الأدب والنقد

11 / وحي القلم

(وحي القلم) هو عنوان واحد من الكتب التي ألفها إمام أهل الأدب في العصر الحديث الأستاذ الكبير مصطفى صادق بن الشيخ عبد الرزاق بن سعيد بن أحمد بن عبد القادر الرافعي العمري (1298 هـ / 1356 هـ الموافق 1 يناير 1880 / 10 مايو 1937 م) هو أديب وشاعر وفقيه اعتُبر نابغة في البيان ومن روّاد الحياة السياسية والاجتماعية وظهر هذا في أشعاره الحاثّة على الدفاع عن الوطن والأرض والدين وكان له باع في التاريخ والنقد والأدب فخاض فيها معارك فكرية مهمة كما احتل الرافعي مكانة مهمة في مدارس الفكر والأدب أثناء النهضة الأدبية العربية وذلك من خلال ترويجه لفكرة إعادة استخدام الأساليب العربية الكلاسيكية بالإضافة إلى إثبات الوجود للهوية الإسلامية لمصر.

ولد الرافعي في مصر في مدينة بهتيم في بيت جدّه لأمّه إلا أن أصله يعود لمدينة طرابلُس الشام فهو سوري الأصل عاش مع أهله من أبيه وجدّه وعدد من أبناء العمومة والخؤولة .. ويُعدّ الشيخ محمد الطاهر أول من قدم إلى مصر منهم (قدم عام 1827م. لتولى قضاء الحنفية بأمر الباب العالي) كما يُعدّ الشيخ عبد القادر الرافعي الكبير الذي يتصل نسبهُ بعمر بن عبد الله بن عمر بن الخطاب رأس أسرة الرافعي (المتوفي سنة 1230 هـ) ، وقد بلغ عدد المشتغلين من عائلة الرافعي بالقضاء الشرعي قرابة أربعين شخصا مما لفت نظر اللورد كرومر وأبرق بذلك إلى الخارجية البريطانية وقد تولى والده منصب القضاء الشرعي في كثير من أقاليم مصر وكان آخر عمل له هو رئاسة محكمة طنطا الشرعية واستقرت عائلته في طنطا حتى يومنا هذا.

واجه الرافعي اتهامات كثيرة تتعلّق بوطنيته في مصر خاصة مع من يختلفون معه في الأدب إلا أنه كان يرى دائماً أن الوطن يكمن في الأرض المُسلمة العربية ويقول في ذلك : ” أفتراهم يتهمونني في وطنيتي لأنني في زعمهم غير مصري وفي مصر مولدي وفي أرضها رفاث أبي وأمي وجدّي ” ، وكان للبيئة التي نشأ فيها الرافعي أثر في طريقه الأدبي لأنها كانت بيئة مليئة بالشعراء والكتاب من أصحاب الفكر وممن يدعون إلى العقيدة والسياسة والجوانب الحياتية الاجتماعية فما كان من نُقّاد عصره إلا أن قالوا فيه : ” إن حياته مُمثّلةٌ في أدبه ” بالإضافة إلى أثر العزيمة التي أخذها عن آبائه وأجداده فلقد نشأ الرافعي في أُسرة تتميز في تربية أبنائها تربية مثالية فحفظ كتاب الله في العاشرة من عمره وبدأ تعليمه منذ صغره وكحاله من أبناء أسرته فقد كان النهج في التربية يبدأ من تهذيب الطباع من خلال التنشئة على احترام كبار السن والطاعة وتعظيم الدين فكانت الأسرة تسعى لجعله ممن يسيرون على طريق السلف الصالح.

وبعد أن تجاوز العاشرة من عمره بسنة أو سنتين دخل مدرسة دمنهور الابتدائية ثم انتقل بعدها إلى مدرسة المنصورة لانتقال أبيه إلى العمل في محكمة المنصورة وكان ممن عُني بتدرسيه هناك العلامة الأستاذ مهدي خليل وكان يدرسه اللغة العربية ، حصل الرافعي على الشهادة الابتدائية من مدرسة المنصورة حين بلغ سن السابعة عشر تقريباً وفي هذا العام أُصيب بمرض أثر لاحقاً في صوته وأذنيه فجعله هذا ينقطع عن تعليمه بعد التعليم الابتدائي ولم يستطع علاج ما أصاب أذنيه حتى وصل سن الثلاثين وهو فاقد السمع فانتقل الرافعي للتعلم بنفسه وكان أبوه يمتلك مكتبة مليئة بكتب الفقه والدين واللغة العربية والتي تعد من النوادر فجالسها طويلاً مبتعداً عن الناس وأصواتهم وكان لها من الأثر الكبير على الخلفية المعرفية له وكان فقدانه للسمع دافعاً قويًّ للتعلم فكان يقول : ” إن كان الناس يعجزهم أن يسمعوني فليسمعوا مني ” فتعلم حتى أصبح أديباً وإنساناً يسير على فكر السلف الصالح وآرائهم.

بدأ الرافعي أولى وظائفه في محكمة طلخا الشرعية ككاتب فيها وذلك في عام 1899م وكان دخله منها أربعة جنيهات وكان لمنصب أسرته وأبيه في المحاكم الشرعية ونفوذهم دور في ذلك فبرأيه كانت وظيفة للعيش فقط فلم ينقطع عن قراءته للكتب والتعلم على عكس ما كان يفعل في عمله ثم انتقل بعد ذلك ليعمل في محكمة إيتاي البارود الشرعية وبعدها إلى محكمة طنطا الشرعية ثم انتقل بعد سنتين إلى محكمتها الأهلية وبقي فيها حتى آخر حياته ، وكان الرافعي مرجعاً لكُتّاب المحاكم التي يعمل فيها فيأخذون مشورته فيما يحتارون فيه من القضايا والإشكالات المختلفة حتى وصل الأمر إلى قيامه بذلك عبر دول مختلفة ، وكانت وزارة العدل كذلك تستفتيه فيما يُشكَلُ عليها من الأمور.

وتزوج الرافعي في عمر الرابعة والعشرين وكان لزواجه أثر في تفرغه للدراسة والأدب وذلك يعود لزوجته التي سعت لأن توفر له سبل الراحة والهدوء التي كانت سبباً من أسباب نجاحه وتوفيقه لتهيئتها نظاماً بيتيّاً مُنظّماً ، وكان يعود أصلها إلى مصر من أسرة البرقوقي وكان لها أخ اسمه عبد الرحمن البرقوقي وله كتاب اسمه ” البيان ” فكان لهذا الطابع الأدبي سبيل لهذا الزواج بسبب العالقات الأدبية التي كانت بينه وبين الرافعي فاستمر زواجه لمدة ثلاثة وثلاثين عاماً.

ويقول الأستاذ جورج إبراهيم في وصف حال زواجه : ” فما شكا إلي مرة واحدة همّاً ناله ” ، ومن الجدير بالذكر أن الرافعي كان يعد مثالاً في الحب والوفاء لأهل بيته فكان يوازن في تعاملاته بين الشدة والرخاء وبحسب ما يتطلبه الموقف لكن كان للرافعي قصة حب لم يخفها عن زوجته فكان يُعلِمها بكل أحداثها من تبادل في الرسائل الواردة والصادرة فقد كانت بينهما تلك العلاقة التي بُنيت على الثقة وعلى إثر ذلك ألف الرافعي كتباً تُعنى بفلسفة الحب والجمال مثل رسائل الأحزان والسحاب الأحمر وأوراق الورد.

ومن أهم مؤلفاته تاريخ آداب العرب حيث يعد هذا الكتاب المكون من ثلاثة أجزاء أكثر ما يعرف به الرافعي من مصنفاته بحسب رأي أكثر الكتاب وفي عام 1911م صدرت الطبعة الأولى لأول جزئين وفي عام 1940م صدر الجزء الثالث بعد وفاته وكانت بتحقيق من الكاتب محمد سعيد العريان ، ويتحدث الرافعي في مقدمة كتابه حول الأسباب التي دعته لكتابته مصنفه هذا ومنها التراخي في تأليف مؤلفات التاريخ والضعف الكتابي الذي يتجاهل أحداثاً ويبرز أُخرى فتمثل الكتاب بكونه دراسةً علميةً ومُمَنهَجةً لتاريخ الأدب العربي وليست دراسةً تُعنى بالطرق التقليدية القديمة في الكتابة التي غفلت عن الكثير من حوادث التاريخ الأدبي كإيراد تاريخ رجال العرب بشكل ضعيف فشبه الأمر بإيراد أسمائهم فوق القبور ، ويقول في مقدمة كتاب تاريخ آداب العرب : ” لا أقول إني أتيت منه على آخر الإرادة ولا أعزم أني أوفيتُ على الغاية من الإفادة ” ، ويعد كتاب ” إعجاز القرآن والبلاغة النبوية ” الجزء الثاني من كتاب الرافعي ” تاريخ آداب العرب ” وفي عام 1921م تم نشر الطبعة الأولى منه.

ومن مؤلفاته الأخرى كتاب حديث القمر أول طريق الرافعي في الأدب الإنشائي فقد كان أدب الإنشاء نهجاً دلاليًّا في الحب وقام بتأليفه عام 1912م بعد عودته من رحلة لبنان في الوقت الذي التقى فيه بالأديبة مي زيادة ، وبرع مصطفى صادق الرافعي في التحدث عن فلسفة الجمال وهو ما نجده في كتاب رسائل الأحزان الذي يحتوي على رسائل جاءت مغايرة تمامًا للمعاني التقليدية التي عهدناها عن الحب وفلسفته وذلك لأنه صاغ رسائله وهو يحاكي صورة المتأمل للجمال والعاشق والفيلسوف في آن واحد ، وبعد كتاب رسائل الأحزان ألّف الرافعي كتاب السحاب الأحمر وعُدّ الجزء الثاني لقصة حب خاصة به ومرحلتها بعد الابتعاد والقطيعة.

ويعد كتاب أوراق الورد الجزء الأخير من قصة حب الرافعي الذي ألّفه ليكون رسائل لفلسفة الحب والجمال مُصوراً فيها نفسه وما كان بينه وبين من أحب ومنهن ” صاحبة حديث القمر ” وهي صديقته الأولى ، وعرّف الرافعي الحب في هذا الكتاب فقال : ” الحب لفظ وهمي موضوع على أضداد مختلفة ” كما يُعرّفه كذلك : ” امتزاج نفسين بكل ما فيهما من الحقائق ” فكان الرافعي يرى أن للحب مفاهيم متعاكسة مثل الضحك والبكاء والأفراح والهموم والعيوب والمحاسن وغيرها ، وكان يرى كذلك أن الحب يجعل الإنسان في شخصيتين مختلفتين كما حقق الرافعي على درجة متساوية فكأنهما شيء واحد بالإضافة إلى رؤيته في الطبيعة مقياساً ربطاً بين مفهومي الحب والجمال فهما يتوطنان في نفس العاشق وأن الحياة والحب لمستوى الحب ، ومما ميّزه عن غيره في تعريفه للحب هو رسمه للمُحب بأنه فنان فعندما يعشق لا يتوانى في الإبداع والإتقان لينتشر الكون جمالا فكأنه بالحب يلتفت إلى الجمال.

ويعد كتاب وحي القلم من كتب الرافعي الثمينة من الناحية الفكرية والفنية ويتكون من ثلاثة أجزاء وهو عبارة عن مجموعة من المقالات والقصص كتب معظمها لمجلة الرسالة القاهرية عام 1637م وطُبع منه في حياته جزآن وبعد موته طُبعا مع الجزء الثالث أكثر من مرّة ومن الجدير بالذكر أنه يحتوي على تداخلات لمختلف أنواع الأجناس الأدبية التي تشير إلى ثقافة الرافعي الواسعة وعلمه وأخلاقه فنرى الكتاب مملوءًا بأساليب علم البلاغة وعلم البيان بشكل رائع ، ويشير تلميذ الرافعي محمد سعيد العريان أن من يقرأ هذا الكتاب يعلم أنه أكثر كتب الرافعي التي تحوي الأسلوب الفني الراقي وأنه كتاب واضح بشكل كبير وصُنّفت التداخلات الأدبية السردية في الكتاب على نحوين : الإنشائية مثل المقالة والخطابة والرسالة ، والسردية مثل القصة خاصة ما جاء على لسان الحيوان مثلما فعل ابن المقفع من قبل.

أما كتاب رسائل الرافعي فهو كتاب يضم رسائل كتبها الرافعي لصاحبه محمود أبو ريّه مؤلف هذا الكتاب والذي كان له أواصر مع الرافعي تعود إلى أوائل عام 1912م وذلك بعد خطاب أرسله له يريد أن يتعلم عنه لكثرة ما سمع عنه فتوطنت علاقتهما لاحقاً واستمرت ربع قرن ويشار إلى أن العديد من الخطابات الموجودة في الرسائل ضمت أيضًا خطابات أدبية فيها من الفوائد الكبيرة لاحتوائها على العديد من الآراء المتعلقة بالأدب والبلاغة والشعر واللغة ولتضمنها أساليب تعلم الأدب العربي قديماً وحديثاً والمصادر اللازمة لدراسة النصوص الأدبية والنقدية ومضيفاً فيها سبب تدهور الأدب في وقته آنذاك.

وتحتوي الرسائل كذلك الأساليب التي تطرق إليها من قوة الألفاظ والإنشاء والاجتهاد وتحتوي كذلك على ما أراد الرافعي نشره من كتبه والسبب وراء كل منها كإيراده أن كتابه ” حديث القمر ” كان في فتاة أحبها في الشام وهي مي زيادة وأن كلمة القمر ما هي إلا أسلوب تورية عنها .. ومن كتبه الأخرى كتاب تحت راية القرآن وهو عبارة عن مجموعةٍ من المقالات في الأدب العربي بالجامعة والتي تحتوي كذلك ردّاً على كتاب طه حسين في الشعر الجاهلي وكتاب على السّفود الذي كتبه ردّاً على الأديب عباس محمود العاد وكانت قد نشرته مجلة العصور لصاحبها الأستاذ إسماعيل مظهر ولم تُشِر إلى من قام بتأليفه فأوردت اسم المؤلف تحت اسم ” إمام من أئمة الأدب العربي ” ..

ومن كتبه أيضا كتاب المساكين صدر بطبعته الأولى عام 1917م وكان عبارة عن كلمات تُعنى في المفردات والمعاني الإنسانية ويعرض الرافعي في هذا الكتاب فلسفة الفقر بصياغة تفاصيلها بواسطة أدوات من البلاغة الأدبية ، أما كتاب كلمة وكُليمة فهو عبارة عن مجموعة من المقالات غير المنشورة في كتاب خاص والتي نشرت في مجلة الرسالة وتتناول موضوعات مختلفة في كل من الأدب والاجتماع والدين والأخلاق وقد نشرت الطبعة الأولى لهذا الكتاب الذي جمع تلك المقالات في عام 2002م. 

ومن مؤلفاته الشعرية ديوان النظرات وهو أحد دواوين الرافعي الذي يحتوي على مجموعة من نماذج أدبية من تأليفه وقد صدرت أولى طبعاته عام 1908م. وكان للرافعي كتاب مدرسي يحتوي على هذه النماذج جميعها وذلك تحت اسم ” ملكة الإنشاء ” وعمد إلى نشره عام 1907م ونشر بعضها في ديوان النظرات وشاءت صُروف الدّهر بعد ذلك أن تشغله عن إنهاء ذلك الكتاب فضاع ما فيه ولم يبقَ إلا ما نُشر منه ضمن ديوان النظرات.

أما ديوان الرافعي فهو يتضمن ثلاثة أجزاء وقد وضع الرافعي مقدمة لكل جزء تُعنَى في معاني الشعر مع شرح لأسلوبه وطريقته وقد صدرت أولى طبعاته بين عامي 1903-1906م وهناك طبعة تعود لأخيه محمد كامل الرافعي فيها شرح للديوان مُورَد معها .. ومن شعره قوله : (ولا تكن للوشاة عبداً .. فليس بين الوشاة حر .. واصبر على اللغو صبر قوم .. مروا كراماً غداة مروا) .. لكن أشهر أشعاره بالطبع هو النشيد الوطني القديم : (اسلمي يا مصر إنني الفدا .. ذي يدي إن مدت الدنيا يدا) ..

ويظهر الأسلوب الأدبي في كتابات الرافعي التي لا تخلو من عنايته بالتراكيب بشكل أكبر من الألفاظ مع العمل على الاتزان في تناسبها وقال طه حسين عن كتاب الرافعي (رسائل الأحزان) : ” إن كل جملة من جُمل الكتاب تبعث في نفسك شعوراً قوياً أن الكاتب يلدها ولادة وهو في هذه الولادة يقاسي ما تقاسيه الأم من آلام الوضع ” ، ومما حرص عليه الرافعي كذلك في كتابته ألا تقتصر على التقليد لمن قبله بل حرص بشكل دائم على أن يكون ما يؤلفه جديداً من ألفاظ أو أساليب مُراعٍ بذلك اللغة وقواعدها وأوزانها كما عمل الرافعي في جميع مؤلفاته على أن يكون التعبير بسيطاً وذا معنى واضح ، ومن الجدير بالذكر أن جُمل الرافعي أصبحت تُميّز أسلوبه فصنع بذلك طابعاً خاصاً له وقد تطرق كذلك للتعابير المجازية والتنقيحات فكان لا يقبل الطرائق السهلة في الكتابة إنما يكد ويجتهد فكما يقول في رسائله : ” لا قيمة لكاتب لا يضع في اللغة أوضاعاً جديدة ”.

ويعد السرد على لسان الحيوان أحد الأمثلة على الأسلوب القصصي للرافعي قريباً من أسلوب كتاب كليلة ودمنة فكان الرافعي يَعمَدُ على الرد على أعدائه أو من يشكو منه خصومةً بالرموز والدلالات والحوارات كما استخدم المفردات العامية أحياناً لغاية الاستهزاء وكانت بداية مقالات الرافعي هذه مع طه حسين حينما رد على كتابه الشعر الجاهلي وكان يبدأ قصته في المقال قائلاً : ” عندي نسخة من كتاب كليلة ودمنة ليس مثلها عند أحد ” ، كما كان يعتمد على المفاجأة فيما يرويه من القصص فلم يُشبه كليلة ودمنة بإيراد المثل أولاً ثم شرح القصة فكان الأسلوب أقرب إلى كونه أسلوباً نثرياً ساخراً لم يشهده العرب سابقاً وتطرق الرافعي إلى استخدام القصص القرآني بإسقاط الأسماء على قصته التي يُوردُها.

وكان الرافعي يرى أن من يُرِد السبيل الأقرب لأن يكون أديباً عليه أن يحرص على أن يكون صاحب نقد وفكر كذلك عليه القراءة في الكُتب التي تُعنى بالمعاني قبل التي تُعنى بالألفاظ كما نصح بقراءة كتب الفلسفة الأدبية مما تُرجم منها أو مما كانت بلغة أوروبية وكتب الاجتماع وكتب الأدب العربي ونصح في البدء بهذه الكتب : كتاب كليلة ودمنة ورسائل الجاحظ وكتابه الحيوان والبيان والتبيين وأشار إلى أهمية العلم في أمور البلاغة ونصح فيها بكتاب المثل السائر وقال في ذلك : “هذا الكتاب وحدة يكفل لك ملكة حسنة في الانتقاد الأدبي ”.

وحرص الرافعي على ضرورة حفظ المفردات والتراكيب وأشار إلى حفظ المفردات في كتابيّ نجعة الرائد لليازجي وكتاب الألفاظ الكتابية للهمذاني والقراءة في كتاب يتيمة الدهر للثعالبي والعقد الفريد لابن عبد ربّه وكتاب زهر الآداب ، ولم يقتصر نصح الرافعي على الكتب فقد نصح بالمطالعة من المجلات والصحف اليومية والأسبوعية كما تطرق لأهمية الحفظ الكثير من كتابيّ شرح ديوان الحماسة وكتاب نهج البلاغة وأشار إلى أن هذا الطريق طويل ويحتاج جهداً وصبراً وأن المداومة على البحث والمطالعة مع ترك الزمان يطول ويقصر سيُوصل في النهاية إلى حصيلة الجهد ..

ويستهل الرافعي كتابه وحي القلم برسالة تقريظ من شيخه وأستاذه الإمام محمد عبده حيث أوردها في مفتتح الكتاب وجاء فيها : ” نص كتاب الأستاذ الإمام : ولدنا الأديب الفاضل مصطفى أفندي صادق الرافعي زاده الله أدبًا ، لله ما أثمر أدبُك ولله ما ضمِن لي قلبُك لا أقارِضُك ثناءً بثناء فليس ذلك شأن الآباء مع الأبناء ولكني أَعُدُّكَ من خُلَّصِ الأولياء وأقدِّمُ صفك على صف الأقرباء وأسأل الله أن يجعل للحق من لسانك سيفًا يمحق الباطل وأن يُقيمك في الأواخرِ مقامَ حَسَّان في الأوائلِ والسلام ، محمد عبده ٥ شوال سنة ١٣٢١ “.

وأعقب ذلك مقدمة بليغة قال فيها الرافعي : ” صدر الكتاب : البيان ، لا وجود للمقالة البيانية إلا في المعاني التي اشتملت عليها يُقيمها الكاتبُ على حدودٍ ويُديرها على طريقةٍ مُصيبًا بألفاظه مواقع الشعور مثيرًا بها مكامن الخيال آخذًا بوزنٍ تاركًا بوزنٍ لتأخذ النفسُ كما يشاء وتترك.

ونقلُ حقائق الدنيا نقلًا صحيحًا إلى الكتابة أو الشعر هو انتزاعها من الحياة في أسلوب، وإظهارها للحياة في أسلوب آخر يكون أوفى وأدق وأجمل لوضعِه كلَّ شيء في خاصِّ معناه وكشفِهِ حقائق الدنيا كشفةً تحت ظاهرها الملتبِس ، وتلك هي الصناعة الفنية الكاملة تستدرك النقصَ فتتمُّهُ وتتناول السرَّ فتعلنُهُ وتلمِسُ المقيَّدَ فتطلقه وتأخذ المطلَق فتحُدُّه وتكشف الجمالَ فتظهره وترفع الحياةَ درجةً في المعنى وتجعل الكلامَ كأنه وَجد لنفسه عقلًا يعيش به.

فالكاتب الحق لا يكتب ليكتب ولكنه أداة في يد القوة المصوِّرة لهذا الوجود تُصوِّر به شيئًا من أعمالها فنًّا من التصوير ، الحكمة الغامضة تريده على التفسير تفسير الحقيقة والخطأ الظاهر يريده على التبيين تبيين الصواب والفوضى المائجة تسأله الإقرار إقرار التناسب وما وراء الحياة يتخذ من فكره صلةً بالحياة والدنيا كلها تنتقل فيه مرحلة نفسية لتعلو به أو تنزل ، ومن ذلك لا يُخْلَقُ المُلْهَمُ أبدًا إلا وفيه أعصابُهُ الكهربائية وله في قلبه الرقيق مواضعُ مهيَّأَة للاحتراق تنفذُ إليها الأشعة الروحانية وتتساقط منها بالمعاني.

وإذا اختير الكاتبُ لرسالةٍ ما شعرَ بقوة تفرض نفسها عليه منها سِناد رأيه ومنها إقامة برهانه ومنها جمال ما يأتي به فيكون إنسانًا لأعماله وأعمالها جميعًا له بنفسه وجودٌ وله بها وجودٌ آخر ومن ثَمَّ يصبح عالَمًا بعناصره للخير أو الشر كما يوجَّه ويُلقَى فيه مثل السرِّ الذي يُلقى في الشجرة لإخراج ثمرها بعمل طبيعي يُرَى سهلًا كلَّ السهلِ حين يتم ولكنه صعب أيُّ صعب حين يبدأ.

هذه القوة التي تجعل اللفظة المفردة في ذهنه معنى تامًّا وتحوِّل الجملة الصغيرة إلى قصة وتنتهي باللمحة السريعة إلى كشف عن حقيقة ، وهي تخرجه من حكم أشياء ليحكم عليها وتُدخله في حكم أشياء غيرها لتحكم عليه وهي هي التي تميز طريقته وأسلوبه وكما خُلق الكون من الإشعاع تضع الإشعاع في بيانه.

ولا بد من البيان في الطبائع الملهَمة ليتسع به التصرف إذ الحقائق أسمى وأدق من أن تعرف بيقين الحاسة أو تنحصر في إدراكها فلو حُدَّتِ الحقيقة لما بقيت حقيقة ولو تلبَّسَ الملائكة بهذا اللحم والدم أبطل أن يكونوا ملائكة ومن ثم فكثرة الصور البيانية الجميلة للحقيقة الجميلة هي كل ما يمكن أو يتسنَّى من طريقة تعريفها للإنسانية.

وأي بيانٍ في خضرة الربيع عند الحيوان من آكل العشب إلا بيان الصورة الواحدة في معدته ؟ غير أن صور الربيع في البيان الإنساني على اختلاف الأرض والأمم تكاد تكون بعدد أزهاره ويكاد الندى يُنَضِّرها حُسْنًا كما ينضِّره ، ولهذا ستبقى كل حقيقة من الحقائق الكبرى ـ كالإيمان والجمال والحب والخير والحق ـ ستبقى محتاجةً في كل عصرٍ إلى كتابةٍ جديدة من أذهانٍ جديدة.

وفي الكتَّاب الفضلاء باحثون مفكرون تأتي ألفاظُهم ومعانيهم فنًّا عقليًّا غايتُهُ صحة الأداء وسلامة النَّسَقِ فيكون البيان في كلامهم على ندرةٍ كوخز الخضرة في الشجرة اليابسة هنا وهنا، ولكن الفن البياني يرتفع على ذلك بأن غايته قوة الأداء مع الصحة وسمو التعبير مع الدقة وإبداع الصورة زائدًا جمالَ الصورة ، أولئك في الكتابة كالطير له جناح يجري به ويَدِفُّ ولا يطير وهؤلاء كالطير الآخر له جناح يطير به ويجري ، ولو كتب الفريقان في معنًى واحد لرأيت المنطق في أحد الأسلوبين وكأنه يقول : أنا هنا في معانٍ وألفاظ ، وترى الإلهام في الأسلوب الآخر يطالعك أنه هنا في جلال وجمال وفي صور وألوان.

ودَوْرَةُ العبارة الفنية في نفس الكاتب البياني دورةُ خَلْق وتركيب ، تخرج بها الألفاظُ أكبرَ مما هي كأنها شَبَّتْ في نفسه شبابًا وأقوى مما هي كأنما كسبت من روحه قوة وأدلَّ مما هي كأنما زاد فيها بصناعته زيادة ، فالكاتب العلمي تمر اللغة منه في ذاكرة وتخرج كما دخلتْ عليها طابعُ واضعيها ولكنها من الكاتب البياني تمر في مصنع وتخرج عليها طابعه هو ، أولئك أزاحوا اللغة عن مرتبة سامية وهؤلاء عَلَوْا بها إلى أسمى مراتبها وأنت مع الأولين بالفكر ولا شيء إلا الفكر والنظر والحكم غير أنك مع ذي الحاسة البيانية لا تكون إلا بمجموع ما فيك من قوة الفكر والخيال والإحساس والعاطفة والرأي.

وللكتابة التامة المفيدة مثل الوجهين في خَلْق الناس : ففي كل الوجوه تركيب تام تقوم به منفعة الحياة ، ولكن الوجه المنفرد يجمعُ إلى تمام الخَلْقِ جمالَ الخَلْقِ ويزيد على منفعة الحياة لذةَ الحياة وهو لذلك وبذلك يُرَى ويؤثِّر ويُعشَق ، وربما عابوا السمو الأدبي بأنه قليل ولكن الخير كذلك وبأنه مخالف ولكن الحق كذلك وبأنه محير ولكن الحسن كذلك وبأنه كثير التكاليف ولكن الحرية كذلك ، إن لم يكن البحرُ فلا تنتظر اللؤلؤ وإن لم يكن النجم فلا تنتظر الشعاع وإن لم تكن شجرة الورد فلا تنتظر الورد وإن لم يكن الكاتبُ البيانيُّ فلا تنتظرِ الأدبَ “.

(ترجمة الرافعي عن موقع المعرفة نقلا من كتاب حياة الرافعي تأليف سعيد العريان).

12 / المختار

(المختار) هو عنوان الكتاب الذي يجمع المقالات الأدبية التي أبدعها رائد الكتابة الساخرة في القرن العشرين والمعروف بلقب جاحظ العصر الحديث الأديب عبد العزيز البشري الذي ولد في القاهرة عام 1886 م وتوفي فيها عام 1943 م ، ويرجع في جذوره إلى قرية محلة بشر بمحافظة البحيرة ووالده هو الشيخ عبد العزيز البشري إمام السادة المالكية وشيخ الجامع الأزهر وأخوه هو المستشار عبد الفتاح البشري رئيس محكمة الاستئناف وابن أخيه هو المستشار طارق البشري نائب رئيس مجلس الدولة والمفكر الإسلامي المعروف.

حفظ القرآن الكريم ودرس بالأزهر وبرع في علوم اللغة العربية وتأثر بكتابات الشيخ سيد المرصفي وعمل في وزارة المعارف والقضاء الشرعي وإدارة المطبوعات والمجمع اللغوي وتولى رئاسة تحرير المجلة الصادرة عنه ، وترك تراثا كبيرا من المقالات المتنوعة حيث تحدث في كتاباته عن زعماء السياسة وأعلام الاقتصاد والقانون والإدارة والبيان والفن كما تحدث عن مختلف طوائف الشعب من المقرئين والشحاذين وماسحي الأحذية والنادبين في المآتم والصائحين في الأفراح وغيرها من المواضيع الاجتماعية المتعددة.

وكان يتمتع بخفة الظل والقدرة على استعمال النكتة وصياغة المواقف الطريفة من ناحية اللغة والأسلوب سواء بالفصحى أو باللهجات العامية ، وقد كتب عنه في ذلك الأستاذ محمد كرد علي فقال : ” هو نسيج وحده في أسلوب الجد في الهزل والهزل في الجد ساعده على هذا الإبداع تمكنه من ناصية اللغة وقبضه على قياد الأدب إلى ما فطر عليه من ظرف شفاف إذا تنادر وإذا تهكم ، والبشري كالجاحظ إذا عرضت له النكتة قالها لا يبالي وإذا اقتضته الحال أن يتهكم يدخل السرور على قلب قارئه ويعلمه ولا يشق عليه “.

وقد أطلق عليه الدكتور طه حسين لقب (كاتب النيل) وعرف بين الكتاب باسم (شيخ الساخرين) وغلب عليه التحيز الاجتماعي للاتجاهَ المحافِظ المتمسِّك بالقِيَم والمبادئ وتجلَّى ذلك في رفضه بعض العادات الجديدة كما عُرِف عنه التحفُّظ في دراسة الأدب الغربي رغم إتقانه له ، وقد ناقَشَ المشكلاتِ الاقتصادية وكيفيةَ إحرازِ نهضةٍ اقتصادية وعالَجَ بعض الأحداث السياسية كأحوال مصر تحت الاحتلال والمستجدات الاجتماعية وجمعها في كتاب (قطوف البشري) كما ترجَمَ لعددٍ من معاصِرِيه وجمعها في كتاب (في المرآة).

وقد تحدث البشري عن منهجه الأدبي فقال : ” إن علينا أن نتلمس طريقا في الأدب يكون عربي الشكل والصورة مصري الجوهر والموضوع فعلينا أن نبعث الأدب القديم وننثل دواوينه ونستظهر روائعه ونرتوى منها بالقدر الذي يفصح ملكاتنا ويطبعنا على صحيح من البيان ، فإذا أرسلنا الأقلام جاء الأسلوب في نسقه العربي الأصيل متصلة معانيه بما نشعر من الأحاسيس وإذا كنا في حاجة شديدة جدا إلى مطالعة آداب الغرب وإطالة النظر فيها ونقل ما يتهيأ نقله إلينا منها في لسان العرب فإن ذلك لا يجدي علينا إلا إذا هذبناه وسوينا من خلقه ولونّا من صوره حتى يتّسق لطباعنا ويوائم مألوف عاداتنا ويستقيم لأذواقنا في نظام من البلاغة محكم التنفيذ “.

وقد استهل البشري كتابه بمقدمة يوق فيها : ” بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلى الله تعالى وسلم على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين ومن اهتدى بِهُداهم إلى يوم الدين.

وبَعْد ، فما كُنْتُ أُقَدِّر في يوم من الأيام أن يَسْتَوِيَ من بعض هذا الذي أُرْسِله في الصحف الدائرة الحينَ بَعْد الحينِ كِتابٌ مجموع وإنَّ عادةً لي لَزِمَتْني من يوم ضَبَطْتُ القلم ألَّا أَحْرِصَ على حفظ شيء من آثاره المنشورة في هذه الصحف فإذا وَقَعَ لي شيء من ذلك أَسْرَعْتُ إلى إتلافه تمزيقًا أو تحريقًا.

وسبيل هذه العادة إليَّ أنني أولَ ما عَالَجْتُ الكتابة وتَعَلَّقْتُ بصنعة القلم كُنْتُ أُدْرِك تمامَ الإدراك أنني ناشئٌ لا أجيد البيان فإذا كانت لي طبيعة فلن تَتَهَيَّأ لي الإجادةُ إلَّا بعد شدة معاناة وطول تمرين ، وظَلَلْتُ على هذا دهرًا وأنا في ارتقاب الأحسن مِمَّا يَثْبُت للأنظار لِأَحْفَظه وأَدَّخِره للجمع ثم للطبع فلا أراه قد تَهَيَّأ لي فلا أبرح أُهْمِل كُلَّ ما يَنْتَضِح به القلم ولا أُبْقِي منه على كثير ولا قليل.

وظَلَلْتُ كُلَّمَا اطَّرَدَ بي الزمن أشعر بأن المدى بيني وبين الكمال الذي أَنْشُدُ يَطُول ولا يَقْصُر  وأن الغاية التي أَطْلُب تَبْعُد على الأيام ولا تَقْرُب حتى لقد جَعَلَتْ نفسي تَبْرَم وتَضِيق كُلَّما وَقَعَ لي عفوًا شيء من تلك الآثار ، ثم لقد أَصْبَحَتْ تعفينها وإتلاف ما يَقَعُ ليدي منها عادة من تلك العاد التي تَتَّصِل بالفِطَر والطِّباع حتى لو خرج المقال فأزهاني به شيطان الفتنة بالنفس وهَتَفَ به الصحاب وغير الصحاب فإنه لا يَتَعَذَّر مني على ذلك المصير.

وكثيرًا ما استحَثَّني صُدْقَاني على أن أسوِّيَ من تلك الرسائل مجموعاتٍ أطبعها وأنشرها للناس فإذا اعْتَلُّوا على عُذْرِي بأن هذا الذي أَصْنَع مما لا أراه يَرْتَقي إلى هذا المكان رُحْتُ أجاريهم بظاهر من القول وفي التعليق على مشيئة الله تعالى عن الكذب مُنْتَدَح ، ولقد ظَلَّ هذا شأني إلى أن لَحِقَتْنِي في صدر هذا العام شَكَاةٌ أَلْزَمَتْ جَنْبي الفراشَ ثلاثة أشهر تَعَلَّقْتُ فيها بين الموت والحياة ولعل جَانِبَ الموت عندي كان أَرْجَح وحُجَّتَه كانت بحالي أَسْطَى وهنا بان لي أنني كُنْتُ حَقَّ مخدوع في ذلك التأميل شأن المرء في جميع أماني الحياة.

إذَنْ لَمْ أَبْلُغ ذلك الكمال ولَسْتُ بدانٍ منه ولو وُصِلَتْ بالأجل آجال وما أنا بِظَافرٍ بغير ما كان لي بحال فالطمع فيما وراءَه من بعض المُحال ، وإذَنْ فهذا قَسْمي من صنعة القلم وما بات للتأميل من بعد ذاك مآب وهيهات أن يُدْرِك المشيب ما انقطع دونه جهْد الشباب ! ، وكذلك أَلَحَّتْ علي الرغبة في أن أَسْتَعْرِض آثار هذا القلم ففي استعراضها استعراض لما يَصِحُّ أن يُدْعَى بالحياة ولعله قد وَقَعَ لسمعك ذلك المثل الشائع : (إن التاجر إذا أَفْلَسَ رَجَعَ إلى دفاتره القديمة) على أنني إذا شَارَكْتُ ذلك التاجر في هذا الحظ العاثر فقد زاد حظي عليه فِقْدان تلك الدفاتر.

لَمْ يَبْقَ بُدٌّ من أن أذكي النُّسَّاخ في المكتبات العامة فرجعوا إليَّ بكثير جَمَعْتُ منه هذا الجزء يَنْتَظِمُ أبوابًا ثلاثة : الأدب والوصف والتراجم وسيتلوه إن شاء الله آخر في الفن والمفْتَنِّين والأفاكيه والمراثي ، على أنني وإن لم أُحَرِّف رأيًا سَلَفَ لي أو أُعَدِّل في فكرة وإن عَدَلْتُ في الواقع عنها حفظًا لِحَقِّ التاريخ علَيَّ فإنني قد عُدْت بشيء من الصقل والتسوية في بعض العبارات واستدراك ما عسى أن تكون قد فَوَّتَت العَجَلَةُ مما يستقيم به نَظْمُ الكلام ، كذلك لقد ضَبَطْتُ بالشكل كل ما يَشيع الخطأ في النطق به على ألسنة الكثير من الناس وشَرَحْتُ ما عسى أن يُخْطِئهم من مفردات اللغة عِلْمُهُ، تيسيرًا للناشئين من المتأدبين.

وبَعْدُ ، فوالذي نفسي بيده لو كُنْتُ أَعْلَمُ بظهر الغيب أن أستاذي إمامَ البيان وشاعرَ القطرين سَيَصِفُنِي بما وَصَفَ ما سَأَلْتُهُ ما سَأَلْتُ ولكنه أبى إلا أن يَنْظُرَ إليَّ نَظَرَ الأستاذ إلى تلميذه الخاصِّ فلا يرى إلا حسنًا وحبذا لو كان قد جَمَعَ عَزْمَه وحَمَلَ على نَفْسه وخرج قليلًا عن عَطْفه فَبَصَّرَني مَسَاقِطَ عيوبي فما أَحْوَجَني إلى أديب عالِم نزيه يُبَصِّرني هذه العيوب ومَنْ أولى بهذا من أستاذي مُطران ؟ ، وإذا كان قد أَخَذَني بأني لم أَتَقَدَّم إليه بما تَقَدَّمْت وأنا فتًى ناشئ وهو يُخرج (المجلة المصرية) ويَجُول قَلَمُه في كُبْريات الصحف كلَّ مجال فَلْيَعْلَم ـ وَصَلَ الله في حياته النافعة ـ أنني ما بَرِحْت أنظر إليه اليومَ بتلك العين التي كُنْتُ أَنْظُر إليه بها في تلك الأيام “.

وقد ترجم له محمد كامل الفقي في كتابه الأزهر وأثره في النهضة الأدبية الحديثة وتناول بالنقد والتحليل نتاجه الأدبي ومؤلفاته فقال : ” الشيخ عبد العزيز البشري المتوفى سنة ١٣٦٢ – ١٩٤٣  ، نشأته وحياته : الشيخ عبد العزيز بن الأستاذ الأكبر المرحوم سليم البشري الذي ظل شيخا للأزهر مدة من الزمان وكان من المتبحرين في فقه المالكية ، وكان إخوة الشيخ عبد العزيز علماء وطلابا في الأزهر فاقتضت هذه البيئة الأزهرية العلمية التي تنشأ في ظلالها أن يتجه متجهها وأن يكون أحد طلاب الأزهر فألحق به في بواكير حياته بعد أن قضى فترة في المكتب ألم فيها بمبادئ القراءة والكتابة وأتم القرآن حفظًا.

وظل يوالي دراسته في الأزهر حتى نال شهادة العالمية ولم يكد يحصل عليها حتى طلبته وزارة المعارف وجعلته محررا فنيا بها لما ذاع من أدبه وطار من شهرته ثم ولي القضاء الشرعي حينا من الدهر واختبر في مناصب أخرى حتى أصبح وكيلا لإدارة المطبوعات فسكرتيرا برلمانيا لوزير المعارف ثم عين رئيس تحرير مجلة المجمع اللغوي الملكي ، وكان المرحوم محمد جاد المولى بك مراقبا إداريا للمجمع فلما نقل الثاني إلى وزارة المعارف عين البشري بدلًا منه وظل بهذا العمل حتى استأثر الله به في صباح الخميس الخامس والعشرين من شهر ديسمبر سنة ١٩٤٣ م.

صفاته ومواهبه : وقد نشأ رحمه الله مجبولا على حب الأدب نهما في الاطلاع عكوفا على البيان العربي يروي نفسه من روائعه ويستظهر من غرره ، وقد سمعت من أهله وخلصائه الذين اندسست فيهم للوقوف على ما خفي من سيرته فرووا أنه عكف ليلة على كتاب الأغاني لأبي الفرج وكان من عشاقه المتوفرين على قراءته فظل مستغرقا في الاطلاع يضيء له مصباح نفط ولم يرعه إلا أن والدته دخلت عليه وقالت له : (أطفئ المصباح إذ لا حاجة لك به فقد طلعت الشمس).

وكان من فنونه بالأدب أن عزف به في كثير من الأحيان عن الدروس في الأزهر أيام الطلب وشغف بالتفرغ للكتابة الأدبية يروي بها ظمأه وأقبل على الصحف الأدبية يكتب لها وهو حدث كما افتتن في صباه بحب الفن وأغرم بأهله ، رويت عن أحد خلطائه الأدباء أنه لم يفته مجلس من مجالس الطرب التي كان يقيمها المطربون في شبابه من أمثال عبده الحمولي ويوسف المنيلاوي ومحمد عثمان وغيرهم.

ومع أنه من هذه البيئة الدينية التي يلزمها مجانبة اللهو واللعب كان يحتال برشوة يقدمها للخدم للخلاص من القيود فلا يزال يجول في القاهرة ويتحسس مواقع السمر ومواطن الطرب حتى يعود مع الفجر ، وقد أثر في نفسه طول ما غنمه من أوقات اللذة والسرور وما استمتع به من الفن والتطريب فزاد في إحساسه وهذب مشاعره على ما نشأ عليه من رقة النفس وإرهاف الحس.

وكان البشري حاد الذكاء حاضر البديهة صفي الذهن لماح الخاطر ذواقا إلى أبعد الحدود قوي الحس إلى درجة ناردة حقا لا يكاد يمر به شيء إلا التقطه التقاطا ورسمه في نفسه رسما يخالطه مخالطة حتى يصبح كأنه جزء منه ، وكان سريع التأثر أيضا حتى لقد عرف بذلك بين أصدقائه فكانوا يتقون مواطن تأثره ويحسبون لها حسابا وإذا تأثرا بشيء لم يكد يطيق احتماله بل يتبرم بكتمانه ويسعى لأحبابه وخلانه فيلقي به إليهم ويعالنهم بما ضاق به فإذا هم صفحة من نفسه وقسيم في شعوره وحسه.

ومما امتاز به حلاوة فكاهته وحسن محاضرته وسعة اطلاعه على المجتمع وأخلاق الناس وأحوالهم وإلمامه بأسرار الجيل التي واتته من طول المداخلة وحسن المخالطة حتى إذا حدث في هذا المقام كان خبيرا بما يقول.

وقد عنى عناية خاصة واحتفل احتفالا بالغا بكتاب الأغاني فقلب فيه النظر وأدمن الاطلاع عليه وتروى كثيرا من أدب الجاحظ وتردد على مطالعته وجرد له جانبا من وقته ، وكان الاطلاع على الأغاني وكتب الجاحظ حبيبا إلى نفسه متسقا مع هواه ترم أبا الفرج وأبا عثمان وتأثر بهما وانطبع على طريقتها وتحدث بلغتهما وخاصة الجاحظ الذي يحيل عليه في كثير من المواطن ويشير إلى الأخذ عنه والتهدي إليه ويصرح في مطالع ما كتبه (في البخل) بأنه قرأ كتاب البخلاء للإمام الجاحظ أكثر من مرة.

ويذكر حين يتحدث عن المداعبات والأفاكيه بأنه قرأ للإمام الجاحظ شيئا في هذا المعنى ، وحين يصور الشيخ التفتازاني في المرآة يقول : (أنه لو نجم في عهد الجاحظ أو اطلع عليه كارليل لخصت به الرسل وأفردت له الأسفار ولكن أنى لنا جزالة قلم الجاحظ أو دقة ذهن كارليل لنقول في الشيخ كل ما ينبغي أن يقال فيه) ، وإذ يتحدث في تمهيده للكتابة في المرآة عن النكتة يقول : (وللإمام الجاحظ في هذا المعنى قول جليل فراجعه إن شئت في كتابه البخلاء).

وممن تأثر بهم البشري في طريقتهم وأولع بأدبهم وأسلوبهم (المويلحي الكبير) فقد كان ينهج في رسائله (في المرآة) نهجه في تحليل الشخصيات دون خدش في الأعراض أو إسفاف في الأداء ، ولم يكن ذلك وحده هو ما تأثر به من المويلحي فقد كان منذ شب على الكتابة يكتب إلى صحيفته الأدبية (مصباح الشرق) ويكلف بالمصباح الذي أصبح في الأدب العربي فتحا جديدا وأمسى مصباحا حقا يهتدي المتأدبون بسناه بل صار أفخر مدرسة لطلب الأدب الرفيع الجزل الطريف في هذه البلاد.

بل إن البشري يدل صراحة على أنه اهتدى بالمصباح في نشأته الأدبية فيقول : (لست أغلو إذا زعمت أنني في مطلع نشأتي الأدبية كان مصباح الشرق عندي هو المثل الأعلى للبيان العربي وبهذا كنت شديد الإكباب على قراءته وتقليب الذهن واللسان في روائع صيغه وطرائف عبارته حتى لقد كنت أشعر بأنني أترشفهما ترشفا لتدور في أعراقي وتخالط دمي وتطبع على هذا اللون من البيان الجزل السهل النافد الطريف).

والبشري نظم الشعر في شبابه وكثيرا ما نظمه في هجاء المرحوم الشيخ علي يوسف ونشره في جريدة (الظاهر) ولكن شعره قليل على جودته وقد استأثرت الكتابة بعبقريته فلم تدع للشعر مجالا في نفسه حتى إذ توفي صديقه المرحوم حلمي المنشاوي الطبيب وهو غض الشباب جرت عاطفته بشعر نشرته (الرسالة) في حينه.

أسلوب البشري : اتسم أدب البشري بالجزالة والفصاحة التي ترجع بالكتابة إلى العصر العباسي الأول وتجلت في أسلوبه كثرة الترادف والآن دواع وتكرار المعنى في كثير من صوره وفي أسلوبه كثير من السجع ولكنه مقبول لا يعل سماعه ومن لا يستكره ترديده على أنه يوافيك بثروة لغوية خصبة ليس لها أثر من التوعر تواتت له من غزارة مادته وسعة إطلاعه وكثرة ما رواه من البيان العربي وأساليب القدماء ، وقد ظهر في أدبه دقة الوصف وإيفاؤه حقه ولا سيما حين يصف الأشخاص كما يظهر للمطلع على مقالاته التي كتبه في (المرآة) وقد تأثر فيها بأساليب الغرب في تحليل الشخصية والإفاضة في وصف الأشخاص والتسلل إلى مداخلهم النفسية فضلا عن أوصافهم الظاهرية.

وإنه ليروعك من البشري تفطنه إلى عادات الناس وأخلاقهم وشذوذهم وخواصهم البعيدة التي لا يلتفت إليها إلا الذواقون من الأدباء المرهفون حسا حتى إنه ليعرف الشخص فيرسم له صورة دقيقة منعطفا فيها إلى سماته الخلقية والخلقية بما يعز اكتناهه على أحد وهو يجرد قلمه الرشيق فيصور به كل خاطرة تخطر أو حادثة تقع أو فكرة تملك عليه نفسه ، ولقد أتيح له من مخالطة العظماء ومصادفة الكبراء وغشيانه كل مجلس وناد واقتحامه ميادين المختلفة من سياسية واجتماعية أن يلم بمظاهر الحياة فيها وأن يقف على كثير من صورها وكثيرًا ما يتمثل بالشعر العربي الرصين في كتابته حتى ليستفتح بالشعر أحيانا كتابته.

وما من شك في أن أسلوب البشري كان متشددا في السجع واستعمال الكلمات العربية الغريبة وإن كان ذلك عن طبع منه لا أثر للتكلف والقصد فيه ، لكنه حينما طلبت إليه الصحف أن يكتب لها والإذاعة أن يلقي بها أحاديث للناس ألان حينئذ أسلوبه وطوع بيانه وقصد أن يزيد وضوحه وإشراقه ليلائم الغرض ويشاكل القصد وينتفع بأدبه خاصة الناس وعامتهم وإذ ذاك خلف غريبه وقل سجعه وكان أنصع ديباجة وأوضح تعبيرًا.

وكان من الأسباب التي ألانت قلمه وزادت أسلوبه سهولة ونصاعة وجعلته لمشايعة الحياة أكثر قربا ما تكاثر عليه من مطالب الوزراء والكبراء الذين يريدون أن يخطبوا أو يكتبوا في مناسبات اجتماعية رسمية تتطلب التجويد الذي لا يسمح وقتهم – على الأقل – به فاضطره ذلك إلى أن يجاري بقلمه ما يتسق مع الطابع العصري السمح وما يوائم الخطيب أو الكاتب من السهولة والإشراق.

وأسلوب البشري قريب من كل روح مداخل لكل نفس يجد كل فيه غداءه الروحي ومتعته السائغة ، وهو يوائم فيما يكتب بين الكلمة العربية الرصينة والكلمة الأوروبية المستلزمة والعامية الشائعة على ألسنة العوام إذا اقتضت النكتة سوقها على أنك تجد الائتلاف والالتئام بين هذه الكلمات سواء تقاربت أم تلاحقت وأخص ما يمتاز به أدب عبد العزيز إنه حلو سمح خفيف الروح لا يجد قارئه مشقة في قراءته ولا جهدا في فهمه ولا عناء في تذوقه وتمثله.

النكتة من مظاهره : كانت النكتة البارعة من الأمور التي جبل البشري عليها وشغف حبا بها ولم يكن يستطيع مغالبتها فهي تقهره وتدفعه إلى المفاكهة بها دفعا ، وقد اشتهر بها عند الناس حتى لا يلقونه إلا وهم يترقبون تنادره ومطايبته بها ويفجؤه بها الخبثاء فلا يعجز عن نكتة تقع موقع الارتياح والعجب وتكون أبلغ من غيرهما جمالا وروعة .. والعجيب من أمر البشري أنه يرسل النكتة تضحك الثكلى وهو عابس ليس به أثر من الضحك أو المداعبة فكان مجلسه نادرة من طربه ومرحه وكان كبراء الناس يتشهون حديثه لما فيه من خفة الروح وحلاوة الدعابة وروعة النكتة.

النكتة في أدبه : ولم تكن النكتة لتشيع في حديثه فحسب ولكنها تنضر أدبه الذي يكتبه أو يلقيه في الإذاعة أو ينشره في الصحف وخاصة ما كان ينشره في (المرآة) فإنه ميدان فسيح لنكاته الأدبية الرائعة وطالما وضع النكتة مع صورة من يتحدث عنه كأنما هي عنوان الموضوع ..  

وهو أكثر الكتاب المحدثين اصطناعا للنكتة البلدية يصطنعها بلغته العامة في غير تكلف ولا تحفظ ولا احتياط يأخذها من حي السيدة زينب أو من حي باب الشعرية فيضعها في وسط الكلام الرائع الذي يمكن أن يقاس إلى أروع ما كتب أهل القرن الرابع والثالث للهجرة فإذا النكتة البلدية العامية مستقيمة في مكانها ومطمئنة في موضعها لا تحس قلقا ولا نبوا ولا يحس قائلها قلقا ولا نبوا ولكنها تفجؤ القارئ فتعجبه وتملأ نفسه رضى ثم هو يحس أن الكلام ما كان ليستقيم لولا أن هذه النكتة قد جاءت في هذا الموضع واستقرت في هذا المكان.

وقد اضطر البشري أن يسوق النكتة باللغة العامية الخالصة إذا أراد أن يجلو على القارئ صورة كاملة من حيث قوم في مناقلاتهم ومناوراتهم وما تطارحوا من فنون الكلام إذ يقتضي الحديث أن يورد كما نطقوا به وبخاصة إذا كان يجري في التعبيرات التي تشيع على ألسن الناس وتذهب عندهم مذهب الأمثال وإلا لو أدى بفصيح اللغة فسد الغرض واختل نظام الكلام.

ولأن النكتة إذا سبكت في العربية الخالصة فقد ينضب ماؤها ويحول بهاؤها ، هذا هو الذي حدا بالبشري أن يسوق النكته بالعامية ولم يكن الدافع له عجزه عن العربية الفصيحة وهو أبو عذرتها وابن بجدتها وهو أحد الذين ردوا إلى الأدب العربي في النهضة الحاضرة قوته وجزالته وكان على جانب عظيم من معرفة اللغة العربية والتضلع فيها حتى ليفيض أدبه بثروة لغوية خصبة ويقتدر على التعبير عن كل ما يريد بأفصح لغة وأبلغ تعبير.

آثاره الأدبية : المختار : هو مجموع ما نشره في الصحف وما حاضر به وألقاه في الإذاعة مما أبدعه أسلوبه وافتن فيه بقلمه فكان آية في إشراق الأدب وغزارة البيان وفصاحة العبارة وسعة الأفق ، ضم هذا الكتاب صورًا من الأدب الرفيع يعزر رسمها على غير يراعه والحق أن (المختار) كما يقول الأستاذ خليل مطران بك في مقدمته للجزء الأول : (متحف حافل بالمفاخر وكل طرفة من طرفه جديرة بأن تطالع في تدبر ورية) ، أما الجزء الثاني فقد كتب في مقدمته عميد الأدب الدكتور طه حسين بقلمه الرشيق وأدبه العذب فزاد في بهائه وأعلى من مكانته والجزءان مطبوعان طبعا مصقولا مهذبا.

في المرآة : يضم هذا الكتاب ما اختاره البشري مما كان ينشره في مجلة السياسة الأسبوعية مع جمهرة أخرى من القطع الأدبية الساحرة التي دبجها قلمه المبدع ، والكتاب يتضمن صورا دقيقة لعظماء مصر وكبرائها وساستها وعيونها رسمها بريشته التي يعيا المصور عن توضيحها كما أوضح وانطاقها كما أنطق فقد تدسس على جميع ما يختص بهؤلاء الناس فوصف نفوسهم وطباعهم وشرح أخلاقهم وعاداتهم وتفطن إلى مواطن الشذوذ فيهم واكتنه ما خفي من أمورهم حتى على المتصلين بهم فكان نفاذا في وصفه بارعًا في تصويره ولم يدع شيئا مما يتصل بهم وبخلقهم وخلقهم إلا وقد أنطقه وجلاه بأوضح بيان كل ذلك بأسلوب مرح خلاب وعبارة جزلة فصيحة وبيان مشرق منطلق ونكتة أخاذة تثير العجب والطرب.

وقد كان لما يكتبه البشري في هذه (المرائي) أكبر الأثر في نفوس الناس وكانوا ينتظرونها ويخشى كل عظيم أن يكون في مرآته ، وإذ يكتب عن كبير أو ذي شأن فإنما يمنحه الرفعة ونباهة الشأن أو ينزل به إلى مكان سحيق ويدعه مضغة الأفواه وحديث الألسن ، وقد وضع لكل شخص يتحدث عنه في هذا الكتاب صورة متخيلة ولا يخلو الحديث عن واحد من الذين تناولهم في المرآة من نكتة بارعة يلصقها به فتسير وتذيع وتتناقلها الأفواه ، وقد نسج على منواله كثير من الأدباء فكتبوا مرائي مختلفة نهجوا فيها نهجه في التحليل ولكن شتان بين ما كتبوا وما كتب.

كتاب التربية الوطنية : وللبشري كتاب في التربية الوطنية تناول فيه موضوعات مختلفة تتصل بالوطن وشئونه والتربية وفنونها وأسلوبه في هذا الكتاب ناصع يبين الموضوع في وضوح وسلاسة ،  آثار أخرى : واشترك بتكليف من وزارة المعارف في تأليف كتاب المفصل في تاريخ الأدب العربي وهو جزءان والمنتخب من أدب العرب وهو جزءان أيضا والمجمل في الأدب العربي لطلبة المدارس الثانوية ، أسهم في هذه الآثار الأدبية وهي ذات قيمة وأثر ملموس لما نشرته من الأدب في تحقيق دقيق صيغ بأسلوب سهل فصيح ، وللبشري أيضا كتاب القطوف وهو مجموع مقالاته التي نشرها في الصحف وألقاها في الإذاعة مما لم يطبع قبل والقطوف لا يزال غير مطبوع “.

13 / حديث عيسى بن هشام

 (حديث عيسى بن هشام) هو عنوان الكتاب الذي ألفه الأديب والكاتب محمد بك المويلحي الذي ولد في القاهرة عام 1858 م وتوفي في حلوان عام 1930 م وهو ابن الأديب والصحفي إبراهيم بك المويلحي مؤسس جريدة (مصباح الشرق) ، وترجع أصول عائلتهم إلى قرية المويلح بالحجاز والتي قدم منها جدهم الأكبر أحمد المويلحي في عهد محمد علي باشا حيث عملت الأسرة بالتجارة وتمتعت بعلاقة بالحكام من خلفائه.

تلقى محمد المويلحي تعليمه في مدرسة أنجال الخديوي إسماعيل ثم التحق بالجامع الأزهر   تتلمذ على يد والده وشارك معه في العمل الصحفي وتعرض للاعتقال والمحاكمة بسبب مناصرته للثورة العرابية ونفي بعدها خارج البلاد لمدة خمس سنوات حيث رحل مع والده إلى الأستانة ، وهنام قام بنسخ عدة مخطوطات من عيون الأدب العربي من أهمها أعمال للشاعر الفيلسوف أبي العلاء المعري.

ثم عاد إلى القاهرة ليعمل بالصحافة مجددا حيث نشر في مجلة المقطم مقالات عديدة تتناول القضايا الوطنية المختلفة وحظي بعلاقة وثيقة مع أعلام عصره مثل الأميرة نازلي فاضل والكاتب قاسم أمين والشاعر حافظ إبراهيم ، ونشر أيضا عدة إصدارات أخري منها كتاب في نقد ديوان شوقي وكتاب علاج النفس وهو تجميع لمقالاته الفلسفية ثم نشر مجموعة قصص قصيرة في جريدة مصباح الشرق تحت عنوان (فترة من الزمان).  

وقد كتب هذه السلسلة من الحكايات بأسلوب هزلي ساخر قلد فيها لمقامات بديع الزمان الهمذاني وتناول فيها بالنقد مواضيع سياسية واجتماعية متنوعة واستعمل فيها السجع والمترادفات والموسيقى اللفظية وتأثر فيه بأسلوب والده في الكتابة وبأفكار كل من السيد جمال الدين الأفغاني والإمام محمد عبده ، وجعل البطل الأساسي فيها هو نفس بطل مقامات الهمذاني (عيسى بن هشام) لكن يصحبه في هذه المرة صديقه الباشا.

ولا ينسى الكاتب أن يهدي الكتاب إلى أساتذته الخالدين فقال في مستهله : ” إهداء الكتاب .. ألفَ المؤلفون والكتاب أن يبدأوا كتبهم عند نشرها بإهدائها إلى بعض ذوي الشأن والفضل ، والضعيفُ العاجز يُهدي هذا الكتاب إلى كل مَنْ يقرؤه من أديبٍ يجد فيه طَرفًا من الأدب وحكيمٍ يرى فيه لمحةً من الحكمة وعالمٍ يبصر فيه شذرةً من العلم ولغويٍّ يصادف فيه أثرًا من الفصاحة وشاعرٍ يشعر فيه بمثل طيف الخيال من لطف الخيال ، وأُهديه إلى أرواح المرحومين الأديب الوالد والحكيم جمال الدين والعالم محمد عبده واللغويِّ الشنقيطي والشاعر البارودي ، أولئك الذين أنعم الله عليهم وأولئك الذين تأدَّبْتُ بأدبهم وأخذتُ بهديهم “.

وصدر الكتاب برسالة تقريظ وتشجيع من السيد جمال الدين الأفغاني جاء فيها : ” وأُهدي هذه الرسالة التي اختصني بها المرحوم الأستاذ جمال الدين الأفغاني بخطِّه الكريم منذ خمس عشرة سنة إلى جماعة أهل الفضل والأدب لمَا تضمنته من الحَثِّ على طلب العلم وأدب النفس ولحسنِ أسلوبها في كتب المودَّات وهي لا تزال عندي إمامًا يهديني ونورًا أستضيء به فأردت أن أشاركهم في هذه الذخيرة التي يحق الضنّ بها والحرص عليها.

ونقلتها هنا بصورة خطه الشريف تخليدًا لأثر تلك اليد الكريمة ، وإذا قدَّرنا أن الشرقيين يتنافسون تنافس الغربيين في اقتناء الرسائل التي تكون قد صدرت عن بعض عظماء الرجال بخطوطهم ويتسابقون إلى الحصول على بعض أدوات كتابتهم ويبذلون في سبيل ذلك من الأموال والمساعي ما لا يُقَدَّر فإني أكون قد أهديت إلى أهل الفضل هدية يعتدُّون بها ويتقبلونها بالقبول الحسن إن شاء الله.

حبيبي الفاضل .. تقلُّبك في شؤون الكمال يشرح الصدور الحرجة من حسرتها وخوضُك في فنون الآداب يريح قلوبًا عَلَّقت بك آمالها وليس بعد الإرهاص إلا الإعجاز ولك يومئذٍ التحدِّي ، ولقد تمثلت اللطيفة الموسوية في مصر كرَّةً أخرى وهذا توفيق من الله تعالى فاشدُدْ أزرَها وأبرم بما أوتيتَ من الكياسة والحذق أمرها حتى تكون كلمة الحق هي العليا ، ولا تكن كالذين غرتهم أنفسُهم بباطل أهوائها وساقتهم الظنون إلى مهواة شقائها وحسبوا أنهم يُحسنون صنعًا ويصلحون أمرًا ، وكُن عونًا للحق ولو على نفسك ولا تقف في سيرك إلى الفضائل عند عُجبك لا نهاية للفضيلة ولا حدَّ للكمال ولا موقف للعرفان وأنت بغريزتك السامية أولَى بها من غيرك والسلام ، جمال الدين الحسيني الأفغاني “.

وبدأ بعدها في مقدمة مختصرة يقول فيها : ” بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله الواحد العدل والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي الأمي القرشي الأبطحي التهامي المكي المدني وآله الطيبين الطاهرين ، وبعد فهذا الحديث ـ حديث عيسى بن هِشَام ـ وإن كان في نفسه موضوعًا على نسق التخييل والتصوير فهو حقيقة متبرّجة في ثوب خيال لا أنه خيال مسبوك في قالَب حقيقة.

حاولنا أن نشرح به أخلاق أهل العصر وأطوارَهم وأن نصف ما عليه الناس في مختلَف طبقاتهم من النقائص التي يتعين اجتنابها والفضائل التي يجب التزامها ، وهذه الطبعة الرابعة بعد نفاد الطبعة الثالثة تعهدناها أيضًا بما تقتضيه معاودة النظر من إصلاح مواضع النقص والإهمال ومداركة ما لا يخلو منه كل عمل من شائبة السهو والإغفال ومِنَ الله التوفيق لكل حال والتسديد في كل مقال وفعال “.

وقد جاء في مقدمة الكتاب في موقع هنداوي وصف جذاب لهذا الكتاب وفيه : ” يستغل الكاتب شخصية عيسى بن هشام راوي مقامات بديع الزمان الهمزاني بأسلوب يشبه أسلوب المقامات ذاته ويتميز بخفة الظل ليحكي للناس حلمًا رآه في نومه متخذًا من حكاية المنام موضوعًا شيقًا وبناءً بسيطًا يستغله ليشرح من خلاله أخلاق الناس ،  يتعرض المويلحي من خلال شكل كلاسيكي إلى موضوع حداثي، هو وصف أخلاق الناس في المجتمع ومعاملاتهم وتقييمها وطبيعة علاقاتهم في الطبقات الاجتماعية المختلفة.

فيرصد نقائص الأخلاق وما يعيبُ الإنسانَ منها داعيًا إلى تجنبها ومؤكدًا على فضائل الأخلاق ومكارمها الواجب التزامها ليعتلي المرء بذاته ومجتمعه ، يعتبر حديث عيسى بن هشام من الكتب التأسيسية للرواية العربية حيث كان حداثي الطرح آنذاك استهدف خطاب فئات متباينة من المجتمع فخاطب الأدباء والخواص وفي الوقت نفسه قدم للعامة منهجًا يرتقي بالنفس الإنسانية ويعلي من كرامة الفرد ، كل هذا في إطار فني بديع ولغة موسيقية اتسمت بطرافة السجع وسلامة التركيب على السواء “.

ومن نماذج هذه القصص واحدة بعنوان (أرباب الوظائف) يقول فيها : ” قال عيسى بن هشام : وسرنا إلى زيارة مجلس من أرباب الحكم والولاية وذوي السياسة والدراية ممن بيَدهم حلُّ الأمور وعقدها وبملكهم شقاء الأمة وسعدها الناشئين في مهد المعارف والعلوم والنابغين في أشتات المنطوق والمفهوم والموصوفين بدقة النظر وبعد الهمم والواقفين على أخلاق الخلق وعادات الأمم الذين تنكشف لضوء آرائهم غياهُب الخطوب الداجية وتنقاد للطف سياستهم أزمة القلوب الآبية.

فوصلنا إلى دار يزهر بياضُها ويبهر إيماضها قد ضربت عليها المحاسن أطنابها وخلعت عليها الزخارف جُلبابها فسار بنا الخدم إلى حجرة في جانب الساحة أعدت للانتظار والاستراحة وإذا برجل جالس فيها يتمايل بين يقظان ووسنان فرأسُه كُرَةٌ والكرى صولجان ، فلما أحس بقدومنا ودخولنا عليه انتبه يزيح النعاس بإصبعه عن عينيه فسلمنا فسلم وهو يتثاءب ويتلعثم فتخيلناه من ظاهر جملته وبذاذة هيئته أنه صانع من الصناع أو تبعٌ من الأتباع ولكن ما لبث أن ظهر لنا من مخاطبته للغلام أنه ذو رحم في البيت وذو مقام.

ثم التفت إلينا يخاطبنا ويقول بعد أن ذهب الخادم مستأذنًا في الدخول : قبح الله الخدم فهم نقمة من النقم شرّهم حاضر وخيرهم نادر والعناء بهم ليس له آخر فكم أغضبوا حليمًا وآذوا كريمًا وكم كسروا الصحيح وخلطوا الصريح ، وكم ارتكبوا جرمًا وإثمًا وجاءوا إفكًا وظلمًا وكم فتحوا الأغلاق واختلسوا الأعلاق وكم أحدثوا الشقاق وأذهبوا الوفاق وكم فرقوا بين المرء وأهله وحالوا بين الفرع وأصله ولعنة الله عليهم في الدارين فقد ذقتُ منهم الأمرين وكادت تصل بنا أفعالهم الشنيعة إلى ما لا يُحمد من الجفاء والقطيعة.

وابني حرسه الله ينظر ويُغضي ويتحمل منهم ما لا يُرضي وهم يتجنَّون علينا وينتصرون وإذا أمرتهم بأمر لا يأتمرون ويشهد الله أنني كلما رأيت مال ابني في أيديهم يتبعثر ويتبدد وثقته بهم تتضاعف وتتجدد ذاب الفؤاد فسال من العيون مشوبًا بماء الشُّؤون ، وأما وكيل البيت وما أدراك ما الوكيل فحسبنا الله ونعم الوكيل فتًى لا تخطئ في النفاق مخيلته ولا تطيش في البيت حيلته دأبهُ المكر والخداع وديدنُه الشقاق والنزاع يرضى طفلًا ليسخط كهلًا ويتملق للجارية في الحرم وللوصيف من بين الخدم .

هذا، وما زال الرجل يشكو ويتضجر ويتأفف ويتحسر فلم ينقذنا من هذه الشكوى التي تصم الآذان إلا رجوع الغلام بجواب الاستئذان فانتهينا من شقشقة لسانه وحمدنا الله على كرمه وإحسانه ثم اقتفينا أثر الغلام إلى حجرة بادية الرُّواء مضيئة بالكهرباء مفروشةٍ بأثمن فراش وأبدع رياش على اختلاف في الأجناس والأنواع وتباين في الأشكال والأوضاع ، فالتحفة الشرقية تقابلها الطرفة الغربية وآنية الذهب يضارعها آنية الخشب فوجدنا المجلس حافلًا بأهل الولاية والقضاء من الرؤساء والوكلاء فأخذنا مجلسنا نستمع ما يدور من السمر ونجني من أدبهم ما يحلو من الثمر “.

وأبدع في وصف قصر الجيزة والمتحف حيث قال : ” قال عيسى بن هشام : ووصلنا إلى قصر الجيزة ومتحف الآثار ومُلتقَى السيارة من سائر الأقطار فدخلنا روضة تجري الأنهار من بينها كأنها الجنة بعينها ، ولما رأى الباشا مسالك الروض منضدة وطُرقه مرصعة مزرَّدة حسبها أرضًا مفروشة ببُسُط منقوشة وأشكل الأمر عليه فهم بخلع نعليه ، فقلت : طريقٌ معبَّد لا فرش منجد وحصباء ومرو لا بساطٌ وفرو.

ثم شاهدنا قصرًا يكلُّ عنه الطرف ويقصر دونه الوصف فسرنا نرتاد خلاله ونتفيأ ظلاله فإذا الأسود مقصورات في المقاصير والأساود مكفوفات في القوارير ورأينا النمور في الخدور والرِّئال في الحجال والذئاب في القباب والظباء في الخباء ، فقال الباشا : لمن هذه الجنان ؟ وكيف يسكنها الحيوان ؟ وما علمت من قبل أن الليوث الضواري تسكن مغاني الجواري وأن أوابد البيد تتحجب في خدور الغيد.

فقلت له : سبحان القادر العظيم هذا بيت إسماعيل بن إبراهيم طالما كانت حُجُراتُه مطالع للأقمار ودرجاته منازل للأقدار كان إذا نادى صاحبه فيه (يا غلام) شقيت أقوام وسعدت أقوام ولبَّى نداءه البؤس والندى بأسرع من رجع الصدى وكان من احتمى بظل هذا الجدار تحامته غوائل الأزمان والأدهار ، هنا كان يُفصل الأمر ويحكم وينقض الحكم ويبرم هنا كانت تنفرط فرائد القلائد من أجياد الخرائد فتختلط بمنثور أزهاره وترصِّع لحين أنهاره.

هنا كانت تتناثر الحلي من قدود الحسان فتشتبه بأثمار الأغصان هنا كانت تصدح القيان على المزاهر والأعواد فتجيبها ذوات الأطواق فوق الأفنان والأعواد فأصبح اليوم حديقة مبتذلة عامة وموطئًا لأقدام الخاصة والعامة وأصبحت أرضه تُكترى وجنى أشجاره يباع ويشترى ، ودوَّى فيه صياح النسور وزئير الأسود وامتلأت أرجاؤه بعواء الذئاب وهمهمة الفهود وزال ما كان فيه من عز وطول ومجدٍ وصول وأيدٍ وحول.

وصدق الكتاب فحقَّ عليه القول : في هذا الدار في هذا المكان على هذا السرير رأيت الملك قد سقطا ، وذكرت للباشا ما كان لصاحب هذا القصر ومليك ذلك العصر من الجد الصاعد والبخت المساعد وما صار إليه بعد ذلك من أفول السعد وما دهاه في الغربة إلى أن سكن اللحد ، نالُوا قليلًا من اللذات وارتحلوا برغمهم فإذا النَّعماء بأساء ، ثم وقف الباشا هنيهة فكر فيها واعتبر وتلا : (وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّنَ الْأَنبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ * حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ ۖ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ).

ثم إننا سرنا في وسط الحديقة حتى انتهينا إلى دار التحف العتيقة، فدخلنا نشاهد ما أبرزته يد البحث من الخفاء إلى الظهور وما أعادته قوة التنقيب من البلى إلى النشور وما صانته ألحاد القبور من يد الفناء والدثور وجمعته أحشاءُ الرُّموس من العفاء والدروس وما أجنَّته أرحام المعابد والهياكل من بقايا المواضي وخفايا الأوائل وما انسدلت عليه سُجوف الأحقاب من ودائع الأسلاف للأعقاب وما انشقت عنه الأرض من مكنون الدفائن ومكنوز الخزائن وعجائب الفن الدقيق وبدائع الصنع الأنيق بليت في اصطحابها جدة الأيام والليالي وانحنت على احتضانها ظهور العصور الخوالي.

ومضت دول بعد دول وذهبت أولٌ في إثر أول واندثرت مدائن ونشأت مدائن وبادت مواطن وقامت مواطن وانقلبت الأغوار أنجادًا والأبحار أطوادًا وغدا العمار خرابًا والغمار سرابًا والسرابُ غمارًا والخراب عمارًا ، وهي هي مصونٌ شكلها كما تركها أهلها لسان صادق وخبر ناطق تنطق بالعبر وتحدث عمن غبر : مضت غبرات العيش وهي غوابرٌ على الدهر مكتوبُ عليها حبائسُ ، وأقمنا هناك نتنقل بين الأصنام والتماثيل ونتأمل في التصاوير والتهاويل ونتفكر في هذه العظام المنشَّرة والرفات المنظرة بما عليها من الحلي والزينة وتلك الأحجار الثمينة كيف كانت ملوكًا للأمم ثم بقيت على بلَى الرمم وتوالي القدم في حال الوجود مع العدم “.

14 / غنية المؤدبين

(غنية المؤدبين في الطرق الحديثة للتربية والتعليم) هو عنوان الكتاب الذي ألفه رائد الإصلاح الاجتماعي والتعلمي في مصر الأديب والكاتب الشيخ عبد العزيز جاويش الذي ولد في الإسكندرية عام 1876 م وتوفي في القاهرة عام 1929 م ، والده خليل حسن جاويش تونسي الأصل من كبار التجار ووالدته من جذور تركية وتلقى تعليمه بالأزهر ثم دار العلوم وترأس تحرير جريدة اللواء خلفا للزعيم مصطفى كامل وأسس جمعية المواساة الخيرية بالإسكندرية وألف عدة كتب في مجالات التربية والتعليم ويعد من رواد كتابة المقال.

وقد ترجم له الزركلي في كتابه الأعلام فقال : ” عبد العزيز بن خليل جاويش : خطيب من الكتاب له علم بالأدب والتفسير من رجال الحركة الوطنية بمصر ، تونسيّ الأصل ولد بالإسكندرية وتعلم بالأزهر ودار العلوم واختير أستاذا للأدب العربيّ في جامعة كمبردج وعاد إلى مصر فاشتغل مدرسا فمفتشا للغة العربية في مدارس الحكومة واتصل بمصطفى كامل.

وتولى تحرير جريرة اللواء سنة 1908 فحمل على الاحتلال والمحتلين وصنائعهم والمستنيمين إليهم فسيق إلى المحاكمة مرات وسجن ستة أشهر لمقال كتبه عن حادثة دنشواي وثلاثة أشهر لكلمة قدم بها ديوان (وطنيتي) من نظم علي الغاياتي ، ورحل إلى الآستانة فأصدر جريدة الهلال فمجلة الهداية ثم مجلة العالم الإسلامي وأرسلته الحكومة العثمانية في خلال الحرب العامة الأولى إلى برلين للدعاية.

ودخل مصر خلسة بعد الحرب ثم أظهر نفسه فعين مراقبا عاما للتعليم الأولى وشارك في إنشاء جمعية الشبان المسلمين وتوفي بالقاهرة ، له كتب منها : أثر القرآن الكريم في تحرير الفكر البشري ، وخواطر في التربية والسياسة ، وأبحاث عن المرأة المصرية والشؤون العامة ، وغنية المؤدبين في الطرق الحديثة للتربية والتعليم ، والإسلام دين الفطرة ، ولأنور الجندي عَبْد العَزِيز جاوِيش من رواد التربية والصحافة والاجتماع “.

وقد استهل المؤلف كتابه بمقدمة يقول فيها : ” بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله الذي بذكره تتم الصالحات والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي أدبه الله فأحسن تأديبه وعلى جميع الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر والحافظين لحدود الله ، وبعد فلما كانت اللغة العربية لم يوضع بها في فن التربية وأساليبها شيء على النسق الحديث وقد اشتدت حاجة المؤدبين في هذا الزمن إلى كتاب يهتدون بهديه في هذا الفن.

أردت إجابة لمطالب هذه الحاجة الشديدة أن أضع عجالة صغيرة تكون بحول الله مرجعا لمدرسي فن التربية ولقطة لطالبيه وجمعت في هذه العجالة كل ما تدعو الحاجة إليه في تعليم الناشئة ولم أخرج عن دائرة مسائل التربية العلمية إلا بشذرات قليلة ألممت فيها بنبذة في تاريخ التربية وشيء قليل من علم النفس ، وهنا يجمل بي أن أقول إنني جافيت بكتابتي هذه عن مضاجع الإتقان حتى لا يحرم مبتدىء أو قاصر من الانتفاع بها.

فجاءت بحمد الله دانية القطوف لمن رغب في ثمراتها ، كما أذكر أنني لم أقصد إلى البحث الفلسفي في مسائل العقل وقواه لأن الكلام على ذلك مبسوط في كتب الفلسفة العربية بما لا مزيد عليه ولأن الغرض هنا أن أذكر ما يعود باتباعه على المؤدبين بالفائدة العظمى في التربية إن شاء الله تعالى “.

وجاءت تفاصيل وافية عن نضاله في كتاب مشاهير أعلام المسلمين في فصل من إعداد الأستاذة أمل محمد بعنوان (عبد العزيز جاويش شيخ التربية والصحافة والجهاد) وتقول فيه :  ” بعد احتلال إنجلترا لمصر تصاعدت روح المقاومة الوطنية سواءٌ في السياسة أو الخطابة أو الشعر والأدب ، وفي هذا العصر برز الشيخ عبد العزيز جاويش والذي شارك في كل طيبات عصره فإذا تحدثت عن أدب ذلك العصر وجدته في مقدمة أدبائه وإذا تحدثت عن العلم والعلماء رأيته في الذروة وإذا تحدثت عن التربية والتعليم ألفيته المصلح الكبير وإذا ذكرت المضحِّين في سبيل الوطنية وجدته أكبر المضحين وإذا تحدثت عن الإرشاد الاجتماعي وجدته من ذوي الآراء الناضجة وإذا تحدثت عن المضطهدين في أوطانهم كان أوضح عنوان لهذا الاضطهاد.

المولد والنشأة : وُلد عبد العزيز جاويش في الإسكندرية (12 من شوال 1293هـ = 31 من أكتوبر 1876م) ونشأ في أسرة كريمة تعمل بالتجارة وحفِظ القرآنَ الكريم وتعلَّم مبادئ القراءة والكتابة واتجه إلى مواصلة التعليم فسافر إلى القاهرة والتحق بالأزهر سنة (1310هـ = 1892م) وهو في السادسة عشرة من عمره ، لم يستمر عبد العزيز جاويش في الأزهر سوى عامين وتركه والتحق بمدرسة دار العلوم بعد أن اجتاز اختبارًا صعبًا بين يدي لجنة تضم عشرةً من كبار رجال العلم تمتحن المتقدمين في دقائق الفقه والتفسير والنحو والبيان والبديع والإنشاء والتاريخ.

وحصل على شهادتها سنة (1315هـ = 1897م) وهو في الحادية والعشرين من عمره ثم عُيِّن الشيخ مدرسًا للغة العربية بمدرسة الزراعة وكان من سُنن وزارة الزراعة أن تُرسل من خريجي دار العلوم بعثةً سنويةً إلى إنجلترا فاختِيْر الشيخ والتحق هناك بجامعة برورود ، وتلقَّى هناك علومَ التربية والطرق الحديثة في التدريس وظل هناك ثلاث سنوات عاد بعدها إلى القاهرة سنة (1319هـ = 1901م) ليعمل مفتشًا في وزارة المعارف لم يكن همه الأول إحصاء أغلاط المدرسين بل كان همه الأول إصلاح التعليم.

الشيخ الأديب والمجاهد  : كان للشيخ فطرةٌ أدبيةٌ ميَّزَته وهو طالب بدار العلوم كان يكتب في (اللواء) ثم في (العلم) وكذلك في (الهداية) مقالات نارية ضد الاحتلال وحكومات الاحتلال من المصريين كما كان يكتب في تفسير القرآن الكريم ، رأَس تحرير جريدة (اللواء) 1908 خلفًا لمصطفى كامل وهنا بدأت مرحلةٌ جديدةٌ في حياته لخَّصها هو في مقاله الأول الذي نُشر في (1 من ربيع الآخر 1326هـ = 3 من مايو 1908م) وجاء فيه :

(باسمك اللهم قد استدبرت حياةً زادُها الجبن وخوَر العزيمة ومطيتُها الدهان والتلبيس وبيمينك اللهم أستقبل فاتحة الحياة الجديدة حياة الصراحة في القول وحياة الجهر بالرأي حياة الإرشاد العام حياة الاستماتة في سبيل الدفاع عن البلاد العزيزة ، سيسير (اللواء) على ما كان عليه خادمًا للأمة المصرية مدافعًا عن الأريكة الخديوية ما حرصت على مصالح رعاياها مجاهدًا الإنجليز ما بقوا في بلادنا حاثًّا على الفضيلة والأخلاق الكريمة داعيًا إلى توحيد عناصر الأمة على اختلاف مللها ونحلها).

قُدِّم للمحاكمة أمام محكمة عابدين 1908 لنشره مقالاً تحت عنوان (دنشواي أخرى في السودان) وقد حُكم عليه ابتدائيًّا وبرِّئ استئنافيًّا ، قُدِّم للمحاكمة سنة 1909 بسبب نشره مقالاً في اللواء بعنوان (ذكرى دنشواي) وصدر الحكم بحبسه ثلاثة أشهر ، في 27 نوفمبر 1909 قَدَّم له الشعب وسامًا في حفل خاص تقديرًا لوطنيته ، في 1910 أنشأ مجلة (الهداية) لإفهام المسلمين أسرار القرآن ، في سنة 1910 قُدِّم للمحاكمة بسبب مشاركته في وضع مقدمة لديوان (وطنيتي) لعلي الغاياتي وحُكم عليه بالحبس ثلاثة أشهر.

في سنة 1912 أُبعد الشيخ جاويش إلى تركيا حيث أعاد إصدار مجلة الهداية والهلال العثماني والحق يعلو ، في سنة 1912 تزعَّم مع بعض زملائه أنصار الحزب الوطني جمع التبرعات وإرسال الذخائر إلى طرابلس لمقاومة الغزو الإيطالي ، في سنة 1913 طلبت الحكومة المصرية تسليم الشيخ جاويش لمحاكمته عن تهمة إرسال منشورات ضُبطت مع أحد الطلبة المصريين القادمين من تركيا وتم تسليمه بالفعل وأُودع سجن الحدرة ثم أفرج عنه ، في سنة 1914 أنشأ الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة ووضع أساسها وأعاد إصلاح كلية صلاح الدين بالقدس الشريف.

في سنة 1914 سافر الشيخ إلى إنجلترا حيث اتفق مع أحد أغنياء الهنود على إنشاء أسطول إسلامي ، في سنة 1915 أُعدت حملةٌ من الجيش التركي لتخليص مصر من الاحتلال وشارك فيها الشيخ ، فيما بين سنتي 1915 و1918 كان ينتقل ما بين ألمانيا وتركيا والشام وقد أنشأ مجلاتٍ إحداها باللغة الألمانية باسم Die Islamische Welt  وثانية في إسطنبول باسم (العالم الإسلامي) وفي سويسرا مجلة باسم  Egypte وذلك للدفاع عن استقلال مصر كما اشترك في مؤتمر الدفاع عن الدول المحتلة في إستكهولم.

في سنة 1918 غادر الشيخ جاويش تركيا خفيةً حيث اتصل بالوفد المصري بباريس ، في سنة 1922 استدعاه الغازي مصطفى كمال باشا وعيَّنه رئيسًا للجنة الشئون التأليفية الإسلامية بأنقرة ، في سنة 1923 حدث خلاف بينه وبين الغازي في شأن إلغاء الخلافة فعاد لمصر خفيةً ونَشرت جميع الصحف مقالاً تحت عنوان (تجديد العهد) بتوقيع الشيخ جاويش وبعد عشرة أيام صرَّحت له الحكومة بالإقامة في مصر.

العالِم المُصلح  : كان الشيخ يحضر دروس الإمام محمد عبده فتأثر به في تفسير القرآن وفي البحث الديني وفي اتجاهاته الإصلاحية فسلك في ذلك سبيل التأليف والخطابة فألف كتاب (الإسلام دين الفطرة) أثناء وجوده في إنجلترا وترجَمَه للغة الإنجليزية ليساهم في بناء مفاهيم الإسلام والكشف عنها ، وفي عام 1911 عقدت الحكومة المصرية مؤتمرًا بمصر الجديدة للإصلاح العام فألقى الشيخ خطبةً عن الإصلاح الاجتماعي كان عنوانها (وجوب مراعاة أحوال الزمان والمكان في تطبيق أحكام الشرعة الغراء) ،  وقد دعا إلى ترابط رؤوس الأموال الصغيرة وإنشاء مصرف وطني وحارب الخمر ومضارّ المسكرات وألَّف في ذلك كتابًا بعنوان (أذى الخمر ومضارُّه) وارتفع صوتُه بضرورة العناية بالمرأة وتعليمها وإصلاح أحوالها ورفعه شأنها وعارض زواج المصريين من الأجنبيات.

الشيخ المربِّي  : وقد كتب كتابًا بعنوان (غنية المؤدبين) طُبع عام 1903 حيث عالج فيه أساليب المحاورة والاستنتاج بدلاً من الحفظ والتلقين في التدريس ، كما ألف كتاب (مرشد المترجم) مما يدل على إتقانه للغة الإنجليزية وأسس مدرسةً ليلية سمَّاها الإعدادية الليلية يتعلم فيها الأزهريون اللغة الفرنسية وعقد مؤتمرًا كبيرًا في مدينة المنصورة في فبراير 1911 ألقى فيه خطبةً جامعةً في إصلاح التربية والتعليم.

وقد تطلع جاويش إلى اختيار عدد من الطلاب الأزهريين النابهين – الذين يقصدون مدرسته – وإرسالهم في بعثات إلى أوروبا وكانت البعثات تسافر من كل المدارس ما عدا الأزهر ونجح جاويش في جمع التبرعات اللازمة لنفقات أول بعثة أزهرية على نفقة الأمة إلى فرنسا وتكوَّنت من ثلاثة طلاب سافروا إلى فرنسا في (1911م) وكان معهم جاويش ، وكان الهدف من هذه البعثة الوقوف على أساليب التعليم الحديثة ليطبقها هؤلاء المبعثون في الجامعة الأزهرية حتى تصبح عصريةً غير أن هذا المشروع توقف بعد سفر جاويش إلى تركيا بعد التضييق عليه ومحاربته.

وبعد عودة جاويش رأت الدولة أن تنتفع بخبرته في التربية والتعليم فأسندت إليه منصب مدير التعليم الأوَّلي سنة (1344هـ = 1925م) وذلك وفق خطة لمحو الأمية وتوسيع دائرة التعليم فاستكمل ما كان قد بدأه من طرق الإصلاح في التربية والتعليم فأخذ يجوب البلاد ويُنشئ المدارس ويضع الخطط للنهوض بالتعليم حتى وافاه أجله.

وكان جاويش – بحكم ثقافته العربية الإسلامية واتصاله بمناهج التعليم الحديثة الغربية – يؤمن بأن الأمم لا تنهض إلا بالتربية والتعليم ولم يشغله عمله في جريدة (اللواء) عن الدعوة إلى إصلاح التعليم فأنشأ المدرسة الإعدادية كنواةٍ صالحةٍ ينسج عليها التعليم الثانوي وكان جاويش يقوم بالتدريس فيها بنفسه ويفتح أبوابها في إجازات الصيف للطلاب حتى لا تضيع أوقاتهم فيما لا يفيد.

ودعا جاويش إلى إصلاح مناهج التعليم والعناية بالتربية كأساس للتعليم ورفع مستوى القائمين على العملية التعليمية والأخذ بالأساليب الحديثة في التربية وهاجم مناهج التعليم القائمة لأن الاحتلال هو الذي وضعها وأشرف على تنفيذها ودعا إلى التوسع في التعليم الزراعي والصناعي وعمل على إكمال النقص في برامج مدارس بالحكومة وحماية الطلاب من مناهج التعليم الأجنبي بإنشاء عدد من المدارس تكون تحت رعايته ، وامتدت دعوته إلى إصلاح التعليم فشملت تطوير التعليم بالأزهر وإدخال العلوم العصرية ضمن مناهجه وفتح أبواب المدرسة الإعدادية التي أنشأها لطلاب الأزهر وكان من بين من تعلم فيها طه حسين.

أخلاقه ووفاته  : كان الشيخ صريحًا في كل آرائه ولذلك كثرت محاكماته وكثرت سكناه السجون كما اتسم بخفة الروح والظل لا يمله الجالس كما كان أبي النفس ، كان الشيخ في سنواته الأخيرة يرعى أسرة زميل جهاده محمد فريد الذي توفِّي في برلين سنة (1339- 1920) ثم كان عليه أن يقوم على رعاية أسرة الصحفي المجاهد أمين الرافعي الذي تُوفي قبله ، وفي غمرة هذا العمل المتصل وافاه الأجل المحتوم في فجر يوم الجمعة الموافق (13 من شعبان 1347هـ = الموافق 25 من يناير 1929م) تاركًا ذكرى عطرةً وسيرةً طيبةً لأجيال أمته “.

أما كتاباته فقد تناولها السيد مرسي أبو ذكري في كتابه المقال وتطوره في الأدب المعاصر حيث قال : ” عبد العزيز جاويش ١٨٧٦ – ١٩٢٩ ، من رواد التربية والصحافة والاجتماع استمد من ثقافة الإسلام والغرب تكاملًا عميقًا في مفاهيم النهضة مما فتح أمامه آفاق العلم في مجال إنشاء الكنايات وبناء الأفراد ، جمع في إهابه سمات شخصيات كبيرة فقد ترسم خطى السابقين من المصلحين من أمثال جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده وتخلق بخلق أحمد بن حنبل في احتمال المحنة والغزالي في المزج بين الشكل والمضمون ، دينه من خلق عمر من عبارته (إن قول الحق لم يدع لي صديقًا) وفيه من كلمات الأبرار (إن سجني خلوة وتغريبي سياحة وقتلي شهادة).

تألق نجمه في مجال الصحافة والسياسة والإصلاح منذ تولى تحرير جريدة اللواء ١٩٠٨ فشغل الناس بآرائه الجريئة وحملاته على الاحتلال والاستبداد الداخلي والمستوزرين ، ولما ضاق الإنجليز بكتاباته وأزعجهم أسلوبه قدموه إلى المحاكمة وزجوه في غياهب السجن فظل به أربع سنوات من مايو ١٩٠٨ إلى فبراير ١٩١٢  ومع ذلك ظل أخصب فكرًا وأثرى إنتاجًا حتى خلق مدرسة صحفية ذات إيمان صادق، مشى في ركابها أمين الرافعي وصادق عنبر وأحمد وفيق ،  ومن أروع ما دبجه براعه، وسال على شباة قلمه وفاض به خاطره سلسلة من المقالات تحت عنوان (خير أنواع الحكومات) كشف فيها عن رأيه في نوع الحكومة التي تحتاجه مصر وبلاد الشرق والعالم الإسلامي.

أسلوب جاويش : وصفه تلميذه طه حسين فقال : (كان عذب الروح حلو الحديث في حذق واحتشام شديد الحياء حتى ما يكاد يرفع بصره عن محدثه وكان مع هذا حاد المزاج يثور لأقل ما يتوهم فيه الفض من كرامته أو تهاون دينه بل مخالفة رأيه، على أنه كان من صفاء النفس وطيبة القلب وخلوص النية بالمكان الرفع سمحًا كريمًا يجود بقوته ولو لم يكن سواه سبيل).

وأهم ما يميز أسلوبه ويوضح طريقته في كتاباته الإصلاحية ما يلي : يعبر عن رأيه في القضايا الداخلية والخارجية بأسلوب رائع بليغ يحمل طابع العصر ، يعرب عن شخصية إصلاحية باهرة وكفاية علمية وروحية وثقافة واسعة وخبرة وتجربة نتيجة لرحلاته العديدة إلى أوربا وأمريكا ، عباراته واضحة وصريحة إلى أبعد حد وأوسع مدى بحيث لا تغيب عن الأذهان أو تبعد عن الوجدان ، تبدو فيه شدة العاطفة الدينية والغيرة الوطنية حتى تكاد تكون شهبًا وصواعق ، يجمع بين السماحة والصراحة ويمزج بين الجاد والعنف لكل موقعه وموضعه ، يبدو فيه إقدامه وإيمانه بما يكتب وصلابته فيما يعالج وصبره على المكاره والتضحية.

هاجم الشيخ عبد العزيز جاويش التزوج بالأجنبيات وصور الخلاف بين الأب والأم حول الثقافة والدين ومفاهيم الحياة فقال : (إن الكتابيات اللائي يجلبن من البلاد الأجنبية كفرنسا وإنجلترا نحوها ينشأن على ما نعلم من حب دينهن وبلادهن وجنسيتهن وشدة تمسكهن بمبادئ أقوامهن فهل يرجى أن ينشئن أولادهم من أزواجهن المصريين على المبادئ الوطنية الصحيحة ؟! التي لا أراني في حاجة إلى الاستدلال على أنه لا يكون شيء سليم في بيت رئيسته أجنبية تحتقر البلاد وأهلها ولو كان منهم زوجها).

ويشير إلى أن (المرأة المسلمة) هي المرأة الطبيعية الفطرية التي ضمن الإسلام لها نفقاتها وأسباب حياتها حتى تتمكن من أداء رسالتها الاجتماعية المطابقة لحالتها الطبيعية ويرى أن الذين وضعوا برامج مدارس البنات لم يوفقوا في تقديم أنواع التربية السليمة لأن الفتيات يخرجن من هذه المدارس (معقودات اللسان مغلولات اليد مبغضات لكل ما له علاقة بتدبير المنزل ولا بد من أن نثقف الفتاة في أمور تدبير نفسها ومنزلها وولدها وليست التربية الصحيحة هو حشو الأدمغة بمختلف المسائل ولكنها كما قال علماء التربية أن يثقف العقل حتى يمكن أن يتجه إلى المعلومات فيزنها بميزان الاعتبار ويمعن فيها حتى لا يخفى عليه دقائقها وأن تهذب النفس بالأدب وجميل الحلال ، إن الخبيرين بطرق التربية في مدارس الحكومة وغيرها لا يستطيعون أن ينكروا علينا أنه لا أثر فيها للتربية إنما هي ترويض وتذليل للنفوس بتعويدها الخوف والخنوع ولو بالباطل والتسليم بما يقال ولو كان كاذبًا وبذلك تؤخذ البنات في مدارس الحكومة).

ويشير إلى الغاية من تربية الفتاة فيقول : (ليس ذلك لأننا نريد أن نستخدمها طاهية أو خادمًا ولكننا نقصد أن يكون منها رقيب يحاسب الخادمات والطاهيات إذا قصرن في أداء وظيفتهن) ، ولقد أولى الشيخ عبد العزيز جاويش اهتمامه بالمرأة المثقفة وأنشأ فصلًا من كتاب النسائيات لباحثة البادية ملك حفني ناصف دعا فيه (إلى ترجمة آثارها إلى اللغات الأجنبية ليقرأها الأوربيون ولا سيما نساؤهم الذين يعتقدون أننا اليوم على ما كانت عليه جاهلينا) وبذلك ضمت مجلة الهداية فصولًا عن الإصلاح الاجتماعي والعديد من قضايا علم النفس الحديث ومسائل العمران.

وكتب الشيخ جاويش مقالًا بجريدة اللواء الصادرة في ٨ ديسمبر ١٩٠٨ عنوانه : (مدرسو اللغة العربية المصريون في بلاد الإنجليز) جاء فيه : (نصح إليَّ مستر دنلوب أيام سافرت إلى أكسفورد أن أقتدي بما أراه من الأخلاق الفاضلة في تلك الأمة العظيمة، فماذا جرى ؟ ذهبت إلى تلك الديار فوجدت الناس متمسكين بدينهم فزادوني تمسكًا بديني ، رأيتهم شديدي الحرص على لغتهم فزادوني حرصًا على لغتي ، أبصرتهم يتفانون في الدفاع عن بلادهم ويحرمون الأجانب من الاستيلاء على بعض شئونهم أو التصرف في أموالهم ورقابهم فأخذت أحاكيهم في هذه البلاد السيئة الحظ بالاحتلال وأشياعه.

رأيتهم يحبون الصراحة ولا يخشون معتبة ولا يتهيبون معتبة ما دام الحق لهم فأخذت أحاكيهم في تلك الفضائل التي نصح بها عمادهم بنظارة المعارف العمومية ، أبصرتهم يحبون العمل ويكرهون الكسل ويحضون على الفضيلة فعدت إلى بلادي ثم صرت أشتغل بهمة لا تعرف الملل ولا الانقطاع فكان حقًّا على الإنجليز أن يرفعوا عقيرتهم ويقوم خطباؤهم وشعراؤهم بالإفاضة والإسهاب في مدح من نجح في تقليدهم ومحاكاتهم في فضائلهم ممن يرحلون إلى بلادهم من المصريين).

الشيخ عبد العزيز جاويش شخصية إصلاحية باهرة ذات كفاية علمية وثقافية عريضة وخيرات عديدة وتجارب متعددة اكتسبها خلال رحلاته خارج وطنه بأوربا وأمريكا ترسم الرجل خطى المصلحين من قبله فجاء مذهبه الإصلاحي في التربية والاجتماع والسياسة خلاصة وافية لآرائهم الحرة وأفكارهم النيرة وحملاتهم المخلصة ، ومن ثم كان اتجاهه في القضاء على الفساد والظلم واهتمامه بضروب الإصلاح ووجوه التقويم وتأليب النفوس على الاستعمار وأعوانه من المستوزرين وغيرهم ممن عاشوا في ركاب المستعمر.

والذي يرجع إلى كتابات الشيخ عبد العزيز جاويش في مجال التربية والاجتماع والسياسة يحس بإخلاصه في حملاته الإصلاحية التي تحمل غيرته ووطنيته وسلامة دينه ، كما ضمت مجلته الهداية فصولًا فريدة في مجال الإصلاح الاجتماعي كما عرض فيها قضايا عديدة في الاجتماع وعلم النفس ومسائل العمران مما جعله مصلحًا اجتماعيًّا كبيرًا وإماما دينيًّا عظيمًا ورائدًا فريدًا عرفته نهضتنا العربية الحديثة “.

15 / الترقيم وعلاماته في اللغة العربية

(شيخ العروبة) هو اللقب الذي عرف به أحمد زكي باشا ابن إبراهيم بن عبد الله النجار الذي ولد في الإسكندرية عام 1867 م وتوفي في الجيزة عام 1934 م ، وهو أحد أعلام النهضة الأدبية في مصر الحديثة ومن أبرز دعاة الوحدة العربية ، وهو أول من أطلق على الأندلس عبارة (الفردوس المفقود) وأول من استخدم مصطلح (تحقيق) على أغلفة الكتب العربية حيث كان من كبار محققي المخطوطات ، وأهم أعماله هو إدخال علامات الترقيم في الكتابة العربية الحديثة ووضع قواعدها في كتاب من تأليفه بعنوان (الترقيم وعلاماته في اللغة العربية).

توفي والده وهو صغير فكفله عمه الذي كان رئيسا لمحكمة طنطا الابتدائية وتلقى تعليمه في القاهرة حيث تخرج من مدرسة الإدارة (الحقوق) عام 1887 م ونبغ في اللغات الإنجليزية والفرنسية والإيطالية واللاتينية وعمل مترجما بمجلس الوزراء ثم عمل سكرتيرا للمجلس عام 1911 م وذلك لمدة عشر سنوات حتى تقاعده ، سافر إلى كل من إنجلترا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا والشام وإسطنبول والقدس واليمن وقبرص وزار عشرات المكتبات واطلع على مؤلفات أعلام الشرق والغرب.

تقدم بمشروع لإحياء الأدب العربي إلى مجلس الوزراء فأقره في جلسته التي ترأسها الخديوي عباس حلمي في 21 شوال 1328هـ / 24 أكتوبر 1910م واعتمد لهذا المشروع مبلغ 9,392 جنيهًا مصريًا – وهو مبلغ كبير في ذلك الوقت – تحت إشراف المجلس الأعلى لدار الكتب المصرية ، وفي هذا المشروع تمت طباعة العديد من الكتب بتحقيق أحمد زكي مثل : نكت الهميان في نكت العميان للصلاح الصفدي ، والأصنام للكلبي ، والأدب الصغير لابن المقفع ، والتاج في أخلاق الملوك للجاحظ ، والجزء الأول من كتاب مسالك الأبصار في ممالك الأمصار لابن فضل الله العمري.

وقد كرَّس جهوده الفكرية في التحقيق والترجمة والتأليف فكتب في التاريخ وأدب الرحلات والأدب واللغة قرابة ثلاثين كتابا وحقَّق كثيرًا من المخطوطات وترجم العديد من الكتب بالإضافة إلى مئات المقالات التي كَتَبَهَا في مجموعة من الصحف والمجلات العربية وقتها مثل الأهرام والمقطم والبلاغ والمؤيَّد والهلال والمقتطف والمعرفة والشورى ومجلة المجمع العلمي (دمشق) ، وقد تحرر أسلوبه في الكتابة من السجع والمحسِّنات البديعية حيث عرف بانتقاده للأساليب التقليدية في الكتابة حيث طالب بلُغَة واضحة ومباشرة.

وهو صاحب واحدة من أكبر المكتبات في زمنه وعرفت باسم (الخزانة الزكية) وضمت ثمانية عشر ألف مجلد جمعها من رحلاته كما قام بشراء مكتبات علي باشا إبراهيم والشيخ رضوان العفش وحسين باشا حسني ، بالإضافة إلى ما اقتناه في أثناء رحلاته إلى أوروبا والآستانة واستطاع في إحدى رحلاته إليها أن يزور مكتبة سراي طوب قبو وكانت مغلقة في وجه أي زائر لقرون عديدة وأن يبقى بها أربعة أشهر كاملة نسخ منها عددًا من الذخائر العربية.

بسبب اهتماماته الواسعة ومنشوراته العديدة أصبح زميلًا في المعهد العلمي المصري والجمعية الجغرافية الملكية والجمعية الملكية الآسيوية في لندن وعمل في المجالس الإدارية لكل من الأزهر والجامعة المصرية كما شغل كرسي الحضارة الإسلامية لاحقًا ، أخذ على عاتقه مبادرة وضع كلمات في اللغة العربية تعادل الألفاظ الدخيلة الأوروبية مثل (سيارة) ، كما قام باختصار حروف الطباعة العربية من 905 أشكال إلى 132 شكلا و 46 علامة وذلك بعد أن أجرى بنفسه تجارب يومية في مطبعة بولاق في عملية استغرقت ثلاثة أشهر.

وكان من أنصار الفكر القومي العروبي وأحد مؤسسي الرابطة الشرقية وأول أمين عام لها وعرف  منزله في الجيزة باسم (بيت العروبة) حيث كان مكان التقاء للزائرين من الدول العربية الأخرى وموقعًا للتصالح بين الأمراء العرب الذين يتشاجرون ومستودعا للمفروشات العربية العتيقة المجوهرات والكتب والمخطوطات ، وبنى إلى جواره مسجدا دفن فيه بعد وفاته.

وقد ترجم له أدهم آل الجندي في كتابه أعلام الأدب والفن فقال : ” أحمد زكي باشا 1876 ـ 1934 م ، هو أحد أعلام العصر ورسول النهضة العلمية والأدبية الذي وقف طول حياته يراعه ونفسه وجهوده في سبيل إحياء قوميته العربية.

ولد في 23 محرم سنة 1284ﻫ ـ 1867م ، زار الأندلس والعواصم الغربية ينقب عن نوادر المخطوطات ونفائس المطبوعات ينسخها أو يصورها أو يشتريها لا يدخر في ذلك جهداً ولا ثروة ولابس المستشرقين دهراً مليًّا يفيدهم ويفيد منهم حتى حذق أصول التحقيق ومهر طرائق النثر وأصبح لهم مرجعاً وفيهم حجة كان متضلعاً باللغة الفرنسية ملمًّا بالآداب الغربية.

فلما اعتزل المنصب الحكومي تسايرت قواه وهواه إلى خدمة الأمة العربية، فوفد على ملوكها وسفر بينهم بالصدق والألفة حتى أذهب الموجدة ومهَّد لتوحيد الكلمة ، ثم جرَّد لاستقراء الدقائق واستجلاء الحقائق فشغل الصحف بالمقالات والمناظرات وعمر الأندية بالخطب والمحاضرات وأحيا المجالس بالملح والمحاورات وفي كل يوم يعتكف الساعات الطوال في مكتبة الجامعة يحرر مقالة أو يصحح تجربة.

حتى إذا فرغ من ذلك كله رجع إلى بيته، فوجد ناديه قد حفل بزواره وسماره من رجالات العرب والمسلمين الطارئين على مصر فينشر عليه الأنس ويفيض فيه الكرم فكانت حضرته كحضرة الصاحب بن عباد مصدر العوارف والمعارف ومثابة القصاد من كل قطر وطبقة ، ثم جعل في عهده الأخير همه وعزمه حبساً على إنشاء مسجد وبناء قبره، فلو لم يعجله الموت عنه لتركه قطعة خالدة من الفن العربي.

مواهبه : كان أدبياً محيطاً بكل شيء أنيقاً في ملبسه ومأكله ومسكنه وأسلوبه ونشر مقالاته وطبع كتبه عذب الروح حلو الفكاهة سليم الصدر ، وتفكيره استطرادي لا يعنى بالوحدة ولا يحفل كثيراً بالتناسق وأسلوبه أندلسي يتصيد السجع، ويتلمس ألوان البديع ومرجع ذلك إلى اعتقاده بعربيته واعتداده بشرقيته واعتماده في تكوين نفسه على أدب أمته.

لقد كانت داره ملتقى العلماء والأدباء الباحثين من جميع أقطار الشرق ، ومن المؤسف أننا نحن في الشرق لا نعترف بالفضل لذويه إلا بمقدار حتى إذا رحلوا إلى الدار الآخرة وانقطعت صلتهم المادية بالأحياء نسيناهم أو تناسيناهم فأهمل قومه تأبينه ولم يقوموا بواجب إحياء ذكراه وكذلك يكون حظ العلماء والأدباء ونصيبهم من الوفاء في الشرق العربي.

وقد لخص المترجم رسالة أجمل تلخيص في ثلاثة أبيات من الشعر أنشأها ثم جعلها زخرف داره وصورة شعاره ومرجع حديثه، وهي : وقفت على إحياء قومي يراعتي .. وقلبي وهل إلا اليراعة والقلب .. ولي كل يوم موقف ومقالة .. أنادي ليوث العرب ويحكم هبوا .. فإما حياة تبعث الشرق ناهضا .. وإما فناء فهو ما يرقي الغرب ، وفاته : انتقل إلى عالم الخلود يوم الجمعة في 6 يوليو سنة 1934م ـ 24 ربيع الأول لسنة 1354ﻫ ودفن في الجيزة “.

وقد استهل المؤلف كتابه عن الترقيم بمقدمة يشرح فيها الأسباب التي دعته لهذا العمل الأول من نوعه فقال : ” الترقيم وعلاماته في اللغة العربية ، تمهيد : دلت المشاهدة وعززها الاختبار على أن السامع والقارئ يكونان على الدوام في أشد الاحتياج إلى نبراتٍ خاصةٍ في الصوت أو رموزٍ مرقومةٍ في الكتابة يحصل بها تسهيل الفهم والإدراك عند سماع الكلام أو قراءة المكتوب.

ولقد شعرت الأمم التي سبقت في ميادين الحضارة بهذه الحاجة الماسة فتواضع علماؤها على علامات مخصوصة لفصل الجمل وتقسيمها حتى يستعين القارئ بها ـ عند النظر إليها ـ على تنويع الصوت بما يناسب كل مقامٍ من مقامات الفصل والوصل أو الابتداء إلى ما هنالك من المواضع الأخرى التي يجب فيها تمييز القول بما يناسبه من تعجبٍ أو استفهامٍ أو نحو ذلك من الأساليب التي تقتضيها طبيعة المقال.

وأول من اهتدى لذلك رجل من علماء النحو من روم القسطنطينية اسمه أرسطوفان من أهل القرن الثاني قبل الميلاد وكان شأنه في هذا السبيل شأن كل من يتنبه لأمر من الأمور في مبدئه ، ثم توفرت أمم الإفرنج من بعده على تحسين هذا الاصطلاح وإتقانه إلى الغاية التي وصلوا إليها في عهدنا الحاضر مما يكاد يكون نهاية الكمال في هذا الباب.

فلقد أصبح الطفل إذا قرأ في أحد الكتب الإفرنجية لا يتلعثم ولا يتردد في التلاوة بل يكون مماثلًا للشيخ العالم سواءً بسواء ، وإنما يقاس الاختلاف بين المبتدئ والمنتهي بدرجة المحصول من العلم الذي يبنى عليه مقدار الفهم. والفضل في ذلك راجع إلى تلك العلامات التي تواضعوا عليها لتسهيل القراءة على كل إنسانٍ توصل إلى بسيط المعرفة بأشكال الحروف وتركيبها بعضها مع بعضٍ وإلى طريقة النطق بالكلمات التي تتألف منها.

أما القارئ باللسان العربي فلا يزال مضطرًّا رغم أنفه إلى التعثر والتسكع على الدوام وإلى مراجعة نفسه بنفسه إن كان قد أوتي شيئًا من العرفان ، وعلى كل حالٍ نرى أنه مهما بلغت درجته من العلم لا يتسنى له في أكثر الأحيان أن يتعرف مواقع فصل الجمل وتقسيم العبارات أو الوقوف على المواضع التي يجب السكوت عندها فهو يَصل في الغالب رأسَ الجملة اللاحقة بِذيل الجملة السابقة ونحو ذلك مما يشهد به الحس ويؤيده العِيان.

فكانت النتيجة عندنا إخلال القارئين ـ ولو كانوا في طليعة المتعلمين ـ بتلاوة عبارةٍ قد تكون سهلة في ذاتها بل كثيرًا ما تراهم عاجزين عن إعطاء الكلام حقه من النبرات التي يقتضيها كلُّ مقام ، بل إننا لو اختبرنا طفلًا عربيًّا لوجدناه يحسن القراءة بلغة أجنبية أكثر مما يتوصل إليه مع الكد والجد فيما يحاوله من قراءة العبارات المكتوبة بلغة أمه وأبيه.

ولقد طالما فكر الغيورون على اللغة العربية العاملون على تسهيل تناولها، في تلافي هذا الخلل الفاضح وتدارك هذا النقص الواضح خصوصًا بعد امتزاج الأمم بعضها ببعضٍ وشيوع اللغات الأجنبية في بلادنا ، فرأوا أن الوقت قد حان لإدخال نظام جديد في كتابتنا الحالية ـ مطبوعةً أو مخطوطة ـ تسهيلًا لتناول العلوم وضنًّا بالوقت الثمين أن يضيع هدرًا بين تردد النظر وبين اشتغال الذهن في تفهم عباراتٍ كان من أيسر الأمور إدراك معانيها لو كانت تقاسميها وأجزاؤها مفصولة أو موصولة بعلاماتٍ تبين أغراضها وتوضح مراميها.

فشرعوا يستعملون في مطبوعاتهم ومخطوطاتهم الرموز الخاصة بالإفرنج ولكن على غير أصولٍ مقررةٍ أو قواعد ثابتة ، فنشأ عن ذلك كثير من الخلط والارتباك لأنهم لم يتمشوا في هذا العمل على وتيرة واحدة معروفة عند جميع القارئين على السواء ، ولذلك لم يأت مسعاهم بالفائدة التامة التي توخَّوْها وإن كان لهم فضل كبير في الشعور بوجوب هذا الإصلاح والعمل على الوصول إليه بقوتهم الذاتية الفردية لا تجمعهم رابطة يرجعون إليها أو قاعدة يعتمد الناس عليها.

بقيت الحال على هذا المنوال في ديار مصر وهي الملاذ الأخير للغة العرب والموئل الكبير لعلومهم وآدابهم وأما البلاد العربية الأخرى فالأمر فيها أشد وأنكى ، حتى إذا أشرقت علينا أنوار هذا العصر العباسي المجيد أخذت اللغة في الانتعاش خصوصًا عندما أقرت الحكومة الخديوية المصرية إحياء الآداب العربية.

وكان من كمال التوفيق أن أتاح الله للهيمنة على نظارة المعارف العمومية والإشراف على إحياء الآداب العربية سعادة النابغة المفضال أحمد حشمت باشا ، فقد أخذ منذ تقلد زمام هذه النظارة في إعادة اللغة العربية إلى مكانتها الطبيعية من الرجحان في جميع المدارس الأميرية كما أخذ يتحرى الأسباب الموصلة إلى إحياء الآداب العربية في أجمل شكل وعلى أحسن مثال ، وكان من باكورة أعماله في هذا الإحياء أن عهد إلى واضع هذا بمباشرة طبع الجزء الأول من كل من الموسوعتين الحافلتين الموسومتين نهاية الأرب في فنون الأدب للنويري ومسالك الأبصار في ممالك الأمصار لابن فضل الله العُمَري.

ولقد أشار سعادة أحمد حشمت باشا بتدارك النقص الحاصل في تلاوة الكتابة العربية وطلب استنباط طريقة لوضع العلامات التي تساعد على فهم الكلام بفصل أجزائه بعضها عن بعض ليتمكن القارئ من تنويع صوته تبعًا لأغراض الكاتب وتوضيحًا للمعاني التي قصدها ومراعاةً للوجدان الذي أملَى عليه ، واشترط (حفظه الله) أن يكون ذلك الاصطلاح بطريقة منطقية مضبوطة منطبقة على القواعد والأصول المقررة للوقف والابتداء في اللغة العربية.

فبدأتُ بمراجعة الكتب العربية التي وضعها النابغون من السلف الصالح في الوقف والابتداء مثل : القول المفيد في علم التجويد ومنار الهدى في الوقف والابتدا وكتاب الوقف والابتداء للإمام السجاوندي وشروح المقدمة فيما يجب على القارئ أن يعلمه والإتقان في علوم القرآن والبحث المعروف في معرفة الوقوف للداني وكتاب الوقوف للشاطبي وغيرها من الأمهات الموضوعة في هذا الباب.

ثم رجعت إلى ما تواضع عليه الإفرنج في هذا المعنى من كتب النحو ومعاجم اللغة المستفيضة بين الناس ، فكانت نتيجة البحث مما يَقَرُّ الخاطر ويسر الناظر فقد وجدت من حسن الحظ أن الاصطلاحين يمكن التوفيق بينهما في أهم المواضع وفي أكثر المقامات دورانًا في الكلام ، ذلك بأنني تحققت أن الأسلوبين لا يختلف بعضهما عن بعض إلا في جزئيات طفيفة يمكن العربية أن تستغني عنها.

وبيان ذلك أن العرب ـ حينما هبوا لأخذ قسطهم من التقدم والارتقاء ـ ابتدءوا بالكتابة على طريقة سهلة ساذجة فكان من كتابتهم قبل البعثة النبوية ما هو موصول الكلمات بعضها ببعض فقد ورد (أنهم وضعوا كتابًا واحدًا وجعلوه سطرًا واحدًا موصول الحروف كلها غير متفرق) ، ثم فصلوا الكلمات بعضها عن بعض في عصر النبوة ولكن الحروف بقيت خالية من نقط الإعجام التي تميز الحروف المتشابهة بعضها عن بعض كما كانت خِلْوًا أيضًا من علامات الشكل التي تميز الحركات والسكون وذلك إنما كان لفصاحة القوم الغريزية وفطانتهم الفطرية.

فلما اتسعت الدائرة أحس أهل الرأي منهم بوجوب العمل على إصلاحٍ أول فوضعوا علامات الشكل نقطًا بمداد أحمر فوق الحرف أو تحته أو على شماله ثم رأوا بعد ذلك كثرة التصحيف فوضعوا هذه النقط ـ مفردة أو مثناة أو مثلثة ـ فوق حروفٍ وتحت حروفٍ أخرى ، ثم بدا لهم بعد ذلك أنه لا يتيسر لكل إنسان وجود مدادين عند الكتابة فضلًا عما هنالك من ضياع الوقت وإمكان تَطَرُّق الخلط فعدلوا عن الشكل بطريق النقط فوضعوا علامات الشكل المستعملة الآن فكان إصلاحًا ثالثًا.

ثم جاء الطور الرابع ـ طور الكمال ـ فوضعوا علاماتٍ خطية مختزلة من بعض الحروف أو من بعض الكلمات للدلالة على مواضع الوقف بأنواعه وعلى مواقع الفصل وعلى مكان الانتهاء أي حيث يحسن السكوت التام وأطلقوا على هذا الاصطلاح الراقي اسم : (الوقف والابتداء) فوضع القوم للوقف الاختياري حروفًا ونقطًا وخطوطًا يمتاز بها السكون والإشمام والروم والتضعيف كما وضعوا علامات لفظية وخطية لكل من أنواعه الأربعة (الاستثباتي والإنكاري والتذكري والترنمي).

وكذلك نص أئمة المسلمين على تنويع الصوت في الكلام : تحذيرًا وتبشيرًا إلخ ، ونص سيبويه على أن العربي، لحرصه على بيان الحركة في آخر كل كلمة سأله عنها كان يعقبها بلفظة (يا فتى) وبهذه الوسيلة كان سيبويه يستدل على أن الكلمة مصروفة ومجراةً لم يكن في وسع إمام النحاة أن يعلم إن كانت تلك الكلمة مجراة أم لا.

غير أن معاشر الكاتبين بالعربية لم يراعوا ذلك الاصطلاح النافع مراعاة تامةً، اللهم إلا في كتابة المصحف الشريف دون سواه ، وكأنهم ضنوا بالوقت وتطلبوا الإسراع والتعجيل في سائر أنواع الكتابة فأهملوا هذه العلامات ، ولكن بعض العلماء ما زالوا محافظين في كتبهم على وضع الحركات الدالة على الشكل وجاراهم نفر من النساخين الذين اتخذوا الأمانة رائدًا لهم في أعمالهم وتوخوا تسليمها للخلف كما وصلت إليهم.

أما السواد الأعظم من العلماء والنساخين فقد أهملوا هذا الشكل بل تراخوا في وضع النقط نقط الإعجام ذاتها فكان ذلك الإهمال المزدوج مثارًا للإبهام والالتباس بين الناس على ما هو مشهور عند العارفين من طلبة العلم والبحاثين ، حتى لقد تطرق الخلل إلى كثير من نفس الألفاظ والمسميات فأصبحت الكلمة الواحدة فيها قولان فأكثر من جهة وضع النقط على حروفها وقولان فأكثر من طريق التلفظ بحركاتها وسكناتها.

فلما ظهرت الطباعة العربية زادت الحال إشكالًا وتعقيدًا وهذا معظم الكتب بين أيدينا ، نرى الصحائف فيها مسودة مطموسة بالكتابة من أولها إلى آخرها بلا فاصل بينها يستريح عنده النظر أو اللسان وهو أمر طالما أحس الناس بمضاره المتعددة وحال دون التيسير في الفهم أو الوصول إلى المطالب المقصودة.

وأشد ما يظهر هذا النقص في معاجم اللغة (قواميسها) وفي كتب الأدب وفي أسفار التاريخ ونحوها ، بحيث إن الباحث يضيع عليه كثير من وقته إلى أن يظفر بضالته بل قد يمر بنظره على موضع الحاجة ولكنه قد لا يقف عليه أو لا يكاد يهتدي إليه إلا من كان له صبر وممارسة وهم القليل من القائمين بشئون التعليم والمتوفرين على البحث والتنقيب.

أنعمتُ النظر في هذه الأسباب، الداعية إلى الخلل والاضطراب ورأيت أن أحسن علاج لها هو إحياء الكثير من القواعد التي قررها علماء اللغة العربية لبيان مواضع الوقف والابتداء ورأيت من المفيد استعمال العلامات الإفرنجية وإضافة رموز أخرى عليها مما تدعو إليه طبيعة التركيب في الكلام العربي ، وإنما جنحت إلى هذا التوفيق بين القواعد العربية وبين العلامات الأجنبية لتوحيد العمل وتقليل الكلفة وتسهيل السبيل خصوصًا أن هذه العلامات قد شاع استعمالها في المدارس والمطبوعات والمخطوطات العربية في عصرنا هذا.

وفضلًا عن ذلك وجدت بعض هذه العلامات قد استعملها النساخون المصريون في كثير من الكتب العربية كما تشهد به الآثار المحفوظة بدار الكتب الخديوية وكما تشهد به الآثار المنقولة بطريق التصوير الشمسي التي ستُتَّخذ أساسًا لإحياء الآداب العربية ، وفوق ذلك قد استخدمها الأتراك في مطبوعاتهم خصوصًا جرائدهم السيارة.

وأهم الدواعي التي قضت بالتعويل على هذه العلامات أن التلاميذ المصريين في جميع المدارس الأميرية والأهلية والأجنبية يتعلمون هذه العلامات أثناء تلقيهم اللغات الأجنبية ، فلو اخترت علامات أخرى لكان ذلك العمل موجبًا للتهويش (التشويش) على الطلبة ولا سيما حديثي العهد منهم بالدراسة وفي ذلك ما فيه مما يتحتم تلافيه ، فلهذه الأسباب كلها رأيت وجوب الاعتماد على هذه العلامات بعد تعديل وضعها بحيث يمكن كتابتها بالقلم العربي مراعاةً لحركة اليد في الكتابة من اليمين إلى اليسار.

وقد اصطلحت على تسمية هذا العمل ﺑالترقيم لأن هذه المادة تدل على العلامات والإشارات والنقوش التي توضع في الكتابة وفي تطريز المنسوجات ، ومنها أخذ علماء الحساب لفظة (رقم وأرقام) للدلالة على الرموز المخصوصة للأعداد فنقلناها نحن لهذا الاصطلاح الجديد لما بينهما من الملابسة والمشابهة.

وعندي أنه لا موجب لاستعمال هذه العلامات في كتابة القرآن الكريم لأن علماء القراءات رحمهم الله قد تكفلوا بالإشارة إلى ما فيه الغناء والكفاية فيما يختص به وربما كان الأوفق عدم استعمالها أيضًا في كتابة الحديث الشريف لأن تعليمه حاصل بطريق التلقي، وأما روايته فلا بد فيها من الدراية أيضًا ، ولي أمل شديد في أن يكون من وراء هذا الصنيع الجديد فائدة للِّسان العربي وأهله بفضل الله وكرمه إنه عليم بالنيات وهو المستعان على تحقيق الغايات .. أحمد زكي سكرتير مجلس النظار “.

16 / الرسالة

(الرسالة) هي أهم وأكبر مجلة أدبية صدرت بمصر في القرن العشرين وقد أسسها الكاتب والأديب أحمد حسن الزيات باشا الذي ولد في كفر دميرة القديم بالدقهلية عام 1885 م وتوفي بالقاهرة عام 1968 م ، وهو من كبار رجال الثقافة والأدب في الوطن العربي حيث شغل عضوية المجمع اللغوي في القاهرة ودمشق وبغداد وله مؤلفات عدة من أهمها كتاب تاريخ الأدب العربي وكتاب في أصول الأدب وكتاب دفاع عن البلاغة وكتاب وحي الرسالة جمع فيه مقالاته في المجلة بالإضافة إلى جهوده في مجال الترجمة.

تعلم في الجامع الأزهر وتأثر بالشيخ سيد المرصفي ثم التحق بالجامعة الأهلية وفي عام 1922 م عين رئيسا للقسم العربي في الجامعة الأمريكية وفي عام 1925 م حصل على ليسانس الحقوق من جامعة باريس وفي عام 1929 م عين أستاذا في دار المعلمين بالعاصمة العراقية بغداد ، وفي عام 1933 م عاد إلى مصر وتفرغ للكتابة والتأليف والعمل الصحفي فأسس (مجلة الرسالة) التي استمر صدورها قرابة عشرين عاما وكتب فيها أعلام الأدب والفكر والثقافة والنقد ثم أصدر بعدها مجلة الرواية التي اهتمت بالكتاب الشباب وقتها ومنهم نجيب محفوظ الذي نشر فيها أول أعماله ، وبعد تأميم الصحافة تولى الزيات رئاسة تحرير مجلة الأزهر.

امتاز أسلوب الزيات بنصاعة الديباجة وروعة البيان وكان يولي دقَّة اللفظ وموسيقا الجملة وإيقاعها عنايةً كبيرة وكان يعمِد إلى السَّجْع دون تكلُّف ولا إملال فكان أديبًا مترسِّلًا يتحرَّى المعنى النبيل في اللفظ الجميل ، وقد وصف محمد مندور كتابته قائلا : أسلوب الزيات مصنوع صنعةً مُحكَمة صنعة كاملة ولكن الصنعة تُبعِدنا عن الحياة ولكن الكمال يمل ، وهناك في أساليب كبار الكتَّاب ما يحسُّه البلاغيون والنحويون ضعفًا وعيبًا ولكنه أمارة الأصالة ودليل الطبع ، وإذا كان في جلال أسلوب شكسبير أو فاليري ما يسمُّونه كسر البناء فكيف لا يطمئن جهد الزيات حتى يقيم الموازين ويقيس المسافات ” ،

وكان له أثرٌ كبير في رعاية سلامة اللغة العربية وكان يحرِصُ على الأسلوب العربي السليم في كل ما ينشره في الرسالة ويفتتح كلَّ عدد من أعدادها بمقالة من طول واحد متخيَّرة الألفاظ يستوحي موضوعاتها من أحداث الساعة ، وفي ذلك يقول عنه عباس محمود العقاد : ” الزيات كاتب متأنِّق لا يكتب الصفحة الواحدة إلا في يومين أو أيام ولولا اضطرارُه إلى مسايرة (الرسالة) لشغل نفسه بالصفحة الواحدة أسابيع وتأنُّق الزيات تأنق مقبول ولكنه حرم أسلوبه من قوة الحركة فهو يقهر القارئ على الوقوف من وقت إلى وقت ليسأل عن الطريق “.

وقد استهل الزيات العدد الأول من مجلته الرسالة بمقال جاء فيه : ” الرسالة  .. وأخيراً تغلب العزم المصمم على التردد الخوار فصدرت الرسالة ، وما سلط على نفوسنا هذا التردد إلا نُذُر تشاع وأمثال تروى وكلها تصور الصحافة الأدبية في مصر سبيلا ضلت صواها وكثرت صرعاها فلم يوفِ أحد منها على الغاية ، والعلة أن السياسة طغت على الفن الرفيع والأزمة مكنت للأدب الرخيص والأمة من خداع الباطل في لَبْس من الأمر لا تَمَّيز ما تأخذ مما تدع !

فلما تناصرت على هذه الوساوس حجج العقل ونوازع الواجب وعِدَات الأمل أُصبحت الأسباب التي كانت تدفع إلى النكول بواعث على الإقدام وحوافز للعمل ، لأن غاية (الرسالة) أن تقاوم طغيان السياسة بصقل الطبع وبهْرجَ الأدب بتثقيف الذوق وحيرة الأمة بتوضيح الطريق.

أجل هذه غاية الرسالة ! وما يَصْدِفنا عن سبيلها ما نتوقع من صعاب وأذى، فإن أكثر الناهضين بها قد طووا مراحل الشباب على منصة التعليم ، فلا يعييهم أن يُخلقوا بُرْد الكهولة على مكتب الصحافة والعملان في الطبيعة والتبعة سواء ومن قضى ربيع الحياة في مجادب ذلك لا يشق عليه أن يقضي خريفها في مجاهل هذا !

أما مبدأ الرسالة فربط القديم بالحديث ووصل الشرق بالغرب ، فبربطها القديم بالحديث تضع الأساس لمن هار بناؤه على الرمل وتقيم الدَّرَج لمن استحال رقيه بالطفور ! ، وبوصلها الشرق بالغرب تساعد على وجدان الحلقة التي ينشدها صديقنا الأستاذ أحمد أمين في مقاله القيم بهذا العدد ، والرسالة تستغفر الله مما يخامرها من زهو الواثق حينما تَعِد وتتعهد.

فإن اعتمادها على الأدباء البارعين والكتاب النابهين في مصر والشرق العربي واعتصامها بخلصانها الأدنين من أعضاء لجنة التأليف والترجمة والنشر وهم صفوة من خرَّجت مصر الحديثة في مناحي الثقافة ، إذا اجتمعا في نفسها مع ما انطوت عليه من صدق العزم وقوة الإيمان أحدثا هذه الثقة التي تِشيع في الحديث عن غير قصد.

على أن للرسالة من روح الشباب سندا له خطره وأثرهُ فإنهم أحرص الناس على أن يكون لثقافتهم الصحيحة مظهر صحيح ، وما دامت وجهة الرسالة الأحياء والتجديد وطبيعة الشباب الحيوية والتجدد فلا بد أن يتوافيا على مشروع واحد !

فإلى أبناء النيل وبَردى والرافدين نتقدم بهذه الرسالة راجين أن تضطلع بحظها من الجهد المشترك في تقوية النهضة الفكرية وتوثيق الروابط الأدبية وتوحيد الثقافة العربية ، وهي على خير ما يكون المخلص من شدة الثقة بالمستقبل وقوة الرجاء بالله .. أحمد حسن الزيات “.

وقد جاءت ترجمته بالتفصيل في موقع المكتبة الشاملة نقلا عن الباحث الأستاذ أحمد تمام  الذي كتب : ” شهدت مصر في النصف الأول من القرن الرابع عشر الهجري نهضة أدبية وفكرية شملت كل فنون الأدب وألوان الفكر وازدانت الحياة بكوكبة من فحول الشعراء وكبار الكُتّاب وأئمة اللغة والبيان وأساطين العلم والفكر وقادة الرأي والتوجيه ودعاة التربية والإصلاح وجهابذة الفقه والقانون ونجوم الصحافة والأدب.

واجتمع لها من هؤلاء الأعلام ما لم يجتمع لها في قرون طويلة منذ أن أصبحت مصر إسلامية الوجه عربية اللسان ، وكان أحمد حسن الزيات واحدًا من هذه الكوكبة العظيمة التي تبوأت مكان الصدارة في تاريخ الثقافة العربية وَلَج إلى هذه الكوكبة ببيانه الصافي وأسلوبه الرائق ولغته السمحة وبإصداره مجلة الرسالة ذات الأثر العظيم في الثقافية العربية.

مولد الزيات ونشأته : استقبلت قرية كفر دميرة القديم التابعة لمركز طلخا بمحافظة الدقهلية بمصر وليدها في (١٦ من جمادى الآخرة ١٣٠٣ هـ = ٢ من إبريل ١٨٨٥م) ونشأ في أسرة متوسطة الحال تعمل بالزراعة وكان لوالده نزوع أدبي وتمتّعت أمه بلباقة الحديث وبراعة الحكي والمسامرة ، تلقى الصغير تعليمه الأوّلي في كُتّاب القرية وهو لا يزال غضًا طريًا في الخامسة من عمره فتعلم القراءة والكتابة وأتمّ حفظ القرآن الكريم وتجويده ثم أرسله أبوه إلى أحد العلماء في قرية مجاورة فتلقى على يديه القراءات السبع وأتقنها في سنة واحدة.

الزيات في الأزهر : التحق الزيات بالجامع الأزهر وهو في الثالثة عشرة من عمره وكانت الدراسة فيه مفتوحة لا تتقيد بسن معينة أو تلزم التلاميذ بالتقيد بشيخ محدد وإنما كان الطلاب يتنقلون بين الأساتذة يفاضلون بينهم حتى إذا آنس أحدهم ميلاً إلى شيخ بعينه لزمه وانصرف إليه.

وظل الزيات بالأزهر عشر سنوات تلقى في أثنائها علوم الشريعة والعربية غير أن نفسه كانت تميل إلى الأدب بسبب النشأة والتكوين فانصرف إليه كليةً، وتعلق بدروس الشيخ سيد علي المرصفي الذي كان يدرّس الأدب في الأزهر ويشرح لتلاميذه (حماسة) أبى تمام وكتاب الكامل للمبرّد ، كما حضر شرح المعلقات للشيخ محمد محمود الشنقيطي أحد أعلام اللغة البارزين.

وفي هذه الأيام اتصل بطه حسين ومحمود حسن الزناتي وربطهم حب الأدب برباط المودة والصداقة فكانوا يترددون على دروس المرصفي الذي فتح لهم آفاقًا واسعة في الأدب والنقد وأثّر فيهم جميعًا تأثيرًا قويًا ، وكانوا يقضون أوقاتًا طويلة في دار الكتب المصرية لمطالعة عيون الأدب العربي ودواوين فحول الشعراء.

الزيات معلمًا : لم يستكمل الثلاثة دراستهم بالجامع الأزهر والتحقوا بالجامعة الأهلية التي فتحت أبوابها للدراسة في سنة (١٣٢٩ هـ = ١٩٠٨م) وكانت الدراسة بها مساء ، وتتلمذوا على نفر من كبار المستشرقين الذين استعانت بهم الجامعة للتدريس بها من أمثال نللينو وجويدي وليتمان ، وكان الزيات في أثناء فترة التحاقه بالجامعة يعمل مدرسًا بالمدارس الأهلية وفي الوقت نفسه يدرس اللغة الفرنسية التي أعانته كثيرًا في دراسته الجامعية حتى تمكن من نيل إجازة الليسانس سنة (١٣٣١هـ = ١٩١٢م).

التقى الزيات وهو يعمل بالتدريس في المدرسة الإعدادية الثانوية في سنة (١٣٣٣هـ = ١٩١٤م) بعدد من زملائه كانوا بعد ذلك قادة الفكر والرأي في مصر مثل العقاد والمازني وأحمد زكي ومحمد فريد أبو حديد ، وقد أتيح له في هذه المدرسة أن يسهم في العمل الوطني ومقاومة المحتل الغاصب فكان يكتب المنشورات السرية التي كانت تصدرها الجمعية التنفيذية للطلبة في أثناء ثورة ١٩١٩ م وكانت تلك المدارس من طلائع المدارس التي أشعلت الثورة وقادت المظاهرات.

وظل الزيات يعمل بالمدارس الأهلية حتى اختارته الجامعة الأمريكية بالقاهرة رئيسًا للقسم العربي بها في سنة (١٣٤١ هـ = ١٩٢٢م) وفي أثناء ذلك التحق بكلية الحقوق الفرنسية وكانت الدراسة بها ليلاً ومدتها ثلاث سنوات أمضى منها سنتين في مصر وقضى الثالثة في فرنسا حيث حصل على ليسانس الحقوق من جامعة باريس في سنة (١٣٤٤هـ = ١٩٢٥) ، وظل بالجامعة الأمريكية حتى اختير أستاذًا في دار المعلمين العالية ببغداد (١٣٤٨ هـ = ١٩٢٩م) ومكث هناك ثلاث سنوات حفلت بالعمل الجاد والاختلاط بالأدباء والشعراء العراقيين وإلقاء المحاضرات.

مجلة الرسالة : بعد عودة الزيات من بغداد سنة (١٣٥١هـ = ١٩٣٣م) هجر التدريس وتفرغ للصحافة والتأليف وفكّر في إنشاء مجلة للأدب الراقي والفن الرفيع بعد أن وجد أن الساحة قد خلت باختفاء (السياسة) الأسبوعية التي كانت ملتقى كبار الأدباء والمفكرين وذات أثر واضح في الحياة الثقافية بمصر وسانده في عزمه أصدقاؤه من لجنة التأليف والترجمة والنشر ، وفي (١٨ من رمضان ١٣٥١ هـ = ١٥ من يناير ١٩٣٣) ولدت مجلة الرسالة قشيبة الثياب قسيمة الوجه عربية الملامح تحمل زادًا صالحًا وفكرًا غنيًا واستقبل الناس الوليد الجديد كما يستقبلون أولادهم بلهفة وشوق حيث كانت أعدادها تنفد على الفور.

وكانت المجلة ذات ثقافة أدبية خاصة تعتمد على وصل الشرق بالغرب وربط القديم بالحديث وبعث الروح الإسلامية والدعوة إلى وحدة الأمة وإحياء التراث ومحاربة الخرافات والعناية بالأسلوب الرائق والكلمة الأنيقة والجملة البليغة ، وقد نجحت الرسالة في فترة صدورها فيما أعلنت عنه من أهداف وغايات فكانت سفيرًا للكلمة الطيبة في العالم العربي الذي تنافس أدباؤه وكُتّابه في الكتابة لها وصار منتهى أمل كل كاتب أن يرى مقالة له ممهورة باسمه على صفحاتها فإذا ما نُشرت له مقالة أو بحث صار كمن أجازته الجامعة بشهادة مرموقة فقد أصبح من كُتّاب الرسالة.

وأفسحت المجلة صفحاتها لأعلام الفكر والثقافة والأدب من أمثال العقاد وأحمد أمين ومحمد فريد أبو حديد وأحمد زكي ومصطفي عبد الرازق ومصطفى صادق الرافعي الذي أظلت المجلة مقالته الخالدة التي جُمعت وصارت (وحي القلم) ، وربت الرسالة جيلا من الكتاب والشعراء في مصر والعالم العربي فتخرج فيها محمود محمد شاكر ومحمد عبد الله عنان وعلي الطنطاوي ومحمود حسن إسماعيل وأبو القاسم الشابي وغيرهم ، وظلت المجلة تؤدي رسالتها حتى احتجبت في (٢٩ من جمادى الآخرة ١٣٧٢هـ = ١٥ من فبراير ١٩٥٣م).

الزيات أديبًا : يعد الزيات صاحب مدرسة في الكتابة وأحد أربعة عُرف كل منهم بأسلوبه المتميز وطريقته الخاصة في الصياغة والتعبير والثلاثة الآخرون هم مصطفى صادق الرافعي وطه حسين والعقاد ، ويوازن أحد الباحثين بينه وبين العقاد وطه حسين فيقول : (والزيات أقوى الثلاثة أسلوبًا وأوضحهم بيانًا وأوجزهم مقالة وأنقاهم لفظًا يُعْنى بالكلمة المهندسة والجملة المزدوجة وعند الكثرة الكاثرة هو أكتب كتابنا في عصرنا).

وعالج الزيات في أدبه كثيرًا من الموضوعات السياسية والاجتماعية فهاجم الإقطاع في مصر ونقد الحكام والوزراء وربط بين الدين والتضامن الاجتماعي وحارب المجالس الوطنية المزيّفة وقاوم المحتل وعبّأ الشعب لمقاومته ورسم سبل الخلاص منه ، يقول الزيات : (إن اللغة التي يفهمها طغام الاستعمار جعل الله حروفها من حديد وكلماتها من نار فدعوا الشعب يا أولياء أمره يعبّر للعدو عن غضبه بهذه اللغة وإياكم أن تقيموا السدود في وجه السيل أو تضعوا القيود في رِجل الأسد أو تلقوا الماء في فم البركان فإن غضب الشعوب كغضب الطبيعة إذا هاج لا يُقْدَع وإذا وقع لا يُدْفَع ، لقد حَمَلنا حتى فدحنا الحمل وصبرنا حتى مللنا الصبر والصبر في بعض الأحيان عبادة كصبر أيوب ولكنه في بعضها الآخر بلادة كصبر الحمار).

وقد أخرج الزيات للمكتبة العربية عددًا من الكتب أقدمها كتابه تاريخ الأدب العربي وصدر سنة (١٣٣٥ هـ = ١٩١٦م) ، ثم أصدر في أصول الأدب سنة (١٣٥٢هـ = ١٩٣٤م) ودفاع عن البلاغة سنة (١٣٦٤ هـ = ١٩٤٥م) وهو كتاب في النقد الأسلوبي قصره الزيات على بيان السمات المثلى للأسلوب العربي ، ثم جمع الزيات مقالاته وأبحاثه التي نشرها في مجلته وأصدرها في كتابه وحي الرسالة في أربعة مجلدات أودعها تجاربه ومشاهداته وانفعالاته وآراءه في الأدب والحياة والاجتماع والسياسة بالإضافة إلى ما صوّره بقلمه من تراجم لشخصيات سياسية وأدبية.

ولم يكن التأليف وكتابة المقالة الأدبية هما ميدانه بل كان له دور في الترجمة الراقية ذات البيان البديع فترجم من الفرنسية آلام فرتر لجوته سنة (١٣٣٩هـ = ١٩٢٠م) ورواية روفائيل للأديب الفرنسي لامرتين وذلك في أثناء إقامته بفرنسا سنة (١٣٤٤هـ = ١٩٢٥م) ، وقد لقي الزيات تقدير المجامِع والهيئات العربية فاختير عضوًا في المجامع اللغوية في القاهرة ودمشق وبغداد وكرّمته مصر بجائزتها التقديرية في الأدب سنة (١٣٨٢هـ = ١٩٦٢م).

وعاش الزيات بعيدًا عن الانتماءات الحزبية فلم ينضم إلى حزب سياسي يدافع عنه مثل العقاد وهيكل وطه حسين ، ولم يدخل في خصومه مع أحد ولم يشترك في المعارك الأدبية التي حفلت بها الحياة الثقافية في مصر فقد كان هادئ النفس وديع الخلق ليّن الجانب سليم الصدر ، وظل الزيات محل تقدير وموضع اهتمام حتى لقي ربه بالقاهرة في صباح الأربعاء الموافق (١٦ من ربيع الأول ١٣٨٨ هـ = ١٢ من مايو ١٩٦٨م) عن ثلاثة وثمانين عامًا “.

(من مراجع الدراسة : نعمة رحيم العزاوي ـ أحمد حسن الزيات كاتبًا وناقدًا ـ الهيئة المصرية العامة للكتاب ـ القاهرة ١٩٨٦م ، نعمات أحمد فؤاد ـ قمم أدبية ـ عالم الكتب ـ القاهرة – ١٩٨٤م ، محمد مهدي علام ـ المجمعيون في خمسين عامًا ـ مطبوعات مجمع اللغة العربية ـ القاهرة ـ ١٤٠٦ هـ= ١٩٨٦م / نقلا عن : إسلام أون لاين).

17 / مدامع العشاق

(الدكاترة زكي مبارك) هو اللقب الذي اشتهر به الأديب والناقد والشاعر والصحفي محمد زكي عبد السلام مبارك الذي ولد في سنتريس بالمنوفية عام 1892 م وتوفي بالقاهرة عام 1952 م وذلك لأنه حصل على ثلاث درجات دكتوراة في الأدب ، تعلم في كُتَّاب القرية وأحب القراءة منذ كان في العاشرة من عمره وأتم حفظ القرآن الكريم وهو في السابعة عشرة ثم تلقى تعليمه بالأزهر وحصل على شهادة الأهلية منه عام 1916 م وتأثر بالشيخ سيد المرصفي.

وكان له دور وطني كبير في ثورة 19 حيث جهر بالخطب والأشعار الحماسية التي ألهبت مشاعر الجماهير وقتها ، وفي عام 1921 م حصل على درجة الليسانس من كلية الآداب بالجامعة المصرية ثم في عام 1924 م حصل على درجة الدكتوراة عن رسالته (الأخلاق عند الغزالي) ، ثم سافر ثم سافر على نفقته الخاصّة إلى باريس والتحق بمدرسة اللغات الشرقية وحصل منها على دبلوم الدراسات العليا في الآداب عام 1931 م.

وفي عام 1937 م حصل على دكتوراه ثانية من جامعة السوربون عن رسالته (النثر الفني في القرن الرابع الهجري) ثم عاد إلى مصر وحصل دكتوراه ثالثة عن رسالته (التصوّف الإسلامي في الأدب والأخلاق) ، عمل في مصر مفتشا بوزارة المعارف المصرية ثم في دار المعلمين العالية بالعراق حيث حصل على وسام الرافدين عام 1947 م ، وألف قرابة أربعين كتابا منها كتاب ذكريات باريس والذي يعد الثاني من نوعه بعد كتاب رفاعة الطهطاوي تلخيص الإبريز.

ومن أهم كتبه الأخرى : اللغة والدين والتقاليد في حياة الاستقلال ، البدائع ، الموازنة بين الشُّعراء ، مدامع العُشّاق ، ملامح المجتمع العراقي ، العشاق الثلاثة ، وحي بغداد ، الأسمار والأحاديث ، عبقرية الشريف الرضي ، حب ابن أبي ربيعة وشعره ، المدائح النبوية في الأدب العربي ، ليلى المريضة في العراق ، ديوان شعر بعنوان (ألحان الخلود) ، مذكراته وذكرياته بعنوان (الحديث ذو شجون).

واشتهر بكثرة المعارك الأدبية وكان يُحبّ الخصومات لأنها تُذكي عزيمته حسب قوله ويرى أنه موكلٌ بترويع الآمنين من رجال الأزهر والجامعة المصرية ووزارة المعارف لأنهم يأكلون العيش باسم العِلم والأدب ثم لا يُقدّمون ولا يُؤخّرون في دُنيا ولا دين ، وهكذا خاض معاركه الأدبية مع طه حسين وعباس محمود العقاد وأحمد أمين وأحمد لطفي السيّد ومصطفى صادق الرافعي وأحمد حسن الزيات وإبراهيم المازني وسلامة موسى وغيرهم.

وكان خلافه مع طه حسين تحديدا هو السبب في عدم تعيينه بالجامعة وقال له : (لن تفلح في حياتك) بعد أن قال له زكي مبارك على الملأ في المدرج : (لا تتعالموا علينا ففي وسعنا أن نساجلكم بالحجج والبراهين) ، وقد أدى ذلك لضيق حاله وعبر عن ذلك بقوله : ” إن راتبي في وزارة المعارف ضئيل وأنا أكمله بالمكافأة التي آخذها من البلاغ أجرا علي مقالات لا يكتب مثلها كاتب ولو غمس يديه في الحبر الأسود .. إن بني آدم خائنون تؤلف خمسة وأربعين كتاباً منها اثنان بالفرنسية وتنشر ألف مقالة في البلاغ وتصير دكاترة ومع هذا تبقي مفتشاً بوزارة المعارف “.

ومن أشهر أشعاره قوله : جنَتْ عليّ الليالي غير ظالمةٍ .. إني لأهلٌ لِما ألقاهُ من زمني .. فما رأيتُ من الأخطار عاديةً .. إلا بنيتُ على أجوازها سكَني .. ولا لمحتُ من الآمالِ بارقةً .. إلا تقحّمتُ ما تجتازُ من قُنَنِ .. أحلتُ دُنيايَ معنىً لا قرارَ لهُ .. في ذِمّة المجدِ ما شرَّدتُ من وَسَنِ ، وقوله في حبه الأول : وأقسم ما قدمت إلا أضالعي .. يمزقها حزني وينثرها وجدي  .. فلا تحسبينني بعد أن خانك البلا .. تخونت ما بيني وبينك من عهدِ.

ولما أراد الدكتور زكي مبارك أن يغادر العراق أقام له الشاعر عبد الرحمن البنا مأدبة دعا لها منشدا يقال له محمد القبنجي ، يقول زكي مبارك : وهذا ينشد الشعر إنشادا من غير عود  فأنشدني شعرا لي لم يتركني حتى أبكاني يقول فيه : أيها الظالم الجميل سلاما .. من أسير لقيته بجفاك .. كيف أصليتني من الهجر نارًا .. وحرمت العيون من أن تراك ، وألف كتابا عن العراق عام 1938 م وكتب في إهدائه : ” إلى الباحث الذي صور عصر النبوّة أبدع تصوير وجلاه أروع جلاء وعطر الأدب الحديث بأريج الدين الحنيف إلى معالي الدكتور محمد حسين هيكل باشا أهدي وحي بغداد “.

وقد روى في مذكراته كثيرا من المواقف التي تدل على حبه للشعر وتعمقه في الأدب العربي وقد عرف عنه أنه يُكثِر الكلام عن العشق في مقالاته فقال له الشيخ مصطفى عبد الرزاق : وهل تقرأ زوجتك مقالاتك ؟ فأجابه بقوله : إن أبنائي يقرؤونها لها ويقولون إن لأبي غرضا شريفا وهو إغناء اللغة العربية بالصور الوجدانية  !، وأما الشيخ محمد مصطفى فكان يقول له : إني لأتعجب هل يكتب هذا زكي مبارك وهو متزوج ؟

ويستهل المؤلف كتابه مدامع العشاق بمقدمة تعبر عن توتراته الداخلية وصراعاته الخارجية ويمتزج فيها أسلوب الكتابة التراثي مع المعاني الحديثة فيقول : ” بسم الله الرحمن الرحيم ، وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ؟! .. آية كريمة تذهب فيها النفس مذاهب شتى ولكني أريدها لمعنى خاص هو الحكم على الأقوال والأفعال.

وبيان ذلك أننا نرى غيرنا يقول أو يعمل فنحكم عليه بالبر أو الفجور فتارة نخطئ، وتارة نصيب ، وأكثر ما نكون شططًا إذا حكمنا على القول أو الفعل من غير أن نحيط خبرًا بظروف القائل أو الفاعل ، وهي وحدها محور الخير والشر والخطأ والصواب ، فليست كل كلمة يكفر قائلها كما يقول الفقهاء بمكفرة ما لم تشهد القرائن على أن قائلها معاند جحود وليست القصائد الخمرية شهادة على قائلها بالإثم ولا قصائد التشبيب رميًا لصاحبها بالفسوق ولكن في الظروف وحدها الحكم بأن الشاعر فاسق أو سكير !

ومتى عودنا أنفسنا البحث في الحالة النفسية للقائل قبل البحث عن مدلول ما قال واجتهدنا في معرفة ظروف الفاعل قبل تأمل ما فعل من منكر أو خبيث فقد ترفع التهمة عن كثير ممن حكم عليهم بالكفر والمجانة لكلمة ظاهرها الكفر أو فعل ظاهره المجون.

وليس في ذلك خروج على أصول الدين فقد قال عليه السلام : (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) وليس لمتعنت أن يرد علينا بأن هذا خاص بأعمال الخير لا الشر ، فإنه كما يجوز أن يفسد الخير حين يراد به شر كذلك يصلح الشر حين يراد به خير وتبقى التبعة على من يقصرون في إرشاد الناس إلى نتائج أعمالهم وما لها من الضر والنفع لتتماثل النيات والأعمال.

وإذا أباح لك حسن النية أن تحكم على رجل بالصلاح لغلبة الخير على أقواله وأفعاله من غير أن تلم إلمامة بالأسباب القريبة والبعيدة لما يعمل وما يقول وقد تكون نيته سيئة فيحبط عمله ، فإن من الواجب أن تنظر بدقة إلى ظروف من ساء قوله وعمله فقد تكون نيته حسنة فيرضى عنه علام الغيوب.

إن علماء الغرب لا يحكمون على خلق المؤلف إلا بعد أن يتبينوا العصر الذي عاش فيه والبيئة التي أحدقت به فنال منها ونالت منه لاحتمال أن تسود كتابته فكرة كانت في عصره حسنة وهي في عصرنا سيئة فنحكم عليه بما هو منه براء.

ولنرجع إلى الآية التي صدرنا بها هذا المقال وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ، فإني لا أكتم القراء أني وجدت في مذكراتي كلمة لو قرأتها لغيرى الآن لأنكرتها عليه مع أني أعرف أني كتبتها من قبل وأنا نقي القلب خالص الضمير ، ولقد تبدر تلك الكلمة وكأنها خطاب مفتوح لأهل الجمال وهي سذاجة طريفة تمثل عهدًا من عهود الصبا خيل إلي فيه أن الحسن يجب أن يكون ملكًا لجميع العيون تستمتع به آمنة مطمئنة لا يمانعها فيه غيور ولا يحجبها عنه ضنين.

وليس في مقدوري الآن أن أكتب مثل تلك الكلمة لأني حرمت من تلك السذاجة واطلعت من الناس على بلايا ومناكر يلؤم من بعدها الكريم وحاشاي ! ، وسأفرض الآن أنى في العهد الأول من عهود الشباب وأن الناس كما كنت أحسبهم منذ سنين أطهارًا بررة لا يحرفون الكلم عن مواضعه ولا يتقولون الأقاويل ولأذكر طرفًا من ذلك الخطاب :

يا أرباب الجمال ! .. ما لكم تضنون علينا بما سوف يشبع الدود منه لثما ويأكله التراب أكلًا لَمًّا ؟ .. كم صائنٍ عن قُبلة خده سُلطت الأرض على خده .. وحامل ثقل الثرى جيده وكان يشكو الضعف من عقده ، أما والله إن أرواحنا لفي حاجة إلى بعض ما تَنعم به الوسائد من الخدود والمراود من الجفون والمساويك من الثغور والأمشاط من الشعور والغلائل من الأعطاف والزينة من الأطراف .. فلم تحرموننا في حبنا لكم وإشفاقًا عليكم مما تكرمون به الجمال ليلًا ونهارًا على أنه لا يعرف ما حف به من حسن وأحدق به من جمال ؟!

يا أهل الملاحة ! .. إن الله ما خلقكم كالأزهار في القفار تزهر ثم تذبل ولا يتمتع أحد بشمها ولثمها وإنما خلقكم روحًا لكل حي ونعيمًا لكل موجود فاجعلوا لنا منكم حظًّا ولا أقل من النظر فقد خفنا على أرواحنا أن تزهق ببخلكم وتموت بصدكم وما الله بغافل عما تعملون ؟!

يا أعلام الحسن ! .. إن كنتم فطرتم على العزة وجبلتم على النخوة فهبونا بعض القرب منكم والأنس بكم ولكم منا ما تشاءون من ذلة واستكانة وخضوع وعبودية وقد عذرناكم لعزكم فارحمونا لذلنا وعشقناكم لحسنكم فاعشقونا لحبنا ، فكفى بالحب جمالًا وبالعشق زينة وإن الحب المملول، لخير من الحبيب الملول فإن أبيتم إلا الصد والقطيعة والجفاء والإعراض فإنا نبشركم بأن الحسن حال تحول ودولة تدول ثم يحكم الله بيننا وبينكم وهو خير الحاكمين ! .. أوردية الخدين من ترف الصبا ويا ابنة ذي الإقدام بالفرس الورد .. صلي واغنمي شكرًا فما وردة الربى تدوم على حال ولا وردة الخد.

ولقد يعجب قارئ هذا الخطاب حين يرى كاتبًا يعتقد أن الجمال ملك العيون النواظر وأن البخل به إثم وعقوق ، ولكنه لو تروى لعرف أن النفس الطاهرة كثيرة الشطط وأن صاحبها لا يسلم من الإسراف ورحم الله ذلك العهد الذي كنت أعيش فيه بأمل غير محدود ! .. ليالي لا تنجو بنبلي خريدة وإن عز حاميها وجم عديدها .. إذا ما رمتني ذات دل رميتها بعين لها منها مقيد يقيدها.

على أنني لا أمنع أحدًا من أن يسيء الظن بما كتبت منذ سنين فإن الذي يطمع في معرفة النفس البشرية لا يبخل بوضع نفسه على المشرحة ليسهل عليه وعلى غيره التحليل ، ومثله في ذلك مثل الطبيب المخلص لعلمه لا يبخل بتضحية نفسه وهو يفحص صرعى السل والتيفوس فهل يعقل هؤلاء الذين يطيعون أهواءهم وشهواتهم فينسون أنفسهم ويسلقون إخوانهم بألسنة حداد ؟ .. إن قليلًا من الروية والأناة لكاف لسلامتنا من الزلل والعثار حين الحكم على ما يعمل الناس وما يقولون.

وليت الأمر وقف عند هذا الحد بل أسرف الكاتب حين هم بنشر مدامع العشاق في جريدة الصباح سنة ١٩٢٢ وافتتحها بهذه الكلمة الجريئة موجهة إلى إحدى العذارى ، قضي الأمر وأصبحت حيًّا كميت وموجودًا كمعدوم ! فما ضرني لو أذعت هذا الحب وما أبقى هواك منى ما أسمع به ملامًا أو أرى وجه عذول ؟ .. على أن قلبي يحدثني بأن الإشادة بما بيننا من هوى قد تزيد حقد الحاقدين وما إلى ردعهم سبيل ! ، وأنت المعنية بهذا الإشفاق أما أنا فما كنت لأرهب قومًا لا سلاح لهم غير القيل والقال .. فليت رجالًا فيك قد نذروا دمي وهموا بقتلي يا بثين لقوني .. إذا ما رأوني طالعًا من ثنية يقولون من هذا وقد عرفوني.

وبعد فإنه لم يبق ما أسكن إليه في هذا الوجود غير حديث الحب وبلايا المحبين ، وقد رأيت أن أساير شعراء العرب في أعذب ما جرى على ألسنتهم وهو النسيب وأن أبدأ ذلك بما انتهوا إليه وهو الحديث عن الدموع وما لها من سبب قريب أو بعيد ، حتى إذا هدأت ثورة القلب بعد هذا الدمع المسفوح عدت فصاحبت الشعراء وذكرت كيف فتكتْ بهم النظرة الأولى وبينت مهوى عيونهم ومصرع قلوبهم بين الخدود الفواتن والعيون الفواتك.

ولن أتحرج من ذكر ما كان من الوقائع بين الخصر النحيل والردف الثقيل ، وعلي وحدى إثم الفتنة التي ستقيمها هذه الأبحاث الشائقة في صدور الشباب والكهول ولمن شاء السلامة من القراء أن يكف منذ الآن عن قراءة هذا الحديث ، نصحتك علمًا بالهوى والذي أرى مخالفتي فاختر لنفسك ما يحلو.

وهذا خطاب أقل ما يؤخذ عليه أنه لا يوجه إلى فتاة فضلًا عما فيه من المجازفة في حمل إثم الآثمين وفتك الفاتكين ولقد آذتني آثامي فكيف أحمل آصار الناس ! ، ولم يمر ذلك الخطاب بدون أن تضح له إحدى الجرائد الأسبوعية وبدون أن ينالني أحد الكتاب بلسان حديد فكتبت في الرد عليهم هذه الكلمة القاسية :

في مصر قوم لا يعرفون من الجد غير الغطرسة والكبرياء ، والكاتب الجاد في نظرهم هو الرجل السليط الذي يخيل إليه كما كتب أنه قسيس في كنيسة حافلة أو خطيب في مسجد جامع فهو مسئول عن سرد الرذائل وعد المنكرات ! ، فأما الكاتب المفتون بما أودع الله هذا العالم من روائع الحسن وبدائع الجمال فهو في رأيهم كاتب ماجن خليع !

ولا أدرى بماذا يجيب هؤلاء لو سألتهم من خلق هذه الصور الجميلة التي طارت بألباب الشعراء ؟ وصيرتهم في كل واد يهيمون ؟ أتراهم يقولون إنها من خلق الله أم من خلق الشيطان ؟ فإذا كانت من خلق الله فلم ينكرون علينا أن نتغنى بصنعه البديع ؟ وإن كانت من خلق الشيطان فلم لا يمحون الحسن من وجوه الحسان لأنه من عمل الشيطان الرجيم ؟ ، آمنت بالله وكفرت بما لهم من منطق مقلوب !

يريد جماعة ممن أظلمت الدنيا في وجوههم وعموا عن صنع الله الذي أتقن كل شيء ، ماذا يريدون ؟ إنهم يريدون أن أجاريهم في عمايتهم وأن أسايرهم في جهالتهم فلا أكتب في غير ما يروقهم من ذم الدنيا والتبرم بالوجود ! ، ولكني عرفت ما لم يعرفوا من (أفنان الجمال) في هذه الدنيا البديعة التي حملت الغزالي على أن يصرح بأن ليس بالإمكان أبدع مما كان فعدت خليقًا بحمد الحسن والتقديس له كلما أمعنوا هم في الجحود !

يقولون إن مدامع العشاق التي أنشرها في جريدة الصباح مما يفسد الشباب وذلك منهم جهل بأسرار الجمال وما له من الأثر في تهذيب النفوس وتثقيف العقول ، ويهددون ويوعدون بالويل والثبور إذا أنا مضيت في هذا البحث الشائق الطريف ! فهل حسب هؤلاء السفهاء أني أكتب لهم حتى أنزل عند رأيهم السخيف المأفون ! ، أبينا أن نطيعكم أبينا فلا تلقوا نصيحتكم إلينا .. ركبنا في الهوى خطرًا فإما لنا ما قد كسبنا أو علينا .. ولو لم يرض ربك ما أردنا لما أعطى لنا أذنًا وعينا .. فما تَسْآلُكم عن كل صب كأن لكم على العشاق دينا.

إلى هنا وقف القارئ على ألوان من الخواطر مرت بخاطر شاب يهم بالتمرد على ما ألف الناس ، وما كنت لأذكر هذه التفاصيل لولا بغضي للرياء فأنا بصريح القول موكل بالحسن أتبعه ومغرم بالتغريد على أفنان الجمال وإني لأقول : أشجاك ما خلف الستار وإنما خلف الستائر لؤلؤ مكنون .. والناس في غفلاتهم لم يعلموا أني بكل حسانهم مفتون ، وأقول : فيا رب إما رمت لي الخير منعما ففي قرب من أهوى وبعد أخي اللوم .. وإن كان لي فيما قضيت مساءة فحزن على النائين جيرتي القدم .. وإن شئت لي يومًا جوارك فلأكن شهيد الجوى لا نضوهم ولا سقم .. وطوِّل حسابي في المعاد على الهوى فطول أحاديث الصبابة من همي.

وما كان أغناني عن الفزع إلى حكم الأخلاق لأرجع الخير والشر إلى النيات لا إلى الأعمال فقد آن لنا أن نعرف أن من الحق بل من الواجب أن ندرس الجمال وأن نتغنى به وأن نصفه بالنثر البليغ والشعر الجميل وأن نكتب عمن كلفوا بالحسن من العشاق والشعراء.

ولقد يروون عن رسول الله أنه قال : (إن الله ليعجب من شاب لا صبوة له) ، وأنا لا أريد أن يعجب الله منى ! وسينكر المتعنتون هذا الحديث وأنا قبلهم لا أجزم بصحته ولكني أثق بأنه يقرر حقيقة واقعة فما كان الله ليخلق الجمال لنعمى عنه أو لنرمي عشاقه بالإثم والفجور ، وهؤلاء المتزمتون الأغبياء لا يملون من الدعوة إلى الاستمتاع بجمال الطبيعة لهم الويل ! وهل الإنسان إلا لباب الطبيعة وسرها المكنون ؟!

وماذا أصنع بالأشجار والأزهار والثمار والأنهار والكواكب والنجوم والسهول والحزون والجبال والوديان والطيور الصوادح والظباء السوانح ؟ .. ماذا أصنع بكل أولئك إذا لم يكن معي إنسان أطارحه القول وأساجله الحديث وأساقيه صهباء هذا الوجود ؟! .. وهذا الإنسان أليس لي الحق في اختياره قبل اصطفائه ؟ وكيف أختاره إن لم أحكم الذوق في تمييز جسمه وروحه وعقله وشعوره وحسه ووجدانه ؟

وما قيمة الليل إن لم تظلني في الحب ظلماؤه ؟ وما جمال الأغصان إن لم تهزني إلى ضم القدود وما حسن الأزهار إن لم تشقني إلى لثم الخدود ؟ وكيف أميل إلى الظباء لو لم تشبه بعيونها وأجيادها ما للحسان من أعناق وعيون ؟ وكيف أصبو إلى غنة الغزال لولا ذكرى تلك النبرات العذاب التي يسمونها السحر الحلال ؟

وإنك لتعلم أيها القمر كيف كنت أصدف عنك وأنا أطالع ذلك الوجه الذي نعمت معي بثغره المفلج وأنفه الأقنى وطرفه الأحور وجبينه الوضاح ، وإنك لتعلم أيها القمر كيف هجرتُك حين غاب وتعلم أني لا أنظر إليك إلا حين السرار لأرى كيف يفعل الشحوب بك وكيف تنسال منك الليالي ! ، وإنها لشماتة طفيفة أحزن من بعدها على خلود متعتك بصباح الوجوه وعلى عودتك لشبابك في حين أودع كل يوم جزءًا من شبابي ووا حسرتاه على ما أودع من أجزاء الشباب !

لأصبحت نهب الأسى والحزن لجسم أقام وقلب ظعن .. فيا ويحهم يزمعون الرحيل وما زودوني غير الشجن .. دموع تحدر فوق الخدود كصوب الغمام إذا ما هتن .. وقلب يقلب بين الضلوع بعيد القرار فقيد السكن .. وأصبحت والرأس مرعى المشيب قليل السرور كثير الحزن .. لعمري لئن شبت قبل الأوان لقد شاب حظي وشاب الزمن .. كأن الشعور عراها البياض سهام الردى أو خيوط الكفن .. وإن الشباب إذا ما انقضى لك الحلم أقلع عنه الوسن.

أما بعد فقد أخرجنا للناس كتاب (الأخلاق عند الغزالي) فرمونا من أجله بالكفر ، واليوم نخرج لهم مدامع العشاق وسيرموننا من أجله بالفجور وسنصبر على عدوانهم حتى نخرج كتاب (آراء الجاحظ الفلسفية والأدبية) وكتاب (أفنان الجمال) ثم نجنح بعد ذلك إلى المتاب ! ، وقد زعمت ليلى بأني فاجر لنفسي تقاها أو عليها فجورها ، الملحد الفاجر فيما يزعمون زكى مبارك سنتريس في ١٢ ربيع الأول سنة ١٣٤٣ هجرية “.

18 / في الأدب المصري

(الأدب المصري) هو مصطلح يشمل كل ما أنتجته قريحة الأدباء والشعراء في الأدب العربي بمصر عبر العصور الإسلامية المتعاقبة بحيث يتناول تاريخ الأدب من ناحية الجغرافيا وليس وفق التقسيمات التاريخية التقليدية (أموية وعباسية وغيرها) ، ومن أبرز من كرس لهذا المصطلح واهتم به واحد من رواد علوم البلاغة في القرن العشرين وعضو مجمع اللغة العربية وهو الشيخ أمين عبد الباقي عامر الخولي الذي ولد في قرية شوشاي بالمنوفية عام 1895 م وتوفي بالقاهرة عام 1966 م.

تعلم بالأزهر ثم التحق بمدرسة القضاء الشرعي وكان مقربا من ناظرها عاطف بركات ابن أخت الزعيم سعد زغلول وقاد المظاهرات فيها أثناء ثورة 19 ثم تخرج منها عام 1920 م وعمل في البعثات المصرية في كل من إيطاليا وألمانيا ، وبعدها عين أستاذا في كلية الآداب بالجامعة المصرية في عام 1928 م ثم أصبح رئيسا لقسم اللغة العربية بها في عام 1946 م ، وبعد إحالته للمعاش عين عضوا في المجمع اللغوي ، وقد تزوج من تلميذته الكاتبة عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ).   

 ذكره الزركلي في كتابه الأعلام فقال : ” أَمِين الخَوْلي ١٣١٣ – ١٣٨٥ هـ  = ١٨٩٥ – ١٩٦٦ م ، أمين الخولي من أعضاء المجمع اللغوي بمصر ولد في قرية شوشاي بالمنوفية وتعلم بالأزهر تخرج بمدرسة القضاء الشرعي.

وعين للشؤون الدينية في السفارة المصرية برومة فأحدث أزمة حملت حكومة إيطاليا على طلب نقله فنقل إلى برلين وأثار أزمة أخرى فدعته حكومته إلى مصر ، وعين أستاذا في الجامعة المصرية (القديمة) ثم كان وكيلا لكلية الآداب الى سنة ١٩٥٣ فمديرا للثقافة العامة بوزارة التربية والتعليم الى سنة ١٩٥٥ وبها أحيل إلى المعاش ومثل مصر في عدة مؤتمرات وتوفي بالقاهرة.

له : البلاغة العربية (محاضرة) ، وكناش في الفلسفة (طبع الأول منه) ، وفن القول ، ومالك بن أنس (ثلاثة أجزاء) ، والمجددون في الإسلام (طبع الأول منه آخر كتبه) ، والأزهر في القرن العشرين (رسالة) والأدب المصري ، والجندية في الإسلام ، ومن هدي الرسول ، ومشكلات حياتنا اللغوية “.

وهو من كبار المجددين في الفكر الإسلامي واشتهر عنه قوله : ” أوّل التجديد قتل القديم بحثاً وفهماً ودراسةً أمّا إذا مضى المجدد برغبة بالتجديد مبهمة وتقدّم بجهالة للماضي وغفلة عنه يهدم ويحطّم ويشمئز ويتهكم، فذلكم تبديد لا تجديد ” ، وعن طريقته في (التفسير الأدبي للقرآن) يقول : ” إن التفسير اليوم – فيما أفهمه – هو الدراسة الأدبية الصحيحة المنهج الكاملة المناحي المتسقة التوزيع والمقصد الأول للتفسير اليوم أدبي محض صرف غير متأثر بأي اعتبار وراء ذلك .. وعليه يتوقف تحقق كل غرض آخر يقصد إليه هذه هي نظرتنا إلى التفسير اليوم وهذا غرضنا منه “.

ويقول في مقال نشره في مجلة (الرسالة) بعنوان (التجديد في الدين) : ” إنّه “قد ملك النفس شعور الحياة بالحاجة الماسة الملحة إلى تجديد تطوري يُفهَم به الإسلام الذي يقرر لنفسه الخلود والبقاء فهماً حيّاً يتخلص من كل ما يُعرّض هذا البقاء للخطر ويعيق الخلود إذا ما صح العزم على هذا الفهم الجديد الذي مضت أعوام في تقرير أصوله وأسسه درساً وتعليماً وتدويناً ، ومن حق الحياة أن نحرص على سلامة هذا الفهم وبقائه ونجاته كذلك من المهاترات وما تُحدثه من خسائر تكبدتها الحياة في كثير من خطوات سيرها التي لا مفر لها منه ما دامت حياة “.

وقد كتب الدكتور لويس عوض أستاذ الأدب الإنجليزي يرثي الخولي قائلا : ” ما وقعت عيني على أمين الخولي قط إلا وطافت في مخيلتي صور الخالدين من فقهاء الكوفة والبصرة وقاهرة المعز لدين الله ، كان مجادلا لا باللفظ والنبرة ولكن بالفكر والمنطق والعلم الغزير كل من جلس بين يديه يتلقى العلم عليه ارتبط به ارتباط المسحور بالساحر ، من عرفه لا يمكن أن ينساه لا لعلمه وقوة عقله فحسب ولكن لأن شباب فكره أثبت لجيلنا أن القديم يمكن أن يتجدد بماء الحياة فيطاول أحدث الحديث “.

أما أعماله ومؤلفاته فقد تناولها الباحث الأستاذ فهد الرومي في كتابه اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر فقال : ” أمين الخولي ، ترجمته : ولد سنة ١٨٩٥م بشوشاي مركز أشمون بمحافظة المنوفية وتخرج في القسم العالي بمدرسة القضاء الشرعي سنة ١٩٢٠م واختير مدرسًا بها وترأس تحرير مجلتها في سنتيها الأولى والثانية.

وفي سنة ١٩٢٣م عين إماما للمفوضية المصرية بروما ثم في برلين ولهذا ألَمَّ باللغتين الإيطالية والألمانية واطلع على بحوث المستشرقين في الإسلاميات بهاتين اللغتين ، وعاد إلى مصر سنة ١٩٢٧م ليدرس بقسم التخصص في مدرسة القضاء الشرعي وفي العام التالي نقل إلى كلية الآداب بالجامعة المصرية (جامعة القاهرة الآن) مدرسا فأستاذا مساعدا فأستاذا فرئيسا لقسم اللغة العربية واللغات الشرقية ثم أستاذا للأدب المصري ثم وكيلا لكلية الآداب وظل فيها حتى سنة ١٩٥٣م حيث نقل مستشارا فنيا لدار الكتب المصرية ثم عين مديرا لإدارة الثقافة في وزارة التربية والتعليم حتى بلغ سن التقاعد سنة ١٩٥٦م.

وأنشأ الأستاذ أمين هو وتلاميذه سنة ١٩٤٣م مدرسة أدبية هي (الأمناء) نسبة إليه رسالتها الفن والحياة وهدفها تحقيق أهداف فنية نظرية وعملية ، وأصدرت في سبيل تحقيق ذلك (مجلة الآداب) سنة ١٩٥٦م حيث رأس الأستاذ أمين تحريرها ، وعين سنة ١٩٦١م عضوا في مجمع اللغة العربية بالقاهرة.

وكلف بعد تقاعده بأعمال عديدة فانتدب مثلا لتدريس الأخلاق والفلسفة وتاريخ الملل والنحل في الأزهر في قسم التخصص شعبة الأخلاق والتاريخ وشعبة الوعظ وكذلك في كلية أصول الدين ورأس قسم اللغة العربية في معهد الدراسات العليا للمدرسين ، وحاضر في معهد الدراسات العربية العالية سنة ١٩٥٧-١٩٥٨م وفي معهد الدراسات الإسلامية وحضر عددا من المؤتمرات وتوفي سنة ١٩٦٦م.

وله مقالات وبحوث في اللغة والأدب والبلاغة والنحو والتفسير نشرت في مجلات علمية وأدبية ، وله تعليقات على كثير من مواد دائرة المعارف الإسلامية في الأدب والفقه ومن أهمها ما كتبه في مواد التفسير وأصول الفقه والبلاغة ، وجمع أكثرها في كتاب اسمه (مناهج تجديد في النحو والبلاغة والأدب والتفسير) وطبع تعليقه على مادة (تفسير) مستقلا مرة بعنوان (التفسير معالم حياته منهجه اليوم) طبعته جماعة الكتاب سنة ١٩٤٤م ومرة بعنوان (التفسير نشأته تدرجه وتطوره) تحت سلسلة (كتب دائرة المعارف الإسلامية) وصدرت طبعته الأولى سنة ١٩٨٢م في بيروت.

وله كتاب (من هدي القرآن) ويحتوي على ثلاثة من مؤلفاته : القادة والرسل ، وفي رمضان ، وفي أموالهم ، وله أيضا كتاب عن مالك بن أنس رحمه الله تعالى وهو العدد (11) من سلسلة أعلام العرب “.

ويشرح الخولي في كتابه فكرة (الأدب المصري) فقال : ” الأدب المصري .. الإيمان بالشخصية المصرية عقيدة يخفق بها قلب المصري كلما تواثبت مياه النهر المقدس منسابةً من مجراه الأزلي ،  وهو روح الحياة يتنفَّسه المصري كلما هبَّت نسمات الوادي مطيفةً بمعالم المجد الأدبي في جنباته حاملةً من أعطاف تلك الشخصية المصرية عبير الخلود الذي أخضع الدهر وقهر الزمان.

وإيمان الحي بنفسه هو فيه رغبة الحياة التي تُمسك عليه كِيانه وتحفظ وجوده والحي بغير هذا الإيمان لقي مضيع وجماد ممتهن وحي ميت ، ولو كان درس الأدب المصري عملًا ينبعث عن هذه العقيدة وحاجةً تدفع إليها الحياة الشاعرة بنفسها لكان هذا الأدب المصري وحده هو مادة الدرس الأدبي في مصر المعتدة بشخصيتها لا تؤثِر غيره عليه بل لا تعرف سواه معه.

ولو كان درس الأدب المصري وفاءً بحق الوطن وأداءً لواجب كلية الآداب في الأرض المصرية لكان هذا الأدب المصري وحده هو ما تعرفه قاعات الدرس في تلك الكلية لا يرتفع فيها لغيره صوت ولا يُسمع لسواه رِكز إلا على أنه لون من الترف الدراسي والتوسُّع الجامعي بعد أداء الواجب الأول والوفاء بالحق الأقدس.

ولو كان درس الأدب المصري يأخذ مكانه بين بواعث النهضة المصرية ومقوِّماتها لكانت العناية بهذا الأدب المصري أولى خطوات النهضة كما جرت بذلك سنة الحياة ، إذ تسبق نهضات الفنون سائر النهضات في الأمم ثم تليها غيرها من النهضات بعد أن يكون الفن قد مهد له ، وبهذا شهد التاريخ انبعاث الأمم في الشرق والغرب جميعًا.

ولو كان الأدب المصري يأخذ مكانه بين مواد الدرس التي تلزم المناهج الصحيحة العناية بها والعكوف عليها لكان درس هذا الأدب المصري هو ما يستطيعه المصري قبل غيره ودون غيره إذ يتولى ذلك الدرس في بيئته التي هو صاحبها وربيبها وأقدر الناس على فهمها وذو العيان شاهد فيها والاختبار الممارس لها ، فلو لم تكن الجامعة مصريةً إلا بقدر ما هي في أرض مصر لكان من الأجدى على دراستها أن تعكف على أقرب ما حولها من المصادر وتُعنى من ذلك بما تلمس مثله الحاضر وماضيه الجاثم.

ولو كان درس الأدب المصري لونًا من التجدد المساير للحياة لكان هذا الأدب المصري هو مظهر تجدُّد المشاركين في الحياة وأقرب سبيل إلى الاتصال بها لأن الحياة الوجدانية في الأمم هي أقوى ما يحس به أفراد الأمة جميعًا أو أكثر ما يكون اشتراكهم فيه جميعًا ، فالفلسفة مثلًا تنفرد بها خاصة قليلة والعلم تُعنى به قلة متميِّزة وكذلك صنوف النشاط المختلفة تختص بكل واحد منها بيئة بعينها على حين يشترك أولئك جميعًا في حياة وجدانية شاملة يلتقي في الانفعال بها الصغار والكبار والخاصة والعامة وأصحاب النظر والعمل.

وهكذا كلما قلَّبت الرأي وجدت جميع الاعتبارات النفسية والوطنية والفنية تقضي بتوافر العناية بهذا الأدب بل تؤذن بإفراده وقصر الهمة عليه دون غيره إلا ما يكون من ذلك وسيلةً إلى فهم هذا الأدب وتمثُّله أو ما يكون توسُّعًا في الدرس ورفاهيةً فيه بعد ما لا بد للدارس منه.

إن وراء تلك الاعتبارات التي أشرنا إليها آنفًا حقائق يقضي بها المنهج المحرر المسلك الصحيح في بحث الأدب وهي حقائق تقضي ـ في إصرار وتأكيد ـ بأن تخصيص هذا الأدب بالدرس هو الأسلوب الصحيح والخطة التي يجب أن تُلتزم دون غيرها ، وقد عرضت لهذه الملاحظة المنهجية منذ سنوات فكان ممَّا قلت فيها عن : إقليمية الأدب : منذ اقتبس المتصلون بالغرب هذا النمط من الدراسة التاريخية الأدبية ووجدوا الغربيين يقسِّمونه إلى عصور لها وحدة اجتماعية واضحة ، قسَّموا تاريخ الأدب العربي الإسلامي إلى عصور زمنية مجاراةً لمن أخذوا عنهم.

واستقرَّت قواعد هذا التقسيم يقفِّي فيها الخلف على آثار السلف في أكثر من طبقة ولم ينلها تغيير إلا ما كان أخيرًا من إنكار دوران تاريخ الأدب رفعةً وانحطاطًا مع العظمة السياسية والضعف الحكومي فعُدِّل تقسيم العصر للعباسي تلافيًا لذلك ، وظل هذا التقسيم الزمني يجعل دمشق ثم بغداد مركز تاريخ الأدب ويدير عصوره حول رفعة هاتين العاصمتين وسقوطهما وكأن هناك وحدة تامة شاملة للأمة الإسلامية أو العربية تتعرَّض بها لظروف واحدة ومؤثِّرات متحدة تتغيَّر بها تغيُّرًا متسقًا مطردًا مظهره الوحيد هو النفوذ السياسي والسلطان الحكومي الذي يمثِّل وحدة التدريج الاجتماعي فحسب.

وهذا الصنيع نستطيع أن نسميه خطأً ونطلب بل نسعى إلى إصلاحه ، وذلك أنه إن كانت الأمة الإسلامية المنبثة من بحر الظلمات ـ الأطلنطي ـ غربًا إلى سور الصين شرقًا ومن مجاهل آسيا وأوروبا شمالًا إلى ما يسامت جنوب أفريقيا قد اكتملت لها وحدة سليمة ذات مزاج أدبي واضح وكوَّنت جسمًا قامت منه العاصمة في الشام طورًا وفي العراق تارة مقام القلب من الجسم وكانت مجمع النشاط ومحور الحياة ، إن كان ذلك فإن لسائر أجزاء هذا الجسم عملها في هاتيك الحياة ومشاركتها في ذلك النشاط ولكل إقليم منها طابعه الخاص فيما يحمل عنه إلى دار الخلافة وينتقل ولا بد إلى قاعدة الدولة وإذا ذاك لا يهون فهم حياة هذا القلب دون فهم أجهزة الجسم المختلفة ولا يتيسَّر إدراك حقيقة هذا المزيج إلا بعد إدراك بسائطه عنصرًا عنصرًا.

وإن كانت الأخرى ، ولم نفرض تماسك هذه المملكة الإسلامية المترامية الأطراف تماسك الجسد الواحد بل قدَّرنا في دقة أن هذه الأمة الإسلامية ـ في حقيقة الأمر ـ ليست إلا خليطًا غير تام التجانس خليطًا لم يصبر طويلًا على التوحُّد المركزي حتى في السياسة بل بدأت تتشعَّب منه الدويلات المستقلة منذ عهد مبكر وفي عنفوان قوة الدولة المركزية ، وكانت مصر مثلًا من أسبق هذه الدولات ظهورًا إذ تحيَّزت وحدها لعهد الطولونية في القرن الثالث الهجري فإن قدَّرنا أن هذا هو الذي كان إذ ذاك فليست للأمة الإسلامية في كل حال تلك الوحدة المدعاة في تاريخ الأدب العربي وليس من اليسير تقسيم هذا التاريخ عصورًا زمنيةً لا غير.

ولئن كانت المدرسة الأدبية قد حملت أخيرًا على الفكرة السياسية ورأت من الخطأ أن يُقصر تدرُّج الأدب على تقلُّبات السياسة وحدها فلقد كان يجب أن تنظر إلى أبعد من ذلك المرمى وأوسع من ذياك الأفق فتتحرَّر من الخطأ المكاني في تاريخ الأدب كما تحرَّرت من شيء من الخطأ الزماني.

بل لعل التحرُّر من الخطأ المكاني كان أولى وأهم ـ فيما أرى ـ لأن هذه الوحدة التي يدَّعونها للناطقين بالعربية وهذا الامتزاج التام بين أقطار مترامية البعد من الشرق النائي إلى الغرب الأقصى وبين أمزجة متباينة الخصائص من آرية وسامية وغيرها وبين ألوان مختلفة من بيضاء وصفراء وسمراء وبين حضارات متفاوتة من قديمة أزلية قد ذهب عرقها في أغوار الدهر إلى حديثة غضة إلى ما بين هذين من درجات متغايرة ، هذا الامتزاج الغريب لا يسهل قَبول ادعائه وهذا التوحيد الشاق على الدهر نفسه لم يكن ليتم بمجرد أن يُحكم كل أولئك بدولة واحدة أو ببسط سيطرة سياسية أو نفوذ حكومي واحد.

والعجب أن دارسي الحياة الإسلامية الفكرية يرون اختلاف الأقاليم في المقالات الاعتقادية والآراء الدينية ويشهدون توزُّع المذاهب الفقهية العملية المختلفة على تلك الأقطار إلى غير ذلك من مظاهر التخالف التي يقرِّرونها في صور متغايرة وألوان شتى ، ثم لا يلتمسون مثل ذلك في الفنون الأدبية وتاريخها مع أنها أشد خضوعًا لعوامل المغايرة وأسباب المخالفة من تلك الآراء الاعتقادية وهاتيك المذاهب العملية.

وعمل هؤلاء الدارسين لتاريخ الأدب على نظام العصور الزمنية متناقض متدافع فهم حين يزعمون أنهم يدرسون تاريخ الأدب في عصر من العصور إنما يقصرون جهدهم العملي على بيئة واحدة من تلك البيئات المتعدِّدة التي غشيتها اللغة العربية ونشأ فيها أدب عربي فيعنون بالعراق وما حوله من الشرق القريب مثلًا حتى ليجدوا في أنفسهم الحاجة الشديدة إلى أن يُفردوا بالبحث أقاليم أخرى يدركون بُعدها واضحًا كالأندلس مثلًا ، وما المغرب أو أقصى المشرق بأقل حاجة إلى الإفراد بالبحث من الأندلس بل إن مصر تحتاج إلى مثل ذلك الدرس المفرد تمامًا إذا ما أنصفنا.

وأخيرًا ـ بل أولًا كذلك ـ نحن نرى العلم يقرِّر أثر البيئة فعَّالًا عنيفًا ينازع الوراثة أثرها فكيف يريد علماء تاريخ الأدب أن ينسوا أو يهملوا تأثير البيئة ؟ وكيف يريدون أن يجعلوا هذه الدنيا العريضة التي حكمها الإسلام وسكنتها العربية بيئةً واحدة ؟! ذلك ما لا قوة لمنصف عليه.

فالرأي الصائب أن يعدل مؤرخو الأدب عن توزيع دراسة الأدب العربي الإسلامي على عصور زمنية وأن يقدِّروا الأثر القوي لكل بيئة نما فيها أدب عربي وأن يتتبَّعوا هذا الأثر بالدرس المستقل وأن يدرسوا العربية في المواطن المختلفة التي نزلتها موطنًا موطنًا فيكون أساس التقسيم هو اختلاف البيئة وتغايرها ووحدة المؤثرات المادية والمعنوية فيها ـ وإن لم يسر ذلك مع التقسيم المتعارف عليه للأقطار والبلدان ـ بل تُفرد كل بيئة متجانسة بدرس خاص لا كل قطعة من الزمن ببحث.

ولقد تكوَّن حول نظرية (البيئة في تاريخ الأدب العربي) وفكرة التقسيم المكاني له مناقشات أو اختلافات أرجع إلى استيفائها في غير هذا المقام مكتفيًا هنا بما تجلَّى من خطأ الفكرة الزمانية جملةً وتفصيلًا وقوة فكرة اختصاص البيئات بالدراسة وأنها هي التي تجري على قواعد المنهج العلمي الصحيح ولا تقف عند ظواهر ساذجة من التشابه والمشاركة السطحية في فنون الأدب العربي وحياته ، وبهذا تخص الأندلس والمغرب ومصر والشرق الإسلامي الأقصى والشرق الأقرب كل دراسة خاصة مفردة على أساس ما يستبين من تمايز البيئات.

ومن هنا تكون الدراسة الأدبية لمصر وحدها هي الخطة العملية المثلى كما كانت وفاءً بواجب اجتماعي حيوي إلى جانب أنها مصلحية عملية قائمة على المشاهدة الجلية والاختبار القريب “.

 19 / في الميزان الجديد

من أهم كتب النقد الأدبي بمصر في القرن العشرين كتاب (في الميزان الجديد) من تأليف الناقد والكاتب واللغوي والصحفي الدكتور محمد عبد الحميد موسى مندور الذي ولد في كفر مندور بالشرقية عام 1907 م وتوفي بالقاهرة عام 1965 م ، حصل على الشهادة الابتدائية عام 1921 م من مدرسة الألفي في منيا القمح ثم التحق بالقسم الداخلي في مدرسة طنطا الثانوية وتعرض للفصل منها بعض الوقت بسبب تزعمه الطلاب في الإضراب والمظاهرات ضد الإنجليز بعد استقالة حكومة سعد زغلول بسبب اغتيال السير لي ستاك.

وبعد حصوله على البكالوريا في عام 1925 م التحق محمد مندور بكلية الحقوق (الجامعة المصرية) وانتسب في نفس الوقت إلى قسم الأدب العربي واللغات السامية بكلية الآداب بناء على نصيحة من الدكتور طه حسين ونجح في كليهما معا بالإضافة إلى مشاركته في قسم الاجتماع ، وفي عام 1930 م سافر في بعثة إلى فرنسا وحصل من جامعة السوربون على ليسانس في الآداب واللغات اليونانية القديمة واللاتينية والفرنسية والأدب المقارن والتحَقَ بمعهدِ الأصواتِ وتخصَّصَ في دراسةِ أصواتِ اللغة وقدَّمَ بحثًا عن موسيقى الشعرِ العربيِّ وأوزانُه.

لم يتمكن من إكمال الدكتوراة بسبب اندلاع الحرب العالمية الثانية وعاد إلى مصر عام 1939 م ليعمل بالجامعة حيث رفض الدكتور طه حسين تعيينه في قسم اللغة العربية بسبب عدم حصوله على الشهادة فقام عميد كلية الآداب وقتها أحمد أمين بتكليفه بتدريس الترجمة ، وبعد إنشاء المعهد العالي للصحافة قام مندور فيه بتدريس الترجمة من الفرنسية واللغة الفرنسية وآدابها ثم عين في عام 1942 م في جامعة الإسكندرية  ، ثم حصل على الدكتوراة في عام 1943 م تحت إشراف أحمد أمين بعنوان (تيارات النقد العربي في القرن الرابع الهجري).

وقد طبعت بعد ذلك تحت اسم (النقد المنهجي عند العرب) وصارت بعد ذلك مرجعًا جامعيًا من المراجع الأساسية في دراسة الأدب العربي ، وواصل أحمد أمين دعمه لمندور فضمه إلى عضوية لجنة التأليف والنشر والترجمة التي نشر مندور من خلالها عددًا من مترجماته كما فتح أمامه باب الكتابة في مجلة الثقافة التي كانت تصدرها اللجنة آنذاك وكان أحمد أمين يرأس تحريرها ، بعد ذلك طلب مندور الترقية إلى درجة مدرس بالجامعة فرفض مدير الجامعة وقتها طه حسين طلبه فاستقال في عام 1944 م وتفرغ للصحافة.

اشتغل مندور بكتابة المقالات الأدبية والنقدية في مجلتي الثقافة والرسالة وقام بالتدريس في معهد التمثيل ، وفي عام 1945 م تولى رئاسة تحرير جريدة (الوفد المصري) الناطقة باسم حزب الوفد وتعرض بسبب ذلك للسجن عام 1946 م بسبب مهاجمته الاحتلال ومفاوضات صدقي بيفن ، وبعده عمل فترة بالمحاماة والكتابة في كل من جريدة الجمهورية ومجلة روزاليوسف وأنجز عدة أعمال في مجال الترجمة.

من مؤلفاته الأخرى : النقد والنقاد المعاصرون ، نماذج بشرية ، الديموقراطية السياسية ، فن الشعر ، محاضرات عن إسماعيل صبري ، الثقافة وأجهزتها ، محاضرات عن خليل مطران ، محاضرات عن مسرحيات عزيز أباظة ، محاضرات عن إبراهيم المازني ، المسرح النثري ، محاضرات عن ولي الدين يكن ، محاضرات عن مسرحيات شوقي ، قصص رومانية ، في المسرح المصري المعاصر ، مسرح توفيق الحكيم ، المسرح ، في الأدب والنقد.    

وفي مقدمة كتابه (في الميزان الجديد) يشرح وجهة نظره الأدبية والنقدية في مقدمته فيقول : ”     منذ عودتي من أوربا أخذت أفكر في الطريقة التي نستطيع بها أن ندخل الأدب العربي المعاصر في تيار الآداب العالمية وذلك من حيث موضوعاته ووسائله ومنهج دراسته على السواء ، ولقد كنت أومن بأن المنهج الفرنسي في معالجة الأدب هو أدق المناهج وأفعلها في النفس وأساس ذلك المنهج هو ما يسمونه (تفسير النصوص) فالتعليم في فرنسا يقوم في جميع درجاته على قراءة النصوص المختارة من كبار الكتاب وتفسيرها والتعليق عليها.

وفي أثناء ذلك يتناول الأساتذة النظريات العامة والمبادئ الأدبية واللغوية بالعرض عرضا تطبيقيا تؤيده النصوص التي يشرحونها ، والجامعات الفرنسية لا تلقى بها محاضرات ولا دروس عن العلوم النظرية التي تتصل بالأدب فلا نحو ولا بلاغة ولا نقد بل ولا تاريخ أدب فرنسي وإنما يعالج كل ذلك أثناء شرح النصوص ، ومن هنا قلما نجد في اللغة الفرنسية كتابا في النقد الأدبي النظري على نحو ما نجد في اللغة الإنجليزية مثلا.

هذا المنهج التطبيقي هو الذي استقر عليه رأيي وإن كنت قد نظرت إلى ظروفنا الخاصة وحاجتنا إلى التوجيهات العامة فحرصت على بسط النظريات العامة خلال التطبيق كما اعتمدت على الموازنات لإيضاح الفروق التي لا تزال قائمة بين أدبنا وأدب الغرب ، وهذا ما أرجو أن يجده القارئ في الجزء الخاص بالأدب المصري المعاصر من هذا الكتاب حيث لم أكتفِ بنقد روايات أو دواوين الحكيم وبشر فارس وعلي محمود طه ومحمود تيمور وطه حسين بل عالجت في كل حديث مسألة عامة كالأساطير واتخاذها مادة للشعر أو القصص وفن الأسلوب والأدب الواقعي ومشاكلة الواقع في القصة وما إلى ذلك ، وفي كل حديث قدرت ما نفعله وما يفعله الأوربيون في غير مجاملة ولا تحامل.

ولقد أثارت تلك المقالات ردودًا وأحاديث وأحسست أننا سننزلق إلى المناقشات العامة التي يصعب تحديدها في مجال الأدب فلم أرَ بُدًّا من أن أوضح اتجاهي العام بنقد بعض النصوص نقدا موضوعيا أحاول أن أضع فيه يد القارئ على ما أحس من مواضع الجمال والقبح.

ووقع اختياري على بعض من قصائد وكتابات لأدباء المهجر وأحسست في أدبهم من الصدق والألفة ما وقع في نفسي موقع الأسرار التي يتهامس بها الناس وأكبر الظن أن الكذب في التهامس أقل بكثير منه في الجهر ولربما كانت هذه الحقيقة النفسية هي السبب الأول في تسميتي لهذا الأدب بالمهموس ، ولقد تساءل نفر من الأدباء عن سر إعجابي بهذا الأدب وافترضوا الفروض التي قد يقبل الذوق الأخلاقي السليم بعضها بينما يأبى البعض الآخر ، ولقد سجلت بعضا من أصداء هذه المناقشات في ذلك الجزء من الكتاب وذلك لما نفثت فيها من حرارة الإيمان ثم لأنها تتمم آرائي وتوضحها بما تعالج من مسائل عامة.

وفي أثناء دراستي لتلك النصوص التي تحدثت عنها وعن غيرها مما تناولت – بحكم عملي في الجامعة كمدرس للآداب – أخذ يتكون في نفسي منهج عام للنقد ، ولقد ركزت هذا المنهج في جزأين من هذا الكتاب يجدهما القارئ في الفهرست تحت عنواني : مناهج النقد – تطبيقها على أبي العلاء المعرفة والنقد – المنهج الفقهي ، وباستطاعة القارئ أن يلاحظ أنه منهج ذوقي تأثري وذلك على تحديد لمعاني تلك الألفاظ.

فالذوق ليس معناه النزوات التحكمية ، وجانب كبير منه – كما وضحت في مقالي عن الأدب ومناهج النقد – ما هو إلا رواسب عقلية وشعورية نستطيع إبرازها إلى الضوء وتعليلها ، وبذلك يصبح الذوق وسيلة مشروعة من وسائل المعرفة التي تصح لدى الغير وإن كنت لا أنكر أنه سبقني إلى تقرير ذلك كبار نقاد العرب أنفسهم كالآمدي والجرجاني على نحو ما يرى القارئ في مقالاتي عن المعرفة والنقد ، ثم إنني وإن كنت أومن بأنه ليست هناك معرفة تغني عن الذوق التأثري إلا أنني مع ذلك أحرص على أن يكون الذوق مستنيرا وفي هذا المجال – مجال الاستنارة – أميز بين نوعين من المعرفة.

فهناك المعرفة الأدبية اللغوية وهذه هي الأساس فقراءة مؤلفات كبار الشعراء والكُتَّاب هي السبيل إلى تكوين ملكة الأدب في النفوس وليست هناك سبيل غيرها وذلك على أن تكون قراءة درس وفهم وتذوق ، وأما ما دون ذلك من أنواع المعرفة كالدراسات النفسية والاجتماعية والأخلاقية والتاريخية وما إليها فهي وإن كانت عظيمة الفائدة في تثقيف الأديب ثقافة عامة وتوسيع آفاقه إلا أنني لا أريد أن تطغى على دراستنا للأدب كفن لغوي وأنا مؤمن بأنه من الواجب أن يستقل الأدب بمنهجه عن غيره من العلوم وأنه من الخطر أن يطبق عليه منهج أي علم آخر أو أن يأخذ بالنظريات الشكلية التي يقول بها العلماء في الميادين الأخرى.

ولقد حرصت على أن أورد في الجزأين الآخرين من الكتاب أمثلة لنوعين دقيقين من المعرفة التي تسبق النقد وهما : أصول النشر وأوزان الشعر ، فمن واجب المشتغل بالآداب أن يحيط علما بأمثال هذه المسائل وذلك لأنه إذا كانت دراسة الأدب في نهاية الأمر هي تذوق النصوص فإنه لا غنى لمن يريد ذلك التذوق من أن يتأكد أولا من صحة النص الذي أمامه ومن استقامة وزنه وكيفية تلك الاستقامة إن كان شعرًا.

ولقد نظرت في هذا الكتاب عندما انتهيت منه فأحسست أن فيه ما يكفي القارئ الذي يمعن النظر ليخرج منه بالأصول العامة للأدب ودراسته ، ولقد كان في هذا ما شجعني على أن أعود إلى هذه المقالات أعيد قراءتها وتنقيحها والإضافة إليها وفقا لما تمخضت عنه تجاربي أثناء السنوات الخمس التي قضيتها بمصر ولقد كانت تلك التغيرات أكثر ما تكون في أقدم المقالات.

ثم إن هناك مسألة نفسية دفعتني أيضا إلى نشر هذا الكتاب وهي أن قارئ المجلة غير قارئ الكتاب ، ولقد كنت مضطرًّا عندما نشرت معظم هذه الأحاديث بـالثقافة والرسالة إلى أن أركز ما أريد قوله حتى أفرغ منه في حدود المقال ، ولهذا سيرى القارئ مشاكل كثيرة عرضت لها جامعا أطرافها في جملة أو بعض جمل ولي كبير الأمل في أن يقف عندها “.

20 / تاريخ الأدب العربي

أكبر وأهم مرجع في تاريخ الأدب العربي عبر العصور الإسلامية المتعاقبة وفي كافة البلاد العربية هو كتاب (تاريخ الأدب العربي) من تأليف الدكتور الأديب والكاتب واللغوي أحمد شوقي عبد السلام ضيف الذي ولد في أولاد حمام بدمياط عام 1910 م وتوفي بالقاهرة عام 2005 م ، وهو الرئيس السابق لمجمع اللغة العربية بالقاهرة وعضو المجمع في كل من دمشق والعراق والأردن وصاحب المؤلفات العديدة في الأدب واللغة والبلاغة والنقد.

تلقى تعليمه الأوَّلي في كتَّاب بدمياط حفظ فيه القرآن الكريم وفي سنته العاشرة التحق بالمعهد الديني الابتدائي وتخرج فيه والتحق بالمعهد الديني الثانوي بالزقازيق وانتقل منه إلى تجهيزية دار العلوم وحصل منها على البكالوريا ،  ومنها التحق بكلية الآداب في جامعة القاهرة وحصل فيها على ليسانس الآداب سنة 1935 م بترتيب الأول وعينته معيدًا بها.

وفي سنة 1939 م حصل على الماجستير وفي سنة 1942 م حصل على درجة الدكتوراه بمرتبة الشرف الممتازة وعُيِّن مدرسًا بكلية الآداب وترقى أستاذًا مساعدًا فأستاذًا لكرسي الأدب العربي ورئيسًا لقسم اللغة العربية سنة 1956 م ، وتخرج على يديه عشرات من حملة الماجستير والدكتوراه في مصر والعالم العربي ويشغل الكثير منهم درجات الأستاذية في جامعاتهم ودعته جامعات عربية متعددة ليكون أستاذًا زائرًا بها ولبَّى دعوتها الكريمة.

وقد أشاد به مشرفه الدكتور طه حسين قائلا عن رسالته : (وإذا كنت حريصا على أن أقول شيئا في التقدمة فإنما هو تسجيل الشكر الخالص للجامعة التي أنتجت الدكتور شوقي والدكتور شوقي الذي أنتج هذه الرسالة) ، وقدعاش نائيًا بنفسه عن المعارك الأدبية والفكرية التي خاضها أستاذه طه حسين وكثير من أدباء عصره كالعقاد والرافعي وسيد قطب وذلك يرجع إلى طبيعته المسالمة كما كان متواضعا عازفا عن المناصب العامة.

انتخب عضوًا بمجمع اللغة العربية سنة 1976 م في المكان الذي خلا بوفاة الأستاذ الشيخ عطية الصوالحي وأصبح منذ هذا التاريخ عضوًا بارزًا فيه وانتخب أمينًا عامًّا له سنة 1988 م ثم نائبًا للرئيس سنة 1992 م وأصبح رئيسًا للمجمع منذ سنة 1996 م ورئيسًا لاتحاد المجامع اللغوية العلمية العربية حتى وافته منيته.

ومنذ أن انتخب عضوًا بالمجمع لا يخلو مؤتمر من بحوثه ومقالاته وهو يشارك مشاركة فعَّالة في أعمال لجان عديدة منها : لجنة المعجم الكبير ، ولجنة الوسيط ، ولجنة الأصول ، ولجنة الألفاظ والأساليب ، ولجنة الأدب ، ولجنة الشريعة ، ولجنة الجيولوجيا ، وسبق أن قدَّم إلى لجنة الأصول مشروع تيسير لتعليم النحو للناشئة فأقرته وعرضته على مجلس المجمع ومؤتمره فوافقا على معظم بنوده ومنذ أن انتخب رئيسًا للمجمع يلقي كلمة في افتتاح المؤتمر حتى وفاته.

حصل على جائزة الدولة التقديرية في الأدب العربي سنة 1983 م وجائزة الملك فيصل العالمية في الأدب العربي سنة 1983 م  وجائزة مبارك في الآداب سنة 2003 م كما حصل على دروع من جامعات وهيئات متعددة أهمها : درع جامعة القاهرة ، درع جامعة الأردن ، درع المجلس الأعلى للثقافة بمصر ، درع فارس للثقافة الجماهيرية المصرية ، درع ملتقى القرضابية الثقافي الليبي.

ألف حوالي خمسين مؤلفا على رأسها سلسلة تاريخ الأدب العربي والتي استغرقت منه ثلاثين عاما شملت مراحل الأدب العربي منذ خمسة عشر قرناً من شعر ونثر وأدباء منذ الجاهلية وحتى عصرنا الحديث وبلغ عدد طبعات أول كتاب في السلسلة العصر الجاهلي حوالي عشرين طبعة ، ونشر وحقق كتاب الرد على النحاة لابن مضاء وأخرجه من بين المخطوطات القديمة ودرسه وأعاد نشره وهو كتاب ألفه ابن مضاء في النحو يلغي فيها أمورا رأى أنها عقدت النحو العربي وجعلته صعب الفهم.

ومن مؤلفاته في تجديد اللغة : كتاب تجديد النحو وكتاب تيسيرات لغوية وكتاب الفصحى المعاصرة وكلها تتكلم عن فكرة تجديد قواعد النحو وتبسيطها لتصبح أسهل بالتعامل وأن تبعد الضجر عن المتعلمين لها ، ومن مؤلفاته في الأدب كتاب الأدب العربي المعاصر في مصر وكتاب الفن ومذاهبه في الشعر العربي وكتاب الفن ومذاهبه في النثر العربي وكتاب المدارس النحوية.

وله أيضا كتاب الشعر وطوابعه الشعبية على مر العصور وكتاب الحب العذري عند العرب وكتاب في التراث والشعر والنثر واللغة وكتاب في الشعر والفكاهة في مصر وكتاب البحث الأدبي وكتاب البلاغة تطور وتاريخ وكتاب تحريفات العامية للفصحى وكتاب من المشرق والمغرب وكتاب محاضرات مجمعية وكتاب النقد وكتاب الوجيز في تفسير القرآن الكريم.

وقد استهل المؤلف كتابه المرجعي والموسوعي بمقدمة صغيرة يقول فيها : ” بسم الله الرحمن الرحيم ، مقدّمة : للباحثين المحدثين من عرب ومستشرقين كتب مختلفة فى تاريخ الأدب العربى أدّت كثيرا من الفائدة والنفع منذ ظهورها غير أن من الحق أنه ليس بين هذه الكتب ما يبسط الحديث فى أدبنا وأدبائنا على مرّ التاريخ من الجاهلية إلى العصر الحديث بسطا مفصلا دقيقا.

وأغزر هذه الكتب وأحفلها مادة كتاب (تاريخ الأدب العربى) لبروكلمان وهو دائرة معارف جامعة لا تقتصر على الحديث عن شعرائنا وكتّابنا بل تفيض فى الكلام عن فلاسفتنا وعلمائنا من كل صنف وعلى كلّ لون مع استقصاء آثارهم المطبوعة والمخطوطة فى مشارق الأرض ومغاربها والإشارة إلى ما كتب عنهم قديما وحديثا ، وهذه العناية من وصف التراث العربى جميعه جعلت بروكلمان لا يعنى عناية مفصلة ببحث العصور والظواهر الأدبية ولا ببحث شخصيات الأدباء بحثا تاريخيّا نقديّا تحليليّا إذ شغلته عن ذلك مواد كتابه المتنوعة الكثيرة.

وإذن فأنا لا أبالغ إذا قلت إن تاريخ أدبنا العربى يفتقر إلى طائفة من الأجزاء المبسوطة تبحث فيها عصوره من الجاهلية إلى عصرنا الحاضر كما تبحث شخصياته الأدبية بحثا مسهبا بحيث ينكشف كل عصر انكشافا تامّا، بجميع حدوده وبيئاته وآثاره وما عمل فيها من مؤثرات ثقافية وغير ثقافية وبحيث تنكشف شخصيات الأدباء انكشافا كاملا بجميع ملامحها وقسماتها النفسية والاجتماعية والفنية.

وقد حاولت أن أنهض بهذا العبء وأنا أعلم ثقل المئونة فيه فإن كثيرا من الآثار الأدبية القيمة لا يزال مخطوطا لما ينشر وكثيرا مما نشر فى حاجة إلى أن يعاد نشره نشرا علميّا ، وهناك بيئات أدبية يغمرها غير قليل من الظلام إما لقلة ما بين أيدينا من تراثها الأدبي وإما لأن الباحثين لم يكشفوا دروبها ومناجمها كشفا كافيا.

يضاف إلى ذلك أن تحليل آثار الأدباء وتقويمها ليس عملا سهلا لكثرة ما يداخلها من عناصر الحياة والفن المتشابكة ولأنها تتألف من معان وأساليب جميلة وهى لا تخضع خضوعا مطلقا لقواعد العلم وقوانينه ، حقّا تخضع للطريقة العلمية ولكن باستمرار تظل فيها جوانب خاضعة للذوق ونفاذ البصيرة والإحساس المرهف.

وذلك كله مما يضاعف الجهد على من يريد تأريخ أدبنا العربى تأريخا مفصلا دقيقا على اختلاف عصوره وتفاوت بيئاته ، غير أنه يضاعف فى الوقت نفسه لذّته فيه إذ يرى أمنيته فى إتقان عمله بعيدة عسيرة لا يمكنه بلوغها إلا بشق النفس فيجدّ ويلحّ ويمضى فى الجدّ والإلحاح حتى يظفر بما يريد مؤمنا بأنه لا يقول الكلمة الأخيرة فيما يبحثه إذ البحث الأدبىّ لا يعرف الكلمة الأخيرة فى مسألة من مسائله.

ومعنى ذلك أن هذا الجزء من تاريخ أدبنا العربى الخاص بالعصر الجاهلى – والذى ستتلوه أجزاء أخرى تتناول بقية عصور هذا التاريخ – لا أزعم أنه يحمل إلى القراء الصورة الأخيرة لهذا العصر كما لا أزعم أن الأجزاء التالية ستحمل الصورة الأخيرة للعصور المتعاقبة.

وإنما أزعم أن هذه الصورة هى التى استطعت رسمها مع ما بذلت من جهد واصطنعت من نهج وتحرّيت من دقّة وقد يأتى بعدى من يعدّل فى جانب من جوانبها بما يهتدى إليه من حقائق أدبية غابت عنى فى بعض العصور أو بعض البيئات والشخصيات الأدبية ، وتلك طبيعة الأبحاث يكمل بعضها بعضا ولا تزال فى نمو مطرد ، والله أسأل أن يلهمنى السداد فى القول والفكر والعمل، وهو حسبى ونعم الوكيل ، القاهرة فى ٢٠ من ديسمبر سنة ١٩٦٠ شوقى ضيف “.

وفي مقدمة الجزء الخاص بتاريخ الأدب العربي في مصر يقول : ” وكان نشاط الشعر العربى بمصر محدودا زمن الأمويين لأن كثرة الجيش العربى الفاتح كانت من اليمنية والشعر إنما يكثر على لسان القبائل المضرية والقيسية وربما نظمت بها أشعار لم يسجّلها الرواة ، حتى إذا كنا في زمن ولاتها العباسيين رأينا الشعر يأخذ في النشاط بها ونزلها أبو نواس وأبو تمام وازداد نشاطه فيها لعهد الدولتين الطولونية والإخشيدية ونزلها المتنبى وأحدث نزوله بها حركة أدبية خصبة.

وتتحول مقاليد الحكم فيها إلى الدولة الفاطمية ويترجم الثعالبى في كتابه (اليتيمة) لكثيرين من شعراء مصر ويفرد لها العماد الأصبهانى مجلدين في كتابه (الخريدة) ترجم فيهما لمائة وأربعين شاعرا ، ويطّرد هذا الازدهار للشعر في مصر طوال زمن الأيوبيين والمماليك وتظل منه بقية أيام العثمانيين.

ويكثر في مصر الشعر الدوري منذ ابن وكيع التنيسى في القرن الرابع الهجرى وتكثر الرّباعيّات حتى إذا ازدهرت الموشحات في الأندلس درسها ابن سناء الملك شاعر صلاح الدين الأيوبى ووضع لها عروضها ورسومها كما وضع الخليل بن أحمد في القرن الثانى الهجرى عروض الشعر العربى ورسومه ، ولابن سناء الملك فيها موشحات تشيع فيها حلاوة الجرس والسلاسة والعذوبة وبذلك كتب لها الذيوع الواسع بعده في مصر على ألسنة الشعراء مثل العزازي وأكثر المتصوفة في زمن المماليك من النظم فيها وتلحينها في أذكارهم ويستظهر الشعراء – منذ القاضى الفاضل – ألوان البديع ومحسناته ويصبح التفنن فيها مقياس إبداعهم.

وأخذت – بعد ذلك – أترجم لأعلام الشعر في مصر طوال عصر الدول والإمارات محللا لشخصياتهم الأدبية وموزعا لهم على أغراض الشعر وموضوعاته الأساسية فللمديح أعلام مبدعون من مثل ابن سناء الملك واضع عروض الموشحات وللرثاء والشكوى أعلامهما النابهون مثل على بن النضر بملكته الشعرية الخصبة وللدعوة الإسماعيلية أعلام مختلفون مثل ابن هانئ الشاعر الفاطمى.

وللغزل أعلام وجدانيون مرهفون مثل البهاء زهير وللفخر والهجاء أعلام مبرّزون مثل تميم بن المعز وابن الذّروى المقذع في هجائه وللطبيعة ومجالس اللهو أعلامهما مثل الشريف العقيلى وله في الطبيعة المصرية ديوان كبير بديع وللزهد والتصوف والمدائح النبوية أعلام يتغنون بالحب الإلهى مثل ابن الفارض وبالحب النبوى مثل البوصيرى وللفكاهة أعلام تموج أشعارهم بالتندير والدعابات والتوريات والهزل مثل ابن دانيال وله مسرحيات هزلية بديعة.

وعرضت شعراء الشعر الشعبى العامى وطرائف مما نظم أعلامه من فنونه في الأزجال والتوريات والفكاهات المستملحة ، وبلغ عدد من ترجمت لهم من شعراء مصر الأفذاذ في عصر الدول والإمارات اثنين وأربعين شاعرا ومع كل شاعر تصوير شخصيته الأدبية وخصائصه الفنية وروائع شعره ، وقد ذكرت مع كل غرض من أغراض الشعر شاعرا نابها من الشعراء أيام العثمانيين ولم أترجم لعشرات من شعراء مصر تكتظ بهم كتب الطبقات والتراجم لأنه لم يكن لأحدهم دور بارز في تطور الشعر بمصر وأنا لا أكتب دائرة معارف لشعرائها على مرّ الأزمنة وإنما أكتب تاريخها الأدبي في الشعر ومن كان لهم دور في التطور به أتاح لهم مجدا أدبيّا كثيرا أو قليلا.

ومضيت أعرض النثر وكتّابه بمصر بادئا بالرسائل الديوانية منذ أنشأ أحمد بن طولون ديوان الإنشاء واتخذ له كتّابا مجيدين ، ويعنى الفاطميون بهذا الديوان ويشتهر فيه غير كاتب بحسن بيانه وخاصة في الحقبة الأخيرة من أيامهم ، وتبلغ الرسائل الديوانية الذروة الأدبية على يد القاضى الفاضل وزير صلاح الدين ويتألق نجمه وتصبح له مدرسة كبيرة ويتكاثر تلاميذها في بقية أيام الدولة الأيوبية ودولة المماليك وترجمت لأربعة من أعلام الكتابة الديوانية.

وأخذت الرسائل الشخصية تزدهر بدورها منذ زمن الفاطميين واتسع ازدهارها بعدهم وترجمت لثلاثة من أعلامها النابهين ، ويعنى بعض الكتّاب – منذ أيام الفاطميين – بكتابة المقامات وقلّما تقوم على الشحاذة الأدبيّة مثل مقامات الحريري إنما تقوم على بعض مسائل علمية أو على وصف الطبيعة أو على قصص فكه أو على وعظ أو على مفاخرات بين الأزهار أو بين السيف والقلم وما إلى ذلك من موضوعات أدبية وترجمت لأربعة من كتابها البارعين ، وتكثر المواعظ والابتهالات والمناجيات الربانية على نحو ما صوّرت ذلك عند ثلاثة من أعلامها المهمين.

وعرضت – بعد ذلك – أربعة من كتب النوادر هي : كتاب المكافأة لأحمد بن يوسف وهو حكايات قصيرة لطيفة تحض على عمل الخير وكتاب أخبار سيبويه في نقد الحكام والناس ممزوجا بالتّباله وكتاب الفاشوش في حكم قراقوش وكان صلاح الدين ينيبه عنه أحيانا في حكم القاهرة وصوّره ابن مماتى في طائفة من الأحكام الطائشة تحكى غفلته وحمقه وبلهه وكتاب هز القحوف ويكتظ بنوادر لاذعة على لسان أهل الريف المصرى تصوّر بؤسهم أيام العثمانيين ، وتلا ذلك أربع سير شعبية : سيرة عنترة والسيرة الهلالية وسيرة الظاهر بيبرس وسيرة سيف بن ذى يزن وجميعها تصور البطولة العربية وفضائلها الرفيعة.

وعرضت أخيرا كتاب ألف ليلة وليلة وتاريخ نقله إلى العربية وما أضيف إلى قصصه الهندية من قصص بغدادية وقصص مصرية مع بيان ما يتميز به كل نوع من أنواع هذه القصص وقد صاغت مصر الكتاب بلغتها العامية وانتشر بها في العالم العربى منذ عصر المماليك ، وبنفس العامية انتشر في البلاد العربية من قديم ما ألّفته مصر من كتب السير الشعبية المذكورة آنفا سيرة عنترة وأخواتها وكان لذلك أثره الكبير في تعرف تلك البلاد على العامية المصرية قبل العصر الحديث بمئات السنين.

وهذه الدراسة المتشعبة لتاريخ الأدب العربى في مصر أثناء حقب طويلة تمتد من فجر تاريخها العربى إلى العصر الحديث جعلتنى أرجع إلى كل ما استطعت من المصادر والمراجع المتصلة بتاريخ مصر ودولها المتعاقبة وبمجتمعها وطبقاته وشئونه المعيشية والعقيدية وبالحركة العلمية فيها ونموها وازدهارها مع العرض التاريخى لعلمائها الأفذاذ في علوم الأوائل والعلوم اللغوية والدينية والكتابة التاريخية.

ورجعت أيضا إلى كل ما استطعت الاطلاع عليه من الشعر ودواوينه وما اتصل به من الرباعيات والموشحات كما رجعت إلى الكتابات النثرية المتنوعة من مثل الرسائل والمقامات والمواعظ والسير والقصص الشعبية مع رسم الشخصيات الأدبية للشعراء والكتاب النابهيين وعرض خصائصهم الفنية عرضا نقديا تحليليا.

ولا أزعم أنى صورت تاريخ الأدب العربى في مصر قبل العصر الحديث تصويرا كاملا إنما حاولت وأرجو ألاّ أكون قصرت والله أسأل أن يلهمنى السداد في الفكر والإخلاص في القول والعم. وهو حسبى ونعم الوكيل ، القاهرة في ٢٠ من مارس سنة ١٩٩٠ م. شوقى ضيف “.