه عظيم اليأس وكل منهما في نفسه عميق مثل الأبد).

وشكري بمثل هذا الاعتراف يضع في يدنا مفتاح هذا التشاؤم وهذا الضيق والتبرم اللذين وقَّعتْ مدرسته شعرها على أوتارهما فقد كان يجثم الاحتلال الإنجليزي على صدر وادي النيل ولم يكن الشباب المصري حينئذ مبتهجًا بل كان حزينًا حزنًا شديدًا إذ كان يعاني أزمة الحياة وكان لا يستطيع تحقيق آماله بل كان يرتد دائما عن تحقيقها بائسًا يائسًا ، ومن هنا أصبح قرار النغم عنده قاتمًا فالحياة قاتمة من حوله ولا يستطيع شاب أن ينال منها غير الضنى والحزن والمرارة.

وهذا هو طابع شعر شكري في جميع دواوينه وهو طابع حزين لا يستمد فيه من شعر المنزع الرومانسي فحسب بل يستمد فيه من حقائق بيئته وحقائق حياته وحياة الشباب المصري من حوله ، ولعل ذلك ما جعله يردد الحديث كثيرًا عن الموت وهو يفتتح الجزء الثالث بقصيدتين عنوانهما على التوالي الحب والموت وبين الحياة والموت ومن قوله في أولاهما : وما الدهر إلا البحر والموت عاصف .. عليه وأعمار الأنام سفين.

وفي نفس الديوان قصيدة بعنوان الأزاهير السود إذ تتراءى له كل أزهار الحياة أزهار ضنك وشقاء ونراه يرثي نفسه في هذا الديوان بقصيدة عنوانها شاعر يحتضر يستهلها بقوله : أألقي الموت لم أنبه بشعري .. ولم يعلم سواد الناس أمري .. وفي نفسي من الأبد اتساع .. تدور الكائنات بها وتجري.

وأكثر أشعاره في دواوينه من هذا الضرب القاتم الحزين ونراه يُلقي بظلال حزنه على مشاهد الطبيعة من حوله ، ومن قصائده الرائعة في ذلك قصيدته في الجزء الخامس إلى الريح وفيها يقول : يا ريح أي زئير فيك يفزعني .. كما يروع زئير الفاتك الضاري .. يا ريح أي أنين حن سامعه .. فهل بُليت بفقد الصحب والجار .. يا ريح ما لك بين الخلق موحشة .. مثل الغريب غريب الأهل والدار .. أم أنت ثكلى أصاب الموت واحدها .. تظل تبغي يد الأقدار بالثار.

واستلهم في هذه القصيدة قصيدة (أغنية الريح الغربية) للشاعر الإنجليزي الرومانسي شللي ولكنه لم يَسْطُ على معانيه بل اهتدى من بعيد على ضيائه إلى هذه الأنغام العربية الشجية وكان على هذا النحو دائمًا يستضيء بالنماذج الغربية ولكن لا ينقلها نقلًا في أساليبه العربية وإنما يكتفي بالإلهام من بعيد ثم يغني عواطفه وشجونه في شعره ، وفي دواوينه أمثلة مختلفة من ذلك ومن أوضحها قصيدته (نابليون والساحر المصري) في الجزء الثاني وقد استلهم فيها قصيدة الشاعر لتوامس جراي وهي كقصيدة الريح الغربية من قصائد الذخيرة الذهبية.

ودائمًا يتردد النغم الحزين في شعره وصوَّر ذلك في اعترافاته – كما قدمنا – إذ قال عن الشباب المصري : إنه يتقاذفه الأمل واليأس ولكن اليأس كان أشد عنفًا به إذ ينفذ إلينا من أكثر قصائد ، وطبيعي أن يدفعه تفكيره في الحياة وبؤسها إلى تفكير واسع في عالم الكون والغيب وأحواله وناموس الحياة ووجودها المطلق وحقائقها الكلية وكل ذلك يتراءى أمامه كأنه بحر بغير ضفاف.

ومن خير ما يصور ذلك قصيدته في الجزء الخامس إلى المجهول وهو يفتتحها بقوله : يحوطني منك بحر لست أعرفه .. ومهمه لست أدري ما أقاصيه .. أقضي حياتي بنفس لست أعرفها .. وحولي الكون لم تُدْرَك مجاليه .. يا ليت لي نظرة للغيب تسعدني .. لعل فيه ضياء الحق يبديه .. كأن روحي عود أنت تحكمه .. فابسط يديك وأطلق من أغانيه.

ووقفة شكري أمام الكون وأسراره لا تنتهي به إلى شك ولا إلى قطع حبل الرجاء في معرفة حقائق الوجود وروحه الخالدة وقلبه من هذه الناحية كان عامرًا بالإيمان وتصور ذلك أوضح تصوير قصائد مختلفة مثل : في عرفات وعظة الهجرة ويا رحمة الله التي عمت الورى وقصيدته في الجزء الرابع (صوت الله) وهو يستهلها بقوله : أنصت ففي الإنصات نجوى النفوس .. فإن صوت الله دانٍ كليم ، ويقول في الجزء الخامس من قصيدته قوة الفكر : الفكر نور الله في الوجود .. فعمره كخُلْده المديد.

وله في الجزء السابع قصيدة بعنوان الملَك الثائر صوَّر فيها ملَكًا ثار على ربه لما تمتلئ به الأرض من شرور ونزل إلى الأرض يحاول الإصلاح فهب في وجهه العصاة والتقاة وأراد الصعود ثانية إلى الملأ الأعلى فأغلقت أبواب السماء في وجهه عقابًا على ثورته وعصيانه لربه ، وقد زعم بعض النقاد أن قصيدته حلم البعث في الجزء الثالث تصور تمردًا على الإيمان بالله واليوم الآخر وهي ليست أكثر من سخرية بالناس وشرورهم التي لا تفارقهم حتى بعد موتهم.

وله منظومتان في أبي الهول وهرم خوفو ولكنه لا يذهب بشعره فيهما مذهب شوقي في فرعونياته فهو لا يعنيه الإشادة بمجد الآباء بقدر ما تعنيه نفسه وخواطره في الكون والحياة وربما كانت قصيدته في الجزء الخامس (العبد الروماني) رمزًا لحكام الشعب الطغاة فقد قتل العبد في القصيدة سيده الطاغية وتغنَّى بالحرية قائلًا : رضينا بنيرون فكنا بناره .. جديرين إن الأتقياء حُطام ، وربما كانت هذه القصيدة هي التي ألهمت خليل مطران قصيدته في نيرون ، وله في الجزء السابع قصيدة تسمى هز الأنوف وفيها صور ملِكًا جائرًا حكم شعبه حكمًا ظالمًا فأمر كل فرد فيه أن يهز أنفه صباح مساء وأخيرًا ثار عليه أحد أبناء شعبه قائلًا : إذا نحن طامنا لكل صغيرة .. فلا بد يومًا أن تساغ الكبائر.

وعلى هذا النحو كان شعر شكري شعرًا جديدًا بل كان حدثًا جديدًا في شعرنا المصري الحديث إلا أن الجمهور لم يقبل عليه لسببين أما أولهما فيرجع إلى أنه لم يكن قد بلغ من النضج العقلي ما يمكِّنه من تذوق هذا اللون الجديد من الشعر وأما ثانيهما فيرجع إلى شكري نفسه لأنه لم يستطع أن يوازن بين جديده وبين الصياغة القديمة كما وازن شعراء النهضة ، ومع ذلك فله ـ مع العقاد والمازني – فضل هذه المحاولة الجديدة التي أخرجت شعرنا من دوائر التقليد القديمة وجعلته يطوف في مجالات أرحب وأوسع من العواطف الإنسانية العامة والتأمل في الكون والحياة البشرية تأملا فيه شره عقلي شديد إلى التفكير في كل فكر والإحساس بكل إحساس “.

66 / أبوللو

(جماعة أبوللو) هي هيئة أدبية جديدة أسسها الشاعر الدكتور أحمد زكى أبو شادي (1892 ـ 1955 م) في سبتمبر عام 1932 م وجعل مركزها القاهرة وجمع فيه طائفة من أعلام الأدباء والشعراء والنقاد وعدد من الأدباء الشباب ، ومن بين هؤلاء أحمد محرم وإبراهيم ناجى وعلى محمود طه وكامل كيلاني وأحمد ضيف وعلي العناني وأحمد الشايب ومحمود أبو الوفا وحسن كامل الصيرفى وغيرهم ، وتولى أبو شادي أمانة سر هذه الهيئة بصفة دائمة واختير أمير الشعراء أحمد شوقي رئيسا لها.

وفى يوم الاثنين العاشر من أكتوبر عام ١٩٣٢م عقدت الجلسة الأولى لجماعة أبوللو برئاسة أحمد شوقي فى داره المشهورة بالجيزة والمعروفة بلقب (كرمة بن هانئ) وذلك لوضع الأسس العامة لنظامها الإداري والأدبي ، لكن بعدها بأيام توفي أمير الشعراء وتم اختيار الشاعر خليل مطران رئيسا للهيئة بدلا منه وكلا من أحمد محرم وإبراهيم ناجى وكيلين ، وكانت عضوية الجماعة مفتوحة في مصر وجميع الأقطار العربية للشعراء خاصة والأدباء ومحبي الأدب عامة وكل من اتفق مع أغراض الهيئة.

وكانت تهدف إلى السمو بالشعر العربي وتوجيه الشعراء توجيها شريفا ومناصرة النهضة الفنية في عالم الشعر وترقية مستوى الشعراء ماديا وأدبيا واجتماعيا والدفاع عن كرامتهم ، وصدرت مجلة تحمل اسمها وتنشر أدبها وتذيع أفكارها وهى مجلة (أبوللو) وهى أول مجلة خصصت للشعر ونقده في العالم العربي وفى صدر العدد الأول نشرت قصيدة لشوقي حيّا بها ميلاد هذه الجماعة ومجلتها وجاء فيها : أبوللو مرحبا بك يا أبوللو فإنك من عكاظ الشعر ظل .. عكاظ وأنت للبلغاء سوق على جنباتها رحلوا وحلُّو .. عسى تأتيننا بمعلقات تروح على القديم بها تدل .. لعل مواهبا خفيت وضاعت تذاع على يديك وتستغل.

وقد أحدثت المدرسة الجديدة دويّا في الأدب والنقد والشعر في مصر والوطن العربي حيث صارت متميزة بإنتاج شعرائها الغزير حيث مذهبها هو الرومانسية التي تستلهم في شعرها الحياة وتحرص على الأصالة وتدعو إلى العاطفة الصادقة والوحدة التعبيرية والتعبير الطليق ، وشعرها هو شعر الطبع والجدة والوجدان المعبر عن واقع الحياة في نفس الشاعر ولذلك أطلق عليها أبو شادي اسم أبوللو وهو معبود إغريقي قديم ارتبط بالحب والفن والإلهام.

وكان أحمد زكي أبو شادي صاحب نزعة وطنية عروبية واعتبره عبد الرحمن الرافعي من كبار الشعراء الوطنيين في مصر ونقل أبياتا من شعره وذلك في كتابه شعراء الوطنية فقال : ” هو الشاعر المجدِّد والأديب الحر المفكِّر الدكتور أحمد زكي أبو شادي وُلِد سنة ١٨٩٢ بالقاهرة من أسرة عريقة في الوطنية وأبوه المرحوم محمد أبو شادي أحد كبار المحامين الذين نالوا المكانة الرفيعة في عالم المحاماة وممن جاهدوا في الحركة الوطنية ووالدته السيدة أمينة نجيب من السيدات الأديبات الشاعرات وكان أخوها المرحوم مصطفى نجيب أديبًا وطنيًّا وصديقًا ونصيرًا للمرحوم مصطفى كامل.

رثاؤه لمصطفى كامل : قال من قصيدة له في فبراير سنة ١٩٠٨ وكان لا يزال طالبًا بالمدرسة الثانوية يرثي مصطفى كامل : يا مصرُ حلَّق طير اليأس في أفقٍ داجٍ بأحزان شعب كان ساليها .. مات الرئيس فماتت بعده هممٌ قد كان نبراس فكر منه يُجليها ، إلى أن قال : سارت به أمة أحيا مَداركها حتى إلى القبر وارت فيه حاميها .. ودَّت لوَ انَّ صروف الدهر تأتيها وتِلكُم النفس هذا الشعب يفديها .. والكل يلبس ثوبًا للحِداد أسًى على الفقيد وما من مات يهديها .. أبصارها نكست من فوقها كُتِبت عبارةٌ كان صدقُ الحس يُمليها .. مصر الفتاة مرور العمر تذكُره لروحه لم تزَل تعدو أمانيها.

مَفخرة رشيد : وله في سنة ١٩٢٥ قصيدة وطنية من نيف وستين بيتًا نظمها تمجيدًا لذكرى معركة رشيد التي وقعت يوم ٣١ مارس سنة ١٨٠٧ بين المصريين والإنجليز وفاز فيها أبطال رشيد على الجيش البريطاني الذي زحف على مدينتهم يريد احتلالها فصمدوا له وقابلوه في الشوارع واستبسلوا في الدفاع عن مدينتهم حتى صدوه عنها وهزموه وارتد عن المدينة بعد أن فقد في المعركة ١٧٠ قتيلًا و٢٥٠ جريحًا و١٢٠ أسيرًا وكانت هذه المعركة حقًّا مفخرة لرشيد ، أشاد أبو شادي أيضًا في قصيدته بالمعركة الثانية التي وقعت في الحماد وانتهت كذلك بهزيمة الجيش البريطاني.

قال : روِّحينا بأحاديث الجلال وبنفحٍ من هواهم غيرِ بالِ .. واسمحي يا مصرُ أن نُزجي لهم مُنتهى فخرِ رجالٍ برجالِ .. ما عرفنا قدرَنا إن لم نحُزْ سيرةً منهم تُغذِّينا بحالِ .. وبآمالٍ لآتٍ غالبٍ إنَّ آتي المجد من ماضي الخيالِ .. خاطئٌ مَن ظنَّ ماضيه بلا مُرشدٍ يهدي إلى غالي المآلِ .. ما نما شعبٌ بلا جهدٍ مضى وتبقَّى فيه تَذكارُ الفعالِ .. هي أحلامٌ وأعمال بنَت في سنينٍ وسنينٍ كلَّ غالي .. هو مهدٌ وُلِدت فيه العُلا بأناة وكفاح ونوالِ .. لم تجئ طفرةَ جيلٍ لاعبٍ إنما جاءت على طولِ الليالي .. كابرٌ عن كابرٍ قد صانها بمراعاةٍ وأخلاقِ المعالي “.

وقد ذكره الزركلي في كتابه الأعلام فقال : ” أحمد زكي بن محمد بن مصطفى أبي شادي طبيب جراثيمي أديب نحال له نظم كثير ولد بالقاهرة وتعلم بها وبجامعة لندن وعمل في وزارة الصحة بمصر متنقلا بين معاملها (البكتريولوجية) الجراثيمية إلى أن كان وكيلا لكلية الطب بجامعة القاهرة ، وكان هواه موزعا بين أغراض مختلفة لا تلاؤم بينها أراد أن يكون شاعرا فأخرج فيضا من دواوين مزخرفة مزوقة أنفق على طبعها ما خلفه له أبوه من ثروة وما جناه هو من كسب.

ومن أسماء المطبوع منها : الشفق الباكي ، وأطياف الربيع ، وأنين ورنين ، وأنداء الفجر ، وأغاني أبي شادي ، ومصريات ، وشعر الوجدان ، وأشعة وظلال ، وفوق العباب والينبوع ، والشعلة ، والكائن الثاني ، وعودة الراعي ، وآخرها من السماء (طبعه في أميركا) ، ونظم قصصا تمثيلية منها : الآلهة ، وأردشير ، وإحسان ، وعبده بك ، والزباء (وكلها مطبوعة) وأنشأ لنشر منظوماته مجلتين سمى إحداهما (أدبي) والثانية (أبولو) ١٩٣٢ بالقاهرة ثلاث سنوات.

وأراد ان يكون نحّالا ومربيا للدجاج فألف جماعة علمية سماها (جماعة النحالة) وأصدر لها مجلة (مملكة النحل) وصنف مملكة العذارى (في النحل وتربيته) وأوليات النحالة كما أنشأ مجلة (الدجاج) وصنف مملكة الدجاج وأصدر مجلة (الصناعات الزراعية) وانصرف إلى ناحية اخرى فترجم بعض الكتب عن الإنكليزية ، وصنف كتاب الطبيب والمعمل (في مجلد ضخم وهو اختصاصه الأول) و قطرة من يراع في الأدب والاجتماع (جزآن وهو باكورة مصنفاته) وشعراء العرب المعاصرون (نشر بعد وفاته).

وضاقت به مصر فهاجر إلى نيويورك سنة ١٩٤٦ وكتب في بعض صحفها العربية وعمل في التجارة وفي الاذاعة من (صوت أميركا) وألف في نيويورك جماعة أدبية سماها (رابطة منيرفا) وقام بتدريس العربية في معهد آسيا بنيويورك ، وتوفي فجأة في واشنطن ولا يزال في أوراقه دواوين غير المتقدم ذكرها لم تطبع ، وما من حاجة الى القول بأنه لو اتجه بذكائه وعلمه ونشاطه العجيب اتجاها واحدا لنبغ وهو ابن محمد أبي شادي المحامي المتقدمة ترجمته في الأعلام “.

وقد ترجم له الدكتور شوقي ضيف في كتابه الأدب العربي المعاصر في مصر فقال : ” أحمد زكي أبو شادي .. حياته : وُلد أحمد زكي أبو شادي في ٩ من فبراير سنة ١٨٩٢ بحي عابدين في القاهرة لأب كان محاميًا وخطيبًا مفوهًا اشتهر بمواقفه الوطنية هو محمد أبو شادي ولأم كانت تنظم الشعر وتشدوه هي أمينة أخت الشاعر مصطفى نجيب ، فالجو الذي نشأ فيه كان جوًّا أدبيًّا وقد اختلف على شاكلة لداته إلى المدارس الابتدائية فالثانوية وتفتحتْ فيه مبكرة مواهبه الأدبية والشعرية إذ لا نصل معه إلى سن السادسة عشرة حتى نجده ينشر طائفة من شعره ونثره بعنوان (قطرة من يراع في الأدب والاجتماع) ولا يلبث أن يلحقها في العام التالي بقطرة ثانية ويتبعهما بقطرتين أخريين من النثر والنظم.

وتتضح في هذه الكتب جميعًا ثقافته المنوعة بالآداب العربية والغربية وإحساسه بمشاكل قومه السياسية والاجتماعية ومشاكل الشعر العربي في المادة والشكل والمضمون ونراه معجبًا بخليل مطران وبآراء برادلي أستاذ الشعر حينذاك في جامعة أوكسفورد ويترجم بعض أشعار غربية ويعرض لبعض الرسامين وكأنه يضع تحت أيدينا المؤثرات التي ستظل تؤثر في روحه وفي شاعريته ، وفي إبريل من سنة ١٩١٢ أرسله أبوه إلى إنجلترا ليدرس الطب وأتم هذه الدراسة في ديسمبر من سنة ١٩١٥ وظفر بجائزة وب في علم البكتريولوجيا أو علم الجراثيم وظل هناك يشتغل بهذا العلم نحو سبع سنوات وفي أثناء ذلك تيقظ اهتمامه بتربية النحل وأسس جمعية له وأسس بجانب الجمعية مجلة عالم النحل Bee-world وعُني بالتصوير كما عُني بالشعر وكأنه كان هناك خلية نحل دويًّا ونشاطًا.

وقد أخذ يعمق معرفته بالأدب الإنجليزي وغيره من الآداب الغربية وخاصة النزعة الرومانسية التي كان قد أعجب بظلالها عند خليل مطران فعكف على شللي وكيتس وأضرابهما من شعراء الوجدان الفردي وأتقن الإنجليزية بحيث أخذ ينظم بها غير أنه لم ينسَ وطنه وقومه فكان يرسل بمقالاته وأشعاره إلى الصحف المصرية ، وأنشأ جمعية آداب اللغة العربية وأخذ يجمع أبناء وطنه حوله في النادي المصري بلندن ويتحدث معهم في شئون بلاده وتنبهت له الشرطة هناك فضيقت عليه تضييقًا جعله يؤثر العودة إلى وطنه ومعه زوجته الإنجليزية في ديسمبر سنة ١٩٢٢.

عاد أبو شادي إلى مصر بنشاطه الجم فلم يمضِ عليه شهران حتى أنشأ (نادي النحل المصري) الذي حيَّاه شوقي بقصيدته المعروفة مملكة النحل وفي إبريل من سنة ١٩٢٣ تولى إدارة قسم البكتريولوجيا في معهد الصحة بالقاهرة ودار العام فنُقل إلى السويس ثم إلى بورسعيد فالإسكندرية ولم يمكث طويلًا خارج القاهرة فقد عاد إليها في سنة ١٩٢٨، وكان في كل مكان يحل فيه يؤسس الجمعيات كجمعية رابطة مملكة النحل والاتحاد المصري لتربية الدجاج وجمعية الصناعات الزراعية والجمعية البكتريولوجية المصرية وبجانب هذه الجمعيات كان ينشئ المجلات التي تخدم أهدافها مثل مملكة النحل و”الدجاج والصناعات الزراعية.

وكان في أوقات فراغه يُقبل على نظم الشعر في سرعة شديدة فكثر إنتاجه الشعري كثرة مفرطة وما نصل إلى سنة ١٩٣٢ حتى نراه يؤلف جماعة أبولو التي تحدثنا عنها في غير هذا الموضع والتي ظلت قائمة إلى سنة ١٩٣٥ وكان لها أثر كبير في نهضتنا الشعرية حينئذ إذ أسس باسمها مجلة فتحتْ صدرها للشباب وغذتهم بآداب الغرب وآراء نقاده في الشعر والشعراء ، وكانت مصر في هذه الأثناء تجتاز محنتها بصدقي إذ كان يحكمها بالحديد والنار تسنده حراب الإنجليز الغاشمين فانطوى شعراؤنا على أنفسهم متغنين بشعر رومانسي حزين ويظهر أن كوارث مالية حَفَّت بأبي شادي فرأيناه في بعض أشعاره يفزع إلى صدقي الجائر ومليكه الطاغية وهي سقطة يشفع فيها لأبي شادي شعره الوطني الكثير الذي ناصر فيه أحرارنا وزعماءنا الشعبيين منذ مصطفى كامل.

ونمضي مع أبي شادي إلى سنة ١٩٣٥ فتنفضُّ جمعية أبولو وتحتجب مجلتها وقد أخرج من بعدها مجلتي الإمام وأدبي ولم يكتب النجاح لهما ويظل في القاهرة إلى أن تنشأ جامعة الإسكندرية فيختار أستاذًا للبكتريولوجيا بها وتتوفَّى زوجه وكأنه ضاق ذرعًا بالحياة بعدها في موطنه فيرحل في سنة ١٩٤٦ إلى أمريكا ، وهناك عاوده نشاطه فاشترك في الأندية الأدبية وحرر جريدة الهدى العربية وعمل في صوت أمريكا وأسس جماعة منيرفا على غرار جماعة أبولو ونشر ديوانه (من السماء) وما وافاه القدر سنة ١٩٥٥ حتى كان قد أعد للطبع أربعة دواوين هي: من أناشيد الحياة والنيروز الحر والإنسان الجديد وإيزيس.

وحياة أبي شادي على هذا النحو مكتظة بالنشاط فقد أسس – كما رأينا – جمعيات ومجلات مختلفة وكتب مقالات أدبية وعلمية كثيرة بالإضافة إلى ما كان يذيعه من محاضرات في أجوائنا الأدبية وأحاديث في صوت أمريكا وقد نقل إلى العربية من الإنجليزية غير قصيدة ومقطوعة كما نقل رباعيات عمر الخيام وحافظ الشيرازي ، ومن مصنفاته العلمية : تربية النحل وأوليات النحالة والطبيب والمعمل وإنهاض تربية النحل في مصر ومملكة الدجاج ومملكة العذارى في النحل وتربيته ونُشر له بعد وفاته ثلاثة كتب هي: دراسات إسلامية ودراسات أدبية وشعراء العرب المعاصرون.

شعره : لعل عصرنا لم يعرف شاعرًا كثر إنتاجه الشعري على نحو ما عرف ذلك عند أبي شادي إذ كان الشعر يتدفق على لسانه منذ نشأته تدفقًا وأتاحت له ثقافته الواسعة بالآداب الغربية أن يطلع على أنواع الشعر هناك من قصصية وغنائية وتمثيلية وعلى مذاهبه من واقعية ورومانسية ورمزية ، ومن ثم مضى يتأثر في شعره بكل هذه الأنواع والمذاهب وإن كنا نلاحظ غلبة المذهب الرومانسي عليه.

وقد اجتمعت ظروف كثيرة دفعته إلى المعيشة الفنية فيه دفعًا إذ اتصل مبكرًا بأكبر من تأثروا من شعرائنا بهذا المذهب في مطالع القرن ونقصد خليل مطران الذي يسميه في غير قصيدة أستاذه وهام في حداثته بفتاة تدعى زينب غير أنها هجرته فانسكب الألم في قلبه ومضى يتغناه إلى آخر حياته ، وكان مما ضاعفه في نفسه البؤس الجاثم على وطنه بسبب تسلط الإنجليز وظلمهم وطغيانهم وأيضًا ضاعفته حملات شعواء على شعره جاءته من عدم تأنيه في صنعه فعاش يجتر الألم والحزن والحب المحروم باحثًا عن عزاء له في الطبيعة والأساطير القديمة.

ومما لا شك فيه أن أبا شادي بثقافته الواسعة ومواهبه الشعرية كان معدًّا لأن يحتل منزلة رفيعة في شعرنا المعاصر غير أنه كان متعجلًا لا يستقر عند موقف في الحياة ولا في الشعر بل ينتقل من موقف إلى موقف في سرعة شديدة ، وهي سرعة أصابت معانيه بالضحولة وحالت بينه وبين الافتنان في الفكر والخيال ومن ثم كانت كثرة أشعاره مغسولة من كل وميض للذهن إلا ما جاء نادرًا وفي الحين بعد الحين ولم يأته ذلك من سرعته في نظم الشعر وحدها بل أتاه أيضًا من أنه وزع نفسه في اتجاهات الشعر المختلفة على شاكلة توزيعه لها في حياته العملية بحيث كانت له شخصيات متعددة فهو طبيب وهو بكتريولوجي وهو يهتم بتربية الدجاج وبمملكة النحل كما يهتم بتأسيس الجمعيات المختلفة وإخراج المجلات العلمية والأدبية.

وهو على هذا القياس في شعره إذ حاول أن يجمع فيه بين الشعر القصصي والشعر الدرامي والشعر الرومانسي الحزين والشعر الصوفي والشعر الوعظي والشعر الفلسفي والشعر الواقعي والشعر الرمزي والشعر المرسل والشعر الحر ، ولم يكتفِ بفن الشعر إذ ضم له عناية بفني التصوير والموسيقى فتعددت اتجاهاته وكثر ما يحمله من أدوات إذ كان يحمل في يد مبضعًا ومجهرًا ومجلات علمية وفي يد قلمًا وريشة وآلة موسيقية ومجلات أدبية وربَّة الشعر توحي إليه بين ضجيج المعامل وطنين النحل ودويه.

وأول ديوان أخرجه (أنداء الفجر) إذ نشره في الثامنة عشرة من عمره وتتضح فيه نزعته الرومانسية المبكرة إذ نراه يفسح فيه للحب والطبيعة وأصدائهما في نفسه غير متناسٍ لمشاكلنا السياسية والاجتماعية ، ولا نمضي في قراءته حتى نحس ضعف صياغته ونزارة معانيه وأخيلته لسبب بسيط هو أنه لا يزال ناشئًا ولم يتمرس بعدُ بصناعة الشعر تمرسًا كافيًا.

ويرحل إلى إنجلترا، ويعود وقد نظم كثيرًا وما تلبث دواوينه ومنظوماته أن تتعاقب كالمطر وكان أول ما ظهر منها ديوانه (زينب) الذي نشره في سنة ١٩٢٤ وقد اختار له اسم صاحبته القديمة فذكراها لا تفارقه ، والحب والطبيعة هما محور هذا الديوان وتلقانا فيه قوالب الموشح والدوبيت وقصيدة غزل في زينب ص١٦ حاول أن يجدد بها في القوالب الشعرية ومن خير قصائده فيه قصيدته الحلم الصادق التي يفتتحها بقوله : هات لي العود وغنى .. واسمعي شجوى وأني .. تطرحي الأحزان عني .. فأؤدي صلواتي.

وفي السنة التالية نشر ديوانين بنفس النغم هما أنين ورنين وشعر الوجدان ونجد فيهما مشاعر وطنية صادقة ونشر في نفس السنة ديوانه مصريات صوَّر فيه أمانيه الوطنية محركًا همم المصريين للخلاص من الإنجليز الغاشمين ولم يلبث في سنة ١٩٢٦ أن أخرج ديوانه وطن الفراعنة وفيه يتغنى بأمجاد مصر وآثارها القديمة ، ونراه في نفس السنة يخرج ديوانه الضخم الشفق الباكي وهو يقع في أكثر من ألف صحيفة تسبقها مقدمات وتليها دراسات في شعره ونراه في هذا الديوان ينظم بعض الأقاصيص ويترجم عن الإنجليزية بعض الأشعار ويذكر بين يدي بعض منظوماته أنها من الشعر المرسل وقد تكون من الشعر الحر ص٥٣٥.

وقد علق في طائفة من أشعاره على كثير من الأخبار العالمية وشكا من أعباء مهنته التي تعوق ميله إلى الشعر ص١٩٧ غير أنه عاد فاعترف بأن ملكة الملاحظة التي تعوَّد عليها في الطب أفادته في شعره ومن ثم خص مجهره (الميكروسكوب) بقصيدة أطراه فيها جعل عنوانها (رفيقي الكشاف) ، وفي رأينا أن هذه الملكة جارت عليه أكثر مما ينبغي إذ جعلته يحوِّل كل ملاحظاته إلى شعر ونراه يحتفظ في هذا الديوان بطائفة من قصائده التي نظمها في إنجلترا كقصيدته في سقوط الجليد وحديث البحر وصحبة الآلام.

وعلى شاكلة دواوينه السابقة تبرز في الشفق الباكي أمانيه الوطنية ومشاعره القومية سواء في بعث الذكرى لدنشواي ويوم التل الكبير أو في تحيته لعبد الكريم بطل الريف المغربي وتألمه لكارثة دمشق حين قذفها الفرنسيون بالمدافع سنة ١٩٢٥ ، وقد رد على كبلنج الشاعر الإنجليزي الاستعماري في قولته (الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا) ردًّا مفحمًا ، ودائمًا نجده يرتبط بأحداثنا السياسية وكثير من المشاهد اليومية ويحدثنا عن أعياد أسرته التذكارية ولما توفي سعد زغلول خصه بكتيب ضمنه رثاءه له حتى إذا كانت ذكرى الأربعين نظم فيه مرثية أخرى بعنوان (التراث الخالد).

ولا يكاد يفرغ من نشر ديوانه الكبير الشفق الباكي حتى يتخذ العدة لنشر ديوانه (وحي العام) معلنًا أنه سيصدر كل عام ديوانًا بهذا العنوان على طريقة الحوليات ونمضي معه إلى سنة ١٩٣١ فنراه يخرج ديوانه (أشعة وظلال) نازعًا عن نفس القوس التي رأيناها في الدواوين السابقة ، وهو فيه كثيرًا ما يأتي بإحدى الصور لبعض الرسامين العالميين ويحلل خواطره إزاء موضوعها كما أنه كثيرًا ما يترجم مقطوعات ومنظومات عن بعض الشعراء الغربيين وقد يذكر الأصل الذي نقله ويفجؤنا أحيانًا بوضعه عنوانين لبعض قصائده عنوانًا عربيًّا وآخر إنجليزيًّا ! ولا نصل إلى سنة ١٩٣٣ حتى نراه يخرج ديوانيه الشعلة وأطياف الربيع.

ويقدم الحب والطبيعة والأساطير المصرية واليونانية أخصب البواعث في الديوانين جميعًا ولا ينسى آماله الوطنية فقد كان يحس مشاعر شعبه ومن قصائده الجيدة في الديوان الأول (الناس) وفيها يصور صراعهم وعدوانهم بعضهم على بعض وتلقانا في ديوانه الثاني قصيدته (الفنان) وفيها يصور حبه الظامئ أبدًا إلى لقاء الحبيبة على شاكلة قوله : أمانًا أيها الحب سلامًا أيها الآسي .. أتيت إليك مشتفيا فرارًا من أذى الناس .. أطِلي يا حياة الروح في عينيَّ تحييني .. شرابي منكِ أضواء وقوتي أن تنجايني.

ويخرج في سنة ١٩٣٤ ديوانه (الينبوع) بنفس المادة والمضمون ونراه فيه يشكو شكوى مرة من نقاده في قصيدته (المهزلة) وكثيرًا ما تلقانا هذه الشكوى عنده وفي سنة ١٩٣٥ نشر ديوانه (فوق العباب) بنفس الروح ونفس الانطلاق في موضوعات الحب والطبيعة والأساطير القديمة ومشاهد الحياة ، ويتكاثر غبار النقد من حوله فيقف إنتاجه الشعري ولكن إلى حين فقد أخرج في عام ١٩٤٢ ديوانه (عودة الراعي) ونراه لا يزال يفكر في الشعر المرسل فينظم منه بعض قصائده كما نراه يحلم بمثالية إنسانية دقيقة في (حلم الغد).

وهو في هذا الديوان – كدواوينه السالفة – يحاول دائمًا إيقاظ الوعي في الشعب المصري وإثارته للحصول على حقوقه المقدسة والثورة على الحكام الفاسدين على نحو ما نجد في قصيدته (حداد القطن) وفيها يقول : يا شعب قم وانشد حقوقك فالخنوع هو الممات .. تشكو الغريب وعلة الشكوى الزعامات الموات ،  ويرحل إلى أمريكا وينشر بها ديوانه (من السماء) سنة ١٩٤٩ وفيه كثير من صور البحر والطبيعة والحياة هناك وقد تُوفي – كما أسلفنا – وهو على أهبة إصدار أربعة دواوين.

ودفعتْ أبا شادي معرفته الدقيقة بالآداب الغربية وما رآه عند أستاذه مطران من أشعار قصصية إلى أن يقوم بمحاولات في هذا الاتجاه وكانت أولى محاولاته (نكبة نافارين) التي نشرها في سنة ١٩٢٤ وفيها خلد ذكرى القوات البحرية المصرية التي ذادت عن الخلافة العثمانية والترك في موقعة نافارين لعهد محمد علي وقد صور فيها الأسطول المصري منذ خروجه من قواعده إلى أن حاقت به الهزيمة في صور زاخرة بالحياة وختمها بندب سيز وستريس للقتلى وبكائهم ، وفي سنة ١٩٢٥ نظم قصة جديدة بعنوان (مفخرة رشيد) خلد فيها ذكرى القوات المصرية التي ردت عدوان الإنجليز الآثم عن هذه المدينة في موقعة إبريل سنة ١٨٠٧ وأتبع ذلك بقصتين اجتماعيتين هما عبده بك ومها وهو فيهما أقل توفيقًا من الناحية القصصية والشعرية.

وعلى نحو ما عالج القصة في شعره عالج المغناة (الأوبرا) فقد مضى منذ سنة ١٩٢٧ يؤلف فيها آثارًا مختلفة ومعروف أن المغناة لا تعتمد على الشعر والتمثيل فحسب بل تعتمد أيضًا على موسيقى مركبة وقد يكون اعتمادها على هذه الموسيقى وألحانها أكثر من اعتمادها على التمثيل والشعر ، ولعل ذلك هو السبب في أن مغنياته أو أوبراته لم تلقَ النجاح المنشود وكأنه أحس بما كان ينتظرها فكتب في ذيل مغناته الأولى (إحسان) بحثًا مسهبًا في تعريف المغناة (الأوبرا) وتاريخها ومدارسها الإيطالية والفرنسية والألمانية مبينًا أن المدرسة الأولى وحدها هي التي تعوِّل فيها على الموسيقى والغناء بينما تعترف المدرسة الثانية بالنص الأدبي وتبالغ الثالثة في الاعتماد عليه وتجعله الأساس وقد مضى مهتديًا بالمدرسة الأخيرة في صنع مغنياته محاولًا أن تكون لها قيمة درامية مستقلة.

ومما لا شك فيه أنه وفق في الوعاء الذي اختاره لمغنياته إذ اتخذ موضوعها من التاريخ تارة ومن الأسطورة تارة ثانية غير أنه لم يستكمل لها القيمة الدرامية التي كان ينشدها سواء في بنائها وعناصرها الفنية أو في رسم شخوصها وتوليد حوارها وتتابعه بينهم ، وهو أيضًا لم يستكمل لها القيمة الغنائية الخالصة إذ يقصر شعره عن النهوض بأعباء الغناء والتلحين وما يستلزمان من أناشيد بسيطة عذبة.

وأول ما أخرجه في هذا الاتجاه (مغناة إحسان) – كما قدمنا – وحوادثها تجري في أثناء الحرب المصرية الحبشية التي نشبت في سنة ١٨٧٦ وكانت إحسان زوجة لابن عم لها ضابط اشترك في تلك الحرب وأظهر بسالة نادرة غير أنه وقع في الأسر فأشاع بعض رفاقه أنه مات وعاد بعد خمس سنوات ليجد امرأته وقرة عينه قد تزوجت ومرضت وهي في النزع الأخير وتراه فيُغشى عليها من الدهشة وتموت ، وأتبع هذه المغناة بمغناته (أردشير وحياة النفوس) اقتبسها من ألف ليلة وليلة وهي في أربعة فصول ، وينظم مغناة (الآلهة) وهي مغناة رمزية يجري فيها حوار بين شاعر فيلسوف وإلهتي الجمال والحب وإلهتي الشهوة والقوة وهي في حقيقتها حوار خيالي وليست عملًا دراميًّا ويعود إلى التاريخ فيؤلف مغناة (الزباء) ملكة تدمر.

وعلى هذا النحو كان أبو شادي غزير الإنتاج في شعرنا المعاصر غزارة مفرطة ومن المحقق أنه لم تكن تنقصه موهبة الشعر وأنه كان يستطيع أن ينظم توًّا في أي موضوع يعن له أو يفكر فيه غير أنه استرسل في ذلك استرسالًا حال في أكثر الأحيان بينه وبين نضوج تجاربه الشعرية كما حال بين كثير من شعره وبين إرضاء الفن فيه والنهوض بحقه “.

67 / شعراء الوطنية

(شعراء الوطنية) هو عنوان كتاب للمؤرخ عبد الرحمن الرافعي تناول فيه أهم شعراء الحركة الوطنية المصرية في العصر الحديث وعلى رأسهم كل من رفاعة الطهطاوي وعبد الله النديم ومحمود سامي البارودي وإسماعيل صبري وأحمد شوقي وحافظ إبراهيم وخليل مطران وأحمد محرم وعلي الغاياتي وأحمد زكي أبو شادي ، وذكر معهم خمسة آخرين ممن عرفوا وقتها بالأشعار الحماسية المدافعة عن القضية الوطنية ومهاجمة الاحتلال الإنجليزي وتابعيه من العملاء وهم كل من أحمد نسيم وأحمد الكاشف ومحمد عبد المطلب وعبد الحليم المصري وعزيز فهمي وكتب عن كل منهم نبذة عن شخصه ونماذج من أشعاره.

أحمد نسيم (1880 ـ 1938 م) : شاعرٌ مُبدِع من أعلام الشعر الوطني يمتاز بجذالة الأسلوب وتدفُّق المعاني والأحاسيس الوطنية في قصائده لا يقلُّ شعره رواءً وحسنَ ديباجة عن شعر شوقي وحافظ وأحمد محرم ، وُلِد سنة ١٨٨٠ واعتنق منذ صباه مبادئ الوطنية وتجلَّت مواهبه الأدبية وهو في سن مُبكِّرة فامتزجت الوطنية بروحه الشاعرية وتمشَّت في قصائده الغُر وأضفَت عليها جمالًا ورونقًا وبهاءً وجعلت لها رنينًا موسيقيًّا يأخذ بمجامع القلوب ، سُمي (شاعر الحزب الوطني) واعتز هو بهذا اللقب وسجَّله في ديباجة ديوانه الذي ظهر في جزأين سنة ١٩٠٨ وسنة ١٩١٠ وأهداه إلى المرحوم محمد فريد زعيم الحزب الوطني إذ ذاك ، قال في كلمة الإهداء :

(رئيسي المحبوب أما بعد ، فإني أتشرف بإهداء الجزء الثاني من ديواني إلى سعادتكم لاحتوائه على القصائد الوطنية التي نظمتُها ما بين سنتَي ١٩٠٩ و١٩١٠ ميلادية وقد اعتمدت في نقلها على الصحف التي تفضَّلت بنشرها مُبقيًا ديباجتها كما هي حتى لا يغرب عن ذهن القارئ على مَدى الأيام وصفُ الحادث الذي نظمت القصيدة بسببه ، وإني إذا أهديت ديواني إلى سعادتكم فكأني أهديته إلى الأمة المصرية التي يُمثِّلها حزبكم الموقَّر ، أحمد نسيم شاعر الحزب الوطني).

ويُعَد نسيم ثاني الطبقة الأولى من شعراء الحزب الوطني وأوَّلهم أحمد محرم وثالث الثلاثة المعاصرين أحمد الكاشف الذي سنتحدث عنه فيما يلي وجميعهم تبدأ أسماؤهم ﺑأحمد ، وتبدو مكانة نسيم الممتازة في عالم الشعر من قول إسماعيل صبري شيخ الشعراء في تقريظ الجزء الأول من ديوانه سنة ١٩٠٨ : لك في الشعر يا (نسيمُ) معانٍ باهراتٌ تحار فيها العقولُ .. كلُّ بيتٍ يُطِل منه على أفهام أهل النُّهى مُحيًّا جميلُ ، ولما ظهر الجزء الثاني سنة ١٩١٠ قرَّظه صبري أيضًا ببيتَين آخرَين رقيقَين قال : أيُّ غصنٍ في الروض هزَّ (نسيم) نُثِرت منه هذه الأزهارُ .. حبذا شعره الجنيُّ وأهلًا ببيانٍ تُزهى به الأشعارُ

يؤيد مصطفى كامل في قطع علاقته بالخديو : قال نسيم مخاطبًا مصطفى كامل بمناسبة كتابه إلى الخديو عباس الثاني بقطع علاقته به سنة ١٩٠٤ : خطيبَ الشرق لا تلوي العنانا فأنت المرء أوقرُهم جَنانا .. وأمضاهم إذا كتبوا يراعًا وأذلقهم إذا نطقوا لسانا .. لقد دافعت دهرًا عن بلاد قد افتخرت بمِدرهِها زمانا .. وكم رُمتَ العلاء لقوم مصر وكنت أشد مَن فيها جَنانا .. بقلبٍ عافَ أرزاء الليالي كما عاف المذلة والهوانا .. وجانبتَ الأمير وأنت تنوي فعالًا لا يكون بها مُدانا .. وكم من فُرقةٍ صعبَت فهانت وكم من طارئٍ أخنى فهانا .. فزِدنا مصطفى وازدد ثباتًا يَزدك القوم شكرًا وامتنانا .. مدحتُك لا لجائزة ولكن وجدتك خير مَن يُهدى البيانا .. هديةُ شاعرٍ ما ظل يُطري ويمدح فيك أخلاقًا حسانا .. فكن للشرق ساعَده المرجَّى تزُرك قصائدي آنًا فآن.

إلى الزعيم محمد فريد في سجنه : في سنة ١٩١١ حُوكِم الزعيم محمد فريد أمام محكمة الجنايات بتهمة أنه حبَّذ الجرائم وأهان الحكومة إذ كتب مقدمة لكتاب (وطنيتي) الذي تضمَّن قصائد نظمها الأستاذ علي الغاياتي ومع أن هذه المقدمة كتبها الزعيم دون أن يطَّلع على محتويات الكتاب وقبل أن يُتِم المؤلف وضعه ، ثم سافر الزعيم إلى أوروبا في مايو ولم يظهر الكتاب إلا في شهر يوليو وليس في المقدمة ما يقع تحت أي نص من قانون العقوبات ومع ذلك فقد أقامت عليه النيابة الدعوى العمومية وكان الغرض من محاكمته إرهابه وتهديد أنصاره واضطهاد الحركة الوطنية وقد حُكِم عليه في ٢٣ يناير سنة ١٩١١ بالحبس ستة أشهر في هذه التهمة الباطلة ونُفِّذ فيه الحكم يوم صدوره.

فنظم أحمد نسيم قصيدة من روائع الشعر الوطني بعنوان (إلى الرئيس في سجنه) حيَّاه فيها أبلغ تحية وعبَّر عن الشعور العام بإزائه أصدق تعبير قال : يا ليتَ سجنك لم يكُن بمقدَّرِ فاصبر على المقدور ستةَ أشهرِ .. قد جلَّ رزء الشهر حتى خِلتُه بعض الرثاء وأنت لمَّا تُقبَرِ .. لولا احترام الحاكمين وحكمهم لَجعلته مثل الشواظ الأحمرِ .. أقصرتَ فيما قلتَ حتى لم تسَل أمُقصرًا أم كنتَ غيرَ مُقصرِ .. وتركتَ أقيال الدفاع فلم تُعَن بالمِدره المشهور أو بالأشهرِ .. يكفيك عطفُ العالمين ووجدُهم من أكبرٍ يطأ الثرى أو أصغرِ .. حتى لقد ماد البقيع ويثرب وتزلزت أرض الصفا والمشعرِ .. والتَاع قلبُ (محمد) لمحمد رب المحامد والعلا والمفخرِ.

أحمد الكاشف (1878 ـ 1948 م) : من الرعيل الأول من شعراء الوطنية وُلِد سنة ١٨٧٨ بالقرشية من بلاد مركز السنطة غربية وهو ابن المرحوم ذو الفقار الكاشف وجدُّه من ضباط الجيش المصري الذين خاضوا غمار المعارك في عهد محمد علي ، تلقَّى علومه الأولية في منزل والده بالقرشية ثم التحق بمدرسة الأقباط الابتدائية بطنطا حتى استوفى دراسته ثم عاد إلى بلدته وأقام فيها ومالت نفسه مند صباه إلى الشعر والأدب وكان الشعر طبيعة له وسليقة فعكف على المطالعة وأكبَّ على كتب الأدب ودواوين الشعراء المتقدِّمين يدرسها ويستوعبها فحاكاهم في الأسلوب والبلاغة.

واتجهت نفسه إلى نظم الشعر في المعاني الوطنية فجادت قريحته بشعرٍ وطني من الطراز الرفيع، ووقف حياته على هذا اللون من الشعر وعاش عمره عيوفًا أبيًّا مُعتكفًا في بلدته القرشية. وفي ذلك يقول عن نفسه : ولقد تحاشيتُ المدائن زاهدًا وبدوتُ أطلب وحدة وسكونا .. لا أرتضي غيرَ الطبيعة مَأنسًا والذِّكر كأسًا والقريضَ خدينا ، وله قصائد عصماء نظمها في مختلف المناسبات وعبَّر فيها أبلغ تعبير عن أحاسيسه ومشاعره الوطنية وظل وفيًّا لمبادئه طول حياته وتألَّق شعره في سماء الأدب والوطنية وبلغ الذروة في هذا المجال.

يمجِّد الفلاح ويمدحه : وقال يمدح الفلاح المصري : إذا استبقيتُ في الدنيا حبيبًا فخيرُ أحبَّتي فلاحُ مصرا .. كريمٌ يملأ الوادي ثراه ولا يلقى سوى الإجحاف أجرا .. فقيرٌ ما أراه شكا افتقارًا ولو يُجزى على تعبٍ لَأثرى .. فمحراثٌ يشقُّ الأرض عندي ويخرج من ثراه الخصب تِبرا .. كسيفٍ في يد الجندي لاقى به جيشًا وحصنًا مُشمخرَّا ، اتفاقية السودان : قال عن اتفاقية السودان التي أُكرِهت مصر على إمضائها سنة ١٨٩٩ على أثر انتصار الجيش المصري في السودان : انتصرنا وما الذي قد جنَيناه من النصر بعد طولِ العناءِ .. ما جنَينا سوى (الوفاق) جزاءً إن هذا الوفاق شرُّ جزاءِ .. وإذا شارَك الضعيف قويًّا في منالٍ فحظُّه كالهباءِ ،

الجندي في المعركة : وطني أنت الحبيب الدائم لك في قلبي المقام الأشرفُ .. وغرامي بك طبعٌ لازم سرَّني أني به متَّصفُ .. لك أسعى دائبًا مجتهدًا برجاءٍ ثابتٍ مُقتدرِ .. لا أُبالي في طريقي أبدًا طال ليلي أو تمادى سهري .. وطني أفديك بالروح إذا مسَّك الدهر بسوءٍ لا يُطاقْ .. وأرى اللذة في دفع الأذى عنك بالنيران والبيض الرقاقْ .. دُمتَ يا نيل أبرَّ الأنهر بنفوسٍ كم رأت منك وفاءْ .. دُمتَ تجري يا شبيه الكوثر مُهديَ الوادي هناءً ورخاءْ .. دمت يا صحراء ميدان الجنود بين قُطرَيك اللذَين اتَّحدا .. مُظهرًا للبأس من بيضٍ وسود يضمن النصر لنا والسؤددا.

محمد عبد المطلب (1870 ـ 1931 م) : هو الشاعر البدوي البليغ والمجاهد الوطني الصميم محمد عبد المطلب وُلِد سنة ١٨٧٠ ببلدة باصونة من قُرى مديرية جرجا لأبوَين عربيَّين مصريَّين من سلالة قبيلة جهينة إحدى قبائل جزيرة العرب ، وكان والده رجلًا صالحًا متفقِّهًا، فأرسل ابنه إلى الأزهر وتلقَّى فيه العلم نحو سبع سنين ثم انتقل إلى دار العلوم ومكث بها أربع سنوات وتخرَّج منها عالمًا أديبًا وتولَّى التدريس في مدارس الحكومة واختير مدرِّسًا بمدرسة القضاء الشرعي ثم مدرِّسًا في دار العلوم.

ونضج علمه واكتمل شعره وأدبه فصار من فطاحل الشعراء الذين يُشار إليهم بالبنان ولما شبَّت ثورة سنة ١٩١٩ ساهَم فيها بشعره وأدبه وجهاده وخلَّد حوادثها بقصائده الغُر وكان حجة في الأدب واللغة وشعره يجمع بين البلاغة والجزالة وروعة الأسلوب ، وبلغ في مكانته الشعرية منزلة فطاحل الشعراء المتقدمين وكانت الروح الوطنية الدفَّاقة تتجلى في معظم أشعاره وقصائده وله في هذه الناحية إنتاج ضخم يصلح في ذاته أن يكون ديوانًا مجتمِعًا من الشعر الوطني وقد ظل على إنتاجه الشعري إلى أن أدركَته الوفاة سنة ١٩٣١.

روحه الوطنية : إن أحسن وصف لروحه الوطنية ومساهمته في الجهاد وخاصة في ثورة سنة ١٩١٩ ما قاله في رثائه صديقَه وزميله الشاعر محمد الهراوي إذ يقول عن جهاده الوطني :    فذاك وإن جدَّت خطوبٌ وأجلبَت فإنك للجُلَّى وللحادث الجِدِّ .. تُخاطِر والجندُ المدجَّج مُحدِق وتمضى وصوت (الموزريَّات) كالرعدِ .. فتبكي وتستبكي العيون على الحِمى وتعدو على العادي عليه وتستعدي .. وتخطب حتى تستشير وتنثني وقد حمِيَت آنافُ قومك من وقدِ .. وما هالَك الجندُ الذي كان مُحدِقًا ونفسك من فرط الحمية في جُندِ .. نزلت عن النفس الكريمة فديةً إلى الوطن العاني كذلك مَن يفدي.

حضارة مصر ومجدها : قال من قصيدة له أنشدها سنة ١٩١٩ في الاحتفال بعيد النيروز يُشيد بحضارة مصر ومَجدها وفضلها على العالم : جزى الله مصرًا ما جزى أهلَ نعمة على الناس يَعيا دونها العدُّ والحَصرُ .. فكم كشفَت من ظلمةٍ (عينُ شمسها) فما ثَم سهلٌ لا يُضيء ولا وعرُ .. لنا في الورى حقُّ المعلِّم لو رعَوا لنا ذمةً والدهر شيمتُه الغدرُ .. فهل يُنكِر اليونان أنَّا هُداتهم إلى حكمةٍ في العالمين بها بزُّوا .. وهل نسي الرومان للنيل أنعمًا بما ورثوا منها سما لهم الفخر .. فنحن الأُلى قد أورثوا كلَّ أمة من الفضل ما يغنى به الحمد والشكرُ .. إذا اعتزَّ قومٌ بالجديد سمَت بنا مكارم في طي الزمان لها نَشرُ.

عبد الحليم المصري (1887 ـ 1922 م) : من الشعراء الضباط وُلِد في مايو سنة ١٨٨٧ وبعد أن أتم دراسته الابتدائية دخل المدرسة الحربية وتخرَّج منها سنة ١٩٠٦ في التاسعة عشرة من عمره وأُلحِق ضابطًا بالأورطة السادسة عشرة من المشاة في كسلا ، تعشَّق الشعر والحرية منذ صباه فجاد بقصائد رقيقة في التغني بالوطنية والحرية ، وظل يغرِّد بالشعر ويتغنى به إلى أن تُوفي في يوليو ١٩٢٢ وكان حين وفاته في ريعان الشباب؛ فكان لوفاته وقعٌ أليم في النفوس.

كانت له في الشعر مكانة ممتازة عبَّر عنها حافظ إبراهيم بقوله في رثائه : لك الله قد أسرعت في السير قبلنا وآثرت يا (مصريُّ) سُكنى المقابرِ .. وقد كنتَ فينا يا فتى الشعر زهرةً تفتَّح للأذهان قبل النواظرِ .. فلهفي على تلك الأنامل في البِلى فكم نسجَت قبل البِلى مِن مَفاخرِ .. ويا ويحَ للأشعار قبل نجِيِّها وويح القوافي ساقها غيرُ شاعرِ .. تزوَّدتَ من دنياك ذكرًا مخلَّدًا وذاك لعمري نِعمَ زادُ المسافرِ ، وللمصري ديوان شعر من ثلاثة أجزاء.

فجر الأمل : من قصيدةٍ له نظمها سنة ١٩٠٩ : ترعرع عهد اليمْن واخضلَّ جانبه وردَّ علينا اللهُ ما الدهر سالبُهْ .. مضى زمنٌ كنا فريسة حربه وجاء زمانٌ ما نزال نُحارِبه .. فلم يغلب الدهر العَصيُّ مُجاهدًا من الشرق إلا قام ألفٌ يُغالِبه .. فيا شرقُ قد جاشت بنفسك أنفسٌ فعدِّد لها بالله ما أنت طالبه .. فإما أصابت من مُناها طليبة وإما تمشَّت للقضاء تُطالِبه .. تقول له إما احتسبت جزاءنا وإما محَونا اليوم ما أنت كاتبه .. جزاكنَّ عني الله يا خير أنفس وروَّاك من ماء المَجرة ساكبه .. إذا ما النفوس الطاهرات تضامنت على فوزها أبدى لها الفوزَ حاجبه.

إلى أن قال مُخاطِبًا الزعيم محمد فريد : محمد لا يَلوِ الكرى لك عزمةً عن البأس حتى إن ترن نوادبه .. نهزت بأنباء البلاد ولم تمِل عن الجِد حتى نظم الدرَّ ثاقبه .. طلعت بهم في باسمِ الصبح عابسًا فقالوا أبو حفص بدا وكتائبه .. كأني وأنت اليوم تدعو إلى الهدى وأكتب ما يُملي الرسول وكاتبه .. فجرِّد شَبا تلك اليراعة صارمًا وضارب به من لا نُطيق نُضارِبه .. لقد روَّعت منا الهموم جوانحًا وفرَّت من الجفن الحريص سواربه.

ثم قال مُخاطبًا الكتابة : فيا غادة في الشرق قد غار نجمها أطلِّي على وادٍ نمَتكِ جوانبه .. لقد كان روضًا وارفَ الظل في العُلا بلابلُه تشدو وتصفو مَشاربه .. فأصبح تذروه الرياح عوصفًا ترامى نواحيه وينهال كاتبه .. إلى أن دعا داعي الصلاح حياله فألفى رجالًا كالأُسود تُجاوِبه .. دعوتُ أناسًا ليس يدعوهم امرؤٌ إلى رغبة إلا وتمَّت رغائبه.

عزيز فهمي شاعر الحرية والشباب (1909 ـ 1952 م) : هو الدكتور عزيز فهمي من أعلام الحرية والأدب وأبطال الوطنية والجهاد ، وُلِد سنة ١٩٠٩ بطنطا، وهو نجل الأستاذ عبد السلام فهمي رئيس مجلس النواب السابق ومن المجاهدين في الحركة الوطنية ، تلقَّى علومه الابتدائية والثانوية في المدرسة الابتدائية ثم في المدرسة الثانوية بطنطا ثم انتقل إلى مدرسة الجيزة الثانوية حيث نال منها شهادة البكالوريا ، وبدَت عليه منذ أن كان يتلقى التعليم الثانوي ميوله نحو الحرية والأدب والشعر وأنشأ وهو في مدرسة الجيزة الثانوية مجلة أدبية كان ينشر فيها آراءه وأشعاره وانتقل إلى التعليم العالي بالقاهرة.

وجمع بين دراسة الحقوق في كلية الحقوق ودراسة الأدب بالانتساب إلى كلية الآداب فنال ليسانس الآداب سنة ١٩٣٢ والحقوق في سنة ١٩٣٣ وكانت رسالته التي قدَّمها إلى كلية الآداب في المقارنة في الشعر العربي بين العصر الأموي والعصر العباسي ، وكان طَموحًا إلى الاستزادة من العلوم والآداب فسافر إلى باريس سنة ١٩٣٣ والتحق بجامعتها وحصل منها سنة ١٩٣٨ على الدكتوراه في القانون وكان موضوع رسالته (الامتيازات الأجنبية في مصر ومعاهدة مونترو) وكانت أول رسالة من مصري عن هذه المعاهدة والتحق في الوقت نفسه بالسوربون للحصول على الدكتوراه في الأدب.

وقد شبَّت الحرب العالمية الثانية وهو في باريس فعاد إلى مصر سنة ١٩٤٢ مملوءًا وطنية وتضحية مُستكمِلًا دراساته العلمية والأدبية وشغل مَنصب وكيل نيابة بالمحاكم المُختلِطة وقتًا قصيرًا ثم ضاق صدرًا بالقيود الحكومية فاستقال مُؤثِرًا العمل الحر والجهاد الحر واشتغل بالمحاماة والصحافة ووقَف قلمَه ولسانه وقلبه وجنانه على الجهاد في سبيل الحرية ومكافحة الاستعمار والطغيان والفساد ، كان أديبًا شاعرًا وخطيبًا مفوَّهًا يجمع بين بلاغة العبارة وسلاسة الأسلوب وقوة التفكير وغزارة المادة والشجاعة الأدبية كان يُدافِع عن الحرية بقلمه ولسانه على صفحات الجرائد وبلسانه فوق المنابر وفي ساحات القضاء وتحت قُبة البرلمان.

وقد اعتُقل وحُقِّق معه غير مرة بتهمة العيب في الذات المَلكية أو التحريض على الإخلال بالنظام وكان في المحاماة يُدافِع عن الحرية وعن المُتهَمين في جرائم الرأي ويُهاجِم الطغيان والقلم السياسي والإجراءات التعسفية ، دخل البرلمان سنة ١٩٥٠ نائبًا عن دائرة الجمالية بالقاهرة فكانت صفحته في دار النيابة أقوى صفحات حياته التي قضاها في الكفاح الوطني وعلى أنه انتُخب مرشَّحًا من الوفد فإنه لم يتقيَّد بسياسة الحكومة الوفدية وعارَضها فيما يستحق المعارضة من تصرُّفاتها وله في ذلك المواقف المشرِّفة.

وظهرت مواهبه البرلمانية كخطيب ومُناضِل برلماني من الطراز الرفيع كان يُناضِل عن الحرية في كل مناسبة وله المواقف المشهودة في معارضة نظام الاشتباه السياسي ومعارضة القانون المعدِّل لنظام مجلس الدولة وهو القانون الذي قدَّمته الحكومة الوفدية إلى البرلمان للانتقاص من سلطات المجلس واستقلاله ، ودوَّى صوته مُجلجِلًا مُعارِضًا مشروعات تقييد حرية الصحافة سنة ١٩٥١ وكان لمعارضته لهذه المشروعات دويٌّ كبير وصدى استحسان عظيم في الرأي العام وبلغت مكانته الوطنية والبرلمانية ذروتها في معارضته لهذه المشروعات حتى انتهت بسحبها من البرلمان فكانت هذه النتيجة أعظم انتصار للفقيد في حياته السياسة والوطنية.

ولما شبَّت معركة القنال بين الفدائيين والإنجليز عقب إلغاء معاهدة سنة ١٩٣٦ في أكتوبر سنة ١٩٥١ سافر إلى منطقة القنال، وساهم في حركات المقاومة ضد القوات البريطانية واستُهدف للقتل غير مرة فكان ذلك منه غاية البذل والتضحية ، وكانت وفاته يوم أول مايو سنة ١٩٥٢ في حادثة فاجعة بل مأساة أليمة إذ كان يعتزم السفر إلى الفشن في صبيحة ذلك اليوم ليترافع أمام محكمتها في إحدى القضايا وكان ينوي السفر بالقطار ولكن مواعيد السفر كانت قد تغيَّرت ابتداءً من أول مايو لحلول الصيف وقد فاته أن يعرف الموعد الجديد للسفر فلم يُدرِك قطار الصباح فاستأجر سيارةً ركِبها قاصدًا الفشن.

وفيما هي تسير في الطريق الزراعي وقع لها قبل العياط ببضعة كيلومترات حادثٌ فجائي قلَبها رأسًا على عقب وهوى بها في الترعة المحاذية للطريق فمات الفقيد غريقًا وكانت وفاته فجيعة للوطن وبنيه إذ فقدوا بوفاته مجاهدًا صادقًا بين المجاهدين الأحرار ، كانت وطنيته فوق حزبيته وعقيدته أساس شخصيته كان يرى في الحياة السياسية رسالةً يؤديها لا يبتغي منها لنفسه مَغنمًا ولا نفعًا ولا يقصد إلا وجه الله والوطن فلا غَرْو أن حزنت الأمة لوفاته حزنًا عظيمًا.

اسلمي مصر : قال رحمه الله من قصيدة له سنة ١٩٣١ بعنوان (اسلمي مصر) : اسلمي مصر على مرِّ القرون حسبُكِ الله نصيرًا ومُعينْ .. لن تُضامي أنت يا مهد الخلو د وهذا بعض أشبال العرين .. مَن تكن ليلاه مصر لا يَهِن ساعة البذل ولو ذاق المنون ، إلى أن قال : لا رعاك الله يا عهدًا مضى عهد بغي وافتئات وأُفون .. محنةٌ لا عهد للناس بها جزع الصبر لها والصابرون .. عصفَت بالحرث والنسل معًا وأعادت عهد كسرى ونرون .. ونضَت سيفًا بَتوكًا كُلَّما هبَّ ذُقنا بين حدَّيه المنون .. دولة الحجاج إن قِيسَت بها مثلٌ في الرفق عند المُنصِفين.

ومصر تُناديهم وصوتي يردِّد : وقال في يونيو سنة ١٩٤٦ وهو مُعتقَل في سجن الأجانب : كفاك عزاءً أنك اليوم أوحَدُ وقد يسكن الغمدَ الحسامُ المجردُ .. يهون عذاب السجن والليل مُوحِش ويُذهِب عنك الحزن فيه تجلُّدُ .. وقد يُؤسَر الليث المَنيع عرينه ويُرهَب منه الصوت وهو مصفَّدُ .. أهَبتُ بقومي أن يذودوا عن الحِمى وما زِلتُ أدعوهم وما زِلتُ أشهدُ .. أهبت بقومي والخطوب زواحف تُلمُّ بهم طورًا وطورًا تهدِّدُ .. وأنذرت حتى بُح صوتي ولم أزَل ومصر تُناديهم وصوتي يردِّدُ.

68 / الشعر الغنائي

الفنون أذواق .. وما يعجبني من غناء أو شعر قد لا يناسبك وما يطرب له فلان قد لا يقبله آخر .. لكن تخيل معي أن جمهورا عريضا في بلادنا في يوم ما كان يجلس منصتا في احترام وإجلال إلى أغنية تقول كلماتها : معللتي بالوصل والموت دونه .. إذا مت ظمآنا فلا نزل القطر .. وذلك في أغنية (أراك عصي الدمع) التي غنتها السيدة أم كثوم من كلمات الشاعر العربي القديم (أبو فراس الحمداني) وألحان رياض السنباطي والتي تقول في مطلعها : أراك عصي الدمع شيمتك الصبر .. أما للهوى نهي عليك ولا أمر .. نعم أنا مشتاق وعندي لوعة .. ولكن مثلي لا يذاع له سر .. إذا الليل أضواني بسطت يد الهوى .. وأذللت دمعا من خلائقه الكبر.

وقد تعمد السنباطي أن يستعمل في العزف آلات التخت القديم فقط وذلك في كل الأغاني المكتوبة باللغة العربية الفصحى ليضفي على الأجواء روح الطرب الشرقي .. ومنها رباعيات الخيام التي ترجمها أحمد رامي عن الشاعر الفيلسوف عمر الخيام والتي تقول في مطلعها : سمعت صوتا هاتفا في السحر .. نادى من الغيب غفاة البشر ..هبوا املأوا كأس المنى قبل .. أن تملأ كأس العمر كف القدر ، وفي هذه القصيدة تقول : إن تفصل القطرة من بحرها .. ففي مداه منتهى أمرها .. تقاربت يارب ما بيننا .. مسافة البعد على قدرها .. إن لم أكن أخلصت في طاعتك .. فإنني أطمع في رحمتك .. وإنما يشفع لي أنني .. قد عشت لا أشرك في وحدتك.

وفي أغنية سلوا قلبي تغني من روائع أمير الشعراء أحمد شوقي قائلة : سلوا قلبي غداة سلا وتابا .. لعل على الجمال له عتابا .. ويسأل في الحوادث ذو صواب .. فهل ترك الجمال له صوابا .. وكنت إذا سألت القلب يوما .. تولى الدمع عن قلبى الجوابا .. ولى بين الضلوع دم ولحم .. هما الواهي الذى ثكل الشبابا ، وفي قصيدة الأطلال من كلمات إبراهيم ناجي تقول : يا فؤادي لا تسل أين الهوى .. كان صرحا من خيال فهوى .. اسقني واشرب على أطلاله .. وارو عني طالما الدمع روى .. والتي تقول فيها أيضا : أيها الساهـر تغفـو تذكر العهد وتصحو .. وإذا ما الـتأم جرحٌ جدّ بالتذكار جرحُ .. فتعلـم كـيف تنسى وتعلـم كـيف تمحو.

أما أجمل التعبيرات الشعرية فجاءت في شعر أحمد رامي ومنها قصيدته الرائعة (أغار من نسمة الجنوب) والتي أبدع فيها في وصف الطبيعة وكأنه ينقلها لنا رأي العين فيقول : أغار من نسمة الجنوب على محياك يا حبيبي .. وأحسد الشمس في ضحاها وأحسد الشمس في الغروب .. وأغبط الطير حين يشدو على ذرى فرعه الرطيب .. فقد ترى فيهما جمالا يروق عينيك يا حبيبي .. يا ليتنا زهرتان نهفو على شفا جدول لعوب .. وذاك أني أراك ترنو للزهر في غصنه الرطيب .. وتعشق النهر حين يجري مرجع اللحن والضروب .. وأنني من هيام قلبي وشدة الوجد واللهيب .. أغار من نسمة الجنوب على محياك يا حبيبي.

ومن أجمل ما غنى محمد عبد الوهاب قصيدة الجندول للشاعر علي محمود طه وفيها يقول : أين من عينيَّ هاتيك المجالي .. يا عروسَ البحرِ يا حُلْمَ الخيالِ .. أين عشاقُك سُمَّارُ الليالي .. أين من واديك يا مهدَ الجمالِ .. موكبُ الغيد وعيدُ الكرنفالِ .. وسرَى الجندولِ في عُرض القنالِ .. بين كأسٍ يتشهَّى الكرمُ خمرَهْ .. وحبيبِ يتمَنَّى الكأْسُ ثغرَهْ .. التقتْ عيني بهِ أوَّلَ مرَّهْ .. فعرفتُ الحبَّ من أوَّلِ نظرَهْ .. أينَ من عينيَّ هاتيكَ المجالي .. يا عروسَ البحرِ يا حُلْمَ الخيالِ ، أين يا فينيسيا تلك المجالي .. أَينَ عُشاقُك سُمَّار الليالي .. أَينَ من عينيَّ أطيافُ الجمالِ .. مَوْكبُ الغيد وعيدُ الكرنفالِ .. يا عروسَ البحر يا حُلْمَ الخَيالِ.  

ومنها قصيدة النهر الخالد للشاعر محمود حسن إسماعيل ويقول فيها : مُسافرٌ زاده الخيالُ والسحر والعطر والظلالُ .. ظمآن والكأس في يديه والحب والفن والجمالُ .. شابت على أرضه الليالي وضيعت عمرها الجبالُ .. ولم يزل ينشدُ الديارَا ويسأل الليل والنهارَا .. والناس في حبه سكارى هاموا على شطه الرحيبِ .. آهٍ على سرك الرهيبِ وموجك التائه الغريبِ .. يانيل يا ساحر الغيوب ، ومنها قصيدته دعاء الشرق التي يقول في مطلعها : يا سماء الشرق طوفي بالضياء ِوانشري شمسك في كل سماءِ .. ذكريه واذكري أيامه بهدى الحق ونور الأنبياءِ .. كانت الدنيا ظلاما حوله .. وهو يهدي بخطاه الحائرينا.

شاعر الأطلال إبراهيم ناجي (1898 ـ 1953 م) : كتب عنه الدكتور شوقي ضيف في كتابه الأدب العربي المعاصر في مصر فقال : في شَبْرَا أحد أحياء القاهرة وُلد إبراهيم ناجي سنة ١٨٩٨ لأسرة مصرية مثقفة وأخذ يختلف – مثل أقرانه – إلى الكُتَّاب ثم المدرسة الابتدائية فالمدرسة الثانوية ، ووجد في أبيه الذي كان ينزع إلى قراءة الآثار الأدبية في العربية والإنجليزية موجِّهًا ممتازًا فقد كانت له مكتبة حافلة بالكتب القيمة في اللغتين وكان يعرض عليه طرائفهما ويقرأ معه في كتبهما فكان يقرأ معه في دواوين الشريف الرضي وشوقي وخليل مطران وحافظ إبراهيم وكان يقرأ معه آثار الكاتب الإنجليزي ديكنز ويشرح له ما يغمض عليه من قصصه وأساليبه.

وكان أهم شاعر أُعجب به ناجي في نشأته خليل مطران وقد تعرف عليه مبكرًا وكان لذلك أثره في شعره وشاعريته ، ولما أتم دراسته الثانوية التحق بكلية الطب وتخرج فيها سنة ١٩٢٣ وهو يحذق الإنجليزية وتعلم الفرنسية وأخذ يقرأ في بعض آثارها الأدبية ، وعُين طبيبًا بوزارات مختلفة وكان آخر منصب تولاه إدارة القسم الطبي بوزارة الأوقاف ، وحياته من هذه الجهة كانت حياة هادئة ليس فيها ما يعكر الصفاء غير أنه كان منهومًا بمتاع الحياة فعاش مضطربًا قلقًا لا يستقر على حال.

وفتحت له معرفته باللغتين الإنجليزية والفرنسية نافذتين كبيرتين وكان شغوفًا بالقراءة فعبَّ ونهل ما شاء من الآداب الغربية وخاصة آداب الرومانسيين الذين كانوا يتفقون وهواه وأحلامه بالحب والحياة ، ووسَّع قراءته فشملت آداب الرمزيين ومن خلفوهم في القرن العشرين من الشعراء كما شملت علم النفس ونظرياته الحديثة ، ولما أسس الدكتور أحمد زكي أبو شادي جماعة أبولو سنة ١٩٣٢ اختاره وكيلًا لها ونهض معه بإخراج مجلة أبولو المعروفة فكان ينشر فيها أشعاره كما كان ينشر أبحاثه في بعض أدباء الإنجليز ونقل قصيدة شللي (أغنية الريح الغربية) في شعر عربي مرسل.

وفي سنة ١٩٣٤ نشر ديوانه (وراء الغمام) ووالَى من هذا التاريخ أبحاثه في الشعر الغربي الحديث وكان كثيرًا ما يحاضر في نزعاته الأخيرة بهذا القرن وكان يعجب أشد الإعجاب بالشاعر الإنجليزي لورانس د. هـ. كما كان يعجب بالشاعر الفرنسي بودلير وطبعت له بعد وفاته دراسة عن هذا الشاعر مصحوبة بترجمة طائفة من قصائده المبثوثة في ديوانه (أزهار الشر) ، وأسهم مع إسماعيل أدهم في كتاب (توفيق الحكيم الفنان الحائر).

وشارك في النهوض بمسرحنا، فترجم للفرقة القومية مسرحية (الجريمة والعقاب) لديستويفسكي كما ترجم لها المسرحية الإيطالية (الموت في أجازة) وفي سنة ١٩٤٤ نشر ديوانه الثاني (ليالي القاهرة) ، وفي أثناء ذلك كان يكتب كثيرًا في علم النفس وله فيه رسالة بعنوان (كيف تفهم الناس) وأيضًا له كتاب بعنوان (رسالة الحياة) ضمنه طائفة من خواطره في الأدب والنفس والعقل والحضارة والنقد والشباب وترك مخطوطات كثيرة لآثار مترجمة عن شكسبير وغيره وحاول كتابة القصة بأخرَة.

وكان كثير الاتصال بالناس مشرق الروح أنيس المجلس تحس وأنت تجلس معه كأنه عصفور فزع فهو كثير التلفت لا يهدأ له قرار ولكنه يملأ الجو من حوله مرحًا بفكاهته الخفيفة وعذوبة روحه القلقة ، وأنشأ رابطة الأدباء في سنة ١٩٤٦ ولما أنشئت جميعة أدباء العروبة اختير وكيلًا لها ، وما زال يشدو بصوته الشجي في الجمعيات والمجالس وعلى واجهات الصحف حتى لبَّى داعي ربه في مارس سنة ١٩٥٣ وقد نشرت له دار المعارف بعد وفاته ديوانه الثالث (الطائر الجريح).

شاعر الجندول علي محمود طه (1902 ـ 1949 م) : كتب عنه الدكتور شوقي ضيف في كتابه الأدب العربي المعاصر في مصر فقال : في بلدة المنصورة المطلة على فرع دمياط بشمال الدلتا وُلد علي محمود طه سنة ١٩٠٢ لأسرة متوسطة على حظ من الثقافة وأرسله أبوه إلى الكُتَّاب فالمدرسة الابتدائية وهنا نراه يحاول اختصار الطريق فلا يدخل التعليم الثانوي بل يلتحق بمدرسة الفنون التطبيقية ويتخرج فيها سنة ١٩٢٤ ويعين بهندسة المباني في بلدته.

وربما كانت النزعة الفنية هي التي جعلته يختصر طريق تعليمه فعاش من أول الأمر لشعره الذي كان ينظمه في أثناء تعلمه واختار لنفسه حياة هيِّنة ليس فيها مشقة في التثقيف والتحصيل وكأنه لم يكن ينزع به في أول حياته أمل كبير ، وكان أهله على شيء من الثراء فلم يحس بشظف الحياة وما يكون فيها من حرمان وشقاء بل لكأني به دُلِّل طفلًا وظلت آثار هذا الدلال فيه رجلًا فهو لا يعرف من الحياة إلا الهناءة والرغد.

ومكث طويلًا في وظيفته وفي بلدته يتنقل في محيطها وفي البلاد المجاورة لها وخاصة دمياط فقد كان كثير النزول بها وببلدة السنانية التي تقابلها وهي بستان كبير يمتد إلى مصيف رأس البر وتقابلها على الضفة اليمنى للنيل بحيرة المنزلة ، وكل هذه الأماكن مصورة في ديوانه الأول (الملاح التائه) وقد أخذ يسعى للتعرف على الأدب الفرنسي والاطلاع على روائعه وآثاره ونراه يراسل مجلتي أبولو والرسالة ويحاول أن يتصل بالنهضة الأدبية في القاهرة منذ سنة ١٩٣٣ فترحِّب به دوائر الأدباء.

وفي ديوان (ليالي الملاح التائه) ما يدل على أنه زار إيطاليا في سنة ١٩٣٨ وأخذ منذ هذا التاريخ يتردد على سويسرا والنمسا وأواسط أوربا وكان لذلك أثره في شعره إذ وصف كثيرًا من المشاهد التي رآها هناك ، ويترك وظيفته في وزارة الأشغال ليعمل مدير الْمَعْرِض الخاص بوزارة التجارة ثم يعين مديرًا لمكتب الوزير ثم يلحق بسكرتارية مجلس النواب ويقيم في هذه الفترة بالقاهرة ويغرق إلى أذنه في مباهج الحياة ويكثر من الرحلات الصيفية إلى أوربا.

ويخرج مع استقالة الوزارة الوفدية من الحكومة ويعين في سنة ١٩٤٩ وكيلًا لدار الكتب ولكن القدر لم يمهله فلبى نداء ربه في نفس العام مبكيًّا عليه من أصدقائه وعارفيه إذ كانت فيه نواحٍ إنسانية تستحق التقدير ، وطالما أعان إخوانه وزملاءه من الأدباء وكان بيته منتدًى حقيقيًّا لصحبه وحوَّله إلى ما يشبه متحفًا فنيًّا إذ ملأه باللوحات الباهرة ، ومما يؤثر له أنه أهدى مكتبته قبل وفاته إلى مكتبة بلدته المنصورة ولعل في هذا ما يدل على ضرب من الوفاء لقديمه وذكرياته.

شاعر النهر الخالد محمود حسن إسماعيل (1910 ـ 1977 م) : نشأ في صعيد مصر وحصل على الليسانس في اللغة العربية من كلية دار العلوم بجامعة القاهرة عام 1937 م وعمل منذ تخرجه بالإذاعة المصرية مراقبا للبرامج الدينية فيها واختير عضوا في لجنة الشعر بالمجلس الأعلى للفنون والآداب بمصر ثم عمل خبيرا للغة العربية بمركز بحوث المناهج بوزارة التربية والتعليم بالكويت وتوفي فيها.

وقد ترجمت له ابنته سلوان في كتاب يحمل اسمه وجاء فيه على لسانه قوله : نشأت في قرية صغيرة في أعماق الصعيد اسمها النخیلة و لها من اسمها نصيب فيكثر فيها النخيل والبساتين المطلة علی حافة نهر النيل من الجانب الغربي ، و لم أولد في بيت علم ولم أواجه في طفولتي مكتبة تشكل ثقافة مبكرة تعين علی أي معرفة و أول ما سمعت من اللغة العربية لغة القرآن وقد حفظته في سن التاسعة وأول ما سمعت من الشعر الأنغام الجنائزية التي كان يتصايح بها المنشدون أمام النعوش و كنت أضيق بها و أفزع منها.

و لهذا هربت إلی معیشة كاملة في الحقل حيث سمعت من أنغام الطبيعة لغة الطيور ألتي كانت أول إيقاع موسيقي لم تتدخل فيه صنعة الإنسان يحرك نفسي إلی الإصغاء لعالم الطبيعة بكل ما فيه حتی الجذوع الصامتة والليل الأخرس و الوجود المستعبدة البكماء التي تتحرك حولي تحت وطأة القهر والرق والحرمان والطمأنينة الزائفة وبؤس العيش وذلك في العشرينيات الأولی من هذا القرن.

و لم أكن في معظم الوقت مع أهلي في (الكوخ) بل كنت أعيش في الغيط‌ علی مشارف نهر النيل جنوب أبوتيج و قد طال مقامي كجزء من الطبيعة و أبذر الحب و أتابع البذرة منذ غرسها حتی الحصاد و لا أزال أذكر الغناء البشري الذائب من حناجر الكادحين في مراسم الزرع و الحصاد وكانت كل هذه العوالم أشبه بمرجل انصهرت في داخله كل العناصر الترابية التي انفصلت عنها بإضاءة الشعر عندما بدأت أتنفس به عقب فراقي لعالم القرية و الطبيعة إلی عالم المدينة .

و لم تترك طفولتي في الصعيد بصمات علی حياتي كشاعر فحسب بل كانت هي السر الذي اندلعت منه حياتي الشعرية فهي لم تكن طفولة فقط بل كانت امتداداً منذ مولدي بالقرية إلی أن نزلت المدينة و قهرني فن الشعر علی التفجر قبل انتهاء مدة الدراسة العلیا بصدور ديواني الأول (أغاني الكوخ) ، ذلك أني عشت القرية بروحي وجسدي متوغلاً في دخانها و ترابها وفي جميع أجزائها ورأيت الإنسان فيها أذل من سائمته كما يقودها يقاد و كما يطعمها يطعم ورأيت المجتمع كله يتعاور علی أعتاب حفنة من السادة ولا أستطيع تفسير شحنة العذاب و القلق و الرفض التي كنت أحملها كما فسرتها أنغام الكوخ) وهكذا أغني وأين المفر و سائر الدواوين والأشعار التي نشرت بعد ذلك.

و كان ديواني الأول (أغاني الكوخ) يمثل إحساسي بالرفض لعالم القرية الذي يخيم علیه الرق والمسكنة والتجبر والمغايرة الشنيعة بين إنسان وآخر في كل شيء والتناقض بين طرفي الإنسان إنسان في الهلاك من الذل والحرمان والآخر يكاد يهلك من البطنة والترف والاستعلاء الجائر ، ومن خلال هذا المناخ تولدت أحاسيسي الأولی نحو فلسفة الوجود وموقفي الملتزم بالطبيعة بفلسفتي الخاصة ترفض هذه الفلسفة أول ما ترفض رق الوجود والمسافات المضروبة بين الناس بدون عدل وتقدس الحرية التي لا تشكل قيداً علی نفسها.

شاعر الشباب أحمد رامي (1892 ـ 1980 م) : وقد جاءت ترجمته في تتمة الأعلام وفيها : شاعر وكاتب مصري درس في مدرسة المعلمين وتخرج منها عام 1914 ثم سافر إلى باريس في بعثة من أجل تعلم نظم الوثائق والمكتبات واللغات الشرقية وحصل على شهادة في المكتبات والوثائق من جامعة السوربون ، درس أحمد رامي اللغة الفارسية في معهد اللغات الشرقية بباريس مما ساعده فيما بعد على ترجمة رباعيات عمر الخيام ، عُيِّن أمين مكتبة دار الكتب المصرية كما حصل على التقنيات الحديثة في فرنسا في تنظيم دار الكتب ثم عمل أمين مكتبة في عصبة الأمم عاد إلى مصر عام 1945 وعُيِّن مستشاراً للإذاعة المصرية حيث عمل فيها لمدة ثلاث سنوات ثم عُيِّن نائباً لرئيس دار الكتب المصرية وقد لُقّب بشاعر الشباب.

الحياة المُبكرة : ولد أحمد رامي في حي الناصرية بالقاهرة في 9 أغسطس 1892 لعائلة مصرية من الطبقة المتوسطة كان والده في ذلك الوقت طالبًا في كلية الطب في قصر العيني وأصبح لاحقًا طبيبًا في القصر ، أمضى أحمد السنوات الأولى من طفولته مع والده في جزيرة ثاسوس التي كانت مملوكة للخديوي عباس الثاني عاد إلى القاهرة عام 1901 ليعيش مع عمته التحق بالمدرسة الابتدائية المحمدية ومدرسة الخديوي الثانوية المرموقة في القاهرة في هذه الفترة كان رامي يحضر المنتديات الشعرية الأسبوعية ويبدأ في تنمية موهبته الشعرية كتب قصيدته الأولى عندما كان في الخامسة عشرة من عمره وبدأ في التعبير عن رده على الأحداث السياسية في قصائده.

ظهرت أول قصيدته المنشورة عام 1910 في مجلة الروايات الجديدة بعد تخرجه من كلية المعلمين العليا عام 1914 عُيِّن رامي مدرسًا للجغرافيا واللغة الإنجليزية في المدارس الخاصة في السيدة زينب ثم في الغربية والمنيرة ، كان في هذا الوقت أول من تعرف على شعراء وفناني عصره مثل عبد الحليم المصري وأحمد شوقي وأحمد نسيم وحافظ إبراهيم بعد ست سنوات تم تعيينه أمين مكتبة في مكتبة المعلمين العليا مما أتاح له فرصة فريدة لقراءة الشعر والأدب باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية في عام 1918 نشر رامي أول ديوان له قدّم للقراء العرب نوعًا جديدًا من الشعر.

المسيرة المهنية : في عام 1924 حصل رامي على منحة دراسية وأُرسل إلى باريس في مهمة تعليمية حيث حصل على ترخيص في الأدب باللغة الفارسية من مدرسة اللغات الشرقية فيفانتس ساعدته شهادة اللغة الفارسية في ترجمة كتاب عمر الخيام الرباعي الشهير من النسخة الفارسية الأصلية إلى العربية كانت ترجمته كافية لدرجة أنها عكست فلسفة الخيام ، في عام 1925 عمل أمين مكتبة في دار الكتب (دار الكتب ودار المحفوظات المصرية) حيث طبّق التقنيات الحديثة لأمانة المكتبات التي تعلمها في فرنسا لتنظيم المكتبة كما نشر مجموعته الشعرية الثانية والثالثة في عام 1925.

بعد العمل في دار الكتب لمدة 13 عامًا في عام 1938 عمل رامي في مكتبة عصبة الأمم في جنيف كأمين مكتبة بعد انضمام مصر رسميًا إلى العصبة عاد إلى مصر عام 1945 حيث عمل مستشارًا لدار الإذاعة المصرية عاد إلى دار الكتب نائباً لرئيس مجلس الإدارة بعد ثلاث سنوات عُيِّن رامي نائبا لرئيس مجلس إدارة دار الكتب في عام 1948 ومستشارا أدبيا للإذاعة المصرية الحكومية في نوفمبر 1954 ساهم في الهلال بين عامي 1936 و 1954 وكتب مسرحيات لكل من المسرح والشاشة.

خلال مسيرته حصل أحمد رامي على عدد كبير من الجوائز والأوسمة التقديرية في عام 1965 نال جائزة الدولة للآداب وسام التميز الفكري من الملك الحسن الثاني ملك المغرب نال وسام الاستحقاق من الدولة في الأدب عام 1967 وقد نال دكتوراه فخرية من أكاديمية الفنون عام 1976 وحصل على وسام الاستحقاق اللبناني المرموق ومنحته جمعية الملحنين ومقرها باريس درعًا تذكاريًا تقديرا لمساهماته.

العلاقة مع أم كلثوم أثّر رامي على الفنانة المصرية الأسطورية أم كلثوم التي غنت حوالي 200 أغنية من أغانيها تعرّف على أم كلثوم عام 1924 بعد عودته إلى القاهرة من دراسته في باريس وصفته بأنه مزيج روحي من المشاعر الملهمة والثورة المكبوتة بعمق والهدوء والتفاني كتب لها قصيدة (إذا سامحت) والتي أصبحت أول تسجيل لها ، أصدر الكاتب والصحفي اللبناني سليم نسيب روايته أم (أحبك لصوتك) ركزت على العلاقة بين رامي وأم كلثوم عام 1996.

69/ قيس ولبنى

(قيس ولبنى) هو عنوان مسرحية شعرية مستوحاة من التراث العربي القديم تحكي قصة حب دارات في الحجاز في القرن الأول الهجري وبطلها هو شاعر من شعراء الغزل والحب العذري هو قيس بن ذريح الليثي الكناني المعروف بلقب (مجنون لبنى) والذي كتب القصائد في حبيبته لبنى بنت الحباب الكعبية الخزاعية والتي تزوجها ثم طلقها بعد ضغوط من أبويه ثم عانى من فراقها ، والمسرحية من تأليف الشاعر والسياسي عزيز أباظة (1898 ـ 1973 م) وهو من نوابع العائلة الأباظية في مصر ومن كبار عرب العايد.

وقد ترجم له الزركلي في كتابه الأعلام فقال : ” عزيز أباظة .. عزيز بن محمد بن عثمان أباظة شاعر مصري من رجال الأدب واللغة والقضاء ولد في (الربع ماية) بالشرقية وتخرج بالحقوق في القاهرة (1923) وعمل في المحاماة ثم كان مدعيا عاما فقاضيا فمن أعضاء مجلس النواب (1929) وتولى اعمالا ادارية فكان حاكما عسكريا لمنطقة القناة (1941) فمديرا لأسيوط (1947).

وعين عضوا بمجلس الشيوخ ثم بمجمع اللغة العربية (59) والمجمع العلمي العراقي وتوفي بالقاهرة ، له مؤلفات مطبوعة كلها شعرية منها : ديوان ، وأنات حائرة ، وقيس ولبنى (مسرحية) ، والعباسية (مسرحية) ، وعبد الرحمن الناصر ، وشجرة الدر ، وأوراق الخريف ، وقافلة النور ، وقيصر ، وآخر كتبه قبل وفاته : من إشراقات السيرة النبوية “.

وجاءت قائمة أعماله في كتاب الأدب المقارن جامعة المدينة تحت عنوان عزيز أباظة ومسرحه الشعري وفيها : ” حياة عزيز أباظة وما ألفه من مسرحيات : ولد عزيز أباظة عام ألف وثمانمائة وثمانية وتسعين في منيا القمح التي تتبع حاليًا محافظة الشرقية بمصر وتوفي عام ألف وتسعمائة وثلاثة وسبعين ميلاديًّا ويعد عزيز أباظة رائد المسرحية الشعرية بعد أحمد شوقي أمير الشعراء.

وقد تخرج من كلية الحقوق عام ألف وتسعمائة وثلاثة وعشرين واختير عضوًا بالمجمع اللغوي ورئيسًا للجنة الشعر بالمجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب كما حصل على جائزة الدولة التقديرية في الآداب عام ألف وتسعمائة وثلاثة وستين ، وكان قد انتخب عضوًا في مجلس النواب قبل ثورة يوليو وذلك عام ألف وتسعمائة وستة وثلاثين وكان من المعارضين لمعاهدة ألف وتسعمائة وستة وثلاثين التي أبرمتها حكومة الوفد مع الإنجليز.

أما بالنسبة إلى مؤلفاته فقد نشر له ديوان (أنَّات حائرة) عام ألف وتسعمائة وثلاثة وأربعين وهو من أوله إلى آخره في رثاء زوجته الأولى وأم أولاده ، وله كذلك عدة مسرحيات شعرية هي (قيس ولبنى) وقد صدرت عام ألف وتسعمائة وثلاثة وأربعين وتعد أولى مسرحياته وتعتمد قصتها على أحداث قصة العاشقين المعروفين قيس ولبنى كما وردت في كتاب (الأغاني) للأصفهاني ، ثم مسرحية (العباسة) وقد صدرت عام ألف وتسعمائة وسبعة وأربعين وفيها يصور الصراعات السياسية والشخصية التي حفل بها عصر الرشيد من خلال العباسة أخت الخليفة وزوجة جعفر البرمكي وقد عُرضت في القاهرة أمام الملك فاروق.

ثم مسرحية (الناصر) عام ألف وتسعمائة وتسعة وأربعين وقد تناول فيها عصرًا من عصور الأندلس الزاهرة في عهد عبد الرحمن الناصر ، ثم هناك (شجرة الدر) التي تقدم لنا مأساة الملكة شجرة الدر بعد وفاة زوجها السلطان في أيام عصيبة خلال الغزو الصليبي لمصر والتي مثلت على مسرح الأوبرا عام ألف وتسعمائة وسبعة وأربعين ، ثم لدينا مسرحية (غروب الأندلس) وقد صدرت عام ألف وتسعمائة واثنين وخمسين.

ثم (شهريار) عام ألف وتسعمائة وخمس وخمسين وفي هذه الأخيرة يطرح عزيز أباظة معالجة جديدة لقضية شهريار فهو يضع إلى جوار شهرزاد أختها دنيا زاد التي تنازعها حب شهريار وأولى الأختين ترمز إلى المعرفة السامية على حين ترمز الأخرى إلى الشهوة المثيرة لتستمر المنافسة ويخرج منها شهريار في النهاية بما يشبه التصوف الأخلاقي وقد كُتبت هذه المسرحية بالاشتراك مع عبد الله بشير.

ثم هناك أيضًا (أوراق الخريف) سنة ألف وتسعمائة وسبعة وخمسين ، ثم (قافلة النور) سنة ألف وتسعمائة وتسعة وخمسين ، ثم (قيصر) سنة ألف وتسعمائة وثلاثة وستين وفيها يقدم شاعرنا لحظة حاسمة من التاريخ الروماني استقى أحداثها من روايات بلوتارك لتاريخ يوليوس قيصر ومحور الصراع هو بروتوس الذي كان في الحقيقة ابنًا غير شرعي لقيصر وحين يكتشف بروتوس بنوته لقيصر يثور في نفسه صراع بين عاطفة البنوة والإيمان بالجمهورية.

ثم هناك (مسرحية زهرة) سنة ألف وتسعمائة وثمانية وستين وهي آخر مسرحيات عزيز أباظة واستوحى فكرتها من موضوع فيدرا الإغريقية وألبسها ثوبًا معاصرًا ، ولأباظة كذلك من إشراقات السيرة الذكية وهي شعر ملحمي ، ثم (تسابيح قلب) سنة ألف وتسعمائة وأربعة وسبعين وهو ديوان شعري ، وديوان عزيز أباظة سنة ألف وتسعمائة وثمانية وسبعين ، و (هكذا تكلم صفوان) وهو أيضًا ديوان شعر ولكن ليس معروفًا سنة إصداره ، وأخيرًا (أشعار لم تنشر لعزيز أباظة) الذي أصدرته ابنته عفاف بعد وفاته، ويضم أشعارًا لم تنشر في أي الدواوين أو المسرحيات السابقة “.

ومن أشهر قصائده (همسة حائرة) التي غناها محمد عبد الوهاب وقد ضمنها في مسرحية قيس ولبنى مع تغيير بسيط في الألفاظ بحيث يجري على لسان البطل شعوره هو تجاه زوجته وفيها يقول : يا منية النفس ما نفسي بناجيةٍ وقد عصفْتِ بها نأْيًا وهجرانا .. أضنيْتِ أسوان ما ترقى مدامعه وهجْتِ فوق حشايا السهد حيرانا .. يبيت يودع سمع الليل عاطفة ضاق النهار بها ستْرًا وكتمانا .. هل تذكرين بشط النيل مجلسنا نشكو هوانا فنفنى في شكاوانا .. تنساب في همسات الماء أنّتُنا وتستثير شجون النهر نجوانا.

وحولنا الليل يطوي في غلائله وتحت أعطافه نشوى ونشوانا .. لم يشهد الرافد الفضيُّ قبلهما إلفيْن ذابا تباريحًا وأشجانا .. نكاد من بهجة اللقيا ونشوتها نرى الدُّنا أيْكةً والدهر بستانا .. ونحسبُ الكون عُشَّ اثنين يجمعنا والماء صهباءَ والأنسام ألحانا .. لم نعتنق والهوى يغري جوانحَنا وكم تعانق روحانا وقلبانا .. نُغضي حياءً ونُغضي عفّةً وتُقىً إن الحياء سياجُ الحبِّ مذ كانا .. ثم انثنيْنا ومازال الغليل لظًى والوجدُ محتدمًا والشوقُ ظمآنا.

وقد كتب عنه الدكتور محمد مندور في كتابه المسرح وذلك تحت عنوان مسرح عزيز أباظة فقال : ” وبعد وفاة شوقي بإحدى عشرة سنة تقريبًا ظهر شاعر تقليدي جديد يتمسَّك بعمود الشعر بل ويقتتل في سبيله ويحرص الحرصَ كله على الجزالة وهو الشاعر عزيز أباظة الذي عُرف فجأةً كشاعر عندما نشر سنة ١٩٤٣م ـ وهو يعمل مديرًا لإحدى مديريات القُطر ـ ديوان أنات حائرة الذي خصَّصه لرثاء زوجته الفقيدة فكان هذا الديوان هو وديوان من وحي المرأة للأستاذ عبد الرحمن صدقي ظاهرة فريدة لا في الشعر العربي وحده بل في الشعر عامة إذ نرى كلًّا منهما يخصص ديوانًا ـ لأول مرة ـ لرثاء الزوجة.

والظاهر أن الأستاذ عزيز أباظة قد عقد العزم على أن يكون شاعر المفاجآت فنحن لا نعلم أنه قد نشر بعد ذلك الديوان قصائدَ أخرى من الشعر الغنائي أي الشعر العربي التقليدي وعلى العكس من ذلك نراه رغم نزعته التقليدية المحافظة على عمود الشعر العربي يُفاجئ الجمهور المصري في سنة ١٩٤٣م بأول مسرحية شعرية له وهي قيس ولبنى التي أتبعها بعدة مسرحيات شعرية أخرى استقاها ـ كما فعل شوقي ـ إما من تاريخ مصر وإما من تاريخ العرب الحقيقي أو الأسطوري قبل أن ينتهي أخيرًا إلى كتابة مسرحية معاصرة شعرًا أيضًا وهي أوراق الخريف التي ظهرت في أواخر سنة ١٩٥٧م.

لقد ألَّف عزيز أباظة مسرحية قيس ولبنى التي مثلتها الفرقة المصرية للتمثيل والموسيقى في ٤ نوفمبر سنة ١٩٤٣م ، وفي سنة ١٩٤٧م نشر الأستاذ عزيز أباظة مسرحية العباسة التي مثلتْها أيضًا الفرقة المصرية للتمثيل والموسيقى بدار الأوبرا وحضرها الملك السابق فاروق وأنعم بمناسبتها على المؤلِّف برتبة الباشوية وقد كتب الدكتور محمد حسين هيكل مقدمة لها.

وفي سنة ١٩٤٩م أصدر مسرحيته الثالثة (الناصر) مصدَّرة بخطاب إعجاب وتقدير من الأستاذ أحمد لطفي السيد ومقدمة للأستاذ أحمد حسن الزيات ، وفي سنة ١٩٥١م أصدر مسرحيته شجرة الدر وأهداها إلى الشاعر أحمد شوقي أو على الأصح إلى روحه قائلًا : إلى شوقي الخالد أُزجي أثرًا من هديه ونفحة من وحيه هدية تقدير وإكبار ووفاء ، ومن الواضح أن الأستاذ عزيز أباظة كان يستطيع أن يكتب نفس الإهداء على مسرحياته السابقة فكلها أثر من (هدي شوقي ونفحة من وحيه).

وبعد قيام الثورة المصرية الأخيرة أصدر الشاعر عزيز أباظة مسرحيته الشعرية الخامسة غروب الأندلس وأهداها إلى (الأمة المصرية الكريمة) قائلًا : لقد كان من مواتاة القدر أن أفرغ من كتابتها ـ إلا قدرًا ضئيلًا منها ـ ولما يتأذَّن الله لفجرك الجديد أن تشرق أضواؤه ولا لبعثك المجيد أن تنهل آلاؤه ولقد كانَ أغلبُ ظني أنها لن يُهيأ لها أن تُنْشَر على الناس ممثلة أمامهم أو متداولة بين أيديهم ولكنني قدرت وقدر الله وكان أمر الله قدرًا مقدورًا.

وفي هذه المسرحية ـ أيتها الأمة الناهضة ـ لمحاتٌ عن الدول كيف تتداعى أَوَاسيها وعن الشعوب كيف تتوارى في حنايا الأبد مجاليها ، ولعل العظةَ بالاعتبار ألصق بالمشاعر من العظة بالنصيحة فإن شارفت هذه العظة منك سماوة تشوفت إليها فهو إذن نشيدة طالما تعلق أملي بأهدابها ورغيبة وقفت العمر أعالج العسير من أبوابها “.

وقد فصل مندور ذلك في كتاب خاص بالموضوع فقال : ” هذا وقد وضعنا كتابًا خاصًّا عن مسرحيات عزيز أباظة كما وضعنا كتابًا آخر من قبل عن مسرحيات شوقي والكتابان ضمن مطبوعات معهد الدراسات العربية العالية بالقاهرة التابع لجامعة الدول العربية ، وقد أوضحنا في كتابنا عن مسرحيات عزيز أباظة رأينا في هذه المسرحيات من ناحية بنائها الفني وطريقة المؤلف في معالجة الموضوعات التاريخية وتصوير الشخصيات ثم أسلوبه الشعري التقليدي المولع بالألفاظ القديمة التي يُعْتبر الكثير منها مهجورًا “.

وشرح مندور ذلك في كتابه محاضرات عن مسرحيات عزيز أباظة فقال : ” ومن البديهي أننا لا يمكن أن نطالب الشاعر عزيز أباظة بأن يتخيل أحداثًا ومواقف يضيفها إلى أحداث الأسطورة المتوارثة إن كان قد وجد في تلك الأحداث المروية ما يغنيه عن التخيل والإضافة وبخاصة إذا ذكرنا أن قصة (قيس ولبنى) تمتاز عن قصة (مجنون ليلى) في الروايات المتوارثة ميزة كبيرة تُعفي من يتناولها من طرح الكثير من وقائعها جانبًا لما فيها من إسراف وإحالة يبعدان بها عن الروح العصرية المتعمقة التي تحاول أن تغوص من خلال الأساطير خلف حقائق النفس البشرية والمعاني العميقة للحياة.

فقصة قيس ولبنى المروية تستند عن حقائق نفسية وتاريخية لا شك في صدقها أو على الأقل في مشاكلتها لواقع الحياة العربية من جهة والإنسانية العامة من جهة أخرى ، فقيس فيما تحكي الأسطورة يمر بديار لُبنى ويستسقي لُبنى ماء فتحمل إليه ما أراد ويبهره جمالها فتعلق بها نفسه ويقول فيها الشعر ، ومن الثابت تاريخيًّا أن القبائل العربية كانت ترفض أن تزوج فتياتها بمن يشبب بهن وإن كنا لا ندري كيف وقع أكثر من شاعر عربي في مثل هذا الخطأ إذا كان ذلك العرف ثابتًا مقدسًا بين القبائل العربية ولكن هذا على أية حال هو ما جرت به قصة قيس ولبنى المروية.

والظاهر أن هذا العرف كان من الممكن رغم تأصُّله التغلُّب عليه إذا وضع في الكفة الأخرى ثقل يمكن أن يرجحه وذلك بدليل أننا نرى قيس بن ذريح يلجأ في القصة إلى أخيه في الرضاعة الحسين بن علي لكي يلقي بثقله عند الحباب والد لُبنى وقومه ، وبالفعل يرسل الحسين مع قيس عبد الله بن أبي عتيق إلى والد لُبنى،فلما كان أهل الحجاز جميعًا في ذلك الوقت من الشيعة الذين لا يمكن أن يرفضوا لابن الإمام علي ولسبط النبي طلبًا فقد كان من المتوقع أن يستجيب الحباب لهذه الوساطة الكريمة.

ولكن القصة تأبى هذه السهولة التي تُفقدها رونقها ولذلك نراها تزعم أن الحباب قد وجد عذرًا وجيهًا لكي لا يستجيب لما طلب منه عند الوهلة الأولى فيعتذر إلى رسول الحسين بأنه وإن يكن لا يستطيع أن يرد للحسين طلبًا إلا أنه لا يستطيع أن ينسى تقاليد العرب وآدابهم التي تقضي بأن يطلب الأب زوجة الابن من أهلها ، وبخاصة وأن ذريح والد قيس رجل ذو ثراء وقد جرت الأحاديث بأنه يفضل لابنه زوجة من قبيلته قبيلة ليث بن بكر الكنانية وحباب لا يريد أن يظن العرب أنه قد اختطف قيسًا لابنته طمعًا في مال ذريح وعن غير علم منه ولا رضًا ولا إرادة صريحة ساعية.

ولذلك يعود الرسول إلى ديار بني كعب ليبذل أولًا مسعاه عند ذريح باسم الحسين بن علي ويَحمِله على أن يرتحل معه إلى حباب ليطلب لبنى زوجة لابنه قيس وفعلًا ينجح هذا السعي ويتم الزواج وبذلك ينتهي الفصل الأول من القصة ليبدأ الفصل الثاني فصل حياة قيس ولبنى في ديار ليث بن بكر الكنانية ومع ذريح وزوجته أم قيس ، وهنا تصور القصة تلك الظاهرة الإنسانية العامة ظاهرة الأم التي تستشعر الغيرة من زوجة ابنها عندما تحس أنها قد سلبتها حبه.

ويزيد واضع القصة من وقائعها تعقيدًا في مهارة فيزعم أن قيس ولبنى لم ينجبا أطفالًا بالرغم من امتداد الحياة الزوجية بهما خمس سنوات كما يخبرنا بأن ذريح لم يكن له ولد غير قيس وأنه كان بالبديهة حريصًا على أن يكون لقيس ولد تئول إليه ثروة الأسرة ولا تفارقها إلى أجنبي أو قريب قصي ، واستغلت الأم هذا العنصر الجديد الفعَّال لكي توغر صدر الأب على زوجة الابن وتحمله على أن يطلب إلى ابنه أن يتزوج بثانية.

وإذ رفض الابن ذلك لشدة حبه لزوجته طالبه الأب بأن يتسرَّى على الأقل بإحدى الإماء لعله ينجب الولد ولكن الابن يرفض هذا التسرِّي أيضًا، فتثور ثائرة الأب ويطلب إلى ابنه أن يختار بين لُبنى وبين والديه ، ويعجز الابن عن مثل هذا الاختيار القاسي ويرفضه فيزداد الأب هياجًا ويُقسم ألا يُظلَّه مع قيس ولبنى سقف واحد ويعرض قيس عدة حلول كأن يغادر هو ولبنى منزل الأسرة ولكن الأب يصر على عناده.

وبالفعل يغادر هو الدار ليقيم في العراء وتتقطع من الابن نياط القلب حتى لنراه يخف إلى أبيه في وهج الشمس ليظلَّه ويصطلي هو نارها بردائه ويظل على هذه الحالة مدة تختلف فيها الروايات ما بين الشهور والسنوات حتى يفتر منه العزم في النهاية ويتغلب جانب البر بأبويه فيرضخ لحكم القضاء ويُطلِّق لبنى التي تقيم بعد ذلك في خباء مجاور حتى تنقضي عدَّتها ويأتي أهلها ليحتملوها فتتجدد النار في قلب قيس ويبكي ويتوجع وكأنه قد صحا من حلم لا يريد أن يصدقه ويتعلق بأذيال لبنى بل ويقبل على الأرض مواقع أقدام البعير الذي حملها.

ويصاب قيس بالشقاء والشرود حتى أوشك أن يصبح هو الآخر (مجنون لبنى) على نحو ما أصبح ابن الملوح مجنون ليلى ويحتال أهله للأمر وما يزالون به حتى تروقه فتاة من فزارة اسمها هي الأخرى لبنى فيَقبل الزواج منها على مضض ولكنه لا يدخل بها ولا ينظر إليها ولا يطيق الحياة معها ويغادر دياره ومعه قطعة من نوق أبيه زعم أنه سيقوم ببيعها في نجد ويمتار ـ أي يشتري ـ مئونة لأهله بثمنها.

وفي نجد يشتري منه ناقة رجل اسمه كثير بن الصلت على أن يدفع ثمنها في داره التي دعا قيسًا إلى أن يزوره فيها وأن ينزل عليه ضيفًا بها، ويلقى قيس في نجد أيضًا عبد الله بن أبي عتيق نصير الحسين ويصطحبه معه إلى دار كثير وإذا به يكتشف في تلك الدار أن كثيرًا هذا قد تزوج من لُبنى التي قبلت الزواج منه بعد أن علمت بزواج قيس من الفزارية ويلتقي قيس بلُبنى ويتعاتبان.

وبعد عدة أحداث ملفقة تقول هذه الرواية إن ابن أبي عتيق قد استخدم نفوذ الحسين مرة أخرى لكي يحمل كُثيِّرًا على أن يطلق لُبنى ليستردها قيس وذلك بينما تنكر بعض الروايات الأخرى كل هذه القصة الأخيرة الخاصة ببيع الناقة وزيارة قيس للبنى في دار زوجها الجديد وتطليقها واسترداد قيس لها لتترك قيسًا في شقائه المقيم الذي انتهى إليه أضرابه من المحبين المنكوبين وعلى رأسهم قيس بن الملوح (مجنون ليلى).

هذه هي القصة التقليدية في بعض رواياتها المختلفة المتضاربة ، فماذا فعل بها الأستاذ عزيز أباظة ؟ وما الذي أخذه منها ؟ وما الذي تركه ؟ وهل أحسن الأخذ وأحسن الترك بحيث يستقيم له الفن الدرامي ويخرج من هذه الأسطورة الجميلة بكل إمكانياتها الخلقية بأن تدنو بها من صدق الحياة أو على الأقل مُشاكَلة الحياة والكشف عن مفاهيمها العميقة ؟ “.

70 / صرخة في واد

عندما كنت في المرحلة الثانوية قمت بإلقاء قصيدة في الإذاعة المدرسية في إحدى الحفلات وقد اختارها لي والدي رحمه الله وكتبها بيده وظلت كلماتها عالقة بذهني إلى اليوم لأنها كانت تتغنى بتاريخنا المجيد ، وقد عرفت بعد ذلك أن مؤلفها هو شاعر العروبة والإسلام محمود غنيم (1901 ـ 1972 م) صاحب الدواوين الشعرية العديدة وأهمها : صرخة في واد ، في ظلال الثورة ، مع الإسلام والعروبة ، رجع الصدى ، وله عدد من المسرحيات الشعرية منها : المروءة المقنعة ، غرام يزيد ، يوما النعمان ، الجاه المستعار.

وكلمات القصيدة تحمل شعارات الحماسة والفخر ويقول فيها : ما لي وللنجم يرعاني وأرعاه .. أمسى كلانا يعاف الغمض جفناه .. لي فيك يا ليل آهات أرددها .. أواه لو أجدت المحزون آواه .. لا تحسبني محباً اشتكي وصباً .. أهون بما في سبيل الحب ألقاه .. إني تذكرت والذكرى مورقة .. مجداً تليدا بأيدينا أضعناه .. ويح العروبة كان الكون مسرحها .. فأصبحت تتوارى في زواياه .. أنى اتجهت إلى الإسلام في بلد .. تجده كالطير مقصوصاً جناحاه .. كم صرفتنا يدكنا نصرفها .. وبات يحكمنا شعب ملكناه.

كم بالعراق وكم بالهند ذو شجن .. شكا فرددت الأهرام شكواه .. بني العمومة إن القرح مسكم .. ومسنا نحن بالألام أشباه .. يا أهل يثرب أدمت مقلتي يد .. بدرية تسأل المصري جدواه .. الدين والضاد من مغناكم انبعثا .. فطبقا الشرق أقصاه و أدناه .. لسنا نمد لكم أيماننا صلة .. لكنما هو دين ما قضيناه .. هل كان دين ابن عدنان سوى فلق .. شق الوجود و ليل الجهل يغشاه .. سل الحضارة ماضيها و حاضرها .. هل كان يتصل العهدان لولاه .. هي الحنيفة عين الله تكلؤها .. فكلما حاولوا تشويهها شاهوا.

ولد الشاعر في بلدة مليج ودخل الكتَّاب فيها ثم التحق وهو ابن الرابعة عشرة بالمعهد الأحمدي الأزهري بطنطا وظل به أربع سنوات ثم التحق بمدرسة القضاء الشرعي لمدة ثلاث سنوات ثم التحق بمدرسة دار العلوم وتخرَّج فيها عام 1929 م ثم عمل بالتدريس في المدارس الأولية ثم في مدرسة كوم حمادة بمحافظة البحيرة حتى 1938 م ثم بمدرسة الأورمان بالقاهرة ثم مفتشاً أول للغة العربية ثم عين عضواً في لجنة الشعر بالمجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب.

نبغ في الشعر منذ صباه وتبارت المجلات المختلفة في نشر أشعاره ومن هذه المجلات والجرائد ما هو داخل القطر المصري ومنها ما هو خارجه فمن المجلات والجرائد داخل مصر : السياسة الأسبوعية ، البلاغ الأسبوعي ، الرسالة ، الثقافة ، الأهرام ،  المصري ، أبولو ، دار العلوم ، ومن المجلات خارج القطر المصري : مجلة الحج السعودية ، العُصبة الأندلسية (وكانت تصدُر في البرازيل).

جمع محمود غنيم أشعاره ونَشَرها في دواوين ، وكان قد جمع ديوانه الأول وهو صرخة في واد عام 1947 م وتقدم به لأول مسابقة شعرية يُعدها مجمع اللغة العربية بالقاهرة ففاز بالجائزة الأولى ، أما ديوانه الثاني فكان بعنوان في ظلال الثورة وقد جمعه مما كان ينشره في الصحف والمجلات في المناسبات المتعددة ونال عنه جائزة الدولة التشجيعية عام 1963 م ، وله كذلك ديوان رجع الصدى وقد اجتهد الشاعر في طباعته لكن القدَر لم يمهله فتُوفي وطبع بعد وفاته.

وقد كتب الشاعر عزيز أباظة مقدمة ديوانه في ظلال الثورة وقال عنه : ” إنك تحس وأنت تطالع هذا الديوان أنك في متحف رائع للطبيعة تعرض فيه كل ما يخلب اللب ويأسر المشاعر من صور فكل قصيدة من قصائده أشبه بلوحة رائعة أبدعتها يد صناع وهيهات أن تجد في بيانه المحكم السبك ما يتجافى عنه الذوق السليم وتنبو عنه النفس الشاعرة ، ومرد ذلك إلى مكونات الشاعر من ثقافة واسعة متنوعة وموهبة فطرية تفاعلت معها أسرار الحياة فلا عجب وقد تكاملت له عناصر الشاعرية المبدعة أن يهيم في كل واد من أودية الشعر وأن يصبح بحق دعامة راسخة من الدعائم التي ارتفع عليها صرح النهضة الأدبية المعاصرة “.

وقد تناول كتاب مجلة البيان دولوين الشاعر بالنقد والتحليل وذلك تحت عنوان (معالم إسلامية في شعر محمود غنيم) بقلم الدكتور صابر عبد الدايم وقال فيها : إن الشاعر (محمود غنيم) يُعَدّ في الطليعة من أولئك الشعراء الكبار الذين أخلصوا لفن الشعر وهو فن العربية الأول وهو ديوان العرب وسجل أمجادهم ومناط فخارهم ، ولقد كان الشاعر (محمود غنيم) رحمه الله وسيظل في طليعة من أنجبتهم مصر من شعراء العربية وأدبائها فحولة وأصالة وصدقاً والتزاماً فقد تميز شعره بغزارة الفكر والثقافة الواسعة والصياغة المحبوكة لمعرفته بأصول اللغة العربية وأسرارها وحلاوة الإيقاع لحسه المرهف وشاعريته الأصيلة.

وتمثل الرؤية الإسلامية في شعر (محمود غنيم) تياراً رئيساً في مرحلته الشعرية الخصبة الممتدة وآيةُ ذلك أن ديوانه الأخير الذي أعدّه وَبوّبه ثم طُبع بعد وفاته جعل عُنْوانَه (مع الإسلام والعروبة) وكأنه يعلن أن الرؤية الإسلامية من خلال التصور الإسلامي هو المنهج الذي ارتضاه سلوكاً وتعبيراً فنيّاً يقدم من خلاله خطابه الأدبي للناس ، وهو على يقين أن الرؤية الإسلامية في الشعر المعاصر لا تقتصر على الشعر الديني المباشر المتمثل في شعر المناجاة والتضرّع وشعر الوعظ ، وكذلك تستوحي هذه الرؤية جَوّ الحضارة الإسلامية في مواقفه وشخوصه وأماكنه وأزمنته ولا تَرْوي هذه الرؤية الشعريةُ الإسلاميةُ في صياغتها الفنية التاريخَ في صورة سردية تقريرية بل تمتزج بروح ذلك التاريخ وتشكل منه واقعاً له شخصيته ونفاذه وتأثيره.

وحين نرْصد المظاهر الإسلامية في شعر الشاعر (محمود غنيم) ندرك أنه يخصص جانباً من دواوينه ويجعله تحت هذا المسمّى (إسْلاميات) ، وأرى أن هذا التخصيص يفرض حصاراً على رؤية الشاعر الإسلامية ويُقيِّدها لأن الشاعر مهما تعددت أغراض الشعر لديه في دواوينه فهي تدور حول محور الإسلام منه تنطلق وإليه تعود.

وقد نشأ الشاعر في بيئة دينية محافظة وبدأ تعلّمه في الأزهر وفي مدرسة القضاء الشرعي وفي دار العلوم ، هذه البيئات كان لها أثرها العميق في توجه الشاعر وفي اتساع آفاق الرؤية الإسلامية وتأثيرها في شاعريته وهو يصور هذه المعالم الرئيسة في تكوين وجدانه وصقل مواهبه فيقول منوِّهاً بقريته (مليج) وبالمعاهد العلمية التي تلقى فيها العلم :

سلام عليها في (مليج) مثابةً .. حفِظت بها السبع القصار المثانيا .. سلام على (دار القضاء) وأهلها .. وربْع من العرفان أصبح خاويا .. لقد وأَدُوها منذ خمسين حجة .. وما زال قلبي غائر الجرح داميا .. سلام على (دار العلوم) وعهدها .. وهيهات هذا العهد يرجع ثانيا .. رياض غَرفْتُ العلم من غرفاتها .. وأوْدَعْتُ فيها بضعة من شبابيا .. أروح إليها كل يوم وأغْتدي .. إلى العلم عطشاناً من العلم راويا.

ورؤية (محمود غنيم) الشعرية الدائرة في فلك التصور الإسلامي يمكن أن نحدد بعض معالمها في الظواهر الآتية : أولاً الرؤية الحضارية للمدّ الإسلامي وهذه الرؤية الحضارية للوجود الإسلامي في بعض تجاربه الشعرية يبثها من وحْي زيارته للأراضي المقدسة حين قام بأداء فريضة الحج فهو يبث المكان أشْجانه ويشتاق إلى المشاعر المقدّسة وفي الوقت ذاته لا ينسى واقع المسلمين فيدعوهم أن يكونوا على قلب رجل واحد وأن يكونوا أمة واحدة كما أراد لهم الله (عزّ وجل) .

يقول (محمود غنيم)  : دَارَ النبوة ذَنبْي عنكِ أبعدني .. وحسن ظنِّي بربِّي مِنك أدْناني .. ما غبْتِ عني وإن لم يمتلئْ بصري .. من أهلك الصِّيد أو من رَبْعِكِ الغاني .. قد كنتُ ألقاكِ في لَوْحي وفي كُتُبي .. وفي سطور أحاديثي وقرآني .. ما زلتِ رسْماً جميلاً في مخيّلتي .. حتى كأنّا التقينا منذُ أزمانِ ، ثم يشيد الشاعر بفضل رسالة الإسلام التي انطلقت من مكة المكرمة ومن المدينة المنورة.

ويصور ذلك متأثراً بمهنته في رحاب التربية والتعليم : هنا بنى المصْلحُ الأميّ جامعةً على أساسين من عِلْم وعرْفانِ .. ربّى العتيق أبا بكرٍ بها وأبا حفْصٍ وربّى عليّاً وابن عَفّانِ .. طُلاّبُها في ربوع العالم انتشروا مبشرين بإصلاح وعُمْران .. ساسوا الشعوب بأحكام الكتاب فما أحسّ شعب بجورٍ أو بطغيان.

وتمتزج هذه الرؤية الحضارية لدور الإسلام الفاعل والمؤثر في حركة الحياة بمشاعر التضرع والمناجاة والاعتراف بفضل الله (عز وجل) ، ففي نهاية قصيدة (في أرض النبوة) يتأثر الشاعر بمعاني القرآن الكريم في أسلوب مشرق واضح ويناجي ربّه في تضرع وخشوع :

يا ربِّ قد عشْتُ في دنْياي مغترباً .. ويْلاَهُ إن أغتربْ في العالم الثاني .. أستغفر الله من كفران نعمته .. بل فوق ما أستحقّ الله أعطاني .. ألم يجدْني أخا غيٍّ فأرشدني .. وهائماً غيْر ذي ماًوى فآواني .. ألم يجدْني أخا جهْل فعلّمني .. وعائلاً غيْر ذي وُجْد فأغْناني .. لبيك ملء فمي لبيك ملء فمي .. يا رب يا رب من قلبي ووجْداني.

ثانياً الأحداث والمواقف الإسلامية : وحينما نتأمل هذا المعْلَم من معالم رؤية الشاعر الإسلامية نجد أنه لم يُعْنَ بتسجيل الأحداث التاريخية الإسلامية عناية كبيرة حيث لم يسجِّل المناسبات الإسلامية التي أَلِفَ الشعراء أن ينظموا في ظرْفها الزمني قصائدهم كلما حان موعد المناسبة ، وكأن الشاعر (محمود غنيم) يعلن بهذا المسْلك الفني أنّ التاريخ الإسلامي ليس أحداثاً تُرْوى ولا أطلالاً ننوح عليها بل يتجاوز التاريخ هذه الأحداث إلى التغلغل في صميم الحياة الإسلامية الناطقة بالوجه الحضاري للإسلام.

ولنتأمل تصويره الرائع في قصيدته (الركب المقدّس) وهو يتابع الهجرة المباركة من مكة إلى المدينة المنوّرة ويَرْصد آثار ذلك الحدث الإسلامي الكبير حيث يتساءل في عزة وإيمان: أيّ دين ذلك الدين الذي حوّل الأفْكار عن كُلِّ اتجاهْ .. صَهَر الأنْفس حتى لم تَعُدْ تدرك الأنفس شيئاً ما عداهْ .. كم أبٍ خاصم في الله ابنَه وأخ حارب في الله أخاهْ .. باسمه أمسى يسوس الأرض مَنْ يحلب النوق ومن يَرْعى الشياهْ .. ويجوب البحر من لم يَرَهُ غير طيف من خيالٍ في كراهْ .. ناشراً من فوقه أعْلامه تفزع العقْبان منْها والبزاهْ.

ثالثاً التأملية في ظلال الرؤية الإسلامية : إن التأمل في شعر (محمود غنيم) لا يمثل تياراً رئيساً فشعره ينزع إلى تجسيد العاطفة وإذكاء المشاعر ولا يقحم تجربته في شعاب الفكر بحيث تخبو العاطفة ويعلو صوت الذهن وإيقاع الفكر ، وشاعريته لم تبتعد كثيراً عن آفاق التجربة التأملية ولكن التأمل في شعر (محمود غنيم) ممتزج بالعواطف الحارّة والمشاعر الإنسانية الدافئة ولا يلقيه التأمل بعيداً عن ظلال الرؤية الإسلامية.

وأهم جوانب التأمل النابع من رؤية الشاعر الإسلامية ما يلي : أ – التأمل الشعري ورحلات الفضاء : وللشاعر مطولات في هذا الاتجاه وهو يتأمل هذه الظاهرة العلمية ويحلِّق في آفاق الفضاء ولكنه يظل مرتبطاً بالأرض حريصاً على رخاء البشرية متمسكاً بحبل الله المتين ، يقول الشاعر بعد تأمل حدث الصعود إلى القمر : تعالى الله إن العلم نور سناهُ من سناهُ مستعارُ .. أفوق الأرض يُضمن ليت شعري بهذا الكشف للعلم انتشارُ  .. ويُرْسى للسلام به أساس ويكتب للحضارة الازدهارُ .. أمانٍ تلك إنْ هي أخطأتنا فلا نصرٌ هناك بل اندحارُ.

ثم ينتهي الشاعر من تأملاته إلى الاحتماء بمظلة الإيمان ودائرة التوحيد ولم تنته به التأملات إلى القلق أو الشك وإنما لأنه شاعر مسلم تنطلق تجاربه من نبع إيمانه الفياض بالتسليم المطلق لخالق الكون ، نجده يقول : سلوا الأفلاك إذ طرتم إليها .. أكان لها من الضحك انفجارُ .. وقبلكمُ بنى هامانُ صرحاً .. فكاد النجم يدركه انهيارُ .. أضعتم في الهواء كنوز مالٍ .. وملء الأرض بؤس وافتقار.

ب – تأمّلُ الطبيعة وتوظيفها في تشكيل التجربة الشعرية : والطبيعة في تجربة (محمود غنيم) الشعرية التأملية تظل عاملاً خارجيّاً وتصل في بعض تجاربه إلى مرتبة (الاشتراك) مثل تجارب الرومانسيين ولا تتجاوز الطبيعة هاتين المرتبتين إلى مرتبة الفناء الوجداني في مشاهد الطبيعة ومرائيها واتخاذها معادلاً موضوعيّاً أو بديلاً عن الذات شأن الرمزيين الذين تتحد ذواتهم بكائنات الطبيعة ومشاهدها وظواهرها المتعددة.

وفي قصيدة (نيسان) يتجوّل الشاعر في عوالم الطبيعة ويبدع في وصف مغانيها ومجانيها ويتأمل مرائيها ومراميها وهو يبدع أيما إبداع في هذا الجانب الوصفي المحلِّق وفي نهاية القصيدة يرسم لوحة إيمانية تأملية مستمدة إيقاعها العذب من أجواء الرؤية الإسلامية ، ولنتأمل هذه النفثات الشعرية الإيمانية الصادقة : تعالَوْا نبتكر عهداً جديداً .. عُمّ الخيرُ فيه واليسارُ .. شهدت بأن لله اقتداراً .. وغير الله ليس له اقتدارُ .. وأن الجهل للإنسان مَهْما .. يزدْ علماً ومعرفة شعارُ .. وأن وراء هذا الكون ربّاً .. له في الكون أسْرارٌ كبارُ.

والشاعر يعلن بهذه التأملات الإيمانية أن الكون في المنظور الإيماني مسرح التأملات والشاعر يعود من رحلة التأملات بزاد روحيّ عميق وزاد أدبي مؤثر ناضج بخصائص التجربة الإسلامية وهذه التأملات لا تقود الأديب المسلم إلى الهروب والارتماء في أحضان الطبيعة ولا تجعل من الطبيعة إلهاً يعبده الأدباء ولا تتخذ من الغاب فردوس الشاعر المفقود ومهاجره الآمن ومستقر أحلامه هرباً من عالم الناس ودنيا الواقع بل تصبح هذه الطبيعة مرآة مجلُوّة يرى فيها الأديب نفسه وأمانيه وأحلامه ، من جبالها يستمد مفردات الشموخ والإباء ومن بحارها يستلهم مشاعر الحب والنقاء والصفاء ويتلقى دروس السموّ والعطاء ومن تقلبات فصولها يرسم للنفس طريق رؤاها، فهي صورة من وهج الصيف ودفء الربيع وجدب الخريف وخصب الشتاء.

وللشاعر (محمود غنيم) مع الطبيعة تجارب تأملية عديدة فهو ابن الريف الأصيل وهو عاشق الريف وشاعر الجمال الموهوب وعاشقه ، وللبحر صداقة وألفة ووجود في عالم الشاعر الأثير ومن خلاله يستجلي معالم القدرة الإلهية ويتأمّل بديع صنْعة الخالق وجلال آثاره.

ولنصغ إلى هذه التأملات الشعرية الممزوجة بسوانح الفكر وعبق العلم ، إنه يخاطب البحر في لغة شعرية شفيفة وحوارٍ مقنع جذاب وصور شعرية مبتكرة : سبحان من صوّر الدنيا فأبدعها فقل لربِّك ربِّ العرش سبحانُ .. آيات ربّك تترى في الوجود فهل  للمرء عين وهل للمرء وِجْدانُ .. كل البقاع محاريب له صنعت وكل ما تَسْمع الآذان قرآنُ.

ثم يواصل الشاعر هذه التأملات الإيمانية في رحاب الطبيعة الكونية ، ومن عيون قصائده وتجاربه الشعرية قصيدة (راهب الحقل) وهي مزيج من التأملات الفكرية والروحية مع عاطفة رومانسية دافئة ونزعة واقعية إيجابية تنزع إلى جماليات الكون وإضفاء ظلال الرؤية الإسلامية المشعة ببريق الصفاء والنقاء.

إن الشاعر (محمود غنيم) يصوِّر في براعة واقتدار (الفلاح) تصويراً تأمليّاً إيجابيّاً بلغ فيه ذروة الفن الشعري ، يقول في لغة رقيقة هامسة : قالوا عليك أجاجُ الماء قلتُ لهم .. بل ماؤك العذْب سيال بكل فمِ .. ألمْ يحوِّلْ شعاع الشمس ماءك مِنْ .. ملح أجاجٍ إلى عذْب من الدِّيمِ .. لولاه ما هطلت وطفاءُ أو هدلت .. ورقاءُ أوْ قبّلَتْ كأس شفاه ظمي .. لم ينتسب شجر إلا إليك أباً .. ولا انتمى زهَرٌ إلا إليك نُمِي .. سَرَيْتَ في طبقات الأرض مُنْسرباً .. فكيْف أصبَحْتَ تيجاناً من القممِ .. وكيف طرْتَ بلا ريش وأجنحة .. في حالق الجوِّ كالعقبان والرخمِ.

وبعد ، فالشاعر الكبير ما يزال صوته الشعري يدوِّي في عالم الشعر والشعراء بآثاره الشعرية العظيمة وشاعريته الخصبة العميقة المحلقة.