القضايا القومية

1 / الطابور الخامس

تتعدد الآراء دوما في الأحداث الكبرى التي تمر علينا رغم غرابة الطرح أحيانا عند البعض من أنصار نظرية المؤامرة لكن هذه هي طبيعة وسائل التواصل التي تتيح للجميع التحدث في كل شيء لكن أحيانا يصعق المرء من درجة المبالغة والشطط لدى البعض خاصة عندما تصدر هذه الآراء من أدعياء الحرية وأشباه المثقفين.

ومنها ما حدث اليوم عندما علق بعضهم على استشهاد الصحفية الفلسطينية شيرين أبو عاقلة متهما الفلسطينيين بقتلها لأسباب تآمرية تتعلق بالمقاومة وقناة الجزيرة مع الاستماتة الشديدة في الدفاع عن جيش الاحتلال ومحاولة تبرئته بكل السبل فكانوا ملكيين أكثر من الملك وتبنوا وجهة نظر لم تجرؤ تل أبيب نفسها على فعله.

وعلى الجانب الآخر ينشط دعاة الورع الكاذب والتقوى الزائفة لإثارة مسائل المصير الأخروي للشهيد وجواز الترحم عليه من عدمه وحشر مسألة المعتقد في مواقف لا تحتمل ذلك وكأنهم يملكون مفاتيح الجنة وخزائن رحمة الله ، ولا ينتج عنهم إلا تخذيل وإضعاف المعنويات وتقوية ودعم عدوهم بما صنعوه من تفرقة وفتنة.

وهذه ليست أول مرة بل دائما ما تبرز هذه التحليلات اللوذعية والإفتكاسات الفنكوشية حيث إثارة توافه الأمور أو الدعوة للنوم في فراش العدو ، وربما لا أجد لها تفسيرا مقنعا إلا أن هذه الآراء تصدر عن طابور خامس يسعى جاهدا لنشر القاذورات التي تعبر عن الانفصال التام عن التيار الشعبي العام في الوطن العربي.

والعدو نفسه واضح وصريح فهو يعلن أنه لن يتفاوض حول القدس أو المستوطنات أو حق العودة أو حل الدولتين مما يجعل الصراع دائم الاشتعال ويهدد الأمن القومي لكل دول الجوار ، لكن الأغبياء والجهلة يثيرون القضايا الخلافية أو يعلنون أن الجلاد بريء وأن الضحية هي المجرم في مخالفة للواقع والمنطق والتاريخ

2 / وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون

في العصور الوسطى تأسست أربع دويلات صليبية في كل من الرها وأنطاكية وطرابلس والقدس وشملت مساحتهم الساحل الشامي كله وجبل لبنان بالإضافة إلى فلسطين وشرق الأردن وأعالي الفرات وكذلك إمارة أرمنية تابعة في قليقية وأخرى في جزيرة قبرص ومملكة لاتينية قصيرة العمر في القسطنطينية نفسها بعد انقلابهم على حلفائهم البيزنطيين بالإضافة إلى محاولاتهم المتكررة الفاشلة لغزو مصر وتونس ..

ومثلما يحدث في كل العصور كانت هناك مقاومة مجيدة منذ اليوم الأول تبناها رجال شرفاء رأوا في الصليبيين أعداء دائمين فرفعوا راية النضال بقدر استطاعة كل منهم وأيضا على الناحية الأخرى ظهر أدعياء الواقعية النجسة من الجبناء والخونة الذين يستعملون الحيل النفسية الدفاعية لتبرير موقفهم في مهادنة الفرنجة ومصادقتهم بل والاستعانة بهم ضد منافسيهم من أبناء جلدتهم وإخوانهم في الدين والوطن ..

ومن هذه الحيل ترويجهم أن الفرنجة قد باتوا جيراننا بحكم الأمر الواقع وأنهم يحترمون عهودهم وأنهم أفضل من بعض العرب والمسلمين وأنهم فرسان شجعان يخدمون قضيتهم الروحية بشرف ونزاهة وأن التاريخ كله قائم على الصراع وفرض الوجود بالقوة ، وطبعا تظل هذه الحيل قائمة طالما العدو منتصر فإذا حلت به الهزيمة اختفت هذه الأفكار ووصم أصحابها بالخسة والدناءة في كتب التاريخ ..

ذلك أن دوام الحال من المحال حيث تلقى الصليبيون وحلفاؤهم وأذنابهم أولى الضربات الموجعة بعد خمسين عاما من وجودهم في المشرق عندما قام عماد الدين زنكي بالقضاء على إمارة الرها ثم أعقبه الناصر صلاح الدين بتحرير القدس بعد تسعين عاما من الاحتلال ثم حرر الظاهر بيبرس أنطاكية ثم قضى قلاوون على إمارة طرابلس وأنهى الأشرف خليل بقية الوجود الصليبي في عكا بعد دوامه قرنين ..

وسقطت بالتبعية كل أذنابهم في قليقية وقبرص والقسطنطينية ثم انهارت الإمبراطورية البيزنطية نفسها والتي كانت الداعم الأكبر للصليبيين وذلك بفضل ضربات سلاجقة الروم ثم الأتراك العثمانيين ، ورغم أن التاريخ لا يعيد نفسه إلا أن سلوكيات البشر لا تتغير حيث يعيش بيننا تيار انهزامي متصهين يدعي الواقعية كذبا وهو غير مدرك للتاريخ الذي يتقلب بين طرفة عين وانتباهتها ويتغير من حال إلى حال ..

3 / نهاية العالم ليست غدا

في مسلسل قديم بعنوان (نهاية العالم ليست غدا) يقتنع البطل حسن عابدين في النهاية بنظرية صديقه توفيق الدقن الذي يرى أن كل الشرور في العالم سوف تنتهي مع قدوم غزاة الفضاء حتى ظن الجميع أنه صار مجنونا ، ولا شك أن قطاعا كبيرا من المتابعين للشأن السياسي على وسائل التواصل الاجتماعي قد أصابته لوثة تشبه ما أصاب أبطال المسلسل ويتابع الأحداث من منطلق يشبه التشجيع الكروي والتعصب الرياضي ..

ومن المؤكد أن عملية طوفان الأقصى التي حدثت في السابع من أكتوبر سوف تكون حدثا مفصليا في تاريخ المنطقة حيث جاءت كرد فعل حتمي أمام تصرفات حكومة تل أبيب اليمينية المتطرفة التي ضربت عرض الحائط بكل ما سبق الاتفاق عليه وتوسعت في المستوطنات بالضفة الغربية وسارعت وتيرة تهويد القدس واستمرت في حصار قطاع غزة وتعنتت في موضوع الأسرى الفلسطينيين بكل صلف وغرور ..

وخلال تصاعد الأحداث ترتكب المذابح ضد المدنيين عقابا للفلسطينيين وتهديدا لدول الجوار بتكرار الأمر معهم إذا حدث توسع في الصراع ، والحقيقة أن سلوك تل أبيب العدواني هو الذي سوف يؤجج الحرب بسبب الاندفاع خلف جنون نتياهو ومن معه والذي يعاني من أزمة داخلية قد تودي به في النهاية إلى الانتحار السياسي إذا تراجع والسير نحو المجهول إذا واصل الهجوم على غزة وطالت المدة دون إنجاز حقيقي ..

وتراهن تل أبيب على خوف الدول المحيطة من توسع الحرب والتي لا يريدها أي عاقل لأنها سوف تشمل خمس عشرة دولة على الأقل فيها أقليات متناثرة وعداوات مستترة ومشكلات اقتصادية وحروب أهلية ، ويعلم الجميع أن توسيع الحرب قد يعني غلق المضايق البحرية ووقف تصدير البترول وانهيار اقتصادي في بعض الدول وزوال أنظمة حكم وتغييرات كبرى في خريطة المنطقة قد تصنع فيها فوضى مستمرة ..

والمشكلة أن جنون تل أبيب لا حدود له فربما تحاول دخول سيناء لتطويق غزة من ناحية رفح معتمدة على تفوقها الجوي الذي يعوض ضعفها البري ، وهي تظن مثل أمريكا أن امتلاك الجو رادع للآخرين لكن يمكن أن تنقلب الأوضاع إذا امتلكت دول الجوار منظومات دفاع جوي متطورة ، روسيا فقط يمكنها تزويد الجميع بهذه المنظومات (إذا أرادت) وعندها تندفع الأمور إلى حافة الهاوية وتكون نهاية العالم قريبة جدا ..

4 / الفوضى القادمة

دائما ما تصدر لنا وسائل الإعلام العالمية والعربية مصطلح (المشكلة الفلسطينية) وهو التوصيف غير الدقيق لأن الأصدق هو أن نقول (المشكلة الإسرائيلية) حيث تسببت سياسات تل أبيب في تعقد عملية السلام .. في الماضي القريب كان العالم يتهم العرب بالتعنت لتمسكهم بتحرير كامل الأرض المغتصبة وهو حقهم التاريخي فلما تغيرت مواقفهم بسبب عجزهم عن فعل ذلك وارتضوا حل الدولتين ظهرت النوايا الحقيقية حيث تعتزم إسرائيل السيطرة على كامل فلسطين التاريخية والقدس والجولان ضاربة عرض الحائط بقرارات الشرعية الدولية ..

وترفض تل أبيب التفاوض حول القدس أو المستوطنات أو عودة اللاجئين وتسير في اتجاه تهويد الدولة ونشر المستوطنات في الأراضي المحتلة في الضفة الغربية والقدس وهي المنطقة التي رضي العرب بقيام دولة فلسطينية فيها على حدود 67 وهو ما تسعى تل أبيب للالتفاف من حوله وإفراغ الدولة الفلسطينية من سيادتها بتقطيع أوصالها بحيث تكون في النهاية دولة واحدة في الحقيقة ودولتين ظاهريا .. لكن سوف تبرز مشكلة أخرى وهي التكوين الديموغرافي للأرض بين النهر والبحر حيث إن مجموع السكان العرب فيها يساوي اليهود ..

هذه البقعة من الأرض تحوي يهود إسرائيل (حوالي 7 مليون نسمة) يعيشون في دولة يشكل العرب فيها 20 % من السكان (حوالي 1.8 مليون نسمة وهم عرب 48) فإذا أضفنا إليهم العرب في الضفة الغربية والقدس والتي تريد تل أبيب ضمها (حوالي 4.5 مليون نسمة) وكذلك قطاع غزة الملاصق لها (حوالي 2 مليون نسمة) حيث يمكن للعرب (بدون اللاجئين) أن يكونوا أغلبية أو على الأقل نصف السكان لو خضعت المنطقة فعليا تحت حكم دولة واحدة كما تهدف تل أبيب في النهاية .. ولذا فسوف يكون خيار حل الدولتين أقرب شيء للمنطق والواقع ..

وهذا الأمر يتوقف على الإجابة على سؤال هام وهو هل تسعى إسرائيل بالفعل للعيش المشترك في سلام وأمان مع جيرانها أم تسعى للهيمنة وفرض الأمر الواقع بالقوة .. وحتى لو ظلت متفوقة عسكريا على جيرانها مجتمعين فكيف ستقوم بحل القنبلة الديموغرافية الفلسطينية التي تحيط بها من الداخل والخارج .. ماذا ستفعل مع خمس السكان في داخلها إذا سعت لتهويد الدولة .. وماذا ستفعل مع سكان الضفة وغزة المحيطين بالدولة ومستوطناتها من كل جهة .. هل تصدر المشكلة إلى دول الجوار وتفتح باب الفوضى في المنطقة .. ربما نعم !!

5 / عودة الحاج عنتر

الرفاق حائرون يتساءلون .. كيف تغيرت الأوضاع في المنطقة بين عشية وضحاها ، وسوف تتضح الإجابة عند معرفة التشخيص السليم حيث كان النفوذ مقسما بين طرفين الأول يعلن أنه زعيم محور المقاومة وتمتد أذرعه في كل مكان والثاني يعلن أنه بلطجي المنطقة والوكيل عن البيت الأبيض فيها ، وعندما حدث الصدام بينهما تراجعت أسهم الأول بسبب التردد وكثرة حساباته المعقدة بينما تفوق خصمه بتجاوزه لكل الخطوط الحمراء.

لكن في غمرة الأحداث ونشوة الغرور أخطأ خطأ فادحا عندما بالغ في رد الفعل على ما أصابه من صفع وتلطيش خلال عام كامل وأقدم على تصفية أعدائه في الجبهة الشمالية وهو الأمر الذي أخل بالتوازن الطبيعي للقوى في المنطقة رغم أنه انتقم بما فيه الكفاية ولم يستمع لصوت العقل ، وهذا الأمر أتاح للطرف الثالث وهو الذئب المتربص أن يتقدم ليقلب الطاولة على رؤوس الجميع في حركة من تأليف وإنتاج وإخراج الباب العالي.

وفي أيام معدودة قام السلطان العثماني بإخراج المارد من القمقم ليحقق جملة أهداف منها القضاء على نظام معادي له وحل مشكلة اللاجئين وضبط أكبر حدود برية له ثم القضاء على صداع الأكراد للأبد والأهم أنه يدشن نفسه زعيما جديدا للمنطقة بشكل عملي وفعال ، وهذا المارد الجديد ليس غريبا عن الجميع بل هو معروف للقاصي والداني .. إنه الحاج عنتر شخصيا .. أبو موتة المرعب .. عبد الملك زرزور في ثوبه الجديد.

وهو عدو تقليدي مخيف لكلا الطرفين أصابهما بهستيريا لأنه الآن صار على مرمى حجر من كل منهما وسط ترحيب شعبي وقبول بل وتشجيع مستمر ، ولا يمكنك أن تلوم الناس لأن أصحاب البيادة كانت وطأتهم شديدة على البشر حتى أنهم باتوا يفضلون أصحاب الرايات السوداء على ما هم فيه من ظلم وبؤس وفقر خاصة وقد عاد بوجه جديد فيه التزام بتعليمات المؤلف والمنتج والمخرج (وهو مضطر لذلك لأسباب محلية ودولية).

لم يكن هجوما عشوائيا مثلما اعتدنا من قبل وإنما تحرك منظم يحمل معه قدرات إدارية وفنية عالية الكفاءة لتنظيم شئون المدن والبلدات ورعاية المصالح المباشرة للمواطنين بعيدا عن الشعارات الرنانة ، وجاء في توقيت مناسب وضمن تفاهمات عجلت بإنجاز المهمة وأثبتت أن التغيير حتمي وأن النصر للشعوب في النهاية وأن المعلم عسران الضبع الذي يخيف بلدة بكاملها هو في حقيقته (مخوخ من الداخل) وإزالته أسهل من شكة الدبوس.

إن مشهد تحرير المعتقلين من السجون ثم الصلاة في المسجد الأموي يداعب الآن أحلام الملايين في بقاع شتى ويثير لديهم تطلعات تكرار ذلك وشعارهم (لا يفل الحديد إلا الحديد) بينما يعاني آخرون من كوابيس مخيفة وتبول لا إرادي لأن القادم ليس ذلك الرجل الطيب الذي يتولى بالانتخاب ويعزل بالانقلاب ، والعاقل من اتعظ بغيره (والأفضل أن تحلق لنفسك قبل ما يقرر الحاج عنتر إنه يقوم بحلاقة رأسك على طريقته).

ما حدث هو زلزال رهيب يفوق ما حدث من سنوات عندما أحرق بوعزيزي نفسه وأطلق شرارة الأحداث ، ولو اتبعنا التفكير المنطقي ومددنا الخط على استقامته فإن الخطوة التالية سوف تكون في بنغازي وأجوارها ثم تبدأ أحجار الدومينو في التساقط ، ربما نحتاج كثيرا من الحكمة والتعقل وحسن التدبير من قبل من بيده الأمر لأن الرسالة الضمنية من خلال كل ذلك تقول بوضوح : انتهى الربيع العربي وبدأ خريف الغضب.

6 / المسار المنطقي للتاريخ

المسار المنطقي لأحداث التاريخ في اتجاه معين لا يعني بالضرورة أنه على الطريق الصحيح لأن تقييم الأمور السياسية من منطلق الصحة والخطأ هي مسألة نسبية تماما ، فما يراه البعض غزوا يراه الآخرون فتحا وما يعتبره بعضهم هزيمة يسميه الآخرون نكسة وما يسميها بعضهم ثورة يظن آخرون أنها مؤامرة وربما يوصف شخص بأنه متشدد ورجعي في وقت ما ثم يصير في زمن لاحق رئيسا في بلاده ونجما لامعا في عالم السياسة الدولية.

وسبب الصدمة عند الكثير من المتابعين للشأن العام تأتي من أسباب عدة منها التشخيص الخاطىء للمواقف والأحداث ومنها التحليل الساذج المتوافق مع الأمنيات ومنها الحكم بالمعايير الأخلاقية على الوقائع الكبرى ومنها إغفال المقدمات التي أدت إلى تلك النتائج غير المتوقعة ، ومن هنا يأتي الخوف من المستقبل وسيناريوهاته المرعبة التي يظنها البعض مستحيلة الحدوث ثم تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن لكنها تأتي في الحقيقة وفق المسار المنطقي.   

والتاريخ هو محصلة صراع القوميات والشعوب على الأرض والموارد باستعمال القوة العسكرية والهيمنة الفكرية ، ويتحكم في ذلك عوامل شتى اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية في فوران دائم وحركة لا تهدأ لكنها تصنع نوعا من التوازن الظاهري الذي يمكن له أن يختل عند أول منعطف ، وهذا هو ما حدث في الربيع العربي الذي كان حتمي الحدوث لأنه في الحقيقة خطوة جاءت وفق المسار المنطقي لتنهي حقبة زمنية وتبدأ حقبة أخرى.

وقد جاءت التغيرات بسبب انتهاء فترة صلاحية النظم الجمهورية العسكرية التي تأسست بعد الحرب العالمية الثانية ورفعت شعارات القومية ومقاومة الاستعمار وقتها ، وهي تشبه غسالة الملابس التي تعطلت عن مهمتها لكنها تواصل الدوران وتنثر المياه خارجها وتصدر ضجيجا عاليا وتصعق من يلمسها فهي في حالة نشاط زائف وحركة ظاهرية لكنها بالفعل تلفظ أنفاسها الأخيرة وتنتظر فقط من يقوم بفصل التيار الكهربائي عنها للأبد.

إذن نحن اليوم نعيش مرحلة انتقالية تغرب فيها نجوم آفلة دأبت على وصف نفسها بالزعامات  التاريخية وتشرق فيها شمس تيارات جديدة انبعثت من وسط الشعوب وتماهت مع ثقافتها وتقاليدها وأثبتت قدرتها على منافسة الأنظمة القديمة المتخشبة بل وأطاحت ببعضها وسط ظروف دولية وإقليمية مواتية مما ينذر بتكراره في الجوار وهو الأمر الذي يثير الفزع والرعب لدى الباحثين عن الاستقرار الوهمي ومن يتمسكون بأهداب الخيال.

وقديما قال الحكيم العربي (كل ما هو آت آت) بمعنى أن الشيء المقدر حدوثه سوف يحدث بالفعل ، وليس ذلك لأنه يوافق أمنيات البعض وإنما لأنه محض نتيجة لمقدمات صنعت ذلك ولم يعد أمام القديم إلا إصدار الضجيج والمزيد من الضوضاء الإعلامية وإطلاق الأبواق الناعقة التي تدفع باتجاه الحفاظ على ما هو قائم وتتوسل للجميع حتى لا يعجل أحدهم بالضربة القاضية وتحذر الشعوب من فكرة التغيير وأنه ليس في الإمكان أبدع مما كان.

ويتشنج عواجيز الفرح في الإعلام ووسائل التواصل مهاجمين تيارات التغيير بكل الوسائل الممكنة مثل الطعن في الدين وتشويه كل مخالف والضرب في الثوابت الوطنية والتشكيك في وحدة الأمة وتخويف واستثارة الأقليات واصطناع هويات قومية وهمية وزائفة  ، وهذا الصياح لن يؤخر نفسا إذا جاء أجلها ولا يغني حذر عن قدر ومن يحمل القربة المخرومة فسوف تخر على رأسه ومن سار في طريق الوحل فهو حتما سوف يسقط فيه.

كل المقدمات تخبرنا أن مرحلة زمنية بكاملها قد انتهى عمرها الافتراضي لصالح بديل متوقع وهو الذي سوف تبدأ معه مرحلة زمنية جديدة ، والتاريخ لا يعيد نفسه لأن الأحداث الفاصلة قد تتخذ صورا شتى ولا تكرر نفسها فأحيانا تكون هزيمة عسكرية بطعم النكسة وأحيانا تكون وسط خريف الغضب وأحيانا تأتي من خلال ثورة شعبية في الميادين وربما تكون نابعة من سبب آخر لا يمكن تخيله مثل الفشل الاقتصادي المتراكم والعجز عن إصلاحه.

وقد يسأل سائل عن إمكانية تجنب ذلك إذا حدثت انفراجة في الأفق السياسي لكن الإجابة غالبا سوف تكون سلبية لأن كل الشواهد الماضية تؤكد أن الأنظمة الشمولية لا تستمع لصوت أحد ولا تقبل النصيحة من الناصحين ولديها قدر من الكبر والعناد والعنجهية والإحساس المتنامي بفرط القوة فلا تدرك الحقيقة إلا عندما تنزل المصائب فوق دماغها وتزلزل الأرض من تحتها ويكون الوقت قد فات وسبق السيف العذل ووقعت الفاس في الراس.

وهنا يكون السؤال المنطقي ما هو الحل في ظل قديم متصدع وجديد متوقع ، لا شك أن هناك أطروحات عديدة عند الباحثين والمفكرين والسياسيين تحاول استشراف المستقبل ومحاولة الإجابة على هذا السؤال منها ما هو مثالي وخيالي ومنها ما هو واقعي وبراجماتي لكن المهمة الحقيقية سوف تكون من نصيب القطاع الأهلي من مؤسسات وجمعيات وتعاونيات ومبادرات يمكنها أن تسهم في تهذيب مسار التغيير وحماية السلم الاجتماعي.

من الأهمية بمكان لرواد العمل الاجتماعي في الكفور والنجوع والبلدات والقرى أن يترسموا طريق المستقبل وأن يتبينوا مواضع أقدامهم وأن يكونوا مستعدين لأي احتمال وأن يتجهزوا لكل طارئ لأنهم صمام النجاة الوحيد أثناء الأزمات والعواصف بل ربما يتحمل القطاع الأهلي عبئا كبيرا في إدارة المرحلة الانتقالية والضغط على القادم الجديد وكبح جماح غروره المتوقع وإقناعه أن نجاحه ليس بسبب مهارته وصفاته وإنما فقط هو المسار المنطقي للتاريخ.

7 / محاولة للفهم .. مذكرات نائب الرئيس

مرثية هيلبيلي هو عنوان الكتاب الذي أصدره نائب الرئيس الأمريكي الحالي جي دي فانس ويحكي فيها سيرته الذاتية وكيف نشأ في منطقة فقيرة ثم كافح وتعلم حتى صار من المحامين اللامعين ومن الناشطين في العمل العام ، وقد نجح بعد ذلك في انتخابات مجلس الشيوخ وصار سيناتور ولاية أوهايو وهو بعمر الثامنة والثلاثين ثم اختاره ترامب ليكون نائبا له في فترته الثانية وهو بعمر الأربعين.

وقد صدر الكتاب في عام 2016 م. بعنوان ” مرثية هيلبيلي : مذكرات عائلة وثقافة في أزمة ” ودخل ضمن قائمة نيويورك تايمز للكتب الأكثر مبيعًا ووصفته الصحيفة بأنه واحد من أفضل ستة كتب تساعد على فهم فوز ترامب ، وفي عام 2020 م. تحول الكتاب إلى عمل سينمائي أنتجته نتفلكس وقدمت فيه نموذج فانس الذي يعبر عن الملايين من الأمريكيين البيض ومشكلاتهم الاجتماعية والاقتصادية.

ووصفت صحيفة واشنطن بوست فانس بأنه صوت حزام الصدأ وهي منطقة تضم عدة ولايات مجاورة للبحيرات العظمى عانت من تدهور اقتصادي خلال العقود الماضية ، وفي الكتاب يقول جي دي فانس : ” أتعاطف مع الملايين من الأميركيين البيض من الطبقة العاملة من أصل أسكتلندي أيرلندي والذين لا يحملون شهادات جامعية ، بالنسبة لهؤلاء الناس الفقر هو التقليد العائلي”.

ويرى فانس أن هذه الفئة من السكان قد ساهمت في تأسيس نهضة أمريكا في الماضي حيث يقول : ” أسلاف هؤلاء الأميركيين كانوا عمالا باليومية في اقتصاد العبيد الجنوبي ، ثم مزارعين وعمال مناجم الفحم وعمال الميكانيكا والمطاحن لاحقا ، يطلق عليهم هيلبيلي Hillbilly ، أو ريدنيك Redneck ، أو وايت تراش White trash ، أنا أسميهم الجيران والأصدقاء والعائلة “.

وكلمة هيلبيلي تعني سكان التلال (جبال الأبالاش) وهو مصطلح يعبر عن نمط متواضع من المعيشة ، وقد كانت هذه الفئة من السكان تميل في الماضي للحزب الديموقراطي بما فيهم فانس نفسه بسبب تبني الديموقراطيين في الماضي لقضاياهم ومشكلاتهم لكن مع ظهور ترامب استطاع اجتذاب قطاع كبير من الناخبين في هذه الولايات ووعدهم بمميزات تفضيلية في فرص العمل بدلا من المهاجرين.

ورغم أن خطاب ترامب لهم كان اقتصاديا في ظاهره إلا أنه جاء متزامنا مع نزعة قومية تمجد فكرة العرق الأبيض (الأمريكان من أصول أوروبية) وتعيد إليهم الاعتبار بوصفهم الرواد الأوائل للأمة الأمريكية ودعوة مبطنة لاستعادة الهوية المفقودة من وجهة نظرهم وكذلك إعادة تعريف لثقافة جمهور عريض من الناخبين حقق الأغلبية في مجلسي الشيوخ والنواب وحكام الولايات وأعاد ترامب للبيت الأبيض.

8 / محاولة للفهم .. حرب الدولار

(ماجا MAGA) هو شعار حملة ترامب الانتخابية وهو اختصار لبضع كلمات تعني اجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى : (Make America Great Again) ، وسياسته الحالية تنطلق من هذا الشعار حيث يتكلم بكل ثقة عن تغييرات جغرافية تمس سيادة الدول وتعديلات في حدودها أو معاقبة بعضها مثل مشروعاته في جرينلاند وكندا والمكسيك وبنما وغزة وأوكرانيا وجنوب أفريقيا وغيرها من المناطق.

ويظن البعض أنه يفعل ذلك بسبب غرور القوة باعتبار أمريكا القوة العسكرية الأكبر في العالم لكن الحقيقة أنه يسعى لوقف الحروب وتقليل ميزانية البنتاجون وتحجيم المؤسسات الفيدرالية مثل المخابرات المركزية (سي آي إيه) وغيرها ، لكنه يعلن عن حرب أشد فتكا وأعمق تأثيرا وهي الحرب الاقتصادية التي يستعمل فيها سلاح الدولار حيث الملعب الذي يجيد فيه ويستطيع أن يحقق من خلاله الكثير من الأهداف.

وعندما يقطع ترامب معوناته المالية عن أوكرانيا فهذا يؤدي إلى وقف الحرب وعجزها عن استرداد خمس أراضيها من الاحتلال الروسي بل ربما تنتهي الأمور بسقوط النظام السياسي في كييف ، وهكذا فإنه لا يلتفت للأحلاف العسكرية وإنما يهدد التجمعات الاقتصادية مثل البريكس ويسعى لتفكيكه أو على الأقل إنهاء فاعليته وتحويله إلى منتدى أو رابطة لا تشكل تهديدا حقيقيا لمكانة الدولار العالمية.

وهذه الحرب ليس فيها طائرات ولا دبابات ولا نيران مشتعلة أو بيانات عنترية وإنما ساحات المعركة الجديدة سوف تدور في أروقة المؤسسات المصرفية والبورصات العالمية والبنك الدولي وصندوق النقد ، ولذا فإن تأثيرات كبرى سوف تطال دول عالم الجنوب في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية التي لا تستطيع معاداة أمريكا ولا مقاطعة الصين التي تشكل القطب الثاني في هذا الصراع البادي في الأفق.

وفي هذا السجال سوف تنعدم تأثيرات المؤسسات التقليدية يمكن لأمريكا أن تنسحب من مهامها في منظمة الصحة العالمية واتفاقية المناخ ومؤسسات الإغاثة العديدة ووكالات التنمية والقروض والمنح ، لكن لا يعني ذلك استسلام الدول للأمر الواقع بل الحقيقة هي فرصة للخروج من فلك الهيمنة الأمريكية وصناعة نمط اقتصادي جديد يحقق لها استقلال القرار السياسي والقدرة على رفض الإملاءات الخارجية.

سوف يكون هناك صراع إرادات حيث يجب على دول عالم الجنوب السعي نحو التعاون الاقتصادي المشترك على غرار منظة عدم الانحياز قديما والتي لعبت دورا سياسيا بارزا أثناء الحرب الباردة بالإضافة إلى حتمية الإصلاحات الهيكلية في النظم الاقتصادية لمواكبة هذا الصراع القادم ، أما إذا غاب ذلك فسوف تنجح أمريكا في تركيع دول الجنوب وتجويعها وتغيير نظمها السياسية بسلاح الدولار

9 / محاولة للفهم .. الصعود إلى الهاوية

في سنوات قليلة صعد الرئيس الأوكراني زيلنسكي سريعا في سماء النجومية واحتفل به الغرب وصنع منه رمزا بل وفرضوا وجوده في كافة المنتديات والمحافل وتقمص الممثل القديم دور (شجيع السيما) ، لكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن لأن وصول ترمب للرئاسة غير كل المعادلات وقلب الطاولة على الجميع حيث أعلن بوضوح أنه قد بدأت ساعة الحساب وحان وقت تسديد الفواتير.

وبدلا من أن يرسل ترمب لأوكرانيا وزير الدفاع كالمعتاد أرسل هذه المرة وزير الخزانة ليعرف مصير مليارات الدولارات التي تلقاها زيلنسكي ويحدد الطريقة التي تضمن بها أمريكا استعادة هذه الأموال ، وكان زيلنسكي يعتقد أنه يستحق كل هذا الدعم بسبب دوره في الأمن الإقليمي وموقفه السياسي لكن ترمب لا يهمه ذلك بل قال صراحة إن أمواله ذهبت إلى حكومة مهترئة وجيش فاسد.

وسوف يتم حل المسألة الأوكرانية بين ترمب وبوتين دون أن يشارك في المفاوضات ممثلون عن أوكرانيا أو الأوروبيين حيث أعلن ترمب أن أمريكا سوف تحصل على الثروة المعدنية الأوكرانية مقابل ما دفعته من أموال في السنوات الماضية بينما سوف تحتفظ روسيا بشبه جزيرة القرم والأقاليم الأربعة التي احتلتها والتي تعادل خمس مساحة أوكرانيا وهو ما يعني إعلان استسلام البلاد.

وهي رسالة ضمنية من ترمب للجميع أن أمريكا سوف تدفع دولاراتها للحكومات مقابل التبعية وليس من أجل سواد عيونها وأن كل شيء بمقابل حيث يمكن أن يكون هذا المقابل أي شيء مثل الأرض أو ثرواتها أو تنازلات سياسية أو عسكرية ، في المقابل قد يكون عاقبة تحدي أمريكا هو الحرمان من الغذاء أو الدواء أو الوقود أو التقنية بل إن السلاح نفسه بدون الدولار يصبح قطعة خردة.

وقطع المعونة عن أوكرانيا سوف يؤدي في النهاية إلى سقوط نظامها السياسي وهو ما يعني أن روسيا سوف تكون الفائز الأكبر لأنه في ظل هذه (التفاهمات) فإنها قد استعادت نفوذها السابق حيث استولت على جزء من أرض أوكرانيا وضمنت حيادها العسكري وعدم انضمامها إلى حلف الأطلنطي أو الاتحاد الأروبي بل ربما يتم الترتيب لتأسيس نظام جديد موالي لروسيا مثلما كان من قبل.

وفي سبيل هذه الغنيمة الكبرى تخلت روسيا في مقابلها عن نفوذها في سوريا والسودان وليبيا ومناطق أخرى لأن أوكرانيا تمثل لها ثقلا في العمق الاستيراتيجي ، ولا يمكن أن تحصل على كل هذا المكسب مجانا وإنما دفعت في مقابله تنازلات سياسية واقتصادية وفق طريقة ترمب في عقد الصفقات لتكون النهاية المسرحية للمهرج هو خروجه من المشهد بعد انتهاء دوره وقبل أن يسدل الستار.

10 / محاولة للفهم .. الغسالة القديمة

عندما ظهر التليفون المحمول وبدأ ينتشر في دول العالم أوصت جهة حكومية في دولة من جمهوريات العالم الثالث بحظر هذا الاختراع الجديد عن عموم المواطنين بحجة أن استعمال الموطنين له سوف يشكل خطرا على الأمن القومي ، وأوصت أن يقتصر الاستعمال على أبناء الطبقة الحاكمة من العسكريين والعاملين في أجهزة الدولة العليا وهو الأمر الذي صار مستحيلا بعد ثورة الاتصالات العالمية.

وهذا المنطق يعبر عن انفصال زمني في التفكير وطريقة صناعة القرار لأن عددا من الأنظمة العسكرية التي تأسست بعد الحرب العالمية الثانية قد انتهى عمرها الافتراضي فعليا ، ويشبه ذلك غسالة الملابس الأسطوانية القديمة عندما تنتهي فترة صلاحيتها فلا تقوم بوظيفتها وإنما تكتفي بالدوران العبثي وإصدار ضجيج عال وتنثر المياه حولها في عشوائية وتسبب تماسا كهربيا لمن يقترب منها ليحاول إصلاحها.

وكانت هذه الجمهوريات قد أسست شرعية وجودها على فكرة استقلال القرار الوطني بعد حقبة الاستعمار ومناطحة القوى الكبرى ورفع شعارات تحدي الإمبريالية العالمية ومقاومة المؤامرات الدولية ، وفي مقابل ذلك احتكرت السلطة والثروة ومنعت وجود بدائل مدنية لها يمكن أن تحل محلها سواء ليبرالية أو يسارية بسبب طبيعتها الإقصائية وإصرارها على احتكار مفاهيم الوطنية والهوية القومية.

وفي مقابل ذلك وعود للمواطن بالرفاهية الاقتصادية بديلا عن مشاركته في الحياة السياسية لكن بسبب التكلس والجمود انحدرت الأحوال المعيشية وحدث الفشل الاقتصادي وتزامن ذلك مع تراجع دورها الحقيقي في تحقيق الاستقلال الفعلي ، وتولدت لدى الأنظمة الرغبة في التفرد بالعلاقة الملتبسة مع الدول الغربية التي تقوم على روابط وثيقة في الباطن وشعارات مكافحة المؤامرات الغربية في ظاهر الأمر.

وخلال عقود طويلة لم يكن هناك متنفس للمواطن إلا من خلال التيارات الدينية بتنويعاتها المختلفة والتي نشأت في زمن سابق لهذه الأنظمة لأن انسداد مجرى المياه الطبيعي يؤدي حتما إلى مسارات بديلة ، وهي نابعة من ثقافة المجتمع المحلي وقادرة على منافسة الأنظمة بل وإزاحتها والحلول محلها إذا أعادت ترتيب أوراقها وجددت أفكارها وظهرت في المستقبل بوجه غير الذي ظهرت به أول مرة.

وسوف يحدث ذلك عاجلا أو آجلا لأن بقاء الحال من المحال وأن القديم فقد مقومات وجوده ورفض الإصلاح ، وهناك ترحيب دولي حذر بالبديل الذي كان مرفوضا من قبل لأنه اليوم قد يكون متوافقا مع المتغيرات وقادرا على النجاح في الإدارة وتفادي الانهيار الاقتصادي الشامل ، ولن ينفع وقتها شعار أنا أو الفوضى لأنه يجب تفادي هاوية سحيقة يمكن تصويرها من جوجل بينما لا زالت عليها لافتة قديمة صدئة تقول : ممنوع الاقتراب والتصوير.